المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح الحديث الشريف -


سوسن
05-09-2011, 02:25 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 007 - 119 ) : من دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-04-20

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ما معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس من دروس السيرة النبي عليه الصلاة والسلام, رسول من عند الله عز وجل يوحى إليه:
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة يونس الآية:15]
معنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه, أي: أن كل شيء جاء به هو حق مطلق.
إليكم بعض المشاهد من الكتاب والسنة على أن ما جاء به النبي إن في الكتاب أو السنة وحي من عنا الله:
1-مشهد من الكتاب :
أيها الأخوة الكرام, أضع أيديكم على بعض الشواهد:
الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قال:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾
[سورة البقرة الآية:173]
العالم حينما كفر برسالة السماء, وحينما أدار ظهره لشريعة الخالق, وتحرك وفق ما يمليه عليه عقله, والعقل أعظم شيء خلق الله عز وجل, لكن هذا العقل محدود المهمة, كيف أن العين مهما ارتقت, ومهما دقت, ومهما كان نظرها حاداً, تحتاج إلى نور, كي يكون النور وسيطاً بين العين وبين الأشياء, لو أطفأنا الأنوار كلها, ما قيمة العين؟ هذا المثل ذاته ينطبق على العقل.
العقل أعظم جهاز أوضعه الله في الإنسان من دون استثناء, ولكن العقل وحده من دون هدى من الله ضل, والدليل:
العالم الغربي بأكمله اعتمد على العقل وحده, وكفر بالأديان كلها, ما الذي حصل؟ حصل: أن البشرية ضلت سواء السبيل, قدمت هذه المقدمة, لأن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:
((ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنأ واحد من الناس, -ثلاثة قال-؛ ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف فيها, ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى انصرف عنها, وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى))
فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء بالقرآن الكريم, وجاء بسنته المطهرة, ويجب أن نعلم علم اليقين: أن القرآن الكريم وحي الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المطهرة.
علماء الأصول قالوا:
((القرآن الكريم وحي متلو, والسنة المطهرة وحي غير متلو, وكل شيء قاله النبي من عند الله))
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة يونس الآية:15]
الله عز وجل حرم الميتة, والدم, ولحم الخنزير, ما الذي حصل الآن؟.
هذا البقر أطعموه الميتة, والدم, ولحم الخنزير, أطعموه الجيف, أطعموه مشيمات النساء من المستشفيات, أطعموه لحم الكلاب الميتة, أطعموه الدم, ما الذي حصل؟
أصيب البقر بمرض اسمه: الاعتلال الدماغي الإسفنجي, اصطلح على تسميته اختصاراً بجنون البقر, هذا المرض ينتقل إلى البشر, ليته بقي في البشر, هذا المرض ينتقل إلى البشر, لذلك الآن: دول أوروبا كلها منعت استيراد لحوم البقر, ودهون البقر, وشحوم البقر, وأحشاء البقر, ومخلفات البقر, وروث البقر, وجلود البقر, وألبان البقر, ومشتقات ألبان البقر, وكل ما يتصل بالبقر بصلة, لأن الإنسان إذا تناول هذا اللحم المصاب, أصيب بمرض آخر اسمه: الاعتلال الدماغي الإسفنجي, هذا الإنسان؛ يفقد ذاكرته, يفقد نطقه, يفقد توازنه الحركي, يفقد توازنه الحركي كذلك, يفقد التوافق العضلي, ومن أول ظهور أعراض هذا المرض, إلى نهاية الإنسان, المدة أقل من سنة, يموت الإنسان, حسناً: ما الذي حصل؟.
الذي حصل: أنهم غيروا خلق الله, يغيرون خلق الله, والعالم كله -كما تسمعون, وكما ترون-, يضج بهذا المرض, الذي اضطر البريطانيون إلى أن يعدموا أحد عشر مليون, قيمتها ثلاثة ومليون مليار جنيه إسترليني.
إذاً: الذي جاء به النبي؛ إن في القرآن الكريم, وإن في السنة المطهرة, ليس من عنده:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية:4]
2-مشهد من السنة :



لا زلنا في موضوع الطعام, النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((كلوا الزيت وادهنوا به))


[أخرجه الترمذي في سننه]
ودرسنا اليوم السيرة, لكن هذه السيرة محورها: دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام إلى سنتين ليس غير.
كان الشائع في الأوساط الطبية: أن الزيت يؤذي الإنسان, ثم اكتشف: أن قيمة الزيت العلاجية, تفوق قيمته الغذائية, أي: أن أمراض الكوليسترول, وأمراض الضغط, وأخطر الأمراض: تصلب الشرايين, وأمراض المفاصل؛ المفاصل, تصلب الشرايين, أمراض الكوليسترول, ارتفاع الضغط, كل هذه الأمراض, زيت الزيتون يقي منها.
فالآن: هناك اتجاه إلى الإكثار من استعمال زيت الزيتون, لا على أنه غذاء, بل على أنه دواء.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((كلوا الزيت وادهنوا به))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وقد تاه الأطباء عشرين أو ثلاثين عاماً, وهم يحذرون من تناول زيت الزيتون, مع أن زيت الزيتون هو الدواء.
قال عليه الصلاة والسلام:
((كلوا الزيت وادهنوا به))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يجب أن نعلم: أن الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام وحي يوحى.
من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم :
النبي عليه الصلاة والسلام: أمرنا أن نذبح الذبيحة من أوداجها, دون أن نقطع رأسها, العصر الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم, وكل مراكز الحضارات التي عاصرت النبي؛ حضارة الروم, حضارة الفرس, حضارة الهند, كل الحضارات التي عاصرت النبي صلى الله عليه وسلم, وعصر النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه, وإلى ألف عام, وإلى ألف وأربعمئة عام بعده, كل المعطيات العلمية, لا تسمح بتفسير هذا التوجيه, لماذا نقطع أوداج الخروف, ونبقي رأسه؟ لم لا نقطع رأسه كلياً؟ كما تفعل الآن معظم المسالخ في العالم: تعلق البقرة أو الخروف, وتقطع الرؤوس كلها, فرق كبير جداً بين الحالتين.
القلب, الآن اكتشف بعد ألف وخمسمئة عام: أن القلب البشري ينبض ثمانين نبضة, هذا النبض النظامي, يتلقى الأمر من القلب نفسه, يوجد في القلب ثلاثة مراكز كهربائية؛ مركز أول, وثان, وثالث, إذا تعطل الأول عمل الثاني, تعطل الثاني عمل الثالث, إلا أن هذه المراكز الكهربائية في القلب, تمد القلب بالنبض النظامي.
الإنسان حينما يواجه خطراً, حينما يواجه عدواً, حينما يضطر أن يركض, حينما يضطر أن يبذل جهداً, لا بد من ضربات أخرى استثنائية, تكافىء الجهد الإضافي, لذلك: القلب يتلقى أمراً عن طريق الدماغ بالضربات الاستثنائية, فالقلب ينتقل نبضه من ثمانين نبضة في الدقيقة إلى مئة وثمانين نبضة في الدقيقة, مهمة القلب بعد الذبح: إخراج الدم كله من الذبيحة, لأن الدم نجس.
لو أنك قطعت رأس الخروف, أو البقرة, أو الجمل, قطعاً كلياً, تعطل الأمر الاستثنائي, بقي القلب ينبض على الأمر الطبيعي النظامي ثمانين ضربة, وهذه الضربات الثمانين, لا تكفي لإخراج الدم من الذبيحة, إذا بقي رأسه معلقاً, جاء الأمر الاستثنائي عن طريق الدماغ, لرفع ضربات القلب إلى مئة وثمانين ضربة, عندئذ: هذا النبض السريع, يخرج الدم كله من الذبيحة, الذي قاله النبي في عصره.
أعود وأقول لكم: كل مركز الحضارات في عصر النبي صلى الله عليه وسلم, وإلى ألف عام أو أكثر, ليس فيها من التقدم العلمي ما يكفي لتفسير هذا التوجيه الكريم, هذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في الصحة :
شيء آخر: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام له توجيهات كثيرة جداً من قبيل الصحة. فمثلاً:
قال: الإنسان إذا تناول الطعام:
((بحسب ابن آدم لقيمات, فإن كان -لا بد فاعلاً-؛ فثلث لطعامه, وثلث لشرابه, وثلث لنفسه))
[أخرجه الترمذي عن مقدام بن معد يكرب]
هذا حديث صحيح, الإنسان له أن يشرب مع الطعام, وكان كل الأطباء لثلاثين عام سابقة, يحضرون على الإنسان: أن يكثر من شرب الماء مع الطعام, لماذا؟.
قال: لأن العصارة الهاضمة تتمدد, ثم اكتشف قبل عام أو أكثر: أن شرب الماء مع الطعام بلا حدود, مما يزيد عملية الهضم, لأن الماء يحرض العصارات الهاضمة على الإفراز, والماء يخلل هذه العصارات إلى سنيات الطعام, والماء يقلب قوام الطعام من قوام جامد إلى قوام لزج, وهذا يعين على هضمه.
ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
فالذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام هو الصواب, طبعاً: ليس هناك مجال للحديث عن كل شيء قاله النبي, لكن يجب أن نعلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس كما يتوهمه بعض الناس عبقري, هو رسول الله, لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, وفرق كبير بين أن تعتقد أنه عبقري, ومصلح اجتماعي, يعني: حكم عقله, وجاء من اجتهاداته, وبين أن تعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام يوحى إليه, ومعنى أنه يوحى إليه: أن يتلقى الحقيقة الصرفة المطلقة, فلذلك: لن تجد إنساناً أو أمة, خالفت منهج رسول الله, إلا ودفعت الثمن باهظاً, لن تجد.
يعني: حينما أطعمنا الأبقار مسحوق لحوم الجيف, وحينما أطعمنا الأبقار الدماء المجمدة المجففة, وحينما أطعمنا الأبقار مخلفات المشيمات التي تضعها النساء, هذا البقر مصمم ليأكل النبات, فلما أطعمناه هذا الطعام المحرم, أصيب بهذا المرض, وهذا المرض ينتقل لبني البشر.
هذا ما كشفه العلم :
أيها الأخوة الكرام, كلما تقدم العلم, كشف أن الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام حق مطلق:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
[سورة النجم الآية:3]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية:4]
شيء يلفت النظر: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال في حديث صحيح:
((ما عام بأمطر من عام))
هذا الكلام كيف نتحقق منه؟.
الآن: بعد أن أمكن قياس كميات الأمطار الهاطلة في العالم, كل بلد عندها مراكز رصد لكميات الأمطار, بشتى بقاع الأرض, الآن في حقيقة يعلمها علماء الجغرافية, هذه الحقيقة: أن كمية الأمطار الهاطلة في العالم, لا تزيد ولا تنقص في كل الأعوام, إلا أن كميات تنتقل من مكان إلى مكان, فإذا كان هناك فيضانات في الهند, جفاف في الشرق الأوسط, ثلوج كثرة في أوربا, جفاف في أفريقيا, أما كميات الأمطار لا تزيد ولا تنقص على مر العصور والأيام على مستوى الأرض.
حسناً: كيف يقول عليه الصلاة والسلام:
((ما عام بأمطر من عام))
لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً: أن كل شيء قاله النبي عليه الصلاة والسلام وحي يوحى.
شيء آخر: النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث صحيح, قال عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح:
((ستعود بلاد العرب مروجاً وأنهاراً))
متى ستعود بلاد العرب مروجاً وأنهاراً؟ أي أنها كانت.
والآن: الربع الخالي في الجزيرة العربية, كشف عن ما تحت الرمال, فإذا حضارة عريقة, إذا قصور, وبساتين, وقنوات, ومجاري, ومسارح, معنى ذلك: أن الربع الخالي كان مروجاً وأنهاراً, ثم جاء الجفاف, وجاءت الرمال, فغطت هذه المعالم.
قال عليه الصلاة والسلام:
((ستعود بلاد العرب مروجاً وأنهاراً))
وهذه كلها أحاديث صحيحة, وردت بالبخاري ومسلم.
إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام من خلال أحاديث, يعطينا دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم, فدنو البشر الذي خرج عن منهج الله, والذي غير خلق الله, أدى إلى جنون البقر.

هذا ما يستند عليه النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه عن شيء :
أيها الأخوة, الإنسان صفاته الجسمية, العقلية, والاجتماعية, والنفسية, كمال في الرجل, وصفات المرأة الجسمية, والعقلية, والنفسية, والاجتماعية, كمال فيها, والرجل والمرأة متكاملان, هذه فطرة الله عز وجل, فلما اتجه الذكر إلى الذكر, نشأ مرض الايدز, وهذا المرض يئن منه البشرية.
أيها الأخوة, تصوروا دولاً عظمى, تملك مئات ألوف ملايين, تملك أعلى مخابر في العالم, تملك أعلى طاقة فكرية في العالم, كل هذه الدول تقف مكتوفة الأيدي, أمام أضعف فيروس على الإطلاق, كل عشر ثوان يموت إنسان في أمريكا بمرض الايدز.
في بعض الدول بأفريقيا, نسبة المصابين سبعين بالمئة من الشعب, في التقدير الأولي: أن هناك سبعة عشر مليون مصاب بالإيدز في العالم.
حسناً: النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إذا كنتم في بلد فيها طاعون, إذا كنتم في هذا البلد, لا تخرجوا منها))
أما توجيه النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الدخول واضح, لئلا نصاب بالعدوى, أما عدم الخروج, لم يكن له تفسير سابق, الآن اكتشف: في إنسان له صحيح, وله مريض, هذا الإنسان حامل مرض, هو صحيح, لكنه يحمل الجرثوم, فلما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن خروج إنسان مقيم في بلد, مصابة بمرض عضال, هذا النهي مستند إلى أساس علمي, ولن تزيد الأيام السنة إلا تألقاً.

هذه من سنن نبيك صلى الله عليه وسلم يا مسلم :



قال عليه الصلاة والسلام: ((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً, فإن الكباد من العب))


وقال عليه الصلاة والسلام:
((من أكل التراب, فقد أعان على قتل نفسه))
من أكل: يعني من أكل فاكهة دون أن يغسلها, كأنه أكل التراب, معنى ذلك: هناك جراثيم ربما تفتك بالإنسان, هذه التوجيهات الصحيح.
قال:
((كان عليه الصلاة والسلام يشرب قاعداً, ولا يشرب واقفاً))
ولما قال:
((مصوا الماء مصاً))
يعني: الإنسان, الماء قد يكون بارد, اثنان أو ثلاثة, فإذا شربه غباً, انتقل الماء إلى جوفه مباشرة, والجوف سبع وثلاثون حرارته, هذا الفرق الحراري يحدث صدمة, ما هي الصدمة؟ قال: هناك عصب اسمه العصب الحائر المبهم, هذا العصب بين القلب والرئتين.
ويوجد اثنتا عشرة حالة في العالم موت مفاجىء, من شرب الماء البارد دفعة واحدة, العصب متصل بين المعدة والقلب, اسمه العصب المبهم, أو العصب الحائر, اسألوا عنه الأطباء يعرفونه, هذا العصب إلى الآن لم تعرف وظيفته بعد, إلا أنه متصل بين المعدة والقلب, فأي إحداث تأثير جاد, وفي المعدة, ربما انتقل هذا التأثير إلى القلب, ونهاه عن الحركة.
فالنبي قال:
((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً, فإن الكباد من العب))
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام وصل في سنته التي أوحاها الله إليه, إلى أدق التفاصيل في العلاقات الحميمة بين الزوجين, فقد نهى النبي الأزواج أن ينصرفوا عن أزواجهم, قبل أن يقضي الزوجة حاجاتها, وفي هذا ظلم لها, وتعقيد لها, من وصف هذه الأشياء الدقيقة.
لو تتبعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا ما قرأت :
قرأت مرة: أن طبيباً لامعاً, بحسب علمه, يقترح أن يأكل الإنسان صباحاً خمسين بالمئة من حاجته الغذائية, الإنسان له حاجة يومية, يجب أن يأكل صباحاً خمسين بالمئة, السبب: لأن هذه الوجبة يليها ثماني ساعات عمل, أما وجبة الظهيرة, ينبغي ألا تزيد عن خمسة وثلاثين بالمئة, أما وجبة العشاء ينبغي ألا تزيد عن خمسة عشر بالمئة؛ خمسون, خمسة وثلاثون, خمسة عشر, الناس بالعكس, يعمل عشاء دسم, يذهب ينام, استيقظ صباحاً, كله للتخزين يذهب, أثناء يجب أن تحرق, ليس آكلاً صباحاً, أثناء يجب أن يحرق, ليس آكلاً, يدوخ.
أيها الأخوة, ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟.
قال:
((أذيبوا طعامكم بذكر الله, ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))
تقسو القلوب.
يعني: هذا الشريان .........

هذا ما قاله الطبيب :
مرة سألنا طبيب, قلنا له: لو أن إنساناً نجا من أمراض القلب, والرئتين, والكبد, أمراض المفاصل, أمراض الأمعاء, أمراض الكولون, ما الذي يميته؟.
سألنا طبيباً فقال: لو أن الإنسان نجا من كل الأمراض, يموت بمرض اسمه تصلب الشرايين, فالإنسان عمره من عمر شرايينه, لو نجا من كل الآفات, ما الذي ينهي حياته؟ تصلب الشرايين, لأن القلب -أيها الأخوة- مضخة, والشريان أنبوب مطاطي, فإذا ضغط القلب الدم إلى الشريان, الشريان مرن, يتوسع بحسب الضغط, يتوسع, كأن تنفخ بالون يتوسع, لأن الشريان مرن إذا توسع, ما معنى مرن؟ ينبغي أن يعود إلى ما كان عليه, فإذا عاد إلى ما كان عليه, صار قلب الشريان, الشريان نقل الدم الحركة, هذه حركة قلب, فكل الشرايين في الجسم قلوب القلب, يضخ الدم الشريان, يتجاوب معه, يتوسع, يرتاح القلب, يتوسع, ثم يضغط, ينقل الدم لمحل ثان, وهكذا الشريان, إذا فقد مرونته, وتصلب جهد القلب, أكثر أمراض القلب, سببها: تصلب الشرايين.
فالنبي قال:
((أذيبوا طعامكم بذكر الله, ولا تناموا عليه –على الطعام- فتقسو قلوبكم))
أن الإنسان لما يكون مستلق, هذا الدم يمشي ببطء شديد, هذا القلب في الليل يضرب حوالي خمس وخمسين ضربة, فالدم يمشي ببطء, ماذا يوجد من مواد دهنية, تترسب بالجدران, تعمل كوليسترول, تعمل تصلب شرايين, فلذلك: هذا من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.
والله -أيها الأخوة- لو أمضينا وقتاً لا حدود له في دراسة توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا ما دهش به هذا الشخص من أمريكا :
أنا جاءني شخص من أمريكا, مدهوش بندوة تلفزيونية, رآها حول: أن ركوب الخيل يقي أمراض القلب, والكبد, والكليتين, بينما ركوب السيارة المريحة الفخمة, تجلب أمراض القلب, والكليتين, والكبد, تجلب, معنى: كل شيء الله صممه, هذا التصميم رائع جداً, فما علينا إلا أن نعكف على سنة النبي عليه الصلاة والسلام, ندرسها حديثاً حديثاً, ونعتقد اعتقاداً جازماً: أن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى.
أعود فأقول: عود على بدء: أن سيدنا سعد بن أبي وقاص, قال:
((ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس؛ ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها, ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما أقول حتى أنصرف فيها, ولا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, إلا علمت أنه حق من الله تعالى))
فكل إنسان يطبق السنة, يسعد في حياته.

متى يعذبنا الله سبحانه وتعالى, ومتى لا يعذبنا؟ :



آخر شيء أقوله لكم: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾


[سورة الأنفال الآية:33]



يعني: إذا كان سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة فينا؛ في بيوتنا, في أعمالنا, في محلاتنا التجارية, في بيعنا, في شرائنا, ما كان الله ليعذبنا, وإذا ما طبقنا: هناك عذاب لا يحتمل: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾


[سورة البقرة الآية:286]
تشاهدون: كيف أن الناس يحملون ما طاقة لهم به؟:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
[سورة الأنعام الآية:65]



صواعق أو صواريخ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾


[سورة الأنعام الآية:65]
زلزال أو ألغام:
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
[سورة الأنعام الآية:65]
انظر الآيتين:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
[سورة الأنفال الآية:33]
فإن لم تكن سنة النبي فينا, يعذبنا ربنا عز وجل:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة هود الآية:113]
﴿لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة هود الآية:113]
إذا ركنا إلى الذين ظلموا؛ إلى مبادئهم, إلى عقائدهم, إلى أنماط حياتهم, إلى سلوكهم, إلى قيمهم, إلى وسائلهم في احتفالاتهم, إلى صحونهم, إذا ركنا إليهم, مسنا العذاب, والله سبحانه وتعالى لا ينصرنا.
خاتمة القول :
أيها الأخوة, فهذا الدرس فيه دلائل نبوة النبي, وفيه أن الإنسان إذا خالف منهج رسول الله, سوف يدفع الثمن باهظاً, والعالم كله الآن يدفع أفدح الثمن, لأنه خالف سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام, والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا, أكرمنا ولا تهنا, آثرنا ولا تؤثر علينا, أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم, الفاتحة.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:30 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 008 - 119 ) : ما هي فحوى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام؟ وما هي بعض وصاياه لأصحابه ولأمته؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-05-18

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما, وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مفتاح الدرس :
حدثنا أبو النضر قال:
((حدثنا الحكيم بن فضيل, عن خالد, عن أبي تميم, عن رجل من قومه, أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وآتاه رجل, فقال: أنت رسول الله؟ أو قال: أنت محمد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم, قال: فإلام تدعو؟ –يعني: ما ملخص دعوتك؟ ما فحوى دعوتك؟- قال عليه الصلاة والسلام: أدعو إلى الله عز وجل وحده, من إذا كان بك ضر فدعوته, كشفه عنك.
-الآن: النبي عليه الصلاة والسلام: سيشرح لهذا الرجل ضعيف الثقافة, يشرح له مفهوم الألوهية بشكل مبسط-.
أدعو إلى الله عز وجل وحده -التوحيد من الله- من إذا كان بك ضر فدعوته, كشفه عنك, ومن إذا أصابك عام سنة فدعوته, أنبت لك, ومن إذا كنت في أرض قفر فأضللت فدعوته, رد عليك))
يعني: أضللت بعيرك.
لماذا خلق الإنسان هلوعاً؟ :
لماذا ربنا سبحانه وتعالى خلق الإنسان هلوعاً؟ هكذا قال:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:19]
﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:20]
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:21]
﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
[سورة المعارج الآية:22]
هذا ضعف خلقي, هذا ضعف في أصل خلقه, ولا ذنب له به, شديد الخوف, فإذا أوتي شيئاً؛ شديد الحرص, شديد الخوف, وشديد الحرص.
والحقيقة: أن هذين الضعفين الخلقيين لصالحه, شديد الخوف, فإذا خاف التجأ إلى الله, وأقبل عليه, واصطلح معه, وتاب إليه, وإذا كان حريصاً على ما بيده فقربه, تقرب إلى الله, الخوف يدفعه, والإنفاق يقربه, لو لم يكن حريصاً على ما بيده, وأنفق المال, لا قيمة للمال عنده, ولا قيمة لهذا الإنفاق أصلاً, لأنه حريص على ما بيده, من مال, أو متاع, أو دار, أو دكان, لحرصه على ما في يده, فإذا أنفق يرقى, ولشدة خوفه, فإذا ما خاف يلتجىء, فهذا الضعفان الخلقيان هما لصالحه, كما لو جعلت في آلة بالغة التعقيد, غالية الثمن, عظيمة النفع, قاطع ضعيف, وصلة ضعيفة, جوز, فإذا جاء التيار عالياً, لئلا تحرق الآلة الغالية, يحرق هذا الفاصل أو الواصل, فتتفادى بحرقه تلف الآلة, فهذا ضعف في خلق الإنسان:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:19]
﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:20]
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية:21]
ما الحكمة من هذه المصائب التي ابتلي بها الإنسان؟ :
أيها الأخوة, وفوق أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان هلوعاً, هناك آلاف, وأقول: آلاف, بل عشرات الألوف من السيوف المسلطة على رأس الإنسان, كم مرض في الأرض؟ هناك أمراض تصيب العينين, هناك أمراض تصيب الدماغ, هناك أورام خبيثة, هناك أمراض تصيب القلب, تصيب دسامات القلب, تصيب كهرباء القلب, أمراض تصيب المعدة, الأمعاء, التنفس, العضلات, الأمراض لا تعد ولا تحصى, وكلها سيوف مسلطة على الإنسان.
كم من احتمال أن يصاب الإنسان بأولاده, أو بزوجته؟ كم من احتمال أن يقل دخله؟ أن تكسد تجارته؟ أن تضعف ملكاته؟ أن يفقد ذاكرته؟ أن يفقد أضلاعه؟ كل هذه الأخطار, مضافاً إليها هلع الإنسان الشديد, من أجل أن تلتجىء إلى الله, إن التجأت إليه؛ هو يطمئنك, هو يلقي في قلبك السكينة, هو يلقي في قلبك الأمن والاستقرار, هو الذي يلقي في قلبك الثقة بالمستقبل, هو الذي يلقي في قلبك السعادة, فخلقك هلوعاً, وجزوعاً, ومنوعاً, لصالحك, وجعل هذه السيوف فوق رؤوسنا جميعاً, من أجل أن نقبل عليه؛ لذلك قالوا:
((من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة, فمصيبته في نفسه أكبر))
هذا ما أدهشني :
الذي أدهشني: أن النبي عليه الصلاة والسلام, وهو في أعلى مراتب العلم, نزل إلى مستوى هذا الأعرابي, ليبين له مفهوم الألوهية, قال:
((أنت محمد؟ أو أنت رسول الله؟ قال: نعم, قال: فإلام تدعو؟ قال: أدعو إلى الله عز وجل وحده, وأن المساجد لله))
﴿فلا تدعو مع الله أحداً﴾
يجب أن تكون الدعوة في بيت الله إلى الله وحده, ولا يحتمل بيت الله دعوة إلى غيره, وأن المساجد لله:
﴿فلا تدعو مع الله أحداً﴾
قال له:
((أدعو إلى الله عز وجل وحده))
الألوهية مع التوحيد, من هو الله بالتعريف المبسط؟.
وأحياناً: يقول بعض العلماء:
((هذا من السهل الممتنع))
شيء يبدو بسيط, أما لن تستطيع أن تقلده.
معنى هذه المقاطع من هذا الحديث :
قال:
((من إذا كان بك ضر فدعوته, كشف عنك -هذا الضر؛ مرض, في خوف, في شبح مصيبة, في عدو متآمر, وفي انقباض-, ومن إذا أصابك عام سنة فدعوته, أنبت لك.
-هو الذي ينبت الزرع والزيتون, هو الذي يكشف الضر-, ومن إذا كنت في أرض قفر فأضلك بعيرك فدعوته, ردها لك))
هذا هو الله:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية:4]
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية:60]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية:60]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[سورة البقرة الآية:186]
فإنسان لا يوجد عنده مشكلات.
صدقوني أيها الأخوة, ما هذه المشكلات إلا أن ترقى بها إلى رب السموات والأرض, ما أصابنا من مصيبة, فلكي ننطلق منها إلى الله عز وجل, كي نندفع بها إليه.
هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل :
قال له:
((من كان بك ضر فدعوته, كشفه عنك, ومن إذا أصابك عام سنة فدعوته, أنبت لك, ومن إذا كنت في أرض قفر فأضللت, فدعوته, رد عليك, قال: فأسلم الرجل, ثم قال: أوصني يا رسول الله.
-ما معنى: أوصني؟ الوصية شيء مقدس, الموصي دائماً في القمة من العلم, والخلق, والحب, عليم ويحبك-.
قال: أوصني يا رسول الله, قال: لا تسبن شيئاً))
الآن: أكثر الناس يلعن الساعة التي عرف فيها زوجته, يلعن الساعة التي رأى الزبون, دائماً يلعن.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((أنا لم أبعث لعاناً))
دائماً يلعن, النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((أنا لم أبعث لعاناً))
قال:
((مالك يا بنيتي؟ قالت: حمى لعنها الله -السيدة فاطمة- قال: لا تلعنيها, فو الذي نفس محمد بيده, لا تدع المؤمن وعليه من ذنب))
هذا ما أؤكده العلماء :
العلماء يؤكدون: أن كل المصائب التي تصيب المؤمن مكفرة له لذنوبه.
((وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن, وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها؛ سقماً في جسده, أو إقتاراً في رزقه, أو مصيبة في ماله أو ولده, حتى أبلغ منه مثل الذر, فإذا بقي عليه شيء, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
يعني: إذا وصلنا إلى شفير القبر كما ولدتنا أمهاتنا, فنحن من أسعد السعداء.
قال عليه الصلاة والسلام في وصيته الثمينة:
((لا تسبنَّ شيئاً))
ليس في الكون شر مطلق, في شر موظف للخير المطلق, الله عز وجل لا يمكن أن يكون موجوداً, وفي الكون شر مطلق, في شر مبطن, شر نسبي.
انظر إلى وفاء هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام :
النبي قال:
((لا تسبنَّ شيئاً, أو قال: أحداً, قال: فما سببت بعيراً ولا شاة منذ أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم))
انتهى, يعني ........
أحياناً: الإنسان فقد مركبته, فقد سيارته, فقد بعيره, فقد غنمته.
قال:
((ما سببت بعيراً ولا شاة منذ أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم))
من تتمة وصية النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الرجل :
قال له:
((ولا تزهد في معروف, إنما خلقت من أجل المعروف.
-لذلك: الإنسان حينما يأتيه ملك الموت, يندم على ماذا؟:
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾
[سورة المؤمنون الآية:99]
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾
[سورة المؤمنون الآية:100]
له تجارة معطلة, قد يكون تاجر بناء ما أنهى البناء, قد يكون مستورد ما أنهى الصفقة, يقول:
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾
[سورة المؤمنون الآية:99]
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾
[سورة المؤمنون الآية:100]
قال له-: ولا تزهد في معروف.
-أن تلقى أخاك بوجه طلق, أن ترحب به, أن تبتسم في وجهه, هذا معروف, هذا يؤنس.
أحياناً: الإنسان يضن على من حوله بابتسامة, يضن على من حوله بكلمة, يضن على من حوله بسلام, يضن على من حوله بسؤال, وهذا من أشد أنواع البخل, كلمة لا تكلف شيئاً.
يعني: أحياناً: الإنسان يكون حوله أشخاص دونه, لو سألهم عن صحتهم, عن أولادهم, عن أحوالهم, كيف أحوالكم؟ لملأ قلبهم رضى-.
لا تزهد في معروف.
-ولو منبسط وجهك إلى أخيك, وأنت تكلمه-.
وأفزع من دلوك.
-في إناء المؤاثرة, حياة المؤمن مبنية على المؤاثرة-.
واتزر إلى نصف الساق, فإن أبيت فإلى الكعبين, وإياك وإسبال الإزار, فإنها من المخيلة))

والله تبارك وتعالى لا يحب المخيلة.
هذا هو الله جل جلاله :
أيها الأخوة, من هو الله؛ الذي إذا دعوته أجابك؟ إذا سألته أعطاك؟ إن استغفرته غفر لك؟ إن تبت إليه تاب عليك؟.
((لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد, والعقيم الوالد, والظمآن الوارد))
((إذا رجع العبد إلى الله ناد مناد في السموات والأرض: أن هنئوا فلاناً, فقد اصطلح مع الله))
والحقيقة: التهنئة, الحقيقة: يوم تصطلح مع الله, وتستقيم على أمره, ومن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل :
عن معاذ رضي الله عنه قال:
((أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات, قال: لا تشرك بالله شيئاً.
-لأن الشرك ظلم عظيم, ولأن الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾
[سورة النساء الآية:48]
وﺇن قتلت, وحُرّقت, ولا تعقنَّ والديك, ولا تعقن والديك, -لأنه:
((ليعمل العاق, ما شاء أن يعمل, فلن يُغفر له))
اللذان كانا سبب وجودك, لا يمكن أن يقبلك الله وأنت عاق لهما, لذلك قال تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
[سورة الإسراء الآية:23]
رفع الإحسان إلى الوالدين, إلى مستوى عبادة الله, لأن العطف يقتضي المشاركة-.
وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك, ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً.
-لأن هذه الصلاة من تركها فقد كفر.
((لا خير في دين لا صلاة فيه))
((الصلاة عماد الدين, من أقامها فقد أقام الدين, ومن هدمها فقد هدم الدين))
الصلاة عبادة أساسها الاتصال بالله, من ثمارها نور يقذفه الله في قلبك, لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((الصلاة نور, والصلاة طهور, والصلاة حبور))
يعني: طهور, ونور, وحبور, أي سعادة, لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((أرحنا بها يا بلال))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
والصلاة معراج المؤمن, والصلاة عقل:
((ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها))
والصلاة مناجاة:
((لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل))
والصلاة ميزان:
((فمن وفى استوفى))
هي نور, وطهور, وحبور, وميزان, وعروج, ومناجاة, وعقل:
﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾
[سورة النساء الآية:43]
هذه الصلاة من أداها كما أمر الله عز وجل, أنجاه الله من النار-.
فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمداً, فقد برئت منه ذمة الله, ولا تشربن خمراً, فإنه رأس كل فاحشة.
-في قصة رمزية: أن خير إنسان بين أن يشرب الخمر, وبين أن يزني, وبين أن يقتل, فتوهم أن أقل هذه الأشياء: أن يشرب الخمر, فلما شرب الخمر, فزنا وقتل, جمع الشر كله في بيت, ثم أفرج عليه, فكان مفتاحه السكر.
((وما أسكر كثيره فقليله حرام, وما أسكر قليله فملء الكف منه حرام))
((ومن شرب الخمرة -هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم- وقع على أمه, أو عمته, أو خالته))
يعني: زنا المحارم أسبابه: شرب الخمر, زنا المحارم.
قال-: وإياك والمعصية, فإن بالمعصية حل سخط الله.
-يعني: كفاك على عدوك نصراً, أنه في معصية الله:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية:71]
الفوز العظيم في طاعة الله, أنت بالكون تعرفه, وبالشرع تعبده-.
وإياك والفرار من الزحف, وﺇن هلك الناس, وإن أصاب الناس موت فاثبت, وأنفق على أهلك من طولك, ولا ترفع عصاك عنهم أدباً, وأخفهم في الله))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص :
هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا سعد بن أبي وقاص:
((أخفهم في الله, لا ترفع عنهم عصاك أدباً, أنفق على عيالك, من طولك, من مالك, إذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم, فاثبت -أي لا تهرب-, وإياك والفرار من الزحف, ولا تشربن خمراً, فإنه رأس كل فاحشة, وإياك والمعصية, فإن بالمعصية يحل سخط الله عز وجل))
هذا ما قاله معاذ بن جبل :
ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يقول معاذ بن جبل:
((كان آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت رجلي في الغرز –ليسافر- أن قال: يا معاذ, أحسن خلقك للناس))
[أخرجه مالك في الموطأ]
لأن الخلق الحسن هو جوهر الدين, وأساس الخلق الحسن: الإيمان.
كلمة مهمة :
أيها الأخوة, أحياناً: الإنسان يوصي رجل كبير, يوصي رجل خبير, يوصي رجل عليم, يأخذ هذه الوصية, ويحفظها, ويطبقها, وكأنها شيء ثمين, فكيف إذا أوصاك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه أرحم الخلق بالخلق, وأعلم الخلق بالخلق, هو أعلمنا, وأرحمنا, وهذه وصيته, فلذلك: احفظوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته :
ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثتنا أم سلمة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه:
((الصلاة -أي عليكم بالصلاة- وما ملكت إيمانكم))
هؤلاء الذين تحت أيديكم, هؤلاء الذين عهد الله إليكم أمرهم.
((الصلاة وما ملكت إيمانكم))
يعني: أوصيكم بالصلاة, وأوصيكم بما ملكت إيمانكم, لأن قلب المؤمن إذا كان متصلاً بالله عز وجل, يفيض رحمة, والرحمة تسبب اللين, لذلك قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
يعني: لينك, ومحبتك, وتواضعك, بسبب رحمة استقرت في قلبك:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
لو لم تكن هذه الرحمة في قلبك:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
معنى: في قانون أنت متصل, معنى في رحمة بقلبك, هذه الرحمة تحملك على اللين, وهذا اللين يجمع الناس حولك, لو كنت منقطعاً, لخلا قلبك من الرحمة, فكان فظاً غليظاً, هذا يجعل الناس ينفضون من حولك.
إذاً: قانون الالتفاف, أو الانفضاض؛ اتصال: رحمة, التفاف, رحمة, لين, انقطاع: قسوة, فظاظة, تفرق, إن أردت أن تجتمع الناس حولك, فكن ليناً:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية:159]
الوصية الأخيرة في هذا الدرس :
آخر وصية من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدث عثمان بن أبي العاص, قال:
((آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أممت قوماً, فأخف بهم الصلاة))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
يعني: الإنسان لا يكون منفراً.
قال سيدنا معاذ وقد قرأ الواقعة بكاملها, قال:
((أفتان أنت يا معاذ؟ روحوا القلوب ساعة بعد ساعة, فإن القلوب إذا كلَّت عميت))
كان عليه الصلاة والسلام يتخللنا بالموعظة, فلذلك: الإنسان إذا صلى منفرداً, فليطل ما شاء, أما إذا أمّ الناس, عليه أن يخفف من صلاته, لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي صلاة الفجر, وقد سن لنا أن نقرأ الصفحات الطويلة في صلاة الفجر, لأنها ركعتان.
والإنسان بعد استيقاظ, ونوم مريح, ومع ذلك: مرة في أحد المرات, كان عليه الصلاة والسلام يؤم الناس في صلاة الفجر, فعلى غير عادته قرأ أقصر سورة وسلم, فعجب الصحابة الكرام, فقال عليه الصلاة والسلام:
((سمعت طفلاً يبكي, ينادي أمه ببكائه, فأردت أن أرحمها))
فقرأ أقصر سورة وسلم, لذلك قال تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:55]
من معاني المعتدين: الدعاء الطويل.
أحياناً: الدعاء نصف ساعة, ساعة أحياناً الدعاء, فالدعاء ينبغي أن يسبقه تضرعاً, وأن يسبقه صوتاً منخفضاً, وألا تكون معتدياً, لأن الله لا يستجيب دعاء المعتدين.
خاتمة القول :
أيها الأخوة الكرام, هذه بعض وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم, أضعها بين أيديكم, فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بها, إلا أن ملخص الدرس: أن هناك أخطاراً لا تعد ولا تحصى, مسلطة فوق رأس الناس؛ أنواع الأمراض, وأنواع المصائب, وأن الإنسان في الأصل خلق هلوعاً, وما خلقه هلوعاً جزوعاً منوعاً, إلا ليفر إلى الله عز وجل إذا خاف, وليتقرب إليه بما هو حريص عليه, وهذا ملخص الدرس, والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا, أكرمنا ولا تهنا, آثرنا ولا تؤثر علينا, أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم, الفاتحة.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:31 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 009 - 119 ) : أحاديث تبدأ بكلمة (ويل)- ما هي الأخطار التي حذرنا منها النبي عليه الصلاة والسلام من خلال هذه الأحاديث؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-06-01

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
مقدمة :
أيها الأخوة الكرام, في الدرس الماضي: ذكرت شرح بعض الأحاديث الشريفة, التي بدأت بقوله صلى الله عليه وسلم:
((طوبى))
واليوم نأخذ زمرة ثانية, طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, تبدأ بكلمة: ويل, والويل هو الهلاك, الإنسان قد يخسر بعض حاجاته, أما حينما يهلك, ينتهي.
هناك مجموعة موضوعات ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام, ربما كانت سبب هلاك الإنسان.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((ارحموا تُرحموا))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
في حديث آخر قدسي:
((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
في حديث ثالث:
((من لا يرحم لا يُرحم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده]
من هم أقماع القول, ومن هم المصرون؟ :
((ارحموا تُرحموا, واغفروا يُغفر لكم, ويل لأقماع القول.
-من هم أقماع القول؟ الذين يستمعون إلى الحق ولا يطبقونه.
لو أنك ألقيت دلو ماء في أنبوب, ليس له قعر هذا الأنبوب, هل يمسك شيئاً؟ أبداً, هناك أشخاص يستمعون ويصغون, أما على حيز التطبيق: لا ترى من قناعاتهم شيئاً مطبقاً في حياتهم-.
ويل للمصرين, الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
لأن الله سبحانه وتعالى وصف في قرآنه الكريم المؤمنين, الذين إذا أخطؤوا:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية:135]
لم يصروا, ويل رجلان؛ رجل استمع إلى الحق, ولم يطبق منه شيئاً, كان كالوعاء بلا قعر, مهما ألقيت فيه من الحق لا يمسك شيئاً, هذا الإنسان ربما أهلك نفسه بهذه الطريقة, والإنسان الثاني: هو الذي ألف شيئاً من معاصي الله, من المخالفات, فأصر عليها, ولم يحدث نفسه بالتوبة منها, كل إنسان لا يحدث نفسه بالتوبة, من ذنب وقع فيه, أو لا يحدث نفسه بتطبيق ما يسمع, فقد أوصل نفسه إلى الهلاك.
يقول عليه الصلاة والسلام في الجامع الصغير:
((ارحموا ترحموا, واغفروا يُغفر لكم, ويل لأقماع القول.
-يعني: كأن هذا الإنسان قمع, القمع معروف, مهما ألقيت فيه من السوائل لا يمسك شيئاً-.
ويل للمصرين, الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
طوبى لمن, وويل لمن؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر:
((طوبى للعلماء, طوبى للعبّاد, ويل لأهل الأسواق, الذين شغلتهم تجارتهم عن ذكر الله))
أهل الأسواق, الذين شغلوا بدنياهم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية:9]
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾
[سورة النور الآية:36]
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾
[سورة النور الآية:37]
فالتجارة مسلية, وجذابة, وقد يستهلك الإنسان وقتاً طويلاً دون أن يشعر؛ قد يفوته فرض صلاة, قد تفوته طاعة, قد يفوته عمل صالح, فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
((طوبى للعلماء, الذين عرفوا ربهم وأطاعوه, أو طوبى لمن أطاع الله وحده))
المطيع لله يسمى عابداً, والعالم هو الذي عرف الحكمة, العابد مقاومته هشة؛ لا يصمد أمام الفتن, لا يصمد أمام الضغوط, لا يصمد أمام المغريات, لا يصمد أمام الشبهات, شبهة تفتنه, ضغط شديد يصرفه, وإغراء لماع يحوله, أما العلم, العلم سلاحه؛ فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
((فضل العالم على العابد, كفضلي على أدناكم.
-المسافة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو سيد الخلق, وبين أقل مؤمن على وجه الأرض, هي نفسها بين العلماء وبين العباد-.
فضل العالم على العابد, كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب))
ما هو السلاح الذي ينبغي على المسلم أن يتخذه في مجتمع الفتن والشهوات؟ :
مرة ثانية: إذا كان في عصر سابق, يمكن أن نحيا بالتقليد, يمكن أن نسلم بالتقليد.
قبل مئة عام, أو مئتي عام, المجتمع تحوطه غاية الله؛ الفتن قليلة, الشهوات نائمة, بمثل هذه العصور, يمكن أن تكون عابداً ناجياً, لكن في عصر الفتن فيه مستقرة, والشهوات ملتهبة, والمعصية في كل مكان, والدنيا خضرة نضرة, في مثل هذا المجتمع لا يصلح له إلا الإيمان, إلا العلم, العبادة وحدها لا تكفي.
كما قلت قبل قليل: العابد مقاومته هشة, ضغط يسير يفتنه, إغراء يسير يصرفه, شبهة تفتنه, لأن الله سبحانه وتعالى: أرادنا أن نطلب العلم.
((الناس رجلان؛ عالم ومتعلم, ولا خير فيمن سواهما))
((يا بني الناس ثلاثة؛ عالم رباني -كلام سيدنا علي-, ومتعلم على سبيل نجاة, وهمج رعاع أتباع كل ناعق, لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق, فاحذر يا كميل أن تكون منهم))
لذلك:
((طوبى للعلماء, طوبى للعباد, ويل لأهل الأسواق, الذين تشغلهم تجارتهم وبيعهم عن ذكر الله))
ما المقصود من فهم هذه الأحاديث؟ :
((اليد العليا خير من اليد السفلى))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
((ليس الفقير الصابر بأقل أجراً من الغني الشاكر))
((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف))
لا ندعوكم إلى ترك أعمالكم, ولا إلى ترك تجاراتكم, ولا إلى ترك بناء أمتكم, ولا بناء وطنكم, ولكن ندعوكم إلى التوازن, ألا تغلب الدنيا على الآخرة, ألا ننسى طاعة لله من أجل الدنيا, ألا ننسى عملاً صالحاً من أجل الدرهم والدينار, لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((تعس عبد الدرهم والدينار, تعس عبد الخميصة –ثياب, يعني: يخشى على أناقته, فلا يصلي حفاظاً على بنطاله مثلاً, هذا عبد للثياب, ينسى طاعة الله من أجل الثياب.
رجل يلبس ثياباً فارهة, اقترب منه فقير في عهد النبي, فابتعد منه وخشي أن يمسه, فقال عليه الصلاة والسلام: يعني خشيت أن يعديه غناك, أم أن يعديك فقره؟.
يعني: إذا اقترب منك, يصبح غنياً, أم تصبح أنت فقيراً؟ نعم.
ف-: تعس عبد الدرهم والدينار, تعس عبد الفرج, تعس عبد البطن, تعس عبد الخميصة))
المعنى المخالف: سعد عبد الله.
ما مطالب هذه الأحاديث؟ :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((العدد دين))
وعد الحر دين.
((ألا لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له))
إن وعدت عليك أن توفي, لأن هذه العدة سماها النبي عليه الصلاة والسلام ديناً, دين في رقبتك, طبع المؤمن لا يُكثر من الوعود, لا يلقي الوعود جزافاً, لا يعد إلا إذا تأكد أنه سيفي, لأن وفاء العهد من الإيمان.
((العدد دين))
((ويل لمن وعد ثم أخلف, ويل لمن وعد ثم أخلف, ويل لمن وعد ثم أخلف))
لأن الإنسان المؤمن له مكانة دينية, فإذا وعد ولم يوف, هذا الذي وعد, يتهمه بالكذب, يتهمه بإخلاف الوعد, وكلكم يعلم: أن الإنسان له عدالة, وله ضبط, الضبط صفة عقلية, أما العدالة صفة نفسية, ما لو لزم العدالة.
((من عامل الناس فلم يظلمهم, وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, ووجبت أخوته, وحرمت غيبته))
من أركان العدالة :
أحد أركان العدالة: أن تفي بوعدك, بالمقابل: معنى ذلك: الإنسان الحصيف الموفق, لا يعد إلا إذا كان متأكداً أنه سينجز وعده, أما هذا الذي يعد أطفاله, زوجته, وعود بلا طائل, ثم يظهر أمامهم أنه يخلف وعوده كلها.
يعني: طفل صغير صغير جداً, أربع, خمس سنوات, وعدته جدته أن تأخذه مساء إلى نزهة, هي لا تعني ما تقول أبداً, لا تنوي أن تذهب إطلاقاً, لكن أرادت أن تسكت بكاءه, فلما جاء الوقت الموعود, ولم تأخذه إلى النزهة, هو طبعاً: يعيش في بلاد أخرى, قال لها: أنت كذابة, المؤمن إذا وعد وفى.
بالمناسبة: لا تستهن بالصغار, هذا الصغير إذا وعدته, عليك أن توفي له وعده, لأنك إذا عدته, وما وفيت, علمته الكذب, وعلمته إخلاف الوعد, وعلمته أن هذا الكلام لا معنى له.
متى يكفر الإنسان بالكلمة؟ :
الإنسان متى يكفر بالكلمة؟ إذا لم ير لها رصيداً في الواقع.
الآن: معظم كلام الناس ليس له معنى, أنهم لا يعنون ما يقولون, لذلك: الناس الآن كفروا بالكلمة, لمجرد أن تحدثهم, يقول لك: صف كلام, فلسفة, كلام فاض, هذه التهم من أين جاءت؟ جاءت من إنسان تكلم كلاماً لا يعنيه.
((من عد كلامه من عمله نجا, ومن عد كلامه من غير عمله هلك))
((العدَد دين, ويل لمن وعد ثم أخلف, ويل لمن وعد ثم أخلف, ويل لمن وعد ثم أخلف))
لأن:
((إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي, ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق, فأكرموا بهما ما صحبتموه))
لك أيها الغني :
ويقول عليه الصلاة والسلام في الجامع الصغير:
((ويل للأغنياء من الفقراء))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والطبراني في المعجم الصغير]
يعني: الغني حينما أعطاه الله مالاً, فرض عليه في هذا المال زكاة ماله.
معنى هذا الحديث :
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((في المال حق سوى الزكاة))
لو أنك أديت زكاة مالك, وكان لك قريب, في أشد الحاجة إلى المال, وأنت في بحبوحة, هل تظن أنك إذا أديت زكاة مالك, نجوت من المسؤولية؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
[سورة النحل الآية:90]
فإذا كان أداء الزكاة, عدلاً في إغاثة الملهوف, إحساناً, والآية الكريمة:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾
[سورة البقرة الآية:177]
أرأيتم, في آية واحدة؛ آتى المال على حبه, وأقام الصلاة, وآتى الزكاة.
معنى ذلك: أن إيتاء الزكاة شيء, وأن إيتاء المال على حب الله ورسوله شيء آخر.
إذاً: في المال حق سوى الزكاة, وحينما قال الله عز وجل:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
[سورة الذاريات الآية:19]
قال العلماء:
((هي الزكاة))
وحينما قال الله عز وجل:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
[سورة الذاريات الآية:19]
قالوا:
((هي الصدقة))
فأنت كما أنك مأمور أن تزكي, مأمور أن تتصدق, فالشيء الذي لا تسعه الزكاة, تسعه الصدقة.
تحذير للعالم وللجاهل :
((ويل للعالم من الجاهل, وويل للجاهل من العالم))
كيف الذي آتاه الله علماً, سوف يحاسبه الله على مدى تطبيق هذا العلم, لأن الجاهل إذا رأى عالماً لا يطبق علمه, زهد بالعلم كله.
سيدنا علي يقول:
((قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, وغني لا يبخل بماله, وفقير لا يبيع آخرته بدنياه, فإذا ضيع العالم علمه, استنكف الجاهل أن يتعلم -لم يرد أن يتعلم-, وإذا بخل الغني بماله, باع الفقير آخرته بدنيا غيره))
فالعالم عليه أن يكون ورعاً, ليضفى إلى كلامه, والجاهل عليه أن يتعلم لينجو بنفسه, فالجاهل محاسب: لم أنت محاسب؟ والعالم محاسب: لم لم تطبق؟.
فالهلاك أحياناً: يصيب العلماء, ويصيب الجهال, يصيب العلماء بعدم تطبيقهم ما تعلموا, ويصيب الجهال بعدم طلب العلم, ولا جهل في القانون كذلك, القانون لا يحمي المغفل, والإنسان حينما لا يطلب العلم, ويرتكب الأخطاء, يحاسب مرتين؛ مرة على هذا الخطأ, ومرة لأنه عزف عن طلب العلم.
ماذا يفعل المسلم في مثل هذا الظرف؟ :
((ويل للعرب من شر قد اقترب, أفلح من كف يده))
[أخرجه أبو داود في سننه]
يعني:
((إذا رأيتم شحاً مطاعاً, وهوى متبعاً, وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فالزم بيتك))
يعني: اتصل بالله عز وجل, واعمل صالحاً؛ خذ ما تعرف, دع ما تنكر, عليك بخاصة نفسك, دع عنك أمر العامة, لأنه:
((فتن كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً, ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
طرقوا عليه الباب الساعة التاسعة نائم, يوم الجمعة, معقول!! عشرة نائم, الحادية عشرة نائم, الثانية عشرة نائم, الصلاة الثانية عشرة والنصف, الواحدة نائم, الواحدة والنصف نائم, الثالثة نائم, الرابعة هو نائم, الساعة الخامسة, أتى بصحن جديد, لم يعد ...... ترك الصلاة, وروح صلاة الجمعة, والفجر, والعصر, ويتابع المحطات, حتى يرى الكعبة فقط, نعم, نعم.
صفة سيئة حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ما هي؟ :
((ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القدم, ويل له, ثم ويل))
الكذب من أشد الصفات التي كان عليه الصلاة والسلام يمقتها.
لأن المؤمن -كما قلت في درس سابق-: يُطبع على الخلال كلها, إلا الكذب والخيانة.
فالمؤمن إذا كذب أو خان, ذهب إيمانه من قلبه.
تحذر للمالك وللملوك :
((ويل للمالك من المملوك, ويل للمملوك من المالك))
[أخرجه البزار في مسنده]
يعني: إنسان سيد, وعنده موظف محل تجاري, إن لم تعطه حقه, الويل لك, وﺇن لم يؤد الأمانة, وينصح لسيده, الويل له, هو له حساب خاص, وأنت لك حساب خاص.
يعني: وسع هذا الموضوع؛ سيد ومسيود, رب عمل وعامل, صاحب متجر وصانع, صاحب معمل وعامل.
يعني: أي إنسان, الله عز وجل وكله بإنسان, أي إنسان تحت يدك, ويل لك منه, وويل له منك, ويل لك منه, إن قصرت في حقه, إن لم تنصحه, إن لم تؤد له حقه.
ما معنى: أعطوا الأجير أجره؟ :
((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
ما معنى: أعطوا الأجير أجره؟ إن لم يقل: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه.
يعني: ينبغي أن تعطيه الأجر المكافئ لجهده, هو قد يرضى بأقل من استحقاقه لضيق ذات اليد, قد يرضى بمبلغ بخس جداً, قد يأتيك أناس كثيرون, تضع رقماً قليلاً جداً يرضونه به, لكن هذا الرقم: هل يكافئ جهدهم؟.
((أعطوا الأجير أجره, -الأجر المناسب جداً, المكافئ لجهده, وأعطه سريعاً-, قبل أن يجف عرقه))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
ما سبب ورود هذا الحديث؟:
((ويل للمتألين من أمتي))
الذين يقولون: فلان في الجنة, وفلان من النار, وكأنهم أوصياء على الناس, أن يضع الإنسان نفسه في موضع الوصايا, أو موضع الوصايا, وأن يحكم على الناس ببساطة, وأن أن يوزعهم بين الجنة والنار, وبين الكذب والنفاق, هكذا ببساطة, وهو أقلهم, هذا اسمه في الفقه المتألي, المتألي: هو الذي يتألى على الله, وسبب هذا الموضوع:
أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عند بعض أصحابه, الذين توفاهم الله عز وجل, وكان من عادة النبي: أن يزور الصحابي الذي توفاه الله, يأتي إلى بيته قبل أن يشيع, سمع امرأة تقول:
((هنيئاً أبا السائب لقد أكرمك الله, قال لها: ومن إدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه, وأنا نبي مرسل, لا أدري ما يفعل بي ولا بكم))
فالإنسان, الأدب مع الله أن تقول: أرجو له الجنة, أما فلان في الجنة, من قال لك ذلك؟ ليس على الوجه التحديد في الجنة, إلا العشرة الذين بشرهم النبي فقط, والباقي على الرجاء, حتى الذين أبشرهم النبي, كانوا في قلق وخوف, وقد رأوا عظم المسؤولية, وهول الموقف.
فسأل سيدنا عمر سيدنا حذيفة:
((بربك اسمي مع المنافقين؟))
ماذا يفعل المسلم بماله الوفير حتى لا يقع في الشح؟ :
((ويل للمكثرين, إلا من قال بالمال هكذا وهكذا))
[أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]
((ويل للمكثرين, إلا من قال بالمال هكذا وهكذا))
[أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]
الإنسان إذا أنعم الله عليه بدخل وفير, لئلا يقع في المآب, وفي الشح:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية:9]
عليه أن ينفق المال هكذا وهكذا.
و:
((أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
((عبدي أنفق أنفق عليك))
تحذير للنساء :
((ويل للنساء من الأحمرين؛ الذهب والمعصفر))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة]
المرأة من أجل الذهب, ومن أجل زينتها, ومن أجل ثيابها, ومن أجل أناقتها, قد تحمر زوجها ما لا يطيق, قد تحمله على كسب المال الحرام, لذلك:
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾
[سورة التغابن الآية:14]
قال العلماء:
((هذه عداوة مآل, وليست عداوة حال))
يعني: يوم القيامة, حينما يهلك الإنسان بسبب إرضاء زوجته, يراها عداوة له.
((اعلمي يا فلانة, أن في الجنة من حور العين, ما لو أطلت ﺇحداهن على الأرض, لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر))
فلأن أضحي بك من أجلهن, أهون من أضحي بهن من أجلك.
احذر أيها المسلم من هذا البيان :
((ويل لمن استطال على مسلم فانتقص حقه))
لأن الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة الحج الآية:38]
((فويل لمن استطال على مسلم, فانتقص حقه))
يجب أن تعلم علم اليقين: أن ربك بالمرصاد, وأن الله كان على كل شيء رقيباً, وأن الله حسيبك, سيحاسبك, فالمسلم وغير المسلم, إذا كان الهلاك من انتقاص حق امرئ مسلم, فالهلاك -أيضاً- من انتقاص حق امرئ غير مسلم, لقوله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية:8]
الشنآن: البغض, لو أبغضت أيها المؤمن الإنسان, وكان منحرفاً فاسقاً, وكافراً, عليك أن تعطيه حقه.
يعني: سيدنا عمر مر به رجل, قال:
((يا أمير المؤمنين! هل تحبني؟ قال له: لا والله لا أحبك, قال له: هل يمنعك بغضك لي أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله, قال: إذاً: إنما يأسف على الحب النساء))
معنى ذلك: أن البغض والمحبة لا علاقة لهما بأداء الحقوق بأصحابها.
كم مرة وردت كلمة (ويل) في هذا الحديث, ولمن؟ :
((ويل لمن لا يعلم, وويل لمن علم ثم لا يعمل))
الهلاك مرتان؛ لمن لا يعلم, ولمن علم ثم لا يعمل.
الخاتمة :
أيها الأخوة الكرام, الدرس الماضي كان طوبى بعض السجايا الحديدة, التي ندب لها النبي عليه الصلاة والسلام, واليوم: بعض الأخطار المخيفة التي حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم منها.
اللهم علمنا ما ينقعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, والحمد لله رب العالمين, الفاتحة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:32 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 006 - 119 ) : تماسك الأسرة - ما هو أساس دعائم وتماسك الأسرة المسلمة وأساس ضعفها؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-03-03

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ظاهرة لفت نظرنا إليها كتب الصحاح :
أيها الأخوة, تماسك أفراد الأسرة, يتناسب طرباً مع الإيمان, فكلما ازداد الإيمان, تماسكت الأسرة في .....
وقد ورد في الصحاح, أحاديث كثيرة تشير إلى هذه الظاهرة, التفكك دليل ضعف الإيمان, التماسك دليل قوة الإيمان, وكلما اشتد حبك للأولاد, كلما كان الإيمان أكثر, وكلما قلت المحبة, وكان كل إنسان يتحرك وفق مصالحه, ضعف الإيمان.
يقول عليه الصلاة والسلام, فيما يرويه الإمام البخاري عن أبي هريرة, قال:
((قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي, وعنده الأقرع بن حابس التميمي, فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد, ما قبلت منهم أحداً, فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم))
الطفل بحاجة إلى حنان أمه وأبيه, أشد من حاجته إلى حليب أمه, الطفل حينما يأوي إلى البيت, يرى فيه العطف, والحنان, والمحبة, وتوفر حاجاته, التصق بالبيت, أما إذا رأى فيه القسوة والإهمال, التصق بأصدقائه, وشرب منهم, وانحرف أحياناً.
فالبيت يجب أن يكون جنة يا أخوان, ليس بالمعنى المادي, قد يكون صغيراً, قد يكون ....... فقط جنة بالمعنى ....... بالمعنى الاجتماعي.
من لا يرحم لا يرحم :
فالنبي الكريم كان يقبل الحسن بن علي, عنده الأقرع بن الحابس التميمي, قال الأقرع:
((إن لي عشرة من الولد, ما قبلت منهم أحداً, فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من لا يَرحم لا يُرحم))
والحديث الصحيح القدسي:
((إذا أردتم رحمتي, فارحموا خلقي))
وأول ناس برحمتك أولادك, يعني: المؤمن يعيش لأولاده, يعيش لهم.
هذا ما علمنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
((زعمت المرأة الصالحة خولة بن الحكيم, قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم, وهو محتضن أحد ابني ابنته, وهو يقول: إنكم لتبخلون وتجبلون))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الإنسان: قبل أن يأتي بأولاد, يعني: إنفاقه عشوائي, ويقتحم الأخطاء أحياناً, أما حينما يكون له أولاد يعيش لهم, يضبط إنفاقه, ربما ضبط مواقفه, ضبط الإنفاق, وضبط الواقف, دليل عنده أولاد, ويسعى على مصالحهم.
فقال عليه الصلاة والسلام:
((إنكم لتبخلون, وتجبنون, وتجهلون))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الإنسان أحياناً: يغفل مجلس علم, أحياناً: من أجل عمله, من أجل تجارته, من أجل تربية أولاده, فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام: علمنا كيف نحرص على أولادنا؟ وكيف نمحضهم حبنا ورحمتنا؟.
سيدنا الصديق, دخل على ابنته عائشة, وقد أصابتها حمى, فرأت أباها, فقبل خدها, وقال:
((كيف أنت يا بنية؟))
ركز :
أنا أؤكد مرة ثانية, كلما ازداد الإيمان, ازدادت هذه المشاعر, وتلك العواطف, وأصبح البيت جنة.
كل أب بإمكانه يجعل بيته جنة؛ بعطفه, بحنانه, بدعابته لأولاده, بالعناية الفائقة بهم, بطعامهم, بشرابهم, بلباسهم, بتدفئتهم, بدراستهم, يجب أن يعيش الأب لأولاده, لأن أولاده زاده إلى الله عز وجل.
الأبوة المثالية كافية لدخول الجنة.
انظر إلى رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالحيوان :
النبي عليه الصلاة والسلام وسع الدائرة, قال:
((نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً, فانطلق إنسان إلى غيضة, فأخرج منها بيض حمرة, -حمرة أحد أنواع الطيور, أخذ بيض حمرة-, فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله, ورؤوس أصحابه, فقال عليه الصلاة والسلام: أيكم فجع هذه بأولادها؟ فقال رجل من القوم: أنا أصبت لها بيضة, فقال عليه الصلاة والسلام: اردده رحمة لها))
يعني: لم يرض أن تفجع طير ببيضها.
((اردده رحمة لها))
يمكن أن أقول: أن نسبة الرحمة في قلبك, كنسبة اتصالك لله عز وجل, بقدر اتصالك بالله عز وجل, تزداد الرحمة في قلبك.
((ومن لا يرحم لا يُرحم, وإذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
لم يقل: ارحموا الناس خلقي, هذه الحمرة الطائر, ولها بيض, فلما فجعت ببيضها, رفرفت فوق رأس رسول الله, وفوق رؤوس أصحابه.
فقال عليه الصلاة والسلام:
((أيكم فجع هذه بأولادها؟ قال: أنا, قال: اردده رحمة لها))
لأن الأسرة أساس المجتمع, فإذا تماسكت.
يعني: في أسرة دخلها قليل, لكن الحب فيما بينها كثير, العبرة بهذا الحب بالمودة, يمكن تأكل الأسرة أخشن طعام, أرخص طعام, أصغر بيت, أخشن أثاث, لكن في محبة, في رحمة, يعني: ما في أجمل من أسرة متماسكة, ما في أجمل من أسرة, حينما يتقدم الأب والأم في السن, الأولاد يحفون بهما بشكل غريب.
انظر إلى رحمة الأم بولدها :
مر عليه الصلاة والسلام في نفر من أصحابه –يمشون-, وصبي في الطريق, فلما رأت أمه القوم, خشيت على ولدها أن يضرب, فأقبلت تسعى, وتقول:
((ابني ابني, وسعد, فأخذته, فقال القوم: يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار.
-رأوا حرصها, كيف اندفعت إلى وليدها؟ أخذته من الطريق, خوفاً أن يطأه أحد من أصحاب رسول الله, هذا خطأ-.
فقال عليه الصلاة والسلام: لا والله, يلقي بحبيبه في النار, ناية هذه الأم رحمة, رحمة من الله عز وجل))
وفي رواية أخرى: النبي مع أصحابه: رأى أماً تخبز خبزاً, وكلما وضعت رغيفاً في التنور, قبلت ابنها, فقال عليه الصلاة والسلام:
((أتلقي هذه بولدها في النار؟ قالوا: معاذ الله! قال: والذي نفس محمد بيده, لله أرحم بعبده من هذه بولدها))
يقول لك: الله يفعل ما يشاء, يمكن تطيعه كل حياتك, وتفني كل حياتك بطاعته, ويضعك في جهنم, هو حر يفعل ما يشاء, ولكن النبي ما هكذا قال, قال:
((هذه الأم لا تلقي بوليدها إلى النار, ولا الله عز وجل يلقي بحبيبه في النار))
امرأة هي أم حارثة, أتت النبي صلى الله عليه وسلم, وقد هلك حارثة, يوم بدر استشهد, أصابه سهم, فقالت:
((يا رسول الله! قد علمت موقع حارثة من قلبي, فإن كانت الجنة, فلن أبكي عليه, وإلا فسوف ترى ما أصبره ......., -بالجنة لأسكت, أما إذا كان غير الجنة, أريد أن أقتل نفسي-.
فقال عليه الصلاة والسلام: اهدئي, -أنت جنيت-, أو جنة واحدة!؟ إنما جنان كثيرة, وإنه في الفردوس الأعلى))
جنة, أحد جنان كثيرة, وهو في الفردوس الأعلى, أنا أذكر لكم رحمة الأم بولدها.
هذه بيوتات الأمهات القاسيات :
في أمهات قاسيات جداً, الطفل يلتصق بأصدقائه, يسهرون, تأتي الساعة الثانية, البيت لأنه ممل, البيت مثل قبر؛ لا يوجد مودة, لا يوجد رحمة, لا يوجد أكل يعتنى به, لا يوجد لبس, فكلما جعلت البيت يجذب الابن, تكون أب حكيم, وتكون الأم حكيمة.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((ما نحل والد ولده, أفضل من أدب حسن))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
يعني: أكبر عطاء أن تربي ابنك على طاعة الله, وعلى التحلي بالأخلاق الفاضلة.
هذا ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام :
قال:
((أن رجلاً كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم, ومعه ابن له, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه؟ قال: نعم يا رسول الله! أحبك الله كما أحبه -يعني: نحبه حباً غير مرفوض-, ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ قالوا: يا رسول الله! مات, مات ابنه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: ألا تحب ألا تأتي باباً من أبواب الجنة, إلا وجدته ينتظرك؟ فقال رجل: يا رسول الله! أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
يعني: إذا شخص له ابن مات صغير, طبعاً: شيء لا يحتمل, الابن لما يكون بأجمل سنين حياته وهو صغير, يعني: قطعة من الجمال, قطعة من الأدب, قطعة من المحبة, من براء, من صفاء, من ذاتية, فالطفل لما يكون صغير, يكون محبوباً جداً عند أهله, فإذا مات في هذا السن, فهذه فجيعة لا تحتمل.
فالنبي أشار إلى أنه من فقد طفلاً صغيراً, أي باب من أبواب الجنة دخله, يرى ابنه ينتظره في الجنة.
من هؤلاء الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم؟ :
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إن لله تبارك وتعالى عباد لا يكلمهم يوم القيامة, ولا يزكيهم, ولا ينظر إليهم, قيل له: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: متبَّر من والديه, راغب عنهما))
يعني: الطفل, أو شاب, أو ابن, يعني: انسلخ عن والديه, يقول لك: أب دقة قديمة, أب غير فهيم, يعني: احتقر والده, تبرأ منه أهله, ورجل أنعم عليه قوم, فكفر نعمتهم, وتبرأ منهم.
يعني: إنسان تبرأ من والديه, وإنسان تبرأ من قوم, أنعموا عليه, وأكرموه, فكان لئيماً معهم, مثل هذين الرجلين, الله سبحانه وتعالى يوم القيامة: لا يكلمهم, ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم.
إنسان تبرأ من والديه, الآن: سبب وجود الإنسان: إذا كان الأب منحرف, لا يوجد مانع, أنت اخدمه, أحسن إليه, تلطف معه, عامله بالمواقف.
بشرى لك يا أخا الإسلام :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((من كان له ثلاث بنات, فصبر عليهن, فأطعمهن, وسقاهن, وكساهن, كن له حجاباً من النار))
والله شيء رائع, في بيت لا يوجد بنات؛ أطعمها, واسقها, واكسها, وربها, ودلها على الله, وزوجها شاباً مؤمناً, وانتهت مهمتك, هذه البنات كن لوالدهن حجاباً من النار.
جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فضمهما إليه, ثم قال:
((إن الولد مبخلة مجبنة))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
النبي صلى الله عليه وسلم ......... الكلام.
هذا ما نجده :
أيها الأخوة, تجد شخص ينفق كثيراً, يغير وعيه, لما يتزوج, ويأتيه أولاد, اختلف, لم يعد يأكل في المطاعم أبداً, لأنه عنده أولاد في البيت.
فأحياناً: الابن يحمل أباه على الإنفاق الحكيم, وأحياناً: يحمل أباه على الموقف الحكيم, أحياناً في تهورهم.
وكان عليه الصلاة والسلام ......
عن أسامة بن زيد قال:
((كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن, ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما, اللهم إني أحبهما فأحبهما))
خاتمة القول :
هذه الأحاديث التي قرأتها لكم, يتضح: أن محبة الأب لأولاده, تتناسب مع إيمانه, وأن الرحمة التي في قلبه, تتناسب مع اتصاله بالله عز وجل, والحقيقة الكبيرة: شهادتك الرائعة؛ أولادك شهادتك, شهادتك عند الله, وعند الناس, أولادك؛ تربيتهم, دراستهم, انضباطهم, أخلاقهم, فإذا فعلت هذا, نلت رضاء الله عز وجل.
وهذه الأحاديث كلها في الصحاح, تبين الحب, والرحمة, والاهتمام, والعطف, والشفقة, التي كانت في قلوب أصحاب رسول الله على أولادهم, وكلما الإنسان قسا, وأهمل, وقصر مع أولاده, دليل ضعف إيمانه, وضعف الرحمة في قلبه, والحمد لله رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:34 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 004 - 119 ) : الزكاة في الحديث النبوي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-20

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
هذه هي الشريعة الإسلامية :
أيها الأخوة الكرام, يقول بعض العلماء:
((الشريعة رحمة كلها, عدل كلها, مصلحة كلها))
فأية قضية, خرجت من الرحمة إلى القسوة, من المصلحة إلى المفسدة, ومن العدل إلى الجور, فليست من الشريعة, ولو أُدخلت عليها بألف تأويل وتأويل, فرق بين العبادات وبين الطقوس؛ الديانات الوثنية, والوضعية, لها طقوس, حركات, وإيماءات, وكلام بلا معنى, لكن العبادة التي شرعها الله عز وجل: معللة بمصالح الخلق, العبادات معللة, لأنها أمر خالق السموات والأرض, شرف الأمر من شرف الآمر.
ما المراد بهذا الحديث؟ :
فالله سبحانه وتعالى قال:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
عبادة الزكاة عبادة مالية.
تحدثنا في الجلسة الماضية عن حكمها, بقي أن نتابع بعض الحكم, لا من خلال الآية الكريمة, بل من خلال السنة المطهرة, وأن نقف عند بعض الأحكام.
فهناك حديث شريف, له مدلول اقتصادي كبير جداً.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((اتجروا في أموال اليتامى, لا تأكلها الزكاة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
لو أن المال كُنز وخزن, وكان صاحبه مسلماً, وعليه أن يؤدي زكاته, أكلته الزكاة.
فالله سبحانه وتعالى: حينما فرض على الأموال النامية الزكاة, شيء طبيعي, أما حينما فرض الزكاة على النقدين, والنقدان أموال ليست نامية, بالعكس متدهورة, طبيعة العصر الحديث فيها تضخم نقدي, معنى التضخم: الدول المتخلفة أو النامية, تضخمها كبير, في العام الواحد التضخم سبعة عشر بالمئة, يعني المئة ألف, لو أبقيتها في البيت, وكنزتها, وخفت عليها, قيمتها بعد عام: ثلاثة وثمانون ألفاً, فإذا أديت زكاتها, فالمال الذي لا يُستثمر, هذا تأكله الزكاة, يأكله التضخم, وتأكله الزكاة, فالزكاة على المال المكنوز سيف مسلط؛ فإما أن تنفع به المسلمين, إما أن تنشىء به مشروع زراعي, تجاري, صناعي, إما أن توظفه مع أولي الخبرة مع الصادقين المؤمنين, أو يأكله التضخم, وتأكله الزكاة.
فهذه إشارة: إلى أن المال في خدمة الإنسان, وليس هو في خدمته, يمكن أن نرسم خط عمودي مدرج, بين هذه الدرجات درجة حمراء, دون هذه الدرجة الحمراء, المال في خدمتك, فوق هذه الدرجة الحمراء, أنت في خدمته, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((أندم الناس من عاش فقيراً, ليموت غنياً))
((أندم الناس رجل دخل ورثته بماله الجنة, ودخل هو بماله النار))
–نعم-.
((اتجروا في أموال اليتامى, لا تأكلها الزكاة))
معناها: أن الله جل جلاله, أراد أن تأكل الزكاة المال المكنز, الذي لا يوضع في مصالح الخلق نعم.
لم فرضت الزكاة؟ :
أيها الأخوة, يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((إن الله لم يفرض الزكاة, إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
قال تعالى:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[سورة هود الآية:86]
يعني: أنت لك مال, جزء من هذا المال من حق الفقير, فإذا أديت الزكاة, ذهب عنك شر هذا المال, هذا المال في لغم حق الفقير, لغم في المال, قنبلة موقوتة, متى يتلف؟ لا نعرف, متى يصادر؟ متى يحترق؟.
((حق الفقير رهن بإتلاف المال, فمن أدى زكاة ماله, ذهب عنه شر المال))
يقول عليه الصلاة والسلام:
((إن الله تعالى لم يفرض الزكاة, إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم))
كيف نوفق بين هذه الآية وبين ما ورد عن رسول الله من سنته الفعلية وعن أصحابه الكرام بما فيهم عمر؟
أيها الأخوة, كلما تحدثنا عن الزكاة, يسوقنا الحديث إلى الوقت, الوقت له زكاة, حضور هذا المجلس؛ أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لسماع العلم هذا زكاة الوقت, أن تصلي التراويح في المسجد هذا من زكاة الوقت, أن تدعو إلى الله هذا من زكاة الوقت, أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هذا من زكاة الوقت, لذلك: الله عز وجل قال -ودققوا في هذه الآية-:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية:63]
لكنه ورد عن سيدنا عمر:
((أنه كان إذا سار أسرع, وإذا أطعم أشبع, وإذا قال أسمع, وإذا ضرب أوجع))
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:
((أنه كان إذا سار لم يلتفت))
فكيف نوفق بين الآية الكريمة:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية:63]
ببطء, بتمهد, بتؤدة, وبين ما ورد عن رسول الله من سنته الفعلية, وعن أصحابه الكرام, وفيهم عملاق الإسلام عمر؟ .
الحقيقة: العلماء قالوا:
((يمشون هوناً: لا بمعنى أنهم يبطشون في سيرهم))
لا, المؤمن إذا سار لا يلتفت, إذا سار أسرع, لأن هدفه كبير, وقته ثمين, لا يوجد عنده وقت للسير الهوينى, لكن الآية الكريمة:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية:63]
أي لا يسمحون للدنيا أن تستهلكهم, لا يسمحون لمشكلات الدنيا أن تسحقهم, لا يسمحون لكسب المال أن يستحوذ عليهم, لا يسمحون لتجارتهم أن تقبرهم.
أحياناً: إنسان ينتهي بمشكلة؛ مشكلة تستحويه, وتستهلكه, وتنهيه, مشكلة واحدة, أنت مخلوق لمعرفة الله.
إذاً: يمشون هوناً؛ أي يقتطعون من وقتهم وقتاً لمعرفة الله, يقتطعون من وقتهم وقتاً لتربية أولاد, يقتطعون من وقتهم وقتاً لطلب العلم, يقتطعون من وقتهم وقتاً للدعوة إلى الله, يقتطعون من وقتهم وقتاً لخدمة الخلق, لا يسمح لحرفته أن تستهلكه.
هذه هي البطولة :
أيها الأخوة, أحياناً: إنسان وهو لا يشعر يجر إلى الدنيا بالتدريج؛ ليله ونهاره, وإقامته وسفره, في تجارته, إذا صلى, يكشف فرق الصندوق بالصلاة, حيثما توجه مشكلته, صفقاته, ديونه, حساباته, علاقته مع شريكه, شراء البضاعة, شحن البضاعة, قبض ثمن البضاعة, محاسبة الزبائن, هذا شغله الشاغل, ماذا حل بهذا الإنسان؟ تجارته استهلكته, أو كانت قبراً له, قبر بها, والدليل:
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾
[سورة الروم الآية:52]
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[سورة فاطر الآية:22]
معنى:
﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
يعني: لا يسمح لتجارته أن تستهلكه, لا يسمح لعمله أن يلغي وجوده الإيماني, لا يسمح لمشكلة أن تسحقه, هو جاء إلى الدنيا ليعرف الله, فوقته منظم.
أخطر شيء: الإنسان يكون حركاته اليومية ردود فعل, كل فعل له رد فعل, أما البطولة: أن تبدأ أنت بالفعل, لا أن يكون عملك رد فعل .
ما ورد عن النبي بحق أداء الزكاة ومنعها :
أيها الأخوة,
((من أدى زكاة ماله ......))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده, وابن خزيمة في صحيحه]
((إن الله تعالى لم يفرض الزكاة, إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم))
فما لم أديت زكاته, الآن: أطيب المال محفوظ, محصن من التلف, من الضياع, من المصادرة, من السرقة.
((حصنوا أموالكم بالزكاة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط]
((ما تلف مال في بر أو بحر, إلا بحبس الزكاة))
اعلم هذا :
أيها الأخوة, الوقت إذا أديت زكاة وقتك بحضور مجلس علم, بطلب علم, بأداء الصلوات, بالجلوس مع الأهل للتوجيه والتربية, لخدمة الخلق, ما الذي يحصل؟ بارك الله لك في بقية وقتك, بقية الوقت معنى: بارك الله لك, أي بوقت قليل, فعلت أعمالاً عظيمة.
أحياناً: الإنسان يرسم خطة, مجموعة مشكلات في قائمة, ليحلها في أحد الأيام, أول شخص ما وجده, الثاني الآن ذهب للمحل, الثالث مسافر, الرابع سوء تفاهم بالعنوان, ما عرف العنوان, يقول لك: لم تحل معي ولا مشكلة, الله قادر يتلف المال, وقادر يستهلكك الوقت استهلاكاً سخيفاً.
أحياناً: ارتفاع حرارة, على الطبيب, نحتاج تحليل, نحتاج صورة تصوير طبقي, نخشى وجود شيء بالدماغ, أضاع ثلاثين ساعة؛ من طبيب, لمحلل, لمصور, وضع عشرة آلاف, بعد ذلك: لم يطلع في شيء.
الله قادر يستهلك لك وقتك الثمين بلا طائل, مع الانزعاج, فإذا ضننت على الله بربع ساعة, تحضر بها مجلس علم, بارك الله لك بقية وقتك.
قال:
((هم في مساجدهم والله في حوائجهم))
((هم في مساجدهم والله في حوائجهم))
((عبدي كن لي كما أريد, أكن لك كما تريد))
في رواية أخرى:
((عبدي كن لي كما أريد, ولا تعلمني بما يصلحك))
لا تكلف نفسك أن تقول لي: ماذا تحتاج؟ أنا أعرف ما يصلحك.
((عبدي خلقت لك السموات والأرض, ولم أعي بخلقهن, أفيعييني رغيف خبز أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة, ولك علي رزق, فإذا خالفتني في فريضتي, لم أخالفك في رزقك, وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك, فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية, ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً, أنت تريد, وأنا أريد, فإذا سلمتني فيما أريد, أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلا ما أريد))
لذلك قالوا:
((الدنيا تغر وتضر وتمر))
((أوحى ربك إلى الدنيا: أنه من خدمني فاخدميه, ومن خدمك فاستخدميه))
الإنسان: لما ينظم وقته, يطلب العلم, ويبحث عن منهج الله, ويتقصى الحكم الشرعي, ويقرأ القرآن, ويتعرف إلى سنة النبي العدنان, ويقيم الإسلام في بيته, وفي عمله, ويضبط جوارحه, ودخله, وإنفاقه, الله سبحانه وتعالى أراه من آياته الدالة على وجوده وكماله, الشيء الكثير.
من هم المبرؤون من الشح كما ورد في الحديث؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((برىء من الشح, من أدى زكاة ماله, -يعني: إذا أنت وصفت إنساناً أنه شحيح, وقد أدى زكاة ماله, وقعت في الإثم, لا يسمى شحيحاً من أدى زكاة ماله-.
برىء من الشح من أقرى الضيف, -يعني: أكرم الضيف-, وبرىء من الشح من أعطى على النائبة))
إنسان مصاب بمصيبة, أعطيت على النائبة, أو أكرمت الضيف, أو أديت زكاة مالك, فأنت لست بشحيح.
حديث مخيف :
قال عليه الصلاة والسلام:
((خمس بخمس, ما نقض قوم العهد -عهد ربهم-, إلا سُلِّط عليهم عدو, يأخذ ما في أيديهم.
-ألم يقع هذا؟ سبعمئة وخمسون مليار, انتقلت من الخليج إلى بلاد الغرب, عقب حرب الخليج-.
وما حكموا بغير ما أنزل الله, إلا فشا فيهم الفقر, وظهرت فيهم الفاحشة, إلا فشا فيهم الموت, -يعني: الأمراض الوبيلة-, ولا طففوا المكيال, إلا منعوا البنات والقطر من السماء, ولا منعوا الزكاة, إلا منعوا القطر خمس بخمس))
لأن ربنا عز وجل يقول:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
[سورة مريم الآية:59]
تجب الزكاة في....:
أخواننا الكرام, الحديث الشهير:
((تجب الزكاة في الحنطة, والشعير, والزبيب, والتمر))
التفاح لم يرد, والفريز لم يرد, الكرز لم يرد, والإجَّاص لم يرد, والعدس لم يرد, والكيوي لم يرد, لم يرد هنا, لا يوجد عليها زكاة.
العلماء قالوا:
((الزكاة تجب في علتها, لا في عينها))
ما علة الشعير؟ محصول زراعي أساسي, أي محصول زراعي, في عليه زكاة, ما علة التمر؟ أنه مادة أساسية في حياة الإنسان, التفاح كذلك, فتجب الزكاة في كل ما أنتجته الأرض, ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ترفق بأصحابه, فخاطبهم بمحاصيل يعرفونها, فلو ذكر محاصيل لا يعرفونها, كان كلامه مبهماً نعم.
إذاً: تجب الزكاة في القمح, والشعير, والزبيب, والتمر.
دعاء عند دفع الزكاة :
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:
((إذا أعطيتم الزكاة, فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
لأن المؤمن إذا أنفق ماله, يرى هذا الإنفاق مغنم, أما المنافق إذا أنفق ماله, يرى هذا الإنفاق مغرماً, يتألم أشد الألم, حينما يقتطع من ماله مال الزكاة.
ما سمعته بأذني :
والله سمعتها بأذني, أناس كثيرون, إذا قال لك: أنا معي خمسة, ستة ملايين, على كل مليون خمسة وعشرون ألف, معقول أدفع مئة ألف زكاة؟ معقول ونصف, هذا حق الفقير.
((الأغنياء أوصيائي, والفقراء عيالي, فمن منع مالي عيالي, أذقته عذابي ولا أبالي))
أخواننا الكرام, غلطة في الجسم, خلل بأحد الأعضاء, تصبح الحياة قطعة من الجحيم, فشل كلوي, تشمع كبد, ورم خبيث في الدماغ, صمام قلب معطل, أقل عملية تحتاج إلى مليون, يقول لك: نجاحها بالمئة خمسين, بالمئة ثلاثين, بالمئة ستين؛ فلو أن الإنسان أدى زكاة ماله, وحفظ الله له صحته.
حق لك على الله إذا أديت ما عليك :
قلت لكم: كل شيء بقضاء من الله وقدر, فالإنسان حينما يؤدي ما عليه, له أن يطالب الله بماله.
قال له:
((يا معاذ بن جبل, ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم, سكت النبي, قال: يا معاذ بن جبل, ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم, سكت النبي للمرة الثالثة, قال: يا معاذ بن جبل, ما حق الله على عباده؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: حق الله على عباده: أن يوحدوه, وألا يشركوا به شيئاً, وأن يعبدوه -أن يوحدوه-, ثم قال: يا معاذ بن جبل, ما حق العباد على الله, إذا هم عبدوه وأطاعوه؟ -صار لك حقاً-, قال: الله ورسوله أعلم, قال: يا معاذ بن جبل -مرة ثانية-, ما حق العباد على الله إذا هم أطاعوه؟ قال: الله ورسوله أعلم, للمرة الثالثة قال: حق العباد على الله إذا هم وحدوه وأطاعوه: ألا يعذبهم))
اقرأ هذا الاستنباط للشافعي :
الإمام الشافعي له استنباط رائع:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾
[سورة المائدة الآية:18]
هكذا ادعوا, رد الله عليهم. قال:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[سورة المائدة الآية:18]
الاستنباط الدقيق: لو أن الله أقرهم على دعواهم, من أنهم أبناء الله وأحباؤه, لما عذبهم, ما دام قد عذبهم, إذاً: هم كاذبون في دعواهم.
الإمام الشافعي استنبط:
((أن الله لا يعذب أحبابه))
إذا أحبك الله لا يعذبك, الآن: إذا عبدته ووحدته, حق لك عليه ألا يعذبك.
دقق :
أدق آية في هذا الموضوع:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية:147]
ماذا يفعل الله بعذابنا إن شكرنا وآمنا؟ .
في إنسان بالأرض لا يتمنى السعادة والسلامة, يتمنى البحبوحة, الصحة, زوجة طائعة, أولاد أبرار, رزقه في بلده, منزل واسع, مركبة هنيئة؟ هذه مطالب أساسية.
النبي الكريم قال:
((من سعادة المرء في الدنيا, -أعطاه مقياس دنيوي محض-, قال: أن تكون زوجته صالحة, وأولاده أبراراً, ورزقه في بلده, ومنزله واسعاً, ومركبه وطيئاً))
ماذا بقي؟ .......
مرة ملك سأل وزيره -والملك جبار-, قال:
((من الملك؟ -الوزير انخلع قلبه, ما هذا السؤال!؟ ملك يقول: من الملك!؟-, قال له: أنت الملك, قال له: لا, لا, الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له زوجة ترضيه, وبيت يؤويه, ورزق يكفيه, إنه إن عرفنا, جهد في استرضائنا, وإن عرفناه, جهدنا في إزلاله))
((لا نعرفه ولا يعرفنا؛ له زوجة ترضيه, وبيت يؤويه, ورزق يكفيه))
فقال عليه الصلاة والسلام:
((إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافى في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما ملك الدنيا بحذافيرها))
يجب أن تضع يدك على جوهر السعادة, السعادة مطلب كل واحد منكم, السلامة والسعادة مطلب كل واحد, وإذا انطلقت من حرصك على ذاتك, وحبك لذاتك, إذا انطلقت من فرط حبك لذاتك, تستقيم على أمر الله, والله عز وجل له منهج دقيق.
الآن: يظهر قانون يسير في الأرض, لا يوجد عقوبات معه, لو ألغينا العقوبات, انتهى القانون, ومن يخالف –مثلاً- تسحب إجازته, وتحجز المركبة أسبوعين, ممكن يكون مادة في قانون السير بدون عقوبات؟ مستحيل, وكذلك منهج الله عز وجل, له مؤيدات قانونية. ف:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية:124]
لما أمرك بالعفة, وما انصاع الناس, ساوى ﺇيدز, كل عشر ثوان يموت إنسان في أمريكا, كل عشر ثوان, الله عنده ردع, عنده يسمونه في القانون مؤيد قانوني, افعل, فإن لم تفعل, الله كبير, كل أمرك بيده:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية:123]
أخواننا الكرام, كلما كبر عقل الإنسان, ازداد خوفه من الله, أبداً, كلما كبر عقل الإنسان, ازداد خوفه من الله.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((رأس الحكمة مخافة الله))
فأن تخاف الله وحده, أنت حكيم, وفي الإسلام لا يوجد حرمان.
((ما ترك شيئاً لله, إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
توضيح لمعنى الحديث:
يقول عليه الصلاة والسلام:
((مانع الزكاة يوم القيامة في النار))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
فقط أحتاج أن أوضح هذا الحديث:
((من منع الزكاة, وأنكر فرضيتها, من لم ينكر فرضيتها, ومنعها, هذا اسمه عاص, يتلف الله ماله, لكن لا يخلد في النار, أما الذي يمنع الزكاة, وينكر فرضيتها, هذا خالد مخلد في النار))
الحديث الأخير للزكاة نختم به الدرس :
آخر حديث:
((اعبد الله, لا تشرك به شيئاً, وأقم الصلاة المكتوبة, وأد الزكاة المفروضة, وحج واعتمر, وصم رمضان –معروفة-, وانظر ما تحب الناس أن يأتوه إليك فافعله بهم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
يوجد معك قاعدة ذهبية رائعة جداً: في كل تعاملك اليومي مع الناس, ضع نفسك مكان الطرف الآخر, أنت بائع, ضع نفسك مكان المشتري, أتحب أن يغشك؟ أتحب أن يوهمك؟ أن يدلس عليك؟ أن يخفي عليك عيب البضاعة؟ إذا كنت لا تحب, فعامل الناس كما تحب أن يعاملوك, والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا, أكرمنا ولا تهنا, آثرنا ولا تؤثر علينا, أرضنا وارض عنا. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم الفاتحة.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:36 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 005 - 119 ) : لمحات حول قوله تعالى - لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-03-02

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
دعوة شكر :
أيها الأخوة الكرام, بادئ ذي بدء: أشكر جزيل الشكر فضيلة الشيخ سعيد, على هذه الكلمة الترحيبية, وأسأل الله سبحانه وتعالى: أن يكون الدعاة في بلاد المسلمين؛ متعاونين متحابين, فهذا يؤكد إخلاصهم, أما إذا تنازعوا, وتنافسوا, فهذا يؤكد عدم إخلاصهم, والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:10]
ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين, ففي الإيمان خلل:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:10]
وإنما: أداة قصر وحصر, فانتماء الإنسان المؤمن في حقيقته إلى مجموع المؤمنين, والله سبحانه وتعالى يقول, والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((يد الله مع الجماعة, ويد الله على الجماعة, وعليكم بالجماعة, وإياكم والفرقة, فإن الشيطان مع الواحد, وهو من الاثنين أبعد, وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))
ماذا لو عرف المؤمن ربه ....؟ :
أيها الأخوة الكرام, نحن في سوق تجاري, من أشهر أسواق دمشق, والحقيقة: أن الإنسان بعد أن يعرف الله سبحانه وتعالى, أن المؤمن إذا عرف الله سبحانه وتعالى, لا شيء يشغل باله, إلا معرفة أمره ونهيه.
المؤمن بالكون يعرف الله, وبالشرع يعبده, أما إذا عرفت الله من خلال الكون, إذا تأملت في خلق السموات والأرض, إذا نظرت في ملكوت السموات والأرض, إذا تأملت في آيات الله في الآفاق, في آيات الله في النفس, واستقرت حقيقة الإيمان في نفسك, أن لهذا الكون إلهاً عظيماً, واحداً, كاملاً, رحيماً, عليماً, إلى آخر أسماء الله الحسنى .......
إن استقرت هذه الحقيقة في نفسك, تجد نفسك مندفعاً اندفاعاً لا حدود له, إلى معرفة الأمر والنهي .
هذه الآيات التي تعرف المؤمن بمنهج ربه :
في القرآن الكريم: آيات تعرف المؤمن بربه, وآيات تعرف بمنهجه, من الآيات التي تعرف بمنهج الله عز وجل, قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة البقرة الآية:183]
وكلكم يعلم: أن الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الدين, إلا أنه يخاطب المؤمنين بفروع الدين, هذا المؤمن عرف الله, إذاً: يجب أن يتلقى عن الله الأوامر التفصيلية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية:183]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة النساء الآية:29]
منزلقان خطيران يؤتى منهما المؤمن هما :
أيها الأخوة الكرام, لو أخذنا ألف مسلم, كم واحد منهم يقتل؟ كم واحد منهم يزني؟ كم واحد منهم يشرب الخمر؟ قلة قليلة, لكن الذي يقع في أموال الناس بالباطل كثرة كثيرة, هناك منطقتان كبيرتان, يؤتى منهما المؤمن؛ منطقة النساء, ومنطقة الأموال, أكثر المعاصي تتعلق بالنساء وبالأموال, لذلك: ورد في القرآن الكريم, وفي السنة المطهرة أحكام كثيرة, كثيرة, متعلقة بالأموال.
الإنسان إذا ترك قتل النفس, وشرب الخمر والزنا, الأشياء التي يمكن أن يقع فيها المنزلقات, التي يقع فيها كل يوم, أن يأكل مالاً فيه شبهة, أن يأكل مالاً بالباطل, وهو لا يدري أو يدري, لكن كسب المال منزلق خطير, لذلك قال سيدنا عمر:
((تفقهوا قبل أن تدخلوا السوق, لأنه من دخل في السوق دون تفقه, ربما أكل الربا شاء أم أبى))
هل خطر في بالك هذا السؤال؟ :
الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾
[سورة النساء الآية:29]
ألم تسألوا هذا السؤال: لم لم يقل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموال غيركم, أموال أخوانكم, أموال الآخرين, أموال الناس؟ لم قال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم؟ هل يعقل: أن آخذ مئة ليرة من جيب, أضعها في جيب؟ هل يعد هذا أكلاً للمال؟ لكن علماء التفسير قالوا:
((يجب أن تعد مال أخيك مالك من زاوية واحدة, مال أخيك هو مالك, لا من زاوية أن تأكله, من زاوية أن تحافظ عليه, فلأن تمتنع عن أكله من باب أولى))
متى تنقلب الأعمال إلى عبادات؟ :
أيها الأخ الكريم, أنت مأمور من قبل الله, أن تعد مال أخيك مالك, مال هذا الزبون, أليس مسلماً؟ أليس من عامة المسلمين؟ ألم يأت ليشتري من عندك شيئاً؟ المال الذي بحوزتك هو مالك, لكن ليس من كل الزوايا, من زاوية واحدة, من زاوية وجوب المحافظة عليه, أنت لست مكلفاً أن تأكله, أنت مكلف أن تحافظ عليه, فلأن تمتنع عن أكله من باب أولى, فإذا كنا مؤمنين حقاً, إذا كنا مسلمين حقاً, إذا أخلصنا لله عز وجل, ربما انقلبت حرفتنا إلى عبادة.
أيها الأخوة, الأعمال التي يفعلها معظم الناس بدافع حبهم للمال, من ضرورتهم له, الأعمال التي يفعلها معظم الناس, يفعلونها بحكم وجودهم, واستمرار وجودهم, هذه الأعمال إذا رافقتها نوايا طيبة, انقلبت إلى عبادات.
من يصدق: أنك إذا تاجرت, أو فتحت محلك التجاري, ونويت خدمة المسلمين, وحل مشكلاتهم, وتوفير السلع لهم بأسعار معتدلة, وكنت لطيفاً معهم, ورحمتهم, أنك في محلك التجاري تعبد الله عز وجل؟ لذلك الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾
[سورة النساء الآية:29]
قال العلماء: (بينكم): يعني: هذه الكتلة النقدية التي بين أيدي الناس, إن كانت موزعة بينهم جميعاً, فهذا متطابق مع منهج الله, الكتلة النقدية إذا كانت موزعة بين أيدي الناس جميعاً, فهذا مما يشير إلى صحة المجتمع, أما هذه الكتلة إذا تجمعت في أيد قليلة, وحرمت منها الكثرة الكثيرة, كان هلاك المجتمعات.
ما البلاء الذي ينزل على الأمة المسلمة إن لم ينفقوا أفرادها من أموالهم؟ :
قال تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[سورة البقرة الآية:195]
إن لم تنفقوا, الأموال إذا تجمعت بأيد قليلة, وحرمت منها الكثرة الكثيرة, وصار هناك تفاوتاً كبيراً بين الأغنياء والفقراء, الفقر ولد حقد, الفقر ولد جريمة, الفقر ولد اضطراب حبل الأمن, الفقر ولد شقاء, الفقر ولد مآسي.
وقد ورد عن سيدنا علي أنه:
((كاد الفقر أن يكون كفراً))
والغنى الشديد ولد بطر, ولد كبر, ولد استعلاء, ولد إسراف, ولد تبذير, أما إن كانت هذه الكتلة موزعة بين أفراد الأمة جميعاً, كان الوضع سليماً, والصحة الاجتماعية سليمة, لذلك:
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾
[سورة النساء الآية:29]
مال أخيك مالك, من زاوية وجوب الحفاظ عليه, أنت لست مكلفاً أن تأكله, أنت مكلف عكس ذلك, أنت مكلف أن تحافظ عليه, من هنا: التاجر ينصح المؤمنين, ينصحهم, يوفر لهم أفضل الحاجات, بأقل الأسعار, هذا من أعماله الصالحة.
كلمة لسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:
لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كلمة رائعة, قال:
((ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان))
ما كل الربح, قال: هناك ربح؛ أن تربح رضوان الله, أن تربح محبة الله لك, أن تربح آخرتك, أن تربح قبرك؛ إما أن يكون روضة من رياض الجنة, وإما أن يكون حفرة من حفر النيران .

من أساليب أكل مال الناس بالباطل :
قال تعالى:
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة النساء الآية:29]
أن تأكلها بالباطل, أن تأكلها بغير حق, فإذا قدمت سلعة لوصف, وهي ليست كذلك, هذا الوصف غير المطابق للحقيقة, هذا أكل أموال الناس بالباطل, هو لماذا اشترى هذه القطعة من القماش؟ على أنها صنع بريطانيا, ﺇنكليزي يقول لك, فإن لم تكن كذلك, هو دفع ثمن بضاعة ذات منشأ معين, فإن أعطيته بضاعة ذات منشأ آخر, أنت أكلت ماله بالباطل.
يعني: آلاف عشرات ألوف الأساليب, التي يأكل بها الإنسان أموال الناس بالباطل؛ الكذب, التدليس, إخفاء العيب, الاحتكار, الاستغلال, هذه كلها تدعو إلى أكل أموال الناس بالباطل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة النساء الآية:29]
أما حينما تشتري سلعة بسعر, وتبيعها بسعر أعلى, أنت أكلت أموال الناس, لكن هذا الأكل سمح به الشرع, ليس بالباطل, بالحق, نظير استيراد هذه البضاعة, وانتقاء هذه البضاعة, ودفع ثمن هذه البضاعة, وتخليص هذه البضاعة, وعرض هذه البضاعة, وتوزيع هذه البضاعة, بذلت جهداً كبيراً, وفرت الحاجات للناس, فإذا بعت البضاعة بأعلى ما اشتريتها, فهذا الأكل بالحق لا بالباطل:
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾
[سورة النساء الآية:29]
يعني: هذا الذي يشتري, إذا كُشف له, أو كشف هو أصل البضاعة, ومنشأها, وصفاتها, وسعرها, ورآك ربحت ربحاً معقولاً نظير هذه الخدمة, يمتن منك ويرضى, أما إن رأى أنه قد ربحت عليه أضعافاً مضاعفة فاحشة, أو أعطيته بضاعة سيئة, أو أوهمته بصفات ليست فيها, أو صار هناك غبن في الثمن, أو في الكيل, أو في الوزن, أو في المساحة, هذا كله يجعل أكل أموال الناس بالباطل, لذلك:
((أطب مطعمك, تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
((أطب مطعمك, تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
قصة لها مغزى :
أنا زرت شخص, والد صديق لي توفي -رحمه الله-, كان عمره ستة وسبعين عاماً, زرته في العيد, قال لي بالحرف الواحد, قال لي: والله عملنا تحليل كامل, الحمد لله كله طبيعي, تحليل كامل؛ الشحوم, الكوليسترول, الأسيد أوريل, كل أنواع التحاليل كاملة, ثم قال لي, قال لي: والله في حياتي كلها, ما أكلت درهماً حراماً, وما عرفت الحرام بالنساء.
((من اتقى الله وقاه, ومن حفظ الله في صغره, حفظه الله في كبره, ومن تقصى الحلال, بارك الله في ماله الحلال))
لا تبال, بال أن يكون هذا الدرهم حلالاً, أن تأخذه من وجد حلال, بطريقة مشروعة, مقابل ربح حلال, بضاعة مشروعة؛ لا فيها كذب, لا فيها تدليس, لا فيها غش, لا فيها إيهام, لا فيها غبن؛ لا بالسعر, ولا بالوزن, ولا .......
لماذا تقيس القماش إذا اشتريته مرخياً, أما إذا بعته مشدوداً؟ لماذا؟ يجب أن تقيس القماش في البيع والشراء على حد سواء.
فهذه الآية تعد من الآيات الدقيقة جداً في كسب الأموال, لا تأكل مال الآخرين بالباطل, لأنه في الأصل مالك.
هذا ما أضافه علماء التفسير لمعنى هذه الآية :
في معنى آخر أضافه علماء التفسير: أنك إن أكلت مال أخيك أضعفته, وإن أضعفته, أنت ملزم به, أضعفت نفسك, لأن المؤمنين كتلة واحدة, جسد واحد.
((إن اشتكى منه عضو, تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))
أنت إن أكلت مال أخيك وأضعفته, أضعفت نفسك, أخوك أنت ملزم به, إن قوي أخوك, فأنت في خير, وإن ضعف أخوك, فأنت في مشكلة.
إذاً: إن أكلت ماله, فكأنما أكلت مالك, الذي حوله أقرباء, إن كانوا أقوياء, وأغنياء يرتاح, وإن كانوا فقراء وضعفاء, يلقون عليه ثقلاً كبيراً, هذا معنى آخر:
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة النساء الآية:29]
هذا ما ورد في صحيح البخاري :
أيها الأخوة الكرام, أريكم نموذجاً من أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم.
ورد في صحيح البخاري, أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه, لما قدم المدينة, آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع.
وبالمناسبة: ماذا يمنع, ونحن في آخر الزمان: أن يتآخى المسلمان اثنين اثنين؟.
أنت اصطف من المسجد أخ واحد, اجعله أخاً لك في الله, تفقده؛ تفقد مجيئه, زره, تفقد شؤونه, إن مرض عده, إن أصابه غم فرج عنه, إن أصابته مصيبة عزه, إن استقرضك أقرضه, إن استعان بك أعنه, اصطف أخ, فالنبي هكذا فعل, والنبي قال:
((تآخيا اثنين اثنين))
أنا لا أقول لك: آخ عشرة, واحد, اتخذ من أخوان المسجد أخاً واحداً, واجعله أخاً في الله, إن لم يحضر الدرس, اسأل عنه, اتصل به هاتفياً في العيد, زره إن أنجب مولوداً, بارك له, وقدم له هدية, إن تزوج أعنه, إن مرض عده.
((تآخيا اثنين اثنين))
هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام, الله يحبنا مجتمعين, يحبنا متحابين, يحبنا كتلة واحدة.
يعني: تفضل أستاذنا الكريم ...........
في غزوة تبوك, النبي سأل عن صحابي, في شخص لمز وغمز به, فقام أحد الصحابة قال:
((والله يا رسول الله, لقد تخلف عنك أناس, ما نحن بأشد حباً لك منهم, ولو علموا أنك تلقى عدواً, ما تخلفوا عنك, سر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الدفاع))
المفروض: هذا المسلم ينبغي أن تدافع عنه, أن تكون له حصناً منيعاً.
فالنبي عليه الصلاة والسلام: آخى بين عبد الرحمن بن عوف المهاجر, وسعد بن الربيع الأنصاري.
طبعاً: سيدنا سعد بن الربيع كان من أثرياء الصحابة, عرض على عبد الرحمن بن عوف نصف ماله, اختر أحد البستانين, اختر أحد الدكانين هكذا, نصف ماله, والشيء الذي لا يصدق: أنه بقدر ما كان الأنصار أسخياء, بقدر ما كان المهاجرون أعفة, الشيء الجميل الأول سخي, والثاني عفيف, عرض عليه نصف ماله, أحد بستانيه, أحد دكانيه, فما كان من عبد الرحمن بن عوف, إلا أن قال له:
((بارك الله لك في مالك, ولكن دلني على السوق, دلني على السوق, فدله على سوق قينقاع, قال: فغدا إليه عبد الرحمن, فأتى بإقط وسمن, ثم تابع الغدو, فما لبث أن جاء عبد الرحمن, عليه أثر صفرة, -معنى أثر صفرة: أي طيب له رائحة ولون-, فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: تزوجت يا عبد الرحمن؟ قال: نعم, تاجر, وربح, وتزوج))
يعني: إذا كان إنسان دخل السوق, بنيته أن يجبر الله كسره, وأن يرزقه رزقاً حلالاً, وكان مستقيماً, حق على الله عز وجل أن يرزقه.
ما الهدف من ذكر هذه القصة؟ :
مرة كنت في سفر إلى الساحل, رأيت مسجداً رائعاً قبيل جبلة, دخلت لأصلي فيه, فإذا رجل يدعوني إلى شرب فنجان قهوة, دخلت إلى غرفته الخاصة في المسجد, فإذا هو الذي بنى المسجد, ذكر لي, قال لي: والله الذي لا ﺇله إلا هو قبل كذا عام, أنهيت الخدمة الإلزامية, ولا أملك قرشاً واحداً, إلا إنني أردت أن أسافر, وأخذت من أختي قطعة ذهب, بعتها بثلاثمئة ليرة, واشتريت بها بطاقة طائرة, سافرت بها إلى الخليج, هذا الرجل يقسم -وهو حي يرزق-: أنه في الطائرة ما تكلم, ولا حرك شفتيه, إلا أنه خطر في باله: أن الله إذا أكرمه, سيبني لله مسجداً, أقسم بالله: أنه ما ذكر هذا بلسانه, فقط خاطر, وأقام فترة من الزمن هناك, وأكرمه الله إكراماً شديداً, وأتى بخمسة دونمات في جنوب جبلة, وأراد أن ينشىء مسجداً, لا يوجد موافقة, لأن المنطقة زراعية, والقوانين تمنع, قابل محافظ طرطوس, قال له: عمر, وأنشأ المسجد, وهو في حالة رضية جداً.
على اختيار: إنسان دخل السوق, بنية أن يكسب مالاً حلالاً, يكفي به نفسه, ويكفي به أولاده, وأحد الصحابة يقول:
((حبذا المال, أصون به عرضي, وأتقرب به إلى ربي))
الصحابي الجليل -وأظن أبا ذر-, أعطى وظيفتين للمال كبيرتين:
((أصون به عرضي))
عندك زوجة, عندك أولاد؛ تطعمهم, تكسوهم, تسكنهم في بيت مريح, هذا الهدف هدف نبيل, ثم تنفع المسلمين, في فقراء, في مساكين, في أرامل, في إنسان بحاجة لعملية جراحية.
إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين :
مرة زرت شخصاً, أجرى عملية في قلبه, زرته قبل العملية, رأيت الحزن والأسى مخيماً على البيت, اتصلت به امرأة محسنة عبر الهاتف, قالت له: اذهب إلى الطبيب الفلاني, وقد أمن تلك إجراء عملية مجاناً, الطبيب قال له: العملية غداً, والعملية نجحت, وبعد حين زرته في البيت, والله وجدت أولاده يكادون يرقصون من شدة الفرح.
الإنسان ......
((إذا أردت أن تسعد, فأسعد الآخرين))
لم ينتبه أحد لسر السعادة, يظن إذا أكل طعاماً طيباً يسعد, لا, إذا كان سكن في بيت فخم, يزداد سعادة, لا, هذا البيت يمل بعد حين, كل شيء له بريق, يفقد بريقه بعد حين, إذا دخل إنسان لبيت واسع, يُدهش به, أما صاحب البيت غير مدهوش, إن ركبت مركبة فاخرة, تُدهش بها أول مرة, أما صاحبها غير مدهوش, طبيعة الدنيا أنها في هبوط.
فالمؤمن إذا أراد أن يسعد حقيقة, عليه أن يسعد الآخرين.
أين وردت هذه القصة؟ :
فسيدنا سعد بن الربيع قال له:
((نعم تزوجت, قال: ومن تزوجت؟ قال: امرأة من الأنصار, قال: كم سقت لها مهراً؟ قال: زنة نواة من ذهب, أو نواة من ذهب, فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أولم ولو بشاة))
هذا في صحيح البخاري, معنى سعد بن الربيع: عفته, وترفعه عن مال الآخرين, عبد الرحمن بن عوف, ونيته العالية في كسب المال الحلال, جاء إلى المدينة لا يملك شيئاً, باع ﺇقطاً, -هذا لبن مجفف- وسمن, بعد حين كسب مالاً, تزوج امرأة, تعطر, سأله النبي, قال:
((تزوجت من؟ امرأة من الأنصار؟ كم سقت لها؟ قال: نواة من الذهب, قال له: إذاً: أولم بشاة))
هذا ما ذكر :
أيها الأخوة, النبي عليه الصلاة والسلام ذكرت هذا من قبل.
ورد في بعض الأحاديث:
((أن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا, وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا, وإذا اشتروا لم يذموا, وإذا باعوا لم يطروا, وإذا كان لهم لم يعسروا, وإذا كان عليهم لم يمطروا))
لا يمطر, ولا يعسر, ولا يمدح, ولا يذم, ولا يخون, ولا يكذب, ولا يخلف الوعد, إن كنت كذلك, فأنت من أطيب التجار.
((والتجار مع النبيين والصديقين يوم القيامة))
نقطة :
في نقطة قلما ينتبه الناس إليها, وهي في الحديث الصحيح: ورد في سنن أبي ماجة, يقول عليه الصلاة والسلام:
((من باع داراً أو عقاراً, فلم يجعل ثمنه في مثله, كان قمناً ألا يبارك فيه))
أحياناً: الإنسان يبيع بيتاً, لا يشتري بيتاً آخر, يبيع محلاً تجارياً, لا يشتري مكانه محلاً آخر, في ثوابت, لها قيمة كبيرة جداً, قد ينفق ثمن هذا البيت خلال سنتين وانتهى الأمر, خسر البيت.
يعني: شخص أعرفه, أراد أن يسافر إلى الزائر, عنده بيت قال: معقول جمد هذا البيت خمس سنوات, فباع البيت, ووضع ثمنه عند رجل, عاد بعد خمس سنوات, البيت صار ثمنه عشرة أمثال, والمبلغ ربح بالمئة خمسة.
فدققوا في هذا الحديث: ورد في حديثين, يقول:
((من باع -الثاني في مسلم, والأول عند أبي ماجة-, من باع داراً, ولم يجعلها ثمنها في مثلها, لم يبارك له فيها))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
يعني: القيم الثابتة: هذه لأولادك, ولذريتك من بعدك, بيت تسكنه دكان, تعمل بها هذه الثوابت, لا ينبغي أن تفرط بها لسبب طارئ.
فالإنسان, هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام, ورد هذا في حديثين.
ينبغي أن تعلم هذا :
أيها الأخوة, هناك أحاديث كثيرة حول قواعد التجارة, والبيع, والشراء, هذه الأحاديث من فرض العين, لأن الإنسان إذا تاجر, معرفة أحكام البيع والشراء, فرض عين عليه.
الحقيقة: هناك علم ينبغي أن يُعلم بالضرورة, وهناك علم فرض كفاية.
أنت إذا كنت تاجراً, فمعرفة أحكام البيع والشراء, فرض عين عليك, لأنه في مزالق كثيرة جداً, المرأة غير هكذا.
قال:
((المرأة إذا صلت خمسها, وصامت شهرها, وأطاعت زوجها, وحفظت نفسها, دخلت جنة ربها))
أما أنت رجل تكسب المال, آلاف المنزلقات في كسب المال.
أحياناً: كذبة واحدة, تجعل البيع حراماً.
لا تغش أحداً :
حدثني أخ, يبيع قطع تبديل, قال لي: قطعة ثمنها عشرون ألف, بقيت خمس سنوات, نرحلها من جرد إلى جرد, جاء زبون طلبها, قال لي: فرحت أشد الفرح, صعدت إلى السلم لأناوله إياها, سألني وأنا على السلم: أصلية؟ هي ليست كذلك, قال لي: شعرت بصراع, إن قلت له: ليست أصلية لا يشتريها, آثرت رضاء الله عز وجل, قلت له: لا ليست أصلية, قال له: هات كلمة كلمة, قال له: ليست أصلية, قال له: هات البيع حلال, لو قال له: أصلية, حرام البيع.
فأحياناً كلمة, تقلب الصفقة إلى صفقة, محرمة, كذب, تدليس, لا تغش أحداً:
﴿إن اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
[سورة الذاريات الآية:58]
طبق شرع الله ولا تخف على رزقك :
كان في محل بآخر الحمدية, يبيع عصير على اليمين, الآن: غير أعتقد المصلحة, معقول إنسان إذا أذن الظهر, يغلق, يذهب على الأموي, معقول ينتظرونه حوالي ثلاثين رجل, ينتظرونه, اذهبوا صلوا معه, ينتظرونه حتى يعود, لا يوجد إنسان يطبق شرع الله, هكذا بقوة, إلا الله عز وجل يريه من آياته.
يعني: أنت أقم منهج الله, ولا تعبأ بأحد, تجد هذا الذي تساومه, يأتيك فرعناً, أنت كن صادقاً معه, وكن مخلصاً لله, ولا تبدل, ولا تغير, الله عز وجل يلقي في قلبه رغبة في هذه البضاعة .
هذا ما أعرفه عن هذا الرجل :
أنا أعرف رجلاً, وأنا أعرفه ولا أزكي على الله أحداً, يدفع ثلث دخله, ثلث دخله لله غير الزكاة, الثلث ثلاثون بالمئة, يبيع بضاعته في بقاع بالعالم كثيرة.
يقول لي: شخص بجدة, نبيع –مثلاً- عشر قطع من إنتاجه, لنبيع قطعة ﺇفرنسية, ما هذا السر؟ ليست أوروبية, الأوروبي أجمل, وأتقن, وأرخص, قال لي: نبيع عشرة لنبيع واحدة.
قال له:
((أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً))
((أنفق أُنفق عليك))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
الإنسان إذا ما عامل الله معاملة مباشرة.
خاتمة الحديث :
أعرف رجلاً, عمر بناء, وصدقوني: القصة صعب تتصدق, مئة وحدة سكنية, والقصة من عشرين سنة, وما طوبت إلى الآن.
إنسان اشترى بيت ثلاثين ألف, صار ثمنه اثنا عشر مليون, لكن لم يطوب, عرضوا عليه كل بيت مليون, لكن طوب لنا, مليون.
يقسم لي بالله العظيم, -أحد أخواننا من الحريقة-, من هنا أنه هو كان الوسيط, عرضوا عليه مئة مليون ليرة, لكن طوب لنا, لكن هو ليس سبباً بعدم الطابو, لما صار في إمكان يطوب, جمعهم جميعاً ............... والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا, أكرمنا ولا تهنا, آثرنا ولا تؤثر علينا, أرضنا وارض عنا, وجزى الله عنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أهله, وجزى عنا أستاذنا الجليل ما أهله, والحمد لله رب العالمين, الفاتحة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:37 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 003 - 119 ) : أحاديث تبدأ بكلمة (ويل)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-13

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ماذا تعني هذه العبارة من أحاديث رسول الله: ويل من كذا, من كذا؟ :
أيها الأخوة الكرام, في كتاب الجامع الصغير, من أحاديث البشير النذير عليه الصلاة والسلام, طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, تبدأ بكلمة: ويل, والويل هنا: بمعنى الهلاك, ويل للأعقاب من النار, ويل للعالم من الجاهل, سوف نأتي عليها إن شاء الله بعد قليل, ولكن قبل أن نشرع في شرح بعضها, أريد أن أضع بين أيديكم: ماذا تعني هذه العبارة: ويل لكذا من كذا؟ .
لو قلنا مثلاً: ويل للمدخن من التدخين, الله سبحانه وتعالى جهز جسم الإنسان بأجهزة بالغة الدقة والفاعلية .
فمثلاً: الإنسان حينما يرى أفعى, أو عقرباً, أو حينما يتهدده خطر, ما الذي يحصل في جسمه؟ .
العلماء قالوا:
((إن شكل الأفعى, أو العقرب, أو المسدس, ينطبع على الشبكية في العين))
وشبكية العين فيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط, في عشر طبقات في قعر العين, هذه الشبكية تتلقى الصور .
الإنسان إذا رأى أفعى, أو رأى عقرب, أو رأى خطراً يتهدده, صورة هذه الأفعى تنطبع على الشبكية إحساساً, وتنتقل إلى الدماغ إدراكاً, في الدماغ مفهومات؛ في سني الطفولة, في التعليم الابتدائي, والإعدادي, والثانوي.
في بعض القصص تتراكم مفهومات عن الأفعى, معناها شيء مخيف, قاتل, لدغتها قاتلة, فالعين تتلقى الصورة, وتنقلها إلى الدماغ, الدماغ يحلل هذه الصورة, ويعرف خطرها الدماغ, ملك الجهاز العصبي, الجهاز العصبي ملكه الدماغ, يُعطي أمراً إلى ملكة الجهاز الهرموني, هي الغدة النخامية, الغدة النخامية في الدماغ, لكنها ترسل أوامرها على أساس هرمونات, لا على أساس أوامر كهربائية, هذه الغدة الهرمونية النخامية, وزنها نصف غرام, تتلقى أمر, أن هناك خطر يتهدد الإنسان, تصرفي أيتها الملكة, هذه الملكة تُرسل أمراً إلى الكظر, الكظر غدة فوق الكلية, الكظر يعطي خمسة أوامر:
الأمر الأول: يتوجه إلى القلب, فتزيد نبضاته, فالخائف يضطرب قلبه مئة وثلاثون, مئة وأربعون, مئة وستون, هذا الأمر أرسله الكظر بناء على أمر النخامية, بناء على أمر الدماغ إلى القلب.
الأمر الثاني: يتجه إلى الرئتين ليزداد وجيبهما, كي تتوفقان مع القلب.
الأمر الثالث: يتجه إلى الأوعية الدموية في الجسم, ولا سيما المحيطة في الجلد, تضيق لمعتها من أجل أن يتوفر الدم إلى العضلات.
الخائف الذي يتهدد خطر, لا يعنينا مظهره, ولا لون جلده, ولا تألقه, يعنينا نجاته, لذلك الأمر الثالث: يتجه إلى الأوعية, تضيق لمعتها, فالخائف يصفر لونه .
والأمر الرابع: يتجه إلى الكبد, وفي الكبد يفرز هرمون اسمه: هرمون التجلط, فدم الخائف لزج, لأن هذا الخائف قد يفقد بعض دمه, لزوجة الدم تمنع من نزيفه.
ويتجه أمر خامس إلى الكبد, ليطرح كمية سكر إضافية في الدم, هذا الخائف مضطرب قلبه, ويزداد وجيب رئتيه, ويصفر لونه, وتزداد نسبة السكر في دمه, وتزداد نسبة التجلط في دمه, هذا رد العضوية على الخطر الدائم.
طبعاً: القلب تزيد سرعته من أجل أن ينتقل الدم إلى العضلات سريعاً, والرئتان يزداد وجيبهما كي تتوفقان مع الدم, والأوعية تضيق لمعتها من أجل أن يوفر الدم للعضلات, والكبد يفرز هرمون التجلط, لو ضُرب بسكين لا ينزف دمه, والأوعية تضيق من أجل توفر الدم في العضلات.
النيكوتين الذي في الدخان, يفعل الفعل نفسه, المدخن يزداد ضربات قلبه, ووجيب رئتيه, ويصفر لونه, وترتفع نسبة السكر في دمه, ويرتفع نسبة هرمون التجلط فيه.
فإذا قلنا مثلاً: نفس الأثر, الأثر الذي يُحدثه الخوف في جسم الإنسان, هو نفسه الذي تحدثه مادة النيكوتين التي في الدخان .
لذلك: أحياناً: المدخن تبتر بعض أعضائه, لماذا؟ .
لأن الدم صار لزجاً, مع لزوجته لا يسري في أدق الأوعية, ففي أطراف الجسم في نهايات الأطراف, تضيق الأوعية كثيراً, فالدم اللزج لا يصل, فإذا لم يصل, صار في نقص تروية, صار في نواة, صار في غرغرين, بترت .......
طبعاً: غير السرطان, وغير الأمراض الكثيرة التي نتحدث عنها بعد قليل. يعني: أكبر سبب للجلطة: هو الدخان.
طبيب من أطباء هذا القطر, من جراحي القلب المشهورين, قال لي بالحرف الواحد: من ثماني سنوات, وأنا أجري عمليات قلب مفتوح, ومن أغرب الصدف: أنه ما أجرى عملية إلا لقلب مدخن.
يعني: نسبة إصابة المدخن بأمراض القلب, ترتفع ثمانية أمثال –نعم-, فإذا قلنا: ويل للمدخن من الدخان, ماذا نعني؟ يعني: الهلاك ينتظر المدخن بسبب الدخان.
هذه العبارة مهدت لهذه الأحاديث بهذه العبارة, كي نعرف أن الويل هو الهلاك, وكلمة من: تعني السبب, ويل للمدخن من الدخان.
معنى هذا الحديث :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((ويل للمالك من المملوك))
[أخرجه البزار في مسنده]
المملوك قد يُظلم, قد لا يأخذ حقه, قد يُبخس حقه, قد يُقهر, قد يُحرم, فالمالك محاسب.
يعني: الله عز وجل يقول:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسؤولُونَ﴾
[سورة الصافات الآية:24]
فالإنسان إذا ملك, سوف يحاسب على ما ملك, هل أدى حق الله عز وجل؟ هل قال من حوله: يا رب, لقد أغنيته بين أظهرنا, فقصر في حقنا؟ هل نسي فرض صلاة؟ هل تجاوز حده؟ هل استعلى على خلق الله؟ .
((ويل للمالك من المملوك))
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((قليل تؤدى شكره, خير من كثير لا تؤدى شكره))
الشيء القليل مع الشكر, أفضل ألف مرة من شيء كثير بلا شكر, أو بإيدان, أو بتعلق حقوق.
((ويل للمالك من المملوك -الآن-: وويل للمملوك من المالك))
[أخرجه البزار في مسنده]
إن لم يؤد الأمانة, إن لم ينصح, أنت عينت موظف, ما أدى الأمانة, ما نصحك في عمله, ما أعطى الوظيفة حقها, ما فعل ما ينبغي أن يفعله, فالذي يملك ويل له إذا أساء إلى مملوكه, والمملوك ويل له إذا خان مالكه, فالإنسان إذا ملك له حساب خاص, نعم.
((من ولي أمر عشرة فلم ينصحهم, أو ولَّى عليهم من ليس أهلاً لهذه الولاية, لقي الله خائناً, من تزوج امرأة وفي نيته أن لا يؤدي لها صداقها, لقي الله زانياً, من أخذ أموال الناس يريد إتلافها, أتلفه الله))
فالمالك مسؤول, والمملوك مسؤول, المالك مسؤول: هل أعطيته حقه؟ المملوك مسؤول: هل أديت ما عليك بالتمام والكمال؟ .
فلذلك: الإنسان أشد الناس عذاباً: هم الذين ملكوا وقصروا .
هكذا يعد عمر نفسه :
سيدنا عمر, كان يتجول في المدينة ليلاً, فرأى قافلة أناخت الركب في أطراف المدينة, فتوجه إليها ليحرسها مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف, سمع طفلاً يبكي, توجه إلى أمه, وقال:
((أرضعيه -سيدنا عمر الخليفة نفسه: أرضعيه- أرضعته, ثم بكى ثانية, قال: أرضعيه, أرضعته, ثم بكى ثالثاً, قال لها: يا أمة السوء أرضعيه, عندئذ ضجرت وقالت له: وما شأنك بنا؟ -لم تتدخل؟-, قالت له: إني أفطمه, قال: ولم؟ قال: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام.
يروي كاتب القصة: أن عمر بن الخطاب ضرب جبينه, وقال: ويحك يا بن الخطاب, كم قتلت من أطفال المسلمين!؟.
-عد نفسه قاتلاً لأطفال المسلمين, لأنه أعطى التعويض العائلي للأم بعد الفطام, فأصبحت الأمهات يفطمن أولادهن قصراً- .
وأرسل كتاباً إلى الأنصار: أن العطاء يستحق عند الولادة, وصلى صلاة الفجر, وما سمع أحد صوته في الصلاة من شدة بكائه.
وكان يقول: ربي هل قبلت توبتي فأهنىء نفسي, أم رددتها فأعزيها؟))
عمر يسأل أحد ولاته هذا السؤال:
سأل أحد الولاة, قال له:
((ماذا تفعل إذا جارك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده, قال: إذاً: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل, فسأقطع يدك.
قال: يا هذا, إن الله استخلفنا عن خلقه؛ لنسد جوعتهم, ونستر عورتهم, ونوفر لهم حرفتهم, فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها, إن هذه الأيدي خلقت لتعمل, فإذا لم تجد في الطاعة عملاً, التمست في المعصية أعمالاً, فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية))
فإذا مَلكت فأنت محاسب, وإن مُلكت فأنت محاسب, إن مَلكت تحاسب على أداء الاستحقاق, وإن مُلكت تحاسب على الوفاء بالوعد.
أيها الأخوة الكرام, كلما ازداد علم الإنسان, يزداد خوفه من الله عز وجل.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((رأس الحكمة مخافة الله))
والإنسان إذا أدى الحقوق, نجا من عذاب الله عز وجل.
ف
((ويل للمالك من المملوك))
عمر يحكم بالقضاء :
مرة أحد الولاة سأل سيدنا عمر, قال:
((يا أمير المؤمنين, إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم, لست أقدر على استخراجه منهم, إلا أن أمسَّهم بالعذاب, فإن أذنت لي فعلت -يعني: نعذبهم حتى يعترفوا-, فأجابه عمر, قال له: ويحك, أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل لك أنا حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة, فإن قامت فخذهم بالبينة, فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار, فإن أقروا فخذهم بإقرارهم, فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين, فإن حلفوا فأطلق سراحهم, وايم الله! لأن يلقوا الله بخيانتهم, أهون من ألقى الله بدمائهم))
((ويل للمالك من المملوك, وويل للمملوك من المالك))
[أخرجه البزار في مسنده]
عمر بن عبد العزيز يستشير الحسن البصري :
سيدنا عمر بن عبد العزيز, سيدنا الحسن البصري, وهو من كبار التابعين, كان مرة عند والي البصرة, وقد جاء البريد, وفيه توجيه لوالي البصرة, لإجراء شيء لا يرضي الله عز وجل, وقع في صراع شديد: أينفذ أمر الخليفة ويغضب الله عز وجل, أم لا ينفذ أمر الخليفة ويغضب الخليفة؟.
كان إلى جانبه الحسن البصري, قال:
((ماذا أفعل يا إمام؟ -دلني, عرض عليه المشكلة-, فأجاب الإمام إجابة جامعة مانعة موجزة كافية, قال -ودققوا في قوله-: إن الله يمنعك من يزيد, ولكن يزيد لا يمنعك من الله))
((إن الله يمنعك من يزيد -لو أراد بك سوءاً-, لكن يزيد -إذا أراد بك سوءاً- لا يمنعك من الله))
فكن مع القوي, وكن مع الرحيم.
هذه مسؤولية العالم ومسؤولية الجاهل :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((ويل للعالم من الجاهل, وويل للجاهل من العالم))
كيف؟
سيدنا علي رضي الله عنه, له قول رائع, يقول:
((قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, وغني لا يبخل بماله, وفقير لا يبيع آخرته بدنياه))
قال:
((إذا ضيع العالم علمه, استنكف الجاهل أن يتعلم))
يعني: العالم إذا لم يكن ورعاً, الجاهل يرفض التعلم, وهذه الفكرة خطيرة جداً: العالم إن لم يكن ورعاً, إن لم يجسد بسلوكه ما قاله بلسانه, تفقد الكلمة قيمتها, يقول لك: كلام, صف كلام, كلام فارغ.
ف
((ويل للعالم من الجاهل))
الجاهل عندئذ لا يتعلم, ولا يقتدي, ويرفض العلم, ويبقى جاهلاً, لأن الذي يعلمه, ما رأى فيه المصداقية, وما رأى فيه التطبيق.
فالإنسان قبل أن يتكلم, يجب أن يعلم أنه محاسب على كل كلماته.
قال:
((وويل للجاهل من العالم))
إنسان أتيح له أن يتعلم, ويبقى جاهلاً؟ .
فالجهل جريمة بحق الإنسان, فإن تعلمت, فأنت مسؤول, هل طبقت ما تعلمته؟ وإن لم تتعلم, فأنت مسؤول, لم لم تتعلم؟ ليس العار أن تكون جاهلاً, ولكن العار أن تبقى جاهلاً.
لا تظن الأمر هكذا :
أخواننا الكرام, الإنسان يظن أن حضور مجلس علم, يعني: عملية أنا اليوم ليس عندي عمل نحضر, الدنيا شتاء, الليل طويل, في درس لطيف في الجامع الفلاني, هذه قضية متعة, قضية عمل ثانوي, أما هو الأمر أخطر من ذلك.
يعني: أنت حينما لا تعلم أمر دينك تهلك, لا بد من أن تقع في انحراف, ولكن انحراف عقاب من الله عز وجل.
ممكن إنسان لأول مرة يركبه طائرة, يقول له: حلق, احتمال سقوطه بالمئة مئة, يعني: قيادة طائرة, تحتاج إلى تدريب مسبق, وﺇلى علم, وﺇلى معرفة, وﺇلى صفات معينة, فلو ركبنا إنسان طائرة, وقلنا له: قدها, سقوطه محتم, والحياة فيها مطبات, وفيها ألغام, وفيها انحرافات, كما لو أنك تركب طائرة, فإن لم تتفقه, أكلت الربا شئت أم أبيت, لا بد من التفقه, لذلك الإنسان: حينما يعمل عملاً معيناً, معرفة أحكام الفقه لهذا العمل, فرض عين عليك, فإن لم يعرفها وقع في الحرام.
قف هنا :
حديث آخر:
((ويل للأغنياء من الفقراء))
قبل أن أمضي:
((إذا ضيع العالم علمه, استنكف الجاهل أن يتعلم, وإذا بخل الغني بماله, باع الفقير آخرته بدنيا غيره))
يعني: إنسان اعتنق عقيدة الإلحاد, أصابه مرض عضال, يعني لجأ إلى بعض المساجد, جمع له الأخوة ما يكفي لمعالجة هذا المرض, بعد أن شفي من مرضه, صار من كبار الملتزمين بالمسجد, كان ملحداً .
((كاد الفقر أن يكون كفراً))
أنت حينما ترعى الناس, وتعاونهم على أمر دنياهم, تقربهم إلى الله عز وجل.
ف
((ويل للمالك من المملوك, وويل للمملوك من المالك, ويل للعالم من الجاهل, وويل للجاهل من العالم))
العالم محاسب على تطبيقه ما تعلم, والمتعلم مكلف أن يطلب العلم.
هذه مسؤولية الأغنياء :
الغني:
((الأغنياء أوصيائي, والفقراء عيالي, فمن منع مالي عيالي, أذقته عذابي ولا أبالي))
يعني: قبل أيام, أو قبل أسبوعين, نشرت إحدى الصحف الدمشقية اليومية, قصة مؤثرة جداً حول مرض الإيدز, فتفقدوا بعض الفنادق في دمشق الهابطة, فحصوا دم امرأة تقيم في الفندق, وهي عاهرة, فإذا هي مصابة بهذا المرض, وقد نقلته لعشرين رجلاً, أخذوا أسماء النزلاء الذين التقوا معها, وتتبعوا أحوالهم, وفحصوا دمهم, فإذا هم مصابون, عشرون رجل نقل إليهم هذا المرض, من خلال هذه المرأة حسناً, ما قصة هذه المرأة؟ .
حققوا معها, امرأة فقيرة جداً, لها زوج, دخله محدود, وخمسة أولاد, حينما ضاقت بهم الدنيا, وهم جاهلون طبعاً, لجأت لهذا الفندق, تمضي كل شهرين أسبوعين, فتأخذ بالأسبوعين مبلغاً يرمم مصروفها.
فالأغنياء حينما قصروا في معاونة هذه الأسرة, فاضطرت أن تذل قدم المرأة بعلم زوجها, وأن تنقل المرض إلى زوجها, وﺇلى أولادها, وﺇلى عشرين رجل في .......
الأغنياء إذا نسوا, نسوا ما عليهم من واجبات, ألا يحاسبون؟ .
اقرؤوا معاشر الأغنياء :
حدثني صديق تحت بيته فيه ملابسات أخلاقية لا ترضي, يعني: بيت دعارة, استنجد بالشرطة, وأغلقوا البيت, وأغلقوه, فصار في لقاء مع صاحب هذا البيت, قال له بالحرف الواحد: والله تأتيني نساء كثيرات, يطلبن هذا العمل ليأكلن.
قال له: بعد ما أنا اغتنيت بالعمل, صرت ردهن, وأعطيهم مبلغاً من المال حتى ما تذل قدمهم.
فبلدة, إنسانة تبيع عرضها من أجل أن تأكل, وهناك أغنياء مترفون, يقيمون الحفلات, والمأدبات, والأعراس بالملايين.
((الأغنياء أوصيائي, والفقراء عيالي, فمن منع مالي عيالي, أذقته عذابي ولا أبالي))
فالإنسان عليه أن يؤدي زكاة ماله, وعليه أن يتقصى, أن يدفعها عند المستحق, لأن الغنى مسؤولية.
اعلم أيها التاجر :
أخواننا الكرام, مرة ثانية أقول لكم: أنا لا أصدق, لولا أن النبي قال, لا أصدق أن تاجراً يبيع ويشتري, وهو مع النبيين يوم القيامة, لأنه أدى ما عليه, لأنه علم الناس الاستقامة, لأنه نصح الناس في البضاعة, لأنه صدقهم, لأنه كان أميناً.
((التاجر الصدوق الأمين, مع النبيين والصديقين يوم القيامة))
أنت لا تعلم ما تفعل الزكاة فعلها, هذه الزكاة تصون بها أسرة, تحفظ بها ماء وجه, تُدخل الفرحة على الفقراء, فلذلك:
((ويل للأغنياء من الفقراء, إن لم يؤدوا الحقوق))
الويل لمن شملهم هذا الحديث :
((ويل للعالم من الجاهل, ويل للمالك من المملوك, ويل للمتألِّين على الله, الذين يقولون: فلان في الجنة, فلان في النار, -فلان فاسق, فلان كافر, تقييم العباد من شأن رب العباد, تقييم العباد من شأن رب العباد .
قال-: ويل للمتألين من أمتي, الذين يقولون: فلان في الجنة, وفلان في النار, ويل للمكثرين إلا من قال: لفلان كذا, ولفلان كذا:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية:34]
ويل لهم, ثم ويل, قال: ويل لمن لا يعلم سيهلك نفسه, وويل لمن علم ثم لا يعمل, ويل لمن لا يعلم: لم لم يتعلم؟ وويل لمن تعلم: لم لم يعمل؟))

يعني: الهلاك, الهلاك للجاهل, والهلاك للعالم المقصر, نعم.
اثنان لا يجتمعان في المؤمن هما :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((ويل للذي يحدث فيكذب))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
يقول عليه الصلاة والسلام:
((كفى بها خيانة, كفى بها خيانة: أن تحدث أخاك بحديث, هو لك به مصدق, وأنت له به كاذب))
((ويُطبع المؤمن على الخلال كلها, إلا الخيانة والكذب))
((كفى بها خيانة, أن تحدث أخاك حديثاً, هو لك به مصدق, وأنت له به كاذب))
فويل للذي يحدث فيكذب, ويل له, ثم ويل له.
طوبى لمن؟ وويل لمن؟ :
((طوبى, طوبى للعلماء, وطوبى للعباد, وويل لأهل الأسواق))
طبعاً: الذين لم يتفقهوا في دينهم, لأنهم سيحلفون يميناً, هذه منفقة للسلعة, ممحقة للربا, أو سيكذبون, أو سيغشون, لذلك:
((إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم, وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم, وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم))
........... هذه بالوضوء.
إذا الإنسان توضأ, ولم يسبغ الوضوء, ولم يبلل الماء كل رجله, هذا وضوء سريع, لا يوجد إتقان, وكما تعلمون: الوضوء مفتاح الصلاة, والوضوء فرض, لأن الفرض لا يتم إلا به.
((ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض, ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة, ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب))
فإن لم يصح الوضوء, لم تصح الصلاة, والحمد لله رب العالمين.
دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا, أكرمنا ولا تهنا, آثرنا ولا تؤثر علينا, أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم الفاتحة.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:37 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 001 - 119 ) : التجارة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-03

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ما تعريف التجارة بمفهومي العام والقرآني؟ :
أيها الأخوة الكرام, من أبسط تعريفات التجارة: أن تشتري بضاعة, وأن تبيعها بسعر أعلى, والفرق بين السعرين هو الربح, لكن الله سبحانه وتعالى استخدم كلمة التجارة في القرآن الكريم, بمعنى: أن تؤمن بالله ورسوله, وأن تجاهد نفسك وهواك, فهذه أعظم تجارة عند الله, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[سورة الصف الآية:10]
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الصف الآية:11]
من هو التاجر الموفق؟ :
أيها الأخوة, التاجر الموفق يبحث عن أعلى ربح في أقل جهد, هذا هو الأصل, أعلى ربح في أقل جهد .
فسيدنا عثمان -رضي الله عنه- جاءه ستمئة جمل, محمل بشتى أنواع البضائع, قوافل من أضخم القوافل التجارية, جاءت المدينة المنورة, فلما جاءه التجار ليشتروا منه, كلما دفعوا له سعراً, يقول: دفع لي أكثر, إلى أن ضجروا, من دفع لك أكثر؟ قال: الله عز وجل .
فالله عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[سورة الصف الآية:10]
فالتجارة مع الله من أربح أنواع التجارة .
إذا التاجر ربح بالمئة ثلاثين, أربعين, بالمئة مئة, بالعرض يأتي, فكيف إذا ربحت بالمئة مليون؟ بالمئة مليار؟ بالمئة ألف مليار؟ هذه تجارة الله عز وجل .
نقطة دقيقة :
النقطة الدقيقة: أن الله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان يحب التجارة, والشيء الذي يمكن أن يلهيه عن الله: هي التجارة, فلما ذكر الرجال, قال تعالى:
﴿رِجَالٌ﴾
[سورة النور الآية:37]
ويقصد بهم: أبطال, كلمة رجل في القرآن الكريم: تعني أنه ذكر, تعني أنه بطل:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾
[سورة النور الآية:37]
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾
[سورة الجمعة الآية:11]
ما المقصود بالتجارة هنا في هذه الآية؟ :
وردت التجارة مرة ثانية في آية كريمة, وتعني بها: التجارة مع الله, قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾
[سورة فاطر الآية:29]
لن تخسر, ولن تكسد.
هذا ما يؤلم التاجر, وهذا ما وعد الله المؤمن :
الحقيقة: لما ربنا عز وجل قال:
﴿إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:24]
ما الذي يؤلم التاجر؟ أن يرى المستودع ممتلىء بالبضاعة, ولا أحد يسأله, ماذا عنده؟ شعور لا يوصف, قال تعالى:
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
[سورة التوبة الآية:24]
فربنا عز وجل عد المؤمن الذي يؤمن بالله, ويستقيم على أمره, ويتوب إليه:
﴿يرجو تجارة لن تبور﴾
وعد الإيمان بالله ورسوله, والبذل في سبيل الله؛ بذل الأنفس والأموال, أيضاً: من أربح أنواع التجارات, ونبهنا إلى أن التجارة, يمكن أن تكون ذا مفعول سلبي في الإيمان, يمكن أن تصرفنا عن طاعة الله .
قاعدة :
القاعدة الأساسية: أن أي عمل, ولو كان تجارة, إذا كان في الأصل مشروعاً, وسلكت به الطرق المشروعة, وأردت به كفاية نفسك, وأهلك, وخدمة المسلمين, ولم يشغلك عن فريضة, ولا عن واجب, انقلب إلى عبادة, فالأعمال التجارية بالانضباط الشرعي: تنقلب إلى عبادات, هذا ما جاء في القرآن الكريم عن التجارة, وعن التجارة مع الحق, والتجارة مع الخلق, وكيف أن للتجارة سلبيات؟ وكيف أن لها سلبيات؟ .
ماذا تعني: الصفة قيد؟ :
في الجامع الصغير, ورد الحديث الشريف:
((إن أطيب الكسب كسب التجار...))
قبل أن أتابع الحديث, لو قلنا: إنسان كم شخص تغطيه هذه الكلمة؟ تغطي كل البشر, كلمة إنسان تغطي خمسة آلاف مليون, أضف للإنسان كلمة, قل: إنسان مسلم, الخمسة آلاف مليون, صاروا مليار ومئتي مليون, الخمسة آلاف مليون بكلمة, إنسان مسلم, أصبحت الدائرة مليار ومئتي مليون فقط, حسناً: إنسان مسلم عربي مئة وخمسون مليون, إنسان مسلم عربي مثقف فرضاً: خمسون مليون, إنسان مسلم عربي مثقف طبيب مليون, إنسان مسلم عربي مثقف طبيب قلب مئتا ألف, إنسان عربي مسلم مثقف طبيب قلب جراح قلب مئة, إنسان مسلم عربي طبيب جراح قلب مقيم في سوريا اثنان, ماذا فعلت أنا؟ .
كلما أضفت صفة, ضاقت الدائرة .
علماء المنطق قالوا:
((الصفة قيد))
الآن أقول: أنا أريد موظف, مليون إنسان يريدون وظيفة؛ يتقن اللغة الإنكليزية, والفرنسية, ذهب ثلاثة أرباعهم, يتقن الكمبيوتر ذهب نصفهم, قضى عسكرية ذهب عمرهم, عمره من كذا لكذا ..... كلما تضيف شرطاً, تضيق الدائرة, فحتى الواحد ما ينغش .
بماذا ينوه هذا الحديث الشريف؟ :
النبي قال:
((إن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا
-ضاقت الدائرة-
وإذا ائتمنوا لم يخونوا
-بالأمانة, يكون ضايف رحلاته, وسفرياته, هو وزوجته بالفنادق, على البضاعة أنت تعمل سيران, لست عاملاً تجارة, بالأمانة غير الأرقام- وإذا وعدوا لم يخلفوا, -باع, وقبض, وصار إيجاب وقبول, وفجأة ارتفع السعر, الآن مشكلة, خرج من البيعة قلب معناها- وإذا اشتروا لم يذموا -الدوائر تضيق, تلاحظون: تضيق .
صديق بدأ بالأقمشة, اشترى صفقة, عرضها على تاجر قديم من باب الاستشارة, فقال له: أصلحك الله, هذه ليست تمشي إطلاقاً, وكم نرد؟ قال له: بخمسة آلاف, قال له: أصلحك الله مرة ثانية, ظل يقول له: أصلحك الله حتى بركه, بعد ذلك: أخذه برأس مالها هذه, باعها في اليوم الثاني بالضعف, قال تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
[سورة الأعراف الآية:85]
وإذا باعوا لم يطروا -ممنوع تذم البضاعة المشتراة, ممنوع تمدح البضاعة التي تبيعها, طبعاً: تمدحها بما فيها ليس مانع, (بما فيها), أما بما ليست فيها لا يجوز-.
وإذا كان عليهم لم يمطروا
-يعني يؤدي ما عليه بلا إمطال-
وإذا كان لهم لم يعسروا))
هؤلاء بهذه الصفات السبعة, إن كسبهم أطيب المكاسب .

((إن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا, وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا اشتروا لم يذموا, وإذا باعوا لم يطروا, وإذا كان عليهم لم يمطروا, وإذا كان لهم لم يعسروا))
هذا الحديث ورد في الجامع الصغير .
بشرى لك أيها التاجر :
ويقول عليه الصلاة والسلام, كما قلت لكم من قبل: هذا الحديث يمكن لا يوجد حديث شريف, يلقي في قلب التاجر الطمأنينة والسرور كهذا الحديث .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين, والصديقين, والشهداء))
[أخرجه الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه]
نقطة معالجة :
النقطة الدقيقة التي سأعالجها الآن: الجنة ليست لبعض الناس, الجنة لكل الناس, كل في عمله, فالتاجر الصدوق الأمين, هذا قدوة, وهذا مثل أعلى, وهذا داعية, داعية في تعامله التجاري, كيف أن أكبر دولة إسلامية .......
الآن أندونيسيا: دخلوا في دين الله أفواجاً, على يد التجار المسلمين؛ بصدقهم وأمانتهم, كذلك: ممكن باستقامتك الصارمة, الصدق الذي لا حدود له, والأمانة: أن تجعل الناس يلتفون حولك, معتقدين بصحة مبدئك, وسلامة دينك .
تفسير حديث النبي: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء :
أيها الأخوة, هذا الحديث, لا يُفسر إلا بالشكل التالي: عندما ينوي التاجر أن يكون مسلماً نموذجياً, أن يكون مسلماً قدوة, أن يكون داعية بعمله, ولقد قالوا:
((لغة العمل أبلغ من لغة القول))
فلاحظوا أخواننا الكرام, يعني: معظم الناس لهم أعمال؛ يعمل, ويجهد, ويتعب, ويربح, أو يخسر, ولا أجر له, أما المؤمن إذا مارس عمله المهني, تجارته .
كان السلف الصالح إذا فتح دكانة يقول:
((نويت خدمة المسلمين))
في شخص ليس له مصلحة من أخواننا الحاضرين, وأنا معكم, هذه المصلحة مشروعة, فإذا نويت بها خدمة المسلمين, ماذا يحصل؟ مهنة مألوفة معروفة, أنت بهذه النية الطيبة تقلبها إلى عبادة, بهذه النية الطيبة تنقلب إلى عبادة, والمؤمن دائماً يوجد عنده مقياس لا يخيب, دقيق جداً, يضع نفسه محل الطرف الآخر, إذا كنت أنت المشتري, هل ترضى عن بائع يبيعك بهذه الطريقة؟ هذه قاعدة .
والإنسان إذا قال: أننا إذا لم نعمل هكذا لا نربح, وعلينا مصاريف ضخمة, والناس مالها حرام, تستأهل الغش, هذا كلام شيطان, ليس كلام مؤمن, أنت عليك أن تستقيم, وعلى الله الباقي, هو الرزاق ذو القوة المتين, ومعنى رزاق: يعني الله عز وجل, هناك ملايين الأساليب؛ يعطيك مالاً وفيراً, بجهد قليل, إن علم منك خيراً, وعلم منك استقامة, هذا الشيء ملموس, النية الطيبة, سبب الرزق: النية الطيبة, فأنت إذا نويت خدمة المسلمين ......
تاجر صادق :
حدثني أخ, اشترى معمل في صناعات غذائية للأطفال, أقسم لي بالله -أنا والله أصدقه-, كلما أراد يشتري مواد أولية, اشترى أفضل شيء لأولاد المسلمين, في مواد أولية درجة خامسة وسادسة, في مواد جيدة جداً, لأن الله يراقبه, فكان يشتري المواد الأولية من أعلى مستوى, لا يبتغي بها أحد؛ لا تموين, ولا سجل صناعي, ولا شيء من هذا القبيل, يبتغي أن يرضي الله, يعني: عليه ديون كانت كثيرة, وفاها بأقل من عام, قدم لها ثلاث سنوات, فالله عز وجل رب النوايا .
ف:
((التاجر الصدوق الأمين, مع النبيين, والصديقين, والشهداء يوم القيامة))
موطن فيه إغراء :
أيها الأخ الكريم, فألا تحب أن تغدو حرفتك دعوة إلى الله؟ حرفتك .
أحياناً: يكون عندك موظفين, رأوا منك استقامتك, ورعك, صدقك, أمانتك .
قال له: عندك بيض؟ قال له: نعم عندي, قال له: تازة؟ لا والله, من ستة أيام, لكن جاري الآن أتى بالبيض, اذهب إلى جاري, هذا المؤمن .
كان السلف الصالح إذا استفتح, لا يقبل زبوناً أخرق, لو تذهب إلى جاري, أنا استفتحت, فالله رب النوايا .
فهذا التاجر الصدوق الأمين, مع النبيين, والصديقين, والشهداء يوم القيامة .
ألا تغريك هذه المنزلة استقامة؟ .
بيان قرآني :
أيها الأخوة الكرام, معقول الإنسان إذا استقام يقل رزقه؟ هذا الإله العظيم, لأنك أطعته, يضاعف لك رزقك, قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية:30]
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾
[سورة فصلت الآية:31]
﴿نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾
[سورة فصلت الآية:32]
ما معنى هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام:
((الاقتصاد في المعيشة, خير من بعض التجارة))
يعني: إذا تجارة فيها مواد محرمة, تجارة فيها أساليب ربوية, تجارة فيها شبهات, تجارة فيها قرض كبير .

((الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة))
هذا ما أرشدنا النبي إليه :
أيها الأخوة, ثبت أن الشدة النفسية وراء أي مرض؛ الأمراض العضوية, أمراض جهاز الهضم, أمراض القلب, أمراض الشرايين, ضغط الدم, السكري, القرحة, آلام الأعصاب, حتى الآن الورم الخبيث, ثبت أن: هذا الورم الخبيث, يتأتى من ضعف جهاز المناعة, وجهاز المناعة ماذا يُضعفه؟ الشدة النفسية .
الآن: إذا كان تجارة فيها عريضة, فيها مخاطرة, فيها مواد محرمة, فيها قروض ربوية, فيها مشكلات, فيها مواد ممنوعة, هذه الشدة النفسية التي تصيب الإنسان وراء أكثر الأمراض, فلذلك: يقول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الرائع:

((الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة))
يعني: يصير معك عرس في الشيراتون بمئة مليون, وبالأكرم بمئة ألف, بخمسين ألف, ممكن تعمل عقد قران متواضع, أحسن ما تدخل بمغامرات, ومخاطرات, وضربات تسحق الإنسان أحياناً, لا .
النبي قال:
((الاقتصاد في المعيشة خير -لم يقل: من كل التجارة, لا- من بعض التجارة))
إذا تجارة محرمة؛ فيها مغامرة, فيها مخاطرة, في علاقة ربوية, فيها بضاعة ممنوعة, هذه تعمل لك شدة نفسية ساحقة جداً .
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- هكذا يرشدنا .
لك أيها التاجر :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله, -من هؤلاء الثلاثة-: التاجر الأمين))
أردت أن يكون الموضوع متعلقاً بالتجارة .
العلوم قسمان هما :
العلماء قالوا:
((العلم علمان؛ فرض عين, وفرض كفاية))
الفرض: العلم الذي هو فرض عين, يتعلق بأصول الإيمان, أركان الإيمان, وأركان الإسلام, وأحكام الفقهية المتعلقة بحرفتك, هي فرض عين, الأحكام الفقهية المتعلقة بحرفتك, تعلمها فرض عين .
يعني: شخص تزوج زوجة صالحة, وهو متفاهم معها إلى أبعد الحدود, ولا يفكر أبداً بتطليقها, فلو جهل هذا الإنسان –مثلاً- أحكام الطلاق, لا شيء عليه, أما إنسان أراد أن يبيع ويشتري, فإذا جهل أحكام البيوع, وقع في إثم شديد, لأن أحكام البيوع بالنسبة للتاجر, من العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة, ولا يعفى إنسان من الجهل بها, كما أنه في القانون: لا جهل في القانون, وعند الله لا عذر في أن تجهل أحكام دينك, لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((طلب العلم فريضة على كل مسلم))
فريضة؛ كيف أنك تصلي, لكن الصلاة فرض, كيف أنك تصوم رمضان الصيام فرض, كيف أنك تحج البيت إذا كنت مستطيعاً الحج فرض .
و:
((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة))
الفرض متعلق فيما ينبغي أن تعلم بالضرورة, العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة؛ تكون تاجراً, تكون طبيب, مهندس, موظف, العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة, هي أركان الإيمان, وأركان الإسلام, والأحكام الفقهية المتعلقة بحرفتك, هذه ينبغي أن تعلم بالضرورة .

احذر من أن تقع في هذا يا تاجر :
ف:
((من اتجر من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى))
((من اتجر من غير فقه من اتجر من غير فقه))
مثلاً: شيء مألوف عند التجار, يأخذ من شخص مئة ألف, يعطي عليه مبلغاً بالشهر ثابت, هي عين الربا, لا بد من ربح حقيقي أو خسارة, أما إذا أعطيت أرباحاً ثابتة على مبالغ ثابتة .
أنت محل تجاري, مثل البنك تمام فعلت أنت, فلذلك:
((من اتجر دون أن يتفقه, وقع في الربا شاء أم أبى))
من أين تأتي الأمانة؟ :
((ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ التاجر الأمين))
والأمانة تأتي من معرفة أحكام الفقه, ومن إرادة تطبيق الشريعة, فلذلك: العلم فرض عين .
و:
((طلب العلم فريضة على كل مسلم))
وليس لك خيار في معرفة الحق من الباطل, لأنك .......
إذا –مثلاً- السيارة ممكن لا تعرف نوع معدن المحرك, ممكن لا تعرف كيف يصنع المكبح؟ لكن لا بد من أن تعرف كيف توقف السيارة؟ وكيف تنطلق بها؟ وكيف تعطف يميناً ويساراً؟ هذه معلومات لا بد منها, من أجل أن تضمن سلامتك, وكذلك من أجل أن أضمن تجارتي في التجارة, ينبغي أن أتقيد بقواعد الشرع .
هذا ما قصدته :
قال لي شخص: والدي كان تاجر صوف, فلما تقدمت به السن, ندبني أن أكون مكانه, فذهب أول رحلة إلى البادية, ليشتري الصوف والسمن, قال لي: أخذت سيارة شاحنة, وأخذت أبان, ذهبت, قال لي: أنا راجع .
وقال لي شخص كلمة, تركت في نفسي أثراً: أن البدو اذبحهم, بمعنى: كيفما كان, خذ بضاعته بأرخص سعر, فوصل لزبون ثابت, يعني: يعرف والده كان, قال لي: زين الجزة, تطلع ثلاثة وثلاثون وثمانمئة غرام, أن خمسة وعشرين, وثمانين, سمع ثمانمئة, جديدة عليه, في حياته ما زان بالغرامات, لكن لم ينتبه الجلوة, ثلاثة وثلاثون, أن خمسة وعشرين وثمانمئة.
قال له: والله زينك زينك, في تفاصيل لا يعرفها سابقاً هذه, فبعد ما انتهى الوزن, وأخذ الرقم الإجمالي بالشعور الخاص, هذه الكمية وزنها قليل جداً, بدوي, قال له: إن شاء الله تلقاها بصحتك, إذا كنت تغشني .
يقول لي هذا الأخ: والله كلمة خوفتني, قال لي: مشينا, بدأت بصراع مع نفسي, أرجع أعطيه الفرق, ظل صامتاً, أرجع بعد جمعة, قال لي: من بعد ما أخذت البضاعة إلى قبل الضمير, وأنا في صراع مع نفسي, قال لي: عند الضمير قلت كلمة, قلت: حط بالخرج .
الآية الكريمة:
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية:79]
يعني: هكذا طلع معك, بعد ذلك: تحط بالخرج! .
يقسم بالله, ما هي إلا دقائق معدودة, إلا ورأى نفسه وسط بركة من الدماء, السيارة قلبت, وتنك السمن البلدي انكب, وهو جاء تحت الرفراف, وجرح, ودمه مشي, أنقذوه, وأخذوه إلى خيمة, وبعد فترة: سأل أحد شيوخ الشام -توفي رحمه الله-, قال له: هكذا عملت, وهذا البدوي, قال له: اذهب استسمح منه, وأعطه الفرق فذهب, قال له: لا, أنا سامحتك, وهذه تنكتا سمنة هدية عوضاً عنهم, لكن قصدي: إذا شخص تاجر من دون فقه, في ضربات قاسية جداً .
النبي قال:
((استقيموا لن تحصوا))
فالإنسان لما يكون فقيهاً؛ يعرف الحق والباطل, الحلال والحرام, يكون وقافاً عند كتاب الله, وقافاً عند الحدود .

((من أخذ أموال الناس يريد أداءها, أدى الله عنه, ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها, أتلفه الله))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ليتها تتلف, لا يتلف معها, فالله كبير .
أحياناً إنسان: لا يدخن, الخوف من الله في حساباته, يظن أنه يفعل ما يشاء, لكن أحياناً ربنا عز وجل, يؤدب تأديب كبير .
من هو التاجر الذي يحبه الله, ومن هو التاجر الذي يبغضه الله؟ :
ف:
((ثلاثة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله, -من هؤلاء الثلاثة؟- التاجر الأمين, وثلاثة يبغضهم الله عز وجل -من هم؟- التاجر الحلاف))
قال:
((اليمين منفقة للسلعة, ممحقة للبركة))
وفي حديث آخر: يقول عليه الصلاة والسلام:
((التاجر الصدوق لا يُحجب من أبواب الجنة, والتاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة, والتاجر الصدوق مع النبيين, والصديقين, والشهداء يوم القيامة))
هذا هو الأصل في البضاعة :
أيها الأخوة, فما قولكم: أن تكون حرفة أحدنا سبباً لدخول الجنة, وسبباً لدخول أعلى مرتباتها, لكن هذا يحتاج إلى علم, وﺇلى استقامة, وﺇلى التزام.
الأصل: أن تكون البضاعة في أصلها مشروعة, البضاعة في أصلها مشروعة, لا بد من أن يكون التعامل مع الناس وفق المنهج الإلهي؛ لا كذب, ولا غش, ولا تدليس, ممكن يكتب على البضاعة صنع فرنسا, وهي صنع تايواند, ممكن, هذا تدليس أخو الكذب .
العبرة في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني :
قال لي شخص: كيف التدليس؟ قلت له: شخص خطب فتاة, من أسرة من أسر دمشق, سألوه على البيت, قال لهم: بيتي في المالكي, وافقوا فوراً, معنى بيته بالمالكي, يعني وضعه المادي جيد جداً, بيت ثمنه خمسون مليون, ثم كشف أن بيته في المالكي في شارع بيلدا, شارع المالكي, هو لم يكذب, لم يكذب أبداً, هذا اسمه تدليس, التدليس أخو الكذب, أنا لم أكذب يا أخي, التدليس عند الله كذب .
الآن: إذا شخص طرق بابك, خرج ابنك, فتح, قال لك: الوالد موجود؟ الابن دارس لغة, قال له: والله الآن راح يا عمو, معنى راح: عاد إلى البيت, غداً: ذهب إلى عمله قبل الشمس, وراح: عاد إلى بيته, قال له: الآن والله راح, حسناً: الابن لم يكذب, قال له: سلم عليه, لغة لم يكذب, أما شرعاً: كذب, ماذا فهم منه؟ أنه ليس في البيت, قال له: سلم عليه .
فالله عز وجل لا يحاسب على اللفظ, على القصد .
مثلاً: أخي ما سعر المصحف؟ حرام, هذا وهبته مئة ليرة, إن قلت: وهبته, وإن قلت: ....... ما دام قبضت ثمنه مئة ليرة, أنا لا أقول حرام تأخذ حقه, لا, لكن قبضت حقه مئة بالتمام والكمال, لا تقل: بيع, وهبته مئة ليرة .
العلماء قالوا:
((إذا قلت: وهبتك هذا الكتاب بمئة ليرة, هذا اسمه عقد بيع, وإذا قلت: بعتك هذا الكتاب بلا ثمن, هذا اسمه عقد هبة))
إذا قلت: بعتك هذا الكتاب بلا ثمن, هذا عقد هبة, قلت: بعتك, عقد هبة, إذا قلت: وهبتك هذا الكتاب بمئة ليرة, عقد بيع, العبرة: في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني.
فأحياناً الإنسان: يعمل مداخلات, يظن أنه فعل خيراً, الله عز وجل يكشف كل إنسان على حقيقته.

هذا ما ورد في هذا الحديث القدسي :
أيها الأخوة, الذين يبغضهم الله عز وجل: التاجر الحلاف, والفقير المختال, والبخيل المنان .
ورد بالحديث القدسي:
((أحب ثلاثاً وحبي لثلاث أشد؛ أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد, أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد, أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد, وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاث أشد؛ أبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد, وأبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد, وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد))
خاتمة القول :
أختم هذا الدرس بهذا القول:
ذكرت لكم من قبل:
((العدل حسن لكن في الأمراء أحسن -يعني في الأمير ألزم ما يلزمه العدل- والورع حسن لكن في العلماء أحسن -والعالم ألزم ما يلزمه الورع- والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن -والغني ألزم ما يلزمه السخاء- والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن))
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:38 AM
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 002 - 119 ) : الزكاة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-02-06

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
من استنباطات هذه الآية :
أيها الأخوة الكرام, فضل كلام الله على كلام خلقه, كفضل الله على خلقه .
حينما يمضي الإنسان وقتاً ثميناً في فهم كلام الله عز وجل, يصل من خلاله إلى حقائق دقيقة جداً, فالله سبحانه وتعالى يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
في هذه الآية استنباطات دقيقة جداً؛ أولاً: كلمة خذ: فعل أمر, يأمر الله النبي أن يأخذ من أموال المؤمنين صدقة تطهرهم .
قد يسأل سائل :
قد يسأل أحدكم: لماذا لم يأمر الله المؤمنين أن يدفعوا زكاة مالهم؟ لم توجه إلى النبي وأمره أن يأخذ منهم صدقة تطهرهم؟ .
استنبط: أن النظام الاقتصادي في الإسلام محوره الزكاة, ويبنى على أداء الزكاة سلامة المجتمع, وفقر, كما قال الإمام علي:
((كاد الفقر أن يكون كفراً))
والمال قوام الحياة, فحينما تتجمع الأموال بأيد قليلة, وتحرم منها الكثرة الكثيرة, في الأعم الأغلب: أن أكثر مشكلات العالم سببها: أن واحداً يملك كل شيء, ومليون لا يملكون شيئاً, حينما تدفع الزكاة, يصبح المال متداولاً بين الأيدي:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾
[سورة الحشر الآية:7]
لأن سلامة المجتمع الإسلامي, متوقفة على دفع الزكاة, كأن الأمر بأخذ الزكاة, وليس الأمر بدفعها .
تفسير معنى هذه الآية: -خذ من أموالهم- :
قال تعالى:
﴿خُذْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
فالزكاة تُؤخذ ولا تُعطى, تُفترض ولا تُستجدى, ليست عملاً من أعمال البر, تفعله أو لا تفعله, ليست عملاً صالحاً, تتقرب إلى الله بعمله, أو أنت معفى من عمله, لا, الوضع آخر, قال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
أما كلمة من هذه, من: تفيد التبعيض, لم يقل الله عز وجل: خذ أموالهم, خذ بعض أموالهم, بالنسبة: الزكاة اثنان ونصف في المئة, يعني مبلغ لا يذكر, أما أصل المبلغ, فجاءت من هنا: للتبعيض:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
أما صدقة, أما أموال, لم لم يقل: خذ من مالهم؟ جاء المال جمعاً, قال:
((لأن الزكاة مفروضة على كل أنواع المال من دون استثناء))
ما أنتجته الأرض؛ الأنعام, الإنتاج الصناعي, البضائع, الإنتاج الحيواني كالعسل, كل هذا اسمه في عرف الشرع مال .
لم جاءت (من) بضمير الجمع في هذه الآية؟ :
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
لم لم يقل: خذ من ماله؟ جاءت من: ضمير الجمع, قال:
((لأن جميع المسلمين مكلفون دفع الزكاة, لا يستثنى واحد منهم, ولا تخفض له النسبة, ولا تعفى, ولا تطوى هذه الزكاة عن أحد))
فمن كلمة خذ فُهم حكم, ومن كلمة من فهم حكم, ومن كلمة أموال فهم حكم, ومن كلمة فِ من أموال فهم حكم, أما الزكاة وردت في القرآن زكاة, أما هنا جاءت صدقة, جاءت صدقة هنا, ليُفهم منها: أن الزكاة تؤكد صدق الإنسان مع ربه, تؤكد تطابق أفعاله مع عقيدته, وتطابق عمله مع وعد ربه .
من صفات المتقين :
قال تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:133]
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾
[سورة آل عمران الآية:134]
بدأ ربنا عز وجل, حينما وصف المتقين بإنفاق مالهم, لأن إنفاق المال متناقض مع طبع الإنسان, طبع الإنسان يقتضي أن يقبض المال, والإنسان لا يرقى عند الله عز وجل, إلا بفعل يناقض طبعه, هذه حقيقة ثابتة .
هذا هو الفرق بين الطبع والتكليف :
الإنسان أُمر بغض البصر, لكن طبعه يدعوه إلى النظر, أُمر بصلاة الفجر, طبعه يدعوه إلى النوم, أُمر بضبط لسانه, طبعه يدعوه إلى الحديث عن الناس, وعن أخطائهم, وعن فضائحهم, وعن مشكلاتهم؛ فلولا أن التكليف ذو كلفة, لولا أن التكليف ذو كلفة, لما ارتقى به الإنسان, فقبض المال متوافق مع الطبع, أما إنفاق المال متناقض مع الطبع, لأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة آل عمران الآية:14]
هذا معنى الصدقة في هذا الحديث :
أيها الأخوة, كلمة صدقة؛ تؤكد صدق إيمانك, وصدق اعتقادك, وتؤكد أنك مصدق لله عز وجل فيما وعدك الله به, لهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((الصدقة برهان))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
برهان على إيمانك .
يعني: إنسان أحياناً يصوم نفلاً, أو يصوم صيام رمضان, ما الذي يمنعه إذا دخل بيته منفرداً؛ ألا يأكل أو ألا يشرب؟ خوفه من الله, فالصيام عبادة الإخلاص, لا أحد يستطيع أن يضبط إفطاره إلا الله, وهذا من عظمة الدين .
ما الفرق بين النظام الوضعي وبين الدين؟ :
أخواننا الكرام, النظم الوضعية كلها أساس الرادع الخارجي, أما الدين: أساسه الوازع الداخلي.
يعني: يوجد في الإسلام قضية: أن الإسلام ينمي في المسلم الوازع الداخلي, يصبح المسلم رقيب نفسه, من دون رقابة هو ملتزم, ولو وضعت للمنحرف ألف رقيب ورقيب يتفلت.
ما فائدة الزكاة؟ وما هي الأمراض التي تطهرها الزكاة؟ :
الله عز وجل سمى الزكاة في هذه الآية, سماها: صدقة, ما فائدة الزكاة؟ قال:
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
معنى في أمراض, ما هي الأمراض التي تطهرها الزكاة؟ أولاً: مرض الشح, مرض الشح من أخطر الأمراض, والدليل: أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية:9]
((شر الناس أو أندم الناس, من دخل ورثته بماله الجنة, ودخل هو بماله النار))
((أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً))
يعني: ما أنفق ......
روح الميت ترفرف فوق النعش, تقول:
((يا أهلي, يا ولدي, لا تلعبن بكم الدنيا, كما لعبت بي, جمعت المال مما حل وحرم, فأنفقته في حله وفي غير حله, فالهناء لكم والتبعة علي))
فالزكاة تطهر نفس الغني من الشح, مرض خطير, فهذا المرض قد يجعل صاحبه محروماً كل شيء, ألا تعرفون أناساً يحرمون أنفسهم كل شيء, ومعهم أموال لا تأكلها النيران ليموتوا أغنياء فقط؟ هذا مرض يحتاج إلى معالجة, فالزكاة تشفي من مرض الشح .
هذا الدليل على أن من دفع زكاة ماله برىء من الشح :
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((برىء من الشح من أدى زكاة ماله))
وأي مبلغ من المال, لو أنه سبعة آلاف ليرة سورية, وهذا نصاب الفضة الذي تجب فيه الزكاة, السبعة آلاف ليرة سورية, تعد عند الله كنزاً, إن لم تؤد زكاته, والألف مليون إن أديت زكاتها, ليست في كنز, هذا كلام دقيق .
أي مال هو كنز يحمى على صاحبه في نار جهنم, فتكوى بها جبهته وجنبه, هو المال الذي لا تؤدى زكاته, وأي مال أديت زكاته, فهو ليس بكنز .
هل تطهر الزكاة نفس الغني؟ :
سؤال: هل تطهر الزكاة نفس الغني؟ لا, تطهر نفس الفقير, فقير محروم, يشعر بالحرمان, يشعر أنه هين على الناس, لا أحد يهتم به, الكل يأكلون, ويشربون, ويتمتعون, وهو ملقى في زوايا الإهمال, أما حينما يطرق الغني باب الفقير, خذ يا أخي, خذ اشتر طعاماً, اشتر ثياباً, فرح أولادك, ينتعش الفقير, يشعر أن مجتمعه لم ينسه, يشعر أنه عضو في المجتمع بارز, لذلك: تمتلىء نفس الفقير إخلاصاً للغني, إخلاص؛ بين أن يكون الغني حوله أعداء يحقدون عليه, ويتربصون به الدوائر, وبين أن يكون بين أحباب, فلذلك: يشفى المريض من مرض الحقد, الغني يشفى من مرض الشح, والفقير يشفى من مرض الحقد .
منعطف هام :
ماذا عن المال؟ قال:
((المال مطهر من تعلق حق الغير به))
إذا شخص والده ترك له بيت, وله أربعة أخوة, فهو سكن في البيت وحده, وتمتع فيه, بيت قبلي, واسع, بحي راق, بتدفئة مركزية, مفروش أحلى فرش, هو حينما تمتع بهذا البيت, هذا البيت تعلقت به حقوق أخوة له, هذا البيت يقول: الحجر المغصوبة في بيت رهن بخرابها, لذلك: تعلقت حقوق الغير بهذا المال, فإذا أديت زكاة المال, تطهر المال من تعلق حق الغير به.
لذلك قال النبي الكريم:
((من أدى زكاة ماله أذهب الله عنه شر))
لم يعد في خطر الحريق, خطر المصادرة, خطر الضياع, خطر الإتلاف, في مليون خطر, الحياة كلها مطبات .
دقق :
دققوا في هذه الآية:
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
تطهر الغني من مرض الشح, وهو من أخطر الأمراض, تطهر الفقير من مرض الحقد, وهو من أخطر الأمراض, تطهر المال من تعلق حق الغير به.

كيف تنمي الزكاة نفس المزكي؟ :
قال تعالى:
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
الزكاة هي النماء, فالغني فضلاً عن أنه يطهر من مرض الشح, تنمو نفسه, كيف تنمو؟.
لو فرضنا وزع زكاة ماله على من يلوذ به من المحتاجين والفقراء المعدومين, اعمل لهم زيارة في العيد, أنت أعطيته عشرة آلاف, في السابع والعشرين من رمضان, وفي العيد زرته: أهلاً وسهلاً, رحب ترحيب, بذل المستطاع, قدم لك فواكه, ماذا يوجد عنده قدم لك, أطال الله في عمرك, وأنت بركتنا, أنت فضلت علينا, بماذا يشعر الغني؟ .
أنني أنا مهم بالحياة, أنا الآن دخلت إلى قلوب الناس, فالآن نفسه تنمو, أول موضوع تطهر من الشح, أما الآن تنمو بمحبة الناس له, يشعر الغني أن له دوراً في المجتمع خطير, هو محسن, أصبح في قلوب الناس, حل مشكلات بعض الأسر, رسم البسمة على وجوه الأطفال, أكل الأطفال اللحم في العيد, أكلوا الحلويات, لبسوا الجديد, بفضل هذه الزكاة, فلما رأى عمله أمامه, رأى أسراً تسعد, تطرب, فالآن: نمت نفسه نمواً, طهرت, ونمت, قال:
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
كيف تنمو نفس الفقير حينما يدفع الغني زكاة ماله له؟:
أيها الأخوة, نفس الفقير كيف تنمو؟ طبعاً: الإنسان, الحرمان:, له مفعول سيء جداً, لبس بدلة جديدة, رفع رأسه, أكل طعاماً لذيذاً, ألبس زوجته ثياب جميلة على العيد, زوجته أحبته أكثر, لكن أولاده ... هو كان محروم, لا يوجد معي, اذهب عن وجهي, مشغول, متضايق, اتركوني بحالي, فلما أعطيته زكاة مالك, واشترى ثياباً لأولاده, واشترى تدفئة, واشترى طعاماً, واشترى شراباً, كله بفضل الزكاة .
فالآن: نفس الفقير نمت, شعرت بقيمتها, لبس, أكل, جار الناس .
إذاً: تنمو نفس الغني, وكأنه انتصر على نفسه, وتنمو نفس الفقير, وقد شعر بمكانته.
كيف ينمو المال حينما يدفع زكاته؟ :
فكيف ينمو المال؟ هنا الشيء الدقيق في هذه الآية:
الأغنياء حينما يؤدون زكاة أموالهم, ماذا يفعل الفقير بهذا المال؟ سينفقه على شراء طعامه, وشرابه, ولباسه, سوق تحرك, من حرك السوق؟ دفع الزكاة, الذي دفع الزكاة, نما ماله مرة ثانية, نما بطريقة القانون البشري, لأنه الآن يقول لك: لا يوجد قوة شرائية, تجد كل, لكن لا يوجد مال, الكيلو بخمس وثلاثين, لم يعد في ...... السلام عليكم, الكنزة ألف وثمانمئة السلام عليكم, كلما رأى السعر مرتفعاً ذهب, أما لما تعطي زكاة مالك, يشتري, ضع لي كيلين, فلما الفقير يأخذ زكاة الغني, يشتري فيها طعام, وشراب, ولباس, معنى: حرك السوق .
الآن: الدول الغنية جداً, المتقدمة, انطلاقاً من مصلحتها الصرفة, تدفع معونات للدول الفقيرة, هذه الدول الفقيرة: تشتري من عندها معدات, وأجهزة, وتصنيع, ومواد أولية, فيتحرك بلدها بالمساعدات, هذا منطق, منطق علمي هذا, فالغني إذا دفع زكاة ماله, ارتفع ربحه, وراجت بضاعته .
هذا ما قاله العلماء حول موضوع نماء مال المزكي :
العلماء قالوا:
((هناك طريقة لا نعلمها, الله يعلمها))
طريقة العناية الإلهية, الله يعلم, وأنت لا تعلم, ففي صفقة تفلس, يصرفها عنك, وفي صفقة تربح منها كثيراً, يلهمك إياها .
الآن بطريقة أخرى: أنت ملهم بما هو مربح, ومصروف عما هو مخسر, هذه طريقة أخرى في نماء المال, طريقة العناية الإلهية المباشرة, الله عز وجل يقذف في قلبك, اشترى بضاعة, يشتريها, يربح فيها, بضاعة أخرى, يقول لك: لا أريدها, يقول لك: ما انشرحت.
الذي أدى زكاة ماله, الله يقبض له قلبه عن بضاعة تخسره, يشرح له قلبه على بضاعة تربحه, يكون البضاعة ثمانية, الذي في الآلة الحاسبة تحير الأمور, ائت بآلة حاسبة, معك مثلاً مئة ألف, ناقص ألفين ونصف زكاة, بقي سبع وتسعون ونصف, لكن الله لم يقل هكذا, قال:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية:276]
القرآن عكس ....., هذه ..... آلة حاسبة, الآلة الحاسبة إذا كان أقرضت المئة ألف قرض حسن, يأتيك آخر السنة ناقص, التضخم النقدي ناقص سبعة عشر بالمئة, أليس كذلك؟ .
إذا شخص أقرض إنساناً مئة ألف, وتركه سنة, ردهم إليه, يرجعون مئة ألف عداً ونقداً, أما كقوة شرائية انخفضوا سبعة عشر في المئة, فبالآلة الحاسبة القرض الحسن مخسر, أما القرض الربوي مربح, أما بالآية القرآنية:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية:276]
بالعناية الإلهية المباشرة .
ما هي الآية التي هي أصل في الزكاة؟ وهل هناك أحاديث وردت في شأن الزكاة؟ :
فقال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية:103]
هذه الآية أصل في الزكاة .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((حصنوا أموالكم بالزكاة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط]
وقال عليه الصلاة والسلام:
((ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
بماذا فسر بعض العلماء هذا القول: -الأقربون أولى بالمعروف -:
إذا دخلنا في التفاصيل .....
أحياناً: الإنسان في رمضان, مثلاً: يفرز مال الزكاة, قد لا يجد في وقت قصير أناساً طيبين, مؤمنين, يستحقون هذا المال, فبعض أخواننا الكرام المؤمنين: يتوهمون أنه بمجرد أن تدفع زكاة مالك انتهى الأمر, نقول لكم: لا يا أخي ما انتهى الأمر, ولا بد من أن تجتهد غاية الاجتهاد في وضع المال في المكان الصحيح .
قالوا:
((الأقربون أولى بالمعروف))
بعض العلماء فسر هذه الكلمة على الشكل التالي, قال:
((الأقربون مثلاً, والأقربون إلى الفقر, والأقربون إلى الإيمان))
فأنت أمام مسكينين, أحدهما أفقر من الثاني, تعطي من؟ الفقير أمام فقيرين, أحدهما أكثر إيماناً من الثاني, تعطي من؟ الأكثر إيمان .
أنت أمام فقيرين مؤمنين في مستوى واحد, لكن واحد ابن خالتك, تعطي ابن خالتك, تعطي الأقرب .
يوجد عندك ثلاثة مقاييس؛ مقياس الفقر, مقياس الإيمان, مقياس القرابة .
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا يقبل الله زكاة مال أحد, وفي أقربائه محاويج))
لأنه لما الشرع الحنيف كلف كل إنسان يتفقد أقرباءه, هذا نظام التكافل الاجتماعي, إذا كل إنسان تفقد أقرباءه .....
هذا ما تفعله بعض الأسر الملتزمة :
أسمع أشياء لطيفة جداً, يعني: بعض الأسر المنضبطة, المتماسكة, يؤلفون مجلس أسرة, يتبرعون من زكاة مالهم بصندوق, يتفقدون شباب الأسرة كلهم؛ يزوجون الشباب, يشترون بيوت للشباب, هذا عمل عظيم, الآن لا يوجد عمل, أعظم عمل على الإطلاق: من أن تزوج الشباب المؤمن .
يعني: ما الذي يمنع الإنسان يعمل بناء بمنطقة رخيصة قرب ببيلا, قرب عين ترمة؟.
يعني: بيت ستون متر, أقل كسوة ممكنة, يكلف البيت حوالي أربعمئة ألف, تعطيه برأس ماله للشاب تقسيطه, هذا عمل عظيم .
يعني: أنت لما تزوج شاب وشابة مؤمنة, أنشأت عرساً إسلامياً, جبرت خاطر فتاة, وحصنت فتى .
فأحياناً: تعطيه مئة, مئتين, خمسة, خذ, يصرفهم, أما لو عملنا مشروع تأسيس بيت مثلاً, إنسان إذا كان يستطيع يعمر كم بيت, هكذا ...... هذا عمل عظيم, تزوج شباب, تؤمن بيوت, تؤمن دخول, تؤمن أعمال, فنحن نريد أن تُدفع الزكاة بشكل صحيح .
فعندنا عامل القرابة, وعامل النسب, وعامل الإيمان .
نقطة مهمة :
في شيء آخر: أنت ممكن دفعت زكاة مالك بالتمام والكمال, واحد شوال جاءك, باثنين شوال, شخص مضطر أن يجري عملية جراحية لابنه, أنا دفعت, ليس لك علاقة عندي, نقول له: لا يا أخي, يقول عليه الصلاة والسلام:
((في المال حق سوى الزكاة))
ممكن تدفعهم صدقة, أو تدفع حساب جديد لزكاة العام القادم, فأنت على مدار العام, ائت بطلبات معقولة, طلبات إنسانية, قنعان فيها تماماً, أصحابها صادقين, فأنت لست محرجاً, معك سنة بكاملها, تفتح حساب زكاة العام القادم, وكلما جاءك طلب مشروع؛ عملية جراحية, طالب علم مثلاً, إنسان عليه دين, مشكلة إنسانية ساحقة, تؤديها من زكاة العام القادم سلفاً, جاء شهر رمضان الثاني, مثلاً: عليك ثمانية عشر, دفعت ستة عشر, بقي ألفان تدفعهم, أغلقت السنة الماضية, جاء شوال, افتح حساب جديد, بهذه الطريقة: يمكن أن تدفع الزكاة إلى المستحقين, إلى المؤمنين, إلى الذين تحسبهم أغنياء من التعفف, إلى الذين لا يسألون الناس إلحافا, يمكن أن تُدفع الزكاة إلى مثل هؤلاء .
خاتمة القول :
تحدثت في هذا الدرس عن آية الزكاة, وهناك حديث آخر عن الأحاديث الشريفة التي وردت فيها الزكاة, وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لفعل الخير, والحمد لله رب العالمين, الفاتحة .

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:40 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (087-101) : باب: فضل تعلم القرآن وتعليمه - الحديث عن القرآن الكريم من حيث: تلاوته, مدارسته, صور من إعجازه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-08-15

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من أصل الإيمان ولوازمه :

أيها الأخوة الكرام, أصل الإيمان: أن تؤمن بالله موجوداً, وواحداً, وكاملاً، خالقاً, مربِّياً, مسيِّراً، أسماؤه حسنى, وصفاته فضلى، ومن لوازم هذا الإيمان: أن الله سبحانه و تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يخلق الإنسانَ سدى، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
مستحيل، قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[سورة القيامة الآية: 36]
إذًا: اللهُ عز وجل أمر, ونهى، وبيَّن، وأرشد، ووضَّح، فلا بدَّ من كتاب بين أيدينا، كتابُ خالق السموات والأرض، ولا بدَّ من إنسان تنزَّل عليه هذا الكتاب, وبيَّنه للناس، هذا أصل الدين خالق عظيم، وكتاب كريم، ورسول أمين .
ماذا تستنبط من هذه الموازنة؟
أيها الأخوة, الآن: لو وازنَّا بين كتاب الله وبين أعظم كتاب ألَّفه بشرٌ، الفرقُ بين الكتابين كما بين الله وخلقه، وازِن بين خالق الكون وبين مخلوق، ما من كتاب ألَّفه إنسان, إلا وفيه خطأ صغير أو كبير، إلا وله تعديل, إلا وله تقويم، إلا وله طبعة منقَّحة، إلا وله تصويبات، هذا من شأن البشر، ولكنَّ خالق البشر كتابه لا ريب فيه .
لذلك: إذا دخلت إلى مكتبة، يقولون: إن أعظم مكتبة في العالَم بالكونغرس، أو بواشنطن، فيها العشرات الملايين من الكتب، كلُّ هذه الكتب, لو وُضِعت في كفة واحدة، ووُضع كلام الله في كفة لرجح .
لذلك: حينما يمضي الإنسان وقته في كلام من صنع البشر، يضيِّع عمره سدى .
إنسان يحمل شهادة عالية (دكتوراه) مثلاً, في فن الغزل في العصر العبِّاسي، الإنسان أعظم من ذلك، أعظم من أن يبحث في شعر, قاله إنسان في غرض محرَّم، أما حينما ينشغل بكلام الله فهو حقٌّ صِرف، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، حبل الله المتين, و صراطه المستقيم، المنهج القويم، نور الله في الأرض .
من دقة القرآن الكريم وروائعه :

أيها الأخوة, شيء غريب: كلام خالق الكون، الكلمة لها معنى، الحرف له معنى, الحركة لها معنى, الله عز وجل قال: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
واضح، قال تعالى:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[سورة التوبة الآية: 40]

لو قرأتها: وكلمةَ الله، أي: الله عز وجل؛ جعل كلمة الذين كفروا السفلى بعد أن كانت عليا، وجعل كلمته عليا بعد أن كانت سفلى، والعياذ بالله المعنى فاسد، إذًا: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
وقف:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
دائماً: هذا المعنى, فحركة تجعل المعنى فاسداً، قال تعالى:
﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 3]
إذا قلت: ورسولِه، أي بريء من المشركين, وبريء من رسوله، لكن: ورسولُه بريء أيضاً، حركة .
عمرك ثمين أيها الإنسان, لا تنفقه إلا في معرفة كتاب ربك :
أيها الأخوة, فعُمر الإنسان الثمين, لا يمكن أن يُنفق إلا في معرفة كتاب الله الكريم، أي أعظم عمل أن تفهم كلام الله، لأن فهم كلام الله يجعلك على صراط مستقيم، دون أن تشعر، والإنسان حركته في الحياة بحسب قناعته .
قد تجد إنساناً يرتكب حماقة كبيرةً جدًّا، يرتكب جريمة أحياناً، بأكل أموالَ الناس بالباطل, يظنُّ أنه قويٌّ، وهم ضعفاء، فيبتزُّ أموالهم، وهو يجهل أن الله سوف ينتقم منه، فهذا جاهل، الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع العدوُّ أن يفعله به، الجهل أعدى أعداء الإنسان، أعدى أعداء الإنسان الجهل، وليس من صفة في الإنسان أشدُّ نفوراً من الجهل، فأنت إذا قرأتَ كلام الله، كلام حقٌّ مئة بالمئة، صحيح مئة بالمئة، كلام خبير .
تمهيد للحديث الشريف :
أيها الأخوة, فلو أن آلة معقَّدة غالية ثمينة, ذات نفع عظيم, التقيتَ بصانعها، مخترعها، وأعطاك تعليمات تشغيلها، ثم سألتَ أشخاصاً عاديِّين, لا علاقة لهم بهذه الآلة إطلاقاً, عن بعض الأسئلة حولها، فأجابوك، أيَّة إجابة تعتمدها؟ إجابة الصانع الخبير، هذا الكلام دقيق جدًّا، مقدِّمة لحديث شريف، مهما قُرِئ هذا الحديث, تشعر أنك في أمسِّ الحاجة إليه .
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح, الذي رواه الإمام مسلم, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا, نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ, يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا, سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ, وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا, سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ, وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ, يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تعالى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ, إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ, وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ, وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ, وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ, وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ, لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
هذا المكان الذي ينبغي أن تدخله كما ورد في نص الحديث :
((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))
هناك في الحياة أماكن كثيرة, هناك دُور لَهْو، طبعاً: بناء فخم جدًّا، والفرش من أعلى درجة، والأناقة غير متناهية، والتزيينات غير متناهية، والفسق فيها غير متناهٍ، هذه الدُور تنتهي بصاحبها, إما إلى كآبة المعصية، وإما إلى السجن نصيب النازلين به -دور القمار-:
نصيب النازلين بها سهــاد وإفلاس فيأس فانتحـــارُ
تُشاد له المنازلُ شاهــقاتٍ و في تشييـد ساحتها الدَّمارُ
قد تدخل إلى مسجد, فتستمع إلى آية كريمة، إلى حديث، إلى توجيه، إلى تعليم، إلى توضيح، إلى إرشاد، يمتلىء قلبُك سعادة ونوراً بهذا الكلام .
لهذا: كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا, وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
طبعاً: وملاهيها .
((فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))
اجتمعنا في بيت من بيوت الله .

ماذا عن القرآن الكريم؟ :
((فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله))
القرآن الكريم كلام الله، والله مصدر الجمال .
لو سألت أحدَ أخواننا المتفوِّقين, إذا تلا كلام الله صباحاً, تلاه بقلب خاشع, تغمره سعادةٌ لا تُوصَف، وقد يشعر قارئُ القرآن, أن صوته يزداد حسناً إذا قرأ القرآن .
أي: إذا أردتَ أن تحدِّث اللهَ فادعُه، وإن أردتَ أن يحدِّثك اللهُ فاقرأ القرآن، أنت مع كلام خالق السموات والأرض, لذلك: قال تعالى:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 30]
الإنسان حينما يهجر هذا الكتاب, يقع في خسران كبير، ما الذي يشغل الناسَ؟ الشاشة, وماذا في الشاشة؟ كل أنواع الفسق والفجور في الشاشة، كل أنواع السلوك غير السويِّ في الشاشة، فالإنسان يتعلَّم خبرات سيِّئة جدًّا، يتعلَّم نماذج إنسانية حقيرة جدًّا، إنسان شهواني, إنسان يبحث عن لذَّته بكل وسيلة، علاقات كلُّها محرَّمة، علاقات كلها خارج الزواج، هذه كلها خبرات يكتسبها الإنسانُ، أما يشاهدها, يراها طبيعية جدًّا، شيء طبيعي جدًّا .
يمكن في مجتمع لا يقرأ القرآن, أو مجتمع فتيات لا يقرأن القرآن, تُعدُّ الفتاة التي ليس لها صاحب أو صديق معقَّدة غير سويَّة، الأصل: أن يكون لها صاحب، هذا إذا ابتعدنا عن القرآن الكريم .
حينما نبتعد عن كتاب الله, نقع في أوهام, وفي وحول لا يعلمها إلا الله، فلذلك: الإنسان شفاؤه في القرآن .
((ما اجتمع قوم كتاب الله))
أحياناً: أسمع عن أخوان, واللهِ أنا أقدِّرهم كثيراً، يعملون دوراً لأنفسهم؛ الثلاثاء, الأربعاء، الخميس، سهرة، يقرأ كلُّ واحد من الحاضرين, يفسِّر صفحة، من معلوماتهم، و مما سمعوا من دروس العلم، أي جلسة لطيفة فيها كلام الله، هذا الكلام اترُكه في بالك .
((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))
طبعاً: لا مانع في بيت من بيوت الناس أيضاً .

هكذا مدارسة القرآن الكريم :
((يتلون كتاب الله ويتدارسونه))
الأَولى أن يكون للمؤمن ختمتان؛ ختمة تلاوة، وختمة فهم وتدبُّر, ختمة التلاوة كل يوم خميس صفحات، الحد الأدنى عشرة أحسن، عشرين جزءاً صار، ثلاثون يوما في ختمة، أو في الستِّين، أو بمئة وعشرين، لكن لا بدَّ من ختمة في الأسبوع عشر آيات .
أي: وقفة متأنِّية متدبِّرة، أبعاد الكلمة, إرشادات الآية, الأحكام الفقهية منها، اللفتات البلاغية فيها، الإشارات البعيدة منها, الاستنباطات الرائعة، كلام الله غنيٌّ جدًّا، مهما تلوته لا يخلق على كثرة الردِّ .
إذًا:
((يتلون كتاب الله ويتدارسونه))
تلاوة تعبُّد أو دراسة، فهم وتدبُّر، كلام النبي دقيق .
أنت أحياناً: ترغب أن تقرأ القرآن فقط، و لكن أحياناً: ترغب أن تفقه معنى الكلمة، معنى الحركة, معنى الآية، الحكم الشرعي، الاستنباط اللغوي، الإعجاز النظمي, الإعجاز العلمي.

من الإعجاز العلمي في هذه الآية :

قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
[سورة الكهف الآية: 18]
أربع كلمات, قال الله تعالى:
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
[سورة الكهف الآية: 18]
ولكن هذه فيها إعجاز علمي، لما ينام الإنسان هيكله العظمي مع ما فوقه من عضلات وشحوم، هذه لها وزن، هذه ضاغطة على العضلات التي تحت الهيكل العظمي، هذا الضغط, يسبِّب تضيُّق الشرايين والأوعية، التضيُّق يجعل ما يُسمَّى بالتنميل .
الواحد في الدرس نفسه, إذا قعد قعدةً ثابتة أكثر من ربع ساعة, يحسُّ أن رجله لم يعُد يشعر بها، وكأنها ليست منه، أو تنمَّلت, أو خضرانة بالتعبير العامي .
فالإنسان وهو نائم، طبعاً: في الجسم, هناك مراكز للإحساس بالضغط، هذه المراكز تنبِّه الدماغ، انضغطنا، فالدماغ يعطي أمراً، الإنسان ينقلب على اليمين، القسم الذي كان تحته مضغوطاً، والأوعية ضاقت، ونمَّلت اليد، تعكس، فيرتاح القسم الذي كان مُتعباً .
والآن: يبدأ تعبُ القسم الثاني، كذلك هذا القسم ينضغط، هناك مراكز إحساس بالضغط تنذر الدماغ، والدماغ يعطي أمراً معاكساً، ولكن هذه المرة ليس ذات اليمين، حتى لا يقع من السرير, ذات الشمال، وذات اليمين .
صوَّروا إنساناً نائماً في فيلم، تقلَّب ثمانية وثلاثين إلى أربعين مرة، لولا التقلُّبُ لا يمكن للإنسان أن تستمرَّ طاقته بعضلاته، والذي معه مرض السبات، إذا لم يقلِّبه أهلُه خلالَ أيام, يتفسَّخ لحمُه نهائياً .
الآن: هناك فراش غال جدًّا, الذي معه مرض السبات, هو يقلِّبه، معه محرِّكات. والله قال:
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
[سورة الكهف الآية: 18]
فأهل الكهف بقوا ثلاثمئة سنة، وازدادوا تسعاً، لولا أنهم يتقلَّبون في اليوم مرتين وثلاثاً وأربعًا لانتهوا، وتفسَّخت لحومهم .
هذا إعجاز علمي في القرآن الكريم، إذا قرأ الإنسان قراءة متأنِّية, سيرى إعجازاً علمياً .
من الإعجاز النظمي في هذه الآيات :

هناك إعجاز في النظم، تقديم وتأخير، الله قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
بدأ بالأب فقال:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
هناك آية ثانية, قال:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 14]
بدأ بالمرأة .
وهناك آية ثالثة، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾
[سورة عبس الآية: 34]
بدأ بالأخ .
وهناك آية رابعة، قال تعالى:
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾
[سورة المعارج الآية: 11]
مرة بالأب، ومرة بالزوجة، ومرة بالابن، ومرة بالأخ .
الإنسان له أب, وابن, وزوجة, وأخ، هناك إعجاز بالنظم، العلماء قالوا: في موطن الاعتزاز الاجتماعي الإنسان يعتزُّ بأبيه، أنا ابن فلان، والعرب كانت عندها سبَّة في الجاهلية: لا أبا لك، وفي موطن الحب الشديد بدأ بالابن، وفي موطن الاستعانة بالأخ، الابن صغير والأب كبير، تستعين بأخيك، فالإنسان إذا استعان فبأخيه، وإذا أراد أن يضحِّي بشيء من أجل بقاء شيء, يضحِّي بكل شيء إلا ابنه، وفي موطن الشهوة المرأة، وفي موطن الاعتزاز الاجتماعي الأب، فهناك دقَّة بالغة، قال تعالى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
[سورة النور الآية: 2]
الزانية، لأن المرأة سبب الزنا، وموضوع الزنا غير موضوع الطعام والشراب .
لو جلست في غرفة جدرانها ملساء، ليس فيها شيء أبداً، بلا طعام تجوع، أما الجنس فلا بدَّ له من مؤثِّر خارجي، الجوع له دافع داخلي، لو لم توجد إثارة، ولو لم ترَ طعاماً.
الواحد أحياناً: يرى طعاما طيِّبا بالمطاعم، عند بائع الفواكه, مثلاً يشتهي، هذا مؤثِّر، أما لو ما رأى الإنسان أيَّ مؤثر يجوع، ويشتهي الطعام، الجنس بالعكس، إذا لم يوجد مؤثر خارجي, فلا تنشأ هذه الشهوة، وهذا من رحمة الله بنا .
فكلُّ إنسان يعرِّض نفسه لمؤثرات خارجية, يصبح معه كبت، وتمزُّق داخلي، أما إذا لم يعرِّض نفسه لمؤُِّثرات خارجية، عنده راحة نفسية, فالله بدأ, وقال:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
[سورة النور الآية: 2]

لأن المرأة هي السبب في الزنا، لكن في السرقة, قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾
[سورة المائدة الآية: 38]
موضوع ثان، في خلق السموات والأرض, قال تعالى:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
[سورة الرحمن الآية: 33]
أما موطن البلاغة فبدأ بالإنس، فقال تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 88]
قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]

بدأ بغض البصر، لأن غضَّ البصر سبب لحفظ الفرج، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]

أي: هناك بصر مباح، أن تنظر إلى امرأتك، لا إشكال، إلى أمك، إلى أختك, إلى ابنتك, وإلى عمَّتك, وإلى خالتك، إذًا: غضُّ البصر تبعيض: ﴿يَغُضُّوا مِنْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
ولكن لا يوجد: ويحفظوا من فروجهم, لا يوجد زنا مباح أبداً، ولا يوجد زنا اضطراري، فالقرآن الكريم نظمه على مستوى الحركة والحرف .
ما هي الثمرة التي يقطفها هؤلاء القوم عقب قراءتهم للقرآن ومدارستهم فيه؟ :
((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم, إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة))
السكينة: هي الشيء الذي إذا وصلت إليه سعدتَ به, ولو فقدت كلَّ شيء، وإذا خسرتها شقيتَ، ولو ملكت كلَّ شيء .
مُؤدَّى الدين كلِّه السكينة، أي: إيمانك بالله, وعملك الصالح, واستقامتك, واتِّصالك بالله, من أجل هذه السكينة التي تتنزَّل على قلب المؤمن، فالإتيان إلى بيت من بيوت الله, والاجتماع مع المؤمنين, وتلاوة كتاب الله ومدارسته سبب نزول السكينة .
الأخوة يعبِّرون عنها تعبيرا عادياً، فيقولون: انبسطنا، صار التجلي، هموم أُزيحت عن صدري، هذه هي السكينة، السكينة راحة نفسية، طمأنينة، وثقة بالله, سعادة, أمن، السكينة إحساس بالتفوُّق، لا تشتهي شيئاً .

هذه أماني أهل الدنيا وأهل الآخرة :
أيها الأخوة, أهل الدنيا كلما شاهدوا شيئاً من الدنيا, يسيل لعابُهم له، قال تعالى:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]

مرة قال لي واحد -كلام مضحك- قال لي: و اللهِ هذه السيارة (B-M), أتمنى أن تصدمني, لكثرة ما أحبُّها، هكذا تصوَّر، يعلِّق فيها جرذان، يحبُّها كثيراً، يتمنى أن تسير فوقه, قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]
أما المؤمن؛ يا ليتني أفهم كلام الله، يا ليتني أعمل عملاً طيِّباً, يرضى الله عني، يا ليتني أُوفَّق إلى طاعة الله، يا ليتني أتَّصل بالله، يا ليتني أحبُّ الله كما أحبَّه أصحابُ رسول الله ، فكلٌّ إنسان ماذا يتمنى؟ بحسب مستواه .
((إلا نزلت عليهم السكينة))
خطبة ألقيت :
أنا ألقيت خطبة حول السكينة قبل أربعة أسابيع فيما أعتقد، فيها توفيق كبير كان، أي كيف التجارة كلها من أجل الربح، والدين كله في الأساس, من أجل هذه السكينة التي هي الجانب الجمالي في الدين .
هناك في الدين جانب علمي، وجانب سلوكي انضباطي، وجانب جمالي، الجمالي هو الثمرة، السلوكي هو الأصل، والعلمي هو السبب, سبب، أصل، ثمرة، مستحيل أن تنضبط دون علم، ومستحيل أن تنضبط، ولا تكون أسعد الناس .
نحن أحياناً: نصلي على رسول الله، نصلي على أسعدنا محمد، أسعد الخلق .
أحد أخواننا مقيم في أمريكا, جاء في الصيف، ومكث شهراً، بعد ما سافر بعث لي رسالة شكر، قال لي: عندنا كل شيء في الدنيا في أعلى مستوى، ولكن وجدتُ عندكم الراحة النفسية، وجدت الحبَّ، وجدت الاتصال بالله، وجدت الأسرة المتماسكة، وجدت الودَّ بين المؤمنين، هذا كله هناك لا نعرفه.
أحياناً: الإنسان يرحِّب بك، يمكن أن نسهر سهرة في غرفة صغيرة متواضعة، ونجلس على الأرض، نأكل أكلاً عادياً جدًّا، يقول لك: واللهِ صار التجلي، شعرنا بسعادة لا توصف، ويمكن أن تدخل إلى أفخم مطعم في البلد، وكله من أعلى مستوى، وتشعر بانقباض .
احفظوا هذه الكلمة: إذا ملكتَ السكينة سعدتَ بها, ولو فقدت كلَّ شيء، وإذا خسرت السكينة شقيت بفقدها, ولو ملكت كلَّ شيء .
ما المقصود بالرحمة هنا؟ :
((إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة))
ما هذه الرحمة؟ هذا مطلق عطاء الله, رحمة, إذا الله رحم إنساناً، قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]

فإذا رحم الله عز وجل إنساناً, نجا من عذاب الدنيا والآخرة، لذلك: قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]

هناك شركات مبيعاتها أربعة آلاف مليون دولار، أحياناً: هناك شركات عندها فائض نقدي, عشرات ألوف الملايين من الدولارات، فائض زائد على حاجتها، الله قال: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
والموت ينهي كلَّ شيء .

مغزى هذا المحور :
هناك مطعم في أمريكا, أفخر مطعم سمك في الولاية على الإطلاق, عريق جدًّا، و صاحبه صار معه مئات الملايين، أراد أن يذهب في نزهة مع زوجته في يخت فاخر في فلوريدا، ضاعت الأخبارُ كلها، ولا خبر، لا عنه, ولا عن زوجته، ولا عن اليخت، فكان تعليق الناس أنه: أطعم الناس السمكَ أربعين عاماً فأكله السمكُ .
يكون الإنسان ملكاً, فينتهي في ثانية، يصبح نعياً في ثانية، يكون غنيًّا فيصير إنساناً عليه كَفَن فقط, صدق القائل:
فكل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت
الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
كل ابن أنـــثى و إن طالت سلامته يوماً عــــلى آلة حدبـــاء محمولُ
فإذا حمــلت إلى القبـور جــنازةً فاعــلم بأنـــك بعــدها محــمولُ
فالإنسان يفقد حياته في ثانية، والإنسان مكلَّف بان يعتنيَ بصحته، لكن العناية بالصحة وحدها لا تفعل شيئاً، الإنسان يموت حينما ينتهي أجلُه, نسمع أحياناً قصصاً مؤثِّرة جدًّا، أعدُّها أساسيات في الحياة .
شاب من أصدقاء أخوتي, لهم سهرة كل سبت، قال: أنا أطيل الحياة حتى أموت، طبعاً: هو في الخمسينات، أنيق جداً، نحيل، يعتني بصحته عناية فائقة، ولا يدخِّن، يمشي كل يوم، وأكله قليل، علاقاته نامية، ليس عنده مشكلة .
قال: أن أطيل حتى أموت، الدور كان السبت، السبت الثاني كان تحت الأرض، هذا الكلام قاله بحضور أخي، أنا أطيل حتى أموت، لا أحد يعلم متى ينتهي أجله، إذا انتهى كل شيء جمَّعه في حياته, يخسره في ثانية واحدة, فالبطولة أن تكون مع الله .
((إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم الملائكة))
يتفوق في حياته .

هذا ما يفعله الملك, وهذا ما يفعله الشيطان :

أيها الأخوة, إنسان بين ملَك يلهمه الصواب, وبين شيطان يورِّطه، ماذا قال سيدنا موسى, لما القبطي مرة ثانية اشتكى له؟ قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾
[سورة القصص الآية: 15]
الشيطان دفع الإنسان إلى جريمة، أحياناً: ترى واحدا حُكم عليه بالإعدام، تفسيرها هذا من عمل الشيطان، الشيطان وسوس له أن يقتل فقتل، وأوقِف، فأُعدم في السجن .
لو سألت كلَّ سجين على حدة، كل واحد متورِط في جريمة، في ساعة غفلة عن الله جاء الشيطان، فهنا إذا كان الواحد مع الله, حفّته الملائكة، كل خواطره, إلهامات عالية, يفكِّر في خدمة الناس, والإحسان إليهم، صلة الرحم, وإطعام الفقراء، وزيارة الأقارب خدمة الناس ، والدعوة إلى الله، هكذا إلهاماته كلها، أما غير المؤمن قد يُوسوس له بفعل معصية شنعاء.
من حوالي فترة, واحد تورَّط بمحاولة مع غلام، حكمها ثلاثون سنة أو حكمها خمس عشرة سنة .
((ألا يا رُبَّ شهوة ساعة, أورثت حزناً طويلاً))
دقائق, تكلِّف خمس عشرة سنة في السجن.

هذا ما أردته :

أنا أردت من هذا الدرس: أخواننا بحكم القرابة، أو حكم الزمالة، أو حكم الجوار، أخوان مثلاً في زملكا، أخوان بحرستا، أخوان بالمهاجرين، كلّ مجموعون في حيٍّ، أو على أساس العمل، من يعملون في شركة موحَّدة، أو على أساس القرابة، إذا كان اللقاء أسبوعياً, كل واحد قرأ صفحة قرآن، وحاولوا أن يفسِّروا, أو يراجعوا درس الجمعة، المذاكرة هذه مفيدة جدًّا، تثبِّت الحقائق، يقرأ كل واحد صفحة، ونحاول أن نتذَّكر بعض ما قيل في درس الجمعة، والأحد, والسبت، هذا الاجتماع مبارك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾
[سورة سبأ الآية: 46]
أي أجمل ساعات العمر: أن تذاكر العلم مع أخيك المؤمن، تشعر بسموٍّ عالٍ جداً, والناس منشغلون بالشاشة، نحن بالقرآن، فرق كبير بين الشاشة والقرآن، إذا كان الأخوان بحسب أماكن سكنهم، أو بحسب أماكن عملهم، أو بحسب علاقات القرابة, جلسة ساعة زمان، دون ضيافة, كأس شاي فقط، ودون كُلفة، كل واحد قرأ صفحة قرآن حسب الحديث، قرأنا الصفحة، يتلون كتاب الله، وذاكرنا درس الجمعة, يتدارسونه، وإذا كانت جلسة لله خالصة, ليس لها أيَّ مقصد، الإنسان يشعر بهذه المعاني؛ السكينة, والرحمة, والتوفيق الإلهي .
في اليوم التالي مسدَّد, رشيد, موفَّق, ومحفوظ من الله، والحفظ, والتوفيق, والتأييد, والنصر، وهناك إلهامات ملائكية طيِّبة، لأن هذا كلام الله عز وجل، إن أردت أن تحدِّث ربَّك فادعُه، وإن أردت أن يحدِّثك اللهُ فاقرأ القرآن، وإذا كنا قرأناه ختمة تلاوة تعبُّدية, وختمة تدبُّر ودراسة، التدبر في آية الدرس, كله على حديث واحد، أحياناً: التعميق مُريح للنفس، آية يفهمها بعمق, يفهم كلَّ أبعادها، نفهم ما وراء مضامينها، وتأويلاتها، وهكذا.
ملاحظة :
هناك ملاحظة أخيرة: أنا قناعتي أن الإنسان قد تنشأ عنده الآلاف من الأسئلة، وإذا قرأ القرآن بعناية، ما من سؤال يُقلقه إلا وجوابُه في القرآن، إذا هناك قراءة مستمرَّة، هذا الكلام نور الله عز وجل، هذا نور الله عز وجل بين أيدينا، وهذا تفسير الله للخلق، وللكون, والحياة, وللإنسان، ولمصير الإنسان، فكلما ازداد فهماً لهذا الكتاب, حُلَّت مشكلتُه العقائدية، عقيدته تصحُّ .
أحياناً: واحد يذهب إلى بلاد الغرب يختلُّ توازنُه، يجد فسقاً غير معقول، فجور, وفسق، أقوياء، ومنظَّمون، ومسيطرون على العالم، ويتحكَّمون في الشعوب، ويستهلكون أربعة أخماس ثروات العالم لأنفسهم، وتشعر أن الأموال كلها عندهم، والغنى كله عندهم، يختلُّ توازنه الواحد، يقرأ القرآن:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
توازن، لما شاهد المشاهدة اختلَّ توازنُه، قرأ الآية استعاد توازنَه .
تجد الواحد يظلم الناس مثلاً، لا يوجد من يحاسبه، تقرأ الآية:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]

استعاد توازنه، يكون شاباً فقيراً, ليس عنده شيء؛ لا بيت, ولا حائط، ولا شهادة، من يزوَّجه؟ ومن يعطيه؟ يقرأ الآية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 97]
وعدٌ إلهي .
أيها الأخوة, لا توجد مشكلة فكرية, أو نفسية, أو اجتماعية, تغامر قلبك، إذا تلوت كتاب الله, ترى حلاًّ لها، أبداً، يقول لك: إنسان حجمه المالي ألف مليون .
مرة عزَّيت شخصاً، إنسان متوفى أهله عزَّيته، في الرجوع, قال لي: ترك أربعة آلاف مليون، عمره خمس وخمسون سنة, تقرأ الآية:
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
تتوازن، الحياة فيها مشكلات، وفيها صدمات، كلما قرأت كلام الله استعدتَ توازنك، فإذا أنت قرأت كلام الله, فأنت دائماً متوازن، وليس عندك مشكلة، وقيمك كلها قيم دينية, موازينك كلها صحيحة، زين الشخص في دينه، وعلمه, واستقامته, وليس في ماله وقوته .
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, أرجو الله أن يُترجم هذا الدرس إلى واقع، أي إذا اقتطع أخ من وقته ساعة في الأسبوع، وقعد مع أخوان يحبُّهم، كل واحد يصطفي أخوين يحبهم، تآخيا اثنينِ اثنين، جامع فيه آلاف مؤلَّفة، اختر منه ثلاثة أربعة، لك جلسة خاصة معهم، فيها ودٌّ، وفيها تعاون، وفيها تفقُّد، تعاونهم ويعاونوك، وتنصحهم وينصحوك، وتعينهم ويعينوك، تأخذ بيدهم ويأخذون بيدك، تتفقَّدهم ويتفقدونك، لا سمح الله غبت في درس سألوا عنك، إذا مرضت يعودونك، عندهم مشكلة نحلها .
فالإنسان لا يعيش وحده، تآخيا اثنينِ اثنين، ثلاثةٍ ثلاثة أحسن، وخمسةٍ خمسة أحسن، ولكن لا بدَّ للحديث أن يُترجم لواقع، بحسب القرابة, أو بحسب الزمالة في العمل، أو بحسب السكن، أربعة خمسة في جلسة, في الجمعة ساعة، كأس شاي من دون تعقيدات، قرأ كل واحد صفحة قرآن، ضبط لسانه، وإذا يوجد أخ يجوِّد يعاونه، هنا فيه إدغام، وهنا فيه مدٌّ، إلى آخره ، بعد ذلك نراجع درس الجمعة، نتفقد بعضنا ونمشي، نكون قد طبَّقنا الحديث .
((نزلت عليهم السكينة, وحفتهم الملائكة عنده))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي, وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي, فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ خَيْرٍ مِنْهُ, وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا, وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا, وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))
[أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما, والترمذي في سننه]
إذا الواحد همُّه أن يمدح الله عز وجل بين الناس، تجد الله عز وجل أين اجتمع الناسُ يمدحونه, همُّه أن يمدح الله، ويعرِّف الناسَ بالله، واللهُ مكافأة له: يلقي محبَّته في قلوب الناس, أينما ذهب يُرحَّب به، على عكس الإنسان إذا كانت له معصية، يلقي اللهُ بغضَه في قلوب الخلق، ولا يحبُّه أحدٌ .
الحديث ثمين جداً, سكينة, على رحمة, على إلهام ملائكي، على أن يذكرك الله فيمن عنده، وتلوت كتاب الله, وتدارسته فيما بينك وبينه .
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:41 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (087-101) : باب: فضل تعلم القرآن وتعليمه - الحديث عن القرآن الكريم من حيث: تلاوته, مدارسته, صور من إعجازه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-08-15

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من أصل الإيمان ولوازمه :

أيها الأخوة الكرام, أصل الإيمان: أن تؤمن بالله موجوداً, وواحداً, وكاملاً، خالقاً, مربِّياً, مسيِّراً، أسماؤه حسنى, وصفاته فضلى، ومن لوازم هذا الإيمان: أن الله سبحانه و تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يخلق الإنسانَ سدى، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
مستحيل، قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[سورة القيامة الآية: 36]
إذًا: اللهُ عز وجل أمر, ونهى، وبيَّن، وأرشد، ووضَّح، فلا بدَّ من كتاب بين أيدينا، كتابُ خالق السموات والأرض، ولا بدَّ من إنسان تنزَّل عليه هذا الكتاب, وبيَّنه للناس، هذا أصل الدين خالق عظيم، وكتاب كريم، ورسول أمين .
ماذا تستنبط من هذه الموازنة؟
أيها الأخوة, الآن: لو وازنَّا بين كتاب الله وبين أعظم كتاب ألَّفه بشرٌ، الفرقُ بين الكتابين كما بين الله وخلقه، وازِن بين خالق الكون وبين مخلوق، ما من كتاب ألَّفه إنسان, إلا وفيه خطأ صغير أو كبير، إلا وله تعديل, إلا وله تقويم، إلا وله طبعة منقَّحة، إلا وله تصويبات، هذا من شأن البشر، ولكنَّ خالق البشر كتابه لا ريب فيه .
لذلك: إذا دخلت إلى مكتبة، يقولون: إن أعظم مكتبة في العالَم بالكونغرس، أو بواشنطن، فيها العشرات الملايين من الكتب، كلُّ هذه الكتب, لو وُضِعت في كفة واحدة، ووُضع كلام الله في كفة لرجح .
لذلك: حينما يمضي الإنسان وقته في كلام من صنع البشر، يضيِّع عمره سدى .
إنسان يحمل شهادة عالية (دكتوراه) مثلاً, في فن الغزل في العصر العبِّاسي، الإنسان أعظم من ذلك، أعظم من أن يبحث في شعر, قاله إنسان في غرض محرَّم، أما حينما ينشغل بكلام الله فهو حقٌّ صِرف، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، حبل الله المتين, و صراطه المستقيم، المنهج القويم، نور الله في الأرض .
من دقة القرآن الكريم وروائعه :

أيها الأخوة, شيء غريب: كلام خالق الكون، الكلمة لها معنى، الحرف له معنى, الحركة لها معنى, الله عز وجل قال: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
واضح، قال تعالى:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[سورة التوبة الآية: 40]

لو قرأتها: وكلمةَ الله، أي: الله عز وجل؛ جعل كلمة الذين كفروا السفلى بعد أن كانت عليا، وجعل كلمته عليا بعد أن كانت سفلى، والعياذ بالله المعنى فاسد، إذًا: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
وقف:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
دائماً: هذا المعنى, فحركة تجعل المعنى فاسداً، قال تعالى:
﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 3]
إذا قلت: ورسولِه، أي بريء من المشركين, وبريء من رسوله، لكن: ورسولُه بريء أيضاً، حركة .
عمرك ثمين أيها الإنسان, لا تنفقه إلا في معرفة كتاب ربك :
أيها الأخوة, فعُمر الإنسان الثمين, لا يمكن أن يُنفق إلا في معرفة كتاب الله الكريم، أي أعظم عمل أن تفهم كلام الله، لأن فهم كلام الله يجعلك على صراط مستقيم، دون أن تشعر، والإنسان حركته في الحياة بحسب قناعته .
قد تجد إنساناً يرتكب حماقة كبيرةً جدًّا، يرتكب جريمة أحياناً، بأكل أموالَ الناس بالباطل, يظنُّ أنه قويٌّ، وهم ضعفاء، فيبتزُّ أموالهم، وهو يجهل أن الله سوف ينتقم منه، فهذا جاهل، الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع العدوُّ أن يفعله به، الجهل أعدى أعداء الإنسان، أعدى أعداء الإنسان الجهل، وليس من صفة في الإنسان أشدُّ نفوراً من الجهل، فأنت إذا قرأتَ كلام الله، كلام حقٌّ مئة بالمئة، صحيح مئة بالمئة، كلام خبير .
تمهيد للحديث الشريف :
أيها الأخوة, فلو أن آلة معقَّدة غالية ثمينة, ذات نفع عظيم, التقيتَ بصانعها، مخترعها، وأعطاك تعليمات تشغيلها، ثم سألتَ أشخاصاً عاديِّين, لا علاقة لهم بهذه الآلة إطلاقاً, عن بعض الأسئلة حولها، فأجابوك، أيَّة إجابة تعتمدها؟ إجابة الصانع الخبير، هذا الكلام دقيق جدًّا، مقدِّمة لحديث شريف، مهما قُرِئ هذا الحديث, تشعر أنك في أمسِّ الحاجة إليه .
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح, الذي رواه الإمام مسلم, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا, نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ, يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا, سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ, وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا, سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ, وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ, يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تعالى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ, إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ, وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ, وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ, وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ, وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ, لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
هذا المكان الذي ينبغي أن تدخله كما ورد في نص الحديث :
((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))
هناك في الحياة أماكن كثيرة, هناك دُور لَهْو، طبعاً: بناء فخم جدًّا، والفرش من أعلى درجة، والأناقة غير متناهية، والتزيينات غير متناهية، والفسق فيها غير متناهٍ، هذه الدُور تنتهي بصاحبها, إما إلى كآبة المعصية، وإما إلى السجن نصيب النازلين به -دور القمار-:
نصيب النازلين بها سهــاد وإفلاس فيأس فانتحـــارُ
تُشاد له المنازلُ شاهــقاتٍ و في تشييـد ساحتها الدَّمارُ
قد تدخل إلى مسجد, فتستمع إلى آية كريمة، إلى حديث، إلى توجيه، إلى تعليم، إلى توضيح، إلى إرشاد، يمتلىء قلبُك سعادة ونوراً بهذا الكلام .
لهذا: كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا, وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
طبعاً: وملاهيها .
((فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))
اجتمعنا في بيت من بيوت الله .

ماذا عن القرآن الكريم؟ :
((فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله))
القرآن الكريم كلام الله، والله مصدر الجمال .
لو سألت أحدَ أخواننا المتفوِّقين, إذا تلا كلام الله صباحاً, تلاه بقلب خاشع, تغمره سعادةٌ لا تُوصَف، وقد يشعر قارئُ القرآن, أن صوته يزداد حسناً إذا قرأ القرآن .
أي: إذا أردتَ أن تحدِّث اللهَ فادعُه، وإن أردتَ أن يحدِّثك اللهُ فاقرأ القرآن، أنت مع كلام خالق السموات والأرض, لذلك: قال تعالى:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 30]
الإنسان حينما يهجر هذا الكتاب, يقع في خسران كبير، ما الذي يشغل الناسَ؟ الشاشة, وماذا في الشاشة؟ كل أنواع الفسق والفجور في الشاشة، كل أنواع السلوك غير السويِّ في الشاشة، فالإنسان يتعلَّم خبرات سيِّئة جدًّا، يتعلَّم نماذج إنسانية حقيرة جدًّا، إنسان شهواني, إنسان يبحث عن لذَّته بكل وسيلة، علاقات كلُّها محرَّمة، علاقات كلها خارج الزواج، هذه كلها خبرات يكتسبها الإنسانُ، أما يشاهدها, يراها طبيعية جدًّا، شيء طبيعي جدًّا .
يمكن في مجتمع لا يقرأ القرآن, أو مجتمع فتيات لا يقرأن القرآن, تُعدُّ الفتاة التي ليس لها صاحب أو صديق معقَّدة غير سويَّة، الأصل: أن يكون لها صاحب، هذا إذا ابتعدنا عن القرآن الكريم .
حينما نبتعد عن كتاب الله, نقع في أوهام, وفي وحول لا يعلمها إلا الله، فلذلك: الإنسان شفاؤه في القرآن .
((ما اجتمع قوم كتاب الله))
أحياناً: أسمع عن أخوان, واللهِ أنا أقدِّرهم كثيراً، يعملون دوراً لأنفسهم؛ الثلاثاء, الأربعاء، الخميس، سهرة، يقرأ كلُّ واحد من الحاضرين, يفسِّر صفحة، من معلوماتهم، و مما سمعوا من دروس العلم، أي جلسة لطيفة فيها كلام الله، هذا الكلام اترُكه في بالك .
((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))
طبعاً: لا مانع في بيت من بيوت الناس أيضاً .

هكذا مدارسة القرآن الكريم :
((يتلون كتاب الله ويتدارسونه))
الأَولى أن يكون للمؤمن ختمتان؛ ختمة تلاوة، وختمة فهم وتدبُّر, ختمة التلاوة كل يوم خميس صفحات، الحد الأدنى عشرة أحسن، عشرين جزءاً صار، ثلاثون يوما في ختمة، أو في الستِّين، أو بمئة وعشرين، لكن لا بدَّ من ختمة في الأسبوع عشر آيات .
أي: وقفة متأنِّية متدبِّرة، أبعاد الكلمة, إرشادات الآية, الأحكام الفقهية منها، اللفتات البلاغية فيها، الإشارات البعيدة منها, الاستنباطات الرائعة، كلام الله غنيٌّ جدًّا، مهما تلوته لا يخلق على كثرة الردِّ .
إذًا:
((يتلون كتاب الله ويتدارسونه))
تلاوة تعبُّد أو دراسة، فهم وتدبُّر، كلام النبي دقيق .
أنت أحياناً: ترغب أن تقرأ القرآن فقط، و لكن أحياناً: ترغب أن تفقه معنى الكلمة، معنى الحركة, معنى الآية، الحكم الشرعي، الاستنباط اللغوي، الإعجاز النظمي, الإعجاز العلمي.

من الإعجاز العلمي في هذه الآية :

قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
[سورة الكهف الآية: 18]
أربع كلمات, قال الله تعالى:
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
[سورة الكهف الآية: 18]
ولكن هذه فيها إعجاز علمي، لما ينام الإنسان هيكله العظمي مع ما فوقه من عضلات وشحوم، هذه لها وزن، هذه ضاغطة على العضلات التي تحت الهيكل العظمي، هذا الضغط, يسبِّب تضيُّق الشرايين والأوعية، التضيُّق يجعل ما يُسمَّى بالتنميل .
الواحد في الدرس نفسه, إذا قعد قعدةً ثابتة أكثر من ربع ساعة, يحسُّ أن رجله لم يعُد يشعر بها، وكأنها ليست منه، أو تنمَّلت, أو خضرانة بالتعبير العامي .
فالإنسان وهو نائم، طبعاً: في الجسم, هناك مراكز للإحساس بالضغط، هذه المراكز تنبِّه الدماغ، انضغطنا، فالدماغ يعطي أمراً، الإنسان ينقلب على اليمين، القسم الذي كان تحته مضغوطاً، والأوعية ضاقت، ونمَّلت اليد، تعكس، فيرتاح القسم الذي كان مُتعباً .
والآن: يبدأ تعبُ القسم الثاني، كذلك هذا القسم ينضغط، هناك مراكز إحساس بالضغط تنذر الدماغ، والدماغ يعطي أمراً معاكساً، ولكن هذه المرة ليس ذات اليمين، حتى لا يقع من السرير, ذات الشمال، وذات اليمين .
صوَّروا إنساناً نائماً في فيلم، تقلَّب ثمانية وثلاثين إلى أربعين مرة، لولا التقلُّبُ لا يمكن للإنسان أن تستمرَّ طاقته بعضلاته، والذي معه مرض السبات، إذا لم يقلِّبه أهلُه خلالَ أيام, يتفسَّخ لحمُه نهائياً .
الآن: هناك فراش غال جدًّا, الذي معه مرض السبات, هو يقلِّبه، معه محرِّكات. والله قال:
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾
[سورة الكهف الآية: 18]
فأهل الكهف بقوا ثلاثمئة سنة، وازدادوا تسعاً، لولا أنهم يتقلَّبون في اليوم مرتين وثلاثاً وأربعًا لانتهوا، وتفسَّخت لحومهم .
هذا إعجاز علمي في القرآن الكريم، إذا قرأ الإنسان قراءة متأنِّية, سيرى إعجازاً علمياً .
من الإعجاز النظمي في هذه الآيات :

هناك إعجاز في النظم، تقديم وتأخير، الله قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
بدأ بالأب فقال:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
هناك آية ثانية, قال:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 14]
بدأ بالمرأة .
وهناك آية ثالثة، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾
[سورة عبس الآية: 34]
بدأ بالأخ .
وهناك آية رابعة، قال تعالى:
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾
[سورة المعارج الآية: 11]
مرة بالأب، ومرة بالزوجة، ومرة بالابن، ومرة بالأخ .
الإنسان له أب, وابن, وزوجة, وأخ، هناك إعجاز بالنظم، العلماء قالوا: في موطن الاعتزاز الاجتماعي الإنسان يعتزُّ بأبيه، أنا ابن فلان، والعرب كانت عندها سبَّة في الجاهلية: لا أبا لك، وفي موطن الحب الشديد بدأ بالابن، وفي موطن الاستعانة بالأخ، الابن صغير والأب كبير، تستعين بأخيك، فالإنسان إذا استعان فبأخيه، وإذا أراد أن يضحِّي بشيء من أجل بقاء شيء, يضحِّي بكل شيء إلا ابنه، وفي موطن الشهوة المرأة، وفي موطن الاعتزاز الاجتماعي الأب، فهناك دقَّة بالغة، قال تعالى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
[سورة النور الآية: 2]
الزانية، لأن المرأة سبب الزنا، وموضوع الزنا غير موضوع الطعام والشراب .
لو جلست في غرفة جدرانها ملساء، ليس فيها شيء أبداً، بلا طعام تجوع، أما الجنس فلا بدَّ له من مؤثِّر خارجي، الجوع له دافع داخلي، لو لم توجد إثارة، ولو لم ترَ طعاماً.
الواحد أحياناً: يرى طعاما طيِّبا بالمطاعم، عند بائع الفواكه, مثلاً يشتهي، هذا مؤثِّر، أما لو ما رأى الإنسان أيَّ مؤثر يجوع، ويشتهي الطعام، الجنس بالعكس، إذا لم يوجد مؤثر خارجي, فلا تنشأ هذه الشهوة، وهذا من رحمة الله بنا .
فكلُّ إنسان يعرِّض نفسه لمؤثرات خارجية, يصبح معه كبت، وتمزُّق داخلي، أما إذا لم يعرِّض نفسه لمؤُِّثرات خارجية، عنده راحة نفسية, فالله بدأ, وقال:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
[سورة النور الآية: 2]

لأن المرأة هي السبب في الزنا، لكن في السرقة, قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾
[سورة المائدة الآية: 38]
موضوع ثان، في خلق السموات والأرض, قال تعالى:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
[سورة الرحمن الآية: 33]
أما موطن البلاغة فبدأ بالإنس، فقال تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 88]
قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]

بدأ بغض البصر، لأن غضَّ البصر سبب لحفظ الفرج، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]

أي: هناك بصر مباح، أن تنظر إلى امرأتك، لا إشكال، إلى أمك، إلى أختك, إلى ابنتك, وإلى عمَّتك, وإلى خالتك، إذًا: غضُّ البصر تبعيض: ﴿يَغُضُّوا مِنْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
ولكن لا يوجد: ويحفظوا من فروجهم, لا يوجد زنا مباح أبداً، ولا يوجد زنا اضطراري، فالقرآن الكريم نظمه على مستوى الحركة والحرف .
ما هي الثمرة التي يقطفها هؤلاء القوم عقب قراءتهم للقرآن ومدارستهم فيه؟ :
((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم, إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة))
السكينة: هي الشيء الذي إذا وصلت إليه سعدتَ به, ولو فقدت كلَّ شيء، وإذا خسرتها شقيتَ، ولو ملكت كلَّ شيء .
مُؤدَّى الدين كلِّه السكينة، أي: إيمانك بالله, وعملك الصالح, واستقامتك, واتِّصالك بالله, من أجل هذه السكينة التي تتنزَّل على قلب المؤمن، فالإتيان إلى بيت من بيوت الله, والاجتماع مع المؤمنين, وتلاوة كتاب الله ومدارسته سبب نزول السكينة .
الأخوة يعبِّرون عنها تعبيرا عادياً، فيقولون: انبسطنا، صار التجلي، هموم أُزيحت عن صدري، هذه هي السكينة، السكينة راحة نفسية، طمأنينة، وثقة بالله, سعادة, أمن، السكينة إحساس بالتفوُّق، لا تشتهي شيئاً .

هذه أماني أهل الدنيا وأهل الآخرة :
أيها الأخوة, أهل الدنيا كلما شاهدوا شيئاً من الدنيا, يسيل لعابُهم له، قال تعالى:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]

مرة قال لي واحد -كلام مضحك- قال لي: و اللهِ هذه السيارة (B-M), أتمنى أن تصدمني, لكثرة ما أحبُّها، هكذا تصوَّر، يعلِّق فيها جرذان، يحبُّها كثيراً، يتمنى أن تسير فوقه, قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]
أما المؤمن؛ يا ليتني أفهم كلام الله، يا ليتني أعمل عملاً طيِّباً, يرضى الله عني، يا ليتني أُوفَّق إلى طاعة الله، يا ليتني أتَّصل بالله، يا ليتني أحبُّ الله كما أحبَّه أصحابُ رسول الله ، فكلٌّ إنسان ماذا يتمنى؟ بحسب مستواه .
((إلا نزلت عليهم السكينة))
خطبة ألقيت :
أنا ألقيت خطبة حول السكينة قبل أربعة أسابيع فيما أعتقد، فيها توفيق كبير كان، أي كيف التجارة كلها من أجل الربح، والدين كله في الأساس, من أجل هذه السكينة التي هي الجانب الجمالي في الدين .
هناك في الدين جانب علمي، وجانب سلوكي انضباطي، وجانب جمالي، الجمالي هو الثمرة، السلوكي هو الأصل، والعلمي هو السبب, سبب، أصل، ثمرة، مستحيل أن تنضبط دون علم، ومستحيل أن تنضبط، ولا تكون أسعد الناس .
نحن أحياناً: نصلي على رسول الله، نصلي على أسعدنا محمد، أسعد الخلق .
أحد أخواننا مقيم في أمريكا, جاء في الصيف، ومكث شهراً، بعد ما سافر بعث لي رسالة شكر، قال لي: عندنا كل شيء في الدنيا في أعلى مستوى، ولكن وجدتُ عندكم الراحة النفسية، وجدت الحبَّ، وجدت الاتصال بالله، وجدت الأسرة المتماسكة، وجدت الودَّ بين المؤمنين، هذا كله هناك لا نعرفه.
أحياناً: الإنسان يرحِّب بك، يمكن أن نسهر سهرة في غرفة صغيرة متواضعة، ونجلس على الأرض، نأكل أكلاً عادياً جدًّا، يقول لك: واللهِ صار التجلي، شعرنا بسعادة لا توصف، ويمكن أن تدخل إلى أفخم مطعم في البلد، وكله من أعلى مستوى، وتشعر بانقباض .
احفظوا هذه الكلمة: إذا ملكتَ السكينة سعدتَ بها, ولو فقدت كلَّ شيء، وإذا خسرت السكينة شقيت بفقدها, ولو ملكت كلَّ شيء .
ما المقصود بالرحمة هنا؟ :
((إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة))
ما هذه الرحمة؟ هذا مطلق عطاء الله, رحمة, إذا الله رحم إنساناً، قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]

فإذا رحم الله عز وجل إنساناً, نجا من عذاب الدنيا والآخرة، لذلك: قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]

هناك شركات مبيعاتها أربعة آلاف مليون دولار، أحياناً: هناك شركات عندها فائض نقدي, عشرات ألوف الملايين من الدولارات، فائض زائد على حاجتها، الله قال: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
والموت ينهي كلَّ شيء .

مغزى هذا المحور :
هناك مطعم في أمريكا, أفخر مطعم سمك في الولاية على الإطلاق, عريق جدًّا، و صاحبه صار معه مئات الملايين، أراد أن يذهب في نزهة مع زوجته في يخت فاخر في فلوريدا، ضاعت الأخبارُ كلها، ولا خبر، لا عنه, ولا عن زوجته، ولا عن اليخت، فكان تعليق الناس أنه: أطعم الناس السمكَ أربعين عاماً فأكله السمكُ .
يكون الإنسان ملكاً, فينتهي في ثانية، يصبح نعياً في ثانية، يكون غنيًّا فيصير إنساناً عليه كَفَن فقط, صدق القائل:
فكل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت
الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
كل ابن أنـــثى و إن طالت سلامته يوماً عــــلى آلة حدبـــاء محمولُ
فإذا حمــلت إلى القبـور جــنازةً فاعــلم بأنـــك بعــدها محــمولُ
فالإنسان يفقد حياته في ثانية، والإنسان مكلَّف بان يعتنيَ بصحته، لكن العناية بالصحة وحدها لا تفعل شيئاً، الإنسان يموت حينما ينتهي أجلُه, نسمع أحياناً قصصاً مؤثِّرة جدًّا، أعدُّها أساسيات في الحياة .
شاب من أصدقاء أخوتي, لهم سهرة كل سبت، قال: أنا أطيل الحياة حتى أموت، طبعاً: هو في الخمسينات، أنيق جداً، نحيل، يعتني بصحته عناية فائقة، ولا يدخِّن، يمشي كل يوم، وأكله قليل، علاقاته نامية، ليس عنده مشكلة .
قال: أن أطيل حتى أموت، الدور كان السبت، السبت الثاني كان تحت الأرض، هذا الكلام قاله بحضور أخي، أنا أطيل حتى أموت، لا أحد يعلم متى ينتهي أجله، إذا انتهى كل شيء جمَّعه في حياته, يخسره في ثانية واحدة, فالبطولة أن تكون مع الله .
((إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم الملائكة))
يتفوق في حياته .

هذا ما يفعله الملك, وهذا ما يفعله الشيطان :

أيها الأخوة, إنسان بين ملَك يلهمه الصواب, وبين شيطان يورِّطه، ماذا قال سيدنا موسى, لما القبطي مرة ثانية اشتكى له؟ قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾
[سورة القصص الآية: 15]
الشيطان دفع الإنسان إلى جريمة، أحياناً: ترى واحدا حُكم عليه بالإعدام، تفسيرها هذا من عمل الشيطان، الشيطان وسوس له أن يقتل فقتل، وأوقِف، فأُعدم في السجن .
لو سألت كلَّ سجين على حدة، كل واحد متورِط في جريمة، في ساعة غفلة عن الله جاء الشيطان، فهنا إذا كان الواحد مع الله, حفّته الملائكة، كل خواطره, إلهامات عالية, يفكِّر في خدمة الناس, والإحسان إليهم، صلة الرحم, وإطعام الفقراء، وزيارة الأقارب خدمة الناس ، والدعوة إلى الله، هكذا إلهاماته كلها، أما غير المؤمن قد يُوسوس له بفعل معصية شنعاء.
من حوالي فترة, واحد تورَّط بمحاولة مع غلام، حكمها ثلاثون سنة أو حكمها خمس عشرة سنة .
((ألا يا رُبَّ شهوة ساعة, أورثت حزناً طويلاً))
دقائق, تكلِّف خمس عشرة سنة في السجن.

هذا ما أردته :

أنا أردت من هذا الدرس: أخواننا بحكم القرابة، أو حكم الزمالة، أو حكم الجوار، أخوان مثلاً في زملكا، أخوان بحرستا، أخوان بالمهاجرين، كلّ مجموعون في حيٍّ، أو على أساس العمل، من يعملون في شركة موحَّدة، أو على أساس القرابة، إذا كان اللقاء أسبوعياً, كل واحد قرأ صفحة قرآن، وحاولوا أن يفسِّروا, أو يراجعوا درس الجمعة، المذاكرة هذه مفيدة جدًّا، تثبِّت الحقائق، يقرأ كل واحد صفحة، ونحاول أن نتذَّكر بعض ما قيل في درس الجمعة، والأحد, والسبت، هذا الاجتماع مبارك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾
[سورة سبأ الآية: 46]
أي أجمل ساعات العمر: أن تذاكر العلم مع أخيك المؤمن، تشعر بسموٍّ عالٍ جداً, والناس منشغلون بالشاشة، نحن بالقرآن، فرق كبير بين الشاشة والقرآن، إذا كان الأخوان بحسب أماكن سكنهم، أو بحسب أماكن عملهم، أو بحسب علاقات القرابة, جلسة ساعة زمان، دون ضيافة, كأس شاي فقط، ودون كُلفة، كل واحد قرأ صفحة قرآن حسب الحديث، قرأنا الصفحة، يتلون كتاب الله، وذاكرنا درس الجمعة, يتدارسونه، وإذا كانت جلسة لله خالصة, ليس لها أيَّ مقصد، الإنسان يشعر بهذه المعاني؛ السكينة, والرحمة, والتوفيق الإلهي .
في اليوم التالي مسدَّد, رشيد, موفَّق, ومحفوظ من الله، والحفظ, والتوفيق, والتأييد, والنصر، وهناك إلهامات ملائكية طيِّبة، لأن هذا كلام الله عز وجل، إن أردت أن تحدِّث ربَّك فادعُه، وإن أردت أن يحدِّثك اللهُ فاقرأ القرآن، وإذا كنا قرأناه ختمة تلاوة تعبُّدية, وختمة تدبُّر ودراسة، التدبر في آية الدرس, كله على حديث واحد، أحياناً: التعميق مُريح للنفس، آية يفهمها بعمق, يفهم كلَّ أبعادها، نفهم ما وراء مضامينها، وتأويلاتها، وهكذا.
ملاحظة :
هناك ملاحظة أخيرة: أنا قناعتي أن الإنسان قد تنشأ عنده الآلاف من الأسئلة، وإذا قرأ القرآن بعناية، ما من سؤال يُقلقه إلا وجوابُه في القرآن، إذا هناك قراءة مستمرَّة، هذا الكلام نور الله عز وجل، هذا نور الله عز وجل بين أيدينا، وهذا تفسير الله للخلق، وللكون, والحياة, وللإنسان، ولمصير الإنسان، فكلما ازداد فهماً لهذا الكتاب, حُلَّت مشكلتُه العقائدية، عقيدته تصحُّ .
أحياناً: واحد يذهب إلى بلاد الغرب يختلُّ توازنُه، يجد فسقاً غير معقول، فجور, وفسق، أقوياء، ومنظَّمون، ومسيطرون على العالم، ويتحكَّمون في الشعوب، ويستهلكون أربعة أخماس ثروات العالم لأنفسهم، وتشعر أن الأموال كلها عندهم، والغنى كله عندهم، يختلُّ توازنه الواحد، يقرأ القرآن:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
توازن، لما شاهد المشاهدة اختلَّ توازنُه، قرأ الآية استعاد توازنَه .
تجد الواحد يظلم الناس مثلاً، لا يوجد من يحاسبه، تقرأ الآية:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]

استعاد توازنه، يكون شاباً فقيراً, ليس عنده شيء؛ لا بيت, ولا حائط، ولا شهادة، من يزوَّجه؟ ومن يعطيه؟ يقرأ الآية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 97]
وعدٌ إلهي .
أيها الأخوة, لا توجد مشكلة فكرية, أو نفسية, أو اجتماعية, تغامر قلبك، إذا تلوت كتاب الله, ترى حلاًّ لها، أبداً، يقول لك: إنسان حجمه المالي ألف مليون .
مرة عزَّيت شخصاً، إنسان متوفى أهله عزَّيته، في الرجوع, قال لي: ترك أربعة آلاف مليون، عمره خمس وخمسون سنة, تقرأ الآية:
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
تتوازن، الحياة فيها مشكلات، وفيها صدمات، كلما قرأت كلام الله استعدتَ توازنك، فإذا أنت قرأت كلام الله, فأنت دائماً متوازن، وليس عندك مشكلة، وقيمك كلها قيم دينية, موازينك كلها صحيحة، زين الشخص في دينه، وعلمه, واستقامته, وليس في ماله وقوته .
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, أرجو الله أن يُترجم هذا الدرس إلى واقع، أي إذا اقتطع أخ من وقته ساعة في الأسبوع، وقعد مع أخوان يحبُّهم، كل واحد يصطفي أخوين يحبهم، تآخيا اثنينِ اثنين، جامع فيه آلاف مؤلَّفة، اختر منه ثلاثة أربعة، لك جلسة خاصة معهم، فيها ودٌّ، وفيها تعاون، وفيها تفقُّد، تعاونهم ويعاونوك، وتنصحهم وينصحوك، وتعينهم ويعينوك، تأخذ بيدهم ويأخذون بيدك، تتفقَّدهم ويتفقدونك، لا سمح الله غبت في درس سألوا عنك، إذا مرضت يعودونك، عندهم مشكلة نحلها .
فالإنسان لا يعيش وحده، تآخيا اثنينِ اثنين، ثلاثةٍ ثلاثة أحسن، وخمسةٍ خمسة أحسن، ولكن لا بدَّ للحديث أن يُترجم لواقع، بحسب القرابة, أو بحسب الزمالة في العمل، أو بحسب السكن، أربعة خمسة في جلسة, في الجمعة ساعة، كأس شاي من دون تعقيدات، قرأ كل واحد صفحة قرآن، ضبط لسانه، وإذا يوجد أخ يجوِّد يعاونه، هنا فيه إدغام، وهنا فيه مدٌّ، إلى آخره ، بعد ذلك نراجع درس الجمعة، نتفقد بعضنا ونمشي، نكون قد طبَّقنا الحديث .
((نزلت عليهم السكينة, وحفتهم الملائكة عنده))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي, وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي, فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ خَيْرٍ مِنْهُ, وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا, وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا, وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))
[أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما, والترمذي في سننه]
إذا الواحد همُّه أن يمدح الله عز وجل بين الناس، تجد الله عز وجل أين اجتمع الناسُ يمدحونه, همُّه أن يمدح الله، ويعرِّف الناسَ بالله، واللهُ مكافأة له: يلقي محبَّته في قلوب الناس, أينما ذهب يُرحَّب به، على عكس الإنسان إذا كانت له معصية، يلقي اللهُ بغضَه في قلوب الخلق، ولا يحبُّه أحدٌ .
الحديث ثمين جداً, سكينة, على رحمة, على إلهام ملائكي، على أن يذكرك الله فيمن عنده، وتلوت كتاب الله, وتدارسته فيما بينك وبينه .
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:46 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (090-101) : باب كرامات الأولياء - ماذا عن قانون السببية والحكمة منه؟ وكيف يتعامل المسلم مع هذه الأسباب؟ وما الفرق بين المعجزة والكرامة؟ وكيف ينبغي أن يتعامل المسلم المستقيم مع الكرامة؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-09-05

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ما الحكمة الربانية من خضوع الكون لقانون السببية:
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في كتاب رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم، ولا زلنا في أبوابه التي جمعت بين الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ، والباب اليوم: باب كرامات الأولياء .
هذا الموضوع كثر الجدال حوله، فمن منكر لكل كرامة، ومن مبالغٍ للكرامات إلى درجة غير معقولة، والحق كما تعلمون وسط بين طرفين، ولا بد لهذا الموضوع من مقدمة في العقيدة .
يا أيها الأخوة, شاءت حكمة الله: أن يجعل أحد أكبر النواميس في خلقه، أن لكل شيء سبباً, قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾
[سورة الكهف الآية: 83-85]
شاءت حكمة الله البالغة: أن يجعل لكل شيء سبباً، وشاءت حكمته أيضاً: أن يركب في عقولنا جهازاً، هو العقل، وإن شئت سمه الفكر، لا يقبل شيئاً إلا بالسبب، فالعقل أو الفكر أحد أكبر مبادئه السببية، والكون منظم، ومبرمج على السببية، من أجل ماذا؟ من أجل أن تعرف الله .
تقول: هذه التفاحة من أين؟ من الشجرة، والشجرة من البذرة، والبذرة من الشجرة، يقودك التفكير إلى المسبب الأول، طريقة لطيفة هادئة مترفقة كي تعرف الله عز وجل, ولكن مع تكرار تلازم السبب مع النتيجة, تنشأ مشكلة وهي:
أن الإنسان لضعف إيمانه, يتوهم أن هذا السبب خلق النتيجة، فلذلك من حكمة الله عز وجل: أنه من حين إلى آخر, إن أراد أن يلفتنا إليه، وأن ينبهنا إلى وجوده، وأن يعلمنا أن الأمر كله بيده، قد يكون السبب، ولا تأتي النتيجة .
فقد تجد شابين في مقتبل حياتهما بتمام صحتهما، ومع ذلك لا ينجبان، هذه حالة، قد يكون السبب ولا نتيجة، وقد تأتي النتيجة بلا سبب؛ سيدنا عيسى بلا أب، بلا سبب، من أجل ماذا؟ من أجل أن تنفي, توهم أن السبب خالق النتيجة .

كيف ينظر المجتمع المؤمن والمجتمع الغربي إلى الأسباب ؟ :
أيها الأخوة, يكاد العالم ينقسم قسمين: مؤمن، وغير مؤمن، فالعالم غير مؤمن يؤلِّه السبب، وينسى الله، أو يستغني به عن الله، وهذا حال الغربيين، والعالم المؤمن الكامل يأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله, وكأنها ليست بشيء، هذا أكمل شيء .
أيها الأخوة, بل إن الإنسان إذا مشى على طريق؛ على يمينه وادٍ سحيق، وعلى يساره واد سحيق، فإذا أخذ بالأسباب، واعتمد عليها وقع في الشرك، وإن لم يأخذ بها وقع في المعصية، وإن أخذ بها وكأنها كل شيء، وتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء, كان كامل الإيمان، وهذا فعل النبي العدنان، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
نقطة هامة :
أيها الأخوة, وهذا الدرس نحتاجه دائماً، أردت أن تسافر، أجريت مراجعة لسيارتك مراجعة كاملة، المؤمن يفحص المحرك، يفحص المكابح، يفحص الزيت، يفحص كل شيء، ويغلق كل الاحتمالات، ثم يقول: يا رب توكلت عليك، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المقتدر ، أنت الحافظ يا رب, الكافر يجري مراجعة, يقول لك: لا يحدث معي شيء، والمؤمن المقصر يقول لك: سمِّ الله، وامشِ، ولا تخف .
فالذي اعتمد على الأسباب أشرك، والذي لم يأخذ بها, عصى بكل شيء، في مركبتك ، في تجارتك، في معالجة أولادك، في اختيار زوجتك، في اختيار حرفتك .
((المؤمن كيس فطن حذر))
المؤمن يأخذ بالأسباب، وكأنه إنسان لا يعرف الله، ويتوكل على الله، وكأنه لم يأخذ بالأسباب، هذا الحال الدقيق .

ما سبق ذكره :
أيها الأخوة, خلق الله عز وجل الكون على نظام السببية، وأودع في الإنسان عقلاً، أو سمِّه فكراً، هذا خلاف لفظي فقط، وجعل أحد مبادئ هذا الفكر: مبدأ السببية، يعني الفكر البشري لا يفهم شيئاً بلا سبب، مستحيل، ولئلا يتوهم الإنسان أن السبب خالق النتيجة، يلغي ربنا من حين لآخر الأسباب أو يعطّلها، ألغاها فكانت النتائج بلا أسباب، وعطلها فكانت الأسباب ولا نتائج، هذه مقدمة .
بل إن عظمة الله عز وجل, أنه إذا أراد أن يتدخل مباشرة مع إنسان وفق سبب، إن أراد أن يكرم إنسانًا وفق سبب، وإن أراد أن يهلك إنسانًا وفق سبب، ليس هناك هلاك بلا سبب. يرتكب الإنسان حماقة كبيرة جداً تودي بحياته .
((إذا أراد ربك إنفاذ أمر, أخذ من كل ذي لبٍّ لبَّه))
فربنا خالق الأسباب، والملهم، ومن حين لآخر, يلغيها أو يعطلها, لئلا يتوهم المتوهمون, أن السبب خالق النتيجة، الكلام واضح .

دور المعجزة :

يأتي إنسان يقول: أنا رسول الله، معه منهج دقيق، افعل ولا تفعل، فالناس الذين ألفوا الشهوات، والتفلت، والانسياق وراء الرغبات، والميول والأهواء، هذا المنهج لا يعجبهم، كيف يتخلصون من هذا الإحراج؟ يدعون أن هذا الإنسان كاذب، ليس رسول الله، كيف يشهد الله للناس أن هذا الإنسان رسول الله؟ يجري على يديه خرقاً لنواميس الكون، لا يستطيعها إلا خالق الكون، ليس في الأرض إنسان, بإمكانه أن يحول البحر إلى طريق يابس، إلا الله, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 61-62]

ضرب البحر, فإذا هو طريق يابس، أن يتحول البحر إلى جبل، أو إلى طريق بين جبلين, هذا لا يمكن أن يفعله إلا الله، فهذا الذي تم على يده, إذاً: هو رسول الله، إذاً: شهادة الله للناس, أن هذا الإنسان رسوله, هي المعجزات، سيدنا إبراهيم ألقوه في النار فلم يحترق, قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 69]
سيدنا عيسى أحيا الميت، فحينما تخرق الأسباب، أو حينما تخرق نواميس الكون, من أجل أن يشهد الله لهذا الإنسان, أنه رسول الله, هذه يسميها علماء التوحيد: معجزة .
المعجزة: أي أن البشر مهما اجتمعوا, يعجزون عن تحقيقها منفردين ومجتمعين .
الأنبياء جاؤوا بالمعجزات، النبي عليه الصلاة والسلام انتقل من البيت الحرام إلى بيت المقدس في وقت قصير, وعاد إلى فراشه، ولا يزال دافئاً، ثم عرج به إلى السماء, حتى بلغ سدرة المنتهى، هذه معجزة، لذلك قال الله:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
سبحان: يعني: يا أيها الإنسان, لا تعجب هذا على غير النظام العام .
دور الكرامة :

أيها الأخوة, ولكن المؤمن حينما يخطب ود الله، يتعرف إليه، ويحبه, ويقدم له كل شيء, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
حينما يحب الله، وحينما يحب عباده، وحينما يتقرب إليه ببذل سخي، وعطاء جلي، كيف يعلم الله هذا المؤمن أن الله يحبه؟ لا يوجد وحي، الوحي للأنبياء فقط .
((يا محمد -حين نزول وحي- قل لأبي بكر: إن الله راضٍ عنه، فهل هو راضٍ عن الله؟))
الله عز وجل, عن طريق الوحي, أخبر النبي أنه راضٍ عن أبي بكر، عن طريق الوحي, أخبر الله نبيه, أن هؤلاء العشرة من أهل الجنة، العشرة المبشرون بالجنة، بعد انقطاع الوحي, كيف يعلم الله المؤمن الصادق المخلص, إلى أنه يحبه؟.
هنا يأتي موضوع الكرامات، الكرامات خرق العادات، لأن النبي معصوم، سمح له أن يتحدى الناس بهذه المعجزة، أما الوليّ فغير معصوم، غير مسموح له, أن يعلن هذه الكرامة .
فقال بعض العارفين:
((الولي الصادق يستحي بكرامته, كما تستحي المرأة بدم حيضها))
ثمة قواعد عامة، فإذا طرح الكرامات في كل الدروس, يصبح الدين خرافات، يجب أن تعلم الدين كمنهج، يجب أن تعلمه قوانين، يجب أن تعلمه كأساليب علمية، أما الكرامات فهذه بينك وبين الله، يعني: أن الله عز وجل يعلمك أنه يحبك .

مثال للتوضيح بمفهوم الكرامة :
أيها الأخوة, من عادتي: أنني أحجم عن ذكر الكرامات في الدروس، لأنها عند بعض ضعاف المؤمنين, تخلق بلبلة، البلابل جمع بلبلة، فطرح الكرامات يخلق في المستمعين بلبلةً .
سأوضح هذا بمثل بسيط: لو أن شاباً بالشهادة الثانوية، وله أب عطوف كريم، أصيب بمرض عضال في أثناء العام الدراسي، فهذا الابن الشاب, من شدة محبته لأبيه، ووفائه له، وبره به, ترك هذه الدراسة، واعتنى بأبيه، من مستشفى إلى مستشفى، من طبيب إلى طبيب, من دواء إلى دواء، يسهر إلى جنبه، وقد مضى على هذه العناية المشددة أربعة أشهر، بقي للفحص شهر واحد، عافى الله أباه, فعكف على الكتب, 800 صفحة، قرأ من هذا الكتاب أوله ، قرأ من هذا آخره، يقرأ بشكل عشوائي .
أليس الله قادرًا, أن يلهم هذا الطالب, أن يقرأ في المكان الذي يأتي منه السؤال؟ قادر ، قرأ من أماكن متعددة، فإذا بالأسئلة تأتي من هذه الأماكن بإلهام من الله، الله يعرف الأسئلة؟ طبعاً يعرفها، يلهم هذا الطالب أن يقرأ من أول الكتاب، من آخر الكتاب، فنجح بتفوق، كأن الله عز وجل, أشعر هذا الطالب, أنني أقدّر برَّك بأبيك، وأنني وفقتك .
هذه القصة بربكم, يمكن أن تروى للطلاب, لم يقرأ أحد شيئًا، يقول لك: غداً بآخر الامتحان, يستلهم الله بفتح الكتاب لا على التعيين، تأتي الأسئلة، لا أحد نجح، لأنهم كلهم كذابون.
هذه خص بها إنسانًا؛ إخلاصه شديد، ومحبته شديدة، ووفائه شديد، فالله خصه بكرامة، هذه الكرامة ليست للنشر، وليست للمتاجرة .
ماذا تستنتج من هذه القصص؟ :
أقسم لي أخ ابن بار بأبيه، والأب توفي، وبيده حرفة نادرة جداً، الشام كلها فيها مكتبان أو ثلاثة، لها إجراءات معقدة بالغة في التعقيد، توفي الأب، والابن بالصف العاشر، ولا دخل للأسرة إلا هذا العمل، والأسرار كلها مع الأب، جاءت معاملة معقدة جداً، فهذا الابن بالصف العاشر, لا يستطيع أن يسأل المكاتب المنافسة, فيسقط من أعينهم، ولا أن يسأل الجهات المسؤولة، لا تعطيه معلومات، قال لي: والله رأيت والدي في المنام, فذكر لي مراحل إنجاز هذه المعاملة بالتفاصيل المذهلة، من شدة اهتمامي حفظتها، ثاني يوم سجلتها رأساً، وسرت بالمعاملة، فنجحت، هذه كرامة .
أقسم لي أخ كريم ثان, قال لي: والله في المنام بناء في حي، الطابق الثالث، الشقة اليمنى، أن اطرقْ هذا الباب، واطلب ابنتهم، هذا في المنام، والذي فعله حصل، وكانت زوجته في هذا العنوان بالذات، هذا ممكن .
سمعت عن رجل بطرابلس، رجل صالح جداً، يسكن بيتًا مستأجرًا، مالك البيت تمكن أن يخرجه من البيت، وصار في الطريق، فالله عز وجل أرى أحد أكبر أغنياء طرابلس رسول الله, قال له: اذهب واشتر لفلان بيتاً، هذا الغني قال له: اخترْ أفخر بيت لأشتريه لك، النبي أمره .
هناك آلاف القصص، لكن المشكلة أنا رويتها, وتورطت، ينبغي ألا تروى، هذه الكرامات بينك وبين الله، مسموح للأنبياء أن يتحدوا بمعجزاتهم، لأنهم معصومون، وغير مسموح للمؤمنين, أن يتحدثوا عن كراماتهم، لأنهم غير معصومين، فإذا تحدثوا عن كراماتهم ، واكتشف أحد من الناس خطأ من أخطائهم كذبهم .
لا تتجاوز هذا المكان :
هنا سأقف قليلاً، أقول لك: أيها الأخ الكريم, مستحيل وألف ألف مستحيل, أن تخطب ود الله عز وجل، وألاّ ترى معاملة استثنائية، الظروف صعبة جداً، توفق وحدك، شخص مخيف، كتلة شر، يمتلئ قلبه عطفاً عليك، لا تعرف السبب، قضية معقدة جداً, تنجو منها بأعجوبة، مرض عضال لا ينجو منه أحد، تشفى ببساطة، هذه كرامة شفاء من مرض عضال ، والقصص لا تعد ولا تحصى .
هناك أمراض بينها وبين الموت دقائق، الله عز وجل تفضل وشفى صاحبها شفاءً تاماً ، فقر مدقع, يفتح الله عليك باب الخيرات, متعفف أشد أنواع التعفف، تأتيك زوجة طاهرة، والحديث طويل .
أنا أطمئن أخواننا، مستحيل وألف ألف مستحيل, أن تخطب ود الله عز وجل, بإخلاص شديد، وألا ترى من الله معاملة استثنائية، ليست خاضعة لقوانين البشر .
هذه كرامة :
أيها الأخوة, بالمناسبة: من حركة الحياة تنشأ قوانين، لكن لما يضحي الإنسان بمصالحه, من أجل أن يرضي الله عز وجل, عندئذٍ يخضعه الله لقوانين ليست معروفة عند الناس، أنا أسميها قوانين العناية الإلهية المباشرة .
رجل بذل لمسجد مليون ليرة، هو مصدِّر كبير، وكل سنة يصدر، إحدى هذه السنوات ، قال لي: البضاعة مكدسة في المستودعات، وجاء طلب يغطي كل هذه البضاعة، قال لي: شعرت بانقباض لا يوصف، ما صدّر، في هذه السنة فرضت ضرائب على المصدرين, بما يساوي 1500 مليون، الله نجاه من هذه الضريبة بضيق الصدر، ما صدّر، ودفع مليون ليرة لمسجد، نجاه الله من هذه الضريبة، هذه كرامة .
يجب أن تعلم :
أيها الأخوة, يجب أن تعلموا: أن أعظم كرامة على الإطلاق، وهذه الكرامة لا تحتاج إلى خرق نواميس الكون, إنها كرامة العلم، أعظم كرامة، فإذا الله تفضل عليك وعلمك .
دخلت على أحد الدعاة في الشام، له غرفة جميلة, كلها كتب، في صدر الغرفة آية بخط رائع، من كبار الخطاطين، والله قرأتها اقشعر جلدي, قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
هذا أعظم عطاء أعطاه للنبي عليه الصلاة والسلام:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
احفظ هذه الكلمة :
أيها الأخوة, حينما يخلص الإنسان لله عز وجل، وحينما يستقيم على أمر الله، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ, يرى معاملة, العقل لا يصدقها، في أحلك الظروف، في أشد الأزمات، في أصعب المحن, لك معاملة خاصة، احفظ هذه الكلمة .
إذا كنت على ما يريد الله عز وجل ورسوله, لك معاملة خاصة، لك معاملة خاصة صارخة، لكن يرجى ألا تتاجر بها بين الناس، أنت لستَ معصومًا .
أنا حدثت معي مشكلة، وجد الناس فيك خطأ، فقاموا وربطوا الخطأ بهذه الرواية، هي ليست سحبة، لكن لما وجدوا خطأ منك, فسروها سحبة، أدخلت الناس بمتاهة، وأحرجتهم، وأربكتهم .

ما وراء هذه القصص :
أنا مرة كنت بلقاء مع أحد العلماء في مصر، واللقاء مسجل، وانقلب إلى موضوع، إلى مقالة، فبعد ما انتهينا، وأنهينا المسجلة, وقفت لأمشي، قام وذكر لي عن عالم بالشام توفي, يرحمه الله, له كرامات، ذكر بعض الكرامات, يصعب على العقل صدقها، قلت له: ممكن أن تسمح لي، ما صدقتها، قال لي: لك حق، أنا لا أتعامل مع الكرامات، ولا مع المنامات، أنا أتعامل مع المناهج والنصوص .
قال: مرة رجل, رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام, قال له: اذهب إلى المكان الفلاني، واحفر، ففيه كنز، فخذه، هكذا قرأت في كتاب العز بن عبد السلام، هذا الإنسان ذهب إلى المكان الفلاني، وحفر, فوجد الكنز، النبي قال له بالمنام: خذه، ولا تدفع زكاته، جاء واستشار العز بن عبد السلام، قال له: خذه، وادفع زكاته، لأن فتوى النبي حينما كان حياً أصدق من فتواه بعد أن مات، الأولى صدقت معك، لكن الثانية لم تصدق .
لو رأى واحد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال له كلامًا خلاف السنة, يرفض المنام، وتثبت السنة، نحن ديننا دين منهج، دين حقائق, دين نصوص ثابتة، نحن ليس عندنا دين زئبقي .
كثير من الناس يقول لك: هذا الحديث, أنا أرى رسول الله, هو يخبرني صحيح أم غلط، والله طريقة جديدة، فجاء واحد, فأعطاه حديثًا صحيحًا، غاب يومين، ما الذي حدث معك ؟ قال له: والله رأيت رسول الله في المنام، وقال لي: هذا حديث صحيح، قال له: بارك الله هو صحيح، أعطاه حديثًا موضوعًا، فهذا ذكي، فتحه فرآه موضوعًا، فسأله، قال له: والله أنا رأيت النبي الكريم, هذا الحديث ما قلته، قال له: والله صدقت معك أيضاً، صحيح هذا، هو عمل له فخًّا، الثالثة أعطاه حديثًا ضعيفًا، ماذا جرى معك؟ قال له: والله رأيت النبي، وقال: هذا ضعيف، قال له: هذه كذبة، ليس عنده الضعيف .
أنا أتمنى ألاّ ترووا كرامة بين الناس، لا تصدق واحدًا مستقيمًا، لا تصدق واحدًا يحب الله, ما له كرامات واضحة، لكن بينك وبينه .
في عالَم المصارف, هناك شيك مسطر، هذا لا يقبضه إلا صاحبه، هذا لا يجيّر، أبداً، هذا لك فقط، فالكرامات لك وحدك، أما أن تدع شيئًا, فإن الله يبعث لك مئة ضعف عوضاً عنه.
محور هذه القصة :

لما قام الحسن البصري بمهمة التبيين، بأمانة التبيين، بعهد الحجاج، والحجاج بلغه انتقاد الحسن البصري قال: ((والله يا جبناء, -يخاطب من حوله-, لأروينكم من دمه، -أمر بقتله، وقتل الإنسان عند الحجاج أهون من قتل ذبابة، أمرٌ سهل-, فجاء بالسياف، مد النطع، جاؤوا به لقطع رأسه .
دخل الحسن البصري, فرأى السياف، -كل شيء جاهز لقتله-, فحرّك شفتيه بكلام لم يفهمه أحد، فإذا بالحجاج يقف له، ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه حتى أجلسه على سريره، وسأله، وضيفه، وعطره، وودعه، فصعق الحاجب والسياف، لحق به الحاجب، قال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت بربك؟ قال: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم))
هذه أليست كرامة هي؟.
هذه القصة يوجد منها مليون، بكل عصر، وبكل يوم، وبكل مصر .
((إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك))
خذها قاعدة .
إذا صار مع الرجل شيء غير معقول، استثنائي جداً، وشخص يحبه حباً جما يفرح له، لكن لا تقل لغير شخص يقول لك: هذه سحبة، يقلبها إلى كذب، مستحيل وألف مستحيل، وألف ألف مستحيل أن تخطب وده، وما يعاملك معاملة خاصة، لا بد من كل واحد من أخواننا الكرام الحاضرين, أن يكون عنده عشرات، بل مئات من الكرامات .

من هذه الكرامات أيضاً :
أخ لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، بقدرة قادر، بشيء لا يصدق، بيت في أرقى أحياء دمشق، ومركبة، ومعمل، القصة طويلة، وغير معقولة، لا تضبط على القوانين العامة، أما على القوانين الاستثنائية فتضبط، إذا تدخل الله فلا مشكلة أبداً، العبرة أن تكون مخلصًا، وصادقًا، ومستقيمًا، والباقي كله عليه، بكل شؤون حياتك .
أخ من أخواننا, جاء إلى الشام, طمعاً بهذه المجالس، يوزع مما يأكله الصغار على المحلات، دخله ألفَا ليرةٍ بالشهر، له صديق، فجأةً فَقَدَ عمله، جاء، ولجأ إليه، قال له: والله أنا لي ألف ليرة خذ نصفهم، وضعها إلى جانبه, في أثناء توزيع الشوكولا والسكاكر، قال له: المبلغ مناصفة، أنا عوض ما أوقف السيارة، وأنزل، وأوصل العلبة للبائع, أوصلها أنت، وأنا أبقى في السيارة، وخذ نصف الأجرة، قال لي: بقيت بهذا العمل سنة، على ألفين بالشهر، قصة قديمة، لما نزل معي أول شهر, ربحنا 16 ألف، طبعاً: الله ألهمهم عملاً، قال لي: جلبنا حبات مسكة كرات، ووضعناها بقطرميز، وقال الكريم: خذ، أول شهر 16 ألف، قال له: هذه 8، هذه ليست كرامة، هناك مليون كرامة بهذا الجامع بالذات .
لا تخف من هذه الخطوة :

أخ لحق بي في الحميدية، قال لي: عرضوا علي شيئًا محرمًا، قال لي: ما معي مصروف المعمل، ما معي أجور العمال، بوضع لا يحتمل، جاءه عرض، حسب ستة, سبعة ملايين، قال لي: ما قولك؟ قلت له: والله إذا كان الدخان عندك حرام فهي حرام، أقوله بملء فمي, قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 157]
فإذا كنت تعتقد كما أعتقد: أن الدخان حارم، هي الأركيلة حرام أيضاً، قال لي: والله دخلي صفر يا أستاذ، عندي أجور العمال، قلت له: أنا أنقل لك الفتوى، وأنت حر، هذا الإنسان صادق، رفض، جاءه عرض بعد شهر, أنساه ذلك العرض بالحلال .
((ما ترك عبد شيئًا لله, إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
الشيء الذي يبغض الله, اركله بقدمك ولا تخف، الله يعلم كم ضحيت، الشيء الذي يغضب الله اركله بقدمك، والله عز وجل لا يمكن أن تدع شيئاً خوفاً منه, إلا ويعوضك خيراً منه .
احفظ هذه المقولة:
((ما ترك عبد شيئًا لله, إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
أخشى ما أخشاه, لكن هذا واقع :
أيها الأخوة, لكن أنا أخاف أن أتورط، وأقول لكم: كم كرامة سمعناها من أخواننا؟ فيصير درسنا كرامات، أنا أنتقد درس الكرامات، لكن هذا الواقع، إذا كنت مستقيما ومخلصًا, فلك عند الله كرامة؛ إن كان بصحتك، وإن كان برزقك، وإن كان بمكانتك، وإن كان بعملك، وإن كان بوظيفتك، شيء لا يوصف، لكن ما تيسر لنا أن نقرأ لا الأحاديث ولا الآيات، إن شاء الله في درس قادم نتابع هذا الموضوع, إن شاء الله .
أسئلة السائلين :
سؤال أول:
هناك أشخاص لا يوجد فيهم دين، تظهر على أيديهم بعض الخوارق، هذه اسمها ضلالات .
عندنا معجزات, وكرامات, وضلالات، أهل البغي, والعدوان, والكفر, والفجور، من أجل إضلال الناس؛ إما عن طريق مساعدة الجن، أو عند طريق تدريبات فائقة في المهارة، أو أبواب مساعدة الجن، يبدو فيها خرق للعادات، هذه ضلالات .
فإذا كان الواحد غير مستقيم, فلا تلتفت إلى خرقه للعادات إطلاقاً، إذا كان غير مستقيم، خرق العادات يتم للأنبياء كمعجزات، وللأولياء ككرامات، ولأعداء الله كضلالات، والضلالات؛ إما مهارة فائقة، أو استعانة بالجن، والاستعانة بالجن ليست مشروعة، بل إنها للإضلال حتماً .
سؤال ثان:
قال: هناك في بعض العلماء, في بعض المساجد, يصلون على النبي ووالديه، النبي ما ذكر هذا، نتبع النبي كما علمنا أن نصلي عليه .
سؤال ثالث:
قال: أنا شاب, اشتريت بيانو كهربائي منذ زمن، والآن: أريد أن أبيعه، فهل يجوز أن أنتفع بماله؟ .
هذه قضية خلافية بين العلماء، عنده عود يجوز أن يبعه؟ أكثرهم قال: لا يجوز، وبعضهم قال: يجوز، لكن حجته ضعيفة كثير، العود ليس خشبًا, ألا ينتفع بهذا الخشب؟ ما فيه يحرقه، ويتدفأ عليه، من يشتري عودًا بـ 8000 ليرة، ويتدفأ به ليلة واحدة، هات لي إنسانًا يشتري عودًا بـ 8000، فإذا كان الشيء محرمًا فبيعه محرم، هذا الرأي الأقوى عند الأحناف يجوز، على أساس هو مادة ينتفع بها .
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:47 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (091-101) : باب تحريم الكبر والإعجاب - ما الذي يحجب العبد عن ربه؟ وكيف يرفع هذا الحجاب؟ وما أنواع الافتقار إلى الله؟ وما عاقبة المتكبر يوم القيامة؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-09-12

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
مشكلة يعاني منها اﻹنسان هي :
أيها الأخوة الكرام, في هذا الدرس أحاول أن أضع يدي على مشكلة, يعاني منها كل إنسان .
الحقيقة: أن الحالة النفسيَّة للإنسان أساسية جداً في معاملة الله له، هذا يؤكِّده قول الله عزَّ وجل:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]

فالإنسان أحياناً: يجد الطريق مغلقًا، والأمور معسَّرة، والمسعى مخفِقًا، والعقبات كؤودًا، ينبغي أن يسأل: لماذا؟ ولا سيما وأن الله عزَّ وجل يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
أي: أن هناك شيء داخلي هو سبب هذا التعسير, شيء داخلي هو سبب هذا الإخفاق, شيء داخلي هو سبب هذا المسعى غير الموفَّق, الله عزَّ وجل بيده كل شيء، وخلقنا ليسعدنا، فلماذا هذه المشكلات؟ .

موطن خطير :
أيها الأخوة, الحالة النفسية التي أساسها العقيدة الصحيحة, موطن خطير في علاقتك مع الله، حينما يعتز الإنسان بنفسه يؤدبه الله عزَّ وجل، حينما يستكبر يذله الله عزَّ وجل، حينما يعزو النجاح إلى ذاته يفشِّله الله عزَّ وجل، هذه أمور خطيرة جداً .
كنت أقول لكم دائماً: إن الإنسان قد يخطئ, ولكن هناك خطأ لا يُغفر، خطأ الكبر لا يغفر، خطأ العُجب لا يغفر، لأنه حجاب .
((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك، ما هو الذي أكبر من الذنب؟ العجب العجب))
والإنسان من ضعفه, أنه إذا نجح، إذا قوي، إذا اغتنى، إذا نال شهادة، إذا أثنى عليه الناس, فقد يغتر .

ما موضع الشاهد في هذه القصة؟ :
حدثني أخ -واللهِ- أحبه وأقدِّره، قال لي: دخلت إلى تعزية -هو يقطن في بعض الأقبية التي حول دمشق-, لكن دخل إلى تعزية, يبدو أن الحاضرين من علية القوم، مستواهم رفيع، وهو يظن نفسه غير معروف، فإذا بصاحب العزاء يقدِّمه لإلقاء كلمة، فقال: تهيَّبت هذا الموقف تهيُّباً شديداً، وأحجمت، ثم توكلت على الله، ودعوت الله عزَّ وجل, أن يلهمني الصواب .
قال لي: وقفت, فإذا بي أتكلَّم بكلام, أنا لا أستطيعه؛ كلام دقيق، عميق، مدلَّل، لغة فصيحة، طلاقة، سيولة، انسياب، قال لي: أدهشت الحاضرين، قال لي: والله أنا لا أصدق أن أقول هذا الكلام، أنا حينما دعيت لإلقاء كلمة وجلت، وخفت، وظننت أني لا أستطيع، ودعوت الله عزَّ وجل أن يوفقني، فاستجاب الله لي وأمدني، قال لي: وجدت نفسي في وضع جيد جداً .
سألته في اليوم الثاني حتى يدعوني لإلقاء كلمة ثانية، جاء في اليوم التالي، قال لي: أنا أنتظر أن يقال لي: تفضَّل واخطب، يبدو أنه قيل له: تفضل، أخذت مكاني، ورفعت اللاقط، وتهيَّأت لألقي كلمة كالماضية، قال لي: يا خيبة الأمل، قال لي: كلام لا معنى له، متناقض، غير متماسك، الأدلَّة ضعيفة، الآيات أخطأت فيها، الأحاديث نسيتها، قال لي: شعرت بالخزي ، وقال لي واحد: ليتك لم تقل هذه الكلمة، لأنك هبطت .
هذا الشيء طبيعي، باليوم الأول افتقر إلى الله فأمدَّه الله، في اليوم الثاني صدَّق أنه خطيب كبير، فلمَّا تصدَّى لإلقاء هذه الكلمة، واستغنى دون أن يشعر عن الله، استغنى عن الله, فتخلَّى الله عنه .
أرأيت إلى هذه القصة؟ هذه تتكرَّر مع كل إنسان كل يوم عشر مرات، لكن ليس بإلقاء كلمة، بل بشكل أو بآخر؛ بتجارتك، بصناعتك، بوظيفتك، باختصاصك، بخدماتك .
كيف حلت المشكلة في هذه القصة؟ :
أخ كريم -والله- أحبه وأقدره، قال لي: أنا لي اختصاص نادر في البلد، دُعيت إلى إصلاح آلة فطلبت مبلغًا، فرآه صاحب العمل كبيراً، قال لي: ساومني وأطال المساومة حتى أضجرني، فقلت له: أنا لست بحاجةٍ إليك، أنت بحاجةٍ إلي، فإن شئت هذا المبلغ، قال لي: انصاع، قال لي: أنا بالعادة أصلح الآلة بربع ساعة، نصف ساعة، ساعة، جلسنا أول يوم أول ساعة، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، أقسم بالله ثماني ساعات والطريق مسدود، والأجر لا على الساعات بل على الإنجاز، الأجر الذي طلبه على إصلاح الآلة فقط .
جئت اليوم الثاني وأول ساعة، الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، السادسة، السابعة، الثامنة, والطريق مسدود، اليوم الثالث ثماني ساعات والطريق مسدود، اليوم الرابع الطريق مسدود، الخامس الطريق مسدود، السادس .
أقسم بالله -وهو عندي صادق- ثمانية أيام، وكل يوم ثماني ساعات، والطريق مغلق، قال لي: انتبهت أنّ ثمة شيئًا، فاستأذن صاحب العمل, أن آخذ إجازة يومٍ لأراجع نفسي مع الله، قال لي: جلست وبقيت أتذكَّر ما الكلمة التي قلتها, وفيها استكبار، فيها اعتزاز، فيها استغناء؟ قال لي: تذكَّرت كلمتي أني أنا لست بحاجتك، بل أنت بحاجتي، فإن أعجبك هذا الرقم فأنا جاهز، فاستغفر الله، وكأنه تصدَّق، قال لي: باليوم التاسع, والله بربع ساعة, حُلَّت المشكلة.
إذا ظهر السبب بطل العجب :
أنا أضع يدي على مشكلة؛ لماذا هناك تعسير وهناك تيسير؟ لماذا هناك طلاقة لسان ولماذا هناك حبس لسان؟ لماذا في أمور هناك تنساب انسيابًا براحة وأمور تتعسَّر؟ وصعب جداً أن يشعر الإنسان أنه محارب، أحياناً: يشعر الإنسان أن الله يحاربه، يطرق الباب مغلقًا، هذا مغلق، هذا مغلق، هذا مغلق .
فيا أيها الأخوة, أردت أن يكون هذا الدرس, حل لهذه المشكلة، لماذا أفقد ملكاتي؟ ولماذا يضاف إلى ملكاتي ملكات لا أملكها؟ لماذا أفقد شجاعتي؟ ولماذا أكون شجاعاً كأنني فارس؟ لماذا أفقد حكمتي؟ ولماذا أكون حكيماً كأنني إنسان مجرِّب؟ ساعة يكون حكيم وساعة يكون غير حكيم، ساعة يكون شجاع وساعة يكون جباناً، ساعة يكون طليق اللسان، وساعة يكون عَييّ اللسان، العوامل؛ إذا ظهر السبب بطل العجب .
خطأ وقع فيه هذا الشخص بعد توبته, فأدبه الله :
مرَّة أخ اصطلح مع الله من قريب، والإنسان إذا اصطلح مع الله في الفترة الأولى, له إن جاز التعبير شهر عسل، الإنسان يشعر بأحوال لا توصف؛ يبكي في الصلاة، يشعر بنفسه خلاف الناس جميعاً، قال لي: في أعلى درجة من درجات تألُّقي مع الله، أنا اصطلحت معه من وقت قريب، وكأن الحقائق كُشِفت لي، ورأيت الناس في بُعد عن الله, وفي ضياع، وأنا اهتديت لله عزَّ وجل، والحقيقة عرفتها، وشعرت بسعادة لا توصف، وشعرت بزخم روحي كبير، قال لي: فجأةً بدأت عيني تخطف النظر إلى الفتيات، وهذه عنده كبيرة جداً .
النتيجة: جاءني إلى البيت -كان بيتي بالعفيف- قال لي: أنا يا أستاذ أطلق بصري في الحرام، قلت له: أعوذ بالله، قال لي: والله، قلت له: تب إلى الله، قال لي: أكثر من عشرين مرَّة تبت ورجعت، سبحان الله! كأن الله ضعّف مقاومته لهذا الشيء، وأصبح يبكي، أنا والله وقتها ما رأيت جوابًا، الحالة نادرة، فتب، قال لي: لا أستطيع، أنت تركت أشياء أهم من هذه بكثير، فلماذا ضعفت مقاومتك هنا؟ .
في الزيارة الثانية, حدَّثني عن علاقته مع والده، فوالده إنسان ليس كما ينبغي أن يكون الإنسان، وليس إنسانًا سيئًا إطلاقاً، وأبوه باع بيته، وسكَّن أولاده خارج دمشق، وسكن معهم، هذه بطولة أن يكون الإنسان ساكنًا بالمدينة، في أرقى أحيائها، يبيع هذا البيت، ويسكن في طرف المدينة إكرامًا لأولاده، قال لي: أنا كنت أتهم والدي بالكفر والفسق, -وهذه رعونة من رعونات الشباب-, لأنه يقعد مع خالاتي مثلاً، فكنت أتهمه بأنه فاسق، فيبدو أنه شعر باعتزاز، وأنه غير أبيه، لم يكتف أن شعوره الداخلي أنه عير أبوه, بل سلَّط لسانه على والديه، وانتقص من قدرهما، وانتقدهما على انحرافهما، وبالغ في ذلك، فالله عزَّ وجل أدَّبه، كيف أدَّبه؟ ضعَّف له مقاومته .
تأمل يا أخي في هذه الآية :

أيها الأخوة, والله ليس هناك آية أحس فيها أدب مع الله، وفيها عبوديَّة لله, كقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فإذا الله عزَّ وجل لم يحفظك، ولم يقو لك مقاومتك، وأعانك على غض البصر, قال تعالى:
﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
وإذا صبا الإنسان إليهن, كان من الجاهلين، لأنه بهذه المرأة, ضيَّع من أجلها الحور العين .
أنا سأطلب منك موقف، ولكنه محرج، هل أنت غير مصدق أن في الجنة حور عين؟ الحور العين في الجنة شيء لا يوصف، معقول من إنسان يضحي بهذه السعادة الأبديَّة، في كل شيء بالجنَّة, من أجل نظرة عابرة لامرأة فاجرة، أيعقل هذا؟ .
ألم يقل أحد الصحابة لزوجتــه:
((اعلمي أيتها المرأة, أن في الجنة من الحور العين, ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض, لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن, أهون من أن أضحي بهن من أجلكِ))
أنواع الافتقار إلى الله :
أيها الأخوة, النقطة في هذا الدرس: أنك حينما تعتز باستقامتك، حينما تعتز بعلمك الشرعي، صار ذلك حجابًا عن الله عزَّ وجل، هذا الافتقار .
الحقيقة: يوم الجمعة ذكرت: أنه عندنا افتقار قهري قسري، هذا الافتقار القهري والقسري لا ينجو منه أحدٌ على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة، كلنا مفتقرون إلى الله؛ بالتنفس، بالماء، بالهواء، بالطعام، بالشراب، بالدفء، بالمأوى، بالزوجة، بالولد، بالحرفة، بالمال, مفتقرون إلى الله، أما الافتقار القهري فهذا لا ثواب له، ولا عقاب عليه، ولا يمدح صاحبه، ولا يُذم، لأنه قهري، وليس معنياً في موضوعنا.
يا أيها الأخوة, الافتقار القسري والقهري لا ينجو منه أحد، كل واحد منا بحاجة إلى الهواء، وإلى الماء، وإلى الطعام، وإلى المأوى، وإلى اللباس، وإلى المال، وإلى الزوجة، وإلى الأولاد، مقهورون جميعاً .
أما الافتقار الاختياري فهذا كسبي، هذا الافتقار الاختياري محصلة علمين شريفين؛ علم معرفة الله، وعلم معرفة النفس، فإن حصَّلت من هذين العلمين الشريفين قدراً كافياً، يتولَّد منهما معاً حالة افتقار اختياري .
دقق :
أيها الأخ الكريم, دقِّق: الافتقار الاختياري عين الغنى، الافتقار الاختياري عين القوة، الافتقار الاختياري عين العلم، الافتقار الاختياري عين التوفيق، الافتقار الاختياري عين النصر، الافتقار الاختياري عين العلو، فلذلك الناس يتفاوتون بافتقارهم .
ببدر الصحابة افتقروا, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 123]
بحنين ما افتقروا، فجمعهم الكبير كان حجاباً لهم عن الله عزَّ وجل، قالوا:
((لن نُغْلَبَ من قلة))
قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
انطلاقاً من هذا الحديث.... :
أيها الأخوة, فأنا أريد أن تترجم هذه المعلومات إلى واقع, كيف أقول لإنسان: لا بدَّ من أن نبيِّن لك هذا الشيء، قال لي: ما هو السبب؟ قلت: لأنه ثبت في الحديث.
عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
((أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ, فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ, فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً, ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ, فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا, حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ, مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ, فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكُمَا, إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ, فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ, وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا))
فأنت بيِّن، النبي بيَّن، وانطلاقاً من هذا الموقف النبوي الشريف, أنا سأبيِّن لك، القصَّة أساسها كذا، وكذا، وكذا، فأنت بيِّن، والبيان يطرد الشيطان .
فنحن نبني على قصة آلاف المواقف, نبني على تصرُّف نبوي شريف آلاف الاستنباطات .
الآن: كل واحد منا بعمله، في بيته، يقول لك: أنا زوج, أحياناً: تقهره زوجته لأنه قال: أنا زوج, أما إذا كان دخل إلى بيته مفتقر لله عزَّ وجل, وقال: يا رب ألهمني الصواب، ثبِّت خطاي، ألهمني الحكمة، ألهمني أن أقول كلمة تنفع أهلي -مثلاً- الله يلهمه الصدق، يجعل له هيبة في البيت، هذه الهيبة من طاعته لله عزَّ وجل .

من الآيات التي استفتحها النووي في باب تحريم الكبر والإعجاب :
أخواننا الكرام, في كتاب رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم، عُقد فيه بابٌ سمَّاه المؤلِّف -رحمه الله تعالى- باب: تحريم الكبر والإعجاب، وكعادة الإمام النووي رحمه الله تعالى, يفتتح أبواب كتابه ببعض الآيات الكريمة .
أيها الأخوة, قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 83]
الإنسان إذا أراد العلو, حُرِمَ الدار الآخرة, قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾
[سورة القصص الآية: 83]
كلمات دقيقة: لا يريد أن يفسد الناس، كما أنه لا يريد أن يستعلي عليهم، فثمن الجنة أن تكون متواضعاً مُصلحاً، متواضعاً في ذاتك مصلحاً في عملك، أما الكافر فمتكبِّر في ذاته مفسد في عمله، بذاته متكبر بعمله مفسد .
ركز :
أيها الأخ الكريم, أنت دقِّق الآن: أي شيء تفعله من أجل انتزاع إعجاب الآخرين، من أجل أن يمدحوك، من أجل أن تستعلي عليهم, ابتعد عنه، كن متواضعاً، التواضع صفة العلماء، التواضع صفة الكُرماء، صفة الحُلماء، صفة الموصولين بالله عزَّ وجل .
أحد الأعراب, جذب النبي من ثوبه, حتى أثَّر على رقبته الشريفة, وقال له:
((أعطني من مال الله, فهو ليس مالك ولا مال أبيك، فقال عليه الصلاة والسلام: صدق, إنه مال الله))
فحينما تفكِّر في العلو والكبر، الآن: أنت دقق, كم شيء يفعله الناس من أجل أن يستعلوا؟ والله ينفقون الملايين من أجل العلو في الأرض، والله عزَّ وجل يقول:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾
[سورة القصص الآية: 83]
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 37]
احفظ هذه الكلمة :
ثمة كلمة أحفظها تعجبني: من يضحك أولاً يضحك قليلاً, ويبكي كثيراً، ومن يضحك آخراً, يضحك كثيراً وطويلاً، والدليل: قول الله عزَّ وجل؛ أن المؤمن:
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
[سورة الانشقاق الآية: 9]
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 34]
هذه الآية الثانية .

ما الذي يفسد العبادة ؟ :

الآية الثالثة, قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
[سورة لقمان الآية: 18]
أي: أن العبادة يفسدها الكبر .
((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي, وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا, أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
متى يفتقر العبد إلى الله؟ :
أيها الأخ الكريم, فكن متواضعاً، وكن مفتقراً، لكن هذا الشيء, لا يأتي هكذا ببساطة.
قبل يومين, أقمنا احتفالاً بتخرج طلاَّب المعهد، فالمتفوقون نالوا جوائز، وهناك طفل ما نال جائزة، لأنه مقصِّر, فسأل: أين تباع الجوائز؟ قال: أشتري جائزة، وأقدمها لأهلي، فهناك أشياء لا تُباع، من أين يأتيك التواضع؟ يأتي من السعي الحثيث، من معرفة الله .
فإذا واحد عنده -تقريباً- آلة تريكو، موديل ستة وثلاثين، لون واحد، في النهار تصنع كنزة واحدة يدوية، لم ير غيرها بحياته، يقول لك: هذه أعظم آلة بالعالم، أما لو رأى آلة لموديل حديث، تعمل مئة كنزة باليوم، وشكَّار، وكمبيوتر، يتواضع ساعتها، يتواضع إذا رأى العظمة، كل إنسان أفقه ضيق تجده متكبِّر، عايش في أوهام .
لماذا قال الإمام الشافعي:
((من لم يعهد منه سفرٌ, لم يعهد منه علمٌ؟))
يتحجَّم الإنسان إذا عرف الله، يصير صغيرًا، إذا عرف الله, يرى نفسه لا شيء, صدق القائل:
إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى
في كثير من الأبيات, يقولها العارفون بالله:
وما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفع
فإذا الإنسان افتقر إلى الله, فافتقاره إلى الله عين الغنى، وعين القوة، وهناك شواهد .

متى يسقط العبد, ومتى تظهر بطولته؟ :
سمعت وقرأت عن شواهد لا تعد ولا تحصى، إنسان يقوى ويتفوَّق، يصيبه الغرور فيسقط، فالبطولة: أن تصل إلى القمة، وأن تبقى فيها .
حينما تشهد أن هذا من فضل الله عليك، فعلى قدر ما تستطيع, لا تكن حظوظك التي أكرمك الله بها حجاباً بينك وبين الله, قال تعالى:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
طبعاً: بعد هذا, قال:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
[سورة القصص الآية: 78]
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
[سورة القصص الآية: 81]
طبعاً: هذه شواهد صارخة، أما بحياتنا اليوميَّة في آلاف الشواهد غير الصارخة، كأن علَّق أمله بإنسان، فالله ألهم هذا الإنسان يتخلَّى عنه، لأن صار في شرك .

ما يلفت نظرك :

أنت يلفت نظرك رجلٌ غني متواضع، السبب: الغنى مظنة كبر، فإذا وجدت غنيًّا متواضع تفاجأ، أو يلفت نظرك غني متواضع، الحقيقة: الغني إذا تواضع يحبه الله عزَّ وجل . ((أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد: أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد))
ما مراد هذا الحديث؟ :

النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ, وَلا يَدْخُلُ النَّارَ, يَعْنِي: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ, قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ, وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ))
في رواية:
((وَغَمَصَ))
وفي رواية:
((وغَمْطُ))
أي: أن ترد الحق؛ في حكم شرعي لا تقبله، في موقف يجب أن تفعله لا تفعله، في سلوك ينبغي أن تسلكه لا تسلكه، ولو كان مدعَّماً بالكتاب والسنَّة، هذا هو الكبر، أن تستنكف أن تعبد الله، أن تستكبر أن تعبد الله.
بطر الحق: أي دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: أي احتقارهم .

من أمثلة الكبر :

مرَّة أخ توسَّط لي, أن أقنع أبًا بتزويج ابنته، عنده بنت تجاوزت الثالثة والثلاثين، وجاءها خاطب ممتاز، الأب متعنِّت لا يزوج، فذهبت له، من خمس كلمات, وجدت أن لا أمل ، قلت له: النبي يقول: ((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
قال لي: لا أقبل، لم تعد هناك لغة مشتركة بيننا، أعرض عليك كلام النبي عليه الصلاة والسلام, الذي لا ينطق عن الهوى، فكل إنسان تعطيه آية أو حديثًا, ويرفض أن ينصاع لها، انتهى، هذا إنسان مستكبر، يرفض أن ينصاع لكلام خالق الكون .
((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
أما غمط الناس، هناك نموذج أيها الأخوة والعياذ بالله، وبين النساء مستشرٍ، فمثلاً: هي وبناتها بالأوج، أي: امرأة أخرى بالتعتيم، لا تذكر شيئًا عن فضائلها، تمدح نفسها، وتمدح من حولها، وتبالغ وتتكبَّر، وأي جهة أخرى بالتعتيم، هذا سلوك ظالم .

انظر إلى مدح النبي إلى الصحابة :
أيها الأخوة, كان عليه الصلاة والسلام, كل صحابي جليل يمدحه .
فعن علي بن أبي طالب قال:
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله أبا بكر, زوجني ابنته))
[أخرجه الترمذي في سننه]
((وما نفعني مال في الإسلام, ما نفعني مال أبي بكر))
((ما ساءني قط))
سيدنا عمر:
((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب))
[أخرجه الترمذي في سننه]
سيدنا أبو عبيدة:
((إن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح))
سيدنا خالد:
((سَيْفَ اللَّهِ الْمَغْمُودَ))
سيدنا حمزة:
((أسد الله))
كل صحابي أعطاه النبي حقه، ما غمط أحد، هناك أشخاص بالعكس, لا يمكن أن ينطق بكلمة مديح لإنسان، الأضواء كلها يسلِّطها على ذاته، في الحلقات الدينية تجد الأضواء فقط مسلَّطة على إنسان واحد، أما كل من حوله فلا شيء، بالتعتيم الكامل، هذا سلوك غير نبوي، ليس هذا من السنة، يجب أن تنزل الناس منازلهم .
فكلمة المديح للمؤمن يربو بها إيمانه، أما لغير المؤمن قد يغتر بها، لذلك النبي مرة: أثنى على من يمدح، ومرَّة ذمَّ من يمدح, كأنه في تعارض، لا، لا يوجد تعارض, بل أنت عندك حكمة، هذا الإنسان مؤمن إذا مدحته بما فيه, ربا الإيمان في قلبه، أما إذا مدحت إنسان ضعيف الإيمان, يصدِّق أنه هو فعلاً هكذا .

حديث خطير :

ويقول عليه الصلاة والسلام, في الحديث الصحيح المتَّفق عليه: ((لا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, ومالك في الموطأ]
فأحياناً: في سلوك فيه بطر .

احذر من أن تفعل هذا :
حدَّثني أخ -والله أصدقه-, فقال لي: كنت ببلد بالخليج, –لم يسمها لي-, فهناك الولائم لها دور كبير، قال لي: أقيمت وليمة, يمكن كمية اللحم التي فيها, تطعم أقل شيء خمسمئة إنسان، والمدعوون عشرة أشخاص فقط، أكلوا واحد بالألف، ثم صاحب الدعوة, غسَّل يديه فوق الطعام، فهذا الذي رأى هذا المنظر, كاد يخرج من جلده، قال له: لا أحد يأكل بعدي، هذا بطر .
بينما يجوز في بعض البلاد, في عادات طيبة، إذا إنسان دخل لمطعم, وأكل، وزاد منه قطعة لحم, يلفُّ له، ويُعطى، يأكله في البيت، هذا شيء طيب، زاد أكل، فالمطعم يلقيه في القمامة، لا، لكن المطعم لفَّه لي, وأعطاني إياه, أنا آكله مساءً هذا الطعام .
فالكبر والعياذ بالله, يحجب عن الله عزَّ وجل .
((لا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا))
يقاس عليه الشيء الكثير، كأن إذا إنسان أسرف في صنع الطعام, ثم ألقاه في القمامة .
والحديث الذي بيَّنته لكم قبل قليل, والذي رواه مسلم:
((العزُّ إزاري, والكبرياء ردائي, فمن ينازعني فيه عذَّبته))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والطبراني في المعجم الصغير]
انظر إلى معاملة الله إلى هذين العبدين :

أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ, حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ, فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أنت لاحظ نبتة مرنة, الرياح تهزُّها، فإذا سكنت تستقيم، تهزها فتستقيم، أما الشجرة العملاقة, تأتيها رياحٌ عاصفة, فتقلعها من جذورها، فربنا عزَّ وجل يحاسب المؤمن كهذه النبتة ، أي بين مدٍ وجزر، بينما الإنسان البعيد عن الله, يعامل كما تعامل هذه الشجرة العملاقة، إعصارٌ واحد يقتلعها من جذورها، الله عزَّ وجل يبطش بالمتكبِّر بطشة واحدة فينهيه، يرخي له الحبل، ثم يبش به فقط، أما المؤمن فيعالجه كل يوم .
بصراحة: يا أخوان, إذا الله عزَّ وجل تفضَّل علينا وأكرمنا, أنه تابعنا على كل أخطائنا, هذه نعمةٌ كبرى .
أيها الأخ الكريم, إياك أن تتألَّم إذا تابعك الله، معنى هذا: أن فيك خير، معنى هذا: في أمل كبير بالنجاة، أما إذا في انحراف وفي إمداد, هنا المشكلة .

اخرج من هذا الوهم :
أيها الأخوة, والشيء بالشيء يذكر، إذا الإنسان في عنده مشكلة, لا يظن أنها لا تُحل، هذا ظن فيه وهم .
زارني أخ عقب صلاة الجمعة فقال لي: أنا أموري كلها منتظمة إلا شيء واحد: هو أنني أدخِّن، قال لي: لا أستطيع أن أتركه إطلاقاً، قال لي: صار جزءًا من دمي، وإذا تركته يصير معي حالات عصبية؛ ضيق ووضع غير طبيعي، فإذا دخَّنت أرتاح، قال لي: هذه لا أقدر عليها .
قلت له: والله الذي لا إله إلا هو, إنك واهم وهم كبير، وبإمكانك أن تتركه، وأن تعيش حياة رائعة، والقضية بسيطة .
نحن في لنا أخ, كان يدخِّن باليوم ثلاث علب أو أربعًا، ليس هناك إنسان حوله, يصدق أنه يدع الدخان، فلما استعان بالله, تركه وانتهى الأمر، ولا يفكِّر أن يقترب منه، فهذا الأخ قال لي: لا يوجد إمكان .
فإذا كان للواحد عنده عادات سيئة، عنده شهوات مستحكمة فيه، له صفات كبر -من نوع درسنا-, ولا يقدر إلا أن يظهر دائماً مثل الطاووس، فلها حل، قلت له: والله أنت واهم، قال لي: كيف؟ قلت له: سأروي لك قصَّة سمعتها, والله قصة مؤثِّرة جداً, وهي تعد دليل رياضي طبعه هكذا، لا يمكن أن يغمض له جفن, إذا كان في غرفة النوافذ فيها مغلقة؛ صيفًا، شتاءً، خريفًا، ربيعًا، صقيعًا, تحت الصفر خمس درجات، لا يمكن أن يغمض له جفن, إذا كان بغرفة نوافذها مغلقة، رياضي كبير، لاعب كرة من الطراز الأول .
مرَّة أجريت مباراة في فنلندا، في فنلندا أقل درجة حرارة, سُجِّلت تسعة وستين تحت الصفر، عنده مباراة بهذا البلد، وفي الشتاء، والفندق خمس نجوم، ولأن هذا الفندق بهذه المنطقة الباردة جداً, لا توجد نوافذ مفتوحة إطلاقاً، النوافذ مغلقة، لا يوجد قضية فتح، لأن البللور مع إطار النافذة ثابت، لا يُفتح إطلاقاً بالفندق، فجاء ورأى الغرفة، فلا يمكن له أن ينام ، ولا يمكن أن ينام ولا يغفل، والمباراة ثاني يوم، يجب أن يكون مرتاحًا، قابل مدير الفندق وقال له: لا إمكان غير هذا، ابحث عن فندق آخر، هل أخرب الفندق من أجلك؟ البناء مصمَّم ما فيه فتح .
هذا الرياضي لم يجد حلاًّ، جاءته فكرة شيطانية، قال: أنا أكسر هذا البللور في الليل، وأدفع ثاني يوم الغرامة، يبدو أنه أطفأ المصباح, ومسك الحذاء, ضرب, نزل البللور على الأرض، فنام نومًا مريحًا, مثل عادته, ما دام خرق النافذة وفتحت، دخل الهواء، فنام، استيقظ صباحاً, ففوجئ أنه كسر منظرًا طبيعيًّا، البللور مغلق، كسر منظرًا طبيعيًّا، ما كسر البللور، معنى هذا: أنه يعيش في وهم، هذه القصة نموذجية .
أربعة أخماس تشبثك بالشيء وهم، فمن الممكن تترك الدخان بكل بساطة، ممكن تترك أي عادة سيئة، أي سهرة مختلطة، أي لقاء، إذا أنت طلبت من الله التوبة الصحيحة, يعينك الله عزَّ وجل، فهذا يعيش في وهم عشرين سنة، نام نومًا مريحًا, على أساس أن النافذة مكسورة، فوجد أنه كسر منظرً طبيعيًا، ونزل البللور، ظنَّ أنها النافذة ونام .
فيا أيها الأخوة, راقب عاداتك، راقب كل تصرفاتك إذا فيها كبير، أنا لا أقدر، هذا كلام العوام: لا أقدر، لماذا لا تقدر؟ الله كلِّفك بالاستقامة، لو أنك لا تستطيع ما كان كلَّفك، صار التكليف ليس له معنى، كأن الله كلَّفك ما لا تستطيع، لا, إنك تقدر، كل إنسان يقول: لا أقدر، فهو إنسان جاهل, يرد قوله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
نهاية المطاف :

أخواننا الكرام, أُنهي هذا الدرس بكلمة: هل تصدِّق: أن ثمن الجنة هو كلمة واحدة؟ ما هي الكلمة؟ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9-10]
اقرأ القرآن, جاءت ثلاث آيات أو أربع, قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾
[سورة الأعلى الآية: 14-15]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9]

بل إن حمل الأمانة في الأصل: هو تزكية النفس، فإذا أنت نقيت نفسك من الكبر، والعجب، والإصرار، والغرور، والاستعلاء، وصار قلبك سليم، معنى هذا: أنك دفعت ثمن الجنة, قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
وكلَّما ارتقيت عند الله كان قلبك سليماً، وكلما ابتعدت عن الله امتلأ القلب بالأمراض .
فأنا دائماً أقول: تجد الشخص لئيمًا، متكبِّرًا، كذَّابًا، محتالاً، منافقًا، فما هذا النفاق, والاحتيال، والكذب؟ هذه أعراض مرض واحد: هو الإعْراض, احفظها، هذه أعراض الإعراض؛ تعرض, تظهر كل المشكلات، تقبل, تزول كل العيوب والأمراض .
فنحن علاجنا أن نكون مع الله، سلامتنا في الصلح مع الله، سعادتنا في الإقبال على الله، أمننا في الاعتماد على الله، مستقبلنا في محبة الله، هذا هو الدين، الدين هو الله، أن تقبل عليه، وأن تحبه، وأن تطيعه، وأن تعظِّم شعائره، وأن تعظِّم تشريعه، وأن تجلَّ المؤمنين، هذا هو الدين .
فيا أيها الأخوة, هذا الباب الكبر في رياض الصالحين مهم جداً .
((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:48 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (085-101) : باب: استحباب العزلة عند فساد الزمان والناس - ماذا يصنع المؤمن بنفسه حينما يعم مجتمعه الفتنة والفساد لكي ينجو بدينه؟ وما هو المقياس الذي يجب أن يتخذه في هذه الفتنة؟ وما رأي النووي في مسألة الاختلاط بالن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-08-01

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
هذا ما أراده الله :
أيها الأخوة المؤمنون, الله جل جلاله حينما خلق الإنسان, أراده أن يعيش مع أبناء جلدته، أراده أن يكون اجتماعياً، الدليل: أنه مكنه من إتقان شيء، وأحوجه إلى مليار شيء، مكنه من إتقان شيء، هي حرفته، وأحوجه إلى مليار شيء، فما لم يكن الإنسان في مجموع، مع جماعة, لا يستطيع أن يعيش .
إذاً: أراده الله عز وجل أن يكون الإنسان في مجتمع، لأن فضائل الإنسان لا تبدو وهو منعزل، يكذب على من؟ يصدق مع من؟ الصدق والكذب، والأمانة والخيانة، والنصح والغش، والإحسان والإساءة، هذه الفضائل وتلك الرذائل لا تكون إلا في مجتمع .
فلو تصورنا إنسانًا يعيش وحده, كل هذه الفضائل لا تظهر، بالمقابل كل تلك الرذائل لا تظهر، فالإنسان كيف يمتحن، ولاسيما الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الدنيا مدرسة للآخرة، لأن الدنيا إعداد للآخرة، ما دامت إعداداً, لا بد من أن يقدم الإنسان الفضائل, ويجتنب الرذائل، وهذه الفضائل وتلك الرذائل لا تبدو إلا في المجتمع .
إذاً: كأن الله قهر الإنسان أن يكون في المجتمع، كل واحد منا يحتاج إلى طبيب، والطب عالم قائم بذاته، يحتاج إلى طبيب أسنان، قد يحتاج إلى طبيب فيزيائي, قد يحتاج إلى طبيب هضمي، طبيب عصب، طبيب قلب، طبيب عظام، طبيب جلد، طبيب عيون، طبيب أذن، طبيب حنجرة، يحتاج إلى مهندس يبني له بيته، يحتاج إلى معلم يعلم له أولاده، يحتاج إلى حلاق يحلق له شعره، يحتاج إلى بائع خضار يبيعه الخضار والفواكه، مكنك من إتقان شيء، وجعلك في حاجة إلى مليار شيء، إذاً: لا بد من أن تكون مع الجماعة .
إليكم هذه الطائفة من الآيات والأحاديث التي تؤيد فكرة الجماعة وأن يكون الإنسان معها :

أيها الأخوة, في آيات كثيرة, يقول الله عز وجل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
هل سمعتم أن هناك إنسانًا يتنافس وحده؟ مستحيل, قال تعالى:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
قال:
﴿وَسَارِعُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
المسارعة تقتضي الجماعة، قال:
﴿سَابِقُوا﴾
[سورة الحديد الآية: 21]
المسابقة تقتضي الجماعة, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة, ترشد إلى أنه ينبغي أن تكون مع الجماعة، مع مجموع، لأنه ثمن الجنة الأخلاق، الأخلاق لا تظهر إلا في المجموع .
أيها الأخوة, هذا هو الأصل .
((يد الله مع الجماعة, ومن شذ شذَّ في النار، وعليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة, فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية، والركب محروم من قبل الله عز وجل، والمسافر وحده شيطان))
الركب جماعة .
((إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم))
عشرات الآيات والأحاديث والنصوص, تبين: أن الإنسان ينبغي أن يكون مع المجموع، في مجتمع، والمجتمع يضبط، والانعزال قد يدعو إلى التفلت، ولكن هذا التمهيد هو الأصل .

ما علاج هذا الظرف ؟ :
أيها الأخوة, ولكن قد يعم الفساد، وقد يستشري الإثم والعدوان، وقد يعجب كل بنفسه، وقد يؤثر شهوته، وقد يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، أحياناً: تجد نفسك وأنت في المجموع تنحرف، فنحن في حالة استثنائية .
لذلك: الإمام النووي رحمه الله تعالى, عقد بابًا في كتابه رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم، هذا الباب سماه: باب استحباب العزلة عند فساد الزمان والناس .
الآن: أنت بحاجة إلى أخ كريم، أخ مؤمن، أن تكون معه، أن تنصحه، وأن ينصحك، أن تحسن إليه، وأن يحسن إليك، أن تأخذ بيده، وأنا يأخذ بيدك، أن تستشيره، وأن يستشيرك، نحن في أمس الحاجة إلى أخ مؤمن، لأنه عم الفساد في الأرض .
لو سألت أهل الدنيا, لأرسلوك إلى المعصية والإثم، ليس عندهم ورع، يمكن أن يبيع خمر، يقول: أنا مطعمي خمس نجوم، خير إن شاء الله، سترى نجوم الظهر، يبيح لنفسه أن يبيع الخمر، وأن يقدم ما لا يرضي الله عز وجل في مكان عمله، وأن يتاجر بمادة محرمة، وأن يكون سببًا في فساد الناس، وأن يغريهم في الدنيا، فهناك فرص كثيرة جداً، لا تقوم إلا على أيدي من أدار ظهره لمنهج الله عز وجل .
يا أيها الأخوة الكرام, في مثل هذه الحالات، في حالات الفساد والتفلت، والفتن يقظة، والمرأة وهي في الطريق يبدو أجمل ما فيها، لم يبق شيئاً لزوجها أبداً, الطرقات فيها فساد، وإذا اشتريت أي شيء, وجدتَ عليه صورة امرأة شبه عارية، هكذا العصر، في مثل هذا الزمان, ينبغي أن تطبق منهج الله الاستثنائي، هذا منهج استثنائي، يقول الله عز وجل:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
الله عز وجل أين هو؟ ففروا إليه، طبعاً الله عز وجل منزه عن المكان، منزه عن الجهة:
﴿ففروا إلى الله﴾
يعني: أن تأتي إلى المسجد, كما ورد في الحديث القدسي, عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن حقاً على الله أن يكرم الزائر))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

من أدراك وأنت في المسجد, أن الله عز وجل يضيفك شعورًا بالأمن، يضيفك وضوحًا بالهدف، يضيفك بشحنة روحية قوية، يضيفك بمنحك السلام؟ قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾
[سورة المائدة الآية: 16]
فإذا قلنا: فروا إلى الله، يعني: الجأ إلى بيوت الله، لُذْ بأخوانك المؤمنين، اجعل ولاءك للمؤمنين، وبراءك من الكفار والمفسدين، هذا معنى: ففروا إلى الله، يعني اعتز بطاعتك، ولا تعتز بمعصيتك, قال تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
هذا هو العبد الذي يحبه الله :

عن عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ رضي الله عنه قال: ((كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه فِي إِبِلِهِ, فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ, فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ, فَنَزَلَ, فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ, وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ, وقَالَ: اسْكُتْ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
معنى الخفي: إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد، لا يعنيه أن يكون مشهوراً.
بالمناسبة: لا يمكن أن تكون الشهرة مقياساً، مستحيل، لأن أشهر مخلوق في الأرض هو إبليس، بكل اللغات معروف، يدور على ألسنة الخلق ملايين المرات كل يوم، مليارات المرات، فالشهرة ليست مقياساً .
لما قال سيدنا عمر لأويس القرني التابعي الجليل:
((ابق معنا، قال: إنني أريد الكوفة، قال: أكتب لك إلى عاملها؟ قال: لا، أحب أن أكون من دهماء الناس))
هذا التقي النقي الخفي، الذي إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد، هذا ممن يحبه الله عز وجل، بعيد عن الحياة الصارخة، وجوده ضعيف، وعند الله وجوده قوي، أما عند عبد الله فوجوده ضعيف .
((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ))
الغني عن الناس، الخفي، مغمور في التعتيم الإعلامي، طبعاً: إذا الإنسان زهد في الدنيا، وخاف على دينه، ابتعد عن النشاط العام، وأراد أن يكون طائعاً لله، عابداً له .

نقطة هامة :

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ, وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ))
لكن أنا أحب أن أقول لكم، في نقطة مهمة: هذه لعبة شد الحبل معروفة، إذا كنت بمجتمع ممكن أن تشدهم إلى الله, فينبغي أن تكون معهم، أما إذا أمكن أن يشدوك إلى الدنيا، وإلى مخالفة أو معصية, فينبغي أن تعتزلهم، هذا المقياس، معك مقياس دقيق جداً .
إذا بجلسة تكلمت عن الله, وأصغوا, وأثنوا على هذا الكلام، وقالوا: والله ارتحنا، والله يجزيك الخير، ونحن بحاجة إلى هذا العلم، ينبغي أن تكون معهم، أما إذا تكلمت فلم يصغ لك أحد، وتعليقات لاذعة، وتهكم، وسخرية, ينبغي أن تعتزلهم، فالمقياس إن استطعت أن تشدهم فكن معهم، وإن لم تستطع فابتعد عنهم .
وعندنا قاعدتان:
((دع خيراً عليه الشر يربو))
((ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع))
أريد أن أزور رحمي، بارك الله بك، لكن رحمك غير منضبط، بنات الخالة، وبنات العمة غير منضبطات، ومتفلتات، وساخرات، فأنت تدخل عليهم بحال، وتخرج بحال، نقول لك : دع خيراً عليه الشر يربو .
نقول لك: درء المفاسد مقدم على جلب المنافع .
أنا في هذا الدرس, أحب أن أضع مقياسًا دقيقًا لأخواننا الكرام, حول مدى الانخراط في المجتمع، ومدى الابتعاد عنه، إذا انخرطت في المجتمع، وأمكنك الله من أن تقوده فلا تتركه، وإن وجدت أنك قد تحولت عن الله، وأن قلبك قد صدأ، وأنك يعني لم تكن مرتاحاً لهذا اللقاء، انسحب .

إياك أن تلبي هذه الدعوة :

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ, يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا, وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا, وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ, فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ, وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ))
ولكن إذا كان في الدعوة اختلاط، وفيها غناء, يجب ألاّ تذهب، لأنه في حالة مضحكة، الإنسان له هوية إسلامية، مؤمن، يتواجد في مكان ليس له، فأعوذ بالله، لماذا جئت إلى هنا؟ هذا المكان ليس لك، أنت مكانك مكان منضبط، رجال يعرفون الله، مكانك هنا، أنت أوجدت نفسك في مكان ليس لك، دائماً أعوذ بالله، نعوذ بالله من مجيئك إلى هذا المكان في الأساس، زوجته محجبة مثلاً، وهو قاعد في مكان عام، غناء وتفلت، هذا المكان ليس للمؤمن المنضبط، هذا الانفتاح غير المنضبط، هذا ليس انفتاحًا، هذا تفلت .

لا بد من التوازن بين هذين الاتجاهين :
أخواننا الكرام, الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس، أنت لا إمكان لك أن تجلس مع ربك ساعات، أقلها أن تقرأ القرآن، أقلها أن تقرأ أحاديث النبي الكريم، أقلها أن تبحث في موضوع علمي، في موضوع فقهي، أحدها أن تذكر الله عز وجل .
درسنا في الجامعة, أن المدرس الناجح في التعليم, يتحدث ساعات طويلة دون تحضير، ثمة شيء داخل أعماقه، شيء متفاعل معه تفاعلا عميقًا جداً، فالمعلم الناجح من دون تحضير, يمكن أن يتحدث ساعات طويلة في موضوع معين، دون أن يرجع إلى مرجع, وأنت كونك مؤمنًا, لا تقدر أن تجلس مع نفسك خمس ست ساعات, وترتاح، وتذكر الله عز وجل, وتفكر، وتقرأ قرآن، وتفكر بموضوع، تعمل عملاً علميًا .
هناك شخص دائماً مع الناس، ما دام دائما مع الناس, فهذا حظه من الله قليل، وشخص دائماً مع الله، واعتزل الناس، الاتجاهان مناقضان، البطولة في التوازن بينهما .
مثل ضربه القرآن :

أيها الأخوة, والله عز وجل ضرب لنا مثلاً لطيفًا بسيدنا داود، كان محباً لله عز وجل ، هواه أن يكون مع الله مقبلاً، مبتهلاً، داعياً، فجاءه متخاصمان, فحكم لهما بسرعة، وتعجل دون أن يتحقق, قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾
[سورة ص الآية: 23]
والله ليس له حق، قال له:
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾
[سورة صَ الآية: 23]

سألته للثاني, الثاني يقول: أنا أرعى الغنم, عندي تسع وتسعين نعجة، وأخي متفرغ لنعجة واحدة، أنا أرعاها له، الله عز وجل قال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾
[سورة صَ الآية: 25]

هنا سيدنا داود, آثر القرب من الله على خدمة الخلق، سيدنا سليمان بالعكس، أحب حب الخير عن ذكر ربه, قال تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾
[سورة صَ الآية: 31]
هذا ما أريد :
أنا أريد إنسانًا لا يطغى عنده العمل الصالح على علاقة بالله، على شحناته الروحية، ولا تطغى شحناته الروحية التي يسعد بها على خدمة الخلق، يجب أن تقف في كل موقف الموقف المناسب .
غير معقول من إنسان, عنده ضيوف يتركهم، ويجلس يقول: الله، الله، الله، هذا عمل غير مقبول أبداً، عندك ضيوف, فكن مع الضيوف، عندك جلوس مع ناس, فحدثهم عن الله، أما أن تجلس مع نفسك, تذكر الله عز وجل، فلكل مقام مقال, ولكل مقام موقف .
ما معنى الاعتزال في هذا الحديث؟ :

قال: ((ثم من؟ قال: ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه))
قد أفهم قوله تعالى:
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾
[سورة الكهف الآية: 16]
أيها الأخوة, أحياناً: أخوة كرام يجلسون مع بعضهم بعض, يسعدون سعادة ما بعدها سعادة، في سرور، يعبرون عنها بالتجلي والروحانية، فالإنسان مرآته أخوه، والإنسان قوي بأخيه، المعتزل في شعب من شعاب يعبد ربه، آثر صفاءه، أما إذا كان مع الصفاء عمل صالح, فيجب أن يؤثر العمل الصالح .
سيدنا داود آثر صفاءه على خدمة الخلق، وسيدنا سليمان آثر خدمة الخلق على صفائه، هي قاعدة .
قد تجد أخًا منهمكًا في العمل الصالح على حساب اتصاله بالله، وقد تجد أخًا منهمكًا بالاتصال بالله، لكن ليس له عمل صالح، الأولى أن تجمع بينهما، والأولى أن تكون كما قال عليه الصلاة والسلام:
((إن لله عمل في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبل في الليل))
يعني: كل وقت له عبادة، هذا الحديث الثالث .

ما معنى الفرار من الفتن ؟ :

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه, ُأن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ, غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ, وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ, يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
الإنسان قد يدعى إلى وليمة, فيها اختلاط، نساء متكشفات، قد يدعى إلى طعام الحديث فيه لا يرضي الله عز وجل، يعكر القلب، معنى الفرار من الفتن: أن تفر من مكان يعصى الله فيه .
أخواننا الكرام, المؤمنون الصادقون يعرفون، قد تدعى إلى بيت متواضع جداً، وإلى طعام خشن جداً، مع أخ مؤمن، وأنت أسعد الناس، وقد تدعى إلى مكان فخم جداً، وفيه طعام فاخر، وأنت لست مرتاحاً .
أنا مرة دعيت إلى عقد قران, في قرية من قرى الغوطة الشرقية، في ساحة عامة في الطريق، كراسٍ، ومنصة، وشاي، سبحان الله فيه تجلٍّ وفائدة، وعقب هذه الكلمة التي ألقيتها, بضع عشرات من الأخوة هناك انضموا إلى المسجد .
ومرة حضرت عقد قران فخم فاخر جداً، والله ما تمكنت أن أتكلم كلمة، ما لقيت وجهًا مفتوحًا، كلها مغلقة، تشعر بانقباض, لأن الإنسان المعرض عن الله يعاف، دائماً: كأنه آكل أكلة حامضة، دائماً يعلق تعليقات غير لائقة، ليس عنده أدب .
وفي موضوع الدعوة إلى الله: المحب يعطيك طاقات فوق طاقتك، تجود، وإذا كان الإنسان معرضًا, تفقد معه كثير من إمكانياتك، أي إنسان منا بالود والحب ينطلق، بالنقد والقنص يحجب، فقد لا ترتاح للإنسان، هذا الإنسان يعكر صفاء المجلس .
تروى قصة رمزية: أن شيخًا من الشيوخ, حضر درسه رجل معترض أو منتقد، فقال له:
((يا بني, يمكن أن تبيع لي هذه العباءة؟ -عباءة غالية-، قال له: نعم، قال له: خذ بعها، ذهب ولم يعد، سيدي هذا لم يرجع، قال: أعرف، أنا اشتريت لكم صفاء هذا المجلس بالعباءة هذه))
قصة رمزية .
في الجلسة واحد معرض، واحد منتقد، واحد غير منضبط، يعكر الجلسة كلها، فنحن يهمنا أنا نكون مع بعضنا، المؤمن قوي بأخيه، يسعد بأخيه، يتقرب إلى الله بخدمة أخيه .
((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ, غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ, وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ, يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ))
لذلك قالوا:
((الوحدة خير من الجليس السوء، ولكن الجليس الصالح خير من الوحدة))
إليكم ما قرره هذا الصحابي, وما عاقبة هذا القرار؟ :
أيها الأخوة, ثمة صحابي كان يرعى غنيمات له -عامر الجمحي- في البادية, فلما سمع ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام, جاء إلى المدينة, وبايعه, وعاد إلى مكانه، فهو وأخوانه اتفقوا: أن يذهب كل يوم واحد, ليستمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتيهم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع ما، هو قال: أنا أبقى مع غنيماتي دائماً، أنا دعوني في هذا المكان، بعد حين خاطب نفسه: ويحك ينبغي أن تكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ قرارًا أن يذهب إلى النبي، ثم أصبح بعد ذلك أكبر قائد للمسلمين، كان قائدًا بحريًّا، وكان والي مصر، وكان أمير الشام، وكان عالمًا وقاضيًا، كل هذا بفضل أنه ترك غنيماته في الصحراء، وانضم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
أنت لما تؤمن يرفع الله مكانتك، هناك شخص لا يقدم ولا يؤخر، وشخص كل الناس تنعقد عيونهم به .
إذاً: الآيات التي وردت في حق النبي عليه الصلاة والسلام, لكل مؤمن منها نصيب, قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾
[سورة الشرح الآية: 1ـ 6]
المؤمن يرفع الله عز وجل قدره بين الناس .

قصة وردت :
رجل من أهل الكتاب، يبدو أنه فقير جداً، ويعمل في حرفة مزعجة جداً، رأى عالمًا جليلاً من علماء المسلمين السابقين, حوله أخوانه، وهو بهي المنظر، مخدوم محشود، وقد سمع أن في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً .
يقول فيه عليه الصلاة والسلام:
((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

وجد نفسه يعمل في أقذر حرفة، فقيرًا جداً، ومتعبًا، ومقهورًا، وهذا العالم مثل الملك، قام, فسأله في الطريق، قال: ((يقول نبيكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر .
فأي جنة أنا فيها، وأي سجن أنت فيه؟ -فكان هذا العالم سريع البديهة-، قال: يا هذا ما أنا فيه مما ينتظرني في سجن، وما أنت فيه مما ينتظرك في جنة))
حياة المؤمن بعد الموت أعظم مما قبل الموت، بعكس غير المؤمن، ما قبل الموت أعظم مما ما بعد الموت، صعوبات بالغة جداً .
إذاً: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ, غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ, وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
ما وراء هذا الحديث :

وفي حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى غَنَمَ, فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ, كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, ومالك في الموطأ]
لا أعتقد أن ثمة عملاً أدنى اجتماعياً من رعي الغنم، لا يحتاج بكالوريا، ولا كفاءة، ولا ابتدائية، ولا حسن سلوك، ولا سوء سلوك، ولا شهادة صحية، ولا تزكية، ولا حكم عليه.
أي إنسان يرعى الغنم، أعتقد أنه لا يوجد أجر أقل من أجر راعي الغنم، والله عز وجل شرف الأنبياء بهذه الحرفة، يبدو أن هذه الحرفة تطلق الفكر، هذه الحرف لها فائدة ثانية ، يعمل عمل مرهقًا وصاخبًا، والدخل قليل جداً، فإذا كان للرجل بداية متعبة صعبة وخشنة، ثم أكرمه الله بعد ذلك, فهذه من نعم الله الكبرى عليه، أما إذا نشأ إنسان في النعيم، ثم سلب الله منه هذا النعيم, دائماً اذكر بالدعاء:
((نعوذ بك من السلب بعد العطاء، نعوذ بك من عضال الداء ، نعوذ بك من شماتة الأعداء))
وأشياء صعبة جداً، أن يشمت بك عدوك، وأن تسلب شيئاً أخذته سابقاً، وعضال الداء .
يروى أن سيدنا عمر, كان على المنبر يخطب، قطع خطبته بلا مبرر، وقال كلمات لا معنى لها إطلاقاً، ولا علاقة لها بالخطبة، قال:
((يا عمر كنت ترعى الغنم بقراريط لبني مخزوم، ثم تابع الخطبة، -كأنه إعلان ضمن الأخبار, لا علاقة له-، فلما سأله سيدنا أبي ذر بعد ما انتهت الخطبة: ماذا قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: جاءتني نفسي, فقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد، -أنت أعلى إنسان-، فأردت أن أعرفها قدرها))
كل هذه الأحاديث هي خاصة، وضع استثنائي، الأصل: أن تكون مع الجماعة، ولك وجود قوي، ولك عمل طيب، ولكن إذا كانت الجماعة منحرفة، بقاؤك معها بشكل صارخ قد يبعدك عن الدين, الأولى أن تنسحب .
مرة ثانية أقول: لعبة شد الحبل هي المقياس، إما أن تشدهم إليك، وإما أن يشدونك إليهم، وازن .

ما معنى هذا الحديث؟ :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه, أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ؛ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ, كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً, طَارَ عَلى متنه, يَبْتَغِي الْقَتْلَ, أوَ الْمَوْتَ مَظَانَّهُ, أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ, فِي شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَافِ, أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ, يُقِيمُ الصَّلَاةَ, وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ, وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ, لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ))
[أخرجه مُسلِمٌ في الصحيح ]
إنسان مجاهد في سبيل الله، هذا من أفضل الناس .
بالمناسبة:
((من لم يجاهد في سبيل الله، ولم يحدث نفسه بالجهاد, مات على سنة من النفاق))
؛ ولكن الجهاد ليس كما يتوهم الناس جميعاً، هو جهاد قتال فقط .
هناك جهاد النفس والهوى، والجهاد الدعوي، والجهاد القتالي، القتالي غير متاح، عندك الجهاد الدعوي، الدعوي متاح، والجهاد عند الله كبير, قال تعالى:
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 52]
((من خير معاش الناس؛ رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه, يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة، طار على متنه .
-يطير أي يسرع، والمتن هو الظهر .
طرقت الباب حتى كل متني فلما كلمتني كلمتنـــــي
يعني: ضعف، كَلَّ ضعف ظهري .
فقالت لي أي إسماعيل صبراً فقلت لها أيا أسما عيل صبري
اسمها أسمى، وعيل صبري، أي نفذ صبري .
طرقت الباب حتى كل متني فلما كل متني كلمـــــتني
كلّ يعني ضعف، والمتن هو الظهر، الكلمة الأولى والثانية كلّ متني، والثالثة كلمتني يعني حادثتني .
فقالت لي: أي إسماعيل صبرا ً فقلت لها: أيا أسما عيل صبري؟
أي: يا أسما عيل صبري، أي نفذ صبري، يطير أي يسرع، والمتن هو الظهر، والهيعة الصوت للحرب، والفزعة نحوه- .
أو رجل في غنيمة في شعفة من هذه الشعاف.
-مرة حدثني شخص, قال لي: أنا أعمل في سوق من أسواق دمشق الفاخرة، يبيع ثيابًا نسائية، قال لي: والله كلما تابعت هذا العمل يوماً, ازددت بعداً عن الله أياماً، طول النهار حديث غير منضبط، نساء غير منضبطات، وملابس مغرية .
قد تجد إنسانًا, يعمل في الميكانيك, بأحد المناطق الصناعية، أصوات غير مريحة، وشحوم, وزيوت، قد يكون هناك أصفى له من هذا المكان الرائع، فالعبرة ليست في المظاهر ، لكن في المخابئ- .
أو رجل في غنيمة في شعفة من هذه الشعاف، أو بطن واد من هذه الأودية, يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين, ليس من الناس إلا في خير))

يعني: إذا أردت أن تكون مع الناس, وأن تؤثر فيهم, ففعل، فإن لم تستطع فاعتزلهم .
أيها الأخوة, دائماً: التطرف سهل، بمستوى تربية الأولاد، ممكن أن تكون أبًا بطاشاً ظالماً، ويمكن أن تكون أبًا سهلاً, ليناً, معصوراً، أما أن تجمع بين الحالتين، أن يهابك أولادك ، بقدر ما يحبونك، هذا يحتاج إلى جهد، التوسط يحتاج إلى جهد، أما التطرف لا يحتاج إلى جهد .
لذلك:
((من خالط الناس, وصبر على أذاهم, خير من لم يخالطهم، ولم يصبر على أذاهم))
هذا ما ذكره النووي :
الإمام النووي رحمه الله تعالى, عقد باباً آخر، المؤمن عنده حاسة سادسة، هذه الجلسة لا تناسبني اعتذر، هذا الكتاب لا يناسبني اعتذر، هذه النزهة لا تناسبني اعتذر، هذا الدور كل ثلاثاء لا يناسبني .
وهناك أشخاص يلعبون النرد, ولا يصلُّون، يغتابون، ويقولون: نحن مسرورون، أنتم في معاص وآثام، الجلسة في ذكر الله عز وجل، ناس مؤمنون صادقون، والله الجلوس معهم جنة .
لذلك: الإمام النووي, جاء بفصل آخر معاكس للأول, قال:
((باب فضل الاختلاط بالناس، ‏وحضور جمعهم وجماعاتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم, ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم, لمن قدر على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر))
فإذا كان الإنسان طليق اللسان, وقويًا، وإرادته صلبة، وإيمانه قوي، وموصول بالله عز وجل, اجلس مع الناس، انزل في أفراحهم, وأتراحهم، وانصحهم، ودلهم على الله، معك منطق، ومعك قوة شخصية، فلماذا تنسحب منهم؟ .
لذلك: الأنبياء كانوا يمشون في الأسواق، ويأكلون الطعام .
طبعاً: العلماء علقوا تعليقًا رائعًا: أن النبي ليس فوق البشر, هو بشر، مفتقر إلى وجوده إلى تناول الطعام، ومفتقر في تناول الطعام إلى العمل, لثمن الطعام .
فهذا الباب, باب: فضل الاختلاط بالناس، ‏وحضور جمعهم, وجماعاتهم, ومشاهد الخير، يعني الأعياد، ومجالس الذكر معهم, وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم, لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .‏
ماذا نفهم من كلمة معروف؟ يعني الدين فطرة, فما عرفته النفس بفطرتها أنه معروف فهو معروف، وما أنكرته النفس بفطرتها أنه منكر فهذا منكر، كلمة معروف ومنكر فيهما تعليق لطيف جداً، يعني الدين دين الفطرة، يعني الدين يتوافق مع فطرتك توافق تاماً، فما ارتاحت إليه نفسك معروف، ما لم ترتح إليه منكر .
عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ:
((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ, إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ, فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ, فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ, فَقُلْتُ: أَنَا وَابِصَةُ, دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ, فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ, أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ, فَقَالَ لِي: ادْنُ يَا وَابِصَةُ, ادْنُ يَا وَابِصَةُ, فَدَنَوْتُ مِنْهُ, حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ, فَقَالَ: يَا وَابِصَةُ, أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ أَوْ تَسْأَلُنِي, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي, قَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ, فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ, فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي, وَيَقُولُ: يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ نَفْسَكَ, الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ, وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ, وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ, وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ, وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ, قَالَ سُفْيَانُ: وَأَفْتَوْكَ))
قلت قبل قليل: أن الأصل أن نكون مع الناس، وآيات كثيرة: سابقوا وسارعوا .
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته, هو المختار الذي كان عليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم, وسائر الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون, ومن بعدهم من الصحابة, والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي ، وأحمد, وأكثر الفقهاء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم أجمعين .

خاتمة القول :

أيها الأخوة, قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
التعاون؛ أنت مع المجتمع, مختلط معهم، منفتح، وإيجابي, تتعاون معهم .
أيها الأخوة كما قلت قبل قليل: الموازنة تحتاج إلى جهد، أما التطرف فلا يحتاج إلى ذلك، لا يناسب أن تكون انعزالي، ولا اجتماعي متفلت, يجب أن تجمع بين الانعزالية التي فيها الصفاء، وبين أن تكون مع المجتمع الذي فيه المخاطر، فالإنسان إذا كان مع الله، الله عز وجل يسدد خطاه .
الملاحظ: لماذا النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((من بدا جفا))
ماذا في البادية؟ بلاد الله، وأرض الله، لماذا من بدا جفا؟ بدا: أي سكن البادية، يعني: ابتعد عن العلم .
مرة رأيت بيتًا جميلاً جداً في منطقة كلها غابات، ومطلة على بحر، البيت معتنى به كثيراً، فقلت في نفسي: والله لو أن إنسانًا سكن هذا البيت، وكل حاجاته عنده، لجاء يوم القيامة مفلساً، مثل العمل التجاري أفضل المحلات, ما كانت في تزاحم الأقدام .

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:49 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (080-101) : باب التعاون - ما السلاحان اللذان ينبغي على الأمة المسلمة أن تتمسك بهما لتضاهد أعداءها؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-07-11

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ما الوضع الجديد الذي يعيشه العالم اليوم, وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون؟ :

أيها الأخوة الكرام, اخترت لكم من كتاب رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم, بعض الآيات والأحاديث من باب عنون له الإمام النووي رحمه الله تعالى, فقال: ((باب التعاون على البر والتقوى))
الوضع الجديد في العالم, لا يعيش الإنسان وحده أبداً؛ وضع تجمعات، وضع تكتلات، هم يتكتلون على باطلهم، يتكتلون من أجل مصالح مادية، من أجل الاستكبار في الأرض، فالمؤمنون من باب أولى أن يتعاونوا، والله عز وجل في سورة الأنفال, في آية دقيقة جداً يقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الأنفال الآية: 73]
وفي آية ثانية يقول:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة الأنفال الآية: 73]
كما أنك تتمنى أن تكون مع أخيك، هم يتعاونون, ويخططون, ويسهرون من أجل أخذ أموال المسلمين، من أجل سلب ممتلكاتهم, من أجل إفقارهم، فالمؤمنون إن لم يتعاونوا، ويتناصروا، ويتكاتفوا, ويتجمعوا، ويذيبوا من بينهم كل خلاف جانبي, لم يستطيعوا أن يقفوا على أقدامهم، بل إن المعركة اليوم: معركة وجود أو عدم وجود, نكون أو لا نكون .
أمر من القرآن الكريم موجه إلينا, وما عاقبة من لم ينفذه؟ :

أيها الأخوة, هناك أمر في القرآن الكريم, وكما تعلمون: كل أمر في القرآن الكريم, يقتضي الوجوب, إلهنا، وربنا، وخالقنا, يقول: وتعاونوا، فكل إنسان لا يتعاون, يخالف نص هذه الآية، وحينما يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة الأنفال الآية: 20]
يعني: يا من آمنتم بي خالقاً، ومربياً، ومسيراً، يا من آمنتم بي موجوداً، وواحداً، وكاملاً، يا من آمنتم بأسمائي الحسنى, وصفاتي الفضلى، هذا أمري .
أيها الأخوة, فكل إنسان يستنكف عن طاعة الله تقصيراً, أو استكباراً، كبراً, أو إهمالاً, يدفع الثمن باهظاً، وكما ترون يدفع أعداء المسلمين الثمن باهظاً لخلافاتنا وخصوماتنا، وذهاب قوتنا فيما بيننا .
ومن علامات غضب الله على الأمة: أن يجعل بأسها بينها .
ما أتمناه :
أنا أتمنى أن نعيش الإسلام، الإنسان أحياناً: يسأم من الكلام, والمحاضرات، وإلقاء الكلمات، يحتاج إلى مسلم يعيش الإسلام، يحتاج إلى علاقة إسلامية، يحتاج إلى حب، يحتاج إلى إنسان, ولو أن معلوماته قليلة, ولكنه يطبقها .
أنا لا أحتاج إلى موسوعة متنقلة غير مطبقة .
مرة قيل للإمام الغزالي:
((فلان حفظ كتاب الأم للشافعي، ابتسم وقال: زادت نسخة، يوجد في السوق خمس نسخ, صاروا ستة))
لو, وكيف؟ :
النبي عليه الصلاة والسلام ربى أصحابه تربيةً عالية، فكانوا أبطالاً .
أقول لكم هذه الكلمة: والله الذي لا إله إلا هو, لو فهم المسلمون الأولون، لو فهم أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم, وصلوات الله تعالى عليه، لو فهموا الإسلام كما نفهم نحن الآن, والله ما خرج الإسلام من مكة المكرمة، كيف وصل الإسلام إلى أطراف الدنيا؟ .
ذكرت لكم: أن سيدنا عبد الله بن رواحة الصحابي الجليل, أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى يهود خيبر, ليقيم ثمارهم، فيأخذ نصفها بحسب اتفاق بين النبي الكريم وهؤلاء، فأرادوا أن يرشوه بحلي نسائهم، فقال هذا الصحابي لليهود:
((والله لقد أتيت من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض, وبهذا غلبتمونا))
بالحق .
وطن نفسك, الكلام ليس له قيمة، العبرة أن تعيش الإسلام، أن تكون وقافاً عند كلام الله عز وجل .

ما نحن عليه اليوم :
درسنا اليوم في التعاون، يوجد تعاون، يوجد إنكار للذات، هل تسير مع أخيك إلى نصف الطريق؟ .
لاحظت ملاحظة: شركات ضخمة تنهار، مؤسسات ضخمة, كان من الممكن أن تكون مفخرة للمسلمين, بسبب خلافات شخصية تنهار .
معنى ذلك: أن الإنسان لا يحمل هم المسلمين, يحمل همه هو، إلى متى يبقى المسلم فقيراً، مشرداً، بلا مأوى، بلا عمل؟ شيء مؤلم جداً، الكفار بتعاونهم سيطروا على العالم، ونحن كوننا مؤمنين, يجب أن نتعاون, قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
حدثني أخ قال لي: هناك في بلاد الغرب, اليهود يتعاونون على خمسة بالمئة من القواسم المشتركة، والمسلمون يتقاتلون، وبينهم خمسة وتسعون بالمئة من القواسم المشتركة ، أليس هذا وصمة عار؟ .
أنا أتمنى أن ينهض المسلمون، أن ينهضوا اقتصادياً .
ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، ويل لأمة تلبس ما لا تنسج، ويل لأمة تستخدم معدات لا تصنعها .
يوجد الآن شيء اسمه: حرب قطع التبديل، يبيعونك طائرة تعمير, محركها خمسة ملايين دولار، فيها أربعة محركات، ثمنها مليار، هذا تعمير محرك طائرة، حينما نعيش على فتات الحضارة الغربية، ولا نفعل شيئاً .
أنا أحياناً: إذا رأيت أخًا صناعيًا مستقيمًا، وله عمل أتقنه، وكسب منه المال، وصار قوة للمسلمين .
نحن دائماً من ضعفنا نحطم بعضنا، لا ندع أحدًا ينجح، وإذا نجح ننزلـه، ننافسه، نكسر السعر، حتى تصبح كل المصالح غير مربحة، بأكثر الأسواق إذا كان في قضية تنافس, تنافسَ التجار فيها, حتى تباع برأس مالها، هذا شيء واقع، هذا ضعف وعي، اسمح لأخيك أن يربح، لذلك صار حصر الربح بالمئة ثلاثة، ودخلَ الاحتكار، كأن الناس لجؤوا إلى الاحتكار، والمسلم دائماً يجب أن يكون مستخدمًا، ضاربًا على آلة كاتبة فقط، حاجبًا فقط، أين المسلم الصناعي؟ أين المسلم التاجر الكبير؟ أين العالم الجليل؟ أين أستاذ الجامعة الكبير؟ هذا الذي ينبغي أن يكون، لا يوجد في الدنيا شيء إلا العمل الصالح, والعمل يحتاج إلى قوة .
يجب عليك :
أيها الأخوة, نحن يجب أن نفهم النصوص فهماً عاماً .
أنا لا أكلف الإنسان ما لا يطيق، إذا كان الطريق سالكًا إلى أن تكون قوياً, فيجب أن تكون قوياً، إذا الطريق سالكًا إلى أن تكون غنياً, يجب أن تكون غنياً، إذا كان الطريق سالكًا إلى أن تكون في موضع حساس, بإمكانك أن تنصف المظلومين، فيجب أن تصل إلى هذا المكان، أمّا أن أرضى بالفتات، أن أرضى بأقل معيشة ممكنة كسلاً أو زهداً, فليس هذا هو الدين .
سيدنا عمر سأل أناس:
((من أنتم؟ قال: نحن المتوكلون، قال: كذبتم, المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله))
احذر من مخالفة أمر الله ورسوله :
سألني أخ سؤالا منذ يومين، قال لي: أنا محتار، النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على المؤمن القوي .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
ما هي القوة؟ المال قوة، يجب أن نتعاون، أهل الدنيا يتعاونون, الشاردون عن الله يتعاونون، أهل الباطل يتعاونون، يتعاونون على إفقار المسلمون، على السيطرة عليهم، على أخذ ما في أيديهم، والحديث الذي يقوله النبي, أنا أعده من دلائل نبوة النبي، وإذا نقض المسلمون عهد الله وعهد رسوله, سلط الله عليهم من يأخذ ما في أيديهم .
يوجد تقديرات مبلغ, انتقل من الشرق إلى الغرب، فعندما انتقل هذا المبلغ حدث الكساد، وبوار بالأسواق، أزمة بطالة، هذا كله من عدم تعاوننا، قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
من أجمل الآيات، البر صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة .
لا تنهج هذا التفكير :
يقول لك أخ: أريد ألا أشاركه، لأني إذا شاركته, أخاف أن أخسره، انظر إلى هذا الكلام، هذا كلام الشيطان، إذا شاركت مسلمًا, وخسرته .
معنى هذا: أن الإسلام غير صحيح، غير مقبول كمنهج، يجب أن تشاركه، وأن تزداد حباً له، أن يأخذ ما له، وأن يعطيك ما لك؛ من دون حيف، من دون ظلم، من دون تجاوز .
أي: تجد شركات ضخمة, سبب تراجعها وإفلاسها سوء الإدارة، وراء سوء الإدارة تنافس شخصي .
ذكرت لكم من قبل: لي صديقًا, ذهب إلى بلد غربي، وقرأ بالجريدة عرضاً - إعلان على وظيفة-, طلبوا سنًّا معينةً، شهادة معينة، خبرة معينة، أدى الخدمة الإلزامية، قال لي: جميعها أشياء واضحة، ولكن لفت نظري شرطًا نادرًا، قال: أن يصلح للعمل ضمن فريق .
أنت عندك إمكان أن تعمل بمؤسسة، بشركة، بجامع، تتعاون، تكون واحدًا من المجموع، إذا كنت الرأس، وإذا لم تنفذ رأيك, تحطم الموضوع، هذا يحصل في أكثر من مجال، إذا لم تنفذ رأيك, تعد نفسك مهانًا, فتخرّب، عندك إمكان أن تساهم كعضو فعال، تعرف حدودك، تتفاهم مع أخوانك، تتعاونون، إلى متى نريد أن نكون، هناك تخلف، هل يجب أن يكون المسلم متخلف دائماً؟ أنا أتمنى ألاّ ينفرد الباطل بالساحة .
هل فكرت بهذا السؤال؟ :

أيها الأخوة, لماذا الكافر ذكي؟ لماذا يتعاون؟ واللهِ هناك تعاون يفوق حد الخيال، تجد شرذمة بالعالم منبوذة, ملكت بتعاونها العالم كله، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 54]
ملؤوا الآفاق بتعاونهم, سيطروا .

لا تكن عقبة أمام نهضة أمتك :
أيها الأخوة, فمن باب أولى أن نتعاون نحن، نسمع عن شركة صاعدة, أشعر بالاعتزاز، عندما أجدها هابطة أحزن .
هناك شركة أدوية, فيها مهندس متفوق جداً، لدرجة أن دولة غربية, عرضت عليه راتبًا شهريًا فلكيًا، وجنسية، وفيلا، وسيارة، استطاع أن يصنع حبوبًا فوارة من دون سبيرتو، بالماء، هذا شيء نادر، والشركة تأسست، وبدأ إنتاجها، وقدموا لي عبوة، انهارت الشركة بخلافات شخصية، ممكن أن نصنع من مصنع حبًّا فوارًا، فيتامين (c)، ونستغني عن الاستيراد؟ ممكن بالتعاون .
أتمنى على أخ عنده هذا الفكر التعاوني، أنا لا يعمل مشكلة، لا يضع العصي بالعجلات، أن لا يقول: أنا لا أنفذ رأيي, وإلا أحطم المشروع، لا، بالمشاورة، من أنت أمام رسول الله سيد الخلق، حبيب الحق، المعصوم، الذي يوحى إليه، الذي معه معجزات؟ قال الله له:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
هذه قناعتي :
أيها الأخوة, أنا قناعتي إن شاء الله, لا أقبل بكل من حولي أحدًا ينفرد برأيه، يسمونها قيادة جماعية، المجموع من الصعب أن يخطئ .
قال النبي:
((لا تجتمع أمتي على خطأ))
كل عمل دع فيه المجموع يتعاونون، ويتناقشون، ويتحاورون، ويصوتون، لا يكن هناك رأي واحد، رأي مستبد، مدرسة صغيرة، مجلس إدارة مستشفى، مجلس إدارة، تناقشوا، الأمة تسعد برأي الجماعة، وتشقى برأي الفرد .

هذا وهم خاطئ :
الإمام النووي رحمه الله تعالى, افتتح هذا الباب، باب التعاون على البر والتقوى بقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
وأذكر وأعيد: كل إنسان يتوهم الدين خمس عبادات, فهو جاهل، الدين مئة ألف بند, رقم لا على التعيين، لا أقصده بالذات, وكل آية قرآنية فيها فعل أمر، أو في فعل مضارع مع لام الأمر، أو في فعل شرط وجواب شرط، أو فعل طلب وجواب طلب، هذه الآية ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك تقتضي الوجوب، أحصي ما في القرآن من أوامر, تجد آلاف الأوامر, أحصي ما في السنة من أوامر، يوجد مئات ألوف الأوامر، معنى ذلك: أنت أمام منهج تفصيلي كامل، يجب أن يطبق .
اخرج من هذا المستنقع :
درسنا اليوم: وتعاونوا، تعاونوا في العمل التجاري، تعاونوا في العمل الصناعي، تعاونوا في العمل الدعوي، والله شيء يثلج قلبي بلقاء، بعقد قران، العلماء يحترمون بعضهم، يتعاونون على نشر الحق، أما حينما يتنافسون, والله يسقطون من عين الناس جميعاً .
إذا قال لك طبيب: أين تحكّمت؟ قلت له: عند فلان، يطعن فيه .
أنا أحتقر هذا الطبيب، زميلك له أسلوب رخيص وقذر، حتى أكسب ود المريض, أطعن قي زميلي الطبيب، آن الأوان أن نخرج من هذا المستنقع الآثم، مستنقع الطعن ببعض، مستنقع التنافس، مستنقع الأسف، مستنقع إثبات الذات, ولو على الخطأ:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
أنت قدمت البيت، أخي أنا أجرته، لا يوجد بيت أجرته بالليلة عشرة آلاف ليرة، أفخر فندق ثلاثة آلاف، ليست قضية نوم عادية، هناك مشكلة، أنا لا دخل لي، بلى لك دخل ، تعلم علم اليقين: أن هذا البيت ما دفعت في ليلة واحدة عشرة آلاف, إلا لعمل غير شرعي، وأنت آثم وتتحمل .
قال لي شخص: أنا كنت شارب خمر، كانت توبتي على يد سائق تاكسي، صعدت معه وقت الازدحام الشديد، فلمح زجاجة خمر معي، فأوقف السيارة، وقال له: انزل، قال لي: لم أجد سيارة، انتظرت ساعة ونصفًا، شعرت بالذل، هذا قدم شيئاً بتوبته .
جراح قلب, أجرى عملية ناجحة, لإنسان شارد, هو وأهله، أحضروا له زجاجة خمر غالية جداً، قال له: أنا لا أقبل هذه الهدية، قال له: قدمها هدية، قال له: لا أقدمها، بعد شهر قابله الذي قدم الهدية, قال له: والله أقلعت عن شرب الخمر تقديراً لك .
النبي قال:
((استقيموا يستقم بكم))
يجب أن تخرج من قوقعة الذات، من فرديتك إلى التعاون، والآن عصر تعاون كفار، عصر تكتلات، عصر سوق مشتركة، عصر اتفاقية اللغات، إذا لم تتعاون تنتهي، يجب أن نتعاون، شركاء في التجارة تعاونوا، أنكروا ذواتهم في سبيل المصلحة العامة.
فالآية الأولى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
تعاون على البر صلاح الدنيا، وتعاون على صلاح الآخرة .

آن الأوان :
أنا حضرت في هذا الأسبوع أربعة عقود قران أو خمسة، كل عقد قران يوجد على مدخل مكان الاحتفال, صندوق العافية عوضاً عن الورود، يوجد عقود قران فيها ثلاثة ملايين ورود، أربعة ملايين ورود، وكتبوا في بطاقة الدعوة: يرجى التبرع مقابل إرسال الزهور إلى صندوق العافية، هذه واحدة .
أحد أخواننا الكرام زوج ابنته، فأرسل إلى كل مدعو وصلا بألف ليرة لمعهد، لمدرسة شرعية في داريا، دفع للمدرسة مئتين وخمسين ألف ليرة، كانوا ثمن علب .
أخ ثان, يأتي إلينا أحياناً: زَوّج أخاه، وهو رجل ميسور، ما قدم هدية أبداً، خطيب الحفل قال: ثمن الهدية ضرب بألف مدعو، الناتج مليون، هذا مودع عند جهة, من أجل إنفاقها, لتزويج شباب المسلمين .
إنسان ثالث صار يقدم كتابًا شرعيًّا، كتاب حديث، كتاب فقه، كتاب سيرة، فإذا حضر الإنسان عقود قران, صار عنده مكتبة، أيضاً شيء جيد، آن الأوان أن نخرج من التقاليد البالية، ممّا ألفناه، مما ورثناه عن الآباء والأجداد، يجب أن نطبق السنة .
هذا في مصر :
في مصر شيء أعجبني، كنت في القاهرة, في مؤتمر، يريد إنسان أن يتزوج، وثمة محل يبيع بضاعة تجهيز البيوت، فأي إنسان يريد أن يقدم له هدية, يراجع صاحب المحل، هناك تنسيق .
اقتراح مقبول :
في بعض البيوت, يأتيك أحياناً خمسون هدية من نوع واحد، وأنت تحتاج إلى واحدة، يأتيك عشرون ساعة حائط، وأنت بحاجة إلى واحدة أو اثنتين، لو كان ثمة تنسيق، هذه مادة، مال دفع ثمنه، لماذا هذا الشيء؟ .
أنا اليوم اقترحت اقتراحًا، قلت لهم: أتمنى من كل أخ, يريد أن يتزوج, أن يكون له أخ إداري، أي إنسان يريد أن يقدم له هدية, يجب أن يأخذ موافقة الأخ، أنت تريد أن تقدم خمسمائة ليرة، هذا الإنسان يلزمه مروحة وطنية ثمنها خمسمئة ليرة، عندنا شيء ثان، خمسة آلاف نشتري له بها سجادة، أربعة رجال يريد كل واحد أن يقدم ألفًا، يجب أن يكون هناك إداري, يعرف ما حاجته؟ كل حاجات الأخ بدأً من الثريات، والبراد، والغسالة، والسجادة، فكل أخ يريد أن يشتري هدية, يراجع هذا الإنسان، كم تريد أن تقدم له؟ خمسمئة ليرة، عندنا هذه الحاجة، عندنا هذه الهدية .
إذا تزوج أخ, وجد كل حاجاته مؤمَّنة من دون زيادة، فعدم التنسيق في تقديم الهدايا, تنشأ منه مشكلة إتلاف المال .
أنا أعرف أن في أكثر بيوتنا حاجات متراكمة, ليس لها استعمال، الآن في عقود القران يقدمون صحنًا أو زبدية، إلى متى كل صحن بشكل ليس لهم فائدة إطلاقاً، قدّم كتابًا ، تبرع لمعهد شرعي، قدم شيئًا ثمينًا، زوّج شابًّا، يجب أن نتعاون .
كلمة أعيدها مرتين :
كلمة أعيدها مرتين: قضية المسلمين نكون أو لا نكون، إما أن نعيش أو يقضي علينا أعداؤنا قضاء مبرمًا، لا يوجد رحمة الآن، أنتم ملاحظون .
مثلاً: إنسان بائع بللور, أين مصلحته؟ أن تأتي طائرة، وتخترق جدار الصوت, تكسر مليون لوح بللور، يصبح مليونيرًا .
هذا المثل البسيط يقول لك: هدمنا البنية التحتية لهذا البلد، ما تركوا مصفاة نفط ولا جسرًا، ليس لنا علاقة بالأمثلة، ولكن مبدأهم لا يتركون شيئًا، في النهاية نحتاج أن نشتري معامل جديدة من عندهم، ومصافي نفط جديدة، وجسورًا نعمرها .
في حرب الخليج، وفي مناقشة, تمت بين قائد فرنسي وبين جندي، قال لهم: أي شيء متحرك اضربوه، فيبدو أن أحد عناصر الفرقة, قال له: ولو سيارة مدنية فيها ركاب؟ قال لهم: اضربوها، قال له: لماذا؟ هذا مخالف للقوانين الدولية؟ قال له: لأنك إن دمرت هذه السيارة, سوف يشترون من عندك أخرى جديدة، فتعمل معاملنا، يقتل خمسين مدنيًا، هذا ليس له قيمة، هذا الذي جرى في المناقشة، أنت تلاحظ الآن الحروب في العالم كلها, هدفها ليس قضية انتصار، بل قضية تحطيم البنية التحتية، لا يُترك شيءٌ .
مدلولات هذه الآية :

أيها الأخوة, قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 103]
تطهرهم، الزكاة تطهر الغني من مرض البخل، والزكاة تطهر الفقير من مرض الحقد، لا الغني بخيل، ولا الفقير حاقد، الآن: وتزكيهم .
الفقير يشعر بقيمته في الحياة, مجتمعه يهتم به, والغني يشعر بعمله الطيب, الذي أنقذ مئات الأسر من الفقر والضياع .
أنا أحب أن يكون الإسلام حركيًا، وليس سكونيًا، ليس ستاتيك، ولكن ديناميك، هكذا مستسلمون، هذا غير مقبول .
ماذا تفهم من هذا الحديث؟ :
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمعوا هذا الحديث، حديث عميق جداً، جاءه رجل, طلب منه مساعدة .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
((أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ, جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ, فَقَالَ: لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: بَلَى, حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ, وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ, وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ، قَالَ: ائْتِنِ بِهِمَا, قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا, فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ, ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ, فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ, وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ, فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ, وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا, فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ, وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا, فَأْتِنِ بِهِ, فَفَعَلَ, فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَشَدَّ فِيهِ عُودًا بِيَدِهِ, وَقَالَ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ, ولا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا, فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ, فَجَاءَ, وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ, فَقَالَ: اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا, وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا, -الإنسان لا يشعر بالطمأنينة إلا إذا كان أهله يأكلون ويشربون، هذه قاعدة، ما تركه يعمل فوراً-, ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ, وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ, أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ, أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ))
هذا منهج، إنسان طالب رزقًا من الله، تحرك .

كلام دقيق :
مرة سمعت كلمة راقت لي تماماً: أنه لا ينبغي أن يعطى الإنسان مبلغاً من المال دون عمل، يصبح شيئا مريحًا، يستيقظ الظهر، الناس تعطفوا عليه فأعطوه، أمّن طعامه وشربه .
يوجد أخ من أخواننا, أقدره كثيراً، وقع في ضائقة مالية شديدة، قال: أنا إذا تقدمون لي ثمن دراجة صغيرة, أنا أبيع أكياس، قال أخ ميسور: أنا أؤمن له دراجة، وزع أكياسًا، وربح، قدم جهدًا، ورد القرض، ودفع زكاة ماله .
أنا ماذا أقول؟ أفضل مساعدة تكون: عندما تحول آخذ الزكاة إلى دافع إلى الزكاة، إذا استطعت أن تحول آخذ الزكاة إلى دافع للزكاة, فأنت بطل، هذه حكمة الزكاة: أن تجعل الإنسان يعمل رافع الرأس .
أتمنى على الإنسان ألا يعطي إلا مقابل عمل، إلا إذا كان الإنسان عاجزًا، أما الشاب فخذ وكل، يأخذ, ويأكل, وينام إلى الظهر، لا يقبل أن يعمل .
انتبه :
سألوا متسولاً: لمَ تتسول وأنت رجل ميسور؟ قال: قضية مبدأ .
أحد أخواننا, جزاه الله خيرًا, ساهم بمكافحة التسول في بلدنا بشكل فعال، قال لي: جمعنا ألفًا وخمسمئة متسول، هذا كلام دقيق، قال لي: أنا حققت معهم واحداً واحِداً: كم عدد الفقراء منهم؟ خمسة أشخاص، والباقون أقسم بالله يملكون أربعين مليونًا، يجلس متسول في زاوية، هذه مصلحة، تأتي سيارة تلمهم مساءً، وتحاسبهم، هذا يده مكسورة، وهذا معصوبة عيناه، وهذا أعطوه ولدًا صغيرًا عاريًا نصفه, أنت بسذاجة تقول: هذا ميت من جوعه, هذا حمق .
قال لي: والله هناك امرأة, تلبس مانطو أسود منذ عشرين سنة -ملمع - قال لي: رأيتها في البنك، هذه ما الذي أحضرها إلى هنا؟ سأل، فقالوا: هذه لها سبعمئة ألف، في المساء يغيرون لباسهم، ويشترون الفواكه الغالية، وأنت لا تملك قرشًا .
يجب أن تنتبهوا، يوجد كذب كثير، يوجد احتيال كثير، لا تعطِ إلا لإنسان مؤمن، وأعطه مقابل عمل, حتى يأخذ المبلغ رافع الرأس، ولا يكون ذليلاً .
((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير))
هذا شعوري :

أيها الأخوة, أنا بشعوري, أنه يوجد ضائقة شديدة، الماء قليل جداً، الأسواق كاسدة, علاجها التعاون، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
يجب أن يحمل الإنسان أخاه .

هكذا سمعت :
سمعت: أنه سبب تفوق اليابان في الصناعة والتجارة على الغربيين، أن المعامل الغربية مع الأزمات تسرح العمال، أما اليابانيون فلا يفعلون هذا، مهما كان في أزمة, يتحول المعمل إلى صناعة رائجة، ويوجد حد أدنى مضمون للعامل، والعامل مطمئن, حتى عندما كنت في أمريكا, وجدوا تفوقًا كبيرًا في صناعة السيارات في اليابان، حتى إن أمريكا أصبحت أكبر سوق لليابان، وأمريكا متفوقة بالسيارات سابقاً، فصارت في خلل، أرسل وفد رفيع المستوى, ليدرس ما سر تفوق الصناعة اليابانية؟ .
وجدوا أن السر اجتماعي، وليس تكنولوجيًا، مدير عام يأكل مع العمال، يوجد ود بينهما، العامل مستقبله مضمون، يوجد حد أدنى لا يهبط عنه، يوجد راحة، يوجد إتقان، والإتقان سبب رواج الصناعة .
أنا أتمنى هذا الدرس: أن ينقلب إلى سلوك, بأي عملك .
هل تعلم؟ :

الآية الثانية, قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]

الإمام الشافعي يقول: ((إن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة))
هل تعلم: أن ربع النجاة التواصي بالحق، معنى ذلك: أن الدعوة إلى الله فرض عين.

((بلغوا عني ولو آية))
وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وأرقى عمل صالح أن تدل الناس على الله، أن تأخذ بيدهم إلى الله، أن تحملهم على طاعة الله، أن تمسكهم بكتاب الله، هذا أعظم عمل على الإطلاق، والدليل قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة فصلت الآية: 33]
ليس في الأرض كلها من آدم إلى يوم القيامة، ليس في الأرض رجل أفضل عند الله, ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين .
وسأقول لكم كلاماً آخر: الدعوة إلى الله منوعة جداً, بعضها باللسان، بعضها بالعمل .
((استقيموا يستقم بكم))
الأمانة دعوة, والصدق دعوة، والإخلاص دعوة، والتواضع دعوة، والورع دعوة, والعفة دعوة.
سيدنا يوسف عبد في بيت سيده، شاب، أعزب، دعته امرأة سيدته، ذات منصب وجمال، فقال:
((إني أخاف الله رب العالمين))
هذه دعوة .
أي إنسان يقف موقفًا أخلاقيًّا هو داعية، ولو لم يتكلم, وأنا قناعتي: أن لغة العمل أبلغ من لغة القول.
أحد الزعماء الغربيين له كلمة، يقول: أنا أرضي أعدائي، ولا أسترضيهم، الاسترضاء باللسان، أما الإرضاء فبالعمل .
التواصي بالحق ربع النجاة، والتواصي بالصبر ربع النجاة الآخر، فأنت باليوم: إن آمنت بالله، وعملت صالحاً، وتواصيت بالحق، وتواصيت بالصبر, حققت أركان النجاة من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

من أمثلة الواقع على التعاون :
مرة كنت في عقد قران، وقف عريف الحفل، وقال: إما أن تكون داعية، وإما أن تتبنى داعيةً، كل سنة يأتينا إكرام طلاب علم من أفريقيا، من تركيا، من جزر القمر، من أندونيسيا، من الشيشان، من داغستان، وأنا أدرّسهم، وأحتفل بهم، وندعوهم إلى مسجدنا, وإلى وليمة، ونقدم لهم كتبًا، أشرطة، بيننا ود .
مرة أخ من أخواننا الكرام, بعد أن انتقل إلى بلده, أعتقد في غينيا، لست متأكدًا من البلد، أرسل إلي رسالة, أنه عنده معهد شرعي, من أفضل المعاهد الشرعية في كناكري، توفي الذي أعطى الأرض لهذا المعهد, فالورثة يريدون أن يخرجوا أصحاب المعهد من أرضهم .
فأخ من أخواننا الكرام, درس الوضع، ووجد أنه مناسب جداً, أن يشتري هذه الأرض، وأرسل له شراءها .
اليوم أرسل إلي كتاب شكر الأخ، فهذا إنسان أسس معهدًا في بلد مسلم، هذا تعاون ، والله كتب كلمات شكر مؤثرة جداً، أنتم أنقذتمونا، والأخ الكريم مدّ يد المعاونة، وتحقق تحققًا دقيقًا، وأنقذ معهدًا شرعيًّا من الإغلاق .
الحياة تعاون، وهناك أعمال طيبة جداً في هذه البلدة الطيبة، ليس كل شيء منظور، ولكن ثمة أشخاص يبذلون .
هذا الجامع المتواضع البسيط, يجمع أحيانا مبلغًا ضخمًا، أكبر مبلغ بدمشق لصندوق العافية، أجروا ألف وتسعمئة عملية خلال سنتين، كلفت ستين مليونًا، كلهم فقراء، بالتعاون، وهذا اسمه: ضمان صحي .
إنسان فقير, له حق على المؤمنين أن يعالجوه مجاناً من دون مقابل، صار صندوق زواج، والله سعدت سعادة لا توصف، شاب يعطونه خمسين ألفًا، هذا اسمه إقلاع .
أنا ذهبت إلى بلاد أخرى, صندوق الزواج مخزون, له ستة عشر مليار درهم, والدرهم بستة عشر وسبعين .
يوجد شيء لطيف هناك، يوجد عرس جماعي، خمسون شابًا في عرس واحد على حساب صندوق الزواج، ما تكلف شيئًا إطلاقاً، يدعو كل واحد خمسين شخصًا بمكان كبير، شيء لطيف، شركات البرادات, وغرف النوم تتنافس, ويقدمون للشباب هدايا .
إنسان يقول لك: أنا أقدم خمسين غرفة نوم، هذا خمسين براد، وهذا خمسين غسالة، من التعاون صار التزويج جماعيًّا .
هذا سمعت به في اليمن، وفي مصر، وإيران، ودول الخليج .
من أحد المهمات التي تقع في عاتق المسلمين اليوم:
أخواننا الكرام، بالمناسبة: كلام مؤلم وحقيقي وواقعي، إذا ما يسرنا سبل الزواج, يحل السفاح مكان النكاح .
لو أن الشارع احترق آخر بيت فيه، إذا قال أول بيت: أنا ليس لي علاقة، النار في طريقها إليه، هذا كلام دقيق, قال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة الأنفال الآية: 25]
إذا قال إنسان: أنا ليس لي علاقة, النار قادمة، إذا ما نهض المسلمون نهوضًا واحدًا.
الآن: أحد أكبر المهمات الملقاة على عاتق المسلمين: حل مشكلة الشباب، ولا سيما مع تفلت الفتيات .
أنا في الخطبة الإذاعية يوم الجمعة, اخترت للدعاء: اللهم أصلح شباب المسلمين, وأصلح الشابات المسلمات، ويسر لهم ولهن سبل الزواج، ليكون الزواج حصناً لهم .
إذا كانت كل طرق المعصية مفتحة، وطرق الزواج مغلقة, والله هذه مشكلة كبيرة، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة الأنفال الآية: 73]

عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِي اللَّه عَنْه, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا, وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أهله بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
إذا تبنى إنسان داعية كأنه دعا، تبنى طالب علم كأنه طلب العلم، أعان على نشر الحق كأنه نشر الحق .
دعوة للإنفاق :
((وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
أيها الأخوة, هذه البلدة الطيبة, مرغوبة بشكل كبير من طلاب العلم المسلمين, من خارج هذا البلد، يجد نفسه كأنه بين أهله، وكل إنسان ساعد طالب علم, أعطاه بيتًا، أمن له حاجة .
مرة أذكر أخًا طالب علم، ولكنه عفيف جداً، بقي سنتين على البلاط في الشتاء، وعلمت بعد ذلك، هل يوجد بيت: لا يوجد في السقيفة عشرات القطع منسقة؟ كل بيت فيه براد منسق، غسالة منسقة، فإذا جئت بالأشياء المنسقة .
أنا يوجد عندي براد قديم, هل يلزمكم؟ أنت لا تقدر: أن طالب علم يسكن في غرفة, لا يوجد فيها شيء إطلاقاً، أحضرت له برادًا، ولو كان قديمًا، لا مانع، لا أحد يدع شيئًا مجمدًا، إذا كان عندك براد قديم، عندك حاجة قديمة، يوجد طلاب علم فقراء جداً، تعطيه بساطًا، تعطيه برادًا، تعطيه غسالة قديمة، يجدها نعمة كبرى، فنتمنى أن يكون التعاون واقعًا وليس كلامًا، والتعاون أمر إلهي، وبالتعاون يحبنا الله جميعاً، من دون تعاون نسقط من عين الله جميعاً، وإذا سقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتحطمت أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله، الإنسان لا يحس بإنسانيته .
عدة أطباء زارونا من بلاد الغرب، عرضوا خدمات ليعالجوا مجاناً، وهم قمم بالاختصاص، شعرت باعتزاز: أن الإنسان قادم ليؤدي إجازة شهر, مستعد ليعالج أي إنسان, عنده مشكلة عويصة، نحن نريد أن نرتب الأمور ترتيبًا، كلما جاء أخ من بلد أجنبي, أحب أن يقدم خدمة للمسلمين, نستفيد من علمه، الحياة بالتعاون, تحل جميع مشاكلنا ، من دون تعاون, تكاد فئة تنفجر من التخمة، وفئة تكاد تموت من الجوع، وهذا لا يرضي الله عز وجل، الله عز وجل أراد بهذا المال, أن يكون بين الخلق جميعاً:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
كل إنسان يستطيع أن يتعاون، أي إنسان ممكن أن يقدم لأخيه خدمة، ساهمت بتحقيق واقع لهذا الدرس، أنا ضد أن يكون الدرس نظريًا .
أتمنى عقب هذا الدرس, أن أسمع من أخواننا، هذا قدم شيئاً، هذا عاون بشيء، و التعاون من ثماره: الصلة بالله عز وجل، ولا تنس أن أي عمل صالح, هو قرض لله عز وجل:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 245]
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-09-2011, 02:51 AM
شرح الحديث الشريف - رياض الصالحين - الدرس (078-101) : باب: كتاب الدعوات - ما أنواع المصائب؟ وما الحكمة من وجودها في الأرض؟ وما مهمة الدعاء؟ ومتى يستجاب, ومتى لا يستجاب؟ وما هي الأحاديث التي وردت عن النبي بشأنه؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-06-27

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ما هو المخرج عند نزول المصائب والنكبات على الإنسان؟ :
أيها الأخوة الكرام, حينما تشتد الأمور، وحينما تستحكم المصائب، وحينما ينزل البلاء، لا ينفع إلا الدعاء، والدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: هو العبادة، والعبادة علة وجودك على سطح الأرض .
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, سمعت النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
((إن الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثم قرأ: -وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ-))
[أخرجه ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
ما هو المعنى المخالف لهذه الآية, كما قرره علماء الأصول؟ :

قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 77]
المعنى المخالف الذي يقرره علماء الأصول: أن الله يعبأ بكم إذا دعوتموه، وأنتم حينما تدعون الله عز وجل, تؤكدون أربع حقائق:
الحقيقة الأولى: أنك مؤمن بوجوده، ومؤمن بعلمه، ومؤمن بقدرته، ومؤمن برحمته.
مستحيل أن تخاطب إنساناً لا تؤمن بوجوده، مستحيل أن تخاطب إنساناً أصمَّ، مستحيل أن تطلب من إنسان ضعيف، مستحيل أن تطلب من قوي وهو لا يحبك، أما حينما تدعو الله عز وجل, فأنت تؤكد أنك مؤمن بوجوده، مؤمن بعلمه، مؤمن بقدرته، مؤمن برحمته, قال تعالى:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 77]
سبب اختيار هذا الموضوع:
قد يقول أحدكم: لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟ أحياناً تشتد المصائب، تضيق الأمور، تشح الأمطار، يضجر الناس، تندر الأعمال، في مثل هذه الأحوال, ليس لنا إلا الدعاء .
((وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر, بادر إلى الصلاة))
ما الحكمة الإلهية من هذه المصائب ؟ :
وقد يقول أحدهم: ما الحكمة من هذه المصائب التي تدعونا إلى أن نتضرع إلى الله عز وجل؟ الغاية أن تتصل بالله، الغاية أن تتضرع إليه، الغاية أن تستجير به، ولكن حينما تفتر الهمم تأتي هذه المحرضات .
يجب أن نعلم علم اليقين: أنه لا بد من أن تتصل بالله، لا بد من أن تقبل على الله، لا بد من أن تستسلم لله، هذا يحتاج إلى موضوع، قد تأتي المصيبة كي تدفعك إلى باب الله، فأتمنى أن يكون هذا المثل مطابقاً للواقع، طفل كل سعادته أن يكون مع أمه، كل شبعه أن يكون مع أمه، كل ريّه أن يكون مع أمه، كل نظافته أن يكون مع أمه، كل سروره أن يكون مع أمه، كل أمنه أن يكون مع أمه، كل مستقبله أن يكون مع أمه، فإذا ترك يدها، وشرد عنها، وجاءه كلب عقور، ونبح عليه، هدف هذا الكلب: مسخر كي يعيد هذا الطفل إلى أمه، هذا الكلب المخيف مهمته: أن يعيد الطفل إلى أمه .
فأنت إذا رجعت إلى الله عز وجل حلت المشكلة، وإن لم ترجع قال: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة, فمصيبته في نفسه أكبر .
يجب أن نعلم علم اليقين: أن فلسفة المصيبة جزء من الدين -أن تفقه فلسفة المصيبة-, الدنيا مفعمة بالمصائب، مصائب أمطار, نصف دمشق تشرب بالصهاريج، لا توجد أمطار، الآبار أكثرها قد جف، قد تضيق الأرزاق، قد تشتد الحاجات، قد يعم المرض ، قد يعم الفقر، هناك حكمة بالغة من سوق هذه المصائب .
قد يقول قائل :

قد يقول قائلٌ من الناس: ما بال هؤلاء الشاردين المنحرفين في الغرب، الغارقين في المعاصي والآثام, رزقهم وفير, الجواب: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
يعني: إما أن يكون الإنسان في العناية المشددة, وإما أن يكون ميؤوساً من شفائه, أيهما أفضل؟ أن يكون مطموعاً في شفائه, وهو في العناية المشددة، أم أن يكون ميؤوساً من شفائه، وقد يعطى ما يريد؟ .
محور هذا الدرس :

أنا يعنيني من هذا الدرس: أن الإنسان حينما تشتد عليه الأمور, ليس له بابٌ إلا الله، والآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[ سورة الطلاق الآية: 2]

كلمة مخرجاً: تعني أن الأبواب كلها مغلقة، الطرق كلها مسدودة, الأعمال كلها مقفلة، هذا المخرج، الإنسان متى يبحث عن مخرج؟ حينما يرى أن الأبواب كلها مغلقة، إذا رآها مغلقة, يبحث عن مخرج, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[سورة الطلاق الآية: 2-3]
كم نوع للمصائب؟ وما هما؟ :

قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
وقد ذكرت لكم كثيراً, أن المصائب خمسة أنواع: نوعان للعصاة الكفار، ونوعان للمؤمنين، ونوع للأنبياء، مصائب الكفار مصائب قصم وردع، ومصائب المؤمنين دفع ورفع، ومصائب الأنبياء كشف، يوجد كمال يفوق حد الخيال، هذا الكمال لا يظهر إلا في ظرف صعب .
ذهب إلى الطائف, كذبه أهلها، سخروا منه، بالغوا في إيذائه, قال:
((يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))
فعلى الإنسان أن يوطن نفسه: أنه توجد معالجة من حين إلى آخر .

دقق :

أخواننا الكرام, السيارة صنعت كي تسير، وفيها مكبح، والمكبح يتناقض مع أصل صنعها، صنعت لتسير والمكبح يوقفها، ولكن المكبح ضروري جداً لسلامتها، الإنسان حينما يعلم علم اليقين حكمة المصيبة، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 147]
هذه الآية دقيقة جداً، الله عز وجل سخر هذا الكون تسخيرين: تسخير تعريف، وتسخير تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن, ورد فعل التكريم أن تشكر، أنت حينما تؤمن وتشكر, حققت الهدف من وجودك .
هذا هو الحق :
أيها الأخوة, حينما تشتد الأمور, كأن الله جل جلاله, يضيق على العبد, كي يتصل به، يضيق عليه كي يأتي إلى بابه، يضيق عليه كي يتضرع له, يضيق عليه ليسمع صوته، يضيق عليه ليكون دعاءه حاراً لا فاتراً, يضيق عليه ليتذلل العبد أمام ربه، وكلما تذللت على أبواب الله عز وجل رفعك الله، وكلما استكبرت أن تدعو الله عز وجل, أذلك الله .
يجب أن نوطن أنفسنا جميعاً: على أن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، أنت مجبول ومفطور بالتعبير الحديث: -مبرمج أو مولّف- على أن كل شيء, إذا استمر فقد بريقه, وما رفع الناس شيئاً إلا وضعه الله عز وجل, لماذا؟ لأنك له، لأنك إن كنت لغيره احتقرت نفسك, قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 130]
إن لم تكن لله, لا تعرف حقيقة نفسك، إنسان مؤهل ليكون في أعلى درجة, رضي بأدنى درجة, احتقر نفسه، قبل أن يعيش ليأكل، يقول لك: ندفش, هذا كلام من؟ هذا كلام الجهل، كلام الشيطان، كلام الشرود، كلام الحمق، كلام الغباء، ماذا تدفش؟ الذي خلقك بحكمة بالغة، خلقك كي تكون له، كي تعرفه، وتقبل عليه .
يجب أن نوطن أنفسنا: أنه يوجد مشكلات، المشكلة هي دافع لك إلى الله، هذا الكلب لما نبح على الطفل؟ الحكمة: أن يعود الطفل إلى يد أمه, كي يأكل، ويشبع، ويرتوي، ويأمن، ويسعد، وتحقق كل مصالحه .
الهدف من هذه الشكاوى التي تطرق باب الإنسان وتؤلمه :
أيها الأخوة, في رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم، كتاب الدعوات، وما اخترت هذا الباب, إلا لشعوري: أن شكاوى كثيرة جداً, قد يشتكي العبد منها؛ يشتكي من قلة الرزق، يشتكي من عدم وجود عمل يعمل به، يشتكي من شقاق زوجي, يشتكي من مرض، قد يشتكي من سوء معاملة, هذه كلها محرضات، هذه كلها تدفعك إلى باب الله عز وجل, لكن يجب أن تعلم أنك بالدعاء أقوى إنسان, لأن خالق الكون معك .
ربك بانتظارك :

أيها الأخوة, هل تقبلون أن يكون كلام الله عز وجل لا معنى له؟ مستحيل, كلام خالق السموات والأرض, يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، هو ينتظرك، ينتظر أن تدعوه، والله عشرات بل مئات الأخوة الكرام, حدثوني عن بعض تجاربهم في هذا الموضوع، وقع في ضائقة شديدة, فلما دعا الله مخلصاً, كشف الله، وقع في يأس من الناس, فلما عقد الأمل على الله, أنقذه الله عز وجل، لعل الله عز وجل له سياسة حكيمة، يغلق أمامك أبواب الأرض باباً بَاباً، متعلق بإنسان ينسحب من وعده، متعلق بإنسان يتخلى عنك، متعلق بإنسان يدعمك ينسحب، متعلق بإنسان ينقذك يختفي، هذه أبواب أنت ظننتها مفتوحة, أغلقها الله أمامك، وفتح لك بابه .
ما هو المطلوب منك؟ :

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]

يعني: يا أيها الأخ, يجب أن تعود نفسك, أن تكون مع الله بالدعاء دائماً؛ قبل أن تقدم على عمل، قبل أن تقابل إنسانًا، قبل أن توقع عقدًا، قبل أن تشتري، قبل أن تبيع، قبل أن تنشر الحق . ((يا رب, إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وعلمك وقوتك))
مثال يجر وراءه كلام عميق :

أيها الأخوة, كنت أضرب مثلاً طريفًا: إذا كان الإنسان في أيام الشتاء الباردة, يرتدي قميصًا, ورداء, ومعطفًا، والأكمام ضيقة، ويحمل حاجات في يديه الاثنتين، وقال له طفل: يا عم, كم الساعة؟ يضطر أن يضع الحاجات على الأرض، ويزيح أول كم، والمعطف، والرداء، ويقول له: الساعة السابعة، طفل سألك سؤالاً، وأنت تستحي ألاّ تجيبه ، وأنت حينما تدعو الله عز وجل, تسأل خالق الأكوان، تسأل الذي يقول لك: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
((من لا يدعني أغضب عليه))
((إن الله يحب الملحين بالدعاء))
((إن الله يحب من عبده, أن يسأله شسع نعله إذا انقطع))
((إن الله يحب من العبد, أن يسأله ملح طعامه))

إن الله يحب من العبد, أن يسأله حاجته كلها .
﴿وقال ربكم ادعوني أستجب﴾
فعل الطلب وجواب الطلب: ادعوني أستجب .

كلمة سمعتها :

أيها الأخوة, يوجد كلمة سمعتها, أعجبتني كثيراً: الدعاء يقوي العقيدة, أنت معتقد أن الله موجود، والله سميع، وبصير, وقدير، ورحيم, واقع في مشكلة كبيرة, ليس لها حل، وتوهمت أن الحلول كلها مغلقة, فالتجأت إلى الله عز وجل، فإذا هذه العقدة قد حلت، الأمر تيسر, العقبة زالت، الصارف أغلق، الحاجة أصبحت بين يديك، ماذا تشعر؟ أن الله سمع دعاءك, واستجاب لك، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
من شروط الدعاء :

وفي آية أخرى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 55]

الدعاء أهم شرطيه: التضرع الحقيقي، والأدب مع الله في الدعاء بصوت منخفض، لا بصوت مرتفع، إنك لا تخاطب أصمَّ، بل إن بعض الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 3]
يمكن أن تكون في أزمة، ويمكن ألاّ تقدر على أن تحرك شفتيك، تقول بقلبك: يا رب, ليس لي إلا أنت، يا رب أنقذني .
قصة لها مدلولها :

يروى أن الحسن البصري, له موقف، أدى رسالة العلماء بإنكار المنكر في عهد الحجاج، فلما بلغ الحجاج أنه أنكر هذا المنكر, غضب غضباً شديداً، وقال لمن حوله: ((والله يا جبناء لأروينكم من دمه، وأمر بقتله، -وقتل الإنسان عند الحجاج, شيء يسير جداً-, وجيء بالسياف، ومد النطع، وطلب الحسن البصري ليقتل .
دخل الحسن البصري لمجلس الحجاج، رأى السياف جاهزًا، والنطع ممدودًا، لئلا يصاب، ويتلوث الفرش بدم المقتول، حرك الحسن البصري شفتيه، لم يفهم منهم أحد شيئًا، فإذا بالحجاج يقف له, ويقول: أهلاً بأبي سعيد، وما زال يقربه حتى أجلسه إلى جنبه على سريره، قال: يا أبا سعيد, أنت سيد العلماء، واستفتاه في موضوع، وأكرمه، وقيل: عطره، وشيعه إلى باب القصر، السياف قال: لماذا جيء به؟ جيء به ليقطع رأسه، تبعه الحاجب وقال: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت لربك؟! قال: قلت لربي: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم))
الله معك دائماً، قال تعالى:
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[سورة طه الآية: 45-46]
الله معك، أنت حينما تعلم: أن الله معك, وأن الأمر كله بيد الله, وحينما تسأل الله السلامة والنجاة ينجيك .
إذا ضاق بك الأمر التجىء إلى الله :
مرةً ثانية: لكثرة ما ترفع شكاوى ومشكلات، ضيق في الأرزاق، شح في المياه، ندرة في الأعمال .
أقول لأخوتي الكرام: ليس لنا إلا الله، ولعل الله عز وجل يسوقنا إلى ذلك، يدفعنا إلى أن نعبده عبادةً صادقة، يدفعنا إلى أن يسمع صوتنا، يدفعنا إلى صلاة حارة، الدعاء يرفع مستوى الصلاة، الصلاة هي دعاء, قال تعالى:
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 55]
تضرع إلى الله .

اعتقد هذا الاعتقاد :
أقول لكم هذه الحقيقة: دمشق وما حولها, نسب الأمطار لم تزد على الثلث، مئتين وعشرين ميليمترًا، والشيء الواضح جداً: أن أكثر الآبار جفت الآن، يوجد مناطق لا تشرب إلا بالصهاريج .
أنا أعتقد اعتقاداً جازماً: لو أن أهل هذه البلدة بكبرائها وعامتها, خرجوا إلى صعيد واسع، وتضرعوا إلى الله عز وجل، والله لنزل عليهم من الأمطار ما لا يصدق، قال تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
[سورة الحجر الآية: 21]

أمطار دمشق كلها في العام مئتان وعشرون ميليمترًا، مئتان واثنا عشر، في رأس الخيمة من سنتين, نزل في ليلة واحدة مئتان وخمسون ميليمترًا، أمطار السنة كلها يمكن أن تهطل في ليلة واحدة, قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
[سورة الحجر الآية: 21]
لكن من ضعف اعتقاد الناس: انصرفوا عن صلاة الاستسقاء، هذه صلاة ينبغي أن تقام, من أجل أن تقوى عقيدتنا بالله عز وجل، من أجل أن تقوى عقيدتنا بالله، الله موجود, والأمر كله بيد الله عز وجل .
متى يستجاب الدعاء, ومتى لا يستجاب؟ وهل يعد مستجاب الدعاء من المراتب العليا في الإيمان؟:
قال تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 55]
يعني: لا يستجيب لهؤلاء الذين يعتدون على أخوانهم، من هو الذي يستجاب دعاؤه؟ هو المستقيم، الوقاف عند حدود الله، المحسن الورع، هذا مستجاب الدعوة، مرتبة عالية جداً، كيف نقول نحن في الحياة العلمية: فلان يحمل دكتوراه، دكتوراه دولة أرقى، فلان له ثلاثمئة مؤلف، فلان يحتل أعظم منصب بالجامعة، هذه مرتبة، ومن مراتب الإيمان العالية: أن تكون مستجاب الدعوة .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ, كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ, وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))
هذه مرتبة عالية, أن تكون مستجاب الدعاء، لا يكون المرء مستجاب الدعاء, إلا إذا كان مستقيماً على أمر الله، إذا كان مستقيماً, كان مستجاب الدعاء، وإن لم يكن كذلك, لم يكن مستجاب الدعاء .
قال بعضهم:
((﴿إنه لا يحب المعتدين﴾إذا اعتدى على شروط الدعاء))
؛ أي دعا بقلب ساه لاه، أو دعا بصوت مرتفع، اعتدى على شروط الدعاء، أو اعتدى على أخوانه, فقد رتبة الدعاء المستجاب .
إلى ماذا تصحبنا هذه الآيات؟ وما هي موضع الشاهد فيها؟ وما مرادها ؟

قال تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
أقرب إلينا من حبل الوريد، إذا كان مثلاً جهاز كهربائي, أقرب شيء له الكهرباء، التي تسري في ثنايا هذا الجهاز، هل يوجد شيء أقرب من هذا الجهاز من الكهرباء التي يعمل بها؟ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، من حبل الحياة .
بالمناسبة: أكثر من عشر آيات, هذه الآيات تبين، قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾
[سورة البقرة الآية: 189]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
بين السؤال والجواب, في كلمة: قل دائماً، إلا في هذه الآية:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
لا يوجد قل لهم: إني قريب، هذه إشارة إلى أنه ليس بين الله وبين عبده واسطة، ادعُ الله أينما كنت .

الدليل على موضع الشاهد :

أكبر دليل وأكبر مثل رائع: هذا النبي الكريم, الذي كان في بطن الحوت، إنسان فجأةً يجد نفسه في بطن الحوت، الأمل صفر، التقمه الحوت، وغاص به إلى أعماق البحر, لا يوجد الأمل, يتصل به، لا يوجد معه خلوي، انتهى سيدنا يونس، نادى في الظلمات، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، قال تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 87-88]
لكن والله أيها الأخوة, أقرأ هذه الآية ألف مرة, لا أرتوي منها، هناك تعقيب قلَب هذه القصة إلى قانون، قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
في أي زمان، وفي أي مكان، وفي أي ظرف، في البر والبحر والجو، وفي ضيق الدنيا وسعتها، وفي الصحة والمرض، والقوة والضعف, قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
هذا كلام خالق الكون, هذا كلام رب العالمين .

أمنية نابعة من قلب صادق ومحب
أيها الأخوة، أتمنى عليكم أن تكونوا مع الله دائماً, في الدعاء؛ قبل أن تسافر، قبل أن تفعل شيئاً، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تعقد، قبل أن توقع، ادع الله، قوة الله بين يديك، علم الله بين يديك، رحمة الله بين يديك، لطف الله بين يديك، إن كنت مؤمناً بالله, يجب أن تدعوه ليلاً ونهاراً، وكلما دعوته في موضوع واستجاب لك, قويت عقيدتك به، الأمر بيده .
ثمة كتاب في الأسواق، امرأة مدرسة في المغرب، درست في فرنسا ولها زوج، أصيبت بمرض عضال، وأخبرها الطبيب أنه بقي لها أسابيع، أرادت أن تعتمر قبل أن تموت، فذهبت إلى بيت الله الحرام، وطافت ثمانية عشر شوطاً، وهي تبكي، وتدعو، وشربت من ماء زمزم، والله عز وجل استجاب لها، وأزاح عنها كابوس هذا المرض العضال، وكتبت قصةً في هذا الموضوع .
هناك قصص كثيرة جداً؛ مهما يكن الأمر مستعصياً، الله بيده الحل لكل شيء، حينما تؤمن أن الله على كل شيء قدير, انتهى الأمر .
ما استثناه العلماء من شروط الدعاء :
أيها الأخوة, لكن العلماء لهم استثناءات، هناك رجلان مستثنيان من شروط الدعاء : المضطر والمظلوم، المضطر مستثنى من شروط الدعاء، لا بحسب حال الداعي، فقد يكون غير مستقيم، ولكن بحسب عدل الله عز وجل، هذا المظلوم، والمضطر لا بحسب حال الداعي, قد يكون غير مستقيم، ولكن بحسب رحمة الله عز وجل: يستجيب للمضطر، ويستجيب للمظلوم .
عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ, وَإِنْ كَانَ كَافِرًا, فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ))
قال تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أﺇله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة النمل الآية: 62]
لا بد من أنك قد خضت هذه التجربة :
أيها الأخوة, القصص في هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى، وأنا متأكد أنه: ما من أحد إلا وله مع الله تجربة في هذا الموضوع، وقع في أزمة، في مشكلة، لم يجد إلا الدعاء ، الله عز وجل يريدك أن تدع أبواب الأرض، وأن تطرق أبواب السماء، يريدك أن تيأس مما في أيدي الخلق، وأن تعقد الأمل إلى ما عند الله عز وجل، الله عز وجل يريدك أن تسأله بحرارة، يحب أن يسمع صوتك .
وقد ورد في الأثر:
((أن الله يحب أن يسمع صوت عبده المؤمن))
ما يتميز به الأنبياء على المؤمنين :
أيها الأخوة, الأنبياء على درجة عالية من الصدق، حيث هم في الرخاء مع الله دائماً، المؤمنون لهم وضع آخر؛ ما دام في الرخاء، ولا يوجد أي مشكلة, تفتر عبادتهم، تبرد مناجاتهم، وتصير أعمالهم كلها شكلية، حتى ربنا يعطي لعبادتهم حرارة، يعطي لاتصالهم بالله حيوية، يعطيهم مشكلة, ليس له إلا الله عز وجل .
لا تنسوا هذا الحديث:
((كان عليه الصلاة والسلام: إذا حزبه أمر, بادر إلى الصلاة))
ما المقصود من الدعاء؟ :

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, سمعت النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((إن الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثم قرأ: ﴿وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾))
[أخرجه ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]

محصلة المحصلة: إذا كنت عابداً لله, فأنت معه بالدعاء، وقال بعض العلماء: والذين هم على صلاتهم دائمون, -الإنسان يأكل, ويشرب، ويعمل، ويسافر-, كيف يدوم على صلاته؟ قالوا: هنا الصلاة هي الدعاء، يوجد دعاء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
لم يقل: عن دعائي، قال: عن عبادتي، معنى هذا: أن الدعاء هو العبادة .
استنبط النبي عليه الصلاة والسلام: أن الدعاء هو العبادة .
أؤكد لكم: أن الله يريد أن يسمع صوتكم، ويريد أن تكون مناجاتكم له حارة، ودعاؤكم له صادق، لذلك: قد يسوق بعض المشكلات .

ما يستحبه النبي من الدعاء :

عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ, وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
مثلاً: قوله تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة البقرة الآية: 201]
جمعت خيري الدنيا والآخرة .
((اللهم أنا بك وإليك))
من أدعية النبي:
((أنا بك -أي قائم بك- وإليك))
أنت المقصود .
((اللهم ارزقني طيباً, واستعملني صالحاً))
((اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله عوناً لي فيما تحب))
أحب أن أكون غنياً، ولقد جعلتني غنياً, يا رب فاجعل هذا المال في طاعتك ودعماً للحق، وفي سبل البر والتقوى .
أحب أن أكون متزوجاً، يا رب اجعل هذا الزواج لوجهك، اجعله زواجاً إسلامياً، اجعله زواجاً خيراً .
أنا أحب أن أكون ذا شأن أمام الناس، يا رب اجعل هذا الشأن خدمةً للحق لا لحظوظ النفس .
((اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب, فاجعله فراغاً لي فيما تحب))
كلام هام :
مرة في درس من الدروس قلت: إن الإنسان الموفق, هو الذي يكتشف الإيجابيات في السلبيات, كيف؟ .
يعني: طريق كله حفر, له ميزة في هذا الطريق, لا تنام أبداً، أما الطريق المستوى المستقيم بأعلى درجة, فيه خطر النوم، فإذا نام الإنسان في هذا الطريق -هذه قد تكون دعابة-, الطريق الوعر تبقى فيه يقظاً, وهذه ناحية إيجابية بالطريق الوعر، قد ترتفع الأسعار في شيء, لو أكثرت منه, لأضر جسمك، فارتفاع الأسعار, هذه إيجابية في السلبيات مثلاً .
قال لي أحدهم: الزوجة السيئة ما هي إيجابياتها؟ قلت له: هي التي دفعتك إلى المسجد, يوجد إنسان أيام يتزوج, ينسى كل شيء, يوجد إنسان يتزوج امرأة متوسطة بكل شيء متوسطة، يبقى مع الله, وفي المسجد، والأعمال الصالحة، دائماً الإنسان: يجب أن يكتشف الإيجابيات في السلبيات .
لو أن الدنيا جاءت كما تتمنى تماماً, لنسيت الله عز وجل، طبعاً المؤمن ساعة وساعة، الأنبياء شيء آخر، أما المؤمنون ساعة وساعة، لو أن الدنيا جاءتهم كما يتمنون تماماً, اطمأنوا لها, وكرهوا لقاء الله عز وجل، أنت في مبرمج أن تكون لله, فإذا رآك الله قد خلدت إلى غيره, أقلقك ونغص عليك هذا الركون .
من جوامع الدعاء :

عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ, وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ))
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ ابن مسعود, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كَانَ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى, وَالتُّقَى, وَالْعَفَافَ, وَالْغِنَى))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ, عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ, ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي, وَارْحَمْنِي, وَاهْدِنِي, وَعَافِنِي, وَارْزُقْنِي))
إن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك .

صحح مفهومك :

أنا أحب الإنسان, لا يقلل من شيء, الله عظمه, الله عز وجل جعل الدعاء أحد أكبر مراتب الإيمان، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
ترى شخصًا قلما يدعو الله عز وجل، كأن الشيء ليس قانعًا به، أو كأنه يرى هذا الشيء, لا يحل بالدعاء، ولو كان مرضًا عضالاً، ولو كان مرضًا ميؤوسًا منه .
في حياتي عدة قصص؛ أعرف أصدقاء أصيبوا بمرض, لا يوجد أمل بالمليون واحد, أن يشفى صاحبه منه، والعملية تكلف ثمن بيته، والأطباء أجمعوا من الدرجة الخامسة، وأخذوا خزعات، وذهبت التحليل إلى بلاد الغرب، ثم تراجع هذا المرض بفضل الدعاء شيئاً فشيئاً، وهذه القصة من عشرين سنة، والآن: هذا الإنسان بأتم صحته .
حينما تتوهم أن شيء بالدعاء لا يحل, فأنت لا تعرف الله، حينما تتوهم أن شيئاً من الأشياء لا يحل بالدعاء، تراه يحل بالدعاء، قال تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
من دعاء سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام :
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما, قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ, صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
سيدنا يوسف, له دعاء رائع جداً, قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فإذا قال الإنسان: يا رب, قن من فتنة النساء، دخل في حصن الله عز وجل، قال تعالى:
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾
[سورة النساء الآية: 76]
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
[سورة يوسف الآية: 28]
فالإنسان يجب أن يعتصم بالله عز وجل .

دعاء ضروري :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ, وَدَرَكِ الشَّقَاءِ, وَسُوءِ الْقَضَاءِ, وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
الحقيقة: أن يشمت بك عدو, شيء لا يحتمل .
أنا أدعو على المنبر كل أسبوع: اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك .
مهما تذللت إليه بالليل، مهما مرغت جبهتك في أعتابه .

متى يعزك الله, ومتى يذلك الله؟ :

نور الدين الزنكي الذي قهر الغزاة, سجد وقال: ((يا رب, من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك))
مهما تذللت له, رفعك الله، وأعزك الله، ونصرك الله، وكرمك الله، ورفع شأنك، ومهما استكبرت عن أن تدعوه, أذلك الله، مع الله لا يوجد كبر, في تذلل، أن تكون عزيزاً أمام الناس، على قدر ما تستطيع كن عزيزاً, لا يوجد مانع، قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
لكن مع الله لا يوجد كبر، يوجد تذلل، حب، خضوع .
دعاء ادعوه دائماً: اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء, ومن السلب بعد العطاء .
السلب بعد العطاء, شيء صعب جداً .


من أدعية النبي :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي, وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي, وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي, وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ, وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

ويوجد دعاء أيضاً جامع مانع: ((قل اللهم اهدن واهد بي))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
يعني: اجعلني هادياً مهدياً .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ, وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ, وَالْبُخْلِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِي اللَّه عَنْه, أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي, قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا, وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ, فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ, وَارْحَمْنِي, إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه, أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, كان يدعو بهذا الدُّعَاءِ: ((اللَّهمَّ ربِّ اغْفِر لي خَطِيئَتي وجَهلي، وإسرَافي في أمري، وما أَنت أَعلم به مني، اللَّهمَّ اغْفِر لي جِدِّي وهَزْلي، وخَطَئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي، اللَّهمَّ اغْفِر لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسْرَرتُ وما أَعلنتُ، وما أنْتَ أعْلَمُ به مني، أنتَ الْمُقَدِّمُ، وأنت المُؤخِّرُ، وَأَنتَ على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
كل إنسان في بحبوحة، بصحة جيدة، فجأةً يأتي مرض عضال, يعمل تحليل, مرض عضال، فجأةً يفتقر, الدعاء هنا:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
((كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ, وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ, وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ, وَجَمِيعِ سَخَطِكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما, أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((اللَّهمَّ إِني أَعُوذُ بك من قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ودعاءٍ لا يُسمعُ، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن علمٍ لا يَنفَع، أعُوذ بك من هؤلاء الأربع))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما]
إنسان قضى حياته كلها في المسرح، في الشعر، شعر ممتع وجميل، وهو شاب، في خريف العمر, اقترب من القبر، رأى الشعر لا يساوي شيئًا في الآخرة، عنده شعر جيد، ومداعبات شعرية، أغراض شعرية، وكان يزين المجالس، ولكن ليس لها وزن في الآخرة إطلاقاً، اعمل عملاً له وزن عند الله، يوجد أعمال كثيرة, ليس لها وزن عند الله.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ, وَمِنْ دُعَاءٍ لا يُسْمَعُ, وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ, وَمِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ, أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاءِ الأَرْبَعِ))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما, وأحمد في مسنده]

عَنْ طاووس, سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا, قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ, قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ قيوم السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ, لَكَ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ مَلِكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ, وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ الْحَقُّ, وَوَعْدُكَ الْحَقُّ, وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ, وَقَوْلُكَ حَقٌّ, وَالْجَنَّةُ حَقٌّ, وَالنَّارُ حَقٌّ, وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ, وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ, وَالسَّاعَةُ حَقٌّ, اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ, فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ))
بعض الأخوة الكرام, يذهب إلى العمرة أو الحج, يمسك كتابًا ويدعو، إذا أمسك الإنسان كتابًا وقرأ, فَقدَ حرارة الدعاء .
أنا أتمنى على الإنسان, أن يدعو من عنده، يحاول أن يقرأ أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، يحاول أن يقتني كتابًا من أدعية النبي الصحيحة, يقرأه كثيراً، قد يحفظ معظم الكتاب .
فهناك حالات, لا يناسب أبداً أن يمسك دفترًا, إذا قرأ الإنسان كتب الدعاء الصحيح، أدعية النبي الصحيحة, في أي كتاب وحفظها, صار عنده ذخيرة من الدعاء النبوي الصحيح, من جوامع الدعاء، فإذا وقع في أزمة, حافظ أدعية كثيرة, يدعو بقلب خاشع .
عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, عَلِّمْنِي دُعَاءً أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ عَافِنِي مِنْ شَرِّ سَمْعِي, وَبَصَرِي, وَلِسَانِي, وَقَلْبِي, وَشَرِّ مَنِيِّي, يَعْنِي: ذَكَرَهُ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ, فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ, فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ))
[أخرجه أبو داود في سننه]

أن يكون حولك إنسان خائن، أو إنسان يحس بآلام الجوع, يتعطل عمله كله . ((كاد الفقر أن يكون كفراً))
من أجمل الأدعية: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, أَن مُكاتَبا جاءه، فقال:
((إني عجزتُ عن مُكاتَبَتي فَأَعِنِّي، قال: أَلا أُعَلِّمُك كلماتٍ عَلَّمَنيهنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مِثلُ جبل صَبيرٍ دَينا أَدَّاهُ عنك؟ قال: قل اللَّهمَّ اكفِني بحلالك عن حرامك، وأغْنِني بفضلك عمن سواك))
[أخرجه الترمذي في سننه]

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ, وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي, وَأَهْلِي, وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ماذا تعني كلمة: يا ذا الجلال والإكرام في هذا الحديث؟ :

يوجد دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ بن عباد, قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
يوجد في شخص تحترمه، ولكن لا تحبه، متفوق في اختصاصه، وشخص ودود تحبه، لكن محدود التفكير، لا تحترمه، قد تحبه ولا تحترمه، وقد تحترمه ولا تحبه، ولكن عظمة الله عز وجل, أنه بالقدر التي تجله, بالقدر التي تحبه .
الآن: بكل حياة الإنسان, قد يكون يصل إلى ثقافة عالية جداً، له أب، والأب غال جداً، لكن أباه لم يدرس، وتفكيره محدود، آراؤه مضحكة، علاقته بأبيه علاقة حب، وليس علاقة إكبار، وإنسان له أستاذ في الجامعة, من فلتات الزمان بالذكاء والتفوق، ولكنه لئيم مثلاً، يقدره ولكن لا يحبه، يحبه ولكن لا يقدره.
كلمة يا ذا الجلال والإكرام تعني: بقدر ما تعظم الله عز وجل بقدر ما تحبه، بقدر ما له صفات الجلال، والعظمة، والقوة، وصفات الرحمة، واللطف، والعطف، والحب .
والحمد لله رب العالمين