المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ((الفقه الإسلامي)) العلاقات الاسرية


سوسن
05-10-2011, 10:06 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الطلاق - الدرس ( 1 - 4 ) : مقدمة عن الطلاق - متى يكون واجباً ، محرماً ، مباحاً ، منودباً .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-13
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... تعودتم في هذا الدرس أن تطرح فيه الموضوعات التي نحن جميعاً في أمسِّ الحاجة إليها، والحقيقة كيف أعرف أنا الموضوعات التي أنتم في أمس الحاجة إليها ؟ هناك طريقةٌ تعرف بها هذه الموضوعات، عددُ الإخوة الأكارم الذين يسألونني في موضوعٍ واحد، فكل عشرة إخوةٍ كرام يطرحون علي أسئلةً فقهيةً، نصفهم أو أكثر في موضوع الطلاق، لأن كل إنسانٍ لا بد له من زوجة، ولا بد في العلاقة الزوجية من مشادات أحياناً فحينما يتصرَّف الزوج في هذه المشاحنة، تصرفاً ينقله إلى دائرة الطلاق، عندئذٍ تقع المشكلة الكبيرة التي لا حل لها.
والشيء المؤسف أن إخوةً كرام من طلاب العلم الشرعي، من روَّاد المساجد، في حالة في غضبهم يطلِّقون، فإذا طلقوا صاروا تحت رحمة المفتين، وتحت رحمة من يسألونهم فتارةً يسألونهم، وتارةً يصدقونهم، وتارةً يشككون في فتاويهم، على كلٍ هذا الذي يطلِّق من دون أسبابٍ جوهريةٍ، دخل في منطقة الشك، وحالة الشك حالةٌ صعبةٌ جداً، هذا الكلام لمن ؟ أولاً للمتزوجين، فلمن وقع في مثل هذه الحالات علاجاً، ولمن لم يقع وقايةً، ولمن لم يتزوج تعليماً، الأخ الشاب الذي لم يتزوج تعليم، والذي تزوج وقاية، والذي وقع علاج.
الشيء الثابت أن عدد الذين يطرحون علي أسئلةً في موضوع الطلاق كثيرون جداً من دون شك، وعدد الذين يطرحون علي سؤال الطلاق من بين رواد العلم، وطلاَّب العلم أيضاً كثيرون، معنى ذلك هذا مقياسٌ أعرف به أن موضوع الطلاق من أدق الموضوعات التي نحن في أمس الحاجة إلى معرفتها.
فضلاً عن أن الإنسان أحياناً، حينما يتطلع على دقائق الشرع، لو لم يكن محتاجاً لهذا الحكم، إن دقائق الشرع وحدها وفي حد ذاتها يمكن أن تكون طريقاً له لمعرفة الله عزَّ وجل فأحكام الشرع لها وظيفتان ؛ وظيفةٌ تطبيقية، ووظيفةٌ تعريفية، فأحكام الشرع تعرفنا بربنا وأحكام الشرع تفيدنا في حياتنا.
من بديهيات الأمور، أنه عندما يصل الإنسان إلى شيءٍ ثمين، هناك مهمةٌ لا تقل خطورةً عن مهمة الوصول إليه، أنا حينما أصل إلى منصب، إلى أن وصلت بذلت جهداً كثيراً لكن بعد أن أصل هناك جهدٌ من نوعٍ آخر، ما هو هذا الجهد ؟ الحفاظ عليه، أنا حينما أنتصر في الحرب، بذلت جهداً كثيراً، ولكن حينما أنتصر هناك جهدٌ آخر، أن أحافظ على هذا النصر قياساً على هذا، أنا حينما أسعى، وأكد، وأتعب كي أصل إلى زوجة، والزوجة من نعم الله على الإنسان في الدنيا.
(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
( سنن النسائي )
فالزوجة نعمة، فمن الكفر بالنعمة عدم المحافظة عليها، ومن عدم المحافظة عليها أن يوقع الإنسان يمين الطلاق لسببٍ وجيه أو لغير وجيه، هذا الذي يطلق لأتفه الأسباب، هذا يكفر بنعمة الله عليه، كانت حلالاً له فأصبحت حراماً عليه، كانت حلالاً له وهو مطمئن فأصبحت حلالاً وهو متشكك، هذا رأي فلان، لكن فلان قال لي: طلقت.
فأنا لا أرى أشد عذاباً من إنسان تورَّط في يمين طلاق، وصار موزعاً مشتتاً بين المفتين، المتشددون طلقت فوراً مع السلامة، لا تغلِّب نفسك، والمتساهلون، يا أخي من أين جاؤوا بهذا المذهب، إذا تساهلوا العلماء معه يشك في فتواهم، وإذا تشددوا يضيق منهم، والله شيء يحير، أليس من الأولى أن تبتعد عن هذه المنطقة كلها ‍؟! أليس من الأولى أن تعيش ناعم البال ؟! أليس من الأولى أن تعالج قضايا الزوجية في أية طريقةٍ إلا موضوع الطلاق !.
إذاً نحن في أمس الحاجة لهذا الموضوع، أنا كلما رأيت أخاً راجح العقل، رأيته يبتعد عن موضوع الطلاق، يبتعد عن أن يعالج امرأته بأسلوب الطلاق، هناك آلاف المعالجات ؛ لك أن تعظ، لك أن تبيِّن، لك أن تهجر، لك أن تُعَنِّف، لك أن تتغافل، لك أن تُكْرم، لك أن تعرض، استخدم أي طريق إلا طريق الطلاق، لأن هذا الطريق نتائجه ليست في صالحك وليست مريحةٌ.
الطلاق أيها الإخوة... مأخوذٌ من الإطلاق، أطلق صراحه، الطلاق مأخوذٌ من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، معناها المرأة مقيدةٌ بك، محبوسةٌ من أجلك، مرتبطةٌ بك، فإذا طلَّقتها فقد أرسلتها، وتركتها، تقول: أطلقت الأسير، إذا حللت قيده وأرسلته، وفي الشرع حلُّ رابطة الزواج، وإنهاء العلاقة الزوجية، أنا لا أبالغ حينما أقول إن أقدس عقدٍ في الحياة الإنسانية، هو عقد الزواج، وليس هذا من عندي، ولكن هذا من القرآن الكريم، فالله جلَّ جلاله يقول، في سورة النساء، في الآية الواحدة والعشرين:

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)﴾
( سورة النساء )
هذا الميثاق الغليظ هو عقد الزواج، ميثاق غليظ، فقد أفضى بعضكم إلى بعض يرى الزوج من زوجته ما لا يستطيع أحدٌ على وجه الأرض أن يراه منها، وترى منه ما لا تستطيع امرأةٌ على وجه الأرض أن ترى منه.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)﴾
( سورة النساء )
هذا عقدٌ مقدس، ومن لوازم قدسيته، المحافظة عليه، ومن لوازم قدسيته أنه يجب أن يكون على التأبيد، لا يصحُّ عقد الزواج إلا إذا كان على التأبيد، هذا رأي الإمام الأوزاعي: " إن لم يكن عقد الزواج على التأبيد فهو باطل ".
زواج، وإنجاب أولاد، شريكة حياة، تربية أولاد، مستقبل أولاد، أنت الآن ستكون سبب لإنجاب مخلوق من بني البشر، إنسان أكرم مخلوقٍ على الله، فإذا لم تحسن اختيار الزوجة، وأنجبت مولوداً ثم طلَّقت أمه، فضاع بين أمه وأبيه، ضاع بين أمه المطلَّقة وأبيه المبغض، فشوهت شخصيته، وحطمت مكانته، وشعر بالضياع، فأنت السبب.
فقد سألني البارحة أخ وكان مضمون السؤال: أنه عنده زوجة وهي جيدة جداً، لكنها لا تعامل ابنته التي من غيرها كما تعامل الأم ابنها، قلت له: هذا هو الشيء الطبيعي، هذا الذي تفعلّه زوجتك مع ابنتك التي من غيرها شيء طبيعي، ليست ابنتها، قلت له فيما أذكر: هذه هي أحد سلبيات الطلاق، حينما تطلِّق فهذه الفتاة الوديعة، سوف تعيش مع امرأةٍ ليست أمها، كلُّ العواطف كلُّ المحبة ليست موجودة عند هذه المرأة.
فلذلك إن لم يكن عقد الزواج على التأبيد، فهو عند الإمام الأوزاعي عقدٌ باطل على التأبيد، لك أن تطلق، ولكن بعد أن بدا لك شيءٌ جديد، أما حينما تعقد عقد الزواج، إن أردت أن تعقد هذا العقد وفي نيتك أن تطلق، لا تنجو من عذاب الله، لكن تنجو من البشر العلامات كلّها صحيحة، ماذا يفعل القاضي معك ؟ جئت القاضي وقلت: تزوجت فلانة، وقبلت وهي قبلت بك زوجاً، فتوافر الإيجاب والقبول ووليٌ وشاهدا عدلٍ، هذه هي أركان عقد الزواج أما من الذي يتطلع على قلب الإنسان ؟ الله جلَّ جلاله، لذلك الفقهاء يحكمون على ذلك العقد بأنه صحيح، ولو أنك تنوي التوقيت، هذا لا يعلمه الفقهاء، ولا يعلمه القاضي الشرعي، ولكن الله يعلمه _، الله وحده_ يعلم ما إذا كنت ناوياً التأبيد، أم ناوياً التوقيت، على كلٍ أن أميل إلى رأي الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، في أن كلَّ عقد زواجٍ لا يُلمح فيه التأبيد فهو عقدٌ باطل، لماذا ؟ لأنه أقدس عقدٍ في الحياة الإنسانية، عقد اقتران رجل بإمرأة لإنجاب أولاد، من يربيهم ؟ من يعنى بهم ؟ من يهتم بشؤونهم ؟ في شيء هذه الزوجة تمر بأطوار، في الطور الأول مقبولة جداً ومرغوبة جداً، أما هناك طور آخر كما قالت هذه المرأة التي اشتكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت قد اشتكت إلى الله، وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، اشتكت وقالت:

(( إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهلٍ ومال، فلما كبرت سني، ونثر بطني وتفرَّق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت عليَّ كظهر أمي. ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وضممتهم إليَّ جاعوا. ))
فبكى النبي عليه الصلاة والسلام، هذه وهي شابة مرغوب فيها، بعد أن استمتعت بشبابها تطلّقها وقد زوى جمالها، الآن أصبحت أم أولاد، أصبح لها مكانة أخرى في الأسرة ؛ مكانة الموجهة، مكانة المرأة الحكيمة، المرأة الحصيفة، توجِّه بناتها، تهديهم، ترعاهم، فلذلك أنا وقفت هذه الوقفة، لأبين لكم أن عقد الزواج يجب أن يكون على التأبيد.
الآن أي سلوكٍ من شأنه أن يفصم هذه العلاقة أو أن يباعد بين الزوجين، أو أن يفرِّق بينهما، أو أن يلقي بينهما العداوة والبغضاء ؟ أي سلوك ؟ هذا سلوك محرم في الإسلام ما الدليل ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ ))
(رواه أبو داود )
معنى خبب أي أفسد، وهذا الحديث وحده أيها الإخوة يمكن أن تنعقد عليه مجلدات، آلاف الكلمات، آلاف التعليقات، آلاف المواقف، آلاف الإستفهامات، يمكن أن تفسد العلاقة بين الزوج وزوجته، وأنتم لا يخفى عليكم ذلك.
أي إذا قالت لها واحدة خبيثة شيطانة: والله يليق فيك واحد أحسن من هذا، ماذا قلنا؟ هذه الزوجة كانت غافلة، والله أنا مرغوبة، وهذا الذي أنا تزوجته غير راكز، أصبح في إعراض، أو يقول أحد للزوج ولتكن أمه أحياناً: يا ربي ما أكثر خلقك، اتركها هذه وسنخطب لك أجمل منها. أي سلوكٍ يفعله رجلٌ أو امرأةٍ من شأنه أن يفسد زوجةً على زوجها أو زوجاً على زوجته، هذا سلوك يبغضه الله عزَّ وجل، فانتبه إلى كثير من الكلمات والتعليقات والبيت صغير، يليق فيك واحد أحسن منه، يليق فيك واحدة أحسن منها، أي تعليقٍ شيطاني هذا الذي يقول هذا الكلام شيطانٌ ناطق، إبليس لعين، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منا من فرَّق ))
المؤمن دائماً يوفِّق، المؤمن على مستوى أخواته المتزوجات دائماً يمتِّن علاقتهم بأزواجهم، عن طريق ترغيب أخته بزوجها، يمتن علاقة زوجها بزوجته عن طريق ترغيبه بزوجته، النبي عليه الصلاة والسلام كان يحسِّن الحسن ويقبح القبيح، فالإنسان إذا زار ابنته أو زار أخته، أو زار امرأة من محارمه، قبل ما يتكلّم ويعلِّق يعد للمليون، لأنه الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، كان في مودة بينهما، كان في وئام، كان في سرور، كان في احترام متبادل، كان في رضا باليسير، كان في عش إسلامي كله سعادة، فلما جاءت هذه المرأة الخبيثة الشيطانة فألقت في أُذن هذه المرأة كلاماً حزنتها على حالتها، فلما جاء زوجها، نفرت منه، فلما نفرت منه، نفر منها، تلاسنا تصايحا، تشاتما، حلف يمين طلاق، هذا درس اليوم، ساعة غضب شيطاني حلف بالطلاق لأن عقد الزواج أقدس عقدٍ في الحياة الإسلامية، لأن عقد الزواج هو العقد الغليظ المُقدس، لذلك أية محاولةٍ لفصم هذه العلاقة، أية محاولةٍ لإضعاف هذه العلاقة، أية محاولةٍ لتحريك هذه العلاقة تحريكاً سلبياً، هذا التصرُّف مُحرمٌ في الشرع الإسلامي، لذلك ليس في الطلاق إلا هذا الحديث:

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاقُ ))
يعني طنجرة بُخار فيها صمَّام أمان، لئلا تنفجر، نستخدم هذا الصمام، لحالات نادرة لئلا تنفجر، لئلا تنفجر فتحرق من في البيت نستخدم هذا الصمام الذي هو الطلاق، أي حينما تغدو علاقة الرجل بامرأته علاقةً مستحيلة، علاقةً سيئة، حينما تغدو الحياة بينهما حياةً شقية، حينما لا يستطيع كلٌ منهما أن يعيش مع الآخر، حينما نخاف على الزوجين أن يفسدا، حينما نخشى عليهما الزنا، حينما نخشى عليهم التحوُّل عن طريق الإيمان، عندئذٍ يأتي الطلاق كصمام أمان لهذه العلاقة الزوجية، لذلك حينما طلب النبي عليه الصلاة والسلام من امرأةٍ أن تراجع زوجها، قالت له:
((يا رسول الله إني أكره الكفر بعد الإيمان، فلما قالت له ذلك، قال: إذاً طلّقها تطليقة وردي له الحديقة ))
هذه هي المخالعة، مادام أن تعيشي معه، وتقتربي من الكفر، والحياة لا تطاق، حياة مستحيلة، حياة متفجِّرة، كل يوم مشكلة، تنافر في الطباع شديد والوفاق مستحيل، عندئذٍ يأتي الطلاق كصمَّام أمان، يأتي الطلاق كحلٍ لا بدَّ منه، لكن هذا الحل أبغض الحلول إلى الله، لهذا حينما ذكر الله عزَّ وجل موضوع الصلح بين الزوجين قال:

﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
( سورة النساء: آية " 128 " )
وحينما ذكر الله عزَّ وجل أن ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها قال:

﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (35)﴾
( سورة النساء )
أي أن التوجه في موضوع التحكيم في الزواج توجه نحو المصالحة، لذلك من أفضل الأعمال أن يمكنك الله عزَّ وجل من أن توفِّق بين زوجين، من أن تصلح بين زوجين، أنا أقول الكلام لمن ؟ للشباب، أو الرجال الذين لهم أخوات متزواجات.
مرة شكى لي أخ فقال لي: كنت أشكو همي لأخي زوجتي، أتكلم له عن طباعها وعن تقصيرها، فقال لي: طلقها وأخلص منها، فهذا سكت دهراً ونطق كفراً.. سكت، وسكتْ وسكت وقال له: طلقها وارتاح منها، فهل هذا هو الحل ؟.
فكل واحد له أخوات بنات، ومن الأعمال الجليلة " أنا أقول كلام دقيق جداً " من الأعمال الجليلة أن يتفقد أخواته البنات، فإذا كان هناك مشكلة بينها وبين زوجها يصلح بينهما هو المؤهَّل، فهذه أخته وهذا صهره، هو المؤهل أن يصلح بينهما، فهذا الموقف: " يصطفلوا ما هذا العي ؟ لا أريد وجع رأسي، ينباعوا بالعزاء، هذا موقف المنافقين، هذا موقف أهل الدنيا، أما المؤمن يسعى للإصلاح بين الزوجين، ولا سيما إن كانت الزوجة أخته، من باب أولى، فكل إنسان عنده أخوات متزوجات، لماذا الزيارة ؟ زرها من حين إلى آخر، تفقد أحوالها اسألها عن زوجها، عن علاقتهم، إنشاء الله تكوني مسرورة، وفي وفاق، وفي مودة ؟.
لقد ذكر أخ لي قصة لا أنساها له، قال لي: مرة دخلت على أختي فوجدت خصومة بينها وبين زوجها، والخصومة على مبلغ ثلاثمئة ليرة في الشهر والقصة قديمة، فقام هذا الأخ بالتبرع بالمبلغ، فهي تريد مبلغ من راتبه للكسوة، وهو ليس معه، ودخله لا يكفي أكل، هي طالبة مبلغ، وهو رفض، ويظهر أنهم تصايحا وتلاسنا في وقت دخول هذا الأخ، فأراد حسماً لهذه المشكلة، قال لها: يا أختي هذا المبلغ خذيه مني، فانتهت المشكلة، قال لي: والله في كل شهر أطرق الباب، وأعطها ثلاثمئة ليرة، يقول لي: في الشهر السادس، طلبت منه أخته أن يلقي عليهم درساً، عليها وعلى أخواتها وعلى بناتها، فصار مجلس علم، فحضَّر لهم آية قرآنية يفسرها، وحديث شريف، وحكم فقهي، وقراءة قرآن، وحفظ قرآن، فالأخوات تحجبن بناتهن كذلك تحجبن، وقال لي: الله أكرمني وزوَّجت عدة بنات من بنات أخواتي لأصهار مؤمنين، فكان هذا المبلغ الذي حلَّ به مشكلة في البيت سبباً للهدى، وأصبح توجه أسرتين أو ثلاثة توجه ديني، والله أكرمهم بأزواج مؤمنين، فأنا هذا الكلام أقوله لأن لا يوجد واحد ليس عنده أخوات متزوجات، أما كلمة ليس لي دخل يصطفلوا، هذا كلام شيطان، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، في قول:
(( من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ، كان له بكل كلمةٍ قالها وبكل خطوةٍ خطاها، عبادة سنةٍ قام ليلها وصام نهارها ))
وهناك قول آخر:
((امشي بجنازة ولا تمشي بجوازة ))
أيهما أصح ؟ واحد قول يقطر حكمةً، ويقطر إحساناً، ويقطر رحمةً، والثاني قول كلُّه كلام شيطاني إذاً:
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا.))
انتبه، في زياراتك لأقربائك، أحياناً يكون لك خالة زوجها فقير تشكي لك فقره أنت كن ذكي، بيِّن قيمة الصحة، بين أخلاقه العالية، بين أنه ورع، فهي تطمئن وتقول لك: الله يجزيك الخير طمأنتني، ارتحت والله الآن، فأنت بهذا العمل أرحتها، لك خالة وعمة، وبنت أخ وبنت أخت، أخوات بنات، بنات، ليس منا من فرق..
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا.))
الآن سنأخذ الطرف الآخر، امرأةٌ سألت زوجها الطلاق من غير بأسٍ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ثوبان عن رسول الله أنه قال:

(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ"))
( سنن الترمذي )
الآن أقل كلمة تقولها المرأة:
(( تضرب هذه العيشة ))
لو صار معها مشكلة بكلويها تعوي، ولو صار معها مشكلة بجسمها تصيح وتستريح، فهذه الكلمة فيها كفر، كفر بنعمة الله عزَّ وجل.

(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ"))
( سنن الترمذي )
كأن تقول له: طلقني، أنا انتظر أن تطلقني، لا يوجد داعي لذلك، فأنت ساكنة في بيت، لابسة، آكلة، وشاربة، والأمور ميسرة كلُّها، وهذا التنافر في الطباع بسيط، ولأسباب تافهة تقول رأساً: طلقني، فهذا حمق، حمق من جهة، وكفر بالنعمة من جهة أخرى.
أتمنى وأرجو الله عزَّ وجل أن لا تقول امرأةٌ مؤمنةٌ في كل حياتها لزوجها: طلقني أرجو، أرجو الله عزَّ وجل أن يلهم الأخوات المؤمنات الحكمة، كلمة طلقني، كلمة فيها كفر بنعمة الزواج.
أحياناً امرأة ترى امرأةً أخرى لها زوج ولها أولاد قد تتألم، قد تتمنى أن يكون لها زوج، فهذه امرأةٌ حُرمت نعمة الزواج لحكمةٍ أرادها الله، ولعلها أرقى عند الله من هذه المتزوجة، فلا تعرف، فالدنيا فانية ومؤقتة، لكن الشيء محبب، فالمرأة التي حرمت نعمة الزواج لا ينبغي لمرأةٍ أكرمها الله بنعمة الزواج أن تكفر بهذه النعمة، ومن كفر هذه النعمة أن تقول لسببٍ أو لغير سبب: طلقني، انتبهوا، علموا بناتكم، علموا زوجاتكم، كلمة ( الطاء واللام والألف والقاف ) هذه كلمةٌ ملغيةٌ في قاموس المؤمن ( الطاء واللام والألف والقاف ) لا يوجد بيت لا يوجد فيه مشكلة حتى نكون واقعيين، لا يوجد زوجين لا يتشاحنا شيء طبيعي يتشاحنا، يتحاربا، يتصالحا، يزْوِرها، تزْوره وهكذا، ويعيط أو لا يعيط، يتكلم ويحكي ولكن في خلال يومين وينتهي الأمر، أما الطلاق، أذهب لعند المشايخ، تدق عليه بابه فيقولوا لك: ليس هنا، فتسألهم عن موعد مجيئه ؟ سيحضر في اليوم الثاني، اقعد ترجوهم تسألهم وخذ فتاويهم، هذا قال لك: طلقت، لا حول الله، وهذا يقول لك لم طلقت أنت كنت غضبان، وذهبت عند الأول قلت له: أنا غضبان قال لك: ماذا تعني كلمة غضبان هل أنت مجنون ؟، الغضب الذي نص عليه الفقهاء هو: ألا تعرف السماء من الأرض، والطول من العرض، أي غضب هذا، فهذا الشيخ قال لك: غضبان، لا لمْ تطلق، والآخر قال لك: لا لم تكن غضبان، أُقعد وحدد مقدار الغضب الذي ينطبق عليك حكم الغضب.
يعني أنا أتمنى الأخ ألا يتصرف هذا التصرف فيصبح نُهبة وعُرضة لفتاوي العلماء لذلك:

(( أيما إمرأةٍ سألت زوجها طلاقاً من غير بأسٍ فحرامُ عليها رائحة الجنة ))
بالمقابل زوج، تعبت، وجهدت، وصمدت، حتى اشتريت هذا البيت وفرشت هذا البيت وحتى خطبت هذه الإنسانة وحتى استقريت معها، لأنه أصبح في مشكلة في البيت ولم تلبِّ لك طلباتك فوراً تقول لها: طالق بالثلاثة، بالثلاثة فوراً، إن حللك شيخ يحرمك عشرة، هذه يقولونها كثير، ما هذا الكلام الفارغ ؟ أنا لا أنطلق من هواء، أنا أنطلق من حالات أستمع إليها دائماً، مشكلات أُعانيها، هذا واقع مجتمعنا المسلم يوجد تقصير وفي جهل.
الآن: لا تسأل المرأة طلاق أُختها، لتستفرغ صحفتها ولتُنكح فإنما لها ماقُدر لها النبيّ الكريم نهى، وهذه مؤامرات، تلاقي واحدة متزوجة، امرأة أُخرى تكيد لهذه المتزوجة حتى تسبب طلاقها من زوجها، بعد أن يُطلقها تعرض نفسها عليه، هذا شيء واقع، واقع بكميات كبيرة جداً بحالات كثيرة، أن امرأة تكيد لأُختها حتى تُطلق من زوجها لتحل محلها فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى أيضاً عن هذا السُلوك الشائن، والسلوك الذي لا يرضي الله عزّ وجل.
حتى الآن الموضوع حول أن أقدس عقدٍ في الحياة الإنسانة هو عقد الزواج، قد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا، الزوج ليس له الحق أن يُطلق لسببٍ تافه، وفي هذا التطليق كفرٌ بنعمة الزواج، والزوجة ليس لها الحق أن تسأل زوجها الطلاق لسببٍ تافهٍ ولا يحق أيضاً لمرأةٍ أن تخبب امرأةٍ على زوجها، أو أن تخبب زوجاً على امرأته، كما أنه لا يحق لرجلٍ أن يخبب امرأةٍ على زوجها ليتزوجها، كذلك لا يحق لامرأةٍ أن تخبب زوجاً على زوجته لتحل محلها، هذا حرام وذاك حرام.
العلماء والفقهاء اختلفوا في حكم الطلاق، وأصح من هذه الآراء، رأي الذين ذهبوا إلى حظره إلا لحاجة، أصح الآراء في هذا الموضوع، أن طائفةً من العلماء حظروا هذا الحكم إلا لحاجةٍ ماسة، أي أن الطلاق لا بد له من سببٍ وجيه، لا بد له من عُذرٍ بالغ، لا بد له من حالةٍ مستعصية، في الحالات المستعصية، في الأسباب الخطيرة، في العذر البالغ، يمكن أن نوافق على الطلاق، من أين استنبط هؤلاء العلماء هذا الحكم ؟ أنه محظورٌ، الطلاق محظور إلا لحاجةٍ ماسة، هذا عند الأحناف والحنابلة، استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لعن الله كل ذواقٍ مٍطلاق ))
كلمة لعن تفيد أن هذا الشيء من الكبائر، لعن، أبعد، مطلاق على وزن مفعال يعني كثير الطلاق، يتزوج ويُطلق، الأحناف والحنابلة رأوا أن الطلاق حكمه محظورٌ إلا لحاجةٍ ماسة، استنباطاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لعن الله كل ذواقٍ مٍطلاق ))
ما هذه الحاجة الماسة التي تُبيح الطلاق ؟ العلماء قالوا:
(( أن يرتاب الزوج بسلوك زوجته ))
يعني ليس مطمئن لعفة زوجته، ليس مطمئناً لطهارتها، يخاف إذا غاب عن البيت أن يدخل عليها رجل، يخاف أن تنجب طفلاً من غيره، هذه الأسباب الوجيهة في الطلاق هكذا نص العلماء، من هذه الضرورة التي تبيح الطلاق أن يرتاب الرجل من سلوك زوجته، ليس مطمئن، تزيغ هذا سبب وجيه، يوجد سبب آخر وهذا السبب أخشى أن أقوله ببساطة، لئلا يفهم فهماً ما أردته، يعني إذا خاف على نفسه أن يقع في الزنا في بقائه مع هذه الزوجة، حل له طلاقها، أي زوجة لا يمكن أن تُحصنه، وفهمكم كفاية، إذا استحال أن يحصن بهذه الزوجة أي مادامت عنده، يخشى على نفسه أن يزني، هذه حالة أُخرى العلماء جعلوها سبباً موجباً أو مبرراً أو مقبولاً في الطلاق، إما أنه يشك في أخلاقها، في سلوكها، يشك في عفتها، لا تردُّ يدَ لامسٍ كما سئل عليه الصلاة والسلام، قال له: " إن امرأتي لا ترد يدَ لا مس " شك في طهارتها، في عفتها، في استقامتها يخشى أن يأتيه ولدٌ من غيره، هذا سبب وجيه من أسباب الطلاق، وقد ورد في الحديث الشريف:

(( لا تطلق المرأة إلا من ريبة ))
أو أنه لا يستطيع أن يكون محصناً مع هذه المرأة، الطلاق مقبولٌ أيضاً إذا أقر الحكمان أن بين الزوجان شقاقاً ليس له حل، وحله الطلاق، أحياناً الحكمين، حكمٌ من أهله وحكمٌ من أهلها، هذان الحكمان يُقررا أن الطلاق هو الحل.
أما الطلاق الواجب، إذا أقر الحكمان أن الشقاق بين الزوجين لا يزول، وأنه يتفاقم وأن هذا الشقاق ربما أدى إلى مفسدة كبيرة، ربما أدى إلى انحراف خطير، عندئذٍ الطلاق واجب.
أما الطلاق المحرم قال: هو الطلاق من غير حاجةٍ إليه، وإنما كان حراماً لأنه إيقاع الضرر بنفس الزوج ونفس الزوجة، هذا الطلاق لا يوجد أسباب موجبة، فهي مقبولة عنده ومقبول عندها، وينفق عليها، ويسكنها في بيت وحدها، انتهى الأمر، مقبولةٌ ومقبول، وينفق عليها وهي في بيتٍ مستقلةٍ به، لأسباب مشادة ومشاحنة تنفصم هذه العلاقة، يُحرم منها، وتُحرم منه، ويشرد الأولاد هذا طلاقٌ محرم.
الواجب هو حينما يرى الحكمان أن الطلاق خيرٌ من البقاء، حكمان عدلان منصفان متبصران، فهما جلية الأمر فهما أبعاد المشكلة، رأيا أن هذا الزواج لا يمكن أن يستمر، هذا الطلاق الواجب.
الطلاق المحرم طلاقٌ من غير حاجة، لأنه إتلاف للمال، دافع مهر، عليك الآن متأخر، بلا سبب إتلاف للمال، إضرار للنفس ؛ بنفس الزوج ونفس الزوجة، وتضييعٌ للأولاد فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ))
( ابن ماجة )
وفيما رواه أبو داود عَنْ مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ ))
الواجب عرفناه، والمحرم عرفناه، أما الطلاق المباح الذي يكون عند الحاجة كما قلت قبل قليل، حينما يشك في سلوكها، حينما يشك في عفتها، حينما يخشى أن تنجب من غيره أو حينما لا تحصنه إطلاقاً، بل ربما دفعته إلى الانحراف، أما المباح إذاً لسببٍ مقبولٍ في نظر الشرع.
وهناك طلاق مندوب قال:
(( الطلاق الذي يكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها ))
افرة، لا تُصلي، لا تحب الدين إطلاقاً، تُهاجم الدين، تُربي أولادها تربيةً فاسدة، تُبعدهم عن بيوت الله، هذا الطلاق المندوب، أصبح يوجد عندنا طلاق واجب، وطلاق مباح، وطلاق محرم، وطلاق مندوب.
يعني أنا أرى أن موضوع الطلاق موضوع يجب أن يقف على دقته وأبعاده كل الشباب، وأكمل شيء في الطلاق، أن تتزوج امرأةً لا تحتاج أن تُطلقها، كيف ؟ عليك أن تتزوج امرأةً لا تحتاج إلى تطليقها، أي ادرس الأمر جلياً، اسأل عن أخلاقها، عن أسرتها عن والدتها، عن والدها، عن مستواها، مستواهم الديني، الدين عندهم مقبول، غير مقبول، يوجد تربية طيبة، يوجد فهم، أي عُدّ كثيراً، عُدّ للآلاف قبل أن توافق، أي أن تتزوج امرأةً لا تحتاج معها أن تُطلقها، هذا هو أكمل شيءٍ في موضوع الطلاق.
قال: الطلاق من حق الرجل وحده، قد يجد الإنسان هناك من يُهاجم الدين فالبعيدون عن الله عزّ وجل، المتمسكون بالشرائع الوضعية لا يُعجبهم ذلك، لكن لو إنسان اشترى محل تجاري فرضاً بعشرين مليون، وقع عقد الإيجار، له حق الموظف عنده أن يُسلم المحل ؟ أو يتنازل عن عقد الإيجار ؟ الزوج تكلف، مادام هو المنفق، هو المتضرر بإنفاق المال الكثير لتحقيق هذا النفع في الزواج، فمن حقه وحده أن يطلق، فالشرع الحنيف جعل حق الطلاق بيد الرجل وحده، لماذا ؟ أيهما أحرص على بقاء الزواج ؟ الزوج أم الزوجة من الوجهة المادية؟ الزوج لأنه أنفق، المنفق هو الأحرص على بقاء الشيء، مادام الزوج أنفق، وتجشم المتاعب حتى حصل على هذا الزواج، وهو المتضرر مادياً، إذاً من حقه هو أن يُطلقها، أما هي مزاجية لسببٍ أو لآخر لو كان الطلاق بيدها لا يبقى زواج ولا في المئة واحد يبقى، فلحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل وهو الخالق الخبير، قال:

(( الطلاق من حق الرجل وحده، فإذا أراد تطليق إمرأته، عليه أن يعطيها مؤخر المهر، ومتعة الطلاق، وأن ينفق عليها مدة العِدة ))
دائماً الزوج لأنه أنفق فهو أصبر على ما ينغِّص الزواج، والزوجة لأنها لم تنفق أقرب إلى أن تفصم عُرى هذا الزواج، فلذلك الشرع الحكيم، جعل حق التطليق بيدِ الرجلِ وحده، أما الزوجة يوجد لها صمام أمان، أي حينما الزوجة تجد أن الحياة معه مستحيلة، بإمكانها أن تفتدي نفسها منه، أي أن تسامحه بكل مالها عنده، عندئذٍ تكون المخالعة، قال له
(( طلقها تطليقة وردِي له الحديقة ))
فنحن عندنا قاعدة، إذا أمر القاضي بالتفريق بين الزوجين فهذا هو التفريق، طلاقٌ أوقعه القاضي، وإذا أراد الزوج إنهاء هذه العلاقة فهو الطلاق، وإذا أرادت الزوجة إنهاء هذه العلاقة، فهي المخالعة، يوجد عندنا مخالعة، وطلاق وتفريق، التفريق من طرفٍ ثالث وهو القاضي، والطلاق من طرف الزوج، والمخالعة من طرف الزوجة.
الآن دخلنا في تفاصيل الطلاق، يقع الطلاق من الزوج العاقل، فالمجنون لا يقع طلاقه عند معظم العلماء، البالغ الصغير لا يقع طلاقه، يجب أن يقع الطلاق من العاقل والبالغ والمختار، أما المُكره لا يقع طلاقه، إذا أُكره إنسان تحت قوة السلاح أن يطلق، طلاقه لا يقع، طلاق المجنون والصبي والمكره طلاقٌ يعد لغواً لا أثر له في فصم هذه العلاقة، فقد ورد في سنن لأبي داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ))
وفيما رواه الترمذي والبخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلا طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ ))
وفي درسٍ آخر إن شاء الله أتحدث عن طلاق المُكره، وعن طلاق السكران، وعن طلاق الغضبان، وعن طلاق الهازل، وعن طلاق المخطيء، وعن طلاق الغافل والساهي وعن طلاق المدهوش، ثم ننتقل إلى من المرأة التي يقع عليها الطلاق، ونتابع هذا الموضوع إن شاء الله، على أن ننهيه في درسين أو ثلاث، لأن هذا الموضوع يجب أن يكون عند الإخوة الكرام موضوعاً أساسياً، المتزوج وقايةً، والمتزوج الذي تورَّط في طلاق علاجاً، والشاب تعلماً.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:07 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الطلاق - الدرس ( 2 - 4 ) : طلاق المكره ، السكران ، الغضبان ، الهازل والمخطئ ، المدهوش - صيغ الطلاق الصريحة والكنايات .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-20
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... قلت لكم من درسين سابقين، إن الموضوعات التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها هي التي أختارها لكم بفضل الله عزّ وجل، ولماذا اخترت موضوع الطلاق لأن كل خمسة سائلين، أربعةٌ منهم أو ثلاثةٌ منهم، سؤالهم متعلقٌ بالطلاق، ولأنني أُفاجأ أحياناً أن أخاً كريماً مؤمناً من طلاب العلم الشرعي، يتورَّط ويحلف يمين طلاق، ولشدة ما أرى من معاناة المطلقين، وضياعهم بين المفتين، وقلقهم، وحيرتهم، وطمأنينتهم تارةً إلى بعض الفتاوى، وقلقهم من بعض الفتاوى، فاخترت هذا الموضوع.
شيءٌ آخر، هو أن الإنسان ينجح في حياته العامة، كل واحد له مهنة، له حرفة له وظيفة، له صنعة، له اختصاص، قد تنجح نجاحاً باهراً في حياتك العملية، وقد تُخفِق إخفاقاً ذريعاً في زواجك، وكما تعلمون الزواج والعمل شيئان لا صقان بحياة الإنسان، فإذا نجحتم في أعمالكم، أو في تجارتكم، أو في صنعاتكم، أو في اختصاصكم، أو في دراساتكم، أو في وظائفكم، لا بد من أن تكملوا هذا النجاح بنجاحكم في بيوتكم، بل إني لا أُبالغ إذا قلت: إذا نجح الإنسان في بيته، انعكس نجاحه في بيته على عمله، طمأنينته، وراحة باله، والله سبحانه وتعالى رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى حينما عطف صلاح البال على الهدى، والمتعاطفان من لوازهما التجانس، سيهديهم ويصلح بالهم، وهل من صلاح بالٍ أعظم من سعادة الإنسان في بيته ؟
هذا الكلام لا يعني أن الإنسان لا يعاني من بعض المشكلات، العوام تقول في اللغة الدارجة:
(( الله خلق أخين ولم يخلق طبعين ))
فمن الطبيعي جداً أن يتباين طباع الزوج والزوجة التباين مقبول بحدود معينة، في حدود عشرة بالمئة مقبول، أما إذا اختار المؤمن امرأة لدينها فالتباين يقل، الخلاف يقل، على كلٍ لم أطرح هذا الموضوع على أسماعكم إلا لاعتقادي ويقيني أننا في أمس الحاجة إليه، قد يقول شاب: أنا لم أتزوج بعد، وقاية، لكنك إذا أقدمت على الزواج توجد عندك ذخيرة، ومعلومات دقيقة جداً فقهية متعلقة بشأن الزواج والطلاق، وقد يقول الناجح في حياته الزوجية: أنا لست بحاجةٍ إلى هذه الموضوعات، نقول له: الشرع الإسلامي إن لم تكن بحاجةٍ إليه، يمكن أن تهتدي إلى الله من خلاله، فالشرع له وظيفتان، وظيفةٌ نفعيةٌ تطبيقية، ووظيفةٌ إرشاديةٌ دلالية، وإذا إنسان واقع في مشكلة فالحل موجود، على كلٍ يؤلمني أشد الألم أن أرى المسلم طالب العلم الشرعي الذي يرتاد المساجد، يعاني من مشكلاتٍ مشابهةٍ مما يعاني عامة الناس، فأين إيمانك ؟ وأين فضل إيمانك ؟ فهل الإسلام يا ترى صلاة وصوم فقط عبادات، وفيما سوى العبادات نحن سواء، يعني يا ترى الفاجر في بيته كالمسلم في بيته ؟ علاقة تارك الصلاة بأهله كعلاقة المُصلي ؟ بيت المسلم كبيت غير المسلم ؟ شيء غير معقول إطلاقاً أن تلاقي تشابه بين مسلم وغير مسلم، إذا فيه تشابهاً فالإسلام ليس له فائدة، الإسلام أصبح عبء على الإنسان، أصبح المسلم عليه أن يُصلي، وعليه أن يصوم، وعليه أن يُزكي، وحياته الخاصة الداخلية، وعمله، وتجارته، وبيعه وشرائه، وسُكناه، مشابهة لغير المسلم، يعاني ما يعاني أي إنسان، يعني إن لم يكن هناك فرقٌ جوهري بين حياة المسلم وحياة غير المسلم، بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن، بين حياة الملتزم وحياة غير الملتزم، فهذا الدين عندئذٍ لا جدوى منه، والإنسان وقته ثمين جداً، لكن نحن حين نرتاد المساجد ونطلب العلم الشرعي، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نعيش حياةً كما أرادها الله، من أجل أن نربي أولادنا كما أراد الله، من أجل أن نحقق ذواتنا، من أجل أن نكون على الصراط المستقيم الذي أراده الله عزّ وجل.
فأنا قناعتي أن المؤمن أهم ما يميزه عن غير المؤمن أنه يبحث عن أمر الله، يبحث عن الأمر والنهي، يبحث عن الحكم، فالله عزّ وجل في هذا الموضوع ماذا يريد ؟ يعني في كل بيت يوجد ملايين المشكلات، يا ترى إذا دخلت إلى البيت وجدت مشكلة، كيف تتصرف ؟ وفق ما يمليه الهوى ؟ وفق ما يمليه المزاج العصبي، وفق عاداتٍ باليةٍ أخذتها عن أُمك وأبيك ؟ وفق نزوات الجاهلية ؟ وفق آراء أصدقائك ؟ لكن تتصرف وفق ما يمليه الشرع عليك ؟ هذا الذي أتمنى عليك.
يعني أنا والله أسعد أيها الإخوة جداً حينما يبلغني أن أحدكم سعيدٌ في بيته، ونحن أُسرة واحدة، لا أظن أن أحدكم قد يكون شقي في بيته ومزعوج في بيته وأنا أكون مرتاح، لأنه سوف يقول لي: هكذا صار معي ومزعوج، هكذا تفعل معي، ماذا أفعل أُطلقها أبقيها ؟ فعندما يكون أخ ناجح في زواجه، سعيد في بيته، أنا أعدُّ هذا دليلاً على صحة إيمانه، دليلاً أنه متمثِّل لأوامر الشرع.
فالنبي عليه الصلاة والسلام، جاء ليعلمنا كيف نعيش ؟ كيف نتزوج؟ كيف نحافظ على زوجاتنا ؟ لذلك الموضوعات التي وردت في الدرس الماضي، والتي سوف ترد في هذا الدرس، هي موضوعاتٌ في أمس الحاجة إليها.
في الدرس الماضي بيَّنت لكم أن الطلاق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو حرام، والطلاق لا ينبغي أن يكون إلا لحالاتٍ قاهرة، كأن تشك في سلوكها، كأن تشك أن أولادك ليس منك، هذه حالة الارتياب بسلوك الزوجة، كما ورد في الحديث الشريف:

(( لا تطلق النساء إلا من ريبة ))
أو أن لا تستطيع أن تكون الزوجة مُحصنةٍ لك، هذه حالة ثانية، وما سوى ذلك فالطلاق مكروه كراهة تحريم، لأن فيه إتلاف للمال، وفيه إيذاء للمرأة، وفيه ضياع للأولاد وأتمنى على كل أخ كريم قبل أن يفكر في الطلاق أن يتصور أولاده عند امرأة غريبة لا تحبهم ولا ترعى شأنهم، وتفعل كل شيءٍ بحيث تؤذيهم، أو تبعدهم عن أبيهم.
أكثر شيء ورد في الموضوع، طلاق المكره، وطلاق السكران، وطلاق الغضبان وطلاق الهازل والمخطئ، وطلاق المدهوش.
فالمكره، طلاق المكره لا يقع، لماذا ؟ قال: لأن المُكره ليس له إرادة، ليس له حرية، والإرادة أساس التكليف، ما لم تكن حراً فلست مكلفاً، فإذا انتفت عنك حرية الإرادة إذاً كل شيءٍ يترتب على إكراهك باطل، أنت مسلوب الإرادة، فقد ورد في سنن ابن ماجة عن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال:

(( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))
لو أن أحداً أجبرك على كلمة الكفر، لا تكفر، لقوله تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
( سورة النحل: أية " 106 " )
إذاً إنتبه الآن إلى حكم دقيق، هو أن كل عملٍ يقع منك اختياراً، بمحض اختيارك بإرادتك، برضاك، دون ضغط، أو دون إكراه، فهذا العمل مسئول عنه مسؤوليةٌ تامة، أما إذا نُفيت الإرادة، فصار هناك إكراه، وأصبح في ضغط، عندئذٍ سُلبت إرادتك، وبالتالي لا يقع منك نتائج هذا التصرُّف، لكن الإمام أبا حنيفة وحده قال:
(( طلاق المكره واقع ))
ويبدو أن الأئمة الثلاث حجتهم أقوى، عند الأحناف طلاق المُكره واقع.
يعني أحدكم لا يستغرب لو سأل أول شيخ، وثاني شيخ، وثالث شيخ، ورابع شيخ دون أن يعلم خلفيات هؤلاء المشايخ، ومذاهبهم الفقهية، وطريقتهم في معالجة هذه الأسئلة، إذا لم يعلم الخلفيات يُصعق من اختلافهم في الفتوى، أي لو سألت مُفتياً حنفياً متشدداً في حنفيتة، أو متعصباً لها، لأعطاك فتوى في الطلاق تختلف عن مفتيٍ آخر ليس متعصباً لحنفيته، أو أفتى لك على مذهبٍ آخر، فالأحناف وحدهم يرون أن طلاق المُكره يقع، ويقول بعض العلماء
(( ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه، فضلاً عن أنهم خالفوا جمهور الصحابة ))
المُكره لو كفر، لا يكفر لو نطق بالكفر لا يكفر، الكفر أهم من الطلاق أليس كذلك ؟ وفي آية كريمة:

﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
( سورة النحل: آية " 106 " )
النبيّ الكريم قال له
(( وإن عادوا فعد ولا شيء عليك ))
إذا كان المكره لا يوآخذ بكلمة الكفر، فأن لا يوآخذ بيمين الطلاق من باب أولى هذا موضوع طلاق المكره، ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
أما طلاق السكران، الآن اختلف الأمر، ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السكران يقع، فلماذا ؟ نريد الدليل، العقل مغذي، يغذي الإنسان.
مرة أخ قال لي كلمة، روى لي حديث شريف، والحديث معروف وصحيح أنه:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ))
( صحيح مسلم )
أي أن لو قال الإنسان: لو أن الله عزَّ وجل تكرم علينا وخلاهم متكلبشين طول السنة ألا يريحنا بذلك، طول السنة يا سيدي ودخلنا كلنا إلى الجنة، وارتحنا من الوساوس، ومن المعاصي والذنوب والآثام، فلماذا فك قيدهم في شوال ؟ يا ربي خليهم مربطين، هؤلاء الشياطين قد أهلكونا !! في شوال أفلتهم علينا، إحدى عشر شهر فلتانين علينا وربطهم في شهر واحد والحديث صحيح، في فرق كبير بين أن تفسر حديث تفسير غير معقول، وبين أن تفسر حديث تفسير معقول، ما معنى إذا جاء رمضان صفدت الشياطين أي قيدت ؟
وقد ضربت مثالاً لذلك: إذ كان هناك محل لبيع الخمور، ضمن حي فيه مئة شاب وهؤلاء المئة شاب تابوا كلهم هذا المحل ألا يسكر هذا المحل ؟ فأنت حينما تتوب إلى الله وحينما تغض البصر، وحينما تؤدي زكاة مالك، وحينما تقرأ القرآن، وحينما ترضي الله الشيطان لغيت له عمله، وكأنك قيدته، فيمكن أن يفسر الحديث تفسيراً غير معقول، فترى أعداء الدين تخرمشوا وقالوا: كفى سخافة، ولو قلت لهم: حديث صحيح، يقولون: كيف هو صحيح لا افهم فقد كانوا مربطين، فيتركهم كما هم. معني الحديث أن الإنسان إذا تاب إلي الله عزَّ وجل قيَّد الشيطان حكماً. الآن أنت يمكن أن تذهب إلى بائع وتقول له: أغلق دكانك، أو كأن تمسك الغلق وتنزله، ويمكنك أن تمنع أحد أن يقف أمامه، أول مرة أغلقته قهراً، الثاني أغلقته حكماً أليس كذلك ؟ إذا منعت أي إنسان أن يدخل إلى هذا المحل، وعملت حرس على منافذ المحل التجاري، فكأنك أغلقته حكماً .
إذاً السكران لماذا يقع طلاقه ؟ لأنه سكر باختياره، المكره ليس باختياره، المكره واجه شخص معه سلاح قال له: احلف على زوجتك بالطلاق، فحلف ونجي بحياته، نقول طلاقه لا يقع على رأي جمهور الصحابة وعلى رأي الأئمة الثلاثة، لكن طلاق السكران لماذا يقع لأن السكران اختار السُكر باختياره، هو الذي اختاره، لكن انظر لدقة العلماء.
بالمناسبة أي موضوع تسأل عنه مفتي، أو عالم، أو طالب علم، أحياناً أنا أبدأ بكلمة واحدة، يسألني أحد سؤال، فأقول له: هذا الموضوع خلافي، ما معنى خلافي ؟ يعني يوجد علماء أجازوا، ويوجد علماء منعوا، لهؤلاء أدلة، ولهؤلاء أدلة، فهذا الموضوع خِلافي، وكل موضوع خِلافي، فيه بحبوحة، أي إذا أخذت بالذين أجازوا، معك الدليل، وإذا أخذت بالذين منعوا، معك الدليل، وأية عبادةٍ، أو أي سلوكٍ يغطيه أحد المذهب الأُصولية فهو صحيح عن علمٍ أو عن غير علم، إذاً حينما تسأل طالب علمٍ، ويقول لك: هذا الموضوع خِلافي، فانتبه، إذا قال لك: خِلافي، معناه فيه بحبوحة، لهذا قيل:
(( الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى، إجتماعهم حُجةٌ قاطعة ))
يعني أحياناً في كتب الفقه يقول لك:
(( ما اتفق عليه الأئمة الأربعة ))
وهذا شيء خطير جداً، أربع علماء اتفقوا على شيء، وأحياناً يقول لك:
(( في الموضوع خلافٌ على تفصيل المذهب ))
إذاً صار هذا موضوع خِلافي، طلاق السكران الجمهور، ليس جمهور الناس بل جمهور الفقهاء، لأن الله عزّ وجل قال:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
( سورة الأنعام: آية " 116 " )
هذا يقول لك أنا مع الناس، معناه على ضلال، مرة عالم كان بحضرة خليفة والخليفة مختلف مع عالم آخر على قضية، فجاء بهذا العالم الثاني وجعله حكماً، وقال له: ما قولك ؟ هنا خليفة، وهنا عالم، قال له: الأكثرون مع رأيك يا سيدي، لم ينتبه وفرح الخليفة أنه على حق، فلما خرج قال له: يعني على باطل، قال له كيف ؟ قال له ألم يقل الله عزّ وجل:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
الأكثرية معك يا سيدي، معناه ليس على حق، على كلٍ، طلاق السكران الجمهور على أن طلاق السكران يقع، لأنه تسبب بإدخال الفساد على عقله بإرادته، فأحياناً الإنسان يفعل الشيء بإرادته، الآن كل شيء نتج عن هذه الإرادة يتحملها، لو فرضنا قال لك: ابق هذا الجهاز مشتعلاً طوال الليل، اختار، نصحوه، قال له: لا، أصبح في البيت حريق وهو المسئول، نتج حريقاً لإبقاء الجهاز مشتعل، الحريق من نتائج اختياره، يا أخي: أنا اخترت إبقاءه فقط مشتعل، لا، وعليك أن تتحمل نتائج اختيارك، فطلاق السكران جمهور الفقهاء على أنه يقع، قال: وقال قومٌ لا يقع، لأنه لهوٌ لا عبرة به، لأن السكران والمجنون سواء، إذ أن كلٍ منهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف، ولأنه سبحانه يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾
( سورة النساء: آية " 43 " )
معناها السكران لا يعلم ما يقول "، الآن سؤال وهو محرج: السكران لا يعلم ما يقول، إذاً الذي يصلي ولا يعلم ما يقول ؟ في حكم السكران، السكران الذي لا يعلم ما يقول والذي لا يعلم ما يقول ولا يشرب الخمر، فهو في حكم السكران، لذلك:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)﴾
( سورة الماعون )
قال أحد العلماء:
(( إن الله تفضل علينا بهذه الآية، لو قال: والذين هم في صلاتهم ساهون، لهلكنا جميعاً ))
أُنظر بين كلمة في، وعن، عن صلاتهم ساهون، يوجد لوم كبير، أما لو قال: في صلاتهم ساهون، معناها أن الصلاة لا تقبل إلا لو كنت حاضر القلب مع الله، وبعض الأئمة المتشددين قالول: "الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها، لقوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾
( سورة المؤمنون )
يوجد رأي أنا رأيته وجيه، يوجد عندنا مبدأ في القوانين، أن الإنسان لا يُعاقب مرتين لذنبٍ واحد، بينما السكران إذا ضبط متلبساً بالسُكر، يُعاقب بأن يُجلد ثمانين جلدة، أليس كذلك ؟ نعاقبه مرتين، مرةً بجلده ثمانين جلدة، ومرةً بأن يقع طلاق امرأته منه، يكون قد عاقبناه مرتين، لأنه وهو ينطق يمين الطلاق سكران، لا يعلم ما يقول، نحن سوف نعاقبه على سُكره بثمانين جلدة، وفوق ذلك نعاقبه مرةً ثانية بتطليق امرأته منه ؟! هذا رأي آخر.
لاحظتم كيف أن طلاق السكران موضوع خِلافي، ما معنى خِلافي؟ يعني يوجد علماء قالوا بشيء ومعهم أدلتهم، وعلماء قالوا بشيء ومعهم أدلتهم، إذاً هو موضوع خِلافي ومعنى موضوع خِلافي، نحن في بحبوحة، لنا أن نقلد هذا العالم فنوقع طلاق السكران، ولنا ألا نقلد، نقلد هذا العالم مع أدلته فلا يقع طلاقه، أحياناً نستأنس بالقوانين النافذة في الأحوال الشخصية، قانون الأحوال الشخصية مستنبط من الفقه، أساساً القانون المدني، أساسه من الفقه.
وأزيد عليكم، أن القانون الفرنسي مأخوذٌ من الفقه الحنفي، عندما كان نابليون في مصر وجد موسوعات فقهية كبيرة جداً كلها ترجمت، هناك قوانين يُعمل بها في بلاد الغرب أساسها إسلامي، وهم لا يدرون عن ذلك شيئاً، لأن هذا تشريع إلهي فيه دقة بالغة، بقانون الأحوال الشخصية لا يقع طلاق السكران والمُكره.
وأنا أنصح كل إخواننا الكرام إذا سُئِلوا، إفتى لنفسك بأشد الفتاوى، وافتي للآخرين بأيسرها، العكس لا يليق بالمؤمن، فيوجد أشخاص يعطون لأنفسهم كل الرُّخص، ويلزمون الناس بكل العزائم، الأكمل أن تلزم نفسك بكل العزائم، وأن تعطي الناس الرخص تيسيراً لهم الآن لو سألت مئة شخص، يقولون له: لماذا يا أخي لا تديرها حنبلية، لماذا فهل كان المذهب الحنبلي صعباً ؟ الآن أصبح حنبلي يقول لك، لا تديرها حنبلية، يا ترى هذا الكلام ما أصله هل تصدقون أن أهون مذهب هو الحنبلي ؟ إذاً من أين جاء هذا الكلام ؟ قال: لأن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يأخذ نفسه بالعزائم، يعني كان شديداً على نفسه فقط، أما في الفتاوى كان ييسر ولا يُعسر، يسدد ويقارب، يبشِّر ولا يُنفر، أحياناً الإنسان يكون المفتي بحاجة إلى حكمة بالغة، أحياناً يجيء لك سؤال، السائل لا يقصد الزواج، يقصد شيء آخر، ففي مفتي وفي مرشد، وفي حكيم، وفي مربي.
طبعاً طلاق السكران قلما يأتيني هذا الموضوع، والمُكره هذه حالة نادرة الآن، أن يجيئوا بشخص، ويكتفوه ويأمروه: طلق زوجتك، والله لم أسمعها، هذه قليلة يعني، لكن أكثر سؤال كان يجيء لي، أكثر سؤال يكاد يكون بالمئة مئة، طلاق الغضبان، والغضبان مثل المطاطة، لم أسمع أحد طلق امرأته إلا وقال: كنت غضبان، أرجوك أي غضب هذا ؟ طلاق الغضبان موضوع دقيق جداً، وله تفصيلات كثيرة جداً قد لا يتسع هذا الدرس لها وحدها.
أولاً الغضبان الذي لا يقع طلاقه هو إنسان لا يدري ما يقول، ولا يدري ما يصدر عنه، مثل هذا الغضبان لا يقع طلاقه لأنه مسلوب الإرادة، وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

((لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ ))
كأن الغضب يُغلق على الإنسان فكره، يقول لك
(( إنعمى قلبي، لم أعرف ماذا حكيت، لم أرى بعيوني ))
هذه كلمات العوام، العلماء زخرفوها، قالوا
(( الغضبان الذي لا يقع طلاقه، هو لا يعرف السماء من الأرض، ولا الطول من العرض ))
تقول له: أين السماء ؟ يقول لك: هذه السماء، لكن يوجد واحد حزين وواعي يقول: هذه السماء. حتى يقع طلاقه، أما هو فعلاً يعرف أين السماء، الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض. هذا هو الغضبان الذي لا يقع طلاقه، بل إن كل عملٍ يفعله الغضبان إذا كان القانون يحاسبه عليه، فطلاقه يقع. قال
(( وحقيقة الإغلاق أن يُغلق على الرجل قلبه، فلا يقصد الكلام ولا يعلم به، كأنه إنغلق عليه قصده وإرادته ))
هذا الإنسان بهذه الظروف، نقول له: أنت غضبان، وغضبك لا يقع، وقد انطبق عليك قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ ))
الآن إذا كان الغضب سبباً في أن يزول العقل كليةً فلا يشعر صاحبه بما قال، هذا لا يقع طلاقه بإجماع العلماء، ليس فيه خلاف، أما إذا كان في أوائل الغضب، قال: هذا يعرف الغضبان في أوائل الغضب ماذا يقول، ويعرف مؤدَّى كلامه، قال
(( هذا يقع طلاقه بلا نزاع أيضاً " أين الخِلاف إذاً ؟ أين العلماء اختلفوا ؟ قال: " هو الذي يغضب، ويستحكم به الغضب ويشتد به الغضب، لكن لا يزول عقله كليةً، لكن يحول بينه وبين نيته، بحيث يندم على ما فرَّط، إذا زاد فهذا محل نظر ))
في البدايات وأنت واعي، العلماء اتفقوا على أن الطلاق يقع وفي النهايات، العلماء اتفقوا على أن الطلاق لا يقع، لكن إذا اشتد بك الغضب، وندمت على ما فعلت، وفي أثناء الغضب ما نويت على الذي وقع منك، فهذه الحالة والوسطى، هذه محل نزاعٍ وخلافٍ بين العلماء.
الأفضل من هذا كله ألا تغضب، وألا تُطلِّق، والله من أعماقي أقول لكم، إخواننا كلهم المؤمنون الطيبين، موضوع الطلاق يجب ألا يرِد إطلاقاً ما دام هناك ثقة في الزوجة، وما دام الزوجة جملةً مقبولة، فكل شيء مقبول جملةً لا تفصيلاً، فلا يوجد امرأة كاملة، ولا يوجد زوج كامل، والنبيّ الكريم قال:

(( لا يفرك مؤمن مؤمنةً، إذا كره خلقاً رضي منها خلقاً آخر ))
لكن حينما تكون المرأة مقبولةً جملةً لا تفصيلاً، انتهى الأمر، يجب أن تنزع من نفسك موضوع الطلاق كلياً.
الآن طلاق الهازل والمُخطيء، قال:
(( يرى جمهور الفقهاء أن طلاق الهازل يقع كما أن نِكاحه يصح ))
فقد روى الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي والحاكم، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:

(( ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ ))
فالبعض أحياناً يمزح ويقول: والله أنا ناوي أن أتزوج فلانة، قاعد واحد فحكى إلى أُخته، الأخت حكت إلى أُمها، الأُم حكت للجارة، الجارة حكت لبيت عمتها، عمتها حكت لها بعد أسبوع، فقالت لها: فلان يريد أن يأخذك، وهي أجابت قائلة " والله على سلامته هذا الشاب والله معقول أن يأخذني، أنا أقبل فيه والله، لم يجيئها نوم أول ليلة من فرحها، حكت إلى أُمها فقالت لها الأم: والله جيد يا ابنتي، والله نحن نتمنى، والأم حكت إلى أبوها، فقال الأب: عنده بيت ؟ والرجل كان يمزح، النبي الكريم نهى عن أن يكون المِزاح في موضوع الزواج، فيه كسر خاطر، فيه إساءة، فيه إحباط شديد جداً، والذي نبَّه عليه النبي عليه الصلاة والسلام " أن أخفوا الخِطبة "، لعل هذه الخِطبة لم تتم، أخفوا الخِطبة، وأعلنوا النكاح، النكاح معلن، أما الخطبة لكن الشيء الواقع الآن تلاقي كلمة إنحكت، لم يبقى إنسان إلا وعرف أن فلان خاطب فلانة الآن إذا كان الخِطبة لم تتم لماذا ؟ ماذا سمع عنها يا ترى؟ لماذا لم تعجبه ؟ يا ترى أخلاقها ليست جيدة؟ والناس يريدون أن يتسلوا، ناقصهم معلومات، الآن يعتبوا لماذا لم تبلغونا أن خاطبين فلانة ؟ أنتم عرفتم دون أن نبلغكم، كيف إذا بلغناكم ؟ فالسنة أن تُخفى الخِطبة، وأن يُعلن النِكاح، النكاح لو زمروا لا شيء عليهم، لكن مخالفة للقوانين، هذا بدلاً من الطبل والزمر:

أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا
الحبة السوداء لم نأتي نناديكم
هكذا النبي علمهم ماذا يقولون، معناها هذه العراضة، وهذا التزمير، هذه من السنة فلا شيء فيها، زواج.
أنا مرة قلت لكم أن لي صديق قال لي: طرق باب بيتي الساعة الرابعة والنصف فجراً، فاستغربت، ففتحت لم أرى أحد، فحانت مني نظرة نحو الأسفل فوجدت سك، أعوذ بالله فتحه، مولودٌ ولِدَ حديثاً، عرفوا أنه صاحب دين، هذا الطفل أغلب الظن أنه إبن زنا وضعوه بهذه الحقيبة، ووضعوه أمام بيته، قفز إلى ذهني فجأةً، أنه لو إنسان تزوج زواج شرعي وزوجته حامل، تجد أن الكل يهنئها، ويخبرونها إن شاء الله تطلعي بصبي منه، وتجدهم قد هيئوا الغرفة، وهيئوا الأدوات، وملابس المولود أحضروها " الديارة "، والأُسرة كلها انشغلت والزوج فرح، وبعد ذلك عندما ولدت، صار الفرح، والمباركة، وجهزوا الكراوية، وقدمت الهدايا، وعملت مباركة للنساء، ومباركة لهؤلاء، شيء جميل جداً، لأن هذا طريق مشروع.
أحياناً الواحد يذهب مع زوجته ومعه ابنه الصغير، لا يستحي أمام الناس، فهذه زوجته وهذا ابنه، يفتخر، بالعكس كثير يوجد أماكن إذا كان مع زوجتك أكمل، يعدوا أنك إنسان محترم، أنت مع زوجتك، أما إذا امرأة ليست زوجته، تجد قلبه مقطوع وهبط من الداخل لو أحد مشي وراءه شخص بصوت عالي تجدهم انتبهوا، لأنها شغلة تهريب، أما الأولى نظامية مثل المهرب نفس الشيء.
فطلاق الهازل، وطلاق المُخطيء، قال: هذا طلاقٌ يقع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ ))
الرجعة، إذا راجعها زوجها المُطلق، وتوجد رواية: والعِتاق أي عتق العبد.
أنا أنصح إخواننا الكرام، إذا كان شيء يترتب عليه نتائج خطيرة، لا يمزح فيه أبداً مثلاً عنده صانع فيقول له: أريد أن أُشاركك في المستقبل، يظن أنه بذلك أنه يطيب له خاطره فهذا الصانع ذكر ذلك إلى والده، فالأب قال له: والله معقول يا ابني، هذا الرجل آدمي، إذا كان دخلك شريك معه فهذا ممتاز، الأب مشي في هذا الاتجاه، وتكلم إلى زوجته وانبسطوا، ابننا الحمد لله فلان سوف يشاركه، لكن يا ترى بالجهد فقط أم بالمال يا ترى هل يريد مال، نسأله أي شيء يحب ؟ المعلم فكره أنه يمزح مع هذا الصانع بأن قال له: أريد أن أعملك شريك بالمستقبل فكل أمر خطير ممنوع أن تمزح فيه إطلاقاً، أولا إذا لم يكن عندك استعداد أن تنفذ، أصبح وعداً عليك له، ووعد الحر دين، وإن لم تنفذ، عملت له إحباط، عملت له صدمة، الآن كثير من الأمراض النفسية أساسها صدمة شديدة، لم يتحمل، يصبح الإنسان معه انفصام في الشخصية الآن أكثر مرض شائع هو انفصام الشخصية، قال واحد ذهب إلى طبيب نفسي، قال له: تعمل لي انفصام شخصية، قال له: لماذا ؟ والله ضايق خلقي لوحدي، لكن هو أخطر مرض فانفصام الشخصية أساسه صدمة، أي منِّيته بشيء ولم يتحقق، جعلته يطمع بشركة ولم تتحقق أو بشراء بيت ولم تأمنه له.
الآن بعضهم قال:
((وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل))
وهؤلاء بالطبع قلة، لقوله:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)﴾
( سورة البقرة )
فعزم الطلاق، يعني فكر، وجمع، وطرح، وقسَّم، وقال لازم أطلقها لم أعد أتحملها، وما هو متأخرها، أدِّبر نفسي، أي كله دخل في نفسه، فكر بمتأخِرها، وفكر بالنتائج، والمضاعفات، وأخذ قرار بالطلاق قال:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)﴾
يوجد أحاديث لطيفة جداً، روى إبن عباس فيما رواه البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((... الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ... ))
إذاً طلاق الهازل يقع، لأنه ينطبق عليه قول النبيّ:

(( ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ ))
طلاق المخطيء، الإنسان أحياناً يقول: زيد ويقصد عُبيد، أحياناً الأم يكون ابنها اسمه أحمد، تقول له: سعيد تعالى إلى هنا، وتكون عينها على عينه، ما حكم هذا ؟ خطأ هذا هي أرادت أحمد وأخطأت باسمه، فبعضهم قال:
(( طلاق المخطيء يقع ))
وبعضهم قال:
((إنه يقع قضاءً ولا يقع ديانةً "))
كيف هذه، فهي دقيقة ؟ لو أردنا أحد من الناس لك معه مئة ألف، جاء إليك ودفعها لك، وكاتب لك سند، قال لك: أين السند ؟ والله ليس تحت يدي الآن، يا أخي خلاص نحن قبضناهم منك، فهل سنأكلهم عليك، فاستحى وذهب، توفى هذا الشخص، حتى لا نسيء الظن فيه، فتحوا أولاده خزانته فوجدوا سنداً بمئة ألف، ذهبوا فأقاموا دعوة على هذا المدين، يا أخي أنا دفعتهم لأبوكم، نحن ليس لدينا علم بدفعهم، نحن وجدنا سند بمئة ألف، فقال: هذا عند الله بريء، لكن القضاء يدينه أحياناً، القضاء يجعله يدفعهم، فنقول: هذا السند وقع قضاءً ولم يقع ديانةً، فهو عند الله بريء.
قال: طلاق المخطيء وقع قضاءً، وعند الله هذه زوجته وهي حلالٌ له، أما لو عرضت الأمر على قاضي، أو على مفتي، وقع الطلاق لوجود اللفظ، وهناك شيء يشبهه واحد ذهب إلى أوربا قال: والله أنا آخذ لي واحدة لفترة سنتين أو ثلاثة بدلاً من أكون وحيداً أخذ لي واحدة وهذا الأمر هنا سهل، فكلهم يعرضون أنفسهم، وأنا سأتزوجها زواج شرعي، أنا لا أريد أن أرتكب الحرام، أقوم بعمل زواج ثلاث سنوات أثناء دراستي، ذهب إلى المركز الإسلامي وجد فيه فقيه وعالم وخطيب، هذا العمل حرام في الإسلام ولكنه لم يقل: زواج موقَّت، بل قال: أنا أريد أن أتزوج زواج إسلامي، وجرت مراسم الزواج، إيجاب، وقبول ومهر، وشاهدا عدل، ماذا يقول له الخطيب أو الإمام أو الشيخ، ليس عنده غير الظاهر، ليس عنده إمكانية أن يعرف بواطن هذا الشاب، بالظاهر أنه اختارها زوجةٌ لها، وهي وافقت، أجاب وقبلت، وأجابت وقبل، ولها ولي وأتي معها أبوها، والمهر مسمى، معجل ومؤجل، وفي شاهدان وأخذ توقيعهم وهوياتهم، هذا الزواج وقع قضاءً ولا شيء عليه، لكن ديانةً ؟ يا لطيف هذا ديانةً باطل لأنه نوى التوقيت، والزواج على التأبيد، في رأي جمهور العلماء، فأحياناً تفرق بين ما وقع قضاءً وما وقع ديانةً، أنت قد تكون بريء أمام الله، ولكنك لست بريئاً أمام الناس لذلك العاقل والموفق يبحث عن براءته عند الله وعند الناس معاً، هل عندكم شاهد من السيرة
النبي كان يمشي مع زوجته، فقال له:
(( هذه زوجتي فلانة لأحد الصحابة، فقال له أفيك نشك ؟ قال له: لئلا يدخل الشيطان بينكم، هذه زوجتي ))
هنا النبي جمع بين براءته أمام الله، وبراءته أمام الناس.
إذاً لا يكفي أن تكون عند الله بريء، الآن لاحظ أن أكثر إخواننا يكون هو صافي النية مع الله مستقيم، لكن أهمل مظاهر، هذه المظاهر جعلته مداناً عند الناس، لهذا يقول الإمام علي كرم الله وجهه:
(( من دخل مداخل التهم فلا يلومنَّ إلا نفسه ))
جلست عند رفيقك، عنده محل قال لك: سوف أصلي العصر وأرجع، خليك في المحل جالس، قلت له: حاضر، وفتحت الدرج فوجدت أوراق نقدية ذات الخمسمئة والمئة وأنت تتسلى، والله أنا معي خمسمائة سأصرف هذه الخمسمائة، فسحبت عدداً من الأوراق ذات الخمسمئة، وعديتهم، ووضعتهم في جيبتك، أو بالعكس أكمل، طلعت الخمسمئة وضعتها في الدرج، وسحبت خمسمئة خمس قطع، ودخل صديقك، أنت عند الله بريء، لكن عنده أصبحت غير بريئاً، لذلك إجهد أن تكون عند الله وعند الناس بريئاً، فكلمة النبي: هذه زوجتي والله أيها الإخوة، هذا الموقف لرسول الله، يحمل عليه مئة مئة ألف حالة.
عليك دين، فتقول:
(( أخي طلعنا خلاص))
لست بريء عنده، عند الله بريء طلعت معه خلاص ؟ لكنه شك، فقال في نفسه: لي معه ثلاثة آلاف، وكل هذا العمل تكلف ألف ليرة فكيف تقول خلاص ؟ الرجل أسعاره من عشر سنوات ولا يعرف، أحياناً شخص يكون معمر بيت من عشرين سنة، بعيد عن جو السوق، هذه يكفي فقط دفع خمسة ليرات فيها وتكون أصبحت سعرها خمسمئة ليرة، تعتقد أن هذه سعرها خمسة آلاف، ويكون ثمنها أصبح ثمانية آلاف، فإذا شخص بعيد عن جو الأسعار، أخي: أنا لي عنده مبلغ فقال لي: طلعنا خلاص، أنت عند الله بريء، لكن عنده لست بريء قال:

(( رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه ))
فأنت لو كنت بريء هذا لا يكفي، فالعوام يقولون
(( انطر قفاك ))
أما باللغة النبوية
(( رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه ))
مرة قال لي أخ: في بياع أحذية في سوق مغلق، وفي آخره في سينما، وهو مدرس، وأن هذا البائع متقن جداً، فلا يوجد حذاء مثل صنعته، فقال له كلمة أنا والله أعجبتني: مهما كان متقن، مهما كان رخيص، دخولي لهذا المكان أمام طلابي فيه مظنة أن يقولوا: أستاذنا دخل إلى سينما، أنما هو دخل إلى محل لكي يشتري حذاء، لكن هذا المدخل فيه شبهة لهذا لا تضع نفسك موضوع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك، هذه قاعدة في الحياة مأخوذة من هذه زوجتي.
قال: ما يقع به الطلاق، في عندنا طلاق باللفظ، فالعلماء اجتمعوا على ثلاث ألفاظ للطلاق: الطلاق، والفراق، والسراح، إذا قال: فارقتك، أو طلقتك، أو سرَّحتك سراحاً جميلاً، هذا الطلاق وقع، ولا يلتفت إلى نية المطلِّق، أما أي لفظ آخر يحتاج إلى نية.
مثلاً، من كنايات الطلاق، لو قال لها: أمرك بيدك، قالت له: ماذا نطبخ اليوم ؟ قال لها: أمرك بيدك، معنى ذلك أنها لم تطلق زوجتك، أنت قاصد أنها هي حرة في اختيار نوع الطبخة، الثلاجة كلها يوجد في الفريز كل شيء ولحمة عندك، أمرك بيدك، أما لو قال لها هذه الكلمة وفي نيته أن يُطلقها أصبحت طالق، إذاً الكناية تحتاج إلى نية، أما كلمة طلقتك، وكلمة سرحتك، وكلمة فارقتك، هذه الكلمات الثلاث تقع بلا نية، هذه أمرك بيدك، لو قال لها: أنت عليّ حرام، تحتمل أنه طلاق، أو أنه حرامٌ إيذائها، أي إن شاء الله حرام أُؤذيك، أنت عليّ حرام تعني أنه طلاق بالكناية يحتاج إلى نية، قالت له: والله إن أبي مريض، قال لها: إلحقي بأهلك. هذا ليس طلاق، أما لو أراد من هذا طلاق فهو طلاق، الحقي بأهلك، أمرك بيدك أنت عليّ حرام، هذه كلها كناياتٌ لا يقع بها طلاقٌ إلا إذا توافرت لها نية التطليق، أما طلاق وفِراق، وتسريح، هذه كلماتٌ صريحةٌ فلو تلفظ بها الإنسان وقع الطلاق، لا تعلق مع المفتين ابعد عن الطلاق، وعن كلمة فراق، وعن كلمة سراح، وعن كلمة طلاق، أفضل.
من باب الطرفة كنت أقول لواحد يسألني عن الطلاق أقول له: يعني أنت تريدها يقول لي: نعم والله. إذاً فلان يفتيها لك، وإذا لا تريدها اذهب لفلان يقول لك طلقت. فكثيراً يوجد اتجاهات متعددة، فأنت أريح لك مادام جملةً مقبولة، فعليك أن تبتعد عن هذا كله.
سؤال: النبيّ طلق ؟ طلَّق امرأة واحدة، لأنها ضعيفة التفكير إلى درجة غير معقولة إخوتها نصحوها أنها حينما تلتقي بالنبي، قيل لها: قولي له أعوذ بالله منك، فلما قالت للنبي هذا الكلام، قال: عُذتِ بعظيم إلحقي بأهلك. فستصبح مبلغة للدين، وليس موضوع مزاجي، فهو موضوع خطير جداً، هذه أُم المؤمنين، يقول لك مثلاً: روى فلان عن أُم المؤمنين ابنة الجول اسمها، مادام تفكيرها ضعيف إلى درجة أنها لم تفكر فيما قيل لها، والنبيّ سيد العالمين، أعوذ بالله منك، قال لها: إلحقي بأهلك لقد عُذتِ بعظيم، معك حق لكن إلحقي بأهلك، ليس لي معك شغل، ليس لك عندي نصيب إطلاقاً، هذا طلاق بالكناية لكن النبيّ ماذا قصد به ؟ قصد الفِراق.
وسيدنا كعب بن مالك عندما النبيّ الكريم أمر امرأته أن تعتزله فقال: أُطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربنها، فقال لامرأته: إلحقي بأهلك، فهل طلقها يا ترى ؟ لم يطلقها سيدنا كعب لأنه قال لها: اذهبي إلى بيت أهلك.
فأحياناً إخواننا أسمع منهم قصة غريبة، كأن يكون أعصابه متوترة كثيراً، والأمر متفجر فيقول لزوجته: غيبي يومين عند أهلك ولا شيء عليك، زيارة أنا بعد يومين بروق، لا ترضى، تظل مصممة حتى يُطلقها، هذه القصة أسمعها كثير، يعني إذا كان الجو توتر الإنسان إذا غضب يجلس، إذا غضب يتوضأ، إذا غضب يسكت، إذا غضب يخرج من البيت، فأحياناً يكون الجو متوتر متفجر، فإذا الإنسان ركب رأسه، وأصر على ما هو عليه، قد يودي الأمر إلى وضع لا تُحمد عُقباه.
والأحناف يرون أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية، وأنه يقع بها أيضاً بدلالة الحال، فأشد المذاهب بالطلاق الأحناف، فإذا كان أحد وقع في مشكلة، وذهب إلى بعض المُفتين المتشددين والمتعصبين لحنفيتهم، الجواب معروف قبل إن يذهب إليهم، أي حتى لو دلالة الحال فإذا كان بينهم شِجار وقال لها: إلحقي بأهلك، هذا طلاق عند الأحناف، مادام على أثر شِجار قال لها: إلحقي بأهلك، نحن نقول له ماذا نويت ؟ لعله نوى أن تكف مغيب يومين، لا يريد أن يطلقها، أما عند الأحناف مادام يوجد شِجار وقال لها: إلحقي بأهلك، أصبحت طالقة منه ونحن أحناف طبعاً، لكن يوجد الأحناف المتعصبين لحنفيتهم الذين يرفضون أي اجتهاد آخر.
والله يوجد موضوعات مهمة جداً، إن شاء الله نتابع الحديث في درسٍ آخر، وآخر موضوع صغير الطلاق بالكتابة، الطلاق يقع بالكتابة، لكن لا يقع إلا في حالتين، إذا نُصب الطلاق إلى زوجة المطلق، ووجهت رسالة إليها، إلى زوجتي فلانة: طلقتك بالثلاث، هذا الطلاق يقع لأنه كتابةً، أي مكتوب والزوجة مضافة للزوج، والرسالة موجهة إلى الزوجة والآن هذا يفعله بعضهم، قال الأخرس أحياناً يقع طلاقه بالإشارة، أحياناً الخُرسان لهم لغة خاصة، قال: إلا أن الأخرس إذا كان يُحسن الكتابة وهو قادرٌ عليها طلاقه بالإشارة لا يقع لقدرته على أن يكتب كتابة، والإشارة لغة غير واضحة، أما الكتابة أوضح، وأحياناً يقع الطلاق عن طريق الرسول، أي يبعث واحد أي شخص إلى زوجته، بلغ فلانة أنها طالق، هذا الطلاق يقع أيضاً، فإذا كنت تمزح قول لها طالقة، لا أريدها، غضبان وطالع خُلقك قول لها: طلقتك لأخوها، ذهب وقال لها: طلقك زوجك، وقع الطلاق، الطلاق وقع عن طريق رسول، ويقع وكالةًُ، إذا أحد عمل وكالة عامة فرضاً، أحياناً يسأل اعمل وكالة عامة أريح لك، عمل وكالة عامة، لقى المحامي الزوجة معها خمسة ملايين، يطلقها منه إذا أراد، الوكالة العامة تطلق بها الزوجة، فالوكالة العامة خطيرة أيضاً، عن طريق الرسول تطلق المرأة، وعن طريق الإشارة تطلق، وعن طريق الكتابة تطلق، وعن طريق الوكالة أيضاً تطلق.
توجد موضوعات نحن في حاجة إليها وسنتابعها في الدرس القادم، وكما قلت في أول الدرس، الشباب يأخذوا احتياط، والذين لم يتزوجوا الأمر دقيق جداً، والمتزوجين وسعداء مع زوجاتهم هذه وقاية، والغير سعداء علاج، وإذا واحد ليس له علاقة بالموضوع إطلاقاً يتعرف إلى الله من خلال تشريعه.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:08 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الطلاق - الدرس ( 3 - 4 ) : التنجيز ، والتعليق ، والطلاق السني، والطلاق البدعي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-27
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... لا زلنا في موضوع الطلاق، وقد بينت لكم في دروسٍ سابقة أن حاجة المسلمين إلى الموضوعات الفقهية متفاوتة، فهناك موضوعاتٌ تشتد الحاجة إليها وكيف أشعر أنا أن هذه الموضوعات تشتد الحاجة إليها ؟ من عدد الأسئلة التي تطرح علي في الأسبوع، فإذا طُرحت عليَّ عشرة أسئلةٍ، فنصفها متعلقٌ بالطلاق، وكنت أظن أن هذا يقع به الجهلة من الناس، ولكن الشيء المؤسف هو أن رواد المساجد، وطلاب العلم أحياناً، في ساعة غضبٍ يحلفون بالطلاق وعندئذٍ يقعون في حرجٍ شديد، فانطلاقي من اختيار هذا الموضوع هو أن الواقع يفرض علينا معالجته.
وفي شيء آخر سوف أوضحه إنشاء الله تعالى، هو كيف أن الإنسان في كلِّ طورٍ من أطوار حياته هناك موضوعاتٌ يهتم بها، فالشاب يهتم بتأمين مستقبله، فكلُّ خواطره وكلُّ أفكاره، واهتماماته منصبٌ على اختيار الفرع في الجامعة، أو اختيار حرفته، فإذا اختار حرفةً واستقر فيها، تقفز إلى ساحة شعوره موضوع الزواج، فإذا هو لسنواتٍ طويلة يبحث عن شروط الزوجة الصالحة، ويبحث عن زوجةٍ صالحة، وبعد الزواج يهتم بالأولاد، يهتم بتعليم أولاده وبتزويج بناته، ثم بعد ذلك يهتم بصحته كثيراً، فهذه الآلة قد تعبت، عندئذٍ إلى العناية بصحته وما إلى ذلك، لماذا في كل طورٍ من أطوار حياته يهتم بموضوع ؟
أما في موضوع الدين هناك طوران ليسا متمايزين لكنهما متداخلين، طور معرفة الله وطور معرفة شرعه، كيف ؟ إنسان في الصحراء تائه، صحراء موحشة، قاحلة جرداء، لا ماء ولا نبات ولا طعام، بل وحوش مفترسة، أخطار، بردٌ مميت، حرٌ مميت، عطشٌ مميت وفي بهذه الصحراء واحة فيها كلُّ شيء، فيها الماء العذب النمير، فيها الطعام الوفير، فيها البيت المريح، فالداعية إن رأى شخصاً تائهاً في الصحراء ليس من الحكمة أن يتحدث له عن تفاصيل القصر، من الحكمة أن يدعوه إلى القصر، اذهب إلى هذه الواحة ؟ فإذا دخل هذه الواحة وذاك القصر، الآن ممكن أن تحدثه عن التفاصيل، هذا البناء، وعن أماكن الراحة، وأماكن الطعام وأماكن الاستجمام، وأماكن اللعب، وأماكن المطالعة، ففي كل مرحلة هناك موضوعٌ يجب أن تهتم به.
فالإنسان قبل أن يعرف الله عزَّ وجل، لا يعنى بدقائق التشريع، لا يعنى بدقائق الفقه هو في وادي والفقه في وادٍ آخر، هو شارد، ضائع، متحيِّر، مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إذاً موضوع الدعوة إلى الله في طورٍ من أطوار حياة الإنسان يجب أن يتجه إلى تعريفه بالله، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن المؤمن إذا عرف الله، الآن ينشأ عنده حاجة ملحة في معرفة أمره، استقرت نفسه، آمن بالله، وإن كان الإيمان ليس له حدٌ، له بداية وليس له نهاية، ولكن هذا المؤمن بلغ من الإيمان درجةً استقرت نفسه بها، استقرت نفسه ارتاحت نفسه، عرف أنه لا إله إلا الله، عرف وحدانية الله عزَّ وجل، عرف كماله، عرف وجوده، فنحن في طور أن نبحث عن أمره ونهيه، لذلك في البدايات النفس تتوق إلى معرفة الله بعد أن تعرف جانباً من عظمته تتوق النفس إلى أن تعرف أمره ونهيه، فأرجو الله سبحانه تعالى أن يكون أكثركم قد تجاوز مرحلة معرفة الله عزَّ وجل، لا بمعنى أنه قد أحاط، لا يعرف الله إلا الله، ولا طرف ولكن استقرت نفسه، أي اطمأن بالإيمان، إيمانه أصبح ثابتاً، حمله إيمانه على طاعة الله عزَّ وجل، الآن هو في مجال معرفة الأمر والنهي.
فنحن في الطلاق، تحدثنا في الدرس الماضي عن الطلاق بالكتابة، والطلاق عن طريق الرسول، وطلاق الأخرس، وعن موضوعاتٍ أخرى، وعن ألفاظ الطلاق الصريحة وعن ألفاظ الكناية في الطلاق، وتحدثنا عن حكم الطلاق العام والخاص، واليوم نتحدث عن موضوعاتٍ مهمة في الطلاق، التنجيز، والتعليق، والطلاق السني، والطلاق البدعي، وهذان الموضوعان من أهم موضوعات الطلاق.
فالطلاق أيها الإخوة... قد يقول قائل: أنا وزوجتي متفاهمان تماماً، ما شأني وهذا الموضوع ؟ أقول لكم أيها الإخوة الأكارم: يمكن أن تعرف الله من خلال خلقه، ويمكن أن تعرفه من خلال تشريعه، ويمكن أن تعرفه من خلال أفعاله، أفعاله تدل عليه، وتشريعه يدل عليه، وخلقه يدل عليه، فإن لم تستخدم هذا الموضوع، إن لم تكن بحاجةٍ إلى أن تطلق، فأنت بحاجةٍ إلى أن تعرف.
فهناك طلاقٌ منجز، الصيغة المنجزة أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، هذا الطلاق ليس متعلقاً لا بزمن ولا بشرط، هذا الطلاق المنجز، ليس معلقاً على شرط، وليس مضافاً إلى زمن، بل قصد الذي لفظه أن يقع الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق، وبهذا القول تكون قد طلقت، وهذا أخطر أنواع الطلاق.
لكن الطلاق الآخر هو الطلاق المعلَّق، أي أن الزوج جعل وقوع الطلاق معلقاً على شرط، فإن ذهبت إلى مكان كذا فأنت طالق، إن ذهبتِ إلى بيت أختك فلانة فأنت طالق، إن خرجتِ من البيت قبل مضي شهرٍ فأنت طالق، إن فعلتِ كذا فأنت طالق، هذا طلاقٌ معلق الطلاق المنجز يقول: أنت طالق، لم يُعلِّق الطلاق على شرط، ولم يضفه إلى زمن، أما الطلاق المعلق، هو أن يجعل وقوع الطلاق مرتبطاً بشرطٍ، أو مضافاً إلى زمنٍ.
قال: الطلاق المعلق له شروطٌ ثلاثة، أول شرط أن يكون الشرط الذي علَّقه به معدوماً، إن قال لزوجته: إن طلعت الشمس فأنت طالق، والشمس طالعة، هذا الطلاق ليس له معنى، يجب أن يكون الشرط معدوماً حين التلفظ بالطلاق.
لو فرضنا شخص قال لامرأته: إذا جاء رمضان فأنت طالق ونحن في رمضان فقال بعض العلماء: هذا الطلاق لا يقع، لأن الشرط لم يكن وقت التلفُّظ به معدوماً، وبعضهم قال: يقع، هو طلاقٌ منجز في صيغة طلاقٍ معلق.
ويوجد عندنا شيء آخر، الشرط إذا كان مستحيل، فهذا الطلاق يعد لغواً، واحد قال: إن دخل هذا الجمل في سم الخياط فأنت طالق، مع أن القرآن الكريم ذكر هذا الشرط:
﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)﴾
( سورة الأعراف )
وقد حيرت هذه الآية العلماء، والحقيقة القضية سهلة جداً، هذه صورة رمزية، أي أن هذا الإنسان المتكبر، الذي هو كالجمل، لا تُفَتَّح له أبواب السماء، ولا يسمح الله له بالإقبال عليه، ولا يتجلى على قلبه، حتى يخرج من كبره، ومن بعبعته، ومن تطاوله، ومن شعوره بالتفوق، فإذا صغر وصغر وصغر، وانكمش وصغر وصغر حتى أمكنه أن يدخل في سم الخياط عندئذٍ تفتح له أبواب السماء، عندئذٍ يتجلى الله على قلبه، عندئذٍ يكشف الله عن بصيرته فنحن في الآية الكريمة هكذا فسرها المفسرون، ليس شرطاً تعجيزياً ولكنه شرطٌ متعلقٌ بنفسية الإنسان فكلما كبرت نفسه، ونظرت إلى نسبها أو حسبها أو غناها أو شكلها، وكانت هذه النظرة المستعلية حجاباً بينه وبين الله عزَّ وجل.
الشرط الأول: أن يكون الشرط الذي علقت عليه الطلاق معدوماً حين إيقاع الطلاق فإن كان موجوداً، أو كان مستحيلاً الطلاق لا يقع.
الشرط الثاني: أن تكون المرأة حين صدور العقد محلاً للطلاق بأن تكون في عصمته، لو فرضناه قال: إن جاء رمضان فأنت طالق، طلقها في شيء آخر جعلها تفترق عنه قبل رمضان، إذاً يجب أن تكون محلاً للطلاق حين إيقاع الطلاق، ويجب أن تكون محلاً للطلاق حين وقوع الشرط الزمني.
فأكثر الأسئلة التي تأتيني في الطلاق، من الطلاق المُعلق، لكن المنجز، بحالات الغضب الشديد، بحالات أن يرغب الزوج بمنع زوجته من فعلٍ ما، أو حملها على فعلٍ ما يستخدم الطلاق المعلق، وفي حالات الغضب الشديد يستخدم الطلاق المنجز.
الآن التعليق قسمان، القسم الأول يقصد به الحمل على الفعل أو الترك، أي وكأنه يمين.
الآن أصبح الموضوع دقيق، أحياناً تجد الإنسان يحب زوجته ويكره فراقها، وهي تعجبه وهو يعجبها، وهو سعيدٌ بها وسعيدةٌ به، لكنه يكره أن تزور أختها، لأن أختها كلما زارتها رجعت بوضعٍ لا يرضي، رجعت متأففة_ً، رجعت منتقدةً، رجعت تحمل عليه، رجعت تطالبة بما لا يطيق، فقد تكون أخت بحالة مادية جيدة جداً، وسيدنا عمر قال: " من دخل على الأغنياء ( طبعاً غير المؤمنين ) خرج من عندهم وهو على الله ساخط "، فهذا الزوج والله معه حق، كلما بعثها عند أختها ترجع متغيرة، لم تكوني كذلك، ذهبت مبسوطة مسرورة، ترجع تجدها حاطة العقدة ومنزعجة، متبرمة من هذه العيشة، لم تكوني تتكلمين بهذا الكلام، فالزوج انزعج، فإذا به يحلف عليها يمين طلاق: أنك إذا ذهبت إلى بيت أختكِ فأنت طالق، هذا الذي يحصل أكثر الأسئلة بهذا الموضوع، يكره الزوج بيتاً من البيوت، قد يكون أحد البيوت به غنى فاحش مع ضعف في الإيمان، وفيه كبر واستعلاء، فهذه المرأة الساذجة إذا ذهبت إلى هذا البيت تشعر أنها محرومة من كل شيء، خرج من عندهم وهو على الله ساخط فقد ورد في سنن الترمذي:

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ" ))
أحياناً تجد بيتاً متفلتاً من الدين، النساء سافرات كاسيات عاريات مائلات مميلات أجهزة لهو، اختلاط، لا يوجد فيه انضباط، فهذه الزوجة تذهب إلى هذا البيت تعود متأثرة إيمانها ضعيف، كلمة تأخذها وكلمة تجيبها، فهو كلما رآها ذهبت إلى هذا البيت انزعج، لذلك وهذا من باب الإحصاء، أكثر الأزواج يحلفون على زوجاتهم يمين طلاقٍ معلقٍ، بألا يزرن زيداً أو عبيداً أو فلانة أو علانة أو بيت أختها، أو بيت أمها، إلى آخره، لكنه يحبها وتحبه، ويسعد بها وتسعد به، ويكره فراقها كفراق دينه، هذا طلاقٌ معلقٌ سماه العلماء طلاقاً قسمياً أي حينما حلف بالطلاق كأنه أقسم عليها، ما أراد الطلاق إطلاقاً، لكنه كأنه استخدم يميناً مغلظةً، أي إن فعلت كذا فأنت طالق.
ويوجد عندنا طلاق معلق من نوع آخر، هذا الطلاق يقصد من تلفَّظ بالطلاق أن يقع الطلاق لو حصل هذا الشرط، أي هو يضيِّق عليها حتى تبرؤه من متأخرها، إن سامحتني في متأخرك فأنت طالق، هذا طلاق ليس قسمياً، إن ضبطك مع فلان، نبهها مرة واثنين فأنت طالق إن دخل ابن عمك من دون إذنٍ مني فأنت طالق، هذا من نوع آخر.
الطلاق المعلق ؛ طلاق قسمي، وطلاق انجازي، بمعنى إن وقع هذا الشرط، فهو يريد أن يقع الطلاق.
رأي العلماء في هذين الموضوعين من الطلاق، عند جمهور العلماء، هذان الطلاقان المعلقان الأول المقصود منه القسم، والثاني المقصود منه الوقوع، يقعان عند جمهور العلماء وعند ابن حزمٍ يرى أنه لا يقع، وعند بعض العلماء هناك تفصيلات فقال:
(( إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع، وتجب فيه كفارة اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ))
أما الطلاق الشرطي، أي إن فعلتِ كذا فأنت طالق، والزوج يريد أن يقع الطلاق إن فعلت كذا، هذا رأي العلماء في موضوع الطلاق المعلق.
المحاكم في العالم الإسلامي أخذت بالرأي المعتدل، وهو أن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين لا يقع، وكفارته كفارة يمين، وأما الطلاق الذي فيه معنى الشرط، يقع ولو كان معلقاً، فأصبح عندنا طلاق منجز وطلاق معلق، الطلاق المنجز يقع فوراً، والطلاق المعلق إن كان فيه معنى اليمين، إن أراد بهذا الطلاق أن يحملها على فعلٍ ما، وأن يمنعها من فعلٍ ما وكان يكره فراقها كفراق دينه، فإن هذا الطلاق لا يقع، لأنه ما أراد الطلاق، ولقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)﴾
( سورة البقرة )
لكن في عندنا شيء آخر، لو قال واحد لزوجته: إذا جاء عيد الأضحى فأنت طالق بعض العلماء قال: هذا ما فعله النبي أبداً، فلا يوجد في السنة إطلاقاً طلاق مضاف للمستقبل لذلك بعضهم قال: هذا لا يقع، والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو من المتشددين جداً في موضوع الطلاق قال: يقع في الحال، لو أضفت الطلاق إلى وقتٍ قادم، عند أبي حنيفة يقع في الحال، وبعض العلماء قال: هذا الطلاق الذي أضيف إلى المستقبل، يقع في وقت إضافته في المستقبل الذي يأتي، هذا الطلاق المنجز، والطلاق المعلق، والمعلق نوعين، نوع فيه معنى اليمين، ونوع فيه معنى الشرط.
الآن إلى الطلاق السني، والطلاق البدعي، الطلاق السني هو الطلاق الذي شرعه الله عزَّ وجل، وبينه النبي عليه الصلاة والسلام، فملخص الملخص، أي أن الإنسان أحياناً يأتيه طور استثنائي، يغضب يتألم، يحزن، في ساعة من ساعات الغضب لا يحب هذه الزوجة يتمنى فراقها، فربنا عزَّ وجل هو خالق الإنسان، ويعرف طبيعته المتقلبة، وطبيعته التي تنطلق في فورانٍ شديد ثم تهمد شيئاً فشيئاً، فلئلا يذهب الأطفال ضحية هذا الأمر الذي ملكه الزوج جعل الله سبحانه وتعالى الطلاق مرتان، قال تعالى:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾
( سورة البقرة: آية " 229 " )
فكل إنسان طلق في مرة واحدة زوجته، ثلاثة مرات بمرة واحدة هذا طلاق بدعي أراد الله عزَّ وجل وهو خالقنا، في موضوع فصم هذه العلاقة الزوجية أن نتريَّث، فأجمل آية في هذا الموضوع، هي الآية التي يقول الله عزَّ وجل فيها:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
( سورة الطلاق )
فهذه الآية لو نزعتها من سياقها، لكتب عليها مجلدات:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

أي أن من يتق الله في تجارته، يجعل الله له مخرجاً من الأزمات الطاحنة التي تسحق التجَّار، فقد يشتغل بعشرة أضعاف رأس ماله، واشترى بضاعة بالدين، وفي علاقات ربوية، وفي مشكلات فتجده فلس، فلو أنه اتقى الله في تجارته لما وقع في هذه الإشكال، فالآية عجيبة، عجيبة جداً.
واحد اتقى الله في اختيار زوجته، اختارها من ذوات الدين، فلا يوجد عنده مشكلة معها، يجعل الله له مخرجاً من المآسي التي تصيب الأزواج الذين اختاروا زوجاتهم على أساسٍ آخر غير دينٍ.
إنسان اتقى أن يشرك بالله، جعل الله له مخرجاً من خوف الشرك، فأصبح لا يخاف فالآية عظيمة جداً يمكن أن يكتب عنها مجلدات، لكن سبحان الله هذه الآية، لو أعدتها إلى سياقها وهي حول الطلاق، لو نزعتها من سياقها، معانيها واسعةٌ جداً، تنطبق على موضوع الشرك والتوحيد، والطاعة، والمعصية، واختيار العمل، والزوجة، والتوكل، فهي واسعة جداً، أي إيجاز غني كما يسمونه، أما لو قرأتها في سياق آيات الطلاق، لرأيتها متعلقةً بالطلاق، أي ومن يتق الله في تطليق زوجته، يجعل الله له مخرجاً إلى عودتها إليه، طلقها طلاق سني في ساعة من ساعات الغضب، أو أخذ قرار بتطليقها، طلقها طلاق سني طلقة واحدة، هي في بيته، تبقى عنده ثلاثة قروء، غضب اليوم أعطيه رقم غضبه مئة، فاض به الكيل ( سكَّر العداد ) غضبه ثاني يوم ( 99 ) ثالث يوم ( 98 ) بعدين ( 90 )، فتجده يقول: والله أنا تسرعت، والله فهي ماشي حالها، والله طبخها ظريف، والله نظيفة، والله أهلها جيدين، فكل يوم يجد لها ميزة أول يوم لا أريدك خلاص، لا يريد أن يراها، ثاني يوم وجد لها خمسة أو ستة ميزات، تجد هذا العداد نزل ثم نزل، كان ( مغلِّق ) بتعبير السائقين، نزل، أصبح ثمانين، ستين، خمسين أربعين، ثلاثين، بعد جمعتين والله لماذا أنا فعلت هكذا بنفسي ؟ فهو طلق طلاق سني، عال إن قال لها: راجعتك، انتهى الأمر، لفظةٌ واحدة، يا فلانة لقد راجعتك، وفي بعض المذاهب إن وضع يده على يدها فقد راجعها، فهو عندما طلق طلاق سني، سهل جداً أن يسترجعها، لا مهر ولا عقد، سهل جداً أن يسترجعها، هذا معنى الآية:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
لكن لو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو طالقٌ بالثلاثة، وكل ما يحللك شيخ يحرمك عشرة، حاول أن تحلها، لأنه خالف السنة، فأصبح الطريق إلى إرجاعها صعباً جداً.
فلذلك الطلاق السني أنت لا تندم، الآن قررت أن تطلقها، لكن بعد أن قررت خف الغضب، العداد نزل ونزل، بردت، فلما ذهب عن موسى الغضب، والله تطليقها فيه خطأ كبير عندك أولاد مثل الورد في البيت، وهي ليس لها هذه الإساءة البالغة، أنت طلقت طلاق سني فهذا جيد، راجعها حتى لو انقضت عدتها، أول شهر، وثاني شهر، وثالث شهر، أو أول قرء والثاني، والثالث، فإذا أرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أول طاسة من الماء تضعها علي جسمها، ملكت نفسها، انتهت العدة، فأسرع قبل أن تسكب على نفسها الطاسة الأولى، فقد ملكت نفسها.
وأيضاً يمكن أن ترجع، سهلة، بعقدٍ جديد، ومهرٍ جديد، هذا التسلسل، هذا السني صارت بينكما مشكلة، حلفت عليها يمين طلاق، وقع الطلاق، ولكن وقع طلقةٌ واحدة، تمضي عدتها في بيتك، ولها أن تتزين، ولها أن تلبس ما تشاء، ولها أن تتزين لك، فإن لم تراجعها في هذه القروء الثلاثة، أو في هذه الأشهر الثلاثة، واغتسلت من الدورة الثالثة، ملكت نفسها ومع ذلك بإمكانك أن تسترجعها بعقدٍ وبمهرٍ، قد يكون المهر درهم من الفضة ممكن، لكن الآن ملكت نفسها.
أيها الإخوة... الفرق بين أن تراجعها في أيام عدتها، وبين أن تعقد عليها عقداً جديداً بعد عدتها، في فرق كبير جداً، من يعرفه ؟ الفرق إذا انقضت عدتها، العقد الذي ينعقد عليها بعد انقضاء عدتها من شروطه أن ترضى هي، فإن لم ترض طارت من عندك وذهبت أما إذا راجعتها قبل انقضاء عدتها ليس لها خيار، إن طلقتها وراجعتها في أثناء العدة، هل لها خيار في أن تقبل أو لا تقبل ؟ لا ليس لها خيار، ولا في مهر، ولا في عقد، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، كلمة ملكت نفسها أي أن الأمر لها عائد، إما أن توافق على أن تعود لك زوجة وإما أن لا توافق، فإن وافقت تأخذ مهر، إن وافقت لا بدَّ من عقدٍ ومهر، أما إن لم توافق ملكت نفسها وانتهى الأمر، فهذا الكلام دقيق جداً، فإن طلقت وهي في العدة لك أن تراجعها، إذاً الله عزّ وجل قال:
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾

( سورة البقرة: آية " 229 " )
فمن جعله مرة واحدة، فهو طلاقٌ بدعي، فالطلاق السني أي الذي تتبع فيه سنة رسول الله الطلاق مرتان، وكيف إذاً الثالثة ؟

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
( سورة البقرة: آية " 229 " )
أما الطلاق البدعي، ثلاث طلقات في طلقة واحدة، في مجلس واحد، ولموضوعٍ واحد، ولمشكلةٍ واحدة، دقق في هذه الآيات:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
المرة الأولى، طلقت، والعدة، ودخلت في العدة، وتبقى في بيتك، وتتزين لك فإن ندمت على هذا التطليق، لك أن تُراجعها، فإن انقضت العدة ولم تراجعها لك أن تعيد العقد والمهر، فإن قبلت استرجعتها، ولك أن تُطلق مرةً ثانية، تدخل في العدة، ولك أن تراجعها وهي في العدة، فإن انقضت عدتها تعقد عليها عقداً ثانياً ومهراً ثانياً وتسترجعها، ولك أن تطلقها مرةً ثالثة، لكن الثالثة، ملكت نفسها ولا يحل لها أن تسترجعها حتى تنكح زوجاً آخر، هذه هي المشكلة، لكن سبحان الله.
في موضوع الزوج الآخر هناك حكمة رائعة جداً، أحياناً المرأة تكون سيئة جداً وتظن أن زوجها سيء، فهذه لو طلقها زوجها الأول وتزوجها آخر، والآخر كرهها إلى أن طلقها ثانيةً، عندئذٍ توقن أنها هي السبب، وأنها هي السيئة، فزوجها الآخر محك للأول وزجها الثاني إن كرهها كالأول فالعلة فيها، وأنة أحبها فالعلة في زوجها الأول، هذا مؤشر دقيق، الزوج الثاني، طلقها الأول، وتزوجها الثاني، إن كرهها الثاني، فالعلة فيها، وإن رضي بها، فالعلة في زوجها الأول، فأصبح زواجها الثاني مشعر يشعرك أن سبب الطلاق إن كان من الزوجة فالثاني سيطلقها، وإن كان من الزوج فالثاني سيرضى بها.
مثل آخر: عندك في المحل موظف سيء جداً، لكنه أوهم الناس أن معلمه ظالم، يا أخي ليس عنده رحمة، معاش قليل، شغله كثير، لا أحد يتحمله هذا المعلم، لكن ماشي الحال استقال، فالموظف الذي أوهم الناس جميعاً أن الخطأ من المعلم، هو السيئ، هو الراتب قليل فلما التحق بوظيفة أُخرى، وشاهدوا أخطاءه، وانحرافاته، وتقصيراته، وكسله، صرفوه كذلك فإذا صرفته الشركة الثانية، فالعلة في الموظف، أما إذا قبلته واستفادت منه جداً، فالعلة في الأول.
موضوع دقيق جداً، حكمة أنه لا يجوز أن تعود إلى زوجها الأول إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر، الزوج الآخر إن لم يطلقها، فالعلة من زوجها الأول، وينبغي ألا تعود إليه، وإن طلقها الثاني، فالعلة منها عندئذٍ لعلها تراجع نفسها، وتصلح من نفسها، الآية الثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾
( سورة الطلاق: آية " 1 " )
يوجد عدة، يجب أن تدخل في العدة، أما لو قال لها: طلاق بالثلاث، فلم يصبح هناك عدة، لأنه في الثالثة لا يوجد عدة، بالأولى يوجد عدة، وبالثانية يوجد عدة، أما بالثالثة لا يوجد عدة، بالثالثة:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

الثالثة بينونة كبرى، أما لو أنك طلقتها أول تطليقة، ودخلت في العدة، وانقضت العدة، ملكت نفسها، فهذه بينونة صُغرى، سميت صغرى لأنك تستعيدها من دون أن تحتاج أن تنكح زوجاً آخر، لا بد من عقدٍ ومهرٍ جديدين، هذه نقطة، هذا هو نظام الطلاق السُني، سوف نعيده بشكل مختصر.
طلق، ودخلت في العدة، يوجد اختيارين، إما أن يراجعها وهي في العدة، لا يدفع شيئاً، ولا يعقد عقداً، وليس لها أن ترفض، ولا تحتاج إلى عقد، ولا إلى مهر، إن طلقتها في العدة بعد التطليقة الأولى، فإن انقضت العدة ملكت نفسها، وأصبحت هي في الخيار، فإن وافقت تعود إليك بعقدٍ ومهرٍ جديد، الآن طلقتها تطليقةً ثانية، ودخلت في العدة الثانية، إن راجعتها في أثناء العدة عادت إليك بلا مهر وبلا عقد وبلا اختيار، فإن انقضت العدة ملكت نفسها، فإن قبلت أن تعود إليك فبعقدٍ جديد وبمهرٍ جديد، أما إن طلقتها التطليقة الثالثة، فقد ملكت نفسها ولن تستطيع أن تسترجعها، إلا أن تنكح زوجاً آخر، والزوج الآخر هو الحل، إن كانت هي السبب يطلقها الثاني، وإن كنت أنت السبب، الثاني لا يطلقها، هذا الطلاق السُني، مأخوذ من قوله تعالى:
﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾


والأريح من كل هذا، إن كانت تعجبك جملةً مقبولة، ماشي الحال بنت حلال، أُم أولادك، ألفتها وألفتك، الأفضل أن تبتعد كلياً عن موضوع الطلاق، الآية الثانية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾
الآن مشكلتنا، مشكلة المسلمين في الطلاق البدعي، ما أنواع الطلاق البدعي معنى الطلاق البدعي: أي طلاقٌ ابتدعه المسلمون خلافاً للشرع، من هذا الطلاق، كأن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد، إما ثلاث طلقات متفرقات في مجلس واحد، أو أن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أي رشاً، هذا طلاقٌ بدعي.
الحالة الثانية أن يطلقها في حيض أو في نفاس، هذا طلاق بدعي آخر، لأن الطلاق السُني يجب أن تطلقها في طُهرٍ لم تمسها فيه بالضبط، فإن طلقتها في حيضٍ، فهذا طلاقٌ بدعي وإن طلقتها في طُهرٍ مسستها فيه فهذا طلاقٌ بدعيٌ أيضاً.
أجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، أنت حينما تطلق ترتكب شيئاً محرماً وأن فاعله آثم، ومعنى حرام أي يُعاقب فاعله، كل إنسان يطلق زوجته ثلاث تطليقات في آنٍ واحد فقد ارتكب حراماً، وهو آثم وسوف يعاقب عند الله عزّ وجل.
لكن السؤال الآن: الطلاق البدعي يقع ؟ هنا المشكلة، حرام حرام، لا يوجد شك أنه حرام، ولا يوجد شك أن فاعله آثم، لكن السؤال هل يقع هذا الطلاق ؟ هذه قضيةٌ خلافية هناك من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، ثلاث تطليقات في واحدة بدعي، طلقها في حيضٍ أو نفاسٍ بدعي، طلقها في طهرٍ مسها فيه بدعي، بعضهم ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، من هؤلاء عبد الله بن معمر، سعيد بن المسيب، طاووس من أصحاب ابن عباس، ابن عقيل من أئمة الحنابلة، أئمة آل البيت، الظاهرية، أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، ابن تيمية هؤلاء جميعاً يرون أن الطلاق البدعي لا يقع، وبعضهم قال: يقع ولو أنه حرام.
يعني الطلاق البدعي موضوع خلافي بين العلماء، بعضهم يوقعه ومعه أدلته وبعضهم لا يوقعه ومعهم أدلته، أي أنك دخلت في منطقة شك، ومنطقة قلق، ومنطقة حيرة، إن أردت أن تُطلق فطلق طلاقاً سُنياً، والطلاق السني ميزته، لك مخرجٌ أن تعيدها إليك:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

( سورة الطلاق: آية " 2 " )
جمهور العلماء رأوا أن من يطلق ثلاث مرات في مجلس واحد هذا الطلاق يقع ويرى بعضهم عدم وقوعه، والذين رأوا وقوعه اختلفوا، فقال بعضهم
(( إنه يقع ثلاثاً مرة واحدة ))
وقال بعضهم
(( يقع مرةً واحدة))
فكم اتجاه يوجد ؟ الطلاق ثلاثة في مرة واحدة، بعضهم قال: لا يقع إطلاقاً بعضهم قال: يقع، والذين قالوا يقع انقسموا قسمين، بعضهم قال: يقع ثلاث طلقات، وبعضهم قال: يقع طلقةً واحدة.
يوجد عندنا شيء آخر، أن هذه المرأة إن طلقها الإنسان ولم يراجعها، لم يستعيدها فإذا طلقها تطليقةً ثانيةً قبل أن يراجعها التطليقة الثانية، التطليقة الثانية لا تقع لأنه لم يتملكها ليست محلاً للطلاق، القضية دقيقة، طلَّق أول مرة ودخلت في العدة ولم يراجعها، الآن هي ليست زوجته، هي زوجته في البيت، لكن مطلقة، مطلقة وهي في العدة، فإن طلقها تطليقةً ثانية وهي في العدة، قبل أن ينهي الأولى إرجاعاً أو إمضاءً، فالطلقة الثانية لا تقع لأن الزوجة ليست محلاً للطلاق.
في رأي وهذا الرأي دقيق، أسمعكم الآية التي اعتمد عليها أصحابها، هذا الرأي أن الطلاق يحتاج إلى شهود، الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
( سورة الطلاق: آية " 2 " )
فالأشهاد في عقد القِران وفي إنهاء العلاقة، فإذا أضفنا إلى شرط الطلاق السُني أن يشهد عليه شاهدان، أصبح الطلاق في المحكمة، يعني إذا واحد من رأسه إلى رأسها في ساعة غضب يطلق ويضيع الأولاد، يوجد رأي وهذا الرأي يراه الإمام عليُّ كرم الله وجهه، والإمام جعفر الصادق، قال
(( من طلق بغير شهود فليس بشيء ))
هذا الرأي جيد ومنطقي، أنه كيف تم هذا الزواج ؟ لم ينعقد العقد إلا بشاهدين وهذا العقد لا ينفصم إلا بشاهدين، والدليل:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
إذاً لابد من أن يشهد ذوى عدلٍ على هذا الطلاق، فالطلاق إذاً الذي لا يكون مع شاهدين طلاقٌ لا يقع، في رأي الإمام سيدنا علي، والإمام جعفر الباقر، والإمام جعفر الصادق، كل هؤلاء يرون أن هذا الطلاق لا يقع.
فالطلاق البدعي كملخص، من يعد أنواع الطلاق البدعي ؟ ثلاث طلقات في مجلس واحد، أو طلقها في حيضٍ أو نفاس، أو في طُهرٍ مسها فيه، أو طلقها ولم يراجعها، فليست محلاً للطلاق، أو طلقها من غير شهود، أو اختلف مع شريكه، قال له هذا الصوف بالمئة ثلاثين بولستر، قاله: غلطان بالمئة ثمانين بولستر، تشاجروا تعاركوا، عليه بالطلاق أنه بالمئة ثلاثين بولستر، فما ذنب الموجودة قاعدة في البيت ؟ التي عندها خمسة أولاد، وشاطفة البيت ومنظفته، وطابخة الطبخ، ومرتبة نفسها، ما ذنبها هذه ؟ قال هذا الطلاق أيضاً بدعي، هذا يدخل في باب تأكيد الأيمان، اختلفوا على موضوع فحلف بالطلاق.
فممكن أن نجمعهم، ثلاث تطليقات في طلقة في مجلس واحد، طلقها في حيضٍ أو نفاس، طلقها في طهرٍ مسها فيه، طلقها قبل أن يراجعها، طلقها بلا شهود، طلقها وهي ليست طرفاً في الموضوع، ليس لها علاقة أبداً، قاعدة في بيتها، فهو قد اختلف مع شريكه، هذه أنواع الطلاق البدعي، هذه كلها محرمة، وفاعلها آثم، أما وقوعها فيه خلاف، بعض العلماء أوقع هذا الطلاق البدعي، وبعضه لم يوقع هذا الطلاق البدعي، لذلك الإنسان يحتار إذا ذهب إلى بعض المفتين يصعق، هنا قال: طلقت نهائياً، وهنا قال رجعها يا ابني، عليك كفارة يمين المسافة بينهما كبيرة كثير، إن اتبعت الأول طلقت والأولاد شُرِدوا، وإن اتبعت الثاني عليك كفارة يمين فقط، فهذه المسافة الكبيرة في آراء العلماء في موضوع الطلاق أسبابها أن الطلاق البدعي بعضهم أوقعه، وفي مقدمتهم الأحناف، وهم من أشد المذاهب في موضوع الطلاق والإمام ابن تيمية وابن قيم الجوزية هم الذين جعلوا الطلاق المعلق والطلاق البدعي لا يقع.
أصبح موضوع درسنا اليوم، الطلاق المعلق والمنجز والبدعي والسني، والأصح من هذا وذاك، لا تطلق لا معلق ولا منجز ولا بدعي ولا سني، أليس أريح هكذا ؟ يا أخي لا تتكلم معها جمعة، عيط لا شيء عليك، أو أُخبط الباب، لكن لا تطلق، فالواحد أيام يعبر عن غضبه بأشياء كثيرة جداً، أترك الطلاق يا أخي، هذا الموضوع اتركه قليلاً، لا تمر عند أهلها أنت، حاربهم يا أخي لكن لا تطلقها، لا تتكلم معها شهر لكن لا تطلقها، شيء سهل، لأنه إذا دخلت في الطلاق دخلت في الشك، لأني أنا أُعاني هذا الشيء، أعاني من إخواننا الكرام، يذهب من عالم إلى عالم، يقع في تناقض عجيب، يقول لك: كم دين يوجد ؟ هنا قال: رأساً طلقها هنا قال: ادفع كفارة، لا يوجد معك صوم ثلاث أيام وانتهت المشكلة، فيه مرونة، حتى لا تدخل في هذه المتاهة يا أخ، لا تدخل في هذا القلق، لا تعيش مع زوجتك، ليكون لا تجوز لي وبالزنا قاعد معها كذلك، أنا أرى موضوع الطلاق، لا بدعي ولا معلق ولا سنة ولا منجز، ولا طاء ولا لام ولا ألف ولا قاف، ولا حرف إذا كلمة فيها كلمة طاء ابتعد عنها أريح لك وإلى هذه الدرجة، وهذا أكمل، إذا كانت الزوجة مقبولة جملةً، أم أولادك وعشت معها ثلاثة عشر سنة أعرف واحد طلق بعد سبعة وثلاثين سنة، والله قد تأخر في ذلك.
يوجد عندنا الطلاق الرجعي والبائن، المنجز والمعلق، والبدعي والسني، فالرجعي والبائن أول طلقة هذه طلقة رجعية، ولا يعني اتجاهها رجعي أو تقدمي لا ليس بهذا المعنى طلقة رجعية أي يمكن أن تراجعها بلا مهر وبلا عقد، إن انقضت العدة ملكت نفسها، إن أرادت ترجع إليك، هي إن أرادت، بعقدٍ ومهرٍ جديد، هذا الطلاق الرجعي، وتعريفه الفقهي:
(( هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً، إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال ))
إيقاع الطلاق مقابل مال ماذا يسموه هذا ؟ هذه مخالعة، كرهته، فقال لها النبي:

(( طلقها تطليقة وردي له الحديقة ))
الآن إذا أحد مثلاً تزوج امرأة حتى وصل لها طلعت روحه، واشترى البيت وأسس البيت، واعتنى وجلب لها الهدايا، والذهب والألماس، وملابس، ويوم العرس قالت له أنا أهلي جبروني إجبار أنا لا أُريدك، كرهته إلى درجة غير معقولة، بإمكانها أن تفتدي نفسها منه، فتسامحه بكل شيء، قال لها:
(( طلقها تطليقة وردي له الحديقة))
فإذا إنسانة كرهت زوجها، له الحق أن يسترد منه كل هديةٍ قدمها لها، حتى لو كان كنزة، هذا هو الحق، ليس له ذنب، إذا كرهته فهذه هي المخالعة، قلنا لكم سابقاً: إذا كان الطلاق بسبب الزوجة هذه مخالعة، ومن طرف الزوج هذا طلاق، من طرف القاضي هذا تفريق، توجد دعوى تفريق، ودعوى طلاق، ودعوى مخالعة، الطلاق الرجعي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال. لأن الخلع ليس له مراجعة، قال له:
(( طلقها تطليقة وردي له الحديقة ))
المخالعة لها أحكام خاصة، طلقة واحدة وبينونة مع الطلقة، ولم يكن مسبوقاً بطلقةٍ أصلاً، لو مسبوق بطلقةٍ، أو كان مسبوق بطلقةٍ واحدة، إذا كان لا يوجد ولا طلقة فهو رجعي إذا يوجد طلقة واحدة فهو رجعي، طلقتين لم يعد رجعي، أصبح بينونة، إذاً الطلاق الرجعي ليس مقابل مال، ولم يسبقه ولا طلقة، أو سبقه طلقة واحدة، ثلاث حالات رجعي، أما إذا كان مقابل مال أصبح مخالعة، إن سبقه طلقتين أصبح بينونة.
الآن البينونة أيضاً نوعين، كبرى، وصغرى، الكبرى: إذا ملكت نفسها بعد تطليقتين وانقضاء عدتين دون أن يراجعها فيهما، الصغرى: إذا انقضت عدتها من طلقةٍ رجعيةٍ ولم يراجعها فيه، هذا بينونة صغرى.
كأن الله عزّ وجل يريد منا إذا نشب خلافٌ بيننا وبين زوجاتنا، نظراً لقدسية هذا العقد، ولحرمة الأولاد الصغار الذين أناط الله بالوالدين تربيتهم، كأن الله عزّ وجل أراد أن يعطيك فرصاً إن كنت نادماً، ومجمل الموضوع ملخصٌ في قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

ومن يتق الله في تطليق زوجته، يجعل الله مخرجاً في العودة إليها. والذي أنا أراه أن أكثر المطلقين بعد مضي زمن طويل يندمون على عملهم، فلا يوجد حكم شرعي يهتز له عرش الرحمن كالطلاق، طفل مثل الوردة، هذه أمه وهذا أبوه، أمه في جهة وأبوه في جهة إن ذهب عند أمه مشكلة، لعند أبوه مشكلة، لأن النبي الكريم بكى مرة عندما جاءته امرأة وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، قالت له: (( يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق عني أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أُمي ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا ))
تجد مع الأب لا يوجد تربية ولكن يوجد نقود، مع الأم توجد التربية ولكن لا يوجد نقود، فلذلك الإنسان قبل أن يلفظ يمين الطلاق ليعد للمليون، لا يوجد شيء يؤلم الزوج والزوجة كأن يرى أولاده مشردين في الطرقات، ولو أذكر لكم بعض ما تعامل به المرأة أولاد زوجها من القسوة والحقد أحياناً والإيقاع فيوجد أولاد يهيمون على وجوههم كرهاً بزوجات آبائهم، فالأم لها ترتيب خاص، الأم أودع الله فيه رحمةً وعطفاً وشفقةً بحدٍ غير معقول، أما الخالة زوجة الأب ليست كذلك، يوجد فرق كبير.
فقد سمعت قصة عن رجل توفيت والدته وهو يحبها حباً جماً، يقول هذا الرجل: أنه رآها في المنام مرَّات عديدة لكن بأحوال مزعجة، رآها مسودة الوجه، رآها تلتهب بالنار ويبدوا أنه رجل صالح، ومناماته واضحة تماماً، كأنها إعلام، أن أُمك في هذه الحالة، فرآها بعد ثماني سنوات، ورآها بحالةٍ حسنة، هكذا وجهها منير وتلبس البياض، قال لها: ما فعل الله بك يا أمي ؟ قالت له كأس الحليب فقط، كان لها أولاد زوج، فكانت تطعم أولادها حليباً كامل الدسم، وأولاد زوجها حليباً نصفه ماء ونصفه حليب، لأن هذا ابن زوجها تعطيه نصف، أي خمسين بالمئة، أما هذا ابنها تعطيه حليباً كامل الدسم، لم تفعل غير هذا الذنب، وهذه الرواية ظنية وغير قطعية لكن القصة لها دلالة قوية، أنه عندما الأم ترتكب مثل هذا التفريق بين أولاد زوجها وأولادها فالله بالمرصاد، على كلٍ نحن إذا ابتعدنا عن الطلاق ليس لنا دخل في كل هذه المتاهات وهذه المشكلات.
فالطلاق كما قلت قبل درسين أو ثلاثة، الطلاق له أسباب جوهرية نص عليها العلماء في حالتين فقط، شككت في سلوكها، أي إذا شككت أن أولادك ليسوا منك مثلاً، هذه حالات نعوذ بالله منها وهي نادرة جداً، هذه حالة توجب الطلاق، أو لا يمكن أن تكفك عن الحرام، وهاتين الحالتين نادرتين، أما الباقي الحالات كلها مقبولة، الحقيقة
(( أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتمرري وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي ))
الكمال المطلق ليس في الدنيا، الكمال المطلق في الآخرة، لو أنه في الدنيا لأعرضت عن الآخرة، فهذه الزوجة المثالية، قال: واحد أراد أن يخطب، أعطى أمه ثماني عشر شرطاً ؛ الشكل والطول واللون والنسب والحسب والذكاء والثقافة والمال والغنى إلخ، ذهبت ودارت سنة لم تجد، مستحيل لأن كلها شروط تعجيزية، بحثت سنة ولم تجد شيء مناسب، فتخلى عن شرط، سنة ثانية تخلى عن شرط ثاني، الثالثة عن شرط، بعدها بقي على شرط واحد، هو أن تقبل فيه واحدة من النساء. فهذا الكمال المطلق غير موجود يا إخواننا، وأنت لست كاملاً، إذا هي ليست كاملة، أنت لست كاملاً، كن واقعي تعيش حياة سعيدة، عندما تكون غير واقعي هذا شيء مستحيل، فهذه الدنيا ليست دار مقر، بل دار ممر، فقد أمرنا الله تعالى بأن نعاشرهن بالمعروف فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾
( سورة النساء )
وقال:

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:11 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الطلاق - الدرس ( 4 - 4 ) : التفريق والخلع .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-01-03
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... لا زلنا في موضوعات الفقه، والموضوعات كما بينت لكم من قبل، موضوعاتٌ أشعر أننا في أمس الحاجة إليها، من خلال توقعٍ أو واقع، أكثر الأسئلة التي تردُ من إخوةٍ كرام أربعة أخماسها، أو أقل بقليل تتعلق بالطلاق.
فالإنسان علاقته مع زوجته هذه علاقة واقعة وقائمة، وهذه العلاقة قد تتعثرها بعض المشكلات، أي حينما يلجأ الزوج إلى حل مشكلته عن طريق يمين الطلاق، فهذا طريقٌ فيه خطأٌ كبير، وقد بينت في الدرس الماضي كيف أن هناك الطلاق السُني، والطلاق البدعي، طلاقٌ ثلاث مرات في مجلس واحد، ولموضوع واحد، هذا طلاق بدعي، طلاق الزوجة وهي في حيضٍ طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة في طُهرٍ مسها فيه طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة لموضوعٍ لا علاقة لها به هذا طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة قبل أن تراجعها تطليقةً ثانية هذا طلاقٌ بدعي طلاقٌ بلا شهود.
هذا الموضوع تم عرضه في الدرس الماضي، وبينت أن الطلاق البدعي عند جمهور العلماء يقع، ولو أنه بدعي، وعند بعض العلماء لا يقع، إذاً يوجد مخاطرة كبيرة، لو أنك خالفت السنة في تطليق زوجتك فإن الطلاق يقع، عند جمهور العلماء.
والطلاق كما أراده الله عزّ وجل صمام أمان، والطلاق فيه مراحل يمكن للرجل إذا ندم على فعلته أن يتلافى الندم، حينما جعل الطلاق تطليقة أولى وعِدة، تطليقة ثانية و عدة، ثم البينونة الكبرى، كل هذا تم في درسٍ ماضي.
واليوم ننتقل إلى موضوعٍ آخر ألا وهو التفريق، يوجد عندنا تطليق، وتفريق وخلع، التطليق من حق الزوج، والتفريق من حق القاضي، والخلع من حق الزوجة، الزوجة في بعض الحالات تتطلب أن تخلع من زوجها مقابل أن تسامحه بكل شيء، والقاضي أحياناً حينما ترفع له قضية امرأة سافر عنها زوجها ولم يعد، وظل مسافراً سنتين أو ثلاثة، لا تعلم عن أخباره شيئاً، القاضي يصدر قراراً بالتفريق، وحكمه نافذ، وبإمكانها أن تتزوج بعد قرار التفريق، فالدرس اليوم عن التفريق والخلع، ولكن قبل أن نخوض في تفاصيل أحكام التفريق والخلع، لابد من مقدمة.
أيها الإخوة الأكارم... الإنسان يوجد عنده شيئان أساسيان، الإيمان بالله والعمل الصالح، لأن الله عزّ وجل يقول:
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾
( سورة العصر )
أي الزمن يستهلكه، كلما مضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، يقدر يتلافى الخسارة في حالةٍ واحدة، أن يستهلك وقته في الإيمان والعمل الصالح، الآن دقق، الإيمان بالكون، الإيمان بالكتاب، القرآن الكريم والسُنة، الإيمان بالأحداث أي أفعال الله عزّ وجل، فأنت من خلال الأحداث تؤمن، ومن خلال القرآن الكريم والسُنة تؤمن، ومن خلال الكون تؤمن، ولكن إذا آمنت، إذا آمنت من خلال هذه المصادر الثلاث، وصدقت بما جاء النبيّ عليه الصلاة والسلام الآن شطر الإيمان أن تنعقد صلةٌ لك بالله عزّ وجل، هذه الصلة أساس إشراق الحقيقة في النفس يقول لك: فلان مستنير، فلان يمشي على هدى، وربنا عزّ وجل قال:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾
( سورة الملك )
يا إخوان إن حال المؤمن حال عجيب، المؤمن مستنير، قبل قليل أخ حدثني كلمة تأثرت لها، قال: أنه تنبأ لفلان بشيء فوقع، المؤمن هل يعلم الغيب ؟ لا والله لا يعلم الغيب لكن المؤمن يعلم قوانين الله عزّ وجل، يعلم هذه السُنن التي سنها الله عزّ وجل، فغير المؤمن يظن نفسه أنه شاطر عندما يأكل مال حرام، ويقتنص اللذائذ المُحرمة، ويعتدي على حقوق الآخرين، فهو يعد نفسه ذكي بهذا الشيء، فيأتي العقاب الإلهي فيسحقه سحقاً، أما المؤمن مستنير، يعرف أن العباد لهم رب، وحقوق العباد محفوظة عند الله عزّ وجل، إذاً عندما الإنسان يؤمن بوجود الله وكماله وأسماؤه الحُسنى ووحدانيته، من خلال الكون أو القرآن أو الحوادث وتنعقد مع الله صلة، الآن ثمار الإيمان ثلاث ثمار كبرى، أول ثمرة: إشراق الحقيقة في نفسه المؤمن مستنير، وكل ما يجري حوله له تفسير عنده، تفسير واضح تماماً، فلان كان ورعاً فأكرمه الله، فلان أكل مالاً حراماً فأتلف الله ماله، فلان ظلم الآخرين فظلموه، فلان أحسن فأُحسن إليه، تلاقي كلما سمع قصةً، أو عاين واقعةً شعر أن هذه الواقعة تندرج في منظومة الإيمان.
لذلك أنا قلت لإخواننا البارحة: أنه إذا سمعت قصة تقوي الإيمان فارويها، إنسان كان ورعاً فأكرمه الله، إنسان تعفف عن الحرام فأكرمه الله، إنسان أكل مالاً حراماً فأتلف الله ماله، هذه قصص تُقوي، كما قلت في درس الجمعة: الله عزّ وجل قال:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾
( سورة يوسف: آية " 111 " )
إذاً بالقصة يوجد عبرة، وشيء ثاني في القصة:

﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
( سورة هود: آية " 120 " )
أحياناً القصة الصادقة الواقعية تعطيك دعم، تعطيك بالتعبير الحديث زخم، قوة معنوية عالية، أن الله عزّ وجل موجود، والله كبير، والله كريم، والله لا يتخلى عن المؤمنين وسينصرهم، فلذلك أول ثمرة بالإيمان هي إشراق الحقيقة في النفس، فلان مستنير، فلان يمشي على هدى، معه مفاتيح النجاح، معه قوانين النجاح، يعرف أسباب الهلاك، يعرف أسباب الدمار، يعرف أسباب الشقاء الزوجي، أسباب السعادة الزوجية، يعرف أسباب النجاح بالعمل التجاري، يعرف أسباب الإخفاق بالعمل التجاري، يعرف أسباب السعادة النفسية الداخلية، كل هذا يعرفه، كلها من خلال كتاب الله عزّ وجل، من خلال دروس العلم، من خلال السُنة النبوية إذاً أول ثمرة من ثمار الإيمان: إشراق الحقيقة في النفس، المؤمن صاحب بصيرة، الثمرة الثانية بعد إشراق الحقيقة وهي: اصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية، لا تصدق مؤمن كذاب لا تصدق هذا ليس مؤمن، المؤمن صادق، المؤمن أمين، المؤمن كريم، المؤمن عنده نفسية متواضعة، المؤمن عفو، المؤمن متسامح، المؤمن مُنصف، المؤمن يحاسب نفسه حساب شديد المؤمن تحت قدمه كل العنعنات الجاهلية.
يعني مرة قال لي أخ: أنه سكن في بناء أغلب سكانها من أُسرة واحدة، واحد منهم قال له: من أنت ؟ قال لي: قد جرحني، وهذه عنعنة جاهلية، عندما تعرفون أن أحد الصحابة في ساعة غضب غضِب من سيدنا بلال فقال له: يا ابن السوداء، فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب غضباً شديداً، فقال له:

﴿ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ...﴾
( رواه البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد )
عندما تقول أنا ابن فلان، أنا أتكلم بكذا ألف، أو أنا حجمي المالي كذا، عندما تقول من هو فلان ؟ أو ما معه فلان ؟ حينما تنطلق انطلاق عنصري في جاهلية، أما المؤمن متواضع أولاً، ويحترم جميع الخلق من دون استثناء، إذاً أول ثمرة من ثمار الإيمان: إشراق الحقائق في النفس، المؤمن مستنير، أحياناً تجلس مع واحد ابن صنعة، يقول لك: هذه إذا فعلت ذلك يصير معك هكذا، إذا لم تغسل القماش ينكمش على التفصيل، إذا لم يكن القماش مكوي على الطريقة الفلانية يعمل لك مشاكل، من هو صاحب الخبرة ؟ يوجد عنده آلاف الحقائق، كلها متراكمة عنده، فكل غلطة لها نتيجة، كل غلطة لها ثمن، كل جهد زائد في الصنعة له ثمن أيضاً، فكيف أن أصحاب الصنعات يعرف ويتنبأ بما سيكون لا من باب علم الغيب، ولكن من باب معرفة القوانين، كذلك المؤمن تشرق الحقائق في نفسه، يعرف مثلاً: من عَقَّ والديه سيأتيه أولادٌ يعقونه، يعرف أن من كسب مالاً حلالاً بارك الله له فيه، لذلك يتهنى، يكون دخله قليل لكن فيه البركة، وأنا أُؤمن بالبركة، تلاقيه يأكل، ويشرب، ويلبس، وحجم دخله لا يكفيه ثلاثة أيام حسب مقاييس الناس، كيف كفاه ؟ الله عزّ وجل بارك له فيه لأنه مالٌ حلال، والمال الحرام كثير جداً لكنه يذهب بطريقةٍ أو بأُخرى تؤلم صاحبها، لأن الله أتلفه، والنتيجة أن الإنسان إذا آمن بوجود الله وبكماله وبوحدانيته من خلال الكون أو الأفعال أو القرآن، وعقد مع ربه صلةً محكمةً، أشرقت الحقيقة في نفسه أولاً، وثانياً اصطبغ بالكمال الإنساني، المؤمن محبوب، وإن لم يكن محبوباً فهو ليس مؤمناً، لماذا لا يُحب وهو الصادق الذي لا يكذب ؟
قلت لكم: مرة إنسان كان له عمل لا يُرضي الله إطلاقاً، فاصطلح مع الله وتاب واعتزل العمل الذي لا يرضي الله، فسُئل: أن ما الذي جعلك تؤمن ؟ قال له: أنا أعيش في جو كذب، وجو نِفاق، وجو خِداع ومؤامرات، وفي النهاية كلنا أشقياء، فلما خالطت أهل الإيمان قبل أن يصطلح مع الله قال: رأيت الصدق والوفاء، رأيت التعاون، رأيت السعادة.
فأنت اجلس مع المؤمنين، هذا شيء مريح جداً، إنسان أولاً: طيب القلب صافي إذاً من ثمار، الإيمان إشراق الحقائق في النفس، واصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية، والشيء الثالث: الانغماس في السعادة الروحية.
اليوم في الفجر حكيت لإخواننا كلمة، أجد نفسي حريصاً على إعادتها، وحتى لا نضيع الوقت يوجد نقطة وهي: يجب أن تصل إلى الله، وإن لم تصل إليه، يوجد في الدين نشاطات كثيرة جداً ؛ ممكن تستمع إلى دروس علم، ممكن تساهم في عمل خيري، ممكن تحفظ كتاب الله وهذا شيء عظيم، ممكن تؤلف كتب، ممكن تنشر علم، لكن من أجل أن تصل إلى الله لا بد من إحكام استقامتك، لابد من طاعته طاعةً تامة، لابد من بذل شيءٍ ثمينٍ في سبيله، إذا أطعته إطاعة تامة، وبذلت شيء ثمين، تصل إليه، فإذا وصلت إليه أنزل على قلبك السكينة ذكرت هذا في صلاة الفجر اليوم، لأن الله عزّ وجل يقول:

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ﴾
( سورة الفتح: آية " 4 " )
يعني المؤمن متمسِّك بدينه، متمسك بمجلس العلم، لأنه قنعان ؟ لا لأنه أبلغ من قنعان، لأن نفسه انتشت بالقرب من الله عزّ وجل، عندما أقبل على الله واتصل به شعر بالطمأنينة، شعر بالسعادة، لذلك السكينة التي يلقيها الله على قلوب المؤمنين، هي التي تشدهم إلى الدين، بالإضافة إلى إيمانهم بوحدانية الله وبعظمته وبأسمائه وبكمالاته إضافةً.

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾
فيا إخواننا الكرام إذا نحن تمكنا، ضبطنا أُمورنا، ضبطنا استقامتنا، بذلنا مما أكرمنا الله به من علم، من مال، أهل الغنى عليهم أن يُنفقوا مما أفاء الله عليهم، أهل العلم عليهم أن يُنفقوا من علمهم، أهل الجاه عليهم أن يُنفقوا من جاههم، الاستقامة سلبية، والعمل الصالح إيجابي، أنت عندما تنضبط تلزم سبيل الاستقامة تماماً، لا تحيد عنها، في بيتك، في عملك، في نشاطاتك في لهوك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في علاقاتك بأهلك وأولادك وبوالديك، أي حينما تلتزم أمر الله عزّ وجل، وحينما تبذل مما أفاء الله عليك، عندئذٍ تنعقد مع الله الصلة، عندئذٍ تصل إلى الله، ومن ذاق عرف، ومن وصل عرف، والقصة التي تعرِفونها جميعاً: أن واحد خطب بنت أحد الشيوخ، فهذا الشيخ يظهر أن الله مفتح له بصيرته، قال له: يا ابني هذه مهرها غالي كثير، قال له ما هو مهرها ؟ قال: أن تحضر عندي، قال: نرضيه ونعمل له كم درس ما هذا المهر العظيم.
يوجد أخ من إخواننا أحضر لي خطيب على البيت وقال لي: هذا خاطب ابنتي قلت له: والله أهلاً وسهلاً، لكن نحن إخواننا لهم التزامهم بالدرس فقال لي: أحضر ولا شيء في ذلك، قلت له: أهلاً وسهلاً، فأصبحت أُلاحظه أثناء الدرس قاعد متضايق، أصبح الدرس ضريبة بالنسبة له، وأشعر أنه ليس معنا إطلاقاً، صدقوني بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة انقلبت أحواله كلها واندمج، فقال: سبحان الله مثل ما قال الإمام الغزالي:
(( أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله ))
أنت أحياناً يستحي منك شخصاً حياءً فيأتي معك إلى الدرس، يجوز يعمل مفتاح الاشتعال ( الكونتاك ) عنده بعد الدرس، فأول الأمر جاء ليرضيك، وبعدها اشتغل، وأقبل فأشرق الإيمان في قلبه، فلا تزهد، فأنا أردت من هذه المقدمة أن الإيمان أولاً: فيه إشراق حقيقة، ثانياً بالإيمان: يوجد شيء ثمين وهو الاصطباغ بالكمالات الإنسانية، المؤمن وفي.
فقد حدثني اليوم أخ يعطي دروس خاصة، قال لي: والله إذا لم أفيد الطالب أحس إني أكلت مال حرام، قلت له: بارك الله بك، وقلت له: والله التدريس الخاص، ممكن ألف مدرس يأخذ منك على الدرس خمسمئة ليرة ولا يعلم ابنك، يجلس معه ساعة، يعطي له كم تمرين وحلهم، وإذا لم يعرف حلهم يحلهم له هو، لكن لم يعلمه كيف يحل التمرين، ولكنه جلس ساعة وأخذ خمسمئة ليرة، لكن المؤمن لا يأخذ خمسمئة ليرة حتى يعلمه فعلاً، حتى يعلمه كيف يحل مسألة، كيف يعرب، كيف يكتب موضوع تعبير، إذا لم يقدم له شيء ثمين لا يأخذ مبلغ إذاً الإيمان فيه إشراق، وفيه كمالات، وفيه انغماس بسعادة روحية.
يا إخوان إن لم تشعر بهذه السعادة فهناك مشكلة، أي إذا لم تشعر أنك قريب من الله وسعيد، راجع نفسك، لا تمشيها، ولا تقول: أنا أذهب إلى الدروس، أنا أُصلي، أنا حججت خمس حجج، أنا عملت ثلاث عمرات، أنا أدفع زكاة مالي، إذا لم تصل إلى الله عزّ وجل وأخذت من الله السكينة هذه راجع حساباتك، كن واعي، وأعرف قيمة الحياة، وإن الحياة ثمينة جداً، هذه النقطة الثانية، إذاً الذين آمنوا، آمنا بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، آمنا بوجوده ووحدانيته وكماله، آمنا من خلال الكون والقرآن والأحداث، عندما آمنا انعقدت مع الله صلة وعلى أساس هذه الصلة الحقيقة بالنفس أشرقت، اصطبغت بالكمال، أصبحت إنسان أخلاقي يشار لك بالبنان، هذا لا يكذب، هذا لا يغش، المؤمن يحاسب نفسه حساب عسير، حتى في كل الحِرف، تلاقي نفسك ترتاح لصاحب الحِرف المؤمن، يعني معقول صاحب حِرفة مؤمن يغشك يقول لك: والله وضعنا قطعة من الوكالة وهي عتيقة، يقول لك: هذه غيرناها، وهو لم يغيرها معقول ؟ لا مستحيلة هذه، مستحيل، لأنه يعرف أن الله موجود ويراقب، الشيء الثالث انغماس السعادة الروحية، إشراق الحقيقة بالنفس، الاصطباغ بالكمالات البشرية.
الآن توجد فكرة دقيقة تكلمت عنها في خطبة الجمعة، في اللحظة التي تستقر حقيقة الإيمان في النفس، يتحرك الإنسان نحو العمل الصالح، إيمان سكوني لا يوجد يا إخوان، لا تغشوا أنفسكم، واحد نواياه طيبة مؤمن، فهذا إيمان مُزيف، الإيمان حركي، مثلاً: أب ويوجد مدفأة مشتعلة، وابنه عمره سنتين وماشي باتجاه المدفأة، فهل يظل الأب ساكت ؟ هذا مستحيل لا يتكلم بل يقفز ويمسكه من يده، أي مادام يوجد في قلب الأب رحمة، والطفل الصغير الجاهل بأخطار النار يدفع الأب للحركة، فتقول لي مؤمن، فالمؤمن يتحرك نحو العمل الصالح، هذا معنى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
لكن:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
الحق يوجد عنده طريقة ذاتية للنمو، الحق إذا لم ينمو، الباطل يحاصره، الحق إن لم ينمو، فهو يتراجع، فأنت كفرد عليك أن تؤمن وتعمل صالحاً، أما كفرد في مجتمع، عليك أن تتواصى بالحق، لذلك مؤمن ساكت لا يوجد، المؤمن علامة إيمانه أنه يسعى، كل واحد منكم له أقرباء، له جيران، له زملاء عمل، له أصدقاء، له رفقاء ما قبل الإيمان، هؤلاء كلهم في ذمته، دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة ))
لك رفيق بالابتدائي، لك رفيق بالعسكرية، لك رفيق بالبيت القديم، بالحارة القديمة لك رفيق عندما كنت تعمل في القماش، لك صديق مثلاً رافقته مرة في رحلة طويلة، صاحبته ساعة، مادام لك مع أخ صحبة ساعة،
(( إن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة ))
واحد تزوج، دخل إلى بيت أهل زوجته، فرأى حماته طبعاً أصبحت من محارمه وله أصهر هم إخوة الزوجة، عندما صار بينه وبينهم معرفة هؤلاء أصبحوا في مسؤوليته، فإذا وجد انحراف فعليه أن يهديهم، أن يدلهم على الله، أن يدعوهم إلى مجلس العلم، فالحق كيف ينمو ؟ ينموا بالتواصي بالحق، هذا التواصي ينمي الحق، هذا النمو إن لم يكن كان الانكماش الباطل ينمو، فالحق إذا لم ينمو الباطل حاصره، وحتى الحق لا يتحاصر ويُحاصر الباطل فلابد من التواصي، كلمة تنمية كلمة يقولها العالم كله اليوم، كل شيء ينمو، الشركات تنمو الاقتصاد ينمو، الإنتاج القومي ينمو، والحق يجب أن ينمو، فإن لم ينمو الحق يتراجع، لذلك حاسب نفسك هذا الحساب، عندما تجد نفسك لا يهمك أحد، فقط يهمك دخلك وبيتك، ومصالحك الشخصية، ونجاح مصلحتك، وآكل وشارب ونائم متدفي، لابس، ولا يوجد شيء تشتهيه ما أكلته، وعلى الدنيا السلام وهذه الحياة كلها، لا تغضب من نفسك، كن صريح معها، قول: أنا لا يوجد في إيمان، كلمة إيمان تعني التحرك نحو خدمة الخلق:

﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
عندما كنا صغار كان يوجد خط قطار إلى بيروت، وكان يستغرق إثنا عشر ساعة كان يلفت نظري بهذا الخط عند بعض الجبال يوجد ضمن السكة خط ثالث مسنن، سألت عنه فقيل لي: هذا مسنن لأن القطار عندما يصعد لسبب أو لآخر وتوقف عن الحركة وحتى لا يتراجع، لأن حديد على حديد يصبح انزلاق، يوجد أسنان، والأسنان مربوطة بالقاطرة الأساسية فهذا المثل ترك في نفسي أثر أن الإنسان يصعد ولكن يجب أن لا يرجع، التواصي بالحق أي ينهض بالحق، أما التواصي بالصبر أي مسننات تمنع التراجع، فالصبر لئلا تتراجع، لئلا تنتكس، لئلا تضعف، لئلا تهون على الناس، اصبر وما صبرك إلا بالله، فهذه الآية في سورة العصر كانت محور الخطبة السابقة، أنك كفرد عليك أن تؤمن وتعمل صالحاً، وكفرد في مجموع عليك أن تدعو إلى الله، وأن تتحمل كل المتاعب، الدعوة إلى الله تنمية للحق، وتحمُّل المتاعب صيانة للحق من أي تراجع.
الآن ما علاقة هذه المقدمة بهذا الدرس ؟ يوجد علاقة وشيجة، المؤمن يعيش لرسالة يعيش لهدف كبير، فيكون مسيء لزوجته التي هي أقرب الناس إليه ؟!! هذا مستحيل.
وتكلمنا في الدرس الماضي، أن المرأة تطلق في حالتين نادرتين، حينما يشك في سلوكها، أي حينما يشك أنها زانية يطلقها، وحينما تفقد قيمتها أي حينما لا تحصنه، فأصل الزواج أن تحصنه عن الحرام، فإن لم تكن محصنةً له هذه حالة ثانية، لكن ما سِوى الحالات فأنا أحياناً أسمع عشرات الشكاوى، وأن كل هذا الكلام لا يوجب الطلاق، مهما تكلمت، لو ذكرت لي مئة علة لها، كل هذه العلل بمجموعها لا ترقى إلى مستوى أن تطلق، ومع التطليق تشريد الأولاد، والأصح إن سألتموني هذا السؤال: المؤمن لماذا لا يطلق ؟ والطلاق مباح، أنا لي جواب خاص: لا يطلق، لأنه حينما تزوج، تزوج وفق الشرع، اختارها مؤمنة، مادام اختارها مؤمنة إذاً لا يحتاج إلى تطليقها، هذه نقطة.
درس اليوم أنه إذا فرضنا إنسان ترك زوجته وسافر، يوجد عندنا موضوع اسمه التفريق، أول حالة قال: " الزوجة لها الحق أن تطلب من القاضي التطليق من زوجها إذا امتنع عن الإنفاق عليها "، نحن يوجد عندنا قاعدة أساسية في الزواج:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
( النساء: آية " 34 " )
فالزوج حينما ينفق على زوجته له حق القوامة، فإذا امتنع ، فهو حبسها له، حبسها لصالحه، أعطاه الله حقوقاً كثيرةً عليها، أي له عليها، مقابل هذه الحقوق عليه أن يُنفق عليها فإذا امتنع عن الإنفاق عليها فالزوجة لها الحق أن تطلب التفريق من قِبل القاضي، هذا الموضوع خلافي، دائماً وأبداً إذا قلت هذا الموضوع خلافي، أي أن هناك فقهاء أجابوا بوجوب التطليق وهناك فقهاء منعوا التطليق، لهؤلاء حجج، ولهؤلاء حجج، الذين رأوا أن الزوج إذا امتنع عن الإنفاق على زوجته لها الحق أن تطالبه بالتطليق، قال: إن هؤلاء حجتهم أن الزوج مكلفٌ أن يمسك زوجته بالمعروف، أو يسرحها بإحسان لقوله تعالى:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
( سورة البقرة: آية " 229 " )
الإمساك بالمعروف من أُولى شرائطه أن تنفق عليها، فإن لم تنفق عليها أنت أمسكتها بغير معروف، هذه أول حجة، الحجة الثانية، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾
( سورة البقرة: آية 231 " )
فهي تكون مربوطة لك، وموقوفة لخدمتك، وهي محصورة فيك وهي جائعة !! ليس لها مسكن، ليس لها طعام تأكله، يدخل مع الامتناع عن الإنفاق البخل، لا يوجد صفة تمتِّن علاقة الزوج بزوجته كالإكرام، فالبخل عامل مهدِّم للسعادة الزوجية، والنبي الكريم يقول:

(( ليس منا من وسَّع الله عليه ثم قتر على عياله ))
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ))
فالإنسان إذا امتنع عن الإنفاق عن زوجته فقد أضر بها، وبعض العلماء قال: لا الله عزَّ وجل قال:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
( سورة الطلاق )
معناها إذا كان في تقطير، والزوج معسر فعلاً في حكم، وإذا الزوج ميسور الحال ويمتنع عن الإنفاق إضراراً بالزوجة، أصبح في حكم آخر، فقد إختلف الوضع، فهناك معسر وفي ممتنع، الممتنع له حل، والمعسر له الصبر، لكن سبحان الله في نظام، الزوج مكلف أن يطعم زوجته مما يأكل، لا يكلِّفه الله فوق ذلك، لماذا ؟ حتى لا يكون في ضغط من الزوجات على أزواجهن من أجل أن يكسبوا مالاً حراماً لينفقوا عليهن، كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها
(( اتق الله بنا نحن بك، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام ))
أي نحن إقبالنا على الله أساسه أنت، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام هكذا كانوا الزوجات الصالحات، فهذه الآية تبين إذا كان الزوج معسر يجب أن نصبر، وما دام الزوج يطعمنا مما نأكل لم يعد هناك ظلم، لكن متى الظلم ؟ إذا كان هو يأكل ما لذَّ وطاب ويحرم أهله.
سئل إمام كبير عن رجل عاجز عن الإنفاق على زوجته: أيفرق بينهما ؟ قال: " نستأني به ولا يفرق بينهما ت وتلى الآية الكريمة، الآية:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
يوجد عندنا استنباط آخر، أن الصحابة الكرام، فيهم الغني وفيهم المعسر، وما ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق امرأةً من صحابيٍ لأنه معسر، هذا الحكم لم يكن على عهد النبي موجود.
ولما نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سألنه شيئاً لا يملّكه، عوقبوا من قبل الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)﴾
( سورة الأحزاب )
والآية معروفة، فالحكم الوسط: إذا الزوج يمتنع إضراراً، وكيداً، وإيقاعاً للأذى بزوجته، فلها الحق عندئذٍ أن تطالب القاضي أن يفرق بينهما، أما إذا الزوج معسور، الزوجة المؤمنة تصبر حتى يكرمه الله عزَّ وجل.
الآن في عندنا حالة ثانية، القاضي يفرق بين الزوجين قال: " إذا كان الزوج غائباً غيبةً قريبة، غاب ولم يترك شيئاً قال: " إن كان له مالٌ ظاهر أي له دكان وفيها موظفين، له مثلاً أموال مستثمرها عند أشخاص، إن كان له مال ظاهر القاضي يحكم بأن يؤخذ من المال شيئاً للإنفاق على زوجته، وإذا لم يكن يوجد مال ظاهر، القاضي يوجه له إنذار بالطرق المعروفة الآن بالصحف يوجه له إنذار، ويضرب له أجلاً، فإن لم يرسل نفقة زوجته على نفسها، أو لم يحضر للإنفاق عليها، طلق القاضي هذه الزوجة بعد مضي الأجل، أي إذا واحد يترك ويمشي.
ولآن في عندنا حالة ثانية، القاضي يفرق بين الزوجين قال: " إذا كان الزوج غائباً غيبةً قريبة، غاب ولم يترك شيئاً قال: " إن كان له مالٌ ظاهر أي له دكان وفيها موظفين، له مثلاً أموال مستثمرها عند أشخاص، إن كان له مال ظاهر القاضي يحكم بأن يؤخذ من المال شيئاً للإنفاق على الله أنا اليوم سمعت قصة ءآلمتنى جداً قال لي: واحد تزوج فتاة وأنجب منها ولدين وتركها وسافر، وأصبح غائباً ثلاثة سنوات، أبوها أنفق عليها حتى عجز الأب أبو البنت، وأبو الزوج أنفق حتى عجز، فرفعت أمرها إلى القاضي فطلّقها منه، إذاً، إذا إنسان غاب ولم ينفق على زوجته ، القاضي يحق له أن يحكم بالتفريق بينهما.
أحياناً الزوجة تطلب من القاضي التفريق إذا ادعت أن زوجها يوقع بها ضرراً بالغاً لا يستطاع تحمُّله، أخبرني أحد الإخوة وهو من إخواننا الكرام ومن رواد هذا المسجد عن قصة سوف أقولها لكم لأنها تفيدنا وهي مؤثرة: شاب في ريعان الشباب، وعنده معمل وغني، الله الغني بالتعبير العامي، وله مقصف جميل في سهل الزبداني، وفيلا فخمة، أي أناس من أهل اليسار أي الغنى، فخطب الفتاة من أسرةٍ محافظة، وأيضاً هذا تعبير شائع، يبدو أن الأب علمها تعليم جيد، والفتاة صالحة، ودينة، وتحفظ كتاب الله عزَّ وجل، لكن هذا الشاب عقيدته عقيدة تفلت، فبعدما تزوجها زاره رفاقه فقال لها: أحضري لنا القهوة، قالت له: أنا لا أدخل على رفاقك، وكلما طلب منها طلب طبعاً الطلب من خلاف الشرع ترفضه، وإذا طلب منها أن يسهرا معاً في الفندق في عيد رأس السنة، تقول له: أنا لا أذهب معك، هو متفلِّت كثيراً من الدين يريد أن يعيش حياة عصرية ؛ اختلاط ونزهات وحفلات ونوادي، وهي لا تتجاوب معه، فوقع في مشكلة، فهو يريد فتاة تتجاوب معه، وهذه الفتاة تربيتها إسلامية، وترفض كل طلب خلاف الشرع، فالأب اقترح أنه يطلقها مادام خلاف رغبتك طلقها، الأم قالت: لا لماذا تطلقها نحن لنا ترتيب آخر فلا تطلقها، تطلب الفراق هي، تطلب الطلاق أو الفراق من دون أن تأخذ شيئاً فالقصة أن كان متأخرها كبير جداً ويهز الأسرة، فالأم رسمت خطة أنه يؤذيها، يغيب للساعة اثنين كلُّ يوم، كلامه قاسي جداً، يستخدم السباب الجارح، يهينها أمام أهله، يحرمها من كل طلباتها، فبعد شهر أو شهرين طلبت المخالعة وتسامحه بكل شيء، الخطة نجحت، والدته رسمت خطة ونجحت، فبدلاً من أن تضع لها مئتين أو ثلاثمئة ألف متأخر، فهذه الطريقة أريح كلام قاسي، ضرب أحياناً، إهانة، سباب، إذلال فطبعاً بعد أسبوعين ثلاثة أو شهر لم تتحمل يقولوا أنها خرجت من عنده بثيابها فقط، حتى ثيابها الأخرى لم تأخذها، وسامحته من كل شيء وخلعها عن عصمته، وانتهى الأمر، ثم خطب فتاة كما تروق له، بالتعبير العصري ( اسبور) تستقبل رفاقه بغيابه، ممكن أن تدخل معه على الفنادق، ممكن أن تسهر معه، فهذا الشاب كلما وقع بورطة ونفد منها، يقول: والله خلصنا من الورطة مثل ما خلصنا من متأخر فلانة أصبحت فلانة التي تزوجها وضارها إلى أن سامحته بكل شيء، أصبحت هذه القصة عند هذا الشاب قصة للتسلية، فمرة كان له فيلا بمضايا بأعلى السهل ولها إطلالة جميلة جداً، نازل على الشام بسيارته، فأنظر إلى ترتيب ربنا، فركبت زوجته الجديدة بجانبه طبعا ً، وركبت والدته خلفه، وركب والده خلف زوجته بالمقعد الخلفي، والده على اليمين، ووالدته على اليسار، وهو السائق، وزوجته على اليمين، يبدو أنه طائش في سوقه السيارة، كلما دخل بين سيارتين يقول له أباه: يا بني على مهلك، يقول له: نفدنا مثل ما نفدنا من متأخر فلانة، وصل إلى منطقة واجه سيارةً فقصت سيارته نصفين، مات هو وأمه لتوه، قطعوا قطعا قطعاً، والزوجة والأب نفدوا، قال: لأن الأب دائماً يلوم هذا الوضع، يقول لهم: لا يجوز يا جماعة، هذه بنت آدمية أخذتوها أنتم من عائلة محافظة راقية، فهذا سلوك فيه ظلم، فالأب كان دائماَ ينكر تصرف زوجته حماة الفتاة، وهذه الحماية هي التي تختط، فربنا عزَّ وجل قطعهم إربا إرباً الاثنين فالمؤمن لماذا يستقيم على أمر الله ؟ لأنه يؤمن برب كبير، أيام العوام يقولون:
(( الله كبير ))
هذه الكلمة مهما قلتها فلا شيء عليك لأن الله بالفعل كبير:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ:

((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))
وأكثر إنسان الله ينتقم له الضعيف ليس له أحد وظلمته، إنسان ضعيف، أحياناً الإنسان يشهِّر بمؤمن، يكون المؤمن ليس له سند، في أشخاص إذا كان شهرت به فلن تنم في البيت مساءً، أما هناك مؤمن ضعيف ليس له سند مستضعف، وهو يشهِّر فيه، فالله عزَّ وجل ينتقم أشد الانتقام، فعندما يحاول الإنسان أن يوقع الضرر بزوجته من أجل أن تسامحه بما لها عنده، فالله عزَّ وجل ينتقم منه أشد الانتقام، لكن هذه الدعوى لا تسمح إلا في حالتين، إذا كان مع الزوجة بينة، أو اعترف الزوج بذلك، أما إذا لم يكن معها بينة والزوج لم يعترف، تشطب دعواها بالقضاء، طبعاً الإيذاء الذي يجيز للزوجة أن تطالب بالفراق مما لا يحتمل ولا يطاق.
بالمناسبة وإن كان كلام سابق لأوانه، إذا أراد الزوج من زوجته عملاً لا يرضي الله أي في علاقته معها، إذا حملها على علاقةٍ محرمةٍ في الشرع، لها الحق أن تطالب بالتفريق بينها وبينه، لكن دائماً القضاء يلجأ إلى تحكيم رجلين من أهله وأهلها، أي من أهل المروءة والشرف والواجهة والرجاحة والحكمة فلعلهما يصلحان ما فسد بينهما.
الآن التطليق لغيبة الزوج، طبعاً في عندنا غياب قصير، وغياب طويل، وغياب معروف، وغياب غير معروف، لو فرضنا واحد غاب لطلب العلم هذا العذر مقبول، أو غاب لممارسة تجارة في بلدٍ آخر عذر مقبول، غاب لكونه موظفاً خارج بلدته عذر مقبول، أو غاب لكونه مجند ملتحق بقطعة خارج بلده عذر مقبول، هذه أعذار مقبولة للزوج، فالزوجة ليس لها الحق أن تطلب التفريق في هذه الغيابات، أما غاب إلى مكان لا تعرفه ولا يوجد سبب ظاهر ولا أعلمها أين هو ؟ فهذا الغياب الذي يجيز للزوجة أن تطالب بالتفريق، العلماء اختلفوا في الفترة التي تكفي، والله في زوجات زوجهم غائب عنهم عشر سنوات، ولم تفكر في التفريق، وفي زوجات لسنة واحدة تطلب التفريق، العلماء قالوا: لها الحق بعد ستة أشهر أو بعد عام، أو بعد ثلاثة أعوام، لكن الإحسان شيء، والعدل شيء:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
( سورة النحل: آية " 90 " )
العدل قسري، أما الإحسان طوعي، الأسير طبعاً، الأسير أو المحبوس نفس الشيء.
الآن الخلع، وملخص الخلع بسيط، هو أن هذه الزوجة لم تحب هذا الزوج، الزوج يسَّر لها مسكناً شرعياً، وأنفق عليها، وكل شيء تام، إلا أن الزوجة لم تحبه، فلها الحق أن تطالب القاضي أن يخلعها منه، لكن مقابل أن تسامحه بكل شيءٍ كتبه لها أو أعطاه إياها، هذا الذي أخذ من قول النبي:

(( ردي له الحديقة وطلقها تطليقة ))
هذا هو الخلع، الخلع من طرف الزوجة، والتفريق من طرف القاضي، والطلاق من طرف الزوج، طلاقٌ وتفريقٌ وخلعٌ، لكن بالمناسبة يوجد عندنا بالخلع مشكلة، أن أكثر الأزواج يحاول أن يوقع الضرر بزوجته إلى أن تطالبه بالخلع، هذا عدوان، وهذا ظلم يهتز له عرش الرحمن، أما أنت لم تؤذيها، لها ابن عم طمعانة فيه فرضاً وقد وعدها أن يتزوجها، وأهلها زوجوها من هذا الشاب بالضغط، فجلست معه وهي متألمة، فمادام لم ترغب به، قالت له: " يا رسول الله إني أكره الكفر بعد الإيمان "، أي أنا إذا أعيش عند هذا الزوج أكفر، ولن أتحمله قال له: إذاً طلقها، لو تراجعيه، قالت له: أتأمرني ؟ قال: لا، قال إنما أنا شفيع.
فمر بالسيرة النبوية مواقف مماثلة، فعلى كلٍ الخلع أحكامه بسيطة، أن الزوجة لسببٍ أو لآخر لم ترض بهذا الزوج، والزوج ليس له ذنب، وهو زوج مقبول، والعقد شرعي والمسكن شرعي، وأنفق عليها، لكنها كرهته، فإذا كرهته فإذا قلنا له: طلقها وأعطيها المتأخر نكون قد ظلمناه، أصبح هناك ظلم للزوج، لكن حينما يطالب الزوج الذي طُولب أن تختلع منه زوجته، أن تعطيه أكثر مما أعطاها قال: هذا منهي عنه في الشرع، صار هذا ابتزاز، كقوله لزوجته: أطلقك لكن أريد مئتين ألف، وكل متأخرها مئة ألف ، أصبح الموضوع فروغ، إذا كان طالب الزوج بأكثر مما دفع للزوجة هذا أصبح ظلماً كبيراً، طبعاً بعض علماء قالوا: يجوز على أساس أن الآية الكريمة:

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
( سورة البقرة: آية " 229 " )
إذا كانت ميسورة كثير، " وفراقها البدوي بعباية قال له: بسوق العباءات كله بس يفرقنا، يجوز".
لكن العلماء بعضهم يرى أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه فالأكمل أن يكون في سقف، وسقف المطالبة بما أعطاها لا بأكثر مما أعطاها.
مرة قال لي أخ: جاء شاب ليخطب ابنته، فأخذ، إقرأوا الفاتحة ضع يدك بيد عمك قال له: زوجتك، جايبين واحد كمان، التمثيلية مهيأة ومرتبة، قال لي: رأيت نفسي زوجت ابنتي من أول جلسة، ولم أعرف ما هي القصة قال لي: لم يعجبني هذا كله، قلت له: ماذا تقول لم تعجبك ؟ أصبحت زوجته، أصبح في إيجاب وقبول، انتبهوا أيها الإخوان.
سوف أقول لكم قصة وقعت في الشام، هذه القصة يجب أن يكون الإنسان منتبهاً ويقظ قاعدين أربعة خمسة في محطة وقود بالشام بالأزبكية، بعد العصر يشربون أرجيلة ومرتاحين الجماعة، وهم يتسلون ويتكلموا ويتنادموا، فقال أحدهم لصاحب الكازية: تبيع هذه الكازية ؟ قال له: أبيعها، بكم ؟ قال له: بستمئة ألف، قال له: اشتريت، وانتهت الجلسة ولم يطلع منها شيء، ولا أحد جاد بكلامه، ولا البائع بائع، ولا الشاري شاري، وضحكوا وانبسطوا وراحوا حدثني بهذه القصة محامي وقد مضى عليها اثنا عشر سنة، سمعها محامي فقال له: هذه الكازية لك فقال: كيف لي ؟ قال له: ألم يقل لك بعت، قال له: بلى، قال له: إذاً لك الكازية، أقاموا دعوة، وفي شهود، ألم يقل لك: تشتري ؟ قال له: نعم، ألم تقل له: بعت ؟ قال له: نعم لكن لم يدفع لي ثمن الكازية، فقال له القاضي ثمن الكازية في ذمته وأنت لم تطالبه به.
واحد طلع على قطار قعد، فوجد محله مشغول بمحفظة كبيرة وأمامه شخص قال له: قيمها ؟ قال له: لا أقيمها، طب لماذا لا تقيمها؟ قال له: لا أريد أن أقيمها، تلاسنوا وتعايطوا وتشاددوا اشتكوا، صفر شرطي القطار، وقف القطار لماذا لا تقيمها ؟ قال له: لأنها ليست لي قال له لمن ؟ قال: لهذا، قال له ألا تقيمها ؟ قال: لم يقل لي أن أقيمها، هذه القصة يا إخوان واقعية، كازية أصبح ثمنها إثنا عشر مليون ضاعت عليه بستمئة ألف لأنه قال له: بعت، فانتبه بعت أي بعت، الشرع لا يحتاج إلى ورق، فقط يحتاج الشرع إلى إيجاب وقبول في حالات البيع والزوج، قال لي: دخلوا عليه وقالوا: زوج زوج، حط يدك بيد عمك زوجتك، قال: أنا قبلت وعلى مهر، اقرأوا الفاتحة، أصبحت زوجته فأين تسير ؟!! الآن تطلب المخالعة، مثل ما زوج تطلب الآن الخلع.
فيا إخوان دققوا في موضوع الإيجاب والقبول، ممكن إذا أنت قلت: أنا بعت يروح البيت منك بربع ثمنه، أخي أنا لم أقبض، لا تقبض، دفع الثمن شيء آخر غير البيع، البيع إيجاب وقبول، ودفع الثمن له شيء آخر، فكازية بيعت بستمئة ألف أصبح ثمنها إثنا عشر مليون طبعاً المحامي تمكن أن يحلِّف يمين أتي بشهود، ومادام في إيجاب وقبول وفي شهود انتهى وأصبحت الكازية ملكه، لكنه لم يدفع ثمنها، أنت لم تطالبه، لو طالبني أعطيه لكن هو لم يطالبني فجزاه الله الخير، وموضوع الحياء هذا موضوع ثاني يجوز، ما أخذ بالحياء فهو حرام لكن إذا إنسان قال: بعت يعني باع، زوجت يعني زوَّج، هذا هو الشرع، يجب أن تحطاط قبل أن تقول: نعم أو بعت أو وافقت أو زوجت، أو تزوجت في مسؤولية، فالخلع هكذا.
على كلٍ أرجو الله جلَّ جلاله ألا نحتاج جميعاً لا إلى خلع، ولا إلى تفريق، ولا إلى طلاق، المؤمن حينما اختار زوجته مؤمنةً صالحةً أغلب الظن أنها تعيش معه، أغلب الظن أنها ترعى حقه، أغلب الظن أنها وفيةٌ له، هو حينما كان مؤمناً في بقلبه رحمة، وفي بقلبه إنصاف في بقلبه عطف، يعني القلب القاسي بعيد عن الله عزَّ وجل.
بهذا الدرس الثالث والأخير تنتهي أبحاث الطلاق، أنا الحقيقة ما أردت التفاصيل الفقهية، التفاصيل الفقهية مملة.
وشيء آخر نادرة الحدوث، وفي حالات نادرة جداً لا تقع بالمئة ألف حالة حالة واحدة هذه حينما تقع نسأل عنها، لكن أردت من هذه الدروس الثلاثة، التوجيهات الدينية العامة، أن الإنسان عليه أن يحفظ هذه النعمة التي أكرمه الله بها، يا إخوان الزوجة نعمة، ويا أيتها الأخوات المؤمنات، الزوج أيضاً نعمة، فالتي تسارع وتقول له: طلقني، هذه امرأةٌ لا تروح رائحة الجنة لأنها كفرت هذه النعمة، والزوج الذي يطلق امرأته لأتفه الأسباب هذا كفر بنعمة الزوجة، لأنها نعمة.
أولاً الطلاق من قبل الزوج أو المخالعة من قبل الزوجة عملية إيقاع الأذى بالطرف الآخر، أليس كذلك ؟ وإيقاع الأذى حرام، ثانياً: إتلاف للمال، الإنسان بعد ما تزوج ودفع مهر ودفع هدايا خلال سنتين ثلاثة وتكلف، الطلاق كل هذه المبالغ التي دفعت أصبحت مهدورة فالطلاق إيقاع أذى وإهدار للمال، والأهم من هذا وذاك كفرٌ بنعمة الزوجة، والمخالعة أيضا أيضاً إيقاع الأذى بالزوج، قبل أن تقولي: وافقت، الأمر ادرسيه، أما بعد ما وافقتي والرجل هيأ نفسه وجهز البيت واشترى وتكلف وينتظر هذه الساعة بفارغ الصبر، تقول: لا أريدك ولا أحبك، طلقني وأنت مسامح بكل شيء، فالسرعة بتطليق الزوجة كفرٌ بنعمة الزوجة، والسرعة بمخالعة الزوج أيضاً كفرٌ بنعمة الزوج، فإذا الله واحد أكرمه بزوجة تحصنه، وترعى حقوقه وتعرف قيمته، هذه ليحافظ عليها، النقطة الدقيقة أنه ما في إنسانة كاملة، ولا يوجد زوج كامل:

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))
( صحيح البخاري )
لكن بعض الأذكياء فسروا هذا الحديث تفسير رائع، قال: الضلع هذا لو كان مستقيم كان يطلع من البطن من الأمام، يصبح مثل الشوكة، أما جماله أنه معوج، ماشي مع البطن الآن عظام الصدر كلها معوجة، ولولا أنها معوجة لما احتملتها أساساً، سر نجاح الأضلاع أنها كلها معوجة، فالاعوجاج كمالٌ فيها، الاعوجاج كمالٌ في الضلع، لو كان غير معوج لا يرضيك إذا واحد يريد امرأة لها عقلٌ راجح لكن مقصرة في حقه، فهل يهمك أن تسمع منها محاضرة بالفلسفة ولا يوجد طبخ مثلاً، ماذا تريد من هذه المحاضرة، الله عزَّ وجل أعطاها إمكانيات خدمة البيت، والعناية بالأولاد، لو هي لها عقل راجح مثل عقل الرجل، لا تقبل أن تصبح زوجة لك من الأصل، لكن هي عندها عاطفة راجحة، هي ترجح عليه في عاطفتها وفي أحاسيسها، ويرجح عليها في إدراكه.
يذكر أن كان هناك ملك شديد الذكاء، قام بجولة ليتفقد رعيته، فدخل إلى بستان فرأى حصان معصوب العينين، فلم يفهم لماذا، وكان بعنقه جلجل أي جرس، وكان الحصان يدور ليخرج الماء من بئر، وهذه معروفة، فهذا الملك فكر فقال لصاحب الحصان: لماذا عصبت عينيه ؟ قال له: لئلا يصاب بالدوار، إذاً لماذا وضعت هذا الجلجل في رأسه ؟ قال له: حتى إذا وقف أعرف ذلك، الملك وقف متمئلاً وقال له: فإذا وقف وهز رأسه ؟ فأجابه الفلاح إجابة ذكية جداً: وهل له عقلٌ كعقلك ؟.
أحياناً تنشأ المشكلة بالبيت، تريد أن يكون عقل زوجتك كعقلك، لا هي ليس عقلها كعقلك، فهذه لها عالم آخر، وطالما تريد أن يكون تفكيرها كتفكيرك فلن تنجح معها، فالله قد جهزها تجهيز آخر، تجهيز انفعالي، تجهيز عاطفي، تجهيز رقيق، وأنت أعطاك رجاحة عقل وأعطاك قلب متماسك، وأعطاك نظرة بعيدة، فانظر لما ربنا قال:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)﴾
( سورة الليل )
فما علاقة الذكر والأنثى بالليل إذا تجلى، قال: كيف أن الليل للسكن، لا ترتاح إلا بالليل، لماذا الله جعله سكن ؟ وجعلنا النوم لباسا، وكيف النهار لكسب المال، فكيف أن النهار والليل متناقضان لكنهما متكاملان ؟ وقد تجد الرجل له خصائص تختلف عن المرأة، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
( سورة آل عمران: آية 36 " )
فقد درسنا في الجامعة كتاب لأشهر عالم نفس طفولة اسمه " بياجيه" هذا الكتاب يدرَّس في معظم جامعات العالم، والكتاب ثمنمائة صفحة ملخصه في هذه الآية: وليس الذكر كالأنثى.
القدرات الخاصة عند الأناث، والقدرات الخاصة عند الذكور، الذاكرة، والمحاكمة والقدرة الرياضية، والقدرة اللغوية، والقدرة التنظيمية، والقدرة الإدارية، كلّها عبارة عن إحصاءات دقيقة جداً تنتهي بملخص، أن الذكر ليس كالأنثى، إذاً يجب أن نعلم أن الزوجة لها خصائص، كما أن الليل للسكن، والنهار لكسب المال، كذلك الزوجة والزوج لو اختلفا في الصفات لكنهما متكاملان كالليل والنهار.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:13 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 1 - 5 ) : مقدمة عن ستر العورة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-08
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة عن ستر العورة
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... من فقه الرجل، أن يعلَّم المنطقة الخطرة التي يمكن أن يؤخذ منها، والشيء الثابت، أن من أخطر المناطق في حياة الإنسان، التي يمكن أن يؤخذَّ منها، المال، والنساء، وما استطاع أحدٌ أن ينال من أحدٍ، إلا عن طريق هاتين النقطتين المال، والنساء، لذلك لأنَّ الله جلَّ جلاله، هو الخالق، هو الصانع، هو المصمم، هو الذي جبل الإنسان على كذا وكذا، هو الذي أودع في الإنسان هذه الشهوات، هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
لذلك ترى الآيات، طبعاً مفعول به منصوب بالكسرة نيابةً عن الفتحة، لأنه جمع مؤنثٍ سالم، لذلك ترى الآيات القرآنية، الصفة تتبع المحلّ، وليس اللفظ، كثيرةً في تحذير الإنسان من موضوع كسب المال الحرام، أو اقتراف الإثم الحرام، من هذا المنطلق، نرى في كتب الفقه، أبواباً كثيرةً، تتعلّق بموضوع العورة، وسوف نرى بعد قليل، كيف أن من شأن المؤمن، أن يستر عورته، وكيف أنَّ من شأن الكافر المتفلت، أن يكشف عورته.
دعاني إلى هذا، أنَّ شخصاً قال لي: ابني في البيت، يقوم بالثياب الداخلية أمام إخوته البنات، وأمام أمه، وأمام أبيه، وأمام أولاده، فهذا شيءٌ مخالفٌ مخالفةً صريحةً لتوجيهات النّبي عليه الصلاة والسلام.
فكما عوَّدتكم، وأرجو الله عزَّ وجل أن يوفقني دائماً، إلى أن أضع يدي على الجرح، على الموضوعات الحساسة، التي نحن، في أمسِّ الحاجة إليها، هذا اليوم، يوم الأحد، مخصصٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم، إما أحاديثه، وإما الأحكام الفقهية المستنبطة من أحاديثه، توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.
فموضوع العورة، والترغيب في سترها، والترهيب من كشفها، وفضائل غضّ البصر، ومغبة إطلاق البصر، وعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وعورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى الرجل، أربع موضوعات، لا أعتقد أن واحداً منا، وأنا معكم، لا نحتاج إليها، كلُّنا محتاجون لهذا الموضوع الدقيق الحساس، يبدو أن الإنسان، حينما يتساهل في هذا الموضوع، يحجب عن الله عزَّ وجل، وكشف العورة، أو نظر إلى عورة الإنسان الآخر، مذلة قدمٍ خطيرة، قد تنتهي إلى الزنا.
قلت لكم سابقاً: هناك معاصي، فيها قوة جذب، بمعنى أن الإنسان حينما يخطوا الخطوة الأولى، في الأعم الأغلب، الخطوة الأولى، تقوده إلى الخطوة الأخيرة:
(( نظرةٌ، فسلامٌ، فابتسامٌ، فموعدٌ فلقاء ))

يمكن أن أشبه هذا بصخرةٍ على رأس جبل، تبقى على رأس الجبل إلى أبد الآبدين، فإذا أزحتها عن مكانها، إلى أول المنحدر، خرج الأمر من يدك، هي في قمة الجبل بيدك، أما إذا أزحتها عن قمة الجبل، إلى أول المنحدر، لا بدَّ من أن تصل إلى أعمق ما في الوادي، لهذا، في موضوع النساء، في موضوع كسب المال، ما في حل وسط.
كيف الإنسان أحياناً ينفخ بالون ؟ لو قال: والله حجمه كبيراً عن اللزوم سأحضر دبوس وأثقبه، فقط 2 سم، إذا ثقبه، الهواء كلّه يخرج منه.
فأنا أقول لكم: عندما نفهم الدين فهم علّمي، فهم دقيق، ما في حل وسط الإنسان حينما يختار الحل الوسط، يجد نفسه، ينتقل من الوسط، إلى الطرف السالب، من الوسط، إلى نهاية الوادي، إلى أعمق أعماق الوادي، فأتمنى على الإخوة الكرام أن يعلمون علم اليقين، أن في شخصية المؤمن، نقطتي ضعفٍ خطيرتين، موضوع الكسب الحرام وموضوع النظر الحرام، ما من شابٍ يسلك طريق الإيمان، ثم ينتكس، إما لعلّة النساء، أو لعلّة الكسب الحرام، إما لأن في دخله شبهةً، حجبته عن الله، فانقطعت عنه الموارد وانقطعت عنه التجليات، فرأى الدين عبئاً عليه، عبئاً عليه، وسئم الصلاة والصيام، وسئم مجالس العلم، لأنه محجوب، أي إذا أردت كلَّ شيء من الدين، فاستقم على أمر الله تقطف كلَّ الثمار، وتجني كلَّ الثمرات، وتسعدُ كلَّ السعادة، وإذا زلَّت القدم في موضوع النساء أو موضوع كسب المال الحرام، كان الحجاب، والحجاب، من لوازم الحجاب، أن تؤدَّى العبادات، بشكلٍ أجوف، بشكلٍ لا معنى له، الإنسان يسأم أداء العبادات، ثم يملّ، ثم ينقطع ثم ينجرف، ثم بين عشيةٍ أو ضحاها، يأتيه ملك الموت، ليجد أنه خسر خسارةً كبرى.
العورة في اللّغة، الخلل، والعورة في اللّغة، هي السَّوْأَةُ، والعورة في اللّغة هي كلُّ ما يستحيا منه، الخلل، والسوأة، وكلَّ ما يستحيا منه.
وشرعاً العورة، هي كلَّ ما حرم الله تعالى كشفه، أمام، من لا يحلُّ له النظر إليه.
يوجد عندنا تعريف لغوي، تعريف شرعي، شخص طرق الباب، قال لك: الوالد موجود ؟ أنت دارس لغة، قلت له: والله يا عم، الآن راح، قال لك: سلِّم عليه، أنت صادق، والدك داخل البيت، الآن أتى، قلت: والله يا عم الآن راح، إذا قلت له الآن راح باللّغة معناها، الآن جاء، لأنه غدا ؛ ذهب إلى عملِّه قبل الشمس، وراح ؛ عاد إلى بيته الغدو، والرواح، أنت صادقٌ لغةً، ولكن الذي يقول هذا الكلام، ووالده داخل البيت، كاذبٌ شرعاً، اللغة شيء، والشرع شيء.
لو قال إنسان: والله لا آكل اللحم، لشهرٍ، فإذا أكلَّ السمك، لا يحنث، لأنه اللحم، بالعرف، هو لحم الضأن، الإنسان يقول: والله اليوم أكلنا سمك، لا تقول: أكلنا لحم أكلنا سمك، لكن باللّغة، السمك لحم، فأحياناً، تفترق اللغة عن الشرع، فنحن دائماً بحاجة إلى التعريف اللغوي، والتعريف الشرعي، اللغوي، والشرعي.
كنا من مدة بمولد، فواحد قال: أنا شعرت بوحشة، لا يوجد معي أحد، فقال له: الله معك، ما معنى الله معك، أي انصرف، هذا معناها الاصطلاحي، لكن معناها اللغوي ما فيها شيء الله معك، ناصراً ومؤيداً، أيام إلحقي بأهلك، لغةً ما فيها شيء، لغةً أي اذهبي لعند أهلك، تفضلي زوريهم، مشتاقين لكِ، أمك طلبت مني أن تزوريها، اذهبي إليها، هذا معنى اللغة، لكن إذا نوى الطلاق، إلحقي بأهلك، أي طلقتك، فرقٌ كبير فأحياناً تفترق اللّغة، عن الشرع، لذلك تجد في أكثر الكتب، كتب الفقه، المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي، فالمعنى اللغوي للعورة، الخلل، والسوأة، وكلَّ ما يستحيا منه، والمعنى الشرعي هو كلُّ ما حرَّم الله تعالى كشفه أمام من لا يحلُّ النظر إليه، أما الزوجة، لكّ أن تنظر إليها، بل إن النّبي عليه الصلاة والسلام، حينما وصف المرأة المؤمنة، قال
(( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَلا فِي مَالِهِ ))
( من سنن أحمد: رقم " 9217 " )

وفي رواية للحديث رائعة جداً (( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ))
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ ))
( من سنن النسائي: رقم " 3179 " )
لا يوجد إليها.. أي إن نظرت إلى غرف البيت ورأيتها مرتبة، تشعر بالراحة إن نظرت إلى أولادك، ورأيتهم، بهندامٍ حسن، ونظافةٍ باهرة، تسرُّ، فإما أن تسرَّ بالنظر إليها بالذات، تعتني بشكلِّها وهندامها، وأناقتها، أمام زوجها، بل إن السلَّف الصالح، بل إن النساء الصالحات، كنَّ لا يرتدين الثوب أولَّ مرة، إلا لأزواجهنّ، أما الآن الزوج آخر من يرى الثوب، آخر من يراه.
فالعورة، في اللغة: الخلل، والسوأة، وكلُّ ما يستحيا منه، وشرعاً: هي كلُّ ما حرم الله تعالى كشفه من لا يحل له النظر إليه.
الآن، نقول: هنا في الحدود عورة، أي مكان في خلل، مكان ضعيف، الله جلَّ حلاله، سمى ما حرم علينا إبداؤه عورة، لأنَّ أظاهره أمام الغير، إخلالٌ بالصفة الإنسانية ألم نقل قبل قليل: العورة هي الخلل، فإذا أظهرت ما ينبغي أن يُستر، فقد أختلت عندك الصفة الإنسانية، أي في فطرة، الله عزَّ وجل، جبلنا جبلة، فطرنا فطرة، فإذا أبديت، ما حقَّه الإخفاء، فقد أختلت فطرتك، أصبح يوجد خلل، صار في عدم توازن.
أحياناً الإنسان، يعني ولو أن النساء، متبهرجات، متبذلات، يكشفنَّ ما ينبغي أن يستر، ورأيت امرأةً بينهن، ترتدي ثياباً ساترةً، لخطوط جسمها، ساترةً لمفاتن جسمها تشعرُّ بتقديسٍ لهذه المرأة، هذه الفطرة، قال لي أحدهم مرةً، ولا أظنه ديناً قال لي: والله يا أستاذ حينما أرى امرأةً محجبةً، لا يبدو منها شيء، أشعر بقشعريرة في جسمي، احتراماً لها.
وأنا أقول لكم: لا يمكن لامرأة سترت ما أمرها به الله أن يستر، تحرَّش بها أحد أو طمع بها طامع، أو ضايقها مضايق، أو نال منها رجل، أبداً، أقول لكم مرةً ثانية: المرأة حينما تكشف، عما ينبغي أن يستر، لسان حالها يقول: تعالوا تحرشوا بي، إنني أرتدي هذه الثياب، كي تتحرشوا بي، هذا لسان الحال، يوجد عندنا لسان المقال، وفي لسان الحال، لسان حال المرأة التي تتبذل في ثيابها، كأنها تدعوا الشباب إلى التحرُّش بها، فلذلك حينما أمر الله المؤمنات بالحجاب، قال:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 59 " )
أنهن مؤمنات، حينما تحتجب المرأة، هذا إعلانٌ، وتصريحٌ، وإشارةٌ بليغةٌ لكل من حولها، أنها مؤمنة، ومسلمة:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾

( لا يوجد هذه الآية
بأنهن مسلماتٌ طاهرات، بأنهن محصنات، بأنهن عفيفات.
إذن سُميت العورة عورةً، لأنك إذا كشفتها، أختلت إنسانيتك، أختلت فطرتك.
أنا أذكر قصة، مرة قرأت بمجلّة كلمة، سألوا امرأة، تمتهن التمثيل، ولها سمعة كبيرة، ما شعورك وأنت على خشبة المسرح ؟ هي ليست مسلمة، وليست من أهل الكتاب، لا دينية إطلاقاً، لكن لها فطرة، قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى، تعرض مفاتنها على الناس، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غرفٍ مغلقة هذه إجابة الفطرة، ليست مسلمةً، وليست من أهل الكتاب، لتستمع إلى نصائح السيد المسيح لكنّها تحدثت عن فطرتها، والفطرة صادقة.
في شيء آخر.. سُميت العورة عورةً، لأن كشفها يصيب الأخلاق الاجتماعية بالخلل، صار في اضطراب، طبعاً من فضل الله علينا، أحدنا إذا الله أكرمه بالحج، في مكة والمدينة، ليس هناك امرأةٌ سافرةٌ أبداً، نحن في الشام نغضُّ البصر، والفضل لله عزَّ وجل، ولكن لو جلسنا في مجتمعٍ، الحجاب من نظامه الاجتماعي، والنساء يحتجبن، إما طواعيةً، أو قصراً، أي إذا عشت في مدينةٍ ليس فيها امرأةٌ سافرة، حتى ولا وجهها تشعر براحةٍ لا حدود لها، تشعر بالصفاء، قلما يأتي خاطر نسائي، لذلك المجتمعات، التي فيها فجور، فيها فتن، مجتمعات طبعاً فيها أجر كبير، أحبابي، يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه، كالقابض على الجمر.
يعني المجتمع كلُّه مصاب بالخلل، إذا كشفت العورات، هذه فطرة الإنسان، هذه الفطرة، والعقل يقول بذلك، والنقل يقول بذلك، والواقع يقول بذلك.
في أمريكا، إحصاء قرأته مرة في صحيفة، اعتقد عام، خمسة وستين، كلُّ ثلاثين ثانيةً، ترتكب جريمة قتلٍ، أو سرقةٍ، أو اغتصاب، مرة حدثت إخواننا بهذا الرقم قال: هذا رقم قديم جداً أستاذ، الآن كل ثلاث ثوان، كل ثلاث ثوان، ترتكب جريمة قتلٍ أو سرقةٍ، أو اغتصاب، هذا من كشف العورات، ولو كنت، ضابط في الأمن الجنائي واتطلعت على الجرائم، التي تجري في كل بلد، لوجدت العجب العجاب، لوجدت أن وراء كلَّ جريمةٍ، كشفٌ للعوارت، دائماً كشف العورة، دعوة إلى الزنا.
فمن صفات المؤمن، ستر العورات، ذكوراً وإناثاً، وسُمِي، ما قلنا العورة: هي الخلل، رقم 2، السوأة.
وسميت العورة سوأة، لأن إبداءها أمرٌ سيِّء، يسوء الناس، يسوء المجتمع يسوء الفرد، يسوء، كلَّ ذي فطرةٍ سليمة، الله عزَّ وجل قال:
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)﴾
( سورة المائدة )
اتفقنا الآن، على أن العورة، تطلق على كلِّ شيءٍ، يحرَّم اظاهره، يلحق كاشفها، والناظر إليها، العار، والمذمة، والخلل.
الأصفهاني يقول:
(( العورة، سوأة الإنسان، وهي كناية، وأصلّها من العار، سميت عورة، لأنه من العار أن تظهر ))


أنا حدثني، صديق درس في بلد من البلدان الشرقية، التي كانت ترفع شعار: لا إله، لا يكملون لا إله، قال لي: دخلنا إلى جامعة ضخمة من أضخم الجامعات، دورات المياه، صالات كبيرة جداً، ما فيها جدران، يعني كل صالة، لخمسين أو مئة طالب، بهو كبير كلّه مراحيض، فكلُّ هؤلاء الطلاب، يقضون حاجاتهم، أمام زملائهم، الإنسان حينما تنعدم منه القيم الخلقية، بصبح كالبهيمة، وهكذا العلماء قالوا: (( الإنسان من دون علم، من دون، إيمان، كالبهيمة ))
الآن المعنى الأول:
﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 13 " )
أي فيها خلل، يعني نقطة ضعف، يمكن أن يصل العدو منها:
﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً (13)﴾
( سورة الأحزاب )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾
( سورة النور: آية " 58 " )
يعني شيء، قبيح، قبيح، قبيح، قوة نون، أن يتطلع الابن على ما يكون بين أمه وأبيه، شيء قبيح جداً، فلذلك هذه آداب الإسلام، يجب أن يربَّى الطفل، تربيةً متكررةً حازمةً، مؤدِّبةً أحياناً، في هذه الأوقات الثلاث، لا ينبغي أن يدخل، إلا بعد أن يستأذن.
فواحد قال: يا نبي الله، إنها أمي، أمي هذه، فقال عليه الصلاة والسلام:
((أتحب أن تراها عريانة ))
انتهى الأمر، أتحب أن تراها عريانة ؟ لذلك البيت المسلم، خلع الثياب، له نظام، ثياب الأخت أمام أخيها محتشمة كلمة أخي، ماذا تعني ؟ تعني يجب أن تظهر الأخت أمام أخيها بثياب محتشمة.
نحن في عندنا بهذا الموضوع، ثلاث مستويات، ليس بين الزوجة، وزوجها مانع، الزوجة لحالها بند، أما المحارم، " ليس المناديل يعني "، محارم جمع امرأةٌ محرم أي الأم، والأخت، والابنة، وبنت الابن، وبنت البنت، والعمة، والخالة، المحارم، يجب أن يظهرن، أمام أقاربهن، من حقهم أن ينظروا إليهن، بثياب الخدمة، ثياب الخدمة، يعني الصدر مستور، والعضد مستور، تحت الركبة، هذه هي ثياب الخدمة، أما ثياب شفافة أخت أمام أخوها، هذا شيء مخالف للسنة.
أنا حينما اخترت هذا الموضوع اليوم، لعلمي، بأن بيوتاً إسلاميةً كثيرة، هذه الحقائق لا يعرفونها، في تبذُّل، إذن:

﴿ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)﴾
( سورة النور )
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)﴾
( سورة الأعراف )

إذن اللباس، النبات القطن، القطن، مصمم خصيصاً ليكون ثياباً لك، الصوف مصمم خصيصاً، ليكون ثياباً لك، الكتان، الذي خلق الإنسان، خلق الكتان، الذي خلق الإنسان، خلق الصوف، الذي خلق الإنسان، خلق القطن. ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
( سورة الأعراف: آية " 26 " )
﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾
( سورة طه )
العورة بهذه الآية، ما يجب ستره، لأن في إبدائه فتنةً.
في استنباط لطيف جداً، زينة الإنسان ستر عورته، هل في القرآن الكريم آية تؤكد ذلك ؟ زينة الإنسان ستر عورته ؟ بارك الله بك، الإنسان مكلف في المسجد، التعطُّر واجب، أن يتزين بلباس فخم ؟ لا.. لا.. إذا ارتدى ثياباً نظيفةً ساترةً لعورته، فهذه هي الزينة، حينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
( سورة الأعراف: آية " 31 " )
فالزينة هي ستر العورة.
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾
( سورة الأعراف: آية " 27 " )

انظر إلى الشيطان، ينزع عنهما لباسهما، أبداً البيت الغير المسلم، دائماً، في تكشُّف، تكْشيف للعوارت:

﴿ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)﴾ ( سورة الأعراف )
الفحشاء إذن، الزينة ستر العورة، والفحشاء، كشفُها، طيب الأمر الثابت للشيطان:
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾
( سورة البقرة: آية " 268 " )
قال بعض المفسرون:
(( يأمركم بكشف ما ينبغي أن يستر ))

طبعاً له حجج، ساعة مثل أخوك، ساعة ما في أحد غريب، ساعة ربينا سوى ساعة هكذا نشأنا، ساعة هل ستأكله ؟ سوف يأكلُّها إذا كان شافها ؟ هذه كل الكلمات مفادها في كشف للعورات، والذي أمر بالتستر، وأمر بغض البصر، هو الخبير.
إذا كان عندك كمبيوتر، وصار فيه خلل، تكلف جارك الذي يشتغل بالخضرة لما مهندس الكمبيوتر ؟ تحتاج للخبير، هذا على عيننا ورأسنا، ولكن ليس خبيراً في الكمبيوتر، فأنت أعقد آلة في الكون، يجب أن تسأل الخبير الصانع.
أخطر ما في الأمر، مرة في أحد أدباء مصر، عاصر حركة، قادها مفكِّر في مصر، يدعو إلى السفور، فعمل مقالة أدبية، طلبه للدار الآخرة، وقال له: تعال أنظر ماذا حدث، أنت أمرت بكشف الوجه فقط، تعالى أنظر ماذا حدث، فلما أطلعه على ما يجري في المجتمعات الماجنة، على شواطيء البحار، في دور اللّهو، في الطرقات، قال له: والله أنا ما أردت ذلك، أبلغهم أنني بريء من هذه الدعوة، هو حوار فني أدبي، يعني هو طلب كشف الوجه فقط، كشف الوجه انتقل لكشف الشعر، وكشف الشعر، انتقل لكشف النحر وكشف النحر انتقل لكشف الساق.
فالشيطان دائماً، خطوة، خطوة، خطوة، خطوة، الشيطان ذكي بالمناسبة، لم يأمر امرأةً أن تخلع ثيابها، شوفي طريقك، معمي قلبك مثل الغراب طالعة، هكذا يقول لها أنت كبيرة، لا أحد يتطلع فيك، تكون هي ليست كبيرة، لكن الآن لكي تكشف عن وجهها بتصدق الشيطان بأنها كبيرة........
.... دائماً الشيطان، يأمر الإنسان، خطوةً خطوة، يقول السيد المسيح اتطلّعت على كلمة، في كتاب:
(( أن ليس الشريف، الذي يهرب من الخطيئة، لكن الشريف هو الذي يهرب من أسبابها "))


نحن عندنا قاعدة، أن هذه الشهوة الجنسية، مثل تيار، ثمانية آلاف فولت، من اليمين ست أمتار، هذه منطقة خطرة، تجذب، وست أمتار من اليسار، فوزير الكهرباء العالم، الرحيم، إذا مر تيار ثمانية آلاف فولت، يضع لوحات، ممنوع الاقتراب، وليس ممنوع اللمس، إذا كتب ممنوع اللّمس، واحد قرب، بعد ذلك سحبه التيار، فموته، بهذه الشهوات، في معها قوة جذب، فلذلك لا بدَّ من هامش أمانٍ بينك وبينها، لذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
( سورة البقرة: آية " 187 " )
اسمع الآيات:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾
( سورة النور: آية " 21 " )
خطوة.. خطوة، أول خطوة خلوة، والله يوجد إخوان حدثوني، وأنا أثنيت عليهم والله، يعد المصعد خلوة، لا يطلع مع امرأة بمصعد، يطلع ست، طوابق، أو ينزل على الدرج، إذا كان دخل إلى غرفة، حتى إذا أغلق الباب صار خلوة، النبي الكريم قال:
(( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ ))

لم يقل كافر، لم يقل فاسق، رجل، أي رجل بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما:
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))
( من سنن أحمد: رقم " 109 " )
أنت في البيت بمفردك طرق الباب، صديقة زوجتك، أخت زوجتك، ماذا تفضلي ؟ ما هذه المجاملات الشيطانية ؟ والله ليست هنا، ما حلوة، لا حلوة ونصف، دينك أغلى، ليس هذا مجاملة إطلاقاً ، فقال:
﴿ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)﴾
( سورة النور )

إذن هنا الأمر لا تتبعوا خطوات الشيطان، الأمر الثاني:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
( سورة الأنعام: آية " 151 " )
إذن العورة يجب سترها، فدروسنا القادمة مهمة جداً، ما هي العورة ؟ حدودها بالنسبة للرجل إلى الرجل، للرجل إلى المرأة، من المرأة إلى المرأة، من المرأة إلى الرجل.
(( حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2693 " )
عوراتنا للنساء، رجل مع رجل، لا يوجد أحد، الله أحق أن يستحيا منه.
في حديثٍ آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنا نهينا أن ترى عوراتنا ))

في بالحديث نقطة دقيقة، بالصياغة، إنا نهينا أن ترى عوراتنا؟ فعل ترى، ما إعرابه ؟ فعل مضارع مستمر، وفي شيء ثاني بالمضارع، مبني للمجهول، أي أنت غير قاصد، لو إنسان، كشف عورته، طبعاً آثم، لكن وأنت أثمٌ أيضاً، إذا بدت وأنت لا تدري، إذن يجب من الاحتياط.
(( إنا نهينا أن ترى عوراتنا ))

هذا يذكرني بحديث:
((...مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))
( صحيح البخاري: رقم " 107 " )
يقول لك: والله أنا ليس قاصد، هذا الحديث قرأته وأتكلم به، نقول له: في حديث آخر:
((عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2586 " )
لو لم تكن قاصد، لذلك أهم شيء، أن عملك لا يقبل عند الله، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
(( بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ "))
( من سنن مسلم: رقم " 512 " ورواه أبو داود والترمذي )
وقوله: لا يفضي، أي لا يلصق جسده بجسده، أي أن تلامس البشرة البشرةَ بين رجلين، أو امرأتين، هذا منهي عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام.
وكان صلى الله عليه وسلم، يرى أن ستر العورة، من ثمرات الإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر، ولذلك، شَرَط ستر العورة، لمن أراد الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام، أنظر أيام هذا الربط خطير جداً:
(( عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ إِلا بِمِئْزَرٍ ))
( سنن النسائي: رقم " 398 " )
ستر العورة، من صفات المؤمن، هذا يفهم منه، المعنى المخالف، من تبذَّل في كشف عورته، فكأنما نُزِعَ منه الإيمان.
أخرج عبد الرزاق بن جريج، قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج فإذا هو بأجيرٍ له يغتسل عارياً.
إذا الإنسان اغتسل بالأكمل، يغتسل بالثياب الداخلية، بعد ذلك يعصرها وينشرها، بعد ذلك يغسلوها.
فقال النبي الكريم:
(( لا أراك تستحي من ربك، خذ إجارتك، لا حاجة لنا بك ))
فهمكم كفاية.
((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ))
( مسند أحمد: رقم " 21695 " ورواه ابن حبان فيصحيحه)
بالمناسبة الحديث المشهور:
(( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ))
ولكن له تتمة، وتتمته:
((.... فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
( صحيح مسلم: رقم " 4802 " ، ورواه البخاري وأبو داود والنسائي )
وفي روايةً لمسلم وأبي داوود:
((" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ " ))
( سنن أبي داوود: رقم " 1840 " )
((لرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
( صحيح مسلم: رقم " 4802 " )
(( ورواه البخاري وأبو داود والنسائي ))

وفي روايةً لمسلم وأبي داوود:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ ))
( سنن أبي داوود: رقم " 1840 " )
(( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي ))
( من مسند أحمد رقم " 3717 " )
والإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مطمع، أي إن إبليس طلاعٌ رصَّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء، فاتقوا الله واتقوا النساء.
في حديث معروف عندكم جميعاً فذكر إن الذكر ينفع المؤمنين "
(( النظرة سهمٌ مسموم.... ))
لماذا قال النبي: سهمٌ مسموم ؟ لأن السهم إذا أصاب الجسم، أصاب موضع معين، لكن السهم المسموم، يجري السم، في كل أنحاء الجسم، وهذا كلام والله، دقيق جداً، الإنسان إذا أطلق بصره في الحرام، بيفسد بيته، بيفسد عمله، بتفسد دراسته، بتفسد تجارته، يسري السم في كلِّ نواحي حياته، لهذا:
(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه "))


سؤال: الله عزَّ وجل أمرنا بخمس صلوات لماذا ؟ كي نبقى مع الله دائماً، وكأن الصلوات الخمس، كما وصف النبي ذلك، نهر، يغتسل منه الرجل في اليوم خمس مرات ترى أيبقى عليه من درن قالوا ؟ لا.... ((" قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ))
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ))
( صحيح البخاري: رقم " 497 " )
شيء جميل، هل يوجد عندنا صلوات بين الصلوات، هنا السؤال؟
أردت أن أنت صليت الصبح، والظهر صليته، وانطلقت لعملك، كل امرأة تراها وتغض بصرك عنها، سببٌ لإقبالك على الله، فكأنما المرأة التي في الطريق ثمرة غض بصرك عنها، أنك تتصل بالله، فصار الصلوات الخمس مناسبة للاتصال بالله، وكل غض بصرٍ عن امرأة أجنبيةٍ لا تحل لك، مناسبةٌ أو حافزٌ، أو مدعاةٌ، لإقبالك على الله عزَّ وجل.
بالمناسبة غض ليس في الأرض كلها، لا في شرقها، ولا في غربها، والآن في دول الشمال ودول الجنوب، والآن دول الشمال غنية جداً، دول الجنوب فقيرة جداً، فإذا قلنا هذه من دول الشمال، يعني دولة غنية، لا في شرق الأرض، ولا في غربها، ولا في شمالها، ولا في جنوبها، دولةً في قوانينها أمرٌ بغض البصر، وهذه حكمةٌ أرادها الله عزَّوجل.
إنك إن غضضت بصرك عن محارم الله، لا ترجو لا ثواباً ولا عقاباً، لكن ترجو أن يرضى الله عنك، فكأن غض البصر عبادة الإخلاص، يعني الواحد يقدر أن يتطلع ولا أحد يحس فيه، كثير يوجد مناسبات، جالس ببيتك والنافذة مفتوحة، البيت الذي أمامك انفتحت النافذة وطلت امرأة، ما في إنسان بالأرض يكشفك، إلا الله، لذلك، يعلم خائنة الأعين، هو وحده يعلم خائنة الأعين، فإذا غضضت البصر هذا يعبِّر على أن الله يراك إيمانك أن الله يراك، وطموحك أن يرضى الله عنك.
لكن بالمناسبة، لا تظنوا الدين غض بصر فقط، هذا فهم، الدين مئة ألف بند أحد هذه البنود غض البصر، لكن إذا الإنسان، ظن الدين فقط غض البصر، غض بصره وأكل مال حرام، غض بصره واغتاب الناس، غض بصره وكان ذو وجهين ولسانين الدين مئة ألف بند، من باب التقريب يعني، أحد هذه البنود غضُّ البصر.
الآن، النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ من أحاديث الزواجر، يقول:
(( لعن الله الناظر والمنظور إليه ))


الناظر ملعون مفهوم، المنظور إليه، لولا أنها كشفت عورتها، لما نظر الرجال إليها، الآن أنا أقول لكم نقطة دقيقة حكيتها الدرس الماضي، أن واحد سارق، كم إثمه عند الله ؟ كبير جداً، والله الذي لا إله إلا هو، الذي يهمل ماله، ويغري الناس بأكله، الذي لا يضبط أموره، الذي لا يسجِّل، الذي لا يكتب العقد، الذي لا يفعل أشياء موثَّقة، بتساهله وتسييب أموه، أغرى الناس بماله، فأكلوه، والله الذي لا إله إلا هو، ليس الذي أكل المال غصباً، بأكثر إثماً، من الذي أغراه به، العوام: (( يقولون المال الداشر يعلم الحرامي السرقة ))
فكل إنسان يسيِّب أموره، ومن صفات الفاسق، أن أمره، وكان أمره فرطا أموره سائبة، تسييب أموره، قال لي مرة رجل عنده، معمل مفروشات، قال لي: ما كنت أربح، بيع كثير ولكن لا يوجد ربح، بعد ذلك اكشف، يطلب مثلاً، خمسة ألاف متر وجه كنبات، يحضرونهم بشاحنة، يقول له ضعهم بالمستودع، هذا انتبه السائق أنه لم يعد تسجيل لا يوجد، أول مرة وضعهم، ثاني مرة، أخذ توبين، المرة الثالثة، أخذ خمس أتواب مرة سلب نصف الكمية، فإذا الإنسان لم يستلم البضاعة، وسجلها، وقت ما بتستلم، يكون هذا الشاب، الذي هو موظف عند البائع، آدمي، بس رآك لم تستلم منه بضاعة، ولا عديتها وأين الفاتورة، وأين المتراج، وأين التواب، حطهم في المستودع، والله ممكن أخذ توب أو توبين، فهذا الذي قال له: ضعهم في المستودع ولم يستلمهم منه، هو الذي أغرى هذا الشاب المستقيم بالانحراف، إذن في صحيفة كل إنسان، يسيب ماله.
الآن قيسوا عليها المرأة المتبذلة، النساء الكاشفات المتبذلات، الكافرات، يعني يتفلسفن بأنهن شريفات، لا يقدر إنسان أن يتكلم معهم كلمة، حينما خرجت هذه الفتاة، بشكلٍ متبذِّل، ليست شريفة، ألف مرة، لأن لسان حالها، يدعو الناس إلى النظر إليها.
(( لعن الله الناظر والمنظور إليه ))

إذن المرأة التي، بالمناسبة، سمعت قصة من يومين تركت في نفسي أثراً امرأة، على جانب من الجمال، زوجها ليس منضبطاً، وليس ملتزماً، أطلق لها العِنان العَنان، أم العِنان ؟ العِنان، والعَنان هو السحاب، إذن العِنان، بالكسر، العِنان الزمام والعَنان، بلغت الأصوات عَنان السماء، أطلق زوجها لها العِنان، فانطلقت، متبذلة، في ثيابها الفاضحة، وعاشت كما يقول الجهلة والفسَّاق، عاشت وقتها، عاشت شبابها، عاشت تألُّقها، الحبل مرخى، نحن في عندنا اصطلاح بيننا، الحبل مرخى، بينشد الحبل، أصيبت بمرضٍ، خطيرٍ، في العضو التي كانت تُكثر من كشفه للأجانب، لن نسميه باسمه، ترفعاً هذا العضو، صار يحتاج عملية جراحية في دولة أجنبية، العملية كلفت مليونين ليرة وعادت من هذا البلد الأجنبي، بوضع غير مريح، هي في البيت تمشي فجأةً، وقعت، لم تستخدم العكازة، وقعت، فهذا العظم، الذي صنِّع من الإستانلس، والمرمر، وأدخل في عظم الحرقف، تماماً، في بلد أجنبي وكلفت العملية مليونين، خرج من مكانه، وبرز من الَّحم، فبقيت أربع ساعات، تصيح صياحاً، لم يبق في البناء كله، إنسان إلا ونزل ليرى ماذا حدث، اتصلوا بالطبيب الأجنبي، عن طريق التلكس، قال: أي طبيب يتدخل أنا لست مكلفاً بإجراء العملية الثانية، القصة طويلة جداً، ليس هذا هو المغزى، المغزى أنها بعد هذه العملية الجراحية، وهذه الآلام المبرِّحة، تابت إلى الله، وتحجبت، وتسترت، وبدأت تحفظ كتاب الله.
قالت هذه المرأة لصديقتها: سأقول لكم باللَّغة العامية، قالت لها: " والله أد ما الله فعل بي قليل "، العضو التي كانت تكثر من كشفه أمام الأجانب، هو الذي تلف، وهو الذي أذاقها الله به آلاماً مبرِّحة، لذلك أنا أتمنى على كل إخوتنا، أن هذا الحبل، انظر للحبل، لا تنظر إليه مرخي، الحبل بينشد بلحظة واحدة، فإذا أنت في قبضة الله عزَّ وجل.
أنا بصراحة أقول لكم، لا أقبل من أخ مؤمن يقول: والله يا أخي، هكذا تريد زوجتي، ماذا أفعل لها.
هذه والله صعبة أن أقبلها منه، أين جهدك، أين الله جعلك قيِّم على أهل بيتك أين إقناعك، أين إحسانك، أين حزمك، فأنا، أتساهل بكل شيء، إلا بهذا الموضوع الرجال المومن، يعني أمور الدنيا يتساهل فيها، ليس شديداً، إلا في حدود الله إذا انتهكت فهو شديد جداً، في أمور أخرى ليس شديداً، أما إذا انتهكت حدود الله عزَّ وجل، فتقول: والله ماذا نفعل، والله لا يعجبونني. خير إنشاء الله، فقط لم يعجبونك، وأنت مؤمن.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة ))
كل عينٍ
(( كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ))
اسأل نفسك هذا السؤال، ولو كان محرج، في مرة بكيت خشوع لله عزَّ وجل في مرة واحدة، انهمرت الدموع، إما شوقاً، أو خوفاً، أو رجاءاً، أو ندماً، أو حباً، قال:
((كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ))


في حديث آخر: (( ثلاثة لا ترى أعينهم النار، عينٌ حرست في سبيل الله، وعينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ كفَّت عن محارم الله ))

الآن الناس، ماذا يظنون ؟ أن أخي الخمر، أعوذ بالله، أنا لا أشرب والله، " محلاك " تشرب كمان، أنا لم أأكل مال حرام، أنا، يحسب أنه عظيم من ترك الكبائر، من قال لك: إن الصغائر لا تنقلب إلى كبائر إذا أصررت عليها، من قال لك ذلك ؟ الصغائر، إذا أصررت عليها، تنقلب إلى كبائر، أبداً، اسمعوا الحديث روى الإمام أحمد:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا ))
( مسند أحمد: رقم " 3627 " )
مرة ضربت مثل تعرفونه أنتم: طريق اتوستراد مستقيم، عريض، ستين متر يقول لك شارع الستين بمكة، ما معنى شارع الستين ؟ يعني عرضه ستين متر، طريق مستقيم طويل عرضه ستين متر، على يمينه وادي سحيق، أنت راكب سيارة، هذا المقود انحرفت تسعين درجة فجأةً، هذه كبيرة، " رأسا سلتنا في الوادي " أما إن حرفت سانتى على اليمين، ولم تتراجع، وثبتت السانتي، بعد مئتي متر بالوادي، أين النتيجة ؟ بالوادي، إن كان الانحراف تسعين درجة، أو سانتي واحد أو درجة واحدة، لكن الدرجة لو استمرت بالوادي، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
((لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار ))
أبداً:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار ))
و

((.. إيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ...))

مصافحة، وإطلاق بصر، وسماع غناء، واختلاط، صفرة واحدة غير معقول نجعلها صفرتين، فقط، هذه المشكلة، وظانن نفسه لم يفعل شيء.
إنشاء الله الدرس القادم، نتحدَّث في صلب الموضوع، عن عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وبعدها عورة الرجل بالنسبة للمرأة، وبعدها، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، واخيراً عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:14 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 2 - 5 ) : عورة الرجل بالنسبة للرجل .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-15
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
عورة الرجل بالنسبة للرجل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي، في موضوعٍ، أظن أننا في حاجةٍ ماسةٍ إليه، ولا أنطلق في اختيار الموضوعات إلا من الواقع، حينما أرى عدم انضباط في موضوعٍ، جاء به حكمٌ شرعيٌ واحد، أجد نفسي مضطراً أن أبين الحكم الشرع في هذا الموضوع.
بادئ ذي بدء، يمكن أن نقول: إن من لوازم المؤمن، المؤمن له صفات كثيرة لكن في صفات أساسية، قلت لكم في درس سابق: إن من صفات المؤمن الأساسية، أن حياته مبنية على العطاء، بينما حياة غير المؤمن، مبنية على الأخذ، وهناك مشعرٌ دقيق ما الذي يسعدك أن تعطي، أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي، فأنت من أهل الآخرة وإن كان يسعدك أن تأخذ، فأنت من أهل الدنيا، لذلك أهل الإيمان، أهل الله، الذين ينتظرهم عطاءٌ كبير في الآخرة، يسعدهم العطاء، بنوا حياتهم على العطاء، لا على الأخذ، لذلك كان الأنبياء، في هذا الموضوع قمماً، كانوا قمماً، أعطوا ولم يأخذوا، أعطوا كل شيء حياتهم كلها عطاء بعطاء.
من لوازم المؤمن، من سماته الأساسية، التستُر، بينما غير المؤمن، التعري سمة أساسية، في بيته، في عمله، في لهوه، في مناسباته ، في نزهاته، حياة المؤمن حتى في بيته، حتى في شرفاته، غير المؤمن متبذِّل، لا يبالي، ما ظهر من أعضائه، لذلك كان موضوع العورة، موضوعاً دقيقاً جداً، إذن يجب أن يبقى في ذهنكم، أن من صفات المؤمن الأساسية، التستُر.
لكن قد يسأل سائل، يعني، ما حكمة ذلك ؟ قبل أن أخوض في الحكمة، لي تعليقٌ دقيقٌ جداً، أنت كلما أردت أن تقدم على تنفيذ أمر لله عزَّ وجل، إن سألت عن الحكمة ما الذي يحصل، أن المؤمن، يستوي مع غير المؤمن، المؤمن الصادق، إذا ثبت له، إن هذا أمر الله عزَّ وجل، وأن هذا أمر نبيه، بادر إلى التطبيق، من دون أن يسأل عن الحكمة لكن الله جلَّ جلاله، يكرمه بعد التطبيق، وبعد الانصياع للأمر، بكشف الحكمة.
نحن في حياتنا دائماً، يوجد شخص أعلم منا، وشخص في مستوانا، وشخص أدنى منا، لا يسأل عن الحكمة إلا المساوي، فإذا أمرت من هو أدنى منك بأمر، أنت لست مطالباً أن تبيِّن له الحكمة، وإذا أمرت بأمر، أنت لا تستطيع أن تسأله عن الحكمة، لكن إذا قال لك زميلك، الذي من سنك، وفي مستواك، وفي مرتبتك، أو شريكك في العمل: افعل. تقول له: لماذا ؟ كلمة لماذا، من يقولها، المساوي، أما الأدنى، ليس من حقه أن يسأل هذا السؤال، عليك أن تنفِّذ فقط، ومع ذلك فالله جلَّ جلاله في آيات كثيرة، تحبباً إلينا وتكريماً لنا، ورفعاً لشأننا، أعطانا الأمر مع حكمته، أعطى الأمر مع حكمته.
إذن أنا كمؤمن، مهمتي أن أتحقق من أمر الله عزَّ وجل، فإن ثبت لي أن هذا أمر الله بنص الكتاب، وبنص السنة، ما علي إلا أن أبادر إلى التطبيق، أما إن سألت عن الحكمة، فهذا من قبيل أنني إذا عرفت الحكمة، ربما نقلت هذا الأمر للناس، فاستطعت أن أقنعهم بتطبيق هذا الشرع، لا من باب إنني لا أطبِّق حتى أعرف الحكمة، هذا ليس وارداً إطلاقاً.
لكن أحياناً وهذا من باب التمثيل، أحياناً الأب، في ذهنه أشياء كثيرة، لما ينتظر ابنه في المستقبل، يقول له: يا بني أدرس، ابنه صغير في الصف الابتدائي، في الصف الخامس، كيف سيقنعه أن الحياة سوف تكون معقدة جداً، ولا مكان إلا للمتعلم، والمتعلم يملك رأس مال ثابت، هناك تعليلات كثيرة، قد لا يملك فهمها هذا الطفل، لذلك قد يعطيه حكمةً في مستوى سنه، يقول له يا بني أدرس، فإن درست، فلك مني جائزة، هو الأب في ذهنه أهداف كبيرة جداً وبعيدة جداً، يريد من ابنه أن يكون إنساناً متميزاً، متفوقاً، متكيفاً مع الحياة في مستقبلها.
فنحن قبل أن نبحث عن الحكمة، الحكمة إن سألتها تأدباً، من أجل أن تعلم الآخرين لا مانع، لكن ليس من حقك كمؤمن جاءك أمرٌ من خالقك، أن تعلِّق التطبيق على الحكمة، هذا ليس من صفات المؤمن، وأن فعلت هذا، استوى المؤمن وغير المؤمن.
الشيء الثاني، هذا الشيء قادني إلى مثل، ضربته من فترة طويلة، إنه إذا أنت عندك محطة وقود، ويوجد فيه مكان لإعلان، كم إعلان ممكن أن تعلن بهذا المكان، ويوجد عندك فراغ أبيض في مدخل المحطة، يصلح لإعلان، أو لتنبيه، أو لتحذير، ممكن أن تقول: يرجى أن تقف بالدور، ممكن، ممكن أن تقول: حافظ على نظافة المحطة، لكن يجب أن تنتقي أخطر شيء في هذه المحطة، أطفيء المحرِّك، إذا كان في بخار بنزين، أو ممنوع التدخين مثلاً، تختار إعلان مصيري، ممكن تكتب مئة إعلان، لا يقدِّم ولا يؤخر.
فأنت يجب أن تؤمن أن الشيء إذا ذكره الله في القرآن، فهو خطيرٌ جداً، القرآن سكت عن مليون قضية، القرآن سكت عن مئة مليون قضية، الموضوعات التي عالجها التي بيَّن فيها حُكماً، التي أمر فيها أو نهى فيها، يجب أن تؤمن إن هذه موضوعات خطيرة بل هي موضوعاتٌ مصيرية، بل ممكن أن يهلك الإنسان إذا خالفها، كما أنه من الممكن أن أكتب في هذا المكان، ألف إعلان وإعلان، وألف تنبيه وتنبيه، وألف تحذير وتحذير، لكن أخطر تحذير، أن هذه المحطة لو جاءتها شرارة، لالتهبت كلها، إذن ممنوع التدخين أطفيء المحرك، هذا إعلان مصيري.
إذن أنت أمام شرع، في أمر، وفي نهي، وفي سنة، وفي شيء سكت عنه الشرع.
الذي أمر به، تتوقف عليه سعادتك، والذي نهى عنه أساسه الهلاك، هذا الإيمان الذي أمر به تتوقف عليه سعادتك، والذي نهى عنه طريق الهلاك، في الدنيا والآخرة والذي جاء به النبي، من سنةٍ عليه الصلاة والسلام، هذا من قبيل، يعني تكميل الفرض، والذي نهى عنه النبي، بمستوى الكراهية، هذا من قبيل الابتعاد عن المحرَّم، أما الذي سكت عنه الشرع، ففي الذي سكت عنه الشرع، حكمةٌ بالغةٌ بالغة لا تقل عن حكمة الذي أمر به أو نهى عنه.
النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحية، نهانا عن كشف العورة، والقرآن الكريم، في آيات كثيرة جداً.
إذن ربما كان كشف العورة طريقاً إلى الزنا، وربما كان الزنا طريقا للبعد عن الله عزَّ وجل، وربما كان البعد عن الله عزَّ وجل هلاكٌ محققٌ للإنسان.
إذن لما القرآن الكريم، يشير بآيات كثيرة، ذكرتها في الدرس الماضي، إلى وجوب ستر العورة، فهذا شيء مهلك، كشف العورة مهلكاً، وإذا أردت على هذا برهاناً الذي يجري في مجتمعات أهل الدنيا، في المسابح، في سواحل البحر، في المتنزهات، في الفنادق، في الحفلات، في المناسبات التي يخرج بها الإنسان عن حدود الانضباط، ماذا يجري هناك ؟
يعني أنا أعرف، أخ كريم ذكر لي، أسرتان، ذهبتا إلى الساحل، نزهة في الصيف، يبدو من تكشُّف النساء أمام رجالٍ، لا يحل لهم أن يرونهم، عادت الأسرتان إلى الشام، أحد الأزواج طلَّق زوجته، وتزوج التي كانت معه في النزهة، وعندها سبعة أولاد هذا كشف العورة، فليست قضية سهلة، الدين كله عورات ووضوء، وحيض، ونفاس يا أخي، هذا الدين، الدين يعالج أخطر قضية.
يجب أن تؤمن أيها الأخ الكريم، أن أوامر الشرع، ليست حداً لحريتك، ولكنها ضماناتٌ لسلامتك، تماماً، كما لو كنت في حقل، ورأيت لوحةً، بلونٍ صارخ، ممنوع الاقتراب، حقل ألغام، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ لا والله، أشعر بامتنان هل هذه اللوحة تحد من حريتي ؟ لا والله، تضمن لي سلامتي.
إن فهمت النواهي في الدين، كهذه اللوحة، فأنت مؤمن، أنت فقيه صرت، أما إن رأيت أوامر الدين ونواهيه، عبء، يا أخي الدين ثقيل، الإنسان من دون تدين، يقول لك: أريح، يتحرَّك حركة طبيعية، هذه حرام، وهذه حرام، وهنا غض بصرك، وهنا ممنوع أن تمشي، طبعاً هذا ضيق الأفق.
لما حينما نرى، أن كلام الله عزَّ وجل، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، تشير إلى موضوع، يجب أن تؤمن بادئ ذي بدء، أن هذا الموضوع خطير، أن هذا الموضوع يمكن أن ينتهي، إلى هلاك.
لا أريد أن أذكر لكم، قصص تناهت إلى سمعي، بحكم عمل في الدعوة إلى الله لا تصدق، يعني مثلاً، مثل بسيط أذكره لكم، إنسان ساكن في الشام، بحكم عمله، له أخيين، من خارج دمشق، فسكنا معه ليدرسا في دمشق، طبعاً في بالبيت زوجة أخيهما يقول أحد هذين الأخيين الزائرين، لأستاذٍ له، هو زميلٌ لي، قال له: يا أستاذ لأخي أولادٌ ثلاثة، منه ولد، ومني ولد، ومن أخي الثاني ولد.
إذا واحد يريد أن يقول: لا تعقدوها، لا تدققوا، هذا الشرع، أنا عندي مثل هذه القصة مئات، كل شيء الله حرمه، كل شيء الله نهى عنه، معناها في أخطار كبيرة جداً ولا أريد أن أدخل في تفاصيل، لا يليق بهذا المجلس أن تذكر، لكن الشيء الذي حرَّمه الله يجب أن تعلم، أن الذي حرم، هو الخالق، أن الذي حرم، هو الصنع، أن الذي حرم هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
فيجب أن تؤمن أن أكثر حالات الانحراف، والزنا، وما شاكل الزنا، من انحرافاتٍ خلقية، أساسها كشف العورات، أساسها التبذل، أساسها عدم التقيُّد بالشرع.
عظمة هذا الذين أنه إحطات من أول الطريق، الصخرة وضعها في مكانٍ أمين لكن بعد أن تنطلق في المنحدر، ليبقى هذا المثل في ذهنك، بعد أن تنطلق في المنحدر، لا بد من أن تصل إلى قاع الوادي، إذا تساهلنا في البدايات، نصل إلى النهايات.
إذن أول فكرة، المؤمن، من سماته الأساسية، التستر، في بيته، في شرفات بيته، في ثيابه في البيت، في ثيابه في النزهات، حتى إذا أراد أن يسبح له ثياب خاصة هذا مؤمن، من نوع ثياب السباحة، هذا مؤمن، هذا مؤمن يسبح يستر عورته.
فالتكشف، من صفات غير المؤمن، هو الحقيقة التكشف عودة للجاهلية، عودة إلى مستوى البهائم.
وإن من البهائم أشدَّ حياءً من الإنسان، معروف، إلا الخنزير طبعاً، يقول لك: فلان مخنزر، أي يشبه في أخلاقه أخلاق الخنزير.
الآن درسنا اليوم.. عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، أولاً، تأكدوا إنك إذا طبقت السنّة في البدايات، ما وصلّت إلى مناطق خطرة أبداً، كل منطقة خطرة لها بداية الإسلام أغلق عليك الطريق منذ البداية، خلاص، الإنسان غير الدين، البدايات مفتوحة يجد الباب مفتوح يدخل فيه،، بعد هذا يجد الطريق، زلق، لا يتمكن أن يقف، إلى أن يصل إلى آخر الطريق، إذن الإسلام، أغلق الأخطار من بداياتها التي تبدو كأنها طبيعية، من هنا أغلقها.
عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، قال: إما أن يكون الرجل قريباً كالأب، والابن والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت، والعم، والخال، وغيرهم، هذه قربات، وإما أن يكون أجنبياً، ليس بقريب، على كلٍ موضوع العورة في هذا، يستوي فيه القريب وغير القريب ينظر الرجل، من الرجل، سواءٌ أكان قريباً، أو أجنبياً، ومن غلامٍ بلغ حدَّ الشهوة، بأن صار مراهقاً، سوى ما بين سرته إلى ما تحت الركبة، إن تيقَّن عدم الشهوة، وإلا فلا، هذا الحكم الأولاني، أي رجل لرجل، أب لابن، ابن لأب، أخ لأخ، أخ لأبن أخ، أخ لابن أخت، ابن أخت لعم، لخال، هذه هي القرابة، أو شخص غريب، غريبٌ، أو قريب، لا يحلُّ لك أن تنظر إلى رجلٍ مثلك، في ما دون السرة، وما فوق الركبة.
إذن السباحة، مع أناس يرتدون القصير، لو أنك ترتدي الطويل، في مخالفة شرعية، أنت ناظر، لو نظر إليك أحدٌ لا يرى منك شيئاً، أنت لابس طويل، لكن الذي يرتدي القصير، ما تفعل به ؟
النبي عليه الصلاة والسلام، فيما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
(( ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرتين من العورة ))

أدخل فرك لي ظهري الله يرضى عليك، ما في هذا التبذل، لو كان ابن لأبوه أو أب لأبنه، أو أخ لأخوه، لا يجوز أن يرى الرجل، من الرجل، ولو كان غلاماً بلغ حد الشهوة، أي بلغ، معنى بلغ بالمناسبة، يوجد عندنا حالتين، إما سناً، أو علامةً، السن خمسة عشر، لو أنه بلغ، يعني خرج منه ماء الرجال في الثانية عشر، فقد بلغ، أيهما أقل ؟ إما على أساس السن، أو على أساس العلامة، إذن من السرة، إلى ما تحت الركبة، من العورة، فالإنسان ينتبه.
حديث آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة ))

حديث ثالث:
(( ما بين السرة والركبة عورة ))

الفخذ من العورة، لذلك قال عليه الصلاة السلام:
(( عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلا تَنْظُرَنَّ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلا مَيِّتٍ ))
( سنن أبي داود: رقم " 2732 " )
هذا توجيه.
(( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ ))
( مسند أحمد: رقم " 21457 " )
مر عليه الصلاة والسلام برجل وفخذه مكشوفة، قال:
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَفَخِذُهُ خَارِجَةٌ فَقَالَ غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ مِنْ عَوْرَتِهِ ))
( مسند أحمد: رقم " 2363 " )

ثلاث أحاديث، وثلاثة، ما بين السرة إلى الركبة عورة، حديثٌ رابع: (( أَخْبَرَنِي ابْنُ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَوْرَةِ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2720 " )
حديثًٌ خامس:
((الركبة من العورة ))

اليوم درسنا الرجل للرجل فقط.
هذا الموضوع يمس الحمام، مسبح، خلع الثياب أثناء ارتداء الثياب، الاغتسال في البيت، خارج البيت، في الرياضة، في الركض، في السباحة، لا تنظر، ولا تدع أحداً ينظر إليك، ولا تُطع أحداً في معصية ربك، هذا الطريق من أوله.
لكن، الطبيب وحده، له أن ينظر إلى مكانٍ محرمٍ إظهاره، والطبيب المسلم ينظر بالقدر الذي يُسْمَح.
طبعاً الركبة حرمة إظهارها، أخف من حرمة إظهار الفخذ، وحرمة الفخذ أقل من إظهار السوأتين، يعني أيضاً يوجد تدرُّج، لكن العورة من السرة وحتى السرة.
العلماء قالوا: كاشف الركبة ينكر عليه برفق، وكاشف الفخذ يعنَّف، وكاشف السوأة يؤدَّب، واحد يلفت نظره برفق، والثاني يُعَنَّف، والثالث، يؤدَّب، يعني قد يضرب.
وما يباح النظر إليه يباح مسه، إذا واحد رجل أمسكته من يده، المكان الذي يباح النظر إليه، يباح مسه، والمكان الذي لا يباح النظر إليه، لا يباح مسه، لا فوق الثياب ولا تحت الثياب.
يكره تحريماً، للرجل أن يُمَكِّن رجلاً، من تنظيفه بالكيس والِّلف، ما بين سرته وركبته، يكره تحريماً، هذه أحكام الشرع في هذا الموضوع.
في قول للإمام مالك، يغني أحياناً، يحدث تعلُّق، بحكم دون أن يفقه الناس حقيقة الحكم، يعتقد بعضهم، أن الإمام مالك، أجاز النظر إلى الفخذ، حقيقة الأمر، أن الإمام مالك من بين العلماء، قسَّم العورة إلى عورة مغلَّظة، وعورة مخففة، ويرى الإمام مالك أنه من كشف عورته المغلَّظة، عليه أن يعيد الصلاة، والتي قبلها، يعني أية صلاةٍ صلاَّها وعورته المغلَّظة مكشوفة، عليه أن يعيدها، أما إذا كشف عورته المخففة، وهي الركبة وجزء من الفخذ، هذه يعيد الصلاة الوقتية فقط.
إذن الإمام مالك ما خرج عن إجماع العلماء، العلماء بأكملهم، وجميعهم، قالوا: أن الفخذ عورة، لكن الإمام مالك فصَّل، بين عورةٍ مغلظةٍ، وعورةٍ مخففة، العورة المغلظة لو كشفت، عليه أن يعيد كل صلاةٍ صلاَّها وقد كشف عورته المغلظة، طبعاً بالمناسبة كاشف العورة المغلظة، يستوي في كشفها إن كان عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً، عليه أن يعيد الصلاة كلَّها، إن كان جاهلاً، أو ناسياً، أو عامداً، في أحكام الفقه، سواء.
هذه الأحكام، الإنسان لما بتكون حياته، بهذه الانضباط، عايش في برّ الأمان عايش في راحة نفسية، أما إذا فتح على نفسه هذه الأبواب ربما ساقته إلى ما لا تحمد عقباه.
حكم النظر، يوجد عندنا نقطة دقيقة، إنه إذا كان في فتنة، أيُّ شيءٍ يجب ستره يعني نأخذ مئة شخص، التسعين شخص من المئة أسوياء، طبيعين، أما إذا كان في بالمئة عشرة شاذيين، لا ينبغي أن يرى من الرجل، لا ما بين السرة إلى الركبة، ولا فوق ولا تحت، إذا في إنسان مريض، شاذ، منحرف الأخلاق، تخشى معه الفتنة، كلُّ شيءٍ يصبح عورةً، في حالات، في أشخاص غير طبيعين، مثلُّ هؤلاء، هذه الأحكام ليست لهم، هذه الأحكام للأسوياء، أما إذا إنسان ممكن أن تحدث فتنة، إذا رأى رجل أو شاب مثلاً، إذا رأى ما فوق سرته، إن حصلت فتنة، فيجب أن نمنع هذا، بالمناسبة، إذن موضوعنا للأسوياء لعامة المؤمنين، أما أحياناً يكون بعصر من العصور، هذه النواحي هذه آخذة حيِّز كبير بحياة الناس، طبيعة الحياة الحديثة، طبيعة الإعلانات، طبيعة الطرقات، تعمل مشاعر استثنائية..........
..... يعني أهل الدنيا، أهل الكفر، والفجور، استخدموا المرأة في كلِّ شيء حتى في الإعلان عن أتفه البضاعات، علبة بوية، عليها صورة امرأة، هكذا، الإعلان عن كل شيء، أساسه المرأة، وكأنها سلعة، فلذلك في هذا العصر، عصر تيقُّظ الشهوات عصر الشهوات اليقظة، عصر الفتن، هذا العصر، من لوازمه، أن هذه النواحي تبرز، في حياة الإنسان، لذلك الفتنة الآن قائمة، كل شيء سمح به العلماء، في الأيام الطبيعية، مع الأشخاص الأسوياء، الآن في حرج، فلذلك موضوع الفتنة، موضوعٌ يلغي كلَّ هذه الأحكام ويجعلك تنظر نظرةٌ أخرى للأمور.
ما هي الفتنة، بعد الضبط ؟ لو أن إنسان عنده ابن، لو ابن صبيح الوجه، كيف أن الأب ينظر لابنه ؟ نظرة كلُّها براءة، كلُّها اطمئنان، أي إذا نظرت إلى وجهٍ صبيحٍ كنظرة الأب لابنه، هذا حال طبيعي، إلى وجه صبيٍ مثلاً، أو أمردٍ، أو غلامٍ، أما إذا تمنَّى الإنسان أن يلمسه، معنى ذلك في قضية شهوة، ففي هذه الحالة، ينبغي أن يأخذ الأمر أحكاماً أُخرى، ما دام في فتنة، الأشياء التي أبيحت، الأشياء المباحة، لا نقول المحرَّمات العورة، من السرة إلى الركبة، أما لو الإنسان، فرَّق بين الوجه الصبيح، وغير الصبيح وضع طبيعي، أما لو تحرَّك القلب، وتحرَّكت الشهوة، وصار في رغبة، عندئذٍ هذه هي الفتنة، عندئذٍ لا يجوز لا أن تنظر، ولا أن تستمع، ولا أن تمسك، ولا _أن تلمس إطلاقاً المقياس هذا.
أيام تنظر إلى وردة، أيام تنظر إلى لوحة فنية، منظر طبيعي، تستمتع بجماله هذا الحد الطبيعي، لكن جمال الإنسان، في له مشكلة أخرى، ليس كجمال وردة، ولا كجمال شجرة، ولا كجمال غزال مثلاً، الأشياء التي خلَّقها الله، هو الجميل، وخلق الجمال لكن الشهوة التي أودعها الله في الإنسان، لا يكتفي الإنسان، بالنظر إلى الجمال، بل يتحرك التحرك هو الفتنة، هو الفساد، هذا الذي قاله العلماء: عند أمن الفتنة.
لو فرضنا.. الآن نتكلم عن الرجل للرجل فقط، وجه صبيح، إذا نظرت إليه وكأنه ابنك، وضع طبيعي، أما إذا في مشكلة، هذا الذي نهى عنه الفقهاء فالحكم معروف.
وعدم الشهوة، كما جاء في التعريف الفقهي، أن لا يتحرك قلبه إلى شيء من ذلك، بمنزلة، من نظر إلى ابنه الصبيح الوجه، بالضبط، هذا هو المقياس.
أمْنُ ميل النفس، إلى القرب منه، أو المس له، إذا في أمن، عدم الرغبة بالقرب، أو المس، الوضع طبيعي، كما لو أنه ابنك، هذا حكم النظر إلى وجه، الرجل إذا كان شاباً.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مطمع ))

قد، أنا أسأل أحيان كثيرة عن عورة الصغير، العلماء قالوا: دون أربع سنوات عورته هي السوأة فقط، لكن بعد الأربع سنوات، تزداد العورة، في ما حول السوأتين، بعد العشر سنوات، تصبح له عورة، يجب غض البصر عنها، أما إذا بلغ، دخل في حكم الرجال، كما بينا قبل قليل.
في موضوع، أن الغلام، ينبغي أن يمنع من الدخول على النساء، متى ؟ الآية تقول:
﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾
( سورة النور: آية "31 " )
يعني الطفل، إذا دخل على النساء، ولا يفرِّق أبداً بين الحسناء، والدميمة، لا يعرف ما عندهن من فتنة، إذا كان في هذا المستوى، فهو دون سن البلوغ، أما إذا بدأ يفرِّق لا ينبغي أن يسمح له بالدخول على النساء.
المشكلة أن مع تقدم الحضارة المادية التي جاءتنا من الغرب، ومع هذه الأجهزة التي لا ترضي الله عزَّ وجل، والتي تعرض فيها النساء، كاسيات عاريات، هذه تنمِّي عند الصغار، الميل الجنسي، تنميه، في وقت مبكر، لذلك ما يصح قبل مئة عام، لا يصح الآن هذا الطفل الصغير، الصغير، تظنه بريئاً، وهو ليس ببريء، وهو يفهم كالكبار، إذن الحكم الآن، يجب أن يأخذ منحىً آخر، أن الأحكام تدور مع الأزمان، ومع تغير البيئات والحالات، والعياذ بالله الآن الوضع، أي الوضع، البرامج الفنية، وأجهزة اللهو، في البيوت، هذا يسبب فتن كبيرة جداً، حتى أن الصغير، أصبح في إدراكه لهذه الموضوعات كالكبير، فلذلك الإنسان، كلما ابتعد عن هذه الملهيات، وكلما أزالها من بيته، كان في بحبوحةٍ، وفي طمأنينةٍ كبيرة، لأنه شيء فيه فساد ثابت.
والنّبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح يقول:
(( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))
( صحيح البخاري: رقم " 4831 " )
فأخطر شيء القريبات، بحكم الاعتياد، والعلاقات الاجتماعية، هذه مرات أخي وهذه كنة عمي، هذه الكلمات هي، ينظر إليها، ويتحادث معها، ويتملىَّ من محاسنها، وقد يمازحها، وقد يقع الشيء الخطير، بحكم القرابة، والدخول، والخروج، والزيارات والطُمأنينة، الساذجة من الأهل، هذا كلُّه ينبغي أن يكون في حساب المؤمنين.
أقول لكم كلاماً: إذا اكتشف الرجل، في بيته مشكلة خطيرة، بين ابنته، وبين شاب، أو بين ابنه، وبين شابة، أي شيء لا يحتمل، لا تحتمل أعصابه هذا الخبر والمفرط أولى بالخسارة، وإذا كان، لا يعلم، المصيبة أكبر بكثير، مصيبة كبيرة جداً، فلذلك أخذ الاحتياط، هو الأحزم، الحزم سوء الظن، سوء الظن، عصمة، احترس من الناس بسوء الظن، الشرع، أقوى، والتقوى أقوى، يعني القضية، مخالفة للسنة، ابتعد عنها، ولو بدوت أمام الناس، الجهلاء، أن أنت متعصب، ومتزمت، يا أخي،" حلِّها برمة " ما هذا الدين، من أين جالبه ؟ هكذا يقول الناس.
لماذا قال عليه الصلاة والسلام أنه:
(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَإِذَا أَنْكَحَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلا يَنْظُرَنَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ فَإِنَّ مَا أَسْفَلَ مِنْ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ ))
( مسند الإمام أحمد: رقم " 6467 " )
لكي لا يقع الفساد، فرقوا بينهم في المضاجع، وماذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾
( سورة النور: آية "58 " )
لماذا الإذن، قال:
(( إنها أمي يا رسول الله !! قال: أتحب أن تراها عُريانة ))

هو الموضوع في حرج قليلاً، والتفاصيل فيه محرجة، إلا أن الحق هكذا، أي أن نبقى، أيهما أشد عاراً، أن نخوض في هذه الموضوعات، أو أن نجهلها ؟ أن نجهلها أن نخوض فيها، هذا دين شرع، منهج، أما أن نجهلها، هذا أشد عاراً بالإنسان، أ أن يجهل حقيقيةً مصيريةً، خطيرةً في حياته، فلذلك الكلمة الشهيرة، التقوى أقوى، أقوى لعلاقاتك أقوى لمستقبلك، أقوى لطهارتك، أقوى لنزاهاتك، أقوى لعفتك، الله عزَّ وجل قال:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
غض البصر أطهر، غض البصر، الخلوة، مثلاً، التبذل، الآن أكثر الناس عندهم وهم، أنه هذه أختي، هذه أمي، هذه بنت أخي، هذه بنت أختي، هذه عمتي، هذه خالتي، هذه المحارم، لا يجوز، أن تراهُنَّ إلا بملابس الخدمة، وثياب الخدمة، كما نصَّ عليها الفقهاء، ثيابٌ تستر الصدر، والعضُد، وتحت الركبة، هذه هي ثياب الخدمة، أما إذا في ثياب فيها تبذل، ولو كان أختك، لو كان بنتك، ولو كان عمتك، ولو كان خالتك، ولو كان والدتك، ثياب التبذل هذه لا يجوز أن يراها المحارم، لكن نحن عندنا كله يجوز، كله عندنا عرب صابون، هذا لا يجوز، الزوجة لها حكم، والمحارم لهن حكم، أما زوجة الابن لا يجوز الخلوة بها، وزوجة الأب، لا يجوز الخلوة بها، هذا في الفقه الحنفي، وفي حاشية ابن عابدين، لا يجوز الخلوة بالصهرة الشابة.
وسمعت قصصاً كثيرة، عن حالاتٍ يُندى لها الجبين، بين الابن، وزوجة الأب وبين الأب وزوجة الابن.
الصنف الثالث، لا يجوز الخلوة بهن، أول الصنف، حكم خاص، الزوجة المحارم، لا يجوز أن تنظر إليهن إلا بثياب الخدمة، الثياب المتبذلة لا يجوز، الصنف الثالث، لا يجوز أن تخلو بهن هذا حكم الفقهاء، والسفر قالوا: خلوة، السفر خلوة.
وأي شيءٍ نهى الله عنه، هناك حالاتٌ كثيرةٌ جداً، والله سمعتها، وصلتني، وما زادتني إلا إيماناً بعظمة هذا الشرع، إنه كل مشكلة، أساسها مخالفة، وأجمل شيء بالحياة أن الإنسان يعيش عمر مديد، ما في عنده ببيته مشكلة أبداً، ما في انحراف، ما فقي قصة يستحي أن يسمعها، ما في قصة، يُصْعق لو سمعها، شيء صعب كثير، أن الإنسان يكتشف بوقت متأخر، أن في خلل ببيته، خلل، في ما بين أولاده، فيما ما بين أقاربه، هذا الشيء أساسه التقصير في تطبيق الشرع، كلُّ هذه المشكلات الخطيرة، التي تهُدُّ الإنسان هداً أساسها، تقصيرٌ في تطبيق الشرع، لأن النظرة، النظرة سهم مسموم من سهام إبليس طبعاً في عندك الناظر، والمنظور، أيام الخطأ من الناظر، وأيام الخطأ من المنظور، لو أن المنظور، كان متستراً، لو أنه كان ملتزماً، لو أنه طبَّق السنة، لما حدث شيء، مخالفة المنظور، وضعف الناظر، سببت هذه الفتنة الكبيرة.
إذن الموضوع بشكل مجمل، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، ومن الرجال من كان شاباً بلغ الحلم، ما بين السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، أما إذا كان هناك فتنة لا يجوز، ما أبيح من قِبَل الفقهاء، كلّ أحكام الفقهاء، عند أمن الفتنة، فإن لم تؤمن، فلا ينبغي أن نسمح.
أحياناً، يقول لك: أخ وأخته، لكن لو شعر الأب، أنه هذا الابن له نظرات غير طبيعية، ودخل على أخته، في غرفتها، مرَّات عديدة، إذا شعر الأب، أو الأم شعرت هذا هناك حكم آخر صار، هناك حكم آخر، هذه الأحكام عند أمن الفتنة، عند الأشخاص الأسوياء، الأشخاص العاديين.
طبعاً الله عزَّ وجل، منح الأشخاص جمال، أما إذا رأيت شاباً وجهه صبوح وكأنه ابنك، وهذا شيء تعرفه أنت، عادي وضع طبيعي، أنت مع الأسوياء معنى ذلك، مع الأسوياء، مع الطبيعين، مع من تنطبق عليهم أحكام الشرع، أما إذا كان مع النظرة، في تحريك للقلب، أو في رغبة بالمس، هذه فتنة خطيرة جداً، عندئذٍ، حتى لو كان شاباً، هو عورةٌ من فرقه إلى قدمه، كما قال العلماء، الشاب الوسيم، إن لم تؤمن الفتنة، عورةٌ من فرقه إلى قدمه، أصبح عورة كالمرأة تماماً، أما إذا كان الإنسان سوي، والوضع طبيعي وما شعر بشيء، هذا وضع أيضاً طبيعي.
والإنسان كلَّما طبق هذه الأحكام، شعر بما يسمى بالطُهر، شعر بالعفة، وضمن أن حدثاً خطيراً لم يقع في بيته، وضمن أن هذا البيت نظيف بكلِّ ما في الكلمة من معنى فأرجوا الله جلَّ جلاله، بأن ننتفع بهذه الأحكام.
وردتني أوراق:
يقول أحد الإخوة الأكارم: أعمل في محل لبيع المرطبات، والمحل يعجُّ بالنساء ولكنني أبيعهن، ولا أنظر إليهن، ومعلمي، ينبهني، ويطلب إلي أن أنظر إليهن، فهل في وضعي هذا، خطأ ؟
هذا هو عين الصواب:
﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾
( سورة العلق )
هكذا قال الله عزَّ وجل، طبعاً غض البصر عن النساء، أثناء العمل، هذا عمل عظيم، وهذا في جهد كبير، وهذا الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام:
(( القابض على دينه كالقابض على الجمر أجره كأجر سبعين ))

لكن ما من غض بصرٍ عن امرأةٍ أجنبيةٍ، إلا عوَّضك الله، سعادةً، ولذةً تجد حلاوتها في قلبك إلى يوم تلقاه..
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
( سورة المعارج )
أي شيءٍ خلاف الذي ذكر، دخل في وراء ذلك:
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المعارج )
فالذي سألني هذا السؤال، جاءه الجواب:
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المعارج )
تطبيق عملي:
الرياضة، لا بدَّ لها من ثياب طويلة، وطبعاً مسموح، واحد عنده ابن، لا يأخذ له شورت، يأخذ له بذلة رياضة، بالمدرسة هذه هي السنة، السباحة، تحتاج إلى بنطال طويل، بالحمام، لا ينبغي أن نجمع الأولاد بالحمام، دفعةً واحدة، هذا خلاف السنة، أنتم خذوا تطبيقات لأنفسكم رأساً، أثناء خلع الثياب، ما في، كل إنسان بمفرده يخلع ثيابه، يخلع الابن أمام أبوه، والأب أمام ابنه، لا يجوز، علِّم الأولاد أن هذا الشيء، ممنوع، خلع الثياب، الحمام، السباحة، الرياضة، هذه كلُّها يجب أن تطبق، أنت ومن حولك، ومن يلوذ بك، ومن تليه، ومن تتولى أمره.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:17 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 3 - 5 ) : عورة الرجل بالنسبة للمرأة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-22
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
عورة الرجل بالنسبة للمرأة
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي، بموضوع العورة في الإسلام وقد قدمت للموضوع بمقدمةٍ، مهمةٍ جداً، لأنها تُلقي ضوءً على ذلك الموضوع، أُحب في هذا الدرس، أن أُشير إليها، وأن أُقدم مقدمةً ثانية، تُلقي ضوءً إن شاء الله كاشفاً، على ذلك الموضوع الحساس.
أولاً: الله جلَّ جلاله، أودع في الإنسان، شهوتين، أو شهواتٍ كثيرة، لكن أبرز هذه الشهوات، شهوة البطن، وشهوة الفرج، شهوة البطن، من أجل الحفاظ على وجود الإنسان، وشهوة الفرج، من أجل الحفاظ على نوعه، وهناك حاجاتٌ أُخرى، لا مجال إلى ذكرها في هذا الدرس.
خالقُنا وربنا، نظَّم لنا نظاماً، شرَّع لنا شرعاً، وضع لنا منهجاً، شهوة البطن تختلفُ عن شهوة الفرج، شهوة البطن هناك منبهات، نوبية، مهما كنت مشغولاً، مهما كنت غارقاً في عملك، تُحسُّ بالجوع ، تحس أن المعدة قد فرغت من الطعام، وأنه لا بدَّ من أن تأكل، ولولا الإحساس بالجوع، لهلك الناس.
يعني السيارة يوجد بها عدادات، لو أن الإنسان غافل عن العدادات، وارتفعت الحرارة إلى أعلى درجة، يحترق المُحرك، ويُكلفك العمل مبلغ كبير جداً، الآن يوجد عدادات سمعية، لو أن هناك ضجيج كبير، ولن تنتبه لهذا التنبيه السمعي، الصوتي.
لكن الإحساس بالجوع ما طبيعته ؟ يا ترى عداد مرئي، أم سمعي؟ تُحس أن كل كيانك يحتاج إلى الطعام، فالحاجة إلى الطعام، أكَّدها الله عزَّ وجل بالإحساس بالجوع.
لكن شهوة الجنس لها طبيعةٌ أُخرى، ليس هناك منبهات دورية، منبهات كلها خارجية، الجوع المنبِّه داخلي، والأطباء يعرفون آلية الجوع، في مركز في الدماغ يُنبه والمركز في الدماغ، يُعطي أمراً للعصارات في المعدة فتفرز، هناك يعني أبحاث دقيقة وعميقة في موضوع الجوع، ولكن شهوة الجنس، ليس لها مُنبه دوري، منبهها خارجي فإذا كان المجتمع طبَّق الشرع الإلهي، وطبق المنهج الرباني، وطبق القرآن الكريم، فالإنسان لا يُحسُّ بهذه الحاجة، إلا إذا نُبه، دعونا قليلاً من شهوة البطن، أو من شهوة الجنس ولنعد إلى شهوة البطن.
الإنسان يحتاج باليوم إلى ثلاث وجبات، أو وجبتين، لو فوضنا في مدخل البناء في طعام نفيس، بالمصعد يوجد طعام، بغرفة الضيوف يوجد طعام، بالمكتب يوجد طعام بالسيارة يوجد طعام، والطعام نفيس، والشهوة موجودة، الإنسان يقتل نفسه، أصبح في مُثيرات مستمرة، لو أنه هذا المُثير الآخر، حينما تخرج المرأة، متكشِّفةً، حينما تُبرز مفاتنها للناس، هذه كلها إثارات، مستمرة، فهذه الإثارات المستمرة، فتسبب للإنسان يقظة كما قيل: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.
وكذلك هذه الشهوة نائمةٌ، لعن الله من أيقظها، من هنا جاءت الأوامر الإلهية، والتشريعات النبوية، بأمر النساء بالتستر، وأمر الرجال بغض البصر، أنتم لو عشتم مجتمعاً حُجبت فيه النساء كما أراد الله عزَّ وجل، وغضَّ فيه الرجال أبصارهم تماماً، عما حرم الله لعاش الإنسان بسلامٍ مع نفسه، أيما سلام.
إذن حينما تجد في القرآن الكريم آياتٍ، تأمُرنا بغض البصر، وحينا تجد في القرآن الكريم آياتٍ تأمر النساء بالتستُّر، هذه الآيات، يعني ما كان الله عزَّ وجل ليُشرِّع في موضوعٍ، إلا ذي خطورةٍ بالغة، لو أن محطة وقود، أرادت أن تضع إعلاناً واحداً، تختار من بين ألف إعلان، أخطر الإعلانات، تأمر بعدم التدخين، لئلا يشتعل الوقود، وكذلك إذا ذكر الله عزَّ وجل في القرآن الكريم، أمراً، أو نهياً، فهذا شيءٌ مصيري.
في المناسبة، الله عزَّ وجل أمر بأشياء، ونهى عن أشياء، وسكت عن أشياء ولو دققت النظر في الذي أمر، أو في الذي نهى، أو في الذي سكت، لوجدت أن هناك حكمةً ما بعدها حكمة، وموعظةً ما بعدها موعظة، حينما أمر بأشياء، وسكت عن أشياء لأنه كما تعلمون، أساس سعادة الرجل، بيته وعمله، فإذا كان في بيته سعيداً، كان إنتاجه في المجتمع وفيراً، مكان الاستقرار، مكان السُكنى، مكان الراحة، فلو كان هناك تشويش أو تطلُّع إلى غير الزوجة، إطلاق البصر يُسبب هذه الاتجاهات، فلذلك هناك أوامر كثيرة في القرآن، وفي السنة، تأمر النساء بالتستر، و تأمر الرجال بغض الأبصار، وقد علل الله جلَّ جلاله، ذلك فقال:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53" )
وكما قُلت لكم، شهوة الجوع أساسها، لكن الشهوة الثانية، التي نحن بصددها منبهاتها كلها خارجية، فلو عشنا في مجتمعٍ مسلمٍ حقيقةً مطبقاً لشرع الله عزَّ وجل، لعشنا حياةً أُخرى، أكثر هدوءً، وأكثر استقراراً، وأكثر طمأنينةً، ولكن إذا كان الطرف الآخر وهم النساء، لسن متقيداتٍ بأمر الله عزَّ وجل، فعلينا نحن الطرف الثاني، أن نغض الأبصار وهذا هو الذي يحمينا من فتنة النساء، وكما تعلمون، أن إبليس طلاعٌ رصَّاد، وماهو من فُخوخه، بأوثق لصيده، في الأتقياء من النساء، فاتقوا الله، واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
وفي حديثٍ آخر: يقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( إتقوا النساء فإنهن حبائل الشيطان ))

يعني مصيدة بيد الشيطان، لكن فعَّالة، والإنسان يؤتى أحياناً، من حبه للمال أو حبه للنساء، يُهلكه حب المال، ويُهلكه حبه للنساء، وحينما يُغادر الإنسان الدنيا، ويجد أنه من أجل امرأةٍ ضيَّع، سعادته الأبدية، عندئذٍ هي خسارةٌ ما بعدها خسارة.
وشيءٌ آخر أُحب أن أؤكده لكم، أنه ليس في الإسلام حرمان، وأنا أعني ما أقول يعني ما كان الله عزَّ وجل، ليودع في الإنسان شهوةً، ثم يمنعه من ممارستها، لكن أودع فيه شهوةً، ونظمها له، فتح له قنواتٍ نظيفةً، يعني بين الزواج، بين النِكاح، وبين السِفاح مسافات شاسعة جداً، هنا الطمأنينة، وهنا الاستقرار، وهنا الولد، وهنا الشعور بالطهارة وهنا، وهنا الشعور بالنظافة، كل المشاعر المُقدسة، تأتي من الزواج ؛ وجميع المشاعر المنحطة، والاختلال، والشعور بالذنب، والشعور بالنقص، والحجاب عن الله عزَّ وجل يأتي من مخالفة منهج الله عزَّ وجل.
إذن حينما نجد في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المُطهرة، أمراً، أو نهياً فهذه موضوعاتٌ مصيرية خطيرةٌ جداً، فالنظرة قد تتبعها نظرة، والنظرة قد تتبعها حركة والحركة تنتهي بالفاحشة، والفرق قد يقول أحدهم: إن الله جميلٌ يحب الجمال، هذا كلام صحيح، الله عزَّ وجل يتجلَّى على بعض الأشياء، باسم الجميل، فيمنحه جمالاً ما بعده جمال لكن جمال الأشياء شيء، وجمل المرأة شيءٌ آخر، جمال الأشياء، يعني الإنسان يكتفي بالنظر، وردة جميلة، جبل أخضر، ساحل جميل، حديقة مُنسقة، هذه الإنسان إذا نظر إليها يكتفي بالنظر، لكن الطرف الآخر، الذي هو موضوع درسنا، الإنسان أودع فيه شهوةً تُحرِّكه، لا تبقيه على مستوى النظر، فكل الكوارث الكبيرة، مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرارِ، هذه موضوعات دقيقة.
يعني ما دام الله عزَّ وجل حرم، فالأمر خطير، هذه أول فكرة، الفكرة الثانية شهوة الجنس تختلف عن شهوة البطن، بأن مُثيرها خارجي، وليس داخلياً، فإذا الإنسان امتنع، غض بصره، والمرأة تسترت، عاش الإنسان في سلام مع نفسه، والدليل، عندما يكون الإنسان مشغول في موضوع خطير، ينسى هذا الموضوع كُلياً، أما الجوع لا ينساه الجوع هناك حافز، نوبي، حفاظاً على وجودك وعلى قِوام حياتك.
بدأنا في الدرس الماضي، بعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وكنت قد شعرت بحرجٍ شديد، في معالجة هذه الموضوعات، بعد الدرس، سألت بعض الإخوة الكرام، عن انطباعهم حول هذا الموضوع، فأُناسٌ كثيرون شجعوني على متابعته، وأنا أنطلق من فكرة هو أن من العار، أن يخوض الإنسان في موضوعات، يعني الأولى ألا يخوض بها، لكنه من العار الأشد، أن يجهل هذه الموضوعات، خوضها يُحرج المُتكلم والسامع، لكن أن نبقى في جهلٍ شديد، وأن نخالف شرع الله عزَّ وجل، دون أن ندري، فالعلم أمانة، فلابد من إبلاغ الأمانة إلى أهلها.
فطبيعة حياتنا، في المسابح، على شواطئ البحار، في الحمامات أحياناً، في الطرقات، في أثناء التدريبات الرياضية، قد تتكشف العورات، وكما قلت قبل قليل، النظر إلى عورة الرجل، أو إلى عورة المرأة، قد يكون حافز إلى ميل النفس، إلى شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، فكأن الشرع تماماً كما قلت في الدرس الماضي، كيف أنك إذا سرت في حقل ألغام، لا سمح الله ولا قدَّر، ورأيت لوحةً كُتب عليها، حقل ألغام، ممنوع التجاوز، كيف أنك تشعر، وأنت في أعلى درجات الوعي، أن هذه اللوحة، وضعت ضماناً لسلامتك، ولم توضع قيداً لحريتك.
فأيام الجاهل يتوهم، يا أخي الدين صعب، الدين كله قيود، هذه حرام، وهذه لا يجوز، وهذه تغضب الله عزَّ وجل، أنا من غير دين أريح لي، حر طليق، أفعل ما أشاء أتطلع إلى من أشاء، أذهب إلى حيث أشاء، الإنسان حينما يتفلَّت من المنهج، لا تنسوا أن الله عزَّ وجل، في آياتٍ كثيرة قال:
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
( سورة البقرة: آية " 5 " )
أجمل ما في الآية، كلمة على، على تفيد الاستعلاء، أي أن المهتدي، فوق الهُدى، أو أن الهدى رفع المهتدي، لا يزال الهدى، والمنهج، والاستقامة، وتطبيق الأمر وترك النهي، يرفع صاحبه إلى أن يبلغ به العلياء:
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾

لكن، الفاسق، أو الضلال:
﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)﴾
( سورة الأحقاف )
لماذا قال الله في ؟ الضلال من شأنه أن يُقيدك، والهدى من شأنه أن يرفعك وعلى خلاف ما تتوهم، مع أن الهدى كله قيود، لكنه يرفعك، مع أن الضلال كله تفلُّت لكنه يقيُّدك.
يعني لو فرضنا، مثل بسيط، مضحك، واحد أحب أن يعمل معمل غسالات أحدث نوع، واجه صعوبة شراء الكمبيوتر، الذي يحركها تحريك مبرمج، هذا صعب وغالي، فلغاه، لغى الكمبيوتر، جهاز التسخين لغاه، صعوبة لغاها، جهاز الدوران لغاه كل ما واجه صعوبة يلغيها، أصبحت تنكة غسيل، ليس لها قيمة، كان ثمنها إثنين وثلاثين ألف، أصبح ثمنها خمسة ليرات، يعني الإنسان إذا ما واجه الصعوبة، أصبح ليس له قيمة إذا إنسان متفلت، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ "
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلا مَلأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))
( مسند الإمام أحمد: رقم " 2860 " )
يعني يوجد جهد، بيت جميل جداً، لكن في رأس تلة، والطريق إليه صاعد وقد يكون متعرِّج، وقد يكون فيه تراب، وقد يكون فيه أكمات، وقد يكون فيه عقبات، لكن فوق يوجد قصر مُنيف، فيه مالذَّ وطاب، وإن عمل النار، يشبه طريق منحدر، معبَّد، تحف به الأشجار، والأزهار، لكن ينتهي بحفرة ما لها من قرار، دائماً العاقل ينظر إلى النتيجة.
الآن الناس، واحد راكب دراجة، لا يوجد فيها محرك، بقوة عضلاته، فواجه طريقين، طريق نازل، وطريق صاعد، بحسب طبيعته، بحسب طبيعة الدراجة، وفيها جهد، أريح شيء النزلة، والطريق النازل مُزفَّت، معبَّد، وحوله أشجار، ويوجد أزهار وفيه مناظر جميلة، بس لو كانوا كاتبين لوحة، أن هذا الطريق، ينتهي بحفرةٍ سحيقةٍ ما لها من قرار، فيها وحوشٌ جائعة، تنتظرك ؛ الطريق الثاني، ترابي، وفيه صعوبات، وفيه أكمات، وفيه صخور، وتعرفوا راكب الدراجة أصعب شيء الطلعة له، فأين العقل ؟ هذا العقل، العقل أن تدع الطريقَ النازلة، المريحة، وأن تسلك الطريق الصاعدة، المتعبة، لأن الطريقَ الصاعدةَ المتعبة تنتهي بقصرٍ مُنيف، والطريق النازل المريح ينتهي بحفرةٍ ما لها من قرار، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، قال:
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))
( صحيح مسلم: رقم " 5049 " )
((...أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))


أين طريق جهنم ؟ طريق جهنم موجود، تفلُّت من أي قيد، أنظر إلى ما تشاء كلما رأيت امرأةً بحلق بها، كلما رأيت طعاماً كله، حلال أو حرام، كلما دُعيت إلى مكان جميل، اذهب إليه، اختلاط بلا اختلاط بلا تدقق ولكن لا تدقق، فحركة طليقة، ونظر طليق وسماع طليق، وكل ما سمع أُغنية، اشترى الشريط، وسمعها ليلاً نهاراً، سماع، ونظر وأكل، وطعام، وشراب، واختلاط، وهو قد يكون عنده الإنسان روح مرحة، كلما رأى امرأةً مازحها، وأدار معها حديثاً، هذا عمل جهنم. ((.....إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ....))

لماذا سمي التكليف تكليفاً ؟ لأنه ذو كلفةٍ، يكلف جهد، الإنسان جسمه يتمنى أن يرتاح في الفراش، أُمر بصلاة الفجر، طبيعة الجسم، طبيعة الشهوة التي أودعها في الإنسان، تدفعه إلى أن ينظر، إلى محاسنِ امرأةً تمشي في الطريق، لكن التكليف يأمره، بغض البصر.
شهوة المال التي أودعها الله في الإنسان، تدفعه إلى أن يأخذ، لكن التكليف أمره أن يعطي، التكليف عطاء، الطبع أخذ، التكليف نظر، التكليف غض بصر، الطبع إطلاق بصر، الطبع نوم، التكليف استيقاظ، إذن التكليف ذو كلفة، يعني أحدنا يجب أن يوطِّن نفسه على أن بلوغ الجنة، وبلوغ المستويات الرفيعة، يحتاج إلى جهد.
الآن لا تبعد، حتى الإنسان يجلس في عيادة فخمة جداً، ويحضر مريض، يبالغ في تعظيمه، يا دكتور، تجد المريض يبالغ في احترام الطبيب، وحتى يتحرك حركتين خفاف تفحص له ضغطه، تسمع دقات قلبه، تعمل له تخطيط، تأخذ ألفين ليرة، يحضر واحد يشتغل من الصباح إلى المساء، بحمل الحاجات، يأخذ مئة وخمسة وعشرون ليرة، مئة وخمسين ليرة، طيب هذا الطبيب حتى قعد في العيادة، والناس أقبلوا عليه، وكل واحد دقيقتين، ثلاث دقائق، خمس دقائق، يأخذ ألف ليرة، بين إيكوا، بين تخطيط، يجمعهم يصبحوا ألف ليرة، هذا ببلاش قاعد هنا، يمكن كل إنسان يقعد بمكانه ؟ لما درست سبعة وعشرين سنة، معنى ذلك لما الإنسان يريد أن يصل إلى مستوى مريح، الراحة تتطلب الجهد وكل إنسان يتصور أنه سيصل إلى مستوى مريح من دون جهد يكون أحمق، أما ربنا عزَّ وجل عادل.
فهذه الجنة، يعني من السذاجة، من الغباء، من ضيق الأُفق، تظنها شيء سهل طج ركعتين، ودفع ليرتين، وسيدي ادعي لنا، تباركنا فيكم، الله يخليلنا ياكم، هذه التلبسة التي يقولها الناس، انتهى كل شيء، بيته كله غير إسلامي، يعمل له مولد، يدعي كم عالم يلقوا كلمات، يحس نفسه أصبح من أهل الجنة، لكن أنت الدخل له مشكلة، الدخل فيه شبهة والعلاقات فيها شبهة، والسلوك فيه شبهة، و البنات لهم شبهة، فإذا كان دعيت إنسان له مكانته الدينية، وقال لك: الله يبارك فيك يا فلان، انتهت المشكلة ؟ لو أخذت كلام من فم رسول الله، ما انتهت المشكلة، في عدل.
لذلك طلب الجنة من دون عملٍ، ذنبٌ من الذنوب، الآن الواحد يسترجي أن يدخل على أضخم بائع سجاد، وموضوع على الأرض أكثر من خمسين سجادة، أرني هذه أطلعني على الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، أحضر الصنايعية، أحضر الموظفين السابعة، الثامنة، قال له شايف أحلى واحدة التحتانية، جعله يقيمهم كلهم، تطلع فيها قال: والله منيحة، كم ثمنها هذه، قال له ثمانين ألف، قال له: يوجد معي ألف ليرة، يمشي الحال يمشي الحال ألف ليرة ؟ هل يجعلك البائع تخرج بسلام من عنده ؟ لأن أنت احتقرته، تطلب الجنة بشوية تلبسة وزعبرة، ليرتين، وركعتين وانتهى الأمر، هذا الناس بهذا الشكل ماشين الآن، الله عزَّ وجل:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾
( سورة العنكبوت )
يجب أن توطِّن نفسك على الامتحان، ذكرت من درسين أو ثلاثة، أن المؤمن يمر بثلاث مراحل، مرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، ومرحلة الإكرام، ولن يصل إلى مرحلة الإكرام، حتى يمر بمرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، لكن كلما استجاب بسرعة، يقصر المسافة، إذا استجاب بسرعة، فهم على الله بسرعة، يعني هو النقطة التي أنا أُحكيها في بعض الأيام، الإنسان عندما يفهم على الله، انحلت مشاكله، يصبح في فهم مباشر، أن الله أعطاني هذه، مقابل هذه، هذه عاقبني مقابل هذه، حينما ترى أن أفعال الله عزَّ وجل، حكمةٌ ما بعدها حكمة، عدالةٌ ما بعدها عدالة.
يعني أنا من يومين كنت ذاهب إلى عملي، أخ كريم دعاني أن أركب سيارته يعني أنا كنت رغبان أن أمشي، أصر عليّ، ركبت معه، سألته متى أخذتها هذه ؟ قال لي: لها قصة يا أستاذ، هذه حقها كان في الدرج، موضوع في الدرج، خمس سنوات، ودخل إلى بيتنا حرامي، يعني قال لي أولاً: كل ما أريد أهم وأضع المبلغ، في المصرف أخاف أقول: هذه حرام، أمتنع، وضعه في درج طاولة، قال لي: دخل حرامي على البيت، في غيابنا، لم يترك درج إلا وخلعه، لم يترك ديوان إلا ورفع فراشه، إلا هذه " الكوميدينة " لم يقرب عليها، طبعاً لو شافهم انتهت المشكلة، يعني قال لي: ما كنت ركبت معي في السيارة قال لي: أخذناهم ثمن سيارة، أنا بعد ما نزلت قلت: سبحان الله، ورعه، وخوفه من الله الله أراه آية من آياته، أنه سوف أُدخل لك إلى البيت حرامي، حينكت لك البيت كله، درج درج، مكان مكان، ديوان ديوان، وسيخرج، أما المكان الذي فيه ثمانين ألف لن يشوفهم ما قرب عليهم، لو بتدقق، كل شيء يحدث، فيه حكمة ما بعدها حكمة، يعني الآن بحسب موضوعنا، لو إنسان غض بصره عن محارم الله، ألا يشعر بسعادة زوجية ؟
أنا أقول لكم والله يا إخوان، كل من أطلق بصره في الحرام، دفع الثمن باهظاً في بيته قبل كل شيء، يعني هذه المودة، وهذا التراحم، وهذه السكينة، وهذا النجاح الزوجي، هذا يتلاشى، لذلك أكاد أقول، أن بين الطاعة، وبين نتائجها علاقةً علمية، يعني علاقة سببٍ بنتيجة، طيب في أفكار كثيرة خطرت في بالي وأنا في الطريق إليكم في زحمة السير، لكن بعضها ذهب من ذهني، يعني الموضوع، لماذا أمر الله بغض البصر ؟ لأنه إله خالق الكون، هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
ولماذا أمر المرأة أن تتستر ؟ من عند الخبير، توجيه الخبير، فالإنسان لا يستهين، ماذا حدث ؟ لم نأكلها مثلاً، وهي إذا كان انسترت شو صار، والله تقعد لوحدها تأكل لوحدها، تقعد معهم، تلاقي أهل الدنيا يخففون من وقع المعصية، ما عملنا شيء، لا سرقنا، ولا قتلنا، ولا شربنا خمر، قعدنا مع بعضنا، شو صار.
أنا قلت لكم سابقاً، أنا سمعت قصتين، ثلاثة، أربعة، خمسة، يعني الاختلاط انتهى بالطلاق، أُسرتان ذهبتا إلى الساحل، في الصيف، وجلسوا في شاليهات على البحر ثم عادا إلى الشام، أول أُسرة، طلَّق الزوج امرأته، وله منها سبعة أولاد، وتزوج امرأة صديقه، ولها أولاد، تصور سبعة أولاد أُمهم مطلقة، هذا الاختلاط آثاره.
يعني دائماً، كلما وجدت مشكلةً اجتماعيةً، مأساةً اجتماعية، افعل كما يفعل ضباط الأمن الجنائي، يقول لك: ابحث عن المرأة، بكل جريمة، يقول لك: ابحث عن المرأة، أنا سوف أعمل تعديل طفيف، ابحث عن المعصية، أينما تجد مشكلة، ابحث عن المعصية، منهج الله عزَّ وجل دقيق، إذا كان طبقته لا يوجد مشكلة، يعني الله عزَّ وجل خبير.
شوف إنسان أيام، في البلاد التي فيها معامل سيارات، فيها مراكز صيانة رفيعة المستوى، فيها صيانة دورية، تلاقي السيارات تظل جديدة، أيام يفحصوا الدولاب إذا كان ناشف، ممنوع تدخل البلد نهائياً، هنا عندنا تقول: نحن عندنا دولاب جديد، فرحان به كثير أنت شاريه وفرحان فيه، يضعوا له جهاز، فيطلع نشفان، هذا قد ينفجر في الطريق إذا كان طبقت كل المقايس العالمية، في أمور السيارة، تظل جديدة السيارة، أما إذ كان في تقصير، هذا أخذناه دولاب نشفان، والزيت لم نضع، والبطارية نسينا الماء، تفاجءك وتقطعك في الطريق، تعمل لك مشاكل جديدة، هو شقفة سيارة لها نظام، لها تعليمات دورية وتعليمات صيانية، وتعليمات، لو طبقتها أنت على مركبة، تلاقي تقطف ثمارها يانعاً تعيش معك عمر طويل وتخدمك، فكيف الإنسان لو طبق الإنسان فيه منهج الله عزَّ وجل.
لآن القسم الثاني، نحن القسم الأول، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، الدرس الماضي كان، الدرس الثاني، عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة.
الآن ما يُحلُّ للمرأة أن تنظر إلى الرجل، من هي المرأة ؟ في عندنا أربع أنواع من النساء، عندنا زوجة، وعندنا قريبة محرمية، وقريبة غير محرمية، وعندنا أجنبية زوجة، قريبة محرمية، معنى محرمية، أم، بنت، أخت، عمة، خالة، بنت ابن، بنت أخ، بنت أخت، محرميات، غير محرمية، بنت خالته، بنت عمه، مرت عمه، هذه غير محرمية، قريبة غير محرمية، وأجنبية، لا تمتُّ له بصلة، أية امرأةٍ هذه امرأة أجنبية أجنبية، قريبة غير محرمية، قريبة محرمية، زوجة.
يوجد عندنا عدة قواعد عامة، يعني الشيء المسموح أن تنظر إليه، مسموح أن تمسه، الشيء المسموح أن تمسه، مسموح أن تنظر إليه، ليس بين الرجل وبين زوجته أي حرج، لقوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾
( سورة المؤمنون )
أنظر إلى معنى ملومين، لو إنسان نظر إلى امرأةٍ لا تحلُّ له، أو أدار معها حديثاً، لا يرضي الله عزَّ وجل، أو أنه فعل الفاحشة، لماذا يحدث انهيار، نفسي ؟ هذه الفطرة، قلت لكم سابقاً، أن في علم النفس، علم النفس عبارة عن علوم، علم حقيقي الظاهرة النفسية، ففي شعور..................................
........ فالعقل له دليل، لكن الله عزَّ وجل من فضله وكرمه، أعطاك مقياس آخر، مقياس الفطرة، الفطرة تشعر أنك أخطأت، تسموه شعور بالذنب، صحيح، تسموه عقدة الذنب، صحيح، تسموه اختلال توازن، صحيح، تسموه وخز الضمير، صحيح، الله عزَّ وجل عبر عنه:

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾

أنا مرة قلت لكم، لي صديق ساكن بأحد أحياء دمشق، في المهاجرين، فقال لي مرة: طرق بابنا الساعة أربعة ونصف، أربعة ونصف بكير، فتح لم يجد أحد، عجيب عمل هكذا فوجد سك، فتح فوجد فيه طفل صغير مولود حديثاً، يعني أن هذا الإنسان مظنة صلاح، هذا لقيط يظهر، ابن زنا، فظنوا، هذا البيت فيه صلاح وفيه دين، فألقوه أمامه ودقوا الباب وهربوا.
هنا القصة على إنها بسيطة، لفتت نظري، أنه عندما الإنسان يتزوج، وبتحمل زوجته، يفرحون، تنتقل الأخبار السارة أنه الحمد لله حملت، بنتي حملت الحمد لله، يعني ترتاح الأم، الطفل بيثبت، يثبت العقد، الآن في مُثبِّت عقد، بالنبات، كمان الطفل مثبِّت عقد، الأخبار تتناقل بين الأُسرة، صار الوضع، تلاقي احتفال، صار في مباركة، أصبح في هدايا، يصنعوا الكراوية، يصنعوا للرجال حفلة، وللنساء حفلة، بالتلفونات، الحمد لله جاء لها صبي، أو بكرت البنت، كما قال النبي:
(( من بركة المرأة تبكيرها بالأُنثى ))

هكذا النبي علمنا، وعندما جاءته السيدة فاطمة، ضمها، وشمها، وقال:
(( ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها ))

أنظر، وازن بين طريق النكاح، وطريق السفاح، طبعاً الطفل قبل أن يولد بشهرين أو ثلاثة، هيأوا له سرير، هيأوا له حاجات أساسية، هنا نحممه، يحتاج إلى بانيو صغير، تلاقي الأسرة كلها في حركة ونشاط، هذا طريق الحق، يعني لا يوجد خجل الواحد لا يستحي بزواجه، يزمروا بالليل، يملأون الدنيا صخباً، عرس يا أخي عرس كله يُزمِّر، غير مستحين الجماعة، لأن هكذا الشرع، هكذا الدين، هكذا المنهج ؛ أما إذا كان واحد يحكي مع واحدة في طريق مهجور، ففاجأه شخص، تلاقي بيستحوا وبيخافوا، هي تدير وجهها وهو يدير وجهه، يبعد عنه، شغلة تهمة، هنا تهمة، إذا كان الوضع غير مشروع يصبح تهمة، أما المشروع فيه فخر، انظر الآية:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾


لا يوجد لوم، ممكن إنسان يكون له زوجة، ويصلي الصبح حاضر، ويعمل ورده، ويعمل ذكره، قام بواجبه الزوجي، فلا يوجد حرج، لا يوجد لوم، أما لو نظر المؤمن إلى امرأةٍ لا يحل النظر إليها، يشعر بهبوط، شعر بحجاب، يعني يوجد فطرة، هنا طريق مسموح، هنا طريق ممنوع، إذا الواحد ماشي في طريق ممنوع يكون خائف، يفاجئه شرطي، تفاجئه دورية، ويقول عليه الصلاة والسلام وقد روى الحديث الخمسة: ((.... احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ... ))

((حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2693 " )
يعني بين الرجل والمرأة لا يوجد مشكلة، هذه أول صنف الزوجة، الزوجة قريبة محرمية، قريبة غير محرمية، أجنبية.
وأما عورة الرجل بالنسبة إلى قريبةً محرميةً كانت أو غير محرمية أو أجنبية طبعاً الرجل عورته من سرته إلى ركبته، هذه المنطقة لا يجوز أن يراها أحد، لا الأم، ولا الأخت، أيام يسبحوا الرجال على مرأى من زوجاتهم، طبعاً ومن أخواتهم، ومن بناتهم أحياناً، بلباس قصير، هذا مخالفة للإسلام، هذا مخالف للشرع، أنه الإنسان يسبح ولو مسبح خاص، ما دام بناته موجودين، ما دام أخواته موجودين، قريباته المحرميات، لا يجوز أن ترى القريبة المحرمية من الرجل، إلا ما فوق السرة وما تحت الركبة، المحرمية طبعاً، أما غير محرمية، ما في لقاء إطلاقاً، كما تعلمون أنتم يعني.
إذا كان مسموح للأم أن ترى، ابنها، أن ترى يده صدره مثلاً، ظهره، يجوز له أن تمس يده أن تصافحه، الواحد يقبِّل يد والدته، والدته تُصافحه أحياناً، المكان المسموح أن تراه المحرمية مسموح مسه طبعاً ، لكن العلماء، الورعون، العلماء الورعين، يقولون دائماً: إذا أُمنت الفتنة.
قلت لكم، يوجد عندنا إنسان، طبيعي، أي سوي، سوي " نيتشورال " فالإنسان الطبيعي، السوي، الشرع كلّه له، أما إذا في حالات خاصة، في انحراف، لا يجوز أن ينظر إلى أخته، ونمنعه بأن يختلي بأخته، إذا في انحراف، لا يجوز إطلاقاً، كلُّ هذه الأحكام كما قلت في الدرس السابق: إذا أمنت الفتنة، لكن طبيعى هذا العصر، كما قلت أيضاً في الدرس السابق، نحن نألف أن نأكل ثلاث وجبات، أو وجبتين، أما إذا كان في مثيرات، أينما ذهبت، أينما ذهبت في الطريق، في الدوائر الحكومية، في المدارس أحياناً في المطاعم، أينما ذهبت، رأيت امرأةً متكشفةً تبدي مفاتنها، أصبح مثل إذا واحد أينما تحرك، في أكل، هنا وضعوا له، كبة مقلية، هنا يلنجني، هنا سندوتش، هنا وضعوا له موالح، غير معقول ! معقول واحد يأكل أربعة وعشرين ساعة باستمرار !.
فلا تَرُم بالمعاصي كسر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النهم
فطبيعية العصر، هذا العصر، عصر الشهوات، عصر النساء الكاسيات العاريات، المائلات، المُميلات، النبي قال:
(( سَمِعْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ ))
( مسند أحمد: رقم " 6786 " )

النبي قال: ((... الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ... ))

فهذا العصر، الفتن كلُّها يقظة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اشتقت لأحبابي. قالوا: أولسنا أحبابك ؟‍ قال: لا أنتم أصحابي، أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين . قالوا: منا أم منهم ؟ قال: بل منكم))

فالإنسان إذا دخل لكي يدفع فاتورة، دخل ليلاحق معاملة، يجد امرأة متكشِّفة ليست منضبطة، تُبدي مفاتنها، متعطرة، متزينة، بالطريق، في درج البناء، في المصعد في البقالية، أينما ذهب، اشترى حاجة، اشترى علبة بويا عليها امرأة، والله هذه مشكلة أية بضاعةٍ يشتريها، فيها عليها امرأة، ولا سيما البضاعة الأجنبية، فلذلك طبيعة هذا العصر توقظ الشهوات، وتعمل وعي جنسي مبكر، لذلك الفتنة الآن، لا تؤمن.
فأنا قدَّمت هذا التقديم، الفتنة الآن لا تؤمن، الفتنة لا تؤمن في هذه الأيام، فكل شيء يدعوك أن تنظر، كلّ ما حول المؤمن فتن واثارات، يقول لك: كبت، كلمة كبت عندي، لها عندي معنى كبير كثير، ما هو الكبت ؟ حينما يثتثار الإنسان، وليس في إمكانه أن يفعل شيئاً، هذا هو الكبت، إذا كان ضغضت شيء، ولم تنفسه، تشعر بقوة دفع يسموها رد الفعل، لو كان في ضغط وفي تنفيس لا يوجد مشكلة، فطبيعة هذا العصر لشيوع التفلت، لشيوع التبرُّج، لشيوع التكشف، لأن أجمل ما في المرأة مبذول في الطرقات أجمل ما فيها في الطرقات مبذول.
لذلك بالمناسبة، أحياناً الإنسان يشكي ارتفاع أسعار اللحم، والله اللحم غالي بعضهم قال: كلما رخصت لحوم النساء إرتفع لحم الضأن، وقت يكون لحم النساء رخيص متبذِّل، متكشِّف في الطرقات، في كل حركات المرأة وسكناتها، تبدو مفاتنها، لذلك تجد أن الله يضيِّق على الناس، وكلما قل ماء الوجه، قل ماء السماء، ما في حياء، النبي عليه الصلاة والسلام، وصف آخر الزمان، بأنه تنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا يوجد نخوة ماشي مع زوجته بأبهى زينة، يفتخر بها، وكل ما شاف صديقة، يعرفه عليه، هذه زوجتي تصافحه، يبتسموا، أو يجلس معها على الشرفة، وقد تكون بثياب متبذلة، لا يحس بشيء والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الديوث لا يروح رائحة الجنة. قيل: يا رسول الله من الديوث ؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام بشكلٍ دقيق قال:الذي لا يُغار على عرضه، ويرضى الفاحشة في أهله ))
لو أخذت ألف رجال، الذي يرضى الفاحشة في أهله قلائل جداً، لكن الذين لا يغارون على أعراضهم، كُثُر، فالنبي عليه الصلاة والسلام، هكذا وجه.
إذن أردت من هذه التفاصيل، التي كنت أتمنى أن لا أذكرها، أردت من هذه التفاصيل أن أبين لكم، أن شيوع المرأة، أينما ذهبت تجدها متكشفة، هذا ينمِّي الإحساس الجنسي، ينميه نمو شديد، إذن لا تؤمن الفتنة، وكثيراً ما سمعت قصصاً يندى لها الجبين أساسها، فيما بين المحارم أيضاً، لذلك كلُّ هذه الأحكام تتوجه، لمن ؟ للأسوياء، للطبيعيين للشخص صاحب الفطرة السليمة، أما المرضى، لهم أحكامٌ خاصة.
طبعاً القريبة غير المحرمية، لا نظر، ولا مس، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني، عن معقل بن يسار قال:
(( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلُّ له ))
الآن إذا واحد مثلاً أقبل على دروس العلم كثير، ويريد أن يحفظ قرآن، وداوم الدروس كلّها، هو شاب، بعد ذلك اختفى فجأةً، سألت عنه، جمعتين، ثلاثة، شهر شهرين، لم أعد أراه، أغلب الظن، زلَّت قدمه في النظر، حينما ينظر الإنسان، والنظر بيعقبه أحياناً لقاءات، واللقاءات بيعقبها خيالات، بعد ذلك رسائل، دخل في عالم ثاني دخل في عالم آخر، يتناقض مع عالم المساجد، وعالم الطهر والعفاف، مع أنه هذه الشهوة وبالمناسبة، هذا الكلام أقوله للشباب، والله أيها الإخوة الشباب، أي واحدٌ منكم، يحفظ نفسه قبل الزواج، المكافأة من الله عزَّ وجل، زوجة صالحة، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) ( سنن النسائي: رقم " 3180 " )
(( الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ متاعها المرأة الصالحة، التي إذا أمرتها أطاعتك وغبت عتها حفظتك في مالك ونفسها، وإذا أقسمت عليها أبرَّتك، وإذا نظرت إليها سرتك ))
إذا نظرت إليها سرتك، أمرتها أطاعتك، أقسمت عليها أبرتك، غبت عنك حفظتك، في مالك ونفسها، كل شيء، لما الإنسان، يكون عنده مكمورة، وضع فيها ليرة ليرتان، خمسة ليرات، أو بعدها أحضر مئة، تناها ونزلها، ثم جاب خمسمئة تناها ونزلها راح عليه شيء ؟ كله مخبأ له، فكل ما الإنسان غض بصره عن النساء، كأنه خبأ خمسمئة لما يأتي الزواج يفتح المكمورة يجد معه، مئات الألوف، فلما الإنسان يغض بصره، كأنه خبأ عند الله عزَّ وجل، أودع عن الله سعادة زوجية، فكل شيء محفوظ.
(( وما ترك عبدٌ شيئاً لله، إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

أنا سمعت قصة من مدة، فتأثرت، في أحد أحياء دمشق الغنية، شاب عفيف له مجالس العلم، يحضر مجالس العلم، ومستقيم، وحييْ، ويغض بصره، لكن محلّه مكتبة عنده صغيرة، أمام أبنية شاهقة من أهل الغنى واليسار، يرى الفتيات طالعين، وأكثرهم محجبات، تاقت نفسه، أن يقترن بإحدى هذه الفتيات، فطلب من والدته أن تخطب له فوالدته واقعية، قالت له: أنت واحد لا يوجد معك شيء، منتوف، هذه الفوتة، لا تستطيعها ألح عليها، رفضت، ألح عليها، رفضت، قد ما لح عليها، فذهبت إليهم مجاملة، قالت له: والله ما وافقوا، هي لم تطلب، من غير المعقول أن تطلب، يسموها العوام: ((مغطس حامي))
ليس من المعقول أن تطلب، هذه القصة سبحان الله، هو يقول لأمه: أنا شاب طاهر وأنا عفيف، والله لا أعرف الحرام، وأغض بصري، فلماذا لا يعطوني ؟ تقول له: أنت لا تفهم شيء الآن، أحد سكان هذه الأبنية الشاهقة، من أهل اليسار، مر لعنده، قال له: يا ابني هل أنت متزوج ؟ قال له: لا والله يا سيدي، قال له: والله أنا عندي بنت تناسبك ابعث أهلك، الله ألقى في قلب الرجل، يبدو هذا الرجل يراقبه، رآه شاب، عفيف، أديب، صادق حييْ، والرجل غني، وإذا كان الواحد الله عزَّ وجل أكرمه بالمال، واختار زوج مؤمن وهو اشترى له بيت، ما في مانع، في ناس تقول: لا أريد أن أعوده، ماذا تعوده ؟ الآن شغلة صعبة كثير، بيت، لا يوجد بيوت، إذا كان عندك إمكانية، وجاء لك شاب مؤمن، حيي يحفظ لك بنتك، ماذا عليه، إذا أخذت له بيت، بنتك هذه، قال له: يا ابني ابعث أمك، هذا بعد ما قال له: نعم، قال هذه: حتماً فيها علّة هذه البنت، غير معقول، ماشي الحال لما نشوف، طلع بالعكس، البنت ممتازة جداً، والأمر تم، وفي قرابة، والقصة أنا أحكيها عن معرفة، ولم أسمعها سماع، عاينتها معاينة، هو طالب من الله، وصادق، أمه كله ما لا قابضته أساساً، ومع ذلك الله عزَّ وجل أكرمه.
فما في إنسان يغض بصره، يعف، إلا والله عزَّ وجل، يخبيء له، تذكر موضوع الخمسمئة، تنيتها فوتها، هذه لك، فكلما غضضت بصرك، كأنك خبأت عند الله عزَّ وجل سعادة زوجية، احتسبتها عند الله، ولما الإنسان يريد أن ينظر، يريد، قال:
(( لعن الله الذواقين والذواقات ))
هذه يعبرون عنها بالتعبير الحديث، أنه عنده خبرة قبل الزواج، الله يلعن هذه الخبرة، هذه ليست خبرة، هذه معصية، يسمونها خبرة، يسمونها إنه عنده خبرات، أي يعرف كل شيء، لا في هذه الموضوعات، يجب أن لا تعرف، الأكمل أن لا تعرف شيء حتى الله يعرفك أحسن شيء.
فالأحكام الفقهية، طبعاً كلّها أحكام الفقه حنفية، وهي قضية، متفق عليها وحاصل هذا الموضوع، يقول:
لا يجوز للرجل، دققوا الآن بالكلام، هذه فقرات منتزعة، من حاشية ابن عابدين، وهي أعلى مرجع في الفقه الحنفي، لا يجوز له، للرجل يعني، أن يبدي شيئاً مما بين سرته وركبته، أمام أمه، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو بنت أخته، أو بنت أخيه إطلاقاً، وهن القريبات المحرميات، قال:
لا وقت خلع الثياب، ولا لغسلٍ، ولا لنومٍ، ولا في ركضٍ، أي في رياضة تقريباً، فكلّ ما ذكر، ركض رياضة، اغتسال، نوم، خلع ثياب، لا يعدُّ عذراً في جواز النظر إلى العورة، لا من الأم، ولا من غيرها.
الآن في عندنا الآن مشكلة، لا ليست مشكلة، لكنها موضوع لاحق، فدائماً في طرفين، في عندك ناظر، ومنظور، طبعاً إذا المنظور تكشَّف، والناظر نظر:
(( لعن الله الناظر والمنظور ))
الاثنين داخلين في اللعنة، بهذا الموضوع في طرفين دائماً، طرف، وطرف.
طيب لو الطرف الثاني، غير متقيد، ماذا على الطرف الأول ؟ أن يغض بصره أي لو أنَّ امرأةً، أخوها، والله أنا أخ تكلم لي، الله يصلحه، ليس هو طالب علم إطلاقاً ببيته، عنده أخت، وعنده أم، يقوم أمامهم باللباس الداخلي بالصيف، فهذا منتهى، قلة الأدب، منتهى التفلُّت، هذه أشياء أنطلق من واقع، أنا أعرف هناك، هويته مسلم، وينتمي إلى هذا الدين، ومع ذلك، لا يستحي أمام أخته، وأمام أمه، وأمام بناته، أن يقوم أمامهم بالثياب الداخلية القصيرة، فلذلك لا في الرياضة، لا في الركض، لا في النوم، لا في التغسيل، لا في خلع الثياب، كلُّ هذا ليس عذراً، لو فرضنا الطرف الثاني، ليس متقيد ماشي الحال، أنا أتقيد بغض البصر.
فأنت إذا كان الاثنين متقيدين شيء جميل جداً، هذا مجتمع راق، إذا الطرف في طرف متفلت، أنت تغض بصرك، يتضاعف أجرك.
إذن نحن القريبة المحرمية، الغير محرمية، والأجنبية سواء، الزوجة لها حكم والقريبة المحرمية لها حكم، والقريبة، غير المحرمية والأجنبية لها حكم، وإذا لم تؤمن الفتنة، فالرجل، كلُّه عورةٌ من فرقه إلى قدمه يصير، مثل العادة، مثل ما تكلّمنا في الدرس الماض، إذا في فتنة، في شعور جنسي مبكر، في شبق، لا يجوز أن ترى الأخت، من أخيها شيئاً، طبعاً إذا كان في خوف، يجب أن تبعد، يجب أن تنتبه، يجب أن تراقب، وإلا يقع المحذور.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله، نأخذ موضوع، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة والعورة، المرأة بالنسبة إلى الرجل، باقي لنا موضوعين.
أنا سألت عدد من الإخوان بعد الدرس الماضي، أنه موضوع هل من المعقول مستمر ؟ قالوا جداً، فتتابعت الموضوعات.
في سؤال عن الطبابة، هذا بحث آخر، موضوع الطبابة، هذا بحث آخر يجوز للطبيب أن يرى، أية امرأةً أجنبية، لكن امرأة مثلاً، نحيفة قليلاً، وتحب أن تسمن، إذا موضوع نحفانة، إذا كان جسمها متعب قليلاً، هذه أشياء عادية جداً، تكشف جسمها أمام الطبيب، لا يجوز.
يوجد عندنا حكم آخر.. إذا وجدت طبيبة مختصة، ومتفوقة باختصاصها، لا يجوز أبداً أن تكشف المرأة جسمها أمام طبيب، لكن إذا كان الطبيبة غير متفوقة، والمرض مشكلة، المرض دقيق، أو مرض، حار به الأطباء، وفي إنسان متخصص، رجل، ما في مانع.
يجوز للقاضي، أن يرى وجه المرأة، يجوز للطبيب أن يرى من جسمها، ما بالقدر، الذي يحتاج أن يفحصه، وهذه عندنا قاعدة أوصولية:
الضرورة تقدَّر بقدرها.
مرة زرت طبيب، جزاه الله خيراً، أعجبني، في طبيب، إذا كان يريد أن يفحص مريضة، طبعاً، لا يسأل، يجب أن تكشف عن بطنها، وعن، فهذا الطبيب، عنده شرشف، أبيض، مفتوح فتحة صغيرة، يسترها تستير كامل، المؤمن له ترتيب، الطبيب المؤمن أولاً، يغض بصره، وثانياً، لا ينظر إلا بالقدر، الذي يحتاجه ضرورةً.
فالطبابة في درس أخير إن شاء الله، موضوع الاستثناءات لها درس مستقل، لا نستعجل به.
أما موضوع ما ملكت أيمانكم، لا أحد يفكر فيها الآن إطلاقاً، لا أحد يسن أسنانه ما في شيء إطلاقاً من هذا القبيل، هذه بالعصور الأولى عندما فتحت البلاد الأجنبية، وهذه المرأة بدلاً من أن تقتل، تؤخذ أسيرةً، وتربى في بيوت المسلمين، لتنشأ على الإسلام بحث آخر، فهي الآن الآية معطلة، أي القسم من الآية غير موجود إطلاقاً، لأنه أيام، أصبحوا يفسروها تفسيرات ثانية.
أم الزوجة، لك أن تنظر، هذه طبعاً المحرميات، موضوع نأخذه بوقت قادم إن شاء الله، يوجد عندنا زوجة، هذه حكم، في عندنا محرميات نسب، عندنا محرميات مصاهرة، محرميات المصاهرة، أم الزوجة، زوجة الابن، زوجة الأب، هؤلاء لهم حكم آخر، مثلاً لا يجوز في حاشية بن عابدين، للرجل أن يخلو بصهرته الشابة، أي إنسان يدخل إلى بيت ابنه بغيابه، ومرت ابنه صبية، عروس جديد، وابنه غير موجود، يقعد معها ساعات طويلة، هذه ليس واردة إطلاقاً، هذه فيها تحريم، لا يجوز للرجل أن يخلو بصهرته الشابة، كما لا يجوز للابن أن يخلو بامرأة أبيه الشابة، إذا إنسان بالستينات، أخذ واحد بالثلاثين، وابنه عمره ثلاثين سنة، ما فيه أن يختلي مع مرت أبوه، هي مثل أمي هي، لا هذه ليست مثل أمك، فأم الزوجة على التأبيد.
في سؤال جاءني مرتين، العادة السرية، الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
( سورة المعارج )
تدخل هنا ؟ تدخل هنا:
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المعارج )
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:33 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الطلاق - الدرس ( 4 - 4 ) : التفريق والخلع .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-01-03
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... لا زلنا في موضوعات الفقه، والموضوعات كما بينت لكم من قبل، موضوعاتٌ أشعر أننا في أمس الحاجة إليها، من خلال توقعٍ أو واقع، أكثر الأسئلة التي تردُ من إخوةٍ كرام أربعة أخماسها، أو أقل بقليل تتعلق بالطلاق.
فالإنسان علاقته مع زوجته هذه علاقة واقعة وقائمة، وهذه العلاقة قد تتعثرها بعض المشكلات، أي حينما يلجأ الزوج إلى حل مشكلته عن طريق يمين الطلاق، فهذا طريقٌ فيه خطأٌ كبير، وقد بينت في الدرس الماضي كيف أن هناك الطلاق السُني، والطلاق البدعي، طلاقٌ ثلاث مرات في مجلس واحد، ولموضوع واحد، هذا طلاق بدعي، طلاق الزوجة وهي في حيضٍ طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة في طُهرٍ مسها فيه طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة لموضوعٍ لا علاقة لها به هذا طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة قبل أن تراجعها تطليقةً ثانية هذا طلاقٌ بدعي طلاقٌ بلا شهود.
هذا الموضوع تم عرضه في الدرس الماضي، وبينت أن الطلاق البدعي عند جمهور العلماء يقع، ولو أنه بدعي، وعند بعض العلماء لا يقع، إذاً يوجد مخاطرة كبيرة، لو أنك خالفت السنة في تطليق زوجتك فإن الطلاق يقع، عند جمهور العلماء.
والطلاق كما أراده الله عزّ وجل صمام أمان، والطلاق فيه مراحل يمكن للرجل إذا ندم على فعلته أن يتلافى الندم، حينما جعل الطلاق تطليقة أولى وعِدة، تطليقة ثانية و عدة، ثم البينونة الكبرى، كل هذا تم في درسٍ ماضي.
واليوم ننتقل إلى موضوعٍ آخر ألا وهو التفريق، يوجد عندنا تطليق، وتفريق وخلع، التطليق من حق الزوج، والتفريق من حق القاضي، والخلع من حق الزوجة، الزوجة في بعض الحالات تتطلب أن تخلع من زوجها مقابل أن تسامحه بكل شيء، والقاضي أحياناً حينما ترفع له قضية امرأة سافر عنها زوجها ولم يعد، وظل مسافراً سنتين أو ثلاثة، لا تعلم عن أخباره شيئاً، القاضي يصدر قراراً بالتفريق، وحكمه نافذ، وبإمكانها أن تتزوج بعد قرار التفريق، فالدرس اليوم عن التفريق والخلع، ولكن قبل أن نخوض في تفاصيل أحكام التفريق والخلع، لابد من مقدمة.
أيها الإخوة الأكارم... الإنسان يوجد عنده شيئان أساسيان، الإيمان بالله والعمل الصالح، لأن الله عزّ وجل يقول:
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾
( سورة العصر )
أي الزمن يستهلكه، كلما مضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، يقدر يتلافى الخسارة في حالةٍ واحدة، أن يستهلك وقته في الإيمان والعمل الصالح، الآن دقق، الإيمان بالكون، الإيمان بالكتاب، القرآن الكريم والسُنة، الإيمان بالأحداث أي أفعال الله عزّ وجل، فأنت من خلال الأحداث تؤمن، ومن خلال القرآن الكريم والسُنة تؤمن، ومن خلال الكون تؤمن، ولكن إذا آمنت، إذا آمنت من خلال هذه المصادر الثلاث، وصدقت بما جاء النبيّ عليه الصلاة والسلام الآن شطر الإيمان أن تنعقد صلةٌ لك بالله عزّ وجل، هذه الصلة أساس إشراق الحقيقة في النفس يقول لك: فلان مستنير، فلان يمشي على هدى، وربنا عزّ وجل قال:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾
( سورة الملك )
يا إخوان إن حال المؤمن حال عجيب، المؤمن مستنير، قبل قليل أخ حدثني كلمة تأثرت لها، قال: أنه تنبأ لفلان بشيء فوقع، المؤمن هل يعلم الغيب ؟ لا والله لا يعلم الغيب لكن المؤمن يعلم قوانين الله عزّ وجل، يعلم هذه السُنن التي سنها الله عزّ وجل، فغير المؤمن يظن نفسه أنه شاطر عندما يأكل مال حرام، ويقتنص اللذائذ المُحرمة، ويعتدي على حقوق الآخرين، فهو يعد نفسه ذكي بهذا الشيء، فيأتي العقاب الإلهي فيسحقه سحقاً، أما المؤمن مستنير، يعرف أن العباد لهم رب، وحقوق العباد محفوظة عند الله عزّ وجل، إذاً عندما الإنسان يؤمن بوجود الله وكماله وأسماؤه الحُسنى ووحدانيته، من خلال الكون أو القرآن أو الحوادث وتنعقد مع الله صلة، الآن ثمار الإيمان ثلاث ثمار كبرى، أول ثمرة: إشراق الحقيقة في نفسه المؤمن مستنير، وكل ما يجري حوله له تفسير عنده، تفسير واضح تماماً، فلان كان ورعاً فأكرمه الله، فلان أكل مالاً حراماً فأتلف الله ماله، فلان ظلم الآخرين فظلموه، فلان أحسن فأُحسن إليه، تلاقي كلما سمع قصةً، أو عاين واقعةً شعر أن هذه الواقعة تندرج في منظومة الإيمان.
لذلك أنا قلت لإخواننا البارحة: أنه إذا سمعت قصة تقوي الإيمان فارويها، إنسان كان ورعاً فأكرمه الله، إنسان تعفف عن الحرام فأكرمه الله، إنسان أكل مالاً حراماً فأتلف الله ماله، هذه قصص تُقوي، كما قلت في درس الجمعة: الله عزّ وجل قال:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾
( سورة يوسف: آية " 111 " )
إذاً بالقصة يوجد عبرة، وشيء ثاني في القصة:

﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
( سورة هود: آية " 120 " )
أحياناً القصة الصادقة الواقعية تعطيك دعم، تعطيك بالتعبير الحديث زخم، قوة معنوية عالية، أن الله عزّ وجل موجود، والله كبير، والله كريم، والله لا يتخلى عن المؤمنين وسينصرهم، فلذلك أول ثمرة بالإيمان هي إشراق الحقيقة في النفس، فلان مستنير، فلان يمشي على هدى، معه مفاتيح النجاح، معه قوانين النجاح، يعرف أسباب الهلاك، يعرف أسباب الدمار، يعرف أسباب الشقاء الزوجي، أسباب السعادة الزوجية، يعرف أسباب النجاح بالعمل التجاري، يعرف أسباب الإخفاق بالعمل التجاري، يعرف أسباب السعادة النفسية الداخلية، كل هذا يعرفه، كلها من خلال كتاب الله عزّ وجل، من خلال دروس العلم، من خلال السُنة النبوية إذاً أول ثمرة من ثمار الإيمان: إشراق الحقيقة في النفس، المؤمن صاحب بصيرة، الثمرة الثانية بعد إشراق الحقيقة وهي: اصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية، لا تصدق مؤمن كذاب لا تصدق هذا ليس مؤمن، المؤمن صادق، المؤمن أمين، المؤمن كريم، المؤمن عنده نفسية متواضعة، المؤمن عفو، المؤمن متسامح، المؤمن مُنصف، المؤمن يحاسب نفسه حساب شديد المؤمن تحت قدمه كل العنعنات الجاهلية.
يعني مرة قال لي أخ: أنه سكن في بناء أغلب سكانها من أُسرة واحدة، واحد منهم قال له: من أنت ؟ قال لي: قد جرحني، وهذه عنعنة جاهلية، عندما تعرفون أن أحد الصحابة في ساعة غضب غضِب من سيدنا بلال فقال له: يا ابن السوداء، فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب غضباً شديداً، فقال له:

﴿ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ...﴾
( رواه البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد )
عندما تقول أنا ابن فلان، أنا أتكلم بكذا ألف، أو أنا حجمي المالي كذا، عندما تقول من هو فلان ؟ أو ما معه فلان ؟ حينما تنطلق انطلاق عنصري في جاهلية، أما المؤمن متواضع أولاً، ويحترم جميع الخلق من دون استثناء، إذاً أول ثمرة من ثمار الإيمان: إشراق الحقائق في النفس، المؤمن مستنير، أحياناً تجلس مع واحد ابن صنعة، يقول لك: هذه إذا فعلت ذلك يصير معك هكذا، إذا لم تغسل القماش ينكمش على التفصيل، إذا لم يكن القماش مكوي على الطريقة الفلانية يعمل لك مشاكل، من هو صاحب الخبرة ؟ يوجد عنده آلاف الحقائق، كلها متراكمة عنده، فكل غلطة لها نتيجة، كل غلطة لها ثمن، كل جهد زائد في الصنعة له ثمن أيضاً، فكيف أن أصحاب الصنعات يعرف ويتنبأ بما سيكون لا من باب علم الغيب، ولكن من باب معرفة القوانين، كذلك المؤمن تشرق الحقائق في نفسه، يعرف مثلاً: من عَقَّ والديه سيأتيه أولادٌ يعقونه، يعرف أن من كسب مالاً حلالاً بارك الله له فيه، لذلك يتهنى، يكون دخله قليل لكن فيه البركة، وأنا أُؤمن بالبركة، تلاقيه يأكل، ويشرب، ويلبس، وحجم دخله لا يكفيه ثلاثة أيام حسب مقاييس الناس، كيف كفاه ؟ الله عزّ وجل بارك له فيه لأنه مالٌ حلال، والمال الحرام كثير جداً لكنه يذهب بطريقةٍ أو بأُخرى تؤلم صاحبها، لأن الله أتلفه، والنتيجة أن الإنسان إذا آمن بوجود الله وبكماله وبوحدانيته من خلال الكون أو الأفعال أو القرآن، وعقد مع ربه صلةً محكمةً، أشرقت الحقيقة في نفسه أولاً، وثانياً اصطبغ بالكمال الإنساني، المؤمن محبوب، وإن لم يكن محبوباً فهو ليس مؤمناً، لماذا لا يُحب وهو الصادق الذي لا يكذب ؟
قلت لكم: مرة إنسان كان له عمل لا يُرضي الله إطلاقاً، فاصطلح مع الله وتاب واعتزل العمل الذي لا يرضي الله، فسُئل: أن ما الذي جعلك تؤمن ؟ قال له: أنا أعيش في جو كذب، وجو نِفاق، وجو خِداع ومؤامرات، وفي النهاية كلنا أشقياء، فلما خالطت أهل الإيمان قبل أن يصطلح مع الله قال: رأيت الصدق والوفاء، رأيت التعاون، رأيت السعادة.
فأنت اجلس مع المؤمنين، هذا شيء مريح جداً، إنسان أولاً: طيب القلب صافي إذاً من ثمار، الإيمان إشراق الحقائق في النفس، واصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية، والشيء الثالث: الانغماس في السعادة الروحية.
اليوم في الفجر حكيت لإخواننا كلمة، أجد نفسي حريصاً على إعادتها، وحتى لا نضيع الوقت يوجد نقطة وهي: يجب أن تصل إلى الله، وإن لم تصل إليه، يوجد في الدين نشاطات كثيرة جداً ؛ ممكن تستمع إلى دروس علم، ممكن تساهم في عمل خيري، ممكن تحفظ كتاب الله وهذا شيء عظيم، ممكن تؤلف كتب، ممكن تنشر علم، لكن من أجل أن تصل إلى الله لا بد من إحكام استقامتك، لابد من طاعته طاعةً تامة، لابد من بذل شيءٍ ثمينٍ في سبيله، إذا أطعته إطاعة تامة، وبذلت شيء ثمين، تصل إليه، فإذا وصلت إليه أنزل على قلبك السكينة ذكرت هذا في صلاة الفجر اليوم، لأن الله عزّ وجل يقول:

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ﴾
( سورة الفتح: آية " 4 " )
يعني المؤمن متمسِّك بدينه، متمسك بمجلس العلم، لأنه قنعان ؟ لا لأنه أبلغ من قنعان، لأن نفسه انتشت بالقرب من الله عزّ وجل، عندما أقبل على الله واتصل به شعر بالطمأنينة، شعر بالسعادة، لذلك السكينة التي يلقيها الله على قلوب المؤمنين، هي التي تشدهم إلى الدين، بالإضافة إلى إيمانهم بوحدانية الله وبعظمته وبأسمائه وبكمالاته إضافةً.

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾
فيا إخواننا الكرام إذا نحن تمكنا، ضبطنا أُمورنا، ضبطنا استقامتنا، بذلنا مما أكرمنا الله به من علم، من مال، أهل الغنى عليهم أن يُنفقوا مما أفاء الله عليهم، أهل العلم عليهم أن يُنفقوا من علمهم، أهل الجاه عليهم أن يُنفقوا من جاههم، الاستقامة سلبية، والعمل الصالح إيجابي، أنت عندما تنضبط تلزم سبيل الاستقامة تماماً، لا تحيد عنها، في بيتك، في عملك، في نشاطاتك في لهوك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في علاقاتك بأهلك وأولادك وبوالديك، أي حينما تلتزم أمر الله عزّ وجل، وحينما تبذل مما أفاء الله عليك، عندئذٍ تنعقد مع الله الصلة، عندئذٍ تصل إلى الله، ومن ذاق عرف، ومن وصل عرف، والقصة التي تعرِفونها جميعاً: أن واحد خطب بنت أحد الشيوخ، فهذا الشيخ يظهر أن الله مفتح له بصيرته، قال له: يا ابني هذه مهرها غالي كثير، قال له ما هو مهرها ؟ قال: أن تحضر عندي، قال: نرضيه ونعمل له كم درس ما هذا المهر العظيم.
يوجد أخ من إخواننا أحضر لي خطيب على البيت وقال لي: هذا خاطب ابنتي قلت له: والله أهلاً وسهلاً، لكن نحن إخواننا لهم التزامهم بالدرس فقال لي: أحضر ولا شيء في ذلك، قلت له: أهلاً وسهلاً، فأصبحت أُلاحظه أثناء الدرس قاعد متضايق، أصبح الدرس ضريبة بالنسبة له، وأشعر أنه ليس معنا إطلاقاً، صدقوني بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة انقلبت أحواله كلها واندمج، فقال: سبحان الله مثل ما قال الإمام الغزالي:
(( أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله ))
أنت أحياناً يستحي منك شخصاً حياءً فيأتي معك إلى الدرس، يجوز يعمل مفتاح الاشتعال ( الكونتاك ) عنده بعد الدرس، فأول الأمر جاء ليرضيك، وبعدها اشتغل، وأقبل فأشرق الإيمان في قلبه، فلا تزهد، فأنا أردت من هذه المقدمة أن الإيمان أولاً: فيه إشراق حقيقة، ثانياً بالإيمان: يوجد شيء ثمين وهو الاصطباغ بالكمالات الإنسانية، المؤمن وفي.
فقد حدثني اليوم أخ يعطي دروس خاصة، قال لي: والله إذا لم أفيد الطالب أحس إني أكلت مال حرام، قلت له: بارك الله بك، وقلت له: والله التدريس الخاص، ممكن ألف مدرس يأخذ منك على الدرس خمسمئة ليرة ولا يعلم ابنك، يجلس معه ساعة، يعطي له كم تمرين وحلهم، وإذا لم يعرف حلهم يحلهم له هو، لكن لم يعلمه كيف يحل التمرين، ولكنه جلس ساعة وأخذ خمسمئة ليرة، لكن المؤمن لا يأخذ خمسمئة ليرة حتى يعلمه فعلاً، حتى يعلمه كيف يحل مسألة، كيف يعرب، كيف يكتب موضوع تعبير، إذا لم يقدم له شيء ثمين لا يأخذ مبلغ إذاً الإيمان فيه إشراق، وفيه كمالات، وفيه انغماس بسعادة روحية.
يا إخوان إن لم تشعر بهذه السعادة فهناك مشكلة، أي إذا لم تشعر أنك قريب من الله وسعيد، راجع نفسك، لا تمشيها، ولا تقول: أنا أذهب إلى الدروس، أنا أُصلي، أنا حججت خمس حجج، أنا عملت ثلاث عمرات، أنا أدفع زكاة مالي، إذا لم تصل إلى الله عزّ وجل وأخذت من الله السكينة هذه راجع حساباتك، كن واعي، وأعرف قيمة الحياة، وإن الحياة ثمينة جداً، هذه النقطة الثانية، إذاً الذين آمنوا، آمنا بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، آمنا بوجوده ووحدانيته وكماله، آمنا من خلال الكون والقرآن والأحداث، عندما آمنا انعقدت مع الله صلة وعلى أساس هذه الصلة الحقيقة بالنفس أشرقت، اصطبغت بالكمال، أصبحت إنسان أخلاقي يشار لك بالبنان، هذا لا يكذب، هذا لا يغش، المؤمن يحاسب نفسه حساب عسير، حتى في كل الحِرف، تلاقي نفسك ترتاح لصاحب الحِرف المؤمن، يعني معقول صاحب حِرفة مؤمن يغشك يقول لك: والله وضعنا قطعة من الوكالة وهي عتيقة، يقول لك: هذه غيرناها، وهو لم يغيرها معقول ؟ لا مستحيلة هذه، مستحيل، لأنه يعرف أن الله موجود ويراقب، الشيء الثالث انغماس السعادة الروحية، إشراق الحقيقة بالنفس، الاصطباغ بالكمالات البشرية.
الآن توجد فكرة دقيقة تكلمت عنها في خطبة الجمعة، في اللحظة التي تستقر حقيقة الإيمان في النفس، يتحرك الإنسان نحو العمل الصالح، إيمان سكوني لا يوجد يا إخوان، لا تغشوا أنفسكم، واحد نواياه طيبة مؤمن، فهذا إيمان مُزيف، الإيمان حركي، مثلاً: أب ويوجد مدفأة مشتعلة، وابنه عمره سنتين وماشي باتجاه المدفأة، فهل يظل الأب ساكت ؟ هذا مستحيل لا يتكلم بل يقفز ويمسكه من يده، أي مادام يوجد في قلب الأب رحمة، والطفل الصغير الجاهل بأخطار النار يدفع الأب للحركة، فتقول لي مؤمن، فالمؤمن يتحرك نحو العمل الصالح، هذا معنى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
لكن:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
الحق يوجد عنده طريقة ذاتية للنمو، الحق إذا لم ينمو، الباطل يحاصره، الحق إن لم ينمو، فهو يتراجع، فأنت كفرد عليك أن تؤمن وتعمل صالحاً، أما كفرد في مجتمع، عليك أن تتواصى بالحق، لذلك مؤمن ساكت لا يوجد، المؤمن علامة إيمانه أنه يسعى، كل واحد منكم له أقرباء، له جيران، له زملاء عمل، له أصدقاء، له رفقاء ما قبل الإيمان، هؤلاء كلهم في ذمته، دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة ))
لك رفيق بالابتدائي، لك رفيق بالعسكرية، لك رفيق بالبيت القديم، بالحارة القديمة لك رفيق عندما كنت تعمل في القماش، لك صديق مثلاً رافقته مرة في رحلة طويلة، صاحبته ساعة، مادام لك مع أخ صحبة ساعة،
(( إن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة ))
واحد تزوج، دخل إلى بيت أهل زوجته، فرأى حماته طبعاً أصبحت من محارمه وله أصهر هم إخوة الزوجة، عندما صار بينه وبينهم معرفة هؤلاء أصبحوا في مسؤوليته، فإذا وجد انحراف فعليه أن يهديهم، أن يدلهم على الله، أن يدعوهم إلى مجلس العلم، فالحق كيف ينمو ؟ ينموا بالتواصي بالحق، هذا التواصي ينمي الحق، هذا النمو إن لم يكن كان الانكماش الباطل ينمو، فالحق إذا لم ينمو الباطل حاصره، وحتى الحق لا يتحاصر ويُحاصر الباطل فلابد من التواصي، كلمة تنمية كلمة يقولها العالم كله اليوم، كل شيء ينمو، الشركات تنمو الاقتصاد ينمو، الإنتاج القومي ينمو، والحق يجب أن ينمو، فإن لم ينمو الحق يتراجع، لذلك حاسب نفسك هذا الحساب، عندما تجد نفسك لا يهمك أحد، فقط يهمك دخلك وبيتك، ومصالحك الشخصية، ونجاح مصلحتك، وآكل وشارب ونائم متدفي، لابس، ولا يوجد شيء تشتهيه ما أكلته، وعلى الدنيا السلام وهذه الحياة كلها، لا تغضب من نفسك، كن صريح معها، قول: أنا لا يوجد في إيمان، كلمة إيمان تعني التحرك نحو خدمة الخلق:

﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
عندما كنا صغار كان يوجد خط قطار إلى بيروت، وكان يستغرق إثنا عشر ساعة كان يلفت نظري بهذا الخط عند بعض الجبال يوجد ضمن السكة خط ثالث مسنن، سألت عنه فقيل لي: هذا مسنن لأن القطار عندما يصعد لسبب أو لآخر وتوقف عن الحركة وحتى لا يتراجع، لأن حديد على حديد يصبح انزلاق، يوجد أسنان، والأسنان مربوطة بالقاطرة الأساسية فهذا المثل ترك في نفسي أثر أن الإنسان يصعد ولكن يجب أن لا يرجع، التواصي بالحق أي ينهض بالحق، أما التواصي بالصبر أي مسننات تمنع التراجع، فالصبر لئلا تتراجع، لئلا تنتكس، لئلا تضعف، لئلا تهون على الناس، اصبر وما صبرك إلا بالله، فهذه الآية في سورة العصر كانت محور الخطبة السابقة، أنك كفرد عليك أن تؤمن وتعمل صالحاً، وكفرد في مجموع عليك أن تدعو إلى الله، وأن تتحمل كل المتاعب، الدعوة إلى الله تنمية للحق، وتحمُّل المتاعب صيانة للحق من أي تراجع.
الآن ما علاقة هذه المقدمة بهذا الدرس ؟ يوجد علاقة وشيجة، المؤمن يعيش لرسالة يعيش لهدف كبير، فيكون مسيء لزوجته التي هي أقرب الناس إليه ؟!! هذا مستحيل.
وتكلمنا في الدرس الماضي، أن المرأة تطلق في حالتين نادرتين، حينما يشك في سلوكها، أي حينما يشك أنها زانية يطلقها، وحينما تفقد قيمتها أي حينما لا تحصنه، فأصل الزواج أن تحصنه عن الحرام، فإن لم تكن محصنةً له هذه حالة ثانية، لكن ما سِوى الحالات فأنا أحياناً أسمع عشرات الشكاوى، وأن كل هذا الكلام لا يوجب الطلاق، مهما تكلمت، لو ذكرت لي مئة علة لها، كل هذه العلل بمجموعها لا ترقى إلى مستوى أن تطلق، ومع التطليق تشريد الأولاد، والأصح إن سألتموني هذا السؤال: المؤمن لماذا لا يطلق ؟ والطلاق مباح، أنا لي جواب خاص: لا يطلق، لأنه حينما تزوج، تزوج وفق الشرع، اختارها مؤمنة، مادام اختارها مؤمنة إذاً لا يحتاج إلى تطليقها، هذه نقطة.
درس اليوم أنه إذا فرضنا إنسان ترك زوجته وسافر، يوجد عندنا موضوع اسمه التفريق، أول حالة قال: " الزوجة لها الحق أن تطلب من القاضي التطليق من زوجها إذا امتنع عن الإنفاق عليها "، نحن يوجد عندنا قاعدة أساسية في الزواج:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
( النساء: آية " 34 " )
فالزوج حينما ينفق على زوجته له حق القوامة، فإذا امتنع ، فهو حبسها له، حبسها لصالحه، أعطاه الله حقوقاً كثيرةً عليها، أي له عليها، مقابل هذه الحقوق عليه أن يُنفق عليها فإذا امتنع عن الإنفاق عليها فالزوجة لها الحق أن تطلب التفريق من قِبل القاضي، هذا الموضوع خلافي، دائماً وأبداً إذا قلت هذا الموضوع خلافي، أي أن هناك فقهاء أجابوا بوجوب التطليق وهناك فقهاء منعوا التطليق، لهؤلاء حجج، ولهؤلاء حجج، الذين رأوا أن الزوج إذا امتنع عن الإنفاق على زوجته لها الحق أن تطالبه بالتطليق، قال: إن هؤلاء حجتهم أن الزوج مكلفٌ أن يمسك زوجته بالمعروف، أو يسرحها بإحسان لقوله تعالى:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
( سورة البقرة: آية " 229 " )
الإمساك بالمعروف من أُولى شرائطه أن تنفق عليها، فإن لم تنفق عليها أنت أمسكتها بغير معروف، هذه أول حجة، الحجة الثانية، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾
( سورة البقرة: آية 231 " )
فهي تكون مربوطة لك، وموقوفة لخدمتك، وهي محصورة فيك وهي جائعة !! ليس لها مسكن، ليس لها طعام تأكله، يدخل مع الامتناع عن الإنفاق البخل، لا يوجد صفة تمتِّن علاقة الزوج بزوجته كالإكرام، فالبخل عامل مهدِّم للسعادة الزوجية، والنبي الكريم يقول:

(( ليس منا من وسَّع الله عليه ثم قتر على عياله ))
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ))
فالإنسان إذا امتنع عن الإنفاق عن زوجته فقد أضر بها، وبعض العلماء قال: لا الله عزَّ وجل قال:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
( سورة الطلاق )
معناها إذا كان في تقطير، والزوج معسر فعلاً في حكم، وإذا الزوج ميسور الحال ويمتنع عن الإنفاق إضراراً بالزوجة، أصبح في حكم آخر، فقد إختلف الوضع، فهناك معسر وفي ممتنع، الممتنع له حل، والمعسر له الصبر، لكن سبحان الله في نظام، الزوج مكلف أن يطعم زوجته مما يأكل، لا يكلِّفه الله فوق ذلك، لماذا ؟ حتى لا يكون في ضغط من الزوجات على أزواجهن من أجل أن يكسبوا مالاً حراماً لينفقوا عليهن، كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها
(( اتق الله بنا نحن بك، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام ))
أي نحن إقبالنا على الله أساسه أنت، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام هكذا كانوا الزوجات الصالحات، فهذه الآية تبين إذا كان الزوج معسر يجب أن نصبر، وما دام الزوج يطعمنا مما نأكل لم يعد هناك ظلم، لكن متى الظلم ؟ إذا كان هو يأكل ما لذَّ وطاب ويحرم أهله.
سئل إمام كبير عن رجل عاجز عن الإنفاق على زوجته: أيفرق بينهما ؟ قال: " نستأني به ولا يفرق بينهما ت وتلى الآية الكريمة، الآية:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
يوجد عندنا استنباط آخر، أن الصحابة الكرام، فيهم الغني وفيهم المعسر، وما ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق امرأةً من صحابيٍ لأنه معسر، هذا الحكم لم يكن على عهد النبي موجود.
ولما نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سألنه شيئاً لا يملّكه، عوقبوا من قبل الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)﴾
( سورة الأحزاب )
والآية معروفة، فالحكم الوسط: إذا الزوج يمتنع إضراراً، وكيداً، وإيقاعاً للأذى بزوجته، فلها الحق عندئذٍ أن تطالب القاضي أن يفرق بينهما، أما إذا الزوج معسور، الزوجة المؤمنة تصبر حتى يكرمه الله عزَّ وجل.
الآن في عندنا حالة ثانية، القاضي يفرق بين الزوجين قال: " إذا كان الزوج غائباً غيبةً قريبة، غاب ولم يترك شيئاً قال: " إن كان له مالٌ ظاهر أي له دكان وفيها موظفين، له مثلاً أموال مستثمرها عند أشخاص، إن كان له مال ظاهر القاضي يحكم بأن يؤخذ من المال شيئاً للإنفاق على زوجته، وإذا لم يكن يوجد مال ظاهر، القاضي يوجه له إنذار بالطرق المعروفة الآن بالصحف يوجه له إنذار، ويضرب له أجلاً، فإن لم يرسل نفقة زوجته على نفسها، أو لم يحضر للإنفاق عليها، طلق القاضي هذه الزوجة بعد مضي الأجل، أي إذا واحد يترك ويمشي.
ولآن في عندنا حالة ثانية، القاضي يفرق بين الزوجين قال: " إذا كان الزوج غائباً غيبةً قريبة، غاب ولم يترك شيئاً قال: " إن كان له مالٌ ظاهر أي له دكان وفيها موظفين، له مثلاً أموال مستثمرها عند أشخاص، إن كان له مال ظاهر القاضي يحكم بأن يؤخذ من المال شيئاً للإنفاق على الله أنا اليوم سمعت قصة ءآلمتنى جداً قال لي: واحد تزوج فتاة وأنجب منها ولدين وتركها وسافر، وأصبح غائباً ثلاثة سنوات، أبوها أنفق عليها حتى عجز الأب أبو البنت، وأبو الزوج أنفق حتى عجز، فرفعت أمرها إلى القاضي فطلّقها منه، إذاً، إذا إنسان غاب ولم ينفق على زوجته ، القاضي يحق له أن يحكم بالتفريق بينهما.
أحياناً الزوجة تطلب من القاضي التفريق إذا ادعت أن زوجها يوقع بها ضرراً بالغاً لا يستطاع تحمُّله، أخبرني أحد الإخوة وهو من إخواننا الكرام ومن رواد هذا المسجد عن قصة سوف أقولها لكم لأنها تفيدنا وهي مؤثرة: شاب في ريعان الشباب، وعنده معمل وغني، الله الغني بالتعبير العامي، وله مقصف جميل في سهل الزبداني، وفيلا فخمة، أي أناس من أهل اليسار أي الغنى، فخطب الفتاة من أسرةٍ محافظة، وأيضاً هذا تعبير شائع، يبدو أن الأب علمها تعليم جيد، والفتاة صالحة، ودينة، وتحفظ كتاب الله عزَّ وجل، لكن هذا الشاب عقيدته عقيدة تفلت، فبعدما تزوجها زاره رفاقه فقال لها: أحضري لنا القهوة، قالت له: أنا لا أدخل على رفاقك، وكلما طلب منها طلب طبعاً الطلب من خلاف الشرع ترفضه، وإذا طلب منها أن يسهرا معاً في الفندق في عيد رأس السنة، تقول له: أنا لا أذهب معك، هو متفلِّت كثيراً من الدين يريد أن يعيش حياة عصرية ؛ اختلاط ونزهات وحفلات ونوادي، وهي لا تتجاوب معه، فوقع في مشكلة، فهو يريد فتاة تتجاوب معه، وهذه الفتاة تربيتها إسلامية، وترفض كل طلب خلاف الشرع، فالأب اقترح أنه يطلقها مادام خلاف رغبتك طلقها، الأم قالت: لا لماذا تطلقها نحن لنا ترتيب آخر فلا تطلقها، تطلب الفراق هي، تطلب الطلاق أو الفراق من دون أن تأخذ شيئاً فالقصة أن كان متأخرها كبير جداً ويهز الأسرة، فالأم رسمت خطة أنه يؤذيها، يغيب للساعة اثنين كلُّ يوم، كلامه قاسي جداً، يستخدم السباب الجارح، يهينها أمام أهله، يحرمها من كل طلباتها، فبعد شهر أو شهرين طلبت المخالعة وتسامحه بكل شيء، الخطة نجحت، والدته رسمت خطة ونجحت، فبدلاً من أن تضع لها مئتين أو ثلاثمئة ألف متأخر، فهذه الطريقة أريح كلام قاسي، ضرب أحياناً، إهانة، سباب، إذلال فطبعاً بعد أسبوعين ثلاثة أو شهر لم تتحمل يقولوا أنها خرجت من عنده بثيابها فقط، حتى ثيابها الأخرى لم تأخذها، وسامحته من كل شيء وخلعها عن عصمته، وانتهى الأمر، ثم خطب فتاة كما تروق له، بالتعبير العصري ( اسبور) تستقبل رفاقه بغيابه، ممكن أن تدخل معه على الفنادق، ممكن أن تسهر معه، فهذا الشاب كلما وقع بورطة ونفد منها، يقول: والله خلصنا من الورطة مثل ما خلصنا من متأخر فلانة أصبحت فلانة التي تزوجها وضارها إلى أن سامحته بكل شيء، أصبحت هذه القصة عند هذا الشاب قصة للتسلية، فمرة كان له فيلا بمضايا بأعلى السهل ولها إطلالة جميلة جداً، نازل على الشام بسيارته، فأنظر إلى ترتيب ربنا، فركبت زوجته الجديدة بجانبه طبعا ً، وركبت والدته خلفه، وركب والده خلف زوجته بالمقعد الخلفي، والده على اليمين، ووالدته على اليسار، وهو السائق، وزوجته على اليمين، يبدو أنه طائش في سوقه السيارة، كلما دخل بين سيارتين يقول له أباه: يا بني على مهلك، يقول له: نفدنا مثل ما نفدنا من متأخر فلانة، وصل إلى منطقة واجه سيارةً فقصت سيارته نصفين، مات هو وأمه لتوه، قطعوا قطعا قطعاً، والزوجة والأب نفدوا، قال: لأن الأب دائماً يلوم هذا الوضع، يقول لهم: لا يجوز يا جماعة، هذه بنت آدمية أخذتوها أنتم من عائلة محافظة راقية، فهذا سلوك فيه ظلم، فالأب كان دائماَ ينكر تصرف زوجته حماة الفتاة، وهذه الحماية هي التي تختط، فربنا عزَّ وجل قطعهم إربا إرباً الاثنين فالمؤمن لماذا يستقيم على أمر الله ؟ لأنه يؤمن برب كبير، أيام العوام يقولون:
(( الله كبير ))
هذه الكلمة مهما قلتها فلا شيء عليك لأن الله بالفعل كبير:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ:

((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))
وأكثر إنسان الله ينتقم له الضعيف ليس له أحد وظلمته، إنسان ضعيف، أحياناً الإنسان يشهِّر بمؤمن، يكون المؤمن ليس له سند، في أشخاص إذا كان شهرت به فلن تنم في البيت مساءً، أما هناك مؤمن ضعيف ليس له سند مستضعف، وهو يشهِّر فيه، فالله عزَّ وجل ينتقم أشد الانتقام، فعندما يحاول الإنسان أن يوقع الضرر بزوجته من أجل أن تسامحه بما لها عنده، فالله عزَّ وجل ينتقم منه أشد الانتقام، لكن هذه الدعوى لا تسمح إلا في حالتين، إذا كان مع الزوجة بينة، أو اعترف الزوج بذلك، أما إذا لم يكن معها بينة والزوج لم يعترف، تشطب دعواها بالقضاء، طبعاً الإيذاء الذي يجيز للزوجة أن تطالب بالفراق مما لا يحتمل ولا يطاق.
بالمناسبة وإن كان كلام سابق لأوانه، إذا أراد الزوج من زوجته عملاً لا يرضي الله أي في علاقته معها، إذا حملها على علاقةٍ محرمةٍ في الشرع، لها الحق أن تطالب بالتفريق بينها وبينه، لكن دائماً القضاء يلجأ إلى تحكيم رجلين من أهله وأهلها، أي من أهل المروءة والشرف والواجهة والرجاحة والحكمة فلعلهما يصلحان ما فسد بينهما.
الآن التطليق لغيبة الزوج، طبعاً في عندنا غياب قصير، وغياب طويل، وغياب معروف، وغياب غير معروف، لو فرضنا واحد غاب لطلب العلم هذا العذر مقبول، أو غاب لممارسة تجارة في بلدٍ آخر عذر مقبول، غاب لكونه موظفاً خارج بلدته عذر مقبول، أو غاب لكونه مجند ملتحق بقطعة خارج بلده عذر مقبول، هذه أعذار مقبولة للزوج، فالزوجة ليس لها الحق أن تطلب التفريق في هذه الغيابات، أما غاب إلى مكان لا تعرفه ولا يوجد سبب ظاهر ولا أعلمها أين هو ؟ فهذا الغياب الذي يجيز للزوجة أن تطالب بالتفريق، العلماء اختلفوا في الفترة التي تكفي، والله في زوجات زوجهم غائب عنهم عشر سنوات، ولم تفكر في التفريق، وفي زوجات لسنة واحدة تطلب التفريق، العلماء قالوا: لها الحق بعد ستة أشهر أو بعد عام، أو بعد ثلاثة أعوام، لكن الإحسان شيء، والعدل شيء:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
( سورة النحل: آية " 90 " )
العدل قسري، أما الإحسان طوعي، الأسير طبعاً، الأسير أو المحبوس نفس الشيء.
الآن الخلع، وملخص الخلع بسيط، هو أن هذه الزوجة لم تحب هذا الزوج، الزوج يسَّر لها مسكناً شرعياً، وأنفق عليها، وكل شيء تام، إلا أن الزوجة لم تحبه، فلها الحق أن تطالب القاضي أن يخلعها منه، لكن مقابل أن تسامحه بكل شيءٍ كتبه لها أو أعطاه إياها، هذا الذي أخذ من قول النبي:

(( ردي له الحديقة وطلقها تطليقة ))
هذا هو الخلع، الخلع من طرف الزوجة، والتفريق من طرف القاضي، والطلاق من طرف الزوج، طلاقٌ وتفريقٌ وخلعٌ، لكن بالمناسبة يوجد عندنا بالخلع مشكلة، أن أكثر الأزواج يحاول أن يوقع الضرر بزوجته إلى أن تطالبه بالخلع، هذا عدوان، وهذا ظلم يهتز له عرش الرحمن، أما أنت لم تؤذيها، لها ابن عم طمعانة فيه فرضاً وقد وعدها أن يتزوجها، وأهلها زوجوها من هذا الشاب بالضغط، فجلست معه وهي متألمة، فمادام لم ترغب به، قالت له: " يا رسول الله إني أكره الكفر بعد الإيمان "، أي أنا إذا أعيش عند هذا الزوج أكفر، ولن أتحمله قال له: إذاً طلقها، لو تراجعيه، قالت له: أتأمرني ؟ قال: لا، قال إنما أنا شفيع.
فمر بالسيرة النبوية مواقف مماثلة، فعلى كلٍ الخلع أحكامه بسيطة، أن الزوجة لسببٍ أو لآخر لم ترض بهذا الزوج، والزوج ليس له ذنب، وهو زوج مقبول، والعقد شرعي والمسكن شرعي، وأنفق عليها، لكنها كرهته، فإذا كرهته فإذا قلنا له: طلقها وأعطيها المتأخر نكون قد ظلمناه، أصبح هناك ظلم للزوج، لكن حينما يطالب الزوج الذي طُولب أن تختلع منه زوجته، أن تعطيه أكثر مما أعطاها قال: هذا منهي عنه في الشرع، صار هذا ابتزاز، كقوله لزوجته: أطلقك لكن أريد مئتين ألف، وكل متأخرها مئة ألف ، أصبح الموضوع فروغ، إذا كان طالب الزوج بأكثر مما دفع للزوجة هذا أصبح ظلماً كبيراً، طبعاً بعض علماء قالوا: يجوز على أساس أن الآية الكريمة:

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
( سورة البقرة: آية " 229 " )
إذا كانت ميسورة كثير، " وفراقها البدوي بعباية قال له: بسوق العباءات كله بس يفرقنا، يجوز".
لكن العلماء بعضهم يرى أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه فالأكمل أن يكون في سقف، وسقف المطالبة بما أعطاها لا بأكثر مما أعطاها.
مرة قال لي أخ: جاء شاب ليخطب ابنته، فأخذ، إقرأوا الفاتحة ضع يدك بيد عمك قال له: زوجتك، جايبين واحد كمان، التمثيلية مهيأة ومرتبة، قال لي: رأيت نفسي زوجت ابنتي من أول جلسة، ولم أعرف ما هي القصة قال لي: لم يعجبني هذا كله، قلت له: ماذا تقول لم تعجبك ؟ أصبحت زوجته، أصبح في إيجاب وقبول، انتبهوا أيها الإخوان.
سوف أقول لكم قصة وقعت في الشام، هذه القصة يجب أن يكون الإنسان منتبهاً ويقظ قاعدين أربعة خمسة في محطة وقود بالشام بالأزبكية، بعد العصر يشربون أرجيلة ومرتاحين الجماعة، وهم يتسلون ويتكلموا ويتنادموا، فقال أحدهم لصاحب الكازية: تبيع هذه الكازية ؟ قال له: أبيعها، بكم ؟ قال له: بستمئة ألف، قال له: اشتريت، وانتهت الجلسة ولم يطلع منها شيء، ولا أحد جاد بكلامه، ولا البائع بائع، ولا الشاري شاري، وضحكوا وانبسطوا وراحوا حدثني بهذه القصة محامي وقد مضى عليها اثنا عشر سنة، سمعها محامي فقال له: هذه الكازية لك فقال: كيف لي ؟ قال له: ألم يقل لك بعت، قال له: بلى، قال له: إذاً لك الكازية، أقاموا دعوة، وفي شهود، ألم يقل لك: تشتري ؟ قال له: نعم، ألم تقل له: بعت ؟ قال له: نعم لكن لم يدفع لي ثمن الكازية، فقال له القاضي ثمن الكازية في ذمته وأنت لم تطالبه به.
واحد طلع على قطار قعد، فوجد محله مشغول بمحفظة كبيرة وأمامه شخص قال له: قيمها ؟ قال له: لا أقيمها، طب لماذا لا تقيمها؟ قال له: لا أريد أن أقيمها، تلاسنوا وتعايطوا وتشاددوا اشتكوا، صفر شرطي القطار، وقف القطار لماذا لا تقيمها ؟ قال له: لأنها ليست لي قال له لمن ؟ قال: لهذا، قال له ألا تقيمها ؟ قال: لم يقل لي أن أقيمها، هذه القصة يا إخوان واقعية، كازية أصبح ثمنها إثنا عشر مليون ضاعت عليه بستمئة ألف لأنه قال له: بعت، فانتبه بعت أي بعت، الشرع لا يحتاج إلى ورق، فقط يحتاج الشرع إلى إيجاب وقبول في حالات البيع والزوج، قال لي: دخلوا عليه وقالوا: زوج زوج، حط يدك بيد عمك زوجتك، قال: أنا قبلت وعلى مهر، اقرأوا الفاتحة، أصبحت زوجته فأين تسير ؟!! الآن تطلب المخالعة، مثل ما زوج تطلب الآن الخلع.
فيا إخوان دققوا في موضوع الإيجاب والقبول، ممكن إذا أنت قلت: أنا بعت يروح البيت منك بربع ثمنه، أخي أنا لم أقبض، لا تقبض، دفع الثمن شيء آخر غير البيع، البيع إيجاب وقبول، ودفع الثمن له شيء آخر، فكازية بيعت بستمئة ألف أصبح ثمنها إثنا عشر مليون طبعاً المحامي تمكن أن يحلِّف يمين أتي بشهود، ومادام في إيجاب وقبول وفي شهود انتهى وأصبحت الكازية ملكه، لكنه لم يدفع ثمنها، أنت لم تطالبه، لو طالبني أعطيه لكن هو لم يطالبني فجزاه الله الخير، وموضوع الحياء هذا موضوع ثاني يجوز، ما أخذ بالحياء فهو حرام لكن إذا إنسان قال: بعت يعني باع، زوجت يعني زوَّج، هذا هو الشرع، يجب أن تحطاط قبل أن تقول: نعم أو بعت أو وافقت أو زوجت، أو تزوجت في مسؤولية، فالخلع هكذا.
على كلٍ أرجو الله جلَّ جلاله ألا نحتاج جميعاً لا إلى خلع، ولا إلى تفريق، ولا إلى طلاق، المؤمن حينما اختار زوجته مؤمنةً صالحةً أغلب الظن أنها تعيش معه، أغلب الظن أنها ترعى حقه، أغلب الظن أنها وفيةٌ له، هو حينما كان مؤمناً في بقلبه رحمة، وفي بقلبه إنصاف في بقلبه عطف، يعني القلب القاسي بعيد عن الله عزَّ وجل.
بهذا الدرس الثالث والأخير تنتهي أبحاث الطلاق، أنا الحقيقة ما أردت التفاصيل الفقهية، التفاصيل الفقهية مملة.
وشيء آخر نادرة الحدوث، وفي حالات نادرة جداً لا تقع بالمئة ألف حالة حالة واحدة هذه حينما تقع نسأل عنها، لكن أردت من هذه الدروس الثلاثة، التوجيهات الدينية العامة، أن الإنسان عليه أن يحفظ هذه النعمة التي أكرمه الله بها، يا إخوان الزوجة نعمة، ويا أيتها الأخوات المؤمنات، الزوج أيضاً نعمة، فالتي تسارع وتقول له: طلقني، هذه امرأةٌ لا تروح رائحة الجنة لأنها كفرت هذه النعمة، والزوج الذي يطلق امرأته لأتفه الأسباب هذا كفر بنعمة الزوجة، لأنها نعمة.
أولاً الطلاق من قبل الزوج أو المخالعة من قبل الزوجة عملية إيقاع الأذى بالطرف الآخر، أليس كذلك ؟ وإيقاع الأذى حرام، ثانياً: إتلاف للمال، الإنسان بعد ما تزوج ودفع مهر ودفع هدايا خلال سنتين ثلاثة وتكلف، الطلاق كل هذه المبالغ التي دفعت أصبحت مهدورة فالطلاق إيقاع أذى وإهدار للمال، والأهم من هذا وذاك كفرٌ بنعمة الزوجة، والمخالعة أيضا أيضاً إيقاع الأذى بالزوج، قبل أن تقولي: وافقت، الأمر ادرسيه، أما بعد ما وافقتي والرجل هيأ نفسه وجهز البيت واشترى وتكلف وينتظر هذه الساعة بفارغ الصبر، تقول: لا أريدك ولا أحبك، طلقني وأنت مسامح بكل شيء، فالسرعة بتطليق الزوجة كفرٌ بنعمة الزوجة، والسرعة بمخالعة الزوج أيضاً كفرٌ بنعمة الزوج، فإذا الله واحد أكرمه بزوجة تحصنه، وترعى حقوقه وتعرف قيمته، هذه ليحافظ عليها، النقطة الدقيقة أنه ما في إنسانة كاملة، ولا يوجد زوج كامل:

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))
( صحيح البخاري )
لكن بعض الأذكياء فسروا هذا الحديث تفسير رائع، قال: الضلع هذا لو كان مستقيم كان يطلع من البطن من الأمام، يصبح مثل الشوكة، أما جماله أنه معوج، ماشي مع البطن الآن عظام الصدر كلها معوجة، ولولا أنها معوجة لما احتملتها أساساً، سر نجاح الأضلاع أنها كلها معوجة، فالاعوجاج كمالٌ فيها، الاعوجاج كمالٌ في الضلع، لو كان غير معوج لا يرضيك إذا واحد يريد امرأة لها عقلٌ راجح لكن مقصرة في حقه، فهل يهمك أن تسمع منها محاضرة بالفلسفة ولا يوجد طبخ مثلاً، ماذا تريد من هذه المحاضرة، الله عزَّ وجل أعطاها إمكانيات خدمة البيت، والعناية بالأولاد، لو هي لها عقل راجح مثل عقل الرجل، لا تقبل أن تصبح زوجة لك من الأصل، لكن هي عندها عاطفة راجحة، هي ترجح عليه في عاطفتها وفي أحاسيسها، ويرجح عليها في إدراكه.
يذكر أن كان هناك ملك شديد الذكاء، قام بجولة ليتفقد رعيته، فدخل إلى بستان فرأى حصان معصوب العينين، فلم يفهم لماذا، وكان بعنقه جلجل أي جرس، وكان الحصان يدور ليخرج الماء من بئر، وهذه معروفة، فهذا الملك فكر فقال لصاحب الحصان: لماذا عصبت عينيه ؟ قال له: لئلا يصاب بالدوار، إذاً لماذا وضعت هذا الجلجل في رأسه ؟ قال له: حتى إذا وقف أعرف ذلك، الملك وقف متمئلاً وقال له: فإذا وقف وهز رأسه ؟ فأجابه الفلاح إجابة ذكية جداً: وهل له عقلٌ كعقلك ؟.
أحياناً تنشأ المشكلة بالبيت، تريد أن يكون عقل زوجتك كعقلك، لا هي ليس عقلها كعقلك، فهذه لها عالم آخر، وطالما تريد أن يكون تفكيرها كتفكيرك فلن تنجح معها، فالله قد جهزها تجهيز آخر، تجهيز انفعالي، تجهيز عاطفي، تجهيز رقيق، وأنت أعطاك رجاحة عقل وأعطاك قلب متماسك، وأعطاك نظرة بعيدة، فانظر لما ربنا قال:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)﴾
( سورة الليل )
فما علاقة الذكر والأنثى بالليل إذا تجلى، قال: كيف أن الليل للسكن، لا ترتاح إلا بالليل، لماذا الله جعله سكن ؟ وجعلنا النوم لباسا، وكيف النهار لكسب المال، فكيف أن النهار والليل متناقضان لكنهما متكاملان ؟ وقد تجد الرجل له خصائص تختلف عن المرأة، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
( سورة آل عمران: آية 36 " )
فقد درسنا في الجامعة كتاب لأشهر عالم نفس طفولة اسمه " بياجيه" هذا الكتاب يدرَّس في معظم جامعات العالم، والكتاب ثمنمائة صفحة ملخصه في هذه الآية: وليس الذكر كالأنثى.
القدرات الخاصة عند الأناث، والقدرات الخاصة عند الذكور، الذاكرة، والمحاكمة والقدرة الرياضية، والقدرة اللغوية، والقدرة التنظيمية، والقدرة الإدارية، كلّها عبارة عن إحصاءات دقيقة جداً تنتهي بملخص، أن الذكر ليس كالأنثى، إذاً يجب أن نعلم أن الزوجة لها خصائص، كما أن الليل للسكن، والنهار لكسب المال، كذلك الزوجة والزوج لو اختلفا في الصفات لكنهما متكاملان كالليل والنهار.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:39 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 1 - 5 ) : مقدمة عن ستر العورة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-08
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة عن ستر العورة
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... من فقه الرجل، أن يعلَّم المنطقة الخطرة التي يمكن أن يؤخذ منها، والشيء الثابت، أن من أخطر المناطق في حياة الإنسان، التي يمكن أن يؤخذَّ منها، المال، والنساء، وما استطاع أحدٌ أن ينال من أحدٍ، إلا عن طريق هاتين النقطتين المال، والنساء، لذلك لأنَّ الله جلَّ جلاله، هو الخالق، هو الصانع، هو المصمم، هو الذي جبل الإنسان على كذا وكذا، هو الذي أودع في الإنسان هذه الشهوات، هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
لذلك ترى الآيات، طبعاً مفعول به منصوب بالكسرة نيابةً عن الفتحة، لأنه جمع مؤنثٍ سالم، لذلك ترى الآيات القرآنية، الصفة تتبع المحلّ، وليس اللفظ، كثيرةً في تحذير الإنسان من موضوع كسب المال الحرام، أو اقتراف الإثم الحرام، من هذا المنطلق، نرى في كتب الفقه، أبواباً كثيرةً، تتعلّق بموضوع العورة، وسوف نرى بعد قليل، كيف أن من شأن المؤمن، أن يستر عورته، وكيف أنَّ من شأن الكافر المتفلت، أن يكشف عورته.
دعاني إلى هذا، أنَّ شخصاً قال لي: ابني في البيت، يقوم بالثياب الداخلية أمام إخوته البنات، وأمام أمه، وأمام أبيه، وأمام أولاده، فهذا شيءٌ مخالفٌ مخالفةً صريحةً لتوجيهات النّبي عليه الصلاة والسلام.
فكما عوَّدتكم، وأرجو الله عزَّ وجل أن يوفقني دائماً، إلى أن أضع يدي على الجرح، على الموضوعات الحساسة، التي نحن، في أمسِّ الحاجة إليها، هذا اليوم، يوم الأحد، مخصصٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم، إما أحاديثه، وإما الأحكام الفقهية المستنبطة من أحاديثه، توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.
فموضوع العورة، والترغيب في سترها، والترهيب من كشفها، وفضائل غضّ البصر، ومغبة إطلاق البصر، وعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وعورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى الرجل، أربع موضوعات، لا أعتقد أن واحداً منا، وأنا معكم، لا نحتاج إليها، كلُّنا محتاجون لهذا الموضوع الدقيق الحساس، يبدو أن الإنسان، حينما يتساهل في هذا الموضوع، يحجب عن الله عزَّ وجل، وكشف العورة، أو نظر إلى عورة الإنسان الآخر، مذلة قدمٍ خطيرة، قد تنتهي إلى الزنا.
قلت لكم سابقاً: هناك معاصي، فيها قوة جذب، بمعنى أن الإنسان حينما يخطوا الخطوة الأولى، في الأعم الأغلب، الخطوة الأولى، تقوده إلى الخطوة الأخيرة:
(( نظرةٌ، فسلامٌ، فابتسامٌ، فموعدٌ فلقاء ))

يمكن أن أشبه هذا بصخرةٍ على رأس جبل، تبقى على رأس الجبل إلى أبد الآبدين، فإذا أزحتها عن مكانها، إلى أول المنحدر، خرج الأمر من يدك، هي في قمة الجبل بيدك، أما إذا أزحتها عن قمة الجبل، إلى أول المنحدر، لا بدَّ من أن تصل إلى أعمق ما في الوادي، لهذا، في موضوع النساء، في موضوع كسب المال، ما في حل وسط.
كيف الإنسان أحياناً ينفخ بالون ؟ لو قال: والله حجمه كبيراً عن اللزوم سأحضر دبوس وأثقبه، فقط 2 سم، إذا ثقبه، الهواء كلّه يخرج منه.
فأنا أقول لكم: عندما نفهم الدين فهم علّمي، فهم دقيق، ما في حل وسط الإنسان حينما يختار الحل الوسط، يجد نفسه، ينتقل من الوسط، إلى الطرف السالب، من الوسط، إلى نهاية الوادي، إلى أعمق أعماق الوادي، فأتمنى على الإخوة الكرام أن يعلمون علم اليقين، أن في شخصية المؤمن، نقطتي ضعفٍ خطيرتين، موضوع الكسب الحرام وموضوع النظر الحرام، ما من شابٍ يسلك طريق الإيمان، ثم ينتكس، إما لعلّة النساء، أو لعلّة الكسب الحرام، إما لأن في دخله شبهةً، حجبته عن الله، فانقطعت عنه الموارد وانقطعت عنه التجليات، فرأى الدين عبئاً عليه، عبئاً عليه، وسئم الصلاة والصيام، وسئم مجالس العلم، لأنه محجوب، أي إذا أردت كلَّ شيء من الدين، فاستقم على أمر الله تقطف كلَّ الثمار، وتجني كلَّ الثمرات، وتسعدُ كلَّ السعادة، وإذا زلَّت القدم في موضوع النساء أو موضوع كسب المال الحرام، كان الحجاب، والحجاب، من لوازم الحجاب، أن تؤدَّى العبادات، بشكلٍ أجوف، بشكلٍ لا معنى له، الإنسان يسأم أداء العبادات، ثم يملّ، ثم ينقطع ثم ينجرف، ثم بين عشيةٍ أو ضحاها، يأتيه ملك الموت، ليجد أنه خسر خسارةً كبرى.
العورة في اللّغة، الخلل، والعورة في اللّغة، هي السَّوْأَةُ، والعورة في اللّغة هي كلُّ ما يستحيا منه، الخلل، والسوأة، وكلَّ ما يستحيا منه.
وشرعاً العورة، هي كلَّ ما حرم الله تعالى كشفه، أمام، من لا يحلُّ له النظر إليه.
يوجد عندنا تعريف لغوي، تعريف شرعي، شخص طرق الباب، قال لك: الوالد موجود ؟ أنت دارس لغة، قلت له: والله يا عم، الآن راح، قال لك: سلِّم عليه، أنت صادق، والدك داخل البيت، الآن أتى، قلت: والله يا عم الآن راح، إذا قلت له الآن راح باللّغة معناها، الآن جاء، لأنه غدا ؛ ذهب إلى عملِّه قبل الشمس، وراح ؛ عاد إلى بيته الغدو، والرواح، أنت صادقٌ لغةً، ولكن الذي يقول هذا الكلام، ووالده داخل البيت، كاذبٌ شرعاً، اللغة شيء، والشرع شيء.
لو قال إنسان: والله لا آكل اللحم، لشهرٍ، فإذا أكلَّ السمك، لا يحنث، لأنه اللحم، بالعرف، هو لحم الضأن، الإنسان يقول: والله اليوم أكلنا سمك، لا تقول: أكلنا لحم أكلنا سمك، لكن باللّغة، السمك لحم، فأحياناً، تفترق اللغة عن الشرع، فنحن دائماً بحاجة إلى التعريف اللغوي، والتعريف الشرعي، اللغوي، والشرعي.
كنا من مدة بمولد، فواحد قال: أنا شعرت بوحشة، لا يوجد معي أحد، فقال له: الله معك، ما معنى الله معك، أي انصرف، هذا معناها الاصطلاحي، لكن معناها اللغوي ما فيها شيء الله معك، ناصراً ومؤيداً، أيام إلحقي بأهلك، لغةً ما فيها شيء، لغةً أي اذهبي لعند أهلك، تفضلي زوريهم، مشتاقين لكِ، أمك طلبت مني أن تزوريها، اذهبي إليها، هذا معنى اللغة، لكن إذا نوى الطلاق، إلحقي بأهلك، أي طلقتك، فرقٌ كبير فأحياناً تفترق اللّغة، عن الشرع، لذلك تجد في أكثر الكتب، كتب الفقه، المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي، فالمعنى اللغوي للعورة، الخلل، والسوأة، وكلَّ ما يستحيا منه، والمعنى الشرعي هو كلُّ ما حرَّم الله تعالى كشفه أمام من لا يحلُّ النظر إليه، أما الزوجة، لكّ أن تنظر إليها، بل إن النّبي عليه الصلاة والسلام، حينما وصف المرأة المؤمنة، قال
(( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَلا فِي مَالِهِ ))
( من سنن أحمد: رقم " 9217 " )

وفي رواية للحديث رائعة جداً (( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ))
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ ))
( من سنن النسائي: رقم " 3179 " )
لا يوجد إليها.. أي إن نظرت إلى غرف البيت ورأيتها مرتبة، تشعر بالراحة إن نظرت إلى أولادك، ورأيتهم، بهندامٍ حسن، ونظافةٍ باهرة، تسرُّ، فإما أن تسرَّ بالنظر إليها بالذات، تعتني بشكلِّها وهندامها، وأناقتها، أمام زوجها، بل إن السلَّف الصالح، بل إن النساء الصالحات، كنَّ لا يرتدين الثوب أولَّ مرة، إلا لأزواجهنّ، أما الآن الزوج آخر من يرى الثوب، آخر من يراه.
فالعورة، في اللغة: الخلل، والسوأة، وكلُّ ما يستحيا منه، وشرعاً: هي كلُّ ما حرم الله تعالى كشفه من لا يحل له النظر إليه.
الآن، نقول: هنا في الحدود عورة، أي مكان في خلل، مكان ضعيف، الله جلَّ حلاله، سمى ما حرم علينا إبداؤه عورة، لأنَّ أظاهره أمام الغير، إخلالٌ بالصفة الإنسانية ألم نقل قبل قليل: العورة هي الخلل، فإذا أظهرت ما ينبغي أن يُستر، فقد أختلت عندك الصفة الإنسانية، أي في فطرة، الله عزَّ وجل، جبلنا جبلة، فطرنا فطرة، فإذا أبديت، ما حقَّه الإخفاء، فقد أختلت فطرتك، أصبح يوجد خلل، صار في عدم توازن.
أحياناً الإنسان، يعني ولو أن النساء، متبهرجات، متبذلات، يكشفنَّ ما ينبغي أن يستر، ورأيت امرأةً بينهن، ترتدي ثياباً ساترةً، لخطوط جسمها، ساترةً لمفاتن جسمها تشعرُّ بتقديسٍ لهذه المرأة، هذه الفطرة، قال لي أحدهم مرةً، ولا أظنه ديناً قال لي: والله يا أستاذ حينما أرى امرأةً محجبةً، لا يبدو منها شيء، أشعر بقشعريرة في جسمي، احتراماً لها.
وأنا أقول لكم: لا يمكن لامرأة سترت ما أمرها به الله أن يستر، تحرَّش بها أحد أو طمع بها طامع، أو ضايقها مضايق، أو نال منها رجل، أبداً، أقول لكم مرةً ثانية: المرأة حينما تكشف، عما ينبغي أن يستر، لسان حالها يقول: تعالوا تحرشوا بي، إنني أرتدي هذه الثياب، كي تتحرشوا بي، هذا لسان الحال، يوجد عندنا لسان المقال، وفي لسان الحال، لسان حال المرأة التي تتبذل في ثيابها، كأنها تدعوا الشباب إلى التحرُّش بها، فلذلك حينما أمر الله المؤمنات بالحجاب، قال:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 59 " )
أنهن مؤمنات، حينما تحتجب المرأة، هذا إعلانٌ، وتصريحٌ، وإشارةٌ بليغةٌ لكل من حولها، أنها مؤمنة، ومسلمة:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾

( لا يوجد هذه الآية
بأنهن مسلماتٌ طاهرات، بأنهن محصنات، بأنهن عفيفات.
إذن سُميت العورة عورةً، لأنك إذا كشفتها، أختلت إنسانيتك، أختلت فطرتك.
أنا أذكر قصة، مرة قرأت بمجلّة كلمة، سألوا امرأة، تمتهن التمثيل، ولها سمعة كبيرة، ما شعورك وأنت على خشبة المسرح ؟ هي ليست مسلمة، وليست من أهل الكتاب، لا دينية إطلاقاً، لكن لها فطرة، قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى، تعرض مفاتنها على الناس، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غرفٍ مغلقة هذه إجابة الفطرة، ليست مسلمةً، وليست من أهل الكتاب، لتستمع إلى نصائح السيد المسيح لكنّها تحدثت عن فطرتها، والفطرة صادقة.
في شيء آخر.. سُميت العورة عورةً، لأن كشفها يصيب الأخلاق الاجتماعية بالخلل، صار في اضطراب، طبعاً من فضل الله علينا، أحدنا إذا الله أكرمه بالحج، في مكة والمدينة، ليس هناك امرأةٌ سافرةٌ أبداً، نحن في الشام نغضُّ البصر، والفضل لله عزَّ وجل، ولكن لو جلسنا في مجتمعٍ، الحجاب من نظامه الاجتماعي، والنساء يحتجبن، إما طواعيةً، أو قصراً، أي إذا عشت في مدينةٍ ليس فيها امرأةٌ سافرة، حتى ولا وجهها تشعر براحةٍ لا حدود لها، تشعر بالصفاء، قلما يأتي خاطر نسائي، لذلك المجتمعات، التي فيها فجور، فيها فتن، مجتمعات طبعاً فيها أجر كبير، أحبابي، يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه، كالقابض على الجمر.
يعني المجتمع كلُّه مصاب بالخلل، إذا كشفت العورات، هذه فطرة الإنسان، هذه الفطرة، والعقل يقول بذلك، والنقل يقول بذلك، والواقع يقول بذلك.
في أمريكا، إحصاء قرأته مرة في صحيفة، اعتقد عام، خمسة وستين، كلُّ ثلاثين ثانيةً، ترتكب جريمة قتلٍ، أو سرقةٍ، أو اغتصاب، مرة حدثت إخواننا بهذا الرقم قال: هذا رقم قديم جداً أستاذ، الآن كل ثلاث ثوان، كل ثلاث ثوان، ترتكب جريمة قتلٍ أو سرقةٍ، أو اغتصاب، هذا من كشف العورات، ولو كنت، ضابط في الأمن الجنائي واتطلعت على الجرائم، التي تجري في كل بلد، لوجدت العجب العجاب، لوجدت أن وراء كلَّ جريمةٍ، كشفٌ للعوارت، دائماً كشف العورة، دعوة إلى الزنا.
فمن صفات المؤمن، ستر العورات، ذكوراً وإناثاً، وسُمِي، ما قلنا العورة: هي الخلل، رقم 2، السوأة.
وسميت العورة سوأة، لأن إبداءها أمرٌ سيِّء، يسوء الناس، يسوء المجتمع يسوء الفرد، يسوء، كلَّ ذي فطرةٍ سليمة، الله عزَّ وجل قال:
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)﴾
( سورة المائدة )
اتفقنا الآن، على أن العورة، تطلق على كلِّ شيءٍ، يحرَّم اظاهره، يلحق كاشفها، والناظر إليها، العار، والمذمة، والخلل.
الأصفهاني يقول:
(( العورة، سوأة الإنسان، وهي كناية، وأصلّها من العار، سميت عورة، لأنه من العار أن تظهر ))


أنا حدثني، صديق درس في بلد من البلدان الشرقية، التي كانت ترفع شعار: لا إله، لا يكملون لا إله، قال لي: دخلنا إلى جامعة ضخمة من أضخم الجامعات، دورات المياه، صالات كبيرة جداً، ما فيها جدران، يعني كل صالة، لخمسين أو مئة طالب، بهو كبير كلّه مراحيض، فكلُّ هؤلاء الطلاب، يقضون حاجاتهم، أمام زملائهم، الإنسان حينما تنعدم منه القيم الخلقية، بصبح كالبهيمة، وهكذا العلماء قالوا: (( الإنسان من دون علم، من دون، إيمان، كالبهيمة ))
الآن المعنى الأول:
﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 13 " )
أي فيها خلل، يعني نقطة ضعف، يمكن أن يصل العدو منها:
﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً (13)﴾
( سورة الأحزاب )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾
( سورة النور: آية " 58 " )
يعني شيء، قبيح، قبيح، قبيح، قوة نون، أن يتطلع الابن على ما يكون بين أمه وأبيه، شيء قبيح جداً، فلذلك هذه آداب الإسلام، يجب أن يربَّى الطفل، تربيةً متكررةً حازمةً، مؤدِّبةً أحياناً، في هذه الأوقات الثلاث، لا ينبغي أن يدخل، إلا بعد أن يستأذن.
فواحد قال: يا نبي الله، إنها أمي، أمي هذه، فقال عليه الصلاة والسلام:
((أتحب أن تراها عريانة ))
انتهى الأمر، أتحب أن تراها عريانة ؟ لذلك البيت المسلم، خلع الثياب، له نظام، ثياب الأخت أمام أخيها محتشمة كلمة أخي، ماذا تعني ؟ تعني يجب أن تظهر الأخت أمام أخيها بثياب محتشمة.
نحن في عندنا بهذا الموضوع، ثلاث مستويات، ليس بين الزوجة، وزوجها مانع، الزوجة لحالها بند، أما المحارم، " ليس المناديل يعني "، محارم جمع امرأةٌ محرم أي الأم، والأخت، والابنة، وبنت الابن، وبنت البنت، والعمة، والخالة، المحارم، يجب أن يظهرن، أمام أقاربهن، من حقهم أن ينظروا إليهن، بثياب الخدمة، ثياب الخدمة، يعني الصدر مستور، والعضد مستور، تحت الركبة، هذه هي ثياب الخدمة، أما ثياب شفافة أخت أمام أخوها، هذا شيء مخالف للسنة.
أنا حينما اخترت هذا الموضوع اليوم، لعلمي، بأن بيوتاً إسلاميةً كثيرة، هذه الحقائق لا يعرفونها، في تبذُّل، إذن:

﴿ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)﴾
( سورة النور )
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)﴾
( سورة الأعراف )

إذن اللباس، النبات القطن، القطن، مصمم خصيصاً ليكون ثياباً لك، الصوف مصمم خصيصاً، ليكون ثياباً لك، الكتان، الذي خلق الإنسان، خلق الكتان، الذي خلق الإنسان، خلق الصوف، الذي خلق الإنسان، خلق القطن. ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
( سورة الأعراف: آية " 26 " )
﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾
( سورة طه )
العورة بهذه الآية، ما يجب ستره، لأن في إبدائه فتنةً.
في استنباط لطيف جداً، زينة الإنسان ستر عورته، هل في القرآن الكريم آية تؤكد ذلك ؟ زينة الإنسان ستر عورته ؟ بارك الله بك، الإنسان مكلف في المسجد، التعطُّر واجب، أن يتزين بلباس فخم ؟ لا.. لا.. إذا ارتدى ثياباً نظيفةً ساترةً لعورته، فهذه هي الزينة، حينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
( سورة الأعراف: آية " 31 " )
فالزينة هي ستر العورة.
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾
( سورة الأعراف: آية " 27 " )

انظر إلى الشيطان، ينزع عنهما لباسهما، أبداً البيت الغير المسلم، دائماً، في تكشُّف، تكْشيف للعوارت:

﴿ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)﴾ ( سورة الأعراف )
الفحشاء إذن، الزينة ستر العورة، والفحشاء، كشفُها، طيب الأمر الثابت للشيطان:
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾
( سورة البقرة: آية " 268 " )
قال بعض المفسرون:
(( يأمركم بكشف ما ينبغي أن يستر ))

طبعاً له حجج، ساعة مثل أخوك، ساعة ما في أحد غريب، ساعة ربينا سوى ساعة هكذا نشأنا، ساعة هل ستأكله ؟ سوف يأكلُّها إذا كان شافها ؟ هذه كل الكلمات مفادها في كشف للعورات، والذي أمر بالتستر، وأمر بغض البصر، هو الخبير.
إذا كان عندك كمبيوتر، وصار فيه خلل، تكلف جارك الذي يشتغل بالخضرة لما مهندس الكمبيوتر ؟ تحتاج للخبير، هذا على عيننا ورأسنا، ولكن ليس خبيراً في الكمبيوتر، فأنت أعقد آلة في الكون، يجب أن تسأل الخبير الصانع.
أخطر ما في الأمر، مرة في أحد أدباء مصر، عاصر حركة، قادها مفكِّر في مصر، يدعو إلى السفور، فعمل مقالة أدبية، طلبه للدار الآخرة، وقال له: تعال أنظر ماذا حدث، أنت أمرت بكشف الوجه فقط، تعالى أنظر ماذا حدث، فلما أطلعه على ما يجري في المجتمعات الماجنة، على شواطيء البحار، في دور اللّهو، في الطرقات، قال له: والله أنا ما أردت ذلك، أبلغهم أنني بريء من هذه الدعوة، هو حوار فني أدبي، يعني هو طلب كشف الوجه فقط، كشف الوجه انتقل لكشف الشعر، وكشف الشعر، انتقل لكشف النحر وكشف النحر انتقل لكشف الساق.
فالشيطان دائماً، خطوة، خطوة، خطوة، خطوة، الشيطان ذكي بالمناسبة، لم يأمر امرأةً أن تخلع ثيابها، شوفي طريقك، معمي قلبك مثل الغراب طالعة، هكذا يقول لها أنت كبيرة، لا أحد يتطلع فيك، تكون هي ليست كبيرة، لكن الآن لكي تكشف عن وجهها بتصدق الشيطان بأنها كبيرة........
.... دائماً الشيطان، يأمر الإنسان، خطوةً خطوة، يقول السيد المسيح اتطلّعت على كلمة، في كتاب:
(( أن ليس الشريف، الذي يهرب من الخطيئة، لكن الشريف هو الذي يهرب من أسبابها "))


نحن عندنا قاعدة، أن هذه الشهوة الجنسية، مثل تيار، ثمانية آلاف فولت، من اليمين ست أمتار، هذه منطقة خطرة، تجذب، وست أمتار من اليسار، فوزير الكهرباء العالم، الرحيم، إذا مر تيار ثمانية آلاف فولت، يضع لوحات، ممنوع الاقتراب، وليس ممنوع اللمس، إذا كتب ممنوع اللّمس، واحد قرب، بعد ذلك سحبه التيار، فموته، بهذه الشهوات، في معها قوة جذب، فلذلك لا بدَّ من هامش أمانٍ بينك وبينها، لذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
( سورة البقرة: آية " 187 " )
اسمع الآيات:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾
( سورة النور: آية " 21 " )
خطوة.. خطوة، أول خطوة خلوة، والله يوجد إخوان حدثوني، وأنا أثنيت عليهم والله، يعد المصعد خلوة، لا يطلع مع امرأة بمصعد، يطلع ست، طوابق، أو ينزل على الدرج، إذا كان دخل إلى غرفة، حتى إذا أغلق الباب صار خلوة، النبي الكريم قال:
(( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ ))

لم يقل كافر، لم يقل فاسق، رجل، أي رجل بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما:
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))
( من سنن أحمد: رقم " 109 " )
أنت في البيت بمفردك طرق الباب، صديقة زوجتك، أخت زوجتك، ماذا تفضلي ؟ ما هذه المجاملات الشيطانية ؟ والله ليست هنا، ما حلوة، لا حلوة ونصف، دينك أغلى، ليس هذا مجاملة إطلاقاً ، فقال:
﴿ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)﴾
( سورة النور )

إذن هنا الأمر لا تتبعوا خطوات الشيطان، الأمر الثاني:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
( سورة الأنعام: آية " 151 " )
إذن العورة يجب سترها، فدروسنا القادمة مهمة جداً، ما هي العورة ؟ حدودها بالنسبة للرجل إلى الرجل، للرجل إلى المرأة، من المرأة إلى المرأة، من المرأة إلى الرجل.
(( حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2693 " )
عوراتنا للنساء، رجل مع رجل، لا يوجد أحد، الله أحق أن يستحيا منه.
في حديثٍ آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنا نهينا أن ترى عوراتنا ))

في بالحديث نقطة دقيقة، بالصياغة، إنا نهينا أن ترى عوراتنا؟ فعل ترى، ما إعرابه ؟ فعل مضارع مستمر، وفي شيء ثاني بالمضارع، مبني للمجهول، أي أنت غير قاصد، لو إنسان، كشف عورته، طبعاً آثم، لكن وأنت أثمٌ أيضاً، إذا بدت وأنت لا تدري، إذن يجب من الاحتياط.
(( إنا نهينا أن ترى عوراتنا ))

هذا يذكرني بحديث:
((...مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))
( صحيح البخاري: رقم " 107 " )
يقول لك: والله أنا ليس قاصد، هذا الحديث قرأته وأتكلم به، نقول له: في حديث آخر:
((عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2586 " )
لو لم تكن قاصد، لذلك أهم شيء، أن عملك لا يقبل عند الله، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
(( بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ "))
( من سنن مسلم: رقم " 512 " ورواه أبو داود والترمذي )
وقوله: لا يفضي، أي لا يلصق جسده بجسده، أي أن تلامس البشرة البشرةَ بين رجلين، أو امرأتين، هذا منهي عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام.
وكان صلى الله عليه وسلم، يرى أن ستر العورة، من ثمرات الإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر، ولذلك، شَرَط ستر العورة، لمن أراد الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام، أنظر أيام هذا الربط خطير جداً:
(( عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ إِلا بِمِئْزَرٍ ))
( سنن النسائي: رقم " 398 " )
ستر العورة، من صفات المؤمن، هذا يفهم منه، المعنى المخالف، من تبذَّل في كشف عورته، فكأنما نُزِعَ منه الإيمان.
أخرج عبد الرزاق بن جريج، قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج فإذا هو بأجيرٍ له يغتسل عارياً.
إذا الإنسان اغتسل بالأكمل، يغتسل بالثياب الداخلية، بعد ذلك يعصرها وينشرها، بعد ذلك يغسلوها.
فقال النبي الكريم:
(( لا أراك تستحي من ربك، خذ إجارتك، لا حاجة لنا بك ))
فهمكم كفاية.
((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ))
( مسند أحمد: رقم " 21695 " ورواه ابن حبان فيصحيحه)
بالمناسبة الحديث المشهور:
(( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ))
ولكن له تتمة، وتتمته:
((.... فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
( صحيح مسلم: رقم " 4802 " ، ورواه البخاري وأبو داود والنسائي )
وفي روايةً لمسلم وأبي داوود:
((" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ " ))
( سنن أبي داوود: رقم " 1840 " )
((لرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
( صحيح مسلم: رقم " 4802 " )
(( ورواه البخاري وأبو داود والنسائي ))

وفي روايةً لمسلم وأبي داوود:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ ))
( سنن أبي داوود: رقم " 1840 " )
(( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي ))
( من مسند أحمد رقم " 3717 " )
والإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مطمع، أي إن إبليس طلاعٌ رصَّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء، فاتقوا الله واتقوا النساء.
في حديث معروف عندكم جميعاً فذكر إن الذكر ينفع المؤمنين "
(( النظرة سهمٌ مسموم.... ))
لماذا قال النبي: سهمٌ مسموم ؟ لأن السهم إذا أصاب الجسم، أصاب موضع معين، لكن السهم المسموم، يجري السم، في كل أنحاء الجسم، وهذا كلام والله، دقيق جداً، الإنسان إذا أطلق بصره في الحرام، بيفسد بيته، بيفسد عمله، بتفسد دراسته، بتفسد تجارته، يسري السم في كلِّ نواحي حياته، لهذا:
(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه "))


سؤال: الله عزَّ وجل أمرنا بخمس صلوات لماذا ؟ كي نبقى مع الله دائماً، وكأن الصلوات الخمس، كما وصف النبي ذلك، نهر، يغتسل منه الرجل في اليوم خمس مرات ترى أيبقى عليه من درن قالوا ؟ لا.... ((" قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ))
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ))
( صحيح البخاري: رقم " 497 " )
شيء جميل، هل يوجد عندنا صلوات بين الصلوات، هنا السؤال؟
أردت أن أنت صليت الصبح، والظهر صليته، وانطلقت لعملك، كل امرأة تراها وتغض بصرك عنها، سببٌ لإقبالك على الله، فكأنما المرأة التي في الطريق ثمرة غض بصرك عنها، أنك تتصل بالله، فصار الصلوات الخمس مناسبة للاتصال بالله، وكل غض بصرٍ عن امرأة أجنبيةٍ لا تحل لك، مناسبةٌ أو حافزٌ، أو مدعاةٌ، لإقبالك على الله عزَّ وجل.
بالمناسبة غض ليس في الأرض كلها، لا في شرقها، ولا في غربها، والآن في دول الشمال ودول الجنوب، والآن دول الشمال غنية جداً، دول الجنوب فقيرة جداً، فإذا قلنا هذه من دول الشمال، يعني دولة غنية، لا في شرق الأرض، ولا في غربها، ولا في شمالها، ولا في جنوبها، دولةً في قوانينها أمرٌ بغض البصر، وهذه حكمةٌ أرادها الله عزَّوجل.
إنك إن غضضت بصرك عن محارم الله، لا ترجو لا ثواباً ولا عقاباً، لكن ترجو أن يرضى الله عنك، فكأن غض البصر عبادة الإخلاص، يعني الواحد يقدر أن يتطلع ولا أحد يحس فيه، كثير يوجد مناسبات، جالس ببيتك والنافذة مفتوحة، البيت الذي أمامك انفتحت النافذة وطلت امرأة، ما في إنسان بالأرض يكشفك، إلا الله، لذلك، يعلم خائنة الأعين، هو وحده يعلم خائنة الأعين، فإذا غضضت البصر هذا يعبِّر على أن الله يراك إيمانك أن الله يراك، وطموحك أن يرضى الله عنك.
لكن بالمناسبة، لا تظنوا الدين غض بصر فقط، هذا فهم، الدين مئة ألف بند أحد هذه البنود غض البصر، لكن إذا الإنسان، ظن الدين فقط غض البصر، غض بصره وأكل مال حرام، غض بصره واغتاب الناس، غض بصره وكان ذو وجهين ولسانين الدين مئة ألف بند، من باب التقريب يعني، أحد هذه البنود غضُّ البصر.
الآن، النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ من أحاديث الزواجر، يقول:
(( لعن الله الناظر والمنظور إليه ))


الناظر ملعون مفهوم، المنظور إليه، لولا أنها كشفت عورتها، لما نظر الرجال إليها، الآن أنا أقول لكم نقطة دقيقة حكيتها الدرس الماضي، أن واحد سارق، كم إثمه عند الله ؟ كبير جداً، والله الذي لا إله إلا هو، الذي يهمل ماله، ويغري الناس بأكله، الذي لا يضبط أموره، الذي لا يسجِّل، الذي لا يكتب العقد، الذي لا يفعل أشياء موثَّقة، بتساهله وتسييب أموه، أغرى الناس بماله، فأكلوه، والله الذي لا إله إلا هو، ليس الذي أكل المال غصباً، بأكثر إثماً، من الذي أغراه به، العوام: (( يقولون المال الداشر يعلم الحرامي السرقة ))
فكل إنسان يسيِّب أموره، ومن صفات الفاسق، أن أمره، وكان أمره فرطا أموره سائبة، تسييب أموره، قال لي مرة رجل عنده، معمل مفروشات، قال لي: ما كنت أربح، بيع كثير ولكن لا يوجد ربح، بعد ذلك اكشف، يطلب مثلاً، خمسة ألاف متر وجه كنبات، يحضرونهم بشاحنة، يقول له ضعهم بالمستودع، هذا انتبه السائق أنه لم يعد تسجيل لا يوجد، أول مرة وضعهم، ثاني مرة، أخذ توبين، المرة الثالثة، أخذ خمس أتواب مرة سلب نصف الكمية، فإذا الإنسان لم يستلم البضاعة، وسجلها، وقت ما بتستلم، يكون هذا الشاب، الذي هو موظف عند البائع، آدمي، بس رآك لم تستلم منه بضاعة، ولا عديتها وأين الفاتورة، وأين المتراج، وأين التواب، حطهم في المستودع، والله ممكن أخذ توب أو توبين، فهذا الذي قال له: ضعهم في المستودع ولم يستلمهم منه، هو الذي أغرى هذا الشاب المستقيم بالانحراف، إذن في صحيفة كل إنسان، يسيب ماله.
الآن قيسوا عليها المرأة المتبذلة، النساء الكاشفات المتبذلات، الكافرات، يعني يتفلسفن بأنهن شريفات، لا يقدر إنسان أن يتكلم معهم كلمة، حينما خرجت هذه الفتاة، بشكلٍ متبذِّل، ليست شريفة، ألف مرة، لأن لسان حالها، يدعو الناس إلى النظر إليها.
(( لعن الله الناظر والمنظور إليه ))

إذن المرأة التي، بالمناسبة، سمعت قصة من يومين تركت في نفسي أثراً امرأة، على جانب من الجمال، زوجها ليس منضبطاً، وليس ملتزماً، أطلق لها العِنان العَنان، أم العِنان ؟ العِنان، والعَنان هو السحاب، إذن العِنان، بالكسر، العِنان الزمام والعَنان، بلغت الأصوات عَنان السماء، أطلق زوجها لها العِنان، فانطلقت، متبذلة، في ثيابها الفاضحة، وعاشت كما يقول الجهلة والفسَّاق، عاشت وقتها، عاشت شبابها، عاشت تألُّقها، الحبل مرخى، نحن في عندنا اصطلاح بيننا، الحبل مرخى، بينشد الحبل، أصيبت بمرضٍ، خطيرٍ، في العضو التي كانت تُكثر من كشفه للأجانب، لن نسميه باسمه، ترفعاً هذا العضو، صار يحتاج عملية جراحية في دولة أجنبية، العملية كلفت مليونين ليرة وعادت من هذا البلد الأجنبي، بوضع غير مريح، هي في البيت تمشي فجأةً، وقعت، لم تستخدم العكازة، وقعت، فهذا العظم، الذي صنِّع من الإستانلس، والمرمر، وأدخل في عظم الحرقف، تماماً، في بلد أجنبي وكلفت العملية مليونين، خرج من مكانه، وبرز من الَّحم، فبقيت أربع ساعات، تصيح صياحاً، لم يبق في البناء كله، إنسان إلا ونزل ليرى ماذا حدث، اتصلوا بالطبيب الأجنبي، عن طريق التلكس، قال: أي طبيب يتدخل أنا لست مكلفاً بإجراء العملية الثانية، القصة طويلة جداً، ليس هذا هو المغزى، المغزى أنها بعد هذه العملية الجراحية، وهذه الآلام المبرِّحة، تابت إلى الله، وتحجبت، وتسترت، وبدأت تحفظ كتاب الله.
قالت هذه المرأة لصديقتها: سأقول لكم باللَّغة العامية، قالت لها: " والله أد ما الله فعل بي قليل "، العضو التي كانت تكثر من كشفه أمام الأجانب، هو الذي تلف، وهو الذي أذاقها الله به آلاماً مبرِّحة، لذلك أنا أتمنى على كل إخوتنا، أن هذا الحبل، انظر للحبل، لا تنظر إليه مرخي، الحبل بينشد بلحظة واحدة، فإذا أنت في قبضة الله عزَّ وجل.
أنا بصراحة أقول لكم، لا أقبل من أخ مؤمن يقول: والله يا أخي، هكذا تريد زوجتي، ماذا أفعل لها.
هذه والله صعبة أن أقبلها منه، أين جهدك، أين الله جعلك قيِّم على أهل بيتك أين إقناعك، أين إحسانك، أين حزمك، فأنا، أتساهل بكل شيء، إلا بهذا الموضوع الرجال المومن، يعني أمور الدنيا يتساهل فيها، ليس شديداً، إلا في حدود الله إذا انتهكت فهو شديد جداً، في أمور أخرى ليس شديداً، أما إذا انتهكت حدود الله عزَّ وجل، فتقول: والله ماذا نفعل، والله لا يعجبونني. خير إنشاء الله، فقط لم يعجبونك، وأنت مؤمن.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة ))
كل عينٍ
(( كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ))
اسأل نفسك هذا السؤال، ولو كان محرج، في مرة بكيت خشوع لله عزَّ وجل في مرة واحدة، انهمرت الدموع، إما شوقاً، أو خوفاً، أو رجاءاً، أو ندماً، أو حباً، قال:
((كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ))


في حديث آخر: (( ثلاثة لا ترى أعينهم النار، عينٌ حرست في سبيل الله، وعينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ كفَّت عن محارم الله ))

الآن الناس، ماذا يظنون ؟ أن أخي الخمر، أعوذ بالله، أنا لا أشرب والله، " محلاك " تشرب كمان، أنا لم أأكل مال حرام، أنا، يحسب أنه عظيم من ترك الكبائر، من قال لك: إن الصغائر لا تنقلب إلى كبائر إذا أصررت عليها، من قال لك ذلك ؟ الصغائر، إذا أصررت عليها، تنقلب إلى كبائر، أبداً، اسمعوا الحديث روى الإمام أحمد:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا ))
( مسند أحمد: رقم " 3627 " )
مرة ضربت مثل تعرفونه أنتم: طريق اتوستراد مستقيم، عريض، ستين متر يقول لك شارع الستين بمكة، ما معنى شارع الستين ؟ يعني عرضه ستين متر، طريق مستقيم طويل عرضه ستين متر، على يمينه وادي سحيق، أنت راكب سيارة، هذا المقود انحرفت تسعين درجة فجأةً، هذه كبيرة، " رأسا سلتنا في الوادي " أما إن حرفت سانتى على اليمين، ولم تتراجع، وثبتت السانتي، بعد مئتي متر بالوادي، أين النتيجة ؟ بالوادي، إن كان الانحراف تسعين درجة، أو سانتي واحد أو درجة واحدة، لكن الدرجة لو استمرت بالوادي، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
((لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار ))
أبداً:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار ))
و

((.. إيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ...))

مصافحة، وإطلاق بصر، وسماع غناء، واختلاط، صفرة واحدة غير معقول نجعلها صفرتين، فقط، هذه المشكلة، وظانن نفسه لم يفعل شيء.
إنشاء الله الدرس القادم، نتحدَّث في صلب الموضوع، عن عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وبعدها عورة الرجل بالنسبة للمرأة، وبعدها، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، واخيراً عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:41 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 2 - 5 ) : عورة الرجل بالنسبة للرجل .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-15
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
عورة الرجل بالنسبة للرجل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي، في موضوعٍ، أظن أننا في حاجةٍ ماسةٍ إليه، ولا أنطلق في اختيار الموضوعات إلا من الواقع، حينما أرى عدم انضباط في موضوعٍ، جاء به حكمٌ شرعيٌ واحد، أجد نفسي مضطراً أن أبين الحكم الشرع في هذا الموضوع.
بادئ ذي بدء، يمكن أن نقول: إن من لوازم المؤمن، المؤمن له صفات كثيرة لكن في صفات أساسية، قلت لكم في درس سابق: إن من صفات المؤمن الأساسية، أن حياته مبنية على العطاء، بينما حياة غير المؤمن، مبنية على الأخذ، وهناك مشعرٌ دقيق ما الذي يسعدك أن تعطي، أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي، فأنت من أهل الآخرة وإن كان يسعدك أن تأخذ، فأنت من أهل الدنيا، لذلك أهل الإيمان، أهل الله، الذين ينتظرهم عطاءٌ كبير في الآخرة، يسعدهم العطاء، بنوا حياتهم على العطاء، لا على الأخذ، لذلك كان الأنبياء، في هذا الموضوع قمماً، كانوا قمماً، أعطوا ولم يأخذوا، أعطوا كل شيء حياتهم كلها عطاء بعطاء.
من لوازم المؤمن، من سماته الأساسية، التستُر، بينما غير المؤمن، التعري سمة أساسية، في بيته، في عمله، في لهوه، في مناسباته ، في نزهاته، حياة المؤمن حتى في بيته، حتى في شرفاته، غير المؤمن متبذِّل، لا يبالي، ما ظهر من أعضائه، لذلك كان موضوع العورة، موضوعاً دقيقاً جداً، إذن يجب أن يبقى في ذهنكم، أن من صفات المؤمن الأساسية، التستُر.
لكن قد يسأل سائل، يعني، ما حكمة ذلك ؟ قبل أن أخوض في الحكمة، لي تعليقٌ دقيقٌ جداً، أنت كلما أردت أن تقدم على تنفيذ أمر لله عزَّ وجل، إن سألت عن الحكمة ما الذي يحصل، أن المؤمن، يستوي مع غير المؤمن، المؤمن الصادق، إذا ثبت له، إن هذا أمر الله عزَّ وجل، وأن هذا أمر نبيه، بادر إلى التطبيق، من دون أن يسأل عن الحكمة لكن الله جلَّ جلاله، يكرمه بعد التطبيق، وبعد الانصياع للأمر، بكشف الحكمة.
نحن في حياتنا دائماً، يوجد شخص أعلم منا، وشخص في مستوانا، وشخص أدنى منا، لا يسأل عن الحكمة إلا المساوي، فإذا أمرت من هو أدنى منك بأمر، أنت لست مطالباً أن تبيِّن له الحكمة، وإذا أمرت بأمر، أنت لا تستطيع أن تسأله عن الحكمة، لكن إذا قال لك زميلك، الذي من سنك، وفي مستواك، وفي مرتبتك، أو شريكك في العمل: افعل. تقول له: لماذا ؟ كلمة لماذا، من يقولها، المساوي، أما الأدنى، ليس من حقه أن يسأل هذا السؤال، عليك أن تنفِّذ فقط، ومع ذلك فالله جلَّ جلاله في آيات كثيرة، تحبباً إلينا وتكريماً لنا، ورفعاً لشأننا، أعطانا الأمر مع حكمته، أعطى الأمر مع حكمته.
إذن أنا كمؤمن، مهمتي أن أتحقق من أمر الله عزَّ وجل، فإن ثبت لي أن هذا أمر الله بنص الكتاب، وبنص السنة، ما علي إلا أن أبادر إلى التطبيق، أما إن سألت عن الحكمة، فهذا من قبيل أنني إذا عرفت الحكمة، ربما نقلت هذا الأمر للناس، فاستطعت أن أقنعهم بتطبيق هذا الشرع، لا من باب إنني لا أطبِّق حتى أعرف الحكمة، هذا ليس وارداً إطلاقاً.
لكن أحياناً وهذا من باب التمثيل، أحياناً الأب، في ذهنه أشياء كثيرة، لما ينتظر ابنه في المستقبل، يقول له: يا بني أدرس، ابنه صغير في الصف الابتدائي، في الصف الخامس، كيف سيقنعه أن الحياة سوف تكون معقدة جداً، ولا مكان إلا للمتعلم، والمتعلم يملك رأس مال ثابت، هناك تعليلات كثيرة، قد لا يملك فهمها هذا الطفل، لذلك قد يعطيه حكمةً في مستوى سنه، يقول له يا بني أدرس، فإن درست، فلك مني جائزة، هو الأب في ذهنه أهداف كبيرة جداً وبعيدة جداً، يريد من ابنه أن يكون إنساناً متميزاً، متفوقاً، متكيفاً مع الحياة في مستقبلها.
فنحن قبل أن نبحث عن الحكمة، الحكمة إن سألتها تأدباً، من أجل أن تعلم الآخرين لا مانع، لكن ليس من حقك كمؤمن جاءك أمرٌ من خالقك، أن تعلِّق التطبيق على الحكمة، هذا ليس من صفات المؤمن، وأن فعلت هذا، استوى المؤمن وغير المؤمن.
الشيء الثاني، هذا الشيء قادني إلى مثل، ضربته من فترة طويلة، إنه إذا أنت عندك محطة وقود، ويوجد فيه مكان لإعلان، كم إعلان ممكن أن تعلن بهذا المكان، ويوجد عندك فراغ أبيض في مدخل المحطة، يصلح لإعلان، أو لتنبيه، أو لتحذير، ممكن أن تقول: يرجى أن تقف بالدور، ممكن، ممكن أن تقول: حافظ على نظافة المحطة، لكن يجب أن تنتقي أخطر شيء في هذه المحطة، أطفيء المحرِّك، إذا كان في بخار بنزين، أو ممنوع التدخين مثلاً، تختار إعلان مصيري، ممكن تكتب مئة إعلان، لا يقدِّم ولا يؤخر.
فأنت يجب أن تؤمن أن الشيء إذا ذكره الله في القرآن، فهو خطيرٌ جداً، القرآن سكت عن مليون قضية، القرآن سكت عن مئة مليون قضية، الموضوعات التي عالجها التي بيَّن فيها حُكماً، التي أمر فيها أو نهى فيها، يجب أن تؤمن إن هذه موضوعات خطيرة بل هي موضوعاتٌ مصيرية، بل ممكن أن يهلك الإنسان إذا خالفها، كما أنه من الممكن أن أكتب في هذا المكان، ألف إعلان وإعلان، وألف تنبيه وتنبيه، وألف تحذير وتحذير، لكن أخطر تحذير، أن هذه المحطة لو جاءتها شرارة، لالتهبت كلها، إذن ممنوع التدخين أطفيء المحرك، هذا إعلان مصيري.
إذن أنت أمام شرع، في أمر، وفي نهي، وفي سنة، وفي شيء سكت عنه الشرع.
الذي أمر به، تتوقف عليه سعادتك، والذي نهى عنه أساسه الهلاك، هذا الإيمان الذي أمر به تتوقف عليه سعادتك، والذي نهى عنه طريق الهلاك، في الدنيا والآخرة والذي جاء به النبي، من سنةٍ عليه الصلاة والسلام، هذا من قبيل، يعني تكميل الفرض، والذي نهى عنه النبي، بمستوى الكراهية، هذا من قبيل الابتعاد عن المحرَّم، أما الذي سكت عنه الشرع، ففي الذي سكت عنه الشرع، حكمةٌ بالغةٌ بالغة لا تقل عن حكمة الذي أمر به أو نهى عنه.
النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحية، نهانا عن كشف العورة، والقرآن الكريم، في آيات كثيرة جداً.
إذن ربما كان كشف العورة طريقاً إلى الزنا، وربما كان الزنا طريقا للبعد عن الله عزَّ وجل، وربما كان البعد عن الله عزَّ وجل هلاكٌ محققٌ للإنسان.
إذن لما القرآن الكريم، يشير بآيات كثيرة، ذكرتها في الدرس الماضي، إلى وجوب ستر العورة، فهذا شيء مهلك، كشف العورة مهلكاً، وإذا أردت على هذا برهاناً الذي يجري في مجتمعات أهل الدنيا، في المسابح، في سواحل البحر، في المتنزهات، في الفنادق، في الحفلات، في المناسبات التي يخرج بها الإنسان عن حدود الانضباط، ماذا يجري هناك ؟
يعني أنا أعرف، أخ كريم ذكر لي، أسرتان، ذهبتا إلى الساحل، نزهة في الصيف، يبدو من تكشُّف النساء أمام رجالٍ، لا يحل لهم أن يرونهم، عادت الأسرتان إلى الشام، أحد الأزواج طلَّق زوجته، وتزوج التي كانت معه في النزهة، وعندها سبعة أولاد هذا كشف العورة، فليست قضية سهلة، الدين كله عورات ووضوء، وحيض، ونفاس يا أخي، هذا الدين، الدين يعالج أخطر قضية.
يجب أن تؤمن أيها الأخ الكريم، أن أوامر الشرع، ليست حداً لحريتك، ولكنها ضماناتٌ لسلامتك، تماماً، كما لو كنت في حقل، ورأيت لوحةً، بلونٍ صارخ، ممنوع الاقتراب، حقل ألغام، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ لا والله، أشعر بامتنان هل هذه اللوحة تحد من حريتي ؟ لا والله، تضمن لي سلامتي.
إن فهمت النواهي في الدين، كهذه اللوحة، فأنت مؤمن، أنت فقيه صرت، أما إن رأيت أوامر الدين ونواهيه، عبء، يا أخي الدين ثقيل، الإنسان من دون تدين، يقول لك: أريح، يتحرَّك حركة طبيعية، هذه حرام، وهذه حرام، وهنا غض بصرك، وهنا ممنوع أن تمشي، طبعاً هذا ضيق الأفق.
لما حينما نرى، أن كلام الله عزَّ وجل، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، تشير إلى موضوع، يجب أن تؤمن بادئ ذي بدء، أن هذا الموضوع خطير، أن هذا الموضوع يمكن أن ينتهي، إلى هلاك.
لا أريد أن أذكر لكم، قصص تناهت إلى سمعي، بحكم عمل في الدعوة إلى الله لا تصدق، يعني مثلاً، مثل بسيط أذكره لكم، إنسان ساكن في الشام، بحكم عمله، له أخيين، من خارج دمشق، فسكنا معه ليدرسا في دمشق، طبعاً في بالبيت زوجة أخيهما يقول أحد هذين الأخيين الزائرين، لأستاذٍ له، هو زميلٌ لي، قال له: يا أستاذ لأخي أولادٌ ثلاثة، منه ولد، ومني ولد، ومن أخي الثاني ولد.
إذا واحد يريد أن يقول: لا تعقدوها، لا تدققوا، هذا الشرع، أنا عندي مثل هذه القصة مئات، كل شيء الله حرمه، كل شيء الله نهى عنه، معناها في أخطار كبيرة جداً ولا أريد أن أدخل في تفاصيل، لا يليق بهذا المجلس أن تذكر، لكن الشيء الذي حرَّمه الله يجب أن تعلم، أن الذي حرم، هو الخالق، أن الذي حرم، هو الصنع، أن الذي حرم هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
فيجب أن تؤمن أن أكثر حالات الانحراف، والزنا، وما شاكل الزنا، من انحرافاتٍ خلقية، أساسها كشف العورات، أساسها التبذل، أساسها عدم التقيُّد بالشرع.
عظمة هذا الذين أنه إحطات من أول الطريق، الصخرة وضعها في مكانٍ أمين لكن بعد أن تنطلق في المنحدر، ليبقى هذا المثل في ذهنك، بعد أن تنطلق في المنحدر، لا بد من أن تصل إلى قاع الوادي، إذا تساهلنا في البدايات، نصل إلى النهايات.
إذن أول فكرة، المؤمن، من سماته الأساسية، التستر، في بيته، في شرفات بيته، في ثيابه في البيت، في ثيابه في النزهات، حتى إذا أراد أن يسبح له ثياب خاصة هذا مؤمن، من نوع ثياب السباحة، هذا مؤمن، هذا مؤمن يسبح يستر عورته.
فالتكشف، من صفات غير المؤمن، هو الحقيقة التكشف عودة للجاهلية، عودة إلى مستوى البهائم.
وإن من البهائم أشدَّ حياءً من الإنسان، معروف، إلا الخنزير طبعاً، يقول لك: فلان مخنزر، أي يشبه في أخلاقه أخلاق الخنزير.
الآن درسنا اليوم.. عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، أولاً، تأكدوا إنك إذا طبقت السنّة في البدايات، ما وصلّت إلى مناطق خطرة أبداً، كل منطقة خطرة لها بداية الإسلام أغلق عليك الطريق منذ البداية، خلاص، الإنسان غير الدين، البدايات مفتوحة يجد الباب مفتوح يدخل فيه،، بعد هذا يجد الطريق، زلق، لا يتمكن أن يقف، إلى أن يصل إلى آخر الطريق، إذن الإسلام، أغلق الأخطار من بداياتها التي تبدو كأنها طبيعية، من هنا أغلقها.
عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، قال: إما أن يكون الرجل قريباً كالأب، والابن والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت، والعم، والخال، وغيرهم، هذه قربات، وإما أن يكون أجنبياً، ليس بقريب، على كلٍ موضوع العورة في هذا، يستوي فيه القريب وغير القريب ينظر الرجل، من الرجل، سواءٌ أكان قريباً، أو أجنبياً، ومن غلامٍ بلغ حدَّ الشهوة، بأن صار مراهقاً، سوى ما بين سرته إلى ما تحت الركبة، إن تيقَّن عدم الشهوة، وإلا فلا، هذا الحكم الأولاني، أي رجل لرجل، أب لابن، ابن لأب، أخ لأخ، أخ لأبن أخ، أخ لابن أخت، ابن أخت لعم، لخال، هذه هي القرابة، أو شخص غريب، غريبٌ، أو قريب، لا يحلُّ لك أن تنظر إلى رجلٍ مثلك، في ما دون السرة، وما فوق الركبة.
إذن السباحة، مع أناس يرتدون القصير، لو أنك ترتدي الطويل، في مخالفة شرعية، أنت ناظر، لو نظر إليك أحدٌ لا يرى منك شيئاً، أنت لابس طويل، لكن الذي يرتدي القصير، ما تفعل به ؟
النبي عليه الصلاة والسلام، فيما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:
(( ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرتين من العورة ))

أدخل فرك لي ظهري الله يرضى عليك، ما في هذا التبذل، لو كان ابن لأبوه أو أب لأبنه، أو أخ لأخوه، لا يجوز أن يرى الرجل، من الرجل، ولو كان غلاماً بلغ حد الشهوة، أي بلغ، معنى بلغ بالمناسبة، يوجد عندنا حالتين، إما سناً، أو علامةً، السن خمسة عشر، لو أنه بلغ، يعني خرج منه ماء الرجال في الثانية عشر، فقد بلغ، أيهما أقل ؟ إما على أساس السن، أو على أساس العلامة، إذن من السرة، إلى ما تحت الركبة، من العورة، فالإنسان ينتبه.
حديث آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة ))

حديث ثالث:
(( ما بين السرة والركبة عورة ))

الفخذ من العورة، لذلك قال عليه الصلاة السلام:
(( عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلا تَنْظُرَنَّ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلا مَيِّتٍ ))
( سنن أبي داود: رقم " 2732 " )
هذا توجيه.
(( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ ))
( مسند أحمد: رقم " 21457 " )
مر عليه الصلاة والسلام برجل وفخذه مكشوفة، قال:
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَفَخِذُهُ خَارِجَةٌ فَقَالَ غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ مِنْ عَوْرَتِهِ ))
( مسند أحمد: رقم " 2363 " )

ثلاث أحاديث، وثلاثة، ما بين السرة إلى الركبة عورة، حديثٌ رابع: (( أَخْبَرَنِي ابْنُ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَوْرَةِ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2720 " )
حديثًٌ خامس:
((الركبة من العورة ))

اليوم درسنا الرجل للرجل فقط.
هذا الموضوع يمس الحمام، مسبح، خلع الثياب أثناء ارتداء الثياب، الاغتسال في البيت، خارج البيت، في الرياضة، في الركض، في السباحة، لا تنظر، ولا تدع أحداً ينظر إليك، ولا تُطع أحداً في معصية ربك، هذا الطريق من أوله.
لكن، الطبيب وحده، له أن ينظر إلى مكانٍ محرمٍ إظهاره، والطبيب المسلم ينظر بالقدر الذي يُسْمَح.
طبعاً الركبة حرمة إظهارها، أخف من حرمة إظهار الفخذ، وحرمة الفخذ أقل من إظهار السوأتين، يعني أيضاً يوجد تدرُّج، لكن العورة من السرة وحتى السرة.
العلماء قالوا: كاشف الركبة ينكر عليه برفق، وكاشف الفخذ يعنَّف، وكاشف السوأة يؤدَّب، واحد يلفت نظره برفق، والثاني يُعَنَّف، والثالث، يؤدَّب، يعني قد يضرب.
وما يباح النظر إليه يباح مسه، إذا واحد رجل أمسكته من يده، المكان الذي يباح النظر إليه، يباح مسه، والمكان الذي لا يباح النظر إليه، لا يباح مسه، لا فوق الثياب ولا تحت الثياب.
يكره تحريماً، للرجل أن يُمَكِّن رجلاً، من تنظيفه بالكيس والِّلف، ما بين سرته وركبته، يكره تحريماً، هذه أحكام الشرع في هذا الموضوع.
في قول للإمام مالك، يغني أحياناً، يحدث تعلُّق، بحكم دون أن يفقه الناس حقيقة الحكم، يعتقد بعضهم، أن الإمام مالك، أجاز النظر إلى الفخذ، حقيقة الأمر، أن الإمام مالك من بين العلماء، قسَّم العورة إلى عورة مغلَّظة، وعورة مخففة، ويرى الإمام مالك أنه من كشف عورته المغلَّظة، عليه أن يعيد الصلاة، والتي قبلها، يعني أية صلاةٍ صلاَّها وعورته المغلَّظة مكشوفة، عليه أن يعيدها، أما إذا كشف عورته المخففة، وهي الركبة وجزء من الفخذ، هذه يعيد الصلاة الوقتية فقط.
إذن الإمام مالك ما خرج عن إجماع العلماء، العلماء بأكملهم، وجميعهم، قالوا: أن الفخذ عورة، لكن الإمام مالك فصَّل، بين عورةٍ مغلظةٍ، وعورةٍ مخففة، العورة المغلظة لو كشفت، عليه أن يعيد كل صلاةٍ صلاَّها وقد كشف عورته المغلظة، طبعاً بالمناسبة كاشف العورة المغلظة، يستوي في كشفها إن كان عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً، عليه أن يعيد الصلاة كلَّها، إن كان جاهلاً، أو ناسياً، أو عامداً، في أحكام الفقه، سواء.
هذه الأحكام، الإنسان لما بتكون حياته، بهذه الانضباط، عايش في برّ الأمان عايش في راحة نفسية، أما إذا فتح على نفسه هذه الأبواب ربما ساقته إلى ما لا تحمد عقباه.
حكم النظر، يوجد عندنا نقطة دقيقة، إنه إذا كان في فتنة، أيُّ شيءٍ يجب ستره يعني نأخذ مئة شخص، التسعين شخص من المئة أسوياء، طبيعين، أما إذا كان في بالمئة عشرة شاذيين، لا ينبغي أن يرى من الرجل، لا ما بين السرة إلى الركبة، ولا فوق ولا تحت، إذا في إنسان مريض، شاذ، منحرف الأخلاق، تخشى معه الفتنة، كلُّ شيءٍ يصبح عورةً، في حالات، في أشخاص غير طبيعين، مثلُّ هؤلاء، هذه الأحكام ليست لهم، هذه الأحكام للأسوياء، أما إذا إنسان ممكن أن تحدث فتنة، إذا رأى رجل أو شاب مثلاً، إذا رأى ما فوق سرته، إن حصلت فتنة، فيجب أن نمنع هذا، بالمناسبة، إذن موضوعنا للأسوياء لعامة المؤمنين، أما أحياناً يكون بعصر من العصور، هذه النواحي هذه آخذة حيِّز كبير بحياة الناس، طبيعة الحياة الحديثة، طبيعة الإعلانات، طبيعة الطرقات، تعمل مشاعر استثنائية..........
..... يعني أهل الدنيا، أهل الكفر، والفجور، استخدموا المرأة في كلِّ شيء حتى في الإعلان عن أتفه البضاعات، علبة بوية، عليها صورة امرأة، هكذا، الإعلان عن كل شيء، أساسه المرأة، وكأنها سلعة، فلذلك في هذا العصر، عصر تيقُّظ الشهوات عصر الشهوات اليقظة، عصر الفتن، هذا العصر، من لوازمه، أن هذه النواحي تبرز، في حياة الإنسان، لذلك الفتنة الآن قائمة، كل شيء سمح به العلماء، في الأيام الطبيعية، مع الأشخاص الأسوياء، الآن في حرج، فلذلك موضوع الفتنة، موضوعٌ يلغي كلَّ هذه الأحكام ويجعلك تنظر نظرةٌ أخرى للأمور.
ما هي الفتنة، بعد الضبط ؟ لو أن إنسان عنده ابن، لو ابن صبيح الوجه، كيف أن الأب ينظر لابنه ؟ نظرة كلُّها براءة، كلُّها اطمئنان، أي إذا نظرت إلى وجهٍ صبيحٍ كنظرة الأب لابنه، هذا حال طبيعي، إلى وجه صبيٍ مثلاً، أو أمردٍ، أو غلامٍ، أما إذا تمنَّى الإنسان أن يلمسه، معنى ذلك في قضية شهوة، ففي هذه الحالة، ينبغي أن يأخذ الأمر أحكاماً أُخرى، ما دام في فتنة، الأشياء التي أبيحت، الأشياء المباحة، لا نقول المحرَّمات العورة، من السرة إلى الركبة، أما لو الإنسان، فرَّق بين الوجه الصبيح، وغير الصبيح وضع طبيعي، أما لو تحرَّك القلب، وتحرَّكت الشهوة، وصار في رغبة، عندئذٍ هذه هي الفتنة، عندئذٍ لا يجوز لا أن تنظر، ولا أن تستمع، ولا أن تمسك، ولا _أن تلمس إطلاقاً المقياس هذا.
أيام تنظر إلى وردة، أيام تنظر إلى لوحة فنية، منظر طبيعي، تستمتع بجماله هذا الحد الطبيعي، لكن جمال الإنسان، في له مشكلة أخرى، ليس كجمال وردة، ولا كجمال شجرة، ولا كجمال غزال مثلاً، الأشياء التي خلَّقها الله، هو الجميل، وخلق الجمال لكن الشهوة التي أودعها الله في الإنسان، لا يكتفي الإنسان، بالنظر إلى الجمال، بل يتحرك التحرك هو الفتنة، هو الفساد، هذا الذي قاله العلماء: عند أمن الفتنة.
لو فرضنا.. الآن نتكلم عن الرجل للرجل فقط، وجه صبيح، إذا نظرت إليه وكأنه ابنك، وضع طبيعي، أما إذا في مشكلة، هذا الذي نهى عنه الفقهاء فالحكم معروف.
وعدم الشهوة، كما جاء في التعريف الفقهي، أن لا يتحرك قلبه إلى شيء من ذلك، بمنزلة، من نظر إلى ابنه الصبيح الوجه، بالضبط، هذا هو المقياس.
أمْنُ ميل النفس، إلى القرب منه، أو المس له، إذا في أمن، عدم الرغبة بالقرب، أو المس، الوضع طبيعي، كما لو أنه ابنك، هذا حكم النظر إلى وجه، الرجل إذا كان شاباً.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مطمع ))

قد، أنا أسأل أحيان كثيرة عن عورة الصغير، العلماء قالوا: دون أربع سنوات عورته هي السوأة فقط، لكن بعد الأربع سنوات، تزداد العورة، في ما حول السوأتين، بعد العشر سنوات، تصبح له عورة، يجب غض البصر عنها، أما إذا بلغ، دخل في حكم الرجال، كما بينا قبل قليل.
في موضوع، أن الغلام، ينبغي أن يمنع من الدخول على النساء، متى ؟ الآية تقول:
﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾
( سورة النور: آية "31 " )
يعني الطفل، إذا دخل على النساء، ولا يفرِّق أبداً بين الحسناء، والدميمة، لا يعرف ما عندهن من فتنة، إذا كان في هذا المستوى، فهو دون سن البلوغ، أما إذا بدأ يفرِّق لا ينبغي أن يسمح له بالدخول على النساء.
المشكلة أن مع تقدم الحضارة المادية التي جاءتنا من الغرب، ومع هذه الأجهزة التي لا ترضي الله عزَّ وجل، والتي تعرض فيها النساء، كاسيات عاريات، هذه تنمِّي عند الصغار، الميل الجنسي، تنميه، في وقت مبكر، لذلك ما يصح قبل مئة عام، لا يصح الآن هذا الطفل الصغير، الصغير، تظنه بريئاً، وهو ليس ببريء، وهو يفهم كالكبار، إذن الحكم الآن، يجب أن يأخذ منحىً آخر، أن الأحكام تدور مع الأزمان، ومع تغير البيئات والحالات، والعياذ بالله الآن الوضع، أي الوضع، البرامج الفنية، وأجهزة اللهو، في البيوت، هذا يسبب فتن كبيرة جداً، حتى أن الصغير، أصبح في إدراكه لهذه الموضوعات كالكبير، فلذلك الإنسان، كلما ابتعد عن هذه الملهيات، وكلما أزالها من بيته، كان في بحبوحةٍ، وفي طمأنينةٍ كبيرة، لأنه شيء فيه فساد ثابت.
والنّبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح يقول:
(( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))
( صحيح البخاري: رقم " 4831 " )
فأخطر شيء القريبات، بحكم الاعتياد، والعلاقات الاجتماعية، هذه مرات أخي وهذه كنة عمي، هذه الكلمات هي، ينظر إليها، ويتحادث معها، ويتملىَّ من محاسنها، وقد يمازحها، وقد يقع الشيء الخطير، بحكم القرابة، والدخول، والخروج، والزيارات والطُمأنينة، الساذجة من الأهل، هذا كلُّه ينبغي أن يكون في حساب المؤمنين.
أقول لكم كلاماً: إذا اكتشف الرجل، في بيته مشكلة خطيرة، بين ابنته، وبين شاب، أو بين ابنه، وبين شابة، أي شيء لا يحتمل، لا تحتمل أعصابه هذا الخبر والمفرط أولى بالخسارة، وإذا كان، لا يعلم، المصيبة أكبر بكثير، مصيبة كبيرة جداً، فلذلك أخذ الاحتياط، هو الأحزم، الحزم سوء الظن، سوء الظن، عصمة، احترس من الناس بسوء الظن، الشرع، أقوى، والتقوى أقوى، يعني القضية، مخالفة للسنة، ابتعد عنها، ولو بدوت أمام الناس، الجهلاء، أن أنت متعصب، ومتزمت، يا أخي،" حلِّها برمة " ما هذا الدين، من أين جالبه ؟ هكذا يقول الناس.
لماذا قال عليه الصلاة والسلام أنه:
(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَإِذَا أَنْكَحَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلا يَنْظُرَنَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ فَإِنَّ مَا أَسْفَلَ مِنْ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ ))
( مسند الإمام أحمد: رقم " 6467 " )
لكي لا يقع الفساد، فرقوا بينهم في المضاجع، وماذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾
( سورة النور: آية "58 " )
لماذا الإذن، قال:
(( إنها أمي يا رسول الله !! قال: أتحب أن تراها عُريانة ))

هو الموضوع في حرج قليلاً، والتفاصيل فيه محرجة، إلا أن الحق هكذا، أي أن نبقى، أيهما أشد عاراً، أن نخوض في هذه الموضوعات، أو أن نجهلها ؟ أن نجهلها أن نخوض فيها، هذا دين شرع، منهج، أما أن نجهلها، هذا أشد عاراً بالإنسان، أ أن يجهل حقيقيةً مصيريةً، خطيرةً في حياته، فلذلك الكلمة الشهيرة، التقوى أقوى، أقوى لعلاقاتك أقوى لمستقبلك، أقوى لطهارتك، أقوى لنزاهاتك، أقوى لعفتك، الله عزَّ وجل قال:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
غض البصر أطهر، غض البصر، الخلوة، مثلاً، التبذل، الآن أكثر الناس عندهم وهم، أنه هذه أختي، هذه أمي، هذه بنت أخي، هذه بنت أختي، هذه عمتي، هذه خالتي، هذه المحارم، لا يجوز، أن تراهُنَّ إلا بملابس الخدمة، وثياب الخدمة، كما نصَّ عليها الفقهاء، ثيابٌ تستر الصدر، والعضُد، وتحت الركبة، هذه هي ثياب الخدمة، أما إذا في ثياب فيها تبذل، ولو كان أختك، لو كان بنتك، ولو كان عمتك، ولو كان خالتك، ولو كان والدتك، ثياب التبذل هذه لا يجوز أن يراها المحارم، لكن نحن عندنا كله يجوز، كله عندنا عرب صابون، هذا لا يجوز، الزوجة لها حكم، والمحارم لهن حكم، أما زوجة الابن لا يجوز الخلوة بها، وزوجة الأب، لا يجوز الخلوة بها، هذا في الفقه الحنفي، وفي حاشية ابن عابدين، لا يجوز الخلوة بالصهرة الشابة.
وسمعت قصصاً كثيرة، عن حالاتٍ يُندى لها الجبين، بين الابن، وزوجة الأب وبين الأب وزوجة الابن.
الصنف الثالث، لا يجوز الخلوة بهن، أول الصنف، حكم خاص، الزوجة المحارم، لا يجوز أن تنظر إليهن إلا بثياب الخدمة، الثياب المتبذلة لا يجوز، الصنف الثالث، لا يجوز أن تخلو بهن هذا حكم الفقهاء، والسفر قالوا: خلوة، السفر خلوة.
وأي شيءٍ نهى الله عنه، هناك حالاتٌ كثيرةٌ جداً، والله سمعتها، وصلتني، وما زادتني إلا إيماناً بعظمة هذا الشرع، إنه كل مشكلة، أساسها مخالفة، وأجمل شيء بالحياة أن الإنسان يعيش عمر مديد، ما في عنده ببيته مشكلة أبداً، ما في انحراف، ما فقي قصة يستحي أن يسمعها، ما في قصة، يُصْعق لو سمعها، شيء صعب كثير، أن الإنسان يكتشف بوقت متأخر، أن في خلل ببيته، خلل، في ما بين أولاده، فيما ما بين أقاربه، هذا الشيء أساسه التقصير في تطبيق الشرع، كلُّ هذه المشكلات الخطيرة، التي تهُدُّ الإنسان هداً أساسها، تقصيرٌ في تطبيق الشرع، لأن النظرة، النظرة سهم مسموم من سهام إبليس طبعاً في عندك الناظر، والمنظور، أيام الخطأ من الناظر، وأيام الخطأ من المنظور، لو أن المنظور، كان متستراً، لو أنه كان ملتزماً، لو أنه طبَّق السنة، لما حدث شيء، مخالفة المنظور، وضعف الناظر، سببت هذه الفتنة الكبيرة.
إذن الموضوع بشكل مجمل، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، ومن الرجال من كان شاباً بلغ الحلم، ما بين السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، أما إذا كان هناك فتنة لا يجوز، ما أبيح من قِبَل الفقهاء، كلّ أحكام الفقهاء، عند أمن الفتنة، فإن لم تؤمن، فلا ينبغي أن نسمح.
أحياناً، يقول لك: أخ وأخته، لكن لو شعر الأب، أنه هذا الابن له نظرات غير طبيعية، ودخل على أخته، في غرفتها، مرَّات عديدة، إذا شعر الأب، أو الأم شعرت هذا هناك حكم آخر صار، هناك حكم آخر، هذه الأحكام عند أمن الفتنة، عند الأشخاص الأسوياء، الأشخاص العاديين.
طبعاً الله عزَّ وجل، منح الأشخاص جمال، أما إذا رأيت شاباً وجهه صبوح وكأنه ابنك، وهذا شيء تعرفه أنت، عادي وضع طبيعي، أنت مع الأسوياء معنى ذلك، مع الأسوياء، مع الطبيعين، مع من تنطبق عليهم أحكام الشرع، أما إذا كان مع النظرة، في تحريك للقلب، أو في رغبة بالمس، هذه فتنة خطيرة جداً، عندئذٍ، حتى لو كان شاباً، هو عورةٌ من فرقه إلى قدمه، كما قال العلماء، الشاب الوسيم، إن لم تؤمن الفتنة، عورةٌ من فرقه إلى قدمه، أصبح عورة كالمرأة تماماً، أما إذا كان الإنسان سوي، والوضع طبيعي وما شعر بشيء، هذا وضع أيضاً طبيعي.
والإنسان كلَّما طبق هذه الأحكام، شعر بما يسمى بالطُهر، شعر بالعفة، وضمن أن حدثاً خطيراً لم يقع في بيته، وضمن أن هذا البيت نظيف بكلِّ ما في الكلمة من معنى فأرجوا الله جلَّ جلاله، بأن ننتفع بهذه الأحكام.
وردتني أوراق:
يقول أحد الإخوة الأكارم: أعمل في محل لبيع المرطبات، والمحل يعجُّ بالنساء ولكنني أبيعهن، ولا أنظر إليهن، ومعلمي، ينبهني، ويطلب إلي أن أنظر إليهن، فهل في وضعي هذا، خطأ ؟
هذا هو عين الصواب:
﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾
( سورة العلق )
هكذا قال الله عزَّ وجل، طبعاً غض البصر عن النساء، أثناء العمل، هذا عمل عظيم، وهذا في جهد كبير، وهذا الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام:
(( القابض على دينه كالقابض على الجمر أجره كأجر سبعين ))

لكن ما من غض بصرٍ عن امرأةٍ أجنبيةٍ، إلا عوَّضك الله، سعادةً، ولذةً تجد حلاوتها في قلبك إلى يوم تلقاه..
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
( سورة المعارج )
أي شيءٍ خلاف الذي ذكر، دخل في وراء ذلك:
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المعارج )
فالذي سألني هذا السؤال، جاءه الجواب:
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المعارج )
تطبيق عملي:
الرياضة، لا بدَّ لها من ثياب طويلة، وطبعاً مسموح، واحد عنده ابن، لا يأخذ له شورت، يأخذ له بذلة رياضة، بالمدرسة هذه هي السنة، السباحة، تحتاج إلى بنطال طويل، بالحمام، لا ينبغي أن نجمع الأولاد بالحمام، دفعةً واحدة، هذا خلاف السنة، أنتم خذوا تطبيقات لأنفسكم رأساً، أثناء خلع الثياب، ما في، كل إنسان بمفرده يخلع ثيابه، يخلع الابن أمام أبوه، والأب أمام ابنه، لا يجوز، علِّم الأولاد أن هذا الشيء، ممنوع، خلع الثياب، الحمام، السباحة، الرياضة، هذه كلُّها يجب أن تطبق، أنت ومن حولك، ومن يلوذ بك، ومن تليه، ومن تتولى أمره.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:43 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 3 - 5 ) : عورة الرجل بالنسبة للمرأة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-22
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
عورة الرجل بالنسبة للمرأة
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي، بموضوع العورة في الإسلام وقد قدمت للموضوع بمقدمةٍ، مهمةٍ جداً، لأنها تُلقي ضوءً على ذلك الموضوع، أُحب في هذا الدرس، أن أُشير إليها، وأن أُقدم مقدمةً ثانية، تُلقي ضوءً إن شاء الله كاشفاً، على ذلك الموضوع الحساس.
أولاً: الله جلَّ جلاله، أودع في الإنسان، شهوتين، أو شهواتٍ كثيرة، لكن أبرز هذه الشهوات، شهوة البطن، وشهوة الفرج، شهوة البطن، من أجل الحفاظ على وجود الإنسان، وشهوة الفرج، من أجل الحفاظ على نوعه، وهناك حاجاتٌ أُخرى، لا مجال إلى ذكرها في هذا الدرس.
خالقُنا وربنا، نظَّم لنا نظاماً، شرَّع لنا شرعاً، وضع لنا منهجاً، شهوة البطن تختلفُ عن شهوة الفرج، شهوة البطن هناك منبهات، نوبية، مهما كنت مشغولاً، مهما كنت غارقاً في عملك، تُحسُّ بالجوع ، تحس أن المعدة قد فرغت من الطعام، وأنه لا بدَّ من أن تأكل، ولولا الإحساس بالجوع، لهلك الناس.
يعني السيارة يوجد بها عدادات، لو أن الإنسان غافل عن العدادات، وارتفعت الحرارة إلى أعلى درجة، يحترق المُحرك، ويُكلفك العمل مبلغ كبير جداً، الآن يوجد عدادات سمعية، لو أن هناك ضجيج كبير، ولن تنتبه لهذا التنبيه السمعي، الصوتي.
لكن الإحساس بالجوع ما طبيعته ؟ يا ترى عداد مرئي، أم سمعي؟ تُحس أن كل كيانك يحتاج إلى الطعام، فالحاجة إلى الطعام، أكَّدها الله عزَّ وجل بالإحساس بالجوع.
لكن شهوة الجنس لها طبيعةٌ أُخرى، ليس هناك منبهات دورية، منبهات كلها خارجية، الجوع المنبِّه داخلي، والأطباء يعرفون آلية الجوع، في مركز في الدماغ يُنبه والمركز في الدماغ، يُعطي أمراً للعصارات في المعدة فتفرز، هناك يعني أبحاث دقيقة وعميقة في موضوع الجوع، ولكن شهوة الجنس، ليس لها مُنبه دوري، منبهها خارجي فإذا كان المجتمع طبَّق الشرع الإلهي، وطبق المنهج الرباني، وطبق القرآن الكريم، فالإنسان لا يُحسُّ بهذه الحاجة، إلا إذا نُبه، دعونا قليلاً من شهوة البطن، أو من شهوة الجنس ولنعد إلى شهوة البطن.
الإنسان يحتاج باليوم إلى ثلاث وجبات، أو وجبتين، لو فوضنا في مدخل البناء في طعام نفيس، بالمصعد يوجد طعام، بغرفة الضيوف يوجد طعام، بالمكتب يوجد طعام بالسيارة يوجد طعام، والطعام نفيس، والشهوة موجودة، الإنسان يقتل نفسه، أصبح في مُثيرات مستمرة، لو أنه هذا المُثير الآخر، حينما تخرج المرأة، متكشِّفةً، حينما تُبرز مفاتنها للناس، هذه كلها إثارات، مستمرة، فهذه الإثارات المستمرة، فتسبب للإنسان يقظة كما قيل: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.
وكذلك هذه الشهوة نائمةٌ، لعن الله من أيقظها، من هنا جاءت الأوامر الإلهية، والتشريعات النبوية، بأمر النساء بالتستر، وأمر الرجال بغض البصر، أنتم لو عشتم مجتمعاً حُجبت فيه النساء كما أراد الله عزَّ وجل، وغضَّ فيه الرجال أبصارهم تماماً، عما حرم الله لعاش الإنسان بسلامٍ مع نفسه، أيما سلام.
إذن حينما تجد في القرآن الكريم آياتٍ، تأمُرنا بغض البصر، وحينا تجد في القرآن الكريم آياتٍ تأمر النساء بالتستُّر، هذه الآيات، يعني ما كان الله عزَّ وجل ليُشرِّع في موضوعٍ، إلا ذي خطورةٍ بالغة، لو أن محطة وقود، أرادت أن تضع إعلاناً واحداً، تختار من بين ألف إعلان، أخطر الإعلانات، تأمر بعدم التدخين، لئلا يشتعل الوقود، وكذلك إذا ذكر الله عزَّ وجل في القرآن الكريم، أمراً، أو نهياً، فهذا شيءٌ مصيري.
في المناسبة، الله عزَّ وجل أمر بأشياء، ونهى عن أشياء، وسكت عن أشياء ولو دققت النظر في الذي أمر، أو في الذي نهى، أو في الذي سكت، لوجدت أن هناك حكمةً ما بعدها حكمة، وموعظةً ما بعدها موعظة، حينما أمر بأشياء، وسكت عن أشياء لأنه كما تعلمون، أساس سعادة الرجل، بيته وعمله، فإذا كان في بيته سعيداً، كان إنتاجه في المجتمع وفيراً، مكان الاستقرار، مكان السُكنى، مكان الراحة، فلو كان هناك تشويش أو تطلُّع إلى غير الزوجة، إطلاق البصر يُسبب هذه الاتجاهات، فلذلك هناك أوامر كثيرة في القرآن، وفي السنة، تأمر النساء بالتستر، و تأمر الرجال بغض الأبصار، وقد علل الله جلَّ جلاله، ذلك فقال:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53" )
وكما قُلت لكم، شهوة الجوع أساسها، لكن الشهوة الثانية، التي نحن بصددها منبهاتها كلها خارجية، فلو عشنا في مجتمعٍ مسلمٍ حقيقةً مطبقاً لشرع الله عزَّ وجل، لعشنا حياةً أُخرى، أكثر هدوءً، وأكثر استقراراً، وأكثر طمأنينةً، ولكن إذا كان الطرف الآخر وهم النساء، لسن متقيداتٍ بأمر الله عزَّ وجل، فعلينا نحن الطرف الثاني، أن نغض الأبصار وهذا هو الذي يحمينا من فتنة النساء، وكما تعلمون، أن إبليس طلاعٌ رصَّاد، وماهو من فُخوخه، بأوثق لصيده، في الأتقياء من النساء، فاتقوا الله، واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
وفي حديثٍ آخر: يقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( إتقوا النساء فإنهن حبائل الشيطان ))

يعني مصيدة بيد الشيطان، لكن فعَّالة، والإنسان يؤتى أحياناً، من حبه للمال أو حبه للنساء، يُهلكه حب المال، ويُهلكه حبه للنساء، وحينما يُغادر الإنسان الدنيا، ويجد أنه من أجل امرأةٍ ضيَّع، سعادته الأبدية، عندئذٍ هي خسارةٌ ما بعدها خسارة.
وشيءٌ آخر أُحب أن أؤكده لكم، أنه ليس في الإسلام حرمان، وأنا أعني ما أقول يعني ما كان الله عزَّ وجل، ليودع في الإنسان شهوةً، ثم يمنعه من ممارستها، لكن أودع فيه شهوةً، ونظمها له، فتح له قنواتٍ نظيفةً، يعني بين الزواج، بين النِكاح، وبين السِفاح مسافات شاسعة جداً، هنا الطمأنينة، وهنا الاستقرار، وهنا الولد، وهنا الشعور بالطهارة وهنا، وهنا الشعور بالنظافة، كل المشاعر المُقدسة، تأتي من الزواج ؛ وجميع المشاعر المنحطة، والاختلال، والشعور بالذنب، والشعور بالنقص، والحجاب عن الله عزَّ وجل يأتي من مخالفة منهج الله عزَّ وجل.
إذن حينما نجد في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المُطهرة، أمراً، أو نهياً فهذه موضوعاتٌ مصيرية خطيرةٌ جداً، فالنظرة قد تتبعها نظرة، والنظرة قد تتبعها حركة والحركة تنتهي بالفاحشة، والفرق قد يقول أحدهم: إن الله جميلٌ يحب الجمال، هذا كلام صحيح، الله عزَّ وجل يتجلَّى على بعض الأشياء، باسم الجميل، فيمنحه جمالاً ما بعده جمال لكن جمال الأشياء شيء، وجمل المرأة شيءٌ آخر، جمال الأشياء، يعني الإنسان يكتفي بالنظر، وردة جميلة، جبل أخضر، ساحل جميل، حديقة مُنسقة، هذه الإنسان إذا نظر إليها يكتفي بالنظر، لكن الطرف الآخر، الذي هو موضوع درسنا، الإنسان أودع فيه شهوةً تُحرِّكه، لا تبقيه على مستوى النظر، فكل الكوارث الكبيرة، مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرارِ، هذه موضوعات دقيقة.
يعني ما دام الله عزَّ وجل حرم، فالأمر خطير، هذه أول فكرة، الفكرة الثانية شهوة الجنس تختلف عن شهوة البطن، بأن مُثيرها خارجي، وليس داخلياً، فإذا الإنسان امتنع، غض بصره، والمرأة تسترت، عاش الإنسان في سلام مع نفسه، والدليل، عندما يكون الإنسان مشغول في موضوع خطير، ينسى هذا الموضوع كُلياً، أما الجوع لا ينساه الجوع هناك حافز، نوبي، حفاظاً على وجودك وعلى قِوام حياتك.
بدأنا في الدرس الماضي، بعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وكنت قد شعرت بحرجٍ شديد، في معالجة هذه الموضوعات، بعد الدرس، سألت بعض الإخوة الكرام، عن انطباعهم حول هذا الموضوع، فأُناسٌ كثيرون شجعوني على متابعته، وأنا أنطلق من فكرة هو أن من العار، أن يخوض الإنسان في موضوعات، يعني الأولى ألا يخوض بها، لكنه من العار الأشد، أن يجهل هذه الموضوعات، خوضها يُحرج المُتكلم والسامع، لكن أن نبقى في جهلٍ شديد، وأن نخالف شرع الله عزَّ وجل، دون أن ندري، فالعلم أمانة، فلابد من إبلاغ الأمانة إلى أهلها.
فطبيعة حياتنا، في المسابح، على شواطئ البحار، في الحمامات أحياناً، في الطرقات، في أثناء التدريبات الرياضية، قد تتكشف العورات، وكما قلت قبل قليل، النظر إلى عورة الرجل، أو إلى عورة المرأة، قد يكون حافز إلى ميل النفس، إلى شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، فكأن الشرع تماماً كما قلت في الدرس الماضي، كيف أنك إذا سرت في حقل ألغام، لا سمح الله ولا قدَّر، ورأيت لوحةً كُتب عليها، حقل ألغام، ممنوع التجاوز، كيف أنك تشعر، وأنت في أعلى درجات الوعي، أن هذه اللوحة، وضعت ضماناً لسلامتك، ولم توضع قيداً لحريتك.
فأيام الجاهل يتوهم، يا أخي الدين صعب، الدين كله قيود، هذه حرام، وهذه لا يجوز، وهذه تغضب الله عزَّ وجل، أنا من غير دين أريح لي، حر طليق، أفعل ما أشاء أتطلع إلى من أشاء، أذهب إلى حيث أشاء، الإنسان حينما يتفلَّت من المنهج، لا تنسوا أن الله عزَّ وجل، في آياتٍ كثيرة قال:
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
( سورة البقرة: آية " 5 " )
أجمل ما في الآية، كلمة على، على تفيد الاستعلاء، أي أن المهتدي، فوق الهُدى، أو أن الهدى رفع المهتدي، لا يزال الهدى، والمنهج، والاستقامة، وتطبيق الأمر وترك النهي، يرفع صاحبه إلى أن يبلغ به العلياء:
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾

لكن، الفاسق، أو الضلال:
﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)﴾
( سورة الأحقاف )
لماذا قال الله في ؟ الضلال من شأنه أن يُقيدك، والهدى من شأنه أن يرفعك وعلى خلاف ما تتوهم، مع أن الهدى كله قيود، لكنه يرفعك، مع أن الضلال كله تفلُّت لكنه يقيُّدك.
يعني لو فرضنا، مثل بسيط، مضحك، واحد أحب أن يعمل معمل غسالات أحدث نوع، واجه صعوبة شراء الكمبيوتر، الذي يحركها تحريك مبرمج، هذا صعب وغالي، فلغاه، لغى الكمبيوتر، جهاز التسخين لغاه، صعوبة لغاها، جهاز الدوران لغاه كل ما واجه صعوبة يلغيها، أصبحت تنكة غسيل، ليس لها قيمة، كان ثمنها إثنين وثلاثين ألف، أصبح ثمنها خمسة ليرات، يعني الإنسان إذا ما واجه الصعوبة، أصبح ليس له قيمة إذا إنسان متفلت، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ "
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلا مَلأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))
( مسند الإمام أحمد: رقم " 2860 " )
يعني يوجد جهد، بيت جميل جداً، لكن في رأس تلة، والطريق إليه صاعد وقد يكون متعرِّج، وقد يكون فيه تراب، وقد يكون فيه أكمات، وقد يكون فيه عقبات، لكن فوق يوجد قصر مُنيف، فيه مالذَّ وطاب، وإن عمل النار، يشبه طريق منحدر، معبَّد، تحف به الأشجار، والأزهار، لكن ينتهي بحفرة ما لها من قرار، دائماً العاقل ينظر إلى النتيجة.
الآن الناس، واحد راكب دراجة، لا يوجد فيها محرك، بقوة عضلاته، فواجه طريقين، طريق نازل، وطريق صاعد، بحسب طبيعته، بحسب طبيعة الدراجة، وفيها جهد، أريح شيء النزلة، والطريق النازل مُزفَّت، معبَّد، وحوله أشجار، ويوجد أزهار وفيه مناظر جميلة، بس لو كانوا كاتبين لوحة، أن هذا الطريق، ينتهي بحفرةٍ سحيقةٍ ما لها من قرار، فيها وحوشٌ جائعة، تنتظرك ؛ الطريق الثاني، ترابي، وفيه صعوبات، وفيه أكمات، وفيه صخور، وتعرفوا راكب الدراجة أصعب شيء الطلعة له، فأين العقل ؟ هذا العقل، العقل أن تدع الطريقَ النازلة، المريحة، وأن تسلك الطريق الصاعدة، المتعبة، لأن الطريقَ الصاعدةَ المتعبة تنتهي بقصرٍ مُنيف، والطريق النازل المريح ينتهي بحفرةٍ ما لها من قرار، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، قال:
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))
( صحيح مسلم: رقم " 5049 " )
((...أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))


أين طريق جهنم ؟ طريق جهنم موجود، تفلُّت من أي قيد، أنظر إلى ما تشاء كلما رأيت امرأةً بحلق بها، كلما رأيت طعاماً كله، حلال أو حرام، كلما دُعيت إلى مكان جميل، اذهب إليه، اختلاط بلا اختلاط بلا تدقق ولكن لا تدقق، فحركة طليقة، ونظر طليق وسماع طليق، وكل ما سمع أُغنية، اشترى الشريط، وسمعها ليلاً نهاراً، سماع، ونظر وأكل، وطعام، وشراب، واختلاط، وهو قد يكون عنده الإنسان روح مرحة، كلما رأى امرأةً مازحها، وأدار معها حديثاً، هذا عمل جهنم. ((.....إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ....))

لماذا سمي التكليف تكليفاً ؟ لأنه ذو كلفةٍ، يكلف جهد، الإنسان جسمه يتمنى أن يرتاح في الفراش، أُمر بصلاة الفجر، طبيعة الجسم، طبيعة الشهوة التي أودعها في الإنسان، تدفعه إلى أن ينظر، إلى محاسنِ امرأةً تمشي في الطريق، لكن التكليف يأمره، بغض البصر.
شهوة المال التي أودعها الله في الإنسان، تدفعه إلى أن يأخذ، لكن التكليف أمره أن يعطي، التكليف عطاء، الطبع أخذ، التكليف نظر، التكليف غض بصر، الطبع إطلاق بصر، الطبع نوم، التكليف استيقاظ، إذن التكليف ذو كلفة، يعني أحدنا يجب أن يوطِّن نفسه على أن بلوغ الجنة، وبلوغ المستويات الرفيعة، يحتاج إلى جهد.
الآن لا تبعد، حتى الإنسان يجلس في عيادة فخمة جداً، ويحضر مريض، يبالغ في تعظيمه، يا دكتور، تجد المريض يبالغ في احترام الطبيب، وحتى يتحرك حركتين خفاف تفحص له ضغطه، تسمع دقات قلبه، تعمل له تخطيط، تأخذ ألفين ليرة، يحضر واحد يشتغل من الصباح إلى المساء، بحمل الحاجات، يأخذ مئة وخمسة وعشرون ليرة، مئة وخمسين ليرة، طيب هذا الطبيب حتى قعد في العيادة، والناس أقبلوا عليه، وكل واحد دقيقتين، ثلاث دقائق، خمس دقائق، يأخذ ألف ليرة، بين إيكوا، بين تخطيط، يجمعهم يصبحوا ألف ليرة، هذا ببلاش قاعد هنا، يمكن كل إنسان يقعد بمكانه ؟ لما درست سبعة وعشرين سنة، معنى ذلك لما الإنسان يريد أن يصل إلى مستوى مريح، الراحة تتطلب الجهد وكل إنسان يتصور أنه سيصل إلى مستوى مريح من دون جهد يكون أحمق، أما ربنا عزَّ وجل عادل.
فهذه الجنة، يعني من السذاجة، من الغباء، من ضيق الأُفق، تظنها شيء سهل طج ركعتين، ودفع ليرتين، وسيدي ادعي لنا، تباركنا فيكم، الله يخليلنا ياكم، هذه التلبسة التي يقولها الناس، انتهى كل شيء، بيته كله غير إسلامي، يعمل له مولد، يدعي كم عالم يلقوا كلمات، يحس نفسه أصبح من أهل الجنة، لكن أنت الدخل له مشكلة، الدخل فيه شبهة والعلاقات فيها شبهة، والسلوك فيه شبهة، و البنات لهم شبهة، فإذا كان دعيت إنسان له مكانته الدينية، وقال لك: الله يبارك فيك يا فلان، انتهت المشكلة ؟ لو أخذت كلام من فم رسول الله، ما انتهت المشكلة، في عدل.
لذلك طلب الجنة من دون عملٍ، ذنبٌ من الذنوب، الآن الواحد يسترجي أن يدخل على أضخم بائع سجاد، وموضوع على الأرض أكثر من خمسين سجادة، أرني هذه أطلعني على الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، أحضر الصنايعية، أحضر الموظفين السابعة، الثامنة، قال له شايف أحلى واحدة التحتانية، جعله يقيمهم كلهم، تطلع فيها قال: والله منيحة، كم ثمنها هذه، قال له ثمانين ألف، قال له: يوجد معي ألف ليرة، يمشي الحال يمشي الحال ألف ليرة ؟ هل يجعلك البائع تخرج بسلام من عنده ؟ لأن أنت احتقرته، تطلب الجنة بشوية تلبسة وزعبرة، ليرتين، وركعتين وانتهى الأمر، هذا الناس بهذا الشكل ماشين الآن، الله عزَّ وجل:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾
( سورة العنكبوت )
يجب أن توطِّن نفسك على الامتحان، ذكرت من درسين أو ثلاثة، أن المؤمن يمر بثلاث مراحل، مرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، ومرحلة الإكرام، ولن يصل إلى مرحلة الإكرام، حتى يمر بمرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، لكن كلما استجاب بسرعة، يقصر المسافة، إذا استجاب بسرعة، فهم على الله بسرعة، يعني هو النقطة التي أنا أُحكيها في بعض الأيام، الإنسان عندما يفهم على الله، انحلت مشاكله، يصبح في فهم مباشر، أن الله أعطاني هذه، مقابل هذه، هذه عاقبني مقابل هذه، حينما ترى أن أفعال الله عزَّ وجل، حكمةٌ ما بعدها حكمة، عدالةٌ ما بعدها عدالة.
يعني أنا من يومين كنت ذاهب إلى عملي، أخ كريم دعاني أن أركب سيارته يعني أنا كنت رغبان أن أمشي، أصر عليّ، ركبت معه، سألته متى أخذتها هذه ؟ قال لي: لها قصة يا أستاذ، هذه حقها كان في الدرج، موضوع في الدرج، خمس سنوات، ودخل إلى بيتنا حرامي، يعني قال لي أولاً: كل ما أريد أهم وأضع المبلغ، في المصرف أخاف أقول: هذه حرام، أمتنع، وضعه في درج طاولة، قال لي: دخل حرامي على البيت، في غيابنا، لم يترك درج إلا وخلعه، لم يترك ديوان إلا ورفع فراشه، إلا هذه " الكوميدينة " لم يقرب عليها، طبعاً لو شافهم انتهت المشكلة، يعني قال لي: ما كنت ركبت معي في السيارة قال لي: أخذناهم ثمن سيارة، أنا بعد ما نزلت قلت: سبحان الله، ورعه، وخوفه من الله الله أراه آية من آياته، أنه سوف أُدخل لك إلى البيت حرامي، حينكت لك البيت كله، درج درج، مكان مكان، ديوان ديوان، وسيخرج، أما المكان الذي فيه ثمانين ألف لن يشوفهم ما قرب عليهم، لو بتدقق، كل شيء يحدث، فيه حكمة ما بعدها حكمة، يعني الآن بحسب موضوعنا، لو إنسان غض بصره عن محارم الله، ألا يشعر بسعادة زوجية ؟
أنا أقول لكم والله يا إخوان، كل من أطلق بصره في الحرام، دفع الثمن باهظاً في بيته قبل كل شيء، يعني هذه المودة، وهذا التراحم، وهذه السكينة، وهذا النجاح الزوجي، هذا يتلاشى، لذلك أكاد أقول، أن بين الطاعة، وبين نتائجها علاقةً علمية، يعني علاقة سببٍ بنتيجة، طيب في أفكار كثيرة خطرت في بالي وأنا في الطريق إليكم في زحمة السير، لكن بعضها ذهب من ذهني، يعني الموضوع، لماذا أمر الله بغض البصر ؟ لأنه إله خالق الكون، هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
ولماذا أمر المرأة أن تتستر ؟ من عند الخبير، توجيه الخبير، فالإنسان لا يستهين، ماذا حدث ؟ لم نأكلها مثلاً، وهي إذا كان انسترت شو صار، والله تقعد لوحدها تأكل لوحدها، تقعد معهم، تلاقي أهل الدنيا يخففون من وقع المعصية، ما عملنا شيء، لا سرقنا، ولا قتلنا، ولا شربنا خمر، قعدنا مع بعضنا، شو صار.
أنا قلت لكم سابقاً، أنا سمعت قصتين، ثلاثة، أربعة، خمسة، يعني الاختلاط انتهى بالطلاق، أُسرتان ذهبتا إلى الساحل، في الصيف، وجلسوا في شاليهات على البحر ثم عادا إلى الشام، أول أُسرة، طلَّق الزوج امرأته، وله منها سبعة أولاد، وتزوج امرأة صديقه، ولها أولاد، تصور سبعة أولاد أُمهم مطلقة، هذا الاختلاط آثاره.
يعني دائماً، كلما وجدت مشكلةً اجتماعيةً، مأساةً اجتماعية، افعل كما يفعل ضباط الأمن الجنائي، يقول لك: ابحث عن المرأة، بكل جريمة، يقول لك: ابحث عن المرأة، أنا سوف أعمل تعديل طفيف، ابحث عن المعصية، أينما تجد مشكلة، ابحث عن المعصية، منهج الله عزَّ وجل دقيق، إذا كان طبقته لا يوجد مشكلة، يعني الله عزَّ وجل خبير.
شوف إنسان أيام، في البلاد التي فيها معامل سيارات، فيها مراكز صيانة رفيعة المستوى، فيها صيانة دورية، تلاقي السيارات تظل جديدة، أيام يفحصوا الدولاب إذا كان ناشف، ممنوع تدخل البلد نهائياً، هنا عندنا تقول: نحن عندنا دولاب جديد، فرحان به كثير أنت شاريه وفرحان فيه، يضعوا له جهاز، فيطلع نشفان، هذا قد ينفجر في الطريق إذا كان طبقت كل المقايس العالمية، في أمور السيارة، تظل جديدة السيارة، أما إذ كان في تقصير، هذا أخذناه دولاب نشفان، والزيت لم نضع، والبطارية نسينا الماء، تفاجءك وتقطعك في الطريق، تعمل لك مشاكل جديدة، هو شقفة سيارة لها نظام، لها تعليمات دورية وتعليمات صيانية، وتعليمات، لو طبقتها أنت على مركبة، تلاقي تقطف ثمارها يانعاً تعيش معك عمر طويل وتخدمك، فكيف الإنسان لو طبق الإنسان فيه منهج الله عزَّ وجل.
لآن القسم الثاني، نحن القسم الأول، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، الدرس الماضي كان، الدرس الثاني، عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة.
الآن ما يُحلُّ للمرأة أن تنظر إلى الرجل، من هي المرأة ؟ في عندنا أربع أنواع من النساء، عندنا زوجة، وعندنا قريبة محرمية، وقريبة غير محرمية، وعندنا أجنبية زوجة، قريبة محرمية، معنى محرمية، أم، بنت، أخت، عمة، خالة، بنت ابن، بنت أخ، بنت أخت، محرميات، غير محرمية، بنت خالته، بنت عمه، مرت عمه، هذه غير محرمية، قريبة غير محرمية، وأجنبية، لا تمتُّ له بصلة، أية امرأةٍ هذه امرأة أجنبية أجنبية، قريبة غير محرمية، قريبة محرمية، زوجة.
يوجد عندنا عدة قواعد عامة، يعني الشيء المسموح أن تنظر إليه، مسموح أن تمسه، الشيء المسموح أن تمسه، مسموح أن تنظر إليه، ليس بين الرجل وبين زوجته أي حرج، لقوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾
( سورة المؤمنون )
أنظر إلى معنى ملومين، لو إنسان نظر إلى امرأةٍ لا تحلُّ له، أو أدار معها حديثاً، لا يرضي الله عزَّ وجل، أو أنه فعل الفاحشة، لماذا يحدث انهيار، نفسي ؟ هذه الفطرة، قلت لكم سابقاً، أن في علم النفس، علم النفس عبارة عن علوم، علم حقيقي الظاهرة النفسية، ففي شعور..................................
........ فالعقل له دليل، لكن الله عزَّ وجل من فضله وكرمه، أعطاك مقياس آخر، مقياس الفطرة، الفطرة تشعر أنك أخطأت، تسموه شعور بالذنب، صحيح، تسموه عقدة الذنب، صحيح، تسموه اختلال توازن، صحيح، تسموه وخز الضمير، صحيح، الله عزَّ وجل عبر عنه:

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾

أنا مرة قلت لكم، لي صديق ساكن بأحد أحياء دمشق، في المهاجرين، فقال لي مرة: طرق بابنا الساعة أربعة ونصف، أربعة ونصف بكير، فتح لم يجد أحد، عجيب عمل هكذا فوجد سك، فتح فوجد فيه طفل صغير مولود حديثاً، يعني أن هذا الإنسان مظنة صلاح، هذا لقيط يظهر، ابن زنا، فظنوا، هذا البيت فيه صلاح وفيه دين، فألقوه أمامه ودقوا الباب وهربوا.
هنا القصة على إنها بسيطة، لفتت نظري، أنه عندما الإنسان يتزوج، وبتحمل زوجته، يفرحون، تنتقل الأخبار السارة أنه الحمد لله حملت، بنتي حملت الحمد لله، يعني ترتاح الأم، الطفل بيثبت، يثبت العقد، الآن في مُثبِّت عقد، بالنبات، كمان الطفل مثبِّت عقد، الأخبار تتناقل بين الأُسرة، صار الوضع، تلاقي احتفال، صار في مباركة، أصبح في هدايا، يصنعوا الكراوية، يصنعوا للرجال حفلة، وللنساء حفلة، بالتلفونات، الحمد لله جاء لها صبي، أو بكرت البنت، كما قال النبي:
(( من بركة المرأة تبكيرها بالأُنثى ))

هكذا النبي علمنا، وعندما جاءته السيدة فاطمة، ضمها، وشمها، وقال:
(( ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها ))

أنظر، وازن بين طريق النكاح، وطريق السفاح، طبعاً الطفل قبل أن يولد بشهرين أو ثلاثة، هيأوا له سرير، هيأوا له حاجات أساسية، هنا نحممه، يحتاج إلى بانيو صغير، تلاقي الأسرة كلها في حركة ونشاط، هذا طريق الحق، يعني لا يوجد خجل الواحد لا يستحي بزواجه، يزمروا بالليل، يملأون الدنيا صخباً، عرس يا أخي عرس كله يُزمِّر، غير مستحين الجماعة، لأن هكذا الشرع، هكذا الدين، هكذا المنهج ؛ أما إذا كان واحد يحكي مع واحدة في طريق مهجور، ففاجأه شخص، تلاقي بيستحوا وبيخافوا، هي تدير وجهها وهو يدير وجهه، يبعد عنه، شغلة تهمة، هنا تهمة، إذا كان الوضع غير مشروع يصبح تهمة، أما المشروع فيه فخر، انظر الآية:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾


لا يوجد لوم، ممكن إنسان يكون له زوجة، ويصلي الصبح حاضر، ويعمل ورده، ويعمل ذكره، قام بواجبه الزوجي، فلا يوجد حرج، لا يوجد لوم، أما لو نظر المؤمن إلى امرأةٍ لا يحل النظر إليها، يشعر بهبوط، شعر بحجاب، يعني يوجد فطرة، هنا طريق مسموح، هنا طريق ممنوع، إذا الواحد ماشي في طريق ممنوع يكون خائف، يفاجئه شرطي، تفاجئه دورية، ويقول عليه الصلاة والسلام وقد روى الحديث الخمسة: ((.... احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ... ))

((حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2693 " )
يعني بين الرجل والمرأة لا يوجد مشكلة، هذه أول صنف الزوجة، الزوجة قريبة محرمية، قريبة غير محرمية، أجنبية.
وأما عورة الرجل بالنسبة إلى قريبةً محرميةً كانت أو غير محرمية أو أجنبية طبعاً الرجل عورته من سرته إلى ركبته، هذه المنطقة لا يجوز أن يراها أحد، لا الأم، ولا الأخت، أيام يسبحوا الرجال على مرأى من زوجاتهم، طبعاً ومن أخواتهم، ومن بناتهم أحياناً، بلباس قصير، هذا مخالفة للإسلام، هذا مخالف للشرع، أنه الإنسان يسبح ولو مسبح خاص، ما دام بناته موجودين، ما دام أخواته موجودين، قريباته المحرميات، لا يجوز أن ترى القريبة المحرمية من الرجل، إلا ما فوق السرة وما تحت الركبة، المحرمية طبعاً، أما غير محرمية، ما في لقاء إطلاقاً، كما تعلمون أنتم يعني.
إذا كان مسموح للأم أن ترى، ابنها، أن ترى يده صدره مثلاً، ظهره، يجوز له أن تمس يده أن تصافحه، الواحد يقبِّل يد والدته، والدته تُصافحه أحياناً، المكان المسموح أن تراه المحرمية مسموح مسه طبعاً ، لكن العلماء، الورعون، العلماء الورعين، يقولون دائماً: إذا أُمنت الفتنة.
قلت لكم، يوجد عندنا إنسان، طبيعي، أي سوي، سوي " نيتشورال " فالإنسان الطبيعي، السوي، الشرع كلّه له، أما إذا في حالات خاصة، في انحراف، لا يجوز أن ينظر إلى أخته، ونمنعه بأن يختلي بأخته، إذا في انحراف، لا يجوز إطلاقاً، كلُّ هذه الأحكام كما قلت في الدرس السابق: إذا أمنت الفتنة، لكن طبيعى هذا العصر، كما قلت أيضاً في الدرس السابق، نحن نألف أن نأكل ثلاث وجبات، أو وجبتين، أما إذا كان في مثيرات، أينما ذهبت، أينما ذهبت في الطريق، في الدوائر الحكومية، في المدارس أحياناً في المطاعم، أينما ذهبت، رأيت امرأةً متكشفةً تبدي مفاتنها، أصبح مثل إذا واحد أينما تحرك، في أكل، هنا وضعوا له، كبة مقلية، هنا يلنجني، هنا سندوتش، هنا وضعوا له موالح، غير معقول ! معقول واحد يأكل أربعة وعشرين ساعة باستمرار !.
فلا تَرُم بالمعاصي كسر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النهم
فطبيعية العصر، هذا العصر، عصر الشهوات، عصر النساء الكاسيات العاريات، المائلات، المُميلات، النبي قال:
(( سَمِعْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ ))
( مسند أحمد: رقم " 6786 " )

النبي قال: ((... الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ... ))

فهذا العصر، الفتن كلُّها يقظة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اشتقت لأحبابي. قالوا: أولسنا أحبابك ؟‍ قال: لا أنتم أصحابي، أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان، القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين . قالوا: منا أم منهم ؟ قال: بل منكم))

فالإنسان إذا دخل لكي يدفع فاتورة، دخل ليلاحق معاملة، يجد امرأة متكشِّفة ليست منضبطة، تُبدي مفاتنها، متعطرة، متزينة، بالطريق، في درج البناء، في المصعد في البقالية، أينما ذهب، اشترى حاجة، اشترى علبة بويا عليها امرأة، والله هذه مشكلة أية بضاعةٍ يشتريها، فيها عليها امرأة، ولا سيما البضاعة الأجنبية، فلذلك طبيعة هذا العصر توقظ الشهوات، وتعمل وعي جنسي مبكر، لذلك الفتنة الآن، لا تؤمن.
فأنا قدَّمت هذا التقديم، الفتنة الآن لا تؤمن، الفتنة لا تؤمن في هذه الأيام، فكل شيء يدعوك أن تنظر، كلّ ما حول المؤمن فتن واثارات، يقول لك: كبت، كلمة كبت عندي، لها عندي معنى كبير كثير، ما هو الكبت ؟ حينما يثتثار الإنسان، وليس في إمكانه أن يفعل شيئاً، هذا هو الكبت، إذا كان ضغضت شيء، ولم تنفسه، تشعر بقوة دفع يسموها رد الفعل، لو كان في ضغط وفي تنفيس لا يوجد مشكلة، فطبيعة هذا العصر لشيوع التفلت، لشيوع التبرُّج، لشيوع التكشف، لأن أجمل ما في المرأة مبذول في الطرقات أجمل ما فيها في الطرقات مبذول.
لذلك بالمناسبة، أحياناً الإنسان يشكي ارتفاع أسعار اللحم، والله اللحم غالي بعضهم قال: كلما رخصت لحوم النساء إرتفع لحم الضأن، وقت يكون لحم النساء رخيص متبذِّل، متكشِّف في الطرقات، في كل حركات المرأة وسكناتها، تبدو مفاتنها، لذلك تجد أن الله يضيِّق على الناس، وكلما قل ماء الوجه، قل ماء السماء، ما في حياء، النبي عليه الصلاة والسلام، وصف آخر الزمان، بأنه تنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا يوجد نخوة ماشي مع زوجته بأبهى زينة، يفتخر بها، وكل ما شاف صديقة، يعرفه عليه، هذه زوجتي تصافحه، يبتسموا، أو يجلس معها على الشرفة، وقد تكون بثياب متبذلة، لا يحس بشيء والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الديوث لا يروح رائحة الجنة. قيل: يا رسول الله من الديوث ؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام بشكلٍ دقيق قال:الذي لا يُغار على عرضه، ويرضى الفاحشة في أهله ))
لو أخذت ألف رجال، الذي يرضى الفاحشة في أهله قلائل جداً، لكن الذين لا يغارون على أعراضهم، كُثُر، فالنبي عليه الصلاة والسلام، هكذا وجه.
إذن أردت من هذه التفاصيل، التي كنت أتمنى أن لا أذكرها، أردت من هذه التفاصيل أن أبين لكم، أن شيوع المرأة، أينما ذهبت تجدها متكشفة، هذا ينمِّي الإحساس الجنسي، ينميه نمو شديد، إذن لا تؤمن الفتنة، وكثيراً ما سمعت قصصاً يندى لها الجبين أساسها، فيما بين المحارم أيضاً، لذلك كلُّ هذه الأحكام تتوجه، لمن ؟ للأسوياء، للطبيعيين للشخص صاحب الفطرة السليمة، أما المرضى، لهم أحكامٌ خاصة.
طبعاً القريبة غير المحرمية، لا نظر، ولا مس، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني، عن معقل بن يسار قال:
(( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلُّ له ))
الآن إذا واحد مثلاً أقبل على دروس العلم كثير، ويريد أن يحفظ قرآن، وداوم الدروس كلّها، هو شاب، بعد ذلك اختفى فجأةً، سألت عنه، جمعتين، ثلاثة، شهر شهرين، لم أعد أراه، أغلب الظن، زلَّت قدمه في النظر، حينما ينظر الإنسان، والنظر بيعقبه أحياناً لقاءات، واللقاءات بيعقبها خيالات، بعد ذلك رسائل، دخل في عالم ثاني دخل في عالم آخر، يتناقض مع عالم المساجد، وعالم الطهر والعفاف، مع أنه هذه الشهوة وبالمناسبة، هذا الكلام أقوله للشباب، والله أيها الإخوة الشباب، أي واحدٌ منكم، يحفظ نفسه قبل الزواج، المكافأة من الله عزَّ وجل، زوجة صالحة، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) ( سنن النسائي: رقم " 3180 " )
(( الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ متاعها المرأة الصالحة، التي إذا أمرتها أطاعتك وغبت عتها حفظتك في مالك ونفسها، وإذا أقسمت عليها أبرَّتك، وإذا نظرت إليها سرتك ))
إذا نظرت إليها سرتك، أمرتها أطاعتك، أقسمت عليها أبرتك، غبت عنك حفظتك، في مالك ونفسها، كل شيء، لما الإنسان، يكون عنده مكمورة، وضع فيها ليرة ليرتان، خمسة ليرات، أو بعدها أحضر مئة، تناها ونزلها، ثم جاب خمسمئة تناها ونزلها راح عليه شيء ؟ كله مخبأ له، فكل ما الإنسان غض بصره عن النساء، كأنه خبأ خمسمئة لما يأتي الزواج يفتح المكمورة يجد معه، مئات الألوف، فلما الإنسان يغض بصره، كأنه خبأ عند الله عزَّ وجل، أودع عن الله سعادة زوجية، فكل شيء محفوظ.
(( وما ترك عبدٌ شيئاً لله، إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

أنا سمعت قصة من مدة، فتأثرت، في أحد أحياء دمشق الغنية، شاب عفيف له مجالس العلم، يحضر مجالس العلم، ومستقيم، وحييْ، ويغض بصره، لكن محلّه مكتبة عنده صغيرة، أمام أبنية شاهقة من أهل الغنى واليسار، يرى الفتيات طالعين، وأكثرهم محجبات، تاقت نفسه، أن يقترن بإحدى هذه الفتيات، فطلب من والدته أن تخطب له فوالدته واقعية، قالت له: أنت واحد لا يوجد معك شيء، منتوف، هذه الفوتة، لا تستطيعها ألح عليها، رفضت، ألح عليها، رفضت، قد ما لح عليها، فذهبت إليهم مجاملة، قالت له: والله ما وافقوا، هي لم تطلب، من غير المعقول أن تطلب، يسموها العوام: ((مغطس حامي))
ليس من المعقول أن تطلب، هذه القصة سبحان الله، هو يقول لأمه: أنا شاب طاهر وأنا عفيف، والله لا أعرف الحرام، وأغض بصري، فلماذا لا يعطوني ؟ تقول له: أنت لا تفهم شيء الآن، أحد سكان هذه الأبنية الشاهقة، من أهل اليسار، مر لعنده، قال له: يا ابني هل أنت متزوج ؟ قال له: لا والله يا سيدي، قال له: والله أنا عندي بنت تناسبك ابعث أهلك، الله ألقى في قلب الرجل، يبدو هذا الرجل يراقبه، رآه شاب، عفيف، أديب، صادق حييْ، والرجل غني، وإذا كان الواحد الله عزَّ وجل أكرمه بالمال، واختار زوج مؤمن وهو اشترى له بيت، ما في مانع، في ناس تقول: لا أريد أن أعوده، ماذا تعوده ؟ الآن شغلة صعبة كثير، بيت، لا يوجد بيوت، إذا كان عندك إمكانية، وجاء لك شاب مؤمن، حيي يحفظ لك بنتك، ماذا عليه، إذا أخذت له بيت، بنتك هذه، قال له: يا ابني ابعث أمك، هذا بعد ما قال له: نعم، قال هذه: حتماً فيها علّة هذه البنت، غير معقول، ماشي الحال لما نشوف، طلع بالعكس، البنت ممتازة جداً، والأمر تم، وفي قرابة، والقصة أنا أحكيها عن معرفة، ولم أسمعها سماع، عاينتها معاينة، هو طالب من الله، وصادق، أمه كله ما لا قابضته أساساً، ومع ذلك الله عزَّ وجل أكرمه.
فما في إنسان يغض بصره، يعف، إلا والله عزَّ وجل، يخبيء له، تذكر موضوع الخمسمئة، تنيتها فوتها، هذه لك، فكلما غضضت بصرك، كأنك خبأت عند الله عزَّ وجل سعادة زوجية، احتسبتها عند الله، ولما الإنسان يريد أن ينظر، يريد، قال:
(( لعن الله الذواقين والذواقات ))
هذه يعبرون عنها بالتعبير الحديث، أنه عنده خبرة قبل الزواج، الله يلعن هذه الخبرة، هذه ليست خبرة، هذه معصية، يسمونها خبرة، يسمونها إنه عنده خبرات، أي يعرف كل شيء، لا في هذه الموضوعات، يجب أن لا تعرف، الأكمل أن لا تعرف شيء حتى الله يعرفك أحسن شيء.
فالأحكام الفقهية، طبعاً كلّها أحكام الفقه حنفية، وهي قضية، متفق عليها وحاصل هذا الموضوع، يقول:
لا يجوز للرجل، دققوا الآن بالكلام، هذه فقرات منتزعة، من حاشية ابن عابدين، وهي أعلى مرجع في الفقه الحنفي، لا يجوز له، للرجل يعني، أن يبدي شيئاً مما بين سرته وركبته، أمام أمه، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو بنت أخته، أو بنت أخيه إطلاقاً، وهن القريبات المحرميات، قال:
لا وقت خلع الثياب، ولا لغسلٍ، ولا لنومٍ، ولا في ركضٍ، أي في رياضة تقريباً، فكلّ ما ذكر، ركض رياضة، اغتسال، نوم، خلع ثياب، لا يعدُّ عذراً في جواز النظر إلى العورة، لا من الأم، ولا من غيرها.
الآن في عندنا الآن مشكلة، لا ليست مشكلة، لكنها موضوع لاحق، فدائماً في طرفين، في عندك ناظر، ومنظور، طبعاً إذا المنظور تكشَّف، والناظر نظر:
(( لعن الله الناظر والمنظور ))
الاثنين داخلين في اللعنة، بهذا الموضوع في طرفين دائماً، طرف، وطرف.
طيب لو الطرف الثاني، غير متقيد، ماذا على الطرف الأول ؟ أن يغض بصره أي لو أنَّ امرأةً، أخوها، والله أنا أخ تكلم لي، الله يصلحه، ليس هو طالب علم إطلاقاً ببيته، عنده أخت، وعنده أم، يقوم أمامهم باللباس الداخلي بالصيف، فهذا منتهى، قلة الأدب، منتهى التفلُّت، هذه أشياء أنطلق من واقع، أنا أعرف هناك، هويته مسلم، وينتمي إلى هذا الدين، ومع ذلك، لا يستحي أمام أخته، وأمام أمه، وأمام بناته، أن يقوم أمامهم بالثياب الداخلية القصيرة، فلذلك لا في الرياضة، لا في الركض، لا في النوم، لا في التغسيل، لا في خلع الثياب، كلُّ هذا ليس عذراً، لو فرضنا الطرف الثاني، ليس متقيد ماشي الحال، أنا أتقيد بغض البصر.
فأنت إذا كان الاثنين متقيدين شيء جميل جداً، هذا مجتمع راق، إذا الطرف في طرف متفلت، أنت تغض بصرك، يتضاعف أجرك.
إذن نحن القريبة المحرمية، الغير محرمية، والأجنبية سواء، الزوجة لها حكم والقريبة المحرمية لها حكم، والقريبة، غير المحرمية والأجنبية لها حكم، وإذا لم تؤمن الفتنة، فالرجل، كلُّه عورةٌ من فرقه إلى قدمه يصير، مثل العادة، مثل ما تكلّمنا في الدرس الماض، إذا في فتنة، في شعور جنسي مبكر، في شبق، لا يجوز أن ترى الأخت، من أخيها شيئاً، طبعاً إذا كان في خوف، يجب أن تبعد، يجب أن تنتبه، يجب أن تراقب، وإلا يقع المحذور.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله، نأخذ موضوع، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة والعورة، المرأة بالنسبة إلى الرجل، باقي لنا موضوعين.
أنا سألت عدد من الإخوان بعد الدرس الماضي، أنه موضوع هل من المعقول مستمر ؟ قالوا جداً، فتتابعت الموضوعات.
في سؤال عن الطبابة، هذا بحث آخر، موضوع الطبابة، هذا بحث آخر يجوز للطبيب أن يرى، أية امرأةً أجنبية، لكن امرأة مثلاً، نحيفة قليلاً، وتحب أن تسمن، إذا موضوع نحفانة، إذا كان جسمها متعب قليلاً، هذه أشياء عادية جداً، تكشف جسمها أمام الطبيب، لا يجوز.
يوجد عندنا حكم آخر.. إذا وجدت طبيبة مختصة، ومتفوقة باختصاصها، لا يجوز أبداً أن تكشف المرأة جسمها أمام طبيب، لكن إذا كان الطبيبة غير متفوقة، والمرض مشكلة، المرض دقيق، أو مرض، حار به الأطباء، وفي إنسان متخصص، رجل، ما في مانع.
يجوز للقاضي، أن يرى وجه المرأة، يجوز للطبيب أن يرى من جسمها، ما بالقدر، الذي يحتاج أن يفحصه، وهذه عندنا قاعدة أوصولية:
الضرورة تقدَّر بقدرها.
مرة زرت طبيب، جزاه الله خيراً، أعجبني، في طبيب، إذا كان يريد أن يفحص مريضة، طبعاً، لا يسأل، يجب أن تكشف عن بطنها، وعن، فهذا الطبيب، عنده شرشف، أبيض، مفتوح فتحة صغيرة، يسترها تستير كامل، المؤمن له ترتيب، الطبيب المؤمن أولاً، يغض بصره، وثانياً، لا ينظر إلا بالقدر، الذي يحتاجه ضرورةً.
فالطبابة في درس أخير إن شاء الله، موضوع الاستثناءات لها درس مستقل، لا نستعجل به.
أما موضوع ما ملكت أيمانكم، لا أحد يفكر فيها الآن إطلاقاً، لا أحد يسن أسنانه ما في شيء إطلاقاً من هذا القبيل، هذه بالعصور الأولى عندما فتحت البلاد الأجنبية، وهذه المرأة بدلاً من أن تقتل، تؤخذ أسيرةً، وتربى في بيوت المسلمين، لتنشأ على الإسلام بحث آخر، فهي الآن الآية معطلة، أي القسم من الآية غير موجود إطلاقاً، لأنه أيام، أصبحوا يفسروها تفسيرات ثانية.
أم الزوجة، لك أن تنظر، هذه طبعاً المحرميات، موضوع نأخذه بوقت قادم إن شاء الله، يوجد عندنا زوجة، هذه حكم، في عندنا محرميات نسب، عندنا محرميات مصاهرة، محرميات المصاهرة، أم الزوجة، زوجة الابن، زوجة الأب، هؤلاء لهم حكم آخر، مثلاً لا يجوز في حاشية بن عابدين، للرجل أن يخلو بصهرته الشابة، أي إنسان يدخل إلى بيت ابنه بغيابه، ومرت ابنه صبية، عروس جديد، وابنه غير موجود، يقعد معها ساعات طويلة، هذه ليس واردة إطلاقاً، هذه فيها تحريم، لا يجوز للرجل أن يخلو بصهرته الشابة، كما لا يجوز للابن أن يخلو بامرأة أبيه الشابة، إذا إنسان بالستينات، أخذ واحد بالثلاثين، وابنه عمره ثلاثين سنة، ما فيه أن يختلي مع مرت أبوه، هي مثل أمي هي، لا هذه ليست مثل أمك، فأم الزوجة على التأبيد.
في سؤال جاءني مرتين، العادة السرية، الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
( سورة المعارج )
تدخل هنا ؟ تدخل هنا:
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
( سورة المعارج )
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:45 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 4 - 5 ) : عورة المرأة بالنسبة للمرأة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-11-29
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... لا زلنا في موضوعٍ، وجدتم أنتم، أننا جميعاً في أمس الحاجة إليه، ألا وهو موضوع العورات، وقد بينت لكم في درسين سابقين ؛ قبل الحديث عن أحكام العورة، وأقسامها، بينت لكم أن الشيء الذي أمر الله به، أو نهى عنه، هذا الشيء يعد مصيرياً، في حياة الإنسان، فإما أن يقوده إلى سعادةٍ، وإما أن يقوده إلى شقاءٍ أبدي.
وفي الشرع كما تعلمون، شيءٌ أمر الله به، وشيءٌ نهى الله عنه، وشيءٌ سكت عنه، فالذي سكت عنه، هناك حكمةٌ بالغةٌ جداً، لا تقلُّ عن حكمة الذي أمر به، وعن حكمة الذي نهى عنه، أما الذي أمر به، تقوم عليه سلامتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة ؛ والذي نهى عنه، سببٌ أساسيٌ لهلاكنا في الدنيا والآخرة، والذي سكت عنه، لا يتعلّق لا إيجاباً ولا سلباً، بحياتنا الدنيا، بسعادتنا، في الدنيا والآخرة، إنما هو نوعٌ، من ألوان الحياة، الخشنة أو المترفة، كل عصرٍ وكل قطرٍ، وكل بيئةٍ، وكل مستوىً يحدد ملامح الحياة، التي لا علاقة لها، لا إيجاباً ولا سلباً، بأُمور الذين.
الشهوة والميل:
هناك سؤال كثيراً ما يطرق بال الناس، لماذا أودع الله فينا الشهوات ؟ ما ذنبي أنا، ركَّب الله في كياني، الميل للمرأة، وركب في كيان المرأة، الميل للرجل، فإذا عبَّر الإنسان عن ميلٍ فطريٍ فيه، أيكون عاصياً ؟ يعني كيف، يحاسبنا ربنا، وقد أودع فينا هذه الشهوات، هذا سؤال، يطرحه كثيرٌ من الشباب، وقد يجيبون عنه، في غيبة الشرع، هذه حاجة فطرية، إن لم نفعل هكذا نتعقَّد.
والشيء المؤسف أن معظم الأطباء النفسيين، قد يوجِّهون الشباب إلى شيءٍ لا يرضي الله عزَّ وجل، ولا يحلُّ لهم في الشرع، لأنهم تعلموا في بلاد الغرب، أن هذه حاجة أساسية في الإنسان، فإذا رواها بطريقةٍ أو بأخرى، فقد توازن، وإن لم يروها، فقد اختل توازنه، هذا كلام أهل الكفر.
نوَّهت في درسٍ سابق، إلى أن الإنسان إذا أثير، ولم يلبِّي هذه الإثارة، يقع الكبت، لكن عظمة الدين، أنه أبعدنا عن كل المثيرات، حينما قال:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾
( سورة الإسراء: أية " 32 " )
أبعدنا عن هذه الحالة، غير الطبيعية، أن تعيش في جو من الإثارة، وأن تكبت هذه العواطف، هذه حالة مرضية، ليس فيها توازن، فلذلك، غض البصر، وعدم صحبة الأراذل، وعدم ارتياد الأماكن المشبوهة، كل ما من شأنه أن يقرِّبك من المعصية، فهو معصية، وهذه قاعدة:

(( ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب، وما كان طريقاً إلى المعصية فهو معصية ))
فالبطولة، أن الإنسان يبتعد عن أسباب المعصية، لا عن المعصية، ابتعاده عن المعصية بعد أن دخل في أسبابها، شيءٌ فيه مغامرةٌ، ومقامرة، إذا نجا واحد، فالأكثرون يهلكون، إذا دخلت في أبواب المعصية، ثم واجهت لبَّ المعصية، وجوهر المعصية، قد ينجو، واحد ويهلك الآخرون، لكنك إذا امتنعت، من الولوج في أبواب المعصية، في الأصل، فإن هذا الامتناع، يضعك في حصنٍ حصين.

الجواب الأول:
أن الإنسان خلق، ليسعده الله إلى الأبد، هناك فرقٌ، بين أن يعطي الله المخلوق شيئاً، وبين أن يستحقَّ المخلوق شيئاً، أنت إذا أردت أن تعطي نبتةً صغيرةً ماءً وفيراً، قد تميتها، يا ترى الماء الذي تعطيه لهذه النبتة الصغيرة، يجب أن يتناسب مع كرمك، أم مع طاقة احتمالها، يجب أن يتناسب لا مع كرمك، ولكن مع طاقة احتمالها.
الإنسان هو المخلوق، الأول، والمكرَّم، الذي أعدَّه الله لسعادةٍ لا نهاية لها مادام الإنسان قد أعدَّ، لسعادةٍ لا نهاية لها.
الحيوان سعادته محصورة، محدودة، غير مكلَّف الحيوان، يكفي أن يأكل هذا الحشيش الأخضر، هذه كل سعادته، وانتهى الأمر، تنتهي سعادته بتلبية شهواته، لا يحاسب عن شيء، لكن لا يرقى إلى مستوى الإنسان.
الملك يسبح، عقلٌ كله، ولكن لا ترتقي سعادته، إلى مستوى الإنسان، لأنه ليس هناك شهوات يصارعها، وليس هناك صراعات، وليس هناك خيارات، خُلق ليسبِّح الله عزَّ وجل، ركِّب من عقلٍ فقط، يسعد بتسبيحه، والحيوان يسعد بشهواته، وكلاهما غير مسؤولين، وغير مكلَّفين، ولا يرقيان أبداً لمستوى الإنسان.
فموضوع الشهوات، وموضوع العورات، موضوع متداخل، وخير معالجةٍ للموضوعات، ما ربطنا الجزئيات، بالكليِّات، ما ربطنا النتائج بالمقدمات.
سؤال: أنا ما ذنبي ؟ أودع الله في هذه الشهوة، فلماذا أمرني بغض البصر ؟ لماذا قال لي هذا حرام، وهذا حرام، وهذا حرام ؟ يا رب كنت في الأصل انزع منا هذه الشهوات وانتهى الأمر، هذا منطق ساذج.
الله جلَّ جلاله خلقنا، الإنسان مخلوق وحيد، مكرَّم، المخلوق أول، قال الله عزَّ وجل:
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾
( سورة الأحقاف: آية " 33 " )
ولكن خلق الإنسان من أجل أن يسعد بالله عزَّ وجل، كل مخلوقٍ يسعدُ بشيءٍ مما سِوى الله، إلا أن الإنسان يسعَدُ، بالله عزَّ وجل، فلكي يحتمل التجليات الإلهية في الآخرة لكي يحتمل هذه السعادة التي لا حُدُودَ لها، أرسله إلى الدُنيا، ليستعد لهذه السعادة، ليُحصِّل موجِبات رحمة الله، أرسله إلى الدُنيأ، ليُقوِّي طاقة احتماله، أرسله إلى الدُنيا، ليؤهِّل نفسه لهذه السعادة، التي ينفرد بها الإنس والجن، من بين سائر المخلوقات، إذن الشهوة في ظاهرها، توريط، لكن في حقيقتها، دفعٌ إلى الله عزَّ وجل،.
التقرب إلى الله عزَّ وجل:
يعني هذا المخلوق، كيف يستطيع هذا المخلوق، أن يتقرَّب إلى الله ؟ لو أنه لا يُحِبُ شيئاً، ولا يكره شيء، لا يُحبُ النساء، ولا يحب المال، ولا يحب العُلو في الأرض ولا يكره الجوع، ولا يكره الخوف، ولا يكره الذل، ما دام بالإنسان في شهوات، إذن في شيء يسعده، وشيء يُزعجه، هذه البنية، بنية مخلوق، يسعد بأشياء، ويتألَّم بأشياء، الآن جاء التكليف، أودع فيه حُب النساء، وأمره أن يغُض الطرف، الإنسان بهذه الطريقة يرقى إلى الله، أودع فيه حُب المال، وجعل الله طُرُقاً عديدة لِكسب المال، لكن طُرُق كسب المال المشروع، طرقٌ قد تكون صعبةً أحياناً، أما الطرق السهلة، الحرام، قد تكون سهلةً ليرقى بترك الحرام، وأكل الحلال، يعني بشكلٍ مُلخَّص، أقول هذا الكلام كثيراً:
أودع الله فينا الشهوات، لنرقى بها مرتين، مرةً صابرين، ومرةً شاكرين، إلى الله عزَّ وجل، يعني يمكن أن أقول: إن الشهوة قوةٌ مُحرِّكة، قوةٌ دافعةٌ نافعة، يوم القيامة حينما يستحقُّ المؤمنون الجنة، يقولون:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾
( سورة الزمر )
لو لا أن الله عزَّ وجل، خلقنا في الأرض، وأودع فينا الشهوات، وكلَّفنا وأمرنا أن نفعل، وأن لا نفعل، لولا أن هناك شهوات، حينما خالفناها، ارتقينا إلى الله ولولا أن هناك شهوات حينما رويناها، وفق منهج الله، ارتقينا إلى الله، لما كُنا في الجنة.
لا تستغرِبوا أن يأتي عليكم جميعاً إن شاء الله، وأنتم ترفُلون في حُلل الجنة، إن شاء الله، الجنة رجاءنا، على الحتم ما في، في عشر أشخاص استحقوها يقيناً، هم العشرة المُبشرون بالجنة، وما سِوى هؤلاء، نرجو الله عزَّ وجل، أن نكون من هؤلاء، لكن لا تستغربوا أن تُدرِكوا في لحظةٍ من لحظات الجنة، أنه لولا الشهوات، التي أودعها الله فينا لما كُنا في الجنة، قد يقول المؤمن، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

( سورة الزمر )
لأنه كيف تتقربُ إلى الله ؟ ما في طريق، إلا أن تُحب شيئاً، أن تتمنى أن تقترب منه، والأمرُ يمنعك عنه، فتقول: إني أخاف الله رب العالمين.
الزواج وغض البصر:
يعني من باب بيان فضل الله علينا، أنت تُصلي في اليوم خمس مرات، بل هل تعلم أنه كلما رأيت في الطريق امرأة، وغضضت عنها بصرك، تُصلي ؟ أراد الله عزَّ وجل أن تكون المناسبات، للاتصال به كثيرةً، فأمرك بغض البصر، ولئلا تكون محروماً، سمح لك بالزواج، فالزواج يمنع عنك الحرمان، وغض البصر، يرقى بك إلى الواحد الدّيان.
فلسفة الأُمور مُريحةٌ جداً، الإنسان إذا أخذ أوامر الشرع، هكذا، في نهاياتها في حيثياتها، دون أن يربطها بكلِّيات العقيدة، بفلسفة الوجود، بحقيقة الكون، بحقيقة الحياة بجوهر الإنسان، يقع في متاهات، تنشأ معه آلاف الأسئلة، ولا يدري لها جواباً، حينما تمشي في الطريق يجب أن تعلم، أن الله هو الذي أودع فيك حب النساء، هوْ هو، وهو الذي أمرك بغض البصر، من أجل أن يكون غضُّ البصرِ، طريقاً إلى الإقبال عليه، دائماً ولاسيما وهذا ما أكدّته لكم كثيراً، قد تتفق الشرائع مع القوانين.
اتفاق الشرائع مع القوانين وافتراقهما:
السرقة محرمة في الشرع، ومحرمة في القانون، فمن ترك السرقة، ممكن تقول: يخاف من السجن، والمسؤولية، ولك أن تقول: يخاف من الله، ما الحقيقة ؟ الله أعلم، لكن الذي يغضُّ بصره عن محارم الله، يقيناً يخاف من الله، لأنه ليس في الأرض كلها تشريعٌ أو قانونٌ، يأمرُ بغض البصر، إذن هنا افترقت الشريعة عن القانون.
الصيام، بإمكانك أن تدخل البيت في أيام الصيف الحارة، وأن تدخل الحمام بعيداً عن نظر أولادك وزوجتك، وأن تشرب الماء النمير البارد، من العداد رأساً، ولا يدري بك أحد، إذن الصيام عبادة الإخلاص، ما دمت تمتنع عن أن تشرب قطرة ماء، إذن أنت تُراقب الله عزَّ وجل.
يعني حكم العِبادات أحياناً، من أجل أن تعلم أنك تحب الله، من أجل أن تعلم أنك تعلم أن الله يُراقبك، من أجل أن ترتفع معنوياتك، من أجل أن تُحس أنك في رضي الله عزَّ وجل، إذن لا تستغرب، أنه يا أخي ما هذه الحياة، كلها صراع، نفسي تميل، وفي الطريق نساءٌ كاسياتٌ عاريات، والله يأمرني أن أغض بصري، وضع غير طبيعي، لا هذا هو الطبيعي، لأنه خلقك للجنة، وثمن الجنة ضبط الشهوات، لأنه خلقكَ لحياةٍ أبدية لا تنتهي وأن ثمن هذه الجنة:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾
( سورة النازعات )
فأنا أتمنى دائماً أن أوضح لإخواننا الشباب، كما أنه ليس في الإسلام حرمان ليس فيه تفلُّت، الله قال:
﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾
( سورة الحديد: آية " 27 " )

هم كتبوها على أنفسهم، هم اجتهدوا فأخطئوا، والدليل أنهم أخطئوا: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾
( سورة الحديد: آية " 27 " )

لم يتمكنوا، لأنها خلاف الفطرة، الترهُّب، الرهبنة، خلاف فطرة الإنسان لذلك القصص التي تروى، عن الرهبان في انحرافاتهم الجنسية، لا تعدُّ ولا تحصى، لأنهم ألزموا أنفسهم، ما لا ينبغي أن يكون، ما كتبناها علينا، والدليل أنهم: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾

( سورة الحديد: آية " 27 " )
فالإسلام دين الفطرة، فكما أن الإسلام، ما كلفك ما لا تطيق، كذلك ما أطلقك إلى حيث تريد، في منهج، يعني تقريباً، طريق، الطريق عريض، لك حرية الحركة في حدود هذا الطريق، لكن بعد الطريق هناك ممنوعات.
فأجمل حياة يعيشها، حياة القيم، حياة المنهج، حياة الدستور، أنظر إلى السيارة أروع ما تكون وهي على الطريق المعبَّد، لأن هذا الطريق صنع لهم، وهي صنعت له، فإذا سارت على الطريق المعبدَّ، تجدها كلها مرتاحة، لا يوجد أصوات أبداً، أما إذا نزلت إلى الطريق الوعر، تحس أن هذه الطريق ليست لهذه السيارة، وهذه المركبة ليست لهذا الطريق.
أردت من هذه المقدمة، أن نربط الجزئيات بالكليات، لا أن نبقى في هذه حرام لماذا حرام ؟ أنت تعيش في مجتمع، هناك أناس ليس لديهم وازع ديني إطلاقاً، أما آتاهم الله منطقاً، عندهم عقل، فإذا ملكت الحجَّة، بالمناسبة:
(( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه ))
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾
( سورة الأنعام: أية " 83 " )
يعني يوجد قوة للمؤمن، قد تكون غير مادَّية، قد يكون مؤمن، يعني من أقل المراتب في المجتمع، قد يكون موظف، صغير جداً، ضارب آلة كاتبة، حاجب قد يكون لكن قوته نابعةٌ من حجته، لما ربنا قال:
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾

( سورة الأنعام: أية " 83 " )
لكل مؤمنٍ من هذه الآية نصيب، قوةٌ، يجوز حاجب في دائرة، يناقش المدير العام المتفلت، الذي عقيدته فاسدة، هذا الحاجب، أقوى منه في المناقشة، المؤمن، يعلّم لماذا يغضُّ بصره ؟ يعلَّم لماذا يصوم ؟ يعلّم لماذا يصدق ؟ يعلّم لماذا يتكلَّم بالحق ؟ فنحن نريد مؤمن متمكِّن، لا أريد مؤمن يطبِّق الإسلام إلى حين، لو أنَّك عرفت الأمر الشرعي من دون حيثيات، من دون أن تربطه بالكلّيات، من دون عقيدة صحيحة، يمكن _أن تنطبق الأمرّ، لكن مقاومتك هشة، هشة، يعني أدنى ضغط، أو أدنى إغراء، تجد مقاومتك قد انهارت، لذلك كلّ إنسان يربي، كل إنسان يبني إخوانه بناء، إذا بنى النفوس بناء صحيح بناء علمي، بناء منطقي، على أساس من العقيدة الصحيحة، تجد هذا الأخ قوياً، أي قوي في دينه، أينما ذهب مستقيم، الملاحظ لما ينبني إنسان بناء هش، أو يبنى بناء نصِّي غير تعليلي.
يعني أنت عندما تعرف أن هذا الأمر مربوط، بهذه العقيدة الصحيحة، مربوط بهذه الكلِّية، أي أنت مؤمن بخالق الكون، أنت مخلوق للجنّة، والجنّة ثمنها، ضبط الشهوات الشهوات أودعت فيك لترقى بها إلى الله، أودعت فيك، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً للكل.
قوة الشهوة والوقوف أمامها:
كل إنسان بيتبرم بالشهوات، يقول: يا أخي ليس بيدي، لكن الله أودعها فيك وقوية، هذه الشهوات، أي مثلاً، تصوَّر طن من الحديد ألقيناه من عشر ألاف متر، هذا يتسارع، ماذا يقف في وجهه ؟ طبق ورق ؟ أعوذ بالله، قماش ؟ مستحيل، سقف بيحطمه كذلك الشهوات، قوة اندفاع شديدة، لا يقف أمام الشهوات إلا يقين، إلا إيمان قوي، إلا عقيدة صحيحة، إلا اتصال بالله، حينما تستقيم، وتتصل، تصبح كالجبل قويّ، بتحس أنه يوجد عندك مقاومة كبيرةً جداً، لذلك المؤمن الصادق، لا يضعف لا أمام أقوى المغريات، ولا أمام أقوى الضغوط، لا الضغط يؤثر فيه، ولا الإغراء يؤثر فيه، التِبْر عنده كالتراب والحياة والموت سواء، قال له:
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾
( سورة طه )
الحقيقة نحن لا نقدر أن نستعيد مجد أمتنا، ولا نرجع كما كنا، قادة للأمم، النّبي الكريم، جاء إلى قومٍ، هم رعاةٌ للغنم، فجعلَّهم قادةً للأمم، من رعاة غنّم لقادة أمم، بعقيدة صحيحة، وبالتزام صحيح، أصعب شيءٍ في مجتمعاتنا إسلامية، أن يظنَّ المسلمون أنَّ الدين صوم وصلاة، الدين منهج، منهج طويل عريض، فيه كل شيء، فيه تفصيلات لكلّ شيء، فهذا المنهج.
مرة قرأت كتاب: الإسلام إما أن تأخذه كلُّه، أو فدعه كلُّه، أنا لا أوافق على هذا العنوان، أوافق على الشق الأول، خذه كلَّه، ولن تقطف ثماره، إلا إذا أخذته كلّه، هذا أصح، خذه كلُه، بأدق تفاصيله.
إذن ملخص المقدمة:
أن الله أودع فينا الشهوات، لنرقى بها، صابرين بغض البصر، وشاكرين بنعمة الزواج، إلى رب الأرض والسماوات، أودع فينا الشهوات، المال، لنرقى بحب المال صابرين، بإنفاقه، شاكرين بكسبه، أودع فينا حب العلو في الأرض، لنرقى بها، صابرين بترك معاونة الظلام، عرضوا عليك عظيم جداً، لكن فيه معاونة، ولنرقى شاكرين بخدمة الضعيف، وهكذا، كلُّ الشهوات، يمكن أن توظَّف، في الحق.
أخ كريم.. استوقفني في الدرس الماضي، وقال لي، أنا والله أعجبني ورعه وأعجبني غيرته على دينه، قال لي:
أنا محامي، قلت له: أنعم وأكرم، قال لي: لماذا بعض العلماء يذمّون هذه المهنة ؟ قلت له: والله أنا ما فعلتها في حياتي، لأنني أعتقد، أنَّ أية مهنةٍ، لا تستعصي على الالتزام بالدين، والمحامي المؤمن، الذي يضع كلَّ علمه، وكلَّ ذكائه، وكلَّ طلاقة لسانه وكلَّ ثقافته القانونية الواسعة في خدمة الضعيف، ويأخذ أجره حلالاً جُعالةً، هذا يرقى إلى الله، قد يرقى المحامي، قد يستحق دخول الجنّة لأنه محامي، اعتقد يجب أن توظِّف كلَّ شيء في الحق.
الآن حتى الذين آتاهم الله أصواتاً عذبة، أليس من الممكن أن يقرؤوا القرآن ؟ وأن تصبح أصواتهم خالدةً إلى آلاف السنوات ؟ مرة أنا سمعت آذان لمؤذن، أعتقد أنه مات قبل خمسين سنة، بمصر، قلت: هذا الصوت بقي مستمراً، الصوت الحسن، يمكن أن يوظَّف في الحق، في تلاوة القرآن، في الآذان، في مدح النبي عليه الصلاة والسلام، كلُّ ما أودعه الله في الإنسان، يمكن أن يوظف في الحق وفي الباطل، في الخير، وفي الشر.
إذن من أجل أن تربط، غضَّ البصر، وحفظ العورة، عدم إبداء العورة، وعدم إطلاق البصر إلى العورة، من أجل أن تربط هذا الحكم الجزئي الصغير، بكليةٍ كبرى في الدين، اعتقد دائماً أن الله جلَّ جلاله، خلقك للجنّة، وهذه الدنيا، دار دفع الثمن، كيف العام الدراسي، الآن الطالب الجامعي، مقاعد الجامعة مريحة ؟ لا والله، مقعد خشبي عرضه اعتقد خمسة وعشرين سانتيمتر، وقائم، إذا كان هكذا أريح، لا في سفنج، ولا في جلد وتدفئة أقل من الوسط، على طول بردانين، وبعض البللور مكسَّر دائماً، في أيام البرد، لا في تدفئة جيدة، ولا في مقعد مريح، ولا في أثناء الدرس بعض من الموالح، أو قليل من العصير مثلاً، ولا في مجلتين ثلاثة تقرأهم، ما في، لا يوجد إلا محاضر أمامك، ما في غير كلام الصراحة.
لكن سنة سنتين، ثلاثة، أربعة، بهذه الجامعة، أصبح طبيب، مثلاً، طبيب صار مهندس، وقت كان لهذه المهن الراقية دخل كبير، فبعد ما أخذ الشهادة، وأصبح له مكانة اجتماعية، وركَّز وضعه بالتعبير التجاري، واشترى بيت، وجاءه دخل كبير، لولا هذه السنوات التي قضاها في الجامعة، إثنا عشر ساعة باليوم، بلا غداء يتم، أكثر الأيام بلا غداء، إثنا عشر ساعة، وكل محاضر له طبع خاص، وظائف، حلقات بحث، ومفاجئات بالامتحانات، ومعركة بين الأستاذ والطلاب، هم يتوقعون قسم، فيفاجئهم بقسم، وسلم صعب، ولا يمكن أن تراجع ورقتك، لولا هذه المتاعب، خلال ست سبع سنوات، لا يقال لك: الدكتور فلان تفضل، يقول لك: إيكو خمسمئة ليرة، هذا غير تخطيط، ما في سوى أجهزة عند الطبيب، تحتاج لإيكو، وتخطيط، وكذا، لولا هذه المتعب ما كنت في هذا المستوى، طبعاً أنا أضرب أمثلة من واقع الحياة.
ولولا أنك جئت إلى الدنيا، ووضعت فيك الشهوات، حب المال، حب النساء حب العلو في الأرض، وجاء الشرع، غضْ بصرك، ولا تصافح، ولا تخلو بأجنبية، وهذه حرام، وهذه حلال، وهنا غض بصرك، والفخذ عورة، وهذه، منهج طويل عريض تفصيلي، وهذا الكسب حرام، وهذه شبهة الربا، وسألت، وجلست بمسجد، وعلى ركبك جلست، وساعة ونصف الدرس، ما كنت ترقى إلى هذا المستوى هذا.
فلذلك هذا الدرس، جزئيته صغيرة، أما كليته كبيرة، أنت حينما تطبِّق منهج الله عزَّ وجل، من أجل أن تكون في عداد السعداء في الآخرة.
عورة المرأة بالنسبة للمرأة
الآن، درسنا هذا اليوم، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، أي أكثر الناس بيظنوا أنه لا يوجد عورة بين النسوة، امرأةٌ على امرأة، يعني نحن، وهذا ما أعتقده، اعتقاداً جازماً، هو أنَّ مجتمعنا الحمد لله، المجتمع المسلم مجتمع نظيف.....
..... المجتمع المسلم مجتمع نظيف، المجتمع المؤمن مجتمع أرقى، مجتمع روَّاد المساجد الملتزمين، هذا مجتمع أرقى وأرقى، لذلك الانحرافات الأخلاقية، إذا ذكرناها لا أعتقد أن من بين الحاضرين من هو واقع بها، لأنه شيء بعيد جداً.
شخص داخل جامعة، فتسأله: هل تقرأ وتكتب ؟ تنظر إليه ؟ أنا معي بكلوريا ماذا أقرأ وأكتب ؟ كلام فاضي هذا، ما وصل إلى الجامعة حتى أخذ البكلوريا، فنقول لأحد أخي توجد انحرافات، هذا أغلب الظن، بعيدة جداً عن رواد المساجد، عن مجتمع المؤمنين الصادقين، ولكن، في انحراف بين النساء، سببه التكشُّف، وفي انحراف بين الجنس الواحد اللواط معروف، والسِحاق معروف، فالانحرافات الجنسية، في الجنس الواحد، سببها عدم التقيُّد بأوامر الله عزَّ وجل.
فالدرس اليوم، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، الناظرة إما أنها قريبة، وإما أنها أجنبية، ما معنى أجنبية، يعني معها جواز سفر ؟ لا ولكنها ليست قريبة، أو فاجرة، أو كافرة، أربع نساء، قريبة، أجنبية، فاجرة، كافرة.
الفاجرة قد يكون هويتها مسلمة، في الأصل، ولكن هذا الانتماء التاريخي، لا قيمة له إطلاقاً، إطلاقاً، انتماء تاريخي، أما هي فاجرة، ليست منضبطة، هذه لها حكم.
والكافرة الكتابية، هذه لها حكم، والقريبة، والأجنبية، الأجنبية، ليست قريبة جارتنا، أما القريبة، أخت أم، عمة، خالة، بنت أخ، بنت أخت.
فالقريبة، والأجنبية، لمَّا جمعنا بين القريبة والأجنبية، معناها القرب النسبي لا قيمة له في هذا الموضوع، القريبة، أو الأجنبية، كلاهما واحد، لا يوجد فرق بين جارتي وبين عمتي، فيما بين المرأة والمرأة، فقط، درسنا اليوم، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة قال:
فلهما لكلا المرأتين، النظر من المرأة إلى المرأة، إلى سرتها فما فوق، وإلى ما تحت ركبتيها.
لأن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، ما دون سرتها، إلى مادون ركبتها.
فالسرة ليست من العورة، والركبة من العورة، أي أن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، كعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل.
وقد اتفق العلماء على أن الأحاديث التي حددت عورة الرجل مع الرجل، هي نفسها بيانٌ، لعورة المرأة مع المرأة، قال صلى الله علية وسلَّم:
(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ.....))
( حديث رواه مسلم: رقم " 512 " وأبو داود والترمذي )
طبعاً هذه القريبة، والأجنبية، الحاصل:
أنه لا يجوز، للأُم أن ترى من بنتها، ولا للبنت أن ترى من أُمها، ولا للأُختِ أن ترى من أُختها، ولا للمرأة أن ترى من عمتها، أو خالتها، أو بنت أُختها، أو بنت أخيها أو إحدى النساء، قريباتٍ كنّ أو أجنبيات، شيئاً مما بين السرة والركبة، لا في الحمام ولا في غير الحمام، ولا وقت خلع الثياب، ولا في الاستقبالات، والاحتفالات، ولا في عمل المنزل، ولا في تنظيفه.. هذا الحكم الشرعي.
فإذا كشفت إحداهن، شيئاً من عورتها، وأثمت بهذا الكشف، لا يحلُّ للباقيات النظر إليها أبداً، بل يجب عليهن الإنكار عليها، ويجب عليهن، منعها من إبداء شيءٍ من عورتها، وإن أصرت إحداهن، على كشفها، لا يجوز الجلوس وهي كاشفةٌ عورتها، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الناظر والمنظور إليه.
نحن نتمنى أن يلتزم الفريقان، الناظر والمنظور، فإذا أخلَّ المنظور، على الناظر أن يغُض البصر، عليه أن ينصح، عليه أن يغُضَّ البصر.
مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، هذه الأحكام للأسوياء، للإنسان الطبيعي، أما لو أنه خُشيت الفتنة، من نظر امرأةٍ مريضةٍ، أو منحرفةٍ، أو فاسقةٍ، أو فاجرةٍ، إلى امرأةٍ سوى ما بين السرة والركبة، لا يجوز، الوضع الطبيعي، المألوف، المرأة السوية، التي تمثِّل الخط العريض في المجتمع، هذا هو الحكم، أما في عدد قليل، نسب قليلة، منحرفة المزاج منحرف، الاتجاه غير سليم، هذه المرأة لا يجوز لها أن تبدي، حتى لمرأةٍ أُخرى قريبةٍ أو غير قريبةٍ، ما سوى العورة، يعني ما فوق السرة، وما تحت الركبة.
والحكم الذي قلته لكم سابقاً، ما حلَّ للمرأة النظر إليه حلَّ مسُّه ؟ يعني ممكن بنت تنظف بنتها فيما سوى العورة، في الحمام، ممكن الشيء المسموح النظر إليه، مسموح مسَّه بلا شهوة، فإذا خُشيت الشهوة، حُرِم مسه، وحُرِم النظر إليه، مع وجود الشهوة، مع خوف الفتنة، هناك أحكام أُخرى، ويقول عليه الصلاة والسلام، فيما رواه مسلمٌ وأبو داود والترمذي:
((....وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ...))
( صحيح مسلم: رقم " 512 " )
كما أنه لا يجوز أن يتلامس الجسدانِ للذكور، لا يجوز أن يتلامس الجسدان للإناث، الحكم نفسه، لأن فيما بين الذكور انحراف معروف، وفيما بين الإناث انحراف معروف..
يوجد عندنا حكم مهم جداً، هو أن المرأة إذا رأت امرأةً، الآن أنظر، أكثر الأُسر الإسلامية، أين كنتم ؟ في بيت فلان، ماذا صار، الزوج عنده فضول، احكوا لنا شو شفتوا، والله عندهم بنت، ما شاء الله ( حولها )، أُوصفييها لنا ، قال مسلمة قال.
لا يجوز لمرأةٍ أن تصف امرأةً لزوجها، إطلاقاً، طبعاً يوجد معها دليل، يقول عليه الصلاة والسلام، فيما ورد في الصحيحين، البخاري ومسلم:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
(( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ))
( صحيح البخاري: رقم "4839" )
أنا أقول لكم: لو أن امرأةً وصفت امرأةً لزوجها، لذهب خيال الزوج، إلى صفاتٍ أعلى بكثير، مما وصفت.
الإنسان ينزع نحو الكمال دائماً، لذلك النبيّ عليه الصلاة والسلام، حينما رأى زيد الخيل، وهذا رجل كان من أصحاب المُروءة في الجاهلية، النبيّ أُعجب به، قال له: من أنت ؟ قال له أنا زيد الخيل، قال له: بل أنت زيد الخير، لله درُّك يا زيد، ما وصف لي شيءٌ فرأيته، إلا رأيته دون ما وصف، إلا أنت يا زيد.
هذه قاعدة، يقول لك: قعدنا في مكان يطيِّر العقل، وإذا رأيته فتقول له: والله ليس بهذه الدرجة، لم يطر عقلنا، الوصف دائماً أكبر بكثير من الواقع، لأن هذا من عجز اللغة، اللغة لماذا هي عاجزة ؟ تقول كبير، ما معنى كبير، بالنسبة للمتكلم ؟ يعني إذا واحد دخله كثير محدود، يقول لك: فلان غني، يجوز هذا الغني مع الغني الحقيقي فقير، لكن كلمة غني من واحد فقير، في حجم عنده، نقلها لواحد أغنى، فتصوَّر أنه أغنى منه، وقد طلع أمامه فقير جداً، فمن عجز اللغة أنها لا تُعطي الحجوم حقيقتها.
لذلك حينما تصفُ امرأةً، الأصل محرم، لكن لو أنها وصفت، لا يقف الزوج في تصوِّره، عند حدود الواقع، بل قد يشتط خياله، إلى أبعد من الواقع، هذا الذي حرَّمه الشرع، إذن لا يجوز، قال:
إذا جاز للمرأة، أن تنظر إلى امرأةٍ أُخرى، قريبةٍ أو أجنبية، في تلك الحدود الضيِّقة، التي سمح بها الشرع، إذا جاز لها ذلك، فلا يجوز لها أن تصف، ما رأت لزوجها أو قريبها أو لأجنبيّ، إطلاقاً.
لذلك أكثر الأُسر، يحضروا أعراس، يتكلموا بعد العرس، فلانة، يعني لهم النساء كلمات خاصة بهم، لو أنهنّ تكلمنّ على مسمعٍ الزوج، فهذا حرام، حرامٌ حرمةً قطعيةً، أن تصف امرأةٌ، امرأةً لزوجها، فكأنه ينظر إليها.
يوجد عندنا استثناء واحد، من يعرف هذا الاستثناء ؟ الخاطب، أن الخاطب له حق أن يشوفها، أن يراها مباشرةً، فإذا وصفت له، أقل من الرؤيا، الخاطب من حقه أن يراها، لذلك إذا ذهبت امرأة، لتخطب لابنها، ووصفت له مخطوبته، الأمر مشروع لا شيء عليه، لكن لا يجوز أن تصف له هذه الفتاة أمام أخيه المتزوج، ليس له علاقة، هذه دقة الشرع، تصف الأُم لابنها، مخطوبته، دون أن ينتقل هذا الوصف إلى آخرين، قال: أما الفاجرة، الفاجرة قد تكون بالهوية مسلمة، لكنها فاجرة، فاسقة، قد تكون زانية، قد تكون متفلِّتة من كل الشرائع، تقريباً، قال:
هذه الفاجرة، لا يحل للمرأة أن تبدي أمامها زينتها، لا يحل للمرأة المسلمة، أن تبدي زينتها، للمرأة الفاجرة.
لأن الفاجرة ليس عندها قاعدة، المسلمة إذا رأت مسلمة، مسلمة لها زوج، و زوجها معلمها، وأبوها معلمها، وأمها علمتها، يعني المسلم يغلب عليه الورع، يغلب عليه الانصياع لله عزَّ وجل، فحينما تبدو امرأة أمام امرأة، أغلب الظن، أنها لن تصفها للآخرين لكن هذه المرأة الفاجرة، إذا نظرت إلى زينة امرأة مسلمة، رُبما وصفتها للأجانب، تصور إمرأة ماشية بالطريق وهي محجَّبة، وقد وصفت عضوا عضواً للأجانب، ما قيمة هذا الحجاب ؟ يعرفونها من الداخل هم حسب الوصف، إذن ما قيمة حجاب المرأة ؟ إذا رأتها فاجرةٌ، ووصفتها للأجانب.
الفاجرة، لا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي، أمامها زينتها، لأنها تصفها عند الرجال، فلا تضع جلبابها ولا خِمارها عندها، لذلك أنا والله أستمع، إلى أخوات مؤمنات يحضرنّ أعراساً، ويرتدين ثيابهنّ الخارجية تماماً، هذا موقف سليم، لماذا ؟ قد يكون في هذا العرس إمرأة فاجرة، القصد حضرن، ولبين الدعوة، أما تبقى المرأة المسلمة في ثيابها المُحتشمة، في الأعراس، أما هذا التقليد، أن تخلع ثيابها الخارجية، وأن تبدو في أبهى زينة ولا تعلم من هنّ المدعوَّات، فإن كان من بين المدعوات فاجرة، الهوية مسلمة لكن فاجرة هذه الفاجرة من طبيعتها، لأن الشيطان يؤزها أزاً، الشيطان، لأنها مع الشيطان، والشيطان يُغري بكل معصية، أنا الذي أتمناه أنه حتى في الاحتفالات، يعني يكون المدعون، قد انتقاهم الداعي انتقاء جيداً، فإذا الانتقاء عشوائي، يجب أن تبقى المرأة المسلمة، في الحدود التي لا تبدو زينتها أمام الفاجرات، الآن الدليل، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾
( سورة النساء )

أين بيت القصيد، أين الشاهد ؟ أو نسائهن، ورد في رد المحتار في تفسير قوله تعالى أو نسائهن: (( أي الحرائر المسلمات، لأن ليس للمؤمنة أن تتجرد، أي أن تخلع ثيابها بين يدي مشركةٍ أو كتابية، هذه معنى أو نسائهن ))


والشيخ النابلسي ورد هنا، له كتاب اسمه هدية ابن العماد، يقول: ((لا يحل للمسلمة، أن تتكشف، بين يدي يهوديةٍ، أو نصرانيةٍ، أو مشركةٍ أبداً، هذا تفسير قوله تعالى أو نسائهن ))
وقال ابن كثير:

(( أو نسائهن، يعني أن تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات، دون نساء أهل الذمة، أي الكتابيات، لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء، إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد))
فيغلب الظن، أن المرأة المسلمة، لا تصف المرأة المسلمة لزوجها، أما الكافرة، والفاجرة، تصِفُها لزوجها، إذن يجوز للمرأةِ المُسلِمة المؤمنة، أن تُظهر زينتها، لمن ؟ لامرأةٍ مسلمةٍ مثلها، أما لغير المُسلمة، لا يجوز، الكافرة، لا يجوز، الفاجرة، لا يجوز والحديث الشريف:


عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَال قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ))
( صحيح البخاري: رقم "4839" )

سيدنا عمر ابن الخطاب، كتب إلى أبي عُبيدة ابن الجراح،والشيخ النابلسي ورد هنا، له كتاب اسمه هدية ابن العماد، يقول: ((لا يحل للمسلمة، أن تتكشف، بين يدي يهوديةٍ، أو نصرانيةٍ، أو مشركةٍ أبداً، هذا تفسير قوله تعالى أو نسائهن ))
وقال ابن كثير:

(( أو نسائهن، يعني أن تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات، دون نساء أهل الذمة، أي الكتابيات، لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء، إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد ))
فيغلب الظن، أن المرأة المسلمة، لا تصف المرأة المسلمة لزوجها، أما الكافرة، والفاجرة، تصِفُها لزوجها، إذن يجوز للمرأةِ المُسلِمة المؤمنة، أن تُظهر زينتها، لمن ؟ لامرأةٍ مسلمةٍ مثلها، أما لغير المُسلمة، لا يجوز، الكافرة، لا يجوز، الفاجرة، لا يجوز والحديث الشريف:


عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ))
( صحيح البخاري: رقم "4839" )
سيدنا عمر ابن الخطاب، كتب إلى أبي عُبيدة ابن الجراح، وقد بلغه أن في الشام حمامات عامة، قديماً، هذه القصة قديمة جداً، من عند سيدنا عُمر، قال له:
(( أما بعد، فإنه بلغني، أن نساءً من نساء المُسلمين، يدخُلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك، لا يحل لمرأةٌ تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملَّتها ))
هذا كلام سيدنا عمر، لأبي عبيدة ابن الجراح.

وقال الإمام مُجاهد في تفسير قوله تعالى أو نسائهن:
(( نسائهن، المسلمات، ليس المشركات من نسائِهن، وليس للمرأة المسلمة أن تتكشف بين يدي مشركة، ولا يحل لمرأةٍ غير مُسلمةٍ، أن ترى، من المرأة المُسلمة زينتها، أو مكان الزينة ))


وروي عن الجاهدٍ أيضاً قال: (( لا تضع المُسلمة خِمارها عند مشركة، لأن الله تعالى يقول: أو نسائهن فليست المُشركة من نسائهن ))

كم دليل أصبحوا ؟ سبعة أدلة تقريباً، وفي تفسير الخازن: (( أو نسائهن، أي المؤمنات، من أهل دينهن، أراد به أنه يجوز للمرأة أن تنظر، إلى بدن المرأة، إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز للمرأة المؤمنة، أن تتجرد من ثيابها عند الذمية، أو الكافرة ، لأن الله تعالى قال: أو نسائهن، والذمية، أو الكافرة ليست من نسائنا، ولأنها أجنبية في الدين، فكانت أبعد من الرجل الأجنبي ))

هذا الموضوع، الذي هو في الترتيب الثالث، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة وكُنا قد أخذنا في الدرس الماضي، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل.
والدرس الأول عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، بقي الموضوع الأخير، وهو عورة المرأة بالنسبة إلى الرجُل، هذا في الدرس القادم إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:48 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - ستر العورة - الدرس ( 5 - 5 ) : عورة المرأة بالنسبة للرجل .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-12-06
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
عورة المرأة بالنسبة للرجل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون...
مع الدرس الرابع من دروس العورة، وقد بينتُ بفضل الله عزوجل، في دروسٍ سابقة، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وعورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وبقي الموضوع الرابع، وهو عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل.
أولاً، تختلف عورة المرأة بالنسبة للرجُل، باختلاف الرجل، من هو هذا الرجل ؟ ما كل رجلٍ، ككل رجلٍ، عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل، تختلف باختلاف الرجل.
كم احتمال يوجد للرجال ؟ هناك رجُلٌ زوج، وهناك قريبٌ مَحرم، وهناك قريبٌ غير مَحرم، وهناك أجنبيّ، أربع أنواع من الرجال، زوجٌ، قريبٌ مَحرمٌ، قريبٌ غير محرمٍ، أجنبيّ.
أما المرأة بالنسبة لزوجها، فليس لها عورة، وله أن يرى منها كل شيء، من فرقها إلى قدمها، بشهوةٍ وبغير شهوة، لأنه لما جاز المسُّ والغشيان، فلأن يجوز ما دونهما وهو النظر، إلى جميع بدنها من باب أولى، إلا أن الأولى، الآن دقة الحكم، إلا أن الأولى ألا ينظر كل واحدٍ منهما، إلى عورة صاحبه، طبعاً المغلظة، السوأة، الأولى، ومن نظر فقد ترك الأولى، لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ ))
( سنن ابن ماجة: رقم " 1911 " )
يعني هذا توجيه إرشادي، فمن ترك هذا، ترك الأولى، ولقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بِلا إِزَارٍ فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ ))
( سنن النسائي: رقم " 3497 " )
ولقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ ))
( سنن الترمذي: رقم " 2724 " )
إذن عورة المرأة بالنسبة إلى زوجها، ليس لها عورة، له أن ينظر إليها من فرقِها إلى قدمها، بشهوةٍ وبغير شهوة، لأنه جاز المس والغشيان، فلأن يجوز ما دونهما وهو النظر، من باب أولى، لكن ذوق النبيّ الراقي وجَّه إلى عدم النظر إلى السوأة، فمن نظر فقد ترك الأولى.
ليس هناك قضية تحتاج إلى بحث، أو إلى أخذ ورد، فيما بين الزوج وزوجته وإذا كان هناك من تفصيلات، تتعلق فيما بين الزوجة وزوجها، فله درسٌ آخر مستقل يعني موضوع الحيض والنفاس، وما إلى ذلك، لكن طبيعة هذا الموضوع، تقتضي أن ننتقل من هذا الجزء من الدرس، إلى الجزء الآخر، وهو عورة المرأة بالنسبة لقريبها المحرم.
الجزء الأول، عنوان الدرس عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل، أجزاءٌ كثيرة من هذه الأجزاء، عورة المرأة بالنسبة لزوجها.
الجزء الثاني، عورة المرأة بالنسبة لقريبها المحرم:
من هو القريب المحرم ؟ القريب المحرم، أي ما حرُم عليه، الزواج منها، الأب الابن، الأخ، العم، الخال، ابن الأخِ، ابن الأُختِ.
قال هؤلاء الأقرباء المحارم، لا يمكن للمرأة أن تُظْهِر أمامهن إلا.. والآن عدم الفهم، أنه أخي، أخوكِ في له حدود، ابني، ابنك هناك حدود، أبي، أبوكِ له حدود.
قال: هؤلاء الأقرباء المحارم، لا يحل لهم أن ينظروا إلى المرأة إلا، الرأس والشعر، والوجه، يجوز، العنق، أعلى الصدر، الأُذن، الساعد، الكف، الساق، القدم هذه المواضع التي يجوز للأقرباء المحارم، أن ينظروا إليها من المرأة، التي يحرم عليهم الزواج منها.
المحارم بحكم المصاهرة:
طبعاً هناك أقرباء محارم، بحكم النسب، وأقرباء محارم بحكم المُصاهرة فالإنسان حماته، أُم زوجته، هذه من محارمه، زوجة ابنه، من محارمه، زوجة أبيه من محارمه، أُمه، أُُخته، بنته، بنت أخيه، بنت أُخته، عمته، خالته، هذه النساء القريبات المحارم.
إذن الرأس، الشعر، الوجه، العنق، الأُذن، أعلى الصدر، الساعد، الكف الساق، القدم، تُلخص هذه المواضع، بأن المرأة عليها أن ترتدي أمام أقاربها المحارم ثياب الخدمة، وثياب الخدمة، هي الثياب التي تغطي، سائر الجسد، ماعدا هذه الأعضاء التي ذكرتها قبل قليل، قال تعالى:
﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ﴾
﴿ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾

( سورة النور )
مرّ شرح هذه الآية بالتفصيل، في سورة النور، فمن أراد التفصيل الدقيق فليرجع إلى تفصيل سورة النور، وهي مُسجلة.
الآن ما الدليل، على أن الظهر، والصدر، في النساء المحارم، لا ينبغي، أن يراها القريب المَحْرَم ؟ دليل قوي جداً، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) ﴾
( سورة المجادلة )
إذا قال الزوج لزوجته: أنت عليّ كظهر أُمي، يعني حرامٌ أن أنظر إليك كحرمة نظري إلى ظهر أُمي، فظهر الأُم بإمكان الابن أن يراه ؟ هذا دليل قوي جداً، طيب أيهما أكثر فتنة الظهر، أم الصدر والبطن، من باب أولى، إذا كان ظهر الأُم، طبعاً والأُخت، والابنة، والعمة، والخالة، وبنت الأخِ، وبنت الأُختِ، وأُم الزوجة، وزوجة الابن، وزوجة الأبِ، أي النساء المحارم، محارم نسب، ومحارم مُصاهرة، إذا قال الله عزوجل: والذين يظاهرون، أي حينما قال أحدهم، أ،ـِ عليّ كظهر أُمي، الله عزوجل قال:
﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾
إذن، فلأن تكون حرمة النظر إلى البطن، والصدر من بابِ أولى، إذاً ما بقي إلا الرأسُ، وما عليه من الشعر، والوجه، والأُذنُ، والعنق، والكف، والساعد، والساق ما تحت الركبة، والقدم، أي ثياب الخدمة، إذن في بيوتنا، البنت أمام أخوها، أمام أبوها أمام ابنها، أمام عمها، أمام خالها، أمام إبن أخوها، أمام إبن أُختها، أمام والد زوجها أمام إبن زوجها، لا يحل لها أن تُظهر، إلا رأسها، وشعرها، ووجهها، وأُذنيها، وعنقها وساعدها، وكفَّها، وساقها، وقدمها، أي عليها أن ترتدي ثياب الخدمة، يعني الثياب المحشومة.
أما قميص نوم يشف عما تحته، أخي، أي أخٍ هذا ؟ هذا خلاف الشرع، ألبسة ضيقة، ألبسة شفافة، ألبسة يعني فيها إبراز للمفاتن، ألبسة فيها تبذُّل، ألبسة تصف ما تحتها تصف خطوط الجسم، هذه كلُّها محرمةٌ، أن تبدو المرأة أمام أقاربها المحارم، إن أردت الإسلام، إن أردت الشرع، إن أردت منهج الله عزَّ وجل، إن أردت أن يبقى هذا البيت مصوناً، إن أردت ألا تقع فيه شبهة، إن أردت النظافة والعفاف، فعليك بإتباع الشرع.
طبعاً يوجد عندنا حكم فرعي، ما حلَّ، نظره من محارمه، حل مسه، الإنسان له حق أن يُصافح أُخته، أن يُمسك بكفها، ما حل نظره من محارمه، حل مسه، طبعاً قال إذا أمن الشهوة، الإنسان السوي، الشخص الطبيعي، الإنسان الذي يمثل الخط العريض، أما النسبة الشاذَّة، هذه لها حكم آخر، كل الأحكام التي تلوتها عليكم في هذه الدروس الأربع، هي متعلقةٌ بالإنسان السوي، فكان عليه الصلاة والسلام، يقبلُ رأس السيدة فاطمة، رضي الله عنها، وكان يقول:
(( من قبل رجل أُمه، فكأنما قبل عتبة ))

لك الحق أن ترى الساق، والقدم، والساعد، والكف، والعنق، والرأس، والوجه، والأُذن، فما حل نظره حل مسه، عند أمن الفتنة.
لكن أنا أتمنى، أن تجعل هناك فرقاً، بين الأقارب، أقارب النسب، وبين أقارب المُصاهرة، أقارب المصاهرة، يجب أن تأخذ إحتياطاً أكثر، فعادات التقبيل، بين الصهر والحماية، هذا ليس وارداً، يعني حتى في رأي متشدد، أنه من قبَّل أم زوجته، وشعر بشيء، حرمت عليه زوجته، فالأولى أن نبتعد كُلياً، عن تقبيل المحارم، بسبب المصاهرة يعني زوجة الابن مشتهاة، لذلك لا يجوز الخَلوة بها، زوجة الأب، التي في سن الابن مشتهاة، لا يجوز الخلوة بها، أم الزوجة، يوجد حالات، تشتهى، لا يجوز، لذلك النساء المتعلقات بالمصاهرة، هؤلاء يجب أن تأخذ إحتياطاً أكبر بكثير، من احتياط الأم، والبنت والأخت، والعمة، والخالة، وابنة الابن، وابنة البنت.
كان بعض التابعين يمشِّط رأس أُمه، لا يوجد مانع، الرأس مسموح، الشعر مسموح، لكن الحكم الدقيق، من لم يأمن ذلك، بأن خاف الشهوة على نفسه، أو عليها، أيام يكون الوضع معكوس، خاف الشهوة على نفسه، أو عليها، أو شك، يوجد درجة أشد من الخوف، الشك، لو شك فلا يحل له النظر ولا المس، قال:
وكذا ما حل من محارمه، النظر إليه حل مسه وحل غمزه، بالتدليك، إذا الإنسان دلَّك، يعني بين كتفي، أو الساق لا يوجد مانع، فالتدليك يجوز لما يجوز النظر إليه أما ما لا يجوز النظر إليه، أنظر الدقة، يحرم مسُّه مباشرةً، ويكره تحريماً دلكه من فوق الثياب، تدليكه، ما حرم النظر إليه، يحرم تحريماً قوياً، مسه مباشرةً، أو دلكه من فوق الثياب.
إذن أول قسم في الدرس، عورة المرأة بالنسبة لزوجها، القسم الثاني، عورة المرأة بالنسبة لأقاربها المحارم، محارم النسب، ومحارم المُصاهرة، ومحارم المُصاهرة درجة يجب أن تكون أدق، وفيها احتياط أكثر.
عورة المرأة بالنسبة لقريبها غير المحرم:
أما عورة المرأة بالنسبة لقريبها غير المحرم، مثل، قال: ابن عمها، ابن عمتها ابن خالها، ابن خالتها، وهكذا سائرُ أقاربها، الآن قريب غير محرم، ابن العم، وابن العمة وأخو الزوج، أخو الزوج قريبها، لكن غير محرم، وابن الخال، وابن الخالة، وسائرُ أقربائها، من النسب، وكزوج الأُختِ، وزوج الخالة، وزوج العمة، وأخِ الزوج، زوج الأُختِ، وأخو الزوج، واضح تماماً، زوج الأخت وأخو الزوج، وزوج الخالة، وزوج العمة، وابن أخِ الزوج، وعم الزوج، وخال الزوج، وأبنائهم، وابن أُخت الزوجِ، وغيرهم يعني تقريباً الأقرباء غير المحارم، ابن العم، وابن الخال، وابن العمة، وابن الخالة، زوج الأخت، أخو الزوج، زوج الخالة، زوج العمة، ابن أخِ الزوج، عم الزوج، خال الزوج وأبنائهم، ابن أخت الزوج، وغيرهم، الحكم سهل جداً، قال:
هؤلاء المحارم غير النسبيِّن، كالأجانب تماماً، بل هناك قولٌ للنبيّ عليه الصلاة والسلام، لأنه أقارب ممكن يطرق الباب، هنا أخي ؟ لا والله تفضل، أخو الزوج، زوج الأُخت صهري، أهلاً وسهلاً صهري، هذا زوج الأُخت، قال الحرمة أشد، فلما سُئل عليه الصلاة والسلام عن الحمو قال: الحمو الموت:
(( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))
( صحيح البخاري: رقم " 4831 " )
لأن له مدخل، يوجد قرابة، هو أجنبيٌ تماماً، والخطر قائم، وأشد.
لذلك مرة ثانية: الأقرباء غير المحارم، ابن العم، وابن العمة، وابن الخال وابن الخالة، وزوج الأخت، وزوج الخالة، وزوج العمة وأخو الزوج، وابن أخِ الزوج وعم الزوج، وخال الزوج، وابنائهم، وابن أخت الزوج، وغيرهم، قال: لا يحل لهم، أن يرو من المرأة شيئاً، كالأجانب تماماً، إلا للضرورة الشرعية، إذا ابن عمها طبيب، له الحق أن يرى وجهها وكفيها، طبيب، إلا أن يكون هناك ضرورة شرعية، وعند أمن الفتنة شرطان، أمن الفتنة، والضرورة الشرعية.
وهؤلاء لا ينظرون من المرأة شيئاً، فإذا نظروا إليها، لضرورةٍ شرعيةٍ، كأن يكون ابن عمها قاضياً، فينظرون إلى الوجه والكفين، أما ما لم تكن هناك ضرورةٌ شرعية فالنظر إلى وجه المرأة حرام، بشهوةٍ حرامٌ حُرمةٌ شرعية، وبغير شهوةٍ مكروهٌ كراهةً تحريمية، بغير شهوةٍ مكروهٌ كراهةً تحريمية، أي ترقى إلى الحرمة، أما بشهوة، حرامٌ مطلقاً.
وقال مؤلف الدُر، وهو كتابٌ في الفقه الحنفي:
(( وينظر من الأجنبية وجهها وكفيها فقط للضرورة الشرعية، فإن خاف الشهوة أو شكَّ، إمتنع نظره إلى وجهها وكفيها، فحِلُ النظر، مقيدٌ بالضرورة وبعدم الشهوة وإلا فحرم ))


الإمام السرخسي، وهو من أعلم علماء السادة الأحناف، وله موسوعة في الفقه، اسمها المبسوط للسرخسي، يقول: (( وحرمة النظر إلى الوجه، لخوف الفتنة، لأن خوف الفتنة في النظر إلى وجهها، وعامة محاسنها في وجهها، ووجهها أشد فتنةٌ من أكثر، سائر الأعضاء ))
( هذا رأي الإمام السرخسي )

وفي الهدية العلائية: (( تمنع المرأة من كشف وجهها خوف الفتنة ))
وهذه الأحاديث الواردة في تحريم النظر، ووجوب غض البصر، عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال:
(( لا تقولوا إنني أتشدد، أنا أُعطيكم الأدلة، أنا لا يوجد شيء من عندي إطلاقاً، لا يوجد إنسان عند شيء أساساً، ليس أنا وبس، لا يوجد إنسان يسترجي أن يأتي بشيء من عنده، هذا شرع، ودين، هذا دين الله، هذه الأدلة، إذا ألقيتها على مسامعكم انتهت مُهمتي، أنتم أحرار بعدئذٍ، أنا لا ألزمكم بشيء، لكن أُبيِّن لكم، يا أخي شددها شوي، يحلها برمة ))
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ وَيْلٌ لِلرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَوَيْلٌ لِلنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ ))
( سنن ابن ماجة: رقم " 3989 " )
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( النظرة سهمٌ مسموم، من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه ))

وعن أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا ))
( مسند أحمد: رقم " 21247 " )
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
(( لتغُضُن أبصاركم، ولتحفظُن فروجكم، أو ليكسفنّ الله وجوهكم ))
( رواه الطبراني )
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي ))
( مسند الإمام أحمد: رقم " 3717 " )
(( عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ إِنَّ لَكَ كَنْزًا مِنَ الْجَنَّةِ وَإِنَّكَ ذُو قَرْنَيْهَا فَلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ ))
( مسند الإمام أحمد: رقم " 1302 " )
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام:
(( كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة، إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعينأ خرج منها مثل رأس الذباب، من خشية الله ))

وعن جريرٍ رضي الله تعالى عنه قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام، عن نظر الفجأة، فقال:
(( عَنْ جَرِيرٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ اصْرِفْ بَصَرَكَ ))
( رواه مسلم وأبو داود والترمذي " أبي داود رقم 1836 " )

الخلاصة، وجه المرأة، ليس بعورة في الصلاة فقط، وعورةٌ بالنسبة للأجانب من حيث حرمة النظر إليه خارج الصلاة، خوف الفتنة، وهي في هذا الزمان متحققة الفتنة متحققة، والفتنة كلها في وجه المرأة، والدليل، الخاطب إن لم يعجبه الوجه، قلما قبل بمخطوبته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
نساء النبي عليه الصلاة والسلام، إذا سألتموهن متاعاً، فسألوهن من وراء حجاب، وقال للمؤمنين عامةً:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾
( سورة النور: آية " 30 " )
من أروع ما في هذه الآية، أن هذه المن للتبعيض، يعني إذا نظرت، إلى محارمك، فغُضَّ من بصرك، كيف ؟ أُمه، أُخته، بنته، بنت أخيه، بنت أخته، عمته خالته، لا تدقق في التفاصيل، لا تنظر نظرةً تفصيليةً، أنظر بعض النظر، غضَّ من البصر، لك أن تنظر شيئاً، أما التدقيق فلا يجوز، هذا معنى من أبصارهم.
والمعنى الثاني، أنك إذا نظرت إلى امرأةٍ فجأةً فغض من بصرك، أي الثانية ليست لك.
المعنى الثالث، أن هناك نساءٌ، لا يحلُّ لك أن تراهنّ، فمرة الغض لنوعٍ من النساء، ومرة الغض لجزءٍ من المرأة، ومرة الغض لزمنٍ من النظر، واحدة للزمن، واحدة للجزء، واحدة للنوع........................... قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59) ﴾
( سورة الأحزاب )
وهذه الآية دقيقة جداً، وأدقُّ ما فيها، قول الله عزَّ وجل:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾
بعض العلماء قال: ذلك أدنى أن لا يعرفن، امرأةٌ تكشف عن وجهها، ألا تُعرف من هي، الوجه هوية، هذه فلانة، هذه بنت فلان، هذه زوجة فلان، فمن أجل ألا تُعرف يجب أن تستر الوجه، الوجه هوية، نريد الدليل، أنا الآية فسرتها سابقاً، فالقرآن حمَّال أوجه.
المعنى الأول: يعني هذا هو الحد الأدنى، الذي تعرف فيه المرأة أنها مؤمنة فإذا عرفت أنها مؤمنة، لم يطمع بها أحد، يعني أية امرأةٍ تكشف عن محاسنها، لسان حالها يقول: أُنظروا إلي، أنا أظهر أمامكم بهذا المظهر، كي تنظروا إليّ، دعوةٌ صريحة، لكن ليست قوليةً، إنما هي عملية، أيما امرأةٍ تكشف عن مفاتنها، إنما تدعو الرجال، بل تدعو الذئاب من الرجال، إلى أن ينهشوها، إذن، من أجل أن تُعرف المرأة أنها مؤمنة، ومُسلمة ولا تبتغي فتنةً، ولا تعرض نفسها على أحد، عليها أن تتحجب:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾

الحد الأدنى، يعني الطالب، ما حده الأدنى ؟ الذي يعرف فيه بين الناس، أنه طالب مدرسة ؟ إذا ارتدى ثياب الفتوة، هذا مستوى الطالب، أن يكون قوي في اللغة العربية والرياضيات، والتاريخ، والجغرافيا، والفيزياء، والكيمياء، والأخلاق، والمنطق والتربية السلوكية، والأخلاقية، وحسن التهذيب، لكن الحد الأدنى، الأدنى، الأدنى، الذي تعرف أن هذا طالب مدرسة، هو ثيابه.
فأقلُّ شيءٌ تعرف به المسلمة، حجابها، بقي أدبها، بقي حياؤها، بقي ضبط لسانها، بقي أداؤها لواجباتها، بقي أداء ما عليها من حقوق زوجها، حسن رعاية أولادها خدمة زوجها، يعني هناك آلاف، الصفات، التي يجب أن تتصف بها المرأة المسلمة، لكن أدنى شيء، تُعرف به، أنها محجبة، وحينما تحجب، كأنها تقول: أنا محجبة، أنا مسلمة، إيَّاكم أن تطمعوا في، هذا المعنى الأول:
﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾
أنظر دقة القرآن، يعني الحد الأدنى، أقل شيء مقبول في المرأة المسلمة أن حجابها، يُنْبيء عن إسلامها، وحجابها يُشير إلى عفَّتها، وإلى صونها.
المعنى الثاني: ذلك أدنى أن لا يعرفن، قد يقول قائل: من أين جئت بهذا المعنى ؟ الله قال: أدنى أن يُعرفن، أتيتكم بدليل من آية ثانية، استمعوا، قال تعالى:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)﴾
( سورة المائدة )
ما معنى أن تقولوا ؟ لئلا تقولوا، فماذا نقدِّر ؟ العلماء قدروا المضاف قال: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيِّن لكم فترةٍ من الرسل، كراهة أن تقولوا يوم القيامة، يوجد مضاف محذوف.
كذلك هنا، ذلك أدنى خوفاً أن يعرفن، يعني لئلا يعرفن، روعة القرآن، أنك إذا قرأت الآية، ذلك أدنى أن يعرفن، لها معنى راقي جداً، يعني هذه المرأة حينما تحجب مفاتنها، هذا هو الحد الأدنى.
يعني إذا إنسان واضع على صدره ميزان، ما المعنى ؟ محامي هذا، يا ترى فهمان ؟ على كل حال معه ليسانس حقوق، أقل شيء، وداخل في نقابة المحامين، ومعه إجازة، وله مكتب، هذا أقل شيء، أما محامي فهمان، متفوق، مستقيم، هذا بحث آخر أما أدنى شيءٍ يعرف به الإنسان أنه محامي، هذا الشعار.
طيب، دخلت إلى غرفة طبيب، رأيت لقيت دكتورا في الطب، الإجازة معلقة توقيع وختم وكله، هذه الشهادة، هي الحد الأدنى أنه طبيب.
امرأةٌ محجبةٌ، هذا هو الحد الأدنى الذي تُعرف فيه أنها مسلمة، لكن هل حجابها هو الإسلام ؟ لا هذا أقل ما في الإسلام، أقل ما فيه، تماماً كالطالب، الحد الأدنى أنه طالب مدرسة، لابس فتوة، لون أخضر يعني طالب ثانوي، وإذ كان أزرق جامعي، هذا الحد الأدنى، يا ترى يدرس، لا يدرس، يداوم، لا يداوم، فهمان، ليس فهمان، ناجح بجهد بالعونطة، بالنقل، بالغش، بحث ثاني، لكن الحد الأدنى أنه طالب، فهذه المرأة المحجبة هذا هو المظهر الذي يمثل الحد الأدنى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾
( سورة الأحزاب: آية "95 " )
محجبة، إذن أنا لا تطمعوا في إطلاقاً.
والمعنى الثاني، أدنى أن لا يعرفن، مين فلانة ؟ لا أعرف والله مين، محجبة أما وجهها مكشوف، هذه زوجة فلان، هذه فتون، سهام، سحر، أين ماشية ؟ ما دام الوجه مكشوف دخل الاسم، ذلك أدنى أن لا يعرفن، هذا المعنى الثاني.
فالقرآن حمَّال أوجه، يعني إذا قلت أدنى أن يعرفن، الحد الأدنى أنها معروفة أنها مسلمة مؤمنة، إذا قلت أدنى أن لا يعرفن، ألا تعرف من هي، محجبة، هذا هو المعنى.
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )

قال: فسَّر عبيدة السلماني، هذه الآية، فقال فيما أخرجه ابن جرير في تفسيره بسنده، قال: (( فلبسها عبيدة، بعباءة، لبسها عبيدة، فتقنَّع بردائه، فغطَّى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق، حتى جعله قريباً من حاجبه، أو على الحاجب ))
قال: ( ورجال هذا السند جبالٌ في الثقة والضبط )
أو وضع حجابٍ غير صفيقٍ على الوجه، بحيث لا يمنع المرأة من رؤية الطريق التي تمشي فيها، يعدُّ مثل ذلك في المعنى.
إما أن نبقي عين واحدة، لترى الطريق، أو حجاب غير صفيق، يعني غير رقيق ترى منه، ولا تُرى منه.
يقول عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس:

(( أمر الله تعالى نساء المؤمنين، إذا خرجن من بيوتهن لحاجة، أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلاليب، ويبدين عيناً واحدة ))
هذا كله تفسير هذه الآية.


الجصاص في تفسيره: (( في هذه الآية دلالةٌ على أن المرأة مأمورةٌ بستر وجهها، عن الإجنبيين وإظهار العفاف، عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن ))


أحد العلماء يقول: (( أمر سبحانه النساء، بإرخاء الجلاليب لئلا يُعرفن، ثم قال: وقد ذكر عبيد السلماني وغيره، أن نساء المؤمنين، كن يدنين عليهن الجلاليب، من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن، لأجل رؤية الطريق ))


الآن يوجد أدلة أُخرى، قال ورد في الآثار الكثيرة: (( أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وعامة المسلمات، كن يخفين وجوههن، عن الأجانب، حتى في حالة الإحرام ))
ويدل ذلك على لزوم ستر الوجه، خشية الفتنة، ولو في حالة الإحرام، وفي سنن ابن داود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ))
( سنن أبي داود: رقم " 1562 " )
وفي الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى، عن فاطمة بنت المنذر قالت:
(( عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ))
( مالك: رقم " 634 " )

وفي فتح الباري، في شرح صحيح البخاري، في كتاب الحج، عن عائشة قالت: (( تسدل المرأة جلبابها، من فوق رأسها على وجهها ))

وفي حديث عائشة الطويل، حديث الإفك تقول:
(( أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ....))
( صحيح البخاري: رقم " 2467 " )
ماذا رأى صفوان ؟ سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ.
فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي كتب السيرة، أن سبب غزوة بني قينُقاع، محاولة اليهود كشف حجاب امرأةٍ مسلمةٍ عن وجهها.
وأخرج الترمذي في الرَضاع، قال:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ ))
( الترمذي: رقم " 1093 " )
المرأة كلها عورة، فيجب سترها، هذه أدلة، من أقوال السلف، والخلف، في تفسير هذه الآيات والأحاديث، وكلها تؤكِّد، بشكل مختصر، أن عورة المرأة، بالنسبة إلى الرجل، على أربع مستويات: زوجها لا عورة بينها وبينه، يحل له أن يرى منها كل شيء من فرقها إلى قدمها، بشهوةٍ وبغير شهوةٍ، لأنه لما جاز المس والغشيان، جاز النظر من باب أولى، لكن النبي يوجد توجيه إرشادي، ألا ينظر كل منهما إلى عورة الآخر، ومن فعل هذا فقد خالف الأولى.
النوع الثاني، نظر الرجل إلى المرأة من محارمه، المحارم، محارم نسب ومحارم رضاع، النسب، الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخِ، وبنت الأخت، أخت الزوجة، زوجة الأب زوجة الأخ، أم الزوجة، هن قريبات بالنسب.
الرأس، شعر، وجه، أذن، عنق، أعلى الصدر، الساعد، الكف، الساق القدم، ثياب الخدمة.
أما الأقارب غير المحارم، حكمهم حكم الأجانب، لا يجوز أن ينظرن إلى المرأة إطلاقاً، وهذه الآيات والأحاديث، التي تؤكِّد، أن الوجه يجب أن يُستر، وهذا ما جاء في كتب الفقه، وإن شاء الله في درسٍ قادم، نتابع بعض الموضوعات الفرعية، في هذا الدرس.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:49 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 11 - 17 ) : لمن تكون الولاية .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-12-18
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وبعد فنحن مع الدرس الرابع من الدروس المتعلقة بشأن الزواج، وقد ذكرنا في درسٍ سابق أنَّ هناك فقراً حقيقياً ينبغي أن يعالج، والفقر كما تعلمون عقبةٌ كؤود في سبيل الزواج، وتحدثت عن الفقر المصطنع، حينما يغالى بالمهور، وحينما يكلّف الخاطب ما لا يطيق، يصبح فقيراً لا لأنه فقير، بل لأن الطلبات تفوق إمكاناته.
الولاية في الزواج

وننتقل اليوم، إلى موضوع الأولياء، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل واضحةٍ جداً جعلَّ صحة عقد الزواج منوطةً بموافقة الولي، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه: (( لا نكاح إلا بولي ))
[الترمذي عن أبي موسى ]
وجود الولي شرطٌ لعقد النكاح، لماذا ؟ لأنه في أغلّب الأحيان لا تعرف الفتاة الرجال، قد يعجبها شكله، ولكن لا تستطيع أن تختبره، بينما الولي لديه خبراتٌ متراكمة تزيد على خمسين عاماً أو عن أربعين عاماً، هذه الخبرات في معرفة الرجال، لذلك لئلا تقع الفتاة في شرِّ عملِّها، أو لئلا تخدع، أو لئلا يستغل طيبها، وسذاجتها أحياناً، أو عدم معرفتها بالرجال، فلا بدِّ من ضمانةٍ في نجاح الزواج، هذه الضمانة هي موافقة الولي.

من هو الولي ؟
من هو الولي ؟ أبوها أقرب الناس إليها، أكثر الناس حباً لها، أشدُّ الناس حرصاً عليها، أي لا يوجد علاقة في الأرض تفوق علاقة الأب بابنه، أو الأم بابنتها، فلذلك الشرع الحكيم جعل موافقة الولي شرطاً لصحة العقد.
حينما تأيَّمت حفصة بنت سيدنا عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله e، فتوفي بالمدينة، فقال عمر رضي الله عنه:
<< أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكرٍ رضي الله عنه فلم يرجع إليَّ شيئاً، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه >>.

وجوب تزويج الولي ابنته أو مَن في حُكمها
ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ حب سيدنا عمر الشديد على تزويج ابنته، وأيما أخٍ مؤمن يحرصُّ حرصاً بالغاً، ويتحرك، ويسعى، ويأخذ بالأسباب ليزوج ابنته، فهذا موقفٌ نبيل، فإن زوجها من شابٍ مؤمن حفظ لها دينها، وحفظ لها دنياها، وأعطاها حقها الطبيعي في أن تكون أمًّا، وإذا رأيت أباً لا يعبأ بتزويج بناته، فيتكبر على الخطَّاب، ويضع الشروط التعجيزية، ولا يبالي، بل إن بعض الجهلّة يقولون: " هذه الفتاة تركتها لشيخوختي "، لقد أخطأ في حقها خطأً لا يغفر، هذه تركتها لشيخوختي، لا يحب أن يزوجها.
قد تكون إحدى الفتيات على علاقةٍ طيبةٍ جداً بأبيها، تخدمه خدمةً فائقة، فهذا الأب بعقله الباطن لا يتمنى أن يزوجها، إنه سعيدٌ بخدمتها، هذا الذي يؤْثر مصلحته وحظوظه من خلال ابنته، ومن خلال خدمة ابنته له، على صالح ابنته، فحينما يغيب هذا الأب عن الحياة، فهو أبٌ اقترف ذنباً لا يغفر.
لذلك عرض سيدنا عمر ابنته على حفصة سيدنا عثمان، ثم عرضها على سيدنا الصديق، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخطبها، فأنكحها إياه.
فهذه المقدمة تعني أن على ولي الأمر أن يسعى جاهداً لتزويج ابنته، أحياناً يسلِّكها طريقاً بعيداً عن أنوثتها، لذلك عندئذٍ لا يُقدم عليها أحد، ولا ترضى بأحد، بعد حين يفوتها قطار الزواج، بعد حين تتألم أشدَّ الألم، تتعقد أحياناً، عندئذٍ تندب حظها وتنحِّي باللائمة على أبيها، فلذلك أردت من هذه المقدمة أن أبين لكم أن الأب المؤمن ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تزويج بناته، طبعاً ليس الأمر بيده مطلقاً، عليه أن يسعى وعلى الله الباقي، فالسعي مطلوب.
إخواننا الكرام، فهنا نقطة دقيقة جداً.
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
( سنن أبي داود )
هذا الحديث لو فهمناه فهماً دقيقاً، ففهمنا أبعاده لكان المسلمون اليوم بحالٍ غير هذا الحال، الاستسلام والضعف واليأس والقنوط لماذا ؟ فتحرك، واسعَ، ألم يقل سيدنا شعيب لسيدنا موسى:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
( القصص )
فإذا كان الأب يكبر عليه أن يعرض بناته، فلا بدَّ من وسيط قريب من العائلة يسعى لتزويج الفتيات، وقد ذكرت لكم هذا في دروسٍ سابقة، فأفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، حينما تخطب الفتاة من شابٍ مؤمن، تعمُّ الفرحة في بيت أبيها، فقد اطمأن على دينها وعلى دنياها، عليه أن يقدِّم ما يستطيع، أن يتساهل، إذا كان يملّك يقدم إذا لا يملك يتساهل، أما لا يملك ولا يقدم ولا يتساهل، هذا إنسان أحمق، إما أن يقدِّم، وإما أن يتساهل.

السلطان وليُّ مَن لا ولي له
الآن هذا الولي الذي جُعلَّ عقد النكاح موقوفاً صحته على موافقته، لو أنه غير موجود، فلو أنه كان مسافراً، أو لو أنه غائب، لو أنه في السجن، كيف نعمل ؟ العلماء قالوا: " الولي إما أن لا يكون موجوداً حقيقةً أو حكماً ".
معنى: موجودا حقيقةً: ليس لها أب، كأن يكون الأب متوفى.
ومعنى: حكماً كأن يكون مسافرًا، أو مسجونًا أو غائبًا أو مفقودًا، أو مصابًا بصفة تمنعه أن يحكم في أمر ابنته.
الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنه، طبعاً إذا قلنا عن أحد التابعين، أو عن أحد العلماء العاملين والفقهاء والمحدثين: رضي الله عنه، كما تعلمون هذه العبارة دعائية، أما إذا قلنا: عن أصحاب رسول الله رضي الله عنه، فهذه تقريرية، والفرق كبير بين أن تكون غنياً فيقال لكَ: " لقد أغناك الله، وبين أن تكون فقيراً فيقال لك: أغناك الله "، الأولى دعاء، والثانية تقرير، وإذا قلت عن التابعين، وعن العلماء العاملين وعن الفقهاء والمحدثين: رحمه الله تعالى، هذه تنفي الإشكال، أما لو قلت: رضي الله عنه لإنسان من التابعين أو العلماء المتأخرين، هذه دعائية، أما إذا ذكرت صحابياً، وترضَّيت عنه هذه تقريرية، والفرق بينهما كبير.
فسيدنا بن عباس رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما لأنه وأبوه صحابيان.
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ ))
قالوا: " والسلطان وليُ من لا وليَ له، والقاضي ينوب عن السلطان، في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ".
هذه أول قضية حُلّت، فلو فتاةٌ ليس لها ولي وجاءها خاطب والعقد معلق على موافقة الولي، هنا السلطان وليُ من لا وليَ لها، والقاضي الشرعي ينوب عن السلطان في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها، ولكن ماذا نعني بالسلطان ؟ يقول بعض العلماء: " نائب الحاكم ولي، أمير الأعراب ولي، رئيس القرية ولي ".
فالقرية لها مختار، وهؤلاء الأعراب لهم شيخ قبيلة، وفي المدينة القاضي الشرعي، فأي شخص من عِلية القوم من بيده أمرّ هذه الجماعة، هذا يعدُّ نائباً للسلطان في تزويج من لا ولي لها.
بعض العلماء يقول: " إذا كان ولّيها غائباً في موضعٍ لا يصل إليه الكتاب، أو يصلُّ فلا يجيب عنه، زوَّجها من هو أبعد منه من عصبتها، فإن لم يكن فالسلطان ".
يوجد عندنا حل آخر، الأب ولي، وهو غائب لا نعلَّم أين هو، أو نعلم أين هو، لكن لا نستطيع أن نصلّ إليه، فإذا وصلّنا إليه قد لا يجيب لسبب أو لآخر، إذاً هناك وليٌ من الدرجة الثانية، أخوها فالأخ ولي، وعمها وخالها، وهكذا، فإن لم يكن هناك وليٌ من قرابتها، كان السلطان أو نائب السلطان ولياً في تزويجها.
إذا غاب الولي غيبةً طويلةً انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، وهكذا، إلى أن نصل إلى السلطان أو نائبه في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها.
هناك سؤال: أيهما أفضل إذا غاب وليها، أن يزوجها وليها الأبعد، أم السلطان أكثر ؟ الفقهاء على أن وليها الأبعد أولى من السلطان في تزويجها.
النقطة الثانية: أية مدةٍ إذا غاب عنها الولي فقد ولايته، وانتقلت الولاية إلى غيره، أو إلى من هو أبعد منه، وهذه بحسب الأعراف والعادات، فكلّ بلدة أو كلّ مجتمع له عرف، فإذا سافر الإنسان إلى المحافظات أسبوعا، أو يسافر إلى بلد نفطي مثلاً شهر يسافر إلى بلد أبعد، فهناك سفر معقول ضمن العمل، لكن إذا انقطعت الأخبار، وطالت المدة، وفي عرف هذه البلدة أنه لن يعود، فلعلَّ هذا الوقت هو الذي يعدُّ مبرراً لأن يتولى الولي الآخر أمر زواجها.
أحياناً الرق والصبي، والمجنون والمختل، والهرم ومن أصابه خبل، هذه صفات تخلع عن الولي حقه في الولاية، عندئذٍ يعين الأبعد أو نائب السلطان.

حكم تعدد الأولياء في الزواج تنازعهم في الولاية
أحياناً يأتي خاطب، فيتشاجر الأولياء على تفاوتهم، فالأم تريد، والأب لا يريد، الأب يريد، والأم لا تريد، والأخ يحلّف أيماناً معظمة إذا زوِّجت أخته لهذا الشاب لقتلّه، فرضاً، إذا وقعت منازعةٌ بين الأولياء على تفاوت درجتهم، عندئذٍ السلطان أو من ينوب عنه يزوج هذه الفتاة.
وردَّ في حديث شريف رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى اله عليه وسلّم:

((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ ))
إذا كان الأولياء في التعددِّ سواء، لها خمسة إخوة، وأبوها متوفَّى، فإذا قلت: المتوفِّي غلط، المتوفِّي هو الله جلَّ جلاله، توفَّى، يتوفَّى، المتوفِّي، الصواب متوفَّى، الإنسان متوفَّى، فإذا تعدد الأولياء وكانوا في مستوى واحد، نأخذ برأي أفضلّهم أو أكبرهم سناً.
أحياناً يرفض الولي تزويج ابنته، إما أن هذا الرفض معقول، وإما أنه غير معقول، فأحياناً تكون الفتاة مريضة مرضا عضالا، ولحكمةٍ أرادها أبوها لم يعلِّمها بهذا المرض، والزواج لا يناسبها أبداً، فإذا رفض التزويج ليس مضطراً أن يُنبئ ابنته بالسبب إن رفعت أمرها إلى القاضي، لأن القاضي الشرعي ولي من لا ولي له، القاضي عليه أن يستدعي الأب ليسأله عن سبب رفضه، فإما أن يقنع القاضي فينضم إلى الولي، وإما أن لا يقنع فيزوجها القاضي.
روى الإمام البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال:

((زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ]فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ))
أحيانًا تأخذ الإنسانَ حميّةٌ، يريد أن يؤدِّب هذا الرجل، فيقول له: والله لا أزوجك أبداً، فمن الضحية ؟ الفتاة، هذا اسمه عضل، والعضل لا يجوز، فإذا كنت في خصومة مع شخص أو في مشكلّة أو قضية فالأولى أن تجمدها، وأن تلتفت إلى صالح الفتاة.
فقد تنشأ مشكلّة في أثناء الخطوبة، أو قبل عقد القران، فيتألم الأب أحياناً، أو يتألم الأخ، أو أن الأب يريد أن يؤدِّب هذا الخاطب، أو أن يؤدب هذا الطالب، فيمنعه من الزواج من هذه الفتاة لا لشيء إلا ليأخذ بثأره، أو ليثبت شخصيته قال: هذا لا يجوز، إذا كان الخاطب جيداً، وكانت الفتاة ترضى به، فالأولى أن نجمِّد مشكلتنا مع هذا الخاطب، وأن نحكِّم مصلحة الفتاة في هذا الموضوع، الآية الكريمة:

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾
( سورة البقرة: آية " 232 " )
الإمام الطبري، يفسر هذه الآية فيقول: " والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: أن الله تعالى ذكره أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النساء، مضارة من كان له أولياء من النساء، يعضلهن عمن أردن النكاح من أزواجٍ كانوا لهن، فبن منهنَّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاقٍ أو فسخ نكاح ".
أي بانت بينونة صغرى، ثم جاء يخطبها مرةً ثانية، أما البينونة الكبرى حتى تنكح زوجاً غيره، لكن لو أن إنسان طلَّق زوجته طلقة واحدة، وانقضت عدتها ثلاثة قروء ملكت نفسها، بإمكانها أن ترفض، وبإمكان وليها أن يرفض، لأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بالولي، فإذا طلَّقها تطليقةً واحدةً، وبانت منه بينونة صغرى، ثم ندم على فعلته، وجاء يخطبها مرةً ثانية، ليس للولي الحق أن يعضل فتاته أو ابنته، عن أن تتزوج زوجها التي بانت منه قبل قليل.
بالمناسبة، الإنسان إذا طلق زوجته تطليقة واحدة، تبقى في بيته ثلاثة قروء، في هذه المدة بإمكانه أن يراجعها من دون عقد، ولا مهر، ولا ولي، ولا أي شيء، مراجعة قولية أو فعلية، لو وضع يده على يدها فقد راجعها، لو قال لها: لقد راجعتك، فقد رجعت إليه، لكن حُسبت طلقة، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، يمكن أن تعقد عليها عقداً جديداً، وأن تعود إليه من دون أن تضطر أن تتزوج رجلاً آخر، هذه البينونة الصغرى.
يوجد عندنا حكم شرعي دقيق، أن الولي إذا عضل أي رفض تزويج ابنته، من زوجها الذي طلَّقها وبانّت منه بينونة صغرى، لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصرَّ، زوج عليه الحاكم والله أعلّم.
المفروض نائب السلطان القاضي الشرعي، يرى في رأي الولي، لعل هناك مشكلة لا يعلّمها، لعل هناك عقبة كؤود، لعل هناك مفسدة كبيرة من عودتها إليه، لا بدَّ من التشاور.
عندنا حالة يؤسف لها كثيراً، أنَّ ولي الفتاة ينتظر خاطباً غنياً، فيعضل ابنته لعلّة الغنى، أي يتمنى خاطباً غنياً، فكلّما جاء خاطبٌ فقير رفض، هذا عضل وبإمكان الفتاة التي يرفض أبوها تزويجها لهذه العلة أن ترفع أمرها إلى القاضي.
شيء آخر، أحياناً يكون للفتاة دخل أو لها إرث كبير، فيريد الأب أن تبقى في حوزته حتى يتصرف في أملاكها، يخشى أن يأتي زوج، فيأخذها منه، ويأخذ معها ما تملك، هذا أيضاً الدافع مادي، وعندنا قاعدة أساسية، إذا ابتغى الإنسان مرضاة الله عزَّ وجل جاءته الدنيا وهي راغمة، أما إذا أراد الدنيا، خسر الدنيا والآخر.
لدي كلمات أقرأُها لكم:
" إذا رضيت الفتاة رجلاً، وكان كُفئاً لها، وجب على وليها، كالأب أو الأخ أو العم، أن يزوجها به، فإن عضلّها أي امتنع، زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم أو نائب الحاكم، وأقصد به القاضي الشرعي، بغير إذنه، باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، وليس له أن يعضلها عن نكاح من ترضاه، إذا كان كفئاً في اتفاق الأمة، وإنما يجبرها، ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة، الذين يزوجون نساءهم بمن يختارون لغرضٍ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك ".
وأحياناً هناك نوع من الإكراه هو الإخجال، أي كلام فيه استعطاف، فيه إثارة عاطفة البنوة نحو أبيها، هذا الشيء كان بالحياء فهو حرام، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطبت ابنته يعطيها ظهره، ويقول:

((يا بنيتي، إن فلانا قد ذكرك، لك الخيار))
[ورد في الأثر]
فقضية التزويج وهذه نصيحة إلى إخواننا الكرام، أنت ترى أن هذا الإنسان جيد جداً، لكن لم يرق لابنتك، فإذا رفضت ينبغي أن ترفض، لك أن تقول لها: فلان أخلاقه عالية، لكن كما أنك مُكلّف أن تختار لها الأصلح، هي مسموح لها أن تختار من تعتزُّ به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، جاءت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تطلب الطلاق من زوجها فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ ))

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ))
[البخاري]
هذه هي المخالعة، فالأب يجب أن يحترم رغبة ابنته، قد تكره هذا النموذج، قد تكره هذا الشخص، لا بدَّ من موافقة الولي، وموافقة الفتاة معاً، فبعض الصناديق يكون لها مفتاحان، لو ملكت مفتاحا واحدا لا يفتح، لا بدَّ من استخدام المفتاحين معاً.
الحقيقة أنّ هذا الموضوع واضح، لحرص الإسلام على إحصان الفتيات، وعلى تأسيس الأسر الإسلامية، النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، شرَّع لنا أن الولي فإذا كان مفقوداً حقيقةً، أو مفقوداً حكماً، أو كان حجر عثرةٍ، تولى السلطان تزويج هذه الفتاة التي لا ولي لها أو لها وليٌ مفقود، أو وليها يعضلّها عن الزواج، عندئذٍ يتولى الأبعد، أو نائب السلطان، وهو القاضي الشرعي، تزويج هذه الفتاة، وأحياناً الإنسان يصل إلى الدرجة من الاعتداد بالنفس ومن أجل أن ينفذ كلمته يضحي بمستقبل بناته.

إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية
ننتقل إلى فصلٍ جديد في هذا الموضوع، وهو إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية، هناك تدابير ينبغي أن يفعلّها الإنسان قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بعد الزواج، كيف أن الابن له حقٌ عليك قبل أن يلد، ما حقه عليك ؟ أن تحسن اختيار أمه، هناك أساليب ينبغي أن تفعلها قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بينك وبين زوجتك بعد الزواج، فمن هذه التدابير:

استحباب النظر إلى المخطوبة والخاطب
استحباب النظر إلى المخطوبة، الآن دققوا: فمن فضل الله علينا أنا لا أعتقد أن في ألف ولي وليا واحدا لا يريد لابنته أفضل زوج، في الأعمّ الأغلب في مجتمع المؤمنين الولي عنده رحمة بالغة وحرص شديد على تزويج ابنته، إلا الحالات الشاذة، لذلك القسم الأول من هذا الدرس يتعلَّق بفتاة ليس لها ولي حقيقةً، أو لها وليٌ غائبٌ، فهو كالمفقود حكماً، أو لها وليٌ يعاني من مشكلة فيعضلها، عندئذٍ هناك من يزوجها، إما وليٌ آخر أو القاضي.
لكن الآن دخلنا في صميم الموضوع، هناك مشكلات، تنشأ بين الزوجين أسبابها أنه لم ينظر إليها، أو أنه نظرَّ إليها، ولكنه رجَّح مصلحةً غير مصلحة أنها في طموحه، فإذا تزوج الإنسان فتاة دون طموحه بكثير، ورضيها، وأحسن إليها، فلا يوجد مانع، فهي بطولة، أما إذا قبلها بادئ الأمر، ثم بالغ في إهانتها، لأنها لم تكن في طموحه، فقد أجرم بحقها، الفتاة عند أهلها معززةٌ مكرمةٌ، وتعيش في أجواء أخرى، ثم دخلت أجواء الزواج وأجواء علاقتها بالرجال، تعيش حياة طهر واستقامة وصفاء، لها أبٌ يحبها، ولها أمٌ تعطف عليها فأنت قلت: " أنا أختارها زوجة لي، ولا يعنيني الجمال إطلاقاً "، فلا مانع من ذلك، وهي بطولة منك، لكن حينما تأتي إليك فتنكد عيشها، وتمتهن كرامتها، لأنها ليست في طموحك، هذه جريمةٌ بحقها، لذلك إذا أردت أن تكون من عامة المؤمنين انظر إليها.
النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته الكريمة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ))
ومعنى أن يؤدم بينكما، أي أن تدوم المودة بينهما، فأحد أسباب المودة بين الزوجين، أنه نظر إليها، ولم يغرر بها، ولم يدلس له عليها ورضيها، وأعجبته، وخطبها عن قناعةٍ، وعن رغبةٍ، وعن شوقٍ عندئذٍ لا يندم على الزواج منها، هذا مما يعين عن المودة فيما بين الزوجين.
بعض العلماء قال: " معنى أن يؤدم بينكما، يكون بينكما الألفة والمحبة، لأن الزواج منها كان بعد معرفةٍ، فلا يكون بعدها ندامةٌ غالباً ".
أي إذا نظرت، وأعجبتك وكانت ضمن الطموح الذي تريده، انتهى موضوع الندامة، وموضوع اللوم، كأن تقول: " لولا أنت لما تزوجتها، لولا أن أمي ضغطت علي لما تزوجتها "، فهذه القضية قضية عمر مديد.
فمن هذه الأمور التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام: استحباب النظر إلى المخطوبة، واستحباب النظر إلى الخاطب، ولهنَّ مثل الذي عليهنّ، ووجوب استشارة البنت وتأكيد استشارة الأم، أربع أشياء، أن تنظر إليها، وأن تنظر إليك، وأن تستشار البنت في الزواج، وأن تستشار أمها، فإذا جاءت الموافقات بالأربع، في الأعم الأغلب ستكون المودة والمحبة بين الزوجين.
لكن الحكم الشرعي هو الاستحباب لا الوجوب، فهناك حالات كأن يتزوج الإنسان بنت إنسان عظيم، لعله ينال شرفاً رفيعاً بهذا الزواج، لذلك لا يمكن أن يعلِّق أهميةً على الأمور الثانية، فهو إذا رفض النظر هذا تخلى عن حقه، ولكن الزواج صحيح، فالتوجيه النبوي على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب، لو أن الولي لم يوافق فالزواج باطل، ولو أن العقد بلا مهر فالزواج فاسد يصحح، أما لو الزواج تم، ولم ينظر الخاطب إلى مخطوبته فالزواج صحيح، لكن لن يتخلَّى عن حقٍ له مشروع، والأولى أن تمارس حقك الذي شرعه لك النبي عليه الصلاة والسلام.
وهناك حديث آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ))
( من سنن أبي داود: رقم " 1783 " )
المعنى واضح، ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، أي أن تكون على الصفة الفلانية، هكذا طموحه، فإذا نظرت إليها، ورأيت فيها ما يدعوك إلى نكاحها، هذا من علامات التوفيق، ومن العلامات المودة والرحمة بين الزوجين.
عَنْ أَبِي حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ ))
( مسند أحمد )
عندنا حكم فرعي، وحكم لطيف جداً، أحياناً يأتي الخاطب الأول فلا يعود، ويأتي الخاطب الثاني فلا يعود، والخاطب الثالث فلا يعود، والأب حريص حرصاً بالغاً على معنويات ابنته، وعلى شأنها وعلى مكانتها، قد تكون فتاة مؤمنة، حافظة لكتاب الله، فهذه قلامة ظفرها تعدل عند الله ألف فتاة غير متدينة، بل مليون، فإذا كان أول خاطب لم يعد، والثاني لم يعد، وخاف الأب على مشاعر ابنته أن تجرح، وعلى معنوياتها أن تهبط يحق للأب أن يسمح للخاطب الثالث أن يراها دون أن تدري، ومن الممكن ذلك، وهنا الحكمة أن يراها دون أن تدري.
أما إلى ماذا ينظر ؟ لقد شرح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث الشريف الذي ورد فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى المخطوبة فقال: " وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها إلى الوجه، وهو مذهبنا، ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد، وجماهير العلماء أن ينظر إلى وجهها وكفِّها ".
بعضهم علقَّ هذا التعليق: " يستدلُّ بالوجه على الجمال، أو جلده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمه " الوجه مجمع الجمال، قال: " ولا يباح النظر، إلى ما لا يظهر عادةً ".
في العادة هذه الفتاة في بيت أهلها، هناك أشياء لا تظهر عادةً منها فلا يباح النظر إلى مالا يظهر عادةً.
بعض العلماء قال: " للخاطب أن ينظر إلى أكثر مما ذكر "، ولكن الإمام النووي يقول: نرى ألا ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين، وذلك لسببين: أن الوجه مجمع المحاسن، ويكفي في الإخبار عن حسن صاحب الوجه، والكفان كما يقول النووي ينبئان عن خصوبة الجسد وصلابته، فلا ينبغي تجاوز الوجه والكفين إلى غيرهما ".
ويرجِّح الإمام النووي أن ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط.
هنا تعليق لطيف، لو أراد هذا الخاطب أن يستزيد من صفات المرأة، فله أن يرسل إحدى قريباته فتعطيه الزائدة، هذا من الممكن يرجح وهذا مباح، يقول الإمام النووي: " إذا لم يمكنه النظر، استحب له أن يبعث امرأةً يثق بها، تنظر إليه وتخبره ".
وهناك نقطة مهمة جداً في الخطبة، أحياناً يكلّف الإنسان امرأة ليست ثقة، ليست متديِّنة، فلو كلَّفها أو لو كلَّف مثلاَ زوجة أخيه أن تخطب له، هذه الزوجة لا تسمح أن تأتي من تنافسها في الجمال، فإذا أرسلَّها إلى فتاةٍ تحقق طموحه فستعطيه صفات مخالفة، فإذا أرسل الإنسان امرأة لكي تخطب له فينبغي أن تكون ثقةً، ورعةً، لا تكذب، لا تغير الصفات لا تبدِّل، فأنا أعرف عشرات بل مئات الفتيات، اللاتي رفضن وهنّ في أعلى مستوى لغيرةٍ أصابت الخاطبة أو لحسدٍ، أو لمشكلةٍ، أو لعداوةٍ، أو لمنافسةٍ، فالابن أو الأخ بسيط فإن قيل له: الفتاة لا تناسبك، فبهذا القضية انتهت، أو أنها تعرج عرجةً خفيفة، وقد تكون غير ذلك، فأحياناً هذه الخاطبة التي ليست ثقةً ربما شوَّهت الحقيقة.
الحقيقة أن الحياة تحتاج إلى ورع، المؤمن الصادق يتعامل مع المؤمنين، وبالإيمان حد أدنى، المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلِّها، إلا الكذب والخيانة، أقول لكم هذا الكلام الدقيق: مؤمن يكذب ؟ يتكلّم كلامًا غير صحيح ؟ يفتري ؟ يبالغ ؟ يطمس المعالم ويشوِّه ؟ هذا ليس مؤمناً، يجب أن تنقل الواقع بأمانة.
طبعاً في موضوع إرسال النساء للخطبة هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، بعث امرأةً تنظر إلى من خطبها النبي عليه الصلاة والسلام.
والأولى عندنا قاعدة في الحديث، وهي أن الحديث المتواتر، يستحيل الكذب فيه، فقد رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير يستحيل التواطؤ على الكذب، فإذا كان الإنسان حريصًا على أن يخطب هذه الفتاة، وكان معه عنها معلومات جيدة جداً، فإذا أنبأته امرأةٌ ليس من صالحها أن تخطبها له بصفات مناقضة لما يعلَم، له أن يرسل امرأةً أخرى، فإذا جاء التواتر موافقاً، فيرسل امرأة ثالثة، فإذا جاءت الأوصاف متشابهة، معناها كلهنَّ صادقات، أما إذا كان هناك تناقض في الصفات، معنى ذلك أن إحداهن ليس لها مصلحة في هذا الزواج، فكنْ عاقلاً ولا تكون ألعوبة بيد الأخريات، كنْ عاقلاً فلا تحكم إلا بعد التثبت والتحقق.
بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نظر المخطوبة إلى الخاطب، واستشارة الفتاة، واستشارة أمها، هذه من التصرفات التي تحقق المودة بين الزوجين.

أسئلة متعلقة بالخِطبة
هناك أسئلة متعلّقة بهذا الموضوع لعلّها مهمةٌ ومفيدة:

السؤال الأول:
متى يسمح للخاطب بالنظر إلى الفتاة ؟ قبل الخوض في التفاصيل الأخرى أم بعدها ؟

الجواب:
والله الأولى والأصوب، والأكمل والشيء الشرعي أكثر، أن ينظر إليها بعد أن يتفق الفريقان على كلِّ شيء، وتبقى الرؤية الحاسمة، أما هناك أكثر من سبب لعدم تحقق هذا الزواج، فما الفائدة من النظر إليها ؟ فمثلاً أهل الفتاة لا يزوجون خارج بلدهم، والخاطب مقيم بدولة خليجية، ويريد أن يراها، فلا داعي أن تراها ما دام إرسالها إلى هذا البلد مرفوض، أو لا يزوجون إلا في بيت مستقل، والخاطب لا يوجد عنده بيت مستقل، فلماذا تريد أن تراها ؟ أكثر الناس أول المرحلة الرؤية، فلا داعي لذلك، فلك أنت ظروف ولهم شروط، فإذا توافقت ظروفك مع شروطهم، اطلب أن تنظر إليها، أما أن يكون التناقض بين ظروفك وبين شروطهم فليس هناك حاجة أن تنظر إليها.

السؤال الثاني:
سألني أخ سؤالا: ما رأيك بتعدد الزوجات أسوةً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟

الجواب:
ألم يعجبك منه غير التعدد اللهم صلِّ عليه ؟ التعدد مباح وليس واجباً، والأصل ما دام الله عزَّ وجل خلّق تقريباً النسبة بين الرجال والنساء خمسين بخمسين، فالأصل زوجة واحدة، أما حينما تكون المرأةٌ عاقرًا، هل الأولى أن نطلقها، وأن نلقيها في الطريق، أم أن نسمح لهذا الزوج المحروم من الولد بالزواج من ثانية ؟ نسمح له بالزواج من الثانية.
امرأةٌ مريضة، الأولى أن نطلقها، ونلقيها في الطريق، أم أن نسمح لزوجها المحروم منها لعلة مرضها أن يتزوج ثانية ؟ نقول له: تزوج ثانية.
رجلٌ له حالةٌ خاصة، لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أنسمح له بالزنا أم بالخليلات، أم بزوجة ثانية ؟ بزوجة ثانية.
عقب الحروب، مليون قتيل في بعض الحروب التي وقعت بين بلدين إسلاميين ودامت ثماني سنوات فقد فيها مليون قتيل، فماذا نفعل ببقية النساء ؟ ندفعهن للانحراف، أم نسمح بالتعدد ؟ نسمح بالتعدد.
إذاً التعدد مباح وليس واجباً، وتتضح إباحته جليًّا في هذه الظروف، كامرأةٌ لا تنجب، أو امرأة مريضة، أو امرأة لا تحصن زوجها، ويخشى عليه أن يلتفت إلى غيرها، أو أن الرجل لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أو عقب الحروب والنكبات، في هذه ظروف إذا سمحنا بالتعدد في هذه الظروف، لا بدَّ من العدل التام لا المطلق، فالمطلق يشمل، ميل القلب:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ:

(( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ ))
أما التام، السكنى، أي أن البيتين في مستوى واحد، الإنفاق اليومي، المبيت أو الوقت، فإذا كان هناك حاجة، وكان هناك قدرة، وكان هناك عدل تام، فالتعدد مباحاً وهو رأي الشرع.

السؤال الثالث:
إذا خطب رجلٌ فتاةً ثم تزوجها، وبعد الزواج اكتشف فيها عيباً لم يعرفه قبل الزواج، فما هو رأي الشرع بذلك ؟ وهل من حق الخاطب أن ينظر إلى مفاتنها المخفية عن الأنظار ؟

الجواب:
مثلما تكلمنا سابقاً له أن ينظر إلى الوجه والكفين، وهناك رأيٍ ضعيف، لم يجمع عليه العلماء، أن ينظر إلى أكثر من ذلك، أي للشعر، لكن أن ينظر إلى ما ينبغي أن لا ينظر إليه، لا يجوز هذا وهو خلاف الفطرة، أما إذا اكتشف فيها عيباً، العلماء في كتب الفقه نصوا على العيوب التي تجيز للزوج أن يفسخ العقد، فليس كل عيب، كأن يكون عندها ثلاث أسنان محشوة، خير إن شاء الله، فأنت لك عشرة أسنان، لديك محشوة، فهناك عيوب لا تقدِّم ولا تؤخر، وليس هناك إنسان خالٍ من العيوب، أو سليماً مئة بالمئة، لكن هناك عيوب العلماء نصوا عليها تمنع تحقيق مصلحة الزواج، هذه تعالج في درسٍ قادم إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:53 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 12 - 17 ) : حقوق الخاطبين وعوامل تمتين العلاقة بعد الزواج .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-12-25
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الخامس من دروس الزواج، وقد ترون معي أن هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعالج في هذا الوقت، وقد وصلنا في الدرس الماضي، إلى نظر المخطوبة إلى الخاطب، وتحدثنا أن هناك تصرفاتٍ يمكن أن تمتِّن العلاقة الزوجية، هناك تصرفاتٌ قبل الزواج، تمتن هذه العلاقة، وأخرى بعد الزواج تمتن هذه العلاقة، فأما التي قبل الزواج فنظر الخاطب إلى مخطوبته، وقد تحدثنا عن هذا في الدرس الماضي.
نظر المخطوبة إلى الخاطب
وأما الإجراء الثاني أو التصرف الثاني، نظر المخطوبة إلى الخاطب، فيسن للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا أرادت أن تتزوجه، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ولها أن تستوصف الرجل أي أن تسأل عن بعض صفاته، هذا من حقها، كما مر في بحث أن الزوج له أن يستوصف زوجته.
يقول أحد العلماء يذكر قصةً وهي: " أن المغيرة بن شعبة وفتىً من العرب خطبا امرأةً، وكان الفتى جميلاً، فأرسلت إليهما المرأة وقالت: لا بد من أن أراكما، وأن أسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما، فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فقال للفتى: لقد أوتيت حسناً وجمالاً وبياناً، فهل عندك سوى ذلك، قال: نعم، فعدد عليه محاسنه ثم سكت، فقال المغيرة: فكيف حسابك، قال: لا يسقط علي منه شيء، وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة، فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في زاوية البيت، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها، فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني، أحب إلي من الذي يحصي علي أدنى من الخردلة، فتزوجت المغيرة ".
طبعاً هذه قصة، لكن قد يؤخذ منها أن المرأة من حقها أن ترى الخاطب، كما أنه من حقه أن يرى مخطوبته، ولها أن تستوصفه، أي أن تطلب أوصافه، كما له أن يطب أوصافها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، وأصل هذا الكلام.

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة البقرة: آية " 228 " )
إذاً المرأة مساويةٌ للرجل في هذا، لكن هذه الرؤية سواء كانت من قِبل الفتاة إلى خاطبها، أو إن كانت من قِبل الخاطب إلى مخطوبته، هذه الرؤية تتم مرةً أو مرتين، أما أن يفعل الخاطبان كما يفعلُ بعضهم من دون قيود، ومن دون حدود، أشهر، بضعة أشهر زيارات، سهرات، خروج خارج المنزل، هذه إباحيةٌ لا يقبلها الإسلام.
على كلٍ، إن كانت هذه الخطبة بهذه الطريقة التي لا يرضاها الإسلام، آتت أكلها، فلنصغِ قليلاً إلى الإحصاءات:
إنّ نسب الطلاق في ألمانيا خمسة وثلاثين بالمئة، أي أن من كل مئة زواج خمسة وثلاثين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق، ونسبة الطلاق في أمريكا اثنان وستون بالمئة، أي أن من كل مئة زواج اثنين وستين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق، أما عندنا في سوريا فالقاضي الشرعي الأول يقول: ثلاثة بالألف، ففي ألمانيا خمسة وثلاثون، واثنان وستون في أمريكا، وثلاثة بالألف في بلاد المسلمين، هذا هو الشرع الحكيم.
شيءٌ آخر، وهي دراسة لطيفة أسوقها لكم، وزير الهاتف الفرنسي أصدر قرارًا بالسماح لمن يطلب أن يراقب خطه الهاتفي، وأن يعطى مَن المتكلِّم، ويعطى تسجيلاً للمكالمات الطويلة التي تتم في غيبته، إلا أن رئيس الجمهورية جسكار ديستان ألغى هذا القرار حفاظاً على أسرار البيوت، لأن نصف نساء فرنسا يخُنَّ أزواجهن، لذلك الجمعيات النسائية أثنت على قرار إيقاف هذا الإجراء الذي يسمح للأزواج بطلب معرفة رقم هاتف من يتصل بزوجاتهن في غيبتهن، لأن الخيانة الزوجية في بعض الإحصاءات بلغتْ ثلاثين بالمئة، وفي بعض الإحصاءات بلغت خمسين بالمئة، وهذه الأرقام كلها قديمة قبل عشر سنوات، ويبدو الآن أنها تزيد على السبعين أو الثمانين بالمئة، فهذه الخطبة المطولة التي لا قيود فيها ولا فيها حدود لم تؤتِ ثمارها، بل بالعكس أدت إلى طلاقٍ مخيف، وأدت إلى خياناتٍ زوجية، فيما لو بقي الزوجان على عهدهما أو مع بعضهما بعضاً.

استئذان البنت في الزواج وعدم إكراهها
الذي يلفت النظر في الشرع الحكيم أن البنت ينبغي أن تُستأمر، فقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لا ؟ فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ ))
أي أن سكوتها إذنها.
وقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ ))
لكن هناك شيء يلفت النظر في المذهب الظاهري، هذا المذهب يأخذ بظاهر النص، يقول أصحابه: " لو أنك استأمرت فتاةً في زواجها، أي استأذنتها وقالت: أنا أريد هذا الزوج وأنا أرحب به، وأنا موافقٌ عليه، فالزواج باطل، لماذا ؟ لأن أذنها صمتها، وهي تكلَّمت .
وهذا من باب الطرفة، فبعض المذاهب الظاهرية ترفض أن تتكلَّم الفتاة إذا استُئْمِرت، لأن إذنها صمتها، والكلام أبلغ من الصمت.
وقد روى الإمام الترمذي كما قلت قبل قليل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ ))
اختلف العلماء فيما إذا كان استئذانها مستحبٌ أو واجب، إلا أن الأغلب والصحيح أن استئمارها أو استئذانها واجب.
يقول بعض العلماء: " لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط، لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها ".
الآن هناك موضوع آخر في سياق هذا الموضوع، لا يجوز إجبار البنت على الزواج، فقد ثبت في الصحيح أنه قال:

(( لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ ))
( صحيح البخاري)
وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ))
الحكم إذاً: لا يجوز أن تجبر البكر على النكاح، ولا أن تزوج إلا برضاها.
وكلكم أيها الإخوة الكرام، لا شك أنكم حضرتم عقود قران، وحضرتم جانباً من هذه العقود، كيف أن الموظف الموكَّل بكتابة العقد، بعد أن يسمع الإجابة والقبول من الزوج ومن والد الفتاة، ينهض ليسمع بإذنه موافقة الفتاة من وراء الحجاب، هذا من شرعنا الحنيف.
يقول بعض العلماء: " تزويج الفتاة مع كراهتها للنكاح مخالفٌ للأصول والعقول، والله لم يسوِّغ لوليها أن يكرهها على بيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنها، ولا على طعامٍ أو شرابٍ إلا بإذنها، فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعةً ومعاشرةً، والله قد جعل بين الزوجين مودةً ورحمة، فإذا كان هذا لا يحصل إلا مع بغضها له ونُفورها منه، فأية مودةٍ وأية رحمةٍ تكون بين الزوجين ؟! ".
إذاً أن يجبر الولي ابنته على الزواج من شخصٍ ما وهي رافضة ولا تريد، هذا مما نهى عنه الشرع الحنيف.
أما من تزوجت بغير رضاها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ

(( أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ ))
إذاً ردُّ النكاح إذا كانت ثيباً، ولم تكن راضيةً به، من الأحكام الشرعية التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
وروى الإمام ابن ماجة عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:

(( إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ))
إنه ما لم توافق الفتاة فالزواج ليس مشروعاً، لأنها هي الزوجة، وهي التي تعيش مع هذا الزوج طوال حياتها، فإن لم تكن راضية ففي الأعم الأغلب يكون الشقاق والخصام بين الزوجين.
الخلاصة.. ألاّ تزوج المرأة بكراً كانت أو ثيباً إلا بموافقتها، ولو تزوجت بالإجبار، كان لها طلب فسخ النكاح.
فالذي يرِد في هذا الدرس من أحكام شرعية فيها أحكام خلافية، هناك أحكام أُخرى، فهناك أحكام تُجيز، وهناك أحكام تمنع، القصد أن نعرف عظمة هذا الشرع الحنيف.

استشارة الأم في زواج ابنتها
وهناك تدبير آخر قبل الزواج، مما يمتِّن العلاقة الزوجية، هذا التدبير أن تُستأمر، أو أن تُستشار أُمّ الفتاة بزوج ابنتها، الولي يوافق، والفتاة توافق، وينبغي أن تُستأذن، أو تُستشار أُم الفتاة بذلك، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ ))
( سنن أبي داود )
يقول بعض العلماء في شرح هذا الحديث، وهذا الحكم: " يُستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ "، ولأنها تشاركه في النظر لابنتها، وتحصيل المصلحة لها لشفقتها عليها، وفي استئذان الأم تطييبٌ لقلبها، وإرضاءٌ لها، فتكون أولى، وربما كان من مزايا استشارة الأم في تزويج ابنتها، أن البنت قد لا تفصح عما يدور في صدرها من التردد والاضطراب إلا لأمها، فاستشارة الأم إذاً هي الطريقة المفيدة لمعرفة رأي البنت، والله أعلم.
إذاً: استشارة الأم في تزويج ابنتها، لأن الأم إن استشرتها طيَّبت قلبها، وإن استشرتها جعلتها شريكة حياتك، وإن استشرتها فهي تشفق على ابنتها، وتريد لها الخير وإن استشرتها، ربما باحت البنت لأمها ما لم تبح لأبيها، فكأنك إذا استشرت الأم، عرفت رأي البنت الحقيقي في هذا الزواج، إذاً: الأم تُستأذن.

حكم إكراه البنت على الزواج
ومن تزوجت بغير رضاها، ثيباً كانت أو بكراً فلها أن تفسخ عقد الزواج، ولا يجوز إجبار الفتاة على التزوج ممن لا تريد، وإن رفضت فليست عاقةً لوالديها، ولا علاقة للعقوق بهذا الموضوع، ويجب استئمار البنت، كما قلت في أول الدرس، لأن البنت هي الزوجة، وإذنها صبها، وللبنت أن ترى خاطبها، وهذا من حقها، لقوله تعالى:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
( سورة البقرة: آية " 228 " )
ولقد يُعجبها منه ما يُعجبه منها، ولها أن تستوصفه، أن تسأل عن بعض صفاته الخاصة، كل هذه التدابير، ينبغي أن تتم قبل الزواج، لأنها من شأنها أن تمتِّن الزواج.
الحقيقة أن للإنسان أن يتزوج، وله أن يطلق، لكن البطولة أن تتزوج، وأن لا تطلق، فكيف لا تطلق ؟ إذا اتبعت منهج الله في الزواج، إذا اخترت الفتاة المؤمنة، لأنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، والمقصود بجمالها فقط، الجمال مطلوب، أما لجمالها فقط أذله الله، ومن تزوجه لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك.
إذاً: أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، وأن تنظر المخطوبة إلى خاطبها، وأن تُستأمر البنت، في خاطبها، وأن تُستأذن أُمها، وألا تُكره على الزواج ممن لا تحب، وبيان حكم الشرع، في من أُكرهت على الزواج ممن لا تحب، هذه بعض التدابير التي ينبغي أن تكون قبل الزواج، من حيث أنها تمتِّن العلاقة بين الزوجين، وربما تعصم الزواج من أن ينفسخ بعد أمدٍ قريب.

التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج
الآن ننتقل إلى موضوعٍ آخر، وهو التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج والتي من شأنها أن تمكن العلاقة بين الزوجين، ولعلي أضع يدي على جراح يعانيها كثيرٌ من الأزواج، وهذا الكلام يجب أن يصل إلى الزوجات.

1 – ظهور المرأة بمظهر لائق أمام الزوج
من التدابير التي تمتِّن العلاقة بين الزوجين أن تظهر المرأة أمام زوجها، بمظهرٍ لائق، لأن المؤمن لا ينبغي أن يعرف غير زوجته إطلاقاً، فإذا أهملت مظهرها قوَّت في نفسه دافع التطلع إلى غيرها، هي التي تقوي دافع التطلع إلى غيرها إذا أهملت مظهرها، والأخطر من ذلك أن تعتني بمظهرها في الحفلات النسائية، وفي كل المناسبات، بينما الاعتناء بمظهرها ينبغي أن يكون في الدرجة الأولى لزوجها، لأن الزواج حِصنٌ للزوج.
عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))
[متفق عليه]
إنه لا ينبغي أن يكون الزوج محروماً من أناقة زوجته، ومن مظهرها الحسن، هذا يعينه على العفاف، ويعينه على أن يقنع بها، ويعينه على عدم التطلع إلى غيرها، هذا كلام وإليكم الأدلة:
إن الإنسان أحياناً يعاني من مشكلة في البيت، ويظل ساكتاً، والزوجة بريئة، ولا تعلم، أحياناً يكاد هذا الزواج ينفصل، وينتهي بالطلاق، هو ساكت، وهي ساكتة، هو لا يدري ماذا يقول لها، وهي لا تعلم ماذا ينبغي أن يُقال لها، فالجهل أحياناً يكون سبباً لفصم هذه العلاقة الزوجية، فلذلك الزوج المؤمن يوضِّح، ويبين، ويذكر لزوجته ما قاله النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقد يقول الزوج: أنا والله أستحي أن أقول لزوجتي: عليك أن تتزيني أمامي، طيب يا أخي عليك أن تُسمعها هذا الشريط، هذا موضوع الدرس الماضي.
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ ))
(سنن النسائي )
تسره إذا نظر، فهل غابت عنه صلَّى الله عليه وسلم أن يقول:
(( إليها ))
؟ فالنبي حكمته في إلغاء كلمة ( إليها ).

(( تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ ))
إليها وإلى أشياء في البيت، إذا نظر إليها تسره، وإذا نظر إلى أولادها تسره، وإذا نظر إلى غرفتها تسره، وإذا نظر إلى غرفة الجلوس تسره، وإذا نظر إلى المطبخ تسره، وإذا نظر إلى المائدة كلها صحون، وعليها أكل من يومين، خذ كل تفضل، لم يُسَرّ بهذا، فالطعام يجب أن يكون في صحون جديدة، والطعام جيد وساخن، تسره إذا نظر إلى المائدة، وإلى غرفة النوم، وإلى غرفة الاستقبال، وإلى غرفة الجلوس، وإلى نظافة الجدران، والبلور والنوافذ والستائر.

(( وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ ))
لأن أكثر شيء يدعو إلى العجب في ساعة غضب يحلف الزوج يمين طلاق على زوجته ألا تذهبي إلى بيت أختك، سبحان الله ! لا يحلو للمرأة إلا أن تكسر يمينه بحماقة، فلا تحلو لها إلا أن تخرج من بيتها إلى بيت أختها وعندئذٍ تقع المشكلة، وفي حيص بيص كما يقولون، ثم نقف على أبواب المشايخ نستفتيهم، فشيخ يقول لك: طلقت، يا بني أخرج، وشيخٌ آخر يعطيك فتوى قد لا تطمئن إليها، وقد كنت في غنىً عن كل هذا، لذلك المرأة الصالحة تسره إن نظر، وتطيعه إن أمر، وكذلك إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يستطاع، فعدم حكمة الزوج أن يعطي أوامر غير معقولة، لما تحرمها من أمها ؟ هي عليها أن تطيع، وأنت أيها الزوج الكريم عليك أن تعطي أمراً معقولاً.
روى الإمام البخاري رضي الله عنه عن جابرٍ قال:

(( كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا يُعْجِلُكَ ؟ قُلْتُ: إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ))
أي انتظروا حتى تتهيَّأ زوجاتكم لكم، حيث إن المطلوب إذا كان الزوج مسافرًا أن تتهيأ الزوجة كما ينبغي في أعلى درجة لتستقبل زوجها.
يقول الإمام النووي رضي الله عنه: " هذا الحديث الشريف الذي فيه هذا التوجيه مما يمتِّن العلاقة بين الزوجين "، هذا هو الحق، لكن المشكلة أن كل الزينة، وكل العناية، وكل الأناقة، وكل الهندام الحسن، لغير الزوج، هذه من مشكلات بيوت المسلمين، أية امرأةٍ تهمل مظهرها أمام زوجها تقوي في نفس زوجها رغبة النظر إلى غيرها، فإذا نظر إلى غيرها فهي آثمة وربِّ الكعبة، وجزءٌ من عبادتها أن تحصِّن زوجها، جزءٌ من عبادتها أن تجعل زوجها قانعاً بها.
وروى الإمام البخاري عن جابرٍ رضي الله عنه أيضاً قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا ))
سأقرأ لكم ما جاء في فتح الباري في شرح أحاديث البخاري عن هذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا ))
قال: " لأن طول الغيبة مظنة الأمن من القدوم، فيقع الذي يقدم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره "، فإذا غاب الإنسان طويلاً عن بيته، ودخل فجأةً، في الأعم الأغلب يقع على ما يكره، " فقد يجد أهله على غير أُهبةٍ من التنظُّف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبباً في النفور منها ".
وفي الحديث أيضاً إشارةٌ أخرى إلى أن المرأة كما قلت قبل قليل، عليها أن تكون مستعدة لاستقبال زوجها دائماً، أما إذا طالت غيبته فقد أمِنت أن يأتيها فجأةً، أما إذا جاء فعليه ألا يأتيها فجأةً، بل أن يعلمها قبل أن يأتي، والنبي الكريم كان يدخل المسجد، ويصلي، ويرسل لأهله خبراً أنه قَدِم، والآن بالهاتف، ونحن في المطار، وبعد ساعتين نكون في البيت، مثلاً.
وهناك قصة، روى الإمام البخاري والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( كانت امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنها تخضب وتطيِّب ـ أي تخضب شعرها وتعطِّر نفسها ـ فتركته ـ أي أهملت شعرها وتطييب بدنها ـ فدخلت علي، فقلت لها متعجِّبةً: أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ ))
النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، وأصحابه طبقوا منهجه، فما فعله الصحابة الكرام فعلوه تنفيذاً لأمر النبيّ e، وهذا دليلٌ على وجوب ما سأقوله لكم، فقالت عائشة: أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ قالت: بل هو شاهد، قالت: فما هذا ؟!! لماذا أنت تهملين نفسك، قالت: عثمان لا يريد الدنيا، ولا يريد النساء، انصرف عنها إلى عبادته، وإلى قيامه، وصيامه فأهملت نفسها، والقصة لها تتمة، النبي عليه الصلاة والسلام استدعى عثمان، وقال:

(( يا عثمان، أليس لك بي أُسوة ؟ ألست قدوةُ لك ؟ ))
أعطاه توجيهاً كي يهتم بزوجته، وكي يجلس معها، وكي يعطيها حقها، لأنها محبوسةٌ له في الشرع، بعد حين جاءت امرأة عثمان ابن مضعون، قالت عائشة: نضرةً عطرة، فسألتها عن حالها، فقالت: أصابنا ما أصاب الناس، يعني أصبحت زوجة كبقية الزوجات، رضي الله عنهم.
إن هذا كلام مهذب جداً، تحتار أين درسوا ؟ يعبرون عن أدق المعاني بأجمل الألفاظ، يعبرون عن المعاني المحرجة بكلمات لطيفة جداً، أصابنا ما أصاب الناس، لماذا أنت هكذا ؟ إن زوجي صوامٌ قوام، قائم الليل، صائم النهار.
يقول الإمام الشوكاني: " استنكار عائشة رضي الله عنها بترك زينتها وزوجها شاهد حكمٌ شرعي "
السيدة عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام استنكرت فعل امرأة عثمان بن مظعون من إهمال نفسها وزوجها شاهد، هذا حكم شرعي، والمعنى أنه يجب على الزوجة أن تعتني بهندامها ومظهرها لزوجها قبل كل شيء.
والله مرة سمعت من امرأةٍ قريبةٍ لي متقدمةٍ في السن، قالت لي: " حرام، حسب فهْمها، أن ترتدي المرأة الثوب أول مرة لغير زوجها حرام "، يعني إذا اشترت ثوباً جديداً لا يجوز أن ترتدي الثوب أول مرةٍ إلا لزوجها، والآن قد لا يرى الزوج إطلاقاً الثوب الجديد.
بعد الزواج ربما كان أحد أكبر ما يمتن العلاقة بين الزوجين، ويديم المحبة والمودة، أن تبدو الزوجة دائماً بالمظهر اللائق الحسن أمام زوجها، من أجل أن تعينه على غض بصره، من أجل أن تعينه على تحصين نفسه، من أجل ألا تقوي في نفسه الرغبة في غيرها، إذا فعلت المرأة هذا فهي عابدة لله.
والله قد تفهمون مني شيئاً لا أريده، لكن والله إن المرأة التي تسهم في إعفاف زوجها، وفي إحصانه، وتجعله يقنع بها وحدها، عن طريق ما تبذل من عنايةٍ فائقةٍ بمظهرها وهندامها، ربما كانت وهي تفعل هذا في أعلى درجات عبوديتها لله عزّ وجل، لأنها تقوم بالمهمة التي أناطها الله بها، طبعاً هي تصلي، وتصوم، وتقوم الليل، وتقرأ القرآن، ولكن من دون أن يشغلها ذلك عن وظيفتها الأساسية، لأن الصحابيات الجليليات رضوان الله تعالى عليهن كانت الواحدة منهن على أشد الشوق إلى قيام الليل، وعلى أشد الشوق إلى الصلاة، لا تقوم إلى الصلاة إلا بعد أن تسأل زوجها: ألك بي حاجة ؟ فإن قال: لا، ذهبت إلى مصلاها، هذه المرأة المؤمنة.
أما هذه التي تبالغ في العبادة، وزوجها يغلي غضباً، وضجراً، وتأففاً، هذه لا تعبد الله، هذه تعبد الله على مزاجها، لا وفق ما أراد الله عزّ وجل، هذا الحق، فكلما طبقنا هذه الناحية صار الوئام، والوفاق، والمحبة والمودة.
2 – اهتمام الرجل بمظهره أمام زوجته
البند الثاني، أو التدبير الثاني الذي يمتن العلاقة بين الزوجين بعد الزواج: أن يهتم الرجل بمظهره أمام زوجته، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة البقرة )
فأنت ترى، وهي لا ترى ؟ أنت تريد هنداماً حسناً، ومظهراً أنيقاً، ونظافةً أنيقة، وعطراً، وهي ليس لها نظر ؟ ليس لها شم ؟ هي عمياء، ولا تشم ؟ لا هي مثلك، لذلك قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: << إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزيَّن لي، لأن الله تعالى يقول:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
هنا حديث لطيف للإمام القرطبي، فأحياناً كل سن له زينة، وكل عمر من أعمار الرجال له زينة تناسبه، فإذا تجاهل أحد سنه، وتزين بزينة لا تليق به أصبح مبعثًا للضحك، امرأةً كانت أو رجلاً، المفروض أن تراعي الزوجة وضعها العام، ويراعي الزوج وضعه العام.
وبالمناسبة، هذه المرأة التي قدَّمت لأبنتها وصيةً يوم زفافها، قالت: " يا بنيتي خذي عني عشر خصال تكن لكي زخراً وأجراً، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتفقُّد لموضع عينه، والتعهُّد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحُسْن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود ".
ثبت أن للجلد البشري رائحةً عطرة، فإذا لم يكن مع الجل ثمن عطور أبداً، وكانت غالية، فقد يبلغ ثمنها خمسة آلاف ليرة، أو ثلاثة آلاف، فعندنا روائح رخيصة نستعملها، فإذا تنظف الإنسان، وجلده له رائحةٌ عطرة، والماء أطيب الطيب المفقود، والكحل أحسن الحسن الموجود، هذه وصية امرأةٍ توصي بها ابنتها ليلة زفافها، قال:
3 – إجابة المرأة زوجها إذا دعاها
وعلى المرأة أن تجيب زوجها إذا دعاها، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام الترمذي، قال: قال عليه الصلاة والسلام::

(( إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ ))
وقد أكدت الشريعة الإسلامية أن عدم إجابة المرأة لطلب زوجها معصيةٌ كبيرةٌ موجبةٌ لغضب الله تعالى، ولعنة الملائكة، ولا تقبل صلاتها حتى ترجع، وذلك لأنها تسدُّ على زوجها طريق الحلال، وتدفعه إن كان ضعيف الإيمان إلى اختيار السبل المحرمة، فقد روى الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ـ وهو الله جلَّ جلاله ـ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا ))
وأما لعن الملائكة الزوجة بسبب عدم استجابتها فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:

(( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))
إذا كان الزمنُ شتاء كان الليل طويلا، وطول الليل تلعنها الملائكة، وفي رواية أخرى:

(( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ ))
الشيء الذي يلفت النظر حديث جابر رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:

(( ثلاثةٌ لا تقبل لهم صلاةٌ، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى ))
[الجامع الصغير بسند فيه ضعف]
وهل تصدقون أن المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها، نصف دينها أن تحفظ نفسها عن غير زوجها، وأن ترضي زوجها، معنى ذلك أن نصف دينها زوجها، بالضبط، إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها أي كانت عفيفة وورعة، وأطاعت زوجها فيما يريد، دخلت جنة ربها.
دين الرجل فيه ألف بند، أو خمسة آلاف، أو مئة ألف بند، ففي البيوع أربعمئة حالة، فإذا كان الإنسان تاجرًا فعنده مزالق كثيرة جداً، دين الرجل يحتاج إلى دقة بالغة، في كسب المال، في إنفاق المال، أما هي في البيت.
4 – لا يجوز للمرأة الاشتغال بالعبادات عن زوجها في غير الفريضة
عندنا حكم شرعي دقيق جداً، هذا الحكم هو أنه: " لا يجوز للمرأة أن تشتغل في العبادات بغير الفريضة، مهملةً حق زوجها عليها، فقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، ألا تطيل صلاتها النافلة، إذا تضرر زوجها بها ".
قد يحضر الزوج إلى بيته جائعًا وغضبان، ويغلي من الداخل، وهي تصلي صلاة النفل عشرين ركعة، فيخرج من جلده، وتكرّهه في الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ألا تصوم المرأة صوم النفل وزوجها شاهد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ … ))
[البخاري]
فقد تحب أن تصوم بعض الأيام غير الواجبة، أما إذا سافر زوجها وصامت فلا مانع، أما أن تصوم وزوجها شاهد فلا بد من إذن، فهي تحتاج إلى إذنه، وإلا تعتدي عليه بهذا الصيام، هكذا ورد عن النبي عليه صلى الله عليه وسلم.
روى الإمام أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال:

(( جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ، وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: لا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا... ))
أرأيتم إلى الشرع الحكيم ؟ من أجل أن يكون البيت جنة يتحمل الإنسان متاعب كثيرةً في الحياة، أما إذا كان في البيت منزعجًا فالقضية كبيرة جداً، فقد يتحمل كسب الرزق، ويتحمل تعقيد الحياة، ويتحمل مشقة العمل، ويتحمل المنافسة في كسب المال، أما إذا جاء إلى البيت أيضاً في البيت انزعاج ونفور ومشاكسة وإهمال، عندئذٍ يغدو البيت جحيماً لا يطاق.
روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ ))
أما في شهر رمضان فمستحيل، فالفرض لا تحتاج فيه إلى إذن، وكذا صلاة الفرض لا تحتاج لإذن، ولا استئذان، ولا لشيء، فالحديث عن النفل فقط.
وأيضاً هناك حق للزوجة، كما أن عليها ألا تتردد في تنفيذ طلبه وتلبية حاجته، ولو كانت على التنور، هو عليه أن يقوم بوظيفته الزوجية، أما أن يهملها، أما أن ينسى هذا الموضوع، أما أن ينشغل بشيء آخر، وهي محبوسةٌ له، وهي لها حقٌ عليه فلا يليق، لذلك قال بعض المفسرين، في قوله تعالى:

﴿ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾
( سورة النساء: آية " 129 " )
أي لا فارغة فتتزوج، ولا ذات زوج بالمعنى الحقيقي، لا هي متزوجة كغيرها من الزوجات، ولا هي غير متزوجة فتتزوج، فهذه المعلقة التي أهملها زوجها.
وهناك قصة تعرفونها فيما أذكر، أن امرأةً جاءت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالت: << يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله ـ ما هذا الأدب ؟ ـ فقال: نِعْمَ الزوج زوجك ـ سيدنا عمر يظهر أنه كان مشغولاً، فأجابها بهذا القول، وجعلت تكرر عليه القول، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، لأنه في طاعة ربه، فقال: نعم الزوج زوجك، وقد كان عنده صحابي اسمه كعب الأسدي، قال: يا أمير المؤمنين، هذه امرأةٌ تشكو زوجها، وليست تثني عليك، أديبة كثير، ومهذبة، رقيقة تشكو زوجها، إنها لا تثني عليه، وأنت تقول لها: بارك الله لك في زوجك، هي تشكو زوجها، فقال عمر: هكذا فهمت من كلامها ؟ إذاً فاقضِ بينهما، فقال كعبٌ: عليّ بزوجها، فأوتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، قال: أفي طعامٍ ؟ البراد مليء، هي لا تريد البراد، تريدك أنت، أفي طعامٍ ؟ أم في شرابٍ ؟ قال لا، قالت:

ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهَّده في مضجعي تعبده
فاقض القضا كعباً ولا تــردده نهاره وليله ما يــرقده
فلست في أمر النساء أحمده
فقال الزوج: أنا زهدني في فرشها وفي الحجل، أني امرؤٌ أذهلني ما قد نزل.
فقد دهش من القرآن الكريم، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، صلى فاتصل بالله عزَّ وجل، فأهمل زوجته.

وفي سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويفٌ جلل
فقال كعب:

إن لها عليك حقاً يا رجل نصيبها في أربعٍ لمن عقل
لو أن عندك أربع نساء لها حق في يوم، فأنت ليس عندك إلا واحدة، يوم لها وثلاثة لربك، فكان حكم هذا القاضي كعب الأسدي أنه حكم لها أن يتفرَّغ لها يوماً في الأربعة أيام، كما لو كان زوجاً لأربعة نساء، لها يوم، سيدنا عمر رضي الله عنه، قال:
" والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرها، أم في حكمك بينهما، اذهب فقد ولَّيتك قضاء البصرة ".
جعله قاضياً لفهمه الدقيق جداً، ولحكمه الدقيق جداً، فهم أنها تشكوه، وأما عذره فلم يقبله، إذا كنت هائماً بربك، لها عليك حق، كما لو أنك على أربع نسوة، للواحدة عليك حق في يومٍ من هذه الأيام الأربعة.
أيها الإخوة الكرام، إن شاء الله نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الأحكام الشرعية إلى واقع، والله الذي لا إله إلا هو، إن مما يرضي الله عزَّ وجل، أن تكون بيوتات المسلمين جنة، ولا تكون بيوتات المسلمين جنة إلا إذا طبِّق فيها شرع الله عزَّ وجل، ولا تنسوا هذه الآية:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال: آية " 33 " )
معنى: (

وَأَنْتَ فِيهِم ) ، أي وسنتك مطبقةً في بيوتهم، وسنتك مطبقةً في أعمالهم، وفي تجارتهم، وفي وظائفهم، وفي مداخلهم، وفي مخارجهم، وفي نزهاتهم، وفي أفراحهم، وفي أتراحهم، وفي حلهم، وفي حضرهم، وفي سفرهم.
فنحن في درسنا اليوم عندنا أربعة تدابير قبل الزواج تمتن العلاقة، وأربع تدابير بعد الزواج تمتن العلاقة، والتي قبل الزواج:
أن تنظر إلى مخطوبتك، فذلك أحرى أن يؤدم بينكما.
وأن تنظر هي إليه، لها مثل الذي عليه، أو عليها مثل الذي له.
وأن تستأمر البنت في زواجها.
وألا تكره على رجلٍ لا تحبه.
وأن تستأمر أمها في ذلك.
هذه الإجراءات التي قبل الزواج.
بعد الزواج:
أن تظهر بمظهر لائق.
وأن يظهر هو كذلك.
وأن لا تمتنع عنه.
وأن يؤدي وظيفته تجاهها.
وأن يكون هذا وفق ما شرع الله عزَّ وجل، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:57 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 13 - 17 ) : الأدب الإسلامي في الزواج والتفريق بين النكاح والسفاح .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-01
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في دروس النكاح، ومع الدرس السادس، وموضوع الدرس اليوم، الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح.
نظراً لقدسية النكاح، ولأن عقد الزواج من أقدس العقود التي يبرمها البشر، لذلك في الإسلام آدابٌ كثيرة تفرق السِفاح عن النكاح، فأول هذه الآداب:

1 – إعلان النكاح
إن الفرق بين النكاح والسِفاح، أو من الفروقات الدقيقة بين السِفاح والنكاح أن النكاح معلن، وأن السِفاح غير معلن، لذلك روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ))
( مسند أحمد )
لو أن النكاح غير معلن لاشتبه بالسِفاح، ولاشتبه بالزنا، والإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن الإعلان من فرض النكاح، أحد فرائضه لا أحد فضائله، يقول ابن عبد البر القرطبي: " ومن فرض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب، ومن إعلان النكاح الولي، والصداق، أيضاً، ونكاح السر لا يجوز، ويفسخ قبل الدخول وبعده، إلا أن يُعلن قبل أن يُعثر عليه، وإن أسَّر النكاح ولم يُنشر ولم يُعلن به، ثم أُعلن في حالٍ ثانية وأُظهر صح، ولم يُفسخ ".
أرأيتم أيها الإخوة كيف أن عدم إعلان النكاح يوجب فسخه وإلغاءه، لأنه يشتبه بالسِفاح، يشتبه بالزنا، لذلك أنا أُرجِّح إذا زوج أحد ابنته، وقد لا تكون يده طليقةً في إنفاق المال، لكن لابد من حفل ولو كان متواضعاً، ولو كان في بيت، لابد من حفلٍ، وهذا الحفل أحد أسباب إعلان النكاح، " لقد زوجت ابنتي من فلان "، فالفرق الدقيق بين النكاح والسِفاح هو الإعلان، وقال الإمام ابن القيم: " وشرط الشارع الحكيم في النكاح شروطاً زائدةً عن مجرد العقد، من هذه الشروط: إعلانه، إما بالشهادة ـ شهود ـ أو بترك الكتمان، أو بهما، أو اشتراط الولي، ومنع المرأة أن تليه وحدها ـ أن تبرمه وحدها ـ والندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة، وأوجب فيه المهر، ومنع المرأة أن تهب نفسها لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم ".
هل لاحظتم أيها الإخوة الكرام أن كل هذه الآداب من أجل أن يكون هناك فرقٌ واضحٌ، وشاسعٌ، وبيّنٌ، وصادقٌ، بين النكاح والسِفاح ؟ النكاح معلن، النكاح معه موافقة الولي، النكاح فيه وليمة، النكاح فيه حفل، النكاح فيه شهود، هذا كله من إعلان النكاح.
يقول بعض العلماء: " وسر ذلك، أنه في ضد ذلك والإخلال به ذريعةٌ إلى وقوع السِفاح بصورة النكاح ".
يمكن أن يقع الزنا على شكل نكاح، وما أكثر الذين يحتالون على الشرع، فمثلاً يمكن لإنسان أن يضع أمامه في دكانه سجادة، وهو من أكبر المرابين، فيأتي المستقرض بالربا فيشتري هذه السجادة بألف ليرة، نسيئةً، ثم يبيعها ديناً نقداً بثمانمئة ليرة، بحسب الظاهر هذا عقد بيع، الأول نسيئة والثاني نقد، وفي العقدين إيجابٌ وقَبول، لكنه الربا بعينه، لكن بصورة بيع وشراء، فقد اشترى السجادة بألف ديناً، وكُتبت عليه في الدفتر، ثم باعها للتاجر بثمانمئة ليرةٍ نقداً، الذي حصل أنه استقرض ثمانمئة ليرة، وكُتبت عليه ألف ليرةٍ رباً، والشكل بيع، إذاً ممكن أن تجري علاقات سِفاحٍ على شكل عقود نكاح، لذلك وضع الشارع الحكيم شروطاً كثيرةً، ودقيقةً، وصارخةً، للتفريق بين النكاح والسِفاح، لذلك ورد في أن الزانية، هي التي تزوج نفسها "، فإذا أرادت امرأةً أن تزني، وأرادت أن تعطي هذه الجريمة المعصية الكبيرة في الشرع طابعاً شرعياً، تقول لمن يزني بها: زوجتك نفسي، وتسمي هذا الذي تأخذه بعد قليل هو المهر، فإذا انتهى، قال: طلقتك، وانتهى الأمر، فهو عملياً بيت دعارة يتم السفاح فيه على شكل عقود نكاح، لكن أين الولي ؟ أين إعلان هذا الزواج ؟ أين الوليمة، أين الشهود، وليمة، وشهود، وإعلان، هذا كله، يفرِّق بين النكاح والسِفاح.

تسجيل عقود الزواج في الدوائر الرسمية
فأنا لا أكتم إنسانا سألني قبل أشهر أنه تزوج امرأةً دون أن يُعلِم أباه، ولا أخاه، ولم يدري أهله، وجاء برجل عقد العقد، فكلما أصبح الشيء أقرب إلى السر أصبح أقرب إلى السِفاح، لِمَ لَمْ تُعلن ؟ لِمَ لَمْ تُسجل هذا العقد في الدوائر الرسمية ؟
وأحياناً أنا أُسأل عن موضوع كتاب شيخ، سبحان الله ! أُجيب عن هذا التساؤل: الآن أنت هل ترضى أن تشتري بيتك، وأن تدفع ثمنه سبعة ملايين ليرة مقابل أن تأخذ مفتاحه ؟ إذا كنت ترضى أن تفعل هذا فأجرِ كتاب شيخ، لمَ لا تدفع الثمن إلا بعد أن يُسجل في الدوائر الرسمية ؟ لأن عقود البيع الآن لا تكون ثابتةً إلا في الدوائر الرسمية، ( أي في الطابو )، أما من قبل خمسين عاما، أو قبل مئة عام كانت هناك علاقات أُخرى، يكفي أن تدفع الثمن، وأن تأخذ مفتاح البيت، فقد تملَّكته، الآن مفتاح البيت ليس له قيمة إطلاقاً.
كذلك حينما أُصغي إلى الأسباب لا أراها مقنعة، بدعوى الاستعجال، ولكن لا يوجد إجراء حكومي أسهل من عقد الزواج، ليس فيه روتين أبداً، في يوم واحد ينتهي الأمر، لا أقبل أبداً، ولا أرى سببا مبررا أو مسوغا بإجراء عقد خارج المحكمة، لماذا ؟
في الحقيقة حينما وافقوا على الزواج من هذا الشاب توقعوا أن يُطلقها، فلئلا تسجَّل عليها طلقة أو تطليقة فقد أُجري العقد خارج المحكمة، يا سبحان الله ! أتوقعت الطلاق قبل أن تُزوج ؟ هذا شرع الله عزّ وجل.
طبعاً أنا لا أقول ـ دققوا ـ: إن العقد خارج المحكمة باطل، لا بل إنه ضعيف، فهو غير موثق، والقوانين تُحرم ذلك، والذي يُجري العقد يُحاسب، والعقد طبعاً مثبَّت، لكن يُحاسب الذي يجري عقداً خارج المحكمة، أنا أنصح إخواننا الكرام أن يتقيدوا بالأُصول الشرعية والقانونية في تثبيت عقود تزويج بناتهم.
لا أنسى مرةً كنت عند أحد أصدقائي القضاة، قضاة التحقيق، وكنت جالساً عنده، وكان يُحقق في جريمة، والجريمة خطيرة، وأنا مستمتع بأسلوب الاستجواب، فجأةً فُتح الباب، وأطل شاب، فقال له: تعالَ، استقدمه القاضي، وترك ما هو فيه من عمل في التحقيق في الجريمة، وقال له: متى تزوجتها ؟ قال له: قبل كذا وكذا، فقال له: ما اسمك يا بني ؟ وما اسمها ؟ ثم أخذ منه تصريح أملاه للكاتب، ثم صرفه مودعاً له، هذا القاضي خاف أن أنتقده في نفسي على هذا التصرف، فأنت الآن تحقق في جريمة، فما الذي جعلك تبتعد عن هذا الموضوع الخطير لترى شاباً أطل برأسه من الباب فاستقدمته، وسألته عن اسمه وعن اسم زوجته، وعن موضوع العقد، وعن تاريخه ؟ فقال لي وحده مبادراً: هذا متزوج بامرأةٍ بطريقةٍ غير مشروعة، خارج المحكمة، فخفت أن يُهمس في أذنه أن أنكر العقد، فاستقدمته بتلطُّف، وأخذت منه إقراراً، بزواجه وبتاريخ زواجه، وباسمه وباسم زوجته، لئلا ينكر، لأنه إذا كان العقد خارج المحكمة فالإنكار سهل جداً، ويمكن أن يقول: ليست زوجتي، ولا أعرفها، وبهذا دخلنا في متاهات القضاء ثلاث سنوات لإثبات هذا العقد، إذا دُعي لحلف اليمين، فقد جاء الفرج، إذا كان الشخص غير متديِّن يقول: جاء الفرج، أحياناً لا يكون معك إلا اليمين، كانعدام الوثائق، وهذه يسمونها اليمين الحاسمة، فإذا لم تكن هناك وثائق، وليس هناك إلا اليمين الحاسمة، ودعي هذا الخصم ضعيف الإيمان الذي لا تحكمه قيم إلى حلف اليمين يحلف، وانتهى الأمر.
فلذلك أيها الإخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى في موضوع الزواج، وهو موضوع دقيق جداً، وقد سمعت عشرات الحوادث، أنه هكذا طلب العريس، يريد كتابا خارجيا، خافوا أن يطالبوه بكتاب رسمي، فيذهب ولا يرجع، فوافقوا على إجراء كتاب خارجي، ثم مضى على العقد عدة سنوات، ثم اختفى، وبذلك دخلنا في متاهة، فقد حدث حمل، والشاب اختفى، والعقد غير رسمي، وإثباته يحتاج إلى محامٍ، وإذا كان بين من كتب هذا الكتاب صلة أو مودة معهم يدخل السجن، فالذي يكتب كتابا خارج النظام يُحاسب، وقد يُسجن، فهو خاضع للأحكام الجزائية لا المدنية، فيقع في حرج، إن أرادوا أن يُثبتوا هذا العقد يُقال لهم: من كتب هذا العقد ؟ أصبح القريب مسئولا.
لذلك أنا أنصح إخوتنا الكرام بالبعد عن هذه الأساليب الملتوية، التي لا تثبت الحق، لئلا يُظن أنني أقول: إن هذا العقد غير صحيح، لا، لكنه ضعيف، ووسائل تثبيته ضعيفة، كما لو أنك اشتريت بيتا من غير طابو، قال لك: خذ هذا المفتاح، واسكن فيه، أنت وحظك، يمكن بعد حين يقول لك: هذا البيت بيتي، وليس لك شيء عندي، أنت مغتصبه.
الحقيقة أنّ موضوع الشرع ـ لآن دخلنا في موضوع آخر ـ هذه الأحكام التفصيلية في الشرع هدفها أن تكون متفرغاً لعبادة الله، لأن خبرا واحدا قد يزعج، فإذا الإنسان أقرض قرضا، ولم يأخذ الوصل، وهذا الإنسان توفى فجأةً في حادث، فهو وحظه، إما أن يعترف الورثة له، أو لا يعترفوا، وإذا لم يعترفوا فليسوا مؤاخذين، فالآن يمكن لإنسان يتوفى والده وكل من قال له: لي مع أبيك مليون، فهل يعطي المليون ؟ هذا كلام غير صحيح، فمن الممكن أن لا يعترف الوريث له بكل هذا الذي يقوله، فلذلك القرض أسجله، وعقد الشراكة أسجله.
شارك أحدهم آخر في موضوع تجاري، ورأس المال كان ثلاثين ألفا، دفع النصف، قال لي: في السنة الأولى أعطاني خمسة آلاف، فقلت: نعمة فقد ربح، وأنا دافع عشرة آلاف أعطاني خمسة، وفي السنة الثانية أعطاني كذلك خمسة، وفي السنة الثالثة قال له: أين الربح ؟ فقال له: أي ربح فقد أقرضْتَنا عشرة وأخذتها، ثم أصبح قيمة المشروع ستة ملايين، فقد كان هذا في أيام الركود الاقتصادي، وخلال أربع أو خمس سنوات، الأسعار اختلفت اختلاف كبيرا، وذلك لعدم وجود عقد.
أقول لكم كلمة أبلغ من ذلك: إذا اتفق الإنسان مع إنسان بلا عقود موثقة، وقد أغراه الشيطان أن يغتصب هذا المشروع له، من الذي أعانه على ذلك ؟ الطرف الآخر، ليس الطرف الآخر الذي خسر حقه في هذا المشروع بأقلَّ إثماً من الذي اغتصبه، لماذا ؟ لأنك لو وثَّقتَ له العقود لما فكَّر أن يغتصب هذا المشروع منك.
لذلك أنا أرجو إخواننا الكرام في كل شيء تجاري، الذي اتفقتم عليه سجلوه في عقد، وسجلوه في محكمةٍ البداية، هذا العقد حصن، لك ولشريكك، فلا تفكر أبداً، وتقول: لماذا محكمة البداية ؟ لأنه إذا لم يوجد توثيق في محكمة البداية كان بإمكانه أن يُنكر التوقيع، فإذا أنكر التوقيع دخل المتنازعان في قضايا ثماني سنوات في المحاكم لإثبات التوقيع ورأي الخبرة، ثم خبرة ثنائية، وثلاثية، ورباعية، وخماسية، ثم تصبح القضية شائكة، أما إذا سُجل العقد أمام قاضي محكمة البداية فقد انتهى الأمر، ولا يمكن إنكار التوقيع لوجود نسخة منه محفوظة في المحكمة.
أنا أتمنى عليكم في عقودكم، في شرائكم، في بيعكم، في شراكاتكم، أن توثقوا هذه الاتفاقات بعقود، وأن توثقوها في السجلات الرسمية، لأن هذا حصنٌ لك ولأخيك، فأنت تنام مطمئن البال، ولا تسمح للشيطان أن يغري أخاك باغتصاب حقك، أما إذا أهملت تسجيل العقود، وخطر على بال شريكك أن يغتصب حقك كنتَ أنت الذي أغريته بهذا، والعوام لهم كلمات لطيفة، يقولون لك: " المال الداشر، يعلم الحرامي السرقة "، فدائماً وثِّق القرض بوصلٍ.
قال لي شخص قد أخذ من إنسان ـ والقصة قديمة من اثنتي عشرة سنة ـ ستمئة ألف، وقال له: اكتبْ لي وصلاً، أحب أن يصرف المال، ولم تكن الصرافة ممنوعة يومئذ، فقال له: الآن بعد الظهر تعال وخذ المبلغ، قال لي: وأنا قادم بعد الظهر رأيت نعوته على الجدران، قال لي انخلع قلبي، وفقدت المال، احضروا لي إنسانا يملك أن يعيش بعد ساعة، لا أحد يملك ذلك، لذلك توقيع الإيصال، أو توقيع السند، وكتابة العقد لا يعني أنك لا تثق بهذا الإنسان، لكن هذا من أجل ألا يأتيه ملك الموت فجأةً، عندئذٍ تصبح المشكلة مع الورثة، والورثة قد لا يصدقون.
يقول بعض العلماء: " لو أن امرأةً قالت لرجل: أنكحتك نفسي، أو زوجتك نفسي، أو أبحتك مني كذا وكذا، فلو انتفت بهذا جريمة الزنا لكان هذا من أيسر الأمور ".
فالقضية خطيرة، زواج، وأولاد، وحقوق، وميراث، فهذا عقد زواج وبكلمتين، أعوذ بالله، فهو يحتاج إلى قاضٍ، إلى مأذون، وإلى إيجاب، وإلى قبول، وإلى شهود، وإلى مهر، وإلى إعلان، وإلى دخل أحياناً، وإلى خطبة، وإلى وليمة، هذا كله من أجل أن يفترق السِفاح عن النكاح.

فضل عقود القران في المساجد
ثمة شيءٌ يلفت النظر، هو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أرشد أُمته إلى أن يُعقد النكاح في المساجد، فقد روى الإمام الترمذي عن عائشة رضي الله قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ ))
لماذا ؟ لأن الناس يجتمعون جميعاً يوم الجمعة في المسجد، ما الذي يمنع أن نقول: زوجنا فلان من فلانة ؟ وسمعت أن بعض المساجد تفعل هذا، وهذا الشيء وفق السنة في المسجد، إعلان تزوج فلان بفلانة، ولو كان العقد أُجري بعد حين، أما ما الذي يمنع أن يُنشر هذا في المسجد ؟ والآن هذه البطاقات تشبه ذلك، ودعوة الناس إلى حفل في قاعة عامة يشبه ذلك، أو في قاعة ملحقة بالمسجد، والله هذا شيء جميل جداً، على كلٍ لابد من الإعلان.
بعض العلماء يقول: " معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ ))
إما لأنه أدعى إلى الإعلان، أو لحصول بركة المكان، وينبغي أن يُراعى فيه فضيلة الزمان ".
أدعى للإعلان، وحصول بركة المكان، وبركة الزمان، لأن الناس يجتمعون يوم الجمعة، وهو يوم فضيل، فيه ساعة مباركة، والمساجد خير بقاع الأرض، فالمساجد أدعى للإعلان، وأشد تحصيلاً لفضيلة المكان، ولفضيلة الزمان.
وقال بعضهم: " يُستحبُ مباشرة عقد النكاح في المسجد، لكونه عبادة، وكونه في يوم الجمعة، وهو إما تفاؤلاً بالاجتماع، أو توقعاً لزيادة الثواب، أو لأنه يحصل به كمال الإعلان ".
روى الحافظ أبو بكر عبد الرزاق عن صالح مولى التوأمة قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جماعةً في المسجد فقال:

((ما هذا ؟ قالوا: نكاح، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا النكاح ليس بالسفاح ))
لأنه في مسجد، ولأنه معلن، وسبحان الله ! الذي يلفت النظر أنّ الإنسان إذا كان شارداً، وأراد أن يمشي مع فتاة، لو أنك سِرْتَ خلفه لاضطرب، لو أن طفلاً صاح بكلمةٍ لارتعدت فرائصه، أما حينما يخطب شاب ابنتك، ويُعقد العقد، ويأتي ليزوركم في البيت، يجلس الشاب وابنتك إلى الساعة الثانية عشرة، وأنت مطمئن، لأنها زوجته، فالعمل الشرعي مريح، وفيه فخر، وليس فيه خجل، أو فيه شعور بالذنب، وأقول لكم: إنّ أية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان لها قناة مشروعة، قال لي واحد: أجلس معها في الحديقة، قلت له: اخطبْها، واعقد العقد، وأحضرها إلى بيتك ولا تحتاج إلى حديقة.
وإذا لم يكن هناك مسجدٌ في مدينةٍ أو قرية، وإن كان المفروض أن يكون في كل تجمعٍ إسلاميٍ مسجدٌ.
كيف أن الناس بحاجة ماسة إلى الماء، فلا يوجد قرية راقية ليس فيها مشروع ماء، تجد مستودعًا عاليًّا، وبئرًا ومستودعًا، والمياه تصل إلى البيوت، الماء حاجة أساسية، والطعام حاجة أساسية، أحياناً مهما كانت القرية صغيرة ففيها سمان يبيع حاجات أساسية، فحاجة الناس إلى المسجد ليصلوا فيه، ليتلقوا العلم فيه، ليتعارف بعضهم على بعضٍ فيه، ليتعاونوا فيه حاجة أساسية، فالآن الحمد لله أصبح المسجد مركزًا إسلاميًّا، ففيه تؤدَّى الصلوات، وتعقد فيه مجالس الذكر، ومجالس العلم، ويعلم فيه الصغار قراءة القرآن، ويعلم فيه الكبار أُصول الدعوة، وفيه مكتبة يرتادها روَّاد المسجد، قد تُحل بعض المشكلات الحيوية في المسجد، قد يُطبب الإنسان في المسجد، قد يعقد الزواج في المسجد، قد تحقق مصالحه في المسجد، هذا المسجد مكان أساسي في حياة المسلمين، لذلك النبيّ الكريم حينما هاجر إلى المدينة المنورة أول شيءٍ فعله فيها أنه بنى المسجد مكانًا للاجتماع فيه.
قرأتُ في كتب الفقه في بعض المذاهب، لا في كل المذاهب: أنه إن لم يكن في القرية مسجد، يجوز أن يُبنَى المسجد من أموال الزكاة.
وهذه حالة نادرة جداً، لأنه (

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء )، لكن للضرورة الماسة لوجود مسجدٍ في القرية، إن لم يكن هناك مسجد، هناك رأيٌ لا أقول: إنه قوي، لكنه ضعيف، لكن له معنى، أن يُبنى المسجد في القرية بشكلٍ حتمي، لأنه بالتعبير الحضاري هو مرفق حيوي لسلامة النفس البشرية، لا يوجد إنسان له مسجد يؤُمه ويرتاده، لا يوجد إنسان له منهل ينهل منه إلا وله أخلاق خاصة، أخلاق عالية، وفهم، وانضباط، وأدب، هذه كلها من بركات المسجد، والآن الحمد لله توجد قاعات منضبطة يعقد فيها عقود النكاح، وهذه القاعات واسعة، والأمور فيها مُيسَّرة، وهذا الشيء لم يكن من قبل، فقد كانت البيوت صغيرة ولا تسع.
2 – وجود الشهود في النكاح
الشيء الثاني في عقد النكاح: وجود الشهود في النكاح، فقد روى الإمام الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا نكاح إلا بوليٍ وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ))
وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:

(( الْبَغَايَا اللاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ))
هذا كلام دقيق، فالتي تُنكح نفسها من غير بينة، ومن غير شهود، من غير ولي هي ليست بغيًّا، لكن كأنها بغي، تشديداً سماهن النبيّ عليه الصلاة والسلام بغايا تشديداً على الولي وشاهدي العدل.
ويقول أحد العلماء في شرح هذا الحديث: " المراد بالبينة، إما الشاهد، فبدونه زنا عند الشافعي ".
فالإمام الشافعي يرى أن عقد النكاح من دون الشاهد زنا، وكذلك عند الإمام أبو حنيفة، نكاحٌ بلا شهود يعدُّ زناً.
و يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: " لا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ".
كل هذا الدرس من أجل أن نفرِّق بشكلٍ بينٍ صارخٍ بين السفاح والنكاح.
ويقول صاحب الهداية: " اعلم أن الشهادة شرطٌ في باب النكاح، لقوله صلى الله ليه وسلم:

((.... لا نِكَاحَ إِلا بِشُهُودٍ... ))

3 – خُطبة النكاح
الآن هناك شيءٌ آخر من شروط إعلان النكاح، خُطبة النكاح، الخِطبة غير الخُطبة، الخِطبة أن تخطب الفتاة، أما الخُطبة أن تلقي خطبةً، فمن شروط إعلان النكاح خُطبة النكاح، لماذا ؟ هل من المعقول أن يقف إنسان في غرفة وحيداً ويخطب ؟ ليس هذا معقولا، من لوازم الخطبة وجود جمهور، وإلا يكون مجنونًا، فالخطبة تقتضي وجود جمهور يحضر هذا العقد، لذلك روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون[، ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [، ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[ ))

ففي كلّ عقد قران لا بدَّ من خطبة، والآن الحمد لله الشيء متوافر، فلا يوجد عقد قران الآن إلا وفيه كلمة يلقيها أحد العلماء، وهذا شيء جميل جداً، بل إنَّ عقود القران أصبحت مجالاً للدعوة إلى الله.
هناك علماء كثيرون وأنا أحمد لهم ذلك توسعوا في موضوع الخطبة، فجعلُّوها تعريفاً بالله عزَّ وجل، لأن أناساً كثيرين ممن يحضرون هذه العقود قد لا يرتادون المساجد، فصارت عقود القران مناسبة للدعوة إلى الله، فعقد قران يحضره تقريباً خمسمئة شخص، وفيه مديح لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وفيه خطبة تلقى على مسامع الناس، فيها تعليم، وتوجيه، وفيها إشارة إلى العقد الذي تم في هذا المكان.
يستحب في هذه الخطبة أن تكون قبل عقد القران، وتلاحظون أن الذي يأتي إلى مكان العقد ليسجِّل العقد، أولاً يبدأ بخطبة، ثم يستمع إلى إيجاب الولي، وقبول الزوج، ويُشهد الشاهدين، ثم يذهب لسماع إقرار الفتاة.
وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد النكاح فلم يُخطَب فيه بخطبة رسول الله قام وتركهم.
فمن لوازم عقد النكاح الخطبة، وقال بعض العلماء في بيان حكمة هذا التوجيه النبوي الكريم: " إن الخطبة مبناها على التشهير، وجعل الشيء بمسمع ومرأى الجمهور ".
ففي بعض الأيام يقول لك: أبارك للعروسين زواجهما، أو يقول لك: بارك الله لهما وعليهما وفيهما، بارك اللهم بهما، وأنجب منهم الكثير الطيب، وجعل كلاً منهما قرة عينٍ للآخر، واللهم ألهمهما السداد والرشاد، اللهم بارك لهما، وعليهما، وفيهما، اللهم ارزقهما الذرية الطيبة، اللهم وفق بينهما كما وفقت بين سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وزوجاته الطاهرات.
كلام طيب، وكل الناس سمعوا أنه هنا عقد قران، وفلان تزوج من فلانة، هذا الذي يبعد الموضوع عن السفاح.
شيء آخر، إذا أحبَّ أحد أن يشتري كأسًا من العصير فهل من اللازم أن يخطب ؟ لا، ليس من المعقول، فهل من اللازم أن نقول له: إيجاب وقبول، وأحضر الشهود، كذلك هذا ليس من المعقول، طبعاً الأئمة قالوا: " عقود الشراء إن كانت في الخسيس لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، تحتاج إلى المناولة، وهي العقد، المعاملة، أو المناولة، أما العقود الغالية، كبيت بثمانية ملايين فهو يحتاج إلى عقد، وإلى إيجاب، وإلى قبول، وإلى عقد مكتوب وإلى شاهدين، فمعنى خطبة، أي شيء مهم، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام قد أرشدنا إلى خطبة النكاح، معنى ذلك أن النكاح شيء مهم.


4 – الوليمة
ومن الأشياء التي أرشد النبي عليه صلى الله عليه وسلم إليها ليفترق النكاح عن السفاح، هي الوليمة، وليمة العرس، الآن هذا التوجيه النبوي ضعف شأنه، واستبدل بهذه الضيافة، أما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[متفق عليه عن أنس]
وأحياناً في بعض الأعراس وفي بعض عقود القران يعقَد على وليمة، وهذا أقرب إلى السنة.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَهْيَمْ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا ؟ قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة ))
[متفق عليه]
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه، بقوله: " الوليمة حقّ "، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف:
(( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
حينما استخدم أو استنبط الحكم أن الوليمة حق في العرس كان الاحتجاج بهذا الحديث: "
(( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
وذكر الإمام أحمد عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيَّ كَبْشٌ، وَقَالَ فُلَانٌ: عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنْ ذُرَةٍ ))
أي إنه لا بد من وليمة، ويبدو أنه سيدنا علي كان فقيراً جداً، فعجيب كيف زوّج النبي ابنته لعليّ وهو فقير !! دققوا في هذا الكلام، ما كان يملك ثمن وليمة، تزوج بنت رسول الله، وقد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:
(( فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ))
[ متفق عليه عن المسور بن مخرمة]
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:

(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا … ))
[الترمذي]
ومع ذلك زوّجها من ابن عمها الفقير الذي لا يملك ثمن وليمةٍ يولم بها، لذلك قال سيدنا سعد: عليَّ كبشٌ، وقال آخر: عليَّ كذا وكذا من الذرة، حتى اجتمعت لوازم الوليمة.
يقول الإمام النووي: " اختلف العلماء في وليمة العرس، أهي واجبةٌ أم مستحبة، والأصح عند أصحابنا ـ في المذهب الشافعي ـ أنها سنةٌ مستحبة، والأمر بها أمر ندبٍ لا أمر وجوب ".
قد لا يملك الإنسان ثمن الوليمة، فالأمر للندب، أي مستحبة، لكن إخواننا في الريف جزاهم الله خيرًا، هكذا لاحظت، ما دعيت إلى عرس في ريف دمشق إلا وقالوا لي: الطعام من الظهر وحتى العاشرة ليلاً، كل من جاء يحضر هذا العرس له طعام يأكله، فهم أقرب إلى السنة من أبناء المدينة.
فقال بعضهم في حكمة الوليمة في العرس، قال: " التلطف بإشاعة النكاح ".
عندما تقول: تعالَ احضر العقد ولا يوجد شيء، فيجيبك: والله يا أخي أنا مشغول، ولو قلت له: تعال للأكل، واحضر عقد النكاح، يجيبك بنعم، سآتي، وأين يقع البيت يا أخي، فقد اختلف الوضع، إذا كان الموضوع نصف دعوة فقط اعتذر، أما للأكل فيجيب الدعوة، فمن أجل أن تجلب الناس، وأن تغريهم بحضور هذا العقد أولمْ.
إن التلطف بإشاعة النكاح، والحض على حضور عقد النكاح، وأنَّ هذا العقد مشرَّف، بدأ بوليمة، لئلا يبقى هذا العقد محلَّ وهم، يا ترى فلانة أخذها فلان ؟ والله لا نعرف، قالوا: إنه أخذها، وهذا شيء يحير، بعض الناس قالوا: أخذها، والبعض قال: لم يأخذها، فأنت لو أقمـَ عرسًا، وأولمت، ودعوتَ الناس صار كل من كان في شك ووهم وتردد على ي قين في هذا الزواج، فالإعلان، والوليمة من آداب النكاح.
ودرسنا كلُّه حول محور واحد، الفرق الكبير، بين النكاح والسفاح: الإعلان، الوليمة، والشهود، والولي، والدف.
عَنْ عبدا لله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا ))
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))
[أبو داود]
هناك نقطة أيها الإخوة الكرام، أحياناً هناك أشياء تتكرر كالجلسات الأسبوعية مع الأصدقاء، يمكن أن ينشغل عنها الإنسان أسبوعاً فلا يحضر، أما عقد القران فهو مرة في العمر، لا يوجد غيره، لذلك عندما تدعى إلى عقد قران ولا تلبي فقد فوَّت على نفسك فضيلة تلبية الدعوة التي لا تكرر، بعد ذلك فيها جبر خاطر، من دعاك وجب حقه عليك، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
[البخاري عن ابن عمر]
أحيانا تكون الدعوة بجوار بيتك، فالأمر سهل عليك، أما لو دعيت إلى منطقة بعيدة فأجبتَ فلا مانع في ذلك، والدعوة على كأس من الشاي، فكأس من الشاي يكفي
(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ))
والكراع من الدابة ما دون الكعب، انظر إلى الأدب النبوي
(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ))
إذا دعاك أخ، وسألته: أين البيت ؟ في المكان الفلاني، فيقول لك: إن شاء الله سآتي، لا يوجد مانع، والمكان بعيد خارج دمشق، أخوك دعاك، وإن لم يكن هناك شيء فأنت عليك أن تلبي،
(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))
سبحان الله ! الذي يلبي دعوة أخيه يشعره بالود، وبالحب، ويفتخر، ويقول: والله دعوت إخواننا، وكلهم جاؤوا.
والله مرة دعيت إلى عقد قران، أنا متأخر ساعة، لا يوجد إلا صف من الكراسي فقط مليء، والباقي كله فارغ، شيء صعب، شيء مخزٍ، لأنه لم يأتِ أحد، هذه مخالفة شرعية كبيرة، فيجب أن تهيئ نفسك، توطنها على تلبية دعوة عقود القران، لأنها من السنّة، وأنت بهذا تحييّ سنة رسول الله.
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ))
[مسلم]
قد يكون لأحدنا غذاء نظامي معيَّن، كأن لا يناسبه الأرز، اذهب، ولبّ الدعوة، ولا تأكل من الأرز، كُل لقمة واحدة واعتذر، ولكن لبّ الدعوة، ولا تربط الدعوة بالأكل.. قال:
((فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ))
لذلك لما أمر النبي أصحابه الكرام أن يولموا، أمر المؤمنين أن يحضروا، فالأمر متكامل، هناك أمر أن تولم ولو بشاة، وهناك أمر أن تحضر الوليمة ولو كنت صائماً، أنا صائم اليوم، لكن سأحضر، الأساس مجيئك، ولو كان دقيقة، وليس الأساس الأكل، فالأساس أن تلبي هذه الدعوة، وإذا كان أحد صائماً صوم نفل فهو أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
وجب على هؤلاء المدعوين أن يجيبوا إلى طعام الوليمة، فإن كان صائماً ولم يطعم، فلا بأس بذلك، لأنها حصلت إشاعة المودة، ولو كنت صائما، عليك أن تلبي، والأكمل أن تفطر إذا كان صيامك نفلا.

5– ضربُ الدّفّ
ومن شروط إعلان النكاح ضرب الدف، فعَنْ أَبِي حَسَنٍ

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ نِكَاحَ السِّرِّ حَتَّى يُضْرَبَ بِدُفٍّ، وَيُقَالَ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ ))
[أحمد]
الآن يزمرون في هذه الليالي، فلا مانع، لأنه إعلام، وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم أصحابه، أن ينشدوا هذا النشيد:

أتيناكم.. أتيناكم فحيونا نحييّكم
ولولا الحبة السودا جئنا لواديكم
أي نشيد ديني مع تلبية العقد، هذا شيء مطلوب.
روى الإمام الترمذي، عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ ))
طبعاً ليس الفرق الوحيد الدف والصوت، لكن الذي يفرق بين النكاح والسفاح الدف والصوت.
أنا أسمع من حين إلى آخر عن عقود قران، أو عن أعراس، ماذا حصل ؟ يقولون: والله ألقيت كلمة من قِبل داعية، وسمعنا نشيداً دينياً، والله أبقى شهرً وأنا في نشوةٍ من هذا العرس، شيء جميل، هذا عرس إسلامي، لماذا الغناء الفاضح والغناء الماجن ؟ لماذا هذه المسجلة تصدح بالأغنية الفاسقة ؟ وأنت مسلم، وبيتك مسلم، والمدعون مسلمون كلّهم ؟ ليس من الصعب أن تدعو امرأة لها لسان تدعو إلى الله، فهل من الصعب تدعو أناس من النساء لهن اختصاصٌ بمديح رسول الله، صوت منخفض، أم هل يجب في العرس أن نخرج من جلودنا لكي نعلن فرحتنا ؟ نحن ما عندنا فرح مع الفسق أبداً، الفرح يكون مع الطاعة.
خطورة تصوير عرس النساء بالفيديو
لذلك إخواننا الكرام، أتمنى عليكم في أعراس النساء، احرصوا حرصاً بالغاً على إلغاء الغناء، إذا بحثتم عمن ينشد نشيداً دينياً تجدون، وما أكثر من ينشد ابتغاء وجه الله بلا مقابل، ابحثوا عن امرأة ٍ تقول كلمة، تعظ هؤلاء النسوة، كلمة حق تقال في العرس، الخطبة ضرورية، فكما أن عقود القران ـ والحمد لله شرعية مئة بالمئة ـ فأنا لا أعتقد بالألف عرس إلا مِن هؤلاء المترفين، بالألف عرس من عامة الناس إلا وكلها أعراس شرعية، بها منشدون، وكلمة، أو كلمات تلقى في هذا الحفل، ودعاء، ومديح رسول الله فقط، عقود الرجال رائعة، أما عقود النساء ففيها الغناء، وأما المخالفة التي لا تغتفر والتي تعد من أكبر الكبائر فهي تصوير ( الفيديو )، كل النساء كاسياتٌ شبه عاريات، نصورهن، ونأخذ الفيلم، هذه من ؟ هذه زوجة فلان، هذا شيء محرَّم، ومن أكبر الكبائر أن تطور الأعراس بهذه الأفلام، فهي وثائق كلّها، فكأن الإنسان يرى المرأة بأبهى زينة.
فلذلك أنا أنصح إخواننا، إذا دعي زوجته إلى عرس فيه تصوير يجب ألا تلبي، ومن يسمح لامرأته بالذهاب إلى عرس فيه تصوير فقد ارتكب أكبر معصية، لأن هذا الشيء قد يتداول، وينسخ منه نسخ كثيرة، ويعرض في بيوت كثيرة، قد يكون في العرس رجال فسقة غير منضبتين كشفوا عورات المسلمات، فمن أكبر الكبائر التصوير في أعراس النساء.
فهذا ضرب الدف، أو النشيد الإسلامي كما قلت، والوليمة، وخطبة النكاح، والشهود في النكاح، وإعلان النكاح، وانعقاده في المسجد، هذه هي الآداب التي ينبغي أن تراعى في عقد الزواج، من أجل أن نفرِّق بين النكاح وبين السفاح.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 10:59 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 14 - 17 ) :عوامل استمرار الزواج .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-08
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
قواعد مهمة تحفظ الزواج
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من دروس الزواج، والحقيقة أيها الإخوة أن العبرة لا أن نصل بالشاب إلى الزواج فحسب، بل أن نصونه وهو متزوج من أن يفسد بيته.
1 - تطبيق شرع الله
هناك موجبات توصلنا إلى الزواج، وهناك قواعد تحفظ هذا الزواج من أن يفسُد، سمعتم في دروسٍ سابقة أن نسب الطلاق في البلاد الأجنبية تتجاوز الستين بالمئة، وفي بلاد ثلاثين بالمئة، وعندنا بفضل الله تعالى ثلاثة بالألف، معنى ذلك أن عوامل استقرار الزواج هو في تطبيق الشرع.
أضرب لكم مثلاُ بسيطاً: لو أردنا أن ننشئ بناء، إذا وضعنا الإسمنت الكافي، وكان الإسمنت بحالته الجيدة، ووضعنا الحديد الكافي وفق الأُصول المتبعة، هذه الإجراءات أحد أسباب بقاء البناء، فهذا البناء المبني وفق أُسس صحيحة عواملُ بقائه فيه، أما إذا وضعنا قليلاً من الإسمنت، ولم نضع الحديد، ولم نستخدم الشاقول، فهذا البناء فيه عوامل انهدامه، فأي زواجٍ يبنى على طاعة الله يكون فيه عوامل استمراره، والزواج المبني على معصية الله يكون فيه عوامل انهدامه، لذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
الباطل خلاف الحق، فالخروج عن منهج الله في أي عمل ينتهي به إلى الدمار.
مثلاً: إذا أردت لهذا الزواج أن يستمر فطبّق فيه منهج الله، إذا أردت لهذه التجارة أن تزدهر فطبق فيها منهج الله، إذا أردت لهذه الشراكة أن تدوم فطبّق فيها منهج الله، لأنك إذا طبقت منهج الله استقر الشيء واستمر، فاليوم درسنا متعلق، باستمرار الزواج، يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )

2 – عدم خروج الزوجة من البيت إلا لحاجة
أي أن المرأة مكانها الطبيعي في البيت، وهي في البيت تقوم بأخطر عمل على الإطلاق، كما أن قائد الطائرة مكانه الطبيعي في غرفة القيادة، وهو وراء المقود، وأمامه العدادات، وعلى اتصال مع الأرض، يقوم بأخطر عمل في الطائرة، أما إذا ظن أن بقاءه في هذا المكان، تضيقٌ لحريته، وأنه عليه أن ينطلق، ضيع الركاب، وربما أهلكهم.
فالنقطة الدقيقة أيها الإخوة أن المرأة إذا توهمت أن بقاءها في البيت حبسٌ لها، وحدٌّ من حريتها فهذه جاهلية القرن العشرين، ولا يعني بقاءُ المرأة في البيت أن تبقى جاهلة، هناك من يربط بين بقاءها في البيت وجهلها.
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ
[ابن ماجه]
أي كل مسلم ومسلمة، على كل شخصٍ مسلم، فالمرأة وهي في البيت ينبغي أن تتعلم أمر دينها، أن تتعلم القرآن، أن تتعلم سنة النبيّ e، أن تتعلم أحكام الفقه، كي تقوم بمهمتها خير قيام، كي تعرف حق زوجها عليها، وحق أولادها عليها، لذلك قال الله عزّ وجل:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
الحقيقة أنّ هذه الآية لا تعني أنه محظورٌ على النساء أن يخرجن، بل تخرج المرأة لحاجةٍ، كأنْ تزور أهلها، ولتزور أقربائها، أو لتتطبب، يمكن للمرأة أن تخرج من البيت، لكنها إذا خرجت:
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: " الزمن بيوتكن فلا تخرجْن لغير حاجة ".
حينما تتفرغ المرأة لزوجها وأولادها، فعملها في بيتها، وتفرغها لبيتها استثمارٌ لطاقتها، وليس هدراً لطاقتها، لأنها إذا أنجبت الأولاد الصالحين، ودفعت بهم إلى المجتمع، وأمَّنت لزوجها راحة البال والطمأنينة ضاعف إنتاجه، فهذا النظام الإلهي، نظام الزوجية مبنيٌّ على تفرغ الزوجة، وعلى إناطة تربية أولادها لها، وقد سمعتم كثيراً مني كيف أن هذه المرأة التي اشتكت إلى الله، وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:

(( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ:( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) ))
أيها الإخوة:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
هذا أمرٌ إلهي يقتضي الوجوب، أي أن المرأة يجب أن تتفرغ لزوجها وأولادها، أما حينما لا تتفرغ تضيِّع زوجها، وتضيع أولادها، ثم إنها فوق ذلك تضيع فرصة عملٍ لرجل، ثم إنها فوق ذلك تضيع فرصة زواجٍ لامرأةٍ ثانية، فضيعت بذلك زوجها، وأولادها، وفوتت على رجلٍ وظيفةً، وفوتت على فتاةٍ زواجاً، وحينما تختلط بالرجال ربما تفسد مجتمعهم، لأن المرأة في أصل الفطرة محببة على الرجال:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
قال ابن كثير: " الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة ".
وقال أبو بكر الجصاص: " وفي هذه الآية دلالةٌ على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهياتٌ عن الخروج ".
أي أن كمالها في تفرغها لزوجها وأولادها، وفي الأثر:
(( فأيّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[ورد في الأثر]
وورد في الأثر أن النبيّ عليه الصلاة والسلام وَصف المرأة التي تفرغت لأولادها بعد موت زوجها:

(( فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأةٌ مات زوجها، وترك لها أولاداً، فأبت الزواج من أجلهم ))
حينما تقوم المرأة بواجبها تجاه زوجها وأولادها لا يعلم إلا الله المكانة الرفيعة التي تحتلها عند الله، والمرأة التي تعتني بزوجها وأولادها امرأة قديسة، فلو كنتَ طبيبًا، وأهملت المرضى، واشتغلت مثلاً بمطالعة الصحف والمجلات، حتى أتقنت هذا الموضوع، وأنت مرجع في هذا الموضوع، هل لك فضلٌ في هذا ؟ لا، أبداً، أنت أهملت وظيفتك الأساسية، وأهملت مرضاك، واشتغلت بعملٍ لا تتقنه، فحينما تخرج المرأة، وتُهمل زوجها وأولادها فقد تخلَّت عن وظيفتها الأساسية التي خُلقت لها.
لكن بعضهم يقول: " هذا الأمر خاص بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: ]

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن[، والخطاب لنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم .
والإجابة عن هذا التساؤل سهلةٌ جداً، إذا كان نساء النبيّ e وهن العفيفات، المحصنات الطاهرات، قد أُمرن أن يقررن في بيوتهن فلأَن يكون هذا الأمر موجهاً إلى بقية نساء المؤمنين مِن بابٍ أولى، إذا قلنا للمتفوق: اجتهد، فلأن يكون هذا الأمر موجهاً إلى المقصّر فمِن بابٍ أولى، فحينما يوجه الأمر لنساء النبيّ فالأمر حُكماً موجهاً إلى بقية نساء المؤمنين، وهناك آيات أُخرى تشير إلى مثل هذا:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأحزاب: آية "59 " )
والآية الأساسية التي يقول الله فيها:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
( سورة هود: آية " 112" )
والقاعدة، والحديث الشريف:

(( … إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
إذاً: في هذه الآية دلالةٌ على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهياتٌ عن الخروج لغير حاجة، وقد صرح المفسرون بأن الأمر بالقرار في البيوت لجميع النساء قاطبة ً.
وقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: " معنى هذه الآية، الأمر بلزوم البيت ".
فرَّق بعض علماء النفس ووضحوا معنى الأُنوثة حينما تبقى في البيت فيكون لها رونق، أما إذا خرجت، وخالطت الرجال تَرَجَّلتْ، فإذا تَرَجَّلتْ فقدتْ أُنوثتها، وأجمل ما في المرأة أُنوثتها، أما إذا تَرَجَّلتْ، وتكلمت وأحدّت النظر، وعلَّقت، وتدخّلت في شؤون لا تعنيها فَقَدتْ أجمل ما فيها، وهي أُنوثتها.
وقد ورد أنه من علامات قيام الساعة: " أن يُرفع الحياء من وجوه النساء، وأن تُرفع النخوة من رؤوس الرجال، وأن تُنتزع الرحمة من قلوب الأُمراء "، فلا رحمة في قلوب الأُمراء، ولا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال.
أيها الإخوة، هذا الأمر الإلهي لا يعني البقاء في البيت مطلقاً، لكن الأصل أن تبقى في البيت، ولها أن تخرج لحاجةٍ، والبقاء في البيت لا يعني عدم الخروج، لكن هناك نساء يعتقدن أن الأصل أن تخرج من البيت، هذا هو الخطأ، لكنها إذا خرجت، الآية تقول:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

والدليل أن الله سبحانه وتعالى أعفاها من صلاة الجماعة، ومن حضور الجُمَع، فلعظم الأمر بالإقرار في البيت أعفى الشرع الكريم المرأة من حضور الجُمَع والجماعات، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله فعليه الجُمعة يوم الجمعة، إلا مريضاً، أو مسافراً، أو امرأةً أو صبياً أو مملوكاً، فمن استغنى بلهوٍ أو تجارةٍ، استغنى الله عنه، والله غنيٌ حميد ))
[الدارقطني عن جابر]
فصلاة الجمعة شيء مقدس جداً في حياة المسلم، والعبادة التي إذا تركها الإنسان ثلاثة مرات نكتت نُكتةٌ سوداءٌ في قلبه، وبعدها يكون الرّان، وهذه الصلاة كما تعلمون صلاة الجمعة شحن أسبوعي، وعندك شحن يومي، لكن الشحن اليومي مدته بين الصلاتين، تصلي الظهر تشحن إلى العصر، والعصر إلى المغرب، والمغرب إلى العِشاء، والعِشاء إلى الفجر، والفجر إلى الظهر، أما صلاة الجمعة فلأن فيها خطبةً فهي شحن أسبوعي، وأكثر إخواننا الكرام إذا حضروا صلاة جمعة، واستمعوا إلى الخطبة، وكانوا مخلصين في مجيئهم يتأثرون تأثرًا يمتد بهم أياماً عدة، فالخطبة شحن أسبوعي، والصلوات الخمس شحن يومي، والشحن الأسبوعي أطول أمداً، أما رمضان كونه ثلاثين يومًا فهو شحن سنوي، أما العبادات التي يشحن بها الإنسان إلى بقية عمره فهي الحج، فهو شحنةٌ إلى نهاية عمره، فكلما كان تركيز كبير، والمدة أطول يكون الشحن أطول، فالحج قد يكون أسابيع عديدة وسفر، وفيه تفرغ... إلخ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، فقال:

(( قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاةَ مَعِي، وَصَلاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِي ))
[أحمد]
معنى ذلك أن المرأة مأمورةٌ أن تقرَّ في البيت، لأنها إذا خرجت ربما فتنت، وربما أفسدت أو فسدت.

مساوئ خروج المرأة من البيت
بقي علينا أن نتنقل إلى أن المرأة إذا خرجت من البيت في الأعم الأغلب ينتشر الفساد إذا جعلت الأصل في خروجها من البيت، الأصل أن تخرج إذاً يعمُّ الفساد، والشيء الذي تعرفونه جميعاً هو أن الله سبحانه وتعالى أودع في كل طرفٍ محبة الطرف الثاني، لكن هذا الحب ينبغي أن يكون تحت مظلة الزواج، وينتهي إلى علاقة مباحة، والثمرة طيبة هي الأولاد، فهذا الحب الفطري يجب أن يغطى بنظام الزوجية، ونظام الزوجية يجب أن ينتهي إلى أولاد، وهم ثمرة هذا الحب، أما إذا كان هذا الحب الفطري الذي أودعه الله في الرجال وفي النساء على حدٍ سواء لم يكن تحت مظلة الزواج، فربما أدى هذا الأمر إلى الفساد، والفساد كما تعلمون إخراج الشيء عن طبيعته، فحينما تتعلق المرأة بغير زوجها ربما جرها هذا إلى ترك زوجها، أو إلى إهمال أولادها، وربما حمل هذا زوجها على تطليقها أو على إيقاع الأذى بها، فليس في منهج ربنا عزَّ وجل امرأةٌ تتعلق بغير زوجها، وليس في منهج ربنا عزَّ وجل رجلٌ يتعلق بغير امرأته، والدليل الأمر بغض البصر، والنهي عن الخلوة، والنهي عن الخروج من البيت.
لست مبالغاً إذا قلت: إن ما تعانيه المجتمعات الغربية من الفساد هو بسبب الخروج من البيت.
لي قريب يسكن في فرنسا في باريس، استيقظ ذات مرةً في الليل على أصوات عيارات نارية، ثم عرف في الصباح أن امرأة جاره تعمل موظفةً في شركة، وقد علِم الزوج أنَّ هناك علاقةً بين زوجته وبين مدير الشركة، بدافع فطرته أقدم على قتلها، وقتل أولادها اعتقاداً منه أن هؤلاء الأولاد ليسوا منه، فالفطرة أن الرجل لا يتحمل أن تكون لامرأته علاقةٌ برجل آخر، والمرأة أيضاً لا تتحمل أن ترى أن لزوجها علاقةً بامرأةً أخرى خارج نظام الزوجية، هذا الذي هو عليه منهج ربنا جلَّ جلاله.
وأنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن تعتقدوا معي أنك إذا نويت تفريغ زوجتك من العمل فالله سبحانه وتعالى إكراماً لحفاظك على شرعه يجلب لك من الرزق أضعاف ما تنتظر أن يأتيك من طريق زوجتك، ومعنى الآية الكريمة:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
( سورة النساء: آية "34 " )
القوامة لها تعليل، وتعليلها:

﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
( سورة النساء: آية "34 " )
إذا كنتَ أفضل منها علماً وورعاً وديناً، وأنفقتَ من مالك عليها ملكت قوامتها، فإذا كنت أقل منها ورعاً، وأقلّ منها علماً، وأنفقتْ هي عليك فقدت القوامة، وأساس القوامة التفضيل من جهةٍ، والإنفاق من جهةٍ أخرى، والتفضيل أن يكون لك القرار، فصاحب القرار أنت، لأن الزواج مؤسسة تحتاج إلى مدير، تحتاج إلى رئيس، تحتاج إلى من يتخذ القرار، هو يستشير، وهناك آية تؤكد الاستشارة.

3 - وجوب الاستئذان لدخول البيت
الآن ننتقل إلى شيءٍ آخر من أساسيات الحفاظ على هذا البيت الزوجي، أولاً وجوب الاستئذان لدخول البيت، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة النور )
حتى تستأنسوا، إنكم إن استأذنتم، وأذن لكم استأنستم، وأصحاب البيت إن أذِنوا استأنسوا، فالاستئناس يعود على الطرفين:

﴿ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ﴾
فعطف السبب على المسبِّب، لأن سبب الاستئناس هو السلام على أهلها، إذا استأذنت أهل البيت أنست أنت، وإن استأذنتهم أنسوا بك، فالاستئناس مشترك بينك وبينهم، وهذه عادة المسلم.
أحياناً بعض إخواننا الكرام يلتقون مع أناساً غير منضبطين إسلامياً، يدخل رأساً إلى البيت من دون استئذان، وهذا من الجهل الفاضح من الإنسان، لا تدخل بيتاً قبل أن تستأذن:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
إنّ حكمة الاستئذان من أجل النظر، فإذا دخل الإنسان بلا استئذان ربما وقعت عينه على عورات أهل البيت، فحكمة الاستئذان من أجل ألاّ تقع العين على عورةٍ ينبغي ألاّ تُكشف، لذلك يجب على من يريد دخول البيت أن يستأذن، سواء أكان الباب مفتوحاً أو مغلقاً، لأن الشرع أغلق الباب بالتحريم، ولا يفتح إلا بالإذن، إذا كان باب مفتوحًا فليس معنى ذلك أن الدخول مسموح، ربما قد يكون مفتوحًا خطأً، والشرع أغلق الباب، وفتح هذا الباب بالإذن، فلو رأيته مفتوحاً فلا بدَّ من أن تستأذن.
الاستئذان أيها الإخوة واجبٌ على كلِّ بالغٍ يريد الدخول، سواء أكان في البيت أمه أم أخته أم ابنته، إلا الزوج، فليس عليه أن يستأذن بالدخول، وليس في البيت إلا زوجته.
الآن هناك بيوت كثيرة، فالإنسان عنده ابنته ووالدته وأخته وزوجته، إذا وجد في البيت أحد هؤلاء عدا الزوجة فينبغي أن تستأذن، وقد يكون عند الزوجة ضيفة، كأختها، إذاً الاستئذان هذا من أدب المسلم في علاقاته الاجتماعية، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾
( سورة النور: آية " 59 " )
ويروي الإمام مالك في الموطأ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ))
قد يدخل الأخ على أخته، فإذا كانت الأخت تبدّل ثيابها فالمفروض ألاّ يراها أخوها، ينبغي أن يستأذن الأخ على أخته إذا دخل حجرتها، وأن تستأذن الأخت على أخيها إذا دخلت حجرته، وأن يستأذن الأب على ابنته إذا دخلت حجرتها، هذه آداب إسلامية لئلا يرى الإنسان ما لا ينبغي أن يراه، والحديث واضح جداً.
هناك قصص نادرة عن علاقات شائنة بين الأخ وأخته، ربما كان السبب عدم تطبيق هذا الحكم، إذا وجدت حالات لا ترضي الأب، والأب يخرج من جلده حينما يستمع إليها، إذا كان هناك في البيوت بعض هذه الحالات فسببها عدم استئذان الأخ على أخته، أو عدم استئذان الأخت على أخيها، وإنما جعل الاستئذان من أجل النظر، حتى إن المرأة عليها أن تستأذن إذا دخلت، روى بن حاتم عن أم غياث قالت: << كنا في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله عنها، فقلت: ندخل ؟ قالت: لا، فقالت واحدة: السلام عليكم أندخل ؟ قالت: ادخلوا >>.
فقالت السيدة عائشة لهذه المرأة المؤمنة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
إذاً هذا سلوك حتى في بيتك، فالزوجة معفو عن الاستئذان منها فقط، أما الأم والأخت والبنت والعمة والخالة فهذه المحارم، لكن سوى المحارم لا نظر ولا لقاء.
لقد أوجب الإسلام أيها الإخوة على المسلمين أن يستأذنوا إذا دخلوا على آبائهم في أوقاتٍ ثلاث، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾
( سورة النور: آية " 58 " )
إنّ هذا واضح بشكل جلي ؛ أن الاستئذان من أجل ألاّ تقع عينك على عورةٍ لا يرضي الله أن تطلع عليها، وهذا ضروريٌ جداً في البيوت، والبيت المسلم بيت منضبط، وأضيف إلى هذا شيئاً أن لباس الأب والأم والشباب والفتيات في البيت يجب أن يكون منضبطاً، ولو كان الأخ مع أخته، فليس للأخت الحق أن تبدو أمام أخيها إلا بثياب الخدمة، التي وصفها الفقهاء بأنه الثوب الذي تخدم به المرأة بيتها، قد يكون نصف كُمٍّ فلا مانع، وأن يكون الصدر مستورًا، وتحت الركبة، هذه ثياب الخدمة، أما أن تتبذل المرأة أمام أولادها، أو الفتاة أمام إخوتها، أو الأخ أمام أخته فيلبس الثياب الداخلية، ويتجول بها في البيت، هذا لا يجوز أبداً، وهذا جزء من الدين، وإذا حدثَ فسادٌ يكون هذا هو السبب.
الآن من آداب الاستئذان عدم الإلحاح لحصول الإذن، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
قبل أن أتابع الموضوع قلت لكم سابقاً: ضباط الأمن الجنائي عندهم قاعدة عند وقوع جريمة، يقولون: فتّش عن المرأة في كل جريمة، وأنت عدِّل هذه القاعدة، فتّش عن المعصية عند كل مشكلة تطرأ في البيت، وما من مشكلةٍ تفاقمت أو ظهرت أو تفجرت إلا وراءها معصية لله عزَّ وجل، فإذا أردت أن تنجو من المتاعب فعليك بطاعة الله عزَّ وجل.

عدم الإلحاح لحصول الإذن والاقتصار على الإذن ثلاثًا
الآن الحكم عدم الإلحاح بحصول الإذن، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
أحيانا يتصل بالهاتف ـ ويقول له: أنا سآتي إليك، فتجيبه بانشغالك بموعد، فيغضب المتصل، فلماذا أخبرَ بقدومه إذاً ؟ أنت الآن تستأذنه في الزيارة، وهو على موعد، قال لك: أنا على موعد، فهل ينبغي أن تغضب ؟ استأذنت، وقيل لك: لا تدخل الآن، فقد يكون الإنسان يقوم بتغيير ملابسه، فلا تدخل، فمن لوازم أدب الإذن، أنه إذا لم يؤذن لك فلا ينبغي أن تغضب، وإلا لم يكن للإذن معنى، كأنها كلمة يقولها رفعًا ودفعاً للعتب، لو لم يؤذن لك فأنت كونك مسلمًا ينبغي ألاّ تغضب، فلذلك الإلحاح في الإذن غير وارد، استأذِن، فإن أُذن فادخل، وإن لم يؤذن فلا تدخل.
أحياناً هذا شيء يحدث، تطرق الباب بشكلٍ ملِحّ، قال الفقهاء: " كان أصحاب النَّبي e يستأذنون بأظافرهم على باب رسول الله "، فلماذا الطرق بإلحاح على باب أخيك، لعله يصلي، يجب أن تنتظر صلاة أربع ركعات، لعل أخاك وحده في البيت، واستأذنت أنت بقرع الجرس، وبعد أن قال صاحب البيت: الله أكبر، ليصلي صلاة الظهر أربع ركعات طرقتَ الباب، وإذا كان الطرق مستمرًا شوّشتَ عليه صلاته، فالأدب يعلمنا أنه ينبغي أن تنتظر مقدار صلاة أربع ركعات، طبعاً لا يقرأ سورة البقرة فيها، بل سورة عادية، فإذا طرقت مرة ثانية بعد الأربع ركعات، أو ثالثة، فلا مانع، لكن بعض الأشخاص مولعون في متابعة في الاستئذان عن طريق قرع الجرس، وهذا مخالف للشرع.
روى الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول:

(( الاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلّا فَارْجِعْ ))
[مسلم]
ويقول الإمام مالك: " الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحدٌ عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع "
أحيانا يكون البيت واسعًا، وأنت تعلم خبايا البيت، وقد غلب على ظنك أن أهل البيت لم يسمعوا، في هذه الحالة لك أن تزيد في الإذن.

حصول الإذن مع وجود مانع الدخول
الآن عندنا حالات، لو أنه أذن لك ينبغي ألاّ تدخل، طرقتَ باب صديقك، سألت عنه، قيل لك: ليس موجوداً، فتقول لك امرأته: تفضَّل، انتظره، سيأتي بعد قليل، وهي قد أذنتْ لك، أنت لا يحق لك أن تدخل ولو أذِنتْ لك.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ))
فقد حرَّمت الشريعة الغراء أن يدخل أحدٌ البيت على امرأةٍ ليس معها ذو محرم.
أحياناً يكون الرجل وحده في البيت، وتأتي أخت زوجته من مكان بعيد، فقل لها: والله ليست هنا، ولا تستحي من الحق، أما أن تقول لها: تفضلي، وأنتَ وحدك معها فهذه خلوة محرَّمة، فإذا أردت أن تكرمها فاخرجْ من البيت، وقل لها: تفضلي، يمكن أن تفعل هذا إذا جاءت من مسافة بعيدة جداً، قل لها: انتظري، وارتدِ أنتَ ثيابك، واخرج من البيت، وادعها لدخول البيت، إذا كان هناك قرابة وثقة، أما أن تقول لها: تفضلي، أو أن تقول لصديق زوجها: تفضل فلا، ولو أذن ينبغي ألاّ تدخل، ولا يحق لك، وهذا من الكبائر.
فقد روى الإمام البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ ))
فالحمو أقرباء الزوج، فلو ذهب إلى بيت أخيه فلم يجد أخاه، فليس له الحق أن يدخل إطلاقاً.
وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام علَّة تحريم الخلوة بامرأةٍ أجنبية، فليست الأجنبية هي التي معها جنسية أجنبية، فأخت زوجتك أجنبية، كلمة أجنبية في الفقه لا تعني أنها غير مسلمة، هي امرأة مسلمة، أخت زوجتك، الزوجة أخو زوجها، هذا أجنبي عليك.
في مسند أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ))
[احمد]
فالنبي عليه الصلاة والسلام ربط الإيمان مع هذا العمل، فإذا كنت مؤمناً افعل هكذا، وإن لم تفعل فلست مؤمناً.
إذا أردت أن تذهب إلى إنسان يعمل في الأمن الجنائي، وسألته عن مئة حالة جريمة أخلاقية، أو خيانة زوجية، أو تشرد، أو طلاق تعسفي، وتتبعت هذا الحالات لرأيت العجب العُجاب، كل هذه الحالات أساسها مخالفة هذه الأحكام، هذه الأحكام من عند خالق الكون، من عند صانع هذا الإنسان، هذه تعليمات الصانع، وأنت دائماً تحترم تعليمات الصانع.
قال الإمام الشوكاني: " وعلَّة التحريم ما في الحديث، من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهم في المعصية ".
وهنا نقطة ذكرتها كثيراً، وهي تحل آلاف المشكلات، إذا خلا الإنسان بامرأةٍ أجنبيةٍ يفرز الدماغ أحياناً مادة تعطل فيها محاكمته، مشكلة الخلوة بامرأة أجنبية كبيرة جدا، فهذه المعصية تجذب، فأنت لست منهياً عن مقارفتها، بل أنت منهيٌ عن مقاربتها، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾
( سورة الإسراء: آية " 32 " )
لو أنّ إنسانًا خطا أول خطوة فلا بد من أن يصل إلى آخر خطوة، كالصخرة المتمركزة في رأس جبل، إذا دفعتها لا تستقر إلا في قعر الوادي، فلذلك أمور النساء أمور دقيقة جداً، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( النساء حبائل الشيطان ))
[المنذري في الترغيب والترهيب عن حذيفة بسند ضعيف]
وقد ورد أن إبليس طلاعٌ رصّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الرجل من النساء، فهي حبلٌ خطير من حبائل الشيطان، فعلى الإنسان المؤمن أن يتقي الله.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ))
[مسلم]
سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول لميمون بن مهران: " لا تخلون بامرأةٍ وإنْ قلتَ: أعلِّمها القرآن "، فهل هناك أبلغ من ذلك، ولو قلت: أعلِّمها القرآن.

تحريم النظر على بيوت الغير
من لوازم هذا الموضوع، تحريم النظر إلى بيت الغير، ولا سيما هذه البيوت المتداخلة المتقاربة، فتجد بيتًا أمامه بيتٌ آخر، فبالليل أحياناً تفتح النوافذ، ويكون هناك تساهل، فمحرمٌ تحريماً قطعياً أن تنظر إلى داخل بيتٍ، وهذا بالطبع من لوازم غض البصر، وغض البصر كما تعلمون عبادة الإخلاص، وهذه العبادة لا تحرّمها القوانين، لكن يحرّمها خالق الكون، فحينما تغض النظر تؤكد لنفسك أنك تخاف الله عزَّ وجل، وتبتغي رضوانه.
يروي الإمام مسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه:

(( أَنَّ رَجُلا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ))
[مسلم]
فلو أن إنسانًا يتلصص على جاره، أو ينظر من ثقب باب، أو يستعمل منظارًا، وهناك من يعلم هذا ليطلع على عورات البيوت، يجلس في الشرفات لينظر إلى البيوت التي دونه في النظر، يصعد إلى السطوح ليرى خبايا البيوت، هذا إنسان يرتكب عملاً يوجب أن تقلع عينه.
ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث،
(( إنما جعل الإذن من أجل البصر ))
فأنت ألغيت الإذن كله، إذاً النظر من ثقب باب، أو من نافذة مفتوحة، أو من شرفة، أو من سطح، أو بمنظار، هذا كله محرَّم تحريمًا قطعيًّا، وبالطبع ليس معنى ذلك أن تفقع عينيه، هذا إرشاد إلى إن هذا الجرم كبير جداً، وفي بعض أحاديث شريفة النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلها، ولن يفعلها، لكن هذا أسلوب بلاغي في عِظم هذه الجريمة، إنسان يتلصص، يسترق النظر ليرى عورات المسلمين !! هذا الذي حرمه الشرع الحنيف.
وقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم كما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ:
(( مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ ))
كما قلت قبل قليل: هذا الحكم لبيان عظم هذه الجريمة، فالمؤمن سمته حسن، المؤمن تعرفه بسمته، فعنده خشية وحياء، والله أعرف إخوة ورعين جداً، فإذا كان بالمصعد امرأة تعدُّ خلوة انتظر حتى تصعد، ويصعد هو وحده، وهذا بالطبع من الورع، لذلك كان تحريم اللعب بالحمَام من هذا الباب.
روى الإمام أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامةً، فقال:

(( شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً ))
[أبو داود]
من أين يتبع ؟ من على السطح، فهذا العمل أي البقاء على السطح مظنة كشف العورات، لذلك تحريم هذه الهواية لئلا يتوصَّل بها إلى الإطلاع على عورات المسلمين، هذا من لوازم الاستئذان.
إن القاضي شُريحًا لا يجيز شهادة صاحب حمامٍ.
ويقول الإمام ابن القيم: " يُمنَع اللاعبون بالحمام على رؤوس الناس "، أي يجب أن يقرَّعوا على رؤوس الناس، طبعاً هذه هواية محرمة في الشرع، لأنها مظنة استطلاع على عورات البيوت.
وإن شاء الله تعالى ننتقل في درسٍ قادم إلى الآداب التي يجب على المرأة أن تتبعها، والتي تجب على الرجل أن يتبعها كي يحفظ لهذا البيت قدسيته، نحن الآن في موضوع استمرار الزواج، تزوجنا بقي الاستمرار، فالتساهل في هذه الأمور قد يفسد هذه العلاقة الزوجية.
وأرجو الله سبحانه وتعالى، وأنا كلّي ظن حسن أنه لا يوجد مؤمن إلا وبالفطرة يكشف هذه الحقائق، فإيمان المؤمن وسلامة قلبه تحمله على اتباع هذه النصائح، ولو لم يعلم بها قد يكتشفها بفطرته.

ســؤال وجواب:
السـؤال:
هل يمكن الاستئذان على الزوجة كي لا تخاف ؟

الجـواب:
ذلك صحيح، فأنت مباح لك أن ترى من امرأتك كل شيء، ولكن لماذا تستأذن عليها في الدخول ؟ إذا جئت في وقت غير وقتك، أو رجعت الساعة الثامنة والنصف لنسيانك غرضًا ما، ففتحت الباب بنعومة، ودخلت إلى البيت، وهي مستلقية على الفراش، فوجدتْ شخصًا أمامها، فحتى تعرف أنك أنت زوجها تنفلج، هذه ملاحظة دقيقة، الاستئذان على الزوجة لئلا تخاف هذا لم يدخل في موضوع الفساد، ولكن دخل في موضوع ألاّ تخاف.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:00 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 15 - 17 ) : الأدب التي تراعيه المرأة للحفاظ على العلاقة الزوجية .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-15
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الآداب التي يجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن من دروس الأسرة التي بدأناها قبل عدة أسابيع، وها نحن ننتقل إلى الآداب التي يجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية.
1 – عدمُ سماح المرأة لخلوة الأجنبي بها
البند الأول من هذه الآداب: ألاّ تسمح المرأة لأجنبيٍ أن يخلو بها لأيّ سببٍ كان، وفي أي ظرف، فلمجرد أن تسمح المرأة المسلمة لأجنبيٍ أن يخلو بها في أيّ مكانٍ وفي أيّ زمانٍ ولأيّ ظرفٍ وفي أيّ وضعٍ فهذا ربما قادها إلى أن تزلّ قدمها، هذا هو التدبير الذي يحترز به من أن تفسد العلاقة بين الزوجين.
2 – الكلام مع أجنبي من وراء حجاب
شيءٌ آخر، لو أن إنسانًا سألها، أو طلب منها بعض المعلومات، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
أي إذا أرادت لضرورةٍ أن تدلي ببعض المعلومات، ينبغي أن يكون هذا الإدلاء من وراء حجاب.
أول بند: ينبغي ألا تخلو بأجنبي مهما كان السبب ومهما كان الظرف.
البند الثاني: لو أرادت لضرورةٍ قاهرة أن تدلي ببعض المعلومات، أو أن تسأل فينبغي أن يكون هذا من وراء حجاب، لقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
شيءٌ آخر.. هذا الحكم دائماً هناك من يقول: إن هذا الأمر موجهٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم :

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
هو موجهٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيّ أمرٍ موجهٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ينسحب قطعاً، وبالتأكيد على نساء المؤمنين، لأن العفيفات الطاهرات المصونات المحصنات اللاتي هن أمهات المؤمنين إذا أُمِرن أن يقررن في بيوتهن، وإذا أُمِرن أن يفعلن كذا وكذا، فنساء المؤمنين في هذا الحكم من بابٍ أولى، أيْ يطبَّق عليهم هذا الحكم من بابٍ أولى، كأن إذا قلنا للطالب الأول: اجتهد، فلأن ينسحب هذا الحكم على الطالب المقصر من بابٍ أولى.

3 – عدم إبداء الزينة إلا للمحارم
البند الثالث: عدم إبداء الزينة، فبيوتاتٌ مسلمين بعضها مع شديد الأسف لا تتورع المرأة من أن تظهر محاسنها أمام الأجنبي، يطرق الباب فتفتح الباب، وهذا الطارق لعلّه ليس قريباً، ولا من المحارم، فكيف تبدو المرأة أمامه هكذا بلا حيطة ؟ فلذلك عدم إبداء الزينة لغير المحارم، أما إذا أمكن للأجنبي أن يرى المرأة إذا طرق الباب فليس للاستئذان معنى إطلاقاً، وإنما جُعل الاستئذان من أجل البصر.
أول شيء: ألا تسمح لأجنبي أن يخلو بها مهما كان السبب.
الشيء الثاني: لو اضطرت أن تدلي بمعلومات فيجب أن يكون هذا من وراء حجاب:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
والشيء الثالث: أن تحرص حرصاً بالغاً على ألا يراها أجنبي، وهذا من إيمانها، ومن ورعها، أما إذا تساهلت فهذا رقةٌ في دينها.

4 - عدم الخضوع بالقول
لكن الشيء الذي ينبغي أن تراعيه المرأة هو عدم الخضوع بالقول، قال تعالى:
﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
( سورة الأحزاب: آية " 32 " )
قبل سنواتٍ تزيدُ على العشر سمعت أنَّ امرأةً وقفت أمام بائع، وساومته على سلعةٍ، ويبدو أنها لجهلها بهذا الحكم الشرعي خضعت بالقول، وألانت له الكلام، قالت له: نحن جيرانك، ألا تراعينا ؟ قال لها: أين بيتكم ؟ قالت له: هنا بيتنا، من أجل أن تخفِّض من قيمة هذه الحاجة ألانت له القول، فلما ألانت له القول طمع الذي في قلبه مرض، لأن أيّ حركة غير طبيعية، أو أي طريقة في الكلام غير طبيعية فهذه كأنها دعوةٌ للأجنبي أنْ يقارب هذه المرأة، فامرأةٌ جاهلة، وهي تساوم في شراء حاجة ألانت القول، وإلانة القول خضوعٌ لهذا الرجل في تنفيذ رغبته، انظروا إلى دقة الآية، إلانة القول عبّر عنها القرآن بالخضوع، لمّا ألانت له القول كأنها خضعت لرغبته، أو كأنها أشعرته أنها خاضعةٌ لغربته، فما كان من هذا الرجل صاحب المحل التجاري بعد قليل إلا طرق بيتها، ووضع رجله في الباب، واقتحم البيت، لأنه طمع بها، هي ما خطر في بالها أبداً أن إلانة القول ستقوده إلى أن يأتي إلى البيت، زوجها له محلٌ تجاري قريبٌ من البيت، فأرسلت أحد أولادها إلى أبيه تستنجده، فلم يتروَّ الأب، ولم يفقه حقيقة الأمر، جاء معه الشرطة، وضبط رجلاً في بيتٍ مع امرأته، وطلقها، وله منها خمسة أولاد، والقصة علِمتها من زوجها، وقال لي: ماذا أفعل ؟ انظر، طلاق، وخمسة أولادٍ شردوا، وزوجها لا يشكُ في امرأته أبداً، والدليل أنها استنجدت به، وهي في أكمل ثيابها، إلا أن خضوعها بالقول جعل هذا الرجل يطمع فيها، انظروا إلى دقة الآية، فأيّة كلمةٍ مع البائع فيها لين، كأن تقول له: قلبك قاسٍ علينا، لا تراعينا، ولا كلمة من هذا القبيل، تسأله: كم سعر هذه الحاجة، فإما أن تشتري، وإما أن تذهب، هذه المرأة المسلمة، لأن الكلام الجاد لا يمكن أن يوحي للرجل بأي معنى، الكلام الجاد، والكلمة الدقيقة لا توحي للرجل بأيّ معنى، يؤكد هذا المعنى أن بنت سيدنا شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قالت:

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
( سورة القصص: آية " 25 " )
وانتهى الأمر، ولو أنها قالت: إن أبي يدعوك، يقول لها: من أبوك ؟ وما المناسبة ؟ فيحدث حوار بينهما، ولكنها أعطته الكلام كله، أعطته كلاماً لا يحتاج إلى تفسير، (

إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا )، وهو حينما خاطبها ماذا قال ؟ قال كلمةً موجزةً لا تحتمل كلمة ثانية:
﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
( القصص: آية رقم " 23 " )
فأيّ كلامٍ آخر فيه مودة، وفيه إلانة بالقول لا يجوز، فإذا كانت المرأة مأمورة ألا تخضع بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرضٌ، فالشاب المؤمن والرجل المسلم أيضاً لا يلين القول للمرأة، كما أنها منهيةٌ على أن تخضع بالقول، هو أيضاً منهيٌ عن أن يلين لها القول، الكلام اللطيف الكلام الذي فيه عذوبة، هذا الكلام للزوجة وللمحارم، والمودة والابتسامة والاعتذار اللطيف، هذا كله لو كان بين النساء والرجال دون أن يكون بينهما علاقات الزواج أو علاقات الحرمة، هذا الكلام يؤدي إلى فسادٍ عظيم، والفتاة أحياناً تكون ساذجة، فيلين قلبها لكلمة لينة، وتخضع لها، وكلمةٌ لينةٌ منها تغري الرجل أن يصل إليها، فهذه الآية دقيقة جداً:

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 32 " )
الحقيقة أن المرأة في نوع ثيابها وشكله، وحركاتها وسكناتها وكلامها وإشاراتها كلها يجب أن تكون مضبوطةً بالشرع الحنيف، وإلا ففي أيّ خروجٍ عن الوضع الجاد دلّ هذا الخروج على أنها راغبةٌ في الرجال، أي أن المرأة التي تتبذل في ثيابها، وتسمع كلاماً قاسياً أو تعليقات لاذعةً من الأجانب في الطريق هي السبب، ثيابها ومشيتها، وحركاتها وسكناتها تدعو الأجنبي إلى متابعتها، لذلك المرأة المسلمة المحتشمة المحجبة هذه المرأة لا يطمع فيها أحدٌ أبداً:

﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 59 " )
إذا خرجت المرأة كما أرادها الله أن تخرج فلن تؤذى، من التي تؤذى ؟ هي التي تدعو الناس أن يؤذوها بثيابها، بتفلتها بميوعتها، بخضوعها بالقول، لذلك الأب مسؤول مسؤوليةً كبيرةً، وكذلك الأم عن تربية بناتها التربية الإسلامية، فإذا خرجت من البيت لضرورةٍ فلا يمكن أن يطمع فيها أحد، لحشمتها وجديتها وانضباطها بقواعد الشرع، قال تعالى:

﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾
( سورة الأحزاب )
القول الذي لا يعني شيئاً آخر غير مضمون القول، أي السؤال والجواب، وبالمناسبة إذا عُرِض للإنسان عملان، عمل متعلق بالنساء، وعمل متعلق بالرجال، إذا خُيِّر بين أن يبيع ألبسةً نسائيةً وأن يبيع ألبسةً رجالية كما يقولون فأنا أنصح أن يختص الإنسان بالألبسة الرجالية، لأنه أطهر لقلبه، وأبعد له عن الفتن، والمصالح المتعلقة بالنساء في آخر الزمان مع تفلُّت النساء من قواعد الشرع، ومع إبداء الزينة للأجنبي، ومع ثيابهن الفاضحة، تصبح هذه المصالح المتعلقة بالنساء أقرب إلى الفتنة، وأقرب إلى المعصية منها إلى الطاعة، فإذا خاف الإنسان على دينه وهو يحرص عليه، إذا خُيِّر بين عملين، عمل متعلق بالنساء، وعمل متعلق بشيء آخر فليختر العمل الآخر، ولو كان دخله أقلَّ، حفاظاً علي دينه:
(( ابن عمر، دِينَك دينَك، إنه لحمك ودمك ))
فقلما تجد إنسانًا يتعامل مع النساء يومياً، مع النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، يتعامل بشكل مباشر، قلّما تجده محافظاً على وجهته لله عزَّ وجل، لأنه يقع في المخالفات دائماً، ولا سيما حينما يغلب على النساء التفلت من قواعد الشرع، حينما يغلب عليهن التبذل، حينما يغلب عليهن أنهن يُثرن شهوة الرجل، ويبدين زينتهن لغير محارمهم.
إنّ هذا أيضاً مما تُكَلَّف به المرأة المسلمة من أجل أن تحافظ على هذا الزواج المقدس الذي هو أقدس عقدٍ بين مسلمين.
أول شيء: ألا تسمح المرأة لأجنبيٍ أن يخلو بها، وهذا شيء واضح جداً كالشمس، لكن من باب التأكيد على كلمة ( أجنبي ) في موضوعنا، فهي لا تعني أنه غير عربي، أو غير سوري، إنه أيّ إنسان ليس أبًا للمرأة، ولا أخاها، ولا ابنها، ولا عمها، ولا خالها، ولا ابن أخيها، ولا ابن أختها، ولا زوجها، غير هؤلاء الرجال هو في حقّها أجنبي، ابن عمها أجنبي، وابن خالتها أجنبي، وابن عمتها أجنبي، وجارها أجنبي، فالأجنبي في هذا الموضوع كل إنسان ليس أحد محارمها، ليس زوجها، وليس أحد محارمها، فالمرأة المسلمة لا تسمح لأجنبيٍ كائناً من كان، في أي ظرفٍ، وفي أيّ مناسبةٍ أن يخلو بها، هذه واحدة.
الشيء الثاني: ألا تبدي زينتها لغير محارمها وفق ما أمر الشارع الحكيم، وبالطبع الزوج له وضع خاص، لكن ما سوى الزوج يجب أن تبدو أمام محارمها النسبيين بثياب الخدمة، وثياب الخدمة كما تعرفون هو الثوب الذي يستر صدرها، ويستر عضدها، وتحت ركبتها، هذه الثياب مسموح لها أن تبدو بها أمام محارمها غير زوجها.

5 – تحريم وصف المرأة للمرأة أمام زوجها
الآن تحريم وصف المرأة للمرأة عند زوجها: لأن المرأة إذا وصفت المرأة أمام زوجها فكأنه يراها، فما قيمة الحجاب إذاً ؟ وما قيمة التستر إذاً، فالآية الكريمة:
﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾
( سورة النور: آية " 31 " )
إلا أن ابن البعل، أي ابن الزوج ينبغي ألاّ يخلو بها، ووالد الزوجة ووالد الزوج ينبغي ألا يخلوَا بها، هذا حكمٌ شرعيٌ نجده في كتب الفقه، ولا سيما في الفقه الحنفي، فلا يجوز الخلوة ب زوجة الابن الشابة، ولا أن تخلو المرأة بابن زوجها إذا كان مقارباً لسنها، لأن هناك مفاسد كبيرة تنشأ عن ذلك، معنى ذلك أن المحارم ثلاثة أصناف، الزوج له حكم خاص، ومحارم النسب لهم حكمٌ خاص، ومحارم المصاهرة لهم حكمٌ خاص، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام بخاري عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ))
[البخاري]
فأحياناً، وهذا الذي أسمعه أنه ولا سيما في أثناء خطبة النساء، فيقول لها: صِفِيها لي، هو مكلف أن يخطب لشخص، فتنساق معه، وتصفها له، إذا قال لها: المستوى جيد، تكفي هذه الكلمة، أما التفاصيل فلا ينبغي أن يدخل فيها، جيدة، وسط، أما أنه يطالب الرجل الأجنبي عن امرأةٍ بوصف دقيقٍ عن امرأةٍ فيجب ألاّ ترضى الزوجة أن تصف له هذه المرأة، والأصل ينبغي أن لا يطلب الزوج هذا الوصف، لأن الوصف أيضاً كأنه مشاهدة.
إنّ الإسلام كله أدب، أساساً الرجل يعرف المسلم من آدابه، فالإسلام فيه عقائد، وفيه عبادات، وفيه معاملات، وفيه أخلاق، وفيه آداب، فخمْس هذا الدين آداب ؛ آداب الطعام والشراب، وآداب المجالس، آداب الطريق، آداب السفر، آداب الولائم، في كل مناسبة هناك آداب، فلا ينبغي للرجل أن يسأل امرأته أن تصف له امرأةً أخرى تحت طائلة المعصية، ولا ينبغي للمرأة أيضاً أن تصف لزوجها المرأة دون أن يطلب منها، تحت طائلة الوقوع في المعصية، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ))
وهذا التحريم من قِبل النبي عله الصلاة والسلام كما قال بعض العلماء: هو " من باب سد الذرائع إلى الفساد والافتتان بالوصف ".
ومن قبيل ذلك أحياناً أقرأ بطاقات دعوة عقد قران، فيلفت نظري أن هذه البطاقة ليس فيها آية كريمة، فأنا أعجب بهذه البطاقة، لماذا ؟ لأنك عندما تريد أن تستغني عنها يكون إتلافها سهلاً، أما إذا كان فيها آية كريمة يصبح فيها حرج شديد، وكنتَ مضطرا أن تحرقها، أو أن تقصها، فأما إذا كان لم يكن فيها آية كريمة فمن الممكن أن تكون دعوة لطيفة ورقيقة من دون آية كريمة، فالآية معروفة.
أيضاً يلفت نظري في بطاقات عقد القران يكتب على البطاقة: " كريمة فلان "، من دون اسم، لكن الاسم أحياناً يلفت النظر، فبعض الأسماء جمالية، فإذا كتبت فقد يتصور الإنسان أن صاحبة هذا الاسم كذا وكذا، والأولى أن يغفل الاسم، والسبب أن القرآن الكريم لم يذكر اسم امرأةً واحدة إلا السيدة مريم، لأنه قيل عن عيسى: إنه ابن الله، فقال الله: إنه عيسى بن مريم، واقرؤوا القرآن كلُّه من ألفه إلى يائه فلن تجدوا اسم امرأة واحدة، هذا استنباط، فإذا زوج الإنسان ابنته فليكتب في البطاقة: عقد قران الشاب الفلاني على كريمة فلان، وانتهى الأمر، وهذا أكمل، وهو من باب الآداب طبعاً.

6 – خروج المرأة من البيت لحاجة وضرورة

الآن مغادرة المرأة المنزل، الله عزَّ وجل قال: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
أما الذي يقول: " إن المرأة تخرج من بطن أمها إلى البيت، ومن بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر " فهذا كلام غير منطقي، وغير معقول، وغير مقبول، وليس له أساس من الصحة، إنها ثلاثة خرجات بالتعبير الدارج، إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر، لا، فقد قال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
معنى ذلك: إذا خرجتن لضرورةٍ فلا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، إذاً مباحٌ للمرأة أن تخرج من البيت، لكن لحاجة، أما بلا سبب فلا يجوز، أما إذا تجول الإنسان في الطرقات للتسلية، ولو فعلها رجل أساساً فالتنزه في الطرقات مما يجرح العدالة، فإذا أراد الرجل أن يتنزه في الطرقات، وأن يرى الغاديات الرائحات، فقد جرحت عدالته، ولم تقبل شهادته، فكيف بالمرأة التي هي موطن فتنةٍ ؟ فخروج المرأة من المنزل ينبغي أن يكون لحاجة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ ))
( سنن الترمذي )
أي أن الشيطان وجد في خروجها مناسبةً لإيقاع الفتنة بها، وإن الشيطان يرى المرأة إذا خرجت من بيتها شبكةً يصطاد بها الرجال، والمرأة كما قال عليه الصلاة والسلام:

((النساء حبائل الشيطان ))
فالشيطان واثقٌ جداً من هذا الفخ الذي لا يخطئ، فالمرأة المسلمة لا تخرج من غير ضرورة، أما إذا خرجت:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
وإذا خرجت إلى الطريق لإظهار حسنها وقِوامها وثيابها فهذه عاصية ولا شك، أما إذا خرجت إلى بيت أبيها، أو إلى بيت أختها، أو لشراء حاجتها الضرورية، فهذا خروج مشروع، والله يعلم المفسد من المصلح، ويعلم حقيقة نفس كل إنساناً.
وقد ورد في صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

(( خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلا، فَرَآهَا عُمَرُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: إِنَّكِ وَاللَّهِ يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، وَهُوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَرُفِعَ عَنْهُ، وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ ))
إذاً:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
ولا تبرجن إذا خرجتن، فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو المشرّع أذن للمرأة المسلمة أن تخرج لحاجتها، قال أحد العلماء: " في هذا الحديث دليلٌ على أن النساء يخرجن لكل ما أبيح الخروج فيه، من زيارة الآباء والأمهات، وذوي المحارم، وغير ذلك مما تمسّ الحاجة إليه ".

حضور النساء الصلاة ودروس العلم في المسجد
أما حضورهن في المساجد، فروى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ ))
معنى ذلك أن الصحابيات الجليلات كن يذهبن إلى المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام أقرّهنّ على ذلك، ونحن من فضل الله وتوفيقه يوجد عندنا قسم للنساء، وهو مجهز بكل وسائل الراحة، وله مدخل بعيد، فقد زارنا أحد الإخوة العلماء في المسجد، وأعجب بمصلى النساء، قال: ما الذي يمنع أن يفتح هذا في الخطبة الأولى ؟ قلت له لا مانع، طبعاً المرأة لا يجب عليها أن تحضر خطبة الجمعة، فهل هي ممنوعةٌ من ذلك ؟ لا، أحياناً يأتي الأخ من ريف دمشق إلى دمشق يوم الجمعة ليحضر الخطبة، ومعه زوجته، يريد أن يأخذها إلى بيت أهلها، أو إلى مكان في دمشق، فإذا حضر مع زوجته فبإمكانها أن تصلي، أو أن تستمع إلى الخطبة يوم الجمعة، فمصلى النساء مفتوح للنساء أيام الجُمَع، والدروس كلها يمكن عندنا أن تحضرها النساء، وعندما تتلقى زوجةُ الإنسان العلم الذي يتلقاه هو يصبح هناك انسجام وتعاون، وقد يكون الإنسان مقصِّرًا في حق نفسه أحياناً، لكن لما يبيّن الزوج لزوجته حقوق الزوج فربما لا تستجيب له كثيراً، أما إذا سمعت حقوق الزوج من جهةٍ أخرى فيمكن أن تطبقها.
وكما روى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ ))
النبيّ عليه الصلاة والسلام إذاً أذِن للمرأة أن تخرج من البيت إذا كانت هناك حاجة، مع مراعاة الآداب الإسلامية، والحكم الشرعي أنه: " ينبغي ألا تخرج المرأة من بيتها إلا لحاجةٍ لا تجد منها بُدًّا "، فبإمكانها أن تزور أباها، أو أمها، أو إخوتها، أو أن تشتري بعض الحاجات، أو أن تذهب إلى مجلس علم إذا كان هذا المجلس لا اختلاط فيه، وبعيد عن الرجال، مع توفُّر شروط الصون في هذا المسجد، لكن إذا أرادت المرأة أن تخرج من بيتها لحاجة فلا بد من أن تستأذن زوجها، هكذا النظام العام، روى الإمام البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما: قالَ: قال عليه الصلاة والسلام:

(( ولا تخرج الزوجة من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت، لعنتها الملائكة، ملائكة الغضب والرحمة حتى تتوب أو تراجع ))
يُستفاد من هذا الشرط في الحديث الذي رواه الإمام البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(( إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ))
معنى ذلك أن المرأة لا تخرج إلا بإذن زوجها، إذاً لحاجةٍ وبإذن زوجها، دققوا في هذا الكلام، حينما يُطبق الرجل أوامر الله في شأن زواجه، وحينما تطبق المرأة أمر الله في شأن زوجها، فهذا الزواج فيه عوامل البقاء والاستمرار، أما إذا خرج الرجل عن قواعد الزواج والمرأة كذلك، أصبح في هذا الزواج عوامل الهدم.
إذا استأذنت المرأة أحدكم، ولأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، فإذا كان المكان آمنًا لا اختلاط فيه، وقريبًا من البيت، ولا توجد أيّ مشكلة، فإذا استأذنت المرأة إلى المسجد فلا يمنعها، طبعاً إذا كان الخروج إلى المسجد يقتضي الاستئذان فالخروج إلى غير المسجد من بابٍ أولى، لذلك يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: " إن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجِّه الأمر إلى الأزواج بالإذن ".
فإذا عندنا حاجة، وعندنا إذن، هذا ديننا، فالخروج لا بد له مِن حاجة، وإذنٍ من الزوج، قال: " وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى مالها منه بُدٌ ".
إذا كان الزوج يرى أن هناك فساد كبير في هذا الخروج، وهو يرى ما لا تراه امرأته، فله أن يمنعها، ومنعها نافذ، فهذه هو النظام، فلو مؤسسة لها مدير عام، وله قرار، والقرار عند الله معلّل، يقول أحد العلماء، وهو حكمٌ شرعي: " للزوج منعها من الخروج من منزله إلى مالها منه بدٌ ".
كيف ذلك ؟ لو فرضنا أنها طلبت منه الذهاب إلى أهلها، هذا الطلب منها مشروع، لكن هو يعلم علم اليقين أن عند أهلها رجلا لا يتورَّع، ولا يتأدب بآداب الإسلام، يُبيح النظر إلى الأجنبيات كلامه معسول ونفسه " خضراء "، بالتعبير العامي، وزوجته إيمانها ضعيف، ليس عندها قوة إيمان، سهلة الانقياد، فللزوج أن يمنعها من زيارة أهلها في هذا اليوم، وبعض الأُسر لهم أُسلوب خاص في الحياة، أُسلوب التفلت، أُسلوب المُيوعة والانحلال، يكون ابن عمها، أو قد يكون ابن خالها، وهي عند أهلها، فلو طلبت الزوجة من زوجها أن تذهب إلى أبيها في ظرفٍ خاص فله أن يمنعها، لكن العلماء قالوا: " لا ينبغي للزوج منع زوجته من عيادة والديها وزيارة أهلها، لأن في ذلك قطيعةً لهما، وحملاً للزوجة على مخالفة أمر الله:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة النساء: آية " 19 " )
ليست المُعاشرة بالمعروف أن تمنعها أن تزور أباها وأمها، أما إذا كان هناك سبب جاز منعها من ذلك، هذا الشيء أنا أقوله لكم، وكل الكلام مبني على وقائع، فأحياناً في بعض البيوت أشخاص فاسدون، وفي بعض البيوت أشخاص يشربون الخمر، وفي بيت يكون أبوها أو أخوها شاربًا للخمر، مثلاً، أو فاسق، ويقوم بثياب متبذلة في الصيف أو بثيابه الداخلية، فلو طلبت الزوجة من زوجها أن تذهب إلى بيت أبيها، ويعلم زوجها بهذه الحقيقة فله أن يمنعها، هو القائد، وأمره نافذ، هكذا الشرع، أما أن يمنعها مُطلقاً من زيارة أبيها وأُمها، وعيادة والديها فهذا لا يجوز، قال أحد العلماء: " لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا يحل لأحدٍ أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مُرضعاً، أو لكونها قابلةً، أو غير ذلك ".
أحياناً بلا سبب مبرر يأخذ الأب ابنته إليه، ويمنعها من زوجها، والبنت تخاف من أبيها، يريد أن يغيظ زوجها، هذا عمل حرام، حرامٌ بأعلى صوت، أن تأخذ امرأةً راضيةً عن زوجها، أردت أن تؤذي زوجها بحرمانه من زوجته فأخذتها، هذا لا يجوز، هناك آباء يفعلون ذلك، وهناك أُمهات يفعلون ذلك، " لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، ولا يحل لأحدٍ أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه، كانت ناشزةً عاصيةً لله ورسوله، ومستحقةً للعقوبة ".
هذا حكم الشرع، لكن إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع، فإذا أراد الله عزّ وجل لهذه المؤسسة الأسرة أن تزدهر، وسمح للزوج أن يقودها فيجب أن يقودها بحكمة، ويجب أن يقودها من دون تعسف، من دون تسلُّط، من دون قمع، من دون إرهاب، هناك أزواج كثيرون يرون أن هذه السلطة يجب أن يمارسها بقسوة، هذا اسمه الاستعمال التعسفي للسلطة، الزوج عليه أن يستخدم هذه السلطة التي منحه الله إياها، وهي القِوامة بشكلٍ معقول، وشكلٍ منطقي، وشكلٍ رحيم وحكيم، لكن لا يوجد أي مؤسسة إلا ولها قرار واحد، وقائد واحد، فالقرار في الأُسرة للزوج، وهذه هي القِوامة.
سُئل أحد العلماء عمن تزوج بامرأةٍ ودخل بها، وهو مستمرٌ في النفقة، وهي ناشز، ثم إن والدها أخذها، وسافر بها من غير إذن زوجها، فماذا يجب عليهما ؟ فأجاب: " الحمد لله، إذا سافر بها بغير إذن زوجها فإنه يعزَّر على ذلك ".
يُعاقب الأب على ذلك، فموضوع أنها ابنتك، هي كانت ابنتك، لكنها الآن زوجته، وهو السيد، وما دام لا يظلمها، وليس بينهما مشكلة، وهو يُطعمها مما يأكل، ويُلبسها مما يلبس، ولا يضربها، ولا يُهينها، ولها مسكن شرعي، فأردتَ أن تغيظه بأن تأخذ ابنتك من عنده، وأن تحرمه منها، فقد وقع هذا الأبُ في معصيةٍ يُعاقب عليها في النص الإسلامي.

7 – خروج المرأة من البيت متحجِّبةً
بقي علينا أنها إذا خرجت ينبغي ألاّ تخرج إلاّ متحجبةً، فقد قال الله عزّ وجل:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
التبرج أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشدّه، فيواري قلائدها وخِرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، فإذا ظهر عُنُقها وقلائدها، وظهرت ضفيرة شعرها فهي متبرجة، لذلك التبرج يعني إظهار الزينة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الأحزاب: آية: " 59 " )
ذكر الإمام الطبري أن ابن عباس رضي الله عنهما قال في تفسير هذه الآية: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجةٍ أن يُغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة ".
ويقول محمد بن سيرين: " سألت عبيدة السلماني عن قول الله عزّ وجل: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ )، فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى ".
هذا معنى الآية، وقال تعالى:
﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور: آية "31 " )
يقول القاضي أبو السعود في النهي عن إبداء صوت الحلي، بعد النهي عن إبداء عينها: " من المبالغة في الزجرِ عن إبداء موضعها ما لا يخفى ".
حينما يبدو من المرأة ما ينبغي أن يخفى منه فقد خرجت متبرجةً، كلكم يعلم أن الثياب الضيقة تبرز حجم العورة، وأن الثياب الرقيقة تبرز لون العورة، وأن المشية غير المُحتشمة تظهر مفاتن المرأة، وأن الصوت اللين، والخضوع بالقول يغري الرجال بها، فلا بصوتها، ولا بمشيتها، ولا بضيق ثيابها، ولا برقة ثيابها، هذا كله مما نهى عنه الشرع الحكيم.
أيها الإخوة، قال عندما ربنا عزّ وجل:

﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ ﴾
( سورة النور: آية " 31 " )
فما هو الشيء الذي يظهر منها عادةً، ولا تستطيع إخفاؤه ؟ إنّه طولها، وامتلاء جسمها، ولون ثيابها، هذا مما لا تستطيع إخفاءه، لكن الذي تستطيع إخفاءه يجب أن يخفى، وهذا ما فهمه ابن عباسٍ رضي الله عنه، وهناك أدلة كثيرة في هذا الموضوع، كما قال النبيّ عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزَنَا كَشَفْنَاهُ ))
[أحمد]
وأخرج الإمام الحاكم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: " كنا نغطي وجوهنا من الرجال ".
وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن الآداب التي ينبغي أن تأتمر بها المرأة المسلمة لتحافظ على سلامة الحياة الزوجية بينها وبين زوجها، وكما تعلمون أن الحياة الزوجية هي المُقوِّم الأول لسعادة الإنسان، وبقي علينا ألا تخرج متعطرةً، وألا تظهر زينتها بالصوت، وألا تختلط مع الرجال، وهذا كله إن شاء الله تعالى نفصِّل فيه في درسٍ قادم إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:01 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 16 - 17 ) : واجبات المرأة تجاه ديمومة الزواج .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-22
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من دروس الزواج الإسلامي، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الآداب التي على المرأة أن تتأدب بها، وأن تلتزم بها كي تكون سبباً في ديمومة الزواج.
مقدمات إرشادية مهمة
المقدمة الأولى: البطولة في الحفاظ على مكسب الزواج
المعنى الدقيق هو أن الوصول إلى الشيء ليس بطولةً، لكن الحفاظ عليه هو البطولة، فكم من زواجٍ عقد عقده، وبعد حينٍ فسخ، كم من زواجٍ انتهى إلى طلاق، أو إلى عداوةٍ شديدة، فالعبرة بالحفاظ على الشيء.
وذكرت لكم في درسٍ سابق أن الحق من صفاته الديمومة، وأن الباطل من صفاته الزوال، فإذا كنت مع الحق عقيدةً ومنهجاً، إذا طبقت في زواجك أوامر الحق جلَّ جلاله فإنّ هذا الزواج سيستمر، إذا طبقت في تجارتك أوامر الحق والحق من صفاته الديمومة فإنّ هذه التجارة ستزدهر، إذا طبقت في علاقاتك الاجتماعية أوامر الحق والحق من صفاته الديمومة، فإنّ فهذه العلاقات سوف تنمو وتزداد، لأنك مع تعليمات الصانع، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
( سورة فاطر )
فنحن مع الآداب التي إذا تأدبت بها المرأة، والتزمت بها كان التزامها بهذه الآداب سبباً في ديمومة الزواج، هل هناك أجمل من أن يقول الزوج: لي مع زوجتي أربعون عاماً أو خمسون عاماً، ونحن على أتمِّ وفاق، نتعاون على تربية الأولاد، نقطف ثمار هذا التفاهم أولاداً صالحين، وهل من شيءٍ يجرح الفؤاد كأن يقول الإنسان: لم أكن مرتاحاً مع زوجتي ولا يوماً واحداً ؟
فيا أيها الإخوة، الآداب التي أمر بها الشرع المرأة المسلمة إذا التزمت بها كان التزامها بها عوناً على ديمومة الزواج، فما من زوجةٍ على وجه الأرض تودُّ أن تطلق، ولا أن ينصرف عنها زوجها، ولا أن تصبح مهملةً، لا هي زوجة، ولا هي مطلقة، لعل أكثر الأسباب تقع من طرف الزوج أو من طرف الزوجة، أي إذا عصى الزوج، أو عصت الزوجة، أو عصيا معاً، فالزواج يصبح جحيماً لا يطاق، الله جلَّ جلاله يقول مخاطباً سيدنا آدم والسيدة حواء:

﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾
( سورة طه )
فلم يقل فتشقيا على حسب قواعد اللُغة، قال علماء التفسير: " إن شقاء الرجل شقاءٌ حكميٌ للمرأة، وإن شقاء المرأة شقاءٌ حكميٌ للرجل، وإن شقاء الأولاد شقاءٌ حكميٌ للوالدين ".
هذه النقطة الأولى.

المقدمة الثانية: قبول الحكم الشرعي وإن خالفه الهوى والواقع
النقطة الثانية التي أضعها بين يدي هذه الدرس، هو أن الإنسان إذا سمع حكماً شرعياً صحيحاً اتفق عليه العلماء فلا ينبغي أن يحكِّم عقله به، كل واحد له وضع في بيته، هذا زوجته محجبة حجابًا كاملا، هذا حجاب غير كامل، هذا حجاب غير مقبول، هذه الزوجة غير محجبة، فلا تجعل وضعك حكم على ما سأقوله الآن، المؤمن يتفهم الحق أولاً، الحكم الشرعي الصحيح، ويحاول أن يقترب منه، إما بالتدريج، وإما طُفرةً واحدة بحسب الحكمة والحال، لكن لا ينبغي أن تقول: هذا غير صحيح، وليس معك حجة ولا دليل، إلا لأنك تفعل هذا الشيء، وتكره أن تكون مكشوفاً أمام الله عزَّ وجل، الآن يوجد أمامنا مزلق، إذا كان لأحدكم وضع خاص في بيته، أنا ما تدخلت في أوضاعكم الخاصة، ولكن أذكر لكم الحكم الشرعي، وما ينبغي أن نكون عليه، أما لو كان الإنسان أقلّ تطبيقًا لما سيسمع فلا ينبغي أن يقول: ليس هذا هو الشرع، فأنا آتيك بالدليل من الكتاب والسنة، ولا أملك غير هذا.
فالمؤمن دائماً خاضع للحق، أما الذي يحاول أن يُخضع الحق لمزاجه، أو لما هو عليه فهذا إنسان يغيِّر ويبدّل، ولأصل أن تخضع للحق، فإن لم تستطع أن تخضع فوراً فلك أن تقنع زوجتك بالحسنى، باللَّطف، بالإحسان، بالهدية، بالحجة، بالزجر، بالإعراض، هذا شأنك، وهذا تابعٌ لحكمتك، ولطبيعة زوجتك، أما أن تحكم على الحكم الشرعي من خلال واقعك فهذا غلط كبير، يجب أن تحكم على واقعك من خلال الحكم الشرعي، الحكم الشرعي هو الأصل، أنا أسير نحوه، ولا أطلب من هذا الحكم الشرعي أن يأتي إلي ليغطي ما أنا عليه، فالقضية أيها الإخوة دقيقة جداً.

الآداب التي تجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية
1– خروج المرأة بالحجاب الشرعي الكامل
هناك أفكار شائعة عند المسلمين أن الوضع هكذا، والحجاب هكذا، وهذا ليس عليه من سبيل، وهذا ليس عليه مأخذ، هذا كلام عام، وليس كلاما علميا، فالكلام العلمي هو الحكم الشرعي المؤيد بدليلٍ قطعي من الكتاب والسنَّة الصحيحة، هذا حكم الشرع، ولا يستطيع إنسان في الأرض كائناً من كان أن يأتي في الدين بشيءٍ من عنده، فمن أنت ؟ ومن أنا ؟ ومن فلان وفلان، وفلان و فلان ؟ من قال برأيه في هذا الدين فقد أخطأ ولو أصاب، لا رأي في الدين، في الدين حكم شرعي:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 36 " )
إخواننا الكرام، أحياناً يعكس الإنسان المقولة، فيقترح شيئا ليس من الدين، ويحاول أن يأتي بالنصوص التي تدعمه، قوية كانت أو ضعيفة، واهية، مقولة أو غير مقولة، الأصل أن هذا هو رأيه في هذا الموضوع، فهو بهذا يحدث ديناً جديداً، هؤلاء سموا في علم العقيدة: أهل الرأي، أهل الرأي أحدثوا دينا جديدا، بعد أن يقرر هذا الرأي هو الآن يبحث عن الأدلة القوية أو الضعيفة والنصوص.
فنحن بالعكس، لا تنظر إلى واقعك، ولا إلى ما أنت عليه، ولا إلى ما هي عليه زوجتك، بل انظر إلى الحكم الشرعي، واحكم على وضعك من خلال الحكم الشرعي، ولا تحكم على الحكم الشرعي من خلال واقعك، فكل إنسان له قناعاته، وله ظروفه، لكن هذا هو الحكم الشرعي، فأنت حاول بحسب حكمتك، إما تدريجاً، أو طفرةً، إما إقناعاً، أو إجباراً، بحسب الحكمة التي تراها مناسبة، لكن قبل أن أبدأ ينبغي أن تعلم أن الأصل هو الحكم الشرعي، وأنك تابعٌ له.
والخطأ في المنهج خطير جداً، فلو كان عندنا ميزان، فمن الممكن أن تزن كيلوين، وتقول: ثلاثة بالخطأ، تصورت أنها ثلاثة كيلو، قلت: ثلاثة، ويمكن أن تزن اثني كيلو، وتقول: كيلو، هذا شيء يحدث، لكن هذا الخطأ في المفردات بسيط جداً، أما أكبر خطأ أن يكون في الميزان، أوقية تحت كفة الميزان، فتصبح كل الموازين غلطا، فالخطأ في الميزان أخطر مليار مرة من الخطأ في الوزن، فالخطأ في الوزن لا قيمة له، غلطة واحدة أو غلطتان أو ثلاث، ولا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ، لكن ما هو الخطأ الخطير ؟ هو الخطأ في المنهج ؟ هو الخطأ في الميزان لا في الوزن، الخطأ في الوزن سهل جداً، إذا حصل خطأً صواب كثير، أما إذا كان الميزان كله خطأ، أو ملعوبا فيه، لو تزن فيه مليون حالة فكلها غلط.
يجب عليك دوماً أن ترتعد فرائصك، ليس من الخطأ في المفردات، ولكن من الخطأ في المنهج، الخطأ في التصور، الخطأ في الموازين، الخطأ في العقيدة، الخطأ في الأحكام، هذا هو الخطأ القاتل، أما الخطأ في المفردات فليس قاتلا، وأوضح مثل الخطأ في الميزان شيء، والخطأ في الوزن شيء آخر، بالوزن أخطأت، يمكن أن تكون الوزنة اثني كيلو، وقلت، كيلو، ويمكن أن تكون متسرعاً، أو في عجلة من أمرك، فالخطأ في الوزن لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان يشقى صاحبه، فهو مستمر.
أردت من هذه المقدمة، أنه إذا سمعنا الآن أحكام الشرع في حجاب المرأة، وفي خروجها، وفي اختلاطها، وفي عملها، لا يمكنك أن تحكم على الموضوع من خلال واقعك، فتظن أنك على حق، وأنت على صواب، وهذه الأحكام غير صحيحة، هذا تفكير ساذج، تفكير غير علمي، تفكير جهلي، هذا هو الحكم الصحيح، ولكن حاول أن تقرب إما تدريجاً أو طفرةً من الحكم الشرعي الصحيح.
عندما قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
نهى الله سبحانه وتعالى عن خروج المرأة متبرجةً، طبعاً حينما أمرها أن تقرَّ في البيت ما منعها أن تخرج، لكن سمح لها أن تخرج لحاجة، أما إذا خرجت لحاجة فالخروج لا للخروج، كأن تقول: أصابني الملل، أريد الخروج، هذه عند المرأة ليست واردةً إطلاقاً، فهذا كلام ليس له معنى.

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
ما هو التبرُّج ؟
أما إذا أردتن الخروج من البيت فلا تبرجن، ما هو التبرج ؟ يقول أحد العلماء: " التبرج أن تلقي المرأة الخمار على رأسها، ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك منها ".
هناك غطاءٌ على رأسها، لكن غير مشدود سائب، هذا الغطاء السائب بدا منه قلائدها وقرطها وعنقها، هذا هو التبرج، صحيح أنّ على رأسها غطاء، لكنه غير محكم، وغير مشدود، يظهر من المرأة الزينة التي ينبغي أن تختفي، قال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 33 " )
يقول أحد العلماء: " حرم الله تعالى على المرأة المسلمة أن تخرج وخمارها غير مشدودٍ على رأسها، وسُمي هذا الخروج في مثل هذه الصورة تبرج الجاهلية الأولى ".
هذا هو التبرج، أن يبدو من المرأة بعض مفاتنها.
وأمر الله سبحانه وتعالى أن تخرج النساء متحجبات، عندنا نهي عن التبرج، هذا الحكم السلبي، الحكم الإيجابي أمر الله سبحانه وتعالى النساء أن يخرجن متحجباتٍ، لقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
2 – وجوب تغطية وجه المرأة وأدلة ذلك
ينقل الإمام الطبري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية قوله: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجةٍ أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة ".
ويقول محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عزّ وجل: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ) فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى.
يقول عالمٌ آخر، وهو القاضي أبو السعود في قوله تعالى:
﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور: آية " 31 " )
" في النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغة في الزجر عن إبداء موضعها ما لا يخفى ".
هذا كلام دقيق جداً، كأن يكون في الأرجل خلخال، السوار في المعصم، والخلخال في الرجل، فإذا ضربت المرأة برجلها في المشي سمع صوت خلخالها، إذا كان هناك نهيٌ عن صوت الخلخال فما قولك في النهي عن الخلخال ذاته ؟ وإذا كان هناك نهيٌ عن الخلخال ذاته فما قولك بموضع الخلخال بموضع الزينة ؟ هذا ما يقوله القاضي أبو السعود: " في النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغ في الزجر عن إبداء موضعها ما لا يخفى ".
الصوت منهي عنه، فعين الحلي الخلخال من باب أولى، فموضع الخلخال من باب أولى، فأنت منهي عن الثالثة، أي عن الصوت.
لا أحد يقول: الأستاذ شدد كثيرًا، ليس هذا تشديدا، والمؤمن لا يشد حتى، ولا يحل، هذا هو الحكم الشرعي.
الآن حكمٌ آخر، وهو أن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس يرى: " أن تغطي المرأة وجهها ورأسها ".
وهكذا قال عامة المفسرين، يقول أبو بكر الجصاص:" في هذه الآية دلالةٌ على أن المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن ".
هذا معنى قول الله تعالى: (

وَلاَ يُبْدِنَ زِينَتَهُنَّ ).
ويقول العلامة النيسابوري. " كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية، فأمرن بلبس الأردية والملاحف، وستر الرأس والوجوه ".
ويقول القاضي البيضاوي: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ )، أي يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة ".
روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ))
[أحمد]
وأخرج الإمام الحاكم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: <<كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام >>.
يُخْلص من هذا أن ستر الوجه من صلب الدين، وهو الحكم الشرعي الذي هو عليه علماء المسلمين، وإذا كان هناك خلافٌ في هذا، فهناك اتفاقٌ على أن المرأة الشابة فتنتها في وجهها، وينبغي أن تستر وجهها باتفاق العلماء قاطبةً.
هناك من يقول: المرأة تصلي ووجهها مكشوف، ويداها مكشوفتان، إذاً هذه عورة المرأة، الوجه ليس بعورةٍ، وكذلك اليدان، لأنهما تكشفهما في الصلاة، يقول ابن القيم في رد هذه الشبه: " هذا إنما هو في الصلاة لا في النظر، فإن العورة عورتان، عورةٌ في النظر، وعورةٌ في الصلاة، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم".

[ كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين ]

شبهة والجواب عنها
الآن هناك شبهةً مفادها أن هذا الأمر موجه إلى نساء النبي عليه الصلاة والسلام، والقاعدة الأصولية في فهم النصوص أن أي أمرٍ خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ينسحب بشكلٍ حكميٍ على كل المؤمنين، لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، والنبي صلى الله عليه وسلم قدوة، فالأمر الموجه إليه ينسحب على أتباعه المؤمنين بشكل قطعي، ولا بد مِن دليل فرعي واضح على أن هذا الشيء خاصٌ بالنبي عليه الصلاة والسلام، فأي أمر عام موجه للنبي عليه الصلاة والسلام ليس فيه دليل على أن هذا الأمر خاصٌ به فالأمر عام، وعلى كل المؤمنين أن يأتمروا به.
يقول أبو بكر الجصاص في تفسير هذه الآية:

﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾
" هذا الحكم وإن نزل خاصاً في النبي صلى الله عليه وسلَّم وأزواجه، فالمعنى عامٌ فيه، وفي غيره، إذا كنا مأمورين بإتباعه والاقتداء به، إلا ما خص الله به نبيه دون أمته ".
فالشيء الخاص بالنبي معه دليل واضح، دليل خصوصيته، لكن إذا لم يوجد دليل خصوصية فالأمر موجه للنبي عليه الصلاة والسلام وموجهٌ حكماً لكل المؤمنين، لذلك الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 59 " )
لقد روى ابن أبي حاتم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
<<خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسيةٌ سودٌ يلبسنها >>، هذا نقل عن تفسير ابن كثير.
الآن.
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
قال: يقول القاضي أبو السعود في تفسير هذه الآية: " أي ما ذكر من عدم الدخول بغير إذنٍ، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول، وسؤال المتاع من وراء حجاب أكثر تطهيراً من الخواطر الشيطانية، فإذا كان سؤال المتاع من وراء الحجاب أكثر تطهيراً من الخواطر الشيطانية فما السبب في استثناء بقية النساء ".
إذا الصحابية الجليلة أم المؤمنين إذا سألتها حاجةً فاسألها من وراء حجاب، لأن ذلك أطهر لقلبك وقلبها، فما القول في امرأةً ليست صحابيةً، وليست أم المؤمنين، ولم تلتقِ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، المرأة التي هي زوجة رسول الله، وهي حكماً أم المؤمنين، وهي الطاهرة العفيفة الحصان قال الله عزوجل لها:

﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: آية " 53 " )
فما القول في امرأةٍ ليست صحابيةً، وليست أم المؤمنين، وليست في طهارة وعفة وإيمان الصحابيات الجليلات ؟ هذا كلام كالشمس واضح.

3 – عدم خروج المرأة متعطرة
الأدب التالي لأدب الحجاب: ألا تخرج المرأة متعطرةً، فقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن طيب النساء ينبغي أن يظهر لونه، وأن يختفي ريحه، وأن طيب الرجال ينبغي أن يظهر ريحه، ويختفي لونه.
أكمل طيب للرجل ليس له لون، لكن له رائحة، أما طيب النساء ليس له رائحة، لكن له لون، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
(( طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ ))
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تخرج المرأة وهي مستعطرة، فقد روى الإمام أبو داود في سننه عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال ـ دققوا، لا تظنوا أن موضوع العطر في الطريق شيء وهو بلوى عامة، فهذا من الكبائر، أي أن المرأة إذا خرجت مستعطرة خرجت زانية، انتبهوا، بناتكم نسائكم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا ))
وفي روايةٍ عند النسائي:
(( فهي زانية ))
ويقول شارح هذا الحديث: " سماها النبي زانية مجازاً، لأنها رغَّبت الرجال في نفسها، فأقل ما يكون هذا سبباً لرؤيتها ".
فإذا شعر الرجل أن هناك رائحة عطرة يلتفت، ويتساءل: من صاحب هذا الريح العطر ؟ فأقل شيء بالمرأة المتعطرة أنها تلفت النظر إليها، الرائحة تسوق الوجه إلى النظر إلى صاحبة هذا العطر، سماها النبي زانية، طبعاً زانيةً مجازاً، لأنها رغَّبت الرجال في نفسها، فأقلّ ما يكون هذا سبباً لرؤيتها، وهي زنا العين، العين تزني وزناها النظر.
يبدو أن امرأة وقعت في خطأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان لها ريح طيِّب، فسألها أبو هريرة فَقَالَ:
يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لا تُقْبَلُ صَلاةٌ لامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ ))
فتتطيب، وأن تأتي للمسجد هذا سوء فهم منها، ولو أنها أتت بيت الله عزَّ وجل غسلت موضع العطر خارج البيت، ممنوع في نظام الإسلام، لأن العطر يلفت النظر، والنظر يوقع في زنا العين، وهي السبب، لأنها هي التي رغَّبت في نفسها.
والنقطة الدقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما نهى الرجال عن منع النساء من الحضور في المساجد، معنى ذلك أنّ المرأة من حقها أن تأتي إلى المسجد، وبعد قليل ترون أنه يُطلَب أن يكون مكان النساء بعيدا عن الرجال، وأن يكون النساء لهم مدخل خاص، ومكان خاص فيه كل وسائل الراحة، فإذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن منع النساء من الحضور في المساجد، حيث يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن ابن عمر الذي رواه الإمام مسلم:

((لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ))
فقد نهى كذلك المرأة إذا استعطرت عن الذهاب إلى المسجد، بالمقابل هذه التي تأتي بيت الله بأكمل ثياب، أو بأكمل حركات، دون أن يكون هناك أي شيء يلفت النظر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ))
[مسلم]
هنا تعليق لطيف: إذا منعت المرأة من الذهاب ِإلى المسجد لأنها متعطرة فكيف بالمرأة التي تذهب إلى الأسواق، وتشتري حاجاتها من الرجال الأجانب، وهي في أبهى زينة، وهي مستعطرة ؟!

4 – عدم إظهار الزينة بالصوت
ومن الآداب التي ينبغي على المرأة أن تتأدب بها حفاظاً على زواجها، وعلى سعادتها الزوجية، ألا تظهر زينتها بالصوت، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور آية " 31 " )
أحد المفسرين الأفاضل يعلِّق على هذه الآية يقول: " إنها لمعرفةٌ عميقةٌ بتركيب النفس البشرية، وانفعالاتها، واستجاباتها، فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها أو حليها ".
أحياناً يكون الإنسان في غرفة النوم، إذا دخل إنسان أجنبي فلا ينبغي أن يرى في هذه الغرفة ثياب امرأة، وهذا هو الأكمل، حاجات المرأة تثير الخيال إلى مواضعها.
" فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم حاجات المرأة، أكثر مما تثيرها المرأة نفسها، وسماع وسوسة الحلي، أو شم شذا العطر من بعيد، قد يثير حواس الرجال أكثر مما يثيرهم منظر المرأة نفسها ".
أحياناً يكون الواقع أقل من الخيال، فالخيال يضفي على الواقع أحياناً مبالغات هو بعيدٌ عنها كثيراً.
" وهذه الآية فيها دلالةٌ على أنَّ المرأة منهيةٌ عن رفع صوتها بالكلام، بحيث يسمع ذلك الأجانب، إذا كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها".
إذا كان صوت الخلخال ممنوعا أن يسمع، فما قولك بصوتها هي، وقد يكون صوتاً فاتناً ؟!! لذلك صوت المرأة عورة ولو أذَّنت.
والآن انتبهوا إلى الأحكام الفقهية، المرأة إذا اقتدت بزوجها أو برجل، قد يكون هذا الرجل أباها أو أخاها، هذا شيء مشروع، وسها الإمام عن القعود، أو سها بترك واجب، يقول الرجل المقتدي: سبحان الله ! يذكِّر الإمام، أما أن تقول المرأة في الصلاة: سبحان الله ! فصوتها عورة، قال: لها التصفيق، إذا فعلت هذا، أي نبهت الرجل إلى أن هناك خلل في الصلاة.
روى الإمام ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ))
وهذا مبالغةً في عدم إظهار صوت المرأة، وقد سمعت في بلاد المغرب أن قديماً كان إذا طرق الباب الرجل لا تقول المرأة: مَن الطارق ؟ بل تضرب على الباب ضربات تشير إلى أن نحن وراء الباب، من تريد ؟ لئلا يسمع صوتها.
ويقول ابن قدامة: قال ابن عبد البر: " ليس على النساء أن ترفع صوتها بالتلبية ".
في أثناء الحج أو العمرة كان النساء الجاهلات يرددن الدعاء الذي يدعو به من يقودهن بصوتٍ أعلى من صوت الداعي، وأعلى من كل الرجال، وهذا جهلٌ فاضحٌ بأحكام الحج، ليس على المرأة أن ترفع صوتها بالتلبية، عليها أن تلبي بصوتٍ تسمعها هي فقط، أما رفع الصوت فإن صوتها عورة، أيضاً هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام.
" أجمع العلماء على أن السنة في المرأة ألا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، وبهذا قال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة، لذلك لا يسنُّ لها آذانٌ ولا إقامة ".
إنّ المرأة في البيت لا تؤذن ولا تقيم، لأن صوتها عورة، " وإذا سها الإمام عن واجبٍ من واجبات الصلاة، لها التصفيق وله التسبيح "، هذا كلّه ينسجم مع أن صوت المرأة عورة.

5 – عدمُ اختلاط المرأة بالرجال
ومن الآداب التي ينبغي أن ترعاها المرأة حفاظاً على سعادتها الزوجية، عدم الاختلاط بالرجال، فتمكين النساء من الاختلاط بالرجال أصل كلُّ بليةٍ وشر، لو تتبعت أكثر المشكلات الكبيرة التي سببها المرأة لوجدتَ أن هذه المشكلة بدأت من خلوةٍ أو من اختلاط.
هناك أسرتان ذهبتا إلى الساحل ليقضوا أسبوعًا أو أسبوعين، الأسرتان رجعتا إلى الشام، وحصل طلاق بين الأسرتين، فيهما سبعة أولاد فيها، فقد أصبح بينهم اختلاط، الزوج الأول أعجبته زوجة الثاني، والثاني بالعكس، فحينما يختلط الرجال بالنساء تقع المفاسد والشرور، وكما يقول ضباط الأمن الجنائي: في كلِّ جريمةٍ أو مشكلةٍ فتش عن المرأة، وراء كل مشكلّة طبعاً، كما أن وراء كل إنسان موفق في حياته امرأةٌ تعينه على هذا التوفيق، أيضاً وراء كلّ إنسان وقع في مأساة في حياته امرأة أغرته بالانحراف.
وقد وجه النبي عليه الصلاة والسلام النساء أن يمشين في جزءٍ من الطريق مخصوص، أي إذا كان الطريق مزدحماً بالرجال فعلى المرأة أن تمشي في مكان بعيد عن الرجال،
﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
بنتا سيدنا شعيب

﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة القصص]
بنتا سيدنا شعيب ما اختلطتا بالرجال، بقيتا في جانبٍ، والرجال في جانب، قال عليه الصلاة والسلام للنساء:

(( اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ... ))
( من سنن أبي داود)
فإذا هناك مجتمع من الرجال، وكان فيه ازدحام فالمرأة المؤمنة الطاهرة العفيفة تجتنب هذا الازدحام قال:

(( فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ ))
من شدة اتباعها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام خصص باباً لدخول المسجد، والآن يوجد باب النساء في الحرم المدني.
وفي سنن ابن داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ ))
فلم يدخل سيدنا عبد الله بن عمر من هذا الباب حتى مات، فصارت سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا الباب للنساء، وفي أكثر المساجد والحمد لله هناك جناح للنساء بباب مستقل، ومرافق مستقلة، بغير اختلاط أبداً، أيضاً من أجل عدم الاختلاط بالرجال، ينبغي أن تكون صفوف النساء منفصلّة عن صفوف الرجال، حتى لو أنها امرأةٌ واحدة.
وروى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ قَالَ:

(( فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ وَرَاءَنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ))
[أحمد]
وقفت زوجته في صف مستقل، فالمرأة إذا حاذت الرجال في الصف فسدت الصلاة، فانظر إلى دقة عدم الاختلاط حتى في الصلاة، ولو أنها قريبة، المرأة لها صف خاص، وكما ذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سنن ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا ))
في الرجال بالعكس، خيرها أولها، وشرها أخرها، في النساء خيرها أولها، وشرها أخرها، أي خيرها ما كان بعيداً عن الرجال.
وكانت النساء المؤمنات يحرصن على ألا يختلطن بالرجال وقت الطواف، هذا الطواف صدر بظهر، وكتف بكتف، رجال ونساء، هذا بعيداً عن روح الشريعة الإسلامية، فهناك دراسات لكنها لم تنجح حتى الآن، ولكنها نجحت في المسجد النبوي، الآن في المسجد النبوي ليس هناك اختلاط أبداً، بابٌ خاص للنساء، وحيِّزٌ خاص للنساء، وجدر مانعة للنساء، وموقفٌ أمام رسول الله للنساء خاص، فالقضية حُلّت حلاً جذرياً في الحرم النبوي الشريف، لكن نرجو الله سبحانه وتعالى أن تحلَّ حلاً جذرياً في الحرم المكي حيث لا يزال هناك اختلاط.
وقد روت كتب الحديث أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت:

(( تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لا تُخَالِطُهُمْ ))
( من صحيح البخاري)
أي في زاوية بعيدة عن الرجال لا تخالطهم.
الآن هناك نقطة دقيقة جداً، إذا صلّت النساء وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، متى كنَّ يقمن من المسجد ؟ بعد أن يسلّم، ويذهبن إلى البيت، ففي سنّة العشاء والوتر فالنساء بشكلٍ خاص أعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم توجيهاً أن يقمن من الصلاة بعد التسليم فقط، حتى يذهبن إلى بيوتهن، دون أن يختلط الرجال بالنساء.
روى الإمام البخاري عن أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا

(( أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَالُ ))
الرجال متى يقومون ؟ إذا قام رسول الله، أما النساء فكن يقمن من الصلاة فور التسليم، ويذهبن إلى بيوتهن لئلا يختلطنَّ بالرجال.

6 – عدم سفر المرأة إلا مع ذي مَحْرَم
الموضوع الأخير في آداب المرأة، ألاّ تسافر إلا ومعها ذو محرم، روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي:
(( أَنْ لا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ))
ويروي الإمام مالك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا ))
وروى الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ))
يقول الإمام النووي في شرح هذه الأحاديث، قال البيهقي: "كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة أن تسافر ثلاثاً بغير محرم ؟ فقال: لا، وسئل عن سفرهما يومين بغير محرم ؟ قال: لا، وسؤل عن سفرها يوماً ؟ قال: لا "، أي لا تسافر مطلقاً إلا مع زوجها، أو مع ذي محرم.
والحديث الآخر:
(( لا تحجنّ امرأةٌ إلا ومعها ذو محرم ))
وروي الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ))
أمره بترك الجهاد، وأن يحج مع امرأته.
والعلماء يقولون: المرأة التي لا تجد محرماً تحج معه ليست مستطيعة للحج، والحج على من استطاع إليه سبيلاً.
أيها الإخوة، عدم الاختلاط بالرجال، وعدم رفع الصوت، وعدم التعطر، وعدم الخروج بغير الزي الإسلامي الذي أمر به الإسلام، هذه كلُّها تدابير احترازية، لو فعلّتها المرأة لضمنت زواجاً سعيداً، وضمنت استقراراً نفسياً، وهي طاعةً لله عزَّ وجل.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:03 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 17 - 17 ) : واجبات الرجل تجاه ديمومة الزواج .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-29
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تذكير وتمهيد
أيها الإخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس الزواج، وهو الدرس الأخير من هذه السلسلة التي تعني معظم المسلمين شباباً وشاباتٍ ومتزوجين.
ذكرت لكم في دروسٍ سابقة أن الزواج الإسلامي فيه عوامل استمراره، وأن الزواج غير الإسلامي فيه عوامل انهدامه، وذكرت لكم الشروط التي يمكن أن تكون سبباً في ديمومة الزواج، وكما قلت في درسٍ سابق: العالم الإسلامي على تقصيره، وعلى تفلّته من معظم منهج الله عزَّ وجل، إلا أنه يحافظ على نسبٍ منخفضة من الطلاق، وقد ذكرت لكم الرقم الذي بُيِّن في درسٍ سابق، فنسب الطلاق في مجتمعات أمريكا 62 بالمئة، و36 بالمئة في المجتمعات الأوروبية، و3 من الألف في المجتمعات الإسلامية، هذا دليل أن المسلم حينما يتزوج إذا طبق بعضاً من منهج الله يقطف ثماره ديمومةً في زواجه، أما إذا طُبقت تعليمات الخالق كلّها فهذا شيءٌ يضمن للزواج أن يقطف الإنسان ثماره، وأن يستمر هذا الزواج.
الدرس الماضي كان حول الشروط التي على المرأة أن تقوم بها لتكون سبباً في ديمومة الزواج، واليوم ماذا على الرجل أن يفعل من أجل أن يسعد في زواجه ؟.
الآداب التي تجب على الرجل أن يراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية
أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام ورد عنه:

(( أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ))
[أحمد]
أي مستحيل بعد أن جاءت الدعوة الإسلامية أن ينشأ في العالم الإسلامي عبادة أصنام، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))
[ابن ماجه]
إن موضوع الأصنام انتهى مع مجيء الدعوة الإسلامية، فالشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
مثلا: هناك بيت فيه عشرات الأجهزة الكهربائية، الخط الرئيسي مقطوع بقدر ميليمتر أو سنتيمتر، أو 10سنتيمتر، أو متر، أو خمسة أمتار، فالنتيجة واحدة،
(( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ))
ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم، في الأعم الأغلب المسلم لا يسرق، ولا يزني، ولا يشرب الخمر، فما الذي يبعده عن الله عزَّ وجل ؟ ما يتوهم أنه صغائر، وهذه الصغائر لو أصرَّ عليها انقلبت إلى كبائر، انقلبت إلى كبائر حكماً، لأنها تلتقي مع الكبائر في قطع الإنسان عن الله عزَّ وجل.
أحياناً لا يحتاج هذا الدين العظيم إلى توضيحٍ شديد، هو واضح جدًّا، نحن عقَّدنا هذا الدين، هو أعظم وأجلُّ من أن يكون معقَّدا، القضية في الدين أنه إذا صحت عقيدتك، واتصل قلبك بالله قطفت ثمار الدين، صحة العقيدة تحتاج إلى شيئين ؛ إلى طلب علمٍ، وإلى تفكرٍ في خلق السماوات والأرض، وصحة الوجهة تحتاج إلى استقامة، لكن هناك نشاطات إسلامية كثيرة، كقولهم: فلان فكره إسلامي، وفلان مشاعره إسلامية، وفلان مهتم بقضايا المسلمين في العالم، فلان مهتم بالتأليف الإسلامي، فلان مهتم بالمشاريع الإسلامية، هذه النشاطات الإسلامية على جلالة قدرها بمجموعها من دون استقامةٍ تامة لا تنهض لتكون سبباً لقطف ثمار الدين، لأنّ قطف ثمار الدين تحتاج إلى صحة عقيدة، وإلى استقامة، لذلك: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلِّط.

1– غضُّ البصر
فالزوج الذي يتمنى أن يسعد بزوجته، وأن تسعد به زوجته، والزوج الذي يتمنى أن يدوم هذا الزواج، وأن تتنامى العلاقة بين الزوجين على مرِّ الأيام والشهور، هذا الزوج عليه أن يغضَّ بصره عن محارم الله، لأن الإنسان إذا أطلق بصره دفع الثمن باهظاً، دائماً يجب أن تعتقد أن بين الطاعة ونتائجها علاقةٌ علمية، وأن بين المعصية ونتائجها علاقةً علمية، هذه العلاقة إطلاق البصر يؤدِّي إلى فساد ذات البين، وغضُّ البصر يؤدي إلى الموافقة فيما بين الزوجين، يا ترى هل غض البصر وحده يؤدي إلى هذه السعادة ؟ أم أن العناية الإلهية تتدخل لهذا الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾
( سورة النازعات )

الأدلة على تحريم نظر الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل
فيلقي في قلب الزوجة حبَّ زوجها، ويلقي في قلب الزوج حبَّ زوجته، إما أن غض البصر وحده يعدُّ سبباً كافياً، على اعتبار أن الإنسان ليس في عالمه إلا زوجته، أو أن العناية الإلهية تتدخل تدخلاً مباشراً لتلقي في قلب كلٍ من الطرفين حبَّ الطرف الآخر، وليس غريباً أن تنفرد آيةٌ كريمةٌ في كتاب الله واضحة الدلالة، تشير إلى غض البصر:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور: آية " 30 " )
أي أن الزوج الذي يتمنى أن تستمر سعادته الزوجية، وأن تتنامى، عليه أن يغض بصره عن محارم الله، وقلت لكم من قبل أشياء كثيرة في هذا المعنى، أن الله سبحانه وتعالى جلَّت حكمته، شرعه أو بعض بنود شرعه يتوافق مع القوانين الوضعية، فإذا كفَّ الإنسان نفسه عن السرقة، ربما كفَّ نفسه عن السرقة خوفاً من الله تعالى، وربما كفَّها خوفاً من عقاب القانون الذي لا يرحم أحياناً، لكن شاءت حكمة الله أيضاً، أن ينفرد الدين بأوامر ليس في الأرض كلّها تشريعٌ يحظرها أو يمنعها، كالنظر إلى النساء، لا في القوانين القديمة، ولا الحديثة، لا المتقدمة ولا المتخلفة، لا قبل مجيء السيد المسيح، ولا بعده مجيئه، موضوع إطلاق البصر وغض البصر ما تدخلت به القوانين إطلاقاً، فهذا الذي يغضُّ بصره عن محارم الله، هل تستطيع أن تفسر عملّه هذا خوفاً من القانون ؟ هذا مستحيل، لا يفسر غض البصر إلا إخلاصاً لله عزَّ وجل وإلا خوفاً منه.
فأنا قلت لكم سابقاً: إن الإنسان يصلي في اليوم خمس مرات، لكن إذا سار في طريقٍ، وغض بصره غضاً حازماً، مع كلِّ نظرةٍ صرفها عن محاسن امرأةٍ أجنبيةٍ يرقى بها عند الله، فكما أن الله عزَّ وجل جعل لك الصلوات الخمس مناسباتٍ تتصل بها بالله عزَّ وجل، جعل لك غض البصر منسباتٍ عديدةً جداً تتصل بالله عزَّ وجل فيما بين الصلوات.
لذلك ما من دعوةٍ إلى الله تهمل غض البصر إلا وقعت في مطبٍ كبير، ما هو هذا المطب ؟ أن الإنسان إذا أطلق بصره حجب عن ربه، فإذا حُجب عن ربه، شعر أن عبادته اقتربت من أن تكون جوفاء، شعر أن الصلاة لا طعم لها، وأن تلاوة القرآن لا طعم لها، وأن ذكره ليس له مردودٌ في قلبه، فلذلك إذا أراد الزوج أن يسعد بزوجته فعليه أن يغض بصره عن محارم الله، تنفيذاً لأمرٍ قرآنيٍ قطعي الدلالة:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور: آية " 30 " )
طبعاً الشريعة متكاملة، أمرت النساء بالتحجُّب، لكن لو أن النساء لم يأتمرن بهذا الأمر، ماذا يفعل الرجل ؟ أُمِر بغض البصر، لأنّ غض البصر يصلح في مجتمع منضبط ومجتمع متخلف، فإذا تفلَّت المجتمع فغض البصر هو الرد الحقيقي على طريقٍ ممتلئ بالنساء الكاسيات العاريات، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
( سورة النور )

معاني قوله تعالى: أبصارهم
لكن كلام الله عزَّ وجل يأخذ بالألباب في كلمة ( مِنْ ) في قوله:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
المعنى الأول:
لو الله عزَّ وجل قال: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، معنى ذلك لا يصح لرجلٍ أن ينظر إلى أنثى كائنةً من كانت، قل للمؤمنين يغضوا أي أن هناك نساء لك أن تنظر إليهن، كالزوجة، والأم والأخت والبنت، والعمة والخالة، وبنت الأخ وبنت الأخت، هؤلاء هن المحارم، فأنت تغض بصرك، أي تغض من بصرك، تغضُّ بعض بصرك عن النساء الأجنبيات، ولك أن تنظر ببصرك إلى النساء المحارم، هذا أول معنى من معاني ( من ).

المعنى الثاني:
أنك إذا نظرت إلى من أحلَّ الله لك أن تنظر إليه فيجب أن تغض من بصرك، أي ألاّ تحدق في التفاصيل، ألاّ تدقق في الخطوط، ألاّ تتصور ما وراء هذا الحجاب، أو ما وراء هذه الثياب، هذا من أدب المسلم في نظره إلى محارمه، وهناك أناس لا يعرفون حدود الشرع، فأخته مثلاً لها حرمة، لك أن تجلس معها، ولك أن تأكل معها، ولك أن تسكن معها في بيت، لكن بثياب محتشمة سموها ثياب الخدمة، أي لا يقصر الكمُّ عن المرفق، ولا تنزل فتحة الثوب عن الصدر، ولا يرتفع الثوب عن الركبة، هذه ثياب الخدمة، وإذا نظرت إلى المحارم فانظر بعض النظر، نظرة إجمالية من دون تدقيق، وبدون تفحُّص، ومن دون تركيز على الجزئيات هذا معنى ( من ).

المعنى الثالث:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
أي أنهم إذا نظروا إلى امرأةٍ أجنبيةٍ فجأةً هناك منعطف، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي فَقَالَ:

(( اصْرِفْ بَصَرَكَ ))
[احمد]
هو نظر بعض النظر، وغض بصره فوراً، هذا هو المعنى الثالث.
عندنا تبعيض نوعي، وتبعيض كيفي، وتبعيض فُجائي، التبعيض النوعي لك أن تنظر إلى المحارم، وعليك أن تغض البصر عما سواهن، التبعيض الكيفي إذا نظرت إلى المحارم فينبغي أن يكون النظر معتدلاً، المعنى الثالث: أنّك إذا نظرت فجأةً إلى امرأةٍ أجنبية فعليك أن تصرف عنها بصرك فوراً، أما أن تأتي الآية الأولى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
أتى غض البصر قبل حفظ الفرج، هذا الترتيب ترتيب سببي، أي سبب حفظ الفرج هو غض البصر، وحفظ الفرج نتيجة، أما التعليل:

﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
( سورة النور: آية " 30 " )
أطهر، أرقى، أصفى، أنجى، أتقى:

﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
يمكن للإنسان أن يوهم الآخرين أنه يغض بصره، لكن الله وحده يعلم خائنة الأعين:

﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
يمكن أن توهم من حولك من الملتزمين أنك تغض البصر، فإذا التفتوا إلى جهةٍ، أنت نظرت إلى جهةٍ التي لم تكن تنظر إليها من قبل، فهذا الاختلاس ممكن، كما أنه يمكن للطبيب وقد سمح له أن ينظر إلى جسد المرأة بحكم الضرورة يمكن أن ينظر إلى مكانٍ لا تشكو منه المرأة، هذه اسمها خائنة الأعين:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
فموضوع غض البصر مؤشر دقيق لمراقبتك لله عزَّ وجل، والحقيقة واللهِ أيها الإخوة يجوز لأحدكم أن يقول: نحن يبالغ في هذا الموضوع، الآن سأسمعكم أقوال العلماء الكبار حول هذا الموضوع.
إنّ غض البصر طريقٌ قصيرٌ إلى الله عزَّ وجل، طريقٌ قصيرٌ إلى أن يعمر القلب إلى ذكر الله، ماذا يقول الإمام القرطبي في تفسيره الشهير الجامع لأحكام القرآن حول هذه الآية ؟ يقول: " هو الباب الأكبر إلى القلب "، أي إذا أردت باباً واسعاً يدخل منه النور إلى قلبك فهو غض البصر، " وأعمر طرق الحواس إليه "، عندك خمس حواس، العين حينما تغض بصرها تعمِّر القلب بالقرب من الله، غض البصر يعمِّر القلب، هذا رأي الإمام القرطبي في غض البصر، والتجربة أكبر برهان، فنحن على أبواب رمضان، فإذا بالغ الإنسان في غض بصره، وأداء صلواته، وضبط لسانه، وأنا هذه أذكرها كثيراً: ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، ضبط الجوارح، ضبط اللسان، أداء الصلوات، قراءة القرآن، لا تشعر إلا وأنك تحلق في أجواء القرب الإلهي.
ويقول الإمام القرطبي أيضاً: " والبصر يكثر السقوط من جهته، ويجب التحذير منه "، كما أن هذه الحاسة حاسة البصر تعمر القلب بالقرب من الله، وهي آكد الطرق إلى القلب، هي المزلة والسقوط التي تودي بالقلب إلى البعد عن الله عزَّ وجل.
ويقول عالمٌ آخر في شأن غض البصر: " النظر داعيةٌ إلى فساد القلب ".
وقال بعض السلف: " النظر سهم سُمٍ إلى القلب ".
والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:

(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ))
[الترغيب والترهيب للمنذري بسند فيه ضعف]
وروعة الحديث أن هذا السهم مسموم، لأن الإنسان إذا طعن بسهمٍ غير مسموم تأثر مكان الطعن فقط، أما إذا طعن بسهمٍ مسموم سرى السم في كل أعضاء الجسم، لذلك إذا أطلق الإنسان بصره تضطرب دراسته، وتضطرب أسرته، ويضطرب عمله، ويضطرب مزاجه، وتضطرب أعضاؤه، لأنه تتسمم لأن
(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ))
فأنا أرى أن كلَّ إنسان له مأخذ أو نقطة ضعف يؤخذ منها، وأن الشباب وغير الشباب في زمن الفتنة أكبر مأخذٍ يؤخذون منه، وأكبر مزلة قدمٍ يزلّون فيها موضوع البصر، ومن لوازم المؤمن غض بصره عن محارم الله، لذلك أمر الشرع الحنيف بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار، وجعل غض الأبصار ثمناً لحفظ الفروج.
وقال الشيخ القاسمي في تفسيره لهذه الآية: " النظر بريد الزنا، وغض البصر من أجل الأدوية لعلاج القلب، وفيه حسمٌ لمادته ".
إذا نشأت مع الإنسان مشاحنة أحياناً، أو نفور أو تباغض فلعله تساهل في هذه العبادة، عبادة غض البصر، فكان العقاب العاجل هذه المشاحنة، وتلك البغضاء بين الزوجين، لأن الإمام الشعراني يقول: " أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي ".
ويقول ابن كثير في تفسيره للآية:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
" أي ذلك أطهر لقلوبهم، وأتقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته ".
هناك بصر وهناك بصيرة " من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته "
دائماً هناك لذات قريبة، وهناك سعادة متنامية، اللذات القريبة إذا ضحَّيت بها كسبت السعادة المتنامية، والسعادة المتنامية تضيع منك إذا آثرت عليها اللذات القريبة، وأنا أرجح أن أسمِّي اللذة الناتجة عن عضوٍ حسي، واللذة العابرة التي تنتهي بكآبةٍ وضيق، أن أسميها لذةً، ولا أسميها سعادةً، والسعادة الناشئة عن اتصال الإنسان بالله عزَّ وجل، وعن استقراره وسكينته، هذه السعادة المتنامية أنا أفضل أن أسميها سعادة لا لذة، السعادة تعني أنه يغلب عليها الطابع النفسي، وطابع الديمومة، وطابع التنامي " النماء "، واللذة يغلّب عليها الطابع الحسي، وطابع الانقطاع، وطابع الانكماش.
روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا ))
[أحمد]
عندنا مقياس، هل تشعر بحلاوةٍ تذوق طعمها عند غض البصر ؟ قد يشعر الإنسان بقيمته الإنسانية، وبقوة إرادته، أحياناً تتوهم المرأة وهي جاهلة أن معها سلاحاً قوياً ضد الرجل، طبعاً أقصد الأجنبية، أما إذا رأت إنساناً لا ينظر إليها اعتراها الفشل والحزن.
كنت في الحج قبل عدة أعوام، فأُشيرَ إلى شابٍ ألماني مسلمٍ، حُدِّثنا عن سبب إسلامه ؛ أن هذا الشاب هو ليس شاباً بل هو كهل، أن هذا الإنسان الألماني له بيت في مدينة في ألمانيا، وجاءه طالب من سورية سكن في إحدى غرف البيت، وفي هذا البيت فتاةٌ جميلة هي ابنته، وبحسب قيم هؤلاء وعاداتهم وتقاليدهم، ليس عنده ما يمنع من أن تكون هناك علاقة بين هذا الشاب الضيف وفتاته، لكن الذي لفت نظر هذا الإنسان أن هذا الشاب تمنى أن يضبطه مرةً واحدة ينظر إلى ابنته، مرة أو مرتين، أو أسبوعًا أو أسبوعين، أو في أوقات منتظمة أو غير منتظمة، لكن هذا الشاب يغض بصره غضاً حازماً، وهذا نموذج نادر وغير مألوف هناك، فلا مانع لديه في أن يكون هناك مودة أو لقاء بينه وبين ابنته، فلما جلس إليه ليناقشه قال: هكذا ديننا أمرنا بغض البصر، وبعد مناقشاتٍ طويلة، كان إسلام صاحب البيت على يد هذا الشاب، وقد رأيناه في الحج، فالانسياق مع الشهوة لا تحتاج إلى بطولة أبداً، فأي إنسان مهما كان مستواه منخفضًا فانطلاقه مع شهواته قضيةٌ لا تكلّفه شيئاً، بل تمتعه، لكن البطولة أن تكفَّ نفسك عن شهوةٍ حرمها الله عليك.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا ))
وقد روى الإمام مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

(( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي ))
هذه أيضاً من معاني ( من ).
أحياناً يكون في الطريق منعطف حادٌّ، فينعطف الإنسان، فإذا بامرأةٌ أمامه، يفتح الباب فيجد امرأة أمامه، وفي أحيان كثيرة يشاهد امرأةً أمامه، فالأمر الإلهي أن يغض بصره، أما ما روي عَنْ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ:

(( يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعْ النَّظرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ ))
[الترمذي]
الأولى أقلّ من ثانية، أما عشر ثوان فلا !! هذه عشر نظرات.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))
[مسلم]
يعني بالنصيب هنا تبعة هذا العمل، فأيُّ عملٍ من هذه الأعمال ؛ زنا العين، زنا الأذن، زنا اليد، الرجل، القلب، زنا الفرج، أي نوعٍ من أنواع الزنا، كتب على الإنسان تحمُّل تبعته، أي عقابه، فالمعنى ليس جبرياً، بل المعنى ردعي، انتبه لهذا، فكل هذه الأنواع كتب عليك تحمل عقابها، هذا هو المعنى الصحيح.
لكن الذي يلفت النظر في هذا الحديث أن أنواع الزنا كثيرة ؛ العين، والأذن، واللسان واليد، والرجل، والقلب، والفرج، بماذا بدأ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بدأ بالعين، لأنها هي الأصل، منها تنطلق بقية الخطوات.
والحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا ))
[احمد]
هذا كما قلت قبل قليل: النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، وإبليس كما تعلمون طلاعٌ رصّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء، لذلك اتقوا النساء فإنهن حبائل الشيطان.
وقد أَلِفَ بعض المسلمين أن ينصاعوا إلى الله في هذه العبادة بالذات في رمضان، ولكن إذا عادوا إلى ما هم عليه بعد رمضان، فكانت حياتهم كهذه الحركة، صعود وهبوط إلى أن يأتي الأجل والمحصلة صفر.
أما المؤمن فإنه يصعد في رمضان، ويحافظ على هذا الصعود طوال العام، وفي رمضان الثاني له صعود آخر، ثم صعود ثانٍ، وثالث، ورابع، وخامس، فالمؤمن تتصاعد مرتبته في الإيمان، ويتابع الترقي، أما ضعيف الإيمان فيُدافع التدني، هناك فرقٌ كبير بين متابعة الترقي ومدافعة التدني، دائماً يخطئ ويتوب، ويخطئ ويتوب، ويتوب ويخطئ، والمحصلة صفر، فهو يراوح مكانه، فلا يوجد تقدم، فالذي أرجوه من الله جلَّ جلاله أن كل شيء في رمضان قدرت على نفسك به، أن تحافظ عليه بعد رمضان، كما حافظت عليه في أثناء رمضان.

2– عدم لمسِ الرجلِ المرأةَ الأجنبيةَ
الباب الثاني في الدرس: الأمر باجتناب لمس المرأة الأجنبية، فالنظر انتهينا منه، وأنا لا أبالغ أن هناك مدرسة في الإسلام اسمها مدرسة غض البصر، مدرسة فيها آية صريحة، آية بكاملها واضحة الدلالة جداً، تأمر المؤمن بغض البصر، معنى ذلك أن أكثر أغلاطه، وأكثر مشكلاته إذا لم يطبِّق هذه الآية مبعثها من هذا القبيل.
لقد حرَّمت الشريعة الإسلامية اختلاط النساء بالرجال، لهذا أُمرت النساء بالابتعاد عن مواضع الاختلاط.
﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة القصص]
بنات سيدنا شعيب لا يزاحمن الرجال في سقي الغنم.
روى الإمام البيهقي عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال:

(( لأن يطعَن أحدكم رأس أحدكم بمخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلّ له ))
إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فأنا ألاحظ بعض الصيادلة يضعون صحنًا، فإذا أرادوا أن يعطوا امرأةً بقية ثمن الدواء يضعون المبلغ على الصحن، فلا ينبغي أن تلمس يدك يد امرأةٍ أجنبية، هذا الأكمل، وهذا الشرع، وسأسرد عليكم الأحاديث المؤيدة لهذا.
أذكر قصة أظن أني رويتها لكم، جاءت وزيرة، واستُقبِلت في المطار، وكان من بين المستقبلين أحد كبار موظفي الوزارة، وهذا الموظف ملتزم، فلما مدت يدها كي تصافحه، وكان في استقبالها بحكم وظيفته، لم يصافحها، بل سحب يده، فانزعجت أشد الانزعاج، لكنها في قاعة الشرف سألت: من هذا الموظف الذي لم يصافحني ؟ وكأنها عدَّت ذلك إهانةً لها، فقال لها الوزير المستقبل: هو له عقليةٌ خاصة، معتذراً عنه، وانزعج منه أشد الانزعاج، لكنها أصرت على أن تلقاه على طعام الغداء، وقد صرفه الوزير بألاّ يحضر معهم طعام الغداء ما دمت وقفت هذا الموقف، ففي الظهيرة سألته: لمَ لمْ تصافحني ؟ قال: إن ديني يمنعني من مصافحة امرأةٍ أجنبية، فقالت: لو أن المسلمين أمثالك لكُنَّا تحت حكمكم، هكذا قالت.
شيء رائع جداً أن إنسانًا يكون ملتزمًا مطبقًا، هذا الشيء يرفع من قيمته عند الله، وعند الناس.
إذاً الموضوع الآن غير النظر، إنه موضوع مس يد امرأة لا تحل لك، هذا منهيٌ عنه أشد النهي.

أدلة تحريم لمس المرأة الأجنبية
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من مس كف امرأةٍ ليس منها بسبيلٍ وضع على كفيه جمرةً يوم القيامة ))
[ورد في الأثر]
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))
[النسائي عن أميمة بنت رقية]
والإنسان لا يستحي بدينه، أي لا يصافح، وانتهى الأمر، ليفسروا هذا كيفما شاءوا.
وكان عليه الصلاة والسلام يحرص على أن لا تمس يده يد امرأةٍ، فقد روى الإمام مسلمٌ أن عائشة زوج النبي قالت:

(( كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ )، إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ ـ أي بالامتحان ـ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلامًا ))
[مسلم]
سمعت أن شخصًا أراد أن يبايع مريدة عنده، يضع وعاء به ماء، فتغمس يدها فيه، ويغمس يده فيه، لأن الماء ناقل للكهرباء.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح إطلاقاً، وهو الأكمل، ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: " إن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كفٍ، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة ".
أما الضرورة كالطبيب فيجوز، مثلاً قد يكون طبيب الأسنان لقلع ضرس، إذا لم يكن هناك طبيبة، أو طبيب معالج.
وقد روى الإمام الطبري رحمه الله تعالى عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لأن يزحم رجل خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٌ له من أن يزحم منكبه منكب امرأةٍ لا تحلُّ له ))
[الترغيب والترهيب للمنذري بسند فيه ضعف]
أي إذا كان الطريق مفعما بالنساء تدخل بينهن وتزاحم، فأحياناً يمس كتفك كتف امرأة بالازدحام، فلذلك النبي الكريم يقول:

(( لأن يزحم رجل خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٌ له من أن يزحم منكبه منكب امرأةٍ لا تحلُّ له ))
إنّ هذه إذا طبقها الزوج، فلم ينظر، ولم يصافح فقد أدى ما عليه من أسباب ديمومة الزواج، وسعادة الزواج.
وترون معي أيها الإخوة كيف أن الزواج الذي هو أقدس عقدٍ على الإطلاق بين رجلٍ وامرأة، هذا العقد يحتاج إلى محافظة، ويحتاج إلى تدعيم، تدعيمه تطبيق الشريعة، وأذكِّر أنه في زمن الفساد، وزمن الفتن اليقظة، وزمن الشهوات المستعرة، وزمن التفلُّت، وزمن الشوارع المفعمة بالنساء الكاسيات العاريات، وزمن أن كلَّ شيءٍ أريد له أن يروج، لا بدَّ أن يكون عليه صورة امرأةٍ متبذلة، أي بضاعةٍ، أو أي شيءٍ تشتريه من أجل أن يروّج، لا بدَّ من صورة امرأة متبذلة توضع عليه، في مثل هذا الزمن الصعب يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))
فالإنسان كما ورد في القرآن الكريم بتوسع:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
( سورة الكهف: آية " 16 " )
فالإنسان كهفه هو بيته، وكهفه مسجده، وإذا كان يقدر أن لا يدخل إلى الأسواق في أوقات الازدحام فليبتعد، ويختار وقتًا لا يجد فيه ازدحامًا، وإذا كانت الطرق موبوءة فليختَرْ الطرق الفارغة، وإذا كانت الأماكن الجميلة في الصيف مفعمة بالنساء، فهذا المكان ليس لك في هذا الوقت، اذهبْ في أوقات أخرى.
أحياناً يخرج الإنسان إلى مكان ما، أو إلى مصيف، أو إلى ساحل، هذا المكان ليس للمسلم، مستحيل، تجد العورات كلّها مكشوفة، والمعصية محققة، فالمؤمن يفرُّ بدينه حفاظاً على سلامة اتصاله بالله عزَّ وجل وسلامة قلبه، لكن ربنا سبحانه وتعالى من عظيم كرمه أن كلَّ مؤمنٍ آثر رضوانه على شيءٍ مألوفٍ عند الناس، ومباحٍ عند معظم الناس يعوضّه الله عزَّ وجل عطاء وسكينة ورحمة يجد حلاوتها إلى يومٍ يلقاه.
فدرسنا اليوم كان للشباب وللمتزوجين، لكن الشباب ولا سيما في زمن الفساد، وزمن التفلُّت، وزمن الفتنة المستعرة، هم في أشد الحاجة إلى هذا الأمر الإلهي، هذا الأمر يحصنه، يقول لك: كبْت، الكبت لا يأتي إلى رجل مستقيم، الكبت إثارة ومنع، أما إذا غض الإنسان بصره قطع عنه الإثارة، الكبت أساسه إثارة ومنع، وهذا شيء صعب جداً، أما إذا ابتعد الإنسان عن أماكن الشبهات، ومواطن الفساد، وعن الأماكن الموبوءة، وعن ازدحام الأقدام غير الملتزمة، وعن الأماكن السياحية الموبوءة بالنساء، إذا ابتعد وخطط لنفسه وقتًا مناسبًا ما فيه ازدحام، وبعيدًا عن الاختلاط فهو الأفضل، والله عزَّ وجل مع المؤمن، فهو يتجلىَّ على المؤمن تجليًّا ينسيه كل هذه الفتن التي ابتعد عنها باختياره. ‍
هذا الدرس عام للأزواج وللشباب، والمأخذ الوحيد الآن للشباب موضوع النساء، فهو مأخذ كبير، وسبحان الله !!! حينما ينصرف الشاب إلى الله عزَّ وجل، ويغض بصره تنتظم أموره، ويبني نفسه بناء صحيحا، ويتفوق في دراسته، وينجح بعمله، لأنه أصبح في صفاء، ولأن هذا الشيء يشوش، الشيء مبذول، وله شعور بالذنب كبير، يعقبه شعور بالكآبة، أما إذا وطن الإنسان نفسه على طاعة الله فقد انتهى الأمر، فبهذا ينتهي موضوع الزواج الذي بقي في دروسٍ عشر.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآيات وتلك الأحاديث التي وردت في هذه الدروس، منارات للمؤمنين، ومبادئ أساسية يستلهمون منها سلوكهم، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بطاعته.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:05 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 01 - 17 ) : شروط الزواج.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-01-29
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون:
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء.
من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة.
يعني هذا اللانمطي، اللاديني، الذي لا يؤمن بشيء، ويفعل كل شيء، هذه الإباحية، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها.
فالوثنية من تؤمن بالوثن، من تعبد صنم، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة، كالوجودية، ونحوها من مذاهب الملاحدة هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن.
ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة]
يعني الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة، وإن كانا على خلاف ذلك، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم.
الحقيقة هناك سبب، أوعلة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة، هذا الإنسان الذي لا دين له.. ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواهي، فيه نظام، فيه ما يجوز، وفيه مالا يجوز، فيه ما هو مباح، وفيه ما هو غير مباح، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء.
يعني اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة]
خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة]
هذه العلة، السبب، الهدف..

﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[سورة البقرة]
فالزوج المشرك، أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به. هذه العلة، فالإنسان الذي لا دين له، لا كتاب سماوي لديه، لا يخاف من الله، لذلك جاء في الحديث القدسي:

(( ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني، وخف نفسك، وخـــف من لا يخافني ))
هذا الذي لا يخاف الله يخيف، ليس عنده رادع، ليس عنده شيء لا يجوز، ليس عنده شيء حرام، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية للرحمة للقيم. دابة فلتانة.

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف]
أما الكتابية شيء آخر، الكتابية تؤمن بالله، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى، تؤمن بشيء لا يجوز، وشيء يجوز فالكتابية شيء، والمشركة شيء آخر، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها.
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب. الحقيقة يوجد آيتين، آية تبيح وآية لا تبيح، وبعضهم جمع بينهما، لأن هناك حالات تبيح، وهناك حالات لا تبيح، يعني إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين، فإذا كان الدين النصارني أقوى من الإسلام في العالم، ولها مركز الصدارة، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين، أو لدين أقوى الأبوين، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين.
شيء عانيته بنفسي، زرت صديقي متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي فلما سألته عن السبب، قال لي أولاده على دين أمهم، يميلون إلى أمهم.
حتى طالب كان ديانته مسلم، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه، يعني إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الإسلام على دين أمهم. أما إذا كان الإسلام هو الأقوى، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً، لكن المسلمين هناك مراحل يكونوا فيها في مركز الصدارة، وفي مركز القوة في مراحل أخرى ينتابهم الضعف ـ فإذا كان الإسلام هو الأقوى، وهو مركز الصدارة، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً، دينك هو الأقوى.
هناك شيء آخر:
الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج، فلعل هذه المرأة الكتابية، إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً، في هداية زوجته وأهل زوجته. يعني لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ، سبب وجيه، أن يأخذ بيدها، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها، أو إذا كان دينه هو الأقوى.
أما في بعض الحالات لا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشئون تنشئة لا ترضي الأب. وهذا ما يحصل كثيراً.
كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها.
أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً، هناك حكمة بالغة، لأن للرجل القوامة، الرجال قوامون على النساء. مسلمة تخاف من الله، تحب أن تطيع الله عز وجل، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور، لا يمكن هذا، يأمرها أن تختلط مع الرجال يأمرها بما لا يرضي الله، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده، والولاية له، والقوامة عائدة للزوج، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
[سورة الممتحنة الآية 10]
هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم أما الزيادة على الأربع. طبعاً ربنا عز وجل قال:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
[سورة النساء]
طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة، مثنى وثلاث زائد ثلاثة صاروا خمسة، ورباع زائد أربعة صاروا تسعة، بعضهم فهم مثنى اثنتين اثنتين أربعة، وثلاث ستة صاروا عشرة، ورباع ثمانية ثمانية عشر.
طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنين، ثلاثة أربعة، ما أحد فعلها إطلاقاً، أريد تسعة قطع، لا أقول أريد اثنتين ثلاث أربع، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب أطلاقاً، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى، ثلاث ثلاث، رباع رباع، إذا أردت التكرار تكرر.
الشيء الرابع الواو هنا للتخيير، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية، لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة، مثنى أو ثلاث أو رباع، لو استخدمنا أو فهذه للتخير، ولا يجوز الجمع بينهما، إما اثنتين وإما ثلاثة، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاثة، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل هي أوضح شيء، مثنى وثلاث ورباع، فقال الإمام الشافعي: بلغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أكثر من أربعة نسوة، وهناك أدلة أخرى.
النبي الكريم قال لغيلان ابن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن، وفي كتاب أبي داود عن الحارث ابن قيس قال أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال اختر منهن أربع.
إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع، أما في هذه الأيام فالواحد بواحدة ما مخلص، إن شاء الله ينفد بواحدة.
وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات. والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة..

(( إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب، أو لذي خلق))
هذا الحديث له معنيان، المعنى الأول: أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير، تنتظر إكرام من إنسان مقطوع عن الله، تنتظر إنسان لا يعرف الله أن ينصفك مستحيل، تنتظر إنسان أن يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل مستحيل، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب.. الناس يستخدمون عبارة أن فلان ابن عائلة يعني ابن أسرة عريقة، يعني يبدوا أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة، لها تقاليد، لها عادات مقتبسة من الدين، فالإنسان يردعه دينه أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب، الدين بحكم العقل دين أما أولاد الأسر الراقية بحكم العادة، ألفوا عادات راقية فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين، وأن هذا الدَيِّن يعرف مهمته في الحياة، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح، وهذا العمل هو بغيته، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود هذا الدين، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية، هذه الأسرة كما قلنا لها تربيتها، لها عاداتها فيها الحياء، فيها الوقار، الصغير يحترم الكبير، الكبير يحنوا على الصغير، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم.
يعني أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع، فقلت لابنه: ألا تغار على سمعة أبيك، قال: نعم، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور، يعني يخاف على سمعته، يخاف على سمعة أبيه، يخاف على اسم أبيه، فهذا ليس بداعي ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة، أما الأول بحكم العقيدة. أو بذي حلم، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة، يعني إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضج جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم، حتى أني أقول كلمة: إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج، ويختلف عنه في البواعث.
مثلاً مدير دائرة مؤمن، ومدير دائرة ذكي، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل، بحكم ورعه بحكم خوفه من الله عز وجل، يعدل بين الموظفين، يتواضع لهم، يبحث في مشكلاتهم، يعين ضعيفهم، يقبل العذر من المقصر لطيف ودود، هذه صفات المؤمن.
وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين، لا حباً بالله، ولا خوفاً من عقاب الله، ولا يبتغي بهذا العمل رضاء الله أبداً، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس، ينتزع محبتهم، ينتزع مودتهم وتكون له هذه، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق. هذه المشكلة التي تحير المؤمن. يا أخي الجماعة في أوربا صادقين.. نعم، لا يغشون.. نعم، بضاعتهم درجة أولى صحيح، يصنفونها لك تصنيف صحي، الشحن، المواعيد كلها مضبوطة، لا يوجد عندهم غش، لا يوجد عندهم خداع، نعم، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج، ويختلف عنه في البواعث، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا، فرق كبير.. هذا الذي يعانيه بعض المسلمين. الإنسان الذكي لا يكذب، الذكي لا يخلف وعده، الذكي لا يتكبر..
الآن إذا رجل تكبر، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس، وسخريتهم، لا تحتمل. يأتي إنسان يتواضع، إذا تواضع يثنون عليه، يا أخي ما هذا متواضع نفسه هنية مثلاً، لا يتكبر، عطف علينا، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له: الله يعطيك العافية، شلونك، كيف صحتك، كيف أولادك، لازمك شيء هذا العمل يقوم فيه ذكي، حتى ينتزع إعجابه الآذن يتكلم، يقول لك: ما هذا، متواضع هذا مديرنا الجديد ابن حلال، ما في منه. هو هكذا يريد، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول: يا رب، قرأنا القرآن من أجل رضاك، يقول لهم كذبتم، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل، لما الإنسان يكون ذكي يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين، أما بالنوايا شتان بينهما أين الثرى من الثريا.
التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين، أو لذي حسب، أو لذي خلق ".
طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجل جريح، ورأى جمهرة من الناس حوله وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى، إذا كانت نيته تكثير الزبائن، لأن الناس يثنون عليه فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة، عمله رحيم وهو خال من الرحمة.
أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي، يأتيه شخص له قيمته، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي، ومع هذا الشخص الوجيه، الكبير الحق ليس معه، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير، والحكم انتشر وبلغ الناس، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً، حكمه عادل وهو ليس بعادل. لذلك النوايا دقيقة جداً، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير، هل أبتغي به السمعة والجاه.

(( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[متفق عليه]
(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))
إذاً: إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب، أو لذي حلم ".
هذا أخلاقي، أخلاقه جاءت من ذكائه، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه، هذا متدين، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً.
يعني إذا واحد رأى بأنه اقترب من مدفئة، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه، والله شيء يحير، لازم ما أوبخه يصطفل.. بشكل لا شعوري يصرخ فيه، توبيخ الأب، أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفئة ليس عملاً إرادياً، عمل لا إرادي عفوي.
المعروف بالمؤمن عفوي، غير مقصود، لا يفكر، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً، شخص استجار به يجيره، استغاث به يغيثه، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً، لا يناقش الأمور. أعمل ما أعمل، ماذا يحكوا علي، هذا شيء بالمؤمن غير وارد، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز.. ليس من باب وفاء دين، ليس من باب هذا الحق حق يجب أن نعطيها إياه. لا إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمائة ألف، حساب عشرين ألف سأدفعه قبل بجمعة، إن دفعته قبل بجمعة سيحس هذا البائع الكبير أن أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط، أما أنا متأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع فإذا طلبت منه مائة ألف يعطيني، ولكن بعد أن آخذ هذه المائة ألف أماطله. يقول لك: دخل في قلبي غرقنا، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان، يسمونه تكتيك بالتعريف الحديث مناورة. أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك، مخادعة، مناورة تكتيك. عندك تكتيك واستراتيجية، المؤمن أخلاقه استراتيجية، يعني ثابتة، لا يغير، لا تحت ضرورة، ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط، أخلاقه هي هي، أما الكافر أحياناً يعمل خطة مرحيلة، مثلاً إذا كافر، إذا دفع لهذا التاجر يكسب ثقته فيدفع له.
أحياناً واحد يقول لك أتضع أموالك عندي، يقول له: نعم، أنا أعطي بالمائة ثمانية وأربعين أرباح، شو هذا الحكي، مبلغ مذهل، أين ماكان بالمئة عشرة، أو بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرين إذا كان واحد موفق جداً، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة عندئذ يأخذها ويهرب بها. وهذا شيء يقع باستمرار.
هذا المعنى الأول: أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية، أن هذه الأسرة لها عادات راقية، بحكم العادة، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء.
والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة، وهناك شكاوى كثيرة تصلني، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا، وفعل معي كذا وكذا وكذا، كان الرد بمنتهى الوقاحة بمنتهى اللؤم، طيب كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة، لأن هذا ليس صاحب دين، وليس صاحب نسب رفيع، وليس صاحب ذكاء عالي.. لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروف مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً، وأو رداً سيئاً، أو رداً فيه مقاومة.
فالإنسان لا يُفاجأ. طبعاً يوجد حديث شريف آخر:

(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصاب أهله فإن كان أهله أصاب أهله، وإن لم يكن من أهله فأنت أهله ))
يعني الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم، لا أولادك أولى، أحياناً واحد يقول لك أنا مستجير فيك، فتعطيه من قوت أولادك، تعطيه من حصة أولادك، وتنجده، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم.

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ: لِي اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ))
[متفق عليه]
إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. طبعاً الحديث طويل، وهذه أول فقرة منه المكثر: يقول عندي مال لا تأكله النيران، أهلكت مالاً لبداً، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة وبأن أموالهم لا تفنى، وأن أموالهم بازدياد، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة، هم الفقراء، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح، هو الذي يجدي.

((إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))
لذلك قال الله تعالى:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف]
النبي الكريم استثنى، قال:

(( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا..))
هنا في الحديث دقة بالغة، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً. لذلك قال العلماء: لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا﴾
[سورة الفجر]
قال ربنا له: كلا.. ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل.

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي..﴾
يعني فات إلى بيته كل وسائل الراحة.

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي.. كلا﴾
ربنا عز وجل قال: كلا.. وكلا أداة ردع، يعني لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق، لا هذا القول صحيح، ولا هذا القول صحيح، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكرام، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة، إنه معالجة، الحرمان معالجة، والعطاء إكرام.
النبي الكريم قال: إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. لماذا سماه النبي خيراً قال: فَنَفَحَ ( نفح يعني أعطى ) فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا..
يعني سأله عن يمينه شخص فأعطاه، عن شماله فأعطاه، سأله شخص قرض لثمانية أشهر دفع له، سأله شخص عطاء من دون قرض، فدفع له. يعني اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير.
وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا..
قال: هذا الإنسان المكثر هنيئاً له، هذا قد يسبق المقل، الأن المال قوة، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله.
وحبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي.
وفي حديث آخر:

(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ))
[أخرجه الترمذي وأبو داود وأبن ماجه وأحمد]
((َإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رضاً بما يطلب.))
من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم، الملائكة تكرم طالب العلم، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير.
هذا المعنى معنى تكريم، يعني الملائكة تكرم طالب العلم، بعضهم توسع في هذا المعنى، فقال الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم، ما الذي جعل أبا حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مر في الحج بشيخ يدرس في الحرم، وقد سمع منه هذا الحديث، من طلب العلم تكفل الله له برزقه. يلهمك إذا كنت تاجر يلهمك الصفقات الرابحة، فترى عملك قليل وربحك كثير. إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى، أخلاقهم عالية، شراؤهم سهل، دفعهم جيد. إذا كنت موظف فتنتزع ثقة رؤساءك، يعطونك إضافات ليست لغيرك. يعني مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه.
أب عادي يكون راغب أن يكون ابنه طبيب، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوق بدراسته، وأيام فحص لا يدع أحد أن يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له: أنا أحضر الخبز، اجلس وادرس، إذا جاءه ضيوف، ويريدون غرض إذا قالوا أوصل فلانة خالتك، الأب ينهى الأم يقول: دعيه يدرس، أنا أوصلها نصف ساعة توصيل يقول: لا دعيه للدراسة.
يعني إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوق يريحه من أعباء البيت، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة، يمكن يبالغ بإكرامه. فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه. معقول إذا اتجه واحد إلى الله يتلبك بحياته، والعكس هو الصحيح. لما الإنسان يتجه إلى غير الله عز وجل، الله يذيقه مرارة الدنيا. الدنيا تغر، وتضر، وتمر..
أوحى ربك إلى الدنيا، أنه من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه. تسمع من الناس قصص، يعني ترى رغم ذكائهم، رغم تقديرهم للأمور، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان، تأتيهم مزعجات يتورطون تورطات ما كان لهم بها.
البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
[سورة الليل]
تلقى شخصاً تريده بيته بعيداً، الحاجة تجدها فوراً. آلة منتجة تعطلت، تحضر خبير فيخربها، يكسر قطعة فيها، بدلاً من أن يصلحها. إذا كنت موفقاً تحضر شخص يلهمه الله إلى الحق، يقول لك العطل من هنا، هي شغلة غيبانية، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخص بدلاً أن يعطلها خسمة أيام يصلحها في ساعة، إن كان في التجارة، أو في الصناعة، أو في الزراعة.
تأتي ساعة وأنت آخذ احتياط، دخنت مثلاً، كسبت المحصول غيرك نام ما استيقظ على الجرس، في أجراس تنبه إذا كان في ساعة ما فاق على الجرس، راح المحصول كله، فالإنسان يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه. ليس معنى أن يمد يده إلى الناس، لا ليست واردة، معنى يتكفل له برزقه يلهمه بأعمال مريحة، ودخلها معقول، أحسن ما يعمل ببلاش.
انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل، يقول لك: آه، يخرج منه آهة محروقة حرق، يقول: اشتغلنا ثلاث سنوات ببلاش، يدخل بمشروع، يدفع، يسهر يركض، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات شغل.
لا يرد الله عز وجل، انظر إلى الدنيا ما أصعبها. الخسارة مؤلمة جداً.
واحد يتعب، يتغلب، يجيب بضاعة،يبعثها، يشحنا، يبيعها يلم ثمنها، يشتغل فيها سنتين، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة، هذا شاغل ببلاش معناها. فالله عز وجل قادر يشغل الإنسان ببلاش طول عمره، يقول لك التجار كلمة مضحكة: مثل مطحنة الجن، خرير وعجيج على الفاضي، يشغله، يشغله، بالآخر ما في محصول، ما في خلاصة، ما في نتيجة، أما المؤمن موفق.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل]
((َإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رضاً بما يطلب..))
يعني أول شيء تعينه على أمر معاشه، أنا أدعو هذا الدعاء: اللهم أصلح لنا ديننا، الذي هو عصمة أمرنا.
الإنسان ينضبط بالدين، يعرف الحرام من الحلال، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز، عنده منظومة قيم ينضبط فيها..
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا..
أيضاً الدنيا إذا واحد بحاجة إلى المال، ما عنده قوام الحياة شيء صعب.
واصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
فالملائكة تعينه على حوائجه، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه، الملائكة تكرمه..
انظروا إلى الحياة الدنيا، انظروا إلى عمارة ترتفع، نشاط، اليوم جبل اسمنت ثاني يوم جاء الاسمنت، ثالث يوم جاء نجار الباطون ترى الذي يبني العمار كتلة انتباه، كتلة يقظة، لا زم نرش الإسمنت وإلا يصير مثل الغريبة بسرعة، نشاط البناء، نشاط التجارة نشاط الصناعة، نشاط العلم، دراسات في الجامعة، يعني في نشاطات عديدة، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي، ما في نشاط عند الله أكثر قدسية منه، يعني تذهب تزور أقرباءك تحصل مبلغ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة، تشتري بيت، تبيع بيت تبدل سيارتك، تعمل نزهة، هذه نشاطات مشروعة، مباحات، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم، أن تعرف الله عز وجل، خُلقت من أجل أن تعرفه، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[أخرجه أحمد]
حقيقة كبيرة جداً واحد يظن أن هذا مات، لذلك النبي الكريم قال:

(( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً ))
إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به، يعني أي عمل فيه إهانة، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل، إهانة له. حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين.
قال: يا أمية بن خلف، يا هشام بن عيينة، يافلان، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجتم ما وعد ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس.. الحديث طويل، الصحابة تعجبوا، قالوا: يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا، هؤلاء جيف، قال: ما أنتم باسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني. يسمعون مثلكم. فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى، من زعبر زعبرة، من ما بكى من فرح، من أهانه، بحثوا عن جزدانه، تحت المخدة في مصاري، دفشوا حتى يروا تحت المخدة في مصاري، يرى كل ذلك، ويسمع ما يقولون، فالنبي الكريم يقول:
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
(( إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا))
[أخرجه أحمد]
أما هذا الشعور الذي لا يوصف، هو اشترى البيت، هو فرش البيت على ذوقه قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى، جاءه تاجر، قال له: أريد غرفة نوم جوز، قال له: والله جوز ما في، عندنا زان.. قال: أريدها جوز، قال: طيب اشتري لي خشب جوز، اشـتروا خشب جوز، قال: هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة، يكون أبيض بعد تخمير سنة يصير أسود، أخذنا له خشب الجوز، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهر، قال ما مر بحياته كهذا الزبون، زار الخشبات وقت التخمير مرتين ثلاثة، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم، قال لي: عقدة بالخشب بالرجل من الداخل، لا ما بصير بدلي إياها، يعني كل جمعتين ثلاثة له زيارة، يتفقد غرفة النوم الخزانة، كيف جاية الباب، كيف جاية اللون يعني أربعين خمسين زيادة على غرفة، البخ المسكات المرايا. هذا معه وسواس. وبعد ذلك، قال له: اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة، ورتبوها ودوكروها، قال له: أما تريدون أخذ الغرفة، حاجزة محل عندنا، قال له بكرة إن شاء الله خبر بكرة قال لهم بعد بكرة، خبر بعد بكرة رفع السماعة سمع ضجيج، ثم جاء إلى التلفون قال لها: اختي الغرفة، قالت: ما نريد الغرفة مات صاحبها. غضبت. سبحان الله.
قصة وقعت مع أخ كريم معه من يومين، عنده محل ضخم لبيع المفروشات قال له: سنة تخمير خشب الجوز، وسنة ونصف سمعة أكلت، أما وسوسته عجيبة، ما رضيان بعقدة بوسط الخشب من الداخل، من ناح المفرش، ما بسير، بركدن واحد انبطح وفات لجوا ولقى في عقدة، شلون بدو ينام، يوم خلصت كان ميت.
الإنسان يسعى لدار الآخرة.

(( إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
(( إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا))
هو عمر هذا البيت، هو فرش هذا البيت، هو رتب هذا البيت دفنوه بنفس اليوم أسرع، قال لي شخص: شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء، مع أنه مكروه، ما الدليل، في مشكلة في البيت معناها، ما بدن إياه، هو اشترى البيت، يبس لثاني يوم، جيوبا الكفن بعد العشاء طالعوا..
المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه، يعلق آماله بولده.. قال رجل لشاب أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً: رايح اسكر على روح أبي.
أبوه خلف له مال كثير ومات، فهذا الابن حيشرب خمر على روح والده.
قال: يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنع به، قال: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، قال له: عبدي أما علمت أني أنا الرزقا ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يعني جعلتهم فقراء، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم، والثاني قال له: ماذا صنعت في المال ؟ قال له: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين. فقال: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك، فقط. الله عز وجل يرزقهم، ويعافيهم ويهديهم، ويجعلهم قرة عين، ويجعلهم خلفاء لك ويجعلهم أعمالاً صالحة مستمرة.

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ))
[أخرجه الترمذي ومسلم والنسائي]
الحديث الأخير:

(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
يعني أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله، هناك أشياء غالية كثيراً، معناها عليها طلب كثير، وقد تكون تغضب الله عز وجل، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد، قال له واحد: والله درنا لبنان كلها، ما في ولا جهاز كله مباع إلى سوريا.

(( إن الناس لا يرفعون شيئاًإلا وضعه الله تعالى ))
قرأت مقالة لكاتب أنه يحجز برأس السنة ما في، هنا ما في، كل الأماكن ما في محلات، معناها عليها طلب كثير الفنادق، سهرة بالفندق الفلاني، والفلاني، والفلاني عشاء، مع شغلات لا يعلمها إلا الله، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة، ما في محلات، واضطر يعملها بالبيت، جاب رفاقه وعملها بالبيت.
قال:
(( إن الناس لا يرفعون شيئاًإلا وضعه الله تعالى ))
يعني أنت تعلق بالذي رفعه الله، الله رفع قراءة القرآن، رفع فهم القرآن، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل، رفع أن تكون محسناً، رفع أن تكون محباً الله ورسوله، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل ما عنده من متاع. يعني يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته، وأجهزته فقط. لكن المؤمن يتسمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه.

(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
معناها الحديث القرآته قبل الأخير، وليس الأخير.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن الولد مبخلة، مجبنة، مجهلة، محزنة ))
يعني هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاد يجب أن يعتدل، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل. أما معنى مبخلة يعني قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا، لأن الله عز وجل قال:

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة الآية 272]
فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح بالخير، بالإنفاق، بالمال الخوف على الأولاد من بعده. مبخلة، يعني إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم.
وسيدنا الصديق أعطى كل ماله، فلما قال له النبي الكريم: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: الله ورسوله.
ممكن أتصور إنسان ينفق ماله ثم يفقره الله، هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات، إذا في بالأرض مليون مستحيل، من المليون بعد الواحد مستحيل أنه واحد ينفق ماله ثم يفقره الله.
أنفقن أنفق عليك
أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً.
لا يمكن، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان.
جعله بخيلاً، الابن جعل أباه بخيلاً، هذا معنى مبخلة.
مجبنة: يعني الإنسان إيام يقف موقاف مشرفة، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يزعل بيت الإحمى، يقف موقف لا يليق به، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق، هذا العمل لا يجوز، يعني شخص دين يصلي يعمل عرس مختلط بفندق، مشكلة هذه، هيك طلبوا بيت العروس، طلبوا عرس مختلط بالذات، يعني رجال ونساء، المرأة بأبهى زينة، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم، فلان وزوجته، هذه زوجته، هذه زوجة فلان، جاؤوا بأحدث طرز كلها فتنة، ورجال ونساء. دين وتصلي وتعمل عرس مختلط بفندق. يعني جبن أن يرفض بسبب الابن، يعني الأولاد مبخلة مجبنة، مالها علاقة بالجبنة لا تحسبوها جبنة. مجبنة مجهلة..
يعني الإنسان أيام يسافر في طلب العلم، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً هذه على موضوع الفقر. فسرها الفقهاء.
لها تفسير آخر: إذا الواحد جالس مع أولاده، وحان درس العلم جاية بنته والله هي وزوجه، بابا نحن اليوم اجينا لعندك صرنا شهر ما شفناكم، بلا هذا الدرس، لا يا بنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك، أنا بغيب ساعة وبرجع، أيام بتعاتبه، كل شيء لحاله، مكانتك محفوظة أما هذا مجلس العلم لابد منه. فأيام الإنسان من أجل أولاده يجهل يعني بصير جاهل هي معنى مجهلة.
أما محزنة: واحد قبل الزواج، أو قبل ما يجي أولاد، بتهمه صحته، بعد ما أجاه أولاد، وابنه سخن واحد وأربعين، يا ترى التهاب سحايا، يا ترى التهاب أمعاء، لا ينام الليل الأب، طبعاً صار يجي متاعب، ومشاغل، وأسباب للحزن عن طريق.. الحديث لا في نهي ولا في أمر، الحديث في تقرير، يعني من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل، وعلى الجهل، وعلى الحزن، فخذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً.
يكون واحد الله مو عاطي الله، يشوف هيكي ولد لابس بقلك دابت نفسي علي هيك ابن، مو عرفان شو في عندو شو في لها مضاعفات شوف الأب نفسه الذي عنده أولاد يقول لك والله شي بحير. سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى، لا انعطا.. قال ممرضة، مولدة فاتت لبيت، جابوا بنت، هالبكه، سحوا وبكيوا، جابوا بنت وتأثروا هيكه وكشوا فيها. من غرائب الصدف، بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر، البيت الآخر يعني في قرابة أجاهم صبي بكيوا كلياتهم، سبع صبيان عوفوها حياتها الأم، مشتهية بنت واحدة، اجا التاني قال أيه والله حيرتونا إن جبنا بنات ما من خلص، صبيان ما من خلص، فهذا الحديث يعني في تقرير، تقرير لحقيقة فالي عندو بنات الحمد لله، والي عنده بنات وذكور الحمد لله، والي ما عندو الله فرغوا لطاعته، الحمد لله.
والله في دعاء يعني هذا الدعاء من أدق الأدعية، يقول عليه الصلاة والسلام:

((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:06 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 04 - 17 ) : عدم الكفاءة في الزواج.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-02-14
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمات مهمة:
المقدمة الأولى: ما مشكلة في الأرض إلا بسبب الخروج عن منهج الله:
أيها الإخوة المؤمنون، في دروس كثيرة ومناسبات كثيرة كنت أشير إلى موضوع الكفاءة في الزواج، وهذا الموضوع دفعني إلى معالجته في درس من دروس الأحد، لأن حالات كثيرة من الشقاق الزوجي أساسها عدم الكفاءة بالزواج.
وقبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع لابد من مقدمةٍ دقيقةٍ تلقي ضوءًا على محوره، وعلى جوهره.
يجب أن نعلم علم اليقين أيها الإخوة أنه ما من مشكلةٍ صغيرةٍ أو كبيرة، مادية أو معنوية، جليلةٍ أو حقيرةٍ في الأرض إلا ووراءها خروج عن منهج الله، خالق الكون هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
( سورة فاطر )
وخبرة الله عز وجل ليست خبرةً حادثة مكتسبة، إنما خبرته قديمة، خبرته قديمة قدم ذاته، إذاً كل تعليماته هي الصواب، فإذا خرجت عنها وقعت في مشكلة، فهذا القانون أردده كثيراً: ما من مشكلةٍ تقع على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل.

المقدمة الثانية: منهج الله كامل وتمام:
أنتقل إلى مقولة أخرى، وهي أن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعله أعداءه به، لذلك ما من طريق إلى سلامة الدنيا وسعادتها، وسلامة الآخرة وجنتها إلا اتباع منهج الله عز وجل، إلا طاعة الله عز وجل، ويجب أن تعتقد اعتقاداً يقينياً أن تشريع الله سبحانه وتعالى كامل، قال الله عز وجل:

﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
مجموع القضايا التي عالجها الدين مجموع تام، فالذي عالجه أمراً أو نهياً العدد تام، والذي تركه وأغفله أغفله لحكمةٍ لا تقلّ عن حكمة معالجة غيره.
هناك شيء تتوقف عليه سلامتك وسعادتك هي الفرائض، فأمرك به، وهناك شيء يحسن هذه الفرائض، هذا الواجب والسنة، وهناك شيء أحد سبب هلاك الإنسان في الدنيا والآخرة، هذا هو الحرام، وهناك شيء يقربك من الحرام، هذه المكروهات، كراهة تحريمية، وكراهة تنزيهية، وهناك شيء ليس له علاقة بسلامتك ولا بسعادتك، لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا سكت عنه الشرع، وتركه للظروف والبيئات والمعطيات، وما إلى ذلك، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
الإتمام عددي والإكمال نوعي، مجموع القضايا التي عالجها القرآن والسنة تام لا يوجد نقص، لذلك أي إضافة على الدين اتهام له مبطن بالنقص، وأي إضافة على الدين بدعة مردودة، الآن طريقة المعالجة التي عالجها الله طريقة كاملة ليست ناقصة، مجموع القضايا تام، وطريقة المعالجة كاملة.
ما من مشكلة تقع على وجه الأرض مادية ومعنوية، جليلةٍ أو حقيرةٍ، عامةٍ أو خاصةٍ، آنيةٍ أو مستمرةٍ إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، ودواء الجهل العلم، فكل إنسان ليس له مشرب علمي، منهل علمي، كل إنسان لا يطلب العلم الشرعي، لا يطلب معرفة الله ومعرفة منهجه فلابد من أن يتخبط، فإذا أردتم التمثيل لذلك فكمثل راكب مركبة في الظلام، يسير على أرض قاحلة فيها حفر، فيها أكمات، فيها منزلقات، فيها مضائق، جسور، شرع الله عز وجل هو النور الذي تهتدي به، فإذا أعرضت عن شرع الله عز وجل فالحادث حتمي، فإن لم يطلب الإنسان العلم فالخطأ حتمي، والضرر حتمي، والهلاك حتمي، والشقاء حتمي، هذا معنى: طلب الفقه حتم لازم عن كل مسلم.

الكفاءة في الزواج:
حينما يتوجه الإنسان إلى أن يخطب امرأةً، وهذا الكلام موجّه أكثر ما يوجَّه إلى الشباب، أما الذين تزوجوا فموجّهٌ إليهم كي يدفعوا أولادهم، أو يقيّموا من طلب بناتهم تقييماً وفق الكتاب والسنة.
موضوع الكفاءة في الزواج موضوع أشرت إليه كثيراً في أثناء حديثي عن موضوع الزواج، أو في بعض الموضوعات الأخرى، وقد رأيت أن حالاتٍ كثيرةٍ جداً من الشقاق الزوجي الذي انتهى بالطلاق وتشريد الأسر أساسها عدم اختيار الزوجة المكافئة، أو عدم كون الزوج مكافئاً للزوجة، هذا موضوع يحتاج إن شاء الله تعالى إلى درسين، كما أن موضوع الخطبة عرض في درسين، فموضوع الكفاءة الزوجية يحتاج إلى درسين.
الكفاءة: تعريفها وآراء الفقهاء فيها ومقوماتها:
ففي هذا الدرس حديث عن معنى الكفاءة، وآراء الفقهاء فيها.
1 – تعريف الكفاءة:
الكفاءة لغةً المماثلة، قال تعالى:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

أي لم يكن له مثيل، ولا شريك ولا ند، ولا مساوٍ، فلان كفء لفلان، أي مساوٍ له، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ (( المسلمون تتكافأ دماءهم ))
[رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود عن علي ]
لو فرضنا إنسانًا يحمل أعلى شهادة، في ساعة غضب قتل إنساناً جاهلاً، هذا الذي يحمل أعلى شهادة، وقد يكون معه شهادة نادرة في العالم يُقتَل بهذا الجاهل، لأن المسلمين تتكافأ دماءهم، إنسان ذو مرتبة رفيعة، إنسان غني يقيم نفسه تقييماً آخر، أيّ إنسان اعتدى على حياة أي إنسان يُقتل به.

2 – مقومات الكفاءة:
لكن تعريف الكفاءة الزوجية باصطلاح الفقراء لها تعريف آخر، الكفاءة الزوجية: المماثلة بين الزوجين دفعاً للعار في أمور مخصوصة، هذه الأمور المخصوصة موضوع الدرس القادم:
هي عند المالكية الدين والحال.
وعند الجمهور الدين، والنسب والحرية، والحرفة.
وعند الحنابلة والأحناف اليسار.
فالدين، والحال، واليسار، والحرية، والحرفة، واليسار أو المال هذه موضوعات الكفاءة، وهناك موضوعات لا علاقة لها بالكفاءة، هناك موضوعات تلغي الكفاءة كلياً، هذا موضوع الدرس القادم إن شاء الله نفصل به تفصيلاً جيداً إن شاء الله.

3 – القصد من الكفاءة:
القصد من الكفاءة تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية.
كلمة استقرار كلمة رائعة، أحيانا يستقر الإنسان في عمل، فإذا استقر في عمل ينمو، والثبات نبات، وأحيانا يستقر الإنسان في علاقته الزوجية، وهذا الاستقرار يثمر سعادةً يقطف ثمارها الأولاد، أحيانا ترى أسرة متوازنة، وأنا لا أعني الأسرة الغنية، قد تكون الأسرة الغنية ليست متوازنة، الأسرة المتوازنة الزواج الشرعي الذي بني على توخي الدين والصلاح في الزوجين، وبني على الكفاءة بين الزوجين، فإذا أردت لهذا الزواج أن يستقر، وأن يستمر فابحث بالكفاءة بين الزوجين.

موقف الفقهاء من الكفاءة وأدلتهم فيها:
قد ترون معي أن الفقهاء وقفوا في موضوع الكفاءة مواقف متباينة، وجدير بنا ولو من باب الفقه المقارن أن نقف على مواقفهم وعلى آرائهم وعلى أدلتهم، وعلى أدلة الطرف الآخر، هذا ينمي الفكر الفقهي عند الإنسان، إذا رأيت الدليل، وكيف ردوا على هذا الدليل، ودليل الطرف الآخر، وكيف رد على الطرف الأول، هذا ينمي عند الإنسان ما يسمى الفكر الفقهي.
الرأي الأول:
الرأي الأول يتزعمه الإمام الثوري والحسن البصري، والكرخي من الأحناف، يرون أن الكفاءة ليست شرطاً، ما هي أدلتهم ؟ أدلتهم كثيرة:
أول دليل عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى.... ))
هذا الحديث يعد أصلاً في تأكيد المساواة المطبقة بين الناس، يستنبط أن الكفاءة ليست ضروريةً في الزواج، يؤكد هذا الحديث قول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات )
بالمناسبة هذه الآية لو وقفنا عندها وقفةً متأنية، فما من مقياس يجب أن يعتمد في تفضيل زيد على عبيد إلا مقياس التقوى الذي اعتمده القرآن، وأي مقياس آخر اعتمدته أنت فقد خرجت عن منطوق القرآن، وإذا اعتمدت مقياس المال، إذا اعتمدت مقياس الوسامة والجمال، إذا اعتمدت مقياس الجمال، الذكاء فقد خرجت عن مقياس اعتمده القرآن الكريم في تقييم الأشخاص، يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات )
والحديث الذي رواه أحمد ورجاله ثقاة:

((... فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى... ))
الذين قالوا: الكفاءة شرط في الزواج كيف فهموا هذه الأحاديث ؟
رأوا أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأنهم لا يتفاضلون إلا بالتقوى، أما فيما عدا ذلك من الاعتبارات الشخصية التي تقوم على أعراف الناس وعاداتهم، فلا شك أن الناس متفاوتون، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
( سورة النحل )
هل من المعقول من امرأة تعيش في بحبوحة كبيرة جداً، والدها من أصحاب الدخل غير المحدود، لباسها له أثمان باهظة جداً، طعامهم، نزهاتهم، بيوتهم، حركاتهم، سكناتهم، احتفالاتهم، معينة من الطبقة الغنية، خاتم الخطبة ثمنه مئتان وثلاثون ألفًا، ثم يخطبها رجل صاحب دخل محدود، فإذا خطبها ووافق أهلها عليه فهذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، ولا يتحمل الزوج امتنان زوجته عليه بفضل أبيها، لأن هذا الزواج ما روعيت فيه الكفاءة، فأي زواج لا تراعى فيه الكفاءة لا ينجح.
موضوعات الكفاءة في الدرس القادم، لكن اليوم مبدأ الكفاءة، إن لم تراعَ الكفاءة في الزواج فأغلب الظن أن هذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، وكثيراً ما ينتهي بالفراق والطلاق.
رد الفقهاء على أصحاب الرأي القائل " لا كفاءة بالزواج "، نحن متساوون بالحقوق الواجبات، متساوون في التكليف والتشريف، يفضل بعضنا بعضا بالتقوى، لكن يوجد غني وفقير، وهناك حرف بالسلم الاجتماعي عالية، وحرف أقلّ منها، طبعاً هذا عند الناس، لكن والله الذي لا إله إلا هو ربما كان الذي يكسح القمامة في الطريق أفضل عند الله من عشرات ألوف ذوي المراتب العلية، هذا معنى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، أَشْعَثَ، ذِي طِمْرَيْنِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ، وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ، جَوَّاظٍ، جَمَّاعٍ، مَنَّاعٍ، ذِي تَبَعٍ ))
نحن إذا بحثنا في موضوع الزواج فليس البحث علاقة الإنسان بالله، طبعاً كل إنسان له عند الله مكانة أساسها طاعته، وإخلاصه، وحبه، وتضحيته، وبذله، وعمله الصالح، الآن نحن نريد أن نقيم زواجاً مستمراً ومستقراً، إن لم نلحظ موضوع الكفاءة في الزواج فأغلب الظن أن هذا الزواج ينتهي إلى الفراق، والفراق مقبول إن لم يكن هناك أولاد، فإذا كان هناك أولاد صار الفراق جريمة في حق الأولاد، أساسه أننا لم نلاحظ موضوع الكفاءة في الزواج.

التفاوت في الدنيا لحكمة بالغة:
هناك تفاضل في الرزق، أحياناً يكون الأب معتنٍ بابنته كثيراً، وحفّظها القرآن الكريم، ودرست الحديث الشريف فرضاً، أحكام الفقه، ورعة تقية نقية، يأتيها زوج شاب والده من أغنياء البلد، لكنه جاهل، فهذا الزوج لا يقيم قيمة لعلم هذه الفتاة، ولا لدينها، ولا لقرآنها، ولا لفقهها، هذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
( سورة المجادلة )
العلم ورد في القرآن، والمال ورد في القرآن، فالتفاوت قائم، وهناك آية أخرى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء)
الله عز وجل لحكمةٍ أرادها وأفعاله كلها حكيمة، جعل الناس مراتب، هناك معلّم بقرية، ومدرّس، وأستاذ جامعة، والثلاثة معلمون، هناك ممرّض، وطبيب مبتدئ متمرن، وطبيب يحتل كرسي في الجامعة، وطبيب يحمل خبرات عالية جداً، وهناك أحياناً طبيب يشار إليه بالبنان، يقول لك: هذا له سمعة دولية، أجرى عملية سميت باسمه في كل أنحاء العالم، هناك مراتب، هناك مجنّد، جندي، رئيس أركان، كله في الجيش، لكن المسافات كبيرة جداً بينهما، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
لحكمةٍ أرادها الله عز وجل جعل الحظوظ متفاوتة في الدنيا، وأهم جواب في هذا الموضوع أن هذه الحظوظ وزعها الله في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف يوزعها في الآخرة توزيع جزاء.
هناك أحاديث تؤكد موضوع الكفاءة، أن بلالًا رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه لعدم الكفاءة، لكن بعد قليل ترون أن طالب العلم كفء لأية فتاة، مرتبة العلم مرتبة عالية جداً، وسيدنا بلال صحابي، طبعاً طالب علم يطلب رضاء الله عز وجل، فلما أبى الأنصار أن يزوجوه قال عليه الصلاة والسلام: قل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني، فزوجوه فوراً، لماذا أمرهم ؟ لأنه ما كان هناك كفاءة، وعندما لا يكون هناك كفاءة أرجح الأقوال أن الأهل يرفضون.

الرأي الثاني:
أما الرأي الثاني الذي يرى أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج فهم جمهور الفقهاء، أربعة مذاهب ترى أن الكفاءة شرط أساسي في عقد الزواج، لكن الشروط أنواع، هناك شروط صحة، وشروط لزوم.
أولاً: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ:

(( يَا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا، الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[ الترمذي]
الأيم المرأة التي لا زوج لها، أرملةً كانت أو عزباء، يوجد حديث آخر رواه الدار قطني والبيهقي عن جابر:
(( لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ))
بالمناسبة، الأكفاء جمع كفء، والأكفاء جمع كفيف، هناك بعض المثقفين يقول لك: هؤلاء رجال أكفاء، يتحذلق، معنى أكفاء عميان، الأكفاء جمع كفيف، والأَكفاء جمع كفء.
أحيانا يقال لك: طبيب أَخصائي، معه بورد، يعني يخصي، الأَخصائي هو الذي يخصي، أَخصى يخصي إخصاءً، فهو أَخصائي، أما صوابها الاِختصاصي.
أحيانا يقال لك: فلان عنده تَجَارُب، يضم الراء، ويفلسف بها، يعني عنده عدوى بالجرب، صوابها تجارِب، جرب، يجرب تجربةً، أما التجارُب فهي العدوى بالجرب.
يقال لك: فلان مولع بكذا، المُوَلع هو الثور الأحمر، صوابها مولع.
أسيادنا، إياك أن تقول: أسيادنا، وهي جمع سيد، والسيد هو الذئب، والصواب سادتنا، السيد جمعها سادة، والسّيد جمعه أسياد، أسياد غلط.
يقال لك: التواجد في الساعة كذا، وهذا تعبير شائع جداً، ولا سيما في الجيش، التواجد في اللغة معناها أن يبث كل منا وجده للآخر، يعني يبكون، هذا هو التواجد، اللغة دقيقة جداً، وأحياناً كلمة واحدة وحرف واحد يغير.
صدقوني، كنت في تعزية من فترة، هناك رجل اشتبه علي مظهره من أهل العلم، ولكن أنا أعرف أحد علماء الحديث الكبار في البلد، دخل علي أنه هو عالم الحديث، بعد أن ألقيت كلمة قدمته للدعاء، وكلي إكبار لعلمه، صدقوني غلط غلطة واحدة نصب الفاعل، جزمت أنني مخطئ، ليس هذا فلانًا، لأنه لا يمكن، فلما انتهت التعزية سألت: من فلان ؟ قالوا: فلان الفلاني، غير الذي توهمته، وصدق ظني، أحيانا يكشف الإنسان من كلمة واحدة.
ذهب رجل إلى الأزهر، ولم يتعلم، قضى الوقت خارج الأزهر، وعاد إلى القرية، ظنوا أنه معه شهادة الأزهر، احتفلوا به، وكرموه، وأجلسوه في صدر المجلس، وهو جاهل، فقال له: رجل لا ترتبك، أي سؤال قل: للمسألة قولان، وهناك رجل خبيث، قال له: أفي الله شك ؟ قال له: في المسألة قولان، فانكشف فوراً.
على كلٍ طالب العلم كفء لأية فتاة،

((....ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا، الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[ الترمذي]
ولا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، والأكفاء جمع كفء، وهو الند.
بالمناسبة قالوا: احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.
يمكن أن تساوي أعظم إنسان إذا لم تحتج إليه، لذلك الدعاء: اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناءه عن الناس، فإذا احتجت إلى إنسان أصبحت أسيره، سيدنا علي قال، تعرفون قوله المشهور: << والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، شيء مستحيل، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، أشد استحالة، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين >>.
لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجوهن إلا الأولياء.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الأكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ ))
وفي الحديث الشريف عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ ))
[ الترمذي]
والعلماء كما قال عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقِهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ))
[ متفق عليه]

تنبيه إلى فهم وتفسير خاطئ:
أحياناً بعض الإخوان الكرام يفهمون آية ما أرادها الله عز وجل، يقول لك:

﴿ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات ﴾
( سورة النور )
الطيبون للطيبات، ماذا تفهم من هذه الآية ؟ يفهمون أن كل زوجين متماثلين مع أن الواقع لا يؤكد هذا المعنى، قد تجد زوجةً صالحةً عندها زوج شرير، وقد تجد زوجاً صالحاً له زوجة شريرة، وأحياناً الزوجة بلاء من الله، الله عنده بلايا كثيرة، وأحياناً الزوج، فالذي يريده الله عز وجل من هذه الآية:

﴿ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات ﴾
يعني أنتم خلفائي في الأرض إذا زوجتم أو تزوجتم، أو أذنتم في الزواج، أو قبلتم الزواج، فليكن الطيبون للطيبات، حملت هذه الآية على معنى ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات.
كلكم يعلم أنّ التركيب في اللغة إنشائي وتركيب خبري، التركيب الخبري يحتمل الصدق والكذب، فلان سافر، قد يكون ما سافر، أما التركيب الإنشائي فلا يحتمل الصدق ولا كذب، الأمر، تقول لرجل: كم الساعة ؟ هل يستطيع أن يقول لك: أنت كاذب، الكذب لا ينسحب على الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والحض، والنداء، هذه كلها أساليب إنشائية، وعندنا أساليب خبرية، العادة، الأمر والنهي يأتي في القرآن بصيغة الإنشاء،

﴿ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾
أمرٌ
﴿ لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَاَنُتُمْ سُكَارَى ﴾
نهيٌ، فغالباً الأمر والنهي في القرآن يأتي بصيغة الأمر والنهي، لكن أحياناً يأتي الأمر والنهي بصيغة الخبر.
قال تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 233 )
هنا سؤال دقيق في البلاغة: لماذا عدل الله عز وجل عن صيغة الأمر ؟ يعني أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، لما جاء بهذا الأمر بصيغة الخبر ؟ يخبرنا عن أن الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، قال العلماء: هذا أبلغ بالأمر من صيغة الأمر، لأنك إذا أمرت إنساناً تصور العكس، فلو أنّ أبًا قال لابنه: اذهب واشترِ هذه الحاجة، وإياك أن تتأخر، لم يكن الطفل في باله التأخر، وعندما قال له: إياك أن تتأخر وجد احتمال أن يتأخر، وخطر في باله التأخر، فكل أمر يقتضي عكسه، يتصور عكسه، وكل نهي يتصور عكسه، فإذا أردت أن تنفي تصور العكس فأتي بالتركيب الخبري، قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
( سورة البقرة )
يعني من شأن الوالدات، وهذه طبيعة فيهن، أن يرضعن أولادهن حولين كاملين.
إذاً: أحياناً تأتي صيغة الخبر مكان صيغة الأمر والنهي، وهذا أبلغ، وأحياناً يقول أب لابنه: إياك أن تتأخر ليلاً، أعطاه نهيًا، وهناك أب أشد حزماً يقول لابنه: أنا لا ليسد عندي ابن يتأخر: هذه الحالة غير موجودة عندي إطلاقاً، هذا خبر جاء بصيغة النهي، الذي نقلنا إلى هذا أن قول الله عز وجل:

﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
يعني يا عبادي اجعلوا الطيبون للطيبات، في أمر الزواج تخيروا، اختر هذه الزوجة المؤمنة الصالحة الطيبة: ابحث لها عن زوج مؤمن يعرف قيمتها، وهذه الزوجة الشريفة ابحث لها عن زوج عفيف يعرف قيمتها، أما إنْ زوجت امرأة عفيفةً لزوج منحرف مطلاقٍ، فهذا الزواج لا يستمر ولا يستقر.

الأدلة العقلية على اعتبار الكفاءة:
الآن هذه الأدلة كلها نقلية، كلكم يعلم أن الشرع هو نقل أمر إلهي، ولكن هذا الأمر يتوافق مع العقل، ويتوافق مع الواقع، ويتوافق مع الفطرة، ففي أكثر الموضوعات التشريعية استقر العلم على أدلة من نوعين، أدلة نقليةٍ وأدلةٍ عقلية، إنسان يقول لك: أعطني الأدلة النقلية على أن الوجه عورة، تأتيه بالآية الأولى، وجاء تفسيرها عند القرطبي، وابن كثير، والخازن، وعند البيضاوي، وجاء الحديث الشريف، ومعنى الوجه كذا، ومعنى الجلباب كذا، ومعنى الجيب كذا، أنت الآن دخلت في الأدلة النقلية، أما أحياناً فتخاطب الإنسان لا بالدليل النقلي، بل بالدليل العقلي، تقول له: يا إنسان، بربك أي شيء في المرأة أكثر فتنةً ؟ يقول لك: وجهها، بالمنطق، أحياناً الدليل العقلي قوي جداً، لكن يجب أن تعلموا علم اليقين أن الأدلة النقلية يجب حتماً أن تتوافر مع الأدلة العقلية، لأن المصدر واحد، العقل مقياس أودعه الله بنا، والنقل شرع أنزله الله علينا، والمصدر هو الله، ليس من المعقول الله أن يعطيك عقلًا يخالف الشرع، ليس هناك تناقض، في الكون وحدة، أنت بائع أقمشة، سوف نسلمك ثلاثين قطعة، على كل قطعة قياسها، وهذا مصطلح عند بائعي الأقمشة، هناك لصاقة على القماش، يقول لك: هذه ثلاثة وثلاثون مترا وربع، هذا يسمونه قياس الثوب، قال لك: أنا لست قانعاً بهذه القياسات، ماذا يقول لك البائع: هذا متر تفضل، وقسه، هل من الممكن أن يعطيك البائع مترًا تكشف بهذا المتر خطأ قياسه ؟ ربنا عز وجل أعطاك أحكامًا، وقال لك: هذه حرام، وهذه حلال، هذه مؤذية وهذه نافعة.
البارحة في درس الدعاة أحد إخوانا الأكارم طلاب الطب ألقى محاضرة قصيرة حول الخمر، الخمر أول عمل تفعله أن الأهداب التي في القصبة الهوائية تشل، فإذا شلت كل المواد الغريبة تدخل إلى الرئة، فأمراض الرئة الإنتانية أساسها أن هذه الأهداب مشلولة، ويدخل في الرئة مواد من الخمر عن طريق الدم، هذه تعطل جهاز المناعة في الإنسان، وذكر أشياء كثيرة، وكيف أن الكحول يتلف خلايا الكبد، الخمر تشارك بعض الأمراض، وتسهم في بعضها الآخر منفردةً، فسبعون بالمئة من أمراض تشمع الكبد هي بسبب الخمر والكحول.
أنا استنبطت من هذا الكلام أن هناك علاقة علمية بين الأمر ونتائجه، معنى علاقة علمية يعني علاقة سبب بنتيجة، إذا قال رجل لابنه: أغلق الباب، أو: لا تغلق الباب، فأغلقه، فالأب ضرب ابنه، فهل هناك علاقة علمية بين الضرب والإغلاق ؟ لا يوجد علاقة علمية هذه علاقة أمر بنهي، أما إذا مسّ الإنسان المدفأة تحترق يده، يوجد علاقة علمية بين المس والاحتراق، فالسبب والنتيجة أحيانًا يتلازمان تلازماً علمياً، و أحيانًا تلازماً رمزياً، العقل يوافق النقل قولاً واحداً.
الآن: الأدلة العقلية على الكفاءة الزوجية، وننتقل من أدلة نقلية إلى أدلة عقلية:
اعتبار الكفاءة من جانب الرجل:
إنّ انتظام الحياة بين الزوجين لا يكون في العادة إلا إذا كان هناك تكافؤ بينهما، فالشريفة تأبى العيش مع الخسيس، فلابد من اعتبار الكفاءة من جانب الرجل لا من جانب المرأة.
بالمناسبة الموضوع دقيق جداً، وقد ورد في بعض الأثر: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.
أنت زوجت ابنتك لفلان فصار سيداً لها، قد يقسو عليها، قد يهينها، قد يفعل بها ما لا يرضي، فإذا زوجتها جعلتها رقيقةً لهذا الزوج، في حكم أن الزوج هو القيم على البيت، إذاً فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، الكفاءة ليس من جانب الزوج، بل من جانب الزوجة، الزوج آمر، الزوج متصرف، الزوج صاحب قرار، الزوج له القيادة، له القوامة، فمن المتضرر بعدم الكفاءة ؟ الزوجة.
يقولون: إن إنسانًا شاهد زوجًا وزوجته غير متكافئين إطلاقاً، فعجب من هذا الزواج، فقالت له الزوجة: إن الله يدخلني الجنة بصبري عليه، ويدخله الجنة بشكره على أن تزوجني، أحدهم يدخلها شاكراً، والثاني صابراً.
فالدليل العقلي أن الشريفة تأبى أن تعيش مع الخسيس، والتي تحمل القرآن تأبى العيش مع الجاهل، والتي من أصل رفيع تأبى العيش مع من كان دنيئاً في معاملاته، فإن لم يكن الزوج كفئاً للزوجة فالحياة لا تستمر بينهما.
عندنا شيء آخر، ليس الموضوع موضوع الزوجة فقط، موضوع أهل الزوجة، مثلاً: شاب يلتقي بفتاة قبل أن يعرف الله عز وجل، ويتزوجها بقرار ارتجالي طارئ، فتكون هذه الفتاة ليست شريفةً، العار يلحق من ؟ بالعكس لو كان الزوج سيئًا جداً العار يلحق أهل الفتاة، لذلك الكفاءة يجب أن تكون واقعة لئلا يلحق العار للزوجة، أو لأهل الزوجة، طبعاً في أغلب البلاد الإسلامية يعمل بالكفاءة سبباً للتفريق، لو فرضنا القاضي لم يجد كفاءة يفرق بين الزوجين، لأن هذا الزواج لا ينجح، ولا يستمر.
كيف أن القانون أحياناً يأخذ من الشرع، ففي القانون مجموعة بنود متعلقة بالكفاءة، أول مادة: يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة، أما إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان الزوج كفئاً لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح.
مثلاً: يخطب إنسان فتاة، فقد يكون غير كفء لها، وفقد الكفاءة في هذا الزواج يلحق العار بأهل الفتاة، في الشرع الإسلامي من حق ولي الفتاة أن يطالب القاضي بفسخ هذا الزواج.
اعتبار الكفاءة بحس العرف:
الآن العبرة بالكفاءة بعرف البلد، والأعراف معتبرةٌ شرعاً، أحياناً يقول لك: أنا لا أعطي العامل تعويضًا، تقول: لماذا ؟ يقول لك: ليست واردة في الشرع، ليس لك حق، كل العمال إذا عملوا عند أرباب العمل في الأعراف الاجتماعية التي تنظمها القوانين العامل يستحق تعويض تسريح عن كل سنة راتب شهر، فهذا عرف ثبته القانون، فأنت لا تستطيع أن تنكره، لأن العرف معتبر شرعاً، كل شيء جرى عليه العرف.
مثلاً: إنسان يبيع حاجة، يبيع قفلًا، ولمفتاحه سعر آخر، لا أحد قال: يباع القفل بسعر، والمفتاح بسعر آخر، والمفتاح تابع للقفل، فبأي خصومة الأعراف حتى في الأيمان الأعراف معتبرة، كرجل حلف أن لا يأكل لحمًا، في عرف بلدنا اللحم يعني الغنم، فذهب، وأكل السمك، لا شيء عليه، أما في بعض البلاد يقول لك: أكلنا اللحم، يعني السمك، أنت عندما تحلف يميناً فعُرف البلد هو الذي يحدد مضمون اليمين، فالأعراف معتبرةٌ شرعاً، وكل بلد له أعرافه، فإذا لا يوجد تناسب بين البلدين هذا لا يعد كفاءةً.
لعظم حق الفرد على الله عز وجل، لعظم حق الصغير على الله يسقط حق الكفاءة لعدم الكفاءة إذا حملت المرأة، كل هذا الكلام قبل الحمل، وإذا حملت فموضوع الكفاءة انتهى، لماذا ؟ لأنه صار هناك مخلوق، والطلاق في حقه جريمة، لو طلقت المرأة لفسد، ألم تقل هذه المرأة، وقد بكت، واشتكت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن فلانا تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال، فلما كبرت سني ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فالعرف معروف، أو إنسان يقول لك: لا أقبل المرأة أن تعمل شيئاً في البيت، ليست مكلفة، اقرأ الكتب، الأعراف تقول: إن الزوج يعمل خارج المنزل، والزوجة تعمل داخل المنزل، هذا عرف معتبر شرعاً وقانوناً، لكن إذا حملت ينتهي موضوع الكفاءة إطلاقاً، لعظم حق هذا الصغير على الله.
مراعاة الكفاءة عند العقد
الآن تراعى الكفاءة عند العقد فقط، أحياناً يتزوج إنسان امرأة، وبعد أن يتزوج يصاب بمرض عضال، لم يعد كفئاً لها، ولكن هذه قلة مروءة، وقت العقد كان كفئاً، وبعد هذا قضاء وقدر، هناك أشخاص بعد الزواج صار معهم مرض، الزوجة أو في الزوج يندب حظه، أخي هذه لا تناسبني، إذا كانت لا تصلح للزواج بعد المرض هناك حل شرعي، أن يتزوج امرأة ثانية، هذه أبقِ عليها كزوجة وفاءً، أو أردت ولدًا يأتيك من الثانية.
الكفاءة تراعى عند العقد فقط، فلا يؤثر زوالها بالعقد.
الآن عندنا قاعدة: إذا اشترطت الكفاءة حين العقد، أو أخبر الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير كفء كان لكلٍ من الولي والزوجة طلب فسخ العقد، إذا وجد تصريح، وظهر أنه كاذب يفسخ العقد، والكفاءة تراعى عند العقد فقط، وإذا حملت المرأة يسقط حق الكفاءة، لعلة عدم الكفاءة، والكفاءة الجهة الوحيدة المتضررة منها المرأة وأهلها، لأن العار يلحقهم بذلك، والعبرة بالكفاءة عرف البلد.
هناك كاتب مصري اسمه إبراهيم مويلحي له كتابات أدبية قبل خمسين عامًا، كتب نصًّا على الموظفين، يقول: يا ليت آباءنا كانوا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس، دققوا كيف يتغير العرف، فكنا استغنينا عن ممارسة التجارة، وذل البيع والشراء، وترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين، قبل خمسين سنة كان أعلى مرتبة اجتماعية الموظف.
الآن امرأة خطبت لابنها، فقالت لها: ماذا يعمل ابنك، قالت لها: مهندس، فقالت لها: من أين تعيشون أنتم، مرتبة الوظيفة الآن هبطت، وحل محلها مرتبة التجارة، قبل خمسين سنة ما العيش إلا عيش الموظفين، الآن اختلف الأمر، هناك حرف في زمن معين تروج، وحرف تصبح متدنية.

مختصر درس الكفاءة:
إذاً بشكل مختصر تراعى الكفاءة بالزوج لصالح الزوجة ولأهلها، لئلا يلحقهم العار، والكبيرة إذا زوجت نفسها من دون ولي، وظهر أن الزوج غير كفء يطلب وليها فسخ العقد لعدم الكفاءة، والعبرة بالكفاءة لعرف البلد، والكفاءة حق خاص للمرأة وأهلها، وتراعى الكفاءة عند العقد، فإذا حملت المرأة سقط حق الكفاءة لعلة عدم الكفاءة، وإذا اشترطت الكفاءة، وصرح الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير ذلك أيضاً فسخ هذا الزواج.
هذا بعض ما ورد في أحكام الكفاءة، وفي الدرس القادم إن شاء الله الحديث عن موضوعات الكفاءة.
فهذه الموضوعات على الشكل التالي، الكفاءة أولاً في الديانة، والعفة، والتقوى، والكفاءة في الحرية، والكفاءة في الإسلام، والكفاءة في النسب، والكفاءة في الحسب، والكفاءة في المهنة والحرفة والصناعة، والكفاءة في السلامة من العيوب، هذا موضوع دقيق جداً، إن شاء الله كل أخ يريد أن يخطب يختار حسب توجيهات الشرع، فإذا خطب الإنسان، أو إذا خطبت الفتاة، وكان هذا الخاطب تتوافر فيه الكفاءة الشرعية هذا معنى قول النبي:

((... إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ... ))
[ الترمذي ]
لكن أخس الناس كفاءةً هو الكافر أو الفاسق، وأعلى الناس كفاءةً طالب العلم الشرعي، هذه نقطتان أفصل فيهما بالدرس القادم إن شاء الله، أعلى درجة في الكفاءة مؤمن طالب علم شرعي، يعرف ما له، وما عليه، يعرف حق الزوجة، وحقه على زوجته، يعرف كيف يربي أولاده، هذه أعلى درجة في الكفاءة، وأقل درجة في الكفاءة أن يكون ليس فيه دين، لأنه يتحرك بحسب شهواته ونزواته، لابد من أن يقع في مغبة عمله.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:07 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 05 - 17 ) : الزواج العرفي .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-06-06
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الحكمة من تغيير الموضوعات طرْدُ المَللِ:
أيها الإخوة المؤمنون، أنهينا في الدرس الماضي موضوعات الربا، وكان من الممكن أن نتابع في هذا الموضوع دروسًا كثيرة، ولكن أرى أنا دائماً أن الموضوع إذا عالجناه وقتًا محدودًا، وانتقلنا إلى غيره، فإذا وجدنا حاجةً عدنا إليه بعد حين، هذا أقرب إلى إقبال الإخوة الكرام بشغف على دروس الفقه، فالموضوع إذا استمر طويلاً أشعر أنا أن الإخوة الكرام يشعرون بالإشباع، موضوع الربا موضوع كبير جداً، أخذنا منه الموضوعات الأساسية، ولاسيما موضوع القرض الحسن، وموضوع المضاربة.
مقدمة للزواج العرفي:
وننتقل الآن إلى موضوع أثاره في نفسي تحقيق قرأته في جريدة يومية حول الزواج العرفي، وكثيراً ما أدعى إلى عقد زواج عرفي فأرفض أشد الرفض، وكثيراً ما أسأل عن هذا الموضوع، والذي أدهشني أن إخوةً كراماً كثيرين يريدون إذا زوجوا بناتهم أن يعقدوا زواجاً عرفياً، والزواج العرفي هو الزواج الذي يقع خارج المحكمة الشرعية، والحقيقة أنّ الذي أدهشني أن هناك مآسي لا حصر لها ذكرها القاضي الشرعي، مآسي لا حصر لها تنتج عن الزواج العرفي الذي يقع خارج المحكمة الشرعية.
قبل أن نخوض في هذا الموضوع لابد من التمهيد، قبل مئة عام إذا أردت أن تشتري بيتاً يكفي أن يقع بينك وبين صاحب البيت إيجاب وقبول شفهيان، وأن تسلمه الثمن، وأن يعطيك المفتاح، وقبل مئة عام لم يكن من إجراء لشراء البيت إلا هذا الإجراء، إيجاب وقبول، والأولى الشهود، ودفع الثمن، وأخذ مفتاح البيت، وانتهى عقد شراء البيت، أنت الآن أيها الأخ الكريم هل يعقل أن ترضى أن تشتري بيتاً، وأن تدفع ثمنه خمسة ملايين ليرة، وهو بيت صغير، وأن تأخذ من صاحبه المفتاح، والسلام عليكم، إن قبلت أن تشتري هذا البيت بهذه الطريقة فزوج ابنتك بالطريقة الأولى، أن يأتي شيخ، وأن يقرأ لك الفاتحة، وأن يجري إيجاباً وقبولاً، وعلى مهر، وبعض الشهود، وانتهى الأمر.
لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق:
الذي أريد أن أقوله لكم هو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
قال: ( مِنْ قُوَّةٍ ) ليشير إلى أن لكل عصر قوته، فقد تكون القوة في عهد النبي بتضمير الخيول، وشحذ السيف، وقد يأتي عصر تصبح فيه القوة قوة معلومات، وقوة أقمار صناعية، وقوة أشعة ليزر، وقوة القنابل العنقودية، وقوة القنابل الذكية، وقوة الأسلحة الشاملة، وقوة الإعداد النفسي، وقوة الإعلام، هذه كلها من القوة، ( مِنْ قُوَّةٍ ) أراد القوة التي تصلح لكل عصر.
سقت هذا الكلام لأؤكد لكم أن لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق، لكل عصر بحسب التعقيدات، وحسب تطور المجتمعات، لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق، كما أنه اليوم لا يمكن أن ترضى أن تشتري بيتاً، وأن تدفع ثمنه، وأن تأخذ المفتاح، بل لابد من تسجيل هذه الملكية في السجلات الرسمية، وإلا فبيعك وشراؤك لا قيمة له.
الذي أثار هذا الموضوع أنه في قصر العدل قبل أيام نشبت مشاجرة كادت تودي بحياة اثنين، بين رجلين يختصمان على امرأة واحدة، كلٌّ يقول: هذه زوجتي، وهي متزوجة من الأول بعقد عرفي، ومن الثاني بعقد عرفي، العقد العرفي ليس له أصل عند الدولة، وهناك قصص كثيرة سأروي بعضها إن قدرني الله عز وجل للمآسي التي تجري الآن في مجتمعنا من جراء العقد العرفي.

ما هو العقد الشرعي ؟

ما هو العقد الشرعي في الأساس ؟ لا يتم عقد، ولا ينعقد عقد، ولا يصح عقد إلا بشروط:
من هذه الشروط المحلية الكلية، المحلية الكلية أن تكون هذه المرأة التي تعقد عليها عقد النكاح ليست أحد المحارم على التأبيد، أم، أخت، ابنة، زوجة، هناك مشكلات تقع الآن، أخت من الرضاع لابد من التفريق بين الزوجين، يجب أن تكون المرأة التي يتم عليها عقد الزواج محلاً أصلياً للزواج، فإذا كانت أحد المحارم عن علم أو عن غير علم، طبعاً أكثر إشكال يقع في الأخت من الرضاع، فإن كانت إحدى المحارم على التأبيد، ولاسيما الأخت من الرضاع هذا العقد باطل، ويجب أن ينفسخ فوراً.
وينبغي أن تكون هذه المرأة التي تعقد عليها العقد الشرعي محلاً فرعياً لزواجك، فما المحل الفرعي ؟ أن لا تكون هناك حرمة مؤقتة تمنعك من الزواج بها، كأن تكون أختاً لزوجتك، مادامت الأولى على عصمتك فالثانية محرمة تحريماً مؤقتاً، أن لا تكون مطلقةً تطليقاً رجعياً بعدة، فما دامت المرأة معتدة لا فيجوز عقد الزواج عليها، هذا شرط إجرائي، إن صح التعبير، أن تكون محلاً أصلياً للزواج ومحلاً فرعياً له، المحل الأصلي أن لا تكون محرمةً على التأبيد، والمحل الفرعي أن لا تكون محرمةً على التوقيت، لكن أجمع العلماء على أن الزواج لا يكون شرعياً إلا إذا كان على التأبيد لا على التوقيت، فيجب أن تنعقد نية الزوج على تأبيد هذا العقد، فإذا أراد التوقيت فقد أخل بأحد أركان العقد.
إذا سافر الإنسان يقول: أنا أفضل من أن أبقى بلا زوجة، وأنا سوف أستقر خمس سنوات في هذا البلد الأجنبي حتى أتزوج امرأة، وعندما يكرمني الله عز وجل بالدكتوراه أطلقها، وأتزوج امرأة من بلدي، هذا العقد على التوقيت عقد باطل.
هناك قضية خلافية نبحث فيها في وقت آخر، إذا استدعى إنسان مأذون المحكمة، وصار أمام المأذون إيجاب وقبول، ومهر وشاهدي عدل، وولي، وتمت أركان الزواج، الفتاة، ووليها، وشاهدا عدل، ومهر وإيجاب، وقبول، فهذا العقد في ظاهره شرعي، أما إذا نوى الزوج التوقيت فهذا لا يعلمه العاقد، ولا يعلمه القاضي، نقول: في ظاهر هذا العقد عقد شرعي، أما في موضوع التوقيت والتأبيد فهذا موكول إلى نية الزوج، فإن نوى التوقيت فقد وقع في إثمٍ كبير، وربما كان عقد زواجه باطلاً، وربما أمضى هذه الفترة كلها في رأي بعض العلماء مستنبطين هذا من بعض الأحاديث زانياً، لأنه على التوقيت.
من شروط العقد وأركانه التأبيد، فإن نويت التوقيت فقد أخللت بأحد أركان عقد الزواج، لأن هذه الفتاة لو أنها أختك، أو لو أنها ابنتك فلا ترضى لا أنت ولا هي أن يتزوجها رجل لأمد محدود، طبعاً هذا شيء معروف عندكم جميعاً، أن المرأة في سن الزواج مقبولة جداً، في سن آخر تنتقل إلى طور آخر، تصبح أم لأولاد، في طور آخر تصبح جدة، كل طور من أطوار حياتها لها ميزة، ومكانة، ولها إشعاع، ولها وظيفة، فإذا استمتعت بها شابةً، ورميتها كهلةً من يأخذها في هذا السن ؟ قد قضيت على مستقبلها، إذاً التأبيد لا التوقيت أحد أركان العقد.

ملخص شروط عقد النكاح الشرعي:
1 – أن تكون المرأة محلا أصليا للزواج:
أضع بين أيديكم أركان العقد الشرعي: أن تكون الزوجة محلاً أصلياً للزواج، أي أن لا تكون محرمةً على التأبيد من المحارم.

2 – أن تكون المرأة محلا فرعيا للزواج:
وأن تكون محلاً فرعياً للزواج، أي أن لا تكون محرمةً على التوقيت، كأن تكون أخت الزوجة، أو أن تكون مطلقة بعدة، الشرط الثاني أن تكون نية التأبيد واضحةً في ذهن الزوج وإلا أخل بشرط أساسي وركن أساسي من أركان الزواج.

3 – الشهادة:
الشيء الثاني: الشهادة، لأن الزواج أساسه طريق مشروع، ينبغي أن يعلن، لا يوجد زواج سري كما ذكرت لكم في دروس سابقة، ديننا دين الحق، ودين الله عز وجل، ولا يوجد شيء مخفي، ولا شيء يستحيا به، ولا يوجد شيء لا يمكن أن يقال للناس جميعاً على رؤوس الخلائق، لذلك لو دخلت إلى الجامع الأموي، وأيقنت أن فيه أكثر من مئة ألف مصلٍّ يؤدون صلاة الجمعة، ثم شعرت أن أبواب هذا المسجد مغلقة، فصلاة هؤلاء الناس جميعاً باطلة، لأن صلاة الجمعة صلاة عامة، فإذا غلقت الأبواب أصبحت الصلاة خاصة، هناك شيء تخاف أن تقوله للناس، وهناك شيء تستحي أن تقوله للناس، إذاً هذا ليس دين الله عز وجل، دين الله لا يستحيا منه، ولا يخشى أن يقال على رؤوس الأشهاد، كذلك مئة ألف يصلون في جامع يؤمهم إمام، يخطب فيهم خطيب، إذا غلقت الأبواب فالصلاة باطلة.

4 – الإعلان:
الآن إذا لم يشهد هذا الزواج شهود عدول، ولم يعلن هذا الزواج، ولم يشع في المدينة أن فلانًا زوج فلانة، فقد أخل الزوجان بأحد أركان عقد الزواج، لذلك قالوا: لو أن إنسانً أراد أن يتزوج امرأة ثانية، وعقد عقداً عرفياً كما قلت قبل قليل، ورجا الشهود أن يكتموا عليه هذا الزواج، هذا الزواج باطل، إذا تواطأ الزوج مع الشهود على كتمان الزواج فالزواج باطل، لأنك أخللت بأحد أركانه الأساسية، وهو إعلان الزواج، وهذا الذي يفعله الناس مع أنه صار شيئًا مؤذيًا مزعجًا من إطلاق أبواق السيارات، لكنه شرعي، هم لا يستحيون بهذا الزواج، فلانة زوجة فلان، لأن الله سبحانه وتعالى شرع الزواج، فالشيء الذي شرعه الله لا تستحي به، يجب أن تستحي من المعصية.
أحيانا إذا تزوج إنسان زوجة ثانية، ولسبب جوهري أو غير جوهري، لكن أنا أقول: هذا أفضل مليون مرة من علاقة مشبوهة خارج الزواج، تلك معصية، أما هذه طاعة، فلا ينبغي أن نحل العرف محل الشرع، هناك أسباب، وظروف، وبلا أسباب، وبلا ظروف، مادام هناك عدالة، وكفاءة، وقوة، فهناك زواج آخر، وهذا أهون من الزنا، وأهون من إطلاق البصر في الحرام، وأهون من الانحراف، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله.
دين الله عز وجل لا يستحيا منه، ولا يخشى أن يقال على رؤوس الأشهاد، كذلك مئة ألف يصلون في جامع يؤمهم إمام، يخطب فيهم خطيب، إذا غلقت الأبواب فالصلاة باطلة.
إنّ الزواج السري مشكلة، ولو فرضنا أن الزوج لا يحب أن يخبر أحداً أنه تزوج، وهذه التي هي زوجته إذا حملت منه ماذا يقول للناس ؟ لماذا نخفي الزواج ؟ لذلك في كتب الفقه بحث طويل عن الزواج السري، وفي أرجح الأقوال أنه زواج أخل فيه الزوج بأحد أركان الزواج، إذاً تواطؤ الزوج مع الشهود على كتمان هذا الزواج عن أهله، أو عن زوجته السابقة لا يجوز، وكثير من الزوجات تتفاجأ بعد عشر سنوات أن لها ضرة، الزوج ذكي جداً، يختلف إلى الزوجة الثانية في أثناء النهار وقت الغداء، يقول: أنا عندي موسم، وأتغدى في المحل، ويكون الأمر خلاف ذلك، عنده زوجة ثانية، تكتشف هذه الزوجة بعد أمد طويل أن لها ضرة، فإخفاء هذا الزواج إخلال بأحد شروط عقد الزواج.

5 – الرضا:
شيء آخر الرضا، رضاء الزوج أو الزوجة، أو عدم الإكراه هو أحد شروط الزواج الأساسية، وأحد أركانه، لذلك ترون المأذون موظف عقد القران لا يعد العقد ماضياً إلا إذا توجه إلى الفتاة، وسألها: هل أنت راضية بفلان ؟ وهل أنتِ راضية بالمهر الفلاني ؟ فإذا قالت: نعم، أو صمتت، وصمتها كما قال عليه الصلاة والسلام إذنها، لأن رضاء الزوجة أساسي، وأحياناً تتحقق مصلحة الأب بزوج لا تحبه ابنته، هو أراده غنياً ليحل مشكلاته، وهو كبير في السن، وليس هناك تناسب بين الزوج والابنة، وإذا رفضت فلا ينعقد الزواج.
هناك بعض الصناديق في المصارف له مفتاحان، مفتاح مع صاحب الوديعة، ومفتاح مع مدير المصرف، لا يفتح هذا الصندوق إلا إذا اجتمع المفتاحان دفعة واحدة، هذا المثل ينطبق على الزواج، لا ينعقد العقد إلا إذا وافقت الفتاة على هذا الزوج، ووافق وليها على هذا الزوج، فموافقتها تنحصر في أنها قبلت به زوجاً من حيث الشكل، وهناك عوامل تعتلج في نفس الفتاة، لكن موافقة الولي، وهو أخبر بالرجال، يعرف الرجال، ويعرف ألاعيبهم، ويعرف البريء من الكاذب، والصادق من الكاذب، والمنحرف من المستقيم، هذا يعرفه الأب أضعاف ما تعرف الفتاة، فموافقة الولي تتجه إلى حقيقة هذا الرجل، وموافقة الفتاة تتجه إلى أنه يرضيها أن يكون هذا الشخص الذي أمامها زوجاً لها، فالرضا شرط أساسي من شروط عقد النكاح.

6 – تعيين الزوجين:
هل تصدقون أن من شروط عقد النكاح تعيين الزوجين، سوف أزوجك ابنتي، والدته رأت فتاةً جميلةً جداً، تم عقد الزواج، وتم تزويج فلان من كريمة فلان، وعنده ابنة كاسدة فأعطاه إياها، لابد من تعيين اسم الفتاة، وإلا كان الزواج باطلا، وهناك أشخاص كثيرون فعلوا هذا، فالذي ظهرت أمامه ادعت لها اسماً غير اسمها الحقيقي، فلما جاء القاضي، أو مأذون الزواج صرح بالاسم الذي اقترن معه مع الفتاة، فلما جاء يوم الدخول رأى فتاة أخرى، والمهر متأخر كبير جداً، فلابد من تعيين اسم الزوج واسم الزوجة في عقد النكاح، وعندما ترى الدفتر طويلا، والاسم والشاهد والمهر والدقة هذا كله أساسه شرعي.

7 – العقد في غير الإحرام بالحج أو العمرة:
إنّ أي عقد زواج تم في أثناء الحج أو العمرة فهو باطل، لأنه قال تعالى:

﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة البقرة )
إذاً المحلية الكلية، والمحلية الفرعية، والتأبيد، والشهادة، والرضا وتعيين الزوجين، وعدم الإحرام بحج أو عمرة.

8 – تعيين المهر:
و الصداق هو المهر، وأي زواج من دون صداق فهو فاسد، والفاسد غير الباطل، الباطل لا ينعقد أصلاً، أما الفاسد فيصحح.

9 – عدم المرض:
سمعتم مني قصتين أو ثلاثًا، القصة التي ذكرتُها مرة أن فتاة من أسرة جيدة من أسر هذه البلدة خطبها شاب ملء السمع والبصر، وتم عقد الزواج، ولا أدري كيف جاء الزوج بشهادة طبية صورية، وبقي الزوج مع الزوجة سنةٍ بأكملها يمضيان كما قال محرر هذه القصة أجمل أيام حياتهما، وكان حديثهما حول لون غرفة النوم، زهر أم سماوي، حول نوع الأثاث، وحول ترتيب البيت، اضطر إلى أن يتحصل على شهادة سيارة، ذهب ليتبرع بالدم، فإذا هو مصاب بالإيدز، إذاً أنا أرى بعد فشو هذا المرض في بلدتنا، وبعد فشو هذا المرض من قِبل من سافروا إلى بلاد الغرب، أنا أرى أن لا يقبل والد فتاة مهما بدا لك الشاب حيياً لطيفاً بريئاً براءة الأطفال في عينيه، مهما بدا لك كذلك فأنا أنصح أولياء الأمور أن يطالبوا الأزواج بشهادة صحية حقيقية، مع الأسف الشديد معظم الشهادات الآن صورية شكلية، أحياناً ليس موضوع الإيدز، تضاد دم، يكون هناك زمرتان دمويتان متضادتان، فينتج من الزواج مخاطر على حياة الفتاة، وأدوية غالية جداً، وغير متوافرة أحياناً، وإلا كما يقول بعض الأطباء: الدم ينحل، فلذلك الشهادة الطبية الحقيقية لابد منها قبل عقد الزواج.
أما الآن فهناك خطر آخر، هناك قصة اليوم قرأتها في الجريدة تضاف إلى القصتين السابقتين، امرأة عمرها سبعون عاماً متقدمة في السن، أصيبت بمرض عضال، وأهلها ميسور الحال، فسافرت إلى بلاد الغرب لتجري عملية زرع، أخذت معها أحب أبنائها إليها، أصغرهم، وفي هذه البلاد كان مع أمه في أغلب الأحيان، زمرة دم هذه الأم نادرة، ففي أثناء العملية حدث نزيف شديد، وليس في المستشفى دم من هذه الزمرة، فعرض هذا الأمر على ابنها، فلما فحص دمه كان دمه مناسباً لأمه، فأعطاها من دمه، والعملية تمت بنجاح، وانتهت العملية، وعادت الأم مع ابنها إلى البلدة، بعد سنة بدأت الآلام في الأم، والأوجاع، والأسقام بعد الأورام، الأطباء شكّوا في أمرها، دون أن يعلموها، طبعاً امرأة عمرها سبعون سنة، ومظهرها بالتعبير المألوف محافظة من أسرة دينة، فما ذكر الطبيب نوع الفحص، بل قال لها: لابد من فحص الدم، فلما فحص دمها إذ هي مصابة بالإيدز، فوراً حجر عليها، وأجري معها تحقيق، قالت لهم: أنا لا أعرف سوى زوجي، ما هذا الكلام ؟ أنا امرأة مسلمة عفيفة، وزوجي توفي من عشر سنوات، ولا أعرف رجلاً آخر في حياتي إلا زوجي، ما هذا الكلام ؟ فلما تابعوا التحقيق معها متابعةً دقيقة، وضيقوا عليها قالت: أنا كنت في أوربا، وكان معي ابني، وأعطاني الدم، أحضروا ابنها، فإذا هو مصاب بالإيدز، ضيقوا عليه فاعترف بعلاقةٍ مع فتاةٍ حينما كان مع أمه في السفر، حينما كان معها غاب عنها قليلاً، وأجرى علاقةً مشبوهة مع فتاة.
حدثني أخ طبيب قال لي: فحصت مئة فتاة تمتهن البغاء في فرنسا، وهذه القصة من خمس سنوات، فإذا ثلاثة وثلاثون بالمئة مصابات بالإيدز، أنا ألقيت خطبة إذاعية قبل سنتين تحدثت عن الإيدز، وقلت: ثلاثة أرباع المليون يحملون هذا المرض في أمريكا، وقعت تحت يدي نشرة قبل أيام صاروا عشرين مليونًا، الآن ـ والفضل لله عز وجل ـ لا يمكن أن يدخل أحد إلى القطر بعد إقامةٍ مديدة في أوربا أو في أمريكا أو في إفريقيا إلا ويلزم بفحص دمه.
من أركان عقد الزواج عدم المرض، مستقبل ابنتك، مستقبل ابنك، أنا أتمنى على الآباء أن لا يقبلوا بشهادةٍ صورية، مع الأسف الشديد معظم الشهادات صورية، وأيّ طبيب لدى فحص المدعو فلان ابن فلانة تبين أنه سليم من كل الأمراض، هذه خيانة للأمانة، طبعاً زمرة الدم مهمة جداً، لأن هناك أزواجًا يعانون الأمَرّين من تضاد زمرتي الدم مع زوجاتهم، كل ولادة تحتاج إلى إبرة ثمنها اثنا عشر ألف ليرة، أو خمسة آلاف ليرة، لا أعرف ثمنها تقريباً، وإلا ينحلّ دم الأم، لوجود تضاد بين زمرتي الدم، إذاً: من لوازم عقد الزواج خلو الزوجين من المرض هذا عن طريق شهادة صحية.

قصص من واقع الناس عبرة للناس:
القصة الأولى لرجل ذهب إلى أمريكا وعاد ليكون زوجاً، له زوجة في الشام وفية، وبعد سنة أنجب منها ولدًا، واكتشف أنه مصاب بالمرض، عندما كان هناك وزوجته مصابة وطفله مصاب، حصد هذا المرض أسرةً بأكملها عدا فتاة كانت قد ولدت قبل مرض أبيها.
والقصة الثانية ذكرتها قبل قليل.
والثالثة ذكرتها آنفاً، إذاً: خلو الإنسان من المرض شرط أساسي في عقد الزواج.
10 – وجود وليّ المرأة:
الولي في أرجح الأقوال، وفي أقوى المذاهب لابد من ولي يتولى أمر تزويج الفتاة، ولاسيما إذا كانت بكراً، لأن الفتاة يغرر بها، فهي في طبيعتها براءة، طبيعتها ضمن البيت، ساكنة تصدق ما يقال لها، أكثر المشكلات العويصة في الزواج أساسها فتاة غرر بها، طبعاً الرجل أقدر على الاحتيال من الفتاة، هي تصدق، ولاسيما إذا كانت متلهفةً لزوج قد يكذب عليها، ولاسيما في ماضيه، لذلك البيت المسلم له شروط، الفتاة حينما تنشأ في كنف أب مسلم فيه انضباط، وشروط قاسية جداً، حينما تتفلت الفتاة من رعاية أبيها، أو تنشأ في بيت غير منضبط فهناك مشكلات لا حصر لها.

عودة إلى الحديث عن الزواج العرفي:
الآن عودة إلى الزواج العرفي، زواج الشيخ، يقول لك: إمام في أي جامع: يا سيدي عندنا زواج، بهذه البساطة، وهو يصدق، ويأتي العروس، ويكون الإيجاب والقبول والشاهدان، وانتهى الأمر، قد تكون هذه الزوجة لازالت في عصمة زوج آخر، فالزوج الثاني آثم إثماً كبيراً جداً، لا يعقل أن تكون امرأة لرجلين، هذا مستحيل.
مرة ثانية كما أنه لا يمكن أن تقبل أنت بشراء بيت على أساس أن تدفع ثمنه وتتسلم البيت، كذلك لا تقبل أن تزوج ابنتك زواجاً عرفياً.
الآثار المترتبة عن العقد الشرعي:
العقد الشرعي ماذا يترتب عليه ؟
أولاً: المهر.
ثانياً: النفقة.
ثالثاً: المتابعة.
رابعاً: التوارث.
خامساً: نسب الأولاد.
سادساً: حرمة المصاهرة.
هذا الزواج يعني أن فيه مهرًا، أين حق هذه الفتاة ؟
مرة كنت عند صديق لي في قصر العدل، هو قاضي التحقيق الأول، بيننا صداقة، زرته في مكتبه، فوجئت أنه يحقق في جريمة قتل وقعت في دمشق، والقصة من عشر سنوات، فجلست أتابع باهتمام مجريات التحقيق، فجأةً فتح الباب، وأطل منه شاب، لفت نظري أن قاضي التحقيق الأول نظر إلى هذا الشاب بابتسامةٍ، وقال له: تعال، ترك من يده التحقيق في جريمة القتل، وسأله عن اسمه، وقال له: متى تزوجتها يا بني ؟ قال له: منذ سنتين، وأشار إلى الكاتب أن يكتب كتابة سريعة، أنه حضر فلان الفلاني، وأنه صرح بأنه تزوجها قبل عامين، وعلى مهر كذا، وقال له: تعال وقع، ومع السلامة.
حدث في نفسي سؤال: هل من المعقول لقاضي تحقيق يحقق في جريمة قتل، وكان في أدق تفاصيل الجريمة، وأنا أتابعها باهتمام، فيفتح الباب شاب، ويدخل فيقطع العمل من يديه، ويلغي التحقيق، ويجمده إلى حين، ويسأل الشاب: متى تزوجتها ؟ وهو شعر أني تساءلت في نفسي، ماذا فعل هذا ؟ فقال لي: أستاذ، هذا زواج عرفي، إن التقى بأحد المحامين يقول له: أنكر الزواج، فضاعت حقوق الفتاة، لمجرد أن ينكر الزوج زواجاً عرفياً فهذه ليست زوجته، ولا يوجد طريقة طبعاً إثبات أخرى، ولا شهود، لا يوجد إلاّ اليمين، الكاذب قالوا له: تحلف ؟ فقال: جاء الفرج، انتهت القضية، فهذه زوجة، وحامل، وعند الناس زوجة، فتصبح زانية.
أخطر شيء أن ينكر الزوج زواجه من هذه الفتاة، أما عندما يأتي موظف المحكمة، ويأخذ توقيع الزوج، وولي الفتاة، ويسجل المهر، انتهى الأمر، ما الفرق بين عقد شركة في محكمة البداية، وبين عقد شركة مكتوب، لكن من دون محكمة ؟ أول شيء يقول لك: هذا ليس توقيعي، ذهبت الدعوى القضائية ثماني سنوات، خبراء توقيع، توقيعه، لا ليس توقيعه، لذلك فإن الإنسان العاقل هو الذي لا يضطر إلى دخول المحاكم، الإنسان حينما يفرط يدفع الثمن باهظاً، إذاً هذا قاضي التحقيق قطع التحقيق في جريمة قتل، ودعا هذا الشاب، وقال لي: هذا زواج عرفي، لو أنه التقى بإنسان غير منضبط شرعاً أو ديناً يقول له: أنكر الزواج، وانتهى الأمر، فإذا لم يكن هناك شهود، لا يوجد غير اليمين، فإذا حلف اليمين فهو في حل من هذا الزواج، تقول لي: المهر المتأخر ثلاثون ألفًا، أو مئة ألف، لكن انتهى.
سبحان الله ! أساس الشرع حتى يفرغك الله عز وجل لعبادته، انظروا دعوى في قصر العدل تبقى سبع سنوات، تتحطم أسرتان، وفي آخر المطاف لا غالب ولا مغلوب، وهذا من التقصير، أنا لم أجد مشكلة في قصر العدل إلا سببها مخالفة الشرع، ودخلنا في متاهة الدعاوي والقضاة، وأنواع القضاة، وهؤلاء القضاة بعضهم نزيه، وبعضهم غير نزيه، وبعضهم يتهمه بعض بالنزاهة، وهو نزيه، والمحامون المؤمنون قلة، والكثر بعيدون عن إحقاق الحق، فحينما تضطر إلى أن تدخل إلى قصر العدل، وتوكل محامين، وتعلق مع القضاة، أين بقيت الصلاة ؟ تعكرت صلاتك، على قدر المستطاع وضح أمورك، اكتب سندًا للقرض، وعقداً للشراكة، وسجله في محكمة البداية، فمهما بذلت من جهد ومن وقت لو تكلفت عند المحامين مبالغ كبيرة أهون بكثير من إنكار الشركة.
شاهد اثنان بناء يصلح لمشروع، فدخلوا فيه شراكة، هذه القصة وقعت تحت سمعي وبصري، هذا المشروع كلف ثلاثين ألفًا، وهم اثنان، فقال أحدهما للآخر: هذه خمسة عشر ألفًا، هذا المشروع راج، ولكن باتفاق شفهي، كل سنة يعطيه خمسة آلاف، وما ظنها الأول أنها من الأرباح، بعد ثلاث سنوات قال له، المبلغ أخذته، والله يجزيك الخير، وقال له: المبلغ أخذته منك دَينًا، قال لي الطرف المظلوم: المشروع الآن قيمته حوالي عشرة ملايين، وأساسه ثلاثون ألفاً.
سؤال: إذا تساهل الإنسان في العقود، وسمح للشيطان أن يغويه، ويطمعه بالمال الحرام، ألا تعتقدون معي أن الطرف الأول المتساهل آثم، أنت إذا قيدت أخاك بعقد أصولي مسجل في محكمة البداية فقد منعته عن المال الحرام، وحصنته من المعصية، ولما تساهلت معه فقد أغويته بالمعصية، فأنت آثم مثله.
إذا ترك رجل مبلغًا من المال على طرف طاولة في محل تجاري، وهناك زبائن، ودخل شاب ضعيف الإيمان، ووجد خمسمئة، وشعر أن في المحل مشكلة، التفت صاحب المحل، فأخذها، وسار في طريقه، هذا يعد سارق طبعاً، هل تظن أن صاحب المحل الذي وضع المبلغ على الطاولة بلا مبالاة ليس آثمًا.
أنا مر معي بعض النصوص أن إثم صاحب المحل أشد، لو وضع المبلغ في الدرج لما أغرى الشيطان هذا الشباب بماله، فكل إنسان يسيّب أمواله، يهمل ضبط أموره، يهمل حساباته، يهمل مستودعاته أيضاً هو آثم، لأنه سمح للطرف الآخر أن يأكل مالاً حراماً.
فالزواج العرفي هو الزواج الذي يتم خارج المحكمة الشرعية، طبعاً هناك إيجاب وقبول، إلى آخره، وهو زواج شرعي، ولكن مشكلته أنه غير مسجل، فأول مشكلة بين الزوجين وأول شقاق ما عجبته، فغاب، يقول القاضي الشرعي في موضوع نشر في الجريدة: يوجد امرأة زوجت من شخص خارج القطر السوري، ودفع مبلغاً جيداً، وأقام معها أربعة أيام، ثم غاب، بعد أشهر هي حامل منه، والعقد عرفي، أين هو، وأمام الناس هي حامل، وأمام الناس هي زوجة، وبمصالح النفوس عزباء، هذا الابن لمن ؟ هذه المشكلة هل لها حل عندكم ؟ لا يوجد لها حل، الزواج عرفي، هذا الموضوع أنا طرحته اليوم لأن مئات الحالات، وأنا أعجب أشد العجب، لا يوجد زواج إلا ويقولون: إنهم يريدون كتاب شيخ حتى يدخل عليها، والكتاب الرسمي كله في يومين وينتهي، لا داعي أن تعقد عقدًا خارج المحكمة، عقد محكمة فلان زوج فلانة، وانتهى الأمر، ولا يستطيع أن يفكر بشيء آخر، هذا يظهر أنه قضى وطره منها، وغاب، ووجد أجمل منها، والمهر سمح فيه، لكن بقي الولد.
آداب عقد النكاح:
عندنا موضوع آخر ملحق بهذا الموضوع، وهو آداب عقد النكاح.
الادب الأول: الخطبة قبل العقد:
من آداب عقد النكاح أن يخطب الزوج قبل العقد، ينبغي أن يقول: الحمد لله نحمده، ونستيعنه، ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويقرأ قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
هكذا السنة، أن تخطب أيها الزوج، فإذا خطب أحدكم فليتعلم هذه الخطبة، وهي شيء جميل جداً، الزوج يخطب، ويقول بعدها: فإن الله أمر بالنكاح، ونهى عن السفاح، كلما كان أولياء الأمور عقلاء، وسهلوا الأمور على الشباب، وزوجوا بناتهم من أزواج طيبين مؤمنين، وما فتشوا كثيراً عن المادة افلحوا، قال تعالى:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة القصص )
تساهلوا ببيت فيه غرفة واحدة، أجرة، دخله محدود، وإلا يحل السفاح مكان النكاح.
أحد إخوانا الأطباء الكرام ممن هو مختص بالأمراض الجنسية دعا بعض الإخوة الكرام إلى مولد، وصرح وقال: أنا منذ عشر سنوات وإلى الآن الأمراض الجنسية التي تعرض علي تضاعفت عشرة أضعاف، لأن باب الزواج صار صعباً ضيقاً، وباب السفاح صار واسعاً، فكلما ارتفع ثمن البيوت، وتشبث أولياء الفتيات، ووضعوا شروطًا تعجيزية تكثر بيوت الدعارة.
بالمناسبة نحن عندنا بيت نكاح، وبيت سفاح، إذا نقصت بيوت النكاح تكثر بيوت السفاح، هذه الآن قضية مصيرية، قضية الأولياء جميعاً، الآن نريد أن نلغي الشروط التعجيزية، نريد أن نتساهل، وإلا كما ترون تصبح البلدة من أفسد بلاد العالم، وإذا فسدت البلاد فالبلاء على الأبواب، وإذا عمَّ السفاح وانتشر وقلَّ النكاح حلَّت الكارثة، ترى في أيّ مجتمع كل شهرين أو ثلاثة حتى يتزوج فرد واحد، وكله واقف، وكله يصفّ على الدور، فإذا ما تساهل أولياء الأمور فما هو المانع إذا كنت تستطيع أن تساعد زوج ابنتك ؟ ما هو المانع أن تقدم له بيتًا ؟ لا تقُل: أخي أنا عصامي، هذه قديماً، الآن لا يوجد عصامي، العصامي الآن يعني أن الطريق مسدود، الآن لابد من مساعدة الأزواج، وهذا موضوع الساعة، الآن لا يوجد بيت ما فيه فتيات، ولا يوجد بيت ما فيه شباب في سن الزواج، والزواج أغض للبصر، كما قال النبي، وأحصن للفرج، ومن تزوج ملك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر.
فإن الله أمر بالنكاح ونهى عن السفاح، فقال مخبراً وآمراً:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هذه خطبة النكاح.

الأدب الثاني: الدعاء للزوجين:
الأدب الثاني الدعاء للزوجين، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا للزوجين فقال:

(( بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير ))
[أبو داود عن أبي هريرة]
فكل إنسان حضر حفل نكاح، ودعي لإلقاء كلمة يجب أن يدعو للزوجين.

الأدب الثالث: استحباب العقد مساء الجمعة:
مستحب أن يكون عقد النكاح يوم الجمعة ومساءً من السنة، وهناك حديث مرفوع عن أبي هريرة:
(( أمسوا بالملاك، فإنه أعظم للبركة ))
من سنن النكاح:
1 – إعلان الزواج:
شيء آخر، من السنة إعلان الزواج، أعلنوا النكاح، طبع الكروت مثلاً الحفلة التي تقام إعلان هذا، رجل دعا ثلاثمئة شخص، وطبع بطاقات، وقال: دعوتكم لحضور حفل قراءة عيد المولد النبوي الشريف بمناسبة عقد قران ولديهما فلان على كريمة فلان، هذا شيء جميل، وهذا إعلام، والإعلام من السنة.

2 – الوليمة:
الوليمة، وحلّ محلها الآن كأس من البوظة، وهي كانت وليمة، ودعوة رسمية، عَن أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:


(( سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ: كَمْ أَصْدَقْتَهَا ؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ))
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: (( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الأنْصَارِ، فَنَزَلَ عَبْد ُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ: أُقَاسِمُكَ مَالِي، وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ، فَبَاعَ، وَاشْتَرَى، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَتَزَوَّجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[ متفق عليه ]
فالوليمة من آداب النكاح، أن تجمع إخوانك على نية الزواج، فإذا تزوج أخ، ودعا إخوانه بالتتابع على سهرة وحفل، هذا إضافة إلى العقد الرسمي، هذا من السنة.

من شروط عقد النكاح:
1 – الصداق:
من شروط النكاح أيضاً الصداق، وتسميته عند العقد، أما عقد من دون صداق فهذا عقد فاسد، لابد من أن يصحح.
الآن لو فرضنا إنسانًا دعي إلى عقد نكاح، قال: من دعي إلى عقد نكاح فلم يجب فقد عصى أبا القاسم، يوجد حديث خاص في عقود النكاح:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ ))
[ أبو داود]
وإن كان صائماً يحضر الحفل:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ ))
[ مسلم، أبو داود]
هي مناسبة في العمر مرة واحدة، فإذا دعا أخ إخوانه لعقد زواجه فالمفروض أن يلبي جميعاً هذه الدعوة.

الأعذار الموجبة لعدم تلبية الدعوة:
أمّا الأعذار الموجبة لعدم تلبية الدعوة:
إذا دعي الشخص إلى موضع فيه منكر، من زمرٍ أو طبلٍ، أو خمرٍ، أو عرس في فندق مختلط، فاعتذر، ولا ترد عليهم، ولا تلبِّ هذه الدعوة، لأنك إذا لبيتها فقد عصيت أبا القاسم، الأعراس في الفنادق التي فيها اختلاط يجب أن تعتذر عنها.
وإذا قدرت على إزالة هذا المنكر فيجب أن تحضر، لو فرضنا أنه عرس أحد أقربائك، وأنت كبير العائلة، وأنت مهاب، وكلمتك مسموعة، فاحضر هذا العرس، وأزل هذا المنكر، فإن لم تقدر على إزالة هذا المنكر فلا تحضر.
بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يجلس على مائدة تدار فيها الخمر، ولا تقل: أخي أنا ما شربت، خير إنشاء الله.
تكره إجابة من في ماله حرام، فإذا كان للإنسان تجارة مشبوهة بمواد محرمة، ودعاك إلى عرس فلا تلبِّ، فإذا لبيت فقد عصيت أبا القاسم، وتكره إجابة من في ماله حرام، وكلما كثر ماله الحرام تصبح الكراهة أشد.
بالمناسبة إذا كان للإنسان دخل مشروع، ودخل غير مشروع، فيه حلال وحرام، فإذا لبى الإنسان لم يكن آثمًا، وكلما كبر الحرام في دخله أصبح مكروهاً أكثر، وإذا أصبح حرامًا خالصًا كانت التلبية حرامًا.
لو فرضنا إنسانًا إذا دعوته إلى العرس له صفات ذميمة، ينهش في أعرض الناس، يغتاب الناس، عقيدته فاسدة، يشكك الناس بدينهم، فمثل هؤلاء الأشخاص لا يدعون، أنت لك إخوانك، مجتمعك المؤمن، لو دعوت إنساناً منكراً على أهل الدين، أو إنسانًا بذيء اللسان، مزحه فاحش، لو دعوت إنساناً كثير الغيبة والنميمة، لو دعوت إنساناً يغلب على ظنك أنه سوف يفعل المعاصي في حضور هؤلاء فينبغي أن لا تدعوه، وهذا توجيه من السادة المالكية.
إذا كان في المجلس أواني الذهب والفضة، أو غناء أو آلات رقص، أو ما شاكل ذلك، هذا كله مما يستوجب عدم تلبية الدعوة.
نحن موضوعنا كما قلت قبل قليل موضوع أساسي، يجب على الإنسان أن يمرّ في أطوار، أول طور تعريفه بالله عز وجل، عرفته بالله، الآن نحن بحاجة إلى دقائق الشرع، إلى دقائق الأحكام الفقهية، لأن الإنسان يتحرك، فموضوع الزواج موضوع أساسي في حياة الإنسان.
مرة ثانية وثالثة سبب طرح هذا الموضوع أنني ما رأيت أخاً أجمع على الزواج إلا طلب عقد عن طريق شيخ، هناك اتجاه آخر الآن، يخاف أن يطلقها حتى لا تسمّى عليها زوجة، فعقدنا بكتاب شيخ، فإذا طلقها تبقى صحيفتها نظيفة في النفوس ليست متزوجة، وصار الأهل يفكرون بالطلاق قبل الزواج، الزواج أمر مصيري يحتاج إلى تؤدة، إلى دراسة، إلى معلومات، فكلما تسرع الإنسان في تزويج ابنته من شاب يكون ندمه أشد، وأحيانا يأتي الزوج على حين غرة، ويضعك في موقف حرج، أن معي يومين أو ثلاثة وسأسافر، وأنت تخجل، وتسأل سؤالاً شكلياً، فيقولون لك: إنه آدمي، يعني من بني آدم، هذا معنى آدمي، يكون شارب خمر، حتى إن ثمة الآن شيئًا خطيرًا جداً، يأتي إنسان من الخليج يطلب الزواج، لا يعرف ماذا يفعل هناك، يأخذ زوجته إلى هناك، ويحترفها في الزنا، هذه حوادث كثيرة جداً تقع، نحن لا نعرف أصل الرجل، فرحنا به، لأنه من الخليج، ومعه معه مال.
بالمناسبة، ما رأيت مشكلة في الزواج كبيرة جداً إلا أسبابها التسرع، فعدّ إلى المليون قبل أن تقول: موافق على هذا الزواج، هذه ابنتك، الزواج رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، جاء من الخليج ليس عندنا أيّ معلومات، اسأل عنه، قد يكون الزواج غير بريء، قد يكون خطة مرسومة لابنتك، وموضوع الزواج يحتاج إلى صبر، وبحث ودرس، اسأل قضاة الشرع، اذهب إلى المحكمة الشرعية، وانظر كم دعوى الطلاق ؟ بالألوف، دعوة تفريق لعلل كثيرةٍ جداً.
ورد في بعض الأحاديث: تزوجوا ولا تطلقوا، فالنبي نهى عن الطلاق، كيف نهى عن الطلاق ؟ أي تزوجوا امرأة لا تحتاجون معها إلى الطلاق، معنى هذا ادرس الموضوع دراسة جيدة، ودراسة مديدة ومتأنية، وعميقة.
دائماً هناك كلمة أقولها لكم أيها الشباب: إذا عف الإنسان قبل الزواج يهيئ الله له زواجاً ناجحاً، لأن الله عادل، وقال:
﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
فإذا جهد الإنسان أن يعف قبل الزواج أول مكافأة له في الدنيا على عفته قبل الزواج زوجة صالحة، إن نظرت إليها سرتك الإنسان وإن غبت عنها حفظتك، وإن أمرتها أطاعتك الإنسان هذه الزوجة المؤمنة الستيرة، العفيفة التي إن نظرت إليها سرتك الإنسان وإن غبت عنها حفظتك الإنسان وإن أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرّتك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ:

(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الأنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ أبو داود]
في الزواج ليس هناك حل وسط، إما أنه جنة، وإما أنه نار جحيم، وهناك زوجة بلاء من الله، وهو من أشد أنواع البلاء، لعن الله الذواقين والذواقات.
الشباب الآن يشاهدون امرأة تخرج في الطريق بأبهى زينة، فإذا غضضت الطرف عنها أورثك الله حلاوة تجدها إلى يوم تلقاه، وكلما غضضت بصرك عن محارم الله كأنك تقول: يا رب، لي عندك حق أن تزوجني امرأةً صالحة أرتاح معها، أستقر معها، تكون لي سكناً.
إخواننا المتزوجين، كلما أقمتم شرع الله في بيوتكم سعدتم في زواجكم، والذين لم يتزوجوا بعد كلما تعففتم في قبل الزواج الله سبحانه وتعالى يكافئكم بزواج ناجح.
هناك زواج له مظهر فخم جداً، وهناك زواج ليس فيه مظاهر فخمة، ولكن فيه سعادة حقيقية، فترى بيتًا ثمنه ثلاثون مليونًا، ولكنه جحيم، وقد ترى بيتًا بمئة متر أو خمسين مترًا، ولكن هذا العش جنة، فلما يتجلى ربنا على هذا البيت الإسلامي بالسكينة صار هذا البيت جنة.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-10-2011, 11:09 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 06 - 17 ) : الزواج سنة كونية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-06-13
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة:
أيها الإخوة المؤمنون، في دروس سابقة تحدثنا عن موضوع الربا، وعن الكسب الحرام، وعن بديل الربا، وهو القرض الحسن، وعن شركة المضاربة، وبيّنا أن تسعة أعشار المعاصي تكون من كسب الرزق، وكان في نيتي أن أنتقل إلى موضوع كبير لا يقلّ أهمية عن الموضوع الأول، وهو موضوع علاقة الإنسان بالمرأة، فالحديث عن الزواج حديث ضروري جداً، لأنه سنة من سنن الله الكونية، هذا الحديث يحتاجه المتزوج وغير المتزوج.
قبل أن نتحدث عن الأمراض والعلل والانحرافات سوف نتحدث عن المنهج الذي رسمه القرآن الكريم في موضوع الزواج.
الزواج سنة كونية عامة في المخلوقات:
بادئ ذي بدء، قد تستغربون أن الزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، وهي سنة عامة ومطردة، لا يشذ عنها لا عالَم الإنسان، ولا عالَم الحيوان، ولا عالم النبات، الزوجية في النبات، والزوجية في الحيوان، والزوجية في الإنسان، إذاً: هي سنة كونية مطرَدةٌ أو مطَرِدةٌ، بمعنى واحد في الخلق والتكوين، لقول الله عز وجل:
﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة الذاريات )
النبات كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، الحيوان كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، والإنسان كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، فالزوجية سنة مطردةٌ في عالَم الإنسان، والحيوان، والنبات، وهي أصل في الخلق والتكوين، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس )
حتى إن المادة، حتى إن الجماد لو حللناه لوجدناه مؤلفًا من ذرات، وكل ذرة فيها نواة وكهارب، وهذه الكهارب بعض شحناتها إيجابي، وبعضها سلبي، إذاً هناك تكامل، وربنا سبحانه وتعالى اختص الإنسان بنظام رفيع في الزوجية، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
(سورة الحجرات )
انظر إلى الطفلة الصغيرة التي لا يزيد عمرها على عام واحد، إذا أرادت أن تلهو تأخذ الوسادة، وتجعلها بنتًا صغيرةً، تربط على ظهرها، وكأنها تبكي من علمها ذلك ؟ ابنة عمرها سنة واحدة أو سنة وزيادة تأخذ دور الأم، والطفل الصغير أيضاً له ألعاب تشبه ألعاب الرجال، يأخذ قضيباً ويركبه، وكأنه حصان، معنى ذلك أن ربنا عز وجل حينما خلق الذكر والأنثى جعل فيهما صفات نفسية، واجتماعية، وعقلية، وجسمية أودعها الله في الذكر والأنثى، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
هذه الآية من أدق الآيات، لأن المرأة والرجل خلقا من نفس واحدة، من طبيعة واحدة، من جبلة واحدة، من خصائص واحدة، وكل إنسان يرى أن المرأة أقلّ من الرجل هو إنسان لا يفهم هذه الآية الكريمة، المرأة كالرجل مشرفةٌ، ومكلفةٌ، ومحاسبةٌ، ومكرمةٌ.

علاقة الذكر بالأنثى علاقة منظَّمة:
لكن من كرامة الإنسان على الله أن علاقة الذكر بالأنثى علاقة منظمة، كان من الممكن أن تكون علاقةً عشوائية، كلما الإنسان ارتقى طبق منهج الله عز وجل في علاقته بالمرأة، وكلما تخلف نشأت الإباحية والتفلت، وعدم الانضباط في علاقة الذكور بالإناث في عالم البشر، وهذه جاهلية، وتخلف شديد، قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
( سورة الأعراف )
فالتعري عودة إلى الهمجية، والتستر رقي وحضارة، فاللباس يواري سوءات الإنسان، وخلع الثياب دليل التوحش، ودليل البعد عن منهج الله عز وجل.
إذاً علاقة الذكر بالأنثى ليست علاقةً إباحية، ليست المرأة كلأً مشاعاً يأكل منه من يأكل، لكرامة الله على الله هناك نظام دقيق للتعامل معها، ولكرامة الرجل على الله هناك قيود دقيقة في تعامله مع المرأة، أنت أيها الإنسان مخلوق مكرم، أنت مخلوق مكلَّف، الحركة منظمة، هناك ممنوعات، ومباحات، وواجبات، وفرائض، ومحرمات، هناك شيء يجوز، وشيء لا يجوز، أما هذا الذي ينطلق وراء غرائزه كالحيوان تماماً، كالدابة المتفلتة من عقالها فلا إيمان له، أما المؤمن فهو منضبط.
ما الذي رفع سيدنا يوسف عليه السلام إلى هذه المكانة العلية ؟ انضباطه، وما الذي جعل الإنسان الزاني يسقط من عين الله ؟ تفلته، أنت بهذه الغريزة التي أودعها الله فيك إذا ضبطتَها وفق منهج الله تنقلب هذه الغريزة إلى درجات ترقى بها، أما إذا لم تضبطها وفق منهج الله تنقلب الغريزة إلى دركات تهوي بها، إذا صعدت درجة يقال لها: درجة، فإذا نزلت يقال لها: دركة، والآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾
( سورة النساء )
عقد الزواج ميثاق غليظ:
لذلك لا يتم اتصال بين الذكر والأنثى إلا وفق نظام، وفق عقدٍ فيه إيجاب، وفيه قبول، وفيه شهود، وفيه مهر، وهذا العقد له مقدمات، فلابد من خطوبة، لابد من البحث والتحري لابد من التدقيق، لابد من التأني، لابد من الكفاءة الزوجية، لابد من أن تختار امرأةً صالحة إذاً عقد الزواج أقدس على الإطلاق في عالم البشر سماه الله الميثاق الغليظ، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
( سورة النساء )
مخالفة نظام الزواج واتباع الهوى مآله الدمار الدنيوي:
وهو عقد الزواج، إذاً هذه الغريزة غريزة الجنس الذي وضعها الله في الإنسان ليرقى بها مرةً شاكراً، ومرةً صابراً نظمها أدق تنظيم، فالمؤمن يتبع هذا النظام، المؤمن ينضبط بهذا التشريع، المؤمن يقف عند حدود الله، غير المؤمن يطلق بصره بالحرام، كلما سمحت له فرصة يروي هذه الغريزة بطريق مشروع، أو غير مشروع، لكن الله بالمرصاد، هناك أمراض كثيرةٌ، وعضالة ومدمرة فتاكةٌ تنتظر الذي يشذ عن منهج الله، فإذا أردت السلامة، إذا أردت لهذه الغريزة، أن تنتفع بها، وأن يبارك الله لك بها، وأن تسعد بها فاتبع فيها منهج الله عز وجل.
أنواع الأنكحة في الجاهلية:
1 – نكاح الخدن:
نحن نشأنا في ديار الإسلام ـ والحمد لله ـ ونشأنا من أم وأب، ولكن لو تعلمون كيف كان الجاهليون قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يتعاملون مع المرأة لرأيتم الشيء الذي لا يصدق.
فأول أنواع الأنكحة التي كانت للجاهلية نكاح الخدن، أي نكاحٌ سري، العرب كانت تقول: ما استتر فلا باس به، وما ظهر فهو لؤم، يعني افعل في السر كل شيء، أما في الظاهر فإياك أن تفتضح، أما إذا استطعت أن تصل إلى أية امرأة سراً فهي مباحةٌ لك، هكذا انطلق الجاهليون في علاقتهم بالمرأة، هذا النكاح نكاح العشيقات، نكاح السر نكاح غير مشروع، لكن أخطر من هذا النكاح وربنا عز وجل أشار إلى هذا النكاح في القرآن الكريم فقال تعالى:

﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النساء )
الخدن العشيق، للمرأة صاحب، وللرجل صاحبة، هذه الآن موجودة في العالم الغربي، له زوجة، وله عدة عشيقات، لها زوج، ولها عدة أصدقاء، طبعاً هذه جاهلية، وربنا عز وجل أشار إلى هذا فقال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
وكأن في هذه الآية إشارةً إلى أن هناك جاهلية أخرى هي أشد وأنكى من الجاهلية الأولى.

2 – نكاح البدل:
وهو أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لي عن امرأتي وأزيدك، هي سلعة يتبادل بها، وهذا هو الفرق، هذا النكاح كان في الجاهلية، هذه الجاهلية جهل وانحراف، وفسق، وفجور.

3 – نكاح الاستبضاع:
وقد ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها أنواعًا كثيرة من أنكحة الجاهلية، من هذه الأنكحة أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من طمسها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، يعني: اذهبي إلى فلان لتحملي منه، هكذا كانت العرب في الجاهلية، هذا النكاح نكاح الاستبضاع، فلان على مستوى عالي من الذكاء نجيب، شجاع، فيه صفات جيدة لتحسين النسل.

3 – نكاح الرهط:
ونكاح آخر هو نكاح الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة جميعاً فيصيبون منها، فإذا حملت، ووضعت، ومرت عليها ليالٍ أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل أن يمتنع عن أن يأتيها حتى يجتمع عندها، فتقول: قد عرفتم ما كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، وتختار واحدًا لا على التعيين، هو حظه، هذا نكاح آخر كان سارياً في الجاهلية، انظروا كيف كنا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام.

4 – نكاح البغايا:
أما النكاح الرابع هو نكاح البغايا: يدخلون على المرأة فلا تمتنع ممن جاءها، هؤلاء البغايا ينصبن على أبوابهن راياتٍ تكون عَلَماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت جمعوا لها الرجال الذين دخلوا عليها، ونظروا أقرب الوجوه شبهاً لهذا الرجل، فينسب إلى هذا الرجل.
نكاح البغايا، نكاح الرهط، نكاح الاستبضاع، نكاح البدل، نكاح الخدن، هكذا كانت أنكحة الجاهلية، وقد أكرمنا الله بالإسلام فنظم هذه العلاقة.

حضُّ الإسلام على الزواج وأدلة ذلك:
أولاً: موضوع الزواج يجب أن يكون هدف كل شاب، وفي أقرب وقت، وعلى الآباء والأولياء تقديم كل تسهيل، وكل معونة، وكل تبسيط، وعليهم إن لم يفعلوا ما أمرهم به الشرع أن يتحملوا تبعة امتناعهم فسقاً وفجوراً وفضائح ومآسي لا حصر لها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ الترمذي]
الآن أضع بين أيديكم نماذج كثيرة جداً من نصوص الكتاب والسنة كي تعرفوا كيف حض الشرع على الزواج، لأن الحقيقة أن نظام المجتمع البشري أساسه الزواج، هذا المجتمع الكبير بناء ضخم، اللبنة الأولى فيه هي الأسرة، وأي نظام اجتماعي يكرم الأسرة، ويشجع على بنائها، ويسهل لها إنشائها، هذا نظام جيد، وأي نظام يحل السفاح مكان النكاح، ويمتنع عن إنجاب الأولاد.
لي قريب ذهب إلى أمريكا ليزور أخاه هناك، البيت الملاصق رأى بأم عينه على الشرفة ألبسة أطفال صغار قد نشرت بعد أن غسلت، فتيقن أن في هذا البيت أطفالاً، بعد حين سكن هذا البيت صديق أخيه، فتمت زيارة بينهما، فلما سأله: كم ولدًا عندك ؟ لأنه رأى ألبسة في الشرفة، فقال: ليس عندي أولاد، فقال له: كيف ذلك ؟ قال له: عندي كلاب، وهذه ألبسة الكلاب، إذاً: رغب القرآن الكريم في الزواج به.
مثلاً: قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
( سورة الرعد )
هل يوجد أعلى من الأنبياء والمرسلين ؟ أعلى طبقة في المجتمع، نخبة البشر، صفوة البشر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
الأنبياء والمرسلون وهم قمم البشر، ربنا جل جلاله قال:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
( سورة الرعد )
الزواج إذاً شيء مشرف.
وفي حديث الترمذي عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ ))
هذا الكلام ينبغي أن يترجمه الآباء، أولياء الفتيات، إذا كنت ميسور الحال، وأمّنت بيتًا لصهرك فهذا عمل عظيم، هذا عمل ضروري.
يا أولياء الشباب، إذا أعنت ابنك على الزواج، أوجدت له بيتًا، أمّنت له حاجاته، فهذا عمل عظيم.
يا معشر الشباب، إذا وفّرت، واشتغلت بنية الزواج فهذا عمل عظيم.
إن الفتاة إذا أعدت نفسها لتكون زوجة فاستقامت على أمر الله، وحفظت كتاب الله، وتفقهت في دين الله، وهيئت نفسها لكي تكون أماً فإنّ الله سبحانه وتعالى لابد من أن يكرمها بمؤمن يجعل منها ومنه بيتاً إسلامياً.
الآن حض آخر على الزواج، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾
( سورة النحل )
من فضل الله عليكم أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، تارةً وصف الأنبياء والمرسلين، وهم قمم البشر، وصفوة البشر بأن لهم أزواجًا وذرية، وتارة منّ الله على بني الإنسان بأن خلق له بنين وحفدة، وكيف لا نصدق ذلك، وقد جعل الله نظام الزوجية آية من آيات الله الدالة على عظمته ؟ قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم )
من آياته الليل والنهار، من آياته الشمس والقمر، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها.
أنا أذكر قصة، هي توضح هذه الآية، أعرف رجلاً كان مقيمًا في بلد نفطي، يعمل هناك، يأتي كل عام كإجازة شهر يبحث عن زوجة فلا يهتدي، ويعود إلى عمله في البلد النفطي، العام الأول لم يتمكن من أن يتزوج، والعام الثاني لم يتمكن، والثالث لم يتمكن، والرابع بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، كما يقال في المثل العربي، وبلغ السكين العظم، إلى متى ؟ فأول يوم وصل، ثاني يوم أرسل والدته للخطبة، ثالث يوم لا يوجد شيء مناسب، مضى أول أسبوع، والثاني، ومضى الثالث، ومضى الرابع، وسفره الخميس، ويوم الأربعاء والدته عثرت له على فتاة مناسبة، شيء جميل، أجرى عقدًا الخميس بالمحكمة، وسفره الساعة الرابعة، فذهب إلى المطار، وخرجت زوجته التي عقد عقدها في اليوم نفسه إلى المطار لتودعه، فلما خرج من قاعة المسافرين إلى بهو المطار الداخلي بكت بكاءً مُرًّا، فقلت: سبحان الله ! البارحة لا تعرفه، ولا يعرفها، ما الذي حصل ؟ هذه من آيات الله، الذي عنده بنات لما تتزوج البنت صار زوجها أغلى عليها من أي إنسان، تريد أن تأخذ أغراض البيت كلها إلى بيت زوجها، ومن آياته الدالة على عظمته، والأب يسّر، والأب عندما يرى زوج ابنته في تفاهم مع ابنته فهذه سعادة كبرى له، ينام قرير العين، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
إذا قال الإنسان: أنا لا أملك من أين أحضر المال ؟ البيت ثمنه كبير، ولا إمكانية للإيجار، الزوجة تريد مصروفًا، والذهب ثمنه باهظ، وغرفة النوم أيضًا، وكذا غرفة الضيوف، من أين أحضر الأموال ؟ أنأ إنسان دخلي وسط، هكذا يقول، ثم يقرأ قوله تعالى:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هذه الآية يجب أن نتمسك بها، وهي كلام ربنا، وعندما تتزوج يرزقك الله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ))
[ ورد في الأثر ]
إذا أحجم الرجل عن الزواج أو عن التزويج، وقال: ماذا يملك هذا الذي خطبك بنتي ؟ لا نقبل، تقول لي: ماذا يملك ؟ هذا كلام ليس له معنى، يجب أن تعينه، وتقبل معه باليسير، وإلا يحل السفاح مكان النكاح، وإلا ترى نصف بيوت الشام أصبحت بيوت دعارة، لا خيار غلا في الزواج، فالمسلمون إما أن يستيقظوا، ويحلوا هذه المشكلة، وإما ـ والله ـ هناك أيام سوداء لا يأمن الرجل على ابنته أن تخرج من البيت،
((... إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
إذا قال لك ابنك: يا أبي، تعطيني غرفة مِن عندك فقل له: أعطيك، تقسم لي البيت، نعم، أقسم لك البيت، والله هناك آباء الآن ـ أقسم بالله ـ إني أكبرهم أشد الإكبار، يبيع بيته في الشام بعشرة ملاين، ويأخذ لأول ابن بيتًا، وللثاني بيتًا، ويسكن هو خارج دمشق، أو بحي من أحد أحياء دمشق القديمة البعيدة، وهذه بطولة.
هناك آباء يقول أحدهم: لا أخرج من البيت إلا وقت الموت، وهو في بيت مساحته أربعمئة متر، ثمنه ثلاثون مليونًا، وأنت وزوجتك، وعندك شباب يتحرقون على زواج، بع هذا البيت، وصغّره، ماذا يحدث ؟ هذه بطولة الآن.
أنا أقول كلامًا واقعيًا: الأب البطل الذي يهيئ تزويج أولاده بأي شكل، يصغّر بيته، يقطع عن فمه بالتعبير العامي حتى يؤمّن أولاده، لأن الابن إذا انحرف فهو في رقبة الأب، إذا لم يكن ابنك في الإيمان الكافي زلّت قدمه، آية كريمة أنا كنت في حيرة شديدة معها، قال تعالى:

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هل يمكن لإنسان على وجه الأرض ـ واللهُ يخاطب المؤمنين ـ أن يجبر ابنته على البغاء ؟ ما أدري لهذه الآية من معنى ؟ لكن معنى هذه الآية: أنّ الأب الذي يضع العراقيل أمام تزويج ابنته، فتارةً لا يوجد بيت، وتارةً لا يوجد له دخل ثابت، وثالثاً مدخل بيتهم مُزرٍ، هذه أصبحت علة، كل إنسان يضع عراقيل أمام تزويج ابنته كأنه يدفعها إلى البغاء من حيث لا يدري، فلذلك قال تعالى، وهذا الأمر إلهي:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
الأيامى مفردها أيّم، والأيّم هو الرجل أو المرأة الشاب، أو الشابة الذي لا زوجة له، أو لا زوج لها، اسمها أيّم، قال تعالى: (

أَنْكِحُوا )، افتحوا الجامع الصغير على حرف الحاء، حق المسلم على المسلم، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره، حوالي ثلاثة عشر حديثًا، هناك حديث واحد إن قرأته اقشعر جلدك، ولا يوجد غيره:
(( ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتِب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف ))
[ الترمذي، والنسائي ‘ن أبي هريرة ]
أيها الشباب لكم عند الله حق، إذا أردت الزواج أن يعنيك الله، كيف لا أعلم ولكن يوجد معونة ادخرها لك، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
( سورة الطلاق )
أنا سمعت قصة تركت في نفسي أثراً بليغاً لشاب ناشئ عنده مكتبة صغيرة، وأمام المكتبة سبعة أبنية، وكل بناء فيه اثنا عشر طابقًا، وكل طابق ثمنه ثلاثون مليونًا، وفي هذه المنطقة تسكن طبقة غنية، السيارات والفتيات، فقال لوالدته: اخطبي لي من هذه الأبنية، أنا إنسان آدمي، فأمه تعرف ما ابنها، وما يملك، فقالت له: أنت ماذا تملك ؟ من يعطيك من هذه الجماعة ؟ فقال لها: والله أنا إنسان آدمي، ومستقيم، ولا أعرف الحرام، وهذا الكلام غير مقبول، فألحّ عليها مرة ثانية، ومرة ثالثة، وبعد ذلك كذبت عليه، وقالت: ذهبت، ولم يقبلوا بك إطلاقاً، وقالوا: هل يوجد لديك بيت ؟ فتألم ألمًا شديدًا، ويبدو أنه صادق مع ربه، يقف على مكتبته رجل من أصحاب هذه البيوت، فقال له: يا بني ما اسمك ؟ هل أنت متزوج، فقال له: لا والله يا سيدي، فقال له: أنا عندي ابنة للزواج، فألهم الله أحد الآباء، وهذه القصة واقعية، وهناك قرابة، وأنا أعرفها جيداً، هذا الشاب المستقيم الذي أراد العفاف، ألقى الله في قلب أحد الآباء محبته، شاهده مستقيمًا، يغض بصره، صادق في بيته، ونظيف ومرتب، فقال له: أرسل والدتك، والبنت مناسبة جداً، وفي هذه الأبنية نفسها، فأرسل والدته، وصار الاتفاق والعقد، والله وفقه.
هناك كلمة يقولها العوام أنا تهز مشاعري ـ هل أنت أكرم من الله عز وجل ؟ ضع ثقتك بالله عز وجل، من تزوج ملَك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر، يجب أن نسهّل، بيت خارج الشام، هل من المعقول أن أسكن خارج الشام ؟ نعم معقول، وأنت أنتَ، ومكانتك كما هي، يجب أن تتساهل أيها الأب، البيت ثمنه ثمانية ملايين، وخارج الشام ثمنه مليون، والمواصلات جيدة جداً الآن، يجب أن تتساهل بمكان البيت، وبحجم البيت، يجب أن تحقق شرع الله عز وجل، شرع الله بتيسير الزواج.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
أيها الشاب لك عند الله حق أن يعينك إذا طلبت العفاف، أنا أنصح كل شاب، كلما بالغ في غض بصره، وحفظ فرجه، والبعد عن المزالق كلما قرب الفرَج عليه، الله عز وجل ناظر إليه، إن الله ليباهي الملائكة في الشاب المؤمن، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، لأن الطرقات فيها نساء كاسيات عاريات.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:

(( لَمَّا نَزَلَتْ: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ... ))
الذهب والفضة كنزه مشكلة، هل يوجد مال آخر إذا جمعناه لنا فيه الخير ؟ فقال، ودققوا:

((... فَقَالَ: أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ ))
كيفما تحرك يثني على الله، يا رب، لك الحمد، والزوجة كنز من كنوز الدنيا، وقد روى الطبري بسند جيد عن ابن عباس رضي اله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( أربع من أصابهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة، قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدنًا على البلاء صابراً، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها ولا ماله ))
لسان شاكر، وقلب ذاكر، وبدن على البلاء صابر، وزوجة مؤمنة لا تظلمه لا في نفسها ولا في ماله، لا تتلف ماله، ولا تتساهل مع غيره، عفيفة، أحيانا الإنسان في ساعات إشراقه الروحية يقول: لا أريد أن أتزوج، وإذا فكر الإنسان هذا التفكير يكون قد خالف السنة، لأن هناك حديثًا صحيحًا رواه البخاري ومسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

(( جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَال:َ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[ البخاري ومسلم]
هذه سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يسعنا إلا اتباع سنة النبي.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:

(( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))
[ سنن ابن ماجه]
أعظم شيء تناله بعد تقوى الله عز وجل زوجة صالحة، بعد طاعة الله عز وجل وبعد التقوى الزوجة المؤمنة.
عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ))
[ رواه أحمد بإسناد صحيح ]
تزوج رجل صالح امرأة سيئة جداً، فلما قيل له: طلقها قال: والله لا أطلقها فأغشّ بها المسلمين.
وروى الطبراني والبزار و الحاكم وصححه، وقد جاء تفسير هذا الحديث في حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( ثلاثة من السعادة المرأة الصالحة، تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك ))
أنتم تعيشون في نعمة لا تعرفونها أبداً، والمفروض أن الإنسان يعرفها وهي في حوزته، إذا كان لرجل منكم بيت وزوجة، وذهب إلى عمله مطمئنًّا أشد الطمأنينة، وهذه نعمة لا تقدّر بثمن، ولا يعرفها إلا من فقدها، إلا من شك في زوجته، إلا من خشي أن يدخل عليها أحد في غيبته، أما الذي يطمئن لها ولعفتها، ولإخلاصها، ولحرصها على نفسها، ولتسترها وتحجبها فهذه نعمة لا تقدر بثمن.

((... وثلاث من الشقاوة، المرأة تراها فتسوءك، وتحمل لسانها، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك ))
دائماً هي مهملة لنفسها، كل زينتها وأناقتها لغير زوجها، هذه حال نساء اليوم، كل نعومتها ولطافتها لغير زوجها، أما لزوجها فالكلام القاسي، والهيئة المهملة، والنظرة القاسية.
هناك امرأة كثيرة الشر، فمن شدة قسوة لسانها على زوجها، من شدة تأنيبها له، من شدة انتقادها المستمر ضاق بها ذرعاً، فرجاها أن تسلك هذا السلوك يوماً، وتدعه يوماً، ففي اليوم الذي عاهدته أن لا تقول شيئاً تقول له: غداً.

الزواج عبادة:

آخر شيء في فضل الزواج، الزواج عبادة يستكمل بها الإنسان نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والنقاء، أحياناً تشاهد امرأة ورجلا في الطريق، فإذا كان معهما ولد ترتاح، معنى هذا أنها زوجته، دائماً الطفل يوثق العلاقة، الطفل يعطي البراءة، وحسن السلوك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من رزقه الله زوجةً صالحةً فقد أعانه على شطر دينه، وليتّقِ الله في بالشطر الباقي ))
[رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح إسناده ]
لما يتزوج الإنسان، وينظر يمنةً ويسرةً، وشرقاً وغرباً مشكلته كبيرة جداً، وهذا عقابه أليم، لأنه أصبح محصناً.
ذهب رجل إلى أوربا، ويظهر أنه أطلق لنفسه العنان، شاهد أشكالا وأنواعًا، فلما عاد ساءت علاقته مع زوجته جداً، فلما سئل قال: ما أحسنَّا اختيار زوجته، طبعاً كل إنسان متزوج، ويبحث عن متعة خارج بيت الزوجية معنى هذا أنه إنسان لا يعرف الله إطلاقاً، ولا يعرف أحكام الشرع أبداً، وهذا أكبر عقاب له، شقاء زوجي ما بعده شقاء.
عنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ ))
[ ابن ماجه]
أحيانا يموت الإنسان أعزب، هناك تساؤلات، ظنون، شكوك، يدع هناك سؤالا كبيرًا، أما الإنسان المتزوج فسمعته نقية، معه شهادة حسن سلوك.
قال ابن مسعود، وهذا ليس حديثاً شريفاً: << لو لم يبقَ من أَجَلِي إلا عشرة أيام، وأعلم أني سأموت في آخرها، ولي طول نكاح فيهن لتزوجت مخافة السنة >>.
يبقى الزواج شرعيًا، وأي سلوك خارج الزواج سلوك فيه معصية كبيرة جداً.

الحكمة من الزواج:
الحكمة الأولى: الزواج هو القناة النظيفة للغريزة الجنسية:
بقي علينا موضوع قصير في موضوع الزواج، وهو حكمة الزواج، الحقيقة أن أكبر غريزة في الإنسان، وأعنفها هي الغريزة الجنسية، هذه الغريزة حينما تفرغها في القناة النظيفة التي شرعها الله عز وجل فكأنها قنبلة نزعت عنها الفتيل، كان هناك شيء متفجر، فوضعت عليه صمام الأمان، يمكن أن يكون هناك تفجر، وانحراف، وزلة قدم، وزنا، فلما تزوج الإنسان فهذه الطاقة الكبيرة، وهذا الاندفاع الشديد، وهذه الغريزة المتأججة انتهت، وهذا المسلك الطبيعي لها، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم )
لتسكنوا، معنى هذا أن هناك اضطرابًا، وقلقًا، ورغبة، وشعورًا بالحرمان، كله انتهى، إنه أغض للبصر، وأحصن للفرج.
إذاً أول حكمة أن هذه الغريزة الطبيعية التي أودعها الله في الإنسان من خلال الزواج هذه الغريزة تسلك سلوكاً طبيعياً، وتغدو حياة الإنسان طبيعيةً، ويصبح له توازنًا، وطمأنينة، وسكونًا، كلمة سكن تشير إلى هذا المعنى، السكن معنى أنه يوجد اضطراب.
عَنْ جَابِرٍ

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ... ))
[ أبو داود والترمذي]
المرأة رمز الدنيا، فإذا نظر الإنسان إلى امرأة مقبلة فهي شيطان، طبعاً إذا كانت سافرة، فإذا نظرت إليها فكأنما شيطان يدعوك إلى معصية.

((... فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُ يُضْمِرُ مَا فِي نَفْسِهِ ))
[ مسلم، وأبو داود والترمذي]
المرأة الأجنبية الكافرة شيطانة تدعو إلى الفتنة، تدعو إلى الانحراف.
ثمة موضوع ذكرته سابقاً، حينما تسفر المرأة، وحينما تبرز مفاتنها فلسان حالها يدعو إلى التحرش بها، أما حينما تتحجب فلسان حالها يدعو إلى البعد عنها، واحترامها وتقديسها، وزيّ المرأة ينطق عنها، زيها المحتشم ينطق بعفتها وحشمتها، واستقامتها وطهارتها، وزيها غير المحتشم ينطق عنها برغبتها بالانحراف، ودعوتها للذئاب لينهشوا منها.
عندما ربنا قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
المرأة المؤمنة الحد الأدنى الذي يؤكد أنها مؤمنة حجابها، أما الأعلى فأن تعرف الله، أن تعرف منهج الله، أن تعرف حق الزوج، أن تعرف حق أولادها عليها، أن تكون محسنةً، أن تكون عفيفةً، لكن حدها الأدنى أن تكون محجبةً، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، معنى ذلك أن المرأة إذا لم تتحجب، وآذاها من آذاها فكأنما أعطتهم المبرر.
عندنا في اللغة لسان المقال، ولسان الحال، وقد يكون لسان الحال أبلغ من لسان المقال، فلباس المرأة لسان ينطق عنها، فإن كانت محتشمة كأنها تقول: أنا امرأة مسلمة، فابتعدوا عني، أنا لي زوج، أما إذا ارتدت لباساً فاضحةً فلسان حالها يدعو إلى التحرش بها، من زيها لا تؤذيها، ومن زيها تؤذيها.

الحكمة الثانية: الزواج أفضل وسيلة للإنجاب:
الحكمة الثانية أن الزواج أفضل وسيلة لإنجاب الأولاد، وتكثير النسل، واستمرار الحياة مع المحافظة على الأنساب.
إنّ رجلا خبيرًا من دولة أجنبية أقام حفلا كبيرًا جداً لأصدقائه بمناسبة أنه أنجب مولوداً، وهو له في هذه البلدة سنتين، لا يهمه هذا، وزوجته أرسلت له رسالة أنها أنجبت مولوداً فأقام احتفالاً كبيراً، لأنه أنجب مولوداً، لكن هذا الغلام من غيرك، هذا لا يهمّه.
هناك قصة مشهورة تُروى عن إنسان خطب فتاة، فلما استشار والده قال له: لا يا بني، هذه أختك، وأمك لا تدري، فلما اختار فتاة أخرى قال له: هذه أيضاً أختك، وأمك لا تدري، فلما أشار إلى فتاة ثالثة قال: يا بني، هذه أختك أيضاً، وأمك لا تدري، فلما ضاق ذرعاً بأبيه شكا إلى أمه، فقالت له: خذ أياً من هؤلاء، فأنت لست ابنه، وهو لا يدري.
هذا مجتمع الغرب، لكن مجتمع المسلمين مجتمع الطهر والعفاف، مجتمع النظافة مجتمع العفة، نحن نحمد الله على أننا في مجتمع نظيف، وما زال فينا بقية من طهر وعفاف، هذه بلدة مباركة، الشيء الذي يوصف به أهل الغرب شيء لا يوصف، انحلال خلقي، تبادل زوجات، زنا محارم، أمراض وبيلة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
هذا مقياس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يبدو أن أعظم ما في المرأة مودتها لزوجها، وإنها تنجب له أولاداً أطهاراً.
دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجاباً به، فقال: << يا أبا بحر، هذه كنية الأحنف بن قيس، ما تقول في الولد ؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، و ثمرة قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نطول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا، فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك >>.
الأب البخيل ـ والعياذ بالله ـ إذا مرض، وجيء له بالطبيب، وقال الطبيب: اطمئنوا، لا يوجد شيء، ينزعج الأولاد جداً، أما الأب الكريم فحياته أغلى عليهم من حياتهم أنفسهم.
أيها الآباء هذا الكلام لطيف، << فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك، فقال: لله درك يا أبا بحر >>.
هل تصدقون أن إنسانًا في غرفة العمليات، وعملية خطيرة جداً يأتي أشد الناس قرباً منه ليفاوض الطبيب على قتله في أثناء العملية على مبلغ كبير.
أنا معجب بكل أب أعطى أولاده وهو في حياته ما يريدون، حتى شعروا أن أباهم شديد العطف عليهم، طبعاً بالعدل فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فلا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[ متفق عليه ]
أن تعطيهم في حياتك، وأن تعدل بينهم في حياتك، هذه من واجبات الآباء.
الحقيقة أن في الإنسان غريزة الأبوة والأمومة، هذه الغريزة الراقية جداً لا تظهر إلا في الزواج، وإنجاب الأولاد، ترى الشاب طائشًا، فعندما يأتيه ولد يصبح إنسانًا آخر، نشأ في قلبه العطف والحب، فغريزة الأبوة، وغريزة الأمومة لا تظهر إلا من خلال الولد، هذه الغريزة فضيلة في الإنسان، الزواج يشعر الزوج بالتبعة، بالمسؤولية، عنده زوجة، وعنده أولاد يحتاجون إلى مصروف، تراه ينصرف إلى عمله دؤوباً، يبذل ويضحي، صار إنسانًا مقدسًا، أما الذي ليس له زوجة، ولا أولاد أكثر أيامه يقضيها في النوم، كسول، أما الذي له زوجة وأولاد، وعليه تبعات هذا ينطلق إلى عمله، والنبي صلى الله عليه وسلم أثنى على كل شاب فقال: إذا خرج هذا الشاب يرعى أهله فهو في سبيل الله.
خروج الشاب من بيته إلى عمله يرعى أبويه، أو أهله، أو أولاده فهو في سبيل الله.
كلكم يعلم أن المرأة التي شكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام زوجها، قالت:

(( يا رسول الله، إن فلان تزوجني وأنا شابة ذات جمال وأهل ومال، فلما كبرت سني، ونثرت له بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ))
[ ابن ماجه عن عائشة]
موطن الشاهد أن الأم مهمتها تربية الأولاد، وأن الأب مهمته كسب الرزق، وهذا اختصاص، هناك تكامل بين الزوجين، المرأة في الداخل، ولها كل الخصائص والمشاعر، وهو في الخارج، وله كل الخصائص والمشاعر المتعلقة بعمله خارج المنزل.

حقيقة علمية: الأزواج أطول عمرا من غير المتزوجين:
آخر شيء في الدرس أن تقريرًا لهيئة الأمم المتحدة نشر في الشهر السادس من عام تسعة وخمسين وتسعمئة وألف، هذا التقرير مبني على دراسة إحصائية مطولة جداً، يثبت أن المتزوجين أطول أعماراً من غير المتزوجين، لأن طبيعة الإنسان تتوافق مع الزواج، التقرير طويل، ومعه أدلة كثيرة، وإحصاءات، ولكن ملخصه أن المتزوجين أطول أعماراً من غير المتزوجين، لأن الزواج عمل وفق عضوية الإنسان.
والحمد لله رب العالمين