المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موضوعات متفرقة


سوسن
05-11-2011, 12:37 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس01 : حقوق الزوجة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-05-06
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون:
وصلنا في موضوع الزواج إلى حقوق الزوجة، وحقوق الزوجة كما بينا من قبل حقوق مادية، كالمهر، والجهاز، والنفقة، وحقوق معنوية. أولى هذه الحقوق المعنوية حسن المعاشرة.
والحق الثاني غير حسن المعاشرة صيانة الزوجة، فماذا تعني صيانة الزوجة .. يجب على الزوج أن يصون الزوجة ويحفظها من كل ما يخدش شرفها.
يعني هناك أزواج يأخذون من زوجاتهم حظوظهم، ولكن لا يعنون بشرف زوجتهم، وسمعتها، وصيانتها، فهم يستهترون بالقواعد الشرعية التي شرعها الله عز وجل فكلما يثلم عرضها، ويمتهن كرامتها، ويعرض سمعتها لمقالة السوء، هذا مما يتحمله الزوج أمام الله عز وجل.
وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إن الله يغار.الغيرة على الزوجة خلق عظيم. وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه))
ما الفرق بين غيرة الله عز وجل وبين غيرة المؤمن، الله سبحانه وتعالى يغار على عبده أن يعصيه، لذلك مما يدل على غيرة الله عز وجل أن العبد إذا عصاه ساق له من الشدائد ما يجعله يعود إليه راشداً غانماً.
الله سبحانه وتعالى يغار أيضاً أن يرى عبده يعتمد على مخلوق مثله من علامة غيرة الله عز وجل أن هذا المخلوق الذي اعتمد العبد عليه يخذله، هذه علامة ثانية. إذا اعتمدت على عبد من عباد الله وعلقت عليه الآمال يغار الله عز وجل، إذا تذللت أمام فلان وفلان عبد مثلك لا يملك شيئاً لا يقدم ولا يؤخر، يغار الله عز وجل، فيجعل الإساءة عن طريق هذا الذي اعتمدت عليه، إذا التفت إلى ما سواه يغار الله عز وجل، حتى أن بعضهم يفسر أن سيدنا إبراهيم عليه أتم الصلاة والتسليم، حينما التفت إلى ابنه إسماعيل وهو نبي كريم غار الله عز وجل، فأمره أن يذبح ابنه. لما يركن المؤمن لشيء مما سوى الله عز وجل إذا ركن المؤمن لزوجته، وظن فيها سعادته لابد من أن تسيء هذه الزوجة، لأن الله يغار خلقتك من أجلي، لم أخلقك من أجلها.
إذا تعلق الإنسان بأي جهة من الجهات، ورأى فيها خلاصه فإن الله يغار، هذه غيرة الله، من غيرة الله عزوجل أن العبد إذا بقي شارداً عن الله ملتفتاً إلى الدنيا بعث إليه شيئاً يذكره بالله، حتى يسمع صوت عبده الله فان.
يعني إذا واحد زوج ابنه، كان يأتي إليه كل يوم مرة، بعدما زوجه لم يعد يأتيه بالشهر مرةً، يتألم الأب، أنسيتنا ؟..
الأب زوج ابنه، النفقات على الأب، هو اختار له إياها، لما رآها نسي الأب. الأب يغار.
والله سبحانه وتعالى إذا رأى عبداً مؤمناً في الشدة ملتفت إليه، فلما آتاه الدنيا نسيه، يغار، يسلبها منه.
إذا واحد يحب أن لا يسلبه الله النعم فلا يتعلق بها، إذا تعلق بها سلبها الله منه، هذه غيرة الله عز وجل، أما غيرة المؤمن:
(( فإن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه))
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( ما أحج أغير من الله، ومن غيرته حرم الفواحش ))
لأن الله يغار حرم الفواحش، يعني أن يتعلق إنسان بغير زوجته الله يغار، وهذا محرم، زوج يميل إلى غير زوجته، زوجة تميل إلى غير زوجها، يصير استلطاف، إن الله يغار، هذا لم يسمح الله به عز وجل، سمح لك بالزوجة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾
[سورة المؤمنون]
(( ما أحد أغير من الله، ومن غيرته فإنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله عزوجل، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله عزوجل ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ))
الحديث جميل جداً، يوضح أخلاق الله عز وجل.

((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ))
[أخرجه البخاري ومسلم]
يعني إذا إنسان وهو في محله التجاري دخلت عليه امرأة،إذا كان يحب الله عز وجل فالله يغار أن يلتفت هذا الرجل إلى هذه المرأة يجب أن يكون التفاته إلى زوجته فقط والزوجة إذا كانت مؤمنة تصون نفسها، وتخاف أن تكون غيرة الله عزوجل قد اطلعت عليها لذلك من علامات إيمان المؤمن العفة عند الرجال وعند النساء.
أما هناك فكرة ساذجة، سخيفة أن الرجل لا يعيبه شيء، والله الذي لا إله إلا هو إن الذي يعيب المرأة يعيب الرجل، في عالم الإيمان ما يعيب المرأة يعيب الرجل، أما في عالم الجهلة الرجل لا يعيبه شيء، أما المرأة فقط يعيبها كل شيء، المرأة والرجل سواء في العيب.

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد]
العاق لوالديه: لا يوجد إنسان أقرب لإنسان من الأب لابنه، فالذي يعق والديه لا يدخل الجنة أبداً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
وفي رواية " فلن يُغفر له.. ".
لو أن في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل، يعني أقل كلمة، أقل صوت، أف اسم صوت، يعني أتضجر، أقل كلمة في اللغة إصدار صوت من الشفتين هو الفاء، في هذه الكلمة عقوق للوالدين.
ساذجة، سخيفة أن الرجل لا يعيبه شيء، والله الذي لا إله إلا هو إن الذي يعيب المرأة يعيب الرجل، في عالم الإيمان ما يعيب المرأة يعيب الرجل، أما في عالم الجهلة الرجل لا يعيبه شيء، أما المرأة فقط يعيبها كل شيء، المرأة والرجل سواء في العيب.

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد]
العاق لوالديه: لا يوجد إنسان أقرب لإنسان من الأب لابنه، فالذي يعق والديه لا يدخل الجنة أبداً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة))
وفي رواية " فلن يُغفر له.. ".
لو أن في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل، يعني أقل كلمة، أقل صوت، أف اسم صوت، يعني أتضجر، أقل كلمة في اللغة إصدار صوت من الشفتين هو الفاء، في هذه الكلمة عقوق للوالدين.

(( ما بر أباه من شد النظر إليه ))
قال له: أحضر لنا هذه الحاجة من السوق، فنظر له هكذا وقال طيب. ذهب فأحضر الحاجة من السوق ثم عاد، ولكن هذه النظرة فيها عقوق للوالدين. لذلك من علامات أهل الإيمان أن الآبناء يعتزون بآبائهم.

(( والنبي الكريم قال: رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد]
من هو الديوث: النبي الكريم في أحاديث أخرى عرف الديوث قال: الذي لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، يعني إذا أخذنا التعريف الدقيق الذي يرضى الفاحشة في أهله بالمائة خسمة في بلادنا، الذي يبلغه أن امرأة تأتي المنكر، وتأتي الفاحشة ويسكت هؤلاء قلة قليلة، ولكن الذي لا يغار على عرضه كثرة كثيرة، يعني إذا الأب جالس وزوجته على الشرفة تنشر الغسيل، وهي متبذلة في ثيابها، هذا الذي يرى زوجته هكذا، ولا يتحرك فيه شيء، هذا في عرف رسول الله ديوث، الديوث لا يدخل الجنة، الذي يفتخر أن تظهر زوجته بأكمل زينتها أمام الأجانب، ويدعو الناس إلى التعرف على زوجته.. بعرفك عليها زوجتي المصون. أي مصون هذه. هذا الذي يرضى الفاحشة في أهله، أو لا يغار على عرضه ديوث، والديوث لا يدخل الجنة. ولا يذهبن الظن بكم إلى أن هذا تشدد حينما تبدو المرأة بزينتها أمام أجنبي لابد من أن تقع أشياء لا تُحمد عقباها أقل هذه الأشياء ميل القلب يعني أطهر إنسان إذا التقى إنسانة في مكان، في دائرة، في غرفة، وتملى منها، لو لم ينبس ببنت شفة أقل شيء أنه يميل إليها وينقطع عن الله عز وجل، لكن الإنسان إذا مال إلى زوجته لا ينقطع عن الله، يقوم ويصلي ويقبل في صلاته، لأن هذه حلال، يصلي العشاء، ويصلي الفجر، ويقبل على الله، ويستغرق في كمال الله، وهو مائل إلى زوجته، لأن هذا يرضي الله عز وجل، حتى أن النبي الكريم قال:
(( إذا نظر الرجل إلى امرأته نظرة رحمة أظلهما الله برحمته ))
((وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة))
يعني كأن الله في عليائه يرضى عن زوجين متحابين، سبحان الله. يرضى عن زوجين ودودين، يرضى عن زوجة تؤثر رضى زوجها وعن زوج يؤثر رضى زوجته، هذا كله شيء مباح، هذه القناة الصحيحة، هذا الشيء المسموح به.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾
[سورة المؤمنون]
إذاً العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء، يعني المرأة المسترجلة التي تبدوا كالرجال فيما تلبس، أو فيما تقول، أو تقلدهم فيما يفعلون، في كلامهم، في حركاتهم، في تصرفاتهم، في أشياء ترى أنها ترتفع في نظر الناس إذا قلدت الرجال.. شيء يقوله علماء النفس: المرأة هي أنثى وفيها أنوثة، إذا استرجلت المرأة فقدت أنوثتها، وإذا فقدت المرأة أنوثتها فقدت أجمل ما فيها ؛ الوقاحة، الصوت المرتفع، التصرفات التي تكون معهودة عند الرجال إذا فعلتها النساء.
الطلاقة، أحياناً أنت تغض بصرك وهي تنظر إليك، أنت مستحي منها وهي تنظر إليك، هذه امرأة مسترجلة، رجلة.

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَجَّاجٌ لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[متفق عليه]
فالمرأة الرجلة، والديوث والعاق لوالديه هؤلاء لا يدخلون الجنة. ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء، ومدمن الخمر قالوا: يا رسول أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث، قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله ))
تقول: والله جاء رفيقك في غيابك، يقول: أدخلتيه، ما حلوة ما تدخلينه، لماذا أدخله ؟ أأستقبله في البيت في غيابك، لا يبالي. يأتي رفيقه يقول: هاتي القهوة أم فلان. ماذا هاتي القهوة، هذا شيء لا يجوز، هذا ديوث.
شيء يقوله علماء النفس: المرأة هي أنثى وفيها أنوثة، إذا استرجلت المرأة فقدت أنوثتها، وإذا فقدت المرأة أنوثتها فقدت أجمل ما فيها ؛ الوقاحة، الصوت المرتفع، التصرفات التي تكون معهودة عند الرجال إذا فعلتها النساء.
الطلاقة، أحياناً أنت تغض بصرك وهي تنظر إليك، أنت مستحي منها وهي تنظر إليك، هذه امرأة مسترجلة، رجلة.

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَجَّاجٌ لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[متفق عليه]
فالمرأة الرجلة، والديوث والعاق لوالديه هؤلاء لا يدخلون الجنة. ويقول عليه الصلاة والسلام:
((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء، ومدمن الخمر قالوا: يا رسول أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث، قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله "))
تقول: والله جاء رفيقك في غيابك، يقول: أدخلتيه، ما حلوة ما تدخلينه، لماذا أدخله ؟ أأستقبله في البيت في غيابك، لا يبالي. يأتي رفيقه يقول: هاتي القهوة أم فلان. ماذا هاتي القهوة، هذا شيء لا يجوز، هذا ديوث.
قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله، قلنا فما لارجلة من النساء قال: التي تتشبه بالرجال ".
إذا وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته فإنه يُطلب منه أن يعتدل في هذه الغيرة، هنا حالتين، حالة سليمة، وحالة مرضية. مرضين ووضع سليم، المرض الأول المبالغة في الغيرة، هذه مرض، والمرض الثاني عدم الغيرة، ديوث، لا يبالي، لا يهمه. أما الوضع السوي: الاعتدال في الغيرة، فلا يبالغ في إساءة الظن به ولا يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها، ولا يحصي جميع عيوبها فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل.

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ))
[أخرجه النسائي وأبو داود وأحمد]
الغيرة في الريبة: شعرت الوضع غير طبيعي، صار فيه ريبه في وضع لست مرتاح له، الآن الغيرة يحبها الله. لكن زوجتك مؤمنة طاهرة، لم تر أبداً في سلوكها.. تقصي الحركات والسكنات، ومن خبرك، وأريد أن أحضر جهاز يسجل لي المخابرات الآتية في البيت المبلغة في هذا الموضوع مما يفسد العلاقة الزوجية. إن كانت هذه الغيرة مبنية على ريبة فهي التي يحبها الله عز وجل، وإن كانت هذه الغيرة غير مبنية على ريبة فهذه التي يبغضها الله عز وجل، وهي التي تسيء العلاقة بين الزوجين.
كذلك المرأة، هناك امرأة غيورة، والغيرة في النساء مرض وضعها الطبيعي سوي، هناك امرأة لا تبالي، هذه مريضة، وهناك امرأة تبالي كثيراً لدرجة أنها ترهق زوجها بالتحقيقات ؛ أين كنت، ومع من ذهبت. وامرأة بين بين، هذه تغار على زوجها إن ارتابت في سلوكه، ولا تغار عليه إذا كانت واثقة من أخلاقه.

((وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ))
يعني إذا كنت أمام عدو لله يجب أن تظهر بمظهر قوي، إن هذه المشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن.
وعند الصدمة، أحياناً الإنسان يبلغ نبأ مفجع، الله يحب الإنسان إذا تبلغ نبأ مفجع أن يكون متماسك، الصبر عند الصدمة الأولى، يعني إذا المرأة بكت لا مانع، المرأة تبكي والطفل يبكي، والصغير يبكي، والشاب يبكي، والشابة تبكي، والبكاء لا يزلزل مكانة الباكي، أما إذا الزوج بكي تنهار الأسرة كلها، يعني بكاء الزوجة شرف لها، بكاء الابن شرف له، لكن بكاء الرجل عند المصيبة بكاؤه إذا تجلى الله على قلبه هذا بكاء الصحابة الكرام، هذا بكاء الصديقين، هذا البكاء الذي يحبه الله عز وجل، إن لم تبكوا فتباكوا، يعني إذا إنسان جلس بذكر الله عز وجل وفاضت عيناه في الدموع أقول له هنيئاً له، قلبه حي، في حياة بقلبه، في نبض، تذرف عيناه بالدموع، هذا البكاء ليس له علاقة في حديثنا، أما إنسان بلغه نبأ فبكى، هو الرجل هو القيم في البيت، لذلك من صفات الرجال المحنكين، وفي الأزمات أنهم متماسكون عند الزلازل، أحياناً قائد جيش إذا فرطت أعصابه تفرط المعركة كلها، القيادة العالية التماسك الداخلي، مهما كانت الأخبار سيئة في الحرف، مهما كان هناك تقدم واجتياح ترى القواد الكبار متماسكون، لأنه إذا انهارت أعصابه انتهت المعركة. حتى ربان السفينة، يكون هناك أخطار هائلة، على وشك الغرق، ربان الطائرة، قائد الطائرة يكون في مطبات جوية خطيرة جداً، أحياناً يكون في عطل خطير بالطائرة، إذا انهار الربان ينتهي، ويموت الركاب جميعهم. هناك مناصب قيادية أحوج ما يحتاج فيها الإنسان إلى رباطة الجأش وتماسك الأعصاب. فالله عز وجل يحب الإنسان أن يكون عند الصدمة رابط الجأش متماسك. رجل.
((ثلاثة أنا فيهن رجل ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من كتاب الله تعالى، ما مشيت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول، ما صليت صلاة فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها. رجولة ))

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾
[سورة النور]
سُئلت امرأة مسترجلة، أنك على هذا الموقف ثابتة، قالت لهم: هل أنا رجل حتى أقلب. رجل أنا ليش. يعني نحن في عصر ضاعت قيمة الرجال، يعني هي تترفع عن أن تكون رجلاً فتغير موقفها. شيء مؤلم.

((والاختيال الذي يبغضه الله عز وجل الاختيال بالباطل))
يقولون أن أحد الصحابة كان له شأن ليس اختيال حاشى لله، كبر لا، في موقف ظنه الصحابة تيه، فقيل له ما هذا التيه يا فلان، قال: هذا ليس تيهاً ولكنها عز والطاعة.
الطائع يشعر بعزة، إذا إنسان طائع لله عز وجل يحس نفسه غالي على الله أحياناً بحياتنا الاجتماعية، إذا رجل له مكانة كبيرة في دائرة، عنده موظف مخلص، ومستقيم وانجازه شديد، ومقرب من هذا المسؤول الكبير، ترى هذا الموظف المخلص المستقيم النزيه عنده نوع من أنواع الكبرياء، هذه مقبولة.. الحمد لله الذي أخرجنا من ذل معصيته، إلى عز طاعته. والله الذي لا إله إلا الله، في قلب المؤمن عزة لو جمعت أهل الأرض كلهم وما فيهم من كبر لا يبلغون ما عنده من عزة، قال تعالى:

﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139)﴾
[سورة النساء]
المؤمن عزيز. يعني سيدنا عبد الرحمن ابن عوف، جاءه رجل يقول له: يا أخي أنت أخي في الله، خذ هذا البستان بكامله، هدية قال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق. يعني أحياناً، إذا قلت لإنسان خذ هذا المبلغ، يتألم، إذا دين آخذه، بحاجة طيب دين، أنت كن رقيق، وقل له: دين. بكلمة دين حفظت له ماء وجهه.
وقال علي كرم الله وجهه: قال: لا تكثر الغيرة على أهلك فتؤتى بسوء من أجلها.
يعني إذا واحد أكثر الغيرة، في شخص كان يقفل الباب، ما هذا الحكي، الشباك مفتوح، إذا قفلت الباب في تلفون، ما في حل وسط يا في ثقة، أو عدم ثقة، أنت ابحث عن زوجة من أرقى الناس، من أشرف العوائل، ادرس الأمر دراسة ملية، لا تتسرع بالزواج لأن الشك يتلف الأعصاب.

* * * *
إلى بعض الأحاديث الشريفة.
هناك بعض الأحاديث القصيرة التي تبدأ بكلمة إنما..
((يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أخرجه ابن ماجه]
طبعاً المعنى واضح، والحديث من الأحاديث الواضحة، لكن أردت أن أذكره لفكرة واحدة، هو أن بعض الباعة يستغلون جهل بعض الزبائن، يقول لك: هو راض. مثلاً يأتي زبون، هذه الحاجة سعرها عشرة، رآه غشيم قال له: ثلاثين، قال له: راعينا، قال بخمس وعشرين من أجلك، أنت باين عليك ابن حلال، يقول: طيب أعطني، ماذا يظن هذا البائع، أن هذا البيع عن تراضي، طيب لو كُشف لهذا الشاري أن هذه الحاجة سعرها عشر ليرات، هل يرضى ؟ لا يرض، لذلك التراضي هنا ليس معناه أن يرضى وهو لا يعلم أن يرضى وهو يعلم السعر الحقيقي، هذه الناحية أضعها بين أيديكم لأنها خطيرة.
أخي هو رضي، أحياناً يخفي العيب، النبي الكريم قال: من باع عيباً. ما سماه سلعة، باع عيباً، فكلمة تراضي، الإنسان لا يرضى إذا كان مغبوناً، أما يرضى إذا كان جاهلاً، فرضاه وهو جاهل لا قيمة له، ولا علاقة له بهذا الحديث إطلاقاً.
رضى الشاري الجاهل لا علاقة له بهذا الحديث، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((غبن المسترسل حرام))
من هو المسترسل الغشيم، الجاهل، سبحان الله إذا كان الباعة غير المؤمنين إذا عرفوا أن هذا الشاري جاهل يرفعون السعر إلى درجة مذهلة، لذلك عندما يسخر الله أناس لقمع أناس فالله حكيم، وهؤلاء دواء لهؤلاء، وأما المستقيم فلا سلطان لأحد عليهم.

((إن البيع عن تراضٍ))
يعني التراضي الحقيقي.
حديث آخر:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ))
يعني أي نوع من أنواع الأيمان حنث أو ندم، حلفت أن لا تزور بيت أختك، إن زرتها حنثت في يمينك، وإن لم تزورها تندم وتقول ما كان يجب علي أن أحلف هذا اليمين. في حالة ندم، فالإنسان يكون حر طليق يقيد نفسه بيده. حلفت يمين أن لا تذهب زوجتك إلى عند أمها، الآن إذا ذهبت صار في طلقة، وإن ما راحت فأنت متألم يعني زودتها في هذا اليمين، أمها، مثل ما تحب أن تزور أمك هي تحب أن تزور أمها، فكل إنسان يحلف لابد من أن يندم، ولا بد من أن يحنث، والحنث مشكلة، والندم مشكلة.
وقال اصيحاب الكرار أو الردى فقلت هما أمران أحلاهما مر
انظر إلى هذا الكلام الموجز،
((إنما الحلف حنث أو ندم ))
أحياناً يكون له جار سمان، يتخانق هو وإياه، يحلف بالله أن لا يشتري منه، يأتيه أيام ضيف، ويلزمه أوقية لبن، وهو بجانبه، والباعة بعيدون، فيتغلب غلبة لأنه حلف اليمين لا تحلف يمين، لا تقيد نفسك أبداً، خليك حر طليق، أنت قل بنفسك لا تشتري من عنده إذا ما أعلنت هذا الشيء ما بقي في تراجع أمامه، تحتاج إلى هذا الإنسان، وأنا بلاقي من علامة جهل الإنسان كثرة أيمانه، كيف ما تحرك يحلف يمين، تراه مقيد، من شيخ إلى شيخ دخيلكم حلفت طلقت ولا ما طلقت، والله نحتاج نحن إلى مجلس خبراء من أجل هذا الموضوع.

(( إنما الطاعة في معروف ))
أحاديث كلها موجزة، يعني أحياناً تظن الزوجة أن الله أمرها بطاعة زوجها وإذا أمرها بسيفور، فهذه ليست طاعة، إذا أمرها أن تدخل على رفيقه وتسلم عليه، هذه ليست طاعة. حيثما وردت كلمة طاعة في القرآن والحديث فيعني في المعروف، فيما شرع الله، فيما أمر به، فيما سمح به، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أي مخلوق. من يطيع مخلوقاً في معصية الخالق. كمن يتلقى أمر من عميد، ويتلقى أمر من عريف، فيطيع العريف ويعصي العميد، يكون لا يعرف الرتب إطلاقاً، لا يعرف الصلاحيات، هذا إنسان لا تقدم طاعته ولا تؤخر، ولا تقدم معصيته ولا تؤخر، ولكن ذاك الذي يملك السلكة، هذا مثلا منتزع من حياتنا، فالذي يطيع إنساناً ويعصي إلهاً، هذا منتهى الحمق، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله.
رجل لتات، وزوجة لتاتة، في نكشة، اتبع القصص كلياته، ما بيجي ولاد منه لما منها. هذا من بعض الاستنباطات. أن ربنا عز وجل يزوج الرجال ما يشبههن من النساء وأغلب الظن أنه هذه الزوجة أنسب زوجة لي. يعني الزواج حدث ضخم. طبعاً في حالات شاذة، لها تفسير، أما الحالة العامة أن الطيبين للطيبات.
الطيبون للطيبات والطيبات للطيبن، والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. له غلطة لها غلطة، له خبرات سابقة، لها خبرات سابقة عفيف جداً عفيفة جداً، ورع ورعة إنما النساء شقائق الرجال. في رجل فطن في امرأة فطنة، في رجل عنده ذكاء اجتماعي في رجل أحمق في امرأة حمقاء. لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تسترضعوا الحمقى فإن اللبن يعدي ))
هذه الحقيقة اكتشفت حديثاً أن جزءً من أخلاق المجتمعات يتأثر بنوع الطعام بنوع اللحوم التي يأكلها المجتمع.

((فلا تسترضعوا الحمقى فإن اللبن يعدي))
((وتخيروا لنطفكم فإن العرق دسـاس ))
فهذه الأحاديث:

((إنما النساء شقائق الرجال))
((إنما الطاعة في معروف ))
((إنما الحلف حنث أو ندم))
((إنما البيـع عن تـراض ))
حقائق أساسية، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لا تحلف يميناً مهما يكن السبب، إلا إذا استحلفت، إذا استحلفت لا خيار لك.
قال له: أنا والله حلفت، ولكن نويت على غيرها. قال: له أخذت منه المبلغ قال: ما أخذتهم أنا سيدي، قصده المفاتيح ما أخذهم. اليمين على نية المستحلف على على نية الحالف. يحنث بيمينه بحسب نية المستحلف لا بحسب نية الحالف.

* * * *
والآن إلى السيرة التي نتحدث عنها كل أسبوع، وهي متابعة لقصة سيدنا عمير ابن سعد.
عمير هذا الشاب الصغير الذي لا يزيد عمره عن عشر سنين والذي حدثتكم عنه في الدرس السابق، وكيف أنه كان سبباً في توبة عمه زوج أمه الجلاس، وكيف أنه وقف موقفاً رائعاً.
اليوم خطر في بالي خاطر، النبي الكريم كان يصلي، بعد أن نوى الصلاة وائتم به الصحابة الكرام، جاء رجل متأخراً فأحدث من الجلبة والضجيج في الجامع ما شوش على المصلين صلاتهم، بعد أن انتهى النبي الكريم من صلاته، قال لهذا الرجل: زادك الله حرصاً ولا تعد. استنبط العلماء من هذا القول أن فن الانتقاد الناجح، المثمر مبني على حقيقتين الحقيقة الأولى أن تبدأ بالثناء على الذي تنتقده.
عندك ابن غلط ؛ أنا والله يا بني مسرور من أمانتك، ومن أدبك، ومن صلاتك لكن هذا الموضوع لا أحبه لك. لما الابن سمع كلمات الثناء بما هو أهله، الشيء الواقعي صار هذا الثناء يتحمل النقد، هذه بتلك، صار في تعادل.
أساساً ألف كتاب اسمه كيف تكسب الأصدقاء، لدييل كارينجي، هذا مؤلف أمريكي، الكتاب طُبع منه خمس ملايين نسخة، من أوسع الكتب انتشاراً، يعني كيف تعامل الناس معاملة يحبوك فيها، هناك رجل عالم في مصر، ألف كتاب تعقيباً على هذا الكتاب ماذا فعل ؟ دلل على أن كل قواعد هذا الكتاب إنما هي آيات كريمة، وأحاديث شريفة. ففي أحد الفصول، أنه إذا أردت أن تنتقد مرؤوساً لك.. أنت مدير معمل، مدير مؤسسة، رئيس دائرة، مدير ثانوية، مدير مدرسة، ضابط في قطعة عسكرية، عندك عنصر أساء، لابد من أن تحاسبه، لما تحاسب هذا العنصر على خطأه ولا تذكر محاسنه، هذا العنصر ينقم عليك، هذا العنصر عامل جهده، جاء باكراً، عامل أعمال لا بأس بها، غلط غلطة مع مراجع مثلاً، استدعاه المدير، هذه كيف تغلطها ؟. يتألم بنفسه، أنه أما رأى دوامي مضبوط ما رأى إخلاصي، ما ارتشيت في حياتي. لما المدير العام يقول له أنا مسرور من نزاهتك وأنا أعرف أن دوامك مضبوط. وأنا بلغني أنك إنسان نبيه، لكن هذا الموضوع لا تريده أن توصف به. والموضوع كذا وكذا وكذا. الثناء الحقيقي، المعتدل، الواقعي، إذا بدأ به الذي يحاسب، ثم ثنى بالخطأ هذا الخطأ يُتقبل، فالنبي الكرم لما ركض هذا الإنسان أحدث جلبة وضجيج، وصياح في المسجد، وشوش على المصلين، هذا عمل سيء، ولكن بدافع ماذا بدافع حرصه على الصلاة، قال له عليه الصلاة والسلام: زادك الله حرصاً ولا تعد.
جربوا هذه القاعدة، ما في واحد منا ما، قد يكون أب، قد يكون معلم، قد يكون عنده موظفين في محل تجاري، أنت أثني على ما هو موجود، ثم ثني بالخطأ، وعلى انفراد إذا أمام الناس صار تشهيراً والإنسان قلما يعترف بخطأه إذا كان في ملأ. لا يعترف بخطأه.
فلذلك سيدنا عمير بن سعد شلوك حكى كلمة كفر، الجلاس حكى كفر، لكن أحسن له كثيراً، قال له: والله يا عماه، ما من رجل على ظهر الأرض أحب إلي بعد رسول الله منك. بدأ بموقفه، حتى لا يقول ما هذا اللؤم، مربي، مطعمي، كسيته، اعتنيت فيه هيك طلع منو. يعني أنا عرفان فضلك علي، أنا عرفان اليد البيضاء التي علي.
سيدنا رسول الله بلغه أن بعض الأنصار زعلانين، قال له: يا رسول الله: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، سيدنا سعد بن عبادة قال: ولمَ، قال: في هذا الفيء الذي وزعته على الأنصار، قال له: يا سعد أين أنت منهم ؟ قال: ما أنا إلا من قومي. والله أنا مثل حكايتهم زعلان أيضاً. قال له: اجمع لي قومك، فجمع قومه، قال لهم: يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار، أما أنكم لو قلتم لصدقتم ولصدقتم به: أتيتنا مكذباً فصدقناك (حكى لسان حاله) أتيتنا عائلاً فأغنيناك، أتيتنا ضعيفاً فنصرناك، هذا صح، لو قلتم هذا أنتم صادقون، ولو قلتم للناس هذا أنتم مصدقون، أنتم صادقون ومصدقون. ولكن يا معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي (نسيتم الهدى كمان) ألم تكونوا أعداءً فألف بين قلوبكم، ألم تكونوا عالة فأغناكم الله. متى بدأ بفضله عليهم، بعد ما ذكر فضلهم كما يتوهمون، لا ينسى الجميل صلى الله عليه وسلم.
صهره دخل مع المشركين في حربه، أبو العاص، كان أحد جنود أو أحد أبطال إن كان هناك بطولة لجيش الكفار في بدر. ألقي القبض عليه أسيراً، استعرض الأسرى فرأى صهره.. أنت ما فيك بايئة مثلاً، أنت عملت معنا.. قال: والله ما ذممناه صهراً. كصهر ممتاز، أما هنا يحارب رسول الله. بكلمة ما ذممناه صهراً ذوبه ذوبان. وضمه إلى بيته، وأكرمه، وقبل الفداء الأقل من المطلوب وأرجعه إلى زوجته. انظر هذه المواقف كلها أنت تريد أن تنتقد. الآن معظم مشاكل الناس الانتقاد، ينتقده بقسوة فيقطعه، إن الأب مع ابنه إن كان الأخ مع أخوه، الشريك مع شريكه، الزوجة مع زوجها، انتقاد حاد، مؤذي كلمة قاسية، اذكر الميزات، هذه التي تشكو منها، أليست عفيفة ؟ نعم، أليست شريفة ؟ نعم. أليست سيدة منزل جيدة ؟ نعم. تطبخ تطبخ، نظيفة نظيفة، إذا كان تريد أن تعاتب زوجتك، قل له: والله أنا ممنون من اهتمامك، ومن ترتيبك ومن نظافتك، ومن، ولكن لي عندك ملاحظة. انظر الآن كلمة ممنون برد وسلام صار. أما إذا بدأت بالنقد تلقى بركان.. ما لك شايف هذه، ومالك شايف هذه. بقدر ما خدمكم ما ببين. هكذا بتحكي لذلك إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً قالت: لم أر منك خيراً قط.
إذا واحد بلغ سيدنا رسول الله شو معناها، نمام صار، أنه حكا عنك هيك، قال له: إني ذاهب إليه، لأقول له ما قلت. وبهذا الكلام أعطاه فرصة ليتوب. ذكر فضله وانتقده، وأعطاه فرصة، وذهب وما غدر به، وطفل عمره عشر سنوات. الله يعلمنا.
سيدنا عمر رضي الله عنه كان يختار ولاته، وكأنه يختار قدره.
مهم كثيراً أن يحسن الخلفية اختيار الولاة، لأنه أحد أسباب نجاحه في خلافته حسن اختياره للولاة، وأحد أسباب إخفاق الخليفة سوء الاختيار للولاة، هؤلاء الحواشي خطيرون جداً، لأنه إن كان محسنون فالناس في بحبوحة، وإن كانوا سيئون فالناس في بلاء.
قال: وكان رغم بصيرته النافذة، وخبرته المحيطة يستأني طويلاً ويدقق كثيراً في اختيار ولاته ومعاونيه.
اسمعوا هذه العبارة:
كان يقول سيدنا عمر: أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميراً عليهم، بدا وكأنه أميرهم، وإذا كان فيهم وهو عليهم أمير بدا وكأنه واحد منهم. هكذا يريده.
والله هذا مقياس من أرفع المقاييس، معين أميراً عليهم واحد منهم متواضع، هو ليس أميراً عامل حالة أمير بالرعاية والاهتمام والشؤون وخدمتهم.
إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم.
أريد والياً، لا يميز نفسه على الناس في ملبس، ولا في مطعم، ولا في مسكن. يقيم فيهم الصلاة، ويقسم بينهم بالحق، ويحكم فيهم بالعدل، ولا يغلق بابه دون حوائجهم.
هذه الشروط الواجب توافرها في الولاة.
والدليل هكذا كان سيدنا عمر، ترك اللحم أثناء المجاعة أربعين يوم فكركب بطنه فحدثه، قال: يا بطني، قرقر إن شئت أولا تقرقر، فوالله لن تأكل اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين.
جاءته هدية من أذربيجان طعام نفيس، فلما أكلها قال: يا هذا أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا هذا طعام الخاصة. فلفظها من فمه وقال له: لك مما يأكل به عامة المسلمين.
في ضوء هذه المعايير اختار سيدنا عمر عمير بن سعد بعد ما كبر والياً على حمص، وحاول عمير أن يخلص منها وينجو، ولكن أمير المؤمنين ألزمه بها إلزاماً وفرضها عليه فرضاً، واستخار الله عمير ومضى إلى واجبه وعمله، وفي حمص مضى عليه عام كامل، لم يصل إلى المدينة منه خراج. ولا كتاب، ولا خبر، ولا شيء، بل ولم يُبلغ أمير المؤمنين رضي الله عنه كتاب، ونادى أمير المؤمنين كاتبه وقال له: اكتب إلى عمير ليأتي إلينا. فدعاه على جناح السرعة سيدنا عمير جاء من حمص إلى المدينة، وسيدنا عمر كتب فقال: ذات يوم شهدت في شوارع المدينة رجلاً أشعث أغبر تغشاه وعاء السفر يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً، متعباً، من طول ما لاقى من عناء، وما بذل من جهد، على كتفه اليمنى جراب وقصعة. يعني خرج، قصعة: صحن، وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء. مطرة، وصحن، وجراب.
وإنه ليتوكأ على عصى لا يؤودها حمله الضامر الوهنان، وجلس إلى مجلس عمر في خطى وئيدة وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
من هذا ؟ سيدنا عمير، ما استدعاه عمر، جاء.
ويرد عمر السلام ثم يسأله، وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء ما شأنك يا عمير ؟ قال: شأني ما ترى، ألست تراني صحيح البدن ؟ قال: بلا، طهر الذنب، معي الدنيا أجرها بقرنيها. هذه معي كل الدنيا أجرها، هذا الجراب وهذه القصعة، وهذه المطرة.
قال: يا عمير ما معك، قال: معي جرابي أحمل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي. وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدواً إن عرض. فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعها. هذا كل دنيايا، جئت من حمص أنا وعفشاتي كلها.
قال عمر: أجئت ماشياً ؟ قال: نعم. قال: أولم تجد من يعطيك دابة تركبها قال: إنهم لم يفعلوا، وإني لم أسألهم.
قال له: فماذا عملت فيما عهدنا إليك به. قال: أتيت البلد الذي بعثتني إليه فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم. انظر إلى هذه الإشارة، الصلحاء ولاهم جباية الأموال، أحياناً يكون في أخطاء كبيرة جداً في جباية الأموال، أحياناً يتحمل الإنسان فوق طاقته، أحياناً تنهار أسر.
قال له عمر: فما جئتنا بشيء ؟ ما في معك مصاري يعني، طبعاً الوالي يجبي الأموال ينفقها على المحتاجين، والفائض يرسله إلى الخليفة. فقال له: أما جئتنا بشيء ؟.
قال له: أتيت البلد الذي بعثتني إليه، فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها، ولو بقي منها شيء لأتيتك به.
قال له: أما جئتنا بشيء ؟ قال: لا.
فصاح عمر وهو منبهر سعيد: جددوا لعمير عهداً. تمديد سنة ثانية.
فأجابه عمير في استغناء عظيم: تلك أيام قد خلت، لا عملت لك ولا لأحد بعدك.
سيدنا عمر ماذا قال: قال: وددت لو أن لي رجالاً مثل عمير، أستعين بهم على أعمال المسلمين. يعني نزاهة فوق التصور، لم يملك من الدنيا إلا هذا الجراب، وهذه القصعة، وهذه المطرة كما يسمونها الآن، وهذه العصى، جاء بكل متاعه من حمص، مشياً على قدميه.
فأمير حمص سيدنا عمير رسم واجباته فقال: ألا إن الإسلام حائط منيع، وباب وثيق، فحائط الإسلام العدل، وبابه الحق.
له حائط، وله باب، الحائط هو العدل، والباب هو الحق.
فإذا نُقض الحائط، يعني ما في عدل، وحطم الباب، استفتح الإسلام، ولا يزال الإسلام مينعاً..
طبعاً استفتح الإسلام يعني انتهى، فتحت بلاد المسلمين، وأخذت أرضهم وانتهكت حرماتهم، وفعل بهم أعداؤهم ما يشاءون، متى ؟
إذا انهار الحائط وهو العدل، وتخرب الباب وهو الحق.
ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد سلطانه، وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف، ولا ضرباً بالسوط، ولكن قضاءً بالحق، وأخذاً بالعدل.
هذا كان منهجه في إدارة شؤون حمص.
يعني سيدنا عمير رأيتم في الأسبوع الماضي حينما كان شاباً صغيراً كيف وقف من عمه الجلاس، وحينما كبر وعينه سيدنا عمر والياً على حمص، رأيتم تقشفه، وزهده وورعه، وتقاه.
وكل واحد منا إذا تعفف عن الحرام، إذا زهد في الدنيا، وأحب الله وكان عند أمره فهو من أسعد الناس بلا شك، ولا يزيده الزمن إلا سعادة، والزمن في صالحه، ومهما امتد به العمر يزداد رفعة، وسعادة، ومكانة، فإذا جاء الموت كان الموت عرسه، وفرحته الكبرى، لأن الله عز وجل أعد للمؤمنين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
في سؤال:
هؤلاء الصحابة هل هم من طينة، ونحن من طينة ثانية ؟ لا والله. والله الذي لا إله إلا هو حينما خلق الله الخلق لم يميز أحد على أحد.
فرعون عنده استعداد أن يكون مؤمناً كبيراً، لذلك:
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
[سورة طه]
إمكانية الهدى عند فرعون موجودة. إذا رأيت إنسان ضال بعيد عن الحق، عنده استعداد أن يكون من كبار المؤمنين، كهؤلاء الصحابة الذين بلغو الأوج، سعدوا وأسعدوا أخلصوا لله، فكسبوا الدنيا، هم ملوك الآخرة، هؤلاء الصحابة هم ملوك الآخرة.
أحياناً يكون الإنسان له عمل متواضع، يأتي إلى مكان آخر له شأن كبير. فالإنسان قد يكون في الدنيا إنسان عادي، لكن إذا انتقل إلى الدار الآخرة قد يكون ملكاً من ملوك الآخرة، يُشار له بالبنان.

﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾
[سورة الواقعة]
يعني الإنسان ألا يغار، هذه القصص ألا تبعث الغيرة في نفس أحدنا، والإله موجود كما هو، وأبواب البطولة مفتوحة، أبواب التقوى والعمل الصالح، ومد يد المعونة للناس، وذكر الله، وقراءة القرآن، والتفكر في آلاء الله، كله مفتوح، والله هو هو، وكل الفرص التي كانت متاحة لهؤلاء الصحابة متاحة لكم، ولي الآن. ألا تستطيع أن تكون ورعاً ؟ نعم. ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط. ألا تستطيع أن تكون محسناً ؟ نعم. ألا تستطيع أن تكون محباً لله ؟ نعم. كله بيدك، فلماذا هؤلاء كانوا هكذا ؟ ولماذا نحن هكذا نحن ألف كألف، وكانوا واحداً كألف. فلذلك سُمي عصر رسول الله عصر الأبطال. إذا الطفل هكذا مواقفه، ولما كبر صار والياً على حمص، هكذا مواقفهم، الإنسان يستطيع أن يسلك هذا الجانب.
يعني أنا أردت من هذه القصص ليس المتعة، يعني إذا خطر ببال أحدكم أن هذه القصص ممتعة، هي ممتعة، ولكن والله ما أردتها لأنها ممتعة، ولكني أردتها كدرس عملي أمامنا، وحافز يحفزنا إلى أن نكون على قدم هؤلاء.
قال: لا تسبوا أصحابي من بعدي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغتم مد أحدهم ولا نصيفه.
ورع، محبة، استقامة، طهر، إخلاص، صدق، تضحية، هكذا كانوا والأبواب مفتحة. فالإنسان يحاسب نفسه، أنا ماذا فعلت من هذه القصص، هذه المواقف المشرفة، هل لي مواقف مثلها، هل لي مواقف أفخر بها عند الله عز وجل، لقد رضي الله..
الآن أرقى لقب، يقول لك: معه بورد، يكتبها عند أحسن خطاط يضع لها إضاءه من الداخل. والله كلمة رضي الله عنه والله أرقى من بورد، إذا كان إنسان مذنب رضي عنك فأعطاك هذه الشهادة، فكيف إذا رضي عنك الإله.
ما معنى منحوه شهادة، رضوا عنه. متى يمنح الدكتور الطالب الإجازة، رضي عن مستوى العلمي، كأنها رضي فلان عنه. فإذا رضي فلان عنه فمنحه هذه الشهادة فكيف إذا رضي الله عنه. فكلمة رضي الله عنه أعلى لقب علمي، أعلى لقب أخلاقي، أعلى لقب إنساني. الإنسان يسعى أن يرضي الله عز وجل، لذلك:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾
[سورة الفتح]
لذلك ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم ".
إن شاء الله عز وجل يكرمنا، ويكون لأحدنا موقف مشرف موقف أخلاقي موقف فيه نبل، موقف فيه تضحية، فيه معاونة، فيه ورع فيه عفة.
قال لي مرة شخص: دُعيت إلى امرأة ذات منصب وجمال، فقلت: إني أخاف الله رب العالمين.. هذه القصة وقعت معه من ثلاثين سنة كلما رأى شخصاً يحكيها له، يفتخر فيها، هذا موقف، موقف مشرف، لا أحد يخشاه إلا الله.
والإنسان كلما تقدم بهذا الموضوع يسعد، بيجي درجة يحس حاله كتلة من السعادة متنقلة، بحس حالة شيء عظيم عند الله عز وجل أما المال وحده لا يرفع الإنسان عند الله عز وجل، لا المال ولا الشهرة ولا أي شيء من متاع الدنيا.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:39 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس02 : حقوق الزوج
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-05-21
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون:
حقوق الزوج على زوجته، وتحدثنا في الدرس الماضي كيف أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴿
[سورة النساء]
وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لموفدة النساء إليه:

((اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
وكيف أن المرأة إذا صلت خمسها، وأطاعت زوجها، وحفظت فرجها دخلت جنة ربها. وكيف أن المرأة إذا ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة.
عقبت على هذه الأحاديث التي في صالح الزوج أن المرء يجب أن يكون أهلاً لهذه المعاملة، عليه أن يكون كريماً، عليه أن يكون حليماً عليه أن يكون ورعاً، إذا حقق هذه الصفاة استحق أن تكون هذه الأحاديث مما تعنيه.
والحديث الأخير الذي أنهيت به موضوع الفقه في الدرس الماضي قوله عليه الصلاة والسلام:

((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب (بعير) وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا الفريضة، فإن فعلت أثمت ولن يُتقبل منها، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه، فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكته حتى تتوب أو ترجع، وإن كان ظالماً ))
لحسن سير الحياة في الأسرة لابد من طرف أمره نافذ، وهو الزوج كونه ظالم أو غير ظالم بحث آخر، لكن لابد من إنسان يأمر فيطاع لابد لهذه السفينة من ربان، لابد من هذه الطائرة من طيار وقائد إذا أمر يُنفذ الأمر بصرف النظر عن قناعة معاونه بأحقية هذا الأمر، أو عدم قناعته، لذلك وإن كان ظالماً. حينما جاء النبي الكريم أخو إحدى الصحابيات يستأذنه في أن تخرج أخته لعيادة أبيها، قال له: قل لأختك طاعتها لزوجها خير من عيادة أبيها، وكره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتدي على حق الزوج.
هذا ملخص الأحاديث التي سيقت في الأسبوع الماضي، وقد رجوت الإخوة الأكارم أنهم إذا ذكروا هذه الأحاديث في ثورة الغضب فإن الزوجة تكفر بها، وقد تسمعك كلاماً لا ترضاه، لا ينبغي أن تستغل هذا الحديث استغلالاً شخصياً، قبل أن تقول هكذا يقول عليه الصلاة والسلام، راقب نفسك، هل أنت في مستوى هذه الأحاديث.
لذلك خرج النبي عليه الصلاة والسلام مرةً إلى أصحابه قائلاً: غضبت أمكم غضبت أمكم. السيدة عائشة، يُستنبط من هذا الحديث أن المرأة إذا غضبت على الزوج أن يسكت، وإذا غضب الزوج على المرأة أن تسكت.
يعني إذا مسكنا زجاجتين وصدمناهما ببعضهما تتكسران، أما قطعة من الإسفنج وقطعة من الزجاج، لا يحصل شيء، الأولى تمتص الثانية، فإذا كانت الزوجة غضبانة فأنت مثل دور سلبي، فإذا كنت أنت الغاضب عليها أن تمسك. النبي الكريم هكذا علمنا، خرج على أصحابه وقال: غضبت أمكم غضبت أمكم.
المرأة أحياناً يكون عليها ضغوط كثيرة، الزوج يخرج من البيت يرجع الظهر أحياناً تتعسر في أمور الغسيل، أحياناً يكون حاجات ناقصة في البيت، فالرجل حين يرجع إلى البيت ويلقى زوجته غاضبة عليه أن يتلقى هذا بصدر واسع.
الحق الثاني الذي على المرأة: عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت، إذا قال زوجها: فلانة لا أريد أن تدخل بيتي فمعنى ذلك أن فلانة لا ينبغي أن تدخل بيته، رضيت أم غضبت، أعجبها ذلك، أم لم يعجبها، فمصلحة الزوجة مع زوجها لا مع جاراتها، وكم من مشكلة وقعت، بسبب أن هذه الزوجة الحمقاء آثرت علاقتها الطيبة بجيرانها، وضحت برضى زوجها، لذلك إذا أمر الزوج أن هذه فلانة لا أحب أن تدخل بيتي، فللزوج وجه نظر تحترم، قد تدخل امرأة إلى البيت من أهل اليسار، ليس عكس اليمين، يعني الغنى، فكلما وقع بصرها على شيء في البيت ازردته، فانطمست الزوجة، فإذا عاد الزوج أقامت عليه النكير ؛ أنت لا تعرف قدري، أنت لا تقدم لي على الأعياد شيئاً يُذكر، أنت لا تكرمني بسبب هذه الزائرة الظالمة التي لا تعرف الله عز وجل.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ليس منا من فرق ".
يعني أي إنسان يفرق بين زوجين، بين أخوين، بين أم وابنها، بين شريكين ليس من أمة سيدنا محمد. وقد يكون التفريق ببعض الملاحظات.
امرأة زارت امرأة أخرى ؛ كم كان مهرك، تقول: عشرة آلاف، عشرة، ليش من بهذا الوقت قبل بعشرة، شيطان داخل فيها، إن تكلمت على المهر تؤذي، وإن تكلمت على نوع الصيغة تؤذي، وإن تكلمت على البيت تقول: ما هذا البيت، أيسكن هذا البيت والله خم دجاج أفضل منه. يأتي الزوج يرى زوجتها مقلوبة، لم تكن هكذا عايش مبسوط ورضيان منها، ورضيانة منه، فإذا أمر الزوج أن هذه المرأة التي تزورنا كل حين، فتفسد العلاقة فيما بيننا ينبغي أن لا تأتينا، فعلى الزوجة أن تنصاع لهذا الأمر.
طبعاً كل إنسان له مشكلة، والناس كما يقال بلاء للناس، يعني أحياناً الإنسان يكون مرتاح، كلمة سيئة، ساعة غفلة من الزوجة، وساعة يقظة شيطانية من الزائرة، ترى أن عرى الزوجية قد فصمت وصار الخصام والمشاحنة، وما من مشكلة إذا أردت أن أعمم إلا وراءها إنسان سبب الإيقاع بين هذين الشخصين. لذلك يتمنى الشيطان أن يفرق تلك العلاقات، يعني ما من علاقة يرضى عنها الله سبحانه وتعالى كأن تكون العلاقة بين الزوجين طيبة، وما من علاقة يكرهها الله عز وجل، كأن يكون الخصام والشقاق.
يعني تدخل إلى بيت متواضع جداً بالجادة خمسة عشر إن كان في خمسة عشر الأرض عدسة، الفرش طراريح إسفنج فقط، الجلايل خام أبيض، في سعادة، في مودة، في رحمة، هذا البيت جنة. وتدخل إلى بيت فرشه مكلف مليون، وثمنه مليونين، وجميع الأجهزة الكهربائية من دون استثناء، وهذا البيت قطعة من جهنم.
سر الزواج الوفاق بين الزوجين، وأبشع ما في الزواج أن يكون الخصام والنكد. تلقى البنت تنشأ على النكد، البنت تشرب من أمها، إذا زُوجت هذه الفتاة تكون علاقتها بزوجها سيئة، لأنها رأت علاقة أمها بأبيها، وإذا كانت العلاقة طيبة بين الأم والأب، أغلب الظن بأن زواج البنات ناجح ؛ لأنك ترى المودة والرحمة والتسامح واللطف والاعتذار تتعلم من أمها، فالإنسان إذا خطب الأهل لا يكون مخطئ إذا أصر على معرفة طبيعة العلاقة في هذا البيت بين الزوجين ؛ هل هناك تسامح، هل هناك مودة ؟ هل هناك احترام ؟ هل هناك شقاق ؟ خصام ؟ نكد ؟ إغاظة ؟ إذا تزوج إنسان ابنة بيت فيه خصام أغلب الظن أنه لا يرتاح.
إذاً هذا أمر قطعي، أنا أريد أن أوضح ذلك، إذا قال الزوج: لا أريد أن تدخل فلانة إلى بيتي.. لكن أنا سأهمس في أذن الأزواج إياك أن تستخدم هذا الحق في منع الزوجة أن ترى أهلها. لا أسمح لأمك أن تدخل بيتي. لا هذا فيه ظلم، هذه أمها، يعني إن قلت ذلك ووقع منك يميناً معظم، فكأن الطلاق صار بيد الزوجة، كانت تخاف منك، فصرت تخاف منها، فإذا سمحت لأمها بدخول البيت وقعت طلقة. لا ينبغي أن تسخدم هذا الحق استخدام تعسفياً، بالقوانين مادة تقول: التعسف في استعمال السلطة. يعني مثلاً موظف في دائرة وموظف آخر في دائرة الأول أعلى من الثاني، لم يرض الثاني أن يتواطأ مع الأول لكسب حرام، فأمر بنقله إلى محافظة نائية، نقول: إن هذا النقل تعسفي، لم يُقصد منه المصلحة العامة، لكن القصد الكيد والإبعاد. كذلك الزوج أعطاه الله صلاحيات، كلا إنسان أعطاه الله صلاحيات لا ينبغي أن يستخدمها بشكل تعسفي.
يعني إذا رسول الله قال للمرأة: إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها، لا ينبغي لهذا الزوج أن يستخدم هذه السلطة بشكل تعسفي.
الإنسان العاقل دائماً يجعل مجال كبير جداً للمودة.
أحبب حبيبك يوماً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
يعني أهل الزوجة لا ينبغي أن يعادي الرجل أهل زوجته، صار في مشكلة يعاتب عاتب عتاب لطيف فقط. أما يقيم النكير، ويسب ويبهدل، ويخبط أبواب ويطردهم. أنت ما أبغضتهم هوناً ما، أبغضتهم بالمبالغة، فكأنك قطعت حبال المودة.
الإنسان علامة عقله الراجح اعتدالة، علامة عقله الراجح أنه معتدل في انفعالاته معتدل في تصرفاته، معتدل في كلامه. يعني إذا دخل إلى البيت فوجد شيء لا يعجبه قال والله إذا شيء وقع مرة ثانية أريد أن أزعل،.. شيء جميل، أريد أن أزعل معقول الكلام أما أريد أن أطلق. فوقعت مرة ثانية بمشكلة، أحرجت أنت إن ما طلقت لم يعد لكلامك قيمة وإن طلقت خربت بيتك، لا تقل أريد أن أطلق. إن وقعت مرة ثانية يعني بدي أزعل، بدي أعمل شيء ما بتنسري منه، ما هذا الشيء، هذا الشيء المخفي يخيف كثيراً.
واحد دخل إلى مطعم فقال: بتعشيني لما أعمل مثل ما صنع أبي المبارحة فخاف منه، أن يكون أبوه مجرماً، أو قاتل قتيل، قال له: لا تعال أعشيك، فصنع له عشاءً فخماً، بعد أن انتهى قال له: دخلك ماذا صنع أبوك ؟ قال له: نام بلا عشاء.
فإذا واحد قال: إذا كان هذا الشيء يعاد بدي أعمل شغلة كبيرة كثير
ما هذه الشغلة، الله يعلم، هذا شيء واسع، مفتوح، أما حدد انحرجت، بس تحدد انوضعت حاصروك، ليش ما عملت هيك يا أخونا، أنت هددت فاستخدموا تهديدك للسخرية، قلت بدك اطلق ما طلقت شعك، تفضل طلق. في أزواج ما عندهم حكمة الإنسان لا يحدد، ولا يذكر عقوبات محددة، يذكر عقوبات معممة، لذلك قال الله تعالى:

﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)﴿
[سورة النجم]
هذا اسمه في البلاغة إيجاز غني، إذ يغشى السدرة ما يغشى، لقد أصابني ما أصابني، آلمني ما آلمني، إيجاز ولكنه غني يحتمل معاني كثيرة.
أحياناً الإنسان يتخاصم مع سمان بجانبه، يحلف يمين أن لا يشتري من عنده، ثم يأتيه ضيف بعد أسبوعين ويريد كبريت، والسمان فاتح والمحل بعيد كثيراً، تقع بحرج، إذا خاصمت السمان جارك قل له والله زعلتني، إذا قلت له زعلتني فقط واضطررت أن تذهب إليه مرة ثانية، ما بصير شيء، لا احتقرك، ولا تحداك، ولا بصير شيء، أما إذا قلت له والله ما عاد وقف عليك، وكنت مضطر توقف عليه بتقع بحرج كبير.
الإنسان كلما ازداد عقله لا يحلف أيمان، ولا يحدد عقوبات، ولا يقيد نفسه أنت حر ابقى حراً. أنا ألاحظ أن معظم الكلمات تأتي من كلمة مرتجلة غير مدروسة، لذلك يتمنى سيدنا عمر أن تكون له رقبة مثل رقبة الجمل، الكلمة قبل أن ينطق بها تمشي مسافة طويلة، يدرسها وهي تمشي، تُحكى، أو لا تحكى، تجوز ما بتجوز،في كلمة تهد علاقة تفصم علاقة كبيرة، تفصم شركة كلمة واحدة، في كلمة تطلق.

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴿
[سورة البقرة]
ولا تنسوا أن الله عز وجل يأمرنا جميعاً قال:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴿
[سورة البقرة الآية 83]
أنت مأمور. أكثر الناس يظنون أن الأوامر هي الصلاة والصوم والحج والزكاة مع أنك لو دققت في كتاب الله لوجدت أن أي أمر في كتاب الله يقتضي الوجوب.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴿
[سورة النحل]
أنت لست مخيراً، أنت مأمور بالإحسان ؛ أخي ليس له حق عندي نعم ليس له حق عند هذا عدل، والإحسان ؟ له حق عندك بالإحسان.
رجل طلق زوجته لأسباب قاهرة، عاهد نفسه أن يقدم لها معاشاً شهرياً ما امتد به العمر، لم يقصر ولا شهر، يطرق الباب هذا المبلغ يكفيها، الطلاق كان لأسباب مشروعة وقاهرة، هذا إحسان، أنت مأمور به. لذلك في بعض الآيات القرآنية تقول: حقاً على المحسنين حقاً على المتقين.
الآن إذا واحد من أهل الكرم، من أهل الجود، وشخص أكرمك كنت في مدينة وضيفك، وأكرمك، ونمت عنده ليلتين، رجع هذا الشخص المضيف فزارك في بلدك، يعني له عليك بالقضاء حق ينام عندك، له عليك في القضاء حق أن تعشيه، لكنك أنت كإنسان كريم تجد أنك مدين له، ولا بد من أن تقابله على ضيافته بضيافة أكبر، هذا حق على المحسن، حق على المتقي، حق على المؤمن، فالإنسان لا يقول: ما له عندي حق، أنت كمؤمن عندك حق كبير له عندك حق الإحسان، ولو لم يكن له عندك حق ثابت.
هذه الآية تحل مليون مشكلة.


وما من إنسان يصلي الجمعة في المسجد إلا ويقرؤها الخطيب قبل أن ينزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴿
والقصة المشهورة قلتها لكم سابقاً، الذي وجد زوجته حامل ليس منه، وتبوبها، وسترها وأكرمها، وجعلها زوجة طيبة، إمام المسجد المجاور رأى في المنام رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.
يستطيع أن يطلقها، من حقه، لأنها أتت فاحشة، يستطيع أن يفضحها، لكنه توبها، وقبلها، وجبر خاطرها، فقال له: إنه رفيقي في الجنة. لا تعاملوا الناس على العدل عاملوهم على الإحسان، أنت أد ما عليك، والناس يفعلون ما يشاءون، إن قدموا لك حقك ما شي الحال، وإن لم يقدموا فالله يعرف من المحسن.
لذلك في حديث كلما أذكره يقشعر بدني، قال عليه الصلاة والسلام:
اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ".
أنت تتمتع به، العمل الطيب فيه سعادة كبرى، لا يعلمها إلا من ذاقها.
والحق الثاني الذي للزوج على الزوجة خدمة المرأة زوجها، أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وأصل ذلك في قوله تعالى:
انظر إلى الآية ما أدقها:
ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف
يعني أنت تريد من زوجتك أن تتزين لك، هذا حقك، ولها حق مشابه.

((تنظفوا واستاكوا وتزينوا، فإن بني إسرائيل لم يفعلوا فزنت نساؤهم))

إن كان لك عليها هذا الحق، فلها عليك مثل هذا الحق، ربنا عز وجل يقول:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[سورة البقرة الآية 228]
بالمعروف يعني المألوف، بيت معقول خدمته، أما أحياناً تأتي الكنة على بيت ثمانية غرف وصالون، الكل يرتاحوا، وعليها المسح والجلي والطبخ، والعزائم، هذا شيء فوق طاقتها، أما بيت غرفتين وصالون، بيت معقول خدمته وطبخه، أما تطبخ لعشرة أشخاص هناك أشخاص ليس عندهم إنصاف، هذه كنة.
الدرجة هي القيادة فقط، أنا أشبهها بالرتب العسكرية، مثل عميد ولواء، درجة واحدة بينهما، لكن ليس مجند ولواء. درجة واحدة هذا له رتبة، وهذا له رتبة، هذا له معاش ضخم، وهذا له معاش ضخم هذا له مكتب فخم وهذا له مكتب فخم لكن هذا آمر هذا هذا قائد اللواء هذا معاون قائد اللواء. فإذا صح أن يطرح هذا المثل في البيت المرأة لها حقوق مشابهة لحقوق الزوج، وعليها واجبات، مشابهة لواجبات الزواج، وله عليها درجة واحدة.
فالآية تعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها، فكلما طولبت المرأة بحق طولب الرجل بمثله. فكأن النبي الكريم استنباطاً من قوله تعالى:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴿
[سورة الأحزاب الآية 33]
هذه أصل من أصول النظام الاجتماعي، المرأة متفرغة لخدمة زوجها وأولادها والزوج متفرغ لتأمين نفقات هذه الأسرة وحسن قيادتها. لذلك في المجتمعات المستهترة المنحل خلقياً، أرقى مرتبة تنالها امرأة أن يُكتب على هويتها سيدة منزل، يعني متفرغة لتربية الأولاد.
الطيار إذا جلس في غرفته يكون محصور، هذا مكانه الطبيعي مكان القيادة أيعد نفسه بغرفة الأجهزة والأدوات أنه محصور فيها لا محصور بمكان صغير يتضايق، إذا وزع شرابات وكاتوا على الركاب أنشط، كيف أنشط ؟ تسقط الطائرة.
فلما المرأة تخرج من بيتها من أجل أن تقوم بأعمال مشابهة للرجل ضاع البيت وضاع الأولاد، ولما الرجل يكون باله مشوش مضطرب ؛ هل حضر ابنه، أم لم يحضر فتح الباب، دخل مع رفيقه إلى البيت، صنعوا شيء، مشوش. لا ينتج، حتى الرجل ينتج إنتاج مضاعف، وحتى المرأة تكون مصونة، الأصل الذي جاء به القرآن الكريم:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴿
[سورة الأحزاب الآية 33]
ولا يخطر في بال أحدكم أن هذه الآية موجهة لنساء النبي فقط إن كن مأمورات بأن يقررن في بيوتهن، فنساء المؤمنين من باب أولى أن يوقرن في بيوتهن.
بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت.
وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين علي كرم الله وجهه وبين فاطمة رضي الله عنها، فجعل على فاطمة خدمة البيت، وجعل على علي العمل والكسب.
لا يوجد أحد ابنته أشرف من السيدة فاطمة، يعني صهره وبنته حكم على فاطمة بخدمة البيت، وحكم على علي بالكسب والعمل، هذا توزيع النبي الكريم.

((وقد روى البخاري ومسلم أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه سلم تشكوا إليه ما تلقى في يديها ما تلقى من الألم وتسأله خادمة، فقال: ألا أدلكم على ما هو خير لكما مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم))
يعني كأن النبي ما أحب أن يكون الإنسان عنده خادم في البيت ليس ما أحب للمؤمنين ؟ بل ما أحبها لابنته، لو أعطى إشارة يأتيها مائة خادم، مائة إنسان يخدمونها ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحب ذلك، الإنسان يخدم نفسه، ويكون أكثر تواضعاً، وأكثر إرضاءً لله عز وجل، وإن الله يكره العبد أن يُرى متميزاً على أقرانه منظر غير مقبول، واحد مرتاح والثاني يعمل، أما الزوج ليس مرتاح واصل هلكان، واصل ليمونة معصورة، ليس فيها شيء، ليس مرتاح، شاغل خارجاً، في كل هم يهد جبل، قد يكون عمل البيت أشق، مسح، جلي، غسيل، يجوز الرجل ذهب إلى المكتب ثلاث ساعات عرفان ما عنده هموم، كل هم يجعله يفكر يبقى صفنان خمس ساعات في المكتب، عليه دفع وما في بيع، وسندات مستحقة ماذا يعمل ؟ تقول له: أنت لا تعمل شيئاً في المكتب جالس مرتاح، لا ليس مرتاح. أحياناً الأعمال المادية أخف من الأعمال التي تصيب الهم في الإنسان.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله (أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام حواري رسول الله، وعبد الله بن الزبير ابنها، هذا الطفل الصغير الذي مر به سيدنا عمر في الطريق ورأى غلمان كثيرين فلما رأوه تفرقوا لهيبته إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً في مكانه، فلما حاذاه عمر قال له: يا غلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك،ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك) هذا عبد الله بن الزبير. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسه وكنت أحش له، وأقوم عليه، وكانت تعلفه وتسقي الماء وتخرج الدلو، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
تقوم بخدمة شاقة، لها أجر كبير.
ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها كما أن على الرجل أن يقوم بالإنفاق عليها.
وقد شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها، هذه التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن أغضبها فقد أغضبن))
وكل أب إذا عنده ابنة يشعر هذا الشعور نفسه، يعني أغلى من البنت ما في لذلك الزوج إذا كان مخلصاً، إذا كان مستقيماً إذا أكرم الزوجة، فله مكانة عند الأب قد تزيد عن أولاده. الصهر غالي.
شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ما كانت تلقاه من خدمة، فلم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا خدمة عليها، وإنما هي عليك. شكت له وما تكلم ولا كلمة، عليها الخدمة.
قال ابن القيم: وهذا أمر لا ريب فيه، لا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها.
أنا والله ابنتي لا تخدم أحداً، احضر لها خادمة، من ابنتك ؟ أشرف من السيدة فاطمة ؟ لا. من أنت ؟ أعظم من رسول الله ؟ لا. هو رسول الله أبوها، وهي ابنته وكانت تخدم زوجها.
يقول له أحضر لها جلاية، كيف كان أجدادنا يعيشون ؟ ما كانوا فهمانين يعيشوا.
وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم تشكوا الخدمة فلم يشكها، أي لم يسمع منها دعواها مشطوبة، غير مقبولة.
آخر موضوع تجاوز الصدق بين الزوجين، العنوان قد يثير التباس يعني يكذبون على بعضهما ؟ لا. ولكن اسمعوا أي صدق يجب أن نتجاوزه بين الزوجين.
روي عن ابن أبي عذرة الدؤلي أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن، فثارت له في النساء في ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله ابن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته: أنشدك بالله هل تبغضينني (تكرهيني) قالت: لا تنشدني بالله (لاتحرجني) قال: فإنما أنشدك بالله، قالت: نعم. فقال لابن الأرقم: أتسمع، انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب. فقال لعمر: إنكم تحدثون أن أظلم النساء وأخلعهن فاسأل ابن الأرقم، فسأله فأخبره فأرسل إلى هذه المرأة وقال: أنت قلت إنك تبغضين زوجك ؟ قالت: إني أول من تاب، إنه ناشدني (يعني حلفني بالله) فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين ؟ (أقول أحبه وأنا لا أحبه) قال: نعم تكذبي.
ليس هذا هو الصدق، يعني أحياناً يكون زوج كريم، ميسور الحال أخلاقه عالية مؤمن، فيه علة بخَلقه يسأل زوجته أتحبينني ؟ لا أحبك، لولا هالخمسين علة مثلاً. هذا ليس صدقاً، هذا وقاحة.. قالت أأكذب، قال: نعم تكذبي.
والعكس أحياناً يكون، يعني نصيبه، ليست كاملة، فيها مجموعة علل، شلون شايفني ؟ والله الحمد لله، بالله فيني علة ؟ لا الحمد لله والله أنا مسرور منك كثيراً. أنت تكذب بهذا الكلام، هذا الكذب يحبه الله، هذا الكذب يرضاه الله عز وجل، هذا الكذب أنت مأمور به، هناك أزواج سبحان الله ما عندهم حكمة، لو كنت على مثل فلانة. أذهب لها كل معنوياتها، رأته لا يحبها، فلما دخل إلى البيت ما لها لابسة، يأسانة منك شو بلبسلك، ما في أمل، حاكي لها خمسين عيب فيها خلاص، قامت اسمك من القائمة، أما المؤمن لا يحكي هذا الكلام، الحمد لله الله أكرمني فيكي، ما في أحسن منك أنسب واحدة لي، الله يخلي لنا إياك، لا هذا الكلام حي خليلك إياها ولا إن حكيت العكس حتروح منك، هذا بأمر الله عز وجل. هذا الموضوع دقيق جداً.

((قالت: أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم تكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يُبنى على الحب))
يعني كلمة بيت، ما في بيت واحد مبني على حب صاعق، يعني حب مجنون ليلى، البيت مبني على التعامل بالإسلام، على الإيمان على الرضا بقضاء الله، على الرضا بما قسمه الله لك من زوجة وهي كذلك.
شوف الكلام دقيق.

((فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب))
في بنت أصل، وفي ابن أصل، ما يكسر خاطرها، وبنت الأصل ما بتذم زوجها، خلاص هذا نصيبها. زوجك صحته زيادة، قولي له يخفف وزنه. ماهذا الكلام ؟ أتكرهها فيه. في أشخاص كثيرون كلامهم ثقيل، يدجها ويروح ينام بيخرب الدنيا.

((فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب))
كل إنسان يعمل بأصله، الأصيل لا يحرج امرأته، لا يحمر وجهها لا يخجلها لا ييأسها منه، وبنت الأصل لا تزم زوجها، هذا الحديث دقيق جداً، وله آثار كبيرة مسموح للزوج يكذب على زوجته تقرباً لها، تطيباً لقلبها، ومسموح للزوجة تكذب على زوجها تطيباً لقلبه وإكراماً له.
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتحدث عن إمساك الزوجة بمنزل الزوجية وعن الانتقال بالزوجة يعني السفر بها، ومنع الزوجة من العمل، وخروج المرأة لطلب العلم وتأديب الزوجة عند النشوز، وتزين المرأة لزوجها، هذه كلها موضوعات الدروس القادمة إن شاء الله تعالى.

* * * *
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة:
لأن أحاديث كثيرة تبدأ بكلمة إنما.
يعني إذا قلت إنما شوقي شاعر. إذا قلت شوقي شاعر ماذا تعني باللغة ؟ المعنى الدقيق لها أنه شاعر، هل يمنع أن يكون كاتب ؟ لا هل يمنع أن يكون حقوقي ؟ لا كان حقوقياً هو، هل يمنك أن يكون مثلاً تاجراً ؟ لا. إذا قلت شوقي شاعر معناها شاعر، ولا يمنع أن يكون أديباً، أو كاتباً، أو قصصياً، أو محامياً. إذا قلت: إنما شوقي شاعر. اختلف الوضع شاعر فقط، يعني حصرنا شوقي بالشعر.
إذا قلنا: الشاعر شوقي. عكسناها، يعني أيضاً شوقي شاعر. أما إذا قلنا إنما الشاعر شوقي، يعني لا شاعر غيره. فكلما وجدنا كلمة إنما تعني أداة حصر وقصر فمثلاً.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴿
[سورة فاطر الآية 28]
معناها العلماء وحدهم يخشون الله، إذا قلنا العلماء يخشون الله لا تمنع أن يخشى الله بعض الجهال، قلنا العلماء يخشون الله لا يمنع أن يخشى الله غير العلماء، أما إذا قلنا: إنما يخشى الله من عباده العلماء. يعني العلماء وحدهم، ولا أحد سواهم يخشى الله.
هذا هو القصر.

(( سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ))
[متفق عليه]
طيب ما حكمة (يا الله) ما حكمة طرق الباب، لو إنسان باب صديقه مفتوح أله حق أن يدخل فوراً ؟ لا يجوز، طيب ما العلة النظر، لما ينظر الإنسان إلى زوجة صديقه فقد أتى إثماً كبيراً، الإنسان في بيته حر، يتحلل من الثياب أحياناً، يتبذل في بيته، المرأة تطبخ تجلي تشرع غسيل بلباس خفيفه، بألبسة غير سابلة، حرة في بيتها مادام بيتها غير مكشوف مستور. فلما يكون الاستئذان موجود معناها من أجل البصر.
هناك أشخاص كثيرون، يدخلون إلى غرفة في المستشفى أخي نريد أن نزور صديقنا، طيب صديقك زوجته عنده، يجب أن تطرق الباب أخي هون مستشفى كمان بدا استئذان، أين ما كان يجب أن تستأذن.. السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل، فإن قيل لك ادخل تدخل وإلا انتظر، وإلا انصرف. إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، حتى لا تقع عينك على امرأة لا تحل لك. لكن علماء الحديث وسعوا هذا الحديث، قال: ليس من أجل المرأة فقط حتى من أجل الرجل.
واحد أحياناً يكون في بيته جالس بقميص شيال مثلاً ممكن، لا مؤاخذ في بيته أو بمحل مثلاً، وبالمحل له غرفة داخلية يعزل المحل، متخفف من ثيابه، يجب أن تطرق الباب، لو كان مستودع داخلي، انقر نقرتين على الباب، أنا فلان، لو كان رجل، طبعاً هو المرأة أشد إثماً، وأكثر حرجاً، وأكثر إيلاماً للزوج أن يراها الأجنبي ولكن لا يمنك هذا أن يكون من أجل الزوج أيضاً.

((إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ))
لذلك علمنا عليه الصلاة والسلام أن إذا طرقنا باباً أن نعطي ظهورنا للباب أولاً وأن نقف بإزاء المصراع الثابت، في مصراع متحرك ومصراع ثابت، أول شيء نعطي ظهرنا للباب وفي حذاء المصراع الثابت، في أشخاص عجر،يقف مواجه الباب، وعلى الباب المتحرك يُفتح الباب رأى لداخل البيت. هكذا أدبنا عليه الصلاة والسلام.
حديث آخر وأخير:
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إنما الدين النصح ))
فقط
تنصح زبائنك دين، لا تنصحهم لست ديناً ولو تصلي مائة ركعة كل يوم، لو عامل ثلاثا وعشرين عمرة، خير إن شاء الله، لو حاجج ثمان مرات، لو تصوم اثنين وخميس، وستة أيام البيض، وعاشوراء، ونصف شعبان، وسبع وعشرين رجب، لو تصلي قيام الليل، والأوابين، والضحى، وكل ما شفت حالك فاضي، وما تنصح زبائنك لست ديناً. إنما..
((إنما الدين النصح ))
يجب أن تنصح زبونك، وكأن الحاجة لك هل تأخذها أنت أنا لا آخذها، ولكنها رخيصة، هذه فيها عيب.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴿
[سورة النور]
لما فهموا الدين النصح فتحوا العالم، ولما فهمناه صوم وصلاة وحج وزكاة فقط تلك الله يعفو عنا، يقول لك: أخي الله يسامحنا نحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، يقول لك: الله قال:

﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴿
[سورة يوسف]
يحكي لك كلام من القرآن، يفعل ما يشاء، يغش، ويكذب ويغير الحقائق، أما عندما يؤذن الظهر، يقول: أخي بالإذن أريد أن أصلي ما هذه الصلاة ؟ إن راحت أو ما راحت الصلاة مثل بعضها، لما تغش الناس بمصالحهم، وتكذب عليهم.
أحياناً عامل البللور يضع للبلور بسمار بسمار في كل جهة فقط، أحياناً يضرب الباب ضربة قوية فينكسر البللور، ثمنه خمسين ليرة.
حتى يوفر دقيقة واحدة دفعك خمسين ليرة، ويصلي.
والله حكى لي أخ عن دهانين شركاء، واحد له لحية، والصلاة بالجامع، والله شيء جميل، أنعم بها وأنعم به، ولكن صاحب البيت قال لهم: أنا مشغول، وهذا المفتاح دهنوا البيت، أنا واثق بكم.
الشريك الأول ليس له مظهر ديني ولكنه ورع، قال له: في تلفون بهذا البيت إذا لزمني أن أخبر زوجتي هل عندك مانع ؟ قال: لا والله مسامح، خبر على حسابك بقدر ما تريد. الثاني الذي له لحية خبر مخابرة إلى السعودية ثلاثمائة وخمس وخمسين ليرة فيها، قال أما هو قال لنا خبروا، أهو قال لك خبر مخابرة خارجية ؟ قال: خبر مخابرة داخلية سمح لك قال له: أريد أن أقول له، قال: لا تقول له ما فيها شيء. فكوا الشركة من هذا العمل، فكوا الشركة قال له: أنت لست إنسان مستقيماً، إذا أنت زيك ديني، والفاتورة جاءت ثلاثمائة وخمس وخمسين، ماذا يقول على دينك ؟ أهكذا المسلم ؟ غدار ؟. دهنت البيت أخذت أجرة مضاعفة بهذه الطريقة.
فأنا قناعتي أن الدين بالاستقامة، ليس بالمظهر، مع أن المظهر أنعم به وأكرم أنا أحترم المظهر، ليس معناها أنا أطعن بالمظهر لكن مظهر من دون مخبر ليس له قيمة. إذا واحد لقى فولة فاضية بصير معه خيبة أمل، أو في مرة واحد كان طفل بسوق الحميدية أصلحه الله وهداه، يكنس المحل، يجمع الغبرات، يحضر علبة جرابات ثقيلة، يضعهم فيها ويلفهم بورق هدايا، شريطة حمراء يضعها على الرصيف. يأتي رجل يراها يظنها واقعة من شخص يأخذها وينظر حوله هل أحد يراه ؟. ثم يتتبعه، وعندما يبعد مئتي متر ويفك الشريطة الحمراء، ثم يفك يراها وسخاً.
في شخص تراه مظهره فخم جداً، افتحه تراه أعوذ بالله، غشاش آكل مال حرام لا يؤتمن، كذاب. الدين مخبراً وليس مظهراً.

((إنما الدين النصح ))
في أحاديث بروايات أخرى:

(( إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))
[أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد]
* * * *
والآن إلى قصة صحابي جليل رضوان الله عليه:
غريب لو قرأت النصوص القديمة، قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: " كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، ونقطع الرحم، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه، ونسبه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده، وندع ما يعبد آباءنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار (ما حكى عن الصلاة، هذه الصلاة وسيلة ليست غاية، الغاية أن تكون إنساناً شريفاً، مؤتمناً، صادقاً، ورعاً لذلك

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط. ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلى، لم يعبأ الله بشيء من عمله))
لذلك قال تعالى: ((فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ))
[سورة الكهف من الآية 105]
هؤلاء الذين يعصون الله في السر، ويعبدونه في العلانية لا شأن لهم عند الله.
ضيفنا اليوم الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري، وله قصة مثيرة عرف زيد ابن سهل النجاري المكنّى بأبي طلحة أن الرميصاء بنت ملحان النجارية، المكناة بأم سليم قد غدت أيماً، يعني مات زوجها فاستطار فرحاً بهذا الخبر، ولا غرو، فقد كانت أم سليم سيدة حصاناً رزاناً، راجحة العقل، مكتملة الصفاة. يظهر أنها إنسانة ممتازة، يعني درجة أولى كمالاً وصلاحاً، كمال في العقل، وصلاح في الشكل.
فعزم على أن يبادر إلى خطبتها قبل أن يسبقه إليها أحد من الذين يمحون إلى أمثالها من النساء، وكان أبو طلحة على ثقة من أن أم سليم لن تؤثر عليه أحداً من طالبها ـ كان واثقاً من نفسه، يظهر أنه من وجهاء المدينة، ومن أغنيائها ـ فهو رجل مكتمل الرجولة مرموق المنزلة، طائل الثروة، وهو إلى ذلك فارس، وأحد رماة يثرب المعدودين.
مضى أبو طلحة إلى بيت أم سليم، وفيما هو في بعض طريقه تذكر أن أم سليم قد سمعت من كلام هذا الداعي المكي مصعب بن عمير فآمنت بمحمد واتبعت دينه. هو في الطريق قال لنفسه لكنها أسلمت يعني هذا شيء كأنه عيب صار فيها.
سيدنا رسول الله قبل أن يهاجر بعث إلى المدينة مصعب بن عمير يدعو إلى الدين الجديد، وآمن من آمن من الأنصار مع هذا الصحابي الجليل قبل أن يأتي النبي إلى المدينة. لكنه ما لبث أن قال في نفسه: وما في ذلك عناء، ألم يكن زوجها الذي توفي عنها مستمسكاً بدين آبائه، نائياً بجانبه عن محمد ودعوته.
بلغ أبو طلحة منزل أم سليم، واستأذن عليها، فأذنت له وكان ابنها أنس حاضراً فعرض نفسه عليها، فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد، لكني لن أتزوجك وأنت كافر ـ انظروا دقة الكلام، كلام مثل الرياضيات ـ لم تقل لن أتزوجك لأنك كافر. لا، وأنت كافر معناها إذا آمنت أتزوجك، الواو الحالية، لن أتزوجك على هذه الحال، إعراب الجملة حالية والواو واو الحال. لن أتزوجك وأنت رجل كافر. فظن أبو طلحة أن أم سليم تتعلل عليه بذلك يعني هذه حجة غير صحيحة، وأنها قد آثرت عليه رجل آخر أكثر منه مالاً وأعز نفراً. فقال لها: والله ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم.
قالت: وما الذي يمنعني إذاً ؟
قال: الأصفر والأبيض.
العوام يقولون، والله لا أخذنا منه لا أصفر ولا أبيض. الأصفر يعني لا فضة ولا ذهب.
قالت: الذهب والفضة ؟
قال: نعم.
قالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة، وأشهد الله ورسوله، أنك إن أسلمت رضيت بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة، وجعلت إسلامك لي مهراً.
حتى أؤكد لك أن سبب رفضي أنك كافر، لو أسلمت لرضيت بإسلامك مهراً لي.
فما إن سمع أبو طلحة كلام أم سليم، حتى انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه نفيس الخشب، وخص به نفسه كما كان يفعل السادة من قومه، لكن أم سليم أرادت أن تطرق الحديد وهو ما زال حامياً ـ كما يقولون ـ فقالت له: الست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض ؟ قال: بلا.
قالت: أفلا تشعر بالخجل وأنت تعبد هذا الجذع من الشجرة ؟ جعلت بعضه إلهاً بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يصطلي به.
شجرة قسم صنعته أنت إلهاً وقسم جعله غيرك حطب.
إنك إن أسلمت يا أبا طلحة رضيت بك زوجاً، ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام.
قال: ومن لي بالإسلام ؟
قالت: أنا لك به.
قال: وكيف ؟
قالت: تنطق بكلمة الحق، فتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم تمضي إلى بيتك فتحطم صنمك، ثم ترمي به.
فانطلقت أسارير أبي طلحة وقال: اشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
يعني الله أعلم فرح بها زوجة فأسلم، ما شي الحال.
ثم تزوج من أم سليم، فكان المسلمون يقولون ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم.
أكرم مهر، فقد جعلت صداقها الإسلام.
منذ ذلك اليوم انضوى أبو طلحة تحت لواء الإسلام ووضع طاقاته الفذة كلها في خدمته، فكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، ومعه زوجه أم سليم. وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة على مسلمي يثرب.
جعله أمير.
ثم إنه شهد مع رسول الله مغازيه كلها، يعني بدر، وأحد، والخندق، وأبلى فيها أشرف البلاء وأعزه، لكن أعظم أيام أبي طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو يوم أحد. وهاكم خبر ذلك اليوم.
أحب أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً خالط شغاف قلبه، وجرى مجرى الدم من عروقه، فكان لا يشبع من النظر إليه ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديث، وكان إذا بقي معه جثا بين يديه وقال له: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون عن رسول الله فنفذ إليه المشركون من كل جانب، حتى إن المرجفين أرجفوا بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل، فزداد المسلمون وهناً على وهن وأعطوا ظهورهم لأعداء الله.
صار في تولي.
عند ذلك لم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نفر قليل في طليعتهم أبو طلحة. قالوا: انتصب أبو طلحة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كالطود الراسخ بينما وقف النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به، يعني جعل نفسه ترس لرسول الله.
ثم وتر أبو طلحة قوسه التي لا تفل، وركب عليها سهامه التي لا تخيب، وجعل ـ هو أحد الرماة الكبار، بالأساس هو كان رامياً من رماة معدودين ـ وجعل يذود بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرمي جنود المشركين واحداً إثر واحد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتطاول من خلف أبي طلحة، ليرى مواقع سهامه، فكان يرده خوفاً عليه ويقول له: بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم فيصيبوك.
عامل حاله ترس. ويصيب، رسول الله أحب أن يرى السهام ما مصيرها، هل تصيب ؟
وكان عليه رضوان الله يقول: إن نحري دون نحرك، وصدري دون صدرك جُعلت فداك يا رسول اله، وكان الرجل من جند المسلمين يمر برسول الله ومعه الجعبة من السهام، فيميل عليه النبي ويقول له: انثر سهامك بين يدي أبي طلحة، ولا تمضي بها.
ولا زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاث أقواس، وقتل ما شاء أن يقتل من جنود المشركين، ثم انجلت المعركة، وسلم الله نبيه وصانه بصونه.
يعني هذا موقف لا يُقدر بثمن، أن جعل من نفسه ترس لرسول اله وقال: نفسي دون نفسك، ونحري دون نحرك جعلت فداك.
وكما كان جواداً بنفسه في سبيل الله، وفي ساعات البأس فقد كان أكثر جهاداً بماله في مواقف البذل. من ذلك أنه كان له بستان، من نخيل وأعناب لم تعرف يثرب بستاناً أعظم منه شجراً.
ولا أطيب ثمراً، ولا أعذب ماءً، وفيما كان أبو طلحة يصلي تحت أفيائه الظليلة أثار انتباهه طائر غرد، أخضر اللون، أحمر المنقار مخضب الرجلين. طائر جميل جداً وهو يصلي نظر إليه. وقد جعل يتواثب على أفنان (الأفنان الأغصان) الأشجار طرباً مغرداً متراقصاً، فأعجبه منظره، وسبح بفكره معه،ثم ما لبث أن رجع إلى نفسه فإذا هو لا يذكر كم صلى. كم ركعة، اثنتين أم ثلاثة، ثلاثة أم ركعتين لا يدري.
فما إن فرغ من صلاته حتى غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له نفسه التي صرفها البستان، وشجره الوارف، وطيره الغرد عن صلاته ثم قال: اشهد يا رسول الله أنني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى.
لأنه شغله عن الصلاة، هل أحدنا إذا رأى شغلة في البيت وأعجبته وما عرف كم ركعة صلى، أيقدمها لله هدية جزاءً عن شروده في الصلاة.
بستان واسع فيه أشجار مثمرة، فيه خيرات، لأنه شغله عن صلاته قدمه هدية لله عز وجل، لشدة حرصه على الصلاة.
ويروون أن سيدنا رسول الله علمنا، أهديت له بردة يمانية، فصلى بها ركعتين ثم خلعها، فقال خذوها عني كادت تفتنني عن صلاتي.
يعني بعضهم يقولون تعليماً لنا. الإنسان إذا التفت لغير الله في الصلاة كأنه ما صلى.
المسلمون عزموا على غزوة في البحر في خلافة عثمان بن عفان. أول غزة في البحر. إذا ذهبت إلى قبرص ترى جوامع في مدن قبرص كلها، هذه الجوامع بفضل سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي فتحها بحراً.
فأخذ أبو طلحة يعد نفسه للخروج مع جيش المسلمين فقال له أبناؤه: يرحمك الله يا أبانا لقد صرت شيخاً كبيراً، وقد غزوت مع رسول الله وأبو بكر، وعمر، لم تفتك غزوة واحدة، بدر وأحد والخندق ومؤتة، والغزوات كلها، وحنين، ومع سيدنا الصديق، حرب المرتدين، وفتوح الشام، والقادسية، واليرموك، ومع سيدنا عمر. يكفيك، تقاعد. ما في تقاعد في الجهاد أيضاً.
يرحمك الله يا أبانا، لقد صرت شيخاً كبيراً ـ بالمناسبة لا شيخوخة في الإسلام المسلم لا يشيخ أبداً، عمره النفسي سبعة عشر ثمانية عشر على طول، أما عمره الزمني يصير خمس وثمانون ممكن، يشيخ جسمه ولا تشيخ نفسه ـ فهلا ركنت إلى الراحة وتركتنا نغزو عنك، نحن أولادك، نيابة عنك.
فقال: إن الله عز وجل يقول ـ اسمعوا كيف فهموا كلام ربنا عز وجل:

﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴿
[سورة التوبة]
انظروا فهمه الدقيق لهذه الآية، ما معنى خفاف، الشاب خفيف الطفل ينط نط إن صعد الدرج خمسة خمسة يصعدهم، وإن نزل على الدرابزين، زحف، بدقيقة يصبح تحت، خفيف، أما انظر الإنسان في الثلاثين درجة درجة، بالسبعين ثمانين، يضع رجله على الدرجة ويسحب الثانية إليها، ثم يرتاح عشرة دقائق.
فربنا عز وجل قال:

((انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ))
فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباناً، ولم يحدد لنا سناً، سن معين ما في.
ثم أبى إلا الخروج.
وبينا كان الشيخ المُعَمَر أبو طلحة ـ المُعَمَر يصح، والمُعمِر يصح إذا قلنا معمَر اسم مفعول عمره الله عز وجل، إذا قلنا معمِر كان عمره طويلاً.
وبينما كان الشيخ المعَمَر أبو طلحة على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر، مرض مرضاً شديداً فارق على إثره الحياة فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها، فلم يعثروا على مبتغاهم إلا بعد سبعة أيام، وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير فيه شيء كأنه نائم. وفي عرض البحر بعيداً عن الأهل والوطن، نائياً عن العشير والسكن دُفن أبو طلحة.
أغلب الظن بجزر من جزر اليونان، حول قبرص. وما يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل.
يعني إذا إنسان دفن بمدفنة العائلة لها بناء فخم، ونوافذ عليها حديد وشاهدتين من أمام ومن وراء، ويا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، وكان آكل ربا ماذا استفاد، وإذا دُفن باب صغير أو بالدحداح، أو وضع له قبر صنعوا له مقام.. وإذا رجل كان الله راضياً عنه ودُفن في البحر لا مانع.
وماذا يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل.
هذا صحابي جليل أحب أم سليم، وكيف تزوجها، وكان مهرها الإسلام، وكيف أنفق البستان بكامله، وكيف جاهد، وكيف وقف موقفاً من رسول الله، يشهد له التاريخ. رضي الله عنه وأرضاه.
يعني أعلى لقب يحوزه إنسان في الدنيا، ما في معه بورد، يقول لك فلان معه بورد، بالحرب العالمية يقول لك: فلان ماريشال. يعني أعلى رتبة عسكرية، أعلى رتبة يحوزها إنسان أن يُقال بعد اسمه رضي الله عنه.
إذا رضي الله عن إنسان فقد سعد في الدنيا والآخرة.

* * * *
جاءني سؤال من أخت كريمة، تقول: أنا طالبة من طالبات جامعة دمشق فرع الطب أريد فتوى بالنسبة لصيام شهر رمضان المبارك والامتحان على الأبواب، فهل يجوز لي أن أفطره، لأستطيع تقديم الامتحان، ثم أصوم شهراً متتالياً بعد الفحص، فما حكم ذلك فأنا في حيرة وقلق.
طبعاً هذا السؤال ربما يكثر وروده في هذه الأيام، لأن فحوص الجامعة وفحوص الشهادتين الاعدادية، والثانوية، ولم تنج إلى الفحوص الانتقالية من رمضان.
ما سمعت في كتاب الله إجازة للإفطار إلا للمريض أو المسافر فإن كنتم مرضى أو على سفر، يعني المرض والسفر عذران مقبولان عند الله، لكن اسمعوا ماذا قال الله عن السفر والمرض.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴿
[سورة البقرة من الآية 184]
يعني الذي يطيق الصيام في السفر إذا أفطر فعليه فدية، ليس قضاءً فقط، قضاء وفدية، يعني إذا رجل ركب طائرة ذهب إلى فرنسا في رمضان، والطائرة مكيفة، وجالس على مقعد وثير، يصير سرير إذا أحب، ومن فندق مكيف إلى فندق مكيف، وأفطر، لأن الله قال:

((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ))
قال:
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ.. من يطيق الصيام مع السفر، أو يطيق الصيام مع المرض، يعني عنده دسك، آلام في الظهر، وآلام في الرجل، لكن هذا لا علاقة له بالمعدة والطعام والشراب، والأدوية كلها خارجية، تسطيح على ظهره، هذا يطيق الصيام مع المرض إذا أفطر فعليه إضافة إلى القضاء فدية. طعام مسكين.
قال:

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴿
إفطار يوم لا يعدله صيام الدهر كله، لذلك نحن بتوفيق الله عز وجل ننصح الأخت الكريمة ونقول لها كما قال الله عز وجل.
وأن تصومي خير لك إن كنت تعلمين، السبب الامتحان دقيق جداً إذا طالب آثر رضاء الله عز وجل وصام، مليون طريقة في للتوفيق.
أحياناً الله عز وجل يلهم هذا الطالب فيقرأ بحث معين، يقول لك عم أقرأه، جاء رفيقه، قال له: البحث قرأته، قال: ما قرأته اقرأه. في اليوم الثاني جاء في الامتحان سؤال قد يأخذ علامة تامة، إلهام من الله عز وجل، هذا شيء بيد الله وحده، فإذا راقب الله عز وجل إنساناً طالباً أو طالبة يصوم في رمضان، في شهر الصوم والامتحان في هذا الشهر الله سبحانه وتعالى لا أقول أغلب الظن، لئلا تجربوا الله لا يجرب ولا يُشارط، لكن ما أعتقد طالب يصوم برمضان ويؤدي امتحان ويخفق في امتحانه إلا إذا ترك الأخذ بالأسباب ما درس إطلاقاً، أنا حصوم وانجح، لا تنجح بالصوم، أما إذا درس وعمل جهده وصام برمضان أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى سيوفقه.
بالمناسبة ممكن للطالب برمضان، ينام العصر بقدر ما يقدر، يجبر نفسه على الاستلقاء ساعتين ثلاثة، حتى يقدر بعد الإفطار إلى السحور أن يبقى يقظاً. إذا سهر من الإفطار إلى السحور وصلى الصبح ونام ساعتين، استيقظ الساعة الثامنة، ثم درس نشيط من الثامنة إلى الساعة الثانية عشر كاف، أنت ما بتلحق من الإفطار تدرسهم ساعتين، إذا من الإفطار إلى السحور، وتنام من بعد صلاة الصبح إلى الساعة التاسعة، ومن التاسعة إلى الساعة الواحدة دراسة كاف، اعتمد الشراب شوي، اشرب كمية كافية، كول أكل يقيم بأودك يعني، ممكن، اعتمد الطعام والشراب، واسهار طول الليل صحيح نشيط ما في عليك شي إذا كان العصر نمت ساعتين معناها بقدر تم للسحور قاعد، وحاول بالسهرة حط مي شراب حر أنت وتقرأ من التسعة للساعة الثانية عشر، أو وحدة كل يوم، وبعد الظهر ترتاح نائم والله عز وجل لعله يكون التفوق في هذا الامتحان في رمضان، الله عز وجل موجود شايف شايف شهر رمضان وفي امتحان، ما بوفق يعني، مو معقول، معقول يوفق المفطر، شو قولك، المستخف بشهر الصيام. يعني قال النبي الكريم إذا استشير أحدكم فليشر ما هو صانع لنفسه، بعيد عن موضوع فتوى رسمية وكيف الجواب تبعها، ليس هذا عملي إطلاقاً، لكن أنا لا أفطر، لو كنت طالباً في رمضان لا أفطر، وليكن ما يكون، ولا يكون إلا الخير. ولا يكون إلا النجاح، هذا الكلام مو بس للأخت الكريمة لكل طالب في الثانوية أو الكفاءة أو الجامعة، هذا الجواب للجميع.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:40 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 03: التبرج
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-07-08
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
التبرج:
أيها الإخوة المؤمنون:
وصلنا في هذه الموضوعات إلى موضوع التبرج.
التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه، إظهار محاسن المرأة التي أمر الله بإخفائها، الآية القرآنية التي تتحدث عن التبرج قوله تعالى:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب الآية 33]
بهذه الآية أسئلة كثيرة، أول شيء حينما يذكر الله عز وجل شيئاً في كتابه الكريم فمعنى ذلك أن هذا الشيء أساسي في سلامة المرء وسعادته في الدنيا والآخرة.
لا يظن بعض الناس أن الله عز وجل ذكر آية في القرآن الكريم فيها توجيه اجتماعي أن هذه الآية من الثانويات، ما دام الله عز وجل قال:

((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ))
معنى ذلك أن بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة ويسعد به الرجال، وتسعد به النساء، ويسعد الناس في الدنيا والآخرة.
المرأة إذا خرجت من بيتها، وخالطت الرجال سببت فساداً كبيراً. لأن المرأة محببة إلى الرجال هذه فطرة، قال تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[سورة آل عمران من الآية 14]
كيف أن البارود يشتعل بالنار، من خصائص هذه المادة اشتعاله بالنار، فإذا منعت النار عن البارود فهذا مبني على علم كبير، ربنا عز وجل قال:

((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ))
فلما خرجت ابنتا سيدنا شعيب عليه على نبينا أفضل الصلاة والسلام لسقي الغنم قالتا:

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾
[سورة القصص]
يعني ما خرجنا إلا لسبب قاهر، أما من غير سبب قاهر ينبغي أن تبق المرأة في بيتها، وليس معنى ذلك أن تبقى جاهلة، بعض الجهلة يقرن بين بقاء المرأة في بيتها وبين الجهل، يجب أن تبقى في بيتها وهي في قمة الفهم، والتأدب بأخلاق الإسلام والتفقه في الدين وفهم كتاب الله، وإتباع سنة رسول الله، قربنا عز وجل يقول:

((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ))
لا حاجة إلى التفصيل لأن كلكم تعرفون ذلك، ولو أن امرأة متبرجة تعمل في مكان، يراها الرجال كل يوم، وكل ساعة، رجال على أنواع بعضهم كالذئب، بعضهم كالثعلب، بعضهم يشتهي ما ليس عنده يعني هذا شيء طبيعي أن يقرب الرجال إليها، فإذا تقرب الرجال إليها شعرت بقيمتها، وبخطورة جمالها في الحياة، لذلك تستعلي على زوجها في البيت، تفسد علاقتها مع زوجها، وتفسد علاقة الأزواج مع زوجاتهم، وتحتل مكان رجل لو عُين مكانها لتزوج، إذاً عطلت مكاناً لرجل، وعطلت زواجاً لأنثى، ورزقها مضمون على أبيها أو على زوجها، هذا نظام الإسلام. فربنا عز وجل حينما قال:

((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ))
يعني النظام الأمثل أن تتفرغ المرأة لرعاية زوجها وأولادها، وأن تكون عالمة لأمر دينها وحقوق زوجها.

((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ))
السؤال الدقيق، لماذا قرن الله عزوجل بين أمره الشريف العظيم
((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ))
وبين نهيه الآخر ـ
((ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى))
لماذا قرنهما مع بعضهما.
الأصل أن تبقى المرأة في البيت. يا بنيتي يا فاطمة ـ هكذا قال عليه الصلاة والسلام ـ ما خير ما تفعله المرأة ؟ قالت: أن لا ترى وأن لا تُرى.

(( صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجدها ))
((وصلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في دارها))
الدار مجمل الغرف مع الساحة الثانوية، مع الفناء، أما البيت الغرفة
((وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في بيتها ))
إذا في غرفتين، غرفة مطلة على فناء الدار، وغرفة داخلية، لأن المرأة كلها فتنة،صوتها فتنة، حركتها مشيتها.

((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ))
ما علاقة النهي الثاني ؟ فإذا خرجتن لأمر ضروري لا تبرجن، إذا قلنا لواحد لا تأكل أكل النهم، فهل نحن ننهاه عن الأكل ؟ لا. لا تقوموا لي كما يقوم الأعاجم، الأعاجم يقومون تعظيماً لملوكهم، أما إذا قام الصحابة الكرام لنبيهم فهذا التعظيم ليس لذاته، بل لحقيقته العظمى، إذاً النهي ليس نهياً مطلقاً.

((وَلَا تَبَرَّجْنَ ))
المرأة لابد من أن تتبرج لزوجها، فإذا تركت التبرج لزوجها أثمت لأنها إذا تبرجت لزوجها كان تبرجها لزوجها أغض لبصره، وأحصن لنفسه، لكن المرأة غير المسلمة تتبرج لغير زوجها، للأجانب في الطرقات، تظهر مفاتنها لمن ليس له علاقة بها، تبرز مفاتنها لمن لا يجوز له أن يرى مفاتنها، تبرز مفاتنها فتفسد علاقة الأزواج بزوجاتهم، أو تفسد علاقة الشباب بربهم، أو تفسد علاقة المجتمع بعضه ببعض.

((وَلَا تَبَرَّجْنَ))
يعني هذه الفتنة، هذا الجمال الذي منحه الله للمرأة، حينما منحه إياها من أجل أن يكون عوناً لها على أن يحبها زوجها، من أجل الوفاق الزوجي، يعني المرأة محببة، لو أنها تقوم بتربية الأولاد وتقوم بالوضع، وبالحمل، وبالرضاع، وبالخدمة، وبالطبخ وليس لها شكل مقبول، لم تستقم الحياة الزوجية، لكن الله سبحانه وتعالى جعل له هذا الشكل المحبب وقال:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[سورة آل عمران من الآية 14]
من أجل أن تكون الألفة بينهما:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[سورة الروم]
هذه مودة، تأتي من أنها محببة للرجل، هذا الشيء الذي منحه الله إياه لعلة واضحة، إذا استخدمت لغير ما خلقت له فقد فسدت وأفسدت.

((وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى))
الجاهلية كانت النساء تتبرج لا بقصد إرضاء أوجهن، بل بقصد إبراز مفاتنهن لذلك هذه تصل في تفرغ المرأة لزوجها، وفي صونها لنفسها، وأثمن ما تملك المرأة شرفها وعرضها وعفافها، فإذا عرضت هذا الشيء الثمين لأنظار الناس كلهم فقد أثارت حولها الذئاب الجوهرة المكنونة توضع في علبة مخملية، وفي صندوق، أما الشيء التافه الذي لا قيمة له تراه ملقياً في الطريق.

((وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى))
من الكلمة الأولى يُفهم أن هناك جاهلية أمر وأدهى سوف تأتي في آخر الزمان.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب من الآية 59]
أكثر المفسرين فسروا هذه الآية أن الجلباب يجب أن يستر جسد المرأة كله، من رأسها إلى أخمصها، هذا هو الجلباب، وسُمح أن تبقى عين واحدة مكشوفة كي ترى طريقها.


﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب من الآية 59]
والآن هات لي واحدة لا يرى الناس وجهها، لا يستطيع أحد مهما بلغ فسقه أن يسمعها كلمة في الطريق، ولا أن يتحرش به، ولا أن يصف شكلها، ولا أن يتكلم كلاماً يؤذيها، لأنه لا يراها، فإذا بدى الوجه، وهو موطن الفتنة في المرأة كانت التعليقات، إن كان فاتناً علق الناس تعليقاً خاصاً، فإن لم يعلقوا أضمروا في نفوسهم ما لا تُحمد عقباه، وإن نظروا وكان في الوجه دمامة، تكلموا بكلمات تعقد هذه المرأة، لذلك قال الله عزوجل:

((يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ))
معنى المرأة التي تظهر مفاتنها قد تؤذي، وقد تؤذى، تؤذي بإثارة الشهوات وقد تؤذى ببعض الكلمات التي تجرح شعورها إن بقي عندها شعور. على كل الآية الثانية:

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
[سورة النور من الآية 31]
المفسرون قالوا: الذي يظهر من زينة المرأة طولها، هل تستطيع أن تخفي طولها، كونها ممتلئة الجسم أم نحيلة، هذا شيء لا تستطيع أن تخفيه، لذلك الآية الكريمة:

((وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا))
أما الوجه لو أن الوجه مستثنى من هذه الآية إلا ما أظهرن، بيدها أن تظهره أو لا تظهره، أما إلا ما ظهر ليس إلا ما أظهرن منها، الوجه إلا ما أظهرنا، والمعصم إلا ما أظهرن، والرقبة إلا ما أظهرن، كل هذه الأعضاء يمكن سترها، إلا ما ظهر من دون قصد ومن دون إرادة، ومن دون إمكان، إلا ما ظهر منها، قالوا طولها وقالوا ثيابها.

((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ))
الجيب فتحة الصدر، يضربن بخمورهن، والخمار الرداء التي تختمر به المرأة والخمر تستر عقل الإنسان، والخمار يستر المرأة ولتضرب خمارها على جيبها مروراً بوجهها.

((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يُرى منها))
يعني المرأة إذا بلغت سن البلوغ لا ينبغي أن يراها الأجنبي لأنه إذا رآها زرعت الشهوة في قلبه
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن المرأة إذا أقبلت أقبلت ومعها شيطان، وإذا أدبرت أدبرت ومعها شيطان))
[أخرجه الترمذي]
يعني إذا رأيتها مقبلة بزينتها حركت الشهوة، وإذا رأيتها مدبرة حركت الشهوة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء))
[متفق عيه]
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
[أخرجه مسلم وأحمد]
يعني الثوب إذا شف عن لون الجلد فهذا ليس بثوب، إنها بهذه الثياب كاسية عارية، يعني القماش الرقيق الذي يظهر ملامح الجسد فهذا يدخل بهذا الحديث كاسية عارية والثياب الثخينة، إذا كانت ضيقة، فوصفت حجم العضو، كاسية عارية.

(( كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا ))
كيف أفهم أن امرأة مؤمنة تظهر مفاتنها للأجنبي، إيمانها بقلبها كبير، لا تدع الصلاة، يعني غطاء رأسها في محفظتها، لكن مضطرة، هذا كلام مرفوض، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
أب سأل بناته، لماذا أنتن متحجبات ؟ فأجابت كل فتاة كلمة بحسب مستواها قالت إحداهن، لأن الله أمر بذلك، وقالت أخرى لأنني بهذا أرضي الله عز وجل، وقالت ثالثة أنا متحجبة لئلا أؤذي عباد الله.
شاب في مقتبل حياته، ملتهب، إذا رأى فتاة وكان منظرها مثيراً لشهوته، ماذا يصنع بنفسه، جاهل، ليس له مجلس علم يعلمه غض البصر، ما له أستاذ يعلمه الدين الصحيح، ما له تعلق بالآخرة، سيفسق، سينحرف، سوف يبتغي وراء ذلك، هي شريفة ما جرؤ على التكلم معها، ولا تكلم معها، ونظرها في الأرض، ولكن زرعت الفتنة في نفسه.
إذا لبست المرأة لباساً حديثاً وفق أحدث الموضات، معنى ذلك أنها تدعو الناس إلى النظر إليها، تدعو الناس إلى التهامها بعيونهم، وتقول إنها شريفة، أين شرفها، لو أنها شريفة لحجبت مفاتنها عن الذئاب. أقول الذئاب بالذات.
مثل مضحك، إذا رجل ركب سيارة عامة ترى أبوابها مخلخعة لها وضع خاص هذه عامة، أما السيارة الخاصة منتظمة، أيضاً المرأة لما تظهر مفاتنها صارت عمومي ليست خصوصي، مستهلكة من الجميع، يستمتع بها الجميع، ولا شأن لها عند الله عز وجل أما هذه المرأة التي خلقها لتكون لزوجها، عندئذ يرزقها الله بهاءً إلى أمد طويل، سبحان الله يعني المرأة التي تصون نفسها بالخمسينات مشرقة، والتي يراها الأجنبي صباحاً ومساءً بسن مبكر يذهب رونقها، ويذهب جمالها لأنها استهلكت، استهلكت وأهلكت.
وعن موسى بن يسار رضي الله عنه قالت:
(( مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف ))
الآن أين ما مشيت، على بعد ثلاثة أمتار تشم رائحة المرأة، يعني يدفع الناس على العطورات مبالغ طائلة، النساء في الطريق، إذا كان الرجل غير منتبه يشم رائحة نسائية فينظر طبعاً أهل الدنيا. فسيدنا أبو هريرة مرة بامرأة وريحها تعصف، فقال لها:
((أين تريدين يا أمة، قالت إلى المسجد، فقال: وتتطيبين، قالت نعم، قال: فارجعي فاغتسلي ))
يعني إذا خرجت المرأة متعطرة خرجت زانية.

((قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقبل الله صلاة من امرأة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل))
الموضوع حساس ودقيق، وكل منا يعرف أبعاده، ويعرف كم من طلاق تم بسبب الاختلاط، كم من شقاء وقع في بيت بسبب التبرج كم من انحراف وقع من زوج أو من زوجة بسبب ذلك.
أحياناً في هذا المسجد تأتيني مشكلات، شيء لا يُذكر، واحد غايب عن زوجته دخلت إلى بيت الجار في غيبته، طبعاً في إهمال للشرع هذا الشرع إذا طبقته كان وقاية لك من المشكلات، ومن المفاجآت، ومن الأمور التي لا تحتملها، فإذا أطلقته، ولم تكن عالماً بمضار الاختلاط.
رجل والله في هذا المسجد، القصة من ثمانية سنوات، بعد ما انتهت خطبة الجمعة قال لي سؤال: قال والله زوجتي وجدتها مع رجل، قلت: له ما السبب ؟. قال لي القصة قالها من أولها، قال جارنا دخل إلي زارني، قال لها: فلان مثل أخوك هات القهوة هذا جاهل بما يكون من عواقب الاختلاط. الإنسان الذي يحب نفسه ويحب أن يمضي عمر مع زوجته في اطمئنان ودعة، واطمئنان إلى أخلاقها، وإلى استقامتها ووفائها، لا يعرض نفسه إلى مهالك بسبب جهله بالدين.
واحد آخر، هو دعا زوجته إلى العمل خارج المنزل، بوظيفة حساسة لها علاقة بضرائب معينة، جاءتها الهدايا، جاءتها المبالغ اشترت بيت آخر، غابت عن البيت، استعلت على زوجها، بعد ذلك شعر أن على نفسها جنت براقش، تركته بعد ذلك، من هو أمام من هو معجب بها، وبقيمتها، وبدخلها.
واحد نفخ قربة وركب فيها بالنهر، في منتصف الطريق نفست فغرق، فقال له بعضهم: يداك أوكتا وفك ونفخ، يعني ربطتا، هذا من صنعك.
تسمع أحياناً يقول لزوجته: يجب تظهري على إخوتي كلهم من دون شيء هؤلاء إخوتي. ما هذه آية أم حديث، من أين أتيت بها؟ جهل.
أحياناً الأهل يشترطون على الزوج أن ابنتهم تختلط مع أخوة زوجها شرط، لا تعمل لنا تفرقة في العائلة، نحن ربينا سوية، شيء جميل ما هذه العادات.
صنف آخر، أن فلانة ربيتها، أين هي، صارت زوجة، ما بصير تحجبها عني أنا مربيها، ما هذا الكلام، كلام جهل، وترى مضاعفات، وانحرافات، وغمز، ولمز ويفاجئون بعضهم بأوضاع غير سليمة، ويشتكون من بعضهم، ويخونون بعضهم، وتصير عداوات. هذه كلها منافذ الشيطان.
فإذا أردت أن تحيى سليماً من هذه الآفات فطبق كتاب الله.
إذا اشترى رجل سيارة، معها نشرة بالعربية، مرة قرأتها بكاملها ستين سبعين صفحة تقريباً، متى يجب أن تضع الزيت، كيف تمسح البللور، إذا مستحته من دون ماء ينجرح، لابد أن تفحصها كل فترة من أسفلها لتزفيتها، وإلا تهترئ، وجدت أشياء ضرورية جداً. من أفهم جهة تعطيك النصائح الصحيحة في صيانة السيارات ؟ المعمل. أما إذا سألت رجل ليس له علاقة بالمصلحة إطلاقاً يعطيك نصائح غير صحيحة، يقول لك: لا تحميها صباحاً فوراً امش ما في وقت. غير فهمان.
فالإنسان حينما يتلقى النصائح بأمور حياته من جهات غير خبير يدفع الثمن، أما إذا تلقى النصيحة من خبير:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾
[سورة الملك]
نحن من خلقه، وهذا الكتاب القرآن الكريم هو دستورنا في الحياة تخالفه فتدفع الثمن، كنت أقول دائماً أن الإنسان لمس مدفئة فاحترقت يده العلاقة بين لمسها واحتراق اليد هذه علاقة سبب بنتيجة، يعني علاقة علمية، أما إذا اشترى الأب دراجة لابنه الناجح هذه علاقة00 حكيمة، يعني الأب قال لابنه إذا نجحت أشتري لك دراجة. هذه علاقة ليست بالضرورة، علاقة وضعها الأب، فلما نجح الابن اشترى له دراجة.
علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية، يعني كل معصية فيها بذور نتائجها، من دون تدخل من الله، نفس المعصية. تيار ستة آلاف فولت، يقول لك: خطر الموت، يعني ما في حاجة إذا مسكه واحد يأتي واحد يكتبه ضبط ويخالفه، يموت لوحده منه، من دون تدخل الدولة، إذا واحد مسك تيار فولتاجه عالي وخالف اللوحة المرسوم عليها جمجمة وعظمتين، ومسكه يصبح فحماً فوراً، لا حاجة لأن يكتبه مخالفة، ويحيلوه على القضاء ويساووه فحم بالقضاء، ما في حاجة. مسك التيار نفسه يحول صاحبه فحماً فوراً، يجب أن تفهم الدين هكذا، الاختلاط يسبب خراب البيوت، التبرج يسبب فساد العلاقة بين الأزواج كلهم، كل معصية لله عز وجل تسبب فساد الحياة من دون تدخل من الله، الله لا يعاقب أحد عمل نظام دقيق، تخالف فتقع. إذا رجل حرك المقود على اليمين فجأة وعلى اليمين في وادي في حجة مين يدفشه على الوادي، لحاله بيوقع في الوادي، هذا التحريك بحد ذاته في بذور الوقوع في الوادي، هكذا الشرع، لذلك أوامر الشرع ليست قيوداً للإنسان ولكنها ضماناً لسلامته.
يعني لا أقول من باب المبالغة إذا الإنسان يحب نفسه يستقيم على أمر الله، يحب أن يعيش حياة هادئة مع زوجته يقول لك والله عشت معها خمساً وأربعين سنة ما رأيت منها شيئاً أكرهه، معناها أنت حصنتها وحصنت نفسك، أما المفاجآت لا يعلمها إلا الله.
لا أحب أن أخوض بهذه الموضوعات كثيراً لأنني سمعت قصص يقشعر منها البدن من الاختلاط. قال رجل لأستاذ في المدرسة: أخي عنده ثلاثة أولاد، من كل أخ واحد مني واحد ومن أخوه الثاني واحد، ومنه واحد. اختلاط، هذا أخي، وإذا أخوك، الحمو الموت.
الذي حرمه الله فهو حرام، سبحان الله أرى عوائل لا أقول في قمة الجهل لا الجهل ليس له قمة، بل في حضيض الجهل، إذا أراد الشاب فيهم أن يطبق الشرع يقيمون عليه النكير، لماذا ؟ من أين أتيت بهذا الدين ؟ هذا قرآن كريم، حديث رسول الله، يعني ألا يعجبكم قرآن الله عز وجل:
﴿وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن الأولى ﴾

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور الآية 31]
معدودين سبعة لا يوجد غيرهم. ابن عمها ليس وارداً، أخي هيك نحن هيك تربينا. ابن خالتها غير وارد، أخو زوجها غير وارد خال زوجها غير وارد، فبذلك يخالفون الشرع، وتقع المشكلات.

* * * *
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة التي درجنا قبل رمضان على شرحها بفضل الله وتوفيقه.
قد يكون الحق مر، أو الحق قاس على بعض الناس، هذا الحق ونحن نقول النسب النظامية بالكولسترول هكذا، إذا أنت عندك نسبة أعلى تقول: أنا ليس في شيء، لا أعرف أن عندك حالة مرضية، إذا الواحد انحرف عن الشرع هذه حالة مرضية، والعلاج حتمي فإما أن يعالج نفسه قبل أن يعالجه الله عز وجل، حتمية المعالجة، رحمة الله عز وجل تقتضي أن يعالج كل العباد.
يقول لك: ما صار شيء معنا، نحن نخالف وما صار شيء معنا هذا كلام فيه جهل أيضاً، هناك أمراض دور حضانتها ثلاثين سنة وأمراض عشر سنوات، وأمراض خمس سنوات، إذا واحد وضع في الأساسات خمسة أكياس بدلاً من سبعة، ثم يقول لك: ما صار شيء طول بالك..
((هذا الحديث صدق النبي صلى الله عليه وسلم، لما سيدنا حنظلة كان يبكي في الطريق، ورآه سيدنا الصديق، قال: مالك يا حنظلة تبكي، قال: نافق حنظلة، قال له لمَ يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، قال له: وأنا كذلك يا أخي انطلق بنا إلى رسول الله، عند النبي الكريم قالا له ما قالا فقال عليه الصلاة والسلام: أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيينا ولا تنام قلوبنا، وأما أنتم يا أخي فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد]
الإنسان كلما ارتقى إيمانه تشف نفسه، يصبح يرى ما لا يراه الناس إذا المطر سوف تنزل، يجوز واحد من أهل الدنيا يقول: قالوا اليوم ستنزل المطر، انظر كم ميلي نازلة اليوم، انظر كم ميلي نازلة، يأتي بباله مطر نزلت، وكم ميلي، وكان لازم ما تنزل المطر، وفي عنده شيء تاركه من دون تغطية، عنده اسمنت من دون تغطية. هذا تفكيره يأتي المؤمن يرى المطر تنزل، يراها رحمة الله، يرى يد الله تنزله، يرى استجابة الله لعباده يخطر بباله معاني قد يبكي منها كل هذه المعاني لا تخطر في بال الكافر أبداً.
المؤمن يأكل فاكهة، يرى الذي خلقها بهذا القوام، بهذا الشكل، بهذه الرائحة بهذا الطعم، بهذا السعر، بهذه الكمية، بهذه الغزارة كانت تراب، بستان فيه أجاص، وتفاح وخوخ، ومشمش، أثمار متفاوتة في الأشكال والألوان والطعوم، هذه حامضة، وهذه حلوكة هذه هلامية، هذه قاسية، هذه لها قشرة، هذه ليس لها قشرة، هذه شكلها كثمرة، هذه شكلها مربع، هذه شكلها كروي، هذه شكلها دائري، هذه كبيرة، هذه صغيرة، يرى رحمة الله عز وجل، لذلك المؤمن يرى ما لا يراه الناس، لو كبر إيمانه أكثر يحس أن هذه المخلوقات تسبح الله عز وجل.
إذا إنسان رأى زهرة يقشعر بدنه أمامها، كائن جميل خلقه الله تسبح بحمد الله تجنب أن يدوس على زهرة في الطريق، إذا ارتقى أكثر، كأنها تخاطبه ويخاطبها.
واحد صالح بقي بالطعام رزة، فأكله، قال: سمعتها تقول رب لا تذرني فرداً وألحقني بالصالحين.
الله خلقها من أجلك أيها الإنسان، لمَ تتركها هكذا هملاً، خلقت من أجلك، كلما شفت نفس الإنسان يرى ويسمع ما لا يراه الناس وما لا يسمعون.
الأنبياء.
((أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي))
دخل على بستان صلى الله عليه وسلم، فرأى جملاً، فلما رآه حن (بكي الجمل) فتقدم منه، ومسح ذفريه، وقال: من صاحب هذا الجمل، فقالوا: فتى من الأنصار فقال: ادعوه إلي، فلما جاؤوا به قال: أيها الفتى، ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدأبه.
لا تنكر على العلماء الكبار، لا تنكر على العارفين بالله أحوالهم شفافية نفوسهم كشوفاتهم، قل: الله أعلم.
أخي شو هذه تبع يا سارية الجبل الجبل، أنت في مستوى سيدنا عمر ؟!. قال: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل، قال: يا سارية الجبل الجبل..
يعني إذا سمع الإنسان هذه الحادثة من عالم دكتور في الجامعة هذه حقيقة علمية.. كم نحن مخدرين، دخل عندنا دكتور قال لنا هذه الحادثة اسمها التخاطر النفسي، النفس لا تزال كائن مجهول، لها شعاع.
هناك حادثة سجلها العلماء أن امرأة في إيطالية ابنها في باريس رأت وهي في المطبخ أن ابنها قد داسته سيارة، رأته في عينها هذه اسمها أحلام اليقظة، بعد أربع أيام جاء ابنها بنعش مع تقرير بنفس الدقيقة، قال: هذه حادثة علمية ثابتة اسمها التخاطر النفسي تفسيرها صعب، عندما يقولها دكتور في الجامعة ساعتئذ يا سارية الجبل الجبل صحيحة، إذا لم يقلها الدكتور فهي غير صحيحة، هذا هو الجهل، إذا كان شيء بالعلم يوافق الدين اقبله لا إذا كان الدين يوافق العلم تقبل الدين الأصل هو الدين، الأصل ما جاء به كتاب الله.
لذلك بعض العلماء قالوا: الحقائق نوعان، حقائق تنحدر إلينا عن طريق الوحي للأنبياء، وحقائق نكشفها عن طريق التجربة، مصدرها واحد.
ربنا عز وجل قال العسل فيه شفاء للناس، كلام إله، حقيقة ثابتة قطعية، قد يكون العلماء كشفوا للعسل مليون فائدة، وألفوا عنه كتب هذا العلم جاءنا عن طريق التجربة وكلمة فيه شفاء للناس هذا عن طريق الوحي، العلم الذي جاءنا عن طريق التجربة علم ناقص أحياناً يعتريه الشك والخطأ والنسيان، وأما العلم الذي جاءنا عن طريق الوحي فكامل مكمل. يعني إذا مسكت مذياع ونزعت منه الصمام فتوقف الصوت، قلت هذا من أجل الصوت، قد يكون الصمام على طريق الصوت من أجل شيء آخر، أما إذا قال لك مخترع الجهاز هذا الصمام من أجل ثلاثين فائدة هي كذا وكذا وكذا، هذا علم كامل من مخترع الجهاز، أما إذا نزعت صمام ورأيت آثار نزعه فغاب الصوت قلت هذا من أجل الصوت هذا علم ناقص، قد يكون الصمام على طريق الصوت، أما هو مهمته تصفية الصوت، لا إحداث الصوت فالعلم التجريبي علم له قيمته ولكن يبقى ناقصاً، أما علم الأنبياء كامل، لما قال الله:

((وقرن في بيوتكن ))
الآن العلماء الأجانب يقترحون إنشاء جامعات للفتيات، وجامعات للذكور في أمريكا نفسها، وجدوا سبعاً وعشرين ألف لقيط في الحدائق. في بلاد نصف سكانها بالقضاء. الآن الأجانب بدافع علمي بحت يقترحون أن تكون جامعات للفتيات وجامعات للذكور.

((إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث ))
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إني لا أشهد على جور ))
[متفق عليه]
هذا تعليم لنا، إياك أن تكون شاهداً على جور

(( عَنِ النُّعْمَانِ ابْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ))
هذا جور.
الأب العاقل المؤمن يعدل بين أولاده، بصرف النظر عن فرقهم الفردية، واحد بهلول، واحد ما عنده إمكانيات يكون بهلول، واحد قريب منه، بعيد عنه، واحد متزوج عنده غضبان على كنته لا يريد أن يعطيه شيء من الميراث، واحد ليس متزوج بعد، هذه كلها اعتبارات لا قيمة لها عند الشرع. هؤلاء جميعاً أولادك، ساوي بينهم في العطية، قال له: إني لا أشهد على جور، هذا جور.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَاوَزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
[متفق عليه]
كان عليه الصلاة والسلام حكيماً، دخل في الصلاة وفي نيته أن يطيل الصلاة سمع بكاء الصغير وأمه تصلي خلف الصفوف، فاقتصر من الصلاة رفقاً بهذه الأم التي تشفق على ابنها من البكاء. لذلك كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاة في تمام.
يعني أحياناً تصير الصلاة عرض عضلات، حافظ والله شيء جميل أما إذا كان لوحده وصلى عشر ساعات لا مانع، لكن مع الناس فيهم واحد لا يستطيع أن يقف كثيراً يعني تحملك أن تقرأ نصف صفحة، ثلاثة أرباع الصفحة، خمس صفحات، أما إذا كان في قيام ليل هذا لحاله، ليس له علاقة، أما الصلاة العادية الصلوات الخمس كان أخف الناس صلاة في تمام، يعني يؤدي خصائصها وأركانها وشروطها بالتمام والكمال مع خفة في الصلاة، يعني نصف صفحة، ثلاثة آيات أربع آيات.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ))
[متفق عليه]
يعني أنت بعت صحون، أخي هذه الصحون يا ترى يريد أن يضع فيها مستلزمات المشروب ؟ هذا ليس شغلك.
أنت بعت صحون، صحون يوضع بها طعام، هناك شخص يدقق بشكل مزعج.
الإنسان إذا دخل مسجد، رأى إمام وراء، أخي هذا الإمام ورع ؟ هذا ليس شغلك صلي وراء كل بر وفاجر. إذا تعرفه فاجراً سلفاً فلا تصل وراءه، أما دخلت إلى المسجد فصل من أجل وحدة الصف.
يعني واحد وضع لك طعام، يا ترى مين أين هل ماله حلال ؟ يعني إذا قلت له مالك حلال يجوز ينفر منك، أنا لا أعرف دخلك حلال ولا حرام، إن شاء الله ما تأكل ربا ما تأكل، عمل معه تحقيق من أجل لقمتين، حل عنه لا يريد أن يطعمك.
النبي الكريم كان رقيقاً، قال:
(( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
كان بعض الأصحاب مع سيدنا عمر في البادية، وجدوا ماء يريدون أن يتوضئون منه، قال: يا صاحب الماء هل ترد الوحوش هذا الماء ؟ قال سيدنا عمر: يا صاحب الماء لا تخبرنا.
يعني ماء موجود، ونظيف، وطاهر، إذا كنت تريد أن تتبع الأمور لأقصاها صار هذا تعنتاً.
الإنسان يجب أن يتأدب بأدب الإسلام، هناك شخص يحل غلاظته على الناس باسم الدين، أنا من أجل أن أتحقق، من أجل أن أدقق وأتقصى الحلال، أنت تقصى الحلال بشكل لطيف ليس بشكل مزعج للناس، لئلا يكره الناس دينك.
واحد اضطر يصافح شخص مشرك، هو مسك العباية وصافحه قال: هذا مشرك نجس، هذا ليس لباقة أن تصافحه بالعباية، ليس نجاسة عينية، نجاسة حكمية، قد يكون منذ قليل كان في الحمام غسل بصابون معطر ووضع عطر على يديه، ليس يديه النجسة، بل تصرفاته نجسة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
[سورة التوبة من الآية 28]
ما يصافحه إلا بالعباية، هذا مما ينفر الناس من الدين.
مرة واحد قال لي ضع لي عندك هذا الغرض، كتبت عليه السيد فلان، هو ليس مسلماً نصرانياً، قيل لي: كيف تقول عنه سيد.
كان حيعمل لي مشكلة، قلت له: أنا أقصد السيد هو الذئب، وجمعه أسياد فسكت. نفدت منه بهذا التوجيه. قال لي: هيك مظبوط أما غيره ما بصير. يكون هو له عمل أسوأ منه، بس تزين بالباطل، المسلم إذا ما كان ورع مستقيم، وإلا ما هذه الادعاءات الكاذبة.

(( إني لا أصافح النساء ))
[أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد ومالك]
ترى معظم الناس يصافحهن وضحكته ظاهرة، ويشد على يدها من باب المودة وهي أجنبية عنه.
إني لا أصافح النساء، يقولون عنه جلف ليقولوا، ما عنده لباقة يقولوا، عند الله مكرم.

(( إني لا أقبل هدية ))
يعني بعض الأشخاص يقبلون أية هدية، إن كانت من مشرك لها معانٍ كثيرة لكن هناك استثناءات قليلة، إذا كان هذا المشرك فيه نواة طيبة، ويُرجى له الصلاح وقبلتها تأليفاً لقلبه فالنبي فعل هذا حينما قبل مارية القبطية من المقوقس، أما للأفراد فلا يجوز، فإذا فعلوها فقد خالفوا هذا الحديث الشريف. لا تصح إلا من أنبياء أو ممن بيدهم ولاية الأمور أما من أفراد تقبل هدية من مشرك، فمعنى ذلك كأنها رشوة، يعني خذها واسكت. فالإنسان إذا جاءه خير عن طريق مشرك، أو كافر يميل نحوه، إذا مال قلبه إلى مشرك تنتقل له أحواله، شهواته، دناءته، ميوله المرضية، هذا كله يأتيه عن طريق العدوى. من أحب قوماً فهو معهم.

(( كل نفس تُحشر على هواها، فمن هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه علمه شيئاً ))
(( إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً ))
هناك مزاح غليظ يسبب جلطة أحياناً، يسبب طلاق. واحد خطب امرأة قيل له هذه ليست من زاويجك، ففي اليوم الثاني طلقها، بعد أسبوعين قال له: ماذا صنعت ؟ قال له والله كنت أمزح معك مزاحاً. كان قد طلقها وانتهى، هذا المزاح مدمر.

((إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً))
معناها المداعبة والمزاح مستحب من المؤمن، لكن المزاح الذي لا يخدش حياء إنسان، ولا يجرح إنسان، يعني له شروط كثيرة جداً مطلق المزاح غير مطلوب.

((من كثر مزاحه استخف به، إياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب ))
لكن المزاح اللطيف، القليل، يضفي بهجة، وأنس، ويسبب محبة وميل القلوب نحو المتكلم.
درسنا في التربية موضوع مستقل، الفكاهة بالتعليم، أحياناً تشعر أن الطلاب قد تعبوا، وبقي لانتهاء الدرس ثلث ساعة، أحياناً طرفة أدبية تعطي نشاط استماع إلى ساعة ثانية. ولكن له شروط، أن لا تمزح على طالب بالذات، أو على مهنة أولياء الطلاب، هذا شيء لا يجوز، لذلك المعلم الناجح يعرف مهن أولياء الطلاب كلهم، ولو كان هناك طرفة ممتعة جداً تمس إحدى المهن فلا يستخدمها أبداً، لأنها تجرح طالب. فالمزاح الذي لا يؤذي أحداً، ولا يحرج إنساناً ولا يجرح نفساً، ولا يخدش شعوراً. في مزاح ليس له علاقة بالحاضرين إطلاقاً، مزاح أدبي، مزاح لغوي، فكرة معينة، مفارقة.

(( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
اللهم صلي عليه، قال:
(( إنما يقيم من أذن ))
إنما يقيم الصلاة من أذن، ما علاقة هذه بهذه ؟ كان في المئذنة وهو في المادة أنهى الأذان، فأقام واحد غيره، ثم بدؤوا بالصلاة وهو لم ينزل من المئذنة، أما بهذه الطريقة لازم المؤذن نفسه الذي كان في رأس المئذنة هو الذي يقيم الصلاة، هذا نظام اجتماعي.
النبي الكريم قال:
(( ساقي القوم آخرهم شرباً ))
إذا إبريق ليمون والحاضرين عشرة، فعبأ كأس وشربها، ثم صب كأس وكأس ثالث رجل انتهى الإبريق، إذا كان هو لازم بحسب الشرع يشرب آخر واحد، يجب أن يزين عشرة رجال، نصف نصف بقي نصف في الآخر، شيء دقيق جداً، لو كان مقصود ما حكى هذا الكلام، شرب كأس لوحده وترك الناس بلا ليمون، أما ساقي القوم آخرهم شرباً، اعمل حسابك، الكل يريد أن يشرب وأنت آخر واحد معناها اوزن الليمونات، شوف، بيطلع لكل واحد كاسة شاي، كاسة شرب كبيرة، كأس ونصف بحيث يبقى لك شيء في الآخر.
(( إنما يقيم الصلاة من أذن ))
تريد أن تسبق المؤذن لا يجوز، الذي أذن يقيم الصلاة.

(( العيادة فواق ناقة ))
زرت مريض، يريد أن يأخذ أبرة، أو يقضي حاجة، أو يعطوه تحميلة خمسين شغلة للمريض، قعد وانبسط، مشغلين المروحة وحديث ظريف، قعد ثلاث ساعات والمريض يغلين.
العيادة فواق ناقة، مقدار حلب ناقة، يعني عشر دقائق. مرة جلس واحد شي ساعتين، قلت هذا حلبتين صاروا.

* * *
والآن إلى قصة لصحابي جليل رضي الله عنه وأرضاه.
قام هذا الصحابي بعمل كبير جداً. هذه القصة مفادها أن المؤمن يجب أن يكون ذكياً، المؤمنون كلهم مكرمون، ولكن هناك مؤمن محدود، ومؤمن متقد الذكاء، هذا لا متقد الذكاء يجري الله على يديه خيراً كثيراً.
قال: نعيم ابن مسعود فتى يقظ الفؤاد ألمعين الذكاء خرَّاج ولاج (يعني يفوت من هنا ويخرج من هنا، برم باللغة العامية) لا تعوقه معضلة ولا تعجزه مشكلة، يمثل ابن الصحراء بكل ما حباه الله من صحة الحدس وسرعة البديهة وشدة الدهاء، لكنه كان صاحب صبوة (له ميول) وخدين متعة، كان ينشدهما أكثر ما ينشدهما عند يهود يثرب ـ طبعاً قبل أن يسلم ـ فكان كلما تاقت نفسه لقينة أو هفا سمعه لوتر شد رحاله إلى منازل قوميه في نجد ويمم وجهه شطر المدينة حيث يبذل المال ليهودها بسخاء، ليبذلوا له المتعة بسخاء أكثر ومن هناك فقد كان نعيم بن مسعود كثير التردد على يثرب، وثيق الصلة بمن فيها من اليهود وبخاصة بنو قريظة، ولما أكرم الله الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم كان نعيم ابن مسعود ما يزال مرخياً لنفسه العنان، فأعرض عن هذا الدين الجديد أشد الإعراض خوفاً من أن يحول هذا الدين بينه وبين متعه ولذاته.
أحياناً ترى شخصاً خلافه مع دين ليس عقائدياً، خلافه ليس إيديولوجي مع الدين خلاف تضارب مصالح، له كم شهوة مستمتع بها، يخاف إذا تدين ينحرم منها، يقول لك أخي ما بدي، حوينتي بكير علي.
سيدنا نعيم كان من هذا القبيل، ثم ما لبث أن وجد نفسه مسوقاً إلى الانضمام إلى خصوم الإسلام.. كان على الحياد فصار مع الخصوم مدفوعاً دفعاً إلى إشهار السيف في وجه المسلمين، لكن نعيم بن مسعود فتح لنفسه يوم غزوة الأحزاب صفحة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وخط في هذه الصفحة قصة من روائع قصص مكائد الحروب. الحقيقة قصة مثيرة جداً، قصة ما يزال يرويها التاريخ بكثير من الانبهار بفصولها المحكمة، والإعجاب ببطلها الأريب اللبيب، فقبيل غزوة الأحزاب بقليل هبت طائفة من يهود بني النضير في يثرب وطفق زعماؤهم يحزبون الأحزاب، لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على دينه، فقدموا على قريش ـ من بني النضير ـ وحرضوهم على قتال المسلمين، وعاهدوهم على الانضمام إليهم عند وصولهم إلى المدينة، وضربوا بذلك موعاً لا يخلوفنه، ثم تركوهم وانطلقوا إلى غطفان في نجد، فأثاروهم ضد الإسلام ونبيه، ودعوهم إلى استئصال الدين الجديد من جذوره، وأسروا إليهم، بما تم بينهم وبين قريش.
وفد من بني النضير ذهبوا إلى قريش وحرضوهم على قتال المسلمين، ليس قتالاً ولكنه استئصالاً. حرب إبادة، إنهاء الإسلام كله، وانطلقوا بعدها إلى غطفان، وحرضوهم كذلك وعاهدوهم على ما عاهدوهم عليه، وآذنوهم بالموعد المتفق عليه.
خرجت قريش من مكة بقضها وقضيضها، وخيلها ورجلها، بقيادة زعيمها أبي سفيان بن حرب متجهة شطر المدينة، كما خرجت غطفان من نجد بعدتها وعديدها، بقيادة عيينة بن حصين الغطفاني، وكان في طليعة رجال غطفان بطل قصتنا نعيم بن مسعود.
خرج مع الأحزاب ليحارب رسول الله، كان في القمة، فلما بلغ الرسول صلوات الله عليه نبأ خروجهم جمع أصحابه الكرام وشاورهم في الأمر، فقر قرارهم على أن يحفروا خندقاً حول المدينة، ليصدوا عنها هذا الزحف غير المقدس الكبير الذي لا طاقة لها به وليقف الخندق في وجه الجيش الكثيف الغازي.
هذا كله معروف لديكم، وما كاد الجيشان الزاحفان من مكة ونجد يقتربان من مشارف المدينة حتى مضى زعماء يهود بني النضير إلى زعماء يهود بني قريظة القاطنين بالمدينة.
الآن مؤامرة ثالثة، زعماء بني النضير ذهبوا إلى زعماء بني قريظة وهم يسكنون في المدينة نفسها، وجعلوا يحرضونهم على الدخول في حرب النبي، ويحضونهم على مؤازرة الجيشين القادمين من مكة ونجد، فقال لهم زعماء بنوا قريظة: لقد دعوتمونا إلى نحب ونبغي، ولكنكم تعلمون أن بيننا وبين محمد مياقاً، على أن نسالمه ونوادعه لقاء أن نعيش في المدينة آمنين مطمئنين، وأنتم تدرون أن مداد ميثاقنا معه لم يجف بعد، ونحن نخشى إذا انتصر محمد في هذه الحرب أن يبطش بنا بطشة جبارة، وأن يستأصلنا من المدينة استئصالاً جزاء غدرنا به.. لكن زعماء بني النضير مازالوا يغرونهم بنقض العهد، ويزينون لهم الغدر بمحمد صلى الله عليه وسلم ويؤكدون لهم بأن الدائرة ستدور عليه في هذه المرة لا محالة. يعني لا تغلطوا.
ويشدون عزمهم بقدوم الجيشين الكبيرين، فما لبث بنو قريظة أن لانوا لهم ونقنضوا عهدهم مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبينه وأعلنوا انضمامهم إلى الأحزاب في حربه.
النبي الكريم حفر الخندق تجاه الجيش الغازي، أما بنو قريظة يسكنون خلفهم..
فوقع الخبر على المسلمين وقوع الصاعقة.. حاصرت جيوش الأحزاب المدينة وقطعت عن أهلها الميرة والقوت، وشعر النبي صلوات الله عليه أنه وقع بين كيد عدوين قريش، وغطفان، وبني قريظة، وبني النضير.
فقريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمون من خارج المدينة وبنوا قريظة متربصون متأهبون خلف المسلمين في داخل المدينة، ثم إن المنافقين الذين في قلوبهم مرض أخذوا يكشفون عن مخبآت نفوسهم ويقولون: كان محمد يعدنا بأن نملك كنوز كسرى وقيصر وها نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه أن يذهب إلى بيت الخلاء لقضاء حاجته. كنا بدنا نصل لقيصر وكسرى صرنا الآن بدنا نقضي حاجتنا مو قدرانين.
ثم طفقوا ينفضون عن النبي، جماعة إثر جماعة بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنوا قريظة إذا نشب القتال، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين.
يعني أعتقد هذه النقطة أخطر نقطة مر بها المسلمون.
وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام قريباً من عشرين يوماً لجأ النبي صلوات الله عليه وسلامه إلى ربه، وجعل يدعوه دعاء المضطر، ويقول اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك..
إذا الإنسان وقع في مأزق حرج وتقطعت به الآمال يلتجئ إلى الله عز وجل، هو في حسب الظاهر...
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:41 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس04:أنواع الطلاق
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-09-09
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الطلاق إلى الطلاق السني، والطلاق البِدْعي.
واليوم نتحدَّث إن شاء الله تعالى عن الطلاق الرجعي، والطلاق البائن فالطلاق الرجعي هو الذي يوقعُه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة.
فعليه أن يكون دخل بالزوجة حقيقة وإلا الطلاق لا يقع، أي دخل على زوجته دخولاً حقيقيًا، أو طلّقها على مال، أو كان الطلاق مكمِّلاً للثلاث كان طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه، معنى رجعي أي يمكن تداركهُ، يمكن أن يعود الزوج، ويرجع إلى زوجته.
الطلاق الرجعي لا يمْنعُ الاستمتاع بالزوجة، لأنّه لا يرفع عقْد الزواج يعني طلّقها في طهْرٍ لم يمسَّها فيه، لها الحقّ أن تتزيَّن وأن تتبرّج وأن تبدو بأجمل زينة، هذا كلّه من حقّها وله الحقّ أن ينظر إليها، الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة، ولا يُزيل المُلْك، ملْكُه عليها قائم ولا يؤثِّر في الحلّ، لا يحلّ عقْد الزواج، إلا أنَّه لا يترتَّب عليه أثرهُ ما دامت المطلَّقة في العدّة، ما دامت المطلّقة في الحيضات الثلاث لا يظهر أثرهُ، لا يظهر أثرهُ إلا بعد انقضاء العِدَّة، فإذا انْقضَت العِدَّة، ولم يُراجِعها بانَتْ منه بيْنونةً صغرى، إذًا الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة، وإن مات أحدهما ورثهُ الآخر، مادامت العِدَّة لمْ تنْقض، ونفقتها واجبة عليه، فما دام العدّة قائمة والزواج قائم ؛ كلّ شيء قائم.
والرجعة حقّ للزوج مدّة العِدَّة، إذا قال لها راجعتُك ومسَّ يدها، فقد راجعها، وقد أنهى هذه الطَّلْقة، وهو حقّ أثبتَهُ الشارعُ له، ولهذا لا يملك إسقاطهُ، فلو قال: لا رجعة لي كان له الحق في الرجوع، أيْ كلامه لا يقدّم ولا يؤخِّر،، ولا يغيّر من الحقوق التي ثبَّتها الله عز وجل، قال تعالى:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾
[ سورة البقرة ]
وإذا كانت الرجعة حقّا له، فلا يشترط رضا الزوجة وعلمها إن بانَت عنه ما دامتْ ضِمْن العِدَّة، علمها ورضاها لا يشترط، المقصود هو، إذا ندم على فعلته، وقال لها: راجعتكِ أو مسَّ يدها فقد راجعها فقد انتَهت الطَّلْقة.
ولا تحتاج إلى وليّ، فجعل الله الحقّ للأزواج لقول الله عز وجل:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾
[ سورة البقرة ]
وتصحّ المراجعة بالقول مثل أن يقول: راجعتك، مثل أن يضع يده على يدها وروى الشافعي: أنّ المُراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقائل عليه، ولا تصحّ إلا باللّقاء.
قال أبو حنيفة: لا بأس للزَّوجة أن تتزيَّن لِزَوجها، طبعًا المطلّقة طلاقًا رجعيًّا وتتطيَّب له، وتتشوّق، وتلبس الحليّ، وتُبدي الجمال والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بِدُخوله بِقَولٍ أو حركة من تَنَحْنُحٍ، أو خفق نعْلٍ.
الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته، فإن كانت الطلقة الأولى احْتَسَبَتْ، وبقيَت له طلقتان، وإن كانت له الثانية احتسبَتْ وبقِيَت له طلقة واحدة ومُراجعتها لا تمْحو الأثر، فلو طلّقها في طُهْر لم يمسَّها فيه، وبعد أسبوعين ندم على هذه التطليقة، وقال لها راجعْتُك، فما انتهى كلّ شيء، فهذه حُسِبَت طلقة ولو راجعها، لو أنّه تراجع عن هذه الطلقة حُسبَت طلقة، إنّ المراجعة لا تمحو الأثر، وهذه حكمة بالغة لكي لا يصبح الطلاق لعبًا بين الأزواج.
مثلاً، وإن كانت الثانية احْتسبَت وبقيَت له طلقة واحدة، ومراجعتها لا تمحي هذا الأثر، بل لو تركت حتى انْقضَت عِدَّتها من غير مراجعة وتزوَّجَت زوْجًا آخر، ثمَّ عادَت إلى زوجها الأوّل، عادَت إليه بما بقي لها من الطَّلقات ‍! فالطلقة هذه ثابتة، شيء دقيق، أنت قلتَ لها بِساعة غضب طلّقتك، وكانت في طُهْرٍ لم تمسَّها فيه، وبعد ساعةٍ ندِمت، وقلت لها راجعتك ولمسْت يدها، رجعَت واحْتُسبَت طلقةً، فلو أنَّكَ طلَّقتها طلاقًا فيه بيْنونة صغرى، وتزوَّجَتْ مكانك رجلاً آخر ثمّ طلَّقها، وعُدْت إليها بقي لك عندها طلقتان، احْتُسب الواحدة.
أما الطلاق البائن، فهو الطلاق المُكمّل للثلاث، والطلاق قبل الدخول والطلاق على المال ؛ أي مخالعة، وقبل الدخول مباشرةً ينفذ مرَّةً واحدة أو الطلاق المُكمِّل للثلاث.
والطلاق البائن إن شاء الله تعالى نأخذه في درس آخر، وربّما أمكن إعطاؤهُ في هذا الدرس.
وهو ينقسم إلى بائن بَيْنونةً صُغرى، وهو ما كان دون الثلاث، وبائن بَينونة كبرى وهو المكمِّلُ للثلاث، فإذا طلَّقها في طهْرٍ لمْ يمسَّها فيه ومضَتْ عِدَّتها كاملةً ثلاث حيضات ولم يراجعها، ولم يمسَّها فهذه طلقة بانَت عنه، لكن بيْنونة صغرى، لا ترجع إليه إلا بعقْد جديد ومهْر جديد ورِضاءٍ منها، لكن لا تحتاج إلى أن تُزوَّج بغيره، هذه هي البينونة الصغرى.
الطلاق البائن بيْنونةً صغرى يُزيل قيْد الزّوْجيَّة بِمُجرّد صدوره، وإذا كان مُزيلاً للرابطة الزوجيّة، فإنّ المطلّقة تصير أجْنبيَّةً عن زوجها، فلا يحلّ له الاستمتاع بها، لا يستمتع بها إلا ضمن العِدَّة، فإذا انْقضَت العِدَّة بانَتْ عنه بيْنونةً صغرى، ولا يرثُ أحدهما الآخر إذا مات، يحلّ بالطلاق البائن موعد مؤخَّر الصداق، فنحن عندنا مهر مأجّل، ومهر معجَّل المؤجّل يحِلّ في حالتين، أيّهما أبْعَد، وأيّهما أقرب، الطلاق أو الموت وللزّوج أن يعيد المطلّقة طلاقًا بيْنونةً صغرى إلى عصمته بِعَقْدٍ ومهْرٍ جديدَيْن دون أن تتزوَّج زوجًا آخر، وإذا أعادها عادَت إليه بما بقيَ من الطَّلقات، عادَت إليه على تطليقة واحدة، أو على تطليقتين، فإذا كان طلَّقها واحدةً من قبْل، فإنّه يملك عليها طلْقتَيْن بعد العَوْدة إلى عصمتِهِ وإذا كان طلَّقها طلْقتَين لا يملك عليها إلا طلْقةً واحدة.
وأما الطلاق البائن بَيْنونةً كبرى يُزيل قَيْد الزَّوجيَّة تمامًا مثل طلاق البينونة الصغرى ويأخذ جميع أحكامه إلا أنّه لا يُحِلّ للرجل أن يعيد من أبانها بيْنونةً كبرى إلى عصمته، إلا بعد أن تنكحَ زوْجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا لبْسَ فيه، ويدخل بها دون إرادة التحليل، فإن طلَّقها فلا تحلّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيره، فإن طلَّقها الطَّلقة الثالثة، فلا تحلّ لزوجها الأوّل إلا بعد أن تتزوَّج آخر، لقوله عليه الصلاة والسلام: فيما أخرجه البيهقي عن ابن عمر قال:
((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق عسيلته. وفي لفظ: حتى يجامعها ))
[ أخرجه البيهقي ]
أي حتى يتمّ الزواج الحقيقيّ، هذا فيما يتعلّق بالطلاق الرجعي والطلاق البائن البَينونة الكبرى أو الصغرى، الصغرى ربطت نفسها، وينعقد زواج جديد بِعَقد جديد، ومهر جديد، ورضاء الزوجة، أما البينونة الكبرى فلا بد من الزواج من رجل آخر زواجًا صحيحًا لا تحليل فيه، أما الطلاق الرجعي طلّقها في طهر لمْ يمسّها فيه، إن راجعها في خلال العدَّة ثلاثة أطهار رجعت له من دون عقْد ومن دون مهْر، وانتهى الأمر، ولكنّها احْتُسبَت طلقةً، ولو أنَّه طلّقها طلاقًا رجعيًا، وبانَت عنه بيْنونة صغرى، ثمّ تزوَّجَت برجل آخر، ثمّ طلّقها، فعادَت إليه عادَت إليه على طَلقتين، فالطلاق لعِبٌ بالنار، فلو قلت طلّقتك، وبعد ساعة راجعتها احْتُسِبَت طلْقة، فالأفضل، والأوْجه، والأعقل أن لا تلجأ إلى الطلاق إلا في حالات نصَّ عليها الشّرع أما أن يُتَّخَذ أداةً لِرَدع الزَّوجة فهذا لعبٌ بالنار، ويوقع الرجل في شبهة الحرام ويبقى مُشوَّشًا ومُتْعبًا، ويصبح مهدًى بالفتاوى المتناقضة التي يجمعها من عامّة الناس.
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ؛ يقول عليه الصلاة والسلام:
((إياكم والدخول على النساء))
[ رواه....]
طبعًا المقصود بالنساء الأجنبيّات، أنا من خلال ملاحظتي، أرى أنّ بعض الرجال أو بعض الشباب، يكثر الدخول إلى بيت قبل التأكّد من أنّ هذا البيت مثلاً ليس فيه نساء، سريع الدخول إلى البيوت، قليل الاستئذان، سريع القبول، النبي الكريم قال:
((إياكم والدخول على النساء))
[ رواه....]
لأنّ أوّل شيء هناك تهمة، فالإنسان قد يُتَّهَم وهو بريء، في شيء آخر، قد يقعُ هو فريسة لهذه المخاطرة، لأنّ النبي صلى اله عليه وسلم وهو الرءوف الرحيم قال:
(( ما خلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما))
[ رواه....]
لماذا لم يقل: ما خلى كافر بكافرة ؟ ما قال كافر ولماذا لم يقل ما خلا منافق بِمنافقة قال: ما خلى رجلٌ، وهذه كلمة مطلقة، وما دامت الكلمة نكرة، وتنكيرها شمولي أيْ أيّ رجلٍ كائنًا من كان، مؤمنا كافرًا فاسقًا عاصيًا طائعًا، أيّ رجلٍ إذا خلى بامرأة كان الشيطان ثالثهما إياكم والدخول على النساء، أحيانًا الإنسان يطرق باب أخيه، له زوجة أخوه، تقول له: أخوك غير موجود، يقول لها: ارتاح عندك قليلاً ثمّ أذهب، تقول له: لا، هذا لا يجوز، هذه زوجة الأخ امرأة أجنبية لا تحلّ لك أن تدخل عليها، ولا أن تنظر إليها، قيل يا رسول الله: الحمو فقال: الحمو الموت..." أحيانًا تقول: النَّمِر الموت، أي النَّمر يفضي بك إلى الموت، فالحمو الموت أي يفضي خطره إلى الموت، وربّما كان الموت أهْون، حديث مقتضب، وموجز وبلاعته صلى الله عليه وسلّم في إيجازها، إياكم والدخول على النساء، المقصود الأجنبيّات اللاتي لا تحلّ لك أن تراهنّ، الإمام مالك رضي الله عنه توسَّع في هذا الحديث، فمَنَعَ الدخول على النساء اللاتي لا يحلّ لك الزواج منهنّ خوْفَ ما قد يخطر في البال من تهمٍ بعيد، نهى الابن على أن يدخل على زوجة أبيه، لا تحلّ له، ولكن قطع الابن من أمّه أكبر بكثير من طبعه من زوجة أبيه.
السادة الأحناف نهَوا الرجال عن الاختلاء بالصِّهرة الشابة، الكنَّة، فهي محرّم الزواج منها، ولك أن تنظر إليها، ولكن في حضرة الابن يجوز، ولكن في غيبة الابن فالأكمل والأولى أن لا تخْلُوَ بها، لذلك قال بعضهم: لا تبلغ أن تكون من المتّقين، حتى تدع ما لا بأس به، حذرًا ممَّا به بأس، زوجة الأب لا ينبغي أن تخْلُوَ بها، مع أنَّها لا تحلّ لك، والصِّهرة الشابة زوجة الابن الشابة لا يقبل لك أن تخلُوَ بك، أما بحضور ابنك فهي زوجة ابنك، ولك أن تحادثها، وتجلس معها، وتأكلا معًا، الإمام مالك توسَّع في فهْم هذا الحديث حتى وسَعهُ إلى دائرة تَحِلّ، ولكن منعَ الخَلوَة من باب الكمال.
إياكم والدخول على النساء، هناك أشخاص سريع الدخول، امرأة في غرفة لوحدها ولو أنّها مسنَّة لا يجوز الدخول عليها، مثلاً زوجة أخي، وأخي مسافر، قد يحتاجون إلى أغراض، فيذهب ويبقى ساعة عندهم، يمكن لأحد الجيران أن لا يعرف أنّ هذا أخو زوجك يعرفوا أنّ زوجها بالحج أو مسافر، وجاء رجل فبقيّ ساعة ثمّ خرج ! ممكن أن تسبِّب سمعة سيّئة للبيت، قال تعالى: إيّاكم والدخول على النساء.." كمال المؤمن، قٌال عليه الصلاة والسلام الإيمان عفّة عن المطامع، الإيمان عِفّة عن المحارم..." الإنسان كلّما كان عفيفًا أكثر كلّما ارتفع في نظر الناس، هناك شهوَة، هناك شهوتين مهلكتين ؛ النساء والمال، ما تركت فتنة بعدي فتنة أضرّ من النساء على الرجال.
الورع قال عليه الصلاة والسلام: لا ورعَ كالكفّ..." ترك المحارم ورع، وهذا حدّ وهو أحد أنواع الورع، فأنت إذا سألتني ما الورع ؟ أقول لك: الاستقامة على أمر الله تعالى ترْك ما نهى الله عنه، وهناك تعريف أرقى ؛ ترْك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس، هذا ترْك مضانّ التُّهم فالدخول مثلاً على زوجة الابن وهي وحدها في البيت، هناك احتمال بالمئة خمسة أو بالمئة سبعة، احتمال بسيط جدًّا، فاحتمال أن يميل قلبه إلى أمّه هذا ينتفي كُليًّا، أما زوجة أبيه، فالاحتمال أكثر، لذا الإمام مالك وسّع الدخول، وهذا من كمال الورع، أن تدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأس، أن تدع مضانّ المعصِيَة، فتَرْك المعصيَة ورع، وترك مضانّ المعصيّة ورع أرقى، ترك ما يشغل القلب عن الله عز وجل هذا أرقى درجات الورع، شيءٌ مباح، لكنّك إذا اشتغلتَ به أبْعدك عن الله عز وجل، وهذا أرقى درجات الورع، يعني القلب له عز وجل وما جعل الله عز وجل لرجل من قلبين في جوفه.
شيءٌ آخر ؛ يقول عليه الصلاة والسلام: إياكم ومحادثة النساء، تجد شخصًا طليق اللّسان، إذا كان عنده زبونة بالمحلّ يسوق الحديث من موضوع إلى موضوع ! هذا لا يجوز قال تعالى:

﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾
[ سورة الأحزاب ]
نساءً ورجالاً، كم سعر هذا القماش ؟ سعر هذا القماش المتر بعشرة، أما هذا اليوم مناسب، وهذا اللون مناسب لك، هذا كلّه كلام باطل، إياكم ومحادثة النساء، الواحد قد يكون طليق اللسان، وقد يكون فصيحًا، وقد يكون له ذكاءً، وقد يكون له قدرة على إدارة حديث ممتع ولبق، ولكن لا يظهر هذه البراعة على النساء، فربّما أهلكهُ هذا الحديث، إياكم ومحادثة النساء أكثر الناس له جولات في الحديث مع أقربائهنّ، بنت خالته، بنت عمّته، زبونه بالمحلّ، وهو لا يدري أنّ هذا حجاب بينه وبين الله تعالى، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد ابتعد عن الله تعالى بعدًا كبيرًا، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد سدّ الطريق إلى الله عز وجل، إياكم ومحادثة النساء فإنَّه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا همّ بها، قال تعالى

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾
[ سورة آل عمران ]
الحديث الثالث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إياكم والفتن، فإنّ وقْع اللّسان...مثل وقع السيف " أحيانًا يكون هناك امرأة فلتانة، قد تحكي كلمةً لا تبالي بها، قد لا تعلّق عليها أهميّة، هذه الكلمة خطيرة جدًّا، كأن تقول: والله سمعتُ أنّه يريد الزواج عليها ! وهو ما سمع، مزاح فقط ! هذه الكلمة في هذه الفتنة، الزوجة في بيت أهلها، والزوج مزعوج، وهي تتلقّف الأخبار بفارغ الصّبر، تتلقّف شبح الخبر، وهو ينتظر ردّ الفعل، وأعصابهُ متوتّرة يأتي إنسان خليّ البال مرتاح ينقل كلمة غير دقيقة فإذا هي تُسبّب الطلاق، هذا مثل، فالإنسان بالفتنة تكون أعصابهُ متوتّرة لا يحتمل كلمة، ويشبه الطالب بالامتحان، قبل الفحص بِساعتين يقول لك: فلان أتى بالأسئلة، وتكون هذه مزحة، تجد أعصابه تضطرب، وقد يجد أنّ موضوعًا ما درسه، لذا المؤمن لا يلعب بأعصاب الناس، فهناك حالات يحدث فيها توتّر شديد فهذا الذي يُشيع أخبارًا سيّئة في الحروب، هذا مؤاخذ عند الله عز وجل، وفي الأزمات الكبرى وفي موضوع الطلاق، وفي موضوع الفراق، وموضوع خصومة شديدة، مثل هذه الموضوعات الخطيرة الكلام فيها خطير، لأنّ أعصاب الطَّرَفين متوتِّرة إلى أقصى الحدود، وأيّ كلمة قد تخرب بنيانًا، أو قد تقوّض دعائم الصلح، لذا قال عليه الصلاة والسلام: إياكم والفتن فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف..." أحيانًا خطبة، عند أهل الزوجة، وعند أهل الزوج حساسيّة بالغة، أن تقول: الزوج بخيل، أنت تمزح فقط، ولكن هناك من يظنّها حقيقة فيتَّهمون بعضهم بالبخل، وينقل الكلام لأهل الزوجة، فيقولون: لا نعطي البخيل !!! هذا وضع خطِر، أنت بالحاسّة السادسة تعلم أن هناك حالات يكون فيها الإنسان في أقصى درجات التوكّل الكلام قد يفضي إلى التهلكة، الكلام قد يفصل علاقة شريفة، قد يقطع خيرًا كثيرًا، إياكم والفتن فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف.
أحدهم تزوّج امرأة، فقال لي شخص: هذه المرأة ليْسَت من مُستواه ! هذه فقيرة وهو قصَدَ شيئًا، وانفعل الزوج، وحصل الطلاق ! أحيانًا الإنسان يحذّر أنيسه فيقول: لا نعرف الله اعلم، هو يقصد موضوع الإرث، وذاك فهم موضوعًا أخلاقيًّا، فحدث الطلاق، في الفتن المؤمن الراقي، والمؤمن في حدّه الأدنى يلْزم الصَّمت.
أحيانًا تحصل خطبة، ولا تتِمّ، نريد أن نفهم لماذا فسِخَت الخطبة ؟ يمكن أن يكون لهذا الزوج وضعٌ خاص مثلاً، وما ناسبتْهُ هذه الزوجة، ولكن قد تناسب غيره، لا ينبغي أن تلوك الحديث بين الناس، أحد أنواع العبادة الراقية الصّمت.
والآن إلى قصّة تابعيّ جليل ؛ هو عروة بن الزبير، ما كانت شمس الأصيل تُلَملم خيوطها الذهبيّة عن بيت الله الحرام، وتأذن للنَّسمات النبيلة بأن تتردَّد في رحابه الطاهرة حتى شرع الطائفون بالبيت من بقايا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكبار التابعين يعطّرون الأجواء بالتّهليل والتكبير، ويقرعون الأرجاء بصالح الدعاء، حتى أخذ الناس يتحلَّقون زمرًا زمرًا حول الكعبة المعظَّمة الرائدة وسط البيت في مهابة وجلال، ويملئون عيونهم من بهائها الأسمى، ويُديرون أحاديث لا لغو فيها ولا تأثيم وبالقرب من الركن اليماني جلس أربعة فتيان صلاح الوجوه، كرام الأحساب، معطّري الأردان، كأنّهم حمامات المسجد نَصاعةً، وإرثةً ؛ هم عبد الله بن الزبير، وأخوه مصعب بن الزبير، وأخوهما عروَة بن الزبير وعبد الملك بن مروان أربعة شباب في فناء الكعبة تحلّقوا قُبَيل الغروب، وجلسوا، ودار الحديث الفتية الأبرار ثمّ ما لبث أن قال أحدهم: لِيَتَمَنَّى كُلّ منَّا على الله ما يحبّ، فانطلق أخْيِلَتُهم تحلّق في عالم الغيب الرَّحب، ومضَت أحلامهم تتوق في رِياض الأمان الخضْر، ثمّ قال عبد الله بن الزبير: أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز، وأن أنال الخلافة، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَين - الكوفة والبصرة - فلا يُنازعني فيهما منازع، وقال عبد الملك بن مروان: إذا كنتما تقْنعان بذلك فأنا لا أقْنعُ إلا أن أملك الأرض كلّها ! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان، مَنْ بقيَ عروَة بن الزّبير، وسكت عروة بن الزبير فلم يقل شيئًا، فالْتفتوا إليه وقالوا: وأنت ماذا تتمنّى يا عروة ؟ قال: بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذوا الناس عنِّي كتاب ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل، وأن أحضى بِجَنّته، قصّة واقعيّة، أربعة شباب في فناء الكعبة، تمنّى واحدًا أن يكون ملك الحجاز، وتمنّى الثاني أن يكون ملِك العراق، وتمنّى الثالث أن يكون خليفة المسلمين كلّهم وتمنّى الرابع أن يكون عالمًا بِكِتاب الله، وسنّة نبيّه، ربّنا عز وجل:

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾
[ سورة الإسراء ]
والشيء الثابت في العلم الدّيني أنّ الله عز وجل متكفّل أن يعطيّ كلّ مخلوق سُؤلهُ لكنّ الشرط أن يكون الطلب في صدق شديد، الذي لم تصل إليه طلبْتهُ وعدت به صادقًا، أما إن كنت به صادقًا تصل إليه وربّ الكعبة فالذي وصلت إليه هو الذي أنت فيه سابق، والذي لم تصل إليه هو الذي تمنَّيْتهُ، فالتَّمَنِّي شيء، والطّلب السابق شيء.
قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
[ سورة الإسراء ]
من سعى في طلب شيء، وصلهُ وربّ الكعبة، أحدكم يطلب من الله تعالى، إذا طلبت أن تختم كتاب الله، والله لا تموت إلا بعد أن تفهم كتاب الله، وإن طلبْت الدنيا تأتيك الدنيا إلا أنّ الله تعالى إذا كان يُحِبّ عبْدًا، وطلبَ الدنيا، وكانت الدنيا تؤذيه، ربّما أخَّرها له فلعلَّه يُغَيِّر رأيَهُ، قال تعالى

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18)﴾
[ سورة الإسراء ]
وقال تعالى:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
[ سورة الإسراء ]
والآية الثالثة:

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾
[ سورة الإسراء ]
ودار الزمان دورته فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقب موت يزيد، فيَحكِمُ الحجاز، والبصرة واليمن وخراسان والعراق، هذا الطّفل الصغير صار رجلاً، وحكمَ هذه البلاد ثمّ وثب عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنّى فيه ما تمنّى، وإذا بمصعب بن الزبير يتولّى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله، ويُكْتب هو الآخر دون ولايته أيضًا، وإذا بعبد الملك بن مروان تؤول إليه الخلافة بعد موت أبيه، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مَقْتَل عبد الله بن الزبير، وأخيه مصعب على أيدي جنوده.
ثمّ وجدوه أعظم ملوك الدنيا في زمانه، فماذا كان أمر عروَة بن الزبير ؟ كلّ واحد تمنّى أمنية.
ولد عروة في بيت من أعزّ البيوت شأنًا وأرفعها مقامًا، أبوه الزبير بن العوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأوّل من سلّ سيفًا في الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، هذا والدهُ.
وأمّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها المُلقَّبة بذات النّطاقين، وجدّه من أمّه أبوه بكر الصدّيق رضي الله عنه، وجدّته من أبيه صفيّة بن عبد المطّلب عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وخالته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، فقد نزل إلى قبرها حينما دُفنت بنفسه وسوّى عليها لحْدها بيَديه، أفتظنّ بعد هذا الحسب حسبًا ؟ وأنّ فوق هذا الشَّرَف شرَفًا ؟ وحقّق عروَة أمنيته التي تمنّاها على الله عند الكعبة المعظّمة، علامة صدق طلبه السعي، أكبّ على طلب العلم، وانقطع له، واغْتنَم البقيّة الباقية من صحابة رسول الله، فطفق يأمّ بيوتهم، ويصلّي خلفهم ويتَّبَّعُ مجالسهم، حتى روى عن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأيّوب الأنصاري، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس والنعمان بن بشير، طلب العلم فهؤلاء طلبوا الخلافة والمُلْك، هذا طلب العلم، تتبَّع صحابة رسول الله، صلّى خلفهم، سألهم، روى عنهم، نقل عنهم، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أمّ المؤمنين، حتى غدى أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المؤمنين في دينهم، ويتَّعض بهم الولاة الصالحون على ما استرعاهم الله عز وجل من أمر العباد والبلاد، من ذلك لمّا قدم عمر عبد العزيز المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك جاءه الناس فسلّموا عليه، فلمّا صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم وأكرمَ مجالسهم، ثمّ حمِد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال إنّي دعوتكم لأمر تؤجرون عليه: وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ، فأنا لا أريد أن أقطَع أمرًا إلا برأيِكم جمع فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير، وقال: أنا لا أريد أن أقطَع أمرًا إلا برأيِكم، أي برأي من حضر منكم، فإن رأيْتم أحدًا يتعدّى على أحد، أو كان لعامل مظلمة فأسألكم أن تبلّغوني ذلك، فدعا له عروة بن الزبير بخير، ورجا له من الله السّداد والرّشاد، وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل، فقد كان صوّاما في الهواجر، قوّامًا في العتمات، رطب اللّسان دائمًا بذكر الله عز وجل، وكان إلى ذلك ختيمًا لكتاب الله جلّ وعلا، عاكفًا على تلاوته، فكان يقرأ ربع القرآن كلّ نهارٍ نظرًا في المصحف، ثمّ يقوم به الليل تلاوةً عن ظهْر قلب، ولم يُعْرف عنه ترْك ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته، غير مرّة واحدة بِخَطب نزلَ به سيأتيكم نبأه بعد قليل.
كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفسه، وقُرّة عينه، وجنّة ربِّه فيُتقِنها ويتقن شعائرها أتمّ الإتقان، ويُطيلها غاية الطول، -طبعًا وحده - وروِيَ عنه أنّه رأى رجلا يصلّي صلاةً خفيفة، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه وقال له: يا ابن أخي، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟! والله إنّي لأسأل الله تبارك وتعالى كلّ شيءٍ حتى الملْح ! وأنا أدعوكم لذلك حياتنا كلّها مشاكل، صلِّ وادْعُ الله في الصلاة حتى تحسّ أنّ ربّنا عز وجل سمعك، وقد أدّى رغبتَك، وكان عروة بن الزبير رضوان الله عليه سَخِيّ اليد، سمْحًا جوادًا، ومِمَّا أُثر عن جوده أنّه كان له بستانًا من أعظم بساتين المدينة، عذب الماء ذليل الأشجار، باسط النخيل، وكان يُسَوِّر بستانه طوال العام لحماية أشجاره من أذى الماشيَة وعبث الصُّبْيَة حتى إذا آن أوان الرُّطَب وأيْنعت الثِّمار، وطابَتْ واشْتَهَتْها النُّفوس كسر حائط البستان من أكثر من جهة ليُجيز للناس دخوله ! أما الآن يقول له: انْتبه الفواكه مرشوشة بالمواد السامّة !! ولا تكون هناك مواد ولا شيء !!! أما ذاك فكان يكسر حيطان البستان حتى يتيح للمارة الأكل منها، والآن بأمريكا حتى يُحافظوا على سعر الفواكه يتْلفوا قسمًا كبيرًا منها، فأبناء الجيوش كانوا يذهبون إلى أماكن إتلاف هذه الفواكه، لما أكلوا البرتقال خفّ البيع، العام القادم صمّموا البرتقال حتى لا يأكل الطفل الفقير البرتقال من دون دراهم يشتريها أبوه من السوق فيبقى السعر مرتفع !! وُحُوشٌ فكانوا الناس يلمّون به ذاهبين آيبين، ويأكلون من ثمره ما لذّ الأكل، ويحملون ما طاب لهم الحمْل، وكان كلّما دخل بستانه هذا ردّد قوله عز وجل:

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (39)﴾
[ سورة الكهف ]
قبل عشرين أو ثلاثين سنة هكذا قيل لي: يخرج الفلاّح من البستان ويضع سلّة تفاح بالطريق، هذا مشمش، وهذا تين، وهذا تفاح، فالناس في الطريق يأكلون ما يشتهون، الآن كيلو التوت خمسة عشرة ليرة، وقد كان لا يُباع إطلاقًا، التوت وقف مبذول للناس كلّهم، ولكن لمَّا بخل الناس شدَّد الله عليهم، والآن في بعض القرى، وقد شاهدْتها هذه بنفسي، كلّما مرّ المارّ يسلّمونه فواكه ضيافةً، والله عز وجل يُعطيهم ثمارًا فوق الحُسبان، خيرات وبركات، وتصدير وأسعار جودة، أما أهل هذه القرية لا تمرّ إلا وتأخذ فاكهةً مجَّانًا.
وفي سنة من سنة عبد الملك شاء الله جلّ وعزّ أن يمتحن عرْوَة بن الزبير امتحانًا لا يثبت له إلا ذوي الأفئدة التي عمّرها الله بالإيمان، دعاه خليفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق فلبّى الدعوة، وصحب معه ابنه الأكبر، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب، وأكرم وِفادته أوفى إكرام، وبالغ في الحثاوة به، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على اصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً أوْدَتْ بِحَياتِهِ ‍! ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة - الدردرينة- وأصبح معه الموات، فتورَّمَتْ ساقُه، وجعل الورم يشتدّ ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساق عروَة، قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه، ويكون سببًا في القضاء عليه، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك - انظر مقامه العالي، فأحيانًا المصائب تكون مصائب رفْع، فالأنبياء مصائبهم كُثر، والمؤمنون رفع وغير المؤمنين ردْع، ما أصاب عبدًا مصيبة إلا بإحدى قلّتين بضعف لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو برغبة لم يكن الله ليبلّغه إياها إلا بتلك المصيبة - ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه مَضاضِعَهُ لِشَقّ اللَّحم، ومناشيره لِنَشْر العظم قال الطبيب لعروة: أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر لكي لا تشعر بالآلام، فقال: هيهات ‍!-اسم فعل ماض- لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، فقال له: إذًا نسقيك مخدِّرًا فقال: لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ وأحْتسب بذلك، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال، فقال: ما هؤلاء ؟ فقال: جيءَ بهم لِيُمسِكوك ‍فربَّما اشْتدّ عليك الألم فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك، قال: رُدُّوهم لا حاجة لي بهم، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب وقطع اللَّحم بالمِقطع، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار وطفِقَ ينشرهُ به وعروَة يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، وما فتىء الجرَّاح ينشر وعروة يكبّر ويُهلِّل حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا، ثمّ أغْليَت الزَّيت في مغارف الحديد، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء، وحسْم الجراح، وأُغْمِيَت عليه إغماءةً طويلة حالَت دون أن يقرأ حصَّته من كتاب الله ذلك اليوم، هذا هو الأمر القاهر الذي لم يقرأ فيه حصّته من كتاب الله، وليس لسبب تافهٍ، نعسان، لك كمّية قرآن اقرأها ؛ حزب أو نصفه جزء اقرأها، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن !! وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير، ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها، اسْمعوا الآن ؛ فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ ويقول: أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد - انظروا هذا القسَم - إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل، فقد احْتسَب ابنه، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عفْسٍ فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره، قال: يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عفْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً، ولا أكثر أهلاً وولدًا، والله إذا أعطى أدْهش وإذا أخذ أدْهش، نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ ‍‍ ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد وطفلٍ صغير حديث الولادة ‍‍!! وكان البعير صعبًا فندَّ مِنِّي، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض، ولَحِقْت بالبعير، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل فالْتَفَتّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ إذْ كان قد أتى عليه، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني وذهبتْ بِبَصري، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل، ولا ولد ولا مالٍ ولا بصر !!! فقال الوليد لِحاجِبِه انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير، ولْيقصَّ عليه قصَّته لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً، ولمّا حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله، بادرَهم قائلاً لا يهُولنَّكم ما ترَوْن ! لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين، ثمَّ أخذ منهم واحدًا وأبْقى ليَ ثلاثًا، فله الحمد والشكر، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا وأبقى لي منها ثلاثة، وَيْمُ الله لئن أخذ الله لي قليلاً فقد أبقى لي كثيرًا، ولئن ابتلاني مرَّةً فلطالما عافاني مرَّات.
الصبر مؤشّر للإيمان، إذا كان هناك إيمان كان هناك الصبر، وإذا لم يكن الإيمان لم يكن الصَّبر، الصّبر معرفة بالله عز وجل، الأمر بيده وهو رحيم، وحكيم وعليم، وعلامة المؤمن أنَّه راض، ويقول الحمد لله رب العالمين على أشدّ المصائب، فكيف على أهونها، إذا أصابتْه مصيبة قال: الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصَّبْر عليها، مواقف الصحابة، أو أصدقاءهم من المصيبة، إذا الواحد ساذج ورأى مؤمنًا أُصيب بِمُصيبة يقول حتْمًا عمل معصيَة !! وهذه فضاضة بالتفسير وسوء الظنّ بالأخ المسلم، كبار الصحابة أصابتهم مصائب كبيرة، وهذه مصائب رفْع وليْسَت مصائب ردْع، فالعاصي له مصائب ردْع، أما المؤمن فله مصائب رفْع، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾
[ سورة البقرة ]
فالإنسان بالمصيبة يظهر، وبها ينحطّ.
أما أصحابه ماذا قوال ؟
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير، تسيلوا على بيته لِيُواسوا ويُعَزُّوا ظن فكان من أحسن ما عُزِّيَ به كلمةً قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة، قال له أبْشِرْ يا أبا عبد الله، فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة احْتسِبْهُ عند الله.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:42 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 05 :الخلع
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-09-16
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، ربّنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة يقول يخاطب سيّدنا آدم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام، قال تعالى
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾
[ سورة البقرة ]
عندنا هُدَى بالزواج، فمن طبَّق شرع الله بالزواج لا خوفٌ عليه ولا هو يحزن والعلماء فرّقوا بين الخوف والحزن، الخوف ممّا سيكون والحزن عمّا مضى، فلو جاء ملك الموت لا يخاف ممّا بعد الموت، ولا يحزن على ترك الدنيا، وهل في الدنيا حالةٌ أرقى وأشرف وأبعث على الطمأنينة من أن تواجهَ شيئاً لا تخاف ممّا سيليه، ولا تخاف ممّا كان ؟ فهذه الحالة النفسيّة تغطّي ما كان وما سيكون، أحيانًا الإنسان يخاف ممّا سيكون يكاد قلبهُ ينخلع، أو يحزن على ما كان، فإذا عرف الإنسان الله عزوجل لا يحزن على ما فاته من الدنيا، ولا يهلع لما سيُصيبُه في المستقبل لأنّ الله عز وجل طَمأنهُ، فهذه الأبحاث الفقهيّة في الزواج والطلاق والمخالعة أبحاث البيوع، العلاقات الشخصيّة، وعلاقات الإنسان مع الله عز وجل، علاقاته مع جيرانه وزوجته وأولاده كأنّه قطار ماشٍ على سِكَّةٍ في سلامة، فإذا خرج عن هذه السكَّة تعرّض هذا القطار للتَّدَهْوُر، تمامًا حينما يخرج الإنسان عن خطّ الله عز وجل يتدَهْوَر، فالأمراض النفسيّة كثيرة جدًّا، ما هي الأمراض ؟ هي شعور بالاختلال الداخلي، هذا الدِّين دين الفطرة أحيانًا تمشي بالسيارة على الزّفت، تقول هذه السيارة مصنوعة لهذا الطريق، وهذا الطريق لهذه السيارة، أما إن مشَيت بها في طريق وعِرة تشعر أنّ الوضع غير طبيعي فهذه الطرق ليسَت لهذه السيارة.
الباخرة بالبحر هذا مكانها الطبيعي، السَّمَك بالماء مكانه الطبيعي، لمَّا الإنسان يعرف الله عز وجل تستقرّ نفسهُ، ربّنا عز وجل في آيات كثيرة قال:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
[ سورة الروم ]
يعني هذا الدِّين بِتَشريعاته، وعلاقاته العامّة والخاصّة، العبادات والمعاملات، كلّ هذه العلاقات تنطبق انْطِباقًا تامًّا على فطرة الإنسان، فالإنسان دائمًا يحسّ أنَّه مخلوق بهلع شديد، الدِّين يُزيل هذا الهلَع، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
[ سورة المعارج ]
ذهب الهلَع، وذهب الحسَد:

ملك الملوك إذا وهب لا تسألنَّ عن السَّبب
الله يـعطي من يشاء فقِفْ على حدّ الأدب

يعني أكثر أمراض الإنسان مُتأتِّيَة من بعده عن الله، سأقول كلمة الآن ؛ الإنسان لو جُمِعَت له الدنيا من أطرافها، لو جمع مالها إلى سلطانها إلى ملاذِّها إلى مباهجها إلى العمْر الطويل، إلى الزواج الناجح وكان بعيدًا عن الله عز وجل فهو أشقى الناس، وإن وجدْتم في علاقات، وفي خبراتكم، وفي معارفكم، أو من يلوذ بكم إنسان بعيد عن الله تعالى وسعيد فهذا الدِّين يكون باطلاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[ سورة طه ]
قانون ؛ مَنْ اسم شرط جازم، تعريف الشّرط في اللّغة حدَثان لا يقع الثاني إلا بوقوع الأوَّل، فإذا وقع الإعراض فجزاء الشرط حَتميَّة وقوع الجواب بالمئة مئة، كأن تقول: إذا لمَسْت المدفأة وهي مشتعلة تحترق يدك، احتراق اليد شيءٌ لازِم ؛ أيْ حَتْمي، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[ سورة طه ]
كلّ الأبحاث الفقهيّة الهدف منها الإنسان يسلك طريق الإيمان، فنحن في دروس سابقة تحدَّثنا عن الخلع، أو المخالعة، كما أنَّ الزَوْج الله سبحانه وتعالى أعطاه الطَّلاق، هو الذي عقد الزواج، يستطيع الزَّوْج لأسباب قاهرة أن يستخدم حقَّه فإنها العلاقة الزوجيّة وهي الطلاق، ولكن الذي يستخدم هذا الحقّ للطَّرَف الآخر تنشأ حقوق واجبة ؛ المهر، وكذلك الزوجة كأنَّ ربّنا عز وجل جعل الطلاق، والمخالعة صمّاما أمان في هذا الوعاء البخاري، ففي الوعاء البخاري مادام محكم الإغلاق هناك منطقة يضعون لها قطعة بلاستيك، فإذا كان الإحكام شديد والضغط صعد وكان احتمال انفجار الوعاء تذوب هذه القطعة وتفتح البخار، ويتلافى الانفجار تمامًا في الزواج، هناك صمَّام لسلامة هذا الزواج، فإذا كانت لا علاقة بين الزَّوجين بِشَكل متفجِّر يأتي الطلاق من طرف الزَّوج، وتأتي المخالعة من طرف الزوجة، ولكنّ الزَّوج إذا طلَّق عليه المهر، أما الزوجة فتطلب المخالعة فعليها أن تفتدي نفسها بما قدَّم لها.
الخلْعُ كما سبق إزالة مُلْك النِّكاح في مقابل المال، فالعِوَض جزءٌ أساسي في مفهوم الخلْع، يعني لا يوجد خلْع من دون عِوَض، لأنّ الزَّوْج تكلّف ودفع، ودفع خمسون ألفًا، وكتب عليه خمسين ألفًا، وأسّس البيت وفرش، ووضع كلّ شيء جمَّعه بهذا الزواج ليَسْتقرّ، ليجد طبخة مطبوخة عند الرجوع، وليجد امرأة تنتظرهُ، ليُحْصِن نفسهُ، فإذا لم ترغب به المرأة وجب عليها أن تدفعَ له كلّ التكاليف، لا خلْعَ بلا عِوَض، فهذا جزء أساسي في مفهوم الخلع فإذا لم يتحقّق العِوَض لم يتحقّق الخلف، وهو من دزمه باطل.
نحن حكيْنا سابقًا الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل، النِّكاح الفاسد يُصحَّح، أما النِّكاح الباطل لا يُصحّح، فإذا قال الزوج لزوجته خالعْتك وسكت لم يكن ذلك خلعًا، خلع باطل ولا يسمَّى ذلك خلعًا، خالعْتك على ماذا ؟ على أن تردِّي إليّ ما أعطيتك إيّاه، هنا الخلْع صحيح.
ثمّ إنَّه إن نوى الطلاق كان طلاقًا رجعيًّا، بالمناسبة إذا الواحد استخدم ألفاظ الطلاق ليْسَت النيَّة شرطًا في الطلاق، أما إذا استخدم عبارات أخرى غير عبارات الطلاق عندئذٍ تُشترط النيّة، إذا الواحد قال: وهبتك هذا الكتاب بمئة ليرة، ما دام قال: بمئة ليرة فهو ينوي البيع فهذا عقد بيع أما إذا قال: بعتك هذا الكتاب بلا ثمن، هو قال: بلا ثمن فهو يعني هديّة فالإنسان لمَّا يغيّر الألفاظ النيّة شرطا أساسيا، أما إذا لم يغيِّر الألفاظ من دون نيّة، إذا قالب لواحد بِعني هذا القلم ؟ فقال: بعتكه بِلَيرة ! انْو ما شئت، قلتَ بِعني وباعك بمبلغ معيّن، أما إذا قلت له هَبني وخذ ليرة فكأنّك تريد البيع.
أحيانًا تدخل إلى مكتبة عند بائع، تقول له: كم ثمن المصحف ؟ يقول لك: أعوذ بالله، هذا وهبه خمسون ليرة ! فقط خمسون، أنا الذي أراه الأمور بمقاصدها، أنت تدفع ثمنه فلا تقل له بيعه بخمسون، قل: وهبه على خمسون ليرة، من أجل الشرع، لأن الألفاظ هذه شيء غير طبيعي.
إذًا: فإذا قال الزوج لزوجته: خالعْتك وسكت، لم يكن ذلك خلعًا، أما إذا قال: خالعتك ونوى الطلاق، هذا أصبح طلاقًا وليس مخالعة، وكان طلاقًا رجعيًّا، كما تحدّثنا من قبل عن الطلاق الرجعي، وإن لم ينو شيئًا لم يقع شيء، إذا قال: خالعتك وسكت، وما نوى الطلاق هذا كلام لا معنى له لا يقع شيئًا إطلاقًا، لأنَّه من ألفاظ الكناية التي تفتقر إلى نيّة.
الشافعيّة قالوا: لا فرْق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق أو على بعضه أو على مال آخر سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة، ربّنا عز وجل أطلق، والمطلق على إطلاقه ربّنا عز وجل بالمخالعة، وفي آية المخالعة يقول تعالى:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة ]
بالآية لا يوجد تخصيص أنَّ المهر بالذات مال آخر، قدَّم لها المهر مثلاً أساور بأربعين ألف، وهي معها نقدي، فدفعت له ثلاثون ألف ليرة سوري، هذا ممكن، افْتَدَت به فكما يقول الشافعيّة لا فرق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق نفسه ؛ دفع لها أربعين ألف بشكل أساور ذهبيّة، ممكن أن تعطيه الأساور نفسها أو على بعضه خمسة أساوِر من ستّة ثلاثة من ستّة، أو على مال آخر كأن تقول له خذ الدكان وخلّصني، سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة، وضعت له سند، تأخذ أجرة بيت بعد سنة ثلاثة آلاف هذا ممكن دَين، أو منفعة من دون مقابل، أو عَين كأن تقدّم له قطعة ذهبيّة أو سيارة.
وضابطه - أي الشيء الذي يضبطه - أنّه كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عِوَضًا، كلّ شيء يمكن أن يكون صداقًا يمكن أن يكون عوضًا، الصحابة على درع، أو على تحفيظ القرآن، أو على إسوارة من ذهب، أو قطعة من فضة، أو على عين، أو على جمل، أو زيتون، كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عوضًا في الخلع لِعُموم قوله تعالى:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة ]
هذا الشيء العام في موضوع الخلع.
لكنّ جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أنّه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه، المهر خمسين ألفًا قالتْ له خُذْ ستِّين ألفًا وخلِّصْني، فجمهور الفقهاء قالوا: يجوز لقول الله تعالى:

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة ]
لكنّ بعضهم قال: لا يجوز، أي عندنا شخص العِوَض هو المهر، لماذا هذه تجارة تزوَّج ثمّ أصبح يقسو عليها، حتى عافَت المهر، وأصبح الزواج تجارة.
روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال: أتردّين حديقته ؟ قالت: وأزيد عليها، معناها متألّمة كثيرًا، فردَّت عليه حديقته وزادته، ومن هنا أخذ العلماء أنَّه يجوز أن تدفع الزوجة أكثر مما أخذت ورأى بعض العلماء أنّه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح أنّ أبا الزبير قال: إنّه كان أصدقها حديقةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتردّين عليه حديقته التي أعطاك ؟ قالت: نعم، وزيادة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما الزيادة فلا ‍! ولكن حديقته ! نحن عندنا روايتين لحديث واحد، رواية فيها زيادة ورواية من غير الزيادة، بعض العلماء أخذ الزيادة، وبعضهم الآخر اكتفي بعدمها، واختلاف الفقهاء رحمة واسعة، واتفاقهم حجّة قاطعة، كأنّه سبحان الله اختلاف الفقهاء الكبار توسعة على الناس، ممكن لواحدة أن تكون متألّمة كثيرًا، الزوج دفع مبلغًا زهيدًا، وهي في بحبوحة فوهبَت له على أن يتركها، في بعض المذاهب يجوز، وعلى بعضها الآخر لا يجوز، وكنت أقول لكم: أنّ التقليد يجوز، والتلفيق لا يجوز، وهناك حالات يسعها الشرع.
هنا الخلاف في أصول الفقه، ما معنى أصول الفقه ؟ طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام، هل يجوز أن يأتي حديث فيُخصِّص آية ؟ بعضهم قال يجوز، والبعض الآخر قال: لا يجوز، الأصل في الخلاف تخصيص عموم الكتاب بالأحاديث الأحاديّة، فمن رأى أنّ هموم الكتاب يُخصَّص بأحاديث الآحاد مثلاً، إذا قلنا أعلى راتب في الدولة خمسة آلاف ليرة هذه مادة الدستور، وسيصْدر قانون يفصّل ذلك: القانون ؛ ألا يستطيع أن يقول أعلى راتب ثمانية آلاف ؟ الدستور وضع حدًّا أعلى، فالقانون إذا أراد أن يفسّر ويوضّح راتب الموظّفين وأنواع التعويضات عليه أن يتقيّد بهذا السقف، من الألف إلى الخمسة، وبعضهم قال: يجوز و للتفسير أن يتجاوَز السقف، وهو رأي ضعيف، ربّنا عز وجل بالقرآن الكريم وضع حدودًا أحيانًا يأتي حديث مفرد يتجاوز هذا السقف، هناك من الفقهاء مَن قال: لا يجوز لأحاديث الآحاد أن تخصِّص عموم الكتاب، وبعضهم قال: يجوز.
هناك توجيه لطيف جمع بين الرأييْن، قال: فمن رأى أنّ القدْر راجع فيه إلى الربا يجوز، هي راضِيَة، أما إذا كان هناك نوع من الابتزاز، لا أخلعك حتى تعطيني هذا البيت دفع لها خمسون ألفًا، وأراد أن يأخذ منها ما مقداره مئتا ألف ! هذا ابتزاز، هنا يأخذ الفقهاء بظاهر النصّ، وعموم الآية، وبحديث الآحاد الذي يمنع أن تردّ الزوجة أكثر ممّا أخذت، أما إذا كانت المرأة في بحبوحة ويُسر، ووهبَت له شيئًا من مالها، نأخذ بظاهر الآية وعمومها.
الخلْع في العادة يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإذا لم يتمّ التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلْع، كثير من يسألني ؛ سامحني فهل يؤاخذني الله تعالى ؟ الله يؤاخذ إذا لم تكن هناك مسامحة، إذا كانت هناك علاقة ماليّة بين شخصين، وأحد الشخصين سامح، هنا انتهى الأمر ولا يوجد شيء، إلا في بعض الحالات هناك حق عام، وحقّ خاص، أحيانًا يحصل القتل الخطأ، أحد سوّاق السيارة دعس إنسان يظهر أنّ أهل المقتول ورعين، ويخافون من الله، ووجدوا أنّ هذا السائق فقير، ثمّ الأمر قضاء وقدر، ولم يرتكب خطأً في السواقة، حينها يتنازل الأهل عن حقوقهم، هنا بالقرآن الكريم هناك حقّ عامّ ولو تنازلت، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء ]
الديّة هذه الحق الخاص، أما تحرير رقبة مؤمنة هذا في الحق العام يعني أنت بهذا الحادث أزْهقْت نفسًا مؤمنة، المجتمع الإسلامي كان هناك مليون مؤمن فنقصهُ واحد، ولو تنازل لك الأهل عن هذا الحق، فأنت أنقصْت من المجتمع شخصًا قد يكون طبيبًا، أو مهندسًا، أو إنسان داعيَة، أو طالب يُنتظر منه مستقبلاً باهرًا فأنت أفقدْت المجتمع الإسلامي عنصرًا طيِّبًا فالأهل تنازلوا ؛ هذا حقّهم الشخصي أسقطوه، ولكن هناك حقّ عام وهي إعتاق رقبة مؤمنة وهي أن تدخل لهذا المجتمع إنسانًا مؤمًنا كان عبْدًا تُحرِّرهُ، دِقَّة الشَّرع، فهنا الآن في المحاكم ولو أنت تنازلت عن الحقّ الخاص هناك حقّ عام، فلو سرق إنسانًا، وقال له: المسروق تنازلت عن حقّي الشخصي، يُلاحق السارق بالحق العام، من أين أُخذ الحق العام ؟ من هذه الآية:

﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾
[ سورة النساء ]
هذه هي عظمة الشرع الإسلامي.
قال: فإذا لم يتِمَّ التراضي منهما، فللقاضي إلزام الزوج بالخَلْع، لأنّ ثابتًا وزوجته رفعَا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، وألْزمهُ النبي بأن يقبل الحديقة، اللهمّ صل عليه دخل وثيقًا بين زوجين، يبْدو أنَّ الزوجة تكرهُ زوْجها، فقال عليه الصلاة و السلام: لو تُراجعينهُ قالتْ: يا رسول الله ؛ أَتأْمُرُني ؟‍ قال: لا، إنَّما أنا شفيع، لو أمرتُكِ لوَجَب أن تنفِّذي الأمر إنَّما أنا شفيع، فالإنسان أحيانًا تكون له مكانة بأُسرة إذا رأى الأمر صعبًا لا يفرض الحلّ فرضًا ولكن يجعل الحلّ باختيار الطَّرفَيْن، لأنّ مكانته الكبيرة تقتضي الإلزام، وإذا كان هناك إلزام كان هناك ظلمًا، قالتْ: يا رسول الله ؛ أَتأْمُرُني ؟‍ قال: لا، إنَّما أنا شفيع، أنا لا آمرك أنت حرَّة فالإنسان لمّا تكون له مكانة بمُجتمعه لا يستخدم هذه المكانة لطرف من آخر، ولكن عليه أن يوازن موازنة دقيقة، كلّما كان الإنسان متوازنًا مع الآخرين يصبح محبوبًا عند الأطراف جميعًا أما ينحاز إلى فئة من دون فئة، لا تصبح له مكانة عاليَة، من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه ما من صحابيّ جليل عاملَهُ إلا ظنَّ نفسهُ أقربَ الناس إليه، هل عندك هذه الإمكانيَة التي تستطيع أن تعاشر مئتا رجل أو ألفًا، كلّ واحد يظنّ نفسه أقرب إليك ؟؟‍ صلى الله عليه وسلّم من رآه بديهةً هابهُ، له هيبة، ومن عاملهُ أحبَّه، عظماء العالم يجلس معهم طفل صغير فيستأنس فيهم، وشابّ يستأنس، وكبير، ومتقدّم في السنّ يستأنس، فالذي عنده هذه النفس الشابة والنّفس المتطلِّعة لمعرفة الله عز وجل، عنده مرونة فائقة، إذا جلس مع طفل صغير، قال له يا عُمَير ماذا فعل النُّغَير ؟ طفل له عصفور يداعبه، فكلّما رآه النبي صلى الله عليه وسلّم يقول له يا عمير ما فعل النُّغَير ؟ سيّدنا الحسن والحُسَين كانا يركبان على ظهره الشريف أثناء الصلاة فكان يقول: نعم الجمل جملهما، ونعم الحِمل أنتما، كان يضع الحسن والحسين على ركبتيه ويقبلهما ويقول: اللَّهم إنِّي أحبّهما فأحِبّهما، هكذا المؤمن، من كان له صبيًّا فلْيتصابى له، إذا الواحد دخل إلى بيته وكانت له مكانة كبيرة خارج البيت، إذا دخل ولاعب ابنه الصغير وضاحكه ومزح معه، ونزل إلى مستواه هذه سنَّة مطهَّرة، كان عليه الصلاة والسلام يُسلِّم على الصِّبْيان أحيانًا يدخل صبيّ للمسجد فإذا بالمؤمنين يرحِّبون به، ويضعوه بينهم، ومرَّةً تجد أخًا آخر يسيء الكلام معه، ويردّه إلى الوراء، لا يوجد عندنا أحد أحسن من الآخر، سيّدنا مالك بن أنس هذا إمام دار الهجرة يقولون أنّ هارون الرشيد كان في عمرة أو حجّ فبعث له خبرًا وقال له: يا مالك لو جئتنا إلى بيتنا لِتُعلِّمَنا ؟ هارون الرشيد الخليفة، فبعث له جوابًا: قال له يا هارون العِلْم يُؤْتى ولا يأتي ‍! فلمَّا سمع هذا القول، قال: هذا صحيح وهذا هو الحق، أنا سآتي، ثمَّ بعث له خبرًا آخر: وإذا أتَيْتني، فلا أسمح لك بِتَخطِّي رِقاب المسلمين، عليك أن تجلس حيث ينتهي إليك المجلس ‍‍!! قال: صحيح، ثمّ جاء الخليفة ودخل إلى المسجد، مكان الدرس، ووضعوا له كرسيًّا فقال هذا الإمام: من تواضع لله رفعَه، ومن تكبَّر وضعه !! كم كان للعلم قيمة في ذلك الزمان نعم الحاكم في باب العالم، وبئس العالم في باب الحاكم، فالإسلام لا يوجد أحد خير من الآخر لو جاء طفل صغير مبكِّرًا، وجلس في أوَّل المجلس لكان هذا مقبولاً، ويُثنى عليه، أما أن تضعه آخر الصفّ هذا غير مقبول، اِجْلس حيث ينتهي بك المجلس، قال: لو علم الناس ما في الصفّ الأوّل لكان قرعةً، لو علم الناس كم في الصفّ الأوّل من الخير الكبير لكان قُرْعةً.
آخر موضوع بالخلع، يُحرَّم على الرجل أن يؤذيَ زوجته بِمَنْع بعض حقوقها حتى تضجر، وتخلعَ نفسها، وهذا هو الظلم بِعَينه، يأتي كلّ يوم الساعة الثالثة ليلاً، ولا يحضر لها أكلاً، يُعنِّفها أمام والدته، ويضربها أحيانًا، يجعلها ترى الجنَّة بِفِراقِهِ، لو كان مهرها المتأخِّر مئة ألف لفضَّلت الخلع، حكى لنا شخص من المسجد أبو أيمن، أنَّ أحدهم تزوَّج امرأةً صالحة بنت عالم، يظهر أنَّه ما حصل تحقّق بالزواج، فهذه مُربَّاة تربيةً دينيّة، وهذا الشاب يريد أن يفلت على هواه، يريد اختلاط، ويستقبل رفاقه، فأمرها بِمَعاصي كبرى فرفضَت، متأخِّرها مئة ألف، وهذا الزوج أساء إليها إساءة بالغة، يتأخّر ويهينها ويضربها، وهي صابرة عرفان منها وخلال سنة يئسَت، وبعدها استسْلَمَت وقالَتْ له: لا أريد شيئًا فقط الخلْع، فعلاً خلَعَها وخلص منها، ولكن كيف خلعها ؟ لأنَّه ضارَّها، بعدما خلعها، وكان هذا الخلْع بِتَوجيه والدَتِهِ، اخْلُصْ منها وأنا أزوِّجك أحسن منها،وهو كلام معروف، فالنتيجة خلعها، وتزوَّج أخرى وبعدما مضى على زواجه فترة كبيرة، ذهب إلى سيران إلى الزبداني، وراجع يوم الجمعة عصرًا، والظاهر كان هناك ازدحام بالسير، وهو ماهر بالسواقة، فكان يمر، ويخرج من هنا ويدخل من هناك فكأنَّها خافَت، فقالت له: على رسْلك ! فقال: أنتهي منك كما انتهَيت من فلانة فالأب كان غير راضي على عمل ابنه، هذه التي أخذتها صاحبة دين، وأنت الذي يظلمها، وهذه بنت عالم والأم توجِّه ابنها، وتحرّضها على طلاقها، وخلعها، ومضايقتها، والأب ينهاه على ذلك فركب الابن وراء المِقوَد، وزوجته جنبه، وأمّه وراءه، وأبوه وراء زوجته، النتيجة أنّه دخل في سيارة شحن كبيرة أقْسمَ بالله الأخ الذي حكى لنا القصّة أنّ انقسم الابن وأمّه إلى قطعتين !!! فالأب خرَّ لله ساجدًا وقال: يا رب أنا أشهد أنَّهم ظلموا، الأم لقِيَت جزاء عملها، والأب لقي نتيجة عمله إذْ نجَّاه، والزوجة ما حدث لها شيء، وكذا الأب، والأبناء، من الذي قُتِلَ ؟ الابن الظالم والأم المحرِّضة، فالواحد إذا كانت له زوجة، ولو كان لها الحق أن تخلع نفسها منه، إذا كان ما عجبهُ شكلها، أما أن يُضايِقَها في أنصاف الليالي، ويظلمها ويهينها، ويحرمها، ويقسو عليها إلى أن تطلب نفسها منه، هذا أبشع أنواع الظلم، والله سبحانه وتعالى يقتصّ منه، فكما قلت سابقًا فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء، أحيانًا القاضي يجور ولكن ربّنا عز وجل كلّ شيء بِحِسابٍ دقيق.
هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل طويل، موضوع الإساءة إلى الزوجة حتى تخلع نفسها، وإن شاء الله نرجئه إلى موضوع قادم، والخلع فيه موضوعات كثيرة.
الذي لا يخاف من الله تعالى أحمق، وكلّ إنسان يظنّ إذا أكل حقوق الآخرين، أو ظلم زوجته، أو ظلم جيرانه، وتعدَّى على الناس أنَّه ذكيّ يكون في حضيض الغباء، أما الذكاء له قِمَّة، كلّ إنسان يظنّ أنَّه إذا لعب على الناس، وأكل حقوقهم هو ذكيّ بهذا العمل يكون في غاية الحمق والغباوة
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام: الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن...." ائتني بواحدٍ مؤمن بالقضاء والقدر إيمانًا صحيحًا أنَّه لكلّ شيءٍ حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطأه، وأنَّ ما أخطأهُ لم يكن لِيُصيبهُ إنسانٌ بهذا المستوى أنا أضْمنُ له بأن لا يحْزَن، عظمة الإيمان أنَّك ترى يد الله فوق أيدي الناس وترى أنّ الله عز وجل لا يمكن أن يقع في الكون حادث إلا بعِلْمه وأمره وقوَّته وقدرته وانتهى الأمر.
تجد المؤمن مطمئنّ ؛ الحمد لله على كلّ حال، إذا أقْبلت الدنيا، أو أدْبرت، وإذا كثر ماله، أو قلَّ ماله، إذا تزوَّج فلان هذا نصيبي، أحدهم جاء عند رسول الله وقال له: اُدعو الله أن يرزقني زوجة صالحة ؟ فتبسَّم عليه الصلاة والسلام، فقال: والله يا أخي لو دعوتُ لك أنا رسول الله وجبريل، ميكائيل ما تزوَّجْت إلا التي كتبها الله لك، لأنَّ هذا الزواج أخطر حادث بحياة الإنسان وستعيش مع إنسانة طوال حياتك، فالله عز وجب يتدخَّل، ويبعث الطِّيب للطَّيِّبة، قال تعالى:

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ﴾
[ سورة النور ]
والزاني لا ينكح إلا زانية، لك أنت تجربة قبل الزواج، ولها هي أيضًا تجربة قبل الزواج، ولك عِفَّة بالغة قبل الزواج تأخذ واحدة مثل الألماس ؛ عفيفة، لك تطلّعات، تجدها هي أيضًا لها تطلّعات، لك مغازلات، لها مغازلات، كلّ شيء بِثَمنه، تجد بالأخير الله عز وجل أنّ التي كتبها الله لك هي التي سوف تأخذها، هذه هي شريكتك بالضَّبْط، هذا الكلام أقوله للشباب حسِّنْ نفسك، رقِّي إيمانك، وجدِّد إيمانك حتى يسمح الله لك بزوجة صالحة، تسرّك إذا نظرت إليها، وتحفظك إن غبت عنها، وتطيعك إذا أمرتها، لا تقل أمِّي تفهم كثيرًا بالخطبة ‍! تجد نفسك وقعْت على رأسك رغم خبرة أمِّك، ولا تقل حتى أراه أوَّل مرَّة وثاني مرَّة، أنت تجدها بالخطبة كالملائكة، تقول أنا أرى ملكًا وليس امرأة !! طوِّل بالك الكلام بعد الزواج !!! والله تظهر لك نجوم الظُّهر، لذا موضوع الزواج موضوع خطير جدًّا، ليس لك خيار فيه، لذا قال النبي عليه الصلاة والسلام أفضل شيء بعد التقوى زوجة صالحة، إذا صاحب تقوى يستحقّ الزوجة الصالحة، وإن كان قبل التقوى يستحقّ زوجة مشابهة له.
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، هذا البيت لم يكن من نصيبي، الحمد لله رب العالمين، أنا أسعى ولا أتواكَل، لكن رأيته مناسب، وسعر مناسب، والمبلغ موجود، ثمّ ذهبنا فقيل لنا: والله بيع !! نقول: هذا من سوء حظّنا، ليس لا ننام طول الليل ! انظر ما أجمل المؤمن، خطب فلانة والبنت مناسبة والعمر مناسب، وثقافتها مناسبة، ذهبنا للخطبة فقيل لنا خطبت، لا ننتحِر، لا يوجد نصيب وانتهى الأمر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: لا يحزن قارىء القرآن..." علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن يعلم أنَّه توجد آيات دقيقة

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
[ سورة البقرة ]
أحدهم حمل فرش أطرميزات، تزحلق فوقعوا كلّهم، صار يبكي، ويقول: يا رب بكاء مرّ، أريد أن آتي لأهلي أكل، ذهب كلّ رأس ماله، قال له: يا رب، ذهب مني قطعة ذهب ثمنه مئة وسبعون ليرة وما غضبتُ، أما الآن ليس عندي إلا هذه، وعند الآن عائلة، فُتِحَ الشباك وقال له: تعال، أنت الذي ضاع منك الذَّهَب، فقال: نعم، قال له: خُذْ هذه وجدتها منذ سبعة عشرة سنة، وها أنا أردّها لك !! أين انكسر الفرش ؟ أمام من وجد ذهبه، قال تعالى:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
[ سورة البقرة ]
هذه الآية وحدها لو لم يكن في كتاب الله غيرها لكفَتْ، كلّ شيء بِقَدر تمكَّنت من الذهاب مع هذه البِعْثة أم لا، قل الحمد لله رب العالمين وبعدها ذهب ! شرّ أذهبه الله عنك، هل كان الله غافلاً ؟ قال تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)﴾
[ سورة الحديد ]
قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور ]
قال تعالى

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[ سورة هود ]
لمّا تُوحِّد ترتاح، لذلك الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، حرامٌ على مؤمن يحزن أموره كلّها بيَدِ أرْحم الراحمين، وبيَدِ كريم وعليم وقدير هل يخاف الإنسان من أمِّه ؟ كم يشعر بمحبَّة اتِّجاه أمِّه ؟ كلّها رحمة له.
النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تقبّل ابنتها، فقال: أتُلقي هذه بولدها إلى النار....للّه أرحم بعبده من هذه بولدها..." لمَّا الإنسان يتذوّق القرآن الكريم، هناك آية وحدها تكفي قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)﴾
[ سورة آل عمران ]
إلى أين تذهب ؟ إذا كانت لك زوجة فيها رحمة، لم تغضبني أبدًا، مرَّةً عزَّيت صديقًا لي بوفاة والدته، والدته عمره ثمانون سنة، أثناء التعزية بكى بكاءً مُرًّا، بعد التعزية حاوَل الأصدقاء التخفيف عنه، فصار يبكي أكثر، فقال: والله عشت معها خمسةً أربعين سنة ما نمت ولا ليلة غضبان منها ! هذه زوجة فيها إخلاص ومحبّة فتأثّر، فأنت ذاهب إلى من هو أرحم عليم حكيم، ربّنا عز وجل لمّا يتجلّى على قلبك تذوب ذوبانًا محبَّةً، تُوفِّيَت امرأة صالحة رأتْها ابنة بنتها بالرؤية بِمَكان يشبه أماكن جميلة جدًّا كلّها جبال خضراء وسواحل، وقالت لها: أنا مفتوح من قبري نافذة مباشرة لهذه المناظر ! تعيش في الجنَّة، ورأتْها بنتٌ أخرى في بيت فخْم جدًّا مثل القصر، فقالت لها: هذا بيتي ! وبيتها في الدنيا كان متواضعًا، أنت لا تعرف الإنسان إذا مات على الإيمان أين يذهب ؟ إذا مات الواحد يقولون مسكين !! ليس هو المسكين أنت المسكين، إذا الواحد غير مستقيم في حياته هذا هو المسكين، ذاك في قمَّة السعادة، لا كرب على أبيك بعد اليوم هل قليلة هذه الكلمة ؟ إذا الواحد رزقه الله موتةً على الإيمان، ماذا فيها الدنيا ؟
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، والإيمان بالقدر نظام التوحيد، إذا أردت أن تناقش ناقش، هذا فعل معك هكذا، هل هذا بعِلْم الله أم لا ؟ إذا قلت ليس بعلمه أشْركت، وإذا قلت بعلمه، فكيف سمح الله له ؟ الله تعالى حكيم، إذًا للحكمة حكمة، والله عليك، فهو يعلم ما في النفوس، الله قدير، والله لطيف، والله جبّار، فأنت إذا قلت ليس بعلم الله ؛ هذا مشكلة وإذا قلت بعلمه معناه أشركت، لذلك ممَّا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا أصابتْه مصيبة كان يقول: لا إله إلا الله العليم الحكيم، لا إله إلا الله الرحمن الرحيم ؛ انظر دقَّة الكلام كلّ شيء بيَدِهِ هو العليم الحكيم، وكلّ شيء بيدِه هو الرحمن الرحيم، الحديثين دقيقين ؛ الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحَزَن، والإيمان بالقدر نظام التوحيد، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدَّمَت أيديكم وما يعفو الله أكثر.
الإيمان والعمل قرينان لا يصلح كلّ واحد منهما إلا مع صاحبه، إيمان بلا عمل كالشّجر بلا ثمر.
الإيمان عفيف عن المحارم، عفيف عن المطامع، فالمحارم المعاصي عِفَّة عن المحارم، والإيمان أيضًا عفَّة عن المطامع، الغنى غنى النفس الأمْن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، ما معنى الأمن ؟ لسْتَ مُلاحق، شيء جميل، تنام ملء عينيك، إذا دقّ الهاتف الساعة الثنية عشرة ليلا لا تخاف، إذا الباب أنطرق الساعة الواحدة لا تخاف، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
[ سورة الأنعام ]
هذه النعمة العظمى من الله عز وجل، تجد قلب المؤمن كلّه أمن وطمأنينة بحيث له من الطمأنينة لو وزَّعَها على مليون من الناس لاطمأنُّوا، هذه نعمة الله الكبرى، والكافر يلْقي في قلبه الرعب، قال تعالى:

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[ سورة الحشر ]
تجد في قلوبهم فزعًا شديدًا.
آخر حديث ؛ الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر...." هذا قانون من قوانينه صلى الله عليه وسلّم ؛ الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر، إذا الصانع سرق، وأراد أن يطلب عملاً يسأل صاحب العمل الدكان الأوّل، فإذا قال له: يده خفيفة يصرفه عنه، ثمّ تجده ينصرف من محلّ لآخر، جميع الأبواب مغلّقة في وجهه، لذلك في الأمن يُشاركوك، ويعطوك أموال استثمار، ويقدِّمون لك أثْمن ما عندهم، ويعطونك محلاّت وبيوت، فقط أن تكون أمينًا لذلك سأل أحد الشعراء الإمام الشافعي، قال له:
يد بعشر مئين عسجد وديت اليد هذه إذا قطعت بحادث خطأً ديَّتها عشر مئات دينار ذهبي، الدينار الذهبي الآن ثمنه سبعمئة ليرة أو أكثر، عشر مئات، أي ألف دينار ذهبي
ما بالها قطِعَت في ربْع دينار
إذا الواحد سرق ربع دينار يقطعون له يده ؟ وإذا قطعَت خطأً يدفع المتسبِّب بالحادث ألف دينار ذهبي، وهي سرقت ربع دينار قطعوه إياها ؟‍‍
فقال الإمام الشافعي:

عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة، فلمَّا خانَت هانَتْ، سائق تاكسي من المطار إلى الشام وجد بالراحة الخلفيّة خمسون ألف ليرة، أخذها عند مدير مكتبة التاكسي، هذا الإنسان جاء من الكويت، وقعت له بطريقة أو أخرى وصل عند بيت عمّه فوجد خمسون ألفًا مفقودة، انخلعت روحهُ، فقال له: أخي لا تزعج نفسك فقد ذهبت دراهمك ‍! أصابه كمد منقطع النظير، طرق الباب صديق، فرآه على هذه الحال، فقال له: دعنا نذهب إلى المطار، راحوا إلى هذا المطار وسألوا أنّهم ركبوا سيارة تاكسي، وضاعت منا دراهم، فقال لهم: نعم هناك سائق وجد دراهم أين هو ؟ قالوا: الآن نزل إلى الشام، نزلوا على مكتب الشام سألوا فقالوا لهم: أعطاهم لمدير المكتب، راحوا على البيت، فأعطاهم خمسون ألفًا، سحب خمسة آلاف وقل له هذه هديّة له فقال له: لا، سنقيم له لقاء صحفي نثني على أمانته ! شيءٌ جميل، وأنا كنت راكبًا تاكسي آتٍ من بيروت إلى الشام، والسائق ربح خير الله، بضاعة وركّاب، ركب معه جندي، وضع من وراء علب سردين، وقف في محلّ، نزلت كي أرى أغراضي، السائق ما انتبه لي، يأخذ علب ويضعها وراء الدولاب، وهذه سرقة، قلتُ: سبحان الله، هذا عند الله سائق، وذاك سائق ظفره بمليون.
عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
ربحت ألفيت ليرة، وسيارة ملك لك، وهذا جندي فقير، تخبِّؤهم وراء الدولاب !! وذاك خمسون ألفًا سلَّمهم لصاحبها.
الأمانة تذهب الرزق، والخيانة تجلب الفقر.
والآن إلى بعض حياة التابعين.
الربيع بن خثيم حينما حضرته الوفاة - من آخر القصّة - جعَلَت ابنتهُ تبكي، فقال لها: ما يُبْكيك يا بنيتيّ، وقد أقبلَ على أبيك الخير ؟! ها قد جاء الخير، هل نحن الآن نعدّ لأنفسنا هذا الإعداد ؟ الموت حق، هل نعدّ أنفسنا كي نجد كلّ خير في هذه الساعة، قمَّة السعادة عرس، الموت عرس المؤمن وتحفة المؤمن، نهاية القصّة: بكت فقال لها: ما يبكيك، وقد جاء على أبوك الخير، هذا الرجل الربيع بن خثيم أصيب بالفالج، فقال هلال لضيفه منذر الثوري ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلَّنا نؤمن ساعة ؟ بعض الصحابة كان يقول: اجلس بنا نؤمن ساعة، إذا جلست مع أخوك وحدَّثك وحدَّثتهُ هي ساعة إيمان.
فقال منذر: بلى فوالله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم والحنين في العَيْش ساعة في رِحاب إيمانه.
ولكن هل استأذنت لنا عليه ؟ فقد قيل لي:: إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ وانْصرفَ إلى ربّه، وعزف عن لقاء الناس ! فقال هلال: إنّه كذلك منذ عرفته، وإنّ المرض لم يغيّر منه شيئًا !! هذه هي البطولة، حكَيتُ لكم عن قصّته لمّا قطعت رجله حملها وبكى، وقال والله يا رب ما مشيْت بها إلى معصية قطّ، وإنِّ احتسبها عندك، أصيب بالفالج فما غيَّرَ المرض منه شيئًا، فقال منذر:قال له: لا بأس، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد ؟ أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد ؟ فقال هلال: لو جلست مع الربيع عامًا بأكمله فإنَّه لا يكلّمك إلا إذا كلّمته، ولا يبادرك إلا إذا سألته، فهو قد جعل كلامه ذكرًا وصمته فكرًا، فقال منذر: فلنمض إليه إذًا على بركة الله، مضيا إلى الشيخ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا وقالا: كيف أصبح الشيخ ؟ فقال: أصبح ضعيفًا مذنبًا يأكل رزقهُ، وينتظر أجله فقال له هلال: لقد أمّ الكوفة طبيب حادق، أفتأذن بأن أدعوه لك، قال: يا هلال، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرون بين ذلك كثيرة، ورأيت حرصهم على الدنيا ورغبتهم في متاعها وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا، وأعظمَ قدرةً، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى، فلا المُداوي ولا المُدَاوَى، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه، فاسْتأذن منذر وقال: فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ ؟ قال: الداء الذنوب، قال منذر: وما الدواء ؟ قال: الاستغفار، قال منذر: وكيف يكون الشفاء ؟ قال: بأن تتوب ثمّ لا تعود ‍! ثمَّ حدَّق فينا وقال: السرائر السرائر، يعني عليكم بالسرائر تكون نقيّة طاهرة، قال تعالى
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
[ سورة الشعراء ]
قال: عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس وهنّ على الله بوادر، هذه النوايا الخفيّة عند الله تعالى مكشوفة، قال منذر فما الدواء ؟ قال: التوبة النصوح، ثمّ بكى حتّى بلَّلت دموعه لحيتَهُ، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ، ثمّ قال له منذر أَتبكي وأنت أنت ؟ قال: هيهات لِمَ لا أبكي وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص ! يعني عظمة الصحابة واستقامتهم وعملهم الصالح وتضحياتهم، نحن إلى جانبهم كأنّنا لصوص.
قال له: لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص، فقال هلال: وإذْ نحن كذلك دخل علينا ابن الشيخ فحَيَّى وقال: يا أبت إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ، نوعٌ من الحلْوَة، وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه، فهل آتيك به ؟ فقال: هاتِهِ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ طرق سائلٌ فقال: أدْخلوه، ولمَّا صار بِصَحن الدار: نظرتُ إليه فإذا هو رجل كهْلٌ مُمَزَّق الثِّياب، قد سال لُعابهُ على ذقنه، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ بِصَحبة الخبيص فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل، مَعتوه لُعابهُ على لحيته مُمَزَّق الثياب، وهذا الطعام صنَعَتْهُ الزَّوجة ليأكل زوجها منه فوضَعَها بين يديه، فأقبل عليها الرجل وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا، ولعابهُ يسيل فوقها، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها، فقال له ابنه: رحمك الله يا أبي، لقد تكلَّفَت أُمِّي وصنعت لك هذا الخبيص، وكنا نشتهي أن تأكل منه فأطْعمْتهُ لهذا الرجل الذي لا يدري ما أكل، فقال: يا بني إذا كان هذا الرجل لا يدري ماذا يأكل، فإنّ الله يدري، ثمّ تلا قوله عز وجل:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾
[ سورة آل عمران ]
وفيما هو كذلك إذْ دخل عليه رجل من ذوي قُرْبة، وقال: يا أبا يزيد قُتِلَ الحُسَيْن بن عليّ كرَّم الله وجهه، وابن فاطمة عليها وعليه السلام، فقال الربيع: إنا لله وإنا إليه راجعون ثمّ تلا قوله تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)﴾
[ سورة الزمر ]
ولكنَّ الرجل لم يشْفه كلامه، فقال له: ما تقول في قتله ؟ قال: أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم !
قال هلال: ثمَّ إنِّي رأيتُ وقت الظهر قد اقترب فقلتُ للشيخ أوْصِني، قال: لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرة ثناء الناس عليك، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْه الله يضْمحِلّ، والله كلمات تكتب بماء الذهب، فقال المنذر: وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا ؟ قال: يا منذر اتَّق الله فيما علمْت، وما اسْتأثر عليك بعلمه فَكِلْهُ إلى عالمه، لا تقل فيما لا تعلم، يا منذر، لا يقل أحدكم: اللهمّ إني أتوب إليك، ثمّ لا يتوب ثمّ تكون كِذْبة، ولكن قلْ: اللهمّ تُب عليّ، فيكون دُعاءً، واعْلم يا منذر، أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله أي التوحيد، وتحميد الله أي الحمْد، وتسبيح الله في التنزيه، وسؤالك من الخير، وتعوُّذك من الشرّ، وأمرِكَ بالمعروف، ونَهْيِكَ عن المنكر وقراءة القرآن، فقال المنذر: قد جالسْناك فما سمعناك تتمثَّل بالشِّعر، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثَّلون به ؟ فقال: ما من شيءٍ تقوله هناك إلا كتِبَ وقراء عليك هناك ؛ يوم القيامة، وأنا أكرهُ أن أجد في كتابي بيت شِعْر يقرأ عليَّ يوم يقوم الحساب ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا وقال: أكْثروا من ذِكْر الموت فهو غائبكم المُرتقب، كلّنا ينتظرنا الموت، والمطابع جاهزة، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه ! ثمَّ اسْتعْبَر أيْ بكى، وقال: ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا، وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم ؟ قال هلال: وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر فأقْبل على ابنه وقال: هيَّا نُجِبْ داعيَ الله ؟ فقال ابنهُ أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا ؟ فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه، ويُسْراه على كتفي وجعل يتهادى بيننا، ورجلاه تخطان على الأرض خطًّا، فقال المنذر: يا أبا يزيد لقد رخَّص الله لك، فلو صلَّيْت في بيتك ! فقال: إنَّه كما تقول: ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي حيّ على الفلاح، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح فلْيُجِبْهُ، ولو حَبْوًا.
الربيع بن خثيم علمٌ من أعلام التابعين، لا أريد أن أطيل عليكم، نأخذه في درس آخر، ولكن آخر كلمة تركت في نفسي أثرًا: لقد ظلَّ الربيع حياته كلّها يترقَّب الموت ويستعدّ للقاؤه، هذا الذي أريده من الإخوة الأكارم، من الآن إلى عند الموت استعدّ له، وهذا مكسب لك وتكون أذكى الناس وأعقلهم، استعدّ، وأكثر من العمل الصالح، وابذل من مالك، كن ورعًا ادفع مالك أمامك، إذا دفعته أمامك سرَّكَ اللَّحاق به، وإذا خلَّفْتهُ وراءك أزْعجَكَ تركَهُ، ما هو المال ؟ وسائل راحة، زوجة، أولاد، وأموال طائلة، إذا تركته في الدنيا، والله خروجك منها تمزيق، أما إذا دفعته أمامك، فأسهل شيء أن يسافر عند ماله، لذلك استعدُّوا للموت منذ الآن بالعمل الصالح، والاستقامة، وحضور مجالس العلم، والقرآن الكريم قراءته، وفهمه وتطبيقه.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:44 AM
الفقه الإسلامي-موضوعات متفرقة-الدرس 06 :فسخ العقد:إما بسبب أساسي أو سبب طارئ
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-10-07
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، سوف ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو الفسخ في العقد يعني نقضه، نقض الشيء أي حلّ عُراه وجزَّأهُ، وفسْخ العقد يعني حلّ الرابطة بين الزوجين وقد يكون الفسخ بِسَبب خلل وقع في العقد، أو بسبب طارىءٍ عليه يمنع بقاءهُ، إما خللاً في العقد أو طارئ طرأ عليه يمنعُ بقاءهُ.
مثال الفسخ بسبب الخلل الواقع فيه، إذا تمَّ العقد وتبيَّن أنّ الزوجة التي عُقِدَ عليها أو التي عقد عليها، إذا تبيَّن له أنَّها أخته من الرضاعة فُسِخَ العقد عقدك على امرأة هي أختك من الرضاعة عقْدٌ باطل لا يُصَحَّح، علاجه الفسخ، أما عقدك على امرأة بلا مهْر عقْدٌ فاسدٌ يُصَحَّح علاجُه تسْمِيَة مهر المثل، إذًا فرْق بين العقد الباطل، وبين العقد الفاسد، فإذا تمَّ العقد وتبيَّن أنَّ الزوجة التي عقدَ عليها أختهُ من الرضاع فُسخَ العقد أيْ أُلْغِيَ، إذا عقد غير الأب أو الجدّ للصغير أو للصغيرة، عقد بالوكالة، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة فَمِنْ حقّ كلّ منهما أن يختار البقاء على الزَّوجيَّة أو إنهاءها فلو زوَّج الواحد ابنته دون سِنّ البلوغ إلى شاب، أو إلى صغير وتمَّ العقد بينهما، فإذا بلغت البيت فلها خيار البقاء أو الفسخ لأنّ خيارها لم يكن صحيحًا حين العقد، لم تكن تعرف ما إذا كانت توافق أو لا توافق، ولا أعني صغيرة سبعة عشرة، الصغيرة هي سبعة أو ثمانية أو إحدى عشرة سنة، قبل أن تعي ما الزواج، إذا عقد على الصغيرة وكان العاقد غير الأب والجدّ، لأنّ الأب والجدّ لا يبتغي لابنه غير الصلاح، غير الأب والجدّ إذا عقد وكالة على صغيرة أو صغير، ثمَّ بلغ الصغير أو الصغيرة فللصغير أو الصغيرة إذا بلغا اختيار البقاء أو الفسخ، فهذا هو الخلل في صلب العقد، العقد فيه خلل، العقد ينقصه موافقة الزوجة أو موافقة الزوج إذا كان صغيرًا، فلمَّا كبرَت العقد إمَّا أن يثبت وإما أن يُفْسخ، إذا ثبت أنَّ هذه البنت أو هذه الزوجة أخت الزوج من الرضاع يفسخ العقد مباشرة، هذا الفسخ لِعِلَّة ثابتة في العقد.
أما الفسْخُ لِعِلَّة طارئة، إذا ارتدَّ أحدُ الزَّوجين، كان مسلمًا ثمّ ارْتدّ عن الإسلام ولم يعُد إليه فُسِخَ العقد بسبب الردَّة الطارئة، والنبي صلى الله عليه وسلّم فسَخَ عقْد ابنته زينَب على صِهره حينما أصرَّ على الشِّرْك، ودخلَت زيْنت في الإسلام، ثمَّ عاد إليها بعد أن آمنَ، فارْتِداد أحد الزوجين عن دين الله، أو إصراره على الشرك، وبقاؤه على الشرك يفسخ العقد بينهما.
الحالة الثانية، إذا أسْلم الزوج وأبَت الزوجة أن تسلم، أو إذا أسلمت الزوجة وأبى الزوج أن يسلم، فيُعَدُّ العقد فاسخًا، أي لاغيًا، وتحلّ علاقة الزوجين، إذا كان الزوج مسلم، أو الزوجة مسلمة توصلهُ إلى جهنَّم، تجد بعضهم يتزوّج امرأة غير مسلمة، ويأتي بها إلى بلده فإذا بها تعمل حمَّام شمس على الأسطوح ! ما هذا ؟ هكذا عاداتهم !! لو كنت فقيهًا هذا الزواج فاسِخ تجدهُ يقول لك: الحمد لله أنا إيماني بقلبي ! ماذا تريدني أن أفعل معها ؟ هكذا النساء ! الله يهديها فهذا الزواج لا يجب أن يتِمّ امرأة فاسدة مائلة مميلة، تخرج وكأنَّها عارية، تُخالط الرجال، لا تستحي من الله، ولا من الناس، هذه كيف تكون زوجتك ؟
والفرْقة الحاصلة بالفسخ غير الفرْقة الحاصلة بالطلاق، هنا عندنا فرقتان، فرقةٌ حصَلَت بالفسخ، وفرقة حصلَت بالطلاق، إذْ أنَّ الطلاق ينقسم إلى طلاقٍ رَجْعِيّ، وطلاقٍ بائن الطلاق الرجعي لا يعني أنّ تفكيره قديم أو صعب !! لا، الرجعي يعني أنَّه يمكن أن تُراجعها في هذا الطلاق، والرجعيّ لا ينْهي الحياة الزوجيّة في الحال، طلَّقتها وبعدها هناك ثلاث حيضاتٍ أو ثلاثة أشهر تبقى عندك وتستطيع ان تشاهدها، وتستطيع أن تتزيَّن لها، ولك أن تراجعها بكلمة أو بكنايةٍ، أو بإشارة أو بأيّ شيءٍ آخر، هذا هو الطلاق الرجعي، فالطلاق إما رجعيًّا، وإما بائنًا، والرجعيّ لا يُنهي الحياة الزوجيَّة في الحال، والبائن يُنهيها في الحال، أما الفسخ فسواءٌ أكان بسببٍ طارىء على العقد، أو بسبب خلل فيه فإنَّه ينهي العلاقة الزوجيّة في الحال، إذا الواحد شعر أنَّه بجانب الوقود السائل نار يقول: والله ناوي أن أبْعِد النار عن الوقود السائل ! ما هذا ؟ أتنْوي ؟ لن تستطيع اللَّحاق، سيكون انفجار، ففي مثل هذه الحالات لا بدّ من إبعادهما في الحال، ومن جهة أخرى، فإنّ الفرقة بالطلاق تنقص عدد الطلقات، يعني الواحد طلَّق زوجته طلاقًا رجْعيًّا، ومضَت العِدَّة ولم يُراجِعها فبانَت عنه بيْنونةً صغرى، له أن يعْقِدَ عليها عقْدًا جديدًا بِرِضاها، وبِمَهر جديد ولكنَّه بقي معه فرصتين فقط لا ثلاث، فالطلاق البائن ينقص عدد الطلقات فإذا طلَّق الرجل زوجته طلاقًا رجْعِيًّا ثمَّ راجعها في عدَّتها، أو عقد عليها بعد انقضاء العدّة عقْدًا جديدًا فإنَّه تُحْسبُ عليه تلك الطَّلقة، ولا يملك عليها بعد ذلك إلا طلْقتين، أما لو أن رجلاً جاء الإسلام ودخل في دين الإسلام وأصرَّتْ الزوجة على الشّرْك ففُسِخَ العقد بينهما، بعد خمسة سنوات أسْلمَت فعقدَ عليها عقْدًا جديدًا، وتزوَّجها، أمامه ثلاث طلقات، فالفُرْقة بسبب الفسْخ لا تنقص عدد الطَّلقات لكنّ الفرقة بسبب الطلاق البائنة تنقص عدد الطلقات، فلو فُسِخَ العقد بسبب خيار البلوغ، مثلاً صغيرة عُقِدَ زواجها على شاب، فلمَّا بلغَت اختارَت أن تفسخَ العقد وفسخَتْهُ، وبعد فتْرةٍ ارْتأتْ أن تنْفِذَهُ فَعَقَدَتْ على زوجها عقدًا جديدًا، ما دام هذا الفسخ بسبب خيار البلوغ إذًا بقِيَ أمامه ثلاث طلْقاتٍ.
الفسخُ بِقَضاء القاضي، من الحالات ما يكون سبب الفسْخ فيها جليًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي، يعني يبْدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تشْريعهُ كان واضح، وفقه الناس بالدِّين واضح، فَتِسْعة وتسعون بالمئة من المشكلات كانتْ تُحَلُّ فيما بين الناس، سيّدنا أبو بكر عيَّن سيّدنا عمر قاضيًا، وبقيَ في منْصبه الرفيع سنَتَين أو حَوليْن كاملين، ولم يترافَع إليه اثنان في قضيَّة.

لو أنصف الناس استراح القاضي وبات كلّ عن أخيه راضي

الحقيقة لا تُغْلق أبواب المحاكم إلا إذا عرف الناس ربّهم، إذا عرف الناس ربّهم لا يجترئون على حقّ الآخرين، ولو دفعوا الثمن غاليًّا ؛ يخافون من الله تعالى، علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله، وعلامة ضعْف التَّدَيُّن في الناس عدم الخوف من الله تعالى، وعدم الخوف من الله يعني رفع القضايا إلى القضاء، لذلك جاء في الحديث القدسي: يا موسى خَفْ ثلاثًا خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني ! نصيحة لكلّ أخ مسلم، في كلّ علاقاتك ؛ علاقة الزواج، علاقة الشراكة، علاقة الجِوار، إذا ما كان مؤمنًا سوف يُسَبِّب لك متاعِبَ كُبرى المشكلة أنَّني لا أُفاجىء بِتَصرّف في بغي أو عدوان أو ظلم لإنسان غير مؤمن، بالعكس أنا أُفاجىء إذا كان مؤمنًا لأنّ الذي لا يعرف الله لا لا يمكن أن يستقيم، فلمَّا الإنسان يُشارك شخصًا لا دين له، يقول لك: فقط لا يُصَلِّي !! لا قيمة لها، أما أخلاق وفهم ومرونة، وذكاء، فقط لا يصلّي، هذا ما دام مقطوعًا عن الله قد يُسَبِّب لك متاعب لا حصْر لها، أنت قلْت ذكيّ، وأحد أنواع الذكاء يظهر أمامك بِمَظهر يأخذ بالألباب، ما هذا الشريك ؟! وسيم، بعد سنوات تجده أخذ منك مئة ألف وأنت لا تشعر، سافرت فغشّك، أخي هذا لبِق، ما معنى لبِق ؟ ليس لها معنى إما أن يكون متديِّنًا أو لا ؟ إذا لا يوجد دين يعني لا يخاف من الله عز وجل، ولو أرضاك بلسانه فسوف يُفاجؤك بعمله السيئ، فهذه نصيحة، لا تقيم علاقة مع إنسان ليس فيه دين ثمّ تُفاجىء أنا أفاجىء إذا استقام معك، لأنّ انحراف غير الديِّن حَتْمي، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
[ سورة الماعون ]
سبب، التعليل العلمي أنَّ هذا الإنسان مجموعة شهوات، وهذه الشهوات قِوَى مندفعة حُبّ المال، الإنسان محرّك لكسب المال منقطع النظير وهناك محرِّك إلى حبّ النساء منقطع النظير، فهذه الشهوات المندفعة ما الذي يوهنها ؟ خوف الله وحده، فإذا لا يوجد خوف من الله شهوات، ولا بدّ من أن وهي تنطلق أن تأخذ ما لها وما ليس لها، قال تعالى:

﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (20)﴾
[ سورة الفجر ]
عندنا قاعدة وهي أنَّ هذا الإنسان إذا كانت له صِلَة بالله عز وجل يخافه فهو منضبط وإن لم تكن له صِلَة لا يخافه ولا ينضبط، هو عنده شهوات ومن أجل أن يروي شهواته لا بدّ من مال، والمال قد يأخذه حلالاً أم حرامًا، فلذلك احتمال انحراف غير الدَّيِّن احتمال حتمي، ولا بدّ منه فلمَّا الإنسان يتورَّط بعلاقة مع إنسان مشرك أو غير ديِّن، أو لا يصلّي، وطعنه طعنةً نجلاء كما يقولون، فلا يشكي للخلق، ولا يتفاجىء، ولا يقول: أنا ما توقَّعت أن أفعل هكذا أنت ما توقَّعتَ لأنَّك لا تعرف، لو تعرف طبيعة المعرض عن الله عز وجل تتوقَّع منه كلّ شيء نِيَّة المؤمن خير من عمله، ونيَّة الكافر شرّ من عمله، إلا أنّ الكافر نوعان، هناك كافر ذكيّ يستدرج كثيرًا من الناس، أشخاص كثيرون يقولون لك: فلان آدمي وجيّد إلا أنّه لا يُصلِّي، هذا لا يكفي ! ما دام مقطوع عن الله فهو إنساني شهواني، ويصل إلى شهواته بأيّ ثمن، قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
[ سورة القصص ]
انظر للقرآن ما أجمله، لو تتبَّعْت آيات القرآن الكريم تجد معظمها يربط بين الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة ]
طيّب عندنا معنى عكسي، إذا قلنا فلان طويل، وفلان غير طويل، ما معنى غير طويل أي قصير، هذا المعنى العكسي، تقول: من جدَّ وجَدَ، ومن تكاسلَ خسِرَ، فمن تكاسل خسر هذا معنى لم يُذْكر لكنَّه منطوي في الجملة الأولى، المعاني العكسيّة دقيقة جدًّا، من سار على الدَّرب وصل ؛ هذه عبارة مُنْطوٍ فيها أنَّه من وقف في الدَّرب لا يصل، فقوله تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة االبقرة ]
ماذا ينطوي في هذه الآية ؟ الذين لم يؤمنوا لهم أعمال سيّئة دون ذلك، له أعمال لا ترضي الله، ولا تُرضي الناس، فلمَّا يتوقَّع الإنسان أنَّه يقيم علاقة بإنسان غير جيِّد يكون قد أراح نفسه وفات بِبَحر الآمن، فإذا تورَّط بعلاقة مع إنسان لا دين له تجد أنَّه سوف يُسبِّب له متاعب لا حصْر لها، وأنا في غِنَى عنها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل))
[ رواه الترمذي ]
في الحالات ما يكون سبب الفسْخ فيها جَلِيًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي كما إذا تبيَّن للزَّوجين أنَّهما أخوان من الرضاعة، وحينئذٍ يجب على الزوجين أن يفسخا العقْد، من تِلْقاء أنفسهما، ومن الحالات ما يكون سبب الفسخ خفيًّا غير جليّ فيحتاج إلى قضاء القاضي، ويتوقّف عليه كالفسخ بإباء الزوجة المشركة الإسلام إذا أسْلم زوجها لأنَّها ربّما لا تمتنع فلا يُفْسخُ العقد فالقاضي متى ؟ إذا لم يحصل شيءٌ بالقاضي يرفع الأمر إليه، وكان منْصب القاضي في العصور القديمة أعلى منصب يلي في الدولة، لأنَّه أوَّل الشيء فقيه وورع، وهو الحكَمُ الفيْصَل في كلّ أمرٍ، وإن شاء الله تعالى في درس قادم ننتقل إلى موضوع العدَّة، وهذا موضوع جليل كثير من الناس من يسأل عنه، ولاسيما في هذه الأيام التي يظنّ الناس فيها أنّ العدَّة شيء لازم نتساهل فيه مع أنَّ العِدَّة لها تعليلات جليلة سوف نقف عندها إن شاء الله في درسٍ قادم.
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، بالمناسبة صلى الله عليه وسلّم قيل له: يا رسول الله إنَّك بشر، وإنَّك تغضب، فإذا غضبْت أفنكْتُب عنك ؟ يعني هناك ساعات غضب أفنكتب عنك هذا الغضب ؟ لأنَّه ممكن أن يكون هناك خطأ، فأمْسك عليه الصلاة والسلام بِفَمه الشريف وقال: والذي بعث محمدًّا بالحق، إنّ هذا الفم لا ينطق إلا بالحق.
فلمَّا الإنسان يوقن أنَّ هذا الكلام وحيٌ يوحى إلى رسول الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، يعني قاعدة من الله عز وجل، فإذا أخذ بها سعد، وإذا تركها شقي وسيّدنا سعد بن معاذ كان يقول: ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس معنى كلمة رجل إنسان عظيم، قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾
[ سورة النور ]
ما سمعتُ حديثًا من رسول الله إلا علمت أنَّه حقّ من الله تعالى، مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر))
[ أخرجه الديلمي ]
أنا سمعتُ آلاف القصص عن شخص أُتيح له أن يسرق فسرَق، وهو يظنّ أنَّه بهذه السرقة سوف يغتني، ولو قرأ هذا الحديث، وتيقَّن منه، لعلم أنَّ الخيانة طريق الفقر، وضع ابنه عند صديقه في المحل التِّجاري، هذا الابن وجد الغلّة كثيرة، كلّ يوم يأخذ ألف ليرة ويخبّؤها، على عدَّة أسابيع أصبح معه تسعون ألف ليرة، خبَّأهم بعلبة نحاس بِمَحلّ بالبيت وجاءته سفرة، ووصَّى زوجته أن تنظِّم البيت تنظيمًا جيِّدًا، فوجدت عِدَّة أشياء لا قيمة لها فرمَتها، ورمَت معهم التسعون ألفًا ‍! لو علم أنَّ هذا الابن أنَّ الأمانة تجلب الغنى، والخيانة تجلب الفقر ما فعل هذا، وهذه أحاديث مصيريّة، وما منَّا إلا وله أعمال، أحيانًا الإنسان يكون تحت يده مال، ولا توجد قوَّة تكشفه، وأحيانًا يضع مصروفًا، يضعهم ثلاثينات، طيّب ضعهم ستِّين الحمد أنَّه لم يحاسبْك، الله المحاسب، والخيانة تجلب الفقر، لو تتبَّعت مليون قصَّة كلّ إنسان خان لا بدّ أن يفتقر، الذين أكرمهم الله تعالى بالحياة الدنيا أُمناء يملكون ثرْوةً طائلة هي ثقة الناس بهم، ثقة الناس بك ثرْوَة لا تُقدَّر بِثَمَن فالنبي الكريم قال:
((الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر))
[ أخرجه الديلمي ]
والأمانة ليس لها وَضع نسبي، إذا كان عندك مستودع للوقود، وسألوك هل هو مُضبَّط، فلا تقل وسط ! ما معنى وسط ؟ إما أن يكون محكمًا أو غير محكَمٍ، المحكم أن تملأ ألف لتر فيبقى ألف لتر، أما إذا كان غير محكم فيمكن أن يرشح منه بشهر شهرين وبسنة أحيانًا بجمعة، إذا كان بِقَعْره فتحة كبيرة، بخمسة دقائق يفضى، فالخيانة نسبيَّة أما الأمانة مطلقة، الأمانة إذا أراد أن يضع الإنسان عظمة في فمه في غير دكانه لا يستطيع طبعًا هناك موضوع عالجْتهُ كثيرًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((من عامل الناس فلم يظلمهم وحدَّثهم فلم يكذبهم......غيبته))
[ رواه..." ]
فإذا حدَّث الناس وكذبهم سقطَت عدالته، فإذا وعد الناس وأخلفهم سقطَت عدالته، فإذا عامل الناس وظلمهم سقَطَت عدالته، وهناك أشياء تجرحها، هناك أشياء تسقطها، وهناك أشياء تجرحها، الخيانة، وإخلاف الوعد والظّلم يسقط العدالة، أما أكل لقمةٍ من حرام يجرحها مقبل على الحرام، تطفيف بِثَمرة، الميزان لم يأت بما يُعادل تمرة تُجْرح العدالة، حتى بعض العلماء قالوا: إذا كذب الإنسان على حيوان، وليس على إنسان تُجْرح عدالته، ألهى قطَّة فظنَّت أنَّ معه لحمًا، فلمَّا أتَتْ عنده فَطردها ! لو كان هذا الإنسان محدّث لامْتنعَ علماء الحديث عن الأخذ عنه لأنَّه كذب على حيوان، وهذا الذي جاء من المدينة المنوَّرة إلى البصْرة ليتلقَّى العلم عن رجل، فلمَّا وصل إليه رآه رفع طرف ثوبه يلهم فرسه بأنّ في هذا الرِّداء شعيرًا، فلمَّا أقْبلَت عليه أمسك بها، ولم تجد الشعير فعاد إلى المدين ولم يُكلِّمْهُ، وهذا هو المؤمن المؤمن شيءٌ عظيم، خُلق إلى أبْعَد الحدود، استقامة، نُبْل، وفاء، عفَّة حياء، صبر، تجمُّل في فاقة، شُكر والله المؤمن كما يقولون أحيانًا شخصٌ كألف، أما المؤمن فأحد أعضائه يعادل مجتمعًا بِكَاملِهِ إذا كان مستقيمًا، ليس يصلّي فقط، من شاء صام، ومن شاء صلّى، فتَطفيف بِتَمرة تجرح العدالة أكل لقمة من حرام تجرح العدالة، السَّيْر حافيًا في الطريق تجرح العدالة، البول في الطريق يجرح العدالة، الأكل في الطريق يجرح العدالة، من علا صوته فسمعه من في الطريق يجرح العدالة، الحديث عن النّساء يجرح العدالة، التّنزّه في الطرقات يجرح العدالة، صحبة الأراذل تجرح العدالة، سماع الغناء يجرح العدالة، من قابل هونًا تُجرح عدالته، من أطلق لفرسه العِنان تُجْرح عدالته، الموضوع طويل، وأنا أذكر ثلاثة وثلاثون نقطة إذا فعلها المسلم، جُرِحَت عدالته، ورُفضَت شهادته فكم الإسلام مُقدَّس، والشيء بإمكانك، فممكن بالطريق ما تأكل وممكن أن لا تنظر للنساء، وممكن أن لا تتنزَّه بالطّرقات، لأنّ هناك عورات، ولاسيما في هذه الأيام، كيفما الْتفتّ نساء كاسيات عاريات، حامل بذر في وقت العصريّات ! أنت مسلم ؟! هذا يجرح عدالتك.
من لعب بالنرد فكأنّما غمس يديه في لحم خنزير ودمه، الوقت ثمين جدًّا، يقول لك ماذا فعلنا ؟ ما لعبنا وما كذبنا ولا شربنا خمرًا، إنَّما نحن تسلّى إذا طالب عنده فحص الساعة الثامنة، وجلس ورتَّب مكتبته، ونزَّل الكتب كلّها على الأرض، وصفَّها الكتب حسب الطول ثمّ ضبّطها أكثر، ولمَّعها ماذا عمل هذا ؟ رتَّب مكتبته، هل هذا وقت ترتيب المكتبة ؟ أنت جالس بزمن محدود، الله عز وجل خلق في الدنيا لمهمّة كبيرة جدًّا، وأعطاك إمكانات لا نهائيّة لمعرفة الله، فَمِنَ الغباء أن تستخدم هذه الإمكانات، وأن تستهلك هذا الوقت، أن تستخدم، وهذا الفكر البشري، وأن تستخدم هذا الوقت في أشياء لا تمدّ إلى سعادتك الأبديّة بِصِلَة، خُلِقْت في الدنيا لعُمْرٍ محدود وأعطيت إمكانات غير محدودة لمعرفة الحقائق، وحلّ المشكلات، فمِنَ السخف والغباء أن تستخدم إمكاناتك في أشياء سخيفة، وأن تستهلك وقتك في ما لا علاقة له بالآخرة، لذلك ما من مؤمن يأتيه ملك الموت إلا ويُحِسّ بالنَّدَم، على ماذا ؟ دخل الجنّة، يندم على ساعةٍ مضَت في الدنيا لم يذكر الله فيها، لذلك لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف قرأت قرآن الصبح، والساعة عشرة عندك وقت فراغ، اقرأ سورة ثانية وافهمها، فهمتَ هذه الآية زارك ضيف، ما هي أسعار الذهب ؟ غالٍ هذه الأيام ! لا، تكلّم عن هذه الآية فهي تُفرحُ القلب، أما هذه تزعجه، احْك له عن موضوع يتعلّق بآخرته، لا يوجد خبر سارّ، قال عليه الصلاة والسلام: ما من يوم إلا والذي بعده أشر حتى تقوم الساعة ! فلا أحد يتوقَّع أنّ هناك شيء أحسن ممَّا مضى، أما أن يتوقَّع إذا كان علم أنَّ الله سيُكْرمهُ إكرامًا شديدًا، والخير بيد الله فقط وليس بيد الأشخاص.
إذًا الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر، إذا كنت رجلاً بالمعنى الذي أراده سيّدنا معاذ، وقرأت هذا الحديث علمْت أنَّه حقّ من الله تعالى اعْمِل شيئًا فيه خيانة ! لن تعمل شيئًا، هناك محاسب، وحسابه قليل، هذا المال ليس لك، لذلك لن تستقيم الحياة الدنيا إلا بالإيمان لأنّ الإيمان وحده وليس شيء آخر يرْدع الإنسان، لأنّ الإنسان إذا أراد أن يطبّق شيئًا من أخوه الإنسان، فهذا إنسان وهذا إنسان ؛ يلعب عليه، نسمع أشياء مضحكة، حكى لي شخص كان بأوروبا، قال لي: الطريق سرعته ثمانون، والناس يمشون بسرعة مئة وعشرون طبعًا يضعون برابيش بالطريق تمشي عليها السيارة، الجهاز يكشف أنّ هناك توجد سرعة زائدة فكلّ المواطنين عند هذه النقطة يضبِّطون سرعتهم، ثمّ يعيد المشي على سرعة أكبر ! لا يوجد حل للموضوع، فأعادوا صنع أجهزة متنقّلة، يضعونها بتمويه ضمن شجرة، يقولون لك هذا الطريق مراقب بالرادار ! هذا أبسط مثل، وهناك الآن عدّة طرقات مراقبة بالرادار، ما فوق الثمانين تُخالف، ما هذا الذي يُخالف ؟ سيارة واقفة معها جهاز، أما إذا الله عز وجل شرّع فالله يرى العداد، بكلّ لحظة، ويرى نيّتك، فلو الواحد أراد أن يسرع لعلم نيّته، فما الحياة إلا تشريعًا إلهيًّا، لا يمكن أن تنتظم، سمعتُ قصَّةً عن أحد التابعين اشترى زيتًا، وجد بتنكةٍ فأرةً ميتة، فقال: لو أرْجعتُ هذا الزيت لصاحبه لباعه غيري من المسلمين، فآثر أن يبقي هذا الزيت على أن يرْجِعَه لصاحبه، تشريع إلهي ؛ هذا زيت نجس، خطر ببالي خاطرًا، نشتري الزيت كثيرًا نحن، فيا ترى بائعي الزيت عندهم ورع إذا وجدوا بهذا الحوض أو المستودع فأرة، هل يمتنعون عن بيعه ؟! يقولون: لا بدّ من بيعه، ومن يدري ؟ الله يدري ! فالحياة لا تستقيم إلا بالدِّين، يمكن للواحد أن يأكل زيتًا نجسًا وهو لا يدري، فلمَّا يكون هناك تشريع إلهي تجد الناس تنضبط انضباط مذهل، أمريكا بعام ثمانيةٍ وعشرين فيما أذكر أصدرتْ قانونًا بِتَحريم الخمر بقي القانون أربعة عشرة عام، الذي حصل أنّ ثلاثمئة إنسانٍ أُعْدِموا ردعًا للناس، وأكثر من ثلاث مئة ألف كتاب طبع لِتَحذير الناس من الخمر، ودخل السِّجن مئات الألوف، وصنعَت بواخر بِكَاملها ذات جدارين لتهريب الخمر، الخمور يزداد بيعها في ظلّ هذا القانون، أما الدّين الإسلامي حرَّم الخمر، إلا ما ندر ؛ هذا المسلم الفاجر، ولكنّك تجد ألف مليون مسلم، إلا ما ندر هذا هو مفعول الشرع الإلهي، حُرِّمَ عليكم، وما دام هناك تحريم انتهى الأمر، لا تحتاج إلى نشرات، ولا إلى... حُرِّم عليكم وانتهى الأمر، فالآن في أوروبا يعرفون المسلم من الخمر، لا يشرب فيَثِقون به، يمكن أن يبعث بضاعة له من دون أن يحوِّل ثمنها إذا لم يكن يشرب الخمر أما إذا شرب، فهذا الذي خان دينه لا يوثق به، من كأس خمْرٍ يكشفونه.
حديث آخر، يقول عليه الصلاة والسلام: الأمانة غنى..." الأمانة طريق الغنى الحديث له علاقة بالأوّل، هل منَّا من لا يحب أن يكون في بحبوحة ؟ إذا قال: لا ! يكون كلامه غير صحيح، إذا الإنسان ميسور الحال، ومعه قوت يومه، لذَّ شيئًا فاشتراه، بذلة اشتراها لباسه أنيق وبيته مريح، هذا شيء مطلق طبيعي وشرعي، هذا غير ملام فيه أنت طريقه الأمانة فيا أيّها الشباب هذا الطريق طريقه الأمانة، بعملك كُنْ أمينًا، لا تحدِّثْك نفسكَ أن تأخذ قرشًا غير شرعي، إذا شعر من أنت عنده بهذه الأمانة، وهذا النقاء يمحضك ثقته، ثمّ يعطيك من الأرباح نسبة، ثمّ يُشاركك، ثمَّ يُزوِّجك ابنته، يقول: لن أجد مثل هذا ! سببها الأمانة، وأنا أعرف أناسًا بالأمانة بلغوا أعظم مرتبة، وبالخيانة ينفض كما ينفض الفأر الميّت !! هذا لا نريده، يمكن أن يكون قد أخذ ليرة ! فتح الدرج وأخذ ليرة فانتهى، وسقطت عدالته، فالذي يريد أن يزداد بحبوحة ويكون رزقه وفيرًا، ولا يكون متضايقًا فلْيَكن أمينًا إلى أبْعد الحدود.
والآن إلى قصَّة من قصص التابعين، القصّة بين عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك.
ما كاد التابعيّ الجليل، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك، سلفه الخليفة سليمان ابن عبد الملك توفّي، وليّ العهد الخليفة من بعده عمر بن عبد العزيز، بعدما انتهى من مراسم الدَّفن، ونفض يديه من تراب قبره حتى سمع للأرض من حوله رجَّةً - ضجيج- فقال ما هذه ؟فقالوا: هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قد أُعِدَّت لك لِتَرْكَبها، فنظر إليها عمر بِطَرف عينه، وقال بصوته المتهبّج الذي أنهكه التَّعَب وأدبره السفر: ما لي ولها، نَحُّوها عنِّي بارك الله فيكم ! وقرِّبوا إليّ بغلتي فإنَّ لي فيها بلاغًا ؛ أي متعوِّد عليها، ثمّ إنَّه ما كاد يستوي على ظهر البغلة حتى جاء صاحب الشُُّرى لِيَمشي بين يديه ومعه رِجاله الذين اصطفوا عن يمينه وعن شماله، وفي أيديهم الحراب اللامعة، فالْتَفَتَ إليه وقال: ما لي بك وبهم حاجة، فما أنا إلا رجل من المسلمين أغدو كما يغدون، وأروح كما يروحون، ثمَّ سار وسار الناس معه حتى دخل المسجد، سيّدنا عمر، ونودي في الناس الصلاة جامعة الصلاة جامعة، فتسايَلَ الناس على المسجد من كلّ ناحيَة، فلمَّا اكْتملَت جموعهم قام فيها خطيبًا، فحمِدَ الله وأثنى عليه، وصلى على نبيّه صلى الله عليه وسلّم، ثمَّ قال أيّها الناس: إنِّي قد ابْتُليتُ بهذا الأمر ! رآه بلْوى، وبلاءً من الله عز وجل، على غير رأيٍ منِّي، طبعًا سليمان ابن عبد الملك، وما أطْلعَ عليه أحد، وقال إذا متُّ افتحوا هذا الكتاب تعرفوا مَن الذي سيأتي من بعدي، فقال: إني قد ابْتُليتُ بهذا الأمر على غير رأي منّي فيه، ولا طلبٍ له، ولا مشورة من المسلمين، وإنِّي خلعْت ما في أعناقكم من بيْعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه، فصاح الناس صيْحةً واحدة: قد اخْترْناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك فَلِي أمرنا باليُمْن والبركة فلمّا رأى الأصوات قد هدأت، والقلوب قد اطمأنَّت حمد الله كرَّةً أخرى، وأثنى عليه، وصلى على سيّدنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم، وطفق يحضّ الناس على التقوى، ويزهِّدهم في الدنيا ويرغّبهم في الآخرة، ويذكّرهم بالموت بلهْجةً تسْتلين القلوب القاسيَة، وتسْتدرّ الدموع العاصِيَة وتخرج من فؤاد صاحبها، وتستقرّ في فؤاد السامعين، ثمّ رفع صوته المتْعب حتى أسْمع الناس جميعًا وقال: من أطاع الله وجَبَت طاعته، ومن عصا الله فلا طاعة له على أحد، أيّها الناس أطيعوني ما أطعْت الله فيكم فإن عصَيْت الله فلا طاعة لي عليكم، ثمَّ نزل عن المنبر واتَّجَهَ إلى بيته، وآوى إلى حجرته، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعةً من الراحة بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة، يظهر انَّه بذل جهدُا جهيدًا أضْناه، بعدما ألقى هذه الخطبة السريعة نزل إلى بيته ليَسْتريح.
لكنّ عمر بن عبد العزيز ما كاد يسْلم جنْبهُ إلى مَضْجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك، وكان يومئذٍ يتَّجِه نحو السابعة عشرة من عمره، وقال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أيْ بُنيّ أريد أن أغفَلَ فلم تبق في جسدي طاقة ! فقال: أتغْفو قبل أن تردّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين ؟! فقال: أيْ بنيّ، إنِّي قد سهرت البارحة في عمّك سليمان وإنِّي إذا حان الظهر صلَّيْت في الناس، ورددْت المظالم إلى أهلها إن شاء الله، فقال ابنه: ومن لك يا أمير المؤمنين لأن تعيش إلى الظهر ؟ هل تضمن العيش ؟ فأْهبَت هذه الكلمة عزيمة عمر وأطارَت النَّوْم من عَيْنيه، وبعثَت القوَّة والعزم في جسده، وقال: اُدْن منِّي أيْ بُنيّ، فدنا منه فضمَّه إليه، وقبَّلَ ما بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صُلْبي من يُعينني على ديني والله إذا الواحد أخرج له من صلْبهِ من يُعينه على دينه، بابا قُم فصَلِّ الصُّبح، وأحيانًا توقضه ابنته، لا بدّ أن يذوبَ خجلاً من الله أن بعث له طفلاً يعينه على أمر دينه.
بكي سيّدنا عمر، ثمّ قام وأمر في الناس أن يُنادَى: ألا من كانت له مظلمةٌ فلْيرْفَع - لم ينَم - فمن عبد الملك هذا ؟ وما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناس: إنَّه هو الذي ادخل أباه في العبادة ! وسلكه مسالك الزهاد، كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشرة ولدًا فيهم ثلاث بنات وكانوا جميعًا على حظٍّ مَوفور من التُّقَى، ومقامٍ كبير من الصَّلاح، لكنّ عبد الملك كان واسطة العِقْد - أي أحسنهم- فقد كان أديبًا أريبًا له سنّ الفتيان وعقل الكهول - أما الآن الجسم كبير والعقل كالقمحة !! أجسام البغال وأحلام العصافير، أما عبد الملك فقد كان له سنّ الفتيان وعقول الكهول، ثمّ إنَّه نشأ في طاعة الله جلّ وعزّ منذ نعومة أطفاله، فكان أقرب الناس سمْتًا إلى آل الخطَّاب عامَّةً، وأشْبههم بعبد الله بن عمر خاصَّةً في تقوى الله، وتخوُّفه من معاصيه وتقرّبه إليه بالطاعة، حدَّث ابن عمّه عاصم قال: وفدْتُ على دمشق، فنزلْت على ابن عمّي عبد الملك وهو عذَب وذي زوج، فصلَّينا العشاء، وآوى كلٌّ منَّا إلى فراشه فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، وأسْلك كلٌّ منَّا جفْنيه إلى الكرى ؛ ناموا، ثمَّ إنِّي استيقظت في جوف الليل فإذا عبد الملك قائمٌ يصلّي في العتمة، وهو يقرأ قوله عز وجل:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾
[ سورة الشعراء ]
قال: فما راعني منه إلا أنَّه كان يُردِّد هذه الآية ويبكي بكاءً مكبوتًا يقطع نياط القلب وكأنَّه كلَّما فرغ من الآية عاد إليه حتَّى قلتُ: سيقتلهُ البكاء !:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾
[ سورة الشعراء ]
وقد كان فضل الشام في زمنه، فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن عبد العزيز جمع فقهاء الشام وقال: إنِّي قد دعوْتكم لأمر هذه المظالم -عنده مظالم- التي في أهل بيتي، أقربائي، فقالوا: -اسمعوا ماذا قال فقهاهم- يا أمير المؤمنين إنَّ ذلك أمرٌ كان في غير ولايتك، هذا الشيء كان بعهد سليمان، وإنّ هذه المظالم على من غصبها، فلمْ يرْتَح إلى ما قالوه، فالْتفت إليه أحدهم مِمَّن يرى غير رأيِهِم وقال: ابْعَث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك -ابنك- فإنّه ليس بدون من دعَوت علمًا، أو فقْهًا، أو عقلاً، ابنك ليس أقل عقلا؟ً من هؤلاء، ابْعَث إليه واسْتشرْهُ في هذا الأمر عمرهُ سبعة عشرة عامًا، فلمَّا دخل عليه عبد الملك قال له عمر: ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلمًا ؟ وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها ! وقد عرفنا حقَّهم فيها فقال: أرى أن تردّها إلى أصحابها ما دمت قد عرفْت أمرها، وإنَّك إن لم تفْعل كنت شريكًا للذين أخذوها ظلمًا !! هذا هو رأيه، وأنت بيَدِك الأمر، تقدر أن تنتزعها منهم بقوَّة السلطان وعلمت بذلك، فإن سكت عليهم فأنت شريكهم في الإثم، فانْبسطَت أسارير عمر، وارْتاحَت نفسهُ، وزال عنه ما أغمَّه.
ولقد آثر الفتي العمري المرابطة على الثغور، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام.
كان أبوه أيْ عمر بن عبد العزيز، على الرغم من كلّ ما عرفه من صلاحه وتُقاه شديد الخوف عليه من نزعات الشيطان، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب، حريصًا أن يعلم من أمره كلّ ما يجوز له أن يعلم، وكان لا يغفل عن ذلك كلّه ولا يهمله، حدَّث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها، وينصحه ويبصِّره ويحذِّرهُ، وينذرهُ ويبشِّرهُ، وكان ممَّا جاء في قوله: أما بعد، فإنّ أحقّ من وعى عنِّي وفهم قولي لأنت، أحقّ الناس عرف الهدى أنت، وإنَّ الله وله الحمد قد أحسن إلينا في صغير الأمر، وفي كبيرة، فاذْكر يا بنيّ فضْل الله عليه وعلى والدَيْك، وإيَّاك والكِبْر والعظمة فإنَّها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدوّ مبين، واعْلَم أنِّي لمْ أبْعَث بكتابي هذا لأمْرٍ بلغني عنك، فما عرفْتُ من أمْركَ إلا خيرًا، لا توجد وِشايَة، إلا أنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك ! ابن الخليفة ؛ تقى وصلاح وورع وشكل وشباب، له حق في الإعجاب، قال: فإنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك ولو أنَّ هذا الإعجاب - انظر يا ابني - خرج بك إلى ما أكره لرأيْتَ مِنَّي ما تكره ! انتبه !!
قال ميمون: ثمّ الْتَفَتَ إليّ عمر وقال: يا ميمون إنَّ ابني عبد الملك قد زُيِّنَ في عيني ؛ أرى أنَّه إنسان ممتاز، وإنِّي اتَّهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حبّي له قد غلب على علمي به، هناك أشخاص من يحبّ ابنه محبَّةً عَمْياء، يأتي عنده فيقول له فلان ضربني لأمّه أو أبوه، فينزل الأب بغضب ! مهلاً عليك، أنت أيها الأب حبّك لابنك غلب علمك به، فقد يكون هو المفتري، وقد يكون هو المُسبِّب، لا يكن حبّك لابنك غالبًا على علمك به، وهذه دقيقة جدًّا.
قال له: أخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم، فأحيانًا الآباء يُصيبهم العمى عن عيوب أولادهم، فصِرْ إلي واصْبر غَورهُ، وانْظر هل ترى فيه ما يشبه الكبْر والفخْر ؟ على مرض نفسي ؟ من أجل قليل من الكبر بعث وزيره يراقبه، فإنَّه غلامٌ حَدَثٌ ولا آمن عليه الشيطان.
قال ميمون: فشَدَدْت الرِّحال إلى عبد الملِك حتى قدِمْتُ عليه فاسْتأذنْتُ ودخلْت، فإذا غلامٌ في مقتبل العمر، ريَّان الشباب، بَهِيّ الطَّلْعة، جمّ التواضع، قد جلس على خشبةٍ بيضاء فوق بساطٍ من شعر، فرحَّبَ بي ثمَّ قال: لقد سمعْتُ أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير، وإنِّ لأرجو أن ينفع الله بك، هذا كلام الابن لِمَيمون وزير عمر، فقلتُ له: كيف تجد نفسك ؟ فقال بخير من الله عز وجل ونِعمة، غير أنّي أخشى أن يكون قد غرَّني حُسن ظنِّ والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضل كلّ ما يظنّ، وإنّي أخاف أن يكون حبّه لي قد غلب على معرفته بي، الوزير طار عقله !! هذا مضمون الرسالة، فأكون آفة عليه، فعَجِبْتُ من اتِّفاقهما !!! ثمّ قلتُ له أعْلِمْني ؛ من أين معيشتك ؟ فقال: من غلَّة أرْضٍ اشْتريْتُها مِمَّن ورثها عن أبيه، ودفعْتُ ثمنها من مال لا شبهة فيه، فاسْتغنيْتُ بذلك عن طيء المسلمين، أي هذا مِن كَدِّي، قلتُ: فما طعامك فقال: ليلة لحمٌ، وليلة عدس وزيت، وليلة خلّ وزيت، وفي هذا بلاغ، فقلتُ له: أفما تعْجبكَ نفسكَ ؟ أراد أن يرى رأيَ والده فيه، فقال: قد كان فِيَّ شيءٌ في ذلك فلمَا وعضني أبي بصّرَني بِحقيقة نفسي، وصغَّرها عندي، وحطّ من قدرها في عيني، فنفعَنِي الله عز وجل بذلك فجَزاه الله عنِّي خير الجزاء، قال: فقعَدْتُ ساعةً أحدِّثهُ، وأسْتمتعُ بِمَنطقهِ فلم أرَ فتًى كان أجْمَلَ وجْهًا ولا أكْمَلَ عقْلاً، ولا أحْسنَ أدبًا منه على حداثةِ سِنِّه، وقِلَّة تجربته، فلمَّا كان آخر النهار، أتاه غلامٌ فقال: أصْلحك لقد فرغْنا ! جاء يتفحّص الأمر جاء يحاسبه على الشعرة، فسكَتَ، فقلتُ ما هذا الذي فرغوا منه ؟ فقال: الحمَّام، وقال: وكيف ؟ فقال: أفرغُوهُ لي من الناس، فقلتُ لقد كنت وقعْتَ من نفسي موقعًا عظيمًا حتى سمعتُ هذا، الآن سقطت من عيني ؛ الحمَّام أفرغوه من أجلك !! من أنت ؟ فَذُعِرَ واسْترجَعَ - قال لا حول ولا قوّة إلا بالله - وقال: وما في ذلك يا عمّ يرحمك الله ؟ فقلتُ: الحمّام لك، فقال: لا، فقلتُ: وما دعاك أن تخْرج الناس منه ؟ كأنَّك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم، وأن تجعل لك قدْرًا يعلو على أقدارهم، ثمّ إنَّك تؤذي صاحب الحمَّام في غَلَّة يومه، وتُرْجِع من أتى حمَّامهُ خائبًا، يأتي الواحد للحمَّام فيُرْجعونه، أنْقصْت الغلَّة لصاحب الحمام، وخيَّبت أمل المتحمِّم، وارتفعْت عن الناس، قال: أما صاحب الحمَّام فأنا أرْضيهِ وأعْطيه غلَّةَ يومه، فقلتُ: هذه نفقَةُ صدقة خالفها كِبْر ‍! هذه كذلك حرام، وما يمنعك أن تدخل الحمَّام مع الناس ؟ فأنت كأحدهم ؟ قال: يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر، فأكره رؤية عوراتهم - العورة الفخِذ، تلك المغلَّظة شيء آخر - قال عليه الصلاة والسلام: لا تنظر إلى فخذ أخيك...." قال: يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس، يدخلون الحمَّام بغير أُزر، فأكره رؤية عوراتهم، وأكره أن أُجبرَهم على وضع الأزر فيأخذوا ذلك على أنَّه إجبار منِّي عليهم بالسلطان، الذي أسأل الله أن يخلِّصنا منه كفافًا لا علينا ولا لنا، فعِظْني رحمَكَ الله عِظَةً أنتفع بها ؟ ماذا أفعل أنا أكره الدخول معهم، فقلتُ: انتظر حتى يخرج الناس من الحمَّام ليلاً، ويعودوا إلى بيوتهم ثمّ ادْخُلْه، فقال: لا جرم - صحيح - لا أدخله نهارًا بعد اليوم، عاهده، ولولا شدَّة ضرب هذه البلاد ما دخلتهُ أبدًا، وأطْرقَ قليلاً كأنَّما يفكِّر في أمر، ثمّ رفعَ رأس هُإليّ وقال: أقْسَمتُ لَتُطْوِينَّ هذا الخبر على أبي، فإنِّي اكرهُ أن يظلّ ساخطًا عليّ، وغنِّي لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه، قال ميمون: فأردْت عند ذلك أن أسْبرَ عقلهُ، فقلتُ له: إن سألني أمير المؤمنين، هل رأيْت منه شيئًا ؟ فهل ترضى لي أن أكذب عليه ؟ أن أقوله: لا يوجد مثله، موضوع الحمّام أمر كبير ‍! فقال: لا، معاذ الله ولكن قل له رأيتُ منه شيئًا فوعضْتهُ وكبَّرْتهُ في عيْنِهِ فسارع إلى الرجوع عنه، فإنّ أبي لا يسألك عن كشف ما لم ترد إظهاره له !! لأنَّ الله جلّ وعزّ قد أعادهُ من البحث عن السَّفَه، أحيانًا يسألك الواحد: أين ذاهب ؟ فتقول: مشوار، فيعيد السؤال: أين هذا المِشوار ؟ لذا هناك من لا أدب له، تقول له اُقْعُد هنا، فيقول لك: لا هنا أحسن، وقد يكون مباشر للباب ! لذا هناك أشخاص حشريِّين، سيّدنا عمر أعاذه الله من أن يكشف ما اسْتتَر، أحدهم أراد أن يستتر عنك فأنت بيّن له أنَّك لم ترهُ.
قال ميمون: فلم أر والدًا قطّ، ولا ولدًا مثلهما يرحمهما الله، هذه قصَّة عبد الملك بن مروان بن سيّدنا عمر بن عبد العزيز، ومشكلة الحمَّام كانت كبيرة.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:45 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس07 :العدة طلاق الفار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-10-21
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام كان موضوعنا في الدرس الماضي العدَّة التي تعتدُّها المرأة إذا طُلِّقت، أو إذا توفي عنها زوجها، وقد عُرِّفت العدَّة، وبُيِّن حكمة مشروعيتها، وأنواع العدَّة.

التي لم يُدخل بها لا عدة لها، التي لم يُدخل بها إذا مات عنها زوجها ولم يدخل بها فعليها عدة، المدخول بها على أنواع: إن كانت تحيض فعدتها ثلاثةُ قروء، أي ثلاثة حَيضات وعدة غير الحائض إن كانت صغيرةً لم تحِض بعدُ فعدتها ثلاثة أشهر. وعدة الآيسة من الحيض ثلاثةُ أشهر.
ما إذا طلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراءِ ـ من ذوات الحيض ـ أيْ تحيض، ثم إن لم ترَ الحيض في عادتها، ولم تدرِ ما سببه، هذه حالات قد تقع، طلَّقها زوجها، وفي الأصل إنها تحيض، أي من ذوات الحيض، طلِّقت، بعد الطلاق لم ترَ الحيض ولم تدر ما السبب، في مثل هذه الحالات النادرة عليها أن تعتدَّ سنةً بكاملها، تتربَّص مدة تسعة أشهر لتعلم براءة رحِمها، لأن هذه المدَّة هي غالب مدة الحمل، فإذا لم يبن الحمل فيها عُلم براءة الرحم ظاهراً، ثم تعتدُّ عدة الآيسةِ ثلاثة أشهر، أي مجموع عدة المرأة التي تحيض ثم طُلقت ولم ترَ الحيض، ولم تعلم ما السبب اثنا عشرَ شهراً ؛ تسع أشهر لبراءة الرحم، وثلاثة أشهر كعدة الآيسة من الحيض.
عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل سواءٌ أكانت مطلَّقةً، أو متوّفَّى عنها زوجها، لقول الله تعالى:
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾
( سورة الطلاق: من الآية " 4 " )
أما المتوفَّى عنها زوجها فعدَّتها أربعةُ أشهرٍ وعشرَ ما لم تكن حاملاً، لقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
( سورة البقرة: من الآية " 234)
ذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً، ثم مات عنها وهي في العدة، اعتدَّت بعد الوفاةِ، لأنه توفي عنها وهي زوجته. أيْ إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً، ثم مات عنها وهي في العدة، اعتدَّت بعد الوفاة كعدة المتوفى عنها زوجها، لأن كل امرأةٍ مطلقةٍ طلاقاً رجعياً هي في حكم الزوجة، وترث، كل حقوق الزوجة تنالها المُطلقة طلاقاً رجعياً وهي في العدة.
عدة المُستحاضة ـ أي التي ترى الدم باستمرار ـ إن كانت لها عادة فعليها أن تُراعي عادتها في الحيض والطُهر، فإذا مضت ثلاثة حِيَضٍ انتهت العدَّة، وإن كانت آيسة انتهت عدتها لثلاثة أشهر.
و وقع زواجٌ غير صحيح فيه اشتباهٌ بالنسب، فعلى المرأة التي تزوَّجت بهذا الزواج عدَّة، لكن العلماء قالوا:
((من زنى بامرأةٍ لم تجب عليها العدَّة، لأن العدة في الأصل لحفظ النسب، والزاني لا يلحقه نسب))
هو رأي الأحناف والشافعيَّة.
في عندنا موضوعات دقيقة لكنها تقع، مثلاً: تحول العدة من الحيض إلى العدة بالأشهر. إذا طلَّق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض، ثم مات وهي في العدة، فإن كان الطلاق رجعياً فإن عليها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة، وهي أربعة أشهرٍ وعشرَ، لأنها لا تزال زوجةً له ولأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجة، ولذا يثبت التوارث بينهما إذا توفي أحدهما وهي في العدة أيْ تأخذ كامل ميراثها إن كانت مطلَّقةً وهي في العدَّة.
موضوع العدة صار دقيق، في أي لحظةٍ تُعّدَُ العدَّة قد انتهت ؟ إذا الطبيب رأى المريض في حالة نِزاع، والزوجة كانت مطلَّقة، وطلاقها رجعي. أي بشكل عام ولو أن الزوج حيٌ يرزق، متى تملك المرأة نفسها ومتى لا تملك ؟ إذا مضت الأقروء الثلاث ولم يراجعها ملكت نفسها، وهذه بينونة صغرى، أيُ هو يستطيع أن يراجعها قبل مضي العدَّة، فإذا مضت ملكت نفسها، يستطيع أن يتزوجها بمهرٍ جديد، وبعقدٍ جديد، وبرضائها، لكن قبل أن تمضي العدة يستطيع أن يُرْجِعَها من دون رضائها، يكفي أن يقول لها: راجعتكِ. الموضوع صار فيه مهر، وصار في موافقة، قبل أن تمضي العدة موافقتها لا قيمة لها، لكن بعد أن تمضي العدَّة موافقتها لها وزن، فإن قالت: لا. لن يستطيع إرجاعها، وإن قالت نعم: عليه أن يدفع مهراً جديداً.
فقال الفقهاء:
(( إذا كانت تغتسل من الحيضة الثالثة، فإذا بقي عضوٌ من أعضائها لم تغسله، وقال زوجها من وراء الباب: قد راجعتكِ. رجعت إليه، أما إذا انتهت من الاغتسال فقد ملكت نفسها ))
هذا حد، أحياناً الإنسان يبقى لآخر لحظة، ولابد من حد فاصل، الحد الفاصل الاغتسال من الحيض، إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يراجعها، ملكت نفسها، لا تعود إلا بمهر، ولا تعود إلا برضاها، وهذه هي البينونة الصغرى.
طلاق الفار. قد لا ينتبه الإنسان لمعنى طلاق الفار، الفار من ماذا ؟ من الزحف الفار من الجهاد ؟ قال: هناك طلاق الفار من الإرث. أي أن هناك الزواج يبلغ بهم اللؤمُ أن هذه التي قضت معه عمراً طويلاً ـ ثلاثين سنة ـ وهو في مرض الموت يطلقها ليحرمها من الإرث يفِرُّ من الإرث. العلماء لهم آراء متعددة في هذا الطلاق.
لو إنسان على فراش الموت طلَّق امرأته، وليس هناك سبب، ليس هناك خلاف ليس هناك مشاحنة، طلَقها لا لشيء إلا ليحرمها الميراث. مثلاً: كان نقدها خمسمئة ليرة سوري ـ تزوجها من أربعين سنةـ هذا كان مبلغ ضخم، والآن صار في عنده أراضي، وأموال منقولة، وغير منقولة، وبساتين وضياع، وما شاكل ذلك. فقال: أطلقها وأدفع مهرها المؤجَّل وأفرُّ من حصتها الكبرى من الميراث.
ما العلماء ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ لهم آراء دقيقة في هذا الموضوع.
طلاق الفار هو أن يطلق المريض مرض الموت امرأته طلاقاً بائناً بغير رضاها، ثم يموت وهي في العدة، فإنه يعتبر في هذه الحال فاراً من الميراث. ولهذا قال مالك: ترث ولو مات بعد انقضاء عدَّتها، وبعد نكاح زوجٍ آخر معاملةً له بنقيض قصده .
سمعت واحد ـ الغباء موجود ـ سمع أن الإنسان إذا فقد أسنانه أُعفي من الخدمة الإلزاميَّة. شابٌ في مقتبل العمر ذهب إلى طبيب وقال له: اقلع لي كل أسناني. هذا الطبيب صاحب وجدان، رفض. طبيب آخر أغري بمالٍ كثير فقلع له أسنانه كُلَّها ؛ العلويَّة والسفليَّة وهو في مقتبل العمر. وصل للجنة الفاحصة خبر أن هذا قلع أسنانه تهرُّباً من الخدمة الإلزاميَّة فكان العقاب مضاعفةُ الخدمة الإلزاميَّة. لماذا كان هذا العقاب ؟ لأن هذا الذي فعل هذا تهرُّباً يجب أن يعامل معاملةً بعكس قَصْدِهِ، وإذا أردتم الحقيقة ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ هذا هو القانون الذي يعامل الله به عباده، كيف ؟..
(( من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا ))
قد يرجو الإنسان نجاح بعلامات عالية ويترك الصلاة، أنا ما عندي وقت أصلي هذا يجب أن يصاب بمرض قبل الامتحان فيرسب، هو لمَ ترك الصلاة ؟ لمَ ترك حضور مجالس العلم ؟ من أجل التفوُّق. الله سبحانه وتعالى يعامله معاملهً بعكس قصده، ماذا يقصد ؟ التفوُّق. حُرِمَ الامتحان كلَّه. لماذا قَبِلَ هذا التاجر هذه الصفقة مع أن فيها ربا ؟ ابتغاء الربح. يخسر رضاء الله عزَّ وجل ويخسر الصَفْقَة، أبداً هذا قانون، إذا آثرت الدُنيا خسرت الدنيا والآخرة وإذا آثرت الآخرة ربحت الدنيا والآخرة، وهذا حديثٌ شريف:
(( من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ))
هذا الشخص الذي قلع أسنانه، كنت مع صديق لي وقال لي: الآن سأريك شخص انتبه لأسنانه. فعلاً أنا دققت فوجدته واضع بدلتين ؛ بدلة علويَّة وبدلة سفليَّة وهو في مقتبل العمر وقَضَّى الخدمة خمس سنوات غير الاحتياط..
(( من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
هذا الحديث يجب أن يكون أمام أعين كل الناس، أي طريق تؤثر به الدنيا على الآخرة ؛ تخسر الدنيا والآخرة، أي طريق تؤثر به مرضاة الله عزَّ وجل ؛ تربح به الدنيا والآخرة.
ويرى أبو حنيفة: أن الحكم في هذه الحال يتغيَّر، فتكون عدتها أطول الأجلين عدة الطلاق وعدة الوفاة ". أي الأجلين أطول الطلاق أم الوفاة ؟ أطول الأجلين عدة المرأة التي طلَّقها زوجها فراراً من الميراث. هذا رأي الإمام أبو حنيفة.

إمرأةٌ لا تحيض ؛ عدتها ثلاث حيضات، طُلِّقت طلاقاً تعَسُّفياً ـ فراراً من الإرث ـ تنقلب عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، فلعلَّه يموت قبل هذه المدة فتأخذ الميراث بكامله، في مثل هذه الحالة تنقلب عدَّتها إلى أطول العدَّتين، أي أن أربعة أشهر وعشر أيام عدتها قبل أن يموت من أجل أن تكسب الوقت. هذا رأي الإمام أبو حنيفة.
لكن الإمام الشافعي يقول: إنها لا ترث كالمطلقة طلاقاً بائناً في الصحَّة.

وحجته الزوجيَّة قد انتهت بالطلاق قبل الموت، فقد زال السبب في الميراث، ولا عبرة بمظنة الفرار، لأن الأحكام الشرعية تُناط بالأسباب الظاهرة لا بالنيَّات الخفيَّة . هذا رأي الإمام الشافعي، ورأي أبو حنيفة، ورأي الإمام مالك.
اتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له. أنا أعرف شخص فعل المستحيل كي يفرَّ ـ هو رجل من الأغنياء، وغنى كبير ـ فعل المستحيل كي يحرم زوجته من الإرث، فمات قبلها، فورثته. هو كان يتوقَّع أن تموت قبله، فعمل تحويلات بالأملاك حتى لا يصيبها شيء، فلما مات قبلها ورثته، أيْ أن الله عزَّ وجل بالمرصاد.
لعدة قد تكون بالأشهر تنتقل إلى الحَيْضات، إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها، أو لبلوغها سن اليأس، ثم حاضت، لزمها الانتقال إلى الحَيض، لأن الشهور بدلاً عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود الأصل.
إذا انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالإقراء لأن هذا حدث بعد انقضاء العدَّة.
الموضوع الأخير في العدة نأخذه في الدرس القادم إن شاء الله، ماذا ينبغي على المرأة وهي في العدة أن تفعل ؟ منها: لزوم البيت، عدم التبرُّج. أشياء كثيرة، وهناك موضوعات خلافيَّة بين الفقهاء.

* * *
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة: للنبي عليه الصلاة والسلام بابان مُعَجَّلان عقوبتهما في الدنيا ؛ البَغْيُ والعقوق.
البغي أي الظلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
البغي والعقوق..
((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
في رواية:
(( فلن يغفر له))
( من كنز العمال: عن " معاذ " )
اليوم زرت شخص له أعمال في الديكور الشَرقي ـ هذا شيء غالي كثير ـ فسألت الصانع: لمن هذا ؟ أبواب تأخذ بالألباب، تيجان، زخارف، لوحات. قال لي: هذا لبيت معلمي ـ أي صاحب المنشرة ـ لكنه شيء نفيس، كبار الأمراء، كبار الأغنياء، فعلى مستوى أغنى الناس يصنعون غرف شرقيَّة، فلما قال: هذا لبيت معلمي. توقعت أن معلِّمه على مستوى رفيع جداً من الناس، أنا لي عنده مشكلة ـ مشكلة إصلاح بين زوجين ـ فجاء هذا المعلِّم حدَّثني عن قصَّة، أن عنده والده، وله أخوات بنات، وله أخوات ذكور، وهذه الوالدة قَعَدَت، أي أصيبت بشلل، الزوجة بعد فترة تبرَّمت من خدمتها. كل حماس الأسرة من الذكور والإناث حينما رأوا أن المرأة أصبحت مقعدة تنصَّلوا جميعاً، وانسحبوا إلى بيوتهم، وبدؤوا يقومون بزيارات مجاملة من حين لآخر، فبقي عبء هذه الوالدة على هذا الابن.
قال لي: والله ما تأنَّفت من خدمتها ؛ وخدمتها شاقَّة، فالبنت لا تتحمَّل، في إقياء مع الخدمة، شيء لا يحتمله إنسان، والإنسان إذا أقعد تصبح حركته ثقيلة، ورائحته كريهة جداً فقال لي: خدمتها خدمة، أنام بجانبها، كل دقيقتين توقظني، أريد أن أقضي حاجة، فيستيقظ الدواء، الطعام، الشراب، بذل جهد مضنٍ وهو راضٍ، وكان يرى أن هذا هو الكسب.
بعد ذلك حدَّثني عن حالته الراهنة ـ أراني في محل آخر التزينات الرائعة ـ قال لي هذا للأمير الفلاني، هذا للأمير الفلاني. قلت له: هذه اللوحة ما قيمتها تقريباً ؟ وهي مترين بمترين. قال لي: هذه ثمنها ثلاثين ألف. لوحة فسيفساء مترين بمترين، فالبيت كله من الديكورات، حوائطه كلها، وأقواس، تصورت البيت يأخذ ثلاثة أرباع المليون ليرة إذا كله بهذا الشكل، وعليه إقبال منقطع النظير، وكأنه في منجاة من هموم الناس الآن. قال لي: كل هذا بسبب الرضا الذي اكتسبته من والدتي. قال لي: والله لا أدري كيف يأتي المال، من دون جهد دائماً في عندي طلبيات لشهر وشهرين خارج القطر. سبحان الله ! أنا تأثرت ـ طبعاً عمل بيت له على هذا الترتيب لأنه أولى ـ ليس قصدي الحديث عن الزينة، ولكن قصدي أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله عزَّ وجل، الله عزَّ وجل قد يكرمه في الدنيا والآخرة.
فبابان مُعَجَّلان عقوبتهما في الدنيا ؛ البغي والعقوق.
(( ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يغفر له ))
( من كنز العمال: عن " معاذ " )
حديث آخر كنت قد أسمعتكم إيَّاه كثيراً، لكنني أعيده لشدَّة تأثري به، فهو مؤلم لكن واقعي. قال عليه الصلاة والسلام:
((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
فهل يستيقظ كل يوم صباحاً مثل البارحة ؟ لا. يستيقظ يوم يقول لك: تعبان، شاعر بضيق. يمكن يستيقظ أحد الأيام ويحس بعدم الحركة. لي قريبة عاملة عزيمة، استلقت على السرير فأرادت أن تقوم وإذا ليس بها حركة، شيء صعب، شلل نصفي..
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
نريد الدنيا، فما الذي في الدنيا ؟ ماذا تلد الدنيا، قال المتنبي:
أبنت الدهر عندي كل بنتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحامِ
* * *

بنت الدهر أي المصيبة، الدهر ماذا يلد ؟ المصائب. هذا الكلام ليس للمؤمنين، هذا الكلام موجَّه لمن أصرَّ على الدنيا، لا يريد إلا الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
فهو الآن بالأربعين، فماذا يتوقَّع أن يكون وهو في الخمسين ؟ بصحة أطيب ؟ لا. التقيت مع شخص وهو صاحب نكتة، عمره بالثمانين قال لي: سبحان الله ! وأنا قبل أربعين سنة أنشط من الآن !! قلت له: هذا شيء طبيعي. مع تقدم العمر ماذا يحصل ؟ في كلسترول، في أسيد أوريك، في وجع مفاصل، في انحناء ظهر، في شَيْب، في ضعف بصر، في ضعف سمع في آلام بالمعدة، في آلام بالأمعاء، في ديسك بالظهر، فالأمراض لا تعد ولا تحصى، قال:
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ))
جاب النبي الكريم سبع أشياء ـ قال:
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا))
أنا أشعر أن كثير من الأشخاص كانوا في بحبوحة، والله الشغل وقف ـ دقر الشغل ـ كان يلعب بالمال لعب الآن يقول لك: لم يبقَ شيء، المصلحة صارت لا تطعم خبز، كان له دخل كبير تقلص تقلص، هذه أغلقت، وهذه أغلقت، المحل سلَّمه، بقي بدون دخل، فالفقر على الله ليس صعب. إذا واحد وصل لمال كثير، مثلما الله أعطاه يأخذ، إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتَّش. فالله عزَّ وجل قدير على أن يذهب المال كلَّه دفعةً واحدة، ففي فقر، الفقر الشديد ينسي الإنسان، النبي الكريم وصف الفقر أنه ينسي، قد ينسي طاعة الله عزَّ وجل ـ كاد الفقر أن يكون كفراً ـ..
(( أَوْ غِنًى مُطْغِيًا))
كذلك الغنى مصيبة، إذا كان ليس معه فقه، ما معه علم، في غنى مغري، أحياناً يفكر بعمل رحلة إلى أوروبا، يفكر يذهب إلى الأمكنة الموبوءة بأوروبا، يريد أن يرى الحي اللاتيني في باريس، ما الذي في الحي اللاتيني ؟ الحي الفلاني، المكان الفلاني، صار عنده رغبة يَطَّلع إلى المعصية، يتشوَّف للمعصية هذا بالغنى، عندما كان معاشه لا يكفيه كان لا يوجد الحي اللاتيني بحياته، متى جاء الحي اللاتيني ؟ عندما صار معه نقود، هذا الغنى المطغي أو يستحي بزوجته، هذه لا تليق بمقامه، يريد واحدة ثانية اسبور، ففي غنى مطغي أحياناً..
(( هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ))
يقول لك: منعوني من اللحم، والخضر المطبوخة، لا توجد إلا الخضر المسلوقة بدون ملح. يقول لك: مللت منها. هذا مرض مفسد للصحة، أحياناً يشتهي قرص فلافل، يقول لك: ممنوع لأن هذا مقلي بالزيت، يشتهي صحن من الحمص. يقول لك: فيه أسيد أوريك لا أستطيع. يشتهي قرص كبة، يقول لك: يمكن هذه تعمل لي مشكلة. فما الذي يأكله إذاً ؟ كله ممنوع عنه..
(( هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ـ أفسد له حياته ـ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
ما صار له شيء، لا افتقر ولا اغتنى، لا افتقر افتقار يُنْسِيه، ولا اغتنى اغتناء مطغي، ولا صار معه مرض مفسد، لكن صار عمره سبعة وثمانين، فلم يعد يتذكر جيداً، طعميتوني ؟ الآن طعميناك. أنا أكلت ؟ لكن ما الذي عملته الآن ؟ يأتيه ضيف فيقول له: إنهم لا يطعموني. هذا هرم مُفَنِّد، أي عيوب الإنسان تظهر، لذلك هناك أشخاص يدعون ـ وأنا والله معهم في هذا الدعاء ـ أن الله عزَّ وجل يتوفَّانا ونحن في صحتنا، وفي ذاكرتنا. وإلا صار الوضع غير جيد.
والله أحد الأشخاص وصف لي حالة شخص، شهد الله أن الموت من نعم الله، فقد وعيه ومفلوج، يمسك من تحته ويأكل، ربطوا له يداه، ربطوا له رجلاه، يداه مقيَّدتان ورجليه مقيَّدتان، وهو أب، واحد يرى أبوه مقيده بحبال ؟! إذا أطلقوا له يداه سيأكل من تحته. هذا هرم فلا أحد يعتز بشبابه، العبرة للآخرة.
لذلك: التقوى أقوى. لذلك: حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر. لذلك
((من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت))
لذلك:
(( قارئ القرآن لا يحزن))
البطولة في خريف العمر، كل الشباب تجدهم أقوياء، تجده يأكل أشكال ألوان، معدته مثل المطحنة، لكن بعد ذلك خمسين علَّة، تجده إذا ذهب ـ مشوار ـ معه كمية من الأدوية، فهذه يتناولها بعد ساعة، وهذه بعد ربع ساعة، لا يستطيع. الله يعافينا بجاه الحبيب..
(( هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ـ أفسد له حياته ـ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا.))
والله شيء واضح ! كلام واضح كالشمس، أول واحدة: فقر منسي، وغنىً مطغي ومرض مفسد، وهرم مفنِّد..
((أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا))
أيْ موت ينهي الحياة، انتهاء الحياة ؛ كبر مفنِّد، مرض مفسد، غنىً مطغي فقر..

(( أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
فأشراط الساعة كلكم تعرفونها، فسبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله ؛ تنتظر الذي يريد الدنيا ويصرُّ عليها. هنيئاً لمن عرف الله فوقاه الله من هذا المصير.
قال:
إذا بلغ العبد الأربعين ـ أو أكثر لا أذكر نص الحديث ـ يقول الله عزَّ وجل:
((عبدي كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك فاستحي مني فأنا أستحي منك))
يـا عبـدنا أمـا قرأت كتابنــا ؟!! أما تختـشــي منا ويكفيـك ما جرى ؟!
أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟ أما آن أنْ تُـقلع عن الذنـب راجـعاً ؟
وتنظر ما به جاء وعدنا

* * *
فإذا إنسان بلغ الأربعين أو الخمسين ولا يصلي، قاع في القهوة يلعب طاولة سبحان الله ! ماذا جعل لآخرته هذا ؟ إلى أين ماشي ؟ على حواف الموت، على مشارف الموت ولا يعرف الله إطلاقاً !!.
إذاً.
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))
هذا من الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة. حديثٌ أخير:

((باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح ))
( من الجامع الصغير: عن " السيدة عائشة )
هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها، في أشخاص معتادين ينطلقوا إلى أعمالهم باكراً، تجد للساعة الحادية عشرة حلَّ مليون مشكلة، وفي أشخاص يعتادوا ـ أنا قضيت عمر بالتدريس تسعة وعشرين سنة ـ الساعة السابعة أبدأ الدرس، مرة انتهوا الساعات، فرجعت إلى البيت الساعة الحادية عشرة، لي جار تاجر قال لي: أين ذاهب الآن، باكراً؟!! قلت له: أنا راجع من عملي، انتهيت. قلت له: أنا راجع. والثاني يظن أني متأخر عن العمل. النبي الكريم كان يحب الغدو باكراً، تحل أعمال كثيرة.

* * *
والآن إلى قصة تابعيٍ جليل. هذا التابعي هو الإمام:
عامر بن شُرَحْبيل الشَعْبِي
كان واسع العلم، عظيم الحلم، وإنه من الإسلام بمكان. لِسِتِّ سنواتٍ خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه، وُلِد للمسلمين مولودٌ نحيل الجسم، ضئيل الجِرم ـ فالحجم ليس له قيمة، الرجال تقاس بأعمالها وأخلاقها، وعلمها وإيمانها فقط ـ ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه فلم يدع له مجالاً لنموِّه، ولكنه لم يستطع أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم، والحلم، والحفظ، والفهم، والعبقريَّة. أيْ..
فلا تقل: أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
* * *

أحياناً الإنسان بدلاً من أن يفتخر بآبائه يفتخر به آباؤه، أحياناً بدل أن يفتخر بأبيه أبوه يفتخر به، لأن باب التحصيل مفتوح.. (( أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً ))
( من كشف الخفاء )
(( سلمان منَّا آل البيت ))
((نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْب))
( من الجامع الصغير )
ذلكم هو عامر بن شرحبيل المعروف بالشَعبي، نابغة المسلمين في عصره ولد في الكوفة وفيها نشأ، لكن المدينة المنوَّرة كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه، كان يؤمّها من حين لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وليأخذ عنهم، كما كان الصحابة الكرام يؤمون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله أو داراً لإقامتهم.
أتيح لهذا التابعي الجليل أن يلقى نحواً من خمسمئةٍ من الصحابة الكرام، وأن يروي عن عددٍ كبيرٍ من جِلَّتهم من أمثال علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقَّاص، وزيد بن ثابت وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخُدري، والنُعمان بن البشير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعدّي بن حاتم، وأبي هريرة، وعائشة أم المؤمنينـ طبعاً من وراء حجاب ـ وغيرِهم وغيرهم.
وقد كان الشعبيُّ فتىً متوقِّد الذكاء، يقظ الفؤاد، مرهف الذهن، دقيق الفهم، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة. من منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها تواً ؟ هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم، أحدث بحوث للذاكرة أن الذاكرة لها علاقةٌ بالاهتمام، أيْ إذا بلغ اهتمامك بالقرآن اهتمام النبي العدنان، تحفظ البقرة إذا سمعتها مرةً واحدة، فقوة الذاكرة شيء أساسي.
كان يقول عن نفسه: ما كتبت سوداء في بيضاء قط ـ أيْ ما كتب حرف أسود على ورق أبيض في حياته، أي أنه عنده ذاكرة أقوى من الكتابة ـ ولا حدثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته، ولا سمعت من امرئٍ كلاماً ثم أحببت أن يعيده عليَّ . نحن إذا شخص حكى حكمة جميلة، بالله دقيقة، بالله عليك أعدها علينا إذا أمكن. يعيدها لك، أما هو كان عندما يسمعها يحفظها على الفور، لا يضطر يقول له: أعدها لي، من أي مصدر آخذها ؟ أين الكتاب ؟..
وقد كان الفتى مولعاً بالعلم، مشغوفاً بالمعرفة، يبذل في سبيلهما النفس والنَفيس ويستهلُّ من أجلهما المصاعب، إذ كان يقول: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ـ اسمعوا هذا القول، ليس على الطائرة جامبو، لا، بل ـ مشياً على الأقدام ـ تصور الآن اذهب إلى الزبداني مشياً، تصور ما الذي يصير معك ؟ تحتاج إلى يومين، وتبقى مطروح في الفراش عشرة أيام، ما كان في إلا مشي أو ركب دواب ـ لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام ـ أي من حلب ـ إلى أقصى اليمن فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره لرأيت أن سفره لم يضع. إذا كنت جئت من آخر أحياء دمشق ؛ ركبت أول باص والثاني، تصور ساعة وربع راكب في الباصات، وسمعت حديث شريف واحد، وانهمرت دمعة من عيونك على هذا الحديث، وتأثَّرت فيه وطبَّقته، هذا الذهاب والإياب ما ضاع عند الله سُدىً أبداً. هو يقول: من أقصى الشام إلى أقصى اليمن.
وقد بلغ من علمه أنه كان يقول:
((أقلُّ شيءٍ تعلَّمته الشعر))
أي أن كلام الله عزَّ وجل:

﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ﴾
هذه معروفة، لكن..

﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
( سورة يس: من الآية " 69 " )
أي لا يليق بهذا النبي الكريم أن يكون شاعراً، معنى هذا أن الشعر مرتبة دون..

﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾
قال:
((أقل شيءٍ تعلَّمته الشعر ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته))
هذا أقل شيء حافظه من الشعر. وكانت تعقد له حلقةٌ في جامع الكوفة فيلتف الناس حوله زمراً زمرَ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءُ، يروحون ويغدون بين أظهر الناس. من الصعب جداً أن تلفت نجمة نظرك في النهار، الشمس مغطية على الكل، إنها لمضنيةٌ مؤلمةٌ تلك الجهود التي تبذلها النجوم كي تضيء في حضرة الشموس. شيء صعب فإذا واحد استطاع أن يحكي مع وجود الصحابة معنى هذا له مكان كبير عند الله عزَّ وجل، أحياناً الإنسان مع من علَّمه يخجل. يقول له: سكت إجلالاً لعلمك. فتجد الطبيب متحدث بارع إلا أمام أساتذته تجده يخجل. أي إنسان تعلَّم العلم أمام أستاذه فلا تجد عنده إمكانية يتفاصح أمامه، يخجل لأنه هو علمه، لحتى أحياناً من آداب المريد مع أستاذه أن يسكت إجلالاً لعلمه.
بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرة يقصُّ على الناس أخبار المَغازي، بخفاياها ودقائقها، فأرهف سمعه إليه وقال: (( لقد شهدت بعض ما يَقُصُّه بعيني وسمعته بأذني، ومع ذلك فهو أروى له مني)). سيدنا عبد الله بن عمر شاهدت بعيني وسمعت بأذني وهو مع ذلك ـ عن الشعبي ـ أروى له مني.
وشواهد سعة علم الشَعبي، وحضور ذهنه غزيرةٌ وفيرة، من ذلك ما رواه عن نفسه قال:
(( أتاني رجلان يتفاخران، أحدهما من بني عامر والآخر من بني أسد، وقد غَلَبَ العامري صاحبه، وعلا عليه وأخذه من ثوبه، وجعله يجرُّه نحوي جراً، والأسدي مخذولٌ أمامه يقول له: دعني دعني. وهو يقول له: والله لا أدعك حتى يحكم الشَعبي لي عليك. فالتفَتُّ إلى العامري وقلت له: دع صاحبك حتى أحكم بينكما. ثم نظرت إلى الأسدي وقلت: ما لي أراك تتخاذل له ؟ ولقد كانت لكم مفاخر سِتُّ لم تكن لأحدٍ من العرب ؛ أولها أنها كانت منكم امرأةٌ خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله، فزوجه الله إيَّاها من فوق سبع سماوات))
زينب وحدها زوجها الله، فزوجنكها، هذه مفخرة لهذا الأسدي
(( وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش، فكانت هذه المأثرة لقومك ولم تكن لأحدٍ من العرب غيركم))
((والثانية أنه كان منكم رجلٌ من أهل الجنة يمشي على الأرض، هو عكاشة بن مُحصن ))
اللهمَّ صلي عليه كان قمة الذوق، مرَّ عُكَّاشة فبشَّره بالجنَّة، دخل واحد آخر فقال له وأنا ؟ ماذا سيقول له اللهمَّ صلي عليه ؟ هو ليس من أهل الجنة، إذا قال له: أنت لست من هؤلاء. يكون حطَّمه، أنت من أهل الجنة. يكون غشَّه، ضع نفسك في هذا الموقف، عكَّاشة بشِّر بالجنة، أما هذا الذي دخل على النبي بعده قال: وأنا يا رسول الله ؟ قال له:
(( سبقك بها عكَّاشة))
أنت تأخرت فسبقك هو وأخذها. فهذا منتهى الذكاء، منتهى الذوق، منتهى اللطف إن قال له: لا. فقد حطَّمه، وإن قال له: نعم. فقد غشَّه، قال له:
(( سبقك بها عكَّاشة ))
( من تاريخ الإحياء )
وكانت هذه لكم يا بني أسد ولم تكن لسواكم من الناس.

((والثالثة أن أول لواءٍ عُقِدَ في الإسلام كان لرجلٍ منكم هو عبد الله ))
((والرابعة أن أول مَغْنَمٍ قُسم في الإسلام كان مَغْنَمَهُ ))
والخامسة أن أول من بايع بيعة الرضوان كان مِنكم، فقد جاء صاحبكم أبو سِنان بن وهبٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

(( يا رسول الله ابسط يدك أبايعك. قال: على ماذا تبايعني ؟ قال: على ما في نفسك. ـ معك على طول الخط، على أي شيء تريده، ما هذه المحبة ؟ ـ قال له: على ماذا تبايعني ؟ قال له: على ما في نفسك يا رسول الله.؟ قال: وما في نفسي ؟ قال له: فتحٌ أو شهادة. قال: نعم. فبايعه، فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان ))
((والسادسة أن قومك بني أسد كانوا سُبُعَ المهاجرين يوم بدر ـ السبع منهم ـ فبهت العامري وسكت ))
ولا ريب أن الشعبي أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب، ولو كان العامري هو المخذول ؛ لذكر له من مآثر قومه ما لم يُحِطْ به خبرا.
ولَّما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج عامله على العراق: أن ابعث إليَّ رجلاً يصلح للدين والدنيا، أتخذه سميراً وجليساً .

فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصَّته، وأخذ يفزع إلى علمه في المُعْضلات، ويعوِّل على رأيه في المُلِمَّات، ويبعثه سفيراً بينه وبين الملوك.
انظروا إلى هذا الموقف.
أرسله مرةً في مهمةٍ إلى جستنيان ـ ملك الروم ـ فلما وفد عليه واستمع إليه، سأله الملك الرومي: أمن أهل بيت المُلك أنت ؟ قال:
((لا إنما أنا رجلاً من جملة المسلمين))
أنا واحد من الدَهْمَاء، هذا من باب رفع شان المسلمين. فلما أذن له بالرحيل قال له: " إذا رجعت إلى صاحبك ـ ويعني المَلك عبد الملك ـ وأبلغته جميع ما يريد معرفته، فادفع إليه هذه الرقعة ـ أعطاه رسالة ـ
فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك، وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه، وأجابه عن جميع ما سأله، ولمَّا نهض لينصرف قال:
((يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني إليك هذه الرقعة ))
ودفعها إليه وانصرف.
فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه: ردوه عليَّ . فردوه
فقال له: أعلمت ما في هذه الرقعة ؟
قال: لا أيها الأمير.
قال عبد الملك: لقد كتب إليَّ ملك الروم يقول: عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا الفتى ؟!! هذه الرسالة فيها لغم.
فبادره الشعبي قائلاً: إنه قال هذا لأنه لم يرك، ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قال ذلك.
فقال عبد الملك: أفتدري لمَ كتب إليَّ ملك الروم بهذا ؟
قال: لا يا أمير المؤمنين.
قال عبد الملك: إنما كتب إليَّ بذلك لأنه حسدني عليك، فأراد أن يغريني بقتلك والتخلُّص منك.
فبلغ ذلك ملك الروم فقال: لله أبوه !! والله ما أردت غير ذلك.
افتكر أن عبد الملك أحمق، يقول له: هذا الملك وليس أنت. فيقتله ويرتاح منه أما كان جوابه في منتهى الروعة.

* * *
بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابعَ ثلاثةٍ في عصره، فقد كان الزهري يقول: العلماء أربعة ؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة، وعامر الشَعبي في الكوفة، والحسن البَصري في البصرة، ومكحولٌ في الشام. لكن الشعبي كان لتواضعه يخجل إذا خلع عليه أحدٌ لقب العالِم.
فقد خاطبه أحدهم قائلاً: أجبني أيها الفقيه العالِم. فقال: ويحك لا تطرنا بما ليس فينا، الفقيه من تورَّع عن محارم الله، والعالِم من خشي الله، وأين نحن من ذلك ؟.
سأله آخر في مسألة ؟ قال: قال فيها عمر بن الخطاب كذا، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا. فقال له السائل: وأنت ماذا تقول ؟ فابتسم في استحياء وقال له: وماذا تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي ؟. ماذا تريد من كلامي ؟..
كان الشعبي يتحلَّى بكريم الشمائل، من ذلك أنه كان يكره المِراء، ويتصاون عن الخوض في ما لا يعنيه. كلَّمه أحد أصحابه ذات يوم فقال له:
ـيا أبا عمرو.
قال له: لبيك.
قال: ما تقول فيما يتكلَّم فيه الناس من أمر هذين الرجلين ؛ عثمان وعلي ؟.
ـفقال:
(( إني والله لفي غنىً عن أن أجيء يوم القيامة خصيماً لعثمان ابن عفان أو لعليّ بن أبي طالب))
(( إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا ))
( من الجامع الصغير: عن عمر )
كان حليماً. يروى أن رجلاً شتمه أقبح الشتم، وأسمعه أقذع الكلام، فلم يزد عن أن قال له: إن كنت صادقاً فيما ترميني به غفر الله لي، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ".
هل هناك حالة ثالثة ؟ إن كنت صادقاً أرجو الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذباً غفر الله لك. فهل عندك أعصاب تواجه واحد اتهمك بأقذع تهمة؟ أنت تكل له الصاع صاعين. أما هو قال له: إن كنت صادقاً غفر الله لي، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ؟.
ولم يكن الشعبي على جلالة قدره، وجذالة فهمه يأنف أن يأخذ المعرفة، أو يتلقَّى الحكمة عن أهون الناس شأناً ؛ لقد دأب أعرابيٌ على حضور مجالسه، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائماً، لا يتكلَّم ولا كلمة، فقال له مرة:
تكلَّم يا رجل " ؟. تكلَّم كلمة نفهم من أنت ؟ ما هو تفكيرك ؟ نعجبك أم لم نعجبك ما هو وضعك ؟ تقبل ها الكلام أم لا تقبل ؟ احكي كلمة، أحياناً الأخ يتكلَّم كلمة فتفهم ما هو وضعه، أنه مسرور أو غير مسرور ؟ شخص ساكت ولا تعرف ما هو وضعه.
فقال له هذا الأعرابي: أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه، أما حظه من لسانه فيعود على غيره.
فظلَّ الشعبي يردِّد هذه الكلمة ما امتدَّت به الحياة: أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه، وحظه من لسانه يعود على غيره.
كان عنده فصاحة وجرأة ؛ مرة كلَّم أمير العراق عمر بن أبي هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم، فقال:
(( أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يَسَعَهُم ))
فأعجب بقوله وأطلقهم كرامةً لهم.
كان صاحب مرح، النبي الكريم كان صاحب مرح، قال:

(( روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة فإن القلوب إذا كلَّت عميت ))
( من شرح الجامع الصغير )
لقد دخل عليه رجل وهو جالسٌ على امرأته فقال: أيكما الشعبي ؟ فقال: هذه.
أنا مرة واحد قال لي ـ سمعنا قصة قديمة ـ تخطب في جامع النابلسي ؟ قلت له نعم. قال: في أي يوم ؟ قلت: الأحد. قال: ما هذا الأحد ؟ قلت له: ما هو سؤالك ؟! فالخطبة تكون يوم الجمعة !!.
وسأله آخر: ماذا كانت تسمَّى زوجة إبليس ؟ فقال له: " والله هذا عُرْسٌ لم نشهده أنا ما حضرت الحفلة فلا أعرف ما هو اسمها، ولا في بطاقة كريمة فلانة أو فلان، لا توجد.
ولعلَّ خير ما يصوّر كلام الشعبي ما حكاه عن نفسه:
((ما حللت حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه الناس))
أي أنه كان يجلس مجلس علم ما يلتفت لشيءٍ ـ ولا ضربت غلاماً لي ـ انظر.. ما حللت حبوتي..جالس في مجلس علم، كل حاجات الناس التي يتطلعون لها لم تكن تخطر في باله، دخل في هذا المجلس فاستغرق فيه ـ
((وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلا قضيته عنه))
عليَّ دينه، انتهى أمره.
عُمِّر الشعبي نيِّفاً وثمانين عاماً، فلما لبَّى نداء ربه ونُعي إلى الحسن البصري قال: يرحمه الله فقد كان واسع العلم، عظيم الحلم وإنه من الإسلام بمكان

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:46 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 08 : طلب العلم فريضة على كل مسلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-10-28
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا،
إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين.
في موضوع طلب العلم، الذي لاحظته أن أكثر الإخوة الأكارم يحضرون هذه المجالس ويستمتعون بها أولاً،
وينتفعون بها ثانياً، لكنهم إذا أرادوا أن ينفعوا غيرهم بهذه المجالس، فإن قدرتهم على نفع الآخرين تبدو محدودة،
لسبب أن هذا الذي استمعوا إليه وتأثروا به في الجلسة هذه مثلاً، أو يوم الجمعة لا يستطيعون أن ينقلوا هذا
التأثير إلى من حولهم إذا ما أرادوا ذلك، لأنه كل ما ليس في القرطاس ضاع.
مثلاً: نحن يوم الأحد منذ أكثر من خمس سنين نعطي بعض الأحاديث من كتاب الجامع الصغير، هذا الكتاب
متوافر في الأسواق، فلو أن إنسان اقتنى هذا الكتاب، وحينما حضر إلى هذا المجلس، وعاد إلى البيت، فتح
الكتاب ووضع خطاً أحمر تحت الأحاديث التي تمَّ شرحها، هو إذا ألقى على هذا الكتاب نظرة أو على هذا
الحديث يذكر كل ما قيل، حوله، قد نقول حوله ساعة، أو نصف ساعة، أو عشر دقائق. إذا قرأت الحديث
الشريف تذكر كل شيءٍ قيل حول هذا الحديث.
فلو جلست مع زوجتك، لو جعلت لأولادك وزوجتك درساً أسبوعياً رسمياً، لو أن لك أخواتٍ متزوجات،
وجمعتهن في الأسبوع مرة وألقيت عليهن هذه الأحاديث وما بقي في ذاكرتها من شرحها، هذا الذي تعلَّمته ينتفع
به الآخرون، أما إذا حضرت، واستمتعت واستفدت، وتأثَّرت، وأعجبت، كل هذا الخير انصب عليك، وأنت لم
تستطع أن تنقل هذا الخير إلى الآخرين.
إذاً الكتاب الذي ندرسه، طبعاً هذا الكلام ليس لكل من يحضر ؛ لكن من كان طالباً للعلم، ومن أراد أن يستفيد من
طلب العلم، ومن أراد أن يؤثِّر في الآخرين لا بد له من وسائل أن يقول له: والله في دروس رائعة جداً. قد لا
يرضى فلان أن يأتي معك إلى الدرس، ألا تستطيع أن تنقل له شيئاً مما تعلمته ؟! هذا الشيء لا بد منه.
فلما الإنسان يقتني كتاب الجامع الصغير، يقدر يتذكر عشرات أو مئات الحديث التي تم شرحها في هذا المسجد،
طبعاً هذا الحديث الشريف بالمناسبة في حديث واضح جميل جداً في حديث قد لا تعرف تفسيره، في أشخاص
إذا وجد حديثاً يأخذه على ظاهره، ويسأل كيف يقول: عليه الصلاة والسلام هذا الحديث، وهذا الحديث يتناقض
مع هذا الحديث ؟! إن كنت تريد أن تدخل في هذه المتاهة لا تشتري هذا الكتاب، لكن إذا أردت أن تقرأ الأحاديث
التي اخترتها أنا لك، في الصفحة قد أختار حديث أو حديثين أو ثلاثة، كل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حق
لكن في حديث معناه ظاهر، وأثره ظاهر، وله علاقة بحياتنا اليومية، وفي أحاديث قد لا نستطيع فهمها، وإذا
فُهمت، لا تتصل بحياتنا اليومية، ونحن حينما لا نعرف أن نوجه هذا الأحاديث ـ هذا الكلام أقوله لكم ـ دعه أوقفه،
إما أن تسأل عنه وإما أن توقفه.
فمرة أنا مرة قرأت حديث:
(( اطلعت على أهل الجنة، فإذا عامة أهلها من البُلْه ))
والله هذا الحديث ما استوعبته، كيف يكون أهل الجنة بلهاً ؟ قال عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر))
( من الجامع الصغير: عن أنس )
المؤمن كيِّس، فطن، حذر، المؤمن صاحب فطنة، ذكي، يقظ، صاحب ملاحظة ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه

لعلمه.
مئات الأحاديث تؤكِّد أن المؤمن ذكي، فكيف نفسر هذا الحديث ؟ موقوف الحديث حتى يفتح الله لنا معناه.
مرة سألني إنسان عن هذا الحديث، الله عز وجل، استطعت أن أفهم منه شيء، إذا الآن واحد جاءته فرصة
صفقة فيها ربح مليون ليرة ـ مثلاً ـ هو طبيب شرعي، وجاءته حالة تسمم، أخذ عينة من المعدة، وجد فيها سم،
جاءه سين من الناس. قال له: يا دكتور اكتب لنا أن الوفاة كانت طبيعية، وخذ هذه الملايين الخمسة لأن هذا
الإنسان الميت خلف وراءه مئة مليون اكتب الوفاة طبيعية، وخذ هذه الملايين الخمسة.
فهذا رفض إحقاقاً للحق، قال: الموت تسمماً، وفي الأمر جريمة. ألا يقول له معظم أصدقائه: أنت مجنون، يا أخي
مات وخلص ماذا تريد منه، خذ خمسة ملايين، خذ بيت بالمالكي مليونين، وبيت بحاليا بمليون، ثلاثة ملايين، خذ
سيارة مئتين وخمسين ألف ( مازدا ) خذا شاليه على البحر، ماذا تريد من وجع الرأس، واكتب الوفاة طبيعية ؟!!
ألا يتهم هذا الإنسان المستقيم النزيه أنه أبله ؟
فهذا البله إن صح التعبير من نوع آخر، قد تعرض له صفقة رابحة، فيها شبهة، تقول: إني أخاف الله رب
العالمين. سيدنا يوسف حينما دعته امرأة العزيز، ألا يقيمه أراذل الناس بأنه أبله ؟ هذه فرصةٌ لا تعوَّض، لِمَ
قلت:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ ﴾
( سورة يوسف: من آية " 23 " )
في حديث لا يكون معناه ظاهر أمامك، لكن لو تعمَّقت فيه تجد له معنى عميق جداً مثلاً، اللهم صلي عليه قال:

(( لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر))
( من تخاريج أحاديث الإحياء )
(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ))
( من الأذكار النووية )
لو مر معك حديث هكذا توقف عنه وقل: لا أعرف، ليس من المعقول أن يكون معناه الظاهري هكذا ؟!

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُم "))
( من الأذكار النووية )
اسأل عنه، إذا كان سألت عنه وأبلغوك هذا الذنب الشعور بالذنب، إذا الإنسان ما شعر على ذنبه هالك وميت

القلب، إذا اغتاب إنسان وذهب لينام، وصدر منه صوت الشخير وقال لك: ماذا فعلنا ؟ لم نفعل شيء، لم نقتل
ولم نضرب. هذا ميِّت، هذا هالك، هذا لم يذنب بمعنى أنه ما شعر بالذنب، هنا معنى تذنبوا بمعنى تشعروا بذنوبكم،
ففي أحاديث واضحة وفي أحاديث تحتاج إلى تفسير.
على كلٍ إذا اقتنيت كتاب الجامع الصغير واكتفيت بالأحاديث التي أنتقيها لك، وإذا سألتني عن بعض الأحاديث
أعطيك معناها إن شاء الله تعالى، صار في عندك بالبيت نواة مكتبة عندك الجامع الصغير، كتاب في الحديث،
وفي طبعاً أحاديث ضعيفة في الجامع الصغير مكتوب " ض" قد يكون الحديث ضعيف في مَتْنِهِ، وقد يكون

ضعيفاً في سنده، مثلاً، بعض الأحاديث الضعيفة. (( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان))
( من سنن النسائي )
هذه آية قرآنية، ورسول الله قالها، في أحد الرواة لم يكن عدلاً، فالحديث ضعيف وهذا الحديث رغم أنه ضعيف،

من قواه ؟ القرآن، فهذه آية قرآنية، لو أنه ضعيفٌ يجب أن نقرأه، لأن القرآن هو الذي قوَّاه وصحَّحه.
إذاً نريد من أجل أن يصبح هذا العلم واسع الانتشار، كل واحد حوله خمسين شخص أو خمسة وعشرين، ما بين
زوجته، وأولاده، وجيرانه، وعدلاته، وأصهاره، وإخوته وأصدقاء إخوته، وزملائه في العمل يصبحوا خمسين،
فإذا كان حضر درس الأحد، وعنده بالبيت الجامع الصغير، الحديث تأثر فيه تمام ولكن لم يحفظ نصه، فتح الكتاب
هذا نصه، كتبه على ورقة، وضعه بجيبته، التقى بأخ مؤمن، بصديق، بصاحب، أحسن من حديث لا طائل منه ؛
من حديث الأكل والشرب، حديث النساء، من أحاديث تبعث في النفس الضيق والاشمئزاز وضِّح له معنى هذا
الحديث.
نحن مثلاً أمضينا سنة أو أكثر في كتاب بالفقه الحنفي مختصر مفيد "مراقي الفلاح كتاب بالأسواق موجود، إذا
الإنسان اشتراه كذلك، كون مكتبة فقه، كتاب بالفقه أساسي، أراد أن يعرف شروط الصلاة، مكروهات الصلاة،
سنن الصلاة، الأركان، يا ترى تكبيرة الإحرام رُكن أم شرط ؟ إذا الإنسان مثلاً نزل دم من يده هل يتوضأ، أم لا
يتوضأ ؟ إذا الدم سال يتوضأ إذا لم يسل لا يتوضأ، كتاب قرأناه كُلَّه خلال سنة أو أكثر " مراقي الفلاح " أيضاً
كتاب نقتنيه أحياناً إنسان يسأل نفسه سؤال، يكون معه الجواب في الكتاب.
فأنا أريد أن هذا الشيء الذي نتعلمه يبقى له أثر، والله صار لنا ندرِّس فيه عشرة سنوات تقريباً، آلمني شخص
قال لي: واحد جاء لعندي لكي أفحصه، لكي يكون خطيب مسجد سألته كم سؤال فلم يعرف الجواب. قلت له: هذا
الذي سألته عنه درسته خلال سنة موضوع النكاح، سنة بكاملها. قال له: ما هو الطلاق البِدعي والطلاق السني
؟ قال لي: لم يعرف أن يجاوبني. مع أننا وقفنا في هذا الموضوع سنة بأكملها، فالإنسان إذا لم يراجع الموضوع
لا يقدر أن يحفظ، إذاً كتاب مراقي الفلاح ببيوتنا، كتاب الجامع الصغير، فمن باب إذا كان سمعت شيء لطيف

تتذكره، أما القرآن سهل، تفتح سورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)﴾
( سورة الأعلى )
يمكن تتذكر شيء كثير عن:

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
( سورة الأعلى )
التسوية، وشيء كثير جداً عن الذي:

﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
( سورة الأعلى )
وعن:

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
( سورة الأعلى )
يمكن سورة الأعلى تكون هذه الجمعة كلها مدار حديثك مع إخوانك، مع أصحابك مع أصدقائك، مع جيرانك، مع

زوجتك، مع أولادك، والشيء اللطيف في العلم أنه يزكو على الإنفاق، المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على
الإنفاق، يزداد.
لكن في موضوع كثير دقيق أحب أن أطرحه أمامكم:
إذا إنسان في عنده مكتبة لوالده، وهذه المكتبة فيها ألف كتاب، وعنده امتحان صف ثالث جامعة بعد أسبوع،
بكتاب مقرر هو مثلاً: الأحوال الشخصية في القانون المدني. أي كتابٍ إذا قرأه يستفيد ؟ الكتاب المُقرر. لكن
المكتبة فيها كتب كثيرة ؛ فيها قصص، فيها مسرحيات، فيها كتب علمية، فيها كتب بالتاريخ، فيها كتب بالفلسفة،
كله نافع ومفيد، لكن الذي ينفعك أكثر من غيره أن تقرأ الكتاب المقرر لتؤدي به امتحاناً وتنجح.
فالآن الأخ المؤمن إذا الله وفقه، يعرف أيْ كتاب في الحياة مقرر من قبل الله عز وجل، فالكتاب المقرر: القرآن
الكريم. فإذا أمضى حياته كلها في فهم كتاب الله وسنة رسول الله فقد نجح إلى الدار الآخرة، ودخل جنةً
عرضها السماوات والأرض.
فلا تظن أن كل إنسان يقرأ يستفيد، في كتب لا تقدِّم فائدة، ممتعة، تُمتع ولا تنفع وفي كتب تنفع ولا تُمتع، وفي
كتب تُمْتِع وتنفع، كمعرفة كتاب الله عز وجل.
شيء آخر الآن أريد أن أضرب أمثلة لأن الموضوع دقيق جداً، مثلاً يجوز يعطي تلامذته أكبر كتاب بالفقه
حاشية ابن عابدين هذا الكتاب يعد أضخم كتاب في فروع الفقه لا في أصوله، في فروعه، حالات نادرة لا تقع،
تسعين بالمئة من حالات هذا الكتاب لا تقع ولم تقع، فإذا أمضى الإنسان عمره كلَّه، في معرفة هذا الكتاب وفهم
دقائقه، هل يكون قد ربح أم خسر ؟ خسر، نافع لكن ضيَّع معرفة الله، ضيَّع معرفة نفسه، ضيَّع العمل الصالح،
ضيع تطهير قلبه.
فإذا الإنسان معه مئة ألف، يريد أن يتزوج، راح اشترى مخرطة وضعها ببيته هذه مفيدة، لا تلزمك بكل عمرك
ولا مرة، يمكن يطق عندك برغي في آلة، تريد أن تخرطه فتلزمك، تستعملها ربع ساعة، حجزت غرفة بالبيت،
وثمنها مئة ألف، استهلكت ثمنها ولم تستفد منها، أما إذا كنت حكيم تأخذ غرفة ضيوف، وغرفة نوم، وتأخذ برَّاد،
وغسالة، ومكواة و أداوت أساسية، وأدوات مطبخ، وتعيش حياة معقولة بهذه المئة ألف، أما أن تأخذ بهذا المبلغ
مخرطة وتضعها بغرفة الضيوف وتقف، آلة عظيمة، صح عظيمة، مفيدة ؟ مفيدة، أما لك مفيدة ؟ لا ليست مفيدة
لك.
هذا المثل ضربته، مثل إذا إنسان كذلك يريد أن يغادر هذا البيت في خلال ربع ساعة، ومعك السيارة
الصغيرة، عبِّئها ما شئت، هل تضع فيها كنباية ؟ لا ؛ بل تضع فيها أجهزة ثمينة، عندي آلة تسجيل، فرن، عندي
جهاز، حقيبة سمسونايت، صيغة، لا املأها كنباية واحدة وأمشي، يجب أن تختار شيء المفيد والنافع، لأنه لا
يوجد أوسع من الكتب المؤلفة !! فما يطبع في اليوم من كتب لا تكفي السنوات الطويلة لقراءته، سنوات، رقم لم
أحفظه، ثمانين سنة ما يطبع في العالم من كتب يومياً حتى يقرأه إنسان واحد يحتاج لثمانين سنة، شيء مستحيل
تحتاج اصطفاء.
فلذلك يجوز يكون في فصل بإحياء علوم الدين أنا أتجاوزه بكامله، لا يتصل بحياتنا اليومية اتصال شديد، ففي
اصطفاء من قِبَل الذي يدرِّس، هذا الاصطفاء مبني على معرفة أن هذا الموضوع له علاقة ماسة بحياة الإخوة
الحاضرين اليومية.
حكم الصلاة داخل الكعبة. اذهب للحج، لا يسمح لك أن تدخل داخل الكعبة، فهذا الشيء مستحيل، أحياناً في
موضوعات بالمياه غير مجدية كثير، بكل بيوتنا في مياه نقية وطاهرة، فالإنسان يجب أن يصطفي، إذا ما اصطفى
يضيع عمره سُدى، لأن الموضوع دقيق جداً.
* * *
الإمام الغزالي يقسم العلوم ـ وأنا هذا الشيء قلته سابقاً ـ إلى ثلاث أنواع: علومٌ بأمر الله، وعلومٌ بمخلوقات الله،
وعلومٌ بالله.
العلم بمخلوقات الله برعت به أوروبا. أخي هذا مختص مثلاً بالأنف، جاره مريض قل له: أنا أنفي هنا فيه ألم.
قال له: أنا مختص بالشقة اليمنى بالأنف، هذه لا أعرف فيها. المبالغة بالاختصاص، لدرجة أن الإنسان يقضي
حياته كله، في فرع دقيق دقيق دقيق من فروع المعرفة يكسب منه قوته، عند الناس هذا عالم، أما عند الله ليس
بعالم، لم يعرف آخرته، لو معه بورد باختصاص معيَّن، أما لما الإنسان يعرف ربه، يعرف لماذا خلقه ؟ يعرف ما
الشيء المجدي في الحياة ؟ لا بد من عمل صالح، لا بد من استقامة، لا بد من فهمٍ لكتاب الله، لا بد من تطبيق
كتاب الله في الزواج، في البيع، في الشراء، إذا عرف هذه المعرفة استفاد من علمه.
إذاً الشيء الذي أود أن أقوله لكم ثانياً: كتابنا المقرر: القرآن الكريم.
(( من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً فقد حقَّر ما عظَّمه الله))
(( وقارئ القرآن لا يحزن))
((من تعلَّم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله، قد يُسأل واحد هذا السؤال: رسول الله ألم يترك تفسيراً لكتاب

الله ؟ لو ترك تفسير لارتحنا من هذه خلافات المفسرين ؟ نعم رسول الله ترك تفسير يطلع حوالي ألف أو

ألفين صفحة، تفسير النبي عليه الصلاة والسلام هو الحديث الشريف. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) ﴾
( سورة النحل: من آية " 44 " )
هذا هو الحديث، إذاً الكتاب الأول الموجز المُعْجِز هو القرآن، كتاب التفسير الأول الذي فَسَّره النبي عليه الصلاة

والسلام الحديث الشريف، هناك فقهاء كبار كالإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، والإمام
المالكي، فهموا فهماً دقيقاً من أحاديث رسول الله واستنبطوا منها أحكاماً في المعاملات، في العبادات، في
الزواج، في الطلاق، في الإرث، هذا هو الفقه.
إذاً لا بد من فهمٍ لكتاب الله، وفهمٍ لحديث رسول الله، وفهمٍ لبعض أحكام الفقه التي نحن بحاجةٍ ماسةٍ إليها، ولا
بدَّ من قراءة بعض سير الصحابة الكرام لماذا ؟ لأنك إذا قرأت سِيَرَهم تأكَّدت هذه القيم الأخلاقية السامية عن
طريق الواقع، أي أن هذا المُثُل العليا أصبحت وقائع عُليا. فالناس إذا قلت له: افعل كذا، لا تفعل كذا. يقول لك:
كفانا مثاليات، الواقع هكذا فإذا قرأت عن الصحابة قصةً ترى أن واقعهم كان مثالياً، لذلك يمكن أن نسمي

المثالية الواقعية فالإنسان بالقصة يرى أن هذه المُثُل قد تجسَّدت، والإنسان يتمنى أن يكون له قدوة بالحياة.. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 21 " )
من هذه المُنطلقات جعلت درسي الجمعة والأحد بين التفسير والتفكير، وبين الحديث والفقه والسيرة. هذه أصول

العلوم الشرعية الكبرى. لكن لا أعرف مدى استيعاب هذه الحقائق عند الإخوة الحاضرين، يا ترى في فهم دقيق،
في استيعاب، في تمثُّل ؟! أم موضوع تباركنا بحضور الدرس، وانتهى الأمر ؟ أنا هذه الكلمات التي لا معنى لها

لا أحبها كثير، كلمة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾
( سورة الملك: من آية " 1 " )
كلمة قرآنية ؛ لكن هذه الكلمة القرآنية العظيمة المقدَّسة، استخدمها الناس استخداماً مفرغاً من مضمونه، فإذا كان

أحب أن يجاملك يقول لك: تباركنا. كيف تباركت ؟ البركة حصلت، الله يبارك فيك، تباركنا سيدنا. هذا كلام ليس
له معنى، ما معنى تباركت ؟ فهل في آية فهمتها وتأثرت فيها، وذكرتها، وطبقتها، ووجدت نتائجها ؟ صح كلامك،
الآن أنت تباركت، إذا كانت قاعدة مثلاً سمعت آية غض البصر، ثاني يوم غضضت من بصرك، دخلت لبيتك
وجدت نفسك سعيد، هذه الشحناء والبغضاء والخصام، وأنك ترى الزوجة بشكلٍ لا يرضيك، وهي تتحدَّاك دائماً
وتستعلي عليك، حينما غضضت بصرك عن محارم الله، دخلت إلى البيت فرأيت زوجتك امرأةٌ أخرى وديعة،
راقت لك في نظرك، بقي الجو بينكما أليفاً، لطيفاً مقدساً، في احترام، في مودة. والله جميل، هذا كتاب الله، هذه
قاعدة من قواعد الحق، الآن تباركت يا أخي، تعلمت آية، وطبقتها، وقطفت ثمارها، الآن تباركت، أما قبل أن
تطبق ليس هناك بركة، هذه بركة موهومة ليس فيها شيء.
فلذلك خطر في بالي أن نعمل لقاء إما هنا أو في جامع آخر، بحسب أنا في عندي ثلاثة رخص في ثلاثة جوامع،
بالنابلسي، والحاجبية، والعفيف، فهذا اللقاء لا يوجد كلام من طرفي أبداً، إجابات من طرفكم، مثلاً نعمل مذاكرة

بدرس الجمعة لنرى كلمة مثلاً: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
( سورة الأعلى )
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
( سورة الأعلى )
ما معنى التسوية ؟ إذا واحد استوعب التسوية، فالكون كله فيه تسوية الشمس فيها تسوية، القمر فيه تسوية،

النجوم فيها تسوية، الماء فيه تسوية، الهواء فيه تسوية، الجبال فيها تسوية، السهول فيها تسوية، الصحارى فيها

تسوية، فوضحت معنى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
( سورة الأعلى )
خلال ثلث الساعة تقريباً، فإذا كنا سألنا أخ، إذا كان عملنا لقاء ثاني فما في من قبلي شيء أبداً، من قبلي أسئلة


فقط، ما معنى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
( سورة الأعلى )
يجوز نسأل:

﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
ما معنى:

﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
ما معنى:

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾
لما لم يقل: سبح ربك الأعلى. لماذا: سبِّح اسمَ ؟! هذه أيضاً وضحتها، وما معنى ربك ؟ ولماذا الأعلى ؟ ماذا

تعني سبِّح ؟ أيْ نَزِّه، كيف أنزِّه ؟ هذا أمر ضمنه في أمر، خذ شهادة، أيْ ادرس، هل عرفت الله كي تسبِّحه ؟
معنى التسبيح التوجيه، معناه الإيجابي التعظيم فإذا كان حصلت مذاكرة في درس الجمعة، ومذاكرة في درس
الأحد، وسؤال عن تفكير الإنسان اليومي في آيات الله الكونية، فإذا كان واحد أحب ينتقل من مستمع.
نحن كنا في الجامعة بالستينات كان في نظام ألغى الآن، نظام مستمع، وطالب نظامي، المستمع ما له شيء، له
حق يفوت يحضر محاضرة، لكن له شهادة خاصة لا تؤهِّله أن يعيَّن بموجبها، أما الطالب النظامي هذا الطالب
يعطى شهادة تؤهِّله أن يعين بموجبها، يخطر ببالي أحياناً أنه بموسم الشتاء الإخوة الحاضرين يزدادوا، أنا أسميت
هذا القسم: زبائن شتوية طلاب العلم شتويين. في الصيف يكونوا سارحين خارج البلد، في الشتاء يقول لك:
والله ما في شيء، الدنيا برد، أحسن شيء على الجامع. العمَّال الموسميين ليس لهم تقاعدية، وليس لهم تأمينات
اجتماعية، لأنه عامل موسمي، أما العامل الدائم له تقاعدية، وله تأمينات اجتماعية فإذا واحد كان مريد موسمي
شتوي مثلاً، مشكلة هذه، نحن نريد مريد دائم، نريد طالب نظامي ليس طالب مستمع.
فإذا كان الله أكرمنا بلقاء، وحاولنا فيه نتذاكر بدرس الجمعة ودرس الأحد والتفكير اليومي، والحديث منكم فقط،
ليس مني، لعل هذه الحقائق تثبت، لعل الإنسان قبل ما يأتي على الدرس يقول: ماذا أخذنا في درس الجمعة. يفتح

المصحف، يتذكر، لعله يجلس مع أخوه يقول له: انظر إلى تلك الآية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
( سورة الطارق )
تكلمت عنها عشرة دقائق، أيْ في موضوعات خلافية بين الناس، المرأة نصف المجتمع، فهل تشتغل، أم لا تشتغل


؟ بهذه الموضوعات، ربنا قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 33 " )
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
( سورة الطارق )
يا ترى إذا كان في ربا بنسبة قليلة، في مانع ؟ لا يوجد مانع ؟ ماله مجمد، لا نخليه مجمد ؟ استفاد، يعطونا


شيء من الفائدة !! ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 276 " )
حقائق.

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر )
إذا الإنسان طبَّق كلام الخبير يستقيم، هذا خبير، كلام ربنا كلام خبير..

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت: من آية " 42 " )
فأنا في طموح بنفسي أن يكون كل واحد منكم عالم، فلست فرحاً أنا أحكي لحالي والكل يستمعوا، ويتأثروا، ولا

يكون في أثر إيجابي بحياتهم اليومية، يجب أن يكون كل واحد منكم أمة، كل واحد خمسين، رقمه خمسين عند
الله عز وجل، فالواحد بين زوجته، وأولاده وأصهاره، وبين إخوانه، وأصدقاؤه، وأحبابه، وجيرانه وزملاؤه
وعدلاته، ومن تعرَّف عليهم ومن لم يتعرَّف عليهم، هؤلاء نسبة كبيرة، إذا كان درس حديث شريف وبلَّغ الناس.
مثلاً، قال عليه الصلاة والسلام:
((الذنب شؤم على غير فاعله))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
والله شيء جميل، كله شؤم الذنب، ليس على صاحبه فحسب بل على غير صاحبه.

(( إن عيره ابتلي به، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
صار في مشكلة ثانية الآن، فلان أذنب، أنت إياك من ذنبه، إياك أن تتكلم عنه وقعت في غيبته، إياك تشمت فيه،

تقع بنفس الذنب، إياك ترضى بذنبه، شاركته في الإثم. هذا حديث يُحكى ؛ يحكى للأهل، للأولاد، للأصدقاء.
فهذه المقدمة أردت منها أيْ أن الإنسان يتطور، قال عليه الصلاة والسلام:
((من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ))
قال عليه الصلاة والسلام:

((المغبون من تساوى يوماه ـ من كان يومه كأمسه ))
وفي ملاحظة ثالثة: إذا كان أخين أو ثلاثة في مصلحة واحدة، جيران، أقارب، التقوا بين بعضهم أثناء الجمعة

لقاء، وتذاكروا درس الجمعة والأحد، ما الذي يحصل ؟ مثلاً واحد لا سمح الله والدته مريضة قعد في درس

الجمعة، وصلت عند قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
( سورة الطارق )
يا ترى أخذ لها هدية، آخذ لها وردة، أم فواكه، هو يفكر، فمرَّت الآية:

﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
( سورة الطارق )
فشرد. إذا كان له جلسة مذاكرة مع صديقه، أو مع أخوه، أو مع جاره بهذا الموضوع، هو غاب عن هذه الآية،


يقول له أخوه: ماذا قال الأستاذ عن آية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
( سورة الطارق )
يقول له.. معناها استجمع كل الموضوع، ففي المذاكرة في فائدة كبيرة جداُ، فإذا كنا نريد الانتقال للاستماع من

طلاب غير نظاميين، من مريدين شتويين فقط، من عمال موسميِّن، إلى طلاَّب نظاميين، إلى طلاب علم حقيقتين،

إلى إنسان يتعلَّم ويعلم: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))
( من صحيح البخاري: عن عثمان)
خيركم. إذا أردت أن تكون، وهذه صنعة الأنبياء، أن تدعو إلى الله عز وجل هذه صنعة الأنبياء، إذا أردت ذلك

فتحتاج إلى أن تذاكر، وأن تقرأ، وتحتاج إلى أن تراجع ما سمعته في درس الجمعة، لا بد أن تجلس مع نفسك

وتفتح المصحف، تكلم عن: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾
والله أشياء جميلة جداً، إذا تكلمنا عن الامتصاص الشعري، تكلمنا على أن كيف أن الشجرة إذا كان منعت عنها

الماء كأن فيها عقل، تتخلى عن أوراقها أولاً، تأخذ ماء الأوراق تتخلى عن الأغصان الصغير تأخذ ماءها فتيبس،
تتخلى عن الأغصان الكبير تأخذ ماءها تيبس الأغصان، تتخلى عن جذعها، ييبس الجذع، حفاظاً على جذرها

الذي هو أصل حياتها، لو ما في خالق كان أول شيء يموت الجذر مكان انقطاع الماء، لكن ربنا عز وجل قال: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) ﴾
من الذي هدى الشجرة أن تسلك في الحفاظ على جذرها هذا السلوك؟ من هدى النحلة من هدى النملة تأكل

رشيم القمحة ؟ إذا كان القمح تخزنه مع الرشيم ينمو، وكرها من تراب وفيه رطوبة، ينمو القمح يخرب لها
عشها، من الذي قدَّر ذلك ؟ نحن إذا كانا نبذل جهد كبير كبير كبير في توضيح آيات القرآن الكريم، والإنسان لم
يراجعها في بيته، ينساها، أما إذا كان فتح المصحف فتحة، ورأى ما قيل، وأحب أن يسجل كلمتين في البيت،
وجلس مع أخوه، مع صديقه، لكي يتذاكروا بهذا الكلام، حتى إذا كان أتى إلى الجلسة الثالثة التي سوف أحدثها

وسألناه عن: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) ﴾
عن معنى:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾
عن معنى:

﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) ﴾
كيف أن الله يكيد ؟

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16)﴾
( سورة الطارق )
الله يكيد ؟ هل يسمَّى الله الكائد ؟ لا، لا يسمى الله الكائد، كيف يكيد ؟ هذه لها تفصيل لطيف جداً، وهكذا.
فإن شاء الله أنا أسعى جهدي أن أختار لكم أجمل ما في الكتب، وأجمل ما قاله المفسِّرون، وأجمل ما فسَّره

المفسرون عن حديث رسول الله، بقي عليكم إذا كان كتاب قيِّم تقتنوه، فأنا أرى أن الكتاب مهما كان ثمنه مرتفاً
هو أرخص شيءٍ في الحياة، السبب:
احضر كتاب استغرق تأليفه، في كتاب نحو، مؤلفه أمضى في تدريس النحو في جامعة القاهرة أربعين عاماً،
خُلاصة خبرته، وعلمه، وتعمُّقه، وفهمه في النحو والصرف ألفه في كتاب أربعة أجزاء ضخمة، أنا أخذته بستين
ليرة قديماً. الآن ثمنه: مئة وأربعين. هذا إذا كانت اللغة عربية اختصاصك فرضاً، ألا تشتري عقل بذل جهد
مضنٍ أربعين سنة، وصبَّه بكتاب بمئة وعشرين ورقة ؟!! رخيص الكتاب وليس غالي، كتاب أحاديث رسول الله
مثلاً عشرة آلاف حديث بخمسة وثلاثين ليرة، ثمنه ثمن غداء واحد، أوقية ونصف لحمة بخمسة وأربعين، بعد
ساعتين أين الغداء ؟ راح. أما هذا الكتاب باقٍ.
إذاً هذه مقدمة وهي طموح من قبلي إلى تطوير الإخوة الحاضرين من مستمعين إلى منتجين، من متعلِّمين إلى
علماء، من مهديين إلى هاديين، اللهم اهدنا واهد بنا.ـ هكذا الدعاء ـ ولما أنت ترى شخص أثر فيك، واستقام بعد
توجيهك، وصلى صلاة صحيحة، وصارت له وجهة إلى الله عز وجل، وأخلاقه سمت، هو وزوجته وأولاده،
يمكن تأتيك سعادة لا يعلمها إلا الله !!
ألا تقولون أنتم في الأوراد: اللهم صلِّ على أسعدنا محمد ؟ ما معنى أسعدنا ؟ أي أسعد خلق الله قاطبةً، وإذا
دعوت إلى الله فأنت تعمل عمله، صنعتك من صنعته، لذلك شعور الذي يدعو إلى الله بأن الناس استفادوا منه،
واستقاموا على أمر الله، وتمثَّلوا كتاب الله، وفهموا سنة رسول الله، هذه شعور لا يوصف.
أقول لك أنا مرة قرأت أربع كلمات في مجلة مترجمة، تركت في نفسي أثر كلمات إذا أردت أن تسعد فاسعد
الآخرين .
تجلس مع شخص ممل، متشائم، منقبض، يقرف ويقرِّف، تكون حالته المادية جيدة، ومعه شهادات عُليا، لكن كونه
أناني يستقطب ذاته في كل شيء، يحب نفسه فقط، هذا إنسان لا قيمة له. تجلس مع إنسان آخر يحب الآخرين،
يحب أن يهديهم، يقول لك: والله جلسنا ساعة لم نشبع منه، انبسطنا كثير، فلماذا انبسطت كثير ؟ لأنه غيري ليس

ذاتي، ليس يبحث عن ذاته، يبحث عن سعادة الآخرين. فمن هذا المنطلق أريد إن شاء الله تعالى أن نرتقي. (( من لم يكن في زيادة فهو في نقصان))
(( المغبون من تساوى يوماه ))
كل إنسان يحاسب نفسه.

((حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُو))
( من سنن الترمذي: عن " شداد بن أوس " )
فإذا واحد ذهب إلى المدرسة، ولبس هذا اللباس النظامي المدرسي أو لبس لباس جامعي، في لباس موحد، أين

ذاهب ؟ على الجامعة. من أين أتيت ؟ من الجامعة. أول سنة بالجماعة، الثانية بالجامعة، الثالثة بالجامعة،
الرابعة بالجامعة. معنى ذلك أنك ستتخرج مدرس أو طبيب، بعد عشرة سنوات أخي لم تأخذ شهادة ؟ لا والله لم
آخذ شهادة. محسوب على الناس أنك طالب جامعي، أين الشهادة ؟
أما إذا كان طالب جامعي فعلي، بالأخير طبيب، تفتح عيادة، تختص بالقلب يأتي عندك مريض،
تشغل الجهاز دقيقتين، يطلع شريط طويل في عليه حركات. أأمر ؟! والله مئة وخمسة وسبعين، مئة تخطيط
والباقي معاينة، عشرين زبون تأخذ باليوم ألفين ليرة، إذا طالب جامعي في بالعشي خمسمئات، أما رحنا على
الجامعة، وأتينا من الجامعة، ولم نأخذ شهادة ماذا استفدنا ؟
فإذا واحد جاء على الجامع، وراح من الجامع، والله في عندي درس بالجامع. بارك الله، الله ينفعنا ببركتك. من
أين أتيت ؟ كنت بالجامع. أهلاً وسهلاً. إلى أين ذاهب على الجامع. بعد عشرة سنوات ماذا حصل معك ؟ أنت
أنت، لم نستفد، لكن بعد عشرة سنوات هديت عشرة، أنت سعيد، أسعدت الآخرين، عرفت ربَّك، عرَّفت الناس
بالله عز وجل، كنت كوكب دُرِّي، صرت إنسان مصدر سعادة الآخرين، والله شيء جميل، معنى هذا أن الجامع
أثمر، على كل حال الجامع مذكَّر الجامعة، الجامع مُذَكَّر والجامعة مؤنَّث، وتعليم الجامع خيرٌ من تعليم الجامعة.
* * *
لا زلنا مع إحياء علوم الدين ومع فصولٍ مختارة من هذا الكتاب.
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال:
(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ))
( من سنن ابن ماجه: عن أنس بن مالك )
دائماً افهم المعنى اللغوي للكلمات. أنا أقول لك: تنفُّس الهواء فريضة. هل فهمت معنى الفريضة ؟ تنفّس الهواء

فريضة، شُرب الماء فريضة، أكل الكرز ليس فريضة. فما معنى أكل الكرز ليس بفريضة ؟ تعيش من غيره ولا
يحدث شيء، ولا نشتريه إذا كان غالي الثمن، أما تنفس الهواء فريضة، تناول الطعام فريضة، شُرب الماء

فريضة، قال عليه الصلاة والسلام: (( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ))
أي أن من دون هواء يموت الإنسان، من دون ماء يموت، من دون طعام يموت من دون علم تموت نفسه، قال


تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
( سورة النحل: من آية " 21 " )
ميِّت ليس فاهم شيء، واقع بالحرام، ماله حرام، مُنحرف، بيته مسيَّب زوجته تقوده إلى جهنم، تجارته تقوده من

بابٍ آخر إلى جهنم، يدخل جهنم من أبوابها كلها، فجهنم لها سبعة أبواب، يقول لك: فما في أنا، ماذا ناقصني ؟ أنا
مؤمن أكثر منك ؟! لأنه لم يحضر مجلس علم.
واحد والله ذكر لي بالغرفة بعد الخطبة قصة من ثماني سنوات وصار يبكي، قال لي موضوعي كبيرة جداً. ما
قصتك قل لي، خير ؟ إذا كان رجل يبكي فليس ها الشيء سهل، أنت تقبل بكاء طفل، قد يكون زعبرة، تقبل بكاء
امرأة ؛ المرأة تبكي وتبقى مكانتها هي هي، أما إذا كان رجل بكى !! طبعاً بكاء العاشقين هذا لوحده، هذا يرقى
لأعلى عليين، دعونا من بكاء العاشقين فهذا نادر الآن، أما رجل يبكي لأمور الدنيا، ما القصة ؟
قال لي: عندي زوجة، وأنا لا أعرف، في عندنا جار صار يدخل لعندنا أكثر من سنتين، وأنا أحضر من عملي،
وآكل الأكل المعد لي، وأغط في النوم، في مرة الكأس لم أشربه، ودخل جارنا لعندنا، وعندي منها خمسة أولاد،
وهي تخونه من سنتين، كل يوم، كل يوم وهي تسقيه مادة مخدرة.
قلت له: من أين تعرفت على جارك هذا ؟
قال: والله أنا أدخلته على البيت هذا جارنا، قلت له مرة: تفضل لعندنا، أم فلان هذا مثل أخوك تعالِ.
مثل أخوها، هو أمرها لكي تسهر معهم، هذا لو كان حاضراً مجلس علم هل يفعلها ؟ لا، لا يفعلها، هذه بالعلاقات
الاجتماعية.
بالتجارة، كل غلطة يرتكبها التاجر، يفلِّس من ورائها، يكون عمله غير شرعي واحد أخذ له كذا مليون، ضرب

أخماس بأسداس، يأخذ قرض بفائدة، يشتري بضاعة، يأخذ رعبونها، ويبيعها، يربح مليونين ثلاثة. لكن الله قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
( سورة البقرة: من آية " 276 " )
قال:

﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
( سورة البقرة: من آية " 279 " )
باع سيارته، وباع أول بيت بالمَيْسات، وباع ثاني بيت، وباقي عليه خمسة ملايين وهو مفلِّس، وباع معمله كذلك،

اقترض خمسة عشرة مليون كي يربحوا خمسة ملايين، فبيعوه المعمل والبيتين والسيارة ومازال عليه خمسة
ملايين. هذا لو كان حاضر مجلس علم كان حصل معه ذلك ؟ لا لم يحصل هكذا.
وواحد ثاني أتى من الكويت معه حق بيت ثمنه مئة ألف، أعطاه لشخص قال له خليهم معك. أعطاهم لعمه أبو
زوجته، هذا عمه لا يوجد عنده دين، أخذهم ووضعهم بالبنك باسمه. أين المصاري ؟ ليس لك عندي شيء، هذه

ضمانة للمرأة. أنتم أخذتم متأخر ومهر وكل شيء. لا. فهل كتب لك إيصال بذلك ؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾
( سورة البقرة: من آية " 282 " )
وواحد ثاني اتفقوا شغلة تسوى عشرة آلاف، أخذوها شراكة بينهم، صار ثمنها ستمئة ألف، قال له: ما لك عندي

شيء خذ هذه عشرة آلاف. لم يكتبوها، هذا العقد لم يكتبوه لو كان حاضر مجلس علم هل صار معه ذلك ؟
أنا أسمع فجائع، أسمع مصائب كبرى بسبب الجهل، فطلب العلم سُنّةٌَ أم فريضة فريضة. ليس لك خيار، إيَّاك
أن تظن أنك صاحب مصلحة لماذا أكون عالم ؟ هذا العلم فرض عين على الناس كلها، مين ما كنت كن ؟

طبيب، مهندس، صاحب مصلحة، نجَّار، لحَّام هذا فرض عين على كل إنسان. (( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"))
( من سنن ابن ماجه: عن " أنس بن مالك " )
اختلف الناس في هذا العلم. بعضهم قال: علم الفقه، إذ به يعرف الحلال والحرام.
هذا الكلام فيه شيء من الصحة، وليس فيه الصحة كلها.
وبعضهم قال: علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها. وبعضهم قال والصوفية قالت: علم الإخلاص

وآفات النفوس.
والفلاسفة قالت: علم الفلسفة.
الفلاسفة قالوا: الفلسفة. الصوفيين: علم الإخلاص. المفسرون: علم الكتاب. الفقهاء: الفقه. المحدثون: علم
الحديث. صار في اختلاف، كل هذه الأقوال صحيحة جزئياً والصحة المطلقة أن تأخذ بها جميعاً لأنها علوم يُكّمِّلُ
بعضها بعضاً.
فإذا الإنسان أمضى كل حياته بفهم أوسع كتاب بالفقه، وما عمل عمل صالح، وما تعرف إلى الله عز وجل، ما
استقام على أمره، هل أفلح ؟ لا لم يفلح. هذا الكلام فيه جزء من الصحة وليس الصحة كلها.
لكن الإمام الغزالي يقول: والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه. العلم المُجدي زائد مجموعة أعمال تقوم بها كل
يوم، زائد مجموعة أعمال تنتهي عنها كل يوم. فإذا فعلت ذلك فقد نجحت وأفلحت.
هذه العلوم فرض عين كما أقول لكم، لا أحد يقول: أنا معفى منها. فرض عين أما فرض الكفاية: فهو كل علم
كل علمٍ لا يستغنى عنه في قوام العلوم الدنيا، كالطب، الطب فرض كفاية، فإذا لم يتعلم المسلمون الطب أثموا
جميعاً، فإذا تعلم الطب بعضهم رفع عنهم الإثم هذا معنى فرض كفاية.
والحساب، فهذه العلوم لو خلا بلدٌ عما يقوم بها لأثم أهل البلد كلهم، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن
الباقين، أما التعميق في دقائق الحساب، ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلاً لأنه يستغنى عنه.
طبعاً في تعليق على هذا الكلام، الآن لا بد من التعمُّق، كان فيما مضى يستغنى عن التعمُّق، الآن الأمور معقدة
جداً لا بد من أن تتعمق، صار التعمق بهذا العلوم يجب أن يكون فرض كفاية.
العلم قد يكون مباحاً كالعلم بالأسعار التي لا تخفى فيها، وتواريخ الأخبار، علم التاريخ مباح، علم الجغرافية مباح،
الأدب العربي غير السخيف غير الساقط مباح تعلُّمه، وقد يكون بعضها مذموماً كعلم السحر والطلسمات
والتلبيسات، أما العلوم الشرعية فمحمودةٌ كلُّها وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ ومقدِّماتٍ ومتممات، فالأصول كتاب
الله تعالى، كتاب الحياة، هذا كتابك المقرر طوال الحياة، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله
إلا هو، آية تقرأها ألف مرة لا تحس إلا أنها جديدة، وكل مرة الله عز وجل يكشف لك طرف من معناها كل

مرة، إذا قرأت كتاب الله اقرأ معه هذه الآية: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109)﴾
( سورة الكهف: من آية " 109 " )
كل واحد منا يعرف الألم والدواية، إذا عنده دواية " بلكان "، وكان طالب جامعي تكفيه سنتين، يعبي فيها

مسودات خير الله، كما يقولون، يقول لك: انظر هذه كلها دفاتر السنة الثالثة كلها، كلها بالحبر الأزرق، وهذه
السنة الرابعة، كلها من دواية حبر، الذي عنده لتر حبر، لتر بليكان، فماذا تكفيه هذه ؟!! من وقت ما يبدأ بالكتابة
إلى آخر صف بالجامعة، لتر حبر يكفي الطالب منذ أن يبدأ بالكتابة وحتى آخر صف في الجامعة، يمكن هذا اللتر
لا يخلص كله، ليس فقط لطالب بل يكفي لخمسة شباب، إذا في عنده مستودع متر بمتر من الحبر اشترى
مستودع متر بمتر وعبَّأه بالحبر، هذا إلى أين يكفيه ؟ هذا يكفي الأسرة كلها ولعشرة أجيال، إذا في عنده
مستودع تحت الأرض خمسة أمتار مكعبة، مئة متر مكعب حبر، إذا في عندنا نهر بردى حبر، كله حبر، إذا في

عندنا بحيرة قطينة كلها حبر، فهذه ماذا تكفي ؟ تكفي أبناء القطر ليوم القيامة. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾
( سورة الكهف: من آية " 109 " )
لو كان البحر كله حبر، لتفسير كلمات الله..

﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) ﴾
فهذا الكتاب كتاب العُمر، اقرأ سورة لكن بإخلاص، هذه المرة الواو، هذه المرة الفاء، هذه المرة التقديم، التأخير،


التنكير، التعريف، الإيجاد، التفصيل، كلما قرأت كتاب الله، يمكن كلمة: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾
أعتقد أنه يكتب عندنا ألف صفحة، كلمة:

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾
يحكى عنها ألف صفحة.
فلذلك أما العلوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى: أصولٍ وفروعٍ، ومقدماتٍ ومتممات. فالأصول كتاب الله

تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والفروع ما فهم من هذه الأصول، من معانٍ تنبَّهت لها العقول حتى

فهم من اللفظ الملفوظ وغيره، كما فهم من قوله: (( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))
( من سنن ابن ماجه: عن " بكرة عن أبيه " )
هذا قول لسيدنا رسول الله :
(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ))
بعض العلماء استنبط من القول: لا

يقضي القاضِ وهو جائع كذلك، لأن أثر الغضب مشابه لأثر الجوع إذا واحد جائع ولم يأكل صباحاً، ويريد أن
يفصل القضية الساعة الثانية، لم يعد يدقق بالدعوة نرفز من أحد المدعيين، إذاً استنباط.
والمقدمات هي التي تجرى مجرى الآلات، كعلم النحو، والصرف، واللغة، فإنها آلات تعد كالمُقدمات لفهم كتاب
الله، ومتممات كعلم القراءات، وتجويد قراءة القرآن، ومخارج الحروف، والعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم
وأحوالهم فهذه علوم متممات.
في عندنا أصول ؛ كتاب الله وسنة رسوله. في عندنا فروع ؛ ما فهم من كتاب الله. في عندنا مقدمات ؛ كعلم
اللغة والنحو والصرف. في عندنا متممات ؛ كعلم القراءات والتجويد ومخارج الحروف وما شاكل ذلك هذه علوم
شرعية كلها.
وسوف نفصل الحديث عن بعض العلوم الأخرى في الدرس القادم إن شاء الله تعالى فسبحان الله هذه المرة
الرابعة أحاول أن أقرأ لكم قصة صحابي جليل والوقت لا يتسع لذلك، إن شاء نعود إلى سيرتنا الأولى في قراءة
قصةٍ في كل درس.
الذي طرحته في أول الدرس أتمنَّى أن يكون في قلوبكم موضوع اقتناء الكتب التي أدرِّسها، ومراجعة هذه
الأحاديث تغني عن الكتابة، بدلاً من الكتابة كتاب عندك بالبيت تفتحه، ماذا أخذنا اليوم ؟ ومحاولة نشر هذا

العلم. (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))
( من صحيح البخاري: عن عثمان)
وإن شاء الله أبلغكم في وقت آخر عن درس مذاكرة، والذي يحب أن يكون طالب نظامي يأخذ شهادة، يستفيد من

علمه، فقد صار في سؤال وجواب، صار يريد أن يراجع درس الجمعة، ويراجع درس الأحد، ويفكر تفكير
صباحي يومي، يعمل مذاكرة مع إخوانه أربعة أو خمسة حسب القرابة أو المكان، لحتى يكون أهل يجاوب
بالدرس الذي هو كله لكم وليس لي.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:48 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 09 : العلم : أهمية تطبيق ما يتعلم الإنسان من العلم وتبليغه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-11-18
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة... انتهينا من موضوعات الصلاة والصيام والحج والزكاة، طبعاً ثم أخذنا موضوعاتٍ كثيرة في المعاملات ؛ كالوكالة، والمزارعة، والمساقاة، وأشياء كثيرة. واليوم ننتقل إلى بعض الموضوعات في التوحيد..
ولكن قبل الخوض في هذه الموضوعات، لي كلمةٍ أجد نفسي مضطراً أن أقولها من حينٍ إلى آخر:
قد يشبَّه الرجل الذي يكثر حضور مجالس العلم، والذي يتَّبعها من مكانٍ إلى آخر، ومن مسجدٍ إلى آخر، وينتقل من خطيبٍ إلى آخر، ومن مدرسٍ إلى آخر، ويستمع، ويطرب ويستمتع، ويعجب، ويثني، ويدعو، لكنه إن لم يطبِّق مثله كمثل تاجرٍ اشترى بضاعةً، وجهد في شرائها، ثم جهد في نقلها، ثم جهد في عرضها، ثم جهد في بيعها، ثم جهد في شحنها، ثم جهد في جمع مالها، وبعد مضي سنتين أو ثلاثة أجرى حساباته الدقيقة فإذا هو لم يربح شيئاً، ألا يتألَّم ألماً شديداً على هذا الجهد المضن الذي بذله بلا ربح ؟.
لم أقل هذا الكلام من دون سبب، أناسٌ كثيرون يحضرون معنا ولكنهم لا يلتزمون نساؤهم على الشرفات ليسوا محجبات، أجهزة اللهو في البيوت، الاختلاط من عاداتهم، بعض تعاملهم التجاري ليس صحيحاً، بضاعتهم أحياناً محرَّمة، أي إذا جئت إلى عندنا ـ ونحن والله نرحِّب بك، وأتمنى أن تأتي ـ ولكن في حقائق مرة، حقائق صارخة إن لم تطبِّق فلا شيء في الدين، تداوم شهر وشهرين وثلاثة، وسنة وسنتين وثلاثة، بعد هذا تقول: كله كلام بكلام. لأن الطريق مسدود، الإنسان إن لم يطبق ما في أمامه حل.
فأنا والله أشفق على أوقاتكم من أن تضيع سدى، أشفق والله على عمركم الثمين، والله لو تعرفون حق المعرفة أن كل دقيقةٍ تمر في الدنيا تعدل الملايين، كل دقيقة، لأنها فرصةٌ لسعادة أبديَّة، والله حضور مجالس العلم لا يجدي، كانوا قديماً شيوخ الطريق يقولوا للمريد غير الصادق، يعطونه امتحان قاسٍ، إن لم ينجح فيه يقول له: يا ولدي فتوحك على غير يدنا. أي أنه أسلوب لطيف من أساليب الرفض، بعض الشيوخ يقول: إذا واحد ما استقام، ما فكَّر، ما كان له عمل صالح، ما كان مصلي صلاة متقنة لا يأتي إلينا، لأنه إذا بقي الصادقين نتفاهم مع بعضنا أحسن. فهذا الذي والله يحيك في قلبي. فأنا أخ يعطيني دفع إلى غير حدود، وأخ يثبِّط لي عزائمي، المطبق، أنا أقدم كل ما أملك في سبيل هذه الدعوة أجد نفسي مقصراً، وغير المطبق أشعر بنداء داخلي انظر كيف هؤلاء التلاميذ، كيف هذه المستويات ؟ ما في صدق، ما في التزام، ما في تطبيق.
فهذا الكلام من القلب للقلب، لا أستطيع أن أتكلَّمه باستمرار فتملوا، لكن من حين إلى آخر أتكلَّم فيه، الإنسان يراجع حساباته، لابدَّ من نزول القبر، لابدَّ من الحساب، لابدَّ من دفع ثمن كل معصية، لابدَّ من أن يقال لك: لمَ فعلت هذا ؟ لمَ ظلمت فلان ؟ لمَ خالفت أمر الله ؟ لمَ عصيت ؟ هذا حساب دقيق.
فكيف النبي الكريم وأصحابه الكرام فتحوا العالَم ؟ كيف كان الواحد كألف ؟ بهذه الاستقامة التامة.
يوم الجمعة أثناء الخطبة، أنا أقرأ آية بالصلاة كثيراً لأنني أحبها، لكن سبحان الله القرآن لا يبلى على كثرة الترداد، قلت:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
( سورة فصلت: من آية "30 " )
أي أن هذا التلازم، لمَ هذا التلازم ؟ أي أنه من علامة إيمانك الصحيح استقامتك، ولا قيمة للإيمان بلا استقامة..

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
صار الإيمان له علامة، أو له نتيجة، علامته أو نتيجته الاستقامة، ماذا بعد الإيمان ؟

﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
فهل توجد حالة بالأرض تعادل هذه الطمأنينة ؟ أشد الناس الآن طمأنينةً يطمأنون بماضيهم وفي لحظتهم الراهنة، ولكن لا يدري أحدهم ماذا سيكون في المستقبل، لكن هذا الذي آمن بالله واستقام على أمره..

﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
هذه تغطية شاملة للماضي والمستقبل، لا تخافوا من المستقبل، ولا تحزنوا على ما فات..

﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾
هذه مرتبة، هذه مرتبة النجاة، هذه مرتبة الاستقامة، هذه مرتبة الإيمان مع الاستقامة هذا الإنسان لا يغش يصل إلى الجنة، لكن في مرتبة أعلى منها..

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾
( سورة فصلت: من آية " 33 " )
ما في مع الدعوة استقامة، فالاستقامة بديهية، في مع الدعوة عمل صالح..

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾
فالنظم رائع جداً، كما أنه لا يجدي إيمانٌ بلا استقامة، لا تجدي دعوةٌ بلا عملٍ صالح..

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾
أي أن عمل يقود الإنسان إلى النار، وعمل آخر يقوده إلى الجنة، وشتَّان بين الحالتين..

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
سبحان الله ! والله قرأت هذه الآية آلاف المرات وما كنت أنتبه لهذا السياق، لم يقل الله عزَّ وجل: ادفع السيئة بالحسنة. بل قال:

﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
أي إذا كان رد الجميل بمئة طريقة حسنة ؛ عليك أن تختار أحسنها، فأين نحن من هذه الآيات في سورة فصِّلت، هل أنت في مقام الإيمان والاستقامة، أم في مقام الدعوة والعمل الصالح ؟ لابدَّ من أحد هذين المقامين، الحد الأدنى الاستقامة، الحد الأدنى أن تعرف الله وأن تستقيم على أمره، والأرقى من ذلك أن تدعو إلى الله وأن يكون عملك صالح.
ففي ناس كثير يغبطونا على هذا المجلس، مجلس يكون في عليه إقبال، في كثافة، في أشخاص كثيرن يأتون من أطراف دمشق يحضرون هذا المجلس، والله أنا أفرح بهذا، وصدري ينشرح لهذا، لكن حينما أرى أن هذا الحضور فقط حضور من دون التزام هذه ظاهرة لا تبشَّر بخير، حتى الإنسان لا يقول: أخي والله حضرنا خمس سنوات ولم نستفد شيء، فأحياناً الإنسان يترك المجلس لسبب تافه، تافه جداً، فإذا واحد ما تمكَّنت أعزيه بوفاة والدته لم يعد يأتي أبداً إلى الدرس، فكل هذا الله رخيص عليك ؟ من أجل سبب تافه لم يعد يأتي ؟ أنا ما عندي علم أصلاً أو ما بلغني خبر، أو كان عندي أعمال فوق طاقتي، لا يأتي على كل الدرس.
أنا شبَّهت واحد يعطيك سيارة ثمنها نصف مليون ليرة، نظر فوجد المرآة تخض قليلاً، لا أنا لا آخذها، ببلاش خذها، غير لي هذه المرآة، إنسان يرفض الحق لسبب تافه ؟ فمن يدعي العصمة ؟ العصمة للأنبياء، ما سوى الأنبياء يخطئ ويصيب، لا يكن ارتباطك بالمجلس ارتباط على شعرة، على كلمة، على كلمة خرجت عن المنطق، لا نريد، هذا ارتباط ضعيف ليس له قيمة، شرعاً لا يجوز.
فنحن نقوم بالتدريس تقريباً حوالي عشر سنوات، أمضينا عشر سنوات بالفقه ؛ الصلاة والصوم والحج، والبيوع، والمعاملات بأكملها، بالمعاملات أخذنا حوالي ستمئة صفحة، بحث النكاح فقط ثلاثمئة وثلاثين صفحة، الكلمات الرئيسة، أخذنا موضوعات كثيرة، يا ترى أين التطبيق؟ رغم كل هذه الموضوعات تجد هناك مخالفات. فهذه الكلمة والله أقولها لكم من القلب إلى القلب توفيراً لوقتكم، وإشفاقاً على جهدكم، وعلى هذه المسافة الطويلة التي تتجشمون الوصول إليها.
فالقصة المبسطة سيدنا عمر التقى ببدوي..
قال له: بعني هذه الشاة.
قال له: ليست لي.
قال: خذ ثمنها وقل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب.
قال له: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟
فكل القصة المبسطة على الحقيقة ثلاث مراتب، لو كان في علوم شرعية، لو ما أتقنتها لكنك أتقنت هذا الموقف أن تقول: أين الله ؟ فأنت جيد.
الإمام الغزالي قال:
((أنا تعلَّمت علوم غير نافعة، أو قد لا تجديني نفعاً في الآخرة))
لو الإنسان أتقن علم من العلوم الشرعية فماذا صار ؟ في أذكى منه، الآن جامعة السوربون تمنح دكتوراه في الشريعة الإسلاميّة، الأستاذ نصراني، يعطيك دكتوراه في الحديث الشريف في دكتوراه بأصول الفقه من السوربون، في كلية شريعة هناك تمنح دكتوراه في العلوم الإسلامية هذا الذي منحك دكتوراه صار مؤمن ؟ هذه ثقافة، دراسة، فإذا الإنسان درس شيء، وأتقن شيء، وتعلَّم شيء، وعلَّم شيء، وما اهتدى، وما استقام، وما عرف الله عزَّ وجل، وما سلك إليه سبيلاً، ما قدم للآخرة، هذا كلام يقولون عنه كلام مليان، الواحد يراجع نفسه، ينظر إلى حساباته، يحاسب نفسه حساب دقيق، أما الحركة، يقول بعض العلماء: " في حركة وفي تقدم أحياناً في إنسان يتحرك، يقول لك: مكانك راوح. حركة لكن ما في تقدم، أسمع زعزعةً ولا أرى خشماً، مثل المثل الذي قلته قبل قليل تماماً: بعنا، اشترينا، وشحنا، وفضينا الطرود أخذنا متراج جاهزة، ووضعناه في مستودع، وعرضنا مساطرته، وأمَّنا البائع، وأحضرناها ومكر جناها، وشحناها، ولمينا ثمنها، وبعد سنتين لا يوجد ربح أبداً، تقول: يا خسارة هذا التعب، لو ما اشتغلت وقعدت في البيت كان أريح لي.
لكي لا يؤدي الإنسان عمره سُدى، العمر ثمين، تلاحظوا كيف أن الناس تتساقط تساقط فلان مات. والله عندي علبة فيها كروت زيارات كنت أتفحصها من يومين، والله هناك ستة ست أشخاص ميتين، أين هم؟ من يعرف أين هم ؟
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء )
لذلك لابد أن نفرق بين الثقافة والهُدى، الثقافة هذه المعلومات تبقى في الدماغ، لكن الهدى استنارة القلب بنور الله، هذه تحتاج إلى استقامة، إلى مجاهدة، أنا مثلي الأعلى ذلك البدوي الذي قال: أين الله ؟ لو ما أتقن بعض العلوم الشرعية وقال: أين الله. هذا عندي على العين والرأس سيدنا هارون ما كان، من الله أرسل ؟ سيدنا موسى، قال:

﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي﴾
( سورة القصص: من آية " 34 " )
فهذه القضيَّة ليست بالفصاحة، أبو جهل كان فصيح..

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾
( سورة المسد )
أما بلال يقول: أسهد أن لا إله إلا الله، ما عنده إمكان أن يخرجها، فقال سيدنا رسول الله:

((سين بلال عند الله تعالى شين ))
( من كشف الخفاء )
أي أن سيدنا بلال لا تخرج معه الشين، حاول حاول ولم يستطع، قال: أسهد أن لا إله إلا الله. النبي الكريم قال:

(( سين بلال عند الله تعالى شين ))
( من كشف الخفاء )
إنما التقوى هاهنا، العبرة بهذا القلب، يعرف الله عزَّ وجل ؟ يخشى الله ؛ أم إذا انفرد بحرمات الله انتهكها ؟ إذا انفرد الإنسان بحرمات الله فانتهكها فلا قيمة له عند الله إطلاقاً، لا شأن له عند الله..

(( من لم يكن له ورعاً يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ))
البطولة أن تكون عند الأمر والنهي، هذه البطولة..

وما مقصود جنـات عدنٍ.. ولا الحور الحسان ولا الخيام
سوى نظر الحبيب فذا مناهم .. وهذا مطلب القوم الكرام
* * *
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
ولذ بحمانا واحتمي بجنـابنا .. لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *

أنت تتعامل مع الله، غش معه ما في إطلاقاً، كثير من كلمات التلبسة في الدعوة، كلمات مضحكة، أما الإنسان يكون له مظهر معلن جيد، ومخبر سيئ هذه زعبرة يا أخي، هذا ليس بدين، الدين أن تخشى الله وأنت وحدك كما تخشاه وأنت في ملأٍ في الناس، الدين ؛ لابدَّ للمؤمن من أن يصلي، ولكن الصلاة وحدها ليست من الدين.. (( من شاء صام ومن شاء صلى ))
في التعامل المالي، في التعامل التجاري، في الأسواق أين بصرك؟ اقترب واحد له له زي ديني من شخص منشد همس بأذنه وقال له: إذا الواحد ما بيسمع غناء حمار. صار الدين غناء، إذا كان إنسان فنان، ما معنى فنان ؟ أي يطرب إلى المغنيات والمغنين الأحياء منهم والأموات، له مجالس طرب، أنا قلت مرة كلمة: والله الذي لا إله إلا هو لا يجتمع في بيتي بني آدم قرآن وغناء، وإذا اجتمعا ففي القرآن كاذب، ففي الغناء صادق، وفي القرآن كاذب، الغناء ينبت النفاق، أنت مؤمن، أنت من فئة مختارة.

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 23 " )
أسمعك الحق الله عزَّ وجل، فأين أنت من هذا الكلام الذي تسمعه ؟ هل أنت مقتنعٌ به ؟ إذا مقتنع فأنت مقتنع، غير مقتنع، أخي أنا ليس مقتنع بكلامكم، فإما اترك المجالس، أو اطلب استماع الحق، خذ مواقف واضحة، هذه المواقف الضبابية، هذه المواقف الاستسلامية، أي وأتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، معظم المسلمين هكذا، يقول لك: نحن عبيد ضعفاء شهواتنا غلبتنا ماذا نفعل ؟ نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، الله لا يمتحنا، الله يعفو عنا الله يغفر لنا، ربنا غفور رحيم، إن شاء الله لن يحاسبنا على أعمالنا ـ كلام ـ اللهمَّ لا تسألنا عن شيء. فكيف ذلك وربنا قال:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر )
فهل نعطل هذه الآية ؟ أو نصحح الآية ؟ لا تسألنا عن شيء، خالق كل شيء ورب كل شيء، لا تسألنا عن شيء، ما هذا الكلام ؟ هذا خلاف الدين، هذا دعاء خلاف الدين.
فالمقصود من هذه الكلمة التمهيديَّة أن الإنسان يعمل حساب، حتى إذا كان استقام استقامة تامة، وسلم وجهه إلى الله عزَّ وجل، يقول للذي يعلمه: الله يجزيك الخير، والله استفدنا، والله دخلنا الجنة، والله توفقنا في الدنيا، ولا شعرنا بسعادة، واطمئن قلبنا، والله استقريت، والله نحن سعداء بذلك، ونحن لا نريد الدنيا نريد الآخرة، ففي بالدنيا ملوك يأكلون ما لذَّ وطاب، لكن المؤمن والله ملك من ملوك الآخرة، أنت موعود من رب العالمين..

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ﴾
( سورة القصص: من آية " 61 " )
إذا واحد بالطريق السيئ قال: غداً أتوب. فهل غداً بيدك ؟..
((من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت))
غداً بيدك ؟ لا هو ليس بيدك، فهذا الكلام يدعو إلى التفكر، هذا الكلام يبعث الهم أحياناً في النفس، لأنني أضعك أمام مسؤوليات، وإذا واحد مثلاً معه مرض عُضال قال له الطبيب: هذا البيت العالي لا يصلح لك. تجده ماشي مثل الصفنانين ( مستغرق في التأمل )، كيف أبيعه وهل سأجد بيت أرضي بنفس السعر ؟ وربما لن يباع معنا، والله الأسعار غالية، يا ترى أبيع بيتي وبعدها أشتري ؟ فرضاً رُفعت الأسعار بعد ذلك فضاع بيتي بنصف سعر ؟ نفتح فيها اعتمادات، وأجلب بضاعة أبيعها وأربح فيها عشر ملايين، هذه خطر، فلو باع بيت أو باع جزء منه، وقع في بخسارة، عنده بيتين بالميسات باعهم، باع سيارته، باع الآلات ومازال عليه أربع ملايين ليرة، أنت ألا تؤمن بالقرآن ؟..

﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 279 " )
واحد ثاني كذلك باع بيته، وباع سيارته، باع محله ووضعه بالمصرف، باسم واحد فقط ليومين ثلاثة، هذا الواحد خلال يوم فقط كل ثروته، لأنه قال: أضعهم بالمصرف وآخذ أرباحهم وفائدة الربح بالمئة ثماني عشرة، إذا كان يحضر مجالس علم هذا العمل فيه بركة..

(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له))
إذا الإنسان كان تعبان بالشغل الحلال بات مغفوراً له. فوالله الذي لا إله إلا هو حضور مجالس العلم أضر من الطعام والشراب، فإذا واحد ما أكل، أو أكل قليل يكون هو الرابح أحياناً يأكل تفاحة، يأكل أكلة ويقول لك: مضيتها ومشي الحال، لكن إذا الإنسان ما حضر مجلس علم فمعنى ذلك أنه معرض لأن يتورَّط ورطة كبيرة.
إذا كان بالزواج يتورَّط أحياناً، إذا كان بالطلاق يتورَّط، إذا كان بتزويج ابنته يتورَّط إذا كان بالتجارة يتورَّط. أنا أقول: كل شيء فيه لغم، إذا الواحد ما كان مهتدي ما كان معه بصيرة كل شيء فيه لغم يمكن ينفجر فيه. فأحياناً الإنسان يغلط غلطة فيُذهب كل ثروته، يغلط غلطة يخسر زوجته الصالحة، يغلط غلطة فيأتيك صهر يحرق قلبك، غلطة واحدة، عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحق والباطل. الصهر خطب البنت، شيء جميل، يريد أن يراها، ما شي الحال رآها، يريد أن يمتحن أخلاقها، استقبلناه، أحب يأخذها مشوار راحت معه فالقضية كم يوم، وبعد ذلك تركها طلعت حامل منه، تعال ودبر حالك، هذا جهل أحياناً الإنسان يحضر صهره على بيته ويقول: هذا صار منا وفينا، هذا صار في أهل وهذا ما في أهل هذا كله كلام فاضي هذا، كل هذا خلاف الشرع هذا ليس في الشرع، تقع فجائع أخلاقية مثل انفجار لكن بطريقة أخرى.
لذلك الإنسان إذا كان مخير يأكل أو لا يأكل، أنا أعتقد ليس بمخير يحضر مجلس علم أو لا يحضره، يعرف شيء من كتاب الله، يعرف حديث رسول الله، يعرف أحكام الفقه، يعرف آيات الله الكونية، يعرف لمَ خُلِقَ الدنيا، يعرف هدفه، يعرف طريقه، يعرف وسائله، أي أن الإنسان..

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً﴾
( سورة السجدة: من آية " 18 " )
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر: من آية " 9 " )
والله لا يستوون. واحد قال لك: فلو الأرض مسطحة غير كروية، فأنت لا تصدقه، فأفقه ضيِّق، آيات كثيرة في القرآن الكريم تقول:

﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31)﴾
( سورة النازعات )
الدحية هي الكرة، الجهل بشع، الجهل يسبب لصاحبه خسارة، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، فالإنسان يقول: أنا لن أحضر مجلس علم أنا في عندي مشكلة، لحتى أنجح، لحتى أفتح المحل، لحتى أتزوج. في ناس يتزوجوا وما دخلوا، وفي ناس اشتروا محلات ما دخلوه، في ناس اشتروا بيت ما سكنوه في شخص جاء معه دكتوراه وصل إلى بيته، وضع الحقائب على الرصيف، ظن السائق أنه طلع فأراد أن يرجع للوراء، فدهسه، ما تهنى فيها، اثنا عشر سنة وهو يدرس، وصل إلى بلده معه الحقائب، في شخص بالطائرة مات ومعه دكتوراه، الموت قريب منا، أما المؤمن عندما يعرف الله عزَّ وجل وأخذ احتياط، واستقام، وعلاقاته كلها جعلها نظيفة، مرحباً بالموت، هو ينتظره، أنا لا أخاف الموت بل هو عايتي، فبين الإنسان يكون الموت شيء مرعب له، وبين يكون غايته.
إذاً الشيء الذي أردت أن أقوله لكم: أن الإنسان يأخذ الكلام على مأخذ الجد، ولا يظن الإنسان أنه إذا حضر بيتبارك، والله من جهة البركة ما في، هذه المعاني ليس لها معنى، فماذا تعني كلمة نتبارك ؟!
الآن إذا واحد معه مرض عضال ؛ وهذا الوصفة له، معه التهاب معدة وأخذ دواء فوراً يشفي الالتهاب، فأحضر الدواء، وتركه ووضعه في مكان ظريف على الرف، قرأه، ترنَّم باسمه، فهل يشفى ؟ هذا كله كلام فارغ.
مثلما ربنا خلق الكون وفق أنظمة علمية دقيقة، كذلك الدين علمي، ما في شطحات في الدين، ما في خرافات، ما في نتائج بلا أسباب، هذا السبب له نتيجة، وهذه النتيجة لها سبب. أنا والله من فترة طويلة الإنسان يسمع قصص بحكم مثلاً من أقربائه، من أصدقائه، من زملائه من جيرانه، ولكن سبحان الله كل قصة أسمعها، كأن هذه الحالة تجعلنا نفهم الدين فهم صحيح فهذا الذي أخذ قرض دفع الثمن غالي، باع بيتين ثمن كل بيت مليون، باع سيارته، باع معمله والباقي عليه أربع ملايين ليرة، لأن العملية غير مشروعة أصلاً، فالإنسان يجب أن يكون صحيان؛
((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني))
والله زرت أخ كريم يحضر معنا قال لي: والله مر عليه سنة وشهر ولا فاتني الصبح ولا قيام الليل، ولكن زلت قدمه بمخالفة بسيطة، استيقظ متأخر، طبعاً هو ما فقد شيء، ولكنه يحلل الأمور ؛ لماذا لم يستيقظ اليوم على صلاة الصبح ؟ لأنه وقع بمخالفة بسيطة..

(( عبدي لا تعصني في النهار أوقظك في الليل ))
إياك أن تعصني في النهار، إذا الواحد نام على طهارة يستيقظ على طهارة في الوقت المناسب، إذا كان نام على غير طهارة لا يستيقظ، وانتهى الأمر.
فلذلك الذي نرجوه والله لا نريد حمداً ولا شكورا ولا ثناء، ولكن حقائق، قوانين، فهذا المفتاح لهذا الباب، فهل يفتح قفل الباب بمفتاح آخر؟ لا فالطريق مسدود، فكل باب له مفتاح توفير للوقت والجهد، وكل واحد منا له هذا السؤال الدقيق: كيف مضت السنوات السابقة من حياته ؟ طبعاً في أربعين، في ثلاثين، في خمسة وعشرين، في خمسة وأربعين، في خمسة وخمسين، في ستين، ولكن بالستين يكبروا، فهل في هناك ستين سنة أخريات ؟ هذه بعيدة جداً هذه الستين، خمسين سنة أيضاً بعيدة، فهؤلاء الناس الذين نزلوا في قبر واحد، اسأل: أخي كم عمره ؟ يقول لك: خمسة وستين، اثنين وسبعين، سبعة وستين، ثمانية وستين، أربعة وخمسون تسعة وأربعين، ثمانية وثلاثين ـ مشكِّل ـ وقلَّ من يجوز ذلك.
معناها إذا كان أخذنا أحسن احتمال، لا مرض، ولا حادث ولا شيء ؛ لكن فقط للستين معنى ذلك وأغلب الظن أقل من مرض، ولو كان هذا الكلام يبعث في القلب القشعريرة، ما بقي أقل مما مضى، في قبر، البارحة عزينا شخص، طبعاً بيته، غرفة نومه، غرفة ضيوف حاجاته، أين هو الآن ؟ تحت التراب، تحت التراب، وما في أحد أحسن من أحد، اقرأ تاريخ الملوك، الجبابرة، الوزراء، الأغنياء، الحكَّام، المحكومين، العلماء، الجهَّال، الأنبياء كلهم تحت الثرى.
الآن نحن في سنة ألف وتسعمئة وأربعة وثمانين، سنة ألفين وخمسمئة ما في إنسان على وجه الأرض منا كلنا سيعيش، كلنا سنموت بعد نستودعك دينك إنشاء الله، يمكن يكون في مصلين جدد، وأجيال آخرى، أما نحن تحت التراب، كل شيء دنيوي لا يفيد يفيد، مرة أخ يحضر معنا والله وتوفي، وحضرت جنازته، وقام رجل وأبَّنه، فقال: إن هذا الرجل كان مؤذِّن فهل كان يقول: إن بيته فخم ؟ لا يقولها، أو كان بيته مزيَّن بالجبصين ؟ كان عنده سيارتين واحدة للسفر وواحدة للحريقة ؟ لم يحكي بذلك، ولا سافر لأسبانيا وقعد في فندق خمس نجوم ؟ لا لم يقل شيء من ذلك، ذهب إلى هولندا، ذهب إلى أوروبا، زوج خمس بنات، عمل كتاب ابنته في أفخر فندق ؟ ليس لكل هذا الكلام طعم، فما يدريك بهذا الإنسان إذا وزناه بالميزان ؟ قال كان يؤذِّن، وهذه الكلمة تركت في نفسي أثر كبير جداً، أنه اعمل عمل يحكى به عند الموت واعرف أن أربع أخماس أعمالنا، تسعة أعشار أعمالنا، تسعة وتسعين بالمئة من أعمالنا عند نوتة تحكى، ما له ذكر إطلاقاً، إذا كنت بطل اعمل عمل يحكى عند القبر ساعة، عن أعمالك الصالحة، عن الذين اهتدوا على يديك، إنسان يكون أمة..

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾
( سورة النحل: من آية " 120 " )
أمة، هو لوحده أمة، أي إذا الواحد خرج لمستوى..

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
إلى مستوى..

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾
فوالله الذي لا إله إلا هو أحياناً أجد أخ عنده رغبة جامحة أن يدعو إلى الله فيقول: إن هذا الأخ أحضرته لك، وهذا أقناع بالحضور، وهذا كان يحضر وغاب ونحن سألنا عنه طلع مقصر فعاوناه. والله أنا باغبط هذا الأخ، بالإسلام لا توجد مراتب دينية، ولا يوجد تهميش، أقل واحد داعي، ما في حولك أقارب ؟ ما في جيران ؟ ما لك أصحاب ؟ ما لك أصهار، ما لك إخوان في الله ؟ ما لك أبناء.
ماذا تفعل ؟ اقنعهم. ماذا أقول لهم ؟ يا عيني ثمان سنوات حضور مجالس علم وما عندك إمكان أن تتكلم ساعة عن الله !! قالوا في التدريس: المدرس الناجح يجب أن يتكلم ساعات طويلة كلام ممتع جداً من دون تحريف. أي أن في أشياء عاقلها، الآن قل لنفسك: كم آية يمكن أن أتكلم بها واشرحها للناس ؟ هذا القرآن، اعمل امتحان، النبي الكريم كان يمشي على رؤوس أصابعه لما توفي سيدنا سعد، قال:

(( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ))
( من سنن أبي داود: عن " عثمان بن عفان " )
ماذا يظنون الناس ؟ يقولون: كلها خمسة كلمات.. من ربك ؟ الله، حافظها عن غيب من نبيك ؟ محمد، ما دينك ؟ الإسلام. لا، القرآن كتابك، ما حافظ منه ؟ الآن اعمل فحص لنفسك، أنت إذا كنت أردت أن، تجلس مع إنسان، وامتحنته بكتاب الله، كم آية تقدر تحكيهم في الصلاة ؟ تفضل، والله سمعان كلام حلو، والله ليسوا في بالي. هذا شيء ضائع، كان بالهواء كم حديث شريف حافظه ويمكنك أن تفسره للناس ؟ امتحن نفسك، اجلس مع إنسان وادعوه إلى الله فماذا تحكي له ؟
الآن يقول لك: صلي. أي إنسان ممكن يقول لك صلي، ممكن أن تقول لإنسان: يا بني صلي. فيقول لك: لا أريد أن أصلي. هذه أليست دعوة إلى الله ؟ الصلاة من حق الله، لكن عرفه بالذي يصلي له أولاً، لكن صلي، ولكن لمن ؟ لله، واحد يصلي هكذا حكى لي أخ بالمحكمة ـ دخل شخص، دعا عليه دعوة وهي كيدية، قال له: وكِّل الله. فقال له: أين الله لأوكِّله ؟ ألم يمل مني وبيعذبني ؟ وهو يصلي، فهذه الصلاة لا تفيده، لكن عرف الناس بالله.
يجب أن تعرفه بالله بحيث أن يرى رحمته، يرى حكمته، يرى حكمته بالفيضانات بالكوارث، وبنزول القحط، يقول لك: الكيلو اللحم يباع على طريق حماه أو حمص بأربع ورقات. انظر إلى عين الرحمة، ناس غفلانين هزهم ربنا هزة قوية، لم تعد هناك كهرباء فكل شيء أصبح لا يدور، ألا تريد ماء لور الآلات ؟ لم يوجد ماء.
لما الإنسان يريد أن يرى حكمة ربنا، ورحمته بقحط والخير، بالشدة وبالرخاء، بالصحة بالمرض، الله عز وجل.. أحياناً ترى آلة لكن الإله لم نره، قال لي شخص: هذه الآلة لا تفنى أبداً، وربنا عز وجل ما كان قادر على أن يعمل لنا قلب نعرف ما يمرض أبداً !! لا ذبحة ولا جلطة ولا احتشاء عضلي، خمسين قفل، أليس قادر على أن يصنع قلب لا يصاب بالمرض المرض فيه حكمة، لازم أن تكشف حكمة ربنا بالمرض،
هذه آية الشمس جعلها الله تدور ولا تظل ثابتة، من الذي قال في دعاء الدوران ؟ لا يوجد دعاء دوران، ما في دعاء شروق الشمس، تشرق كل يوم، أشياء الله ثبتها ما حركها، مثل ما ثبت الدوران، وثبت الشروق، كان ممكن يثبت هطول الأمطار تماماً، الشام فيها ألف وخمسمئة ملم إلى أبد الآبدين، هل بقي في دعاء استسقاء ؟ لا حاجة للدعاء، صار في استغناء عن الله عز وجل.
معناها المرض في منه حكمة، القحط في منه حكمة، الفقر في منه حكمة، الفقر ليس تقنين عجز ؛ تقنين معالجة، إذا كان واحد عايش ووالده ملك، وصار معه التهاب أمعاء قال له الطبيب: فقط كوسة مسلوق. فهل أبوه ليس عنده إمكانات أن يطعمه كوسة محشي باللحم والسمن ؟! يقدر، لكنه هذا معالجة، هذا تقنين معالجة، وليس تقنين عجز أو فقر ؟
مرة خطر في بالي خاطر: لماذا يوجد غنى وفقر في الأرض، لو كان لا يوجد غنى وفقر أليس أريح ؟ لا يمكن، قلت: لو كان أب عنده خمسة أولاد أحضر لهم كيسين برتقال، كل كيس ثمنه خمسة وعشرين أصبح ثمنهم خمسين ليرة، ووضعهم بالغرفة وفردهم فيها، يبين الأمانة من الؤاثر ؟! يبين المنصف من غير المنصف ؟ تضيع الطاسة، أما إذا أحضر الأب لهم عشر برتقالات، إذا كان الابن أكل ثلاثة برتقالات، حصل أخ منهم على واحدة، إذا أكل الأخ أربعة جعل أخوه لم يأكل ولا برتقالة، يأتي يأخذ الكبيرة، واحد يأخذ الصغيرة، إذا الله عامل كل البرتقالات حجمهم متساوي، لم يكن في نزاع تنافضل القياسات صار في إظهار للفضائل.
حتى اختلاف الفاكهة كبيرة وصغير، هذه تفاحة خدها أحمر، الكل يحب التفاحة الحمراء هذه خدها أحمر أريد أن آخذها، لا يأتي أخ يأخذها لوحده، يأتي أخ ثاني تفضل أنت كلها، بابا تفضل أنت كلها، هذه لها معنى نشأت محبة بين الأب وابنه، نقي له أحسن تفاحة، وجد واحدة خدها أحمر فلم يأخذها وأعطاني إياها، لو كان كلهم خدهم أحمر ما بقى في شيء.
حتى الاختلاف بين الفاكهة في له معنى، المرض له معنى، الصحة لها معنى، إذا كان شيء الله لم يذكره فهذا منتهى الحكمة، صار يمشي في ذهني موضوعات جديدة، أن الشيء الذي الله لم يقل عنه إطلاقاً في منه حكمة بالغة، لو حكاه كان مثل الناس، لو قال: نسبة الربح ثلاثة عشر ونصف بالمئة على الفاتورة، في آية قرآنية بذلك ؟ وقال مثلاً: أخذت بضاعة كتب نصفها. هذا الصنف لم يبع معك، فأنت تخسر، ومعناها لا تعيش، في هذه الله سكت عنها يجوز أنت عندك ستوكات، في شيء فاخر، في سعر يرخص، في سعر يعلو، هذا كله من حكمة الله عز وجل، فلذلك الإنسان يجب أن يتحرك من دون في موضوعات معرفة الله عز وجل لأنك أنت مصيرك معه.
واحد جالس مع زوجته، هي زواجة موقتة، كيف موقته ؟ هذه جواز مواتية، كيف مواتية ؟ في موت بعد ذلك، فعلى قدر ما كانت هذه زواجة جيدة لابد من أن يفرق الموت بينكما قدر ما كان بيته جميل منتقى، والله دخلت إلى بيت، كيف هو منقى، زاوية الشام كل جهاتها مفتوح، آخذ شرق غرب قبلي، كيف هذا المحضر طالع لا أحد أمامه ولا خلفه ولا جانبه ورابع طابق، دخلت إلى البيت، لكن أين ما في موت ؟ أريد أن أرى واحد كهذا، إن بنى له بيت يكون بمحل آخرته، بباب الصغير بمقابر الدحداح.
ما ثمنه ؟ أما ترتيب سجاد لون خمري، ثريات، الشام مكشوفة كلها، تريد أن ترى الشمس ؟ في واجه شرقية، تريد أن تراها بعد الظهر؟ في واجه غربية، تريد أن ترى الشام كلها ؟ لكن آخر شيء لا بد من أن يموت، يشيَّع إلى مثواه الأخير على الدحداح، فالبطولة مع الأخير وليس مع الموقَّت.
لذلك إذا فكر الإنسان بالموت ينضبط، وتنتقل اهتماماته من الدنيا للآخرة، بعد ما كان دنيوي صار أخروي، يجب أن يكون الموت ماثلاً في أذهاننا كل يوم..

(( من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ))
( من تخاريج أحاديث الإحياء: عن " أنس " )
فالذي أرجوه من الأخوة الحاضرين هو عمل جرد لحساباتهم ؛ فهل هناك مخالفات في بيته بناته، زوجته، في عنده عدد من الأجهزة الكهربائية ؟
الآن كلنا نعرف هذا جهاز كهربائي مباح، كأن يكون من نوع حماصة الخبز فلا مانع، أما هل هناك أجهزة عنده من نوع آخر مثلاً، من نوع يسبب فساد أخلاقي بالأسرة ؟ هذا الذي نريده منكم أن يأخذ الإنسان موقف عملي، ولا يبقى قنعان قال: اللغة من وضاءتها... أخي هل أأتي لك بكأس من الماء ؟ من وضاءة اللغة إحداث الاستجابة..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 24 " )
هذه الكلمة استغرقت موضوع الفقه وموضوع الحديث، بقي القصة.
* * *
قصة اليوم لأحد التابعين
ظهرت على ربيعة الرأي علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، وظهرت أمارت الذكاء في أفعاله وأقواله، فأسلمته أمه إلى المعلمين، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه، واستدعت له المؤدبين وحضتهم على أن يحسنوا تأديبه، فما لبث كثيراً حتى أتقن الكتابة والقراءة، ثم حفظ كتاب الله عز وجل، الآن يقرأ واحد القرآن يكون معه ليسانس يقول لك: (يس) ما هذه يس ؟ يا و سين لا تعرف أن يقول: يا سين. يكون معه ليسانس، أما طفل يحفظ كتاب الله.
ثم حفظ كتاب الله عز وجل، وجعل يرتبه ندياً طرياً كما أنزل عل فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم، وروى عما تيسَّر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستظهر من كلام العرب ما يحسن بمثله أن يستظهر ـ ليست كهذه الألغاز كلها حفظها، لا يوجد فيها شيء قصص بوليسية تهيج المشاعر كلها، يجب أن يكون للإنسان برنامج يقرأه، في كتابات مثل السيف ـ
وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف، وقد أغدقت أم ربيعة على معلمي ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقاً..
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
أحياناً الأب يتكلم على معلم ابنه كلام بالبيت: هذا لا يفهم ؟ لا، مثل أعلى لابنك ولو كان غلطان، لا يحكى عليه بهذا الكلام أمام ابنك، بعد ذلك يقل شأنه عنده، انتبه، فإذا كان المعلم أكرمته، بعثت له ببطاقة: نشكر اهتمامكم ورعايتكم، ونتمنى له التوفيق في توجيهكم، التوقيع الولي. المعلم بالنسبة له يجد في أهل يقدروا جهوده، فيضاعف جهوده، أما لماذا لم تعطه الوظيفة ؟ أريد أن أعمل له مشاجرة للمعلم بالمدرسة، ما هذا الأب.
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
فكانت كلما رأته يزداد علماً تزيدهم براً وإكراماً، وكانت تترقب عودة أبيه الغائب وتجتهد في أن تجعله قرة عينٍ لها وله، لكن فروخاً طالت غيبته، ثم تضاربت الأقوال فيه، فقال بعضهم: أنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء. وقال آخرون: إنه ما زال طليقاً يواصل الجهاد. وقال فريقٌ ثالث عائدٌ من ساحات القتال: إنه نال الشهادة التي تمناها. فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخباره، فحزنت عليه حزناً أمض فؤادها، ثم احتسبته عند الله.
كان ربيعة يومئذٍ قد أيفع وكاد يدخل في مداخل الشباب، فقال الناصحون لأمه: ها هو ذا ربيعة قد استكمل ما ينبغي لفتىً مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة، وزاد على أقرانه فحفظ القرآن وروى الحديث، فلو تخيرتي له حرفةً من الحرف فإنه لا يلبس أن يتقنها وينفق عليكِ وعلى نفسهِ مما تدره من خيرٍ. فقالت: أسأل الله أن يصير له ما فيه صلاح معاشه ومعاده، إن ربيعة قد اختار العلم النافع.
الآن الآباء... يكون الابن ليس له حباً في العلم، يبقى هالك أهله وهالكينه، إذا كنت عندك ابن لا يوجد فيه أمل إطلاقاً، اكسب عمره وضعه في مصلحة، يكبر على المصلحة، وفي بالعكس آباء يكون ابنه عنده رغبة عالية بالدراسة، ويريد أن يضعه عنده بالمحل، هذا لا يجوز هذا الإنسان أين يحب ينبغ، في أشخاص ينبغوا ينبغوا نبوغ هائل، اتركه ماشي، ادعمه الأهل يبنغ بالدراسة، اتركه ماشي، ادعمه، لما أنت تعاكس اتجاهه تعذب نفسك وتعذبه، تريد أن تمشي سفينة على الأرض، لا تمشي هذه تمشي على البحر.
ترجو النجاة ولا تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
* * *
وعزم على أن يعيش متعلماً ومعلماً ما امتدَّت فيه الحياة، مضى ربيعة في الطريق اختطها لنفسه غير وانٍ ولا مقصرٍ، وأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يقبل الظماء ـ جمع ظامئ ـ على الموارد العجاف، ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عن الرعيل الأول من التابعين، وفي مقدمتهم سعيد بن المسيب، ومكحول الشامي، وسلمة بن دينار وواصل كلال ليله بكلال نهاره حتى أنهكه الجهد، فإذا كلمه أحدٌ في ذلك ودعاه إلى الرفق بنفسه قال ربيعة:
سمعنا أشياخنا يقولون: العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
الآن بالتجارة إذا كنت فتحت محلا تجارياً في منطقة نائيَّة لن تربح شيئاً، إذا كنت حسنته أكثر تربح أكثر، نقلته وعملته بالمدينة تربح أكثر، إذا كان بضاعة نادرة تربح أكثر، أكثرت البضاعة تربح أكثر، العلم بالعكس، تريد أن تبذل كل شيء لتنال شيء، وإذا كان بذلت شيء لا تنال شيء أبداً، هذه مشكلة العلم،.
ثم ما لبث حتى ارتفع اسمه، وبزغ نجمه، وكثر إخوانه، وأولع به تلاميذه، وسوَّده قومه ولقد صارت حياة عالم المدينة هادئةً وادعةً، فشطرٌ من يومه في داره لأهله وإخوانه، وآخر في مسجد رسول الله لمجالس العلم وحلقاته، ولقد مضت حياته متشابهةً حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان.
في ذات عشيةٍ من عشيات الصيف المقمرة، بلغ المدينة المنورة فارسٌ في أواخر العقد السادس من عمره، ومضى في أزقتها راكباً جواداً قاصداً داره، وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده، أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها، مضى على غيابه أعواماً طويلة وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلَّفها في تلك الدار ما فعلت ؟ وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها، أوضعته ذكراً أم أنثى ؟ أحيٌ هو أم ميت؟ وإذا كان حياً فما شأنه ؟ وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد وتركه وديعةً عندها، حين مضى مجاهداً في سبيل الله مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارى وسمرقند وما جاورها ؟
ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين، فالناس لم يفرغوا لصلاة العشاء إلا وشيكاً، لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مر بهم لم يعرفه، ولم يأبه له ولم يلتفت إلى جواده المطهم ولا إلى سيفه المدلَّى، فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله، أو العائدين منه.
لكن ذلك كان فضلاً في إثارة حزن الفارس وازدياد وساوسه، وفيما هو كان سابحاً في أفكاره هذه، ماضياً يتلمس في تلك الأزقة التي عراها التغير وجد نفسه أمام داره ـ والباب مفتوح، دخل، والابن ما عرفه، وجد إنسان داخل البيت، صاح به، الأم استيقظت قالت له يا بني هو أبوك، وأطلت من نافذة عليتها فرأت زوجها بشحمه ولحمه، فكادت تعقد الدهشة لسانها، لكنها ما لبثت أن قالت: دعه يا ربيعة، دعه يا ولدي إنه أبوك، انصرفوا يا قوم بارك الله عليكم، حذارِ يا أبا عبد الرحمن إن هذا الذي تتصدى له هو ولدك، وفلذة كبدك.
فما كادت كلماتها تلامس الآذان، حتى أقبل الابن على أبيه يقبله، وأقبل الأب على ابنه يضمه، وانفض عنهما الناس، ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها الذي ما كانت تظن ظناً أنها ستلقاه على هذه الأرض بعد أن انقطعت أخباره مدةً كثيرة.
جلس فروخ إلى زوجته، وطفق يحدثها عن أحواله، ويكشف لها عن أسباب انقطاع أخباره ولكنها في شغلٍ شاغل عن كثيرٍ مما يقول، فلقد نغَّص عليها فرحتها بلقاؤه واجتماع شمله بولده خوفها من غضبه على إضاعة كل ما أودعه لديها من مال، مبلغ طائل ثلاثمئة ألف ليرة، ترك لها ثلاثين ألف دينار، ثلاثمئة ألف ليرة مبلغ ضخم كثير.. كانت تقول لنفسها: ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير الذي تركه أمانةً عندي، وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف، ماذا سيكون منه لو أخبرته أنه لم يبق منه شيء ؟ أيقنعه قولي هذا، إنني أنفقت ما تركه عندي على تربية ابنه وتعليمه ؟ وهل تبلغ نفقة ولدٍ ثلاثين ألف دينار ؟ أيصدق أن يد ابنه أندى من السحاب وأنه لا يبقي على دينارٍ ولا درهمٍ، وأن المدينة كلها تعلم أنه أنفق على إخوانه الآلاف المؤلَّفة
وفيما كانت أم ربيعة غارقةً في هواجسها، التفت إليها زوجها وقال: لقد جئتك يا أم ربيعة بأربعة آلاف دينار، فأخرجي المال الذي أودعته عندكِ لنضم هذا إليه، ونشتري بالمال كله بستاناً أو عقاراً نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة.
فتشاغلت عنه ولم تجبه بشيء. فأعاد عليها الطلب وقال: هيا أين المال حتى أضم إليه ما معي ؟
فقالت: لقد وضعته حيث يجب أن يوضع ـ كلام بليغ واضح، لقد وضعته حيث يجب أن يوضع ـ وسأخرجه لك بعد أيامٍ قليلة إن شاء الله.
وقطع صوت المؤذن عليهما الحديث، فهب فروخ إلى إبريقه فتوضأ، ثم مضى مسرعاً نحو الباب وهو يقول: أين ربيعة ؟ ابنه.
قالوا: سبقك إلى المسجد منذ النداء الأول، ولا نحسب أنك تدرك الجماعة.
بلغ فروخ المسجد فوجد أن الإمام قد فرغ وشيكاً من الصلاة، فأدى المكتوبة، ثم مضى نحو الضريح الشريف ـ أي ضريح النبي الكريم ـ فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ثم انثنى نحو الروضة المطهرة، فقد كانت في فؤاده أشواقٌ إليها وحنينٌ إلى الصلاة فيها فتخير لنفسه مكانٌ في رحابه النضرة، ثم جعل يتنفل، فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم دعا بما ألهم أن يدعو، ولما همَّ بمغادرة المسجد وجد باحته قد غُصَّت على رحبها بمجلسٍ من مجالس العلم لم يشهد له نظيراً من قبل، ورأى الناس قد تحلَّقوا حول شيخ المجلس حلقةً إثر حلقة، حتى لم يتركوا في الساحة موطئٌ لقدم، وأجال بصره في الناس فإذا فيهم شيوخ معممون ذووا أسنان ـ يا لطيف ـ ورجالٌ متوقِّرون تدل هيئاتهم على أنهم ذوي أقدار، وشبان كثيرون قد جثوا على ركبهم وأخذوا أقلامهم بأيديهم، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر، ويحفظونه في دفاترهم كما تحفظ الأعلاق النفيسة، وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ منصتين إلى كل ما يلفظ من قولٍ حتى لكأن على رؤوسهم الطير.
وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ ـ ما كان يوجد مكبرات كان في مبلغين ـ فقرةً فقرة فلا يفوت أحداً شيءٌ من كلامه مهما كان بعيداً ـ ما كان في إضاءة شديدة، في شيخ بعيد يحكي ـ وحاول فروخ أن يتبين صورة الشيخ فلم يفْلح، لموقعه منه وبعده عنه، لقد راعه منه بيانه المُشرق، وعلمه المتدفق، وحافظته العجيبة، وأدهشه خضوع الناس له وما هو إلا قليل حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفاً.
فهب الناس متجهين نحوه، وتزاحموا عليه، وأحاطوا به، واندفعوا وراءه يشيِّعونه إلى خارج المسجد.
وهنا التفت فروخ إلى رجلٍ كان يجلس بجانبه وقال: قل لي بربك من الشيخ ؟
ـ فقال الرجل باستغراب: أولست من أهل المدينة ؟
قال فروخ: بلى.
قال الرجل: وهل في المدينة رجلٌ واحد لا يعرف الشيخ ؟
قال: فروخ اعذرني إذا كانت لا أعرفه، فقد أمضيت نحواً من عمري بعيداً عن المدينة ولم أعد إليها إلا أمسِ.
قال الرجل: لا بأس، اجلس قليلاً أحدثك عن الشيخ. ثم قال: إن الشيخ الذي استمعت إليه سيدٌ من سادات التابعين، وعلمٌ من أعلام المسلمين، وهو محدِّث المدينة، وفقيهها وإمامها على الرغم من حداثة سنِّه.
ـ فقال فروخ: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وأتبع الرجل كلامه: وإن مجلسه يضم كما رأيت مالك بن أنس ـ سيدنا مالك قاعد يستمع إليه ـ وأبو حنيفة النعمان، ويحي بن سعيد الأنصاري، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن الأوزاعي، والليث بن سعد، وغيرهم وغيرهم.
فقال فروخ: غير أنَّك ... وسكت.
لكن الرجل لم يتح له الرجل فرصةً لإتمام كلامه وقال:
وهو فوق ذلك كله سيدٌ كريم الشمائل، موطَّأ الأكناف، سخي اليد، فما عرف أهل المدينة أحداً أوفر منه جوداً لصديقٍ وابن صديق، ولا أزهد منه في متاع الدنيا، ولا أرغب منه بما عند الله.
فقال فروخ: ولكنك لم تذكر لي اسمه ؟
فقال الرجل: إنه ربيعة الرأي.
قال فروخ: ربيعة الرأي ؟!
قال الرجل: نعم، إن اسمه ربيعة، لكن علماء المدينة وشيوخها دعوْه ربيعة الرأي لأنهم كانوا إذا لم يجدوا لقضيةٍ نصاً في كتاب الله أو حديث رسول الله لجأوا إليه، فيجتهد في الأمر ويقيس ما لم يرد فيه نصٌ على ما ورد فيه نص، ويأتيهم بالحُكم فيما أشكل عليهم على وجهٍ تركن إليه النفوس وتطمئن إليه القلوب.
فقال فروخ في لهفة: ولكنك لم تنسبه لي ؟!! ربيعة ماذا ؟
فقال له: إنه ربيعة بن فروخ، المُكَنَّى بأبي عبد الرحمن، لقد ولد بعد أن غادر أبوه المدينة مجاهداً في سبيل الله، فتولَّت أمه تربيته وتنشئته، وقد سمعت الناس قبيل الصلاة يقولون: إن أباه عاد الليلة الماضية.
عند ذلك تحدَّرت من عيني فروخ دمعتان كبيرتان لم يعرف لهما الرجل سبباً، ومضى يحس الخطى نحو بيته، فلما رأته أم ربيعة والدموع تملأ عينيه قالت:
مالك يا أبا ربيعة ؟
قال: ما بي إلا الخير، لقد رأيت ولدنا ربيعة في مقامٍ من العلم والشرف والمجد ما رأيته لأحدٍ من قبل.
فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت:
أيما أحب إليك ؛ ثلاثون ألف دينار، أم هذا الذي بلغه ولدك من العلم والشرف ؟
قال: بل هو أحب إلي، وآثر عندي من مال الدنيا كله.
ـقالت: لقد أنفقت ما تركته عندي عليه، فهل طابت نفسك بما فعلت؟
قال: نعم، وجُزيتي عني وعنه وعن المسلمين خير الجزاء.
لذلك النبي الكريم قال:
((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
فالذي عنده ابنه يصب عليه كل اهتماماته ؛ يعلمه، ويزكيه، ويكرمه، ويدلله، ويأخذه معه، وينصحه، وينزل لمستواه، ويتصابى له، فلا تعرف الابن يكبر يطلع عالم، يطلع مخلص مصلح اجتماعي، ينقذ البشرية من ضلالها، لا تعرف، فأثمن شيء بالحياة يكون في عنده ابن ـ فالله عز وجل يرزقنا أولاد صالحين..

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:51 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 10 : الإنسان مسير أم مخير
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-11-25
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
لبعض العلماء الأفاضل فصلٌ في العقيدة الصحيحة، لكن الشيء الذي يلفت النظر في هذا الفصل أنه مأخوذٌ حصراً من كتاب الله عز وجل.
فالعقيدة الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه رب العالمين، مقام الربوبية يختلف عن مقام الألوهية، فالله خالقٌ، وربٌ، وإله، من معاني الرب أنه المُمد فحينما يمدُّ الإنسان بما يحتاج إليه إنه رب العالمين، وليس رب البشر وحدهم ؛ ولكنه رب جميع العوالم في الكون، إذن وصف نفسه فقال:
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾
( سورة الفاتحة )
وأنه مالك أو:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
( سورة الفاتحة )
في الدنيا الأمور على حقيقتها بيد الله عز وجل، وفي ظاهرها قد تكون بيد زيدٍ أو عبيد..

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
( سورة الأنفال: من آية " 17 " )
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة الفتح: من آية " 10 " )
ولكنه في الآخرة تكون الأمور في الباطن وفي الظاهر بيد الله عز وجل لذلك هذا اليوم يوم الفصل، يوم القيامة مالكه الله رب العالمين، وأنه يستهزئ بالمنافقين واستهزاء الله عز وجل بالمنافقين بمعنى آخر أي يحتقر عملهم، والإنسان في الدنيا إذا كان كاملاً ورأى عملاً سخيفاً، أو عملاً فيه أذى، أو فيه فساد، أو فيه بغي يحتقر هذا العمل، من علامة المؤمن الكامل في الدنيا أنه يحتقر كل عملٍ منحط، هذا معنى الاستهزاء، وأنه يستهزئ بالمنافقين فقال:

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
( سورة البقرة: من آية " 15 " )
وأنه يمدُّ المنافقين:

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)﴾
( سورة البقرة )
الإمداد له معنى آخر، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
( سورة طه )
أي أن ربنا عز وجل في الدنيا أعطانا فرصة، كي نعبر عن ذواتنا، كي نظهر حقيقتنا، فلو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل على الكافرين فقضى عليهم، تكون هذه الفرصة لم تعطَ إليهم تماماً لذلك:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾
هذه الكلمة أنه أعطى للكفار ولبني البشر كافةً فرصةً كي يظهروا على حقيقتهم، هذا السؤال الذي يخطر في بال الإنسان: فلان أحياناً يفجر، أحياناً يطغى، أحياناً يبغي، يتجاوز حدود البشر، كيف أبقاه الله عز وجل ؟
الجواب: أن الله سبحانه وتعالى بعث بنا إلى الدنيا كي تظهر حقيقتنا، فلو فرضنا طالب دخل امتحان، المعلم يعرفه أنه لم ينجح لشدة كسله، دخل أول مادة، هل بإمكان المعلم أو هل يفعل المعلم أنه يمنع هذا الطالب من دخول الامتحان لعلمه به ؟ الجواب: لا، لو أنه حرمه الامتحان لقال: يا أستاذ أنا سأنجح، أنا حضرت. يعطى الطالب الفرصة الكافية لتقديم جميع مواد الامتحان، من أجل أن ينكشف على حقيقته..

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 42 " )
فهذا الذي يجعل الله سبحانه وتعالى يعطي للكفار الطغاة مهلةً من جهةٍ كي يظهروا على حقيقتهم، ومن جهةٍ أخرى لعلهم يهتدون..

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾
( سورة طه )
وأنه يذهب بنورهم فيتركهم في ظلماتٍ لا يبصرون، الحقيقة النور نور الهدى، ولا يعرف هذا إلا المؤمن، المؤمن على شيء من النور الإلهي، مستبصر، يرى الخير خيراً والشر شراً ؛ لكن المنافق والفاجر والكافر يرى الخير شراً، ويرى الشر خيراً، فيكفي أن يتباهى الإنسان بالمعصية، أعمى، سيدنا يوسف ماذا رأى في الزنا ؟ رأى نتائجه الوخيمة فقال:

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾
( سورة يوسف )
أما الأعمى يراه مغنماً، وقد ينتهي، وقد يسفل به إلى أسفل سافلين، إذن لما الإنسان يكون في الدنيا مزوَّد بنور إلهي، معنى ذلك أنه يرى الخير خيراً والشر شراً، فأخطر شيء في الدنيا أن تمتلك رؤيةً صحيحة.
لذلك الإنسان الجاهل يرى المال الحرام مكسباً، مغنماً، ولا يدري أن الله سبحانه وتعالى سوف يذهب له هذا المال بأساليب عديدة، لا يدري، الحديث الشريف:

(( من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر ))
معنى مهاوش أي أدق تعبير لها في اللغة العامية بالهيلمة، في كسب شرعي وفق جهد، وفي عدوان على الكسب، الإنسان أحياناً يعتدي على كسب الآخرين بأساليب ؛ إما أن يخيفهم، وإما أن يخدعهم، وإما أن يدلِّس عليهم، فكسب المال على نوعين ؛ إما أن تكسبه بجهدٍ حقيقي فهذا هو الكسب المشروع، وإما أن تكسبه بطريقةٍ من الطرق غير المشروعة، قد تكو بالخداع، وقد تكون بالضغط، وقد تكون بالتخويف، معنى:

(( من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر ))
هذا قانون أي يذهب نهب، أخذه بوسائل غير مشروعة يُذهب منه نهباً، من يعرف هذا ؟ المؤمن، مستبصر، أما غير المؤمن أعمى.

﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)﴾
( سورة البقرة )
أي أن الكافر لجهله يظن أنه يفعل ما يشاء..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾
( سورة الأنفال: من آية " 36 " )
الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، أحياناً الكافر يظن نفسه يفعل ما يشاء، لكن مشيئته موظفةٌ عند الله عز وجل، لا يفعل إلا ما يسمح الله من مشيئته أن يحدث، و..

﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)﴾
إن كانت قدير من فعل التقدير، تقديره تقدير حكيم عليم، وإن كان القدير من فعل قدر، وقدر من القدرة، فهو على كل شيءٍ قدير، لذلك إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله..

﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)﴾
( سورة البقرة )
تواب صيغة مبالغة، أي كثيراً ما يقبل التوبة عن عباده..

﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)﴾
( سورة الجمعة )
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم )
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)﴾
( سورة البقرة )
طبعاً الله سبحانه وتعالى يكره عملهم، لا يكرههم بالذات، يكره عملهم، وأدق مثل مثل الأب قد يكره عمل ابنه، ومع ذلك يرعاه ويعطف عليه ويقدم له حاجاته وينصحه ولكنه يكره عمله، فإذا عاد إلى رشده أحبه ورفع شأنه.

﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)﴾
( سورة آل عمران )
أي..

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾
( سورة الإنسان )
الله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإيجاد، لولا مشيئة الله عز وجل بإيجادنا من نحن ؟ نحن لا شيء، إذن هناك نعمة الإيجاد، لمَ أوجدنا ؟ ليسعدنا، ولذلك خلقهم..

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
( سورة هود: من آية " 119 " )
وتفضل علينا بنعمة الإمداد، هذه الثانية، وتفضل علينا بنعمة الإرشاد، خلقنا وأمدنا وهدانا، لذلك قالوا:

﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
( سورة المائدة: من آية " 6 " )
تمام النعمة الهدى..

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾
( سورة الفجر )
إن كان المال من دون هدىً فليس إكراماً ؛ بل هو امتحان.

﴿ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة المائدة: من آية " 40 " )
وأنه تعالى له وجهٌ..

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)﴾
( سورة القصص )
له وجهٌ، قد يبتغي الإنسان بعمله وجه الله عز وجل، والمرء يوم القيامة ينظر إلى وجه الله عز وجل، وأن وجهه..

﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾
( سورة البقرة: من آية " 115 " )
أي أينما جلست وتوجهت إلى الله فثم وجه الله..
(( يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ قال: كيف ذلك يا رب ؟! قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني))
وأنه بديع السماوات والأرض، هو الذي أبدعها على هذا الشكل، فأنت لو فكرت الجبل الآن مألوف، والشجر مألوف، لكن من أبدع فكرة الجبل ؟ لولا الجبل لما عاش الإنسان الجبل فيه خزانات مياه عذبة، لو الأرض كلها مسطحة، صحارى، من أين تأتي الينابيع ؟
فكرة الشجر، أشجار للزينة، أشجار حدودية، أشجار للخشب، أشجار للظل أشجار دائمة الخضرة، أشجار متساقطة الأوراق، أشجار مثمرة، أنواع الفواكه، هذا كله بفضل من ؟ بفضل الله عز وجل، إذاً فكرة الإيجاد، أحياناً يرسموا لك أشخاص عايشين بالمريخ فالإنسان ليس عنده إمكان إلا يتخيل مخلوق له رأس، ويدين، ورجلين، وجذع على أشكال متفاوتة، إذاً من أبدع هذا النظام ؟ من أبدع شكل الكرة ؟ من أبدع شكل الدوران ؟ من خلق نظام الجاذبية ؟ من خلق الماء ؟
فكرة الماء قبل أن يكون الماء من أبدعها ؟ فكرة الهواء، فكرة المعادن، التربة، إنبات النبات، تحليق الطيور في الفضاء، فكرة الأسماك من ابتدعها ؟.

﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 117 " )
الآن الغواصات مأخوذة من الأسماك، الطيران تقليدٌ غير جيد للطائر، أعظم طائرة صنعت حتى الآن تقليدٌ غير جيدٍ للطائر، فكرة الطيران من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى، فكرة الغَوص في البحر من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى، فكرة الطاقة، أنت تحتاج إلى طاقة كي تعيش، لولا الطاقة لما تمايز الناس، الإنسان يحتاج إلى الطعام، والطعام يحتاج إلى كسب والإنسان في الكسب يبدو معدنه الحقيقي، إما يكذب وإما يصدق، إما يكسب مال حلال أو مال حرام، إما أن يكون متقن لعمله أو غير متقن، فأخلاق الإنسان تظهر في كسبه لرزقه، لو تعمَّقت من أبدع نظام الزوجية ؟

﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾
( سورة هود: من آية " 40 " )
الله سبحانه وتعالى أبدع هذا النظام، كان بالإمكان أن يخلق الناس كلهم دفعةً واحدة ويموتوا دفعةً واحدة، ولكن هذا التدرج في الخلق والموت هذا يعطي الإنسان درس كبير جداً أكبر موعظة للإنسان الموت، فمهما كان الإنسان مكابر، حينما يرى إنسان ميت، خشبة لا تقوى على التحرك، كان شيئاً مذكوراً فصار خبراً، يكون الإنسان مخيف، فقط عندما الله عز وجل يسحب الروح منه صار نعوة، صار اسم على نعوة، صار حدث، كان شيء مخيف صار خبر، قال الله تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
( سورة المؤمنون: من آية " 44 " )
من الذي خلق فكرة الموت ؟ فكرة التزاوج في الإنسان، في الحيوان، في النبات.. فالحيوانات من خلق هذه الفكرة ؟ الخروف تأكل لحمه، لماذا جعله الله على شاكلتك ؟ فإذا أنت لم تدرس طب، ولم تكن متخصص بأمور خلق الإنسان ألا تأكل لحم، ألا ترى القلب والكلاوي والكبد، والمعدة والأمعاء، والدماغ، والشرايين، والأوردة، والعضلات والعظام والأوتار، هذه ما ترها أمامك عند اللحام كلها ؟ في علاقة بين خلق الإنسان وخلق الحيوان، هذه العلاقة درس تعليمي لنا، هذه معنى:

﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 117 " )
فكرة أن الطفل محبوب، لو كان الإله خَلْقُه غير كامل ؛ قد يكون الطفل حجمه صغير أما عقله ناضج، ما دام عقله ناضج بوقت مبكر لم يعد محبوب، ولكن محبوب في براءته الأب يحب ابنه سذاجته أحياناً، تفكيره المحدود، يعجبه كل شيء، يفرحه كل شيء، فالبنت الصغيرة تمسك المخدة تعملها لعبة، تصورها لعبة، أن هذه بنتها، تضعها على صدرها تنيمها، وهي مخدة، لو كان الطفل عاقل ما كان محبوب، فكرة الطفل من خلقها ؟ الله عز وجل:

﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)﴾
( سورة البقرة )
أي على الله كل شيء سهل، لذلك الإنسان لما يكون مع الله يكون مع أقوى الأقوياء، مع القوة المطلقة، وإذا كان مع شركاء لله عز وجل، مع الأضعف..

(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف لك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهوى من تحت قدميه، وما من عبد يطعيني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني ))
( من الجامع الصغير: عن " كعب بن مالك " )
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)﴾
( سورة الصف )
معنى العزيز أي لا ينال جانبه، فإذا كان طبيب نسي يسأل مريض معك حساسية ؟ أعطاه إبرة فصار معه صدمة، يأتي المريض يفتح للطبيب هاتف يوبخه فيه، الطبيب يخجل والله نسيت أن أسألك معك حق، لم يعد الطبيب عزيز، إذا كان صنعت صنعة وفيها خطأ فيها عيب، وجاء زبون كشف العيب، ووجه لك اللوم، لم تصبح عزيز، من معاني العزيز أن أحداً لا يستطيع أن ينال جانبه ؛ خلقه كامل، تصرفه كامل، حكمته مطلقة، فأي خلل بالكون، أي خلل بالتصرف، لو ربنا عز وجل ما وجه لإنسان معالجات، ما كان عزيز يوم القيامة، العبد يقول له: يا رب لمَ لم تعالجني بالدنيا ؟ لمَ لم تذكرني ؟ لمَ لم تخوفني ؟ لمَ لم تبعث لي شيئاً يوقفني عند حدي ؟ يقول له الله: لا، لقد سقت لك كل المعالجات.

﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)﴾
( سورة الصف )
عزيزٌ لأنه حكيم، وأنه يوفي العهد لمن وفىَّ بعهده..

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
( سورة التوبة: من آية " 111 " )
فما في شيء مؤلم مثل الخيانة، مثل إنكار الجميل..

أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هجاني
* * *
لا يوجد شعور مؤلم في الحياة يوازي الشعور بالخيانة، لكن المؤمن الله عز وجل انظر إلى الأب أحياناً يضع كل أمله بابنه، الابن أحياناً ينسى أبوه، يغيب عنه أسبوعين يا أبت أي أنت ؟ والله مشغول، ماذا تريد مني ؟ اطمئن لا يوجد شيء لما يكون في شيء أنا أخبرك يتألم الأب، هلك حتى أن رباه، رآه كبير لم يعد يريده، صار الابن يرى أبيه عبء عليه، لما الإنسان يتعلق بالله عز وجل، الله وفي..
ينادى له في الكون أنَّا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
* * *
مسكين الكافر، حالته يرثى لها، أحياناً يتعلق بزوجته، يضع كل أمله فيها، ربنا عز وجل كذلك لحكمةٍ ربنا مضل، يضله عنها، من أسماء الله الحسنى أنه مضل، يضع كل أمله فيها، فتتنكر له أحياناً، أين ذاهبة ؟ والله زائرة عند بنتي، وأنا أين تركتين لحالي ؟ تقول له: أأنت صغير، كل لحالك. يتألم، أنا هكذا عاملتك من زمان ؟!
كل إنسان يضع أمله بزوجة أو بولد أو ببنت الله عز وجل من أسمائه المضل فلحكمة بالغة يريه من هذا الشخص الذي أشركه مع الله عز وجل أعمال مزعجة، أما المؤمن ثقته بالله وحده، لذلك الله عز وجل يسخِّر له أعداءه، فكيف بأصدقائه ؟
فلا توجد أجمل من شيخوخة المؤمن، لأنه سبحان الله كل ما ازداد سني عمره يزداد مكانة، يزداد هيبة، يزداد عقل، يرتفع شأنه، تزداد محبة الناس له، هذه من علامة الإيمان وعلامة من أمضى شبابه في معصية الله، ففي أمامه شيخوخة متعبة كثيراً، من كم يوم في شخصين أو ثلاثة لما أنا كنت صغير كانوا بمناصب حساسة بالتربية والتعليم، لما يدخل للمدرسة يبث الرعب والخوف، والله بوضع يرثى له، ماشي على عكازة نصفين، لا يدوم إلا الله عز وجل، أما المؤمن لو كان عمله طيب جداً وضع آخر يصير، الشيخوخة مقياس الشباب، الشاب المؤمن له شيخوخة سعيدة، وغير المؤمن يدفع الثمن في الدنيا قبل الآخرة.
فقال:
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
( سورة التوبة: من آية " 111 " )
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾
( سورة الحج )
وأنه يذكر من ذكره..
((إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه))
( من تخاريج أحاديث الإحياء: عن " أبي هريرة " )
من فضل الله عز وجل، أي أنك تدعو إلى الله، والله عز وجل يجعل اسمك برَّاق اسمك نظيف، لو فكر واحد يحكي عليك، يتصدى له أشخاص عديدين يسكتونه، هذه من نعمة الله عز وجل، لذلك في بعض الأبيات الشعرية بهذا المعنى:
لولا اشتعال النار فيما جاورت

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ .... .... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
* * *
أي البخور.
وأنه يذكر من ذكره فقال:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
( سورة البقرة: من آية " 152 " )
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)﴾
( سورة البقرة )
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)﴾
( سورة البقرة )
وأنه إلهٌ واحد، في إله واحد، وفي إله أحد، واحد أحد، فردٌ صمد، الإله الواحد أي لا إله إلا الله، أما الإله الأحد ليس كمثله شيء، واحد أي لا إله إلا هو، أما أحد ليس كمثله شيء، أحد عدد نوعي، تقول: الطالب ترتيبه في النجاح الرابع، ليس معناه هو أربعة، هو رابع ترتيبه، فوزن فاعل، الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، هذا عدد نوعي، عدد تقييم وترتيب، وليس عدد كم، أما أربعة غير الرابع، فإذا قلنا: إلهٌ واحد، أي لا إله إلا هو أما إذا قلنا: إلهٌ أحد أي ليس كمثله شيء..

﴿ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)﴾
( سورة البقرة )
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)﴾
( سورة الأعراف )
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
( سورة التوبة )
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾
( سورة المائدة: من آية " 12 " )
لكن ربنا عز وجل معيَّته مشروطة..

﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
( سورة المائدة: من آية " 12 " )
الكلمة من كثرة الترداد غاب معناها عن الناس، إذا قلت لواحد: الله معك. في قوة في الكون تستطيع أن تناله بالأذى.
إذا كنت في حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى

* * *

إذ كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لما الله عز وجل.. ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
( سورة الرعد: من آية " 11 " )
إذا ربنا أحب أن يهين إنسان ففي عذاب أليم، وفي عذاب عظيم، وفي عذاب مهين، من يُهن الله فما له من مكرم، العذاب المهين، عذابين؛ عذاب مادي وعذاب نفسي.

﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)﴾
( سورة الأعراف )
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
( سورة التوبة )
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾
( سورة آل عمران )
﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾
( سورة الأعراف )
تجليات ربنا عز وجل، أنوار ربنا عز وجل، عناية ربنا، حفظ ربنا للمحسن، لذلك..

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )
(( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
أي أن الله عز وجل بشكل مطلق مع المحسنين، المحسن الله معه، يسدده يحفظه، يحفظ له أولاده، يحفظ له ماله.

﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)﴾
( سورة إبراهيم )
أحياناً يأتي ببال الواحد خاطر، الآن جاء بباله، طرق بالعمود تجده انفج بجبينه فهذا العامود ألا يراه ؟! سريع الحساب، ينوي نية سوء، يدفع ثمنها قبل أن ينفِّذها، سريع الحساب، يتوب إلى الله، بمجرد ما يتوب يحس أن جبلاً انزاح عن كاهله، يحس نفسه أنه صار خفيف، فسبحان الله الصُلحة بلمحة.

(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله))
بمجرد الإنسان ما يتوب، كأن ربنا عز وجل يشعره أنه قبل توبته، أنه قبله، وأنه عفا عما مضى، وأنه فتحت صفحةٌ جديدة، والله سبحانه وتعالى يشعره أنه فرح به.

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)﴾
( سورة البقرة )
لا يحب أن تتكلم عن نفسك، تحزن الناس على أحوالهم، لا يحب تفسد بين زوجة وزوجها، ولا بين شريك وشريكه، ولا بين أخ وأخوه، لا يحب الله عز وجل تحبب الناس في الدنيا، لا يحب تشجع إنسان على معصية، لا يحب تفصل ابن عن أمه، تقنع ابن أن يسكن لحاله، لا يحب الله عز وجل، لا يحب أن تعمل سوء علاقة بين أخين، لا يحب أن تعمل سوء علاقة بين جارين، لا يحب النمَّام، لا يحب المغتاب، لا يحب نقل الأحاديث، لا يحب الفساد فكلما الإنسان كمل إيمانه تجد كلامه مضبوط موزون.
كان أحد الشيوخ ـ رحمه الله ـ لا يجرؤ إنسان يحكي في مجلسه كلمة عن إنسان يقول له: " يا با أظلم قلبي ". ما هذه الكلام ؟ والله إذا كان لا يوجد غيبة في المجتمعات يصير شيء جميل، قال لي أخ: دور استمر سبعة عشر سنة، أحباب، أصحاب، أصدقاء، سبعة عشر سنة، لا يوجد دور يستمر سنة فينتهي، فسأل واحد ما سر استمرار هذا اللقاء ؟ فاكتشف الحاضرون شيئين: الأول: أنه لا غيبة في مجلسهم، والثاني: لا نساء في مجلسهم. لا يوجد اختلاط.
إذا في اختلاط يقول لها: اطلعتي فيه زيادة في العشية بالبيت. هي تقول له: كذلك أنت كانت عينك لم تقمها من فلانة. صار في هذا الشقاق الزوجي، ما دام ما في اختلاط أصبح في طهر، ربنا عز وجل لا يحب الفساد، هل يا ترى الله يحبني ؟ هل الشيء صعب ؟ هل هي لغز، القرآن واضح:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾
( سورة آل عمران )
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾
( سورة البقرة )
اجمعهم اثنا عشر آية.

﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)﴾
( سورة البقرة )
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)﴾
( سورة الأنفال )
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)﴾
( سورة لقمان)
اجمعهم، حوالي اثنا عشر باثني عشر، أنا مرة جمعتهم، مع حذف التكرار.
لا يسبب فساد للناس.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾
( سورة البقرة: من آية " 222 " )
فإذا واحد غلط غلطة لا ييأس، لا ينكمش، يدفع صدقة فورية ؛ يا رب تبت إليك، الله يحب التوَّاب، لا يحب التائب، يحب التواب، التواب اسم فاعل مبالغ به، أي كثير التوبة قال عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن مذنبٌ تواب))
ليس معناها أن الذنب يعيده مرتين أو ثلاثة، هذا استهزاء بالله عز وجل، أما هذه كان لا يعرفها سابقاً، بلغه أنها حرام، فتركها على الفور، في قضية ثانية لم يكن يعرفها أيضاً تاب عنها، كلما كان اكتشف أن في خلل في استقامته، في له شيء لا يرضي الله يتوب عنه على الفور، معنى تواب أنه كلما اكتشف بحياته في خلل يتوب منه فوراً، مثلاً:
ليس من الأصول أن الإنسان يتحدث عن زوجته ولو أنها صالحة، طبعاً الحديث عن شكلها هذا ديوث، أما الحديث عن أخلاقها من قلة المروءة، لأنه الذي تحدثهم عنها ليس لهم حق أن يتخيلوها تخيل، ففي أشخاص يقول: لم أكن أعرفها سابقاً. الآن عرفتها، فتب منها، كل ما الإنسان شعر أنه في شيء في خلل بكلامه، ربنا عز وجل علمنا، بالقرآن الكريم كله لم يذكر ربنا عز وجل ولا اسم امرأة إلا واحدة:

﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 35 " )
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾
( سورة التحريم: من آية " 11 " )
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 59 " )
فلو استعرضت القرآن الكريم بكامله، ستمئة صفحة، لا يوجد اسم امرأة إلا عيسى ابن مريم، لأن صار في حوله إشكال، لأنه قيل أنه ابن الله، لا ابن مريم، في ناس عملوا بطاقات شيء جميل، وصلني كم بطاقة عقد قران: ندعوكم لحفل زفاف الشاب فلان على كريمة فلان. والله أحلى ما يكتب على فاتنة، على كريمة فلان، بلا اسم، هذا انسجاماً مع كلام الله عز وجل.
بالمناسبة هذا شيء بالشيء يذكر، عدة عقود قران توزع فيها بعض الكتب الجيدة كتاب في الأحاديث مثلاً، كتاب في تفسير مبسط أحياناً، مصحف، كتاب في الحديث الشريف كتاب مشهور للغزالي مثلاً، في كتاب بخمسة، وعشرة، وخمسة عشر، وثلاثين، أنت ناوي أن تدفع ثمن هذه العلبة خمسة عشرة ليرة، فيوجد كتاب بخمسة عشر مفيد، يقرأ، يستفاد منه، إذا كان واحد قرأ حديث شريف يتأثر فيه، فهذا بصحيفة الزوجين، آن الأوان أن الإنسان يجدد هذه التقاليد المستمرة شيء ليس له طعم.

﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)﴾
( سورة الحديد )
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) ﴾
( سورة التغابن )
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
( سورة البقرة: من آية "245 " )
يظن الغني أنه غني بذكاءه، الغني ببسط الله عز وجل، والإنسان قد يكون أذكى الله عنده له رزقة محدودة، لكن ربنا عز وجل حكيم.

((وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك))
( من كنز العمال: عن " أنس " )
حكيم عليم، لكن ربنا عز وجل قال:

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾
( سورة يونس )
يا ترى دعواهم أي دعاءهم ؟ لو كان الدعاء كان الله يقول: وآخر دعوتهم، أو وآخر دعائهم، أما هنا:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾
دعواهم، أي الدعوة القضية، أي قضيتك مع الله، منذ أن ولدت وحتى الموت ملخصةٌ بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين، الإنسان بيئته، وضعه، جسمه، معه كسل بالأمعاء دائماً، معه التهاب كبد مزمن، في معه ضعف بالبنية عام، وضع جسمه، وضع صحته دخله، بيته، زوجته، أولاده، معاشه، علاقاته مع الآخرين، يوم القيامة يكشف الله الغطاء فتقول: الحمد لله رب العالمين. هذا الإيمان، أما سيدنا علي قال: " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ". أي صار في عنده يقين برحمة الله، وحكمة الله، وعلم الله، وخبرة الله، قبل كشف الغطاء، فلو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً.
ويقول الإمام عليٌ كرم الله وجهه: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ". أنا لما أرى أخ أو مؤمن في عنده مشكلة كبيرة بحياته وراضي ويقول: الحمد لله الله حكيم، هذا شيء أنسب شيء لي، الله رحيم، الله عليم. أنا أعد هذا درجة عالية في الإيمان، أن الإنسان يرضى بمكروه القضاء، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
( سورة البقرة: من آية "245 " )
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
( سورة البقرة: من آية " 255 " )
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
( سورة البقرة: من آية " 255 " )
انظر العظيم قدرةً، والعلي كرماً..

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 257 " )
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 156 " )
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)﴾
( سورة لقمان)
هو غني، ومع أنه غني لا يعامل عباده إلا معاملةً يحمدونه عليها.

﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 18 " )
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 26 " )
((أنا اللّه ملك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رجمة وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم))
( من شرح الجامع الصغير )
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 26 " )
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)﴾
( سورة العنكبوت )
((عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَ ـ أما هنا انتبهوا ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ـ انظر إلى دقة الحديث ـ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَ ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي ذر " )
لا يتهم الله عز وجل، يا رب ماذا فعلنا نحن لك ؟ في ناس يتجرأوا على الله عز وجل، يقولون لك: ماذا فعلنا فنحن نصلي له ؟ فلان الفاجر لا يعمل له شيء. كأنه يعترض على حكمة الله عز وجل، هي هذه جوابها سهل: إذا كان طالب من غير مدرسة فلتان، لا يوجد من يحاسبه بالأساس، هل عليه هذا الطالب وظائف ؟ لا يوجد عليه وظائف، عليه دوام ؟ ليس عليه دوام، هل عليه تفتيش نظافة ؟ لا يوجد عليه تفتيش نظافة، أما بالمدرسة محاسب أين وظيفتك ؟ لماذا تأخرت اليوم ؟ لماذا الصدرية ليست نظيفة ؟
فلما ربنا عز وجل يحاسب إنسان معناها هذا الإنسان ضمن المدرسة، طالب نظامي، له مستقبل، أما إذا كان لم يحاسبه هذه علامة غضب، تركه هملاً..

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
( سورة الأنعام )
الإنسان العاقل يفرح إذا الله عز وجل يبتليه، إذا أحب الله عبده ابتلاه، معناها أ،ه ضمن العناية الإلهية، ضمن العناية المشددة، ضمن المعالجة، ضمن الرحمة، معناها ليس ميئوساً منه، فيه خير، أما إذا كان واحد متروك هملاً يكون هذا خارج المدرسة، لا يوجد عليه دوام، ولا في تفتيش وظائف، ولا في مذاكرات، ولا في مذاكرة فجائية، ولا في مذاكرة خطية ولا في مذكرة لوالده، ولا في إحضار ولي، لا يوجد شيء إطلاقا، معناها هذا متروك هَمَل أما هذا الجاهل تجده يقول: أنا أصلي ويبعث لي الله مصائب، وفلان لا يصلي ليس عنده مصائب. أنت غيره.

﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 98 " )
قال له واحد: أنا أريد أن أعصي الله عز وجل في لها فتوى هذه المعصية ؟ قال له في لها فتوى، اعصيه في مكانٍ لا يراك فيه. قال له: ما في إمكان. قال له: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه. قال له: وأين أسكن إذاً ؟ قال له: تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له هات الثانية. قال له: إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه. قال له: وماذا آكل إذاً ؟ قال له تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟ قال له: هات الثالثة. قال له: إذا أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه. قال له: لابد من أن يراني. قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟ قال له: هات الرابعة. قال له: إذا أردت أن تعصيه فإذا جاءك ملكا الموت فلا تذهب معهما ـ لا تروح ـ.قال له: لا أقدر أن لا أذهب. قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ولابد من أن تلقاه ؟!

﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 98 " )
﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)﴾
( سورة هود )
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة آل عمران: من آية " 141 " )
يكون في بهذه النفس عيوب، أمراض، الله عز وجل حليم، يضعك بظرف يظهر مرض، يعالجك منه، طبت منه، أيضاً بظرف ثاني مرض ثاني، طوال ما في بالجسد قلب ينبض في معالجة إلهية، حتى تلقاه كيوم ولدتك أمك، برئ، فالإنسان يجب أن لا يزعل.

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 180 " )
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)﴾
وأنه رقيبٌ علينا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾
( سورة النساء )
وأنه عليٌ كبير..
طبعاً الموضوع طويل، العقيدة الصحيحة من كتاب الله عز وجل، هذا كله ورد في القرآن الكريم..

* * *
الآن ننتقل إلى قصة صحابيٍ جليل هو سيدنا سراقة
أنا أتمنى على الأخ الحاضر إذا كان قلت له: احكي لي عن علم الله عز وجل يتكلم لك ساعة. احكي لي عن لطف الله عز وجل، ساعتين على خبرته، على حكمته، على أنه عزيز، على أنه حكيم، على أنه حليم، على أنه غني، هذه معرفة الله عز وجل، ماذا تعرف عن أسمائه؟
ضيف اليوم الجليل سيدنا سراقة، لاحظ أن الصحابة الكرام تقول سيدنا سراقة لكن كان يقصد رسول الله، كيف ربنا عفو كريم، وكيف الإسلام يجب ما قبله ؟ وكيف الصلحة بلمحة ؟
هبت قريش قريشٌ ذات صباح وجلةً مذعورة، فقد سرى في أنديتها أن محمداً قد بارح مكة ـ خرج من مكة ـ مستتراً بجنح الظلام، فلم يصدق زعماء قريش النبأ، واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارٍ من دور بني هاشم، وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه حتى أتوا منزل أبي بكر، فخرجت إليهم ابنته أسماء.
والله الطفل النبيه شيء جميل يقول له: قال أبي أنه ليس هنا. فقال لها أبو جهل: أين أبوكِ يا بنت ؟ قالت: لا أدري أين هو الآن ؟ فرفع يده ولطم خدها لطمةً أهوت بقرطها على الأرض.
جن جنون زعماء قريش حين أيقنوا أن محمداً غادر مكة، وجندوا كل من لديهم من قفاة الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه، ومضوا معهم يبحثون عنه، فلما بلغوا غار ثور، قال لهم قفاة الأثر: والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار. ـ لأن الآثار دالة ـ ولم يكن هؤلاء مخطئين فيما قالوا لقريش، فقد كان محمدٌ وصاحبه في داخل الغار، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما.
قال له: " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا ". هذا حفظ الله عز وجل، يقول لك أحياناً: الله يعمي عنك. هي دعوة عامة لكنها عميقة، أحياناً لا يرى الموظف المخالفة، أحياناً ينكشها، على هوى حفظ الله عز وجل.
حتى أن الصديق رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه، فنظر إليه النبي الكريم نظرة حبٍ ورفقٍ وعتاب، فهمس الصديق قائلاً: "والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً " هذه المحبة، والله يا إخوان الإيمان كله محبة، إذا الإنسان لا يحب أهل الإيمان لا يكون مؤمن. قال له:
((والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله))
فقال له عليه الصلاة والسلام مطمئناً:

(( لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا ))
أي إذا أنت مؤمن لك من هذا الكلام نصيب، هذا ليس تاريخ، هذا لنا، إذا أنت على شيء من الإيمان، ومستقيم، وعملك طيب، بملمة، بموقف حرج، بورطة، يجب أن تطمئن إلى رحمة الله، إن الله معنا، فأنزل الله السكينة على قلب الصديق، وراح ينظر إلى أقدام القوم ثم قال:
((يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدميه لرآنا))
فقال له النبي الكريم، هذه مرة ثانية فرجع واطمأن قلبه:

(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا))
( من صحيح البخاري: عن " أبي بكر " )
أنا أشبه تمثيل لكن تقريب للفكرة، لو فرضنا واحد دعي إلى الخدمة الإلزامية وكان والده قائد الجيش، فهل هذه الرتب تخوفه ؟ لا تخوفه، لأنه كلهم بإمرته، النبي الكريم شايف كل من في الكون بيد الله عز وجل وهو رسول الله، لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟
وهنا سمعا فتىً من قريش يقول للقوم: هلموا إلى الغار ننظر فيه. أحياناً ربنا عز وجل وهذه من حكمته، هو سينجيك لكن يوصلك للحفة، ما دمت أنت بالداخل لا تخف، لما قربت من الحافة قلبك دق زيادة، قربت للأمام لهنا، هنا يظهر حسن ظنك بالله ؛ في شخص هنا يقول لك: أين الله، وصلوا لنا. الإيمان يظهر عند الخطر، أصحاب موسى آمنوا بسيدنا موسى لما تبعهم فرعون، واثقين هذا رسول، لكن لما قربوا من البحر البحر صار مبين من بعيد أزرق، وفرعون وراءهم. قالوا: أحلى كمان هذا ما يطلع رسول. لما شافوا أنه بقي اثنين كيلو متر وفرعون وراءهم، صار كيلو متر، نصف كيلو متر، عشر أمتار، في هذه الساعة لم يتحملوا فحكوا:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء )
آخر شيء، كمان سيدنا رسول نفس القصة صارت معه، رسول، وكسرى وقيصر، وتفتح عليكم بلاد قيصر وكسرى، سمعوا واطمئنوا، وستفتح البلاد، كل من في الجزيرة جاءهم ليبيدهم، بالخندق، اليهود نقضوا عهدهم معهم، قالوا المؤرخين: الإسلام بقي على ساعات، ليست قضية فناء أو بقاء، قضية ساعات بقي الإسلام كله، في واحد قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته.
فربنا عز وجل أحياناً يضيق على المؤمن، يضيق عليه لدرجة إلى أن لا يوجد أمل بالمرة يقدر هذا الدين يقوى، هذه حكمة إلهية.

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾
( سورة الأحزاب )
كانوا مخلطين، انفرزوا الآن، أحياناً بالمنخل ينزل الزيوان يصفى القمح كذلك ربنا عز وجل يهز، هزة واحدة كل الضعاف يهرهروا فيتبقى الأقوياء أما:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾
( سورة الأحزاب )
علامة الإيمان أنك في السرَّاء مؤمن وفي الضراء مؤمن، في الغنى مؤمن وفي الفقر مؤمن، في إقبال الدنيا مؤمن وفي إدبارها مؤمن، عندك أولاد مؤمن الله لم يوهبك أولاد مؤمن عندك زوجة صالحة مؤمن، زوجة سيئة مؤمن، دخلك كبير مؤمن، دخلك قليل مؤمن.
هلموا إلى الغار ننظر فيه. فقال له أمية بن خلف ساخراً: ألم ترى إلى هذا العنكبوت الذي عشعش على بابه ؟ ألا ترى العنكبوت ؟ القلب بيد الله عز وجل، والله إنه أقدم من ميلاد محمد. تريد الدخول إلى الداخل، هذا العنكبوت قبل أن يولد محمد، غير أن أبا جهل قال واللات والعزى إني لأحسبه قريباً منا يسمع ما نقول ويرى ما نصنع، ولكن سحره ران على أبصارنا. والله كأنه بجانبنا قاعد سيدنا محمد.
يقولون ـ لكن هذه لم يذكرها المؤلف ـ أن سيدنا الصديق وقعت عينه على عين أحد على هؤلاء الذين يلاحقونه فأصيب بالذعر. قال له: " والله يا رسول الله لقد رأوني ". قال له: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾
( سورة الأعراف )
ألم تقرأ هذه الآية ؟ بيد أن قريشاً لم تنفض يدها من أمر العثور على محمد، ولم ينثني عزمها عن ملاحقته، فأعلنت في القبائل المنتشرة على طول الطريق بين مكة والمدينة، أن من يأتها بمحمدٍ حياً أو ميتاً فله مئةٌ من كرائم الإبل. الآن الإبل ثمن الواحدة سبعة آلاف ليرة مئة في سبعة آلاف، أي سبعمئة ألف ثمن بيت جيد.
كان سراقة بن مالك في نديٍ من أندية قومه قريباً من مكة، فإذا برسولٍ من رسل قريش يدخل عليهم ويزيع فيهم نبأً الجائزة الكبرى التي بذلتها قريش لمن يأتيها بحمد حياً أو ميت.
فما كاد سراقة يسمع بالنوق المائة حتى اشرأبت إليه عنقه، واشتد عليها صرحه ولكنه ضبط نفسه، فلم يفُه بكلمةٍ واحدة حتى لا تتحرك أطماع الآخرين، وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه، دخل على الندي رجلٌ من قومه وقال: والله لقد مر بنا الآن ثلاثة رجالٍ، وإني لأظنهم محمداً وأبي بكر ودليلهما.
فقال سراقة وقد كان داهية: بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقةٍ لهم أضلوها حتى لكي لا أحد يلحق يأخذ الجائزة غيره، فقال الرجل: لعلهم كذلك. وسكت ثم مكث سراقة قليلاً حتى لا يثير قيامه أحداً، أي يثير الشبهة ممن في الندوى، فلما دخل القوم في حديثٍ آخر انسل من بينهم، ومضى خفيفاً مسرعاً إلى بيته وأسر لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلةٍ من أعين الناس، وأن تربطه له في بطن الوادي ـ لكي يخرج ماشياً أنه ذاهب يدور ـ وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه، وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد، يريد أن يحضره ميتاً أو حياً، وأن يجعله في مكان قريب من الفرس.
لبس سراقة لأمته ـ أي درعه ـ وتقلد سلاحه وامتطى صهوة فرسه، وطفق يجد السير ليدرك محمداً قبل أن يأخذه أحدٌ سواه، ويظفر بجائزة قريش، كان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه المعدودين ؛ طويل القامة عظيم الهامة، بصيراً باقتفاء الأثر، صبوراً على أهوال الطرق ـ أي ابن سفر، ابن بر كما يقولون ـ وكان إلى ذلك كله أريباً لبيباً شاعراً وكانت فرسه من عتاق الخيل.
مضى سراقة يطوي الأرض طياً، لكنه ما لبث أن عثر به فرسه وسقط عن صهوتها فتشائم من ذلك وقال: ما هذا ؟ تباً لك من فرس. وعلا ظهرها غير أنه لم يمضي بعيداً حتى عثرت به مرةً أخرى.
فإذا الواحد منا لا سمح الله ماشي بطريق غير صحيح وأكل أول ضربة، لا يظل ماشي والثانية ربنا نبهه، أول مرة تعثرت فرسه وثاني مرة.
فازداد تشاؤماً وهم بالرجوع، فما رده عن همه إلا طمعه بالنوق المئة، فلما يبتعد سراقة كثيراً عن مكان عثور فرسه، حتى أبصر محمداً وصاحبه، فمد يده إلى قوسه، لكن يده جمدت في مكانها، ذلك بأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض، والدخان يتصاعد من بين يديها ويغطي عينيه وعينيها، فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت في الأرض، كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد ـ الآن أدرك أن هذا الرجل ممنوع منه ـ فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وقال بصوتٍ ضارع: يا هذان ادعوا لي ربكما أي يطلق قوائم فرسي. لكن يقولون أن سيدنا سراقة لما قرب من سيدنا رسول الله، سيدنا الصديق بكي مرة ثانية قال له:
" ما يبكيك يا أبا بكر ". قال له: " والله ما على نفسي أبكي ولكنني أبكي عليك، إن أهلك أنا فأنا واحد، وإن تهلك أنت فأنت أمة ". فقال له رسول الله:

(( اللهم اكفنا شره متى شئت وكيف شئت ))
ولكما علي أن أكف عنكما. لا أعمل لكم شيء. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فأطلق الله له قوائم فرسه، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد، فدفع فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل، فاستغاث بهما وقال: إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخذاه ولكما، علي عهد الله أن أرد عنكما من ورائي من الناس. أول عهد أن يكف عنهم، أما ثاني عهد أن يبعد الناس عنهما، طور العهد.
فقالا له:
((لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن رد عنا الناس))
ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت فرسه، فلما هم بالعودة ناداهم قائلاً: تريثوا أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيءٌ تكرهونه. فقالا له: " ما تبتغي منا ؟ " فقال: والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك ـ كان ذكي ـ ويعلو أمرك، فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني، واكتب لي بذلك.
فأمر النبي صلوات الله عليه الصديق فكتب له على لوحٍ من عظم، ودفعه إليه، ولما هم بالانصراف، قال له النبي عليه الصلاة والسلام:

(( وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ))
( من شرح الجامع الصغير: عن " ابن معين " )
أي هل من المعقول تقول لواحد جالس بدولة من العالم الثالث: كيف بك إذا جلست مجلس أعلى رئيس دولتين في العالم ؟

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:53 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 11 : العلم : فضيلة العلم - فصل من فصول إحياء علوم الدين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-12-09
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
لا زلنا في فصولٍ مختارةٍ من إحياء علوم الدين، والفصل المختار الذي بدأناه في الدرس الماضي هو العلم، وقد ذكرت لكم بعضاً مما جاء في هذا الفصل من الأحاديث الشريفة، التي تحث الناس على طلب العلم، ولا زلنا في هذا الموضوع.
ربُنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 18 " )
قال بعضهم: إذا تعلَّم الرجل، وسار على معرفةٍ بالله عز وجل، يكفي أنه جاء ثالث اسمٍ في هذه الآية:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 18 " )
ويُستنبط من هذه الآية أن العالم الحقيقي هو الذي يشهد لك عدالة الله عز وجل، أما الذي ينقل لك بعض ما قرأه فهو ناقل وليس عالماً، إن قرأ لك بعض ما نقله وما قرأه، وأدى هذا النقل إلى إيقاعك ببعض تناقضات، هذه يقول: عدله غير عدلنا. وهذه نقول: نحن أدباً نقول الإنسان مخير، لكنه في الحقيقة مجبر على كل أفعاله. من يقول هذه الكلام ليس عالماً ولكنه ناقل، نقل حقاً ونقل باطلاً، نقل حقاً ونقل ما قرأه من الباطل وجاز عليه هذا الباطل، لذلك:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 18 " )
أي أن لما الإنسان يريد أن يأخذ دينه عن عالم، فهذا أثمن شيء في الحياة..

((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
( من صحيح مسلم: عن " ابن سيرين " )
(( يا ابن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين قالوا ))
( من كنز العمال: عن " ابن عمر " )
لأن لو الإنسان سمع كلام غير صحيح من رجل ينقل لك العلم لا أقول عالم، وهذا الكلام أعانك على معصية، أو غطَّى لك معصية، أو برر لك المعصية فهذا هو الضلال بعينه، فسيدنا يوسف فعل ما فعل من أنت ؟ صار في مبرر لإطلاق البصر.

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 18 " )
شيءٌ آخر..

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)﴾
( سورة العنكبوت )
العالمون وحدهم يعقلون هذه الأمثال، البارحة في بعض الدروس في درس في مسجد العفيف، أخ كريم جاء بمثل ـ طبعاً هو السؤال عن تشبيه في آية ـ قال لي:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾

( سورة إبراهيم )
هذا مثل ضربه الله لنا عز وجل، فكيف أصلها ثابت ؟ أي أن الحق مبني على قواعد ثابتة أسس الحق ثابتة، عبر العصور، والأزمان، والأمصار، والأصقاع، لا يتبدل ولا يتغير، الحق هو هو، قديمٌ وأزليٌ وسرمديٌ وأبدي..

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾
( سورة إبراهيم: من آية " 24 " )
أي أن التعامل مع الله ثابت، الله سبحانه وتعالى له قواعد ثابتة في التعامل معه.

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾
( سورة الأعراف )
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
( سورة الكهف: من آية " 110 " )
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾
( سورة يوسف )
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
( سورة يوسف: من آية " 124 " )
كلها قواعد ثابتة، فالتعامل مع الله عز وجل مريح، أما التعامل مع البشر، البشر متقلِّب ما كنت ترضيه به اليوم لا يرضى به غداً، قد يأخذ موقف آخر، قد يتقلب، قد يغير، قد يبدل قد ترضيه، قد لا ترضيه، قد ترضيه فيغضب غيره..

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾
( سورة إبراهيم )
فآثار التدين الصحيح سمو في النفس..

﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾
( سورة إبراهيم )
آثار الدين الحقيقي المروءة، وفاء، عفة، صدق، أمانة، لو أن مال الدنيا وضع تحت يدي رجل مسلم ما أخذ منه شيء إلا بحقه، فالمؤمن أمين، المؤمن صادق، المؤمن عفيف المؤمن يؤتمن على كل شيء، فلذلك:

﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾
( سورة إبراهيم )
تزوج المؤمن، أنجب أولاد صالحين، جاره دعاه للجامع، عرفه بالله، استقام جاره صهره دعاه للجامع، عرفه بالله، استقام، ابن أخوه، أخوه، زميله..

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
( سورة إبراهيم: من آية " 24 " )
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
( سورة إبراهيم )
هذا مثل، قال تعالى:

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)﴾
( سورة العنكبوت )
لكن هذا القرآن الكريم، كتاب الله، قال الله عز وجل:

﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
( سورة العنكبوت: من آية " 49 " )
هذه آيةٌ أروع، أي أن القرآن الكريم ليس هذا الذي كتب على ورق، القرآن الكريم:

﴿هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
( سورة العنكبوت: من آية " 49 " )
لذلك:
(( من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال، فهو ينتقل من محال إلى محال "، " لا يعرف ما نقول من لم يقتف أثر الرسول اللهم صلي عليه))
﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
( سورة العنكبوت: من آية " 49 " )
النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
أي إذا إنسان من عائلة أو من أصل رفيع وتعلم، تزيده رفعةً، هذا العلم يزيده رفعةً، إن كنت شريفاً فالعلم يزيدك شرفاً.
تعلموا العلم ـ كما قال بعض الخلفاء ـ فإن كنتم سادةً ـ في الأساس ـ فقتم، وإن كنتم وسطاً سُدتم، وإن كنتم سوقةً عشتم.
إن كنتم في الأساس سادة فقتم في هذا العلم، وإن كنتم وسطاً ـ من الطبقة الوسطى ـ سدتم بالعلم، وإن كنتم سوقةً ـ من دهماء الناس ـ عشتم بالعلم. " إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً، وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك.
وقال صلى الله عليه وسلم:

((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ ـ مستحيل ـ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة)u5r4
((ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه))
إذا أنت قلت الآن: دكتور. لو قلت هذه الكلمة أمام مليون إنسان، المليون إنسان يفهمون أن هذا عالم، غير أنه عالم عنده حكم موضوعي لأن من لوازم العالم الحكم الموضوعي، الإنصاف في الحكم، فإذا قلت: مؤمن. لا يمكن إلا وأن يكون على شيءٍ من العلم، فكلمة مؤمن مرتبة علمية، وكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية، وكلمة مؤمن مرتبة جمالية، أي أن المؤمن عالم، المؤمن أخلاقي، المؤمن له أذواق رفيعة، كيف رفيعة ؟ أي يطرب في كتاب الله، يتغنى بالقرآن. لو جمع ذوَّاقوا الغناء في العالم ما طربوا بواحد بالمئة ولا بالألف مما يطرب به المؤمن من كتاب الله، المؤمن له أذواق رفيعة، حتى في زواجه، في طعامه، في شرابه، في بيته، له ترتيبات، له اختيارات راقية جداً، فالنبي الكريم يقول:

(( خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
في فقه، في تعمُّق، المنافق يخلِّط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، إذاً ليس فقيهاً.. جاء ببالي مثل، أحب أطرق أمثلة من واقع حياتنا:
إذا واحد معه دكتوراه في ميكانيك السيارات، دارس ثمانية عشر سنة، وبتفوق وبسيارته الخاصة لما شعل ضوء أحمر للزيت لم ينتبه ولم يهتم، وظل ماشي، فاحترق المحرك، وواحد لا يقرأ ولا يكتب لما شعل ضوء الأحمر وقف، أنقذ عشرين ألف ليرة، أيهما أفهم ؟ عملياً هذا الذي توقف فجأةً، هذا استفاد من معلومات بسيطة، أما هذا الآخر على علمه الشديد حرق المحرك.
فأحياناً الإنسان يكون مثقف ثقافة عالية، لكن لأنه لأنه لا يستقيم على أمر الله ليس عالماً علمه جهل، وهذا الذي يبدو لك ليس عالماً، جهله علم، مادام استقام، ما دام خشي الله عز وجل، استفاد من معلومات بسيطة، ليس من الشرط يكون متبحر في كل شيء، لأن العمر قصير، لكن إذا كان خشي الله عز وجل فهو على نوعٍ من أنواع العلم الراقي.
((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله))
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ))
( من تخاريج أحاديث الإحياء: عن " ابن عباس " )
فأنا حينما أقول عن العلم أقصدكم أنتم والله، أقصد من يحضر مجالس العلم، لأن:

((إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ))
( من صحيح البخاري )
وهذا الذي ترك بيته، وجاء ليجلس في مسجد لا نقدم له شيئاً ؛ لا طعام ولا شراب ولا أي شيء، وليس المقعد مريحاً على الأرض، هذا الذي جاء ليتعلم العلم هو المقصود بهذه الأحاديث.

((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل))
سيدنا الصديق ماذا قال ؟ قال: إنما أنا متبع، ولست بمبتدع. فالعالم لا يقول لك من عنده شيئاً ؛ مما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، مما قاله الله عز وجل،

((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل))
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " أبي الدرداء " )
لأن الإنسان قد يأتي يوم القيامة أمَّة، وهذا أيضاً تحميس لكم، أي اعرف بالضبط مكانتك عند الله بعدد الذين تمَّت هدايتهم على يديك، وهذه صنعة الأنبياء، وإذا قدَّر الله على يديك هداية رجل فقد سبقت من أُعطي الدنيا بأكملها، من أعطي مال الدنيا، هذا أوناسيس ترك أساطيل من البواخر، ترك جزر كلها باسمه وهي ملكه الشخصي، ماذا أخذ معه، قبيل أن يموت قال: أنا أشقى الناس. هذا يسموه من أكبر أثرياء العالم، الآن في ببعض الدول العربية شخص يملك أربع أو خمسة آلاف مليون دولار، هذه أرقام واردة بالبنوك، فالواحد منا ماذا يأكل الظهر، غير أوقية ونصف من اللحم ! كم بدلة يلبس في آن واحد ؟ بدلة واحدة، كم كم للبدلة ؟ كمين البنطال كم فردة له ؟ فردتين، على كم فراش ينام ؟ على فراش واحد، وإذا عطش كم كأس يشرب ؟ كأس واحد، لو إنسان تعمق تجده كله فقاعات صابونة.

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
( من سنن الترمذي: عن " الخطمي " )
ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس، أنت بصحتك أغنى الناس، فمن طرائف الحكم أن الصحة واحد، والمال صفر صار عشرة، الجاه صار صفر واحد صاروا مئة، إذا عنده بيت واسع صفر ثالث صاروا ألف، عنده أولاد صفر رابع، عنده مركبة صفر خامس، عنده بستان صفر سادس، عنده بيت بمصيف فخم ثمنه مليونين ليرة صفر سابع، لكن إسحب الواحد، كله أصفار، فإذا واحد عنده صحة عنده كل شيء، إذا واحد كلاويه سليمتين، قلبه سليم، أمعاؤه سليمة، أعصابه سليمة، كامل الخلق، عقله برأسه.
لي صديق معه عدة أمراض ؛ كوليسترول وأسيد أوريك كم مرض، ونحن ماشيين رأينا واحد فاقد العقل بالطريق، قلت له: أغلب الظن أن هذا الإنسان لو فحصت قلبه مئة بالمئة، قوي نبضه، وضغطه، وحلل الدم تمام، تتمنى أن تكون بصحته وبعقله ؟ قال: لا. قلت له: إذن أنت في نعمةٍ كبرى.
الإنسان في الصحة، هذه ألح عليها، لا أحد يقل: أنا معي مال فأنا بنعمة. هذا المال لا يمسى نعمةً إلا إذا أنفقته في طاعة الله، أنا عندي زوجة. هذه ليست نعمة إلا إذا كانت مؤمنةً إن لم تكن كذلك تقود زوجها إلى جهنم، أنا عندي أولاد. إن اهتممت برعايتهم ـ طبعاً بعد ما أنت اهتميت، إذا استقاموا أو ما استقاموا فهذا شيء لست مسؤول عنه ـ لكن أهملت توجيهم ونشأووا على الفسق والضلال، الأولاد لو كانوا أطباء ومهندسين، وأحدهم معه بورد، والآخر معه ( إف آر إس )، وواحد منهم معه شهادة ( أكريجيه )، وكلهم قعدوا أمامك، وكلهم جاؤوا من أوروبا، وواقعين بمشكلات، وتركوا دينهم، ووقعوا بالفاحشة، وشايفين أمتهم متخلفة وأبوهم دقة قديمة، إذا كان عندك أولاد هكذا بعلية المجتمع وما كانوا دينين، فهي ليست نعمة بل نقمة، بالدليل أن يوم القيامة يقول أحدهم: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه هو الذي شجعني، لما رآني بالفسق ما نهاني، افتخر بي ولكن ما نهاني، فالموضوع ربنا قال:

﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)﴾
( سورة الدخان )
نَعمة.. هذه خليها ببالك، مال من دون هدى نَعمة، زوجة بلا هدى نَعمة، صحة بلا هدى نَعمة.
الآن... صحة وهدى نِعمة، زوجة مع الإيمان نِعمة، مال بالإيمان نِعمة، هذه النِعمة لذلك:

﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
( سورة المائدة: من آية " 6 " )
قال المفسرون: تمام النعمة الهدى. مهتدي إذاً أنت بنعمة، أن كل شيء في الدنيا يبقى في الدنيا، فالصحيح يموت والمريض يموت، والغني يموت والفقير يموت، وسيدنا عمر بن عبد العزيز الله يرضي عنه عيَّن مستشار من أعلى مستوى، اسمه عمر بن مزاحم، قال له:
((يا عمر الزمني، فإن رأيتني ضللت فامسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي: اتقي الله يا عمر فإنك ستموت ))
فهذه هي وظيفتك، راقب أحكامي، راقب تصرفاتي، إذا كنت حكمت بين شخصين فراقب حكمه، إذا كنت اصدرت أمر راقبه ضمن الحق أو هو الحق، إذا كنت خرجت عن الحق المسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي: اتقي الله يا عمر فإنك ستموت.
فهذا موضوع النِعمة والنَعمة خليه ببالكم، فالآن الناس تجدهم عنده مال الله كافيه، لكن هذا المال ينفقه في المعاصي يقول لك: الله مفوضها. إذا مالك مهتدي لا ليست هذه النعمة، هذه ليست نعمة هذه نَعمة، إذا مهتدي فعلاً الله مفوضها عليك.
لذلك لنبحث عن الهدى، لأن ربنا عز وجل قال:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
( سورة البقرة: من آية " 269 " )
لأن بالحكمة تحسن إنفاق المال، وتحسن كسب المال، وبالحكمة تنتقي الزوجة الصالحة وبالحكمة تصلح السيئة، وبالحكمة تحسن تربية الأولاد، وبالحكمة تحسن استغلال وقتك.
حدثني أخ والده معه بعض الآلام، أخذ حب مسكِّن، استمر عليه أدمن عليه، الآن قعيد الفراش، يحتاج كل يوم ثلاثين ليرة ثمن هذا الحب، وهذا الحب مسكِّن من النوع القوي المفعول إذا لم يأخذه يكسر يطبش، من وقت ما بدأ أخذه باستمرار لو كان حكيماً ما وصل إلى ما وصل إليه، عليه بعض الديون، ويملك بيت يساوى سبعمئة ألف، باعه بمئتين وتسعين ألف، في ساعة غضب أحضر دلال نهبه نهيب، سكن عند أمه بغرفة واحدة هو وخمس أولاد ذكور وإناث وهو زوجته، وباع البيت والبيت الآن ثمنه ثمانمئة ألف، أي حكمة هذه ؟ أضاع البيت الذي كانت مساحته مئة وثمانين متر، حكى ابنه لي فقال: شيء صعب.
فكانت الحكمة كل شيء بالحياة، المال يحتاج إلى حراسة، أما العلم يحرسك، الحكمة تجلب المال، والحمق يبدد المال، الحكمة ؛ تنتقي بالحكمة زوجة صالحة، من دون حكمة تنتقي زوجة جميلة، فتكيل لك الصاع صاعين، من دون حكمة، فالإنسان يبحث عن العلم، والعلم أثمن شيء بالحياة.

(( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " أبي الدرداء " )
حديثٌ آخر، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ورزقه من حيث لا يحتسب))
هل أنتم مصدقون هذا الكلام ؟

(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ))
أي إذا كان شاب انقطع لمعرفة الله، أكبر هم تأمين بيت، أنا والله أضمن له ذلك، لكن كيف ؟ لا أعرف، لكن إعتماداً على وعد الله عز وجل، فكيف يتيسر البيت ؟ لا أعرف، لكن هذا الذي يهمك اطمئن من أجله.

((من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه))
يهمه أيضاً زوجة صالحة، أيضاً اطمئن، من أين تأتي ؟ لا أعرف لكن تأتيك امرأةٌ تقول ليس في نساء الأرض من هي خيرٌ منها. هكذا الله يُريكها، وإذا واحد تفقه في دين الله وخائف أن يكون رزقه قليل، لا تخف، لأن الله عز وجل هو الرزاق، لو قطع البشر بعض أسباب الرزق، إذا قطع البشر بعض أسباب الرزق يصل الله عز وجل رزق العبد بأسباب عديدة والعوام تقول هذا: إذا انسدت من باب تنفتح من عشر أبواب، وأحياناً المشكلة نفسها تسبب رزق وفير.

((من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ورزقه من حيث لا يحتسب )).
والله أنا كان لي طالب قال لي: أخذت شهادة عالية، والتحقت بالخدمة الإلزامية، ولا يوجد مجال أن أتزوج، لعدم وجود البيت، وبقي سنتين ثلاثة، قال لي: بعد أربع سنوات ضاقت نفسي جداً، لم أجد طريق مفتوح، كل الطرق مسدودة، وكان مسافر، في مكان سفره دعا الله عز وجل من أعماق أعماقه: أن يا رب يسر لي زواج حتى أحصن نفسي، ولا يوجد بيت. وهو في طريقه إلى دمشق لم يجد بالكرنك، ركب باص لمرحلة ثانية، من حمص أخذ باص ثاني، قعد فوجد بجانبه واحد وقور بعد نصف ساعة سأله: الأخ الكريم ما اسمه ؟ قال اسمي فلان. ما عملك ؟ قال: أنا مدرس. قال له: أمتزوج ؟ قال له: لا والله. قال له: عندي بنت تناسبك. قال له: لكن أنا ما عندي بيت ؟ قال له: هي ومعها بيت.
قال لي: والله ما في ساعات، وتم الأمر، كيف اجتمع معه، كيف صارت هذه المودة ؟ لا تعرف، فأنت فقط تتعامل مع الله عز وجل تصدق هذه القصص، إذا تعرف كيف الله يعامل المؤمنين ؟ كيف يعامل المخلصين ؟ كيف يعامل عباده الصالحين ؟ كيف يعامل من آثر رضاء الله على الدنيا ؟ إذا تعرف الله عز وجل تقول: حق، هذا الشيء يقع.
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( العالم أمين الله في الأرض ))
( من الجامع الصغير: عن " معاذ " )
أي أمين على هذه الدعوة، أمين على هذا الكتاب، أمين على الفتوى، لأنه إذا كان أفتى فتوى ضالة أو منحرفة، كان هذا الذي أفتى جسراً إلى جهنم، لذلك إذا كان سألت رجل على قضية وقال لك: اترك لي إياها. لا تشك بعلمه، شيء يخوف، فالفتوى تخوِّف كثيراً، يجوز يكون لها وجه صحيح ووجه غير صحيح، أعطه مهلة، لأن أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار، لكي الأمر يتضح، حرام حرام، حلال حلال.
وفي ناحية أخرى، هو الإنسان يظن أن الداعي إلى الله عز وجل موضوع آلة، فقط ينتهي الدرس يكون الواحد استنفذ كل طاقته، وشيء آخر أصبح بجو معين، ينطرح سؤال دقيق كثير: أن بنت ابن عم خالتي رضعانة من خالتي فهل يجوز لها ابني ؟ سؤال معقد، امهلني قليلاً لأكتبها سؤال معقد يحتاج أن يكتب على ورقة، يحتاج إلى تريث.
فأنا لا أرى من المناسب بعد الدرس مباشرةً تطرح أسئلة فقهية دقيقة جداً، فهذه الأسئلة تحتاج إلى وقت خاص، صباحاً من دون ما يكون في درس مثلاً، لأن الإنسان له طاقة وله بؤرة اهتمام، هذه البؤرة كلها تكون في هذا الموضوع، فلو نقلته لموضوع آخر، تحتاج لصفاء ذهني فالإنسان بالأسئلة تحتاج لوقت معين، فإذا كان سؤال مكتوب بورقة أهون، والإجابة عنه تكون أسهل..
وقال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء ))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ))
( من الجامع الصغير: عن " " عائشة " )
أي إن كنت على يقينٍ من صدق النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تراجع نفسك كل يوم أنا اليوم تعلمت تفسير آية ما كنت أعرفها ؟ تعلمت حديث شريف ما كنت أعرفه ؟ تعلمت قضية بالفقه ؟ عملت عمل صالح ؟ نفذت شيء من سنة رسول الله، عدت مريض مثلاً، تصدقت نصحت، أمرت بالمعروف، نهيت عن المنكر، تليت كتاب الله، ذكرت الله عز وجل ؟

(( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ))
( من كنز العمال )
إذا كنت وجدت الدرج ملئ بالغلة، فتقول: السوق حامي اليوم. هذا ليس ربح، هذا مال الدنيا للدنيا، لا ترتفع عند الله شعرة إذا تضاعف البيع، أما تعلمت آية، تعلمت حديث، تعلمت حكمة، سمعت قصة عن صحابي جليل فتأثرت تأثر بليغ، تمنيت أن تكون على شاكلة هؤلاء الأبطال، إذا كنت باليوم لك هذا النشاط فهنيئاً لك، أما النبي الكريم يقول:

(( إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ))
( من الجامع الصغير: عن " " عائشة " )
هذا اليوم غير مبارك، يقول لك: نهارك عربي بالصلاة على النبي. ما هذه عربي مبارك أي أنك ازدت علم لله عز وجل، مبارك أي زدت قرب من الله، عملت عمل صالح، الله قدر على يديك عملاً صالحاً، أو سمح لك أن يزداد علمك به، وهذه نصيحةٌ صادقة:
في اليوم الذي لا تزداد فيه من الله علماً أو لا تزداد فيه من الله قرباً فهذا يومٌ ضائع، ولو اشتريت صفقة ربحت منها مليونين، مال الدنيا للدنيا.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((ما عُبد الله تعالى بشيءٍ أفضل))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )
أنا حافظ مجموعة أحاديث على هذه الصيغة، من هذه الأحاديث:

(( ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب ))
( من كشف الخفاء )
إنسان مكسور خاطره أكرمته، لك أخت زرتها، هي وزوجها متشاجرة مهددة بالطلاق حليت مشكلة، قال لي شخص والله أبكاني: له أخت زارها، وجدها على خصام مع زوجها شديد جداً، زوجها دخله محدود، تريد منه ثلاثمئة بالشهر كسوة لها ولبناتها، وهو لا يعطيها شيء، هو جالس يستمع للمشكلة، بعد ما خلص قال لها: يا أختي المبلغ ثلاثمئة خذيه مني كل شهر وريحي زوجكِ. فسكتت، فهل بقيت مشكلة ؟ وزوجها سكت.
قال لي: كل شهر، والله مضى علي ثمانية أشهر لم أتأخر عن أداء المبلغ ساعة، يوم واحد بالشهر أكون عندها أعطيها المبلغ، أخاف أتأخر يوم فتظن أني قلبت غيرت عهدي هذا. قال لي: بعد شهرين أو ثلاثة قالت له: أخي اعمل لنا درس دين نتعلم منك. قال لي: والله هي التي طلبت، جمع أخواته كلهم وعمل لم درس أسبوعي، قال لي: علمتهم بعض آيات قرآنية وبعض من الأحاديث من الجامع الصغير، قال لي: الآن الخمسة أخوات بنات انطلقوا انطلاقة ثانية، غيروا كل مسلكهم بالحياة.
فهذا المبلغ الذي تدفعه يفعل السحر، يصير مثل السحر، إذا كان واحد دفع مبلغ اقتطعه من دخله، إرضاءً لله عز وجل، لأنه جبر خاطرها، هي لزم عليها أن تنفق بالشهر ثلاثمئة لها ولبناتها، وزوجها لا يوجد معه، هذا أخ، ف..

(( ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب))
( من كشف الخفاء )
أنا والله بغبط الأغنياء أقسم بالله لأن أمامهم أبواب مفتحة لا يعلمها إلا الله، مفتَّح أبواب للعمل الصالح أمامهم، فأقول لكم: بالحياة في قوتان قوة العلم وقوة المال، يمكن بالمال تهدي مئة رجل بإحسانك، هذا دينته، هذا عاونته، هذا اشتريت له، وهذا أقرضته، وهذا اشتري هذه الآلة وادفع لي ثمنها على التقسيط واشتغل فيها، تجد القلوب تميل لك، ويميلون لدينك أيضاً ويميلون لجامعك كذلك مكان ما بتصلي، تقدر تحضر الناس بمالك وتقدر بعلمك كذلك.
فإنسانين مغبوطين ؛ إنسان يعلم الناس، ورجل أتاه الله مالاً ينفقه إبتغاء مرضاة الله، كل هذا الخير، قال لي: أخواتي وبنات أخواتي، صار في درس أسبوعي.. فإذا واحد له أخوات بنات عمل لهم درس أسبوعي ببيته، أو ببيت أحد أخواته، وعلمهم بعض من الفقه، حقوق الزوج، وحقوق الزوجة، تفسير جزء عم، كم حديث شريف عن رسول الله، تجد الجو كله انتعش، الآن تجد الناس كل مجالسهم باطلة، كلام على الناس، وغيبة ونميمة، ونقل أخبار مزعجة، وشعور بالتفاهة.

(( ما مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلاَّ كانَتْ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ ))
( من الأذكار النووية: عن " أبي هريرة " )
يجوز تنفق مئة ليرة، تسبب هداية إنسان، لا أحد يستقل بالصدقة، فمثل ما قلت لكم:

(( ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب ))
( من كشف الخفاء )
هذا حديث آخر على الصيغة نفسها:

(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )
هذه أرقى عبادة، فالصلاة عبادة ـ طبعاً الفرض لحاله ـ أما إذا كنت صليت بالجامع صلاة نفل هذه عبادة، أما إذا استعمت إلى مجلس علم فهذه أفضل عبادة، إذا كان صمت نفل عبادة، لكن إذا كان الصيام النفل ـ إياكم أن تفهموا الفرض، فالفرض ليس رمضان فقط بل قضاء رمضان ـ سيمنعك من مجلس علم، فافطر واجلس مجلس علم، لأن الفقه في الدين أفضل عبادة.

(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )
إذا كنت أنت بمكان بعيد، ومعك أجرة سفر لمجلس علم، أنت بدرعا مثلاً، فتحتاج خمسة وخمسة، عشرة، إذا كان دفعت العشرة صدقة بدرعا هذا العمل ليس أقل من أن تأتي إلى دمشق وتحضر مجلس العلم، إذا دفعت هذا المبلغ أجرة طريق لحضور مجلس علم هذا أفضل عند الله من دفعها صدقة.

(( ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
( من تخاريج أحاديث الإحياء: عن " ابن عباس " )
قال لي واحد: حفرنا بالعضادة بمحل تجاري لنضع بوري، لم نفعل شيء، فروغ المحل ثلاثمئة ألف، جاء محامِ وصوره، وأقاموا دعوى وبعد عدة سنوات أخليت من المحل. لأن الحفر بالعضايد هذا يسبب الإخلاء، فالجاهل يقول لك: عضادة ما فيها شيء احفر منها قليلاً هذه العضادة حاملة اثنا عشر طابق، تحفر تعمل بالبناء تصدع، فهذه عماد الدين.

((الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين))
( من كشف الخفاء )
أخي أنا آدمي، لا أؤذي أحد ولكن لا أصلي. فما هذا الكلام ؟! هذا إما بلادة يا إما ذكاء في شخص لا يؤذي أحد يخاف من الناس، هذه بلادة، ولكن إذا كان قوي ولا يؤذي أحد فهذا ذكاء منه، يعيش مطمئن، ليس هذا الدين، الدين أن تعرف الله عز وجل.
جاء طالب آخر السنة: لماذا لم تنجحوني ؟ لم أضرب رفاقي، لم أتشاكس معهم، ولم افعل شيء ؟ لكن ما درست، وإذا لم تؤذهم، إذا كان لم تؤذ أحد يجب أن أنجحك ؟ النجاح يحتاج إلى دراسة، فكلمة أنا لا أؤذي أحد. فهذا كلام مضحك، أو يقول: أنا قلبي أبيض. يكون رمادي أيضاً ماذا أفعل به ؟ نحن نريد واحد مستقيم، نحن نريد واحد يصلي.

(( ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
( من تخاريج أحاديث الإحياء: عن " ابن عباس " )
(( إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ ))
( من مسند أحمد: عن " أبي قتادة " )
ذاهب مع بعض الناس في سفر، أخي تعال نقصر، تقول: لا نحن مرتاحين الآن. أنت مرتاح غيرك ليس مرتاح، أنت شاب غيرك يحب يصلي قصر، يوم سفر، الإنسان يحب يكون مع المجموع، قال عليه الصلاة والسلام:

(( سيروا بسير أضعفكم ))
(( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
خير العبادة ؛ الصوم عبادة، الصلاة عبادة، الحج عبادة، الفقه خير هذه العبادات، واحد ذهب ليحج ورجع، عملوا له مباركة، وضع عينه بالناضور رأى النساء الذين جاؤوا ليباركوا لزوجته، وهذا حج ؟ لو كان فقه بالدين ولم يحج كان أفضل، أما إذا كان فقيه وحج، فهو شيء راقي جداً، أما الإنسان يحج لكن لم يفهم شيء بالدين، يجوز يقتل إنسانة ليصل للحجر الأسود فهل أنت فقيه بالدين ؟ أخي نريد أن نقبله، تحتك في أناس تدهسم، نريد أن نقبله، هذا الجهل بعينه، أو يقعد بعرفات بالخيمة يسمع المسجلة يقول لك: جلسنا خمس ساعات انبسطنا تماماً والحمد لله، ماء مثلَّج، ونسمع مسجلة وكل شيء من أحسنه، فما هذا الحج ؟ فقصدي:

(( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
اسمعوا لهذا الحديث، ولا زلنا في فضيلة العلم:

(( قيل: يا رسول الله ـ انظر لهذا السؤال ـ أي الأعمال أفضل ؟ فقال: العلم بالله عز وجل. فقيل: أي العلم تريد ؟ قال عليه الصلاة والسلام: العلم بالله سبحانه. فقيل يا رسول الله: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم))
؟! ـ نقول لك: أي الأعمال أفضل ؟ أنت قلت لنا العلم بالله العلم عمل؟! ـ اسمعوا الجواب... فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
( من الجامع الصغير: عن " أنس " )
كثير العمل لا ينفع مع الجهل، فإذا واحد عمل بناء من غير مهندسين، وأحضر مئة طن حديد، ولكن لا يوجد علم، هنا وضع لكل متر سبعة أكياس، هناك وضع كيسين قال: هنا يكفي اثنين. بعد ما طلع عشرين طابق البناء كله مال، كل البناء صار يحتاج لتكسير، كل هذه النفقات أصبحت على الأرض، هذا المال يحتاج لعلم، تريد أن تضع ثمن حديد، وثمن إسمنت كله شيء غالي، أسعاره غالية، تريد مهندس يعطيك نسب صحيحة، فالنبي الكريم يقول:

(( إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى ))
إذاً العلم أعظم من العمل.

((وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله))
( من الجامع الصغير: عن " أنس)
وقال أبو الأسود: ليس شيءٌ أعز من العلم، الملوك حكامٌ على الناس، والعلماء حكامٌ على الملوك.
فالآن يقدر أي ملك من الملوك لا يكون عنده مستشارين ؟ إذا كان يريد أن يمنع بشيء أو يسمح بشيء يحتاج إلى خبراء اقتصاد، إذا كان منعنا ماذا يحدث ؟ يحدث هكذا وهكذا وهكذا كل رؤساء الدول حولهم فريق مستشارين من أعلى مستوى، معناها العلم هو الأساس، كل ما في معضلة اجتماعية أو اقتصادية يجتمع الخبراء، كيف الحل ؟ ماذا نفعل ؟ إذن من هو حجر الزاوية في بناء المجتمع ؟ العلم.
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام ـ هذه دقيقة، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما، هو قال واحد، لكن ابن رضي الله عنه، وعباس رضي الله عنه ـ خير سليمان بن داود عليهما السلام..

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾
( سورة النمل: من آية " 16 " )
بين العلم والمال والمُلك، فاختار العلم فأعطي المال والمُلك معه.
وسئلٌ ابن المبارك: من الناس ؟ فقال: العلماء. فقيل: من الملوك؟ قال: الزهاد. فقيل: من السفلة ؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين.
واستمعوا لهذا الحديث:
((من أوتي القرآن ـ أي أوتي فهمه ـ فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظمه الله ))
الله فهمك كتابه، وأنت لك دخل محدود، وساكن ببيت وسط غرفتين وصالون، وتمشي على رجلين لا يوجد شيء يرفعك عن الأرض لكن فاهم كتاب الله، ولك صديق كان بالابتدائي وكنتما معاً على مقعد واحد، والآن يحكي بالمئة مليون، إذا كنت رأيت أن الله أعطاه أكثر منك فقد حقرت ما عظمه الله، أنت بأدنى مستوى معيشي، والآخر بأعلى مستوى معيشي، لكن الله علمك القرآن، فإذا رأيت أن هذا الصديق أوتي خيراً مما أوتيت، فقد حقرت ما عظمه الله.
وقال الفتح المُصلِّي رحمه الله: أليس المريض إذا منع الطعام والشراب يموت ؟ قالوا بلى قال: كذلك القلب إذا منعت عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيامٍ يموت.
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: تذاكر العلم بعض ليلةٍ أحب إلي من إحيائها.
إذا جلسنا ساعة من الزمان تذاكرنا العلم واستفدنا، خيرٌ عند الله من إحياء هذه الليلة بكاملها للصبح لو نصلي، تذاكر العلم بعض ليلةٍ خيرٌ من إحيائها.
وقال بعض المفسرين وهو الحسن رضي الله عنه:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾
( سورة البقرة: من آية " 310 " )
فقال: إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة.
بعضهم قال: الزوجة الصالحة.
وقال الأحنف رحمه الله: كل عزٍ لم يرطب بعلمٍ فإلى ذلٍ مصيره.
وقال سالم: اشتراني مولاي بثلاثمئة درهم وأعتقني. فقلت: بأي شيءٍ أحترف ؟ ـ ماذا أفعل ؟ ـ فاحترفت العلم، فما تمت لي سنةٌ حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له.
عبد أعتقه سيده، اختار طلب العلم، تعلم، مضى سنة جاءه أمير المدينة زائراً قال: فلم آذن له.
يقول سيدنا الزبير: عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالاً، وإن استغنيت كان لك جمالاً.
أي إذا واحد معه شهادة عليا ـ مثلاً ـ له دخل منها، وإذا كان ثري وتعلم العلم كان له جمال هذا العلم.
وقيل: وجاء في وصايا سيدنا لقمان لابنه:
يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك أي لو كان المجلس ضيق فتصرف، ستين سانتي مربع، ستين بستين، هذه معنى زاحمهم بركبتيك.
وقال بعض الحكماء: العلم ذكرٌ ـ الشمس مؤنث، والقمر مؤنث مجازي ـ العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذُكران الرجال. معناها في رجال نساء ؛ إذا همه شهوته همه زينته، همه راحته هذا رجل بالنفوس رجل، أتى تحت اسم الذكور، ذكور وإناث، هو مع الذكور جاء اسمه، لكنه مع النساء، العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذكران الرجال، أي أن الرجل يحب العلم.


* * *
قصة اليوم ليس لها وقت، وهي عن سيدنا معاذ بن جبل إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم.
أردت أن أنهي الفصل في هذا اللقاء، الدرس القادم فضيلة التعلم، اليوم تحدثنا عن فضيلة العلم، الدرس القادم فضيلة المتعلم، هذا له أجر كبير.

((قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالمٌ مستعملٌ علمه وجاهلٌ لا يسنكف أن يتعلم))
أيضاً الفضل لمن يستمع، لو ما أحد استمع ما في علم، أنا أقول: الفضل لكم في حضور هذا المجلس، إذا كان في توفيق من الله عز وجل هو بفضل أن في مستمعين راغبين في هذا المجلس.
فالدرس القادم في فضيلة تعلم العلم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:54 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 12 : العلم - فضيلة التعلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-12-16
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون:
نبدأ في هذا الدرس قراءة بعض الفصول المختارة والمختصرة من إحياء علوم الدين وكتاب إحياء علوم الدين في إجماع المسلمين وعلماء المسلمين من أنفس الكتب التي تعد منهجاً دقيقاً للمسلم في علاقته بربه وفي علاقته بالناس بل إنه من أبرز الكتب في وصف أحوال القلب وما يصيبه من أمراض لذلك الكتاب مقسم إلى أربعة أرباع ربع في العبادات وربع في العادات، وربع في المهلكات وربع في المنجيات، طبعاً أصل الكتاب ستة أجزاء كبيرة بحرف صغير صغير.
كما قلت قبل قليل نقرأ ونشرح ونعلق بعض الفصول المختارة من هذه الأرباع الأربعة، من الربع الأول وهو ربع العبادات موضوع العلم كتاب العلم وفضله وما يتعلق به قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر ]
هذه هل حرف استفهام لكن هذا الاستفهام خرج عن الاستفهام وصار كما يقول علماء البلاغة استفهاماً إنكارياً يعني هل يعقل أن يستوي عند الله وعند الناس عالم وجاهل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ وقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾
[ سورة المجادلة ]
مرة سألت طلاب قلت لهم من يذكر اسم تاجر أو غني عاش في دمشق في عام ألف وثمان مائة وسبعة وثلاثين وله جائزة كبيرة حك الطلاب رؤوسهم طويلاً ولم يعرفوا فقلت لهم وأنا معكم لا أعرف لأن الإمام علياً كرم الله وجهه قال: يا بني مات خزان المال وهم أحياء وهم في أوج حياتهم ميتون، والعلماء باقون ما بقي الدهر، فإذا شئت أن تخلد فبالعلم يبقى اسمك متألقاً إلى قيام الساعة، إلى نهاية الدوران قال تعالى:

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[سورة المجادلة ]
أقدم ثانوية في دمشق لوحة بيد خطاط كبير إذا دخلت من بابها الرئيسي كتب على هذه اللوحة رتبة العلم أعلى الرتب، هناك رتب المال، وهناك رتب توضع على الكتف وهناك رتب الشهادات وهناك رتب الوجاهات، وهناك رتب الحرف، حتى يأتي المعلم هذه رتبة، هناك في الحياة رتب لا تعد ولا تحصى، هذه الحكمة تقول رتبة العلم أعلى الرتب والشيء الذي يحزن أن العلم مبذول لكل الناس، العلم الدنيوي الذي هو فرض كفاية مبذول بأجر باهظ، يعني أقل ساعة رياضيات إن فهم الطالب أو ما فهم مائة وخمسين ليرة من أجل بكالوريا، أما سبحان الله دروس العلم الديني مبذولة بلا مقابل هذا من حكمة الله عز وجل لأن الذين يدرسون العلوم الدينية يطمحون بأجر خيالي ولكن ليس من الحاضرين ولكن من الله عز وجل.
ابن عباس يقول: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبع مائة درجة يعني المؤمن الذي آمن بالله واستقام على أمره وعمل صالحاً ووقف عند الحدود وفعل ما يرضي الله عز وجل أما الذي يتصدى لنشر الحق هؤلاء عند الله مقربون، والباب مفتوح لكل واحد منكم، كل واحد منكم مفتوح له باب أن يكون معلماً للناس يكفي أن تطبق ما تعرف حتى تغري الناس أن يتعلموا منك فإن لم تطبق لا تغري أحداً الإمام علي كرم الله وجهه يقول: قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، يعني فضلك عند الله إن كنت عالماً لا يزيد عن فضل الجاهل الذي يحب أن يتعلم منك يطلب العلم لذلك النبي الكريم قال: تواضعوا لمن تعلمون، تواضع، قال تعالى:

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[سورة المجادلة ]
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾
[ سورة الشعراء ]
وقال تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾
[ سورة فاطر ]
يعني العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشون الله، إنما أداة حصر، يعني الخشية محصورة بالعلماء، وموضوع العلماء ليس كل إنسان قرأ كتاباً يسمى عالماً ولا كل إنسان حفظ كتاباً يسم عالماً العلماء بالله تعالى علامتهم أنه يطيعونه.
كنت أنا أذكر مثلاً حاداً، يعني رجل معه خمس شهادات عليا نادر الإنسان أن يجمع لسانسين في آن واحد لو معه أربع خمس شهادات ودكتوراه اثنتين وله أربعة و خمسين مؤلف في الأسواق وعصى الله لا يسمى عند الله عالم، هذا مدموغ بالجهل من عند الله عز وجل، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب إذا أطاع الله عز وجل هذا يحمل شهادةً من رسول الله بأنه عالم أين هذه الشهادة ؟ قوله عليه الصلاة والسلام:
((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ))
إذا قال هذه حرام لا أفعلها، أنا لا أغضب الله عز وجل، هذا عالم أو هذا نوع من أنواع العلم، أنا أقدسه، وفي الصحيحين أن:

(( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))
[ مسلم ـ ابن ماجة ـ أحمد مالك ـ الدارمي ]
يعني إذا سمح لك أن تجلس في مجلس علم أو بأنه بإمكانك أن تحتل مساحةً من المسجد تكفي لجلوسك هذا سماح من الله عز وجل الله سمح لك أن تجلس في هذا المجلس علم فيك خيراً، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾
[ سورة الأنفال ]
(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[ الدارمي ]
يعني كم هي مسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الأنبياء سيد ولد آدم، قمة البشر وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض، إذا هذه المسافة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أدنى مؤمن هي المسافة نفسها بين عالم وعابد، فكن طموحاً إلى العلم ولا ترضى أن تكون عابداً فقط، العابد بالمناسبة بسبب أي تأثير، أي إغراء أو أي ضغط يتخلى عن الدين، يعني قد يتزوج فيخرج من دينه، تأتيه امرأة تغريه بالمعصية فيخرج من دينه قد يشارك رجلاً فيضغط عليه في فعل بعض المعاصي المالية فيخرج من دينه، قد يسمع كلمة تهديد فيتخلى عن صلاته هذا هو العابد، يجوز العابد في الأيام الماضية في القرون السالفة الجو العام كله ديني، الفتن قليلة ونائمة، أكثر الناس دينون يجوز العباد في هذه الأيام السالفة ينجون أما أنا والله أؤكد لكم في هذا العصر الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ))
[ الترمذي ـ أحمد ]
أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، في مثل هذا العصر الذي ترون فيه الشهوات مستعرة والفجور والفسوق والمغريات، الدنيا في هذا العصر خضرة نضرة، متألقة متزينة تغري أحبابها بإتباعها، في هذا العصر لا يستطيع العابد أن يصمد أمام إغراءات الدنيا ولا شهر والذي يحصل تشاهدون إنسان تدين ثم انتكس، لماذا انتكس ؟ لأنه هو ما صار عالم بقي عابد، أخذ بالعاطفة خلال شهر أصابه سرور فاستقر إغراء بسيط ترك الدين.
وإذا بلغني عن إنسان حضر معنا شهرين ثم ترك أنا يوجد عندي يقين قاطع أنه ما فكر، أخذ بالعاطفة واستمع وترك، لأن ترك الحق دليل نكسة خطيرة جداً، والكلام الصحيح أنه ما آمن حتى كفر، لم يؤمن بالأساس كان مقلداً والتقليد لا يكفي.
في هذا العصر لا ينجو إلا العالم والعابد لا ينجو لأنه لم يستطيع أن يبقى عابداً الدنيا تجره إليها، إغراءاتها، وفتنها، وضغوطها وقال عليه الصلاة والسلام:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[ الدارمي ]
هذه النملة والحوت لها بحث مستقل، يعني كيف النملة تصلي على معلم الناس الخير ؟ سوف نأتي بعد قليل على هذا الموضوع، وفي حديث آخر.

(( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))
[ الدارمي ]
لي صديق رأيته في ضائقة ومتألم لضيق ألم به وقد آتاه الله علماً وحكمةً فقلت له مسلياً إن الله عز وجل أعطى قارون مالاً فهل كان يحبه ؟ قال لي: لا، ثم قلت له: إن الله أعطى فرعون ملكاً وأعطى الأنبياء علماً وحكمةً فهؤلاء الذين يحبهم أعطاهم علماً وحكمةً فإذا أوتي الإنسان بعض العلم والحكمة فهو ممن يحبه الله عز وجل.

(( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
لا يوجد إنسان أقدس من شاب همه أن يعرف الله، اسأل الآن الشباب همهم أن يتزوجوا، أن يشتري بيت، أحدهم سمى لي اسم سيارة وقال إذا الله رزقني إياها أتمنى أن تمشي فوقي وأرتاح، هذه هموم الناس يريد سيارة وبيت، التقيت مع إنسان هولندي، سألته هل أنت مؤمن بالله ؟ قال: طبعاً، قلت له ما الدليل ؟ قال: المطر قلت له هل أنت مؤمن بالدار الآخرة قال: لا، قلت له هذان الإيمان بالله واليوم الآخر شيئان متلازمان، قال: أنا لا أؤمن بالدار الآخرة لأن أحداً لم يذهب إلى هناك وعاد وأخبرنا طبعاً بلغة أخرى يتكلم ثم قال لي: هذه الموضوعات لا تعنينا ولا تهمنا ولا تمتعنا إطلاقاً إنما الذي يعنينا بيت أكبر وسيارة أكبر، مال أكثر هذا الذي يعنينا، لهذا قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
[ سورة النحل ]
إذا الإنسان عاشرهم إذا كان لقاء عابر يؤخذ بالدقة، والنظام والأناقة، والترتيب كل شيء محسوب له حساب، أما إذا عاش معهم يراهم تافهين لأن كل من لم يعرف الله عز وجل إنسان تافه الموت ينهيه، مهما كان كبيراً ومهما كان عظيماً، الموت ينهيه نهائياً.

(( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ أَبمو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ))
[ مسلم ـ أبي داود ـ أحمد ـ الدارمي ]
في الدرس قبل الماضي بالحاجبية ذكرت عن الإنسان مخير أم مسير أنواع التسير تسير التشجيع، يعني إذا الإنسان آمن الله يسر له أموره، الناس أكرموه يشعر براحة بقلبه عجيبة، يقول لك أكاد أطير من الفرح كل إنسان آمن إيماناً صحيحاً وتاب توبة صحيحة هذه أحواله هذا التسير تشجيعي من الله عز وجل إلى أن يبلغ درجة لا ينتكس بعدها عندئذ يتولى الله عز وجل تطهيره من كل أمراضه النفسية، الآن يضعه بظرف معين يبرز عيب من عيوبه، يتألم ينقطع، يصبح له غفله يتوب يتجاوز هذا العيب، يريه الله أسبوعين ثلاثة ثم يضعه في ظرف ثاني يظهر معه عيب آخر عنده كبر أيضاً ينقطع عن الله بهذا العيب يخجل ويتوب، ويجتهد، ويعمل أعمال صالحة أيضاً اجتازه ولا يزال الله عز وجل ينقيه من عيوبه حتى يلقاه كيوم ولدته أمه، أما أول الأمر يوجد تشجيع جداً، أيام الطفل الصغير يرسم ألف مجعلكة يعطونه مرحى لكن بالصفوف العليا إذا غلط غلطة شفهية واحدة، نحن في الجامعة يوجد عندنا فحص شفهي وتحريري، الشفهي يكفي أن تغلط غلطةً واحدة في تحريك كلمة يقول لك الدكتور للعام القادم أوصيك بالصيف الطويل فإنه خير الوصية نعيد السنة من أجل غلطة شفهية في سنة التخرج.
الطفل الصغير على كتابة ألف يعطونه مرحى ويصفقون له، هذا سلوك تشجيعي وبعد هذا هناك حساب دقيق، قال لنا أستاذ في الجامعة في فرنسا إذا وجدوا غلطة في الأطروحة في الدكتوراه لا تمنح في ذلك العام يعطونه سنة كاملة، يعني في دقة بالغة، لكن يوجد أناس عرفوا الجامعة تعريف لاذع قالوا: إنها مدرسة يدخل فيها الطالب جاهلاً متواضعاً فيخرج منها جاهلاً متكبراً.
قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
وروي عنه أيضاً أنه قال:

(( عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ))
[ الدارمي ]
الإنسان عطاؤه محدود يعني إذا الإنسان درس أول سنة بالجامعة والثانية والثالثة والرابعة لأمر قاهر ما تمكن أن يكمل يقولون هذا ليس معه شهادة، ربنا عز وجل معاملته غير هذه المعاملة إذا الإنسان بدأ بطريق وجاءته المنية في أول الطريق يعطى ثمار كما لو بلغ آخر الطريق،
((مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ))
قال بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فاته من أدرك العلم، يعني إذا إنسان أدرك العلم وتعرف إلى الله وسعد ومات وما عنده بيت ملك، ما فاته شيء، مات وما شاهد أوربا رسول الله ما شاهدها، مات قبل أن يتزوج، أحد الصحابة له زوجة يظهر طلبت منه طلب لا يملك ثمنه ولا يغير سلوكه عما كان عليه وقت النبي صلى الله عليه، قال لها: اعلمي يا فلانة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداها على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر فلئن أضحي بكِ من أجلهن أفضل من أن أضحي بهن من أجلكِ يعني إذا إنسان مات وما تزوج إرادة الله عز وجل، مات وما اشترى بيت، مات ويوجد طعام ما أكله لا يأكلها، الناس يقولون مسكين ما تهنى في حياته، هذا كلام العوام إذا إنسان مات شاب وكان مؤمن مسكين ما شاهد شيء من الدنيا، الذي قال هذا الكلام هو الذي ما شاهد شيء، قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)﴾
[ سورة الأعراف ]
﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾
[ سورة الشعراء ]
أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ يعني ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء، أيام يكون إنسان متزوج زوجة ليست على مراقه يقول لك محروق قلبي، خطبتها وكنت لا أعرف شيء أمي قالت لي جيدة، إذا ما عرف الله معه الحق أن يحترق قلبه لأنه شاهد نفسه أنه سوف يعيش معها إلى الأبد أما المؤمن يحسن لها، قال تعالى:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة النساء ]
يحسن لها ويكسب أجر والله يهنيه في حياته لو كان هي وسط دون الوسط وسبحان الله مكافأةً له على الرضاء بقضاء الله، الله عز وجل يجعلها ودودة له مودة بالغة ويراها جميلة وقد يقول بعد أن يرضى بها والله ليس في الأرض إنسانة أنسب إلي منها، إذا رضي بقضاء الله وقدره وكان صادق وعاملها بالإحسان، ما طوال ما هو قاعد قال لها لم نوفق في هذا المسواق، دائماً كاسر لها خاطرها هكذا أهل الدنيا.
ومن فضائل التعليم ما ورد في الصحيحين:

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
قال لي شخص أنه أحدهم اشترى فندقاً في فرنسا ثمانين طابق كل طابق حوالي خمسين غرفة وكل غرفة أجرتها في اليوم خمسين فرنك فرنسي الفندق ممتلئ اثني عشر شهر، هذا دخل ولكن على هذا الكلام
((لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
إذا إنسان يصدق النبي الكريم طبعاً أخي إنسان عنده أراضي استيقظ وجد نفسه أكبر مليونير، هذه كثير تصير تضاعفت مائة ضعف الأرض اشترى بناء في الستينات واختلف هو وشركاته فتركوها على الهيكل الآن صار ثمن كل طابق مليونين، كان ثمن الطابق عشرين ألف، يقول رسول الله: لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ، لو كانت مصدق هذا الكلام تسعى لهداية الناس ليلاً ونهاراً وتبذل من أجل هدايتهم الغالي والرخيص والنفس والنفيس هو الإنسان لو صدق انتهت مشاكله كلها، تبرك تبرك يقول حديث جميل، لو صدقته ما نمت الليل، لو إنسان قال لك يوجد بيت ثمنه مائة ألف ـ والآن ثمنه نصف مليون الذي يسكن ثلاث غرف ـ لا تنام الليل إذا كنت تملك المائة ألف وخاطب وتدور على بيوت في آخر الدنيا في الطبالة، وقال لك هذا البيت بمائة ألف في المهاجرين وثلاث غرف وصالون وكاشف الشام وقبلي وكلام صحيح، لا تنام الليل ولا تغفل وتقرع الباب على الدلال الساعة السادسة صباحاً.
لو مصدق سيدنا رسول الله ل
((أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
لا تنام الليل، تساعده، تكرمه، تعشيه عندك، تساعده في دنياه، تدينه حتى يميل قلبه ثم أدعوه إلى الله الكلام سهل، عندما أنت تحسن له إحسان حقيقي وتقول لك كلمة تذيبه الهدى ليس كلام ولما ظنوه بعض الناس كلام ما أحد يهتدي بالكلام، لما يراك تهتم بأموره وكأنه أخاك الحقيقي ساعتها الآية قدر مليون الآية، والحديث قدر عشرة أحاديث، لذلك رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس.

((لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
في إنسان في قطر عربي حسابه في البنك ثلاثة آلاف مليون دولار والدولار بعشر ليرات، يعني ثلاثة آلاف مليون، يعني ثلاثين ألف مليون، إذا أحدكم استطاع أن يهدي شخص يجب أن تتكلم له عن الله عز وجل، أن تساعده، أن تكون لطيفاً معه، أن تكون إلى جانبه عند الشدة، على شهر شهرين ثلاثة، تتفقده إذا مرض تعوده، إذا استطعت أن تهدي رجل أنت أغنى من هذا الذي رصيده ثلاثة آلاف مليون دولار.

(( وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ.))
هنا العلماء فسروا الحديث أن الإنسان عندما يعلم الناس الخير الناس يستقيموا، إذا ذبحوا غنمة يذبحونها على السنة، أنا منذ مدة شاهدت رجل يذبح غنمة أمام غنمة، قلت صلى الله عليه وسلم كم كان رقيق قال له: أتريد أن تميتها ميتتين هلا حجبت أختها عنها.
يعني إذا الإنسان آمن يحسن وهو يذبح الغنمة، لا يدوس صرصور، قال لي رجل: دخلنا إلى بيت نشاهده يوجد حشرة محببة نسيت اسمها ناعمة الدلال دهسها بقدمه لماذا دهستها ماذا فعلت لك لما أنت تؤمن تصبح محسن، المؤمن لا يصدر منه إلا خير مصدر طمأنينة لا يوجد عنده مزاح غليظ، مصدر سعادة للناس، يعني إذا رؤي المؤمن ذكر الله
((أولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم))
(( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ))
[ البخاري ـ أحمد ]
الناس حيال الحق ثلاثة أصناف إما إنسان يشرب الحق وينبت الخيرات، إذا علمت رجل هذا الرجل تزوج مؤمنة أنجب أولاد طاهرين أخواته آمنوا، أصهرته آمنوا، جيرانه آمنوا، زملاءه آمنوا صار هذا الواحد مائة سبحان الله نشر الحق، ويوجد شخص بمفرده يستفيد، ويوجد شخص لا يفيد ولا يستفيد.
وقال الحسن رضي الله عنه: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم الآن في أناس مثل البهائم تراه دابة تسير، كيف ما تكلم يؤذي الناس كلام بذيء، يحتقر الآخرين، طبعاً لما الإنسان يتعرف إلى الله عز وجل يصبح ملك كلما ارتقيت تزداد عندك المشاعر والحساسيات والرقة، النبي الكريم صلى الله عليه بوليمة، يعني الصحابة الكرام دعوا إلى وليمة وكان هناك لحم جذور ظهرت رائحة غير مقبولة أذن العصر فقال عليه الصلاة والسلام: كل من أكل لحم جذور فليتوضأ فقالوا: كلنا أكلنا لحم جذور، قال: كلكم فليتوضأ ما هذه الدقة ما هذه الحساسية لكي لا يخجل هذا الذي انتقض وضوءه، بأسلوب جميل قوموا توضوؤا بسبب أخوكم الذي نقض وضوءه، يوجد فقهاء فهموا الحديث فهم آخر قال لحم الجذور نجس، ما هذا الكلام ؟ يحتاج منه الآكل إلى وضوء، لا ليس له علاقة أبداً الموضوع موضوع رقة وحساسية، أسلوب راقي جداً هكذا النبي الكريم بحياته النبي ما صافح إنسان وسحب يده منه حتى يكون المصافح هو الذي يسحب يده بحياته ما أكرم نفسه أمام ضيفه، دخل عليه عدي بن حاتم ملك قال فناولني وسادةً من أدم محشوةً ليفاً قال اجلس على هذه قلت بل أنت قال: بل أنت، قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض.
بحياته ما تميز عن أصحابه كان إذا دخل عليه رجل يقول أيكم محمد، مع أصحابه جالس ليس له أي مظهر من مظاهر الفخامة في نزهة قال وعلي جمع الحطب، قالوا: نكفيك يا رسول الله، قال أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على خلقه، في المعركة قائد جيش ونبي مرسل ما أخذ ناقة بمفرده وركبها قال: أنا وعلي وأبو لبابة ولما جاء دوره في السير الصحابة تحرجوا قال: لا ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر هكذا النبي الكريم.

((وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة))
يوجد شخص لا يستطيع أن يكون بمفرده إطلاقاً، أما الذي له وجهة إلى الله وله حظ من العلم لا يريد أحد يستطيع أن يجلس عشر ساعات بمفرده، العلم لا يمل، الإنسان لما يتعلم إذا قرأ قرآن القرآن ربيع القلب، ألا بذكر الله تطمئن القلوب والاستئناس بالناس علامات الإفلاس علامة المؤمن له جلسات مع ربه يحب الخلوة، هذا إحياء علوم الدين الخمس أجزاء الذي يعد من أهم الكتب الدينية نتيجة خلوة استمرت عشر سنوات في دمشق من قبل الإمام الغزالي كان يختلي في الأموي، في مئذنة العروس في غرفة وكتب هذا الكتاب.
وقال كعب رحمه الله: أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس فإن منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم.
طبعاً في مقدمة هذا الفصل يتحدث الإمام الغزالي عن الآيات والأحاديث التي ترغب الناس في طلب العلم، يعني المؤمن يطلب العلم بشكل حثيث، يعني إذا إنسان في وقت الدرس أغلق المحل ويوجد عنده زبائن الآن لا يوجد عندي وقت عندي موعد، هل تقل رزقته ؟ لا والله هؤلاء العشرة يأتون غداً عشرين وسبحان الله، الله يحبب الناس بهذا المحل يقول لك أنا تعودت على هذا المحل يأتيك زبائن من آخر الدنيا، ويوجد أناس يفتحون حتى الساعة الحادية عشر يلعبون بالطاولة على عمل بعيد عن الله عز وجل، فالإنسان لا يضن على الله عز وجل بمجلس العلم، والله الله عز وجل قادر أن يصرف لك من وقتك عشرات الساعات من دون فائدة، أيام الإنسان يضطر أن يذهب إلى الطبيب مساءً يعطيه وصفة يدور أربع أقطار المدينة ويقول له يجب مساءً أن يأخذ الدواء، يصرف مئتان ليرة ابنه ارتفعت حرارته، الوقت بيد الله عز وجل.
قال لي إنسان كان في دولة أجنبية: عندي إقلاع طائرة الساعة الثانية والنصف فركبت تكسي من الفندق إلى المطار فوجدت في الطريق أناس يقفون في الدور ثلاثة كيلو متر فقال للسائق ماذا يوجد هنا ؟ فقال له: يوجد توزيع لحم، قليل أن يقف من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الساعة الثامنة صباحاً لما هانت عليهم أنفسهم فهانوا على الله عز وجل، فلما الناس يعودون إلى الله عز وجل ويعرفون قيمة العلم الله عز وجل يكرمهم ويجعل وقتهم ثمين، إذا الإنسان لا يعرف قيمة الوقت يستهلك وقته لأتفه الأسباب.

* * *

والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى))
[ مسلم الترمذي ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ مالك ]

يعني إذا مكان فيه شبه، طريق مشبوه فيه نساء كاسيات عاريات، مرةً
سرت في هذا الطريق فأصابتك غفلة، إن كنت مؤمناً فلا تعود لمثل ذلك أبداً، هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة إياكم أن تظنوا أن فيه شؤم لا في هذا المكان أصابتك غفلة يعني صار فيه معصية ولا تزال الأسباب قائمة، يعني إذا كتاب قرأته فتحولت عن الله عز وجل ولمحت كتاب لنفس المؤلف لا أريده، إذا تصفحت مجلة فانصرفت عن الصلاة أو غفل قلبك حين تصفحها، الحديث واسع جداً المكان أو الزمان أو هذه الدكان، أو الطريق، أو النزهة إلى هذا المكان والناس في فجور تحول عن هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة، على أن لا يفهم هذا الحديث على معنى تشاؤم لكن على معنى أنه إذا في أشياء تدعو إلى المعصية أنت مكانك غير هذا المكان.
يقول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ليس الشريف الذي لا يرتكب الخطيئة ولكن الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة، يجوز إذا الإنسان تساهل سار في طريق الخطيئة لا يستطيع أن يرجع أما الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطئية.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَتِ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ ))
[ أبي داود ـ ابن ماجة ]
قال لي رجل: سبحان الله أنا منذ أربعين سنة أنشط من الآن، فعلاً فالهرم ليس له دواء، بلغني قصتين في هذا الأسبوع، يعني أخت عند أخوها ساكنة قالت لهم قلبي يؤلمني قالت له زوجته: لا ترد عليها لا يوجد بها شيء، ثم توفيت، جاء الطبيب قال لهم: هذه معها جلطة من شهر لماذا أهملتوها إلى الآن، أنا قلت في نفسي والله الذي لا إلا هو تحاسب هذه المرأة كقاتلة، من أنت تقوي لا شيء فيها هذا الكلام يقوله طبيب، أنت عليك أن تأخذ بالأسباب والباقي على الله ولما أنت تأخذ بالأسباب لا عليك أنت، إذا في تقصير تبقى غصة في قلبك إلى ساعة الموت، الله أمرك أن تداويها، يوجد أناس عندهم تعصب أعمى أخي أنا لا أحب أن يشاهد زوجتي رجل، أنت ورع أم رسول الله ورع سمح للطبيب أن يرى المرأة إذا كانت الطبيبة ليست في مستوى الطبيب مرض عضال يجب أن تأخذها إلى الطبيب هذا لا يسمى ورعاً إطلاقاً لأنه مباح أن يأخذ زوجته أو أخته إلى طبيب، أما إذا في طبيبة من نفس المستوى وتغني عن الطبيب الطبيبة أولا، أما في كل الأحوال أن تقول لا شيء فيها وأصابها شيء.
أيام الطفل يصيبه جرح بآلة أعطيه إبرة كزاز فوراً لا يصيبه شيء هذا كلام غير ديني، الدين يأمرك أن تأخذ الحيطة، أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب، قال لك صور صور، حلل حلل، لا شيء لا شيء، طبيب مؤمن حاذق، إذا كان غير مسلم يوهمك يبتز منك المال، وإذا كان مسلم غير حاذق يغشك من غير قصد محدود علمه كثير من الأطباء قال له: لا يوجد فيها شيء ويكون معه أزمة قلبية والله يعوض، ولما الإنسان يبذل المال لمعالجة من يلوذ به له أجر ولما يشاهد المريض أن في من يهتم به يسر، من فضل الله كثير أعرف مؤمنين لا يتحمل دخلهم أجور الأطباء الباهظة والتحاليل لا يقصر أبداً فلا أحد يظن أنه من الورع أن لا يأخذ زوجته إلى طبيب ليس هذا من الورع إطلاقاً، هذا من التقصير ولما يصير شيء تشعر أنك أحد أسباب الوفاة، مع أن الوفاة بيد الله عز وجل.
الحديث الأخير:

(( ترك السلام على الضرير خيانة ))
هذا أخوك بالله وقد يكون مقامه أعلى منك بمليون مرة عند الله، قد يكون فاقد بصره والله فتح له قلبه، وقد يكون لك عيون مثل عيون البقر وأعمى القلب، لا تعرف مقام كل إنسان عند الله عز وجل
(( ترك السلام على الضرير خيانة))
خيانة له سبحان الله بعد أن سمعت هذا الحديث لو كنت بعيد عن أخ كريم ضرير أنا أتقدم نحوه وأقول له السلام عليكم ألك حاجة هذا أدب المصطفى.

* * *
والآن إلى قصة صحاب جليل هو سيدنا أبو هريرة، طوبى إلى أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة ؟ لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية عبد شمس فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي العدنان قال له النبي الكريم: ما اسمك، قال: عبد شمس فقال عليه الصلاة والسلام بل عبد الرحمن، هذا تعليم لنا، أكثر شيء المعلمين يكون اسم طالب له مشكلة وكل ما قرأ اسمه يضحكون الطلاب، أنت معلم وأنت مؤمن أنت اسمك فلان يا بني، والسجلات ليس لها قيمة اجعل له اسم جميل طوال السنة بين زملائه، شيء جميل.
أحياناً نقرأ أسماء الطلاب الكنية عليها تعليقات اقرأ الاسم الأول وأيام يكون الاسم الأول عليه تعليق اقرأ الكنية، يعني ابحث عن اسم لا يوجد عليه أي تعليق لأن هذا الطالب إذا الطلاب ضحكوا على اسمه ممكن أن يتعقد، إذا تستطيع أن تحترم الناس كلهم وما يشعر أحد أنك إلا توده وبنظرك عالي، الناس يقبلوا عليك، النبي صلى الله عليه وسلم عن محبة ومودة صادقة وليس عن ذكاء، هذا موقف ذكي، لذلك قال تعالى:
﴿ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(11)﴾
[ سورة الحجرات ]
يوجد أناس يمزحون مزاح مع بعضهم هذا لا يتناسب مع الإيمان فقال نعم عبد الرحمن بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أما تكنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة يلعب بها فجعل لذاته ـ أي أقرانه ـ ينادونه أبا هريرة وشاع ذلك وذاع حتى غلب على اسمه فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه يا أبا هر إيناساً له وتحبباً، يعني كان النبي الكريم صلى الله عليه كل صحابي يظن أنه أقرب الناس إليه طفل صغير قال له يا عمير ما فعل النغير.

(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ))
[ مسلم ـ الترمذي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ]
طفل صغير عنده عصفور يلعب فيه، ولما شاهده مع والده واسمه عمير فقال له: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ شاهده مرة ثانية قال له إياها، ثم مرة ثالثة، حتى يتحبب منه وفي فقهاء فهموا أنه إذا أحضر عصفور ووضعه في قفص مسموح به، لا يفهم هذا من هذا يعني تحبس مخلوق من أجل أن تنظر إليه، يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ، أيضاً من باب التحبب فقال النبي الكريم: يا أبا هر إيناساً له وتحبباً فصار يؤثر أبا هر على أبي هريرة ويقول ناداني بها حبيبي رسول الله، والهر ذكر والهريرة أنثى، والذكر ليس كالأنثى، هنا مكتوب خير من الأنثى أنا عدلتها لأنه قد يكون أنثى أفضل من مليون ذكر، وإذا أردت الكلام الصحيح قد يكون أنثى مؤمنة أفضل عند الله من مليون ذكر فاسق وفاجر.
أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمر الدوسي وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين حيث وفد مع جموع من قومه على النبي صلى الله عليه وسلم وقد اقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته، فاتخذ المسجد مقاماً والنبي معلماً وإماماً إذا لم يكن له في حياة النبي ذو ولا ولد، يعني إذا إنسان ما تزوج يلحق نفسه لا يوجد من يحاسبه أين كنت ذهب إلى مجلس علم، زار أخوه، تكلم له عن الله عز وجل وقته مفتوح بعد الزواج لك شريك تأخرت علينا أين إلى هذا الوقت ؟ فإذا أحدكم ما تزوج هذه قبل الزواج أنسب سن للإقبال على الله عز وجل والاجتهاد في طلب الحق، يعني كثير أنا أغبط الشباب ليس عليه أي مسؤولية أما المتزوج صار عنده زوجة، إذا قرب وضعها صار لها مطالب تتوحم، استيقظت الساعة الثانية عشر والبيت مثل ما هو، وإذا جاءه ابن وارتفعت حرارته صار عليه مسؤولية ثانية، أما أنت قبل الزواج لا يوجد عندك اي مسؤولية استغل هذا الوقت لمعرفة الله لبناء إيمان قوي.
هكذا صار مع سيدنا أبو هريرة إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقاً عليها وبراً لها فتنفر منه ويصده فيتركها والحزن عليها يفري فؤاده فرياً ـ يقطعه ـ وفي ذات يوماً دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله فقال للنبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنه وأمضه، فمضى إلى النبي وهو يبكي فقال له عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ الحقيقة خيركم خيركم لأهله والله الذي لا إله إلا هو إذا أحدكم أحضر إلى هذا الدرس ألف شخص إذا يحضر لي أخوه النسبي أغلى علي من الألف شخص لأن الأخ أقرب شيء لك إذا أحضرت والدك أفضل، صهرك أحسن، هذا يلوذ بك خيركم خيركم لأهله، كان يبكي أمه تسير على الباطل وتكلمت عن النبي كلام لا يليق، فبكي، أنت هل يوجد عندك إمكان إذا اهتديت هداية حقيقية ولك أخ يسير ليس بشكل جيد أن تبكي عليه ؟ تتألم تنزل دمعة من عينك من أجله تقول يباع في العزا ماذا أفعل له، ما كان الصحابة هكذا، تجد أخاه من أمه وأبيه يسير في ضلال، أنت دلله وأكرمه وأنسه واسأله عن أحواله ودينه وعاونه وإذا أخذت غرض لنفسك خذ له مثل ما أخذت لك، اشتريت كنزة تقول والله أخي لا يوجد عنده كنزة، هو حجر أم بشر، أول يوم هدية وثاني يوم وثالث يوم يميل ويقول لك أنت من شيخك خذني معك، فإذا الإنسان يحضر أخاه أفضل من أن يحضر غريب، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.
فقال: يا رسول الله إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي للإسلام فتأبى علي، وقد دعوتها اليوم فأسمعتني بك ما أكره فأدعو الله جل وعز أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة: فمضيت إلى البيت فإذا الباب قد رد وسمعت خضخضة الماء فلما هممت في الدخول قالت: مكانك يا أبا هريرة انظر إلى هذا الأدب، أمي، لا أمك لها حرمة، ثم لبثت ثوبها وقالت: ادخل، فدخلت فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
ولكن هذه القصة أنا أريد أن أعلق عليها، يعني إذا كانت القضية بدعاء النبي فلماذا ما دعا إلى الناس معاً دعوة جماعية ؟ واهتدوا كلهم قال تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾
[ سورة القصص ]
يعني هذه من باب المصادفة، ولكن لو أن دعوة النبي كان دعا إلى أبي لهب، قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾
[ سورة المسد ]
لو أن الهدى يتم بدعوة النبي لدعا النبي عن البشر كلهم دفعةً واحدة يا ربي اهدي كل من خلقته، الله أعطى اختيار فإن كانت هذه القصة صحيحة فمن باب المصادفة، فإذا أردت أن تأخذها على شكلها الظاهري أنه إذا دعا اهتدت وانتهى، هذه القصة لها استفهامات كثيرة لماذا ما دعا إلى عمه أبو لهب، لماذا ما دعا إلى مسيلمة الكذاب، لفلان ؟ لكن يظهر أنه عاملها بالإحسان وتأثرت واهتدت ووافق هداها دعوة النبي الكريم.
فعدت إلى النبي الكريم وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت: أبشر يا رسول الله فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلى الإسلام، وقد أحب أبو هريرة النبي صلوات الله عليه حباً خالط لحمه ودمه فكان لا يشبع من النظر إليه، وفي قول أن النبي كان:

وأحسن منك لم تر قط عين وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عــيب كأنك قد خلقت كما تشــاء
فكان يقول: ما رأيت شيئاً أملح ولا أصبح من رسول الله حتى لكأن الشمس تجري في وجهه، وكان يحمد الله تبارك وتعالى على أنه من عليه بصحبة نبيه و إتباع دينه، الآن أحدنا شعر بهذه النعمة نعمة الهدى أنه مهتدي وعرف الله عز وجل، هذه نعمة كبيرة جداً طبعاً إذا كان مستقيم لا تعدلها نعمة، هكذا كان يقول الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام.
كنت أقول كلمة أنا في زماني إذا الإنسان عرف الله وأكل خبز يابس رابحة معه لأن آخرته إلى الجنة وسعيد في الدنيا، الحمد لله الذي هدى أبا هريرة إلى الإسلام، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن الحمد لله الذي من على أبا هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم وكما أولع أبو هريرة برسول الله صلى الله عليه أولع بالعلم وجعله ديدنه وغاية ما يتمنى.
بينما أنا وأبو هريرة حدثنا زيد بن ثابت، وصحاب لي في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره ـ أجمل لقاء مع أخوك تذكر الله عز وجل هل سمعت تفسير آية جميل، حديث شريف ـ ونذكره إذ طلع علينا رسول الله وأقبل نحونا حتى جلس بيننا فسكتنا هيبةً له فقال: عودوا إلى ما كنتم فيه، فدعوت الله أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل النبي الكريم يؤمن على دعائنا ويقول آمين، انظر إلى هذا التواضع ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك.
حدث سفيان بن عيينة عن صحابي عن رسول الله أنه قال من كان فيه خصلتان دخل الجنة أما الخصلة الأولى فقد نسيها سفيان وأما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا، ما فهمنا شيء من هذا الحديث، آفة العلم النسيان اللهم إني أسألك ما سألك صاحبي وأسألك علماً لا ينسى فقال عليه الصلاة والسلام: آمين، فقلنا ونحن نسأل الله علماً لا ينسى فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي، هذه له خاصة.
وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره من ذلك أنه مر ذات يوم بسوق المدينة فهاله انشغال الناس بالمدينة واستغراقهم بالبيع والشراء والأخذ والعطاء فوقف عليهم وقال: ما أعجزكم يا أهل المدينة، فقالوا: وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة، فقال ميراث رسول الله يقسم وأنتم هنا، ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم قالوا: وأين هو، قال: في المسجد فخرجوا سراعاً ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فلما رأوه قالوا: يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نرى شيئاً يقسم، فقال لهم: أو ما رأيتم في المسجد أحداً، قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون وقوماً يقرأون القرآن، وقوماً يتذاكرون في الحلال والحرام، قال: ويحكم ذلك ميراث رسول الله.
هذا هو الميراث اقرأ القرآن وافهم، وافهم الفقه، وتعلم شيء عن أسماء الله هذا هو ميراث رسول الله.
وقد عانى أبو هريرة بسبب انصرافه للعلم وانقاطعه لمجالس رسول الله ما لم يعانيه أحد من الجوع وخشونة العيش، الله يمتحن المؤمن لأنه لو يأتيه الخير فوراً مع الإيمان يراها شيء مربح يساوي الإيمان تجارة، بعد أن آمنت الغلة جيدة، لم يبقَ محبة، صار استثمار الله عز وجل يؤخر الدنيا مع إيمانه لا يوجد شيء يبقى لا يسأل عن الدنيا هدفه الله، ولما الله عز وجل يأنس منه أنه صادق بطلبه وأن الدنيا ليست همه ولا تعنيه ولا يأسف عليها عندئذ يعطيه الدين والدنيا من أحبنا أحببناه ومن طلب منا أعطيناه ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا.
هكذا صار مع سيدنا أبو هريرة، ولم يمضِ الوقت الكثير حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح فصار لأبي هريرة مال ومتاع وزوج وولد، غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئاً ولم ينسه أيامه الخالية، فكثيراً ما كان يقول نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً لبصرة بنت غزوان ـ أجيراً بطعام بطني ـ سمعت بحياتك أرخص من هذا وجبة طعام، أنا سمعت في مصر قديماً كان لعامل الزراعة يعمل بطعامه وما هو طعامه أن يسمحوا له أن يمص قصب السكر، ثمانية ساعات مقابل أن يسمح له أن يمص قصبة، فسيدنا أبو هريرة كان يعمل ببطنه فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وصير أبا هريرة إماماً.
مرة سيدنا عمر وهو خليفة قال: كنت عمير فأصبحت عمر فأصبحت أمير المؤمنين، فإذا إنسان دخل إلى بيته كان طفل والآن صار له بيت، غرفة ضيوف، غرفة نوم، الحمد لله، كان يأتي يضع بمفرده العشاء ويأكل، أما الآن عندك امرأة جاهزة لتلبية الطلبات، هذه نعمة، شاهد ابنه قال له: اذهب وأحضر لنا خبز الولد نعمة، والزوجة نعمة والبيت نعمة، ولك عمل، تذهب إلى العمل يقولون لك تفضل أستاذ ويمسح لك الطاولة، لا تنظر إلى نفسك أنك موظف ولكن انظر إلى فضل الله عليك.
وقد ولي أبو هريرة المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان فلم تبدل الولاية من سماحة طبعه وخفة ظله، وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التقى والورع فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير هذا البيت دائماً فيه قيام الليل، هو ثلث وزوجته ثلث وابنته ثلث فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل.
ابنته كانت تقول له: يا أبتي إن البنات يعيرنني فيقلن: لما لا يحليك أبيكِ بالذهب ؟ فيقول: يا بنيتي إن أبي يخشى علي حر اللهب ولم يكن امتناع أبو هريرة عن تحلية ابنته ظناً يعني أيام الأب يظن إذا كان بالغ في إغراق ابنته بالحلي والذهب والحواضر كلها من السوق ماذا تفعل البنت ؟ تجلس بين صديقاتها هذا الروب ألف وثمان مائة بابا اشتراه لي، وتكون إلى جانبها صديقتها يحترق قلبها هذه أسوارة الجنزير أبي اشتراها لي، ثلاث أرباع همها أن تفتخر أمام صديقاتها ألا يوجد بينهم واحدة فقيرة ؟ يصيبها عقدة، وتصبح البنت تريد مال وزوج غني، فاسق دين مثل بعضها أما الآن المؤمنة تريد زوج مؤمن ولا ترضى بشاب لا يصلي، أما إذا الآن لا يصلي حتى إذا كان غير مسلم إذا حالته المادية جيدة يقبلون به.
أنا سمعت إنسان ذهب إلى أمريكا ابنته زوجها إلى رجل من هناك هذا خلاف الشرع إنسان مقيم هناك أمريكي يأخذ امرأة مسلمة هذا لا يجوز، يظهر أن أمواله طائلة وصار إغراء.
بعث إليه مروان بن الحكم مائة دينار ذهباً فلما كان الغد أرسل إليه يقول: إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير وأنا لم أردك بها وإنما أردت غيرك فسقط في يدي أبي هريرة ليس لها حل هذه المشكلة، قال أخرجتها في سبيل الله ولم يزد عندي منها ديناراً واحداً فإذا خرج عطائي فخذها مني، وإنما فعل ذلك مروان ليتأكد من مقامه العظيم.
ظل أبو هريرة ما امتدت به الحياة براً بأمه فكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها وقال: السلام عليك يا أمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا بني فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: ورحمك الله كما بررتني صغيراً، ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك وكان أبو هريرة يحرص أشد الحرص على دعوة الناس إلى بر آبائك وصلة أرحامهم، فقد رأى ذات يوم رجلين أحدهما أسن من الآخر يمشيان معاً فقال لأصغرهما: ما يكون هذا الرجل منك، قال: أبي، قال: إذاً لا تسمه باسمه، ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تستسب له، إذا الابن عمل مشكلة في الطريق يسبوا أباه يعني استسب لأبيه، وبالمناسبة إذا إنسان معتوه واستفذوه الناس فسب الدين هل أقول لكم من الذي سب الدين ؟ هو الذي استفزه، هذا ليس مؤاخذ إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب الذي سماه باسم يكره فسب الدين كأن الذي استفزه هو الذي سب الدين وبالمناسبة إذا إنسان سب الدين يخرج من الإسلام تطلق منه زوجته يحتاج إلى تجديد إسلامه وتجديد عقد مع زوجته.
ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى فقيل له ما يبكيك يا أبو هريرة ؟ فقال: أما أني لا أبكي على دنياكم هذه ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد، إذا كان سيدنا أبو هريرة كان يبكي لبعد السفر وقلة الزاد ونحن لا نبكي هذه طمأنينة بلهاء، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي إما إلى جنة أو إلى النار ولا أدري في أيهما أكون وقد عاده رضوان بن الحكم فقال له: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وعجل لي فيه، فما كان يغادر مروان داره حتى فارق الحياة.
رحم الله أبا هريرة رحمةً واسعة فقد حفظ للمسلمين ما يزيد على ألف وست مائة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:55 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 13 : فضيلة التعليم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-12-30
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون:
تحدثت عن فضيلة التعلم، وهذا الفصل من إحياء علوم الدين واليوم الحديث عن فضيلة التعليم، أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يظن أنه يتعلم، أنت مكلف أن تعلم كما أنت مكلف أن تتعلم وليس التعليم قاصراً على الدعاء والمرشدين والعلماء، بل كل من يستمع إلى العلم عليه أن يعلم فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة الآية 122]
جاء أناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وتعلموا منه ثم رجعوا إلى قومهم لينذروهم، هذا ينطبق على كلٍ منكم، جاء إلى مجلس العلم، ثم عاد إلى البيت، وله زوجه وله أولاد، جاءه صديقه جاءه أخوه، جاءه ابن عمه، جاءه نسيب له، ذهب إلى عمله، زميله في العمل، جاره في العمل، كل واحدٍ منكم محاط بأربعين خمسين إنسان كل أسبوع، فإذا حضرت مجلس علم، وتعلمت شيئاً ؛ حديثاً، آية حقيقة، فكرة، وتركت في نفسك أثراً بليغاً، وحينما عدت إلى البيت نقلتها لزوجتك، أو لأولادك فأنت ممن تنطبق عليك هذه الآية:

﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة الآية 122]
والإنذار هنا المقصود به التعليم والإرشاد. قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾
[سورة آل عمران الآية 187]
هذا الميثاق ميثاق التعليم. وقوله تعالى:

﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة الآية 146]
إثمهم كبير جداً عند الله، وهو تحريم الكتمان. وقال تعالى:

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية 283]
الآية متعلقة بالشهادة، والقرآن له خاص وله عام، الحقيقة من يكتمها فإنه آثم قلبه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ما آتا الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
هذا الحديث رواه ابن مسعود.
هناك آية قرآنية استوقفتني كثيراً. قال تعال متحدثاً عن هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله، الله سبحانه وتعالى أراد أن يصفهم، بماذا وصفهم العالم كم صفة له ؟ ألا يصلي ؟ يصلي. ألا يصوم ؟ يصوم. ألا يتقي ؟ يتقي. من الممكن أن تقترح أنت مائة صفة للعالم ربنا عز وجل اختار للعلماء صفة واحدة ـ هو له صفات كثيرة ـ اختار واحدة لأن هذه الواحدة خطيرة خطيرةْ فإذا توافرت فهو يبلغ رسالات الله، وإن لم تتوافر فقد هذه الأهلية. ماذا قال الله عز وجل:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب]
لو أن هذا الإنسان الذي يبلغ رسالات الله، خشي من جهة غير الله ما النتيجة الحقيقية ؟ أنه سوف يكتم حقيقة لا ترضي هذه الجهة، ما النتيجة الثانية ؟ أنه سوف يقول قولاً غير صحيح إرضاءً لهذه الجهة فإذا كتمت الحق إرضاء_ً لمن تخشاه من دون الله، وإذا نطقت بالباطل إرضاءً لمن تخشاه من دون الله، فهل أنت بعد هذا وذاك تبلغ رسالات الله ؟!..
هذه الصفة إذا فقدها العالم فقد رسالته. مثلاً: إذا عطلنا المحرك في السيارة، فقط المحرك، لم يبق فائدة في السيارة، إذا ألغيت المحرك لم يعد اسمها سيارة، ألغيت وجودها. إذا عطلت المكبر في المسجلة لم تعد مسجلة، هي تدور صحيح ولكن لا نسمع الصوت. هناك أشياء أساسية وجوهرية إذا ألغيتها ألغيت الشيء.

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب]
انظر إلى هذا الوصف ما أجمله، ربنا كلامه موجز، كلامه معجز لم يقل: ويصلون.. طبعاً يصلون. ويصومون.. طبعاً يصومون. ويحجون.. طبعاً يحجون. ويتصدقون.. طبعاً يتصدقون. ولكن:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾


بمجرد أن يخشى هذا الذي يبلغ رسالات الله غير الله فقد مهمته فقد رسالته، فقد هويته فقد وجوده، فقد وظيفته، فقد مبرر وجوده ؛ لأنه سوف يبلغ ما يرضى عنه هذا الذي خشيه من دون الله، سوف يسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه من دون الله، وسوف ينطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه من دون الله، ولعمري ماذا بقي إذا سكت عن الحق ونطق بالباطل، ماذا بقي من تأديته لرسالات الله ؟. ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ))
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود:

(( ما آتا الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
وقال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت الآية 33]
الله عز وجل بهذا التركيب الاستفهامي، التقريري (هذا استفهام تقريري) يبين أن أعلى عمل في الأرض أن تدعو إلى الله، وأن يكون عملك صالحاً، وباب الدعوة ميسور لكل إنسان. لو تعلمت حديثاً واحداً وعلمته فأنت من هؤلاء، لو تعلمت آية واحدة.. لو لم تستطع أن تعلم وجررت الناس بمالك حتى حضروا مجلس علم فهو في صحيفتك، فإما أن تعلم مباشرة، وإما أن تجذب هذا الإنسان لمن يعلمه.
وقال تعالى:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
قد ترى في سلوك إنسان خمسين مخالفة.. فإذا قلت له هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وجد كل حياته حرام، يقول: أخي لا أريد هذه الطاعة. هذه ليست حكمة، الحكمة أن تعرفه بالله عز وجل.
مرةً سمعت كلمة أعجبتني تُسمى التدخل الإيجابي. مثلاً: الباعة أسعارهم مرتفعة جداً ويوجد غش، ويوجد احتكار، فنفتتح محلاً بهذا السوق، ونعرض فيه بضاعة جيدة ورخيصة فنحن لم نضيق على الباعة، تركناهم يفعلون ما يشاءون، ولكننا فتحنا محلاً في نفس السوق وبعنا بضاعة رخيصة جداً، بأسعار معتدلة، فالناس تهافتوا علينا وتركوهم، مما اضطرهم أن يخفضوا أسعارهم. هذا أسلوب راق جداً فبدلاً من أسلوب العنف، نستعمل أسلوب التدخل الإيجابي.
فأنت بدلاً من أن تقول له: هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وبيعك حرام، ومحلك أخذته حرام، وبضاعتك بالحرام، وزوجتك ماشية بالحرام ، وبناتك لا حجاب.. لقد أكثرت عليه الحرام فيئس من الحلال كله..
عرِّفه بالله، تكلم له عن آيات الله، علمه الصلاة، ادعوه إلى صدقة. إذا تصدق صلى، فإذا صلى ذاق من طعم الإيمان، فإذا ذاق من طعم الإيمان هو يسألك أهذه حلال أم حرام ؟ قل له: هذه حرام.. هذه الآية ؟ لا تعطيه كلهم دفعة واحدة.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
يقولون أن رجلاً أفرنسياً أسلم على يد أحد المشايخ في مصر، قال له علمني الدين قال: اجلس عندي درس فقه، جلس في درسه.. أول يوم أحكام المياه ؛ الماء الطاهر، الطاهر المطهر، الطاهر غير المطهر حكم الوضوء بماء الحمص، حكم الوضوء بماء العدس، حكم البئر إذا وقع فيه فأر، فإذا يلحقها هر فلها حكم آخر، من دون أن تلحقها قطة فلها حكم ثانٍ يقول: أين الهدى ؟ لا زلنا في الماء، فأصابه الملل فترك.
التقى مع عالم آخر، قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
علمنا الله عز وجل كيف حرم الخمر، حرمها بالتدريج، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[سورة النساء الآية 43]
وبعد ذلك قال:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
فكما أن الله سبحانه وتعالى حرم الخمر بالتدريج عليك أن تسلك هذا السبيل الحكيم في تحبيب الناس بالخير، وتنفيرهم من الشر.
لذلك من أمر بمعروف، فليكن أمره بمعروف.
حينما خرج الدم من يد النبي الكريم، فلماذا توضأ مرةً، ومرةً لم يتوضأ ؟. هناك حكمة، فإذا كانت كمية الدم كبيرة يتوضأ، وإذا كانت قليلة لا يتوضأ. أخذ أحد الأئمة أن الدم ينقض الوضوء، وآخر قال: الدم لا ينقض الوضوء. لماذا قال رسول الله مرةً اقرؤوا مع الإمام ومرةً قال: لا تقرؤوا ؟ إذا كان صوت الإمام واضح جداً، وأنت تقف وراءه فتشوش عليه قال: ما لي أنازع القرآن. إذا صفك رقم خمسة عشر، لست تسمع شيئاً، أتقف ساكتاً ؟ ما هذه الصلاة ؟. هناك حكمة عندما يعرف الإنسان حكمة كل أمر يقلد.
لك قريب شارب خمر، وأولاده فقراء، أتعطيه نقوداً ؟ يشرب بها خمراً، فأنت تطبق المذهب الشافعي، تعطيه الزكاة عينية، تبعث إليه كيس سكر، أرز، سمنة، لكن لك شخص عنده حكمة بالغة، هو أدرى بالمائة ليرة، يشتري بها ألبسة لأولاده، كتب مدرسية، هو حكيم. الحكيم أعطيه نقوداً. إنسان من الريف تعطيه كيساً من القمح يراه شيئاً ثميناً جداً، المطحنة جاهزة، الوتنور جاهز. أعط واحداً يسكن في الشام كيساً يراه عبءً عليه، أين يريد أن يطحنه أين يريد أن يصوله. فهناك حكمة.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
تشاجر مع صديقه فحلف بالطلاق، له زوجة صائمة مصلية محجبة مستقيمة، آدمية عفيفة، طاهرة، خدمة، متواضعة، وهي تطبخ طُلقت..
اتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة.
هناك فقهاء قالوا: إذا حلف إنسان بالطلاق، ولم تكن زوجته طرفاً في الطلاق، وكان يكره فراقها كما يكره فراق دينه فإن هذا الطلاق لا يقع.
منطقي، حكيم جداً، لم تكن طرفاً في الموضوع، ويكره فراقها كما يكره فراق دينه فهذا الطلاق لا يقع.
اتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة.
سألتك امرأة هل هذه الأساور عليها زكاة، ليس عندها غيرهم، أنت حنفية ؟ لا دوش مادام حنفية عليهم زكاة، اذهبي وبيعي واحدة وادفعي زكاتهم.. لا ممكن أن تقول لها ما عليهم زكاة، مادام ما معها ثمن نقدي آخر، في مذهب آخر.

((يسروا ولا تعسروا، سددوا وقاربوا ))
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.
وأما الأخبار، فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد أنه لما بعث رسول الله معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال:
((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها))
من هو المؤمن ؟ الذي يصدق بهذا الكلام، هذا كلام رسول الله، لا ينطق عن الهوى ترى علامة المؤمن الصادق همه الأكبر هداية الناس تراه حريصاً على هدايتهم أكثر من حرصه على عمله، أو على مستقبله أو على مستقبل زواجه، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها، كل واحد له عند الله مرتبة، هذه المرتبة بحسب الذين اهتدوا عن طريقه، ما أحدث رجل أخاً في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة، اهتدى على يديك واحد فأنت مرتبتك واحد، اثنان اثنان، إلى أن يقول الله عز وجل عن سيدنا إبراهيم:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
يعني اهتدت أمة، أما سيدنا رسول الله جميع الأمم عن طريقه.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[سورة الآنبياء]
فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، فإذا ساهمت بهداية إنسان، وهذا الإنسان صار عالماً، واهتدى على يديه مليون، المليون لك وله، حسنات الله عجيبة جداً، المليون بصحيفته وبصحيفة من علمه أنت من غير أن ينقص من أجره شيئاً. فلما يوقن الإنسان أن هداية الأشخاص أغلى عمل في الأرض، هذه صنعة الأنبياء، قد يعطي الله الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن هذه الصنعة لا يسلمها إلا لمن يحب.

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[سورة طه الاية 41]
ما معنى واصطنعتك لنفسي ؟ أنت لي، أنت داع إلي.
فالسيدة عائشة تحدث الناس عنها أنها زانية، وهي بقية طاهرة، لماذا سمح الله لهم أن يفعلوا ذلك ؟ قد جعلها الله أسوة لكل امرأة، لآخر الزمان، يتكلم الناس عنها ظلماً وهي بريئة فلها أسوة بالسيدة عائشة كأن السيدة عائشة كانت كبش الفداء، فالله عز وجل اصطنعها لنفسه. فأجرى هذه القصة تعليماً لنا، فليس كل شيء يُقال صحيحاً.. طاهرة نقية، حصينة، حصان رزان، شريفة، مقربة، وهكذا تحدث الناس فأية امرأة مسلمة مؤمنة لغط الناس بها، فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة لأن الله اصطنعها لنفسه. فكل إنسان داعية قد يكون فقيراً، لماذا فقير ؟ حتى إذا كان طالب علم فقير لا يأخذ على خاطره، قد يكون هذا الداعية مريض، إذا واحد أحب الله أن يعالجه بالمرض، هذا فلان كان مريضاً. سيدنا رسول الله جاءه جبريل قال له: أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً، قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.
دخل عدي بن حاتم إلى بيته، قال: فتناول وسادة من أدم محشوةً ليفاً قال: اجلس عليها، قلت: بل أنت. قال: بل أنت. وجلست عليها وجلس هو على الأرض.. كيف رسول الله وهو سيد العالمين ليس عنده إلا وسادة واحدة في بيته، ما هذا البيت ؟ عندما كان يصلي قيام الليل ترفع السيدة عائشة رجليها كي يسجد، ألهذه الدرجة كانت الغرفة ضيقة هذه غرفته، وهذا أثاث بيته الفخم، وهذه الثريات سراج، والسجاد جلد غزال..
دخل سيدنا عمر على رسول الله فرآه نائماً على حصير، وقد أثر على خده الشريف فبكى، قال له: يا عمر لمَ تبكي، قال: رسول الله ينام على حصير، وكسرى ملك الفرس الكافر، عابد النار، الظالم ينام على حرير ؟ قال: يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً. وهناك قولاً آخر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة.
إذاً.. لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما عليها.
إن صدقتم بهذا الحديث فانطلقوا إلى هداية الناس، وكلما تهدي واحداً لك عند الله درجة.

((وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود: من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين صديقاً))
[ رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود بسند ضعيف]
وقال عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ هكذا تروي الكتب ـ من علم وعمل وعلم ـ يوجد آية قرآنية بهذا المعنى ؟..

﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
إذا كانت حياة الإنسان خالية من إيمان، وتطبيق، وتعليم، وصبر فهو خسران.. أخي معه ثلاثة آلاف مليون، خسران.
وعمل وعلم، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات.

((وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس بسند ضعيف: إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة، فيقول العلماء: بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوة))
[ أخرجه أبو العباس الذهبي في العلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف]
((وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر، والحديث متفق عليه: إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعاً من الناس بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهبوا بذهاب العلماء، فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى إذا لم يبق إلا رؤساء جهالاً إن سؤلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون ))
العلم يُنتزع انتزاعاً بقبض العلماء.
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة وهو حديث حسن:

(( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
الحكم يعرفه، ولكن لم يتكلم لمصلحة، له شريك يربح منه كثيراً وقع شريكه بمخالفة فإذا نصحه بتلك المخالفة سيتشاجران معاً، يقول له نفك الشركة بيننا، فيقول لنفسه: اسكت ولفها يا ولد خليك عم تبرح منه.
تعلم علم وكتم هذا العلم من أجل مصلحة مادية، ألجمه الله بلجام من نار.
قلت لكم: مرة واحد يصلي في أول صف، كل صلاة في وقتها، له محل تجاري وله مطعم تُباع فيه الخمر، قلنا له. قال: إن شاء الله برقبة شريكي، أنا ليس لي دخل، أنا إلى المطعم لا أذهب أبداً، فقط آخذ الأرباح آخر السنة، في رقبته إن شاء الله. لا في رقبة الشريكين معاً، إذا قال له لا يجوز، يجوز، هذا مو شغلك ما عجبك انسحب، في ربح مينيح شو ينسحب.
من تعلم علماً فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.
وقال صلى الله عليه وسلم:

((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
فعلامة المؤمنين يتناصحون، إذا رأى الأخ على أخيه غلط، لكن الفرق بين النصيحة والتشهير، النصيحة بينك وبينه، التشهير أمام ملأ أمام الملأ لا يرضى منك، يعارض، أحياناً لا يكون منطقياً، أحياناً يركب رأسه، أحياناً يتعنت، أحياناً يتشدد لا يتراجع، لأنك أردت أن تشهر به، عندئذ لا ينصاع لك، إن كنت مخلصاً في نصيحتك انصحه على انفراد، بشكل لطيف.
سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما حينما رأوا رجلاً كبيراً في السن يتوضأ بشكل غير صحيح، فتوضؤوا أمامه وسألوه نحن قد اختلفنا بموضوع في الوضوء، فاحكم بيننا يا عم وتوضؤوا أمامه، قال: المخطئ وليس أنتما.
يعني هذا أسلوب من أساليب تصحيح الأغلاط بشكل لطيف، فالإنسان إذا يريد أن يتناصح يجب أن يكون ذكياً بالتناصح، واحد غلط أمام سيدنا رسول الله باللغة، فإذا أخطأت أمام نحوي أو لغوي يقيم القيامة عليك يقول لك: أعد، أعد..
قال عليه الصلاة والسلام:

((أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل))
يا ترى تصليح الغلطة وجرحه أفضل من تركها إلى أخر المجلس وتنبيهه لها تنبيهاً لطيفاً.
المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم.
إذاً ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو تره عن ردىً.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة وهو حديث حسن:

((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ))
ذكر الله وما يتصل به.
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي عن أبي أمامة والحديث حسن:

(( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ))
لأن معلم الناس الخير يعلمهم كيف يعاملون الحيوان، فإذا رحم الإنسان الحيوان ففي صحيفة من دله على ذلك.
حدثني شخص أنه ذبح شاة أمام أختها، قال: والله لأول مرة في حياتي أرى شاة تبكي خوفاً، النبي الكريم أدرك ذلك، لما رأى شخص يذبح شاةً أمام أختها غضب عليه الصلاة والسلام وقال: أتريد أن تميتها مرتين، هلا حجبتها عن أختها.
كان عليه الصلاة والسلام رحيماً.. ولما دخل إلى بستان ورأى جملاً فلما اقترب منه حن (معنى حن هطلت دموعه) تقدم النبي عليه الصلاة والسلام ومسح ذفري الجمل وقال: من صاحب هذا الجمل، قالوا: فتى من الأنصار، قال: أتوني به، جاؤوا به فقال: يا فتى ألا تخشى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه.
فالذي يحمل مفك ينعر به الدابة من أجل أن تمشي، تراها مجروحة هذه بهيمة في خدمتك، فكم من مركبوة خير من رابكها عند الله.
النبي الكريم بلغه عن رجل خان صديقه أثناء السفر أو الجهاد والكلب قتله، قال: خان صاحبه، والكلب قتله، والكلب خير منه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
[سورة البينة الاية 6]
طبعاً.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
[سورة البينة الاية 6]
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه ))
لذلك طالب العلم همه الأول يعقل هذا الذي يقال ؛ تفسير آية، تفسير حديث حقيقة آية كونية، إذا عقلها وبلغها لأخيه المؤمن يسعد ويسعد.
هناك حديث ضعيف رواه أبوهريرة، قال عليه الصلاة والسلام:

((كلمة من الخير يسمعها المؤمن فعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة ))
مفك ينعر به الدابة من أجل أن تمشي، تراها مجروحة هذه بهيمة في خدمتك، فكم من مركبوة خير من رابكها عند الله.
النبي الكريم بلغه عن رجل خان صديقه أثناء السفر أو الجهاد والكلب قتله، قال: خان صاحبه، والكلب قتله، والكلب خير منه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
[سورة البينة الاية 6]
طبعاً.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾
[سورة البينة الاية 6]
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه ))
لذلك طالب العلم همه الأول يعقل هذا الذي يقال ؛ تفسير آية، تفسير حديث حقيقة آية كونية، إذا عقلها وبلغها لأخيه المؤمن يسعد ويسعد.
هناك حديث ضعيف رواه أبو هريرة، قال عليه الصلاة والسلام:

((كلمة من الخير يسمعها المؤمن فعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة ))
((وقال عليه الصلاة والسلام: خرج عليه الصلاة والسلام ذات يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون الله عز وجل ويرغبون إليه، والثاني يعلمون الناس، فقال: أما هؤلاء فيسألون الله تعالى، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس، وإنما بُعثت معلماً ))
يعني يقلدون النبي صلى الله عليه وسلم في صنعته،
((إنما بعثت معلماً إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
الدرس اليوم كله على التعليم، وكل واحد منكم يجب أن يعلم، يجب أن يعمل قائمة فلان اهتدى على يدي، وفلان وفلان، إذا واحد أحسن من الدنيا وما فيها، فكيف اثنين، ثلاثة إذا واحد لم يعرف الله عز وجل وصار عنده أموال تعادل ملئ الأرض ذهباً.. لو أنه تملك ذهباً ملئ الأرض، وأراد أن يدفع هذا المال كله ليفتدي نفسه من عذاب الله لا يُقبل منه ذلك، وهداية رجل واحد خير لك من الدنيا وما فيها.
والحديث المعروف المشهور:

(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به، وولد صالح يدعو له وصدقة جارية ))
هذه أعمال مستمرة، غير منقطعة.

(( ولا حسد إلا في اثنتين))
إذا حسدت إنساناً على بناءً ضخماً فهذا حسد غير ذكي، حسد غبي لأن هذا البناء سوف يغادره إلى مثواه الأخير، إن حسدته على ماله فهذا حسد غير ذكي، لأنه لن يأخذ معه إلا أمتار من الخام الأسمر، وقطن فقط، إذا حسدته على زوجته سوف يتركها، إذا حسدته على أولاده فسوف يتركهم، أو قد لا ينفعونه، أما إذا حسدته على علم فمعك حق، إذا حسدته على مال ينفقه في طاعة الله فمعك حق. لكن نحن نسمي الحسد في العلم، وفي المال الذي ينفقه صاحبه في طاعة الله غبطة هناك أناس يقولون: أنا حاسدك على هذه الدعوة إلى الله. لا تقل له أنا حاسدك، بل قل أنا أغبطك. دقة العبارة جميلة، في الخيرات غبطة وفي غير الخير حسد.
مرة بيت شعر مكتوب:
ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب
يعني عطاء الله بلا سبب، أنا عدلت تعديل طفيف:
ملك الملوك إذا وهب قم فسألن عن السبب
لأن عطاء الله بالعدل، وفي أسباب.
الله يعطي من يشاء فقف على حد الأدب
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله عز وجل حكمة فهو يقضي بها، ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الخير))
علم يعلمه، المال ينفقه في طاعة الله، هؤلاء الشخصان يُحسدان وما سوى ذلك حسد غبي، الحاسد جاهل، والمحسود أجهل.

((وقال عليه الصلاة والسلام في حديث حسن: " على خلفائي رحمة الله قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله، قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ))
((يحيون سنتي ـ وفي رواية ـ عند فساد أمتي))
أخي مرحبة، قل له: السلام عليكم، والله أجمل، على العافية، سعيدة، ماهذا السلام ؟ السلام عليكم سلام الإسلام، السلام من أسماء الله عز وجل، علم السنة، المصافحة سنة، أن لا تأكل متكئاً سنة، هذه مائدة الله عز وجل، فالإنسان إذا تعلم وطبق السنة يصير له وجهة إلى الله عز وجل، يسعد ويسعد.
الآثار:
انتهينا من الأحاديث، بدأنا في الآيات، ثنينا بالأحاديث، والآن الآثار.
قال عمر رضي الله عنه:
((من حدث حديثاً فعمل به، فله مثل أجر من عمل ذلك العمل))
لذلك أقول دائماً، أربعة أدعية أدعيها يقشعر منها جلدي، اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني.. والله مصيبة تعلم حديث ويطبقه ويسعد فيه وأنت متعلم نصه ولفظه وروايته ولست مطبقه فتشقى به، هذه أكبر خسارة.

((قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: من أندم الناس، قيل من دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار ))
((روى لنا النبي الكريم عن أهوال يوم القيامة، أنه يشاهدون رجلاً انفتح بطنه واندلقت أمعاؤه من بطنه، وهو يدور في النار كما يدور حمار الرحى ))
إذا واحد ضُرب ضربة قوية يدوخ.

((يدور في النار كما يدور حمار الرحى، وأمعاؤه اندلقت من أقتابه))
فلان، مو فلان والله فلان، هو بذاته، هذا كان عالم في الدنيا يسألونه ألست أنت فلان ؟ يقول: نعم، ألم تكن تأمرنا بالخير ؟ قال: نعم، ألم تكن تنهانا عن الشر ؟ قال: نعم ما الذي جاء بك إلى هنا ؟.
قال: كنتم آمركم بالخير ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه.
شيء يخوف، فلذلك أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ثم يتكلم، إذا طبق وتكلم يؤثر.
رجل عالم، له تلميذ غني عنده عبد، مرة هذا العالم زار تلميذه، هذا التلميذ رحب به ترحيباً منقطع النظير، صنع له طعاماً اعتنى به، والعبد يرى تأثير هذا الشيخ على تلميذه، قال لنفسه إذا كلمت الشيخ حتى يعتقني فسوف يعتقني. بعد أن انتهت الزيارة قال له: لو أمرت سيدي أن يعتقني. قال له العالم: خيراً إن شاء الله، فتوقع أنه سوف يعتقه في اليوم الثاني فمرة يوم، وثاني يوم، وثالث يوم، مضى أسبوع أسبوعين ثلاثة، شهر شهرين ثلاثة، لا حس ولا إنس، يا ترى ما قال له ؟ قال له، لمَ لم يقل له، إذا قال له لمَ لم يطبق. صار في سؤال وجواب، ثم دعاه مرةً ثانية، وأيضاً أكرمه إكرام منقطع النظير، ثم قال له سيدي أكلمته حتى يعتقني، فقال له: إن شاء الله يصير خيراً.
أيضاً مضى أسبوع وأسبوعين، وشهر وشهرين، لا حس ولا أنس.
ثم عزمه عزية ثالثة، فقال له: قال: إن شاء الله بسير خير. أعطاها نبرة جادة.
بعد كم يوم استدعاه سيده فقال له: أنت حر لوجه الله.
لكن هذا العبد قد تألم، قال: إذا كانت تحل بكلمة من هذا العالم فلماذا تأخر إلى الآن رجوته منذ سنة. التقى بالرجل العالم وسأله، قال: يا بني أنت أتعبتني كثيراً، اقتصدنا من مصروفنا مبالغ حتى أعتقت عبداً بعد أن أعتقت عبداً أمرت سيدك فأعتقك.
هكذا كان العلماء قديماً.. العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن.
فالورع حسن، لكن في العلماء أحسن.
قال له: أتعبتنا حتى وفرنا من مصروفنا، وأعتقنا عبد، لما أمرنا سيدك بإعتاقك فنفذ فوراً.
لذلك قال الله عز وجل:

((ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ))
كل إنسان يتفلسف أما الذي يؤثر كلامه في الناس الذي يطبق، لما تعامل الإنسان معاملة إسلامية ثم تنصحه نصيحة يخض لك، ويحترمك ويصغي لك، إذا رأى المعاملة ليس كما يجب، معاملة مصلحية، أما الكلام لطيف، قال: خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، فبي حلفت، أعلي يجترؤون، أم بي يغترون، والله لألبسنهم فتنة تدع الحليم حيران.
كلام حلو كثيراً، تطبيق لا يوجد.

((من حدث حديثاً فعمل به فله أجر مثل ذلك العمل ))
(( وعن ابن عباس رضي الله عنهما، معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في البحر))
وقال بعض العلماء: العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه.
فعلاً، كلما قضية عُرضت عليه، فالقضية معاملة الله للعبد، يتدخل ويقول له: الله يريد بك خيراً، هذه القضية لمصلحتك، من أجل أن أنْ تصبر، من أجل أن يرقى بك، من أجل أن يرفع درجتك، من أجل، من أجل.. كالذي يدخل بين الأم وبنها، يقول: إياك أن تغلط الأم ما في مثلها، كل أعمالها من أجل مصلحتك لو أنك زعلت منها، ولكنها لمصلحتك، أنت تتدخل بين الأم وابنها، أنت تفهم الابن مقام الابن. فالعالم يتدخل فيما بين الله وخلقه.
فالينظر كيف يدخل.. ويكون تدخله إيجابي، ألم يقل سيدنا موسى: اللهم إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، ولكن كيف أحببك إلى خلقك، قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي.
لإنسان معاملة إسلامية ثم تنصحه نصيحة يخض لك، ويحترمك ويصغي لك، إذا رأى المعاملة ليس كما يجب، معاملة مصلحية، أما الكلام لطيف، قال: خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، فبي حلفت، أعلي يجترؤون، أم بي يغترون، والله لألبسنهم فتنة تدع الحليم حيران.
كلام حلو كثيراً، تطبيق لا يوجد.

(( من حدث حديثاً فعمل به فله أجر مثل ذلك العمل ))
((وعن ابن عباس رضي الله عنهما، معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في البحر ))
وقال بعض العلماء: العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه.
فعلاً، كلما قضية عُرضت عليه، فالقضية معاملة الله للعبد، يتدخل ويقول له: الله يريد بك خيراً، هذه القضية لمصلحتك، من أجل أن أن تصبر، من أجل أن يرقى بك، من أجل أن يرفع درجتك، من أجل، من أجل.. كالذي يدخل بين الأم وبنها، يقول: إياك أن تغلط الأم ما في مثلها، كل أعمالها من أجل مصلحتك لو أنك زعلت منها، ولكنها لمصلحتك، أنت تتدخل بين الأم وابنها، أنت تفهم الابن مقام الابن. فالعالم يتدخل فيما بين الله وخلقه.
فالينظر كيف يدخل.. ويكون تدخله إيجابي، ألم يقل سيدنا موسى: اللهم إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، ولكن كيف أحببك إلى خلقك، قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي.
سفيان الثوري رحمه الله، قدم عسقلان، فمكث فيها لا يسأله إنسان فقال: إني مزمع أن أخرج من هذا البلد، هذا بلد يموت فيه العلم.
أحياناً أسأل الطلاب سؤال، هل هناك سؤال ؟ لا أحد يجيب، أقول لهم هذا السكوت إما أول تفسير هو حسن ظن بكم، أنكم فاهمين تماماً ولا قضية غامضة، والتفسير الثاني: الحياء، والحياء خلق عالي، والتفسير الثالث عدم مبالاة، الموضوع كله خارج اهتمامنا. فإذا إنسان لا يسأل إما عن فهم، وإما عن حياء، وإما عن عدم مبالاة. الشيء الخطير الثالثة.
عايش بدوامة ثانية.

(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ))
شخص أوقف شخص، قال له وبدأ بآية، قال له: والله مستعجل، عندي موعد فلا تؤاخذني، والله كلامك حلو ولكن عندي موعد، قال له: أراك تعرج، قال: نعم والله، قال: في لها دواء، قال مطمطت بالحديث معه، نصف ساعة أوقفته من أجل رجله، من أجل تفسير آية عنده موعد، مستعجل، قال له: كلام حلو كثيراً ولكن ما عندي وقت قال له أتعرج، قال نعم والله، الدواء الفلاني والفلاني والطبيب الفلاني وقف، نصف ساعة.
الحجاج ماشي في الطريق، رأى بائع قدور يصلي قاعداً، وقف عنده قال: أريد هذا القدر، وضع سلماً وصعد إليه، فقال: ليس هذا الذي بجانبه، فصعد إلى جانبه..
من أجل بيع وشراء يصعد وينزل مئة مرة.

﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[سورة النساء]
بزمانك رأيت واحد يعد مصاري فنام، خمسميات. بحياتها ما تصير هذه. يبقى صحيان.
أحياناً الإنسان يشرد في الصلاة.
قال عطاء رضي الله عنه: دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك ؟ قال: ليس أحد يسألني عن شيء، ما هذه البلد ؟ إذا واحد سأل ينتعش المسؤول، في واحد مهتم هذه القضية شاغلة بالة خايف يكون واقع بحرام، عنده ورع، عنده اهتمام، فالسؤال له فائدة غير مباشرة، وهو شعور المعلم أن المتعلم مهتم.
وقال بعضهم: العلماء سرج الأزمنة، كل واحد مصباح زمانه، يستضيء به أهل عصره.
وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم، أي أنهم بالتعليم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية، البهيمية طعام وشراب وعمل واستراحة وملذات انظر حياة معظم الناس، ما فيها ؟ أكلنا وشربنا، ونمنا، وسهرنا، وضحكنا، ولعبنا وتنزهنا يذهب الصيف ويأتي الشتاء ثم الربيع والخريف، نفس الوتيرة. حديثه على الطعام، وأوطى على النساء، نصف مصيبة على الأكل، الأكل أو النساء، وطعامه وشراب ونوم وراحة وترتيبات وتزيينات وسيرين وحفلات وانتهى كل شيء، والآخرة خارج اهتمامهم.

(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
وقال عكرمة: إن لهذا العلم ثمناً، قيل: وما هو ؟ قال: أن تضعه فيمن يحسن حمله ولا يضيعه.
وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من بآبائهم وأمهاتهم.
كيف ؟ نأخذ مثلاً رسول الله، فرسول الله أرحم بالخلق من أنفسهم بأنفسهم، واحدنا هامه دنياه، أما النبي الكريمة همه آخرتك، الدنيا كيف ما كان ماشية، كيف ما كان زائلة، أما البطولة بالآخرة، فلذلك من يقوم مقام الأنبياء هؤلاء حريصون على الناس أشد من حرص الناس على أنفسهم.
قال: وكيف ؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا.
إذا واحد اقترب ابنه من مدفئة تراه يقفز قفزاً، يقول: يحرق يده.. كيف تغريه بمعصية، ترسله إلى دولة أجنبية لوحده يسكن مع أسرة يبقى فيها أربع خمس أسابيع حتى يتعلم اللغة. هذه الأسرة قد يكون فيها زنا أسرة كافرة هذا شيء غير معقول، تخاف عليه من نار الدنيا ألا تخاف عليه من نار الآخرة ؟.
قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم العلماء من نار الآخرة.
وقيل: أول العلم صمت، ثم استماع، ثم حفظ، ثم عمل، ثم نشر.
صمت، استماع، حفظ، عمل، نشر.
وقيل: علم علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم ما تجهل، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت.
وقال معاذ بن جبل في حديث مرفوع: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والمصبر على السراء والضراء والوزير عند الأخلاء، والقريب عند القرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وسادة، هداة يُقتدى بهم، أدلةً في الخير، تُقتص آثارهم، وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البحر وأنعامه، والسماء ونجومها، وأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار، والدرجات العلى والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يُطاع الله عز وجل، وبه يُعبد وبه يُحمد، وبه يُمجد، وبه يُتورع، وبه تُوصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه يُلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء، ونسأل الله تعالى حسن التوفيق.
خلاصة الخلاصة حديث شريف:

(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
[ذكره ابن النجار في تاريخه وكذا القضاعي في الشهاب (عن أبي هريرة) وذكر في الميزان أنه خبر باطل وأعاده في ترجمة أحمد بن محمد الدمشقي وقال له مناكير وبواطيل ثم ساق منها هذا وقال بعض الشراح الشهاب غريب جداً]
معنى استرذله: رآه رجلاً سخيفاً، شهوانياً، دنيوياً، يحب العاجلة يكره الآجلة، يحب مصلحته وشهواته، يكره الحق، إن رآه كذلك قال له هذه المجالس ليست لك، دعك عنها، أنت مشغول، أنت عندك عمل لأنصاف الليالي هنا عمل عبادة، أحياناً يتوهم ويقول: العمل عبادة أيضاً ابق لأنصاف الليالي بالعمل، واترك أولادك، ولا تهذب نفسك، والموت يأتي فجأة.

(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب))
فإذا سمح الله لرجل أن يحضر مجلس علم ففيه خيراً.
ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم
إذا الواحد حاجز محل في جامع فلا يفرط به، إذا لم يأتِ عدة مرات يتراكم على قلبه الران، ثم يقطعه نهائياً.
شوية إهمال، أخي والله ما في انشراح، يضيق الله صدره. ما معنى حظر عليه العلم والأدب يضيق الله صدره من العلم.
بالأسواق يستأنس، بالحديث عن الدنيا ينطرب، طليق اللسان، يحدثك إلى الواحدة ليلاً، فإذا تحدثت إليه عن الآخرة يتثاءب، يقول: تأخرنا أسمحنا تأخرنا عليك نحن أيضاً. هذه قاعدة المؤمن مهما حدثته عن الله عز وجل يبقى سعيداً ومسروراً.

(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
أنا لي عندكم نصيحة، احضر مجلس العلم في كل أحوالك، أخي البارحة ما رأيناك نعم والله كنت متضايقاً، بالعكس، مثل واحد قال: أخي ما تأخذ الدواء، لحتى أطيب آخذه، ما هذا الكلام، يجب أن تأخذه حتى تشفى، هو على الشفاء الدواء، إذا شفيت لا تحتاج إلى دواء.
أخي إذا كنت متضايق لا آتي إلى المجلس، لا بالعكس، إذا متضايق تعال، إذا متضايق تسر هنا، يذهب عنك الضيق، متشائم يذهب عنك التشاؤم، خايف يذهب عنك الخوف. فهذا المجيء حتمي، طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم.
يعني بكل أحوالك ؛ معكر تعال، مشغول تعال، وقعت بمخالفة خجلان من ربك تعال داخل إلى بيته أنت، يضيفك.

(( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر ))
[أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب أنه مكتوب في التوراة]
أخي أنا وقعت بمخالفة، صافحت اليوم فأنا أستحي من الله ما أريد أن آتي إلى الدرس. بالعكس، ادفع صدقة وادخل إلى بيته تائب على نية أن يضيفك في هذا الدرس، ماذا يضيفك ؟ العفو عنك، أو المجاوزة، احتمال تدخل إلى الدرس تبكي شوي ترى أن قلبك انجلى.

(( إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ))
اجعل الدرس فوق كل أشغالك، يعني هذا الدرس من فضل الله تحدثاً بنعم الله هذه السنة العاشرة أدرسها من فضل الله ما غبت درس. من فضل الله عز وجل الله قواني وأكرمني لأني حريص على طلب الخير وأنتم أيضاً احرصوا على الدوام، الثبات نبات، اليوم تأثرت ثاني يوم صفيت نفسك، ثالث يوم خلصت من ذنب كان جاثم على صدرك، لا يمكن تثبت ما تصور نحو الأحسن، لا يمكن إذا واحد ثبت على حضور مجلس إلا ما يتطور، له آذان الإنسان، هذه حرام وهذه حلال، هكذا طريق السعادة وهكذا طريق الشقاء، سوف يطبق بعد ذلك أنا موفية معي إذا مضى فترة طويلة وتخلصت من كل مخالفتاك البيتية، أنا موفية معي أتحمل سنة لأن الأمر يحتاج إلى نفس طويل، أما إذا الواحد أسرع أفضل، من يؤكد له أن الموت بعيد قد يكون قريب.
واحد توفي أخوه وترك له عشرة أولاد، صار يبكي، له شيخ ذهب إليه قال: لم تبكي يا بني ؟ قال: أخي ترك لي عشرة أولاد، قال: ما خلف شيء ؟ قال: ترك شيء يكفيهم سنة قال: عال، عندما تمضي السنة ابدأ بالبكاء. بكير على البكاء، مات قبل السنة، مات قبل أن ينتهوا أكلات أبناء أخيه.
من عنده ضمان يعيش لبعد ساعة، فالإنسان يتوب.

((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أوالدجال، فشر غائب يُنتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))
لحقوا حالكم وتوبوا إلى الله، فإذا تاب الإنسان إلى الله توبة نصوحة فكأن جبل أزيح عن كاهله، استراح، لذلك وتوبوا إلى الله توبةً نصوحة

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية 8]
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:56 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 14: تتمة صفات المتعلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-01-20
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: الصفة الرابعة التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها أن يحترز الخائن في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، يعني طالب العلم هناك موضوعات خلافية في الدنيا والآخرة، موضوعات في الدنيا خلافية وموضوعات في الدين خلافية، وهناك موضوعات مختلف عليها، فإذا بدأ بالخلافيات ضاع في شعابها وإذا ترك الخلافيات وبدأ بالمتفق عليه من منا لا يتفق جميع الملل والنحل ألا توقن أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، هذه حقيقة متفق عليها، فكر في هذا الخط في عظمة الله عز وجل في خلق الإنسان في خلق الحيوان، في خلق النبات، في خلق الجبال، في خلق السحاب، في خلق السهول، في خلق الأنهار، في خلق البحار، في خلق القمر، في خلق الشمس، في خلق الكواكب السيارة في خلق المجرات، هذا باب كلما زدت فيه خوضاً ازددت من الله قرباً وتعظيماً، وهذا باب لا خلاف فيه، لا يمكن لفئة من المسلمين أن تختلف في هذا الباب، فالمشكلة أن الذي يبدأ طريقه في الإيمان في الخلافيات يضيع في شعابها والذي يرد الله به خيراً يبعده عن هذا الطريق.
سأل تلميذ أستاذه إذا سرت في جنازة فكيف أسير، أمامها أم خلفها، عن يمينها، أم عن شمالها؟ فقال هذا الأستاذ: لا تكن في النعش وسير حيث شئت، الموضوعات الخلافية لا تقدم ولا تؤخر، الشيخ محي الدين ـ سلطان العارفين ـ رضي الله عنه، هكذا قال الصوفيون، وقال عنه بعض المسلمين إنه كافر، الشيخ محي الدين له عند الله مقام لا يرفع هذا المقام قول أناس إنه سلطان العارفين ولا يجرح هذا المقام قول أناس أنه كافر، تلك أمة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كنتم تعملون، هذا حديث البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر قال تعالى

﴾تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)﴾
( سورة البقرة )
هذا موضوع البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر، الخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية، إذا ذكر أصحابي فأمسكوا دع هذا الباب من الخلافيات رضي الله عنهم أجمعين، أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، يعني إذا الإنسان صادق يصرفه عن هذه الموضوعات كلها، هذه الموضوعات غير مجزية، موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، لا ترقى بالإنسان، أما إذا فكرت بآيات الله امتلأت نفسك عظمةً لله، إذا عملت عملاً صالحاً اقتربت من الله، يعني الشيء المجدي المعرفة والعمل، والمعرفة والعمل لا خلاف فيهما إطلاقاً بين كل فرق الإسلامية، لذلك النبي الكريم قال: تركتم على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا ضال.
زارني أخ كريم وسألني أنه كان يوجد عقد قران وحضر رجل دين، وهذا الرجل ألقى كلمة وقال في هذه الكلمة أنه لا يحب أن يحضر عقود نكاح لأنه يوجد مصورين وإن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، فسألني ما رأيك فقلت رأي واضح هذا قول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، أما المشكلة قلت له السائل يشابه إنسان يركب سيارة ويسير في الطريق احترق المحرك وبرك في أرضه، نظر فوجد المرآة فيها برغي يحتاج إلى شد، فانزعج كثيراً، يجب أن يكون انزعاجك ليس من المرآة بل من المحرك الذي احترق هذا يزعج أكثر، يوجد أشياء أساسية تركها في الدين ويتابع موضوع الصورة يدخل في متاهة الصورة، يا ترى إذا أحضرنا شفرة على الصورة هل تزول الحرمة، إذا وضعناها بمكان مهان، طبعاً تزول، إذا صور طبيعية غير محرمة، هذه تفصيلات الشيء الذي أعمل عليه أن يبحث الإنسان عن جوهر الدين، جوهر الدين أن تعرف الله، وإذا عرفته استقمت على أمره، وإذا استقمت على أمره أحببته وتقربت إليه بالعمل الصالح، هذا هو الدين كله، كما قال سيدنا عمر للبدوي، قال له: بعني هذه الشاة، فقال له: ليست لي قال له: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال له: والله لو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله.
هذا هو، انظر الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول: على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات، المعتزل، والجبرية، والفئة الفلانية، والموضوع الخلافي، الرجم إما قتل، إما جلد الزاني، ماهو دليلك وما هو قولك، وهكذا قال أبو حنيفة، حتى أنه صار نوع من الشطوط أما الحنفي لا يصلي وراء الشافعي، وأن الشافعي لا يسمح بتزويج ابنته من حنفي، ما هذا هذا شطط ما أراده الله عز وجل.
الدين له جوهر الإمام الغزالي يقول على طالب العلم أن يحترز في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى خلاف الناس سواء أكان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو علوم الآخرة، يعني نصيحتي إلى وجه الله ابتعد عن الخلافيات، الخلافيات لا تجدي لا تقدم ولا تأخر.
قال: أسلك في إقناع الآخرين كل طريق إلا أن تناقشهم، المناقشة تسبب تشنج، تعصب لأن إذا ناقشته وغلبته تسبب تعصب، جرحت له كرامته لا يتراجع، فاسلك كل طريق إلا المناقشة المؤمن عندما ينتهي من المتفق عليه عنها يبدأ بالخلافيات، المتفق عليه لا تبق منها ولا ذرة فهذا الذي أنا أريده وهذا الذي جاء في هذا الكتاب القيم إحياء علوم الدين، على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات.
قال: لو أنه خاض في الخلافيات فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه، ويفكر رأيه ويوقع في اليأس عن الإدراك والإطلاع، طبعاً في التدريس يوجد توجيهات تضعها الوزارة لمؤلفي الكتب، طبعاً في المرحلة الثانوية لا ينبغي لمؤلف الكتاب أن يذكر خلاف بين العلماء في كتاب المدرسة، الطالب تشوش البصريون يعربون هذه الكلمة مثلاً رأيت فلاناً تحت الشجرة، تحت الشجرة شبه جملة، الكوفيون يعربونها متعلقة لاسم محذوف، هذا لا ينبغي أن يكون في التعليم الثانوي، الطالب يتشوش، في التعليم الثانوي ينبغي أن تكون الحقائق واضحة و واحدة، تشعب خلافيات، أمور معقدة هذا لا يجوز، أيضاً طالب العلم هذه الأمور الدقيقة، هذه الخلافيات بين كبار العلماء، هذا شيء ليس وقته الآن، إذا وصلت إلى الأساسيات عندئذٍ أنت قادر على الخوض في الخلافيات.
ضرب الإمام الغزالي مثل واضح جداً، قال: من يلقي النجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل أن أضعاف هذه النجاسة قد تلقى في البحر، والبحر أعظم من الكوز، فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز، هذا البحر تجد أسيقة مدينة بكاملها تلقى في البحر، وماء البحر طاهر، فإن جئت بنجاسةٍ يسيرة وألقيته في كوز ماء لغلبت النجاسة طهارة الماء وصار الماء نجساً ولو جئت بنجاسة كبيرة وألقيتها في البحر لغلب ماء البحر هذه النجاسة وصار ماء البحر طاهراً، إذا الإنسان شبه نفسه بالبحر هو كوز ماء ودخل في الخلافيات وتشعبت نفسه، هذه الخلافيات تأخذ على قلبه، وتأخذ على مجامع قلبه وتفسد عقيدته وتوقعه باللا مبالاة، والشكوك وما شاكل ذلك لكنك إذا صرت كالبحر مهما قرأت من خلافيات أنت أنت لأنك عرفت الحق، ومن عرف الحق لا يزيغ عنه أبداً ولا يحيد.
قال: ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماءً فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته الطهارة، والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته وإلى مثل هذا جوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز لغيره.
إذاً الإنسان لا يدعي أنه بحر ولا يتأثر، فإذا دخل بالخلافيات ربما وقع في الترهات وقع في المشكلات و زاغت نفسه ودخل إلى قلبه الشك، أما إذا بدأ بالأساسيات وتمكن عندئذ نقول له اقرأ ما شئت وناقش من شئت وجادل من شئت فأنت من عرف الحق ومن عرف الحق لا يزيغ هذه الصفة ينبغي أن تكون بين أيديكم.
شيء آخر على طالب العلم أن يعرفه، أن لا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعها إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده وغايته، يعني هذا مثل قرأته تعلم كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء، يعني أن تعرف الله عز وجل في هذا المجال أبحر وتعمق، و اذكر الله ذكراً كثيراً وتقرب إليه بالدعوة إليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم، وعيادة المريض، والإحسان إلى الآخرين، وإرشاد الرجل في أرض الضلال وأن تهدي الأعمى وأن تعين اليتيم، وأن تعطف على المسكين، وأن تحضر مجالس العلم في هذا المجال مهما تريد، تعمق ولكن لا يوجد مانع أن تلم في علم الفرائض، بحث البيوع، لأنك تبيع وتشتري، يوجد قضية بائع بيت اختلف مع شاري، والشاري اعتقد أن البيت بمائة ألف والذي باع البيت قال مائة وعشرة آلاف، وصار هناك منازعة، إذا الإنسان قرأ بيوع صار الأمر سهلاً عليه، إذا حصل منازعة بين البائع والشاري فالقول قول البائع، والشاري بالخيار انتهى الأمر لا تحتاج إلى مشاكل.
إذا الإنسان ألم بعلم البيوع، ألم بأحكام الآجار، الوديعة، الوكالة، الحوالة، أحكام اللقطة، أحكام العبادات بشكل متقن، إذا نسي فرض، واجب كيف يسجد للسهو، سجود التلاوة هذا كله إلمام فيه، عندك أصول، وعندك فروع، أنا لا أطالب الأخ الكريم بالفروع، أما الأصول لابد منها، تعلم كل شيء عن شيء، وشيئاً عن كل شيء.
مثلاً في عقد المخالعة إذا كانت المخالعة بدأت من الزوج، قد خالعتك من عصمتي على أن تبرئيني من المهر المعجل والمؤجل، تقول له قد قبلت، صار مخالعة، وهذا المخالعة خطأ وهي طلاق لأنها بدأت بالزوج، المخالعة الشرعية يجب أن تبدأ بالزوجة، اخلعني من عصمتك وخذ مهري، يقول لها قد قبلت لأن المخالعة طلقة بائنة، أما إن كان طلقة واحدة لكان بإمكان الزوج أن يردها ثانيةً ضمن العدة، فيجب أن نعرف شيء عن الطلاق، عن الخلع، عن الطلاق البائن، بينونة صغرى، كبرى، إذا الإنسان حلف طلاق وهو غاضب ما حكمه إذا حلف مع صديقه طلاق على زوجته هل تتطلق، ما أحكام هذه الأمور، رأي الإمام أبو حنيفة رأي الإمام الشافعي، هذه الأشياء نعيشها يجب الإنسان أن يلم بهذه الأشياء، إذا إنسان عمله بالتجارة فرض عليه أن يعرف البيوع، لأنه يوجد أحكام ربح ثابت صار ربا، أنا سوف أأجرك هذا الفروغ وهذا المحل له أجرة، ورجل وضع فروغ ويريد أجرة الفروغ، هذا صار ثابت أخذ بالمائة سبعة ونصف من قيمة الفروغ لا أدخله شريك، على الربح والخسارة، لي أقرباء اشتروا بيت و احتاجوا إلى مبلغ من المال، اقترضوا مبلغاً والشرط أن يرد كما اقترض وأعطوهم أجرة البيت، الأجرة ربا، متى تصبح حلال، إذا كان بعد ما صار مالك البيت بإمكانه أن يرد المبلغ البيت يقيم من جديد فلو أن البيت هلك، مقسم بالعمار جاهز رجل قال أنا أدفع لك مبلغ ولكن أريد يعود كما هو صدر قرار وصار المقسم للدولة، هذا الذي دفع القرض إذا يريد أن يأخذ قرضه كما دفعه وفوق منه أجرة صارت ربا، وطالما أنه يوجد ربح وخسارة هذه ربا، موضوع الآجار، والشراكة، أيام يضع الإنسان مبلغاً من رجل يعطيه بالمائة عشرة في السنة ويقول أنا لا أحب الحسابات، أتحب أن تأخذ بالمائة عشرة هذا عين الربا، هذا البنك نفسه إذا فعلت جرد وحساب دقيق على الربح والخسارة وإلا صار ربح ثابت.
رجل أجّر سيارة وقال: أنا أريد كل يوم مائة ليرة، يجب أن تعطي حساب إذا لم يعمل بمائة ليرة ماذا يفعل هذا السائق، يجب أن يكون اتفاق دقيق.
لذلك على طالب العلم أن لا يدع فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع فيه على مقصده وغايته، لكن تذهب عمرك بكامله في بعض كتب الفقه، يوجد كتب فقه عشرين ثلاثين جزء ولها حاشية ومتن وحاشية الحاشية، و القراءة تحتاج إلى جهد جبار، ويوجد حالات لا تقع بحالاتها، إذا وقعت فأرة ببئر، وإذا لحقت بها قطة وأثناء الهروب بولت لها حكم آخر، وإذا لم تلحق بها قطة لها حكم ثاني، تدخل في متاهات، ترى نفسك ضعت، هل هذا هو الدين.
رجل توضأ في ماء الحمص ما حكمه، ماء الورد، يوجد أشياء سموها الفقهاء أرأيتية أرايت لو أنه فعل كذا وكذا، أحد الصحابة رضي الله عنه، عرضوا عليه قضية من هذا القبيل قال: حينما تقع نفتي بها.
خمسين رجل يمسك بعضهم ببعض أول واحد لمست يده بكلب آخر واحد أصبح نجس، هذه مشكلة، يوجد أشياء أعظم من ذلك العمر ثمين وقصير فكر في ملكوت السماوات و الأرض قال تعالى:

﴾إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
( سورة آل عمران )
الإمام الغزالي يقول: فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على السلوك، نوع من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود، يعني يوجد علوم تسلك بك إلى الله ويوجد علوم تعينك إلى السلوك إلى الله، للذك في درس سابق قلت لكم يوجد علوم تشبه المقدمات، وعلوم تشبه المتممات، ويوجد عندنا أصول، وفروع، الأصول كتاب الله وسنة رسول الله، الفروع الاستنباطات، ما يستنبط من كتاب الله، ما يستنبط من سنة رسول الله، المقدمات اللغة العربية، المتممات علم التجويد.
السعيد الذي يركز كل جهده على الأصول والفروع ويلم بالمقدمات والمتممات، أما إذا اكتفى بالمقدمات، إذا إنسان يريد أن يذهب إلى الحج واعتنى فقط بزوادته، هل الحج فقط طعام وشراب.
شخص موجود من يومين عند أحد أصدقائي حج السنة الماضية سأله إن شاء الله سررت فقال له: حصل كثير من السرور سبحان الله ـ و قالها بشكل طبيعي دون أن يشعر لنفسه ـ أكلنا فريكة، وذكر له طعام نادر أكله في الحج، سبحان الله الحج فريكة فقط وأنا أجلس وأستمع هذا لم يعرف شيئاً عن الحج، الحج لقاء مع الله عز وجل.
الخاصة السادسة لطالب العلم، أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب، يبتدئ بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمله، ويصرف زمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة، وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل.
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سلك مع أصحابه طريق، والآن في المعاهد والجامعات وكليات الشريعة يسلكون مع الطالب طريق، النبي الكريم عرف أصحابه بالله أولاً فلما عرفهم به سهل عنهم أن يبذلوا دماءهم في سبيل الله، الآن عرف الإنسان بأحكام الصلاة لا يصلي، عرف الإنسان بنواقض الوضوء وهو لا يصلي أبداً، معلومات هذه، أما إذا عرف الله عز وجل هو يسألك كيف أتوضأ، علمني إذا عرفته بالله عز وجل أولاً يستقي، وقرأ القرآن يفهمه، إذا لم يعرفه وقرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً يقول لك تعالى وانظر هذه الآية القرآنية الله عز وجل يقول:

﴾وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾
( سورة السجدة )
معنى هذا الموضوع بيده وليس بيدنا، إذا أحب أن يهدينا وإذا أحب لا يهدينا، يقرأ آية ثانية قال تعالى:

﴾يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)﴾
( سورة آل عمران )
كأنه يعفي نفسه من الجهد النبي الكريم عرف أصحابه بالله أولاً فلما قرأوا القرآن فهموه على حقيقته، بينما إذا عرفت الإنسان بأحكام الدين أولاً لا يطبقها يتحايل عليها، يعني شخص يريد أن يزكي عن ماله فرآهم كثر ثلاثون ألفاً، نفسه ما سخيت به وضعهم في كيلو خبز ومن ثم جاء إلى فقير وقال له خذ هؤلاء، فقال له أتبيعيني الخبز بخمس وعشرين ليرة، هو يظن أنه دفع زكاة ماله، هذا علم الحكم قبل أن يعرف الله.
يوجد شخص آخر أنا أسكن مع زوجة أخي كيف أراها، فقال له رجل الموضوع سهل جداً، أحضر بنت من الحارة ترضعها امرأة أخيك واكتب على هذه البنت واعقد العقد عليها تصبح امرأة أخيك حماتك طلق البنت، والحماة على التأبيد، دون غطاء ينظر إليها، هذا تعلم الفقه قبل أن يتعرف إلى الله، الله هذه الحيلة تنطلي ؟ أنا أريكم نماذج عندما الإنسان يتعرف الفقه قبل أن يعرف الله.
الآن صندوق شاي لا يوجد غيره، بيع وشراء أفخر أنواع الشاي السيلاني، يأتي رجل يريد صندوق شاي بكامله، هذا الصندوق ثمنه ألف ليرة، يقول له: اشتريت ولكن ديناً، بعد أن اشتراه يقول له تشتريه مني، يقول: نعم، بثمان مائة، يعطيه ثمان مائة، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل، هو مرابي عند الله عز وجل، إن كان في بلد فيه شاي بشاي، وإن بلد فيه سجاد بسجاد، سكر، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل.
شاهد امرأة أخيه ضمن الشرع، وتهرب من زكاة ماله ضمن الشرع، وأكل الربا ضمن الشرع، فلما الإنسان تعلمه الفقه فقط يتحايل عليه أما إذا عرفته بالله عز وجل اختلف الأمر هذه على الله لا تجوز، إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، الله ينظر إلى النوايا، يعلم السر وأخفى هذا المحذور، النبي الكريم عرفنا في بداية الدعوة بالله عز وجل، فلما عرفوا أصحابه ربهم باعوا أنفسهم، قال تعالى:

﴾إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾
( سورة التوبة )
انظروا إذا أردت أن تبدأ بالعلوم ابدأ بالأساسي أولاً، الأساسي معرفة الله، لذلك الصحابة الكرام قالوا: أوتينا الإيمان قبل القرآن، وربنا عز وجل في آية واحدة في القرآن أشار إلى ذلك، قال تعالى:

﴾قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً (107)﴾
( سورة الإسراء )
إذا أنت تعرف شخص معرفة متينة جداً قمة النزاهة، والورع، والإخلاص، والتقى وأنت جالس معه في غرفة والمعطف معلق فمد يده إلى المعطف وأخذ ورقة، أنت تقول هذا معطفه، فقام ولبس معطف غير هذا المعطف، قال له صديقه خذ من جيبي ورقة الكهرباء وادفعها لي، أنت تعرفه معرفة متينة تفسر هذا العمل بما يليق بمقامه أما إذا لم تعرفه تقول مد يده على جيب صديقه ويمكن أخذ خمس مائة ليرة الله العليم، فأنت إذا عرفت الله عز وجل أول تقرأ القرآن وتزداد إيمان بالله، لا يسأل عما يفعل، معناها واضح مثل الشمس لكثرة عدالته لأن عدله يسكت الألسنة.
الآن إذا أب وزع الفاكهة على الأبناء بالتساوي، وزع الحلوى بالتساوي المال بالتساوي لا أحد يتكلم كلمة، أما إذا وزعها بغير التساوي يتقاتلون وينتقدون الأب، أنت لا تحبني وتحب أخي أكثر مني، متى يكون الاعتراض ؟ إذا لا يوجد عدالة، وإذا الإنسان لم يعرف الله لا يستجيب له، لا يسأل عما يفعل لأنه عادل، عدله يسكت الألسنة، يجب أن تعرف الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم، إذا عرفت الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم فهمت هذه الآية.
﴾فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)﴾
( سورة التغابن )
يقول لك على قدر استطاعتك، إذا لم يعرف الله عز وجل، على قدر ما تستطيع، يوجد فرق كبير بين الاثنيتن واحدة الحد الأدنى، والثانية الحد الأقصى، إذا عرفت الله عز وجل قال تعالى:

﴾هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)﴾
( سورة المدثر )
الله عز وجل يستحق أن تبذل من أجله الغالي والثمين، والنفس والنفيس هكذا.
النبي الكريم سلك هذا المسلك عرف أصحابه بالله أولاً ثم عرفهم بالشرع ثانياً، فعرفوا الله ثم طبقوا الشرع، الآن عرف الناس بالشرع أولاً يتحايلون على الشرع، هذا حرام، هذه صورة وليس حقيقة، وهذا الغناء هذا صدى، وهذه امرأة أخيه حماته أصبحت، والربا صار بيع وشراء، والزكاة صار اشتراها منه بثمنها، هذه الأساليب كلها، لذلك بدأ الدين غريباً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، بمعرفة الله أولاً ثم تطبيق شرعه ثانياً.
كانوا في بعض المدارس الشرعية يجبرون الطلاب على الصلاة، طالب شرعي لا يصلي، فكان يقول نويت أن أصلي لا وضوء ولا نية لا إكراه في الدين، تريد هذا الطالب أن تنمي قلبه بالخشوع أولاً من الورع والخوف حتى ينضبط، فقط تعال وافهم أحكام الصلاة شروط الصلاة، أحكام الغسل حفظهم وبصمهم ونجح في الامتحان ولا يصلي أنا أعرف مدرسين تربية إسلامية لا يصلي.
وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل وهو بحر لا يدرك منتهى غيره وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء، ثم الأولياء ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
إن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث عن صفات طالب العلم، الآن عرفنا أن العمر ثمين وقصير، يجب أن تعرف شيء، الأصول والفروع، الأصول أولاً والفروع ثانياً والمقدمات ثالثاً، والمتممات رابعاً، وأن لا تنتقل من علم إلى آخر إلا بعد إحكام العلم الأول وهو معرفة الله، وهو متعلق بالثاني وهو الشريعة، ويجب أن تعرف كل شيء عن شيء وشيء عن كل شيء، وإذا كنت تاجراً يجب أن تتقن أحكام البيوع.
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، الأحاديث اليوم كلها متعلقة بسنة نبوية معطرة ألا وهي الهدية، الإنسان مع زوجته، الإنسان مع أخوه النسبي، الإنسان مع جاره، أيام يكون الجار سيء جداً، قدم له هدية وانظر ماذا يفعل يخاف أن يزعج، يخاف وخفض من صوت المذياع، شيء يشبه السحر، النبي الكريم صلى الله عليه لم أذكر بالتفصيل، قال: من يقم إلى هذا ويقطع لسانه، يوجد صحابي فهم أن يقطعه قطعاً وصحابي آخر فهم أن يقطع لسانه بهدية.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ))
حصل بينك وبين زوجتك فتور، خصام، أنا لا أقول أن يحضر شيء فوق طاقته ممكن أن يحضر باقة ورد، ممكن أن يحضر شيء لا قيمته بثمنه، بل قيمته بمقدمها، بمدلولها ممكن ابن أن يحضر لوالدته قرص عجوة، ثمنه على وقتنا عشرة قروش، الآن ليرة، ممكن أن يحضر لزوجته شيء بسيط جداً علبة رائحة، لكن الهدية سبحان الله تفعل فعل السحر بين الأقارب، بين الأصدقاء، بين الأخوة، بين الجيران، هكذا النبي الكريم يقول تهادوا تحابوا الهدية دين و وفاء أنت لم تخسر شيء، لك أخ جاءه مولود أخذت له طقم ثمنه ثلاثين أربعين ليرة، وأنت إذا جاءك مولود يستحي أن لا يقدم لك هدية، أنت بالفعل لم تخسر شيئاً، إذا أخ تزوج الأخوان هبوا، أحدهم سجادة، والآخر براد ثلاثة قدموا له براد، مطبخ يلزمه بعض الحاجيات، طاولة للطعام كم هي جميلة، الأخ بأشد الأزمات، وجد أخوانه قدموا له حاجات الآن أخوه بعد سنة تزوج، تقدم له هدية، هي عملية دين لكن ليس به صفة الدين، سند، أداء على التدريج.

(( هَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ))
بين الزوجين، بين أخين، بين الجيران، الأصدقاء، هذا كله مدعات إلى المحبة وزيادة العلاقات.

((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))
حديث آخر:

(( عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
الغل هو الحقد، ترى خصومات، وغيبة ونميمة، أنت صافحه وابتسم فيه، وعاتبه وسامحه، عود نفسك أن تعتذر، أخي أنا رجل قل للزوجة اصفحي عني أنا غلطت، الإنسان يغلط، إذا الزوجة سمعت من زوجها اصفحي عني، أنا تأخرت عليك لم أشعر بالوقت، ترى هذه الثورة العارمة خفت حدتها، تعود أن تتكلم كلاماً لطيفاً، تعود أن يكون ظلك خفيفاً.

((عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
الهدية أولاً للمحبة، وإذا كان في محبة تزداد المحبة، ارفع مستوى المحبة، وهي لها مستوى ترتفع، وهاجروا تورثوا... سبحان الله هذا الحديث كنت عند صديق لي ولهذا الصديق صديق محامي، فجاءت سيرة الحج، فقال أنا حججت أول حجة من فضل الله ورجل مؤمن حصل سرور بالغ، وثاني حجة بدل عن والدي، فانتقده المضيف، قال له الأم أولاً، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك، قال له: يوجد سبب، فقال له: ما هو السبب، قال له: أنا أصلي من يوغسلافيا والدي هجر يوغسلافيا وأقام في الشام من قديم الزمان وأنا ولدت في الشام، حجيت عن والدي لأن والدي مسلم وحفظ نفسه، لكن عندما هاجر أنقذنا نحن أنا لو بقيت هناك كنت رجلاً فاسقاً، زاني، شارب خمر، فلما انتقل من تلك البلاد إلى هنا، أنا ولدت في الشام ونشات نشأة دينية فأنا مسلم بسببه، وأنا أقمت في الشام، له حق علي كبير، حق الهداية، فهذا الابن المحامي قدر هجرة والده إلى بلاد إسلامية، لأن الأب لو بقي هناك مسلم ويحافظ على دينه ولكن أولاده ليس بيده، الآن الذين يذهبون إلى أمريكا يقول لك هل ترى هذه السيارة تقول له: نعم، أخذناها بألف دولار، وهنا ثمنها مائة وخمسين ألف ليرة، يتكلم لك يقول فيلا ثمنها ثلاثون ألف دولار معها مسبح وطابق ثاني وثالث، وكراج للسيارة، وعن الأسعار والمتنزهات ونياغارا والشلالات الجميلة، وعن الجزر الجميلة، ولكن يوجد شيء أنت ليس منتبه إليه يوجد رجل أقام هناك وله تجارة عريضة و واسعة وبحبوحة، وسرور جاء إلى البيت مرة وكان مسافر وجاء في وقت غير مناسب فرأى شاب مع ابنته بوضع حيواني لم يتحمل وأخبر الشرطة جاءت الشرطة وأخذوه هو على السجن لأنه أفاد هذا الشاب أن صديقته هي التي أرسلت في طلبه ودعته، فصاحب البيت تكلم معه كلمات قاسية يستحق عليها أن يسجن، وهي صديقته وهو جاء بدعوة.
طبعاً السيارة ثمنها ألف دولار ولكن هذه الثانية أحسبت حسابها، ليس لها حساب عندما الإنسان يقيم مع الكفار سوف يتحمل أن تأتي ابنته في آخر الليل مع صديقها يوصلها إلى البيت يتحمل أن تسبح ابنته مع الناس على البلاجات، يتحمل أن يكون لابنته خمس أصدقاء قبل الزواج وهذه عفة وما عفة هذا كلام باطل هناك، من أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله، أنا أتحدى رجل يقيم مع المشركين ويحفظ بناته، لا يمكن ما تنشأ البنت على الخمر، والزنا والفجور، أين ما تحرك البنت يوجد فجور، تبيع المرأة نفسها بدخينة، بعلبة مسكة، هناك الأسعار رخيصة جداً والأعراض رخيصة، طبعاً يتناسبون معاً، بلد أسعاره غالية والأعراض غالية، أسعار رخيصة وأعراض رخيصة.
أنت هنا يوجد كلمة الله أكبر، مسجد، مجلس علم، شيء اسمه حياء خجل، يوجد بقية دين، بقية مروءة، بقية تعاطف، زارني طبيب يقدم امتحان في اللغة العربية ليتعين لأنه لا يوجد معه بكلوريا سابقة، قلت له عجيب أنت مقيم في لندن ودخلك في الشهر ثمان آلاف جنيه وعندك سيارتين وبيت في المصيف، ما الذي يحضرك إلى الشام، أنا من باب الامتحان أريد أن أرى ماذا يقول، فقال أنا: جئت إلى هنا لأخذ ثلاث آلاف ليرة، وثمن البيت هنا نصف مليون، فقال أنا في المكان الذي أسكن به في لندن الطابق الثامن يوجد رجل توفي وبقي متوفى ستة أشهر ولم يدرِ به أحد وله في لندن خمسة أولاد ذكور ومن وجهاء العوائل البريطانية، ما خطر في أحد أبنائه أن يزور والده في هذه الأشهر، رأى مصيره إنسان موضوع في غرفة ولندن باردة في الشتاء والطوابق العليا، تأخر تفسخ جسمه.

((تهادوا تزدادوا حباً وهاجروا توثرا أبنائكم مجداً ))
أنا هذا الحديث تزوقته من قصة الأخ المحامي الذي حج بدل عن والده، قبل والدته لأن والده هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام هنا يوجد مروءة، تعاطف، الأخت لها أخوها، الأخت تسكن عند أخيها لها مكان في المجتمع.
(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلا الْحُدُودَ ))
(( تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعةً في أرزاقكم ))
أنا حينما كنت صغيراً عاصرت هذه السنة، دائماً يوجد سكبة، خمس صحون غير الطبخة، حتى إذا دخل شخص مع ضيف الجيران يتهامسون أبو فلان معه ضيف، صحن صحن، الحارة فيها أربعين ضيفاً ترى صفرة كبيرة، متى هذه الصفرة صنعت، أبو فلان معه ضيف.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ))
فإذا في حقد ألم، هذه الهدية تذهب وحر الصدر.

(( وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ))
يعني إذا جارة قدمت إلى جارتها نصف مقدم، الله يسلم هذه اليدين، إن شاء الله الله يزيد هذا البيت بركة، يجب أن تكون لطيفاً إلى أقصى الحدود مهما كانت الهدية قيمتها قليلة، يجب أن تشجع، أيام طفل يحضر على المدرسة وردة، قرنفلة، يجب أن ترحب بها، أيام إنسان يعطرك، أيام سكرة أنت لا تأكلها محمي عنها، المؤمن أديب.
الناس الآن من بُعدهم عن الله عز وجل تأتيه هدية يمط وجهه فيها، ما ثمنها هذه، لا تساوي شيئاً، هذه مفَلحة، هذا كلام فيه سوء أدب مع الله عزو جل، هذه سنة، من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام تقبلها ورحب بها وأثني عليها وكافي عليها، وإياك أن تظن هذه الهدية هبة، هذه دين كافئ عليها فإن لم تجد قل جزاك الله عني كل خير.

(( تهادوا فإن الهدية تذهب بالثخيمة ))
الثخيمة من الثخم وهو باللغة العامية الشحار، الفحم، أيام إنسان يقول لك أنا أسود قلبي.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
(( عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الأدُمَ فَقَالُوا مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ ))
أيام يدعوك إنسان إلى كأس شاي، بارك الله
(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))
هذه سنة المصطفى ومن رغب عنها فليس من أمته.

((تهادوا فإن الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائر الصدر))
تضاعف وليس تضعف، أنا أتمنى إن أخ تزوج، عنده ولادة، أخوانه حوله موجودين، هذا قدم له شيء، والأمور كلها دين و وفاء، تزداد المحبة

(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 12:57 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 16 : تتمة صفات المتعلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-01-27
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام :
تحدَّثنا من قبل عن فضل العلم ، وعن فضْل التّعلّم وعن فضل التعليم ، ثمَّ بدأنا بِصِفات المتعلِّم ، ونحن في الصِّفة التاسعة فيقول الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه : أن يكون قصْد المتعلّم في الحال تَحْلِيَة باطنِهِ ، وتَجليَتِهِ بالفضيلة ، هذا هو القصد ، قال تعالى : بل الإنسان على نفسه بصيرة ، أي كلّ واحدٍ من بني البشر يعرف بالضَّبط ماذا يقصِد ؟ وماذا هدفه وما هي نيّتهُ ؟ يستطيعُ أن يغشّ الناس إلى وقتٍ قصير ، وقد يستطيعُ أن يغشّ بعضهم إلى وقتٍ طويل ، ولكنَّه لن يستطيع أن يغشّ نفسه أبدًا ، فالذي يحضر مجلس العلم ليَسْأل نفسهُ هذا السؤال لماذا أحضر ؟ هل هناك مَطلبٌ دُنْيَوي ؟ هل هناك حبّ للوَجاهَة ؟ أو الاستعلاء ؟ أو كسْب الدّنيا بالدِّين ؟ إن كان هذا هو الهدف فَتَعْسًا لهذا المتعلّم ، أما الصِّفة التي تليق بطَالب العلم الشريف أن يكون قصْدهُ تَحليَة باطنه وتَجميلهُ بالفضيلة ، وفي المآلي - أي المستقبل - القُرْب من الله تعالى والتَّرَقِّي إلى جِوار الملأ الأعلى ، يعني أنت مخلوق لِتَسْعد للقُرب من الله عز وجل ، إنّ الله طيّبٌ ولا يقبلُ إلا طيِّبًا ، لا يُعقل أن يكون ممرِّضٌ يجلس مع كبار الأطبّاء في اجتماع على مستوى رفيع يخجل ، ليس من المعقول أن يجلي حاجبٌ مع رؤساء أركان الجيش في اجتماعٍ خطير وليس من المعقول أن يجلسَ بائعٌ مُتجَوِّل مع كبار تُجَّار البلد في اجتماع خطير ؛ لأنّ لكلّ مقامٍ أشخاص ، كذلك ليس من المعقول أن يكون للسفيه ومُحِبّ الدنيا ، والحقود ، وصاحب الغِلّ والمتكبّر ، والمتجَنِّي والمتطاوِل والغضوب ، والضَّجور عند الله عز وجل مكان ، إنّ الله طيّبٌ ولا يقبلُ إلا طيِّبًا ، يعني ملخَّص الملخَّص إذا أردتَ أن تسْعد إلى أبد الآبدين في مقعد صدْق عند مليك مقتدر فعليك أن تُكَمِّل نفسَكَ ، النبي عليه الصلاة والسلام بماذا أثنى الله عليه ؟ هل أثنى على بيته الفخْم ؟ هل أثنى على أرصدَتِهِ في البنوك ؟ أثنى على خلقه العظيم ، قال تعالى : وإنّك لعلى خلقٍ عظيم ، فالإمام أبو حامد رضي الله عنه يقول : أن يكون قصْدهُ تَحليَة باطنه ، وتَجميلهُ بالفضيلة ، قال تعالى :
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾
[ سورة الشعراء ]
فكرةٌ قلتها سابقًا كثيرًا ، أمراض الجسم مهما كانت وبيلة ، مهما كانت خطيرة ، الموت يضعُ حدًّا لها ، أما أمراض النفس تبدأ خطورتها بعد الموت ، قد يكون صاحبها مخدَّرًا ، النّاس نِيام إذا ماتوا انتبهوا ، قد يكون خسيسًا ، قد يكون لئيمًا ، قد يكون معْتدِيًا على أعراض الناس قد يبني مجْدهُ على أنقاضهم ، قد يبني عناه على فقرهم ، قد يبني أمنهُ على خوفهم ولكن إذا جاء الموت بدأَت عذاباته النفسيّة ، فالموت يضعُ حدًّا لأمراض الجسد ، ولكنّه عند الموت تبدأ أمراض النفس ، فالذَّكاء لا أن تعتني بِبَيْتك بل تعتني بقلبك ، لا أن يكثر مالُك ولكن أنْ يكثر عملك الصالح لا تحبّ أحدًا مبدئيًّا ؛ أحِبَّ نفسكَ فقط ، كُنْ أنانيًّا في هذا الموضوع ، إن أحببْتَ نفسك ، وأردْت أن تسْعدَ في الداريْن فطَهِّر قلبك ، وأكْثِرْ عملك ، إنَّ الله أعطى المال لِمَن لا يحبّ أعطاهُ لقارون وأعطى المُلْك لِمَن لا يحبّ ولكنّ الله عز وجل لا يحبّ إلا من آمن ، واستقام على أمره وعملَ صالحًا تقرُّبًا إليه .
وعليه أن لا يقصد من طلب العلم الرِّياسة ، والمال ، والجاه ، وممارات السفهاء ومباهات الأقران ، وإذا كان هذا مقصدهُ من طلب العلم فبِسما قصدَ ، لكنْ لمَّا الإنسان يطلب معرفة الله عز وجل لا ينبغي عليه أن يحتقر أصحاب العلوم الأخرى ، الإمام الغزالي ضربَ مثلاً جميلاً جدًّا ؛ المعركة قامَتْ وهناك قائد لهذه المعركة ، وقوّاد فِرَق ، وجنود ، وممرِّضون يُسعفون الجرحى ، هناك أناسٌ يصلحون الخيل ، وأناسٌ يمدّون هذا الجيش بالتمويل هؤلاء الذين يعملون على توفير خدمات الجيش لهم اجْر في النَّصْر لأنَّهم أسهموا بشكلٍ أو بآخر ، وكذلك من اشتغل بالفقه والفتوى ، والعربيّة وعلم الفرائض والتجويد ، هؤلاء لهم عند الله أجرهم إن كان عملهم متكاملاً مع بقيّة العلماء ، ففي العصور السالفة أُناسٌ دَعَوا إلى الله ، أُناسٌ اشتغلوا بالفقه وأُناسٌ اشتغلوا بعِلْم المواريث ، وأناسٌ اشتغلوا بعلم التجويد وأناسٌ اشتغلوا بعِلم التوحيد ، ألَّفوا الكتب وصنَّفوا وبوَّبوا وبحثوا واستقصوا هؤلاء جميعًا لهم عند الله أجر لأنَّ عملهم متكامل ، لكنّ الذي تبحَّر في علْم العربيّة كان هناك أناسٌ كثيرون يكفونه تعريف الناس بالله عز وجل ، أما إذا ضاع العلم الأساسيّ فينبغي أن نبدأ بالأهمّ ثمَّ نُتْبعُهُ بالمُهِمّ .
الصفة العاشرة ، وهذه صفة لها أهمّيتها الكبرى ، قال : أن يعلمَ طالب العلم نسبة العلوم إلى المقصد كما يؤثر الرفيع القريب على البعيد ، الفكرة دقيقة ، مثلاً طالبٌ أرسل بِبِعْثة دراسيَّة إلى فرنسا ، وهو في باريس نظر فإذا بِمَتحف اللّغة ، فدخل إليه وأمضى فيه ساعاتٍ طويلة وتابع دُخولهُ يومًا بعد يوم حتى استقصى كلّ لوحاته ، حينما دخل إلى هذا المتحَف نَسِيَ المهمَّة الأساسيَّة التي جاء من خلالها إلى باريس ، فأما الطالب الذكي كلّ شيء يُشاهدهُ في هذه المدينة يقيسُهُ بِمُهِمَّته الأساسيَّة من مجيئه لهذه المدينة فإذا كان في خدمة هدفه دخل إلى هذا المكان ، رأى مكتبة فدخل إليها ليَشْتري كتابًا في قواعد اللّغة الفرنسيَّة ، هو بِحَاجة إليه ، الإنسان العاقل له في الحياة هدفٌ واضِح ، فكلّ شيءٍ يخْدمُ هدفهُ يسْعى إليه ، دائمًا هدفُهُ واضِح ، وكلّ شيءٍ يُقيِّمُهُ طبْقًا لِهَدفه ، والإنسان الذي ضاع عنه هدفهُ في الحياة ، كلّ شيءٍ يستهويه ، وكلّ شيءٍ ينغمِسُ فيه ، كلّ شيءٍ ينصرف إليه ، يُعَبِّرُ عنه العلماء بالضَّياع ، فلان ضايِع ، ينصرفُ إلى شيءٍ تافهٍ لا يخدمُ آخرتهُ ، يقرأ كتبًا لا تجْديه ، ويُمارس هوايات لا تسمو بنفسه ، فلمَّا الإنسان ينسى هدفهُ الكبير ، تضيعُ عليه الوسائل ، أما لمّا الطالب كما ضربتُ مثلاً قبل قليل كلّما نظر إلى واجهة محلّ ، إلى مكان ، إلى بناء الهدف الوحيد أن يرجع إلى بلده ويحمل الدكتوراه إذًا المكتبات قد تفيده وشراء الكتاب قد يفيده ، وصُحبة هذا الطالب المتفوّق في اللّغة الفرنسيَّة قد يفيدهُ ، فيقدِّر كلّ شيء في ضوء الهدف الكبير الذي من أجله جاء ، هذا المثل لو طبَّقناهُ على المؤمن ، يمكن كتاب قصَّة لا يشتريه لأنّ لا فائدة منه أما كتاب في الحديث يشتريه بِسُرعة يمكن إنسان تافه لا يُصاحبهُ أما إنسان سبقهُ بالإيمان يُصاحبه ، ويرافقهُ ويقتبس منه ، فالإنسان يقيِّم الأصدقاء ، ويقيِّم الأهل ، ويقيِّم الزملاء ، ويقيّم الجيران ، ويقيّم الحاجات قد ينفق مالاً لِحاجةٍ تافهة فيها كِبْر واستعلاء ، وليس فيها أداء لوظيفة أساسيَّة في الحياة ، هذا المال الذي معه مُحاسبٌ عليه ؛ كيف اكتسبهُ ؟ وفيما أنفقهُ أي لا نستطيع أن نبلغَ المُراد إلا إذا أمْكَنَ أن ننْسب كلّ شيءٍ في حياتنا دائمًا إلى الهدف الكبير الذي من أجله خلقْنا ، هذا هو الهدى أن تعرف لماذا خلقْتَ؟ وما هو الضَّلال ؟ أن لا تعرف لماذا خلقْتَ ، يقول لك أحدهم: سبحان الله ؛ الله عز وجل خلق الناس ليعذِّبهم ! لا أحد مرتاح !! هذا ويقول : سبحان الله !!!! كلام فيه جهل ، لكن أنت إذا عرفتَ أنّ الله عز وجل خلقكَ لِسَعادة أبديَّة ، وجاء بك إلى الدنيا لِتُأهِّلَ نفسَكَ لهذه لسعادة صار عندك الجامع مقدَّس ، وطلب العلم فريضة ، أنا أمتحن الإنسان من الكلمة الأولى ، تقول له : لم نرك البارحة ، يقول : والله انْشَغَلْتُ يعني أيّ ضيف وأيّ زبون ، وأيّ عارض أو أيّ شيء قد يحول بينك وبين مجلس العلم ، ولكن المؤمن الصادق يركّز كلّ أموره ، وكلّ مواعيده ، وينظّم حياته على أساس نجالس العلم ، لأنّ في هذا المجلس يتعرّف إلى الله عز وجل ، وطلب العلم فريضة ، فالله عز وجل لا يُرَى بالعين ، ولكن اجْلس في مجلسٍ من مجالس العلم تجد فيه كلامه مفسَّرًا ، هكذا يريد الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14)﴿
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ(16)﴾
[ سورة الغاشية ]
نعوذ بالله من أحوال أهل النار ، ونرجو الله أن نكون من أهل الجنَّة ، فما الطريق ؟ قال تعالى :

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾
[ سورة الغاشية ]
هؤلاء أهل النار وهذه عذاباتهم ، وهؤلاء أهل الجنّة وهذه عذاباتهم والطريق هو هذا الطريق ، الإيمان بالله ، وطريق الإيمان بالله التفكّر بآياته ، وانتهى الأمر ، فَمَجْلس العلم أفضل من صلاة ألف ركعة والطريق صار واضحًا ، من أجل أن تستقيم يجب أن تؤمن بالله العظيم من أجل تعمل صالحًا يجب أن تؤمن بالله العظيم ، ومن أجل أن تبتغي الدار الآخرة يجب أن تؤمن بالله العظيم طريق الإيمان بالله العظيم هي أن تفكّر بالله العظيم فمَجلس العلم ضروري مجلسُ علْمٍ آخر هي الأحاديث الشريفة افْعَل كذا ولا تفعل كذا ، أرقى أنواع الفهْم هو فهْم النبي عليه الصلاة والسلام فأنت بِمَجلس العلم الذي من نوع الفقه والأحاديث تأخذ أعلى فهْمٍ لِكِتاب الله وأعلى كمالٍ إنساني فهذا هو الهدف ، لمَّا تعرف أنّ الهدف فيه حياة أبدِيَّة لا تنقضي ، الشيء المؤلم الذي يحزّ في القلب أنّ ساحة النفوس مشغولة بالدنيا ، ولا يحسب للموت أحدٌ حسابًا والمشكلة أنّ الأخطاء التي يقع فيها الإنسان في الحياة الدنيا لا تُصحّح بالموت ؟، أيْ غلْطة أبدِيَّة فإذا جاء ملك الموت لا ينفع النَّدَم ، ولا يجدي البكاء ، ولا ينفع التَّوَسّل ، ولو أنّ الإنسان يملك ملأ الأرض ذهبًا ، وبذلهُ عن نفْسٍ طيِّبةٍ لا يُقْبَلُ منه قال تعالى :

﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾
[ سورة الأنعام ]
الذي أراه بفضل الله عز وجل المؤمن الصادق كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ دقيقة ساعة اللِّقاء أمامه وهذه واقعيَّة ، لو جئتَ بِوَاحدٍ نجا من الموت ، ساعة اللِّقاء إذا كان أبلى فيه إعداد كبير والله هذا هو العُرْس الحقيقي ، من قبل ثلاثين سنة يفكّر بهذه الساعة ، ساعة انتهاء العمر واللّقاء مع الله عز وجل ، غضَّ بصرهُ ، دافعٌ صدقات ، عادَ المرضى المؤمنين ، عاوَنَ إخوانهُ المساكين ، دعا إلى الله ، أمَرَ بالمعروف ، نها عن المنكر ، عمل الصالحات ، وتواضع ، قدَّم خدمات للمؤمنين ، عنده رصيد كبير ، فإذا جاءهُ ملك الموت يُقال له هنيئًا لك ، قال تعالى :

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (44)﴾
[ سورة الأحزاب ]
يعني هناك أناس يقولون لك : الموت ! دعنا منه الآن ، هذا كلام فارغ !! الموت واقع وما منَّا إلا وسيموت ، سيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عيَّنَ مستشارًا رفيع المستوى اسمه عمر بن مزاحم قال له : وظيفتك أن ترافقني فإذا رأيْتني ضللْتُ أمْسكني من تلابيبي وهزَّني هزًّا عنيفًا وقلْ لي : اتَّقي الله يا عمر فإنَّك ستموت ، لو أنّ الإنسان حاسب نفسه كلّ يوم وقال : إنَّني سأموت ، وسأُحاسب عن كلّ كلمة قلتها ، وعن كلّ درهمٍ اكتسبتهُ ، تجد الناس يفتخرون بِكَسْب المال الحرام ، ويفتخر بإنفاقه لِوَجه من الحرام ، ويفتخر بِزَوْجته التي تبدو فتنةً للناظرين ، ويفتخر بِتَحلّل أهل بيته من قواعد أخلاق الشرع ، يقول لك : أنا حرّ ، هذه قناعاتي الجديدة ، ويفتخر بإيقاع الأذى بالناس ، لو يعرف الحقيقة لذابَ خجلاً من الله عز وجل عليك أن تفتخر بِطَاعةٍ وبِخَدماتٍ للناس ، افتخر أن ترشد الناس إلى طريق الحقّ ، هذا هو الفخْر ، قال تعالى :

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾
[ سورة الصافات ]
قال تعالى :

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾
[ سورة المطففين ]
الإمام الغزالي رضي الله عنه يُقسِّم العلوم إلى ثلاثة مراتب ، طرحَ مثلاً إنسان يريد الذهاب إلى الحجّ ، فإعداد الراحلة والزاد هذا مرحلة من مراحل الحجّ ، سلوك طريق الحجّ وتحمّل المشاق ، والصعود والهبوط والسَّفر هذه مرحلة ثانيَة ، والوُصول إلى الحرم المكيّ والطَّواف والسَّعي هذه مرحلة ثالثة ، فقال : هناك علوم تُشبهُ الإعداد للزاد والراحلة ، وما شاكل ذلك ، وهذه علوم المقدّمات ، تعلّم اللّغة ، نحو ، صرف ، تجويد وتعلّم كيف يعتني بصحَّته العلوم الماديّة لها علاقة بهذا الموضوع ، وأما إذا سلكَ إلى الحجّ أيْ بدأ يتعرّف إلى الله عز وجل فإذا جاء ملك الموت وصلَ إلى السعادة الكبرى ، يعني العلوم على ثلاثة مراتب ؛ علوم إعداد وعلوم سلوك ، وعلوم وصول ، معرفة الله عز وجل تقعُ في قمَّة هذه العلوم ، وقد تتعرّف إلى بعض القوانين في هذه الحياة عن طريق القوانين المادّيَّة ، وقد تتعرَّف إلى قواعد السلوك إلى الله عن طريق العلوم الدِّينيَّة فإذا عرفْت الله عز وجل ، وأقْبلْت عليه وصلْت إلى قمَّة السعادة ، على كلٍّ لا يعرف الشوق إلا من يكابده ، ولا الصَّبابة إلا من يُعانيها ، إذا كان إنسان سافرَ إلى مدينة بعيدة بِسَيَّارته ، تواجههُ عقبات ، ومشكلات ومناظر جميلة ، طرق خطرة ، وأماكن وعِرَة طرق ضيّقة وأخرى واسعة ، فأنت إذا سألت واحدًا قدج سلك تلك الطريق ، تجد عنده أشياء كثيرة جدًّا ، وخبرات ، يفصِّلها لك بكلّ تفصيل ، أما إذا الواحد غير سالك كيف الطريق من دمشق إلى بيروت ؟ يقول لك : لا يوجد شيء رأسًا إلى بيروت ، كيف رأسًا إلى بيروت ؟ ألا يوجد وقوف ؟ يقول لك : لا يوجد وقوف ! معناه هو لم يسلك الطريق ، لأنَّه لو سلكهُ لقال لك عن الطريق أشياء كثيرة ، وقفات على الحدود ، وبطاقة حمراء وبطاقة بيضاء ، ونقاط مراقبة ونقاط تفتيش ، أشياء كثيرة ، وطريق صاعد ، وطريق هابط مكان سهل ، فالذي سلك يصف لك كلّ شيء ، إذا الواحد ما سلك يقول لك : رأسًا تكون ببيْروت ، فكذلك إذا كان للواحد خبرة في طريق الإيمان الحقيقيّة تجد عنده تفصيلات كثيرة ، وخبرة ، وعقبات ، ووسائل معينة وحذر من أشياء ، يأمرك بأشياء ، فالإنسان كما قال سيّدنا عمر يخاطب ابن عمر : دينَكَ دينَكَ إنَّهُ لحْمكَ ودمك ، خُذْ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا .
أحدهم أراد أن ينصح تلاميذه فقال : قلِّلوا من المعاصي قدْر الإمكان ، هذا كلام كلّه جهل ، إذا كان هناك معاصي يقيم عليها الإنسان فالطريق مسدود إلى الله تعالى ، هنا لا يوجد حلّ وسَط ، ممكن بالأوامر الأعمال الصالحة بقدْر الإمكان ، ادفَع عشرة ادْفع مئة ، حسب إمكانيَّاتك اخْدم هذا الإنسان أعِنْهُ ، كلّ هذا بِحَسب الإمكانيَّات ، دلّ هذا المريض بِحَسب إمكانيَّاتك ، أما إذا كنت داخل كليّة الطب تعينهُ أكثر ، أما المعاصي فيجب أن تدعها كلِّيَةً وإلا الطريق مسدود .
الناس يقولون : الدِّينُ ، سبحان الله سهل ‍! إذا قال هذا فهو لمْ يسْلك الطريق إطلاقًا إذا كان مقيمًا على معاصي ، تقف هذه المعاصي بينه وبين الله حجابًا ، فالطريق مسدود لا يحسّ بِسَعادة ، قام للصلاة ، فإذا به يملّ لأنَّه مقطوع عن الله تعالى ، يقول لك : أنا أصلي الفرض فقط وإذا صلَّى الفرْض تجده سريعًا بِصَلاته ، وإذا صام لا يهمّه إلا الأكل ، همّه الأوَّل الإفطار أما إذا الإنسان صلى وجهة إلى الله عز وجل له لذائذ لا يعلمها إلا من ذاقها ، هل يعقل من النبي الكريم سيّد العالمين يكون بيته متواضع جدًّا ، وحياته خشنة ؟ معناه عندهُ سعادة تفوق حدّ التَّصوّر ، لو كان سعادته فقط فيما يتوهّمه الناس ؛ أشياء مادِّيّة ، رسول الله ما أعطاه الله شيئًا ، فليْنظر ناظرٌ بعقله أنَّ الله أكرم محمّدًا أم أهانهُ حينما زوى عنه الدنيا ؟ فإن قال أهانه فقد كذب ، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حينما أعطاه الدنيا .
لازلْنا في صفات طالب العلم ؛ الإخلاص ، معرفة الهدف الكبير ، ممكن لواحد يُدعى لِشَراء حاجة ، يقول : هذه ليس لها لزوم عندي ، أنا حياتي مستقيمة من دونها ، هذه تتناقض مع هدفي في الحياة ، يجوز للإنسان أن يُدْعى إلى حفلة ، وهذه الحفلة تتناقض مع هدفه بالحياة فالمؤمن عنده مجموعة قِيَم ، ومنظومة قِيَم ، ليس فالتًل ، ليس كلّ من يدعوه يُلبِّي ، دعوة تُلبَّى وأخرى لا تُلبَّى ، شيء يجوز ، وشيء لا يجوز ، شيء حرام وشيء حلال ، شيء مباح وشيء محضور ، فهو عندهُ أُسس ينطلق منها ووسائل أما غير المؤمن فكالناقة عقلها أهلها فلا تدري لما عُقلَتْ ، ولا لمَ أُطلقَت .
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، يقول عليه الصلاة والسلام :(( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) هذا كلام لا يعرفهُ إلا من ذاقهُ ، إذا انْعقدَ بنَفسِكَ توبةً نصوحة ، من بعض الذنوب ، أو من ذنب ما ، يجب أن تحسّ أنّ الله تاب عليه ، إحساس ملموس ، ما هو هذا الإحساس ، كأنّك لمْ تُذنب ، وهو أنَّ الله تعالى قَبِلَ توبتَكَ وتاب عليك ، إذا قال العبد يا ربّ وهو راكع ، قال الله له : لبَّيْك يا عبدي ، وإذا قال العبد يا ربّ وهو ساجد قال الله عز وجل : لبَّيْك يا عبدي ، وإذا قال العبد يا ربّ وهو عاصٍ قال الله عز وجل : لبَّيْك ثمَّ لبَّيك ثمَّ لبَّيك ، نحن الآن بعيدون عن الصَّحراء وملابساتها ، ولكن لو تصوَّرتم بدويًّا على ناقة ، وعلى هذه الناقة طعامه وشرابه ، وجلس يستريح من وعثاء السفر في ظلّ نخلة ، واستيقظ فلم يجد الناقة ! أيْقنَ بالهلاك ، والموت محقق مئة بالمئة ، إذا كان الواحد راكبًا طائرة ، وانفجرتْ بالجوّ ، بالمئة كم حتى تصل إلى الأرض سالمًا ؟ لو أنّ واحدًا نزل بِمِظلّة ، وقالوا له اكبس الزرّ تنفتح المظلّة ، إذا ما انفتح اكبس الثاني كي تفتحَ أكيدًا ، وفي حالة قاهرة نادرة تنفتح مئة بالمئة ، وتحت هناك سيارة تنتظرك كي تأخذ ، كبس أوّل زرّ ما انفتحَت ، الثاني ما انفتحت ، وكذا الثالث ، فإذا يقول : وحتى السيارة لن نجدها !! هذا البدوي لمَّا جلس استيقظ فلم يرَ ناقته ، فأيْقن بالهلاء ، فتسجّى للموت ، أدخل رأسه بِعَباءته ، ونام لِيَموت ؛ انتهى أمرهُ ، وبعد حين فتَحَ عينيه ، ورأى ناقته أمامه وعليها طعامه وشرابه ، من شدَّة الفرح انْعقَدَ لسانهُ ، قال له : يا ربّ أنت عبدي وأنا ربّك !! قال الله عز وجل : للَّه أفرح من توبة عبده من ذلك البدويّ بِنَاقتِهِ ، وللَّهُ أفرح بِتَوبته عبده من الضَّال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ، فلمَّا يتوب الإنسان من توبةٍ نصوحةٍ من ذنب إذا ما شعرَ أنَّ الله عز وجل قَبِلَ هذه التوبة وعفا عنه فتَوْبتهُ غير صحيحة تحسّ أنّ الله تعالى قبِلَ على قدْر ما يوجد من عزْمٍ أكيد على الإقلاع عن هذا الذَّنب ، الله عز وجل يتجلَّى على قلب المؤمن بقدر نيَّته العالِيَة ، فهل يُعقل أن يكون هناك همّ بالحياة مادام الله تعالى توَّاب رحيم ؟ أيّ ذنبٍ تخاف منه ، تُبْ إلى الله منه ، تجد الله توَّابًا رحيمًا ، فلذلك أنا أعْجَب أنّ الإنسان يخاف ذنبه وباب التوبة مفتوح ، إلا أنّ الإنسان لمَّا يتوب وينقض توبتهُ ، هذا كالمُستهزىء بربِّهِ ، وهذا يحسّ أنَّ التوبة لم تقبل .
حديثٌ آخر ، الحديث الأوَّل حديث حسن ؛
(( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ))
إذا تاب العبد توبةً نصوحة أنسى الله تعالى حافظَيْه ، أنسى الله جوارحه ، وبقاع الأرض كلّها خطاياه وذنوبه ، كأنَّه لا ذَنْب ، ولكن انتبِه أنت تعامل إله ، هو قال لك : الباب مفتوحٌ على مِصْراعَيه وإيَّاك والغلط معه ، إذا أنت تبْتَ توبةً نصوحة أنا قبلتها ، وتحسّ بهذا ، حديثٌ آخر :
((التائب من الذّنب كمن لا ذنب له))
((والمستغفر من الذَّنب وهو مقيم عليه كالمستهزىء بِرَبِّه))
يفعل المعصِيَة ثمَّ يقول : لعن الله الشيطان ، ويسبّ الدِّين ثمّ يقول : أستغفر الله العظيم !! ويقول عليه الصلاة والسلام : التُّؤَدَة في كلّ شيءٍ خير ..." حديث صحيح ، التُّؤَدَة في كلّ شيءٍ خير إلا في عمل الآخرة ، لا خير في الإسراف ، ولا إسراف في الخير ، إذا الواحد صلَّى ركعتين الضحى فوجَدَ نفسهُ مسرورًا ؛ اثنين ثانية ، نوَيْتَ أن تقرأ خمسة صفحات للقرآن ، انطلقْت ورأيْت صوتكَ عذبًا بالقرآن ، اقْرَأ كذلك ولو ساعة ، وماذا عليك ؟ لماذا خلقك الله ؟ من أجل أن تعرفهُ ، إذا الواحد فتح محلّ فجاء أوَّل زبون وباعه ، ثمّ جاء الثاني ، وكذا الثالث ، فأنت لماذا فتحت ؟ أنت فتحتَ من أجل هذا ، لذا لا تقول لماذا جاء هذا الزبون ثمّ إذا كان هناك بيع شديد على التاجر يصل به الحال إلى أنَّه ينسى إلى أنَّه أكل أم لا ؟! لماذا بالبيع والشراء تنسى أكلك كلّه ؟ لأنَّه يوجد قبض عُملة لو عرفت الخير بِمعرفة الله ، وبالصلاة ، وبالقرآن تحتقر التِّجارة كلّها وهذه التجارة التي لن تبور ، قال تعالى :

﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)﴾
[ سورة الصف ]
اتَّجِرْ مع الله تعالى ، يمكن أن تتاجِر بشيء لا تربح شيئًا ، أو تربح بالمئة خمسة ، أما إذا اتَّجَرْت مع الله تعالى فالقرش بمليون اِتَّجِر مع الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
((التُّؤدة في كلّ شيء خير إلا في عمل الآخرة ))
بالآخرة لا توجد تُؤَدة ، صلِّ الصبح حاضر صلّ قيام الليل ، إذا خدمْتَ إنسانًا ، وبعد أن انتهيْت من خدمته دقَّ آخر اُخْدمْهُ كذلك ، أنت في حياة محدودة ، يقول لك : فلان يقتل الوقت والحقيقة أنّ الوقت يقتلهُ الوقت هو الذي يقتل الإنسان كلّما انقضى يوم منه انقضى بِضْع منك فلان الفلاني له عند الله سبعة وسِتُّون عامًا ، وثمانيَة أشهر ، وسبعة عشر يومًا ، وسبعة عشر ساعة ، وأربع دقائق وثمانية ثواني ، وثلاثة ثوالث فكلَّما قرب يوم قرب أجلهُ ، الآن بالخامسة والثمانين ، وبالستّة والثمانين قرَّبنا للموت ، وكذا بالسابعة والثمانين ، ولا أحدَ يعرف متى ينتهي أجلهُ لذا التُّؤدة في كلّ شيء خير إلا في عمل الآخرة ، الآخرة لا توجد تُؤدَة .
وفي حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام :
((التُّؤدة والاقتصاد والسَّمْت الحسَن جزءٌ من أربعة وعشرين جزءً من النُّبوَّة))
هناك شَخص طائش الرِّفْق لا يكون في شيءٍ إلا زانَهُ ، ولا يُنْزعُ من شيءٍ إلا زانَهُ ، إذا صلَّيْتَ بِتُؤدَة ، وإذا حدَّثْتَ إنسان بِتُؤدَة ، إذا أردت أن تحاسب إنسانًا تحقَّق تريَّث ، بلغكَ خبرٌ تحقَّق منه ، وإذا أردْت تصليح آلة ، تشدّ ؛ لا تشدّ إذا ما انفتحت مباشرةً معناه يوجد شيء ، لأنَّك تكسرها إذا عنَّفت معها ، هناك شخص عنيف ، يده قاسي على الآلات ؛ كلامه قاسي ، ويده قاسيَة وحركته ، وكذا نظرته ، النبي الكريم كان خبيرًا في قلْب أعدائه إلى أصدقاء ، التُّؤَدَة .
الاقتصاد فضيلة ، وليس له علاقة بالدَّخل ، غنيّ أم فقير ، تأخذ ورقة صغيرة تكتب فيها كلمتان ثمّ ترميها ‍! اِجْعل ورقةً صغيرةً لذلك ، ورقة تكلّف ثمانية قروش مكتوب عليها ترويسة ، تمسح بها يدك إذا خرجت من التواليت !! هكذا يفعل الموظِّفون ، أو يضعها تحت كأس الشاي ، لذا استهلاك المواد الثمينة لأشياء غير ثمينة ؛ هذا شيءٌ يتنافى مع المؤمن المؤمن مقتصد ، من غير بُخل أو حِرْص ، التُّؤدة والاقتصاد والسَّمْت الحسَن .
السَّمْت الحسَن يعني يوجد وقار ، فكثرة الضَّحِك تذهب الهَيبَة ، وكثرة المزاح تُسبِّب الاستخفاف ، كثرة الأناقة ، كثرة البذاذة ، والسَّمت الحسن جزءٌ من أربعة وعشرين جزءً من النّبوَّة ، التَّأني من الله ، والعَجَلَة من الشيطان ، لو أخذت الحوادث المفْجِعَة ، واحد حدث معه كسْر بالعمود الفقَرِي ، شَلل دائم !! لأنّه مستعجل ، لمَ العَجَلَة ؟ يتسابق ثمَّ يقفون عند الإشارة الحمراء كلّهم ! يتطاحنون فيما بينهم ليقفوا بعدها دقائق أمام الإشارة ، لذا العجلة من الشيطان والتَّأني من الله ، فالإنسان المتأنِّي قلَّما يُصاب بِحَادِث .
التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة ، هذا لأنَّه داعِيَة من نوعٍ معيَّن داعِيَة بِعَمَلِهِ ، بعض التجار حلَّلوا كلمة تاجر فقالوا : التاء تعني تقوى ، والألف أمين ، والجيم جسور ، والراء رحيم ، تقيّ أمين جسور رحيم ، فالنبي الكريم قال : التاجر الأمين ، الصَّدوق المسلم يمكن أن يكون غير مسلم ، وهدفه من ترخيص الأسعار ، ومن معاملته الطّيّبة كسْب زبائن أكثر ، هدفه مادّي بحت ، وما له هدف إظهار الإسلام على حقيقته ، فإندونيسيا بلد فيه مئات الملايين ، اهْتدَى عن طريق التُّجار إذا باعك التاجر بضاعة ممتازة ، ومع لُطف ، ومودَّة ثمّ ندمْت عليها فأرْجعها لك ، وما أحدث مع مشاكل تحسّ أنَّك مدين له بالفضل ، وتحسُّه إنسان عظيم ، فالتاجر الصدوق مع النَّبيِّين يوم القيامة ، التاجر الأمين الصدوق المسلم ، أقول لكم هذه الكلمة وأنا أعْني ما أقول : إذا أنت ابْتغَيْت من تجارتك إرْضاء الله عز وجل ، وكانت عندك ضوابط شَخصيَّة ، أنَّ هذه غالِيَة ، وأنا إذا بعت هذا المشتري بهذا السِّعر كان هذا نوعًا من أنواع الغدْر ، إذا كنت تخاف الله في تجارتك ، فلن يُخيفَكَ أحدًا من خلقه ، أي هناك مصادر الخوف والقلق بالتجارة كبيرة جدًّا ، أدنى غلطة فيها سِجْن إن كنت تخاف الله في تجارتك فالله سبحانه وتعالى أكرمُ من أن يُخيفك أحدًا من خلقه ، مَنْ أصْلحَ فيما بينه وبين الله أصْلحَ الله فيما بينه وبين الناس من أصْلحَ سريرتهُ أصْلح الله علانِيَّتَهُ ، إنّ أطْيَب الكسْب كسْب التُّجار الذين إذا دَّثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدُوا لمْ يخلِفوا ، وإذا ائْتمِنُوا لمْ يخونوا وإذا باعوا لمْ يطروا ، وإذا اشْتروا لمْ يذمُّوا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يُعسِّروا ، إذا ابْتغَيْتَ رضاء الله في تجارتك فلن يُخيفك من أحد ، لأنّ الأمر كلّه لله ، قال تعالى :

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[ سورة هود ]
أما إذا رأيتَ زبونًا غشيمًا وخنتهُ ، تقول : عرفْت كيف أبيعه ! ألْبسته البضاعة !! قال عليه الصلاة والسلام :
(( غَبن المسترسل ربا ))
هذا أخذت منه ثمانية عشرة ليرة ، وذاك باثنتي عشرة ليرة أخرى ، تدفعهم خمس مئة حتى لا تذهب السِّجن ! أما الإنسان الذي يتَّقي الله عز وجل لا يرى إلى الأشخاص أبدًا ، لا إله إلا الله ، هذا هو التوحيد ، هذا الشخص الذي أخاف منه بيَدِ الله تعالى ، فالإنسان الذي يغسل يديه جيِّدًا لا يدور الذباب أمامه ! الإنسان عليه أن يُحسنَ صلته بالله عز وجل ، والله عز وجل لن يُسْلمَهُ إلى أحد من خلقه ، ولن يجعل أحدًا من خلقه يتحكَّم به القرآن الكريم لا يوجد فيه حلّ وسط ؛ إما أن تصدِّقهُ ، أو لا تُسمّي نفسك مؤمنًا ، قال تعالى :
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
[ سورة النساء ]
المؤمن لا يوجد أحدًا عليه سبيل أبدًا ، علاقته مع الله تعالى مباشرةً أحيانًا شخص علاقته مباشرة مع رئيس الوزراء ، لا يستطيع الوزير أن يكلّمه ولا كلمة ، أما المؤمن فَمُرتبِطٌ مباشرةً بالله عز وجل ، ولا يستطيع أحدٌ من خلقه أن يوقِع به أذًى إلا بإذن الله ، قال تعالى :

﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾
[ سورة الأنعام ]
قال تعالى :

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
[ سورة الأنعام ]
لا تشتكي ، يقول لك : ما دريْتُ ! التسعيرة انقلبَت هكذا وألزموني ضبطًا !! ولكن كم من زبون أخذت منهم زيادة ؟ وشعرت أنّهم بحاجة لبِضاعتك فرفعْت السِّعر ؟ قلتُ لكم مرَّةً قصّة وهي طرفة : شوحةٌ سألَت سيّدنا سليمان : سلْ لنا ربّك عجول أم مهول ؟ فقال له : يا رب سألتني أعَجول أنت أم مهول ؟ قال له : قلْ لها إنّي مهول ، فاطمأنَّتْ ، فوجَدَت أناسًا يشترون لحمًا فخَطَفتْ اللَّحْم ، وهربَت ، علقت باللحمات نار ، وضعتهم بعشّ أولادها فاحترق العشّ كلّه ! اسْتَغربَت ألم يقل إنَّه مهول ؟ إنَّه بهذا عجول ! فعادَت إلى سيّدنا سليمان : ألم تقل إنّه مهول لقد كان مهولاً ! فسأل سليمان ربّه : قال له الله تعالى : هذا حسابٌ قديم !! فالله تعالى عندهُ حسابات قديمة ، والله الحساب عنده جارٍ ، يمكن أن يكون هذا الإنسان تضايَق ظلمًا ، لكن أنت لك مخالفة بالبيت بالسهرة ، فالله تعالى الحساب عنده مشترك ، ما تفعلهُ من آثام في البيت تحاسب عليه في محلّك التّجاري غدًا ، فهذه تدفعها هنا ، من دون ارتكاب لخطإ ، وعند الله كلّ شيء مسجَّل فالإنسان لا يقلْ أنا لم أفعَل شيئًا ، الله سبحانه وتعالى أصْدق :
(( لو أنّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم ))
والله هذه الكلمات تكتب بماء الذَّهَب ، اتركها في بالك ؛ ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه لا تقل ما هذا الظُّلْم ؟ الله عز جل لا يحتاج إلى أحد ، لأنَّه عظيم وقويّ وقدير وغنيّ .
التاجر الصدوق الأمين مع النَّبيِّين والصِّديقين والشهداء ، والتاجر الصدوق لا يُحْجَب من أبواب الجنَّة ، التاجر الصدوق تحت ظلّ العرش يوم القيامة هذه كلّها أحاديث تؤكِّد أنَّك إن ابْتَغَيْت بِتِجارتِكَ قضاء حوائج المسلمين ، هم ماذا يفعلون ؟ لمَّا يجد البضاعة موفورة يبيعها بسِعْرها المعقول ، لمّا تنفقد حينها يضرب ضربته ، أما هذا الشاري مسكين أو غير مسكين ، معه أو ليس معه ، أخذه من قوت أولاده أم لا ، إذا لم يعجبْك لا تشتري !! انظر السوق وسترى ! فإذا به يرجع إليه لأنَّ تلك البضاعة غير موجودة بالسوق فلمَّا يكون التَّجبّر على الزبائن ، حينها يبعث الله تعالى زبائنه كذلك ! وهم زبائن الدنيا وليس الآخرة ، هنا زبائن الدنيا وهم كُثُر ، يبعث لك أحدهم حينها تصبح تترجَّى .
الحديث الأخير ، يقول عليه الصلاة والسلام :
((التَّذَلُّل بالحق أقرب إلى العزّ من التَّعزّز بالباطل ))
لأنّ الباطل زاهق ، وإذا كان الباطل زاهق سيَزْهق معه من اعْتزَّ به ، ومن كان مُبْطلاً ومن أحب أهل الباطل ، ومن عاون أهل الباطل ، ومن كان معهم ، ومن كان منهم ، ومن كان فيهم ، قال تعالى:
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً(81)﴾
[ سورة الإسراء ]
فإذا الإنسان خضع للحقّ وما استعلى ، فهو في طريق العِزّ ، وإذا اعْتزّ بالباطل فهو في طريق الذلّ ، وهذا من المفارقات إذا تذلَّل لأهل الحق صار في طريق العزّ ، وإذا استعلى عليهم ، واعْتزَّ بأهل الباطل صار في طريق الذلّ ، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا ، فهذا العقل الكبير أنت تكون متواضعًا لله ولرسوله ، ولعباده المؤمنين ، وتكون عزيز النفس على عباده غير المؤمنين فإذا اعْتززْت بغير المؤمنين واسْتعليْتَ على المؤمنين فأنت في طريق الذلّ ، لأنَّ الدعاء النبويّ الشريف يقول : سبحانه إنّه لا يذلّ إلا من عاديت ، ولا يعز إلا من واليْت ...قال تعالى :

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ﴾
[ سورة فاطر ]
لا يوجد إنسان يكره العزَّة قال تعالى :

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3)﴾
[ سورة الفتح ]
النَّصر العزيز الذي لا ذُلَّ معه وكلّ مؤمن له من الآية نصيب ، إذا أنت كنت مع الله عز وجل بدائرتك ، وبعملك ، وبوظيفتك ، وبتجارتك ، ولك مكانة وشأن ، لا أحد ينال جانبك لأنَّك معه ، وإذا أنت اعْتززْت بأهل الباطل الله عز وجل يلهمهم أن يتخلَّوا عنك بأحرَج وقت من أعان ظالمًا سلَّطَه الله عليه ، تقع بخَيبَة أمل فضيعة ، وأنت الذي بذلْت كلّ هذه الجهود لِتُعين أهل الباطل ، إذا هم ينقلبوا ضدَّك ويجعلونك عِبرةً للناس ، الإنسان يكون مع الحق فعبد الحق حرّ ولا يكون عبدًا للباطل فكلّ من كان مع الباطل كان زاهقًا معه .

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:01 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 17 : آفات العلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-03-03
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام:
الموضوع اليوم في إحياء علوم الدِّين الباب السادس في آفات العلم.
طبعًا فيما مضى تحدَّثنا عن فضائل العلم، وخصائص العلماء العاملين وآداب المعلِّم وآداب المتعلّم، وفضْل نشْر العلم، هذه هي الموضوعات التي مرَّت من قبل.
واليوم إلى آفات العلم، وقد لا يتصوَّر أحدكم أنَّ للعلم آفات، في طريق العلم منزلقات وللعلم آفات فلْيَحذر كلٌّ منَّا أنْ تنطبقَ بعض هذه الآفات.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لَا تَعَلَّمْ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ تُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَتُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَلَا تَتْرُكْ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا أَوْ عِيًّا وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ))
[ رواه الدرامي ]
ليس هذا العالم الذي لم ينفعْه الله بعلْمه مُعَذَّبٌ يوم القيامة بل هو أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، هذا كلامٌ دقيق، وكلام خطير، وكلام يقسم الظُّهور عالمٌ تعلَّم العِلْم ؛ يُصلِّي، يصوم يزكِّي، يدعو إلى الله، إن لمْ يكن على سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، إن كان محبًّا للدنيا، إن اتَّخَذَ العلم وسيلة للدنيا، إن طلب الدنيا بالآخرة، فهذا ليس معذَّبًا فحَسْب بل هو من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((مَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ))
[ رواه الدرامي ]
أن تقول فلان عامل لأنَّه حفظ الكتاب الفلاني حفظًا وفهمًا وشرْحًا، أن تقول فلان عالم لأنَّه أتْقَنَ العلم الفلاني، هو آيةٌ في هذا العلم، وحيد عصرهِ في هذا العلم، متفوِّقٌ في هذا العلم، هذا كلّه لا يغني عند الله شيئًا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((مَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ))
[ رواه الدرامي ]
أي لا يُسمَّى عالمًا، طيِّب ماذا نسمِّيه ؟ حافظ، ناقد، مثقَّف ثقافة إسلاميَّة حصَّل العلم الفلاني، أما كلمة عالم لا تُطلق إلا إذا كان بعلمه عاملاً فالواحد لا يرى ماذا تعلَّم لِيَنظر ماذا عمل ممَّا تعلَّم، وهذا الكلام يجب أن يكون واضحًا لديكم لأنّ العمر ثمين، والمسؤوليّة خطيرة لا يكون المرء عالمًا حتى يكون بعلمه عاملاً، إن عملَ بما علم سمِّيَ عند الله عالمًا، فإذا لم يعمل بما علم لا يسمَّى عالم، أدقّ كلمة نقول: ناقل ؛ نقل هذا العلم إليه قرأه ودرسهُ وحفظه درَّ‍سهُ على مستوى الحقائق لا على مستوى التطبيق إذًا ليس بِعَالِم، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((النَّاسِكُ إِذَا نَسَكَ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ قِبَلِ مَنْطِقِهِ وَلَكِنْ يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ عَمَلِهِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ))
[ رواه الدرامي ]
هذا الذي تتعلَّمه بِلِسانك هو حجَّة عليك، فهناك علْمٌ يعَدُّ حجَّة على ابن آدم وهناك علم يكمن في القلب، وهذا الذي يكمن في القلب هو العلم النافع لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبديَ المؤمن، أي أثْمن ما في الوجود قلب المؤمن، لأنّ هذا القلب يعقل عن الله عز وجل حكمته ورحمته وعظمته والكائن المؤهَّل في الأرض لِيَعرف الله عز وجل، وقلب الإنسان هو مكان عقل الحقائق، لذلك قلب المؤمن كبير، كبير كبير يصْغر أمامه كلّ شيء علمٌ على اللِّسان يُسمّوه حزْلقة، يحفظ كثيرًا قال له أحد الأعراب للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله جئتُكَ لِتعلِّمَني من غرائب العلم فقال له: وما صنعْت في أصل العلم ؟ قال: وما أصل العلم ؟ فقال: هل عرفت الربّ ؟ فقال: ما شاء الله، قال: اذْهَب فأحْكِ ما هناك، ثمّ تعال كيّ أعلِّمَك من غرائب العلم ‍ غرائب العلم لا قيمة لها إن لم يكن للعلم أصلٌ أصل العلْم معرفة الربّ، طبعًا الإمام الغزالي من طبيعته في الكتاب أنَّه يحشد في الموضوع الآيات أوَّلاً ثمّ الأحاديث ثانيًا وأقوال الصحابة ثالثًا وأقوال التابعين رابعًا، وما حصل عليه من أقوال العلماء المعاصرين له.
لازلنا الآن في الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ قِتَالُهُمْ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ))
[ رواه أحمد ]
أحدهم ذهب إلى العمرة لزيارة النبي عليه الصلاة والسلام، نزل بالفندق وفيه جهاز لهو، وفيه مسلسلات يتابعها صباحًا في الحرم النبوي، ومساءً مسلسلات، فهؤلاء عبَّاد جهَّال يُصلي الصلاة في وقتها، ويُصافح النساء هؤلاء عبَّاد جهّال، يصوم رمضان، ويتاه السَّهر إلى السحور على أجهزة اللّهو، فإذا تسحَّر نام قبل أن يصلّي، ثمّ يقول لك هذا ترتيب رمضان !! ما هذا الصِّيام ؟ عبّاد جهَّال، يضعُ أمواله لِيَسْتثمرها بالفائدة، ويدفعُ الفائدة صدقة، عبّاد جهَّال فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال (( يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ قِتَالُهُمْ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ))
[ رواه أحمد ]
إذا دُعِيَ عالمٌ إلى حفل، وكان فيها ما لا يرضي الله، اسْترق النَّظَر إلى هذه الأشياء وإذا سافرَ إلى بلاد معيَّنة لا يوجد أحد يراقبهُ تُغريه نفسهُ بالدُّخول إلى أماكن لا ترضي الله عز وجل، هؤلاء العلماء فسّاق، فمن علامات آخر الزَّمان أن يكون علماء جهَّال، وعلماء فسَّاق وهذا العالم الفاسق سقطَ من عَيْن الله تعالى، قال تعالى:
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾
[ سورة الكهف ]
لهم صَغارٌ عند الله تعالى، الإنسان يسعى أن لا يكون صغيرًا بِعَين الله فقد يكون كبيرًا بِعَين الناس، قد يغشّ الناس كلّهم لبعض الوقت، ولكنّ الله سبحانه وتعالى لا تنطوي عليه حيلة ولا تجوز
عليه خُدعة، ويعرف الأمور بِبَواطنها، ويعرف حقيقة كلّ إنسان، فلذلك الإنسان لا يبتغي الرِّفعة عند الناس، أضربُ دائمًا مثلاً شهيرًا ؛ لو عندك كيلو معدن، وأوْهمْتَ الناس أنَّه ذهب، وصدَّقوا ذلك، وقالوا: هنيئًا لك ويا ليْت لنا مثل ما لك، وهو تنك ! أنت الخاسر الأكبر ما ينفعك أنَّهم صدَّقوا ذلك ؟ ما ينفعك أنَّهم اعتقدوا أنَّ هذا المعدن هو ذهب، وأنّ أسعاره بارتفاع مزْهد، هل ينفعُكَ شيئًا ؟ اعتقادهم هذا هل يُتَرجم لك مالاً ؟ اعتقادهم هذا هل ينجيك من أزمةٍ مالِيَّة ؟ لا، اعتقادهم هذا هل يُتَرجم إلى بيتٍ تسكنهُ ؟ لا، هذا المعدن زهيد، وخسيس، ولكنَّك بِذَكاءٍ بارع أوْهَمْتَ الناس أنَّه ذهب، وصدَّقوا ذلك، وأثْنوا على هذه الثَّرْوَة، وقالوا هنيئًا لك ! من الخاسر ؛ هم أم أنت ؟! أنت وحدك، فإذا ظنَّ الناس أنّ فلان عنده كيلو من المعدن، وهذا المعدن خسيس لا قيمة له، وكان هو ذهبًا في الحقيقة، هل يؤذيكَ ظنّهم هذا ؟ هل يقلِّل من قيمة هذا المعدن الثَّمين الذَّهب اعتقاد الناس أنَّه خسيس ؟ لا، من الرابح الأكبر ؟ هو أنت علاقتك مع الله عز وجل، فأنت إذا كنت عند الله عز وجل مكرَّمًا، ولو ذمَّكَ الناس، فمن عرف نفسهُ ما ضرَّتْهُ مقالة الناس به، يعني هناك علماء كبار، منهم الشيخ محيي الدِّين رحمه الله، الصُّوفيُّون قالوا عنه سلطان العارفين، وبعض الفرَق الإسلاميَّة قالوا عنه كافر، فهل قَوْل الصوفيُّون يرفع مقامهُ عند الله ؟ لا، وهل قوْل هؤلاء الآخرين يخفض مقامهُ عند الله ؟ لا، إنّ لهذا الرّجل مقامٌ عند الله لا يرفعُه قول المادحين، ولا يخفضهُ قول المشكِّكين، علاقتك مع من ؟ مع الله، هذا هو التوحيد، ابتغوا الرِّفعة عند الله، هكذا يقول عليه الصلاة والسلام، إيّاك أن تكون في عيْن الله صغيرًا، كلّ شيءٍ ليس له قيمة، سأل أحدهم فقيهًا: كيف أمشي في الجنازة ؟ لا يعرف الأصول؟ قدَّامها أم وراءها أم عن اليمين أم اليسار فقال: لا، فقط لا تكن في النَّعش ! اِمْش أينما أردْت، سرْ حيثما تشاء قياسًا على هذه الطُّرْفة، لا تعْص الله، ولْيَقُل عنك الناس ما يقولون إيَّاك أن تعْصِيَه، وإيّاك أن تكون صغيرًا في عين الله، قالوا عنك منحرف، أو متشَدِّد أو دينه صعب، أو فهمه قاصر، ليقل الناس ما يشاؤون، فما دُمْت عند الله تعالى كبيرًا فأنت كبير، وما دام بعض الناس عند الله تعالى صُغَراء فهُم صغراء، ولو عظَّمَهم الناس، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: اللَّهم أرِني بِعَين نفسي صغيرًا ؛ تواضعًا.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لَا تَعَلَّمْ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ تُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَتُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَلَا تَتْرُكْ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ إِنْ تَكُنْ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا أَوْ عِيًّا وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ))
[ رواه الدرامي ]
تجد شخصًا بِمَجلس علْم، أو بِسَهرة أو بيت، يريد أن يحكي، لو شُقَّ على صدره لكان هذا الدافع من الكلام المُباهاة ‍! يريد أن يثْبت لك أنَّه أفْهم منك أنَّه متعلِّم، وكلّ إنسان يحسّ بِعُقْدة نقْص تراه يتكلَّم لِيُلْفتَ النَّظَر إليه هذا الإحساس مرضي، لأنَّ الإنسان المعافى نفْسيًّا، هذه نعمة كُبرى أحدُ الأمراض النَّفسيَّة إثبات الذات بِطَريقٍ غير صحيح، يريد أن يثبت أنَّه متعلّم، لو نظرت للذي لا يقرأ ولا يكتب، تجده يضع على جيْبه الخارجي ما يعادل ستَّة أقلام متجمِّعة ! أو أربعة، الذي لا علاقة له بالعلم تراه يعتني كثيرًا بالمكتبة، وبتَجليد الكتب، وتهذيبها، ويقول لك عندي مكتبة ضخمة لكن لو سألتهُ لوجدْته ما قرأ كتابًا، وعُقَد النَّقص دائمًا تتبدَّى بِشَكْل مُبالغ به إذا الواحد غير متعلّم يحبّ أنْ يتكلَّمَا كثيرًا، تجدهُ بالمجلس العلماء ساكتون، وهو المتكلّم الوحيد !! يُقاطعهم ليَذْكر لهم قصَّة سخيفة أو فكرة ساذجة، أو ما شاكلَ ذلك، فلذلك الإنسان عليه أن يكون عالمًا خقًّا حتى يكون متأدِّبًا بآداب العلم، وتراهُ يُصغى للحديث بِسَمعِهِ، وبِقَلبِهِ، ولعلَّه أدْرى به، فمن آداب العلم أن تستمع، والاستماع أدب، وقد يكون المستمعُ واعيًا، وأوْعى من المتكلِّم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ يُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ))
[ رواه الدرامي ]
أحدهم جلس مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم، واستمعَ من فمه الشريف، ونقل هذا الكلام لتابعيٍّ لمْ ير النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ((فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ يُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ))
[ رواه الدرامي ]
لا تتعلَّموا العلم لِتُباهوا به العلماء، وتُماروا به السُّفهاء، ولِتَصرفوا به وجوه الناس إليكم، ليس كلّ المُيُول خسيسة، هناك شهوات بالإنسان وبعض هذه الشَّهوات أن تُصْرفَ وُجوه الناس إليك، هذه شهوة لا ترْضي الله عز وجل، لذلك أكبر دعاء لله عز وجل: اللَّهمّ إنِّي أعوذ بك من الشِّرْك الخفيّ، قال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾
[ سورة الفرقان ]
له عملٌ كبير ولكنَّ عدم الإخلاص في هذا العمل جعلهُ صفْرًا كامِلاً، هباء منثورًا فالإنسان لا يغترّ بالعمل، ولكن عليه أن يغترّ بالإخلاص بالعمل فمن فعل ذلك فهو في النار تعلَّم العِلم ليُباهي به العلماء، ويُماري به السفهاء ولِيَصْرف وُجوه الناس إليه، فمن فعل ذلك فهو في النار، وقال صلى الله عليه وسلّم: ((مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عِنْدَهُ ألجمه الله بلجام من نار))
لو فرضْنَا أنّ أحدًا كان مع شخصٍ أعْلمَ منه، وله شأنه، وصافح امرأةً أمامه، قال له: هل في هذا شيء ؟‍ فقال له: لا شيء في هذا ‍‍!! وهو يعلم أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: فعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ بَايَعْنَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ((فَقُلْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ قَالَتْ فَقُلْنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِثْلِ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))
[رواه مالك ]
فمِن أجل أن لا يغضبهُ لعلّ أن يحرجَهُ، قال له: لا شيء في هذا ! هذا كتَمَ علْمًا والنبي الكريم قال: كلمة الحقّ لا تقطع رزقًا، ولا تقرّب أجلاً، إذا علمْت أنَّ هذا الشيء حرام قلْهُ، يقول لك: أنا جلسْتُ بمجلسٍ يشربون فيه الخمر، ولكنَّني لمْ أشرب، فهل في هذا شيء ؟!! لا، لا عليك !!! لماذا لمْ تقل له لا يجوز، لا يجوز أن تقعد على هذه المائدة، كلّ ذلك من أجل أن لا يغضبهُ !! هذا كتْم علم، من كتَمَ علمًا ألجمه الله، إذا الواحد له مزحة دينيَّة، وله أصدقاء غير ديِّنين، دائمًا يستفتونه، فإذا كان ضعيف الشَّخصِيَة، وله مصلحة معهم، ومكاسب دنيوِيَّة من طريقهم، يفتيهم على هواهم فيقَعُ في غضب الله عز وجل، لذلك من هو الداعيَة الصحيح كما قال تعالى ؟ قال تعالى:
﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
[ سورة الأحزاب ]
فإذا خُشِيَ غير الله سكت عن الحق أرضاءً لهذا الذي خشيَهُ من دون الله، وإذا خشيَهُم نطق بالباطل إرضاءً لهم، فإذا نطق بالباطل وسكت عن الحق ماذا بقيَ من تبليغ رسالات الله ؟ فلمَّا ربّنا عز وجل اقتصرَ في وصْف هؤلاء على هذه الصِّفة، هي الصفة الوحيدة الأساسيَّة.
وقال عليه الصلاة والسلام: لأنا من غير الدَّجال أخْوَفُ عليكم من الدَّجال....فقيل وما ذلك ؟ فقال: في الأئمَّة المضلِّين..." لو فرضنا أنَّ لك جارًا ملحدًا، ينكر وُجود الله عز وجل، أنا أعتقد أنَّ خطر الأئمَّة المضلِّين أكبر على الناس من خطر هذا الملْحِد، والسَّبب أنَّ الملْحِد معروف أنَّه ملْحِد، الناس يبتعدون عنه، لا يأخذون بأقواله، لا يستشيرونه، ينفرون منه أما هذا الذي يصلِّي أمامهم، ويقول هذا مباح وهذا فيه فتوى، وهذا لا ضَيْر عليه منكم والإنسان إذا أراد أن يمشي في طريق الإيمان يقلّل من الذُّنوب ما أمكن، هناك من يقول ذلك هذا الكلام خلاف ما جاء به النبي الكريم، افْعل المعروف ما أمكن، صحيح، قدْر الإمكان ليس كلّ واحد معه أن يبني جامعًا، يمكن لا تستطيع أن تدفع إلا خمس ليرات، وهل كلّ واحد يستطيع أن يتصدَّق بألف ليرة ؟ لا، قلّة ممكن مئة أو خمسين أو خمسة وعشرون، وحتّى ليرة فالمعروف بقدْر الإمكان، قال تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7)﴾
[ سورة الطلاق ]
أما المنكر لا توجد نسبة نسبيَّة فيه، أحدهم سألني مرَّةً ؛ إذا الواحد عملَ صالحًا، وما كان مستقيمًا ألا يُتَقَبَّل منه ؟ خطر في بالي مثل، فالعمل الصالح يشبه صنبور ماء مفتوح بكامله والاستقامة قعْر هذا المستودع، فعمل صالح من دون استقامة كَصُنبور الماء المفتوح على مستودع من دون قعر، متى يمتلىء ؟ لا يمتلأ أبدًا، إذا كان له مخالفة واحدة هذا القعر له ثقب واحد، وكذلك لا يمتلىء، وكلّما صغرت المخالفة صغر هذا الثقب، على كلّ حال كلّما امتلأ هذا المستودع أفرغه هذا الثقب، هذا قوله تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾
[ سورة الفرقان ]
بالاستقامة لا توجد النِّسبيَّة، بموضوع الاستقامة نسبيًّا لا يوجد، أما بالعمل الصالح يوجد عمل صالح نسبي، لذلك قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[ سورة الأنعام ]
لماذا الصراط مفرد، والسبل جمع ؟ لأنّ نقطتين لا يمرّ سوى مستقيم واحد ولكن من هاتين النقطتين تمرّ مئات الخطوط المنحنيَّة، والمنحرفة والمنكسرة، وهذه حقيقة هندسيّة أحدهم تزوَّج امرأةً متفلسفة، قالت له: أنت مستقيم، وأنا مستقيمة، والمستقيمان المتوازيان لا يلتقيان ! قلتُ له: قلْ لها: أنا مستقيم وأنت مستقيمة وفي نقطتين ينطبقان المستقيمان على بعضهما ! طبعًا إذا الخطان مستقيمان البداية واحدة والنهاية واحدة فلا بدّ من انطباقهما على بعضهما، الإنسان في مثل هذه الموضوعات عليه أن يتحرَّى أن يكون صادقًا مع الله عز وجل، لذا لأنا من غير الدَّجال أخْوَفُ عليكم من الدَّجال....فقيل، وما ذلك ؟ فقال: في الأئمَّة المضلِّين..." تارك الصلاة لا تصاحبه، خوفًا منه لا تستشيره، ولا تصدّقه، وتعبأُ بأقواله، ولا تراه أهلا للاستشارة ولكن إذا الواحد يصلّي تجده موطن ثقة ومظنَّة صلاح، تعتقد أنَّه على حق فإذا أشار عليك بِمَعصيَة وفعلتها كان هذا هو الضلال المبين، ضّالّ مُضِلّ لذلك قال تعالى:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾
[ سورة الأحزاب ]
والقرآن له خاصّ وعام، فخاصّ هذه الآية هو يا نساء النبي، وعامّها كلّ مَن كانت له مكانة في المجتمع ترفعه عن الناس، معلّم الصفّ معنيّ بهذه الآية، فإذا هو أهْملَ هندامهُ، لا يستطيع حينها أن يقول للطلاب اهتمُّوا بِهِنْدامكم ! لأنّه قدوَة، هذا مثل بسيط، الأب في البيت إذا ترك بعض الصَّلوات، ضعف مركزهُ، وما استطاع أن يأمر أهله بالصلاة قال تعالى:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)﴾
[ سورة الأحزاب ]
قال تعالى:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)﴾
[ سورة الأحزاب ]
لماذا ضعفين ؟ الضّعف الأوّل جزاء المخالفة، والضّعف الثاني جزاء التي اقْتدَت بها فالأب يدخل في هذا، والمعلّم يدخل في هذا، رئيس الدائرة يدخل في هذا، كلّ إنسان مرفوع الدرجة يدخل في هذا لأنّه صار قدْوَة فَيُقْتَدى بخطئه، أخي فلان فعل هكذا، هل أنا أحسن منه ؟! وبالعلم كذلك إذا كان الواحد له مظهر ديني وارتكبَ مخالفة صار قدوَة، أخي أنت أفْهَم من فلان لقد جلس مع زوجة أخيه وأخيه معًا ! هل أنت أوْرع منه، لمَّا قبِلَ هذا الإنسان الذي له زيّ ديني أن يجلس على مائدة برمضان رجال ونساء، لا يحلّ للرجال أن ينظروا للنساء، وجلس هذا العالم بهذا المكان فكأنَّه أقرّ ذلك، فإذا أراد شابّ أن يتَّقي هذه المخالفة يُقال له من أنت ؟ فلان جلس، أنت أحسن منه، والآن أكثر شيءٍ يقوله الناس ؛ كلّما دعوتهم إلى الاستقامة يحتجُّون ببعْض الأسماء، يقولون لك: هل أنت أوْرَع من فلان ؟ فلان سمح بهذا، وفعل هذا، فهذا شيءٌ خطير جدًّا، لذا كما قال عليه الصلاة والسلام لأنا من غير الدَّجال أخْوَفُ عليكم من الدَّجال....فقيل، وما ذلك ؟ فقال: في الأئمَّة المضلِّين..." قال لي أحدهم: هذه فيها فتوى ! فقلتُ له: الحمد لله، بما أنّ هذه فيها فتوى، ولكن أسأل الله تعالى أن تجد هذا المفتي الذي أفتاك يوم القيامة أفتى له بالربا، قرأ فتوى من رجل متوفّى، في مخطوطة، واعتمَد عليها أنّه بإمكاني أن أضع أموالي بالمصرف ! هذه مشكلة، لا بدّ أن تجد هذا العالم، وترى ماذا أصلها، وبأيّ كتاب موجودة، وما هي ملابساتها ؟
ويقول عليه الصلاة والسلام: من ازداد علمًا، ولم يزدد هُدًى، لمْ يزْدد من الله إلا بعْدًا..." هنا النقطة الدقيقة ؛ ما هو العلم ؟ وما الهدى ؟ ممكن أن تقرأ كتابًا وتحفظهُ، ممكن أن تدخل كليَّة الشريعة، عندك مقرَّرات معيَّنة ؛ كتب تفسير، وكتب حديث، ومصطلح حديث أصول تفسير، فقه مقارن، أصول فقه، علم تجويد، حفظ أربعة أجزاء كلّ عام، منهاج ضَخم وثمين جدًّا، فيمكن للواحد أن يدخل ويتحصَّل على إجازة، وهذا اسمه العلم الظاهري، أما الهدى هو أن يعملَ بهذا العلم فَتُقبلُ نفسهُ على الله عز وجل، فيُقْذفُ في هذه النَّفس نور الله عز وجل، وحينها يصبح كوكبًا ذريًّا، وحينها يصبح الموضوع ليس حزلقة ؛ معلومات يحفظها فقط يمكن أن تجلس مع إنسان له محفوظات كبيرة، ويغرق الحاضرين بأحاديث وآيات وقصص وطُرف، وحكم، نكتات بلاغيَّة، وهو خاوٍ من الإيمان، وهو خاوٍ من الهُدَى، فالهُدى أن تعمل بما علمْت، فإذا عملْت بما علمْت أقبلْت على الله عز وجل، وبهذا الإقبال قذف الله في قلبك نورًا فرأيت الحق من الباطل، وتعلّق الناس بك، وما أقبل عبدٌ بنفسه على الله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تنساق عليه بالمودَّة والرَّحمة، إذا حصل الإقبال على الله تعالى القلوب تهفو إليه إذا حصل تحصيل علم ثمين، ومعلومات غزيرة جدًّا، ومن دون إقبال النفوس، تنفر عنه فالحقيقة الله عز وجل إذا أحبَّ عبْدًا جعل قلوب الناس تهفو إليه، لأنَّه أقبل على قلبه، وصار في قلبه شيء، فأنت إن جلسْت معه تشعر بِسَعادة، وبأُنسٍ وبِقُرْب، فالواحد ماذا يحصل له لو وقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بعد موتهِ بألف وخمس مئة عام لماذا يبكي ؟ عندك مليون قبر بالشام، من هو الميّت ؟ هل تنزل دمعة منك ؟ ولكن لماذا إذا وقف الإنسان أمام مقام النبي عليه الصلاة والسلام تغلب عليه الدموع، ويضرب قلبه، لأنَّ النبي الكريم مهبط تجليّات الله عز وجل آخذ شيء من الله عز وجل، وأنت لامسْت هذا النور النبوي، لماذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من أهليلهم ؟ أتُحِبّ أن تكون في أهلك مُعافًى، ويُصاب رسول الله بِشَوكة ؟! خبيب بن عدي أحد الصحابة الكرام، على وشك أن يقتل، أُلقي عليه القبض بمكَّة، وقع أسيرًا، وأراد المشركين قتلهُ، وقبل أن يموت سئِلَ هذا السؤال: فقال: والله ما أحبّ أن أكون في اهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا، ونعيمها ويُصاب محمّد بِشَوكة !! فقال أبو سفيان: ما رأيْتُ أحدًا يحبّ أحدًا كَحُب أصحاب محمَّدٍ محمَّدًا ‍‍!! ما هو هذا السرّ ؟ السرّ أنّ هذا النبي مهبط تَجَلِّيات الله تعالى لذلك تهفو قلوب الناس إليه.
فالشيء الأُخْرَوي يثير مشاعر الإيمان، من ازداد علمًا، ولم يزْدد هدًى لمْ يزْدد من الله تعالى إلا بُعْدًا، الهدى التطبيق، والهدى الإقبال، والهدى هو السموّ النفسي، وهناك خطَّين متوازييْن، يجب أن يسير الهدى جنبًا إلى جنبٍ مع العلم، فإذا زاد العلم على الهدى وقعنا في خلل، إذا رأيتَ أحدًا أخلاقه عالِيَة، ونفسهُ ساميَة، وسموح، وعفوّ، إلا أنّ معلوماته ضعيفة تميل نحوهُ، ولكن لا تعظِّمهُ، ولو التقيْت بإنسان معلوماته قويّة جدًّا ولكنَّه خبيث النَّفس، فأنت هنا تُعظِّمهُ، ولكن لا تحبّه، إلا أنّ البطولة أن يسير خطّ العلم مع خطّ الهدى جَنبًا إلى جنبٍ خطّ العلم مع خطّ الهدى، أي عالم وعامل، عالم مستنير بِنُور الله عز وجل، ويقول عليه الصلاة والسلام: من ازداد علمًا، ولم يزْدد هدًى لم يزدد من الله إلا بعدًا.
أما الآخر يقول عمر رضي الله عنه: إنّ أخْوَفَ ما أخاف على هذه الأمّة المنافق العليم، قالوا: وكيف يكون منافقًا عليمًا ؟ قال: عليم اللِّسان جاهل القلب والعمل، ففي الكلام شاطر، يقطع على الناس حديثهم، لا يسمح لأحد بالكلام، من قصّة إلى طرفة إلى تعليق ذكي إلى أقصوصة قرأها، إلى حكمة حفظها، إلى موقف حرج ذكره فأضحك الناس، متكلّك ويسمُّونه بعلم النفس متحدّث لذق، وهذه ملكات، أحيانًا تجد شخصًا غير متعلّم له له حدي مقنع بالعشرة أشخاص تجد اثنان لهما حديث لطيف فهو لا يهمّه الهدى، ولكن يهمّه أن يضحّك الناس، إذا كان دخل على موظّف يقنعُه، بمُزاح أو بآخر، فهذا منافق عليم، قيل: وكيف يكون المنافق عليم ؟ قال: عليم اللّسان جاهل القلب والعمل.
وقال الحسن رحمه الله تعالى: لا تكن ممَّن يجمع علم العلماء، وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجْرى السفهاء، شيء جميل.
وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه: أريد أن أتعلّم وأخاف أن أضيِّعَ العلم، فقال: كفى بِتَرْك العلم إضاعةً له، الترْك هو تطبيقه.
سيّدنا عليّ رضي الله عنه قال: قوام الدّين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يعلم، وغنيّ لا يبخل بِماله، وفقير لا يبيع آخرته بِدُنياه، أركان الدنيا هؤلاء ؛ عالم وجاهل وغني وفقير وبالحياة توجد قوّتين ؛ قوَّة العلم وقوّة المال، عالم وجاهل وغني وفقير فالعالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يعلم، وغنيّ لا يبخل بِماله وفقير لا يبيع آخرته بِدُنياه، مال الذي حصل الآن ؟ قال: فإذا ضيَّع العالم علمه، أي ما ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم، تقول له: تعال إلى الجامع، يقول لك: كي أكون مثل فلان ! يغيّر لون وجهه، ما به فلان ؟ يصلّي ويكذب !! وإذا بخل الغني بماله، باع الفقير آخرته بِدُنياه الفقير يسكن ببيْت، وحينها يبيع بيته للشيطان، إذا الأغنياء المؤمنين ما ساعدوه باع نفسهُ للشيطان حتى أمَّن حاجته، ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم، وإذا بخل الغني بماله، باع الفقير آخرته بِدُنياه، لذا: لا تكن ممَّن يجمع علم العلماء، وطرائف الحكماء، ويجري في العمل مجْرى السفهاء.
وقيل لإبراهيم بن عييْنة رحمه الله: أيّ الناس أطْوَل ندمًا ؟ فقال: أمَّا في عاجل الدنيا صانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما عند الموت فعالمٌ مُفرِّط، لذلك الورع حسن، ولكن في العلماء أحسن، والعدل حسن ولكن في الأمراء أحسن، والتوبة حسن ولكن في الشباب أحسن والحياء حسن ولكن في النساء أحسن، والسخاء حسن ولكن في الأغنياء أحين، والصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن.
أيّ الناس أطْوَل ندمًا ؟ فقال: أمَّا في عاجل الدنيا صانع المعروف إلى من لا يشكره وأما عند الموت فعالمٌ مُفرِّط.
وقال الخليل بن أحمد: الرّجال أربعة ؛ رجلٌ يدري ويدري أنَّه يدري فذلك عالمٌ فاتَّبعوه، ورجل يدري ولا يدري بأنَّه يدري فهذا غافل فنبِّهوه، ورجل لا يدري، ويدري بأنَّه لا يدري فهذا جاهل فعلِّموه، ورجل لا يدري، ولا يدري بأنَّه لا يدري فذلك شيطان فاحْذروه.
أنا أقول كلمة ؛ العلم مفيد، والجهل مفيد، كيف الجهل مفيد ؟ لأنّ الجاهل يتعلّم ومتواضع، يقول لك: علِّمني، ويقبل التَّعَلّم، والعالم أفاد من علمه، أما نصف العالم هو الخطر
لا هو عالم فيُفيدُ من علمه، ولا هو جاهل فيتعلَّم، قال:
قلْ لي من يدَّعي في العلم فلسفةً حفظتَ شيئًا وغابَت عنك أشياء
أخذ قطعة شهادة، ثمّ يقول لك: نظريَّة داوين صحيحة !! الإنسان أصلهُ قِرْد، هو يوجد نظريّة معدّلة لها: القرد أصلُه إنسان !! أي الناس انقلبوا إلى قرود.
أخذ قطعة من الشهادة فإذا به يقول لك: هذه الأرض كانت قطعة من الشمس، كانت غازات وسديم، ثمّ تجمَّدت ثمّ دارت بالقوّة النابذة انفلتَت وأصبحَت أرض !! يُحاوِل أن يفسِّر هذا الكون المعجِز تفسير مادِّي من دون إله، كلّ هذا بعدما تعلَّم، بئس هذا العلم الذي تعلَّمَهُ، لذلك نصف العالم خطير، فالجهل مفيد والعلم مفيد، أما نصف العلم ؛ أن تؤمن بِنَظريَّة مثلاً تنسف الأدْيان كلّها، أن تؤمن بِنَظَرِيَّة تُصادم القرآن الكريم، إذا الإنسان آمن أنّ الإنسان أصلهُ قرْد فهو لم يؤمن أنّ أصله من بني آدم معناه ما جاء في كتاب الله باطل.
المشكلة أنّ هؤلاء الذين يقولون بهذا لو أنَّهم قرؤوا، ولو أنَّهم درسوا، هذه النَّظريّة ألْغيَت في أوروبا، قالوا كفر، هذه النَّظريّة لا صحَّة لها، علماء الغرب هكذا قالوا: أما نحن لا نزال ندعو إليها، علمنا قديم، إذا كنت عالمًا حقيقةً لا بدّ أن تماشي أحدث التطوّرات العلميّة.
سفيان الثوري رحمه الله تعالى يهتف العلم بالعمل، فإن أجاده أجابه وإلا ارْتحلَ.
وقال ابن المبارك: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنَّه قد علم فقد جهل مرَّةً كنَّا بالجامعة، واسْتدْعَوا لنا أُستاذًا من المغرب يتقن علم النحو إتقانًا عاليًا كثيرًا، ألقى محاضرة، وكان بأوّل صف الدكاترة، فأنا انْتبهْت أنّ هؤلاء الدكاترة صنفان ؛ صنْف أحضَرَ أوراقًا وقلمًا ليكتب، وصنف جلس جلسةً فيها عنجهيّة، واستكبارًا ! فقلتُ في نفسي العالم هو الذي يكتب، هذا المحاضِر جاء من دولة بعيدة، لمْ يأتِ إلا لِعِظَم علمه ألقى المحاضرة، فالذي كتب هو العالم، وهذا الذي استنكف أن يكتب فهة جهله مركَّب، أي رأى نفسهُ أعلى من ذلك ففي العلم لا يوجد أحد أحسن من الآخر، العالم شيخٌ ولو كان حدَثًا، والجاهل حدَث ولو كان شيخًا رتبة العلم أعلى الرُّتَب، تجد الآن مهندس صغير، مظهرهُ مظهر شباب له موظَّفين في الشركة كلّهم أقران والده ‍! لأنَّه متعلّم، والعلم له ثمن.
وقال ابن المبارك: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنَّه قد علم فقد جهل باللحظة التي يظنّ فيها أنَّه قد ختم العلم، الآن بدأ يجهل، هذا هو الجهل بعينه، لذلك ربّنا عز وجل أحيانًا يجعل طالبًا صغيرًا يسأل سؤالاً يُحيِّر المعلِّم ! ليس معه جواب، وهذا السؤال من الله عز وجل، يُسمُّونه تحجيم، ينظر إلى نفسه بكبار، وحجمه مستعلي كثيرًا، فيأتي هذا السؤال من الطّفل الصغير يرْجِعُهُ إلى حجمه الطبيعي، لذا العالم إذا دخل إلى مجلس العلم قال: اللّهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا هكذا يقول: والطبيب إذا كان مؤمنًا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، لا علم لي إلا ما علَّمتني، هناك طبيب تجدهُ ينجح نجاحًا كبيرًا في التوليد إلى درجة يصبح اسمه ملىء الأفواه، فإذا به يغلط غلطةً أثناء توليد الامرأة ؛ قطع الأمعاء، وكاد أن يذهبها لو لم يأخذها إلى مشفى ثاني يوم لكانت الشهادة قد سُحِبَت منه ثاني يوم !! الإنسان لمَّا يكبر كثيرًا ربّنا عز وجل يصغِّرهُ، فالإنسان إذا ما تكبَّر يأكل ضربة ! بكلّ شيءٍ، لا تقل أنا، هذه قالها إبليس فهلكه الله عز وجل، قال تعالى:
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾
[ سورة الأعراف ]
فأهلكه الله تعالى، ولو كان طبيب، أو مهندس، باستعلاء يطلِّع البناء فيميل البناء بعدها، يستدعونه لمُحاكمة وأين الخرائط، تجد المهندس يقول لك: دخلْتُ بلاءً ما ظننْتهُ وهذه تحدث كثيرًا، طالب يدخل الصفّ وهو يمتلأ غرورًا فإذا به يُسأل سؤالاً سهلاً فلا يستطيع الجواب، يحْمرّ وجهه ويتلعْثم، يسكت بعدها، لذلك الإنسان عليه أن لا يتكبّر، ومن اتَّكَل على نفسه أوْكلهُ الله إيَّاها.
يروي أحد الأئمّة أنَّه ذهل ليَحجّ فجلس عند حجَّامٍ، فقال له اذكر الله فذكر الله، فقال له: اتَّجه نحو القبلة فاتّجه نحوها، فقال: كم تريد ؟ فقلا: لا مساومة على الحجّ يا رجل ! فقال: ارتكبْت خمسة أغلاط علَّمنيها حجَّام ! هذا ممكن، فالواحد إذا توهَّم أنَّه عالم، الله عز وجل يحجِّمهُ، وأسرعُ باب إلى الله تعالى التواضع، فالباب المفتوح على مِصراعَيه هو التواضع تواضع لله، الدعاء الذي يُثير مشاعر الناس: اللهمّ إنِّي أعوذ بك من الذلّ إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الفخر إلا إليك، إن لمْ تفتقر إلى الله أفقرك الله إلى الناس، يجعا حاجتك عندهم إن لم تخَف من الله أخافك الله من الناس، إن لم تتذلَّل على أعتاب الله تذلَّلْت على أعتاب اللِّئام.
والله والله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنسُ أرض الحجاز بريشتين ونقل بحرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضَين، أهْون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دَين، إذا لم تخف من الله خفْت من عباده.
قال بعضهم: إما أن تكون عبدًا لله، وإما أن تكون عبدًا لعبد الله، لذا كُن عبْدَ الله استنكفْت أن تكون عبدًا لله، حينها يجعلك الله تحت رحمة عبد لئيم، إن رأى خيرًا كتمه، وإن رأى شرًّا أذاعه، إن أحسنت لم يقبل وإن أسأْتَ لم يغفر، تحتار كيف ترضيه ؟ ويحار كيف يُزْعجُكَ ؟ أما إن أردْت أن تكون عبدًا لله حماك من كلّ عباده السيِّئين
أَطِعْ امرنا نرفع لأجلك حجْبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبّنا
ولُذْ بِحمانا واحتم بجنابنا لِنَحْميك ممَّا فيه أشرار خلقنا
إن أردْت أن تكون عبدًا لله، أهلاً وسهلاً، ومعنى ذلك أنّك في ظلّ الله وفي رعاية الله وفي حفظ الله، وفي كنف الله، وفي توفيق الله، وفي نصر الله، وفي إكرام الله، وفي مودّة الله تستنكف وتقول: هذا الدِّين ليس لهذا الزَّمن، حينها تكون عبدًا لعبدٍ لئيم لا يرحمك، ولا يغفر لك ولا ينصفكَ، ولا يعطيك، بل يحرمك، ومهما فعلت من أجله فعل من أجلك العكس، قيل لسيّدنا عليّ: ما الذلّ ؟ فقال: أن يقف الكريم بِبَاب اللّئيم ثمّ يردُّه ! لذلك كلّ إنسان يُشرك بالله عز وجل تجدهُ يُعاني من الناس معاناة كبيرة، هذه المعاناة علاج من الله، يقول: الناس ليس فيهم مبدأ كيفما خدمْتهم يغشُّوك ! كلامك صحيح، وهذه معالجة إلهيّة لك، لأنَّك اعْتمدتَ عليهم ومحضْتهم ثقتك، والْتفتّ إليهم، وعصيْت الله عز وجل، فأراك منهم الأمرَّيْن، وهذه حقائق مئة بالمئة، لا تخيب أبدًا، ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيَّته إلا جعلتُ الأرض هويًّا تحت قدمَيْه، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته، فتكيدهُ أهل السماوات والأرض إلا جعلتُ له من بين ذلك مخرجًا، قال تعالى: لا تحزن إنّ الله معنا.." الإسلام حينها بقي له خمسة دقائق، قال له: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا ! انتهيْنا، يعني الإسلام انتهى، إذا قتلَ النبي في أوّل الدعوة انتهى الإسلام ولوحِقَ أصحابه، قال له: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا ! فقال له: لا تحزن إنّ الله معنا، ما هذه الثِّقة بالله عز وجل ؟ كأنّ الذّعْر دبَّ في قلب الصّديق رضي الله عنه هذا ما قاله القرآن، وما ترويه كتب السيرة، قال له: يا أبا بكر: ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ؟! وكلّ واحد مؤمن إيمانًا صحيحًا، ومستقيم استقامة تامَّة، مهما كاد له الناس، ما ظنّك بإنسان الله معه ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ وبعد فتْرة وقعَت عَينُ سيّدنا الصِّديق على عين الملاحقين ! ففزِعَ أشدّ الفزع، فقال: لقد رأوْني فقال: يا أبا بكر ألم تقرأ قول الله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾
[ سورة الأعراف ]
بالفعْل ما أبصروا، الله بعث حمامة، النَّصر كلّه على يد حمامة، فالله تعالى من عظمته يجعل أعظم نصْر على أتفه سبب.
سيّدنا نُعَيم بن مسعود، معركة الخندق، كانت هذه المعركة حاسمة، بِبَدر وأحد كان الهدف النَّصر والهزيمة، أما في معركة الخندق حشد الكفار عشرة آلاف مقاتل، لمْ يحشد مثلها في هذه الجزيرة، وجاؤوا لا لِيُقاتلوا محمَّدًا بل ليسْتأصِلوا شأفته ! هو وأصحابه، القضيَّة انتَهَت وتجمَّع الكفار حول المدينة، وحفر النبي خندقًا، كُشف ظهره، اليهود عقدوا العهد كعادته، حتى أنّ أحدهم قال: أيَعِدُنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى، وأحدنا لا يأمنُ أن يقضِيَ حاجته ؟!! نحن سنموت الآن، سيّدنا نعيم بن مسعود أسْلمَ في هذا الوقت، قال له يا رسول الله مُرني ماذا أصْنع ؟ ولكن خذِّل عنَّا ما استطعْت ؟ فذهب إلى كفار قريش وقال: إنّ اليهود نقضوا عهدهم مع النبي وندموا، وهم مزمعون أن يأخذوا منكم رهائن ويقتلوهم كي يُعيدوا ثقة النبي بهم؟ ولم يعلم الكفار أنَّه أسلم، وذهب إلى الكفار وقال لهم: إنَّ هؤلاء القرشيّين إذا ذهبوا إلى بلدتهم انفرد محمد بكم وقتَّلكم عن آخركم، فلا تقاتلوا معهم حتَّى تأخذ منهم رهائن ؟ أقْنعهم، فهو أقْنعَ هؤلاء بأخذ رهائن، وأقْنعَ هؤلاء بما فعله اليهود، فلمَّا ذهب اليهود لأخذ الرهائن جاء قوله صحيحًا، فوقَع الخِلاف بينهم، وبعث الله برياحٍ عاتيَة أطفأتْ نارهم، وقلبَتْ خيامهم وقدورهم وبعث النبي واحدًا من الصحابة ليتبَّع أخبارهم، وينْدسَّ فيهم، شعر أبو سفيان أنّ هناك عُيون لمحمَّد بين أصحابه، فقال تفقَّدوا من حولكم ؟ هذا الصحابي الجليل آتاه الله من الفطنة والذكاء فما أن انتهى أبو سفيان من هذه الكلمة، حتى أمْسكَ بِصاحِبه، وقال له: من أنت ؟ فقال له: أنا فلان ! لو هذه الطريقة لانكشَف أمره، وقتل، الله تعالى ألهمه هذه الخاطر، معركة طويلة عريضة انتَهَت بِكلمات قالها نُعَيم بن مسعود للكفار مرَّة، ولليهود مرَّة.
بغار ثَور، حمامة، وعنكبوت، قال إنّ هذا العنكبوت نُسج قبل أن يولدَ محمَّد، وهم كانوا بالداخِل، لذا مِن بالغ الموعظة أن يكون النَّصْر الكبير لسبَبٍ صغير، وهذه هي عظمة الله عز وجل.
قال الفضيل بن عياض: إنِّي لأرْحم ثلاثة: عزيز قوْمٍ ذلّ، وغنيّ قومٍ افتقَر، وعالمٌ تلعبُ به الدنيا، أصعب شيء عزيز قوْمٍ ذلّ، وغنيّ قومٍ افتقَر، وعالمٌ تلعبُ به الدنيا.
وقال الحسن: عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب يعني طلب الدنيا بعمل الآخرة.
وقال بعضهم:
عجبت لمُبتاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدِّين أعْجبُ
وأعجب من هذين من باع دينه بِدُنيا سواه فهو من ذَين أعجب
وسوف نُتابعُ هذا الموضوع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:02 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 18 : الطهارة : الحيض - النفاس - الاستحاضة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1985-04-21
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الأكارم :
وصلنا إلى موضوع الحيض ، فالحيض دمٌ يخرج من رحمِ بالغة لا داء بها ، ولا حبلَ ولم تبلغ سنَّ اليأس ، وأقلّ الحيض ثلاثة أيام ، وأوسطهُ خمسة أيام ، وأكثرهُ عشرة أيام ، أما النِّفاسٌ فهو دمٌ يخرج عقب الولادة ، وأكثرهُ أربعون يومًا ، ولا حدَّ لأقلّه .
من عشرة أيام إذا انقطع الدّم تغتسل وتصلّي ، أكثرهُ أربعون ولا حدّ لأقلِّه والاستحاضة دم يخرج من الرحم دون ثلاثة أيام من الحيض ، أي بعد عشرة أيام ، أو بعد الأربعين من النّفاس ، هذا الدّم تتوضَّأ المستحاضة لكلّ صلاة وتُصلّي ، لأنّ هناك فرْقًا دقيقًا بين دم الحيض ، وبين دم الاستحاضة دم الحيض الرّحم يتهيّأ لاستقبال البويضة ، فإذا جاءت البويْضة غير ملقَّحة أُصيب بِخَيبة أملٍ كبيرة ، وهذا الاستعداد الكبير لاستقبال البُوَيضة الملقَّحة هو الدّم الذي يخرج من الرحم في الحيض ؛ دمٌ أسْود ، ولكنّ دم الاستحاضة دم أحمر ، الاستحاضة عرق في الرَّحم مفتوح ، دم طاهر ليس من نوع دم الحيض ، لذلك المستحاضة تتوضّأ وتصلّي لكلّ فرْض صلاة ، فأنا قصدت من كلمة طاهر أنَّه من نوع آخر ، فَدَمُ الحيض شيء ودم الاستحاضة شيء آخر ، دم الحيض يتْبعُهُ انحطاط في الجسم ، لذلك الحائض لا تصلّي ، أما دم المستحاضة فهو دمٌ لا يؤثِّر على صحَّة المرأة فما دون الثلاثة أيام ، وما فوق العشرة أيام ، وبعد الأربعين ؛ هذا اسمه دم الاستحاضة ، والنبي عليه الصلاة والسلام فسَّرَهُ بأنَّه عرْق مفتوح ، طبعًا حينما يكون الدم دم حيض ، فهناك أخطار كبيرة من اللّقاء الزوجي ، لذلك قال الله عز وجل :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾
[ سورة البقرة ]
كلمة أذًى نكرة ، وهذا التنكير تنكير شمول ، قرأتُ مقالةً علميًّا فيها أكثر من سبعة عشر خطرًا على المرأة والرجل من اللّقاء الزوجي في أيام الحيض ؛ الإنتانات ، والعدوى بعض المضاعفات ، انحلال الدم ، أشياء كثيرة ، الآن لا تحضرني المقالة بتفصيلاتها ، ولكن شيءٌ مخيف جدًّا رأي علمي حِيادي موضوعي ، قال تعالى :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[ سورة البقرة ]
معنى يطهرن أي حتى ينقط الدّم ، قال تعالى :

﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾
[ سورة البقرة ]
التَّطَهُّر غير الطُّهْر ، التَّطَهُّر هو الاغتسال .
ويحرم في الحيض والنفاس ، ثمانية أشياء : الصلاة والصوم ، وقراءة القرآن ، ومسّه إلا بغلاف ، ودخول مسجد ، ولكن هناك رأي للإمام الشافعي أنَّ المرأة الحائضة إذا كانت واثقةً ثقةً شديدة بأنَّها لا تؤذي المسجد فلها أن تحضر مجلس العلم ، من دون أن تصلّي ، معتادة أن تحضر مجالس العلم ، وهي واثقة أن لا تؤذي أحدًا ، فإن كانت كذلك لا عليها أن تحضر مجالس العلم من دون أن تصلّي ، وهذا رأيٌ للإمام الشافعي رضي الله عنه .
والطواف في الحج يحرم عليها ، وكما قلت قبل قليل ، ربّنا عز وجل يقول:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾
[ سورة البقرة ]
وفي درس قادم نتابع بعض التفصيلات التي لا بدّ منها في موضوع الحيض.
والآن إلى فصْلٍ آخر من إحياء علوم الدِّين ، وما زلنا في موضوع العلم وصفات وعلماء الآخرة .
يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : ويجب أن يكون عالم الآخرة أكثر بحثه عن علم الأعمال ، نحن عندنا علم الأقوال ، وعلم الأعمال ، وعندنا مفسدها ومشوِّش القلوب ، ومهوّج الوسواس ، ومثير الشرّ ، فإنّ أصل الدِّين التَّوَقِّي من الشرّ ، ولذلك قيل :

عرفت الشرّ لا للشرّ وإنما لتوقِّيه ومن لا يعرف الشرّ من الناس يقع فيه
سيّدنا عمر رضي الله عنه سئل عن رجل يعرف الخير ، فقال : ليس هذا الذي أريد قيل فلان يعرف الشرّ ، فقال : ليس هذا الذي أريد ، فقيل له : من تريد إذًا ؟ فقال : أريد الذي يعرف الشّرين ويفرّق بينهما ! أي يختار دائمًا أهون الشَّرين ، وهذه حكمة بالغة ، فأحيانًا لا بدّ من أن تقع في شرّ والحكيم يختار أهْوَنَ الشَّرَّيْن .
والأعمال الفعلِيَّة قريبة ، وأقضاها بل أعلاها المواظبة على ذِكْر الله تعالى بالقلب واللِّسان ، قال تعالى :
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[ سورة الشرح ]
أي جعلنا منطقك في موضوعات ثانية .
وإنَّما الشأن في معرفة ما يفسدها ، وما يُشوِّشها ، وهذا ممَّا تكثر شعبه ويطول تفريعهُ ، أخطر علْم أن تعرفه هو أن تعلم ما يؤذي هذا القلب ؟ ما الذي يفسد عليه إقباله على الله عز وجل ؟ ما الذي يحول بينه وبين إتقان الصلاة ، لمّا الإنسان يصلّي وهو غافل ، شهر شهرين أو ثلاثة ، فهذا جاهل ، ولو كان فقيهًا في أمور أخرى ، هذا القلب بماذا منقطع ؟ هل معلّق بإنسان مُعْرض ، هل له انتقاد على أهل الحق ، حدث بينه وبينهم خلاف ؟ هل هو يشعر أنّه محروم من الله عز وجل ؟ أعطى زيْدًا وعُبيْدًا وحرمه لمَّا الإنسان يصلّي صلاةً شَكْليّة لا بدّ من أسباب ، هل الدنيا أكبر همِّهِ ؟ هل هناك حجابٌ بينه وبين ربّه ؟ هل جاءتْهُ خدمة طيّبة من إنسان كافر أو منافق فأحبّه وتعلّق به فانقطع عن ربّه ؟ هل بلغتْهُ قصَّة مفتراة عن أهل الحقّ فصدَّقها فكانت هذه القصّة حجابًا بينه وبين الله عز وجل ؟! إذًا من العلم الدقيق أن تعرف ماذا يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات ، وشدائد وصعوبات .
وأنَّ معرفة ما يفسدها وما يشوِّشُها ؛ هذا علم جليل ، لاحظوا هذه الموازنة وأما علماء الدنيا فإنَّهم يتَّبعون غرائب التفريعات في الحكومات والأقضيَة يعني يتتبَّع تفريعات دقيقة جدًّا في شؤون القضاء والإفتاء وما شاكل ذلك يتَّبعون في وضْع صُوَر ، تنقضي الدهور ، ولا تقع أبدًا يتخيّلوا حالات لا تنقضي السنوات ولا القرون ولا دهور ، ولا تقع ، ويضعون لها حكمًا وأنا في طريقي إلى تجميع هذه اللَّقطات ، سمَّاها بعض الفقهاء الأرئِيْتيَّات أرأيْت لو كان كذا وكذا ؟! حالات نادرة لا يمكن أن تقع ، ولا بالخيال تُتَصوَّر ويُضَع لها أحكام دقيقة ، وتُرجَّح هذه الأحكام ويختلفون في هذه الأحكام ، ويكتبون الرسالات حول حججهم ، وردّ حجج خصومهم ويسيرون في طريق مسدود لا يفضي إلى شيء ، هذا نوع من الضَّلال أن تمضي حياتك كلّها في تفريعات لا تقع ، فالغزالي رضي الله عنه يأخذ على بعض المتفيهقين ، وتجَّار الدِّين بالدنيا ، وتجار الدنيا بالدّين ، يأخذ على هؤلاء أنَّهم يتَّبعون في أخذ صُوَر تنقضي الدهور ، ولا تقع أبدًا ، لا أنسى موقف بعض الصحابة الكرام رضي الله عنه حينما عرض عليه سؤال لحالة نادرة ، فقال : بِبَساطة أوَقَعَت هذه الحالة ؟ فقالوا : لا ، قال : حينما تقعُ نفتي بها ! احفظوا وقتكم ، الوقت ثمين والحياة غاليَة ، نقضي في الحياة سنوات معدودات ؛ أربعون خمسون ستُّون ، سنوات تنقضي خطر ببالي مرّة ، لو أنّ إنسان عنده مكتبة فيها خمسة آلاف كتاب فرضًا آداب تاريخ جغرافيا فلسفة علوم فنون قصص مسرحيات فلكلور ، كتب قديمة ، تاريخ الشعور ، تاريخ الرومان الحمامات في دمشق ! الآثار الإغريقيّة ، الأودسَّا ، الإلياذا ، شعر شكسبير المترجم ، مكتبٌ عامرة بالكتب الأدبيّة والعلميّة الثقافيّة ، والفلسفيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة والجغرافيّة والرياضيات والفلك ، وعنده بعد عشر ساعات مادّة لصفّ التخرّج بالجامعة ، وهذه المادة لها كتاب مقرّر واحد ، وهو آخر مادّة ، فهل يأخذ أحد كتب المكتبة ؟ هل يأخذ مسرحيّة يقرؤها ؟ هل يأخذ قصّة يقرؤها ؟ أن يقرأ الكتاب المقرّر ، إذا نجح نال الإجازة ، وإذا نال الإجازة عيّن ، وإذا عيّن تزوّج ، وإذا تزوَّج أسَّس أسرة ، فكلّ هذه الأحلام مبنيَّة على نجاحه في هذه المادَّة ، وهذه المادَّة ، كتابها المقرّر هو هذا الكتاب فهل من العقل أن يقرأ كتابًا آخر ، لذلك لمّا أدعو قُبَيل إلقاء الدرس ، اللهمّ إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع ، ومن علم لا ينفع ومن أذن لا تسمع ، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع .
أحيانًا الإنسان يقضي حياته كلّها بموضوع أدبي ، مثلاً درس شعر بشّار لا أعرف ماذا أقول ؟ الحياة أثمن من ذلك ، أحيانًا يختصّ مثلا بتاريخ الرومان ، يتحدَّث عن عاداتهم وأعيادهم وأفراحهم ، وعن حروبهم وعن تاريخهم ، عن وحشيّتهم ، وعن صراع ، وعن تلذّذهم بمرأة وهي تعذَّب من قبل الحيوانات المفترسة ، ماذا قدَّمْت ؟ أما حينما تقرأ القرآن تستفيد وتحسّ بِرَاحةٍ نفسيَّة أنَّه يعرض لك طريق السَّعادة ، لذلك اللهمّ إنا نعوذ بك من علْم لا ينفع ، فهؤلاء ماذا فعلوا؟ هؤلاء يتَّبعون في وَضْع صُوَر تنقضي الدهور ، ولا تقع أبدًا ، وإن وقعَت ، فإنّما تقع لغيرهم لا لهم إذا الواحد بالحجّ بِدهيمة ، ما حكمهُ ؟ هل عليه اقتتال ؟ حالات لا تقع ، وإن وقعَت لا تقع للمؤمنين أو المسلمين ! تقع للفجَرة ، وإن وقعَت ، فإنّما تقع لغيرهم لا لهم ، وإذا وقعت كان في القائلين بها كثرة ، ويتركون ما يلازمهم ويتكرَّر عليهم أناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم ، الشيء اليومي ؛ الصلاة ، الذِّكر ، معرفة الله التَّفكّر ، تطهير القلب من الأمراض ، سموّ النفس ، ترفّعها عن الدَّنايا ، هذه الأشياء الخطيرة اليوميّة ، والضروريّة ، والتي لا بدّ منها ؛ تجدها مهملة والتفريعات ، والأرأيتيّات والحالات النادرة جدًّا جدًّا جدًّا ، والتي لا تقع في الألفي عام مرَّة ، هذه توضع لها أحكام وتناقش ، ويختلف في أحكامها وتأتي الحجج المؤيّدة والمعارضة ، وما شاكل ذلك ، هذا نوعٌ من الضَّلال فالوقت ثمين .
وما أبْعَدَ عن السعادة - اسمعوا هذا الكلام الذي يُكتب بماء الذهب - من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر ، شيء لا يقع .
يعني لو أنَّ واحدًا لا أطراف له ، لا أيدي ، ولا أرجل ، ما حكم مسِّه على الحفّين ؟! أنا عمري ما رأيت واحد من دون أطراف الأربعة !! هذا أخذ حيِّز .
كيف نصلّي داخل الكعبة ؟ فهل يسمح للإنسان أن يصلّي داخل الكعبة وكيف الصلاة على سطح الكعبة ؟ لماذا هل يوجد سلّم حتى تصعدها ؟!! ما حكم الوضوء بماء الحمِّص ؟ الوضوء بماء الحمّص ما ورد ، الوضوء باللبن معروف .
أحدهم إلى البيت فوضع سجَّادة ، وفي داخل البيت نهر ، وضع السجادة داخل النهر فخرجت من البيت ، هل تقطع يده ؟ هو ما سرقها ، لوحدها خرجت ! كذلك هذه حالة ، أو إنسان وضع ماءً في طست وذهب ، يمكن أن تمرّ هرّة وتبول ، هذه لها حكم ، فإن لم يلحقها الهرّ له حكم آخر ! وأنا أودّ أن أجمع هذه الحالات !! شيءٌ مضحك ، حالات لا تقع في الحياة إطلاقًا تجد كتب ومجلّدات ومؤلّفات ، ودراسات ، هكذا النبي عليه الصلاة والسلام علَّمَ أصحابه ، هكذا فتح العالم ، بهذه المعلومات ؟!!
وما أبْعَدَ عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر إيثارًا للتقرّب وقبول من الخلق على التقرّب من الله تعالى ، طبعًا الواحد إذا أتى لك بأشياء دقيقة جدًّا ، وحجج قويّة ينتزع إعجاب الحاضرين ، ويحسّ بِمَكانته العلميّة ، ولكن هو يتقرّب لمن ؟ للخلق ! أما الحقّ التقرّب إليه يتمّ بالعمل الصالح ، وبالمؤاثرة ، وبالانضباط ، وبِغَضّ البصر ، وبالمجاهدة وبالإنفاق ، وبالصلاة المتقنة ، وبالصّيام وحفظ الجوارح ، هناك طريقان إما أن تستهدف التقرّب إلى الخلق ، وإما أن تستهدف التقرّب إلى الحق والخلق لا بدّ لهم غرائب العلم ، أشياء ممتعة ونادرة ، تحكيها فتنتزعُ إعجاب الحاضرين ، وتحسّ بِنَشْوَة ، وهذه أشياء يتقنها علماء الدنيا دائمًا تجدهم يحفظون المفارقات ، النوادر ، قصص رائعة قلّما تحدث فيها عقدة وحلّ ، فيها غرابة فلمّا الإنسان يلهث وراء هذه الأشياء يكون هدفهُ التّقرّب من الخلق ، وانتزاع أعجابهم والاستعلاء عليهم ، أما من يتقرّب إلى الله بفهْم كتابه ، وغضّ بصره ، وقيام ليله ، وإنفاق ماله ، وإحسانه للمخلوقات ، والاشتغال بالقلب وتطهيره والسموّ به ، وخِدمة الناس ومعاونة المؤمنين ، وحلّ مشكلاتهم ؛ هذا يتقرّب إلى الحقّ ، وهذا الإنسان الثاني يفتح الله على قلبه معانٍ لا تخطرُ في بال هؤلاء .
أحدهم ذهب إلى بلد عربي ؛ للأزهر ، مدرّسٌ بالأزهر يقول : المؤمن - لا أذكر نصّ الحديث لكن مضمونه ومؤدّاه - وإن زنا ، وإن سرق ! هذا الأخ الحاضر قال : المؤمن يزني ؟! الله قال ولا يزنون ، قال تعالى :

﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)﴾
[ سورة النور ]
والحديث في ذلك صريح ، فهذا المدرّس يشرح الحديث ، هذا المستمع وطالب العلم الذي ما درس إطلاقًا لا أصول ولا مصطلح الحديث ، ولا تفسير ، إلا أنّه بتفكير بسيط وسليم قال له : ولكنّ النبي يقول وإن زنى وإن سرقَ في الماضي ! فضرب المدرّس جفنه وقال : والله هذا المعنى ما خطر ببالي ! ما قال وإن يزني وإن يسرق ، طبعًا باب رحمة الله مفتوح وأبواب رحمة الله واسعة ، وأبواب التوبة مفتوحة على مصارعها ، ولا يستطيع إنسان أن يغلقها ، فهذا المدرّس له أربعون سنة وهو يدرّس ما خطر ببَاله أنّ قوله : وإن زنى وإن سرق تعني الماضي فهو فهمها بالحاضر ، مؤمن ويزني ومؤمن ويسرق رغن أنفه ، فلمّا المؤمن يطهّر قلبه ، يخطر بباله معاني لا تأتي خواطر علماء الظاهر إطلاقًا .
لا يعقل أنّ إنسانًا يتَّهم النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّه ذهب إلى بيت زيْد فُتِح الباب لعب الهواء بالرداء الذي خلف الباب ، فبَدَتْ زينَب ، بثياب متبذِّلة ، وقعَت في نفسه ، فقال : سبحانه الله ، فسمعتْه ، فقالت لِزيْد : هذا كيف يكتب هذا الكلام في تفسيره ؟! كيف يليق بنا أن نقرأه عن رسول الله ؟ الذي قال الله تعالى بحقّه :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ سورة القلم ]
أما علماء الظاهر يقبلون هذا ، معلومات وردتْه ، ورد عن فلان أنّ فلان وفلان أن زيدًا قال كذا وكذا !!! أما الذي يعرف رسول الله لو قُطِّع إرْبًا وإرْبًا لا يقبل هذا ، هو فوق ذلك فالقضيّة قضيّة معرفة وليس قراءة فالعلم في الصدور لا في السطور ، من لم يحصّل هذا العلم عن الرّجال فهو ينتقل من مُحال إلى مُحال .
وشرهًا في أن يسمِّيهِ أبناء الدنيا فاضلاً محقِّقًا عالمًا بالدقائق ، وجزاؤه من الله أن لا ينتفع في الدنيا في قبول الخلق ، بل يتكبّر عليه صفْوُه بِنَوائب الزمان ، ثمّ يرِدُ القيامة مفلسًا متحسِّرًا على ما يشاهده من ربْح العاملين وفوز المقرّبين ، وذلك هو الخسران المبين.
الإنسان يتصوّر الصحابة الكرام ، هل هكذا كانوا ؟! هكذا ضيَّعوا أوقاتهم كأن الإمام الغزالي يحضّنا على أن نكون مقلّدين لصحابة الكرام ، في جديَّتهم ، وفي فهمهم لِجَوهر الدِّين وفي تعلّقهم بِعَظائم الأمور ، وتركهم سفاسفها ، وفي تطبيقهم لما يسمعون ، وفي اتِّجاههم إلى الله عز وجل وفي إخلاصهم، وفي العزوف عن الدنيا ، وفي العزوف عن ابتغاء الدنيا بالدّين ، على كلّ خِبْرة من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة ، ابتغوا الدنيا عن طريق الدنيا ، تريد مالاً اتَّجِر ، اعْمِل مزرعةً ، ابْحث وادرس ، وخذْ شهادات عليا ، إن كنت تريد الدنيا أما إن كنت تريد الآخرة فلها طريقها الخاص ، أما أن تبتغي الدنيا عن طريق الدين فأغلب الظنّ أنّ الله سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك ، لذلك هذا الذي يبتغي الدنيا بالدّين يضلّه الله في الدنيا قبل الآخرة ، كي يبْعِدَ الناس أن يتَّخِذوه قدوةً .
ولقد كان الحسن البصري رضي الله عنه أشبهَ كلامًا بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأقربهم هديًا من الصحابة رضي الله عنهم ، واتَّفَقَت الكلمة في حقّه على ذلك ، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب ، وفساد الأعمال ، ووساوس النّفوس ، والصفات الخفيّة الغامضة من شهوات النفس وقد قيل : يا أبا سعيد إنَّك تتكلَّم بِكَلامٍ لا يُسْمعُ من غيرك ، كلامك يجعل بالقلب سرورًا ، ويجعل القلب يذلّ ، من أين هذا الكلام ؟ ومن أين أخذْته ؟ فقال : من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، وقيل لِحُذَيفة نراك تتكلّم بِكَلامٍ لا يُسمعُ من غيرك ، فمن أين أخذته ؟ فقال : من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، لقد خصَّني به رسول الله صلى الله عليه وسلّم ! قال : كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن أقع فيه وعلمت أنّ الخير لا يسبقني علمه ، كنت أسأله عن الشرّ مخافة ان أقع فيه وقال مرَّة : فعلمْت أنَّ من لا يعرف الشرّ لا يعرف الخير ، فالصلاة معروفة أنّها خير ، والصدقة ووالعمل الصالح ، ولكن لمَّا تجلس في بيت فيه امرأة أجنبيّة ؛ هذا شرّ خطير جدًّا ، هذه الزوجة أجنبيّة ، تُشْتهى من قبل الإخوة ، يحصل فساد عريض ، هذه كلّها أبواب الشيطان ، يكون بيتك غير شرعي ، وهناك اختلاط بِحَياتك ، وعناء كسب حرام بحياتك ، لذا يجب أن تعرف أبواب الشرّ كلّها ، من أين تقع المعصية ؟ من هنا أغلق الباب ، ومن هنا أغلق الباب ، فإذا غلقْت جميع الأبواب ترقى إلى الله عز وجل ، ولكنّ الناس ماذا يحصل لهم ؟ يقولون : الخير نعرفه !! طبعًا الصلاة خير ، والحجّ خير ، والعمرة خير والصيام خير ، والصدقة خير والزكاة خير ، أما أنَّه ينسى أنَّ الاختلاط شرّ كبير جدًّا ، يفسد الإنسان والغيبة والنميمة ، هذه تقطعك عن الله عز وجل ، كسب الحرام ، تقول : أنا اشتريْت ربْع هذا البيت ، وأنا الآن آخذ أجرته ، ولكن اشترطت أن آخذ نفس المبلغ من دون زيادة ولا نقصان ، هذا ربا ! لا بدّ أن تعرف من أين يأتي الربا ، وأنواعها ، هناك ربا ظاهر ، وربا خفيّ كلّ قرْض جرَّ نفعًا فهو ربا ، إذا الواحد أقرض الآخر ، وأعطاه رهنًا مقابله ، واستعمل ذاك الرهن ؛ هذا ربا .
وفي لفظ آخر ؛ كانوا يقولون يا رسول : ما لمن عمل كذا وكذا ؟ يسألونه عن فضائل الأعمال ، وكنت أقول : يا رسول الله ، ما يفسد كذا وكذا ؟ فلمَّا رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم .
وكان حذيفة رضي الله عنه أيضًا قد خُصَّ بعلم المنافقين ، وهو علم خطير وأُفْرِدَ بِمَعرفة علم النفاق وأشخاصه ، فقد سأله عمر ، وهو صادق ، فقال : لا ، والله ولا أزكِّي بعدك أحدًا ! تصوّر سيّدنا عمر كان قلقًا ، علامة المتفوٌ القلق ، لأنَّه امتحان مخيف ، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم يسألونه عن الفتن العامّة والخاصّة ، وكان يُسأل عن المنافقين فيخبر بعدد من بقي منهم ؛ بقي ثلاثون ولكن مَن هم ؟ يقول : لا أدري ! كان يعيّن عددهم ، ولا يعيّن أسماءهم .
وكان عمر رضي الله عنه يسأله عن نفسه ؛ هل يعلم فيه شيئًا من النّفاق فبرَّأهُ من ذلك وكان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى جنازة لِيُصلِّي عليها نظر ؛ إن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك ، لأنَّ النبي الكريم مأمور أن لا يصلّي على المنافقين ، لأنّ حذيفة يعرف المنافقين .
وكان يسمَّى حذيفة صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة ، لأنَّ القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى ، وقد صار هذا الفنّ غريبًا مندرسًا ، قالوا كلمة : إذا علِمَ الثقيل أنَّه ثقيل فليس بِثَقيل لأنّ من علامات الإنسان أنَّه ثقيل لا يعلم أنَّه ثقيل ! كذلك من خشي على نفسه النفاق فهو مؤمن من علامة الإيمان أنَّه يخشى النفاق ، أما المنافق الحقيقي لا يخشى النفاق ، منافق ولا يحسّ أنَّه منافق .
وقد قال بعض الشعراء :

الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم فهم على مهَل يمسون قصَّاد
والناس في غفلة عمّا يُراد بهم فجُلّهم عن سبيل الحق رقَّادُ
ملخَّص الكلام ، أنَّه على علماء القلوب ، وعلماء الآخرة أن يُعْنَوا لتطهير قلوبهم ومجاهدة أنفسهم ، والتَّقرّب إلى ربّهم بالطاعات ، والأعمال الصالحة ، وأن يستفيدوا من كلّ دقيقة في حياتهم .
لو أنّ إنسان عنده بيت مكوَّن من خمسة غرف وصالون ، وفيه من كلّ شيء ، وقيل له : عليك أن تغادر هذا المنزل إلى لا رجْعة ، واملأ هذه السيارة فقط ، ما الذي سيَضَعه في السارة ؟ أثمن شيء ، وأقلّ حجم ، هل يعقل أن يضع فيه صوفايا ؟! غير معقول ، يضع الأشياء الخفيفة الثمينة لأنَّه ليس معه إلا هذه السيارة ، كذلك المؤمن يصطفي ، فليس كلّ كتاب يقرؤه ولا كلّ صاحب يُجالسُه ، وليس كلّ نزهة يذهب إليها ، هذه فيها ذكر الله ، وتلك فيها معصية الله إذا استطعت أن أذكِّر بالله أذهب ، وهذا الكتاب قصّة لا فائدة منها لا أقرؤه ، علاقات غير شرعيّة وانتَهَت بِمَأساة كلّه كلام فارغ ، ومن أجمل كلمة سمعتها من أديب أنّ هذه القصّة تشبه حلّة فيها معقلة عسل ، فمن أجل أن تدخل هذه الملعقة إلى جوفنا علينا أن نشرب كلّ هذا الماء آثن !! كذلك أنت من أجل أن تأخذ المغزى ، وهو كمِلْعقة العسل لا بدّ أن تشرب كلّه هذه الحلّة ، وإنَّ الله يحبّ معالي الأمور ، ويكرهُ سفسافها ودنيَّها ، يقول لك : قصّة واقعيَّة ‍! ما معنى واقعيَّة ؟ تصف انحطاط الناس ، ولؤم النَّفس ، والإنسان يقرأ القصّة الواقعيّة ويشعر بانقباض نفسي لأنَّه رأى النفس البشريّة في أدنى انحطاطها ، أما إذا قرأ طريق الصحابة يحس بارتفاع نفسي ، لأنَّه رأى النفس البشريّة في أرقى حالاتها ، فالإنسان لمّا يقرأ عن الأبطال يشتهي أن يكون مثلهم ، ويجعلهم قدوة لهم ، أما إذا قرأ عن المنحطّين فقد يغرونه بالانحطاط ، وقد يجرُّونه إلى مستنقعهم الآثم .
والآن إلى قصّة عن صحابيّ جليل هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لم يمْض غير قليل حتى أسْلم عبد الله بن مسعود ، وعرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليَخدمهُ .
الإنسان أحيانًا إذا جمعه الله مع رسول أو نبيّ ، ولاحظَ أنَّه سعِدَ سعادةً أبديَّة عن طريقه يتمنَّى أن يقدّم له نفسه ، ليس القضيّة قضيّة تصنّع ، ولا فرْض ، ولا واجب ، لكن أنا كلّ سعادتي عن طريق هذا الرجل السعيد وأتمنَّى أن أقدِّم له أثْمنَ شيءٍ عندي ، فكان الصحابة الكرام الفقراء يقدِّمون خدماتهم الجلّى لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومنذ ذلك اليوم انتقل الغلام المحظوظ عبد الله بن مسعود من رعاية الغنم إلى خدمة سيّد الخلق والأمم ، إذا الإنسان أكرمه الله بِخِدمة أهل الخلق ، فهذا شرف رفيه أحسن من خدمة أهل الدنيا للدنيا ، هذه أهداف خسيسة .
لزم عبد الله بن مسعود رسول الله صلوات الله عليه ملازمة الظلّ لِصَاحبه فكان يرافقُه في حلّه وترحاله ، ويصاحب داخل بيته وخارجها ، إذْ كان يوقظه إذا نام ، ويسترهُ إذا اغْتسلَ ويُلبِسُه نعليْه إذا أراد الخروخ ويخلعهما من قدميه إذا همّ بالدخول ، ويحمل له عصاه وسواكهُ وويلج الحجرة بين يديه إذا أوى إلى حجرته ، علّ أن يكون فيها حشرة ، هذا تعبير عن محبَّته لله عز وجل ، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول عليه متى شاء ‍!
رُبِّي عبد الله بن مسعود في بيت رسول الله صلى الله عليه ، فاهْتدى بِهَديِه ، وتخلّق بِشَمائله ، وتابعهُ في كلّ خصلةٍ من خصاله ، حتى قيل عنه إنّه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ هَدْيًا وسَمْتًا ، الهدي يعني الهدى ، وسمتًا أي أخلاقًا ، وتعلَّم بن مسعود في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فكان من أقرأ الصحابة للقرآن ، ومن كان قارئًا للقرآن فهنيئًا له ، وأفقههم لمعانيه ، وأعلمهم بشرْع الله ، كلّها أسماء تفضيل ، ولا أجلّ على ذلك من حكاية ذلك الرجل الذي أقبلَ على عمر بن الخطاب ، وهو واقفٌ بعرفة ، فقال له : جئتُ يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركتُ بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهْر قلبهِ ، فغضِبَ عمر غضبًا قلَّمَا غضبَ غضبًا مثلهُ ، وانتفخَ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل ، وقال : من هو وَيْحَكَ ؟ هذا الذي يملي قد يكون خطأ ، فقال : هو عبد الله بن مسعود ، فما زال عمر ينطفؤُ ، ويسرّ عنه حتى ذهب الغضب عنه ، كلّ هذا الغضب الصاعد حتى بلغ القمّة حينما علم أنّ عبد الله بن مسعود هو الذي يقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ ، ويُمليه على الناس ، تلاشى هذا الغضب حتى عاد إلى حالته الأولى .
ثمَّ قال : وَيْحَكَ والله ما أعلم أنَّه بقي أحد من الناس أحقّ بهذا الأمر منه ! هو وحده الذي له حق أن يفعل ذلك .
وقال عمر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسهر ذات ليلة عند أبي بكر ، ويتفاوضان في أمر المسلمين ، موضوع اجتماعهم أمر المسلمين ، ومساعدتهم ، وكنت معهما ، ثمّ خرج النبي عليه الصلاة والسلام ، وخرجنا معه ، فإذا رجل في المسجد يصلّي لم نتبيَّنهُ ، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام يستمع إليه ، ثمّ قال : من سرّه أن يسمع القرآن رطبًا كما نزل فليقرأهُ على قراءه ابن مسعود ، ثمّ جلس عبد الله بن مسعود يدعو ، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : سَلْ تُعْطَ ، سَلْ تُعْطَ ثمّ أتْبَعَ عمر يقول : والله لأغْدونَّ على عبد الله بن مسعود ، ولأبشرنَّه بِتَأمين النبي عليه الصلاة والسلام ، فغَدَوْتُ عليه فبشَّرْتُهُ ، فوجدْتُ أبا بكر قد سبقني فبشَّرهُ !! الشيء الذي كان يحيِّر عمر رضي الله عنه كلَّما همّ بأمر صالح ، يجد سيّدنا الصدّيق قد سبقهُ ، ووالله ما سابقْت أبا بكر غلى خير قطّ إلا سبقني إليه ! فسيّدنا أبا بكر ، وسيّدنا عمر سمعوا بِشارةً عن عبد الله بن مسعود فذهبوا ليُبَلِّغوهُ ، أما الناس الآن يبلِّغون الأخبار السيّئة هكذا حكى عنك فلان !! فتقع العداوات ، أما الصحابة فكانوا يبلّغون الأخبار الطّيّبة .
ولقد بلغ من علم عبد الله بن مسعود من كتاب الله أنَّه كان يقول : والله الذي لا إله غيره ما نزلَت آيةٌ من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلَتْ وأعلم فيما نزلَت ، ولو أعلم أنّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تنالهُ المطيّ لأتيْتُهُ ، كلّ آية أين نزلت ، وفيما نزلت ، وما معناها ، ولم يكن عبد الله بن مسعود مبالغٌ فيما قاله عن نفسه ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلقى ركبًا في سفر من أسفاره ، والليل مخيّم يحجب الرَّكب بِظَلامه ، وكان في الرَّكب عبد الله بن مسعود ، فأمر عمر رجلا أن يناديه ، ويقول : من أين القوم ؟ فأجابه عبد الله من الفجّ العميق ، فقال عمر : أين تريدون ؟ فقال عبد الله : البيت العتيق ، قفال عمر إنَّ فيهم عالمًا ، وأمر رجلاً فناداهم ، أيّ القرآن أعظم ؟ أيّ آية في القرآن أعظم ؟ فأجابهُ عبد الله :
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[ سورة البقرة ]
فقال السائل : أيّ آي القرآن أحكم ؟ فقال عبد الله بن مسعود :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾
[ سورة النحل ]
فقال عمر نادهم ؟ فقال : أيّ آي القرآن أجمع ؟ فقال عبد الله :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾
[ سورة الزلزلة ]
فقال عمر : نادهم ، وأيّ الآي القرآن أخوف ؟ فقال عبد الله :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾
[ سورة النساء ]
فقال عمر : نادهم ، أيّ آي القرآن أرجى ؟ فقال عبد الله :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
[ سورة الزمر ]
فقال عمر نادهم - الآن كم سؤالاً سألهم ؟ السؤال الأوّل أي آي الله أعظم ؟ وثاني سؤال : أيّ آي الله أحكم ؟ وثالث سؤال : أيّ آي الله أجمع ؟ والرابع : أيّ آي الله أخوف ؟ والخامس : أيّ آي الله أرجى ، السؤال السابع من يتوقَّعْهُ ؟ أعظم وأخوف وأرجى وأجمع وأحكم قال : نادهم أفيكم عبد الله بن مسعود ؟ فقالوا : نعم !
ولم يكن عبد الله بن مسعود قارئًا عالمًا زاهدًا عابدًا فحَسْب ، وإنَما كان مع ذلك قويًّا حازمًا مجاهدًا مقدامًا إذا جدّ الجدّ ، دائمًا العلماء الكبار يجمعون الشجاعة مع العلم ، وكان يُرَى ضعيفًا مستضعفًا ، فإذا جدَّ الجدّ فهو اللّثي عاديًا ، وكان أكثر دهره صامتًا فإذا تكلَّم هزّ القائلين فحسْبهُ أنَّه أوَّل مسلم على ظهر الأرض ظهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقد اجْتمعَ يومٌ أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام بمكَّة وكانوا قلَّة مستضعفين فقالوا : والله ما سمعَت قريشٌ هذا القرآن يجْهر لها به قطّ ، فمن رجلٌ يسْمعهم إيَّاه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا أسمعهم إيَّاه ! تصوَّر أحدهم يقرأ القرآن في ذلك الوقت ؛ حياته في خطر ، فقالوا : إنَّا نخشاهم عليك ، إنَّنا نريد رجلاً له عشيرةٌ تحميه ، وتمنعهم منهم إذا أرادوه بِشَرّ ، فقال : دعوني إنّ الله سيمنعني ويَحْميني ، ثمّ غدا إلى المسجد حتى اتى مقام إبراهيم في الضحى ، وقريشٌ جلوسٌ حول الكعبة ، الله إذا أكرم أحدكم بزيارة هذه الأماكن المقدَّسة هذه الكعبة ، هناك كانت أصنام وهنا حدثت المعارضات ، وهنا حدث الصّلح ، وهنا حمل النبي عليه الصلاة والسلام الحجر الأسوَد هذه كلّها أماكن ، والإنسان لو استعرض التاريخ لاقْشعرَّ بدنه ، لأنَّ هذا المكان مقدَّس .
وقريش جلوس حول الكعبة ، فوقف عند المقام ، وقرأ : الرحمن علّم القرآن خلق الإنسان ، ومضى يقرؤُها ، فتأمَّلتْه قريش ، فقالَت قريش ماذا قال عبد الله ؟ تبًّا له ، إنَّه يتلو بعض ما جاء به محمَّد ، وقاموا إليه وجعلوا يضربونه ، وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله له أن يبلغ ، ثمّ انصرف إلى أصحابه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليه ، فقال : والله ما كان أعداء الله أهْونُ في عيني منهم الآن ، وإنِّي إن شئتم لأعود لِمِثلها !
عاش عبد الله بن مسعود إلى زمن خلافة عثمان رضي الله عنه ، فلمَّا مرض مرض الموت جاءهُ عثمانُ عائدًا فقال له : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي فقال : ما تشتهي ؟ قال رحمة ربّي قال : ألا آمر لك بِعَطائك الذي امتنعتَ عنه منذ سنين ؟ قال : لا حاجة لي به ، فقال : يكون لِبَناتك من بعدك ، فقال : أتخشى على بناتي الفقر ؟ إنِّي أمرتهنّ أن يقرأن كلّ ليلة سورة الواقعة ! وإنِّي سمعتُ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا .
لي تعليق حول هذا الحديث بعد الأذان ، وهو أنّ قوله صلى الله عليه وسلّم من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا ! هناك أشخاص يظنون أنّ هذه السورة للفقر !! وهذه السورة لهذه المشكلة ، وهذه السورة لهذا المرض وهذه السورة لوَجَع الرأس ، أعتقد أنّ هذا الفهم خاطىء في كتاب الله ، إلا أنَّه خطر ببالي مثلٌ الآن ، لو قلت لأحدهم : ضع البنزين في السيارة تتحرَّك ، إذا كان هناك محرّك طبعًا ، فليس أيّ بنزين يوضع في السيارة تمسي به تلك السيارة إذا كان هناك محرّك ، وكلّ الأمور منتظمة ، هنا تمشي ، فإذا الإنسان قرأ الواقعة وكان مؤمنًا وعرف أنّ الأمور بيد الله كلّها ، وعرف أنّ الناس بالنهاية من أصحاب اليمين ، ومن أصحاب الشمال ، والسابقين السابقين ، وشمّر حتى يكون مع السابقين السابقين وطهَّر نفسه ، فالله عز وجل لا داعي أن يفقرهُ ، فليس المقصود أن يقرأ الواقعة فقط يصبحُ غنيًّا !! قرأها وفهمها وتمثَّلها ، وطبَّق ما فيها ، فالفقر علاج ، دوام مرّ ، فلمّا الإنسان يطهر بهذه السورة كأنّ الفقر لم يعُدْ له معنى بِحَياته ، وهذا هو المعنى العميق ، ضعْ البنزين وامْش ، هذا شرط وجود المحرّك وانضباط كلّ الأمور ، وتعمل بانتظام ، أما لو وضع البنزين والمحرّك لا يوجد ، لن تمشي فالنبي الكريم ما قصد أنَّه من قرأ الواقعة حُلّت مشاكله ، لو كان الأمر كذلك لكان الأمر سهلاً تأتي مشكلة فنقرأ الواقعة ؛ حينها تنحل المشكلة !! حينها لن تجد بيتًا لا يحفظها ! عليه دَين يقرأ الواقعة !! فالنبي الكريم يقول كلامًا له معنى عميق ، إذا قرأت الواقعة ، وفهمتها ، وأنّ هناك مسؤوليّة كبيرة ، وأنّ الناس لهم مصائب ثلاثة ، وأنَّك إذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، واتَّعَظت بها ، وطبَّقت ما فيها عندئذٍ رفعَت عنك العلاجات ، هذا المقصود من قول النبي عليه الصلاة والسلام .
كلمة قصيرة حول أخٍ كريم أراد أن يبيّن لنا وأما بنعمة ربّك فحدّث ، سمع تفسير هذه السورة في جامه الحاجبيّة ، وقلتُ أنا وقتها أنّ الذي تُصيبهُ حالات نفسيّة طيّبة ، إذا ذكرها لإخوانه الخلَّص هذا ليس من الفخر ، ولكن من نوع التحدّث بِنِعمة الله .
فالرجل هذا دُعِيَ إلى نزهة فيما يقول ، في ضواحي دمشق ، وقد عرف أنّها ليْسَت من مستواه ، ولا يبدو منها رضاء الله عز وجل ، ويبدو أنّ هؤلاء الذين ذهبوا إلى النزهة سيّؤون وحديثهم ليس في مستواه ، فاعتذر منهم ، ورجع ، ولمَّا ذهب إلى البيت ، ونام رأى نفسه في المنام أنّ له قصْرًا كبيرًا جدًّا ، مطلاًّ على وِديان خضراء ، وروادي رائعة ، وأنَّه سعيد جدًّا في هذا القصر ، وأنّ الله سبحانه وتعالى كأنَّه أكرمه بهذه الرؤيا وجعلها تعويضًا له عن هذه النزهة التي لا ترضي الله عز وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : من ترك شيئًا لله عوّضه الله ‍!
دائمًا الشرع أحقّ أن يُتَّبَعَ ؛ شابّ خطبَ فتاةً منذ سنة وثلاثة أشهر ، عُقِدَ عقْدٌ غير رسمي أمام شيخ ومحامي ، وحصلَت خلافات ، المُسبِّب بها الطرفان ، أدَّت أن يطلب الشاب أن تأتي إليه إن كانت تريده ، فكرِهَتْهُ الفتاة ، هل يجب أن يرمي منها الطلاق ؟ هل تجب العِدَّة على الفتاة ؟ هل يحقّ للفتاة شيء من المهر مأجلّ أو المعجّل ؟ هل يحقّ شيء للفتاة من المصاغ ؟ طبعًا العقد الشرعي يجب أن يكون في المحكمة ، وعقد رسمي لأنّ العقد الشرعي لا يستطيع الزوج أن ينكرهُ ، لكن هذا العقد إذا ما اعترف به الزوج ينكره ، وإذا دعي لِحَلف اليمين قد يحلف اليمين لأنّه لا توجد وثيقة ، فالقضيّة فيها مخالفة ، ولا ندخل بالتفصيلات ، ولكن الإنسان لا يتورَّط بِعَقد زواج غير شرعي ، لأنّ هذا العقد فيه خطورة على الحقوق فالبنت أصبحت مخطوبة ومتزوِّجة ، أو لو حصلَت خلوة بينه وبينها لأصبحت زوجته ، فإذا لم يعترف هنا الطامة الكبرى فالإنسان لا يتسرّع فأحيانًا يأتيك خاطب مقبول ، فيقول له : نريد كتاب خارجي ! لماذا خارجي ؟ إذا كنت أنت واثقًا من نفسك ، فالكتاب الرسمي دليل حسن نيّتك إذا لا يوجد مانع يمنع عقد القران لا بدّ أن يكون القران في المحكمة أو القرار الرسمي ، الذي يسجّل في السجلات القضائيّة ، وإلا هذه العقوبة الخارجيّة لها مضاعفات ، فإذا ما اعترف الزوج مشكلة ، وإذا ما شهد الشهود مشكلة وإذا حلفوا اليمين ، وإن حصلت الخلوة مشكلة ، والطلاق مشكلة ، والعدّة مشكلة ، كلّها مشكلات فالإنسان يتّقي الله عز وجل ويطبّق الشرع فهو أرْيَحُ له ، وأضْمن لسعادته .

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:04 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 19: آداب الكسب والمعاش .... آداب التعامل في الأسواق
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-02-09
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... في الدرس الماضي بيَّنت لكم بعض فقرات من آداب الكسب والمعاش للإمام أبي حامد الغزالي، وكيف أن التاجر يجب أن يبدأ تجارته بنوايا طيِّبة، من هذه النوايا أن يقصد الكَفَّ عن السؤال، عن سؤال الناس، من هذه النوايا أن يكفَّ عن التطلٌّع لما عند الناس، من هذه النوايا أن يقصد خدمة المسلمين، من هذه النوايا أن يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يبني علاقاته مع الناس على الإحسان وعلى العدل، وأن يذكر الله سبحانه وتعالى في تجارته، إذا فعل ذلك كانت هذه التجارة جُزءاً من عمله الصالح.
وصلنا إلى البند الثالث وهو أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، شيءٌ مهم جداً في عليه إقبال شديد، في عليه ضغط، بضاعته رائجة، محلِّه في مكان حسَّاس، انشغاله في البيع والشراء، أو انشغاله في المكاسب الدنيويَّة أخَّرته عن المكاسب الأخرويَّة، إذا فعل ذلك فقد وقع في فخِّ الشيطان..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)﴾
( سورة المنافقون )
فأن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، للآخرة سوق وللدنيا سوق، وأسواق الآخرة المساجد، المساجد أسواق الآخرة، بها تتعرَّف إلى الله سبحانه وتعالى، وبها يزداد علمك، وتزداد رؤيتك وضوحاً، ويزداد قربك، لذلك من علامات المؤمن أنه لا تشغله الدنيا عن الآخرة ربنا عزَّ وجل قال:

﴿رِجَالٌ﴾
( سورة النور: من آية " 37 " )
كلمة رجالٌ لا تعني ذكر بل تعني بطل، ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى، ولا صلَّيت صلاةً فشغلّت نفسي بغيرها حتَّى أقضيها، ولا سرت في جنازةٍ فحدَّثت نفسي بغير ما تقول حتَّى انصرف منها
ربنا عزَّ وجل قال:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾
لا تلهيهم، للتجارة وقتٌ وللعبادة وقتٌ، وإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل..

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾
( سورة النور: من آية " 36 " )
يقول الإمام الغزالي: ينبغي أن يجعل الرجلُ أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته.. الفترة الأولى صباحاً هذه للآخرة.. فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد. وكان عمر رضي الله عنه يقول للتجَّار:
((اجعلوا أوَّل نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم ))
وكان صالحوا السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة، أوله وآخره للآخرة، وما بين الأول والآخر للدنيا وفي الخبر أن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذِكْر الله كفَّر الله عنه ما بينهما، أول النهار وآخره فيه ذِكْرُ الله كفَّر الله عنه ما بينهما..

((يا ابن آدم لا تعجز عن ركعتين أول النهار أكفِك النهار كلَّه))
أنت في النهار كلُّه في حفظ الله، أنت في ذمَّة الله، أنت تحت مظلَّة الله، أنت في توفيق الله ما دمت قد بدأت نهارك بذِكْرِ الله.
ثم مهما سمع الآذان في وسط النهار للأولى والعصر، للظهر والعصر فينبغي أن لا يعرج على شغلٍ وينزع عن مكانه ويدع كل ما كان فيه، فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت، وهذه التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا وما فيها، هكذا قال أحد التابعين: مضى عليه أربعون عاماً ما فاتته التكبيرة الأولى في المسجد مع الإمام..

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ﴾
( سورة النور: من آية " 37 " )
وكان السلف الصالح يبتدرون عند الآذان، ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمَّة، وقت الصلاة السوق فارغ، لا أحد في متجره، وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات، إنهم كانوا حدَّادين وخزَّازين، وكان أحدهم إذا رفع المطرقة وأذَّن المؤذِّن لا يهوي بها، وإذا أدخل الإبرة في الثوب وأذَّن المؤذِّن لا يخرجُها، هكذا كان السلف الصالح. هذه من باب التأكيد عن أن لا يتلهَّى الإنسان بالدنيا عن الآخرة.
الشيء الرابع: أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذِكر الله سبحانه وتعالى في السوق، فإذا الإنسان كان في السوق في محلِّه التجاري، في عمله، في وظيفته وذكر الله عزَّ وجل، ذكر آية لشخص، شرح له حديث، ذكر نعمة الله سبحانه وتعالى، قال: سبحان الله، سمع قصَّة فيها موعظة قال: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، فالإنسان ما دام وهو في مكان عمله يجب أن يذكر الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾
( سورة المعارج )
كيف يدوم على صلاته ؟ في خمس صلوات، هذه الآية حُمِلَت على أن قلبهم ملتفتٌ إلى الله سبحانه وتعالى طوال نهارهم، فهذا المؤمن وهو في السوق يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى.
بالمناسبة: أوسع عبادة كلمة ذِكْرُ الله، فإذا ذكرت آيةً كونيَّةً فقد ذكرت الله، إذا ذكرت آيةٌ قرآنيَّةً فقد ذكرت الله، إذا ذكرت حديثاً شريفاً فقد ذكرت الله، إذا ذكرت حكماً فقهياً فقد ذكرت الله، إذا ذكرت دقَّة خلق يدك فقد ذكرت الله، إذا أمرت بالمعروف فقد ذكرت الله، إذا نهيت عن المنكر فقد ذكرت الله، إذا رويت قصَّةً فيها موعظةٌ فقد ذكرت الله، إذا ذكرت نعمةً فقد ذكرت الله، إذا قلت: الحمد لله الأمطار بدأت تنهمر، هذا ذكر لله، إذا قلت: الله سبحانه وتعالى وفَّقني إلى كذا وكذا ذكرت الله..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾
( سورة الأحزاب )
(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( ذاكر اللهِ في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين وكالحي بين الأموات ))
فأحياناً تجد تجَّار في السوق حديثهم فقط متعلِّق بحرفتهم، بمصلحتهم، بالأسعار، فلان ربح، فلان باع، فلان خسر، فلان حمل حمل فوق طاقته، فلان نفض من حمله، فلان جاء عنده موظَّفين التموين، فلان سلَّم محلَّه، فلان اشترى محل، هذا حديث التجَّار، أما حديث النساء فلانة تزوجت، فلانة تطلقت، فلانة اشترت بيت، فلانة طلَّقها زوجها، فلانة في خصومة وحردانة، حرَّدها، جاءها ولد متوفي، هذا كلَّه حديث النساء، أما المؤمن هذه كلُّها سفاسف.

(( إن الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيَّها ))
كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله وما والاه، الصامت في سلام، والمتكلِّم إمَّا له أوعليه، فهذا اللسان فيه بابٌ كبير للعمل الصالح وللعمل السيِّء..

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾
( سورة إبراهيم )
يمكن تشرح آية لأخ، صديق، جار، يتأثَّر فيها، على شهر شهرين ثلاثة كلَّما التقيت معه حدِّثه شيء عن آيات الله، شيء عن آيات القرآن الكريم، شيء عن الصحابة، شيء عن رسول الله، وبعد هذا حمله الشوق أن يقول لك: أين تذهب أنت ؟ دلَّني على شيخك، خذني معك إلى مجلس العلم، تأتي به إلى مجلس العلم، ما هي إلا أشهر حتَّى يصبح من المؤمنين الصادقين الصالحين، هذا إنسان، الآن تزوج امرأة مؤمنة أنجب أولاداً طاهرين، ساهم في هداية إخوته وأخواته، وجيرانه، أنت في زمانك تكلمت بكلمة، الله سبحانه وتعالى يطلعك على نتائجها يوم القيامة فإذا أمَّةٌ قد اهتدت بهذه الكلمة، يوم القيامة أمَّة..

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ﴾
معنى أصلها ثابتٌ أي أنها مبنيَّةٌ على حقائق وليس على أباطيل، مبنيَّة على وقائع لا على أوهام مبنية على مبادئ ثابتة لا على نظريات متبدِّلة، الباطل من صفاته أنه زاهق..

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء )
الحق من صفاته أنه ثابت، الحق هو هو لا يتبدَّل ولا يتغيَّر، فالحق كالسحاب يسير في السماء، وما ضرَّ السحاب نبح الكلاب، الذين يشغبون على الحق كنبح الكلاب والسحاب سحاب وهو هو في عليائه، وهو هو في حركته وفي تقدُّمه، لا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجه الحق لأن الله هو الحق، هو الحق المبين.
واحد قال للثاني قد رآه يصلي، قال له: لمن تصلي ؟ ألا تكف عن ذلك، هل أنت متأكد ومصدِّق أنه هناك إله موجود ؟ هذا المصلي عابد وليس عارف لم يستطع أن يرد عليه، قال له: شكيتك إلى الله، فقال له: إذا الله موجود فأنا أتحدَّاه، وإذا كان موجود يثبت وجوده، فما مضى ساعة حتى فقد هذا المتكلِّم بصره، الله أثبت له وجوده وأعطاه مهلة أن يتوب، المؤمن مسددٌ رشيد، مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والسميع والبصير هل يستويان ؟ أعمى وأصم، سميع وبصير، المؤمن سميع وبصير، الكافر أعمى وأصم، وقال عليه الصلاة والسلام:

((ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء بين الهشيم ))
حشائش يابسة وشجرة نضرة وارفة الظلال متألِّقة، صدقاً أحياناً تصافح مؤمن تشعر أنه كتلة حياة، كتلة وفاء، كتلة إخلاص، كتلة اندفاع، كتلة محبَّة لله عزَّ وجل، جاهز بالعمل الصالح، جاهز للنصيحة وخدمة الناس، في عنده غنى بقلبه، لو لم يكن في يديه إلا دُرَيْهِمَات لملأ الناس غناً، إن الغنى غنى النفس، عنده توكُّل.. قال الإمام الشافعي:
((لو أن السماء من نحاس، والأرض من رصاص، وأهل مِصْرَ كلُّهم عيالي ما شكوت همَّأ لأحداً، لأن الله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين))
وقال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ ))
( سنن الترمذي: عن " عمر بن الخطاب " )
لا إله إلا الله أي لا رازق إلا الله، لا ينبغي أن تحلف كذباً، لا ينبغي أن تُدَلِّس، لا ينبغي أن تَغُش، لا ينبغي أن تكتم عيباً، لا ينبغي أن لا تنصح المسلمين، لا إله إلا الله، لا رازق إلا الله.
وقال الحسن رضي الله عنه:
((ذاكر الله في السوق يجئ يوم القيامة له ضوءٌ كضوء القمر، وبرهانٌ كبرهان الشمس، ومن استغفر الله في السوق غفر له بعدد أهله))
إذا كان محلِّه في مكان مزدحم له مغفرة كبيرة.
سيدنا عمر كان إذا دخل السوق قال: ((اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفسوق، ومن شرِّ ما أحاطت به السوقُ، اللهمَّ إني أعوذ بك يمينٍ فاجرة وصفقةٍ خاسرة )). إذا واحد غير موفَّق الله سبحانه وتعالى يريه أن هذه البضاعة ممتازة، وسوف يربح منها أرباحاً طائلة، فإذا اشتراها نفر الناس منها، وبقيت في مستودعه لا تباع ولا تشترى، عندئذٍ ربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
( سورة التوبة: من آية " 24 " )
فأصعب شيءٍ في حياة التاجر أن يدخل إلى دكَّانه أو إلى مستودعه فيرى البضاعة قد مضى عليها سنوات ولا يسأله عنها أحد..

﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾
المؤمن الله عزَّ وجل يلهمه البضاعة الرائجة، والبضاعة غير الرائجة يصرفها عنه، ما في هنا ذكاء بينهما، تجد تاجر عريق بالتجارة له أربعين سنة بالتجارة يشتري صفقة فيفلِّس منها فسيدنا عمر كان يقول:
(( اللهمَّ إني أعوذ بك من أن أصيب يميناً فاجرة أو صفقةً خاسرة ))
قال: كنَّا يوماً عند الجُنَيْد رضي الله عنه، فجرى ذكر أناسٍ يجلسون في المساجد يتشبَّهون بالصوفيَّة، ويُقَصِّرون عما يجب عليهم من حقِّ الجلوس، ويعيبون من دخل السوق.. جالس في المسجد لأنه ولي، هذا الذي ذاهب إلى السوق محب للدنيا، هكذا يقولون.. سمع ذلك الجنيد رضي الله عنه فقال:
(( كم من هو في السوق حُكْمُهُ أن يدخل المسجد ويأخذ بأذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه، وإني لأعرف رجلاً يدخل السوق ورده كل يومٍ ثلاث مئة ))
أي له أوراد، وله أحوال، وله مواجد، وله حالات قرب، فما كل من دخل السوق يسمَّى محبَّاً للدنيا، إذا كانت نواياه السبعة أن يكفُّ عن السؤال، أن يكفي أهله، أن يكفّ عن التطلُّع لما عند الناس، أن يستعين بالمال على أمر دينه، أن يذكر الله في السوق، أن يتعامل مع الناس بالعدل والإحسان، أن يأمر بالمعروف، أن ينهى عن المنكر، أن يخدم المسلمين، هذه هي النوايا على ما أظن سبعة أو ثمانية، إذا كانت هذه نواياه من دخول السوق فأنعم وأكرم، وربَّما سبق العُبَّاد لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( التاجر الصدوق مع النبيين والصديقيين يوم القيامة وقليلٌ ما هم ))
أنا أقول لكم هذا الكلام: التاجر الذي يخشى الله سبحانه وتعالى، يخشى الله ولا يخشى أحداً إلا الله، عنده هذه البضاعة تسوى عشرة ربحه فيها ليرتين صارت اثني عشر، جاءه شخص بحاجة ماسَّة لها، لو طلب خمسين سيدفع له ثمنها، قال له: اثني عشر، هذا التاجر لا يمكن يخوِّفه الله من جهة ثانية، لا يمكن يخوِّفه الله عزَّ وجل من جهة أرضيَّة، تجده لا يخاف أما إذا جاءه شخص بحاجة فاستغلَّ حاجته أبشع استغلال وضاعف السعر، تاني يوم له حساب يأتي له شخص يجعله يرجف، طبعاً أنت لم تخف الله عزَّ وجل بينك وبينه فخوَّفك من عباده من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.
قال لي واحد: أنا أرجف رجف ما هذه الحياة ؟ عند جاري أتوا الموظفين وأنا كلي أرجف والله أنا لم أفعل شيء، وكلها بضاعتي، قلت له: عند الله حساب جاري، يجمع الله البيت والمحل، البيت هل فيه معاصي ؟ فسكت، من وإلى، في البيت يوجد حساب وهنا يوجد حساب هو مظبوط البضاعة صحيحة، وسعرها قانوني ووفق الأصول، لكن الله عنده حساب في البيت عنده، فإذا لم يكن في البيت غلط وهنا ما في غلط لا تخاف..

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
( سورة النساء: من آية " 147 " )
هو عندما كان فيه خشية من الله عزَّ وجل ما كان في شيء، عندما فجروا الناس، سأقول لكم كلمات: هو المؤمن إذا قرأ كلام الله عزَّ وجل يأخذه مأخذاً جديَّاً، ربنا عزَّ وجل قال: ولن هذه لن لنفي المستقبل، أداة التحدي..

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
( سورة النساء )
هذا كلام رب، خالق الكون، أنت كن مع الله وانظر، كن مع الله ترى الله معك، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟! ما معك أحد، يخيفك من أحقر خلقه، وإذا كنت معه خافك كل شيء.
هكذا كانت تجارة السلف الصالح، يتَّجرون لطلب الكفاية لا للتنعُّم في الدنيا، فإن من طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يخزيه الله سبحانه وتعالى ؟ طلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة.
الآن البند الخامس: فيما يدعو لشفقة التاجر على دينه وهو في السوق أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، وذلك بأن يكون أول داخلٍ وآخر خارجٍ، الآن من نعم الله أنه يوجد تحديد للدوام، لكن قبل التحديد تجد السوق للساعة الحادية عشر، الثانية عشر، والنساء في البيت وحدهن، كل زوجة لها حق، لا يجعل واحد يتأخَّر عنه، آخر واحد يظل بالسوق، أول واحد يفتح، قال هذا مكروه، عن عمرو بن العاصي يقول:
(( لا تكن أول داخلٍ في السوق ولا آخر خارجٍ منها، فإن بها باض الشيطان وفرَّخ))
الذي يدخل أول واحد ويطلع آخر واحد.
وروي عن معاذ بن جبل وعن عبد الله بن عمر:

((أن إبليس يقول لزبانيَّته: سر بكفائدك تأتي أصحاب الأسواق زيِّن لهم الكذبَ والحَلْفَ والخديعة والمكر والخيانة، وكن مع أول داخلٍ وآخر خارجٍ ))
وفي الخبر:

(( شرُّ البقاع الأسواق، وشرُّ أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً ))
البند السادس: أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشُبُهات، في عندنا حرام وعندنا شبهات، إذا الإنسان ترك الحرام لابأس به، لكن هناك شيءٌ آخر وهو ترك الشبهات، ومظان الريب، ولا ينظر إلى الفتاوى، يا أخي توجد فتوى أن البيع ولو مع دين معلش، فلان وفلان أنت أفهم منه ؟ لا، لست أفهم منه، قال المؤمن الصادق لا يقبل الفتاوى التي نُقِلَت إليه التي فيها إباحة لبعض المنهيات، فأنا كلَّما سألني إنسان شيء أقول له: تريد الفتوى أم التقوى ؟ الفتوى موجودة، أي معصية لها فتوى، واحد ضاع له خمسين ليرة ذهب، فدعا الله: يا رب أدعو أن لا يجدها واحد شيخ، قال له: لماذا ؟ قال له سيقول فتوى ويأخذها، فتوى موجودة أما التقوى هذه غير سهلة، فأي معصية تريد أن تقترفها توجد لها فتوى، لكن إذا كنت تريد التقوى تريد مرضاة الله استفتي قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك.
قال لي رجل: إذا الإنسان باع بالتقسيط ورفع الثمن لا شيء عليه، قلت له: كيف ذلك ؟ قال: أتريد أن يأخذ الثمن متأخِّراً بلا فائدة ؟ قلت: حينما يبيع الشيء لأجل يكتبه ديناً، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا، ولا بيع بعقدين، ومن باع بعقدين فله أوكسهما أو يكون الربا، قال: لا بشرط أن لا تبيع نقداً أو تقسيطاً، إذا بعت تقسيطاً فقط، يجوز أن تبيع بالتقسيط وبسعر مرتفع قلت له: محلان تجاريان إلى جانب بعضهما بعضاً يبيعان أدوات كهربائيَّة، البضاعة واحدة الأول يبيع نقداً والثاني يبيع تقسيطاً، حسب رأي هذا الإنسان العمل شرعي، هذا يبيع تقسط فقط هذا البرَّاد ثمنه ألف ومئتين لستة أشهر، كل شهر مئتين ليرة، المحل الثاني يبيع البرَّاد بألف ليرة نقداً، حسب توجيه هذا الرجل البيع في الحالتين شرعي، قلت له:
لو جاء إنسان إلى الذي يبيع تقسيطاً وأخذ ثلاجةً، وسُجِّل في الدفتر ديناً لستة أشهر على أن يُسدَّد كل شهرين مئتا ليرة، إنسان آخر ذهب إلى البنك، واستقرض ألف ليرة بفائدة مئتين لستة أشهر، وذهب إلى المحل الثاني الذي يبيع نقداً واشترى هذه الثلاجة، أي فرقٍ بين الرجلين ؟ أبداً لا فرق بينهما إطلاقاً، إلا أن الثاني ذهب إلى المصرف وأخذ الألف بفائدة، ودفع الألف للبائع الذي يبيع نقداً، وسجَّل المصرف عليه مئتي ليرة لستَّة أشهر، الأول دفع الزيادة لصاحب المَتْجَر فبقي شخص يقول لك: توجد فتوى، أنا سمعت فتوى من رجل له مكانته وعالِم جليل فانتهى الأمر، لكن ما هو دليله على شرعية هذا العمل ؟ لأنه إذا سيق الإنسان للحساب يجب أن ييبيِّن له الدليل، النبي الكريم قال:

(( كل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا )).. ((لا بيع بعقدين فمن باع بعقدين فله أوكسهما أو يكون الربا ))
الإمام الغزالي يقول:
((أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات ومظان الرِيَب، ولا ينظر إلى الفتاوى))
مرَّة واحد أحضر لي فتوى وقال لي: تفضل هذه الفتوى بتوقيع رجل مكانته كبيرة جداً ومأخوذة عن حاشية ابن عابدين، أن الإنسان يستطيع أن يضع أمواله في دولة أجنبيَّة ويأخذ فائدتها، قلت له: هذا الذي ينقل ماله من بلد المسلمين إلى بلد الكافرين ليقوِّيهم ويضعف المسلمين أليس له عند الله حساب ؟ ابن عابدين حينما قال في حاشيته: لك أن تأخذ أموال الكفَّار يعني بهذا أن تأخذها في حالة الحرب، دون أن تضع مالك عندهم وتأخذ عليها الفائدة، القضيَّة أعقد من هذا، الفتوى صحيحة ولكن لها ظروف معيَّنة، لها ملابسات، في حالة الحرب لا في حالة السلم، في تمثيل دبلوماسي وفي سفارات أين حالة الحرب هذه ؟ وكذلك نقل الأموال من بلد مسلم إلى بلد غير مسلم هذا يضعف المسلمين، يفقدهم السيولة النقديَّة، إذاً كل فتوى لها ملابسات ولها ظروف، أنا لا أكذِّب الفتوى لا والله حاشى لله ولكن أقول: هذه الفتوى التي تأخذها أنت لها ملابسات ولها ظروف قد لا تنطبق عليكَ أنت، فإذا أردت الفتوى فالفتوى موجودة، لكنك يجب أن تريد التقوى، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((استفتي قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك))
واحد قال لي: إذا طالب ذهب إلى أوروبا ومضطر أن يتزوَّج له يتزوَّج زواج مؤقَّت ستَّة سنوات فترة الدراسة، قبل سنتين يطلِّق، قلت له: من أين جئت بهذا ؟ قال: في المذهب الفلاني.. سمَّى لي اسم الكتاب.. موجود، قلت له: ربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)﴾
( سورة النساء )
أغلظ ميثاق بين الزوجين، من منكم يرضى أن يزوِّج ابنته زواجاً لأجل ؟ لا أحد يرضى ولو كان موجود في كتاب معتمد من الأئمَّة الأربعة، يمكن المذهب المالكي، المهم التقوى لا الفتوى، قد تكون الفتوى لها ملابثات، لها ظروف، مدسوسة عن الإمام المالكي رضي الله عنه لا تعرف، لأن الشيخ محي الدين في الفتوحات المكيَّة في أشياء غير مقبولة، فالإمام الشعراني أنكرها قلبه، هذا كلام خِلاف القرآن، وفي الفتوحات، والشيخ محي الدين الشيخ الأكبر سلطان العارفين، ذهب إلى مكَّة المكرَّمة وعرض الأمر على أحد علمائها الكبار، قال: دخل إلى غرفته فعاد ومعه نسخةٌ من الفتوحات بخطِّ يدِّ الشيخ محي الدين رضي الله عنه، ففتح الكتاب فلم يجد فيها شيئاً مما أنكره قلبه، إذاً مدسوسةٌ عليه، قال: وقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل عقائد زائغة دسُّوها تحت وسادته قُبَيْل وفاته، ولقد دسوا على الإمام الغزالي في الإحياء.. والنص عندي.. ولقد دسوا على الفيروزابادي ونسبوا له كتاباً في التهجُّم على أبي حنيفة، قال: ودسوا عليَّ أنا كتاباً راج في مصر وقد نُسِبَ إليّ وأنا برئٌ منه، النص هذا خطير جداً، بمعنى أنه لو بَلَغَك عن عالمٍ جليل كلامٌ لا يتناسب مع كمال الله سبحانه وتعالى، ولا مع كمال أنبيائه ورسله، القضيَّة سهلة، ما أسهل الدسَّ على العلماء.
فهناك في تفسير شهير جداً وجدت في سطرين كلام يلفت النظر، أن هذا الذي كُتِبَ عليه أن يكون شقياً من الأزل قال: هذا محض العدل لأن الله سبحانه وتعالى يتصرَّف في ملكه ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل، قلت: لو تزوَّج الإنسان امرأةً ليس لها أب، وليس لها أخ، ولا أخت، ولا قريب، ولا أحد، مقطوعة، وظلمها ظلماً شديداً، لم يطعمها، وسَخَّرها لخدمة أُناسٍ كثيرين، وأهانها وضربها، فهل نقول: هذا محض العدل والإحسان، وأنه لا أحد يحاسب الزوج عنها ؟ هل ينقلب الظُلم إلى عدلٍ لمجرَّد أن أحداً لن يحاسبك على هذا الشيء ؟ لا، هذا السطر لابدَّ أنه مدسوسٌ على هذا المُفَسِّر الجليل.
النبي عليه الصلاة والسلام يمشي في الطريق يرى باباً مفتوحاً، ينظر في الباب، فيرى امرأةً تغتسل غايةً في الجمال، وقع حُسنها في قلبه يقول: سبحان الله، تسمعه فتقول لزوجها تأتي الآيات تأمر زوجها أن يطلِّقها ليأخذها النبي عليه الصلاة والسلام، هذا إذا وجدته في الكتاب لا أتهم صاحب الكتاب بل أقول: هذا مدسوسٌ عليه، الأنبياء فوق هذا المستوى، فوق هذا بكثير.
سيدنا سليمان بَلَغَهُ أن للسيدة بلقيس أرجلاً كأرجل الحمار، وأن شعراً كثيفاً في أرجلها فبدافع حبِّ الفضول صنع لها بهواً فخماً من زجاجٍ صافٍ، وأجرى تحته الماء..

﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾
( سورة النمل: من آية " 44 " )
هكذا التفسير ؟! معاذ الله أن يكون سليمان عليه السلام بهذا المستوى، لا، لكن الهداية لا تكون إلا بشيئين: بوجود تفكيرٍ سليم ووجود خضوع، فهذه ملكة وهو ملك، كيف تخضع له ؟ لابدَّ من أن يُحَجِّمها، امتحن ذكاءها بنقل عرشها، فلما طرح عليها السؤال: أهكذا عرشك ؟ كانت ذكيَّةً جداً، أجابت إجابةً دُبلوماسية قالت: كأنه هو، فلو أنه هو، قالت: كأنه هو، ولو لم يكن هو، قالت: كأنه هو أي ليس هو، فالجواب دقيق جداً، فشرطين: أول شرط أن تكون مفكِّرةً وها هو ذا تثبت أنها مفكِّرة.
بقي خضوعها، ملكة وهو ملك، ندٌ لند، حينما دخلت قصره المنيف، وظنَّت الماء يجري في بهو القصر كشفت عن ساقيها فقيل لها: لا إنه صرٌ ممرَّدٌ من قوارير، فإذا واحد له مكانة كبيرة جلس ليأكل فأوقع الصحن على ثيابه، يخجل، يتحجَّم، فسيدنا سليمان أراد أن يخضعها، أن يجعل بينه وبينها مسافةً، فإذا وجدت في بعض الكتب أنه أراد أن يكتشف ما إذا كان في ساقيها شعرٌ أو لا، لا فهذا لا يليق بالأنبياء أن يفعلوه، إذا أراد أن يكتشف ما إذا كان ساقاها ساقي حمار، لا الملكة لا تكون كذلك.
على كلٍ أضرب لكم مثل: أحد سكَّان دمشق دخل إلى مكتبةٍ فإذا فيها كتابٌ عن دمشق قَلَّبَ صفحاته فأعجبه فاشتراه، جاء للبيت قرأ عن سكَّان دمشق، عن تضاريس دمشق، عن غوطتها، عن بردى، عن نشاط أهلها، عن تاريخهم، كيف أنها أقدم مدينة، عن آثارها، عن قصورها، عن بساتينها، عن عادات أهلها، عن تقاليدها كلُّه صحيح، وهو من الشام، في نهاية الكتاب قرأ كلمتين: وتقع دمشق على البحر المتوسِّط شمال بيروت، هو من دمشق ويسكن الشام فهل عنده إمكانيَّة أن يصدِّق هذا الكلام ؟ هذا كتاب مهم، معناها نحن على البحر عايشين، لا ليس هكذا، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب، إحساسك بالواقع أقوى من الكتاب بكثير، راكب سيَّارة وهي واقفة، وفي عندك على وقوفها مليون دليل، نظرت فرأيت الإبرة على الثمانين فقلت: معنى هذا أننا نسير، لا هذه لها تفسير ثاني، معنى هذا أن العدَّاد معطَّل، الكبل مقطوع وواقف على الثمانين، وقوفك أقوى من العدَّاد، فعندما يعرف الإنسان الله سبحانه وتعالى لا يقبل عنه بشيء لا يليق بكماله..

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
( سورة الأعراف: من آية " 180 " )
فمن يصدِّق أن الشام تقع على البحر ؟ إنسان ما رأى الشام، واحد يقرأ كتاب مترجم عن الشام وهو يسكن في ألسكا عايش، بأستراليا، يقول لك: معنى هذا أن الشام بين طرابلس وبين بيروت، هنا الشام، بعتبار هو قرأ هكذا في الكتاب، أما ابن الشام لا يقول هذا الكلام لا يقبله.
فيجب أن تبلغ معرفتك بالله عزَّ وجل درجة أنه لا ترضى عنه النقص، لا ترضى لأسمائه إلا أن تكون حسنى، فاسم القابض من أسمائه الحسنى، الضار من أسمائه الحسنى لكنه يضرُّ لينفع، ويقبض ليبسط، ويمنع ليعطي..

((إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي وييبتلي ليجزي))
هكذا، فالإنسان إذا أقبل على الله سبحانه وتعالى وذاق من رحمته لا يقبل تفسيراً يتنافى مع رحمته، لا يُسأل عما يفعل لفرط عدالته لأن عدله يسكت الألسنة.
قال: ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه، فإذا وجد فيه حزازةً اجتنبه، ضاق، نفسه ضاقت فتركه، وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها، أخي أنا قال لي: اشتري اشتريت، هو قال لك: اشتري هذه الكاسة وثمنها ليرتين قال لك: تأخذها بنصف ليرة، أين أنت جالس ؟ معنى هذا أن هذه الكاسة مسروقة، أخي أنا بعتها بيع حلال، عرض عليّ كاسة بنصف وأنا لي مصلحة أن آخذها بنصف، لا معنى هذا أنك لست ورعاً، هذه سعرها ليرتين، أي إلا ربع يكون راعاك، مئة وتسعين معقول، مئة وثمانين معقول، ليرتين وربع معقولة، لكن نصف ليرة غير معقولة.
قال: وإذا حُمِلَت إليه سلعةٌ رابه أمرها سأل عنها حتَّى يعرف وإلا أكل شبهةً، وقد حُمِلَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام لبنٌ فقال: من أين لكم هذا ؟ قالوا: من الشاة قال:
((ومن أين لكم هذه الشاة))
قيل:
((من موضع كذا))
فشرب منه، حلال، وقال:
((إنَّا معاشر الأنبياء أُمِرْنا ألا نأكل إلا طيِّباً ولا نعمل إلا صالحاً ))
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
وقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾
( سورة البقرة: من آية " 172 " )
قال: النبي الكريم سأل عن أصل الشيء وأصل أصله، فقط مرحلتين، أما عن أصل أصل أصله ما سأل لأن هذا الشيء متعذَّر.
التاجر عليه أن ينظر إلى من يعامله فإن كان منسوباً إلى ظلمٍ، أو خيانةٍ، أو سرقةٍ، أو ربا فلا يعامله.
قال: دخل سفيان على المهدي فقال:
((يا سفيان أعطني الدواة حتَّى أكتب))
فقال: أخبرني عن أي شيءٍ تكتب ؟.. إذا ناوله الدواة صار مسؤول فصار شريكه في الإثم..
((عن أي شيءٍ تكتب ؟ فإن كان حقَّاً أعطيتك ))
بعض الأمراء طلب من بعض العلماء أن يناوله شيءٌ ليختم به الكتاب فقال:
(( ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه))
الختم فقط قال:
(( ناولني الكتاب حتَّى أقرأ ما فيه ))
قال: وبالجملة ينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يُعَامَل ومن لا يُعَامَل، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمن، قال بعضهم: أتى على الناس زمانٌ كان الرجل يدخل في السوق ويقول: من ترون أعامل من الناس ؟ فيقال له: عامل من شئت، كلُّه طيِّب، كلُّه فالح، كله ورع، كله مستقيم، كله محسن، عامل من شئت، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر كانوا يقولون: عامل من شئت في هذا السوق كلِّه إلا فلاناً وفلاناً، هذان مشكوك في أمرهما، قال: ثمَّ أتى زمانٌ آخر فكان يقال: لا تعامل أحداً إلا فلاناً وفلاناً، لا يتعاملوا، قال: ونخشى أن يقال لا تعامل أحداً أبداً.
أول أمر عامل من شئت، رقم اثنين عامل من شئت إلا فلان وفلان، رقم ثلاثة لا تعامل إلا فلان وفلان، وقد يأتي زمان يقال للرجل: لا تعامل أحداً، قال عليه الصلاة والسلام:

(( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَن))
( صحيح البخاري: عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " )
في بعض الأحاديث أنه روي عن النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنه في آخر الزمان من لم يأكل الربا أصابه غباره ))
العلاقات كلُّها ربويَّة، مهمَّا احتاط الإنسان يصيبه غبار الربا.
البند السابع والأخير في الأشياء التي يحترز بها التاجر على دينه أن يراقب جميع مجاري معاملاته مع كل واحدٍ من معامليه، قال: فإنه مراقبٌ ومحاسب، فليعدَّ الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلةٍ وقولةٍ لماذا قالها، ولماذا فعلها، ولأجل ماذا ؟ قال: فإنه يقال: إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه في الدنيا، إذا عندك بيع في اليوم حوالي خمسين أو ستين زبون على أربعين سنة الله يعين التاجر، واحد واحد، قلت له: هذه البضاعة لا يوجد منها وهي يوجد منها لكي يشتري على الفور، إذا قلت له: هذه البضاعة أصليَّة طلعت تقليد وليست أصليَّة من شغل هونج كونغ، تعالى إلى الحساب، وبعدها أتى الزبون الرابع أنت قلت له: إن هذه البضاعة تصنيع محلي وهي فيها عيب وأنت لم تظهره، أبداً، كم زبون بعت في حياتك ؟ قال عليه الصلاة والسلام:

((يُحْشَر الأغنيار أربع فرقٍ يوم القيامة: فريقٌ جمع المال من حرامٍ وأنفقه في حرام))
أهون حساب حسابه.. يقال: خذوه إلى النار، سهلة سهلة ما فيها شيء، ما في ازدحام، ما في طوابير، على الفور خذوه إلى النار
((وفريقٌ جمع المال من حرامٍ.. عنده ملهى.. وأنفقه في حلال فيقال: خذوه إلى النار.. حسابه سريع.. وفريقٌ جمع المال من حلالٍ.. تجارة شرعيَّة.. وأنفقه في حرام.. على المعاصي.. فيقال: خذوه إلى النار، وفريقٌ جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال فيقال: قفوه فسألوه))
هذا سيحاسب، حلال بحلال قفوه فاسألوه ؛ هل قصَّر في حقِّ جيرانه ؟ هل قصَّر في حق من حوله ؟ هل قال جيرانه: يا رب لقد أغنيته من بيننا فقصَّر في حقِّنا ؟ هل ترك فرض صلاةٍ؟ هل سهى على عباد الله؟ في عنده ملايين الأسئلة، النبي الكريم من بلاغته المعجزة قال:
((فتركته يُسْأل ويُسْأل))
شغلته طويلة لا تنتهي بيومين أو ثلاثة.
يروا قصّة وهي كطرفة، أن أحد الأثرياء ترك أموال طائلة، على فراش الموت طلب أن ينزلوا معه واحد على القبر لعله يستأنس به عند الحساب، فرأوا واحد فقير إلى درجة متناهية يعمل حَطَّاباً ليس عليه إلا خرقتين..

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ))

( سنن الترمذي: عَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " )
قميصين داخليين لا يوجد غيرهم، فأغروه بمبلغ كبير، هذا لم يسمع بهذا المبلغ في حياته فرضي، طبعاً اتفقوا مع الحفَّار أن هناك شيء خاص هو أن ننزل واحد وغداً صباحاً تخرجه من القبر، قال لهم: موافق، كذلك أعطوا للحفار مبلغ لكي يرضى، لأن هذه فيها مسؤوليَّة، أنزَّله بعدما نزل هذا الحطَّاب جاء الملكان، قال أحدهما للآخر: هنا يوجد اثنين في القبر شغلة غريبة فلمَّا جاء الملكان اضطرب هذا الحي فحرَّك رجله، فقال: هناك واحد حي، هيا نبدأ به، أجلسوه وسألوه: من أين هذا الثوب ؟ قال لهم هذا دفعه إليَّ فلان، من أين هذا البنطال ؟ من فلان، هذا الحَبل الذي تحزم به خصرك من أين جئت به ؟ قال: هذا وجدته في بستان مُعَلَّقاً على شجرة فأخذته، قال: هل أخذته من صاحبه ؟ قال: لا، قال: هل أعلمت صاحبه ؟ قال: لا، قال: هل دخلت إلى البستان بإذن صاحبه ؟ قال: لا، فقال: اضربوه على هذا الحبل الذي أخذه من دون إذن صاحبه ودخل البستان من غير إذن صاحبه، ففي اليوم الثاني صار يصيح من شدَّة الألم ويقول: الله يعين أبوكم، أي على حبل واحد، القضيَّة ليست سهلة، إذا الإنسان عرف دقَّة الحساب خشي الله سبحانه وتعالى..

((والله لترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجَّةً بعد الإسلام ))
دانقٍ من حرام، فآخر شيء أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحدٍ من معامله فإنه مراقبٌ ومحاسب، فليُعدَّ الجواب ليوم الحساب، يقول لك: الآن لبسناها له، عاملة حادث ومقلوبة قلبتين، ودهَّناها ولم يعرفها، بعناها ليلاً، ألبسته إياها ؟‍ الله يعينك، في كل فعلةٍ وقولةٍ.
قال لي واحد: والله يا أستاذ أخذنا مئتين بيضة طلعوا كلهم منزوعين فبعناهم في سوق الجمعة يوم الجمعة لحقَّنا حالنا، ما هذا الكلام ؟ هو خضري اشترى بيض ليتاجر فيه فوجد أنه كله فاسد، قال لي: لحَّقنا حالنا وبعناهم في سوق الجمعة، أنت مسلم، فأرة وقعت في الزيت ما أحد رآها، الزيت صار نجس، في أخطاء كبيرة جداً.
إذاً لأجل هذا يقال: يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجلٍ باعه شيئاً وقفةً، ويحاسب عن كل واحدٍ محاسبةً، على عدد من عامله، قال بعضهم: " رأيت بعض التُجَّار في النوم فقلت: ماذا فعل الله بك ؟ قال: نشر عليَّ خمسين ألف صحيفة، عنده مجلَّد ضخم، خمسين ألف، الآن الكتاب ألف له سمك كبير، فخمسين ألف صفحة أي لآخر الحائط، هذا دفتر حسابه، فقال: هذه كلُّها ذنوب ؟ قال: لا هذه كلُّها معاملات الناس بعدد كل إنسانٍ عاملته في الدنيا، لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه.
لذلك ما على المكتسب في عمله إلا العدل والإحسان والشفقة على الدين، فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين، وإن أضاف إليه الإحسان كان من المُقَرَّبين، وإن راعى في ذلك وظائف الدين كان من الصديقين والله أعلم. فالقضيَّة ليست سلهة..
فما حبُّنا سهلٌ وكل من ادعى.. سهولته قلنا له: قد جهلتنا
الدين يبدو في المعاملات، أتعرفه ؟ قال: نعم، قال: هل جاورته؟ قال: لا، هل سافرت معه ؟ قال: لا، هل عاملته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه إئتني بمن يعرفه.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:05 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 20 : مسالك الشبهات - شمائل النبي صلى الله عليه وسلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-03-16
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
لازلنا في موضوع الشبهات، بينت لكم في درس سابق قول النبي عليه الصلاة و السلام الحلال بين كالأبيض الناصع و الحرام بين كالأسود الداكن و بينهما أمور مشتبهات ملايين الحالات التي يختلط بها السواد بالبياض، يختلط الحرام بالحلال هذه الحالات بين الأبيض الناصع و الأسود الداكن لا يعلمها كثيراً من الناس و هي التي أهلكت الناس، قبل المضي في الحديث عن هذا الموضوع يقول عليه الصلاة و السلام:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ))
أي يقول المسلم اليوم أنا لا أزني، أنا لا أسرق، أنا لا أشرب الخمر، هذه كبائر و يتهاون بالصغائر، الحقيقة الكبائر كبائر و إذا تركت الكبائر الإنسان قد يهلك بالصغائر:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ))
ولا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار و الصغيرة في النهاية كالكبيرة أي حرف المقود سنتمتر واحد على مسافة مائة متر يودي بالإنسان إلى الوادي و حرف المقود تسعين درجة فجأة يودي به في الوادي، القضية قضية وقت أما في النهاية الصغيرة إذا استمر عليها و ثبت عليها و أصر عليها في المؤدى كالكبيرة لذلك قال عليه الصلاة و السلام: إياكم و محقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه أي شبهات، هذه التي لا يعبأ بها الناس، هذه التي لا يعلمها كثير من الناس، الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدين أفرد لها فصولاً طويلة لازلنا في أول الطريق تذكرون في أول درس تحدثت عن الشبهات بينت أن مسار بعض الشبهات في أسبقية السبب المحلل و السبب المحرر، الصيد في الأسلحة حلال و لكن إذا صدت غزالاً ووقع في الماء فرأيته ميتاً هل مات بسبب جرحه فهو حلال أم مات بسبب غرقه فهو حرام هذه شبهة و تحدثنا عنها ملياً ثم تحدثنا عن اختلاط الحلال بالحرام، حلال محدود مع حرام محدود حرام محدود مع حلال غير محدود، حرام غير محدود مع حلال غير محدود، و تحدثنا في درس آخر عن طرح السؤال، إذا سألت إنساناً ما، هل هذا المال حرام أم حلال ؟ هذا له تفصيلات بيناها في وقتها.
اليوم موضوع جديد حول الحلال و الحرام، أو حول الشبهات المسار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية، الآن العمل حلال لكن يتصل بهذا العمل الذي أحله الله شيء حرام قال: إما في قرائنه، أي ما يقترن به، إما في لواحقه، وإما في سوابقه، وإما في عوضه.
يجوز أن يقترن بالسبب المحلل شيء حرام أو أن يسبقه شيء حرام أو أن يلحقه شيء حرام أو أن يكون عوضه شيء حرام، وكانت هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل، يعني مثلاً لو أنك عقدت قران على امرأة تبينت أنها أختك من الرضاع، هذا الذي تبين لك يبطل السبب المحلل وهو الزواج، هذا العقد باطل لا يسمى هذا العقد باطل لا يسمى هذا العقد فاسد لأن شيئاً أبطل السبب المحلل، لكن إذا عقدت قراناً على امرأةٍ من دون مهر هذا عقد فاسد، العقد الفاسد يصحح أما العقد الباطل لا يصحح يبطل، هنا موضوع دقيق جداً، يعني هذا الشيء الذي اقترن بالحلال أو سبقه أو لحقه أو كان بدلاً منه، هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض هذه كانت من المعاصي لكنها لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل.
مثال المعصية في القرائن، البيع وقت نداء الجمعة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)﴾
[ سورة الجمعة ]
البيع حلال وأحل الله البيع لكنه اقترن بوقت النداء، هذا السبب لا يوجب بطلان العقد في رأي بعض العلماء ولكن معصية لله عز وجل والذبح بالسكين المغصوبة، الذبح حلال لكن هذه السكين مغصوبة والاحتطاب بقدوم مغصوب، والبيع على بيع الغير فيه معصية والصوم على صومه، كل هذا ورد نهي فيه، ولكن من يدل على فساد العقد هو معصية يجب أن تترك ولكنها لا تجعل هذا العقد باطلاً ولا تجعله فاسداً فإن الامتناع من جميع ذلك ورع وإن لم يكن المستفاد بهذه الأسباب محكوماً بتحريمه، ليس هذا من باب التحريم القطعي ولكن من باب الكراهية الشديدة، إذاً هذه شبهة بمعنى أنها من النوع المكروه.
وقالوا: إن الكراهة لها ثلاثة درجات، كراهة تقترب من الحرام الطلاق شيء مكروه أبغض الحلال إلى الله الطلاق، هذه كراهة تقترب من الحرام والورع عنه مهم، والأخيرة تنتهي إلى ورع من نوع المبالغة، والوسطى تلحق بإحدى الطرفين، يوجد عندنا كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم، وكراهة تقترب إلى درجة المبالغة أو الوسوسة وعندنا كراهة بينهما، فهناك مستويات ثلاثة للكراهة فالكراهة في فيض كيد مغصوب أشد منها في الذبيحة بسكين مغصوبة وهكذا الكراهة درجات، كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم وكراهة تلحق بكراهة الوسوسة والمبالغة وكراهة بينهما.
المسروق أن تأخذ السكين من حرز من دون أن يشعر بك صاحبها هذه سرقة أما الاغتصاب قد تأخذها أمامه ولكن بقوة ما، قد تأخذها بقوة السلاح، وقد تأخذها بقوة أدبية معنوية هذا اسمه غصب.
والورع أحسن والمبالغة فيه أحسن، لازلت أقول لكم ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، والفرق الجوهري بين المؤمن الصادق وبين المنافق الورع: هذا ورع يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس وهذا لا يبالي أكان ماله حلالاً أم حراماً، لكن أحب أن أبين لكم أن هناك حالات مرضية، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا ))
[ أحمد ـ أبي داود ]
المتنطعون الذين يقعون في وساوس ومبالغات ما أنزل الله بها من سلطان، تراه معطل وقته، وطاقته، وجهده، في البحث في تفصيلات لا تقدم ولا تؤخر، هذا مرض يصيب بعض المؤمنين،كيف أن هناك أمراض نفسية كثيرة وشائعة متعلقة بالوسوسة سماها العلماء الوساوس المتسلطة، هناك أمراض نفسية تصيب بعض ضعاف المؤمنين من داء الحلال والحرام والشبهات وما شاكل ذلك يعني يوجد واحد عنده كرم عنب أحرقه جميعاً لماذا ؟ قال: يخشى أن يصل بالنهاية إلى خمار فيصنعه خمراً، قياساً على هذه القاعدة يجب أن تدمر كل شيء يجب أن تقطع لسانك لعله... هذا يحتاج إلى طبيب نفسي، شيء مضحك ولكنه شيء واقعي أنا أحياناً تصلني حالات من هذا القبيل، هذا شيء ما أنزل الله به من سلطان أنت بحاجة إلى من يسدد خطاك وإلى من يقول لك هذا حلال وهذا حرام.
أما هنا في فكرة دقيقة إلى أقصى الحدود
((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا))
هؤلاء المبالغون الذين يصلون بتفكيرهم إلى مناطق موحشة إلى مستحيلات إلى افتراضات باطلة يتنحلون، يبالغون، يتصنعون إلى درجة أنهم يمقتهم الناس ويمقتون أنفسهم، قال: هذه المبالغات وإن كانت لا تضر صاحبها لكنها ربما توهم الغير أن مثل هذا مهم، يعني إذا رجل قدم لك سؤال باهتمام بالغ أنه ليس متأكد بعد أن نوى الصلاة وقرأ الفاتحة أن الماء تجاوز عقبيه أم لا يتجاوز، فانشغل وأمضى صلاته كلها في هذه الوسوسة، إذا إنسان غريب عن الدين وسمع هذا السؤال يرى الدين معقد، معقد إلى درجة غير معقولة النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا ))
الإنسان إذا شعر أن الدين معقد جداً تنشأ عنه حالة غريبة يقول لك هذا شيء غير واقعي مستحيل أن يطبق يتركه كله، سألني رجل وقال: جاءتني كنزة من إنكلترا هل يجوز أن ألبسها قلت له: لماذا لا تلبسها، قال: هذه الكفار صنعوها، قلت له: معقول هذا الكلام رأيته يبالغ هذه المبالغة فقلت شد عليه، لا تلبسها معك حق، هذا التفكير مرضي على هذا القياس لا نجوز أن نشرب بهذا الكأس، هذا مصنوع في فرنسا وأيدي كفار صنعتها.
الإمام الغزالي يقول: من وصل إلى هذا التحمل وهذه المبالغة وهذه الوسوسة إلى درجة أنه أوهم الناس أن الدين قيود لا حدود لها مبالغات لا نهاية لها، تعقيدات لا حل لها، ما الذي ينشيء في نفس الذي يستمع إلى هذا الكلام ؟ نفور من الدين، يرى أن هذا الشيء غير واقعي ولا سبيل إلى تطبيقه والأولى تركه كلياً، يعني إذا طالب دخل المدرسة وهذا من باب التبسيط يكتب الطالب الاجتماع يضع لها همزة وهذا خطأ الاستقلال لا تحتاج إلى همزة، يأتي أستاذ عربي ويقول الهمزة إن كانت في أمر الثلاثي وماضيه وأمر ومصدر الخماسي وماضي وأمر ومصدر السداسي همزة وصل هذه القاعدة معقدة، يأتي أستاذ ثاني يقول للطالب أضف لهذه الكلمة واو فإن بقيت الهمزة فاكتبها وإن سقطت فأسقطها الاستقلال والاستقلال لا تحتاج إلى همزة اجتماع والاجتماع لا تحتاج إلى همزة، أكل وأكل هذه تحتاج إلى همزة، أكرم وأكرم هذه قاعدة مبسطة، فلما الإنسان يعقد الأمور على الناس ينفروا، هذا المستشرق الذي جاء يريد أن يسلم في مصر وأوقعه حظه العاثر بعالم متحجر فجعله في مجلسة ستة أشهر في أنواع المياه، هذا متشوق إلى الله عز وجل يريد أن يعرف شيء عن الله، عن كتاب الله، أنواع المياه، مياه الآبار، الآثار حكم الوضوء بماء العدس، حكم الوضوء بالبن، عيفه حياته إلى أن ترك الإسلام والتقى بالإمام محمد عبدو قال له هذه قصتي أهكذا الدين ؟ قال له: الماء الذي تشرب منه توضأ منه.
يعني أحياناً في موضوعات ليست واقعية، موضوعات افتراضية موضوعات لدرجة الإنسان ينفر منها، يقول لك إذا وقعت هذه الفأرة في البئر وإذا كان يلحقها هر وخافت منه وبالت في الطريق فالماء حلال من الذي يراقب الفأرة والقط يلحقها هل بلت نفسها، هكذا الفقه أعوذ بالله أشياء في غاية التعقيد لذلك: أتريدون أن يكذب الله ورسوله خاطبوا الناس بما تفهمون، المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال.

((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ ))
يعني الملخص هنا إذا بالغت في هذه الشبهات لدرجة أصبح الدين شيء عقيم، معقد جداً، متاهات، اضطرابات، أشياء خيالية غير واقعية إنسان يقول هذا ليس دين يتركه كلياً أما إذا كان العرض مبسط واضح وضعت يدك على النقاط الجوهرية في الدين تحبب الناس بالدين هذا مثل القرائن، القرائن البيع أثناء النداء أو ذبح الحيوان الذي أحل الله ذبحه بسكين مغصوبة أو ما شاكل ذلك، الآن من أمثلة اللواحق: قال فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية أي رجل باع العنب إلى خمار، العنب حلال، فاكهة من خلق الله سبحانه و تعالى أحل زراعة العنب و جنيه و أكله و بيعه، كل شيء في العنب حلال إلا أن تبيعه لخمار لأنه سوف يصنعه خمراً و يؤذي به عباد الله، الإنسان ينتبه إذا يريد أن يبيع شيئاً ينتهي هذا الشيء بمعصية يكون عمله به شبهة، قال لي رجل كلفوني بتمديد كهرباء لملهى، لا تفعل ذلك، إذا أردت أن تساهم بتأمين راحة العصاة و نساهم بتأمين سرور الفجار، تمديد كهرباء شيء سليم جداً، عمل شريف لكن يستفيد من الكهرباء العصاة وحدهم و تنقلب التمديدات إلى معاصي هذا من اللواحق.
بيع السيف لقطاع الطريق، بيع السيف لا شيء عليه طبعاً إذا صرح السلطان ببيعه فإذا منع السلطان بيع السيف لا ينبغي أن يباع السيف لأن الله سبحانه و تعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾
[ سورة النساء ]
إذا كان السلطان قد أباح قد أباح بيع السيف، لا ينبغي أن تبيع السيف لمن ؟ لقطاع الطريق، كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يباع السلاح في الفتنة، يعني هذه الدول الكبرى الآن بالإحصاءات الكبرى أربح صناعة في العالم صناعة السلاح، وعقود السلاح دائماً عقود إذعان لا عقود بالتراضي، أنت تريد أن تأخذ قماش، قال لك ثمن اليرد ثمان مائة ليرة هذا عقد بالتراضي، إن وجدت اليرد بمائة وثمانين ليرة والبضاعة ممتازة، تسعين ليرة معقول السعر قال لك بألف ليرة اليرد لا أشتري، أما الذي يشتري السلاح هذا يعقد عقد إذعان عقد بالتراضي، الطائرة ثمنها ثمان ملايين ليرة، فهذه الدول العظمى التي تعيش على مشكلات الناس تبيع هؤلاء وهؤلاء فأربح صناعة في العالم الآن السلاح ثم الدواء، أروج صناعتين السلاح والدواء، يعني يجرحون ويداوون فيربحون في الحالتين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل في أصحابي وفي رواية أخرى كفضلي على أدناكم ))
يعني المسافة بين العابد والعالم كالمسافة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض، بيع السيف بالفتنة، بيع السيف لقاطع الطريق هذه من اللواحق، البيع حلال، بيع العنب للخمار، يقول الإمام الغزالي: وبالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع _إلا بحضرة عالم متقن، فإنه إذا جاوز مع رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، كما أن تحليل الحرام شيء كبير كذلك تحريم الحلال شيء كبير لذلك العلماء السابقين جبناء في الفتوى، أهون شيء أن تقول حرام، وقد يكون حلال، قد تكون هذه العلاقة حلال، تقول له حلال وتأخذ الأحوط وترتاح، أنت ارتحت ولكن هلكته، فلذلك الإنسان في الفتوى يجب لا يتسرع ويتأمل وأن يراجع الكتب، يراجع العلماء أما أن يفتي ويسرع بالفتوى فقد يهلك نفسه ويهلك غيره.
يوجد عندنا قرائن ولواحق، ويوجد عندنا مقدمات، يعني بيع العنب، تبيعه لخمار هذه طاعة لحقتها معصية، بيع البيت وقت أذان الظهر يوم الجمعة، هذه طاعة اقترنت بها معصية الآن طاعة سبقتها معصية، قال: ما بقي أثره في المتناول كالأكل شاة علفت بعلف مغصوب هذه الشاة جائعة جارنا غافل حششنا من أرضه سرقةً وأطعمنا هذه الشاة ثم أكلنا من هذه الشاة أكل لحم هذه الشاة طاعة لكنه سبقها معصية لازال أثر هذه المعصية في لحمها وفي لبنها وفي دهنها، أو شاة رعت في مرعى حرام، فإن ذلك معصية وبما أن هذه المعصية استمرت في الشاة فهذه مكروهة أشد أنواع الكراهية.
يروى عن أبي عبد الله الطوسي أن له شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي، وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعةً فتناولت من ورق كرم على طرف بستان، فتركها في البستان ولم يستحل أكلها لأنها أكلت من مال حرام ودخل هذا الحرام إليها وأصبح لحماً فيها فإذا أكلتها فقد أكلت شيئاً محرماً، لكن هذا من باب الشبهات لا من باب المحرمات القطعية تركه ورع.
هذه المرتبة الأولى شاة أكلت علفاً مغصوباً الكراهة فيها شديدة ويوجد درجة أقل امتناعه عن ماء يجري في نهر حفره الظلمة غصباً أو قهراً، ماء يجري في نهر والنهر محفور غصباً أو قهراً أو عدواناً الدرجة الثالثة وهي قريبة من الوسواس، أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله، مثل موضوع الكنزة الإنكيزية، قال هذا قريب من الوسوسة.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( استفت قلبك ولو أفتاك المفتون وأفتوك، استفتي قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك ))
لأنك لو أخذت فتوى ممهورة بخاتم الرسمي وكانت لا ترضي الله عز وجل علاقتك مع الله عز وجل، هل تنجيك هذه الورقة من عذاب الله عز وجل ؟ استفتي قلبك وإن أفتوك.
ترى شخصاً يقول لك ضميري غير مرتاح، ليس مطمئن متضايق هل هذه حلال، أنا أؤكد لكم لو قلت له حلال يقول لك: هذا الشيء ليس سهل أنت تسرعت وقلت لي حلال.

(( عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلا الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
تراه تارك أثر في القلب، فعندما الإنسان يأكل مالاً حراماً لو تلقى فتوى أن هذا المال حلال لا يرتاح، هناك شيء داخلي، يعني ربنا عز وجل أعطانا مقياس دقيق جداً لا يخيب.
العلماء قالوا القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حرجاً في الحلال ويجد حرجاً في الحرام، يعني كأن القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق للحلال والحرام، قال تعالى:

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)﴾
[ سورة آل عمران ]
يعني القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق، يعني لا لغيره بل لصاحبه.
بقي علينا موضوع جديد وهو إذا اشتريت شاةً ديناً وذبحتها وأكلتها هذا عمل حلال مائة بالمائة، إذا دفعت ثمنها بعد حين من مال مغصوب انقلبت حراماً، اشتريتها حلالاً ذبحتها وأكلتها، أديت ثمنها بعد حين من مال فيه شبهة فأصبح هذا الذي أكلته مشبوه.
شيء حلال اقترن به حرام كالبيع في أثناء النداء، أو ذبح شاةً بسكين مغصوبة أو لحقها حرام كبيع العنب للخمار، أو سبقه حرام كإطعام شاة علفاً مغصوباً أو كان عوضه حراماً كشراء شاة ديناً وأكلها ثم نقد ثمنها بعد حين من مال مشبوه، هذه أربع حالات تصبح فيه القضية محللة ذات شبهةً الأولى تركها، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى المسار الرابع وهو الاختلاف في الأدلة.

* * *
والآن إلى نبذة عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، تحدثنا في درس ماض عن سيرته وآدابه صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى منزله وكيف أنه يقسم وقته ثلاثة أقسام قسم لربه يمضيه في التعبد والتهجد وتلاوة القرآن والذكر، وقسم لنفسه يشطره شطرين شطر لأخذ قسط من النوم، وشطر لقضاء حوائج الناس قضاءً خاصاً وشطراً لأهله يقسمه قسمين قسم يؤنسهم فيه وقسم آخر يلبي بعض حوائجهم فيه.
الآن إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته، قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبي ـ يعني علياً كرم الله وجهه ـ عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجم لسانه إلا فيما يعنيه، راقب نفسك الحديث الذي تتحدث فيه هل هو مما يعنيك ؟ قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ ابن ماجة ]
((من حَسن إسلامه اشتغل بما يعنيه وترك ما لا يعنيه))
ما معنى يعنيه ؟ أي تتعلق عنايته به أي يكون قصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء، عناه الأمر أي أهمه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع و الإسلام كيف ؟ أي مثلاً ماذا يعني المؤمن أن يعرف الله سبحانه و تعالى ؟ ماذا يعني المؤمن أن يتقرب إليه ؟ ماذا يعني المؤمن أن يستقيم على أمره ؟ فكل شيء يعنيه من هذه الموضوعات يسأل عنه، يبحث فيه، يتقصاه يدقق، يتأمل، يسأل، أما إن كان من أمر الدنيا فهو قد يعنيه من باب هوى النفس و لكن لا يعنيه من هوى الشرع، مثلاً شاري بيت يريد أن يعمل له تزيينات هذا يعنيه فأصبح يسأل و يبحث و يدقق و يمضي الساعات الطويلة و أذهب عنه صلوات كثيرة أخي هذا الشيء يعنيني، هذا يعنيك بحسب الهوى لا بحسب الشرع:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
الذي يعنيه في مقياس الشرع، لا يعني الإنسان الصادق إلا أن يعرف الله عز وجل إلا أن يستقيم على أمره، إلا أن يتقرب إليه، هذا الذي يعنيه، فكان عليه الصلاة و السلام يخذل لسانه إلا في ما يعنيه، أي أحد ما آية قرآنية يسأل عنها، سمع تفسيرها يصغي بإذنه، ما توضح التفسير يسأل، حكم شرعي، قضية متعلقة بالصلاة، متعلقة بالزكاة، قضية متعلقة بطاعة من الطاعات، قضية متعلقة بأداء عبادة، قضية متعلقة بحديث يتعارض مع آية يا ترى ما وجه التوفيق بينهما، قضية متعلقة بما يبدو له شبهة يحب أن يعرف وجه الحق فيه، هذا كله يعنيك لكن هناك غوص في أمور تعنيك لكن لا ترضيك، وكان عليه الصلاة و السلام يؤلفهم و لا ينفرهم، أي كلما التقى بإنسان يحدثه بحديث يجمعه مع إخوانه، أي اشترى بيت من أخوه قال: والله أخي باعني هذا البيت بمئتان ألف قد يكون يساوي البيت ثلاث مائة ألف من دون مبالاة البيت يساوي مائة ألف قالها ومشى، مئتان على ماذا مئتان هذا الكلام يساوي شقاق يساوي خلاف، يساوي عداء، يساوي تقاطع يساوي تدابر صلى الله عليه كان يؤلفهم ولا ينفرهم.
دخل إلى عند أخته قالت له: زوجي ما أحضر لي شيء، يقول لها زوجك كله هدية أخلاق عالية وورع، وجهده كله لكم، لماذا هذه الهدية ؟ أما إنسان آخر يقول: ما أحضر لك شيء هو لا يستحقك في المساء يوجد مشكلة، من الممكن أن يرسلها إلى بيت أهلها، ممكن أن ينتهي الأمر بالطلاق من أجل كلمة لا يستحقك، صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم، دائماً يوفق بين الناس بين شريكين، بين أخوين بين أب وابنه، بين بنت وأمها، يعني هذا الأب يشكي ابنه، يقول له: معك حق انظر إلى غير أولاد شيء لا يحتمل وابنك ألف صباح صبحه ترى الأب انطرب، يا أخي لا يدرس، لا أحد يدرس صار في عطف من الأب على ابنه، جاء أب واشتكى لك على ابنه، تقول له: لا والله أنا ابني غير شكل الله يرضى عليه لا يوجد منه حرقت له قلبه هو يشتكي على ابنه وأنت مدحت ابنك ترى صار في نفور بين الأب وابنه.
أيام إنسان يمدح لك ابنك وأنت تعرفه ليس كذلك تقول له الله يجبر لك خاطرك هذا ليس مديح هذا جبران خاطر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم، خطيب أحضر لخطيبته أسوارة ذهب فقالت له: من الآن يقدم ذهب، كله ألماس، هي مخطأة الألماس يخيس نصف ثمنه، والذهب هو هو، بالعكس انطربت هذه الخطيبة، لما قدم لها أسوارة ذهب انزعجت، متوقعة ألماس يقدم لها، جاء أخوها قالت له: ذهب أحضر لي خطيبي، فقال: لابأس هذا الذهب لا يخيس وثمنه معه، ومن ثم خيره إلى الأمام، إذا كان معاملته لطيفة لك فهي أكبر هدية، في أخوة يوقعون الشقاق بين الخطيب وخطيبته دائماً كلامه مؤذي شيطان داخل فيه، أساساً كل إنسان كلامه يفرق شيطان، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منا من فرق ))
يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، قال: أكرموا عزيز قوم ذل وغني افتقر وعالم ضاع بين الجهال.
يعني هذه سفانة بنة حاتم طي وقعت أسيرةً عند النبي صلى الله عليه وسلم، مر عليه الصلاة والسلام وكانت ذكيةً جداً، فوقفت وقالت: يا رسول الله إن أبي كان يكرم الضيف، يقري الضيف ويعين على نوائب الدهر أكرمني أكرمك الله، قال: أطلق سراحها وأطلق سراح قومها إكراماً لها، فقال: أكرموا أباها فإنه كان يحب مكارم الأخلاق.
هكذا النبي دخل عليه عدي بن حاتم، رحب به إذا شخص دخل إلى عندك وأنت خلف الطاولة جالس تعرفه له مكانة اجتماعية تتجاهله هذا سوء أدب، احتل وظيفة سابقة رفيعة يعني الآن متقاعد دخل إلى عندك أهلاً وسهلاً رحب به، أكرموا كريم كل قوم.
كان يكرم كريم كل قوم ويوليه عليه، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منه بشره وخلقه.
قال لك إنسان: أريد أن أستدين منك عشرة آلاف ليرة وأنت لا تعرفه وليس لك ثقة بأمانته، أخي أنا لا أعرفك أخاف أن تأكلهم علي لا ليس كذلك، إذا أنت اعتذرت منه اعتذاراً لطيفاً وبشيت في وجهه كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد.
احذروا الناس، المؤمن كيس فطن حذر، المؤمن يحترس يفكر بالعواقب، يتبصر لكن كان يحذر الناس ويحترس منهم من، يعني بشاشته للجميع، يبش للجميع لكنه يحذر بعض الناس، شخص لا تعرفه كيف تحدثه مثلاً عن أسرارك، شخص لا تعرفه كيف تعطيه مالك بلا إيصال، شخص لا تعرفه كيف تدخله لبيتك في غيبتك، هذه بلاهة، سذاجة، كان يحذر الناس، يعني وجهه باش للجميع وأحياناً في حذر وفي احتراس من بعض الناس مما لا يثق بهم.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))
[ أبي داود ـ أحمد ]
ويتفقد أصحابه يسأل عنهم، فلان ما شأنه، ما صنع فلان، أين فلان لم نره، غاب عنا طويلاً اسألوا عنه ؟ ولكن من الأصول إذا إنسان يحضر مجلس علم واضطر أن يسافر واضطر أن يعمل عمرة، نعطيه علم، أيام نفتقده شهر فلان لم أشاهده، ممكن أن يكون مريضاً أين كنت ؟ كنت في العمرة، أعطنا خبر نفرح لك ونبلغك رسالة أن تدعو لنا عند رسول الله غيرها لا نكلف شيئاً فقط أعطنا علم، الإنسان بالإعلام في مودة.
يتفقد أصحابه ويسأل الإنسان عن ما في الناس، يعني جلست مع مزارع فوراً الآية الكريمة، الحديث، الآخرة، اسأله عن أحواله كيف المطر، كيف الموسم، أمنت بذار إن شاء الله، هل يوجد عندك مشكلات، إن شاء الله مرتاح في عملك، ترى عندما تسأله عن أحواله يفرح، هذا مهتم بمزرعته، ببستان، بالمطر، الأتربة، البذور تكلم عن موضوعاته، جلست مع تاجر إن شاء الله العمل جيد هل تؤمن موادك، بضاعتك، كيف البيع، إن شاء الله في نتيجة جيدة هذه السنة.
النبي صلى الله عليه إن جلس مع تاجر يسأله عن تجارته، مع مزارع عن زراعته مع موظف عن وظيفته إن شاء الله مرتاح في وظيفتك كم ساعة دوامك، يوجد وظائف مريحة ووظائف متعبة الحياة كلها جهاد وتعب ومن بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له.
اسأل الموظف عن وظيفته، والتاجر عن تجارته، والمزارع عن زراعته، والعامل عن معمله، والله عز وجل يبعث لك محل ويكرمك وهو يعمل صانع، والله كريم وكلنا بدأنا من الصفر والله أكرمنا، لما أنت تكلم شخص بموضوعات تهمه يحبك، لكن هو مهموم والمطر لا تهطل تأتي تقول الله الله عز وجل قال الآية الفلانية والحديث الفلاني، والآخرة والموت، يقول لك لا أريد أن أموت الآن.
((يسأل الناس عما في الناس))
هذا له قضية تهمه أي عنده أولاد أنا ألاحظها، إذا التقيت بإنسان اسأله عن ابنه فيسر، كيف حال ابنك، إن شاء الله بخير ؟ كيف دراسته ؟ كيف صحته ؟ عندما تسأل إنسان عن ابنه يطمئن مهتم فيه معنى ذلك أنت، ثم توجهه ليس في الحال اترك التوجيه لمرحلة ثانية، اسأله عن أحواله بحاجة إلى مساعدة يريد قضية أن تعاونه فيها ؟ أحياناً تساعده باسم طبيب و الله يوجد اسم طبيب مختص بهذا المرض، أحياناً تساعده باسم محامي، باسم مهندس، بموظف تعرفه اذهب إليه و قل له: فلان بعثني لعندك عندما تحل له قضيته الدنيوية يميل قلبه ناحيتك و في ذلك الوقت توجهه، يسأل الناس عما في الناس و يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه، و الله أخي جاءنا خطيب لكن، و الله أخي عملت عين العقل، أنت بطل، رسول الله قال:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
يأتي واحد كافر يقول لك: و الله خطب ابنتي فلان عنده بيت ؟ لا و الله لا يوجد عنده ماذا تريد بهذا العمل، ماذا يعمل ؟ موظف موظف لا تريده، يكرهك بالناس الطيبين مقياسه مادي فقط إذا لا يوجد مال وفير، لا يوجد معمل، لا يوجد بيت، لا يريده، هذا فسق و فجور صلى الله عليه وسلم يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه معتدياً أمر، أي إذا كان عاداً يعاد باعتدال، أحب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
أيام يخطب هذه البنت خاطب يدخل إلى الأعماق، ما أكلوا من دونه ولم يذهبون إلا معه، فكشف كل مشاكلهم بعد هذا اختفى هذا الخاطب، أيام يهجمون على الرجل هجمة ينسون أحوالهم، وإذا عادوا عداء شديداً، صلى الله عليه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا، يعني لا يغفل عن نصح أصحابهم، لا يغفل عن تذكيرهم، لا يغفل عن إرشادهم لا يغفل عن تعليمهم، لا يغفلوا عن توجيههم، مخافة أن يغفلوا عن الله، فإذا غفلوا مالوا إلى الدنيا وإذا مالوا لها هلكوا.
لكل حال عنده عتاد، قال له رجل: انظر هذه الفرس أعلفها كل يوم صاع من بر لأقتلك عليها، قال له: إني قاتلك، هكذا كلام لا يحتاج إلى لطف، هذا الكلام يحتاج كلام من وزنه، في أحد قال أين محمد ما نجوت إن نجا دعوني، خلوا بيني وبينه، وكزه بالرمح فولى هارباً يعوي كالكلاب، قال: قتلني قتلني، فقال له: ما قتلك قال: والله لو بسق علي لقتلني.
لأن لكل حال عنده عتاد، الكريم معه كريم، واللطيف معه لطيف قال: التكبر على المتكبر صدقة، قال سيدنا الشافعي: ما تكبر علي متكبر مرتين، لا أسمح له أن يتكبر علي إنسان مرتين.
لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه، يعني لا إفراط ولا تفريط أحياناً الزوج يشدد تشديد غير طبيعي، ليس معقول طلبت منه أن تزور أهلها لا يسمح لها، وآخر مسيبها، واحد قصر عن الحق وواحد تجاوزه، صلى الله عليه وسلم لا يقصر عن الحق و لا يجاوزه الذين يلونه من الناس خيارهم، أي من السنة الأوائل المتفوقين يكونوا أقرب الناس له، لو أن بعض الناس من دهمائهم، من سوقتهم كانوا إلى جانبه أي يسيؤوا أحياناً، رجل جلس و صار يتجشأ تضايق منه رسول الله و قال له: كف عنا جشأك يا أخي، اجلس أنت ببيتك، آكل و مكثر و آكل ثوم و مد أقدامه و أخذ راحته، هذا ليس طالب علم، اذهب و اجلس ببيتك يا أخي، قال له: كف عنا جشأك، النبي الكريم يتمنى أن يجلس حوله المتفوقين الصادقين المحبين العاشقين المتيمين و ليس الكسلانين المقصرين، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة هذا أن كان خرج من منزله، و الدرس الماضي عندما دخل بيته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾
[ سورة الأحزاب ]
انتبه لكلامك يا أخي، قد تكون كلمة تفرق بين زوجين، قد تكون كلمة تنزع بيعة بيت نظر إلى البيت وجده مناسب معك ثلاثمائة ألف عمل عقداً، أي بيت مناسب بثلاثمائة بيسوى ثلاثمائة، نظرت إليه، ما هذا البيت كالعلب هذا بيت هذا ؟ هذا يسكن ؟ قال: أنا لا أريده صار سعره خمسمائة و هو معه ثلاثمائة أصبح بلا بيت، فهل صنعت معه جيداً أنت ؟ أنت عندك بيت سعره مليونين، طبعاً أمام هذا لا يسكن هذا بالنسبة لك أما هو يسكن فيه لأنه لا يوجد عنده بيت، من كلمة تخلق مشكلة، تفرق بين زوجين، تنزع بيعة، تُكره إنسان بمجلس علم أحياناً، قال تعالى:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾
[ سورة البقرة ]
هذا الكلام لا للاستهلاك و إنما للتطبيق و ليس للمتعة هذا كلام خطير هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))
لا يلقي لها بالاً:

(( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنَّا لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
و قال:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
أي في الأعم الأغلب لا يسرقون و في الأعم الأغلب لا يزنون و في الأعم الأغلب لا يشربون الخمر و لكنهم يغتابون و يجتمعون للغيبة و يتكلمون بما لا يعرفون و يوقعون بين الناس و يحسدون و ينقلون الكلام من شخص لشخص هذا كله عند الله محرم، أي من علامة ورع المؤمن استقامة لسانه، أحد العلماء الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله لا يستطيع رجل أن يتكلم عن أحد بمجلسه كلمة، إذا رجل تكلم، اسكت يا با، أظلم قلبنا، يكن لك هيبة، إذا رجل تكلم كلمة اسكت أظلم قلبي، لا يدع أحد يتكلم، الآن تجد ضحكوا الناس و ينهشوا بأعراض بعضهم أين جالس أنت، أنت مؤمن ؟ أنت مسلم ؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾
[ سورة الحجرات ]
أي الاستقامة هي عين الكرامة، و هذه المجالس قيمتها بتطبيقها.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:07 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس21:مسالك الشبهات - شمائل النبي صلى الله عليه وسلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-03-30
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة المؤمنون: منذ عدة أسابيع بدأنا في موضوع الشبهات، والشبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس وهي بين الحلال والحرام، بين الحلال المُطلق و الحرام المُطلق، وبيّنا في الدروس الماضية أنَّ مسارَ الشُبهات عديد ومن هذه المسارات مثلاً:
اختلاف الأدلة المُبيحة أو المُحرّمة اختلاف الأدلة، أو اختلاف الحلال والحرام أو ترجيح السبب المُحلل على السبب المُحرّم، فالدرس اليوم اختلاف الأدلة.
فهناكَ نوعٌ من الشُبهات يتأكّدُ التورّعُ عنهُ لأنَّ الدليلَ الذي يُحرّمه أو الذي يُوجِبُ الابتعاد عنه أقوى من الدليل الذي يُبيحُهُ، هناكَ دليلٌ مُبيح ودليلٌ غيرُ مُبيح، الدليل الغير مُبيح أقوى من الدليل المُبيح.
درسنا اليوم: تعارض الأدلة أي أنّهُ هناك دليل على إباحته وهناك دليل على تحريمه، دليلانِ متعارِضان أيُهما أقوى ؟ إذا كان الدليل الذي لا يُبيحُ أقوى يجبُ أن نتركُهُ تورُعاً.
مثلاً: التورُعُ عن فريسةٍ كلبٍ مُعلّم " أي عُلِّمَ كيف يأتي بالفريسة " إذا أكلَ منها الكلبُ فالتورّعُ عن أكلِ هذه الفريسةِ التي أتى بِها كلبُ مُعلّم واجبُ، التورّعُ عنها واجبٌ لأنَّ دليلَ التحريمِ أقوى من دليل الإباحة عِندَ الفقهاء.
هناك مثل أوضح: لو أنَّ إنسان أكَلَ لحماً لم يُسمّى على ذبحِهِ فهُناكَ دليلانِ متعارِضان: الآيات الكريمة التي تأمر أن نأكُلَ مما ذُكِرَ اسمُ الله عليهِ، وعندنا بعض الأحاديث كقول النبي عليه الصلاة والسلام
(( المسلم يذبح على اسم اللّه تعالى، سمى أو لم يسم))
(أخرجه الدارقطني)
أحياناً يأتي دليلٌ موجِب ويأتي دليلٌ آخر فيه تساهُل أيُهما أقوى يجب أن بحث عن الدليل الأقوى، طبعاً هذا ليس من اختصاص عامّة المسلمين هذا من اختصاص الفقهاء، من اختصاص المُفتين، وللمفتين جمعٌ آخر هو المفاتي، من اختصاص المُفتين أو المفاتي يعني أن يبحثَ عن الدليل المُبيح والدليل غير المُبيح ويرى أيُهما أقوى فيُرجّحُ الدليلَ المُبيحَ أحياناً والدليلَ غير المُبيح أحياناً أخرى.
الآن: أحياناً هناك رأي لبعض العلماء أنكَ إذا ذبحتَ ذبيحةً ووجدتَ في رَحِمِها جنيناً هل يُباح أن تأكُلَ الجنين ؟ في المذهب الحنفي لا يُباح، لكن هناك حديث يقول عليه الصلاة والسلام:

(( قاله قطرب وقال ابن سيده في [المحكم] والعرب تقول (ذكاة الجنين ذكاة أمه)؛ قال ابن عطية: وهذا إنما هو حديث. وذكى الحيوان ذبحه))
مادامت الأم قد ذُبِحت ذبحاً شرعيّاً فزكاة جنينها مشتقٌ من زكاتِها، قال بعض العلماء أن أبا حنيفة لم يبلُغهُ هذا الحديث ولو بلَغَهُ لأجازَ أكلَ جنين الذبيحة من دونِ أن يتورّع الإنسانُ عن تركِ الجنين.
على كُلٍّ هذا اسمه مزاحمةٌ بمعنى أنَّ آراء الفقهاء تُرجِّحُ عدمَ أكلِ الجنين، لكنَّ هناكَ حديثاً وَرَدَ عندَ بعض العلماء يُبيحُ أو يُؤكِدُ أنَّ زكاة الجنين زكاةُ أمِهِ، إذاً لا ينبغي أن نَقِفَ عِندَ رأي بعض العلماء مادامَ هُناكَ رأي آخر نُرجّح.
على كُلٍّ الشيئ الذي أحبُ لأن أقوله لكم إنَّ أيّ عملٍ وافقَ أيّ مذهبٍ عن علمٍ أو عن غير علمٍ فهو صحيح، لو أنَّ الإنسان صلى الوتر ركعتين بركعة ركعتين ثمَّ سلّم ثمَّ صلّى ركعة، لو صلّى الوتر بِلا دعاء القنوت، لو قرأ دعاء القنوت بعد أن يقول سَمِعَ الله لِمن حَمِدَ هناكَ مذاهب متعددة تُبيحُ كُلَّ هذا.. إذاً أيُّ صلاةٍ وافقت أيَّ مذهبٍ فهي صحيحة.
مازِلنا في تعارض الأدلة أي دليلٌ مُبيح ودليلٌ غير مُبيح، لاشكَّ أنَّ الفِكرة تقوم على أيُهُما أقوى، إن كانَ الدليل المُبيح أقوى أخذنا بهِ، وإن كان الدليل المُحرّمُ أقوى أخذنا بهِ، إذاً من أين تأتي الشُبُهة ؟ أنَّ هناك دليلٌ مُبيح ودليلٌ غير مُبيح متعارضان... هذا من عمل الفقهاء، من عمل المجتهدين، من عمل المُفتين..
أحياناً في بعض المسائل لا يُشتهرُ خِلافٌ إطلاقاً.. يعني.. في عنّا تعارض دليلين عندنا رأي لفقيه لو بلَغَهُ الحديث الشريف لَقَالَ بإباحته، أمّا الصنف الثالث ألاّ يكون في المسألة خِلافٌ إطلاقاً ولكنَّ الدليلَ المُبيحَ ضعيف يعني دليل آحاد .
ماذا يقول الإمام الغزالي ؟ يقول: وقد إختلف الناسُ في خبر الواحد.. يعني واحد روى خبر.. فمنهم من لا يقبله لأنَّ النَقَلَةَ الذين نقلوا هذا الخبر الواحد وإن كانوا عدولاً.. وتعرفون من هو العدلُ، العدلُ صِفةٌ تلحقُ المُسلم تُقبلُ شهادتُهُ، تُقبلُ روايتُهُ، له مكانة تُبيحُ له أن يُؤخذَ منه.. هذا هو الإنسان العدلُ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( من عاملَ الناسَ فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يُخلفهم فهو ممن كمُلت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحَرُمت غيبته ))
ظهرت عدالته.. لكن لو أنَّ إنسان أكلَ لقمةً من حرام، أو طففَّ في الوزن بتمرة أو مشى في الطريق حافياً، أو أطلقَ لبرذونه العنان.. يعني أسرع في قيادة السيارة.. أطلقَ لفرسهِ العِنان، أو قادَ برذوناً.. يعني حيوان مُخيف أفزعَ بِهِ المارة، أو تحدث عن النساء أو تنزّه في الطرقات، أو بالَ في الطريق، أو لعِبَ الشطرنج، أو علا صياحهُ في البيت حتى سمعهُ من في الطريق، أو كان حديثه عن النساء، أو صَحِبَ الأراذل.
إنَّ كُلَّ هذه الصفات إذا وُجِدَ أحدُها في الإنسان المُسلم جُرِحت عدالته، فإذا عاملَ الناسَ وظلمهم سقطت عدالته، إذا عاملَ الناسَ وكذبَ عليهم سقطت عدالته، إذا عاملَ الناسَ وأخلفهم سقطت عدالته، إذا عاهدهم فخانهم سقطت عدالته، ويتضحُ لكم الفرق بين سقوط العدالة وبين جرح العدالة، أن تأتي بإناء زجاجي فتُكسّرهُ بالمطرقة.. هذا سقوط العدالة.. أمّا أن يظهرَ شقٌّ في هذا الكأسِ " شعرٌ " نقول العدالةُ جُرِحت، الإنسان ليسَ له أن يأكُلَ في الطريق لِئلا تُجرح عدالته، ليسَ له أن يرتدي ثياب مبتذلة لِئلا تُجرح عدالته، ليسَ له أن يكون حديثه عن النساء لِئلا تُجرح عدالته، ليسَ له أن يصحب الأراذل لِئلا تُجرح عدالته ليسَ له أن يعلو صياحُهُ في البيت، ليسَ له أن يأكُلَ لقمةً من حرام، أن يُطفِفَّ بتمرة، أن يُسرِعَ في قيادة السيارة، أن يقودَ برذوناً، أن يتنزّه في الطُرقات، أن يجلِسَ على مقهىً على الرصيف.. هذه الآن منتشرة جداً.. مقاهي الرصيف يجلسُ يتناول كوبَ شايٍ أو يحتسي كوباً من القهوة لينظر إلى المارة، هذا مما يُسقط العدالة.
إذاً: هؤلاء الذين ينقلون خبر الواحد وإن كانوا عدولاً فالغلطُ جائزٌ عليهم.... والكذبُ لغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم.. لغرضٍ خفيٍّ عنهم.. يعني.. أحياناً يتلقى الإنسان خبر مؤلم، أنظر إليه ماذا يفعل، أول شيئٍ يفعلُهُ أنهُ يُكذّبُ الخبر بشكلٍ عفوي.
قال علماء النفس: إنَّ الإنسان يُدافع عنه نفسِهِ بادئَ ذي بدءٍ بتكذيب الخبر، لو مثلاً أرسل تحليل فكانت النسبة مرتفعة جداً، لا حظ إنسان حلّلَ دمه فتلّقى النتيجة أنَّ هناك ارتفاعاً كبيراً في الكوليسترول.. لاحظهُ ماذا يقول: لابُدَّ أنَّ هذا المُحلل لم يُحسن التحليل أو أنَّ المواد الكاشفة ليست فعّالة.. هذا كذب أمّا هو كذب غير مقصود، كذب خفيّ عن صاحبه أيام الإنسان يأتيه خبرٌ عن ابنه يُكذبُهُ، يعني لا يستطيع تحمل هذا الخبر أنه مُنحرف مثلاً أو أنه أخذَ شيئاً ليسَ له، يميل إلى التكذيب هذا التكذيب أو هذا الكذب غير مقصود، خفيٌّ عن صاحِبِهِ، يعني لو فرضنا أنَّ شخصاً قام بتنبيه شخص إلى سلوك لا يُرضي من زوجتِهِ أول شيئ ينفجر عليه.. هذا غير صحيح يُدافع عن نفسِهِ تِجاهَ هذا الخبر المؤلم بتكذيبه.
طيب هل هو موضوعيٌّ في تكذيبِهِ ؟ الجواب لا، لكنَّ السبب الذي كذّبَ من أجلِهِ خَفِيَ عليه، العلماء فسروه دفاع النفس عن ذاتِها، دفاع داخلي، فقال: وإن كان هؤلاء عدولاً فالغلط عليهم جائز، يعني مثلاً ممكن أن تفهم النص فهم مغلوط، ممكن أن تسمع كلمة لم يقولها القائل، ممكن التوهم أنهُ قالَ كذا، مادامَ الراوي واحد.
لماذا العلماء يُرحّبون كثيراً بالخبر المتواتر ؟؟ يعني أحياناً تسمع الخبر من هذه الإذاعة وهذه الإذاعة وهذه الإذاعة ومن وكالات أنباء متعددة... كُلُّ هذه الأخبار تقاطعت على هذه الواقعة تُحِس أنَّ هذه الواقعة وقعت فعلاً لماذا ؟ لأنها متواترة، أمّا أحياناً يأتيكَ خبرٌ من مصدرٍ لستَ واثقاً منه خبر يُسمونه الفقهاء " آحاد " تقول لعلَّ هناك غرضاً من ترويج هذا الخبر، لعلَّ هناكَ مصلحةً من ترويج هذا الخبر، لعلَّ هناك نفعاً ماديّاً، لعلَّ هناكَ خطةً..... إذا جاء الخبر من واحد أنتَ عندئذٍ تشُكُ في الأمر.
لذلك هؤلاء العدول، هؤلاء النَقَلةَ وإن كانوا عدولاً فالغلطُ عليهم جائز، وجلَّ من لا يسهى، والكذبُ بغرضٍ خفيٍّ جائزٌ عليهم، كأني أخاف أن يُساءَ فهم هذه الكلمة: الكذبُ بغرضٍ خفيٍّ عنهم جائزٌ عليهم هو لا يشعر إطلاقاً أنه يكذب، أيام الأم عاطفتها التي ترتبطُ بابنها تجعلُها تذكُرُ محاسنهُ وتنسى عيوبهُ، هذا أحد أنواع الكذب لكنَّ هذا غير مقصودٍ وخفيٌّ عن صاحبِهِ، فالعدلُ جائز ٌعليه الكذبُ لغرضٍ خفيّ.
والعدلٌ يُجيز عليه الوهمُ أو يتوهّمَ.. يعني.. الآن في حياتنا اليومية كم التباس حصل بينكَ وبين إنسان، أضرب لكم مثل قضية بلاغية في فقه اللغة: قالوا الكلمة مشجب " علاّقة " كُل إنسان يُعلّقُ عليها حاجةً في نفسِهِ، لو فرضنا في غرفة فيها مشجب إنسان يُعلّق مظلة، إنسان آخر يُعلّق معطف، إنسان ثالث يُعلّق قميص، إنسان رابع يُعلّق كنزة، هذه الكلمة مشجب، نُحضر مثل: شخص يمشي في الطريق أستاذ جامعة لكن بِلا كُرسي أي أنَّ هناكَ شخص تنافسَ معه على هذا المنصب وناله، لم يتسنّى له أن يُصبح أستاذ بكُرسي أستاذ بكرسي ثمان ساعات نِصابه له مكتب فخم، رئيس مادة مثلاً كُرسي البلاغة، كُرسي العروض، كُرسي الأدب الحديث، قواعد اللغة العربية... هذا كُرسي يكون في هذه المادة ثمان مدرسين في الكُلية لهم رئيس، رئيسهم هو صاحب هذا الكُرسي، هو الذي يُقرر المنهج نِصابه قليل وعمله في شيئ من العمل الإداري، فلو أنَّ هذا الأستاذ الجامعي الذي لم يُتح له أن يكون أستاذاً بكرسي سَمِعَ كلمة كرسي من إنسان في الطريق يبقى يسير ساعةً أو أكثر وهو يُفكر لِمَ لم أنل هذا المنصب ؟ لماذا نافسني عليه فلان وشهادته أقلُّ من شهادتي وخبرته أقلُّ من خبرتي، لماذا أنا كذلك ؟ كيف أحتال حتى أصِلَ إلى هذا المنصب ؟ لماذا يُهضمَ حقي؟ ماذا علّقَ على هذا المِشجب !؟. يسمع كلمة كرسي حلاق، عنده كرسيين في المحل وعليه ضغط فإن أحضر كرسي ثالث يخاف من المالية أن تُكلّفه بتكليف أكثر، والكرسي الثالث يحتاج إلى صانع، والصانع يحتاج إلى تأمينات إجتماعية.... ساعة يُفكّر في مجال آخر، يمشي واحد ثالث يسمع كلمة كرسي وهو تعب يتمنى كرسي لكي يجلس عليه، واحد رابع يسمع كرسي وهو محتاج إلى واحد للحمام يُفكر كيف سيأخذه خشب أم بلاستيك يحتار ماذا يفعل.
انظروا للفهم الكلمة واحدة كلمة كُرسي.. حتى الصوفيين يقولون، واحد سمع بائع يقول زعتر برّي.. يبيع زعتر برّي..، فهناك أحد العاشقين سمع هذا البائع يقول: ما أعظم بِرّي، وهناك إنسان مرتبته أقل سمعه يقول: إنظر ترى بِرّي، وهناك واحد غافل سمع زعتر برّي.. الكلمة كلمة لذلك قالوا: نحنُ نفهم الأشياء كما نحنُ عليها لا كما هي علينا فالإنسان يفهم القرآن بحسب حُسن ظنه بالله عزّ وجل، يفهم القرآن بحسب معرفته بالله لذلك أصحاب النبي الكريم قالوا: أوتينا الإيمان قبل القرآن.
إذا كان عَرَفَ الله، عَرَفَ عدالته، عَرَفَ رحمته يُفسّر الآيات تفسيراً يليقُ بكمالِهِ ورحمتِهِ وعدالتِهِ، وأنَّ الله على صِراطٍ مستقيم.. هكذا..
موضوع العدول موضوع دقيق جداً لو أنَ نقلَكَ هذا الحديث المُفرد عدول يجوز عليهم الكذبُ لغرضٍ خفيٍّ عنهم، ويجوز عليهم الغلطُ، ويجوز عليهم التوّهمُ، وقد يسبِقُ إلى سمعهم خِلافُ ما يقولُهُ القائل.. ألم يحدث معكم أنَّ إنساناً قالَ شيئاً ففهِمتُم خِلاَفَهُ.. نعوذ بالله أن نسمَعَ غيرَ ما يُقال لنا وأن نفهمَ غير ما سمِعنا وأن نقول غيرَ ما فهِمنا..
إذاً: أحد أنواع الشُبُهات أن يأتي شيئٌ لا دليلَ على إباحتِهِ إلا خبرُ الآحاد.. هذا أيضاً شُبُهة يجبُ تركُها، أحياناً: من أنواع الشُبُهات تناقُض العلامات، قُلنا قبل قليل اختلاف الأدلة.
الآن: تناقُض العلامات: مثلاً قد يُنهبُ نوعٌ من المتاعِ في وقتٍ ويندرُ وقوعُ مثلِهِ من غيرِ نهبٍ.. يعني نوع من أنواع البضاعة نُهِبت حصراً في كل الشام لا يوجد إلا صندوق من بضاعة معينة سُرِقَ هذا الصندوق، تجدُ قطعةً من هذه البضاعة بيد رجلٍ صالح ورعٍ تقي، ما دامت هذه القطعة بيده فهذا دليل أنها حلال، ومادامت هذه البضاعة لم تنتقل إلى أيدي الناسِ إلا سرقةً فهذا دليلٌ آخر على أنها حرام.. هنا دليلان متعارضان متعاكسان.. قال: هذا الأولَىَ تركُهُ، قد تصل هذه البضاعة إلى يدِ هذا الرجل الصالح وهو لا يعلم أنها حرام، وإذا سَبَقَ لِعلمِكَ أنَّ هذهِ البضاعة لم توجد في الأسواق إلا بشكلٍ غير مشروع.. الأولَىَ تركُ هذا الشيئ.. هذا أحد أنواع اختلاف الأدلة.
عندنا حالة ثالثة: إنسانانِ عدلانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين كلاهُما عدلٌ، أو فاسقانِ يُعطيان شهادتين متعاكستين أيضاً الأولَىَ تركُ هذا الشيئ.
عندنا موضع آخر في الشُبهات: تعارض الأشباه في الصفات
مثلاً: واحد أوصى بمالٍ له لطلبة العلمِ، هنا عندنا خِلاف: الجاهل معروف أنه جاهل متفق على جهله، والعالم معروف أنه عالم متفق على علمه، لكن بين العالِم والجاهل آلاف الأشخاص بعضهم أقرب إلى العلمِ وبعضهم أقربُ إلى الجهلِ، المُشكلة في هذه الدرجات بينَ الحالتين.. يا ترى هذا طالب علم ؟؟، طبعاً المشكلة تُصبح أوضح في المثل التالي:
مثلاً: الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإنه من لا شيئَ له معلومٌ أنه محتاج لا يملك شيئ واقف في الطريق لا يوجد بيت ولا زوجة ولا أولاد ومريض ومقطوع.. هذا مُحتاج.. لا شيئَ عنده، ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني، أمّا المشكلة في هؤلاء الآلاف المؤلفة الذين هم بين الغِنى الثابت وبين الفقر الثابت، هُنا تكمنُ الحيرة..
الموضوع النبي الكريم حلّه، كلمة الفقراء والمساكين العلماء لهم رأيٌ دقيقٌ فيهما قال: إذا اجتمعا تفرّقا وإذا افترقا اجتمعا " حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا "، يعني إذا قال الله عزّ وجل الفقراء والمساكين الفقراء أُناسٌ والمساكين أُناسٌ:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ أَوِ التَّمْرَتَانِ أَوِ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا))
يعني على افتتاح المدارس بحاجة إلى مصروف لأولاده دخله يكفيه طعام وشراب فقط أمّا على موسم الشتاء هو بحاجة إلى ألبسة، لا يملك ثمن الألبسة، منزله ملكٌ له قد اشتراه بستة آلاف وثمانمئة ليرة عام الخمس والستون الآن ثمنه مئة وعشرون ألف.. أخي يجوز أن نُعطيه وثمن منزله مئة وعشرون ألف !؟، إذا كان ثمنه مئة وعشرون ألف وإذا كان مليونين ليرة أو خمسة ملايين.. هذا المنزل مُستهلك، فهُنا موضوع الخِلاف، النبي الكريم فرّق بين المسكين والفقير، الفقيرُ هو الذي لا يجدُ حاجتهُ أمّا المسكين هو الذي ليسَ عنده شيئ، فإذا قال الله:

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾
(سورة البقرة)
الفقراء شيئ والمساكين شيئ آخر، الفقير لا تعرفه.. مرتدي ملابسه:
((يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ))
محتاج إلى دواء، محتاج إلى عملية جراحية لا يملك ثمنها سوف يستقرض.. أصبح هذا القرض عِبئاً كبيراً عليه وسوف يقتطعُ من طعام أولادِهِ ما يفي لهذا القرض.. هذا الفقير.. منزله يملكه، أمّا وإذا افترقا اجتمعا، إذا قال الله الفقراء فقط فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين، وإذا قال الله المساكين فالمعنيُّ بهم الفقراء والمساكين، حيث ما اجتمعا تفرقا وإذا افترقا اجتمعا.
قال: وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين، من لا شيئَ عنده معلومٌ أنه محتاج ومن له مالٌ كثير معلومٌ أنه غني ويتصدى بينهما رسائل غامضة كمن له دارٌ وأثاثٌ وثيابٌ وكُتب فإنَّ قدرَ الحاجةِ منهُ لا يمنع من الصرفِ إليه والفاضل يمنع، يعني أُناس يقولون لك هذا الإنسان لا يستحق، أُناس يقولون يستحق.. هنا القضية خِلافية، هذا مسار الشُبُهات أحياناً.
ينتهي موضوع الشُبهات، المسار الرابع: الاختلاف في الأدلة: إمّا أن يكون الدليل المُبيح قوياً وإمّا أن يكون الدليل المُحرِّمُ قوياً، وإمّا أن يُنقلَ الدليلُ الذي يُحِلُ من رجلٌ واحد وهو خبرُ الآحاد وإمّا أن تختلف انطباق الصفات على الأشباه.
وسوف ننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله إلى موضوعات أخرى في الحلال والحرام والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام:
أنا في كتاب إحياء علوم الدين لا أتكلم كُلَّ شيئ لأنه شيئ دقيق جداً، يعني في أشياء دقيقة لدرجة يصعُب متابعتُها من قِبل المستمعين تحتاج إلى قراءة متأنية مع استيعاب، مع مراجعة مع بحث، مع تمحيص، مع إعادة، مع سؤال، مع جواب، لكنَّ الشيئ المهم جداً نقوله بشكلٍ مباشر.
الآن: الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم مع جلسائِهِ وآدابِهِ معهم:
قال الحُسين رضي الله عنه: سألت أبي علي رضي الله عنه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائِهِ فقال:
(( كان عليه الصلاة والسلام دائِمَ البِشرِ))
يعني: طلق الوجه، المؤمن طلقُ الوجه لا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طلق، يعني أيام ربُّ العمل إذا كان طليقَ الوجهِ يبعث الطمأنينة والحماس فيمن حوله، وإذا كان عبوساً قمطريراً يبعثُ الخوفَ والقلقَ والخوفَ والحُزنَ والتشاؤم فيمن حوله فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ دائِمَ البِشرِ أي أنَّ الابتسامة اللطيفة لا تُفارق مُحيّاه والابتسامة عملٌ صالح، تبسُمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقة، وهناكَ أُناسٌ يضنونَ بالبسمة، يضنونَ بالكلمة الطيبة، يضنونَ بشيئ لا يُكلفُهم شيئاً ولكن نفوسُهم الشيحة..
دائِمَ البِشرِ سهلَ الخُلُقِ، يعني لا يُحبُ المشاحنة:
((عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلا إِذَا بَاعَ سَهْلا إِذَا اشْتَرَى سَهْلا إِذَا اقْتَضَى))
ليسَ عنيداً، ليس مشاحناً، ليسَ قاصياً، أميل إلى اللين.
ليّنَ الجانب: يعني من عامله أحبه، قيلَ في النبي عليه الصلاة والسلام من رآه بديهةً هابَهُ ومن عامله أحبَهُ.
متواضع: قد يأنس به الصغير ويسعد به الكبير ويستعظمه العظيم، ويُحبه القريب، ويشتاق له البعيد.
ليس بفظٍّ:.. في إنسان فظ..

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
(سورة آل عمران)
كلمته قاصية يقول له أنت لاتفهم... أعتقد أنَّ الأمر على خِلاف ما ذكرت... كاذب.. هذه فظاظة..، ألا ترى معي أنَّ هذه الرواية عليها مآخذ، سيدنا عمر كان يمشي في الطريق فرآى أُناساً يوقِدون ناراً فقال السلام عليكم يا أهلَ الضوء ولم يُقل: السلام عليكم يا أهلَ النار.. هناك لُطف..، ربنا عزّ وجل قال:


﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
(سورة المؤمنون)
هل هذه العبارة تخدشُ حياء الإنسان ؟ هل هذه العبارة مما تُحرج المُتكلّم ؟ يقول: لا حياء في الدين !! من قال لك ذلك ؟ الدين كُلُهُ حياء، كُلُه أدب، كُلُه خجل.. لا حياء في الدين.. لا.. من لا حياءَ له لا إيمانَ له، الحياء والإيمان قُرِنا جميعاً فإذا رُفِعَ أحدُهما رُفِعَ الآخر. - ولا غليظ.. أيام يلتقي شخص في الطريق بشخص آخر يسأله أين ذاهب فيقول أذهب مشوار فيُريد هذا الشخص أن يُحقق معه ماذا يعمل، أين يسكن، ما اسمه... وكلما سكت يسأله ويُضيّق عليه، قد يكون له وضع خاص.. هذه غلاظة..، ليسَ بفظٍ ولا غليظ.. تدقيق.
ولا صخّابٍ، يعني هناك أُناس صوتهم مرتفع يُسمى عِندَ العوام على الموجة العالية الصوت المنخفض سُنّة نبوية:

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾
(سورة لقمان)
ولا فحّاشٍ، يعني مزاحه كلُهُ مغشوش وكل مزاحه متدني، يعني في مجلس إذا كان والد مع ولده تجد الابن قد ذابَ خجلاً من والده واحمرَّ وجهه لأنه يتكلّم عن العورات وبالعلاقات الشائنة بين الجنسين ويقوم بغش مزحِهِ ويُمثّل.. هذا فحّاش..، اللهمَّ صلِّ عليه ليسَ بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخّابٍ ولا فحّاشٍ.
النبي الكريم رأى أحد بناته أو أحد نساءه ترتدي ثوباً رقيقاً فقال لا تلبسي هذا الثوب إنه يصفُ " ماذا يتكلّم عليه الصلاة والسلام أي شيئ يذكره عن المرأة يُثير إنه يصفُ حجمَ عظامِكِ، انظر لكلمة عظام هل تُحرَك شيئ عِظام، واحد شاعر تغزّل بفتاة اسمُها سلمى فأخذَ عليه النُقّاد مآخذ كثيرة، قال:
إنَّ سلمى خُلِقت من قصبِ السُكر لا عظم الجمل
وإذا قدّمت منها بصلاً غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل
ما هذا الغزل الذي فيه بصل وعظم جمل ؟ يعني يتنافر، قال: لا تلبسي هذا الثوب فإنه يصفُ حجمَ عظامِكِ، لم يكُن فحّاش أبداً، وربنا عزّ وجل:
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43)﴾
(سورة النساء)
انظر لكلمة لامستم النساء :

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾
(سورة النور)
الجلود كنّى بها الله سبحانه وتعالى عن شيئ يعني ينبغي ألا يُذكر:

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)﴾
(سورة فُصلّت)
دقة القرآن الكريم، روعة بيانه، صياغته اللطيفة، أيام الإنسان.... مجلة مثلاً يستفيد منها الأهل للخياطة فيها صور شائمة تُسبب حرج في البيت لابُدَّ من مقص للرقابة يقص هذه الصور أحياناً، أمّا كلام ربنا عزّ وجل كائناً من كان يقرأه ليسَ فيه شيئٌ يخدش الحياء، فالإسلام ليسَ فيه حياء !!؟ الإسلام كله حياء، هذا الذي يذكر العورات تحت ستار لا حياء في الدين فهذا يجهل الدين، يجهل حقيقة الدين.
ولا عيّابٍ، شخص اشترى طقم غالي وتكون القماشة غالية والخياطة ممتازة يقول له شخص آخر: الخياطة غير جيدة الساعد لم يُخيّط بشكل جيد، فخجل بنفسه، فلا همَّ له إلا أن ينتقد، أين ما وقع بصره ينتقد، هذا الإنسان لا يوجد عنده لباقة.
ولا مُشاحن وفي رواية ولا مدّاحٍ، أيام الإنسان يمدح الحاجة أكثر من الحد الطبيعي فماذا يحدث ؟ يبدو أنَّ هذا الإنسان مُحبٌ للدنيا، يعني إذا مدحت شيئاً فكُن مُعتدلاً في مدحِك، إذا مدحت الشيئَ فوقَ الحد المعقول شكَّ الناس في توازِنك.
ولا مزّاحٍ، يعني هناك شخص أربع أخماس كلامه مُزاح لا تعرفه جاد أو أنه يمزح، طبعاً هذا مما يُسببُ حرجاً. " من كثر مزاحُهُ قلّت هيبته " ليس معنى ذلك أنَّ المُزاح حرام، كان عليه الصلاة والسلام يمزحُ ولا يمزحُ إلا حقاً، يعني مرةً أمسكَ بأحد أصحابِهِ من عينيه وقال من يشتري هذا العبد فقال هذا الصحابي: إذا تجدني كاسداً، فقال عليه الصلاة والسلام أنت عندَ الله لستَ بكاسد، مرةً صحابي قال أبشر بدخول الجنة فقال وأنا ؟ الثاني أحرجه، الأول يعني في مستوى الجنة فقال له: سَبَقَكَ بِها عُكاشة، جواب بمنتهى اللُطف.

((يتغافل عمّا لا يشتهي))
يعني في مجلسه صاحبي تكلّم كلمة كان يجبُ ألاّ يقولها فلا يُعلّقُ عليها يتغافل عنها كأنه لم يسمعها، يعني إنسان تجشأ كأنهُ لم يفعل إلا مرةً واحد فعلها كثيراً فقال له: كُفَّ عنّها جشأكَ... يعني موقف واحد تثائب كثيراً والثاني تجشأ.. فرضاً.. واحد رفع صوته والثاني يتغافل عمّا لا يشتهي، قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تحمروا الوجوه))
لا تُحرج الناس، غلط وندم على الغلط فكأنه لم يقولها
ولا يُيأسُ منه راجيه، يعني إذا رجاه إنسان كان موطن راجيه، ولا يخيبُ فيه راجيه، قد تركَ نفسه من ثلاث:
1- من المِراء: قال سمعت هذا بركان كولومبيا قتل خمس وثلاثون ألف خلال يومين يقول الآخر غير معقول أنا سمعت خمسة عشرة ألف فقام الخِلاف بينهما..... " هذا المِراء، فهذه ليسَ لها علاقة بالدين مررها له خمسُ وثلاثون، هناك شخص عنيد يبقى على نِقاش حتى يقوم بتفشيل صاحبه.. هذا مِراء..، أما لو كانت القضية خِلافية في الدين فالسكوت عنها لا يجوز، أمّا قضية إخبارية.
2- والإكبار: هناك شخص نفسه محور العالم أو محور الحاضرين.. سافرت وعدت وبعت واشتريت وسكنت

وكأنهُ فقط هو الذي يجلس في المجلس فهذا الذي يجلس بجانبك ليس بتاجر، أنت تتكلم عن رحلاتك وصفقاتك وفي أي فندق نزلت و...... فهذا لا يهم الحاضرين بل يتضايقون منه، فهو يجب أن تكون حركاته وسكناته محور الحديث كله.. هذا الإكبار..، كان عليه الصلاة والسلام لا يتحدث عن نفسهِ إطلاقاً، وما لا يعنيه وتركَ الناسَ من ثلاث: كان لا يذمُّ أحداً، ولا يعيبُهُ، ولا يطلبُ عورته.. أخطاؤه. سمعنا البارحة الجار الفلاني قد تشاجر مع زوجته ماالسبب يا تُرى ؟
الشخص الفلاني لم يُنجب أولاد فياترى منه أم من الزوجة ؟ ".. ليس لكَ علاقة بكل هذه الموضوعات.
3- ولا يتكلّمُ إلا فيما رجى ثوابُهُ، والدارُ لهوٌ
((والذين هم عن اللهو معرضون))
وقال العلماء: كل ما سِوى الله لهوٌ.

(( وإذا تكلّم أطرقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير))
كان له هيبةً شديدة ومحبة فإذا سكتَ تكلّموا، حيث أنه يتكلم فالكل له مستمعون، غير ممكن أن يُقاطعه إنسان إلى أن يسكت ويقول يافُلان تكلم فيتكلّم، أمّا الشخص يُقاطعُك أول مرة والثانية والثالثة ويقول لك "من غير قطع لحديثك "، فإذا سكت تكلّموا لا يتنازعون عنده الحديث، من مكانته العليّة عند أصحابِهِ لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّمَ عِنده أنصتوا له حتى يفرغ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له، حديثهم عنده حديث أولهم، دائماً التفوق والسبق والفوز.. حديث أولهم.. وليس حديث الضِعاف وحديث الكُسالى بل حديث المتفوقين السابقين السابقين.

((يضحك مما يضحكون منه))
يعني أحياناً وهذه تحدث مع المدرس الطالب تصرّف تصرف مضحك فالطلاب ضحكوا.. المدرس لا..، اضحك معهم حيث أنَّ الموقف مُضحك والطلاب ضحكوا ضحكة بريئة فكُن أنت طبيعي واضحك معهم، إذا المدرس ضحك مع طلابه صار هناك شيئ من الأُلفة، أمّا الشيئ مُضحك فعلاً والمدرس بقي ساكت "عبوساً قمطريراً " صار هناك تفلُت، كان عليه الصلاة والسلام يضحكُ مما يضحكون منه.. جُبران خاطر أحياناً، شخص روى لكَ نكتة فلم تضحك فشعر بنفسه بالخجل أي أنها ليست مضحكة لو لم تكُن مُضحكة اضحك ضحكة خفيفة كي لا يخجل بنفسه.

(( ويتعجّب مما يتعجبون منه))
(( ويصبر للغريب على الجفوة ))
قال: اعدل يا مُحمد، قال: ويحك من يعدل إن لم أعدل ؟ يعني عليه الصلاة والسلام تحمله، واحد قال له أعطني مما أعطاكَ الله فأعطاه وسأله هل أحسنت إليك ؟ فأجاب لا أحسنت ولا جمِلت، فأصحابه الكِرام كادوا يثبون عليه فقال لهم النبي: دعوه لي، أخذه إلى البيت وزاده عطاءً وسأله هل أحسنتَ إليك ؟ فأجاب نعم أحسنتَ وأجملت، فقال له النبي: لقد سألتنا فأعطيناك فقُلت ما قُلت وفي نفسِ أصحابي شيئ فإذا خرجت لعندهم الآن فقُل لهم مِثلَ ما قُلتَ لي، خرجَ النبي مع هذا الأعرابي وقال: إنَّ هذا الرجل جاءنا فسألنا فأعطيناه فقالَ الذي قال فلمّا زِدناه رضي، أكذلك يا أعرابي ؟ قال: نعم أحسنتَ وأجملت وانصرف، قال مَثَلَي ومَثَلُ هذا الأعرابي كمَثَلِ رجل له ناقةٌ شردت منه فجعَلَ أصحابَهُ يتبعونها حتى زادوها شروداً فقال خلّوا بيني وبينها، فطلبها وأعطاها بعض خشاش الأرض إلى أن لانت، فقال لو تركتكم وشأنكم لهلكتُم وهَلَكت.. انظر للرِقة.. كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب، أيام يدخل أخ جديد ويقول: السلام عليكم، هذه خِلاف الأصول الإسلامية حيث أنه في مجلس العِلم لا يوجد سلام، فإذا قال له واحد بصوت خفيف وعليكم السلام يكون قد خففَ من خجلِهِ.. هذا غريب لا يعرف..، واحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة واحد عطس فقال يرحمكم الله، فأصحاب رسول الله ضربوا على أرجلِهم فخاف هذا الرجل وبقي بخوف شديد حتى انتهت الصلاة طلبه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له: إنَّ هذا الكلام لا يصحُ في الصلاة، فقال هذا الأعرابي فوالله ما رأيت معلماً أحكمَ منه والله ما كهرني ولا نهرني.. إنه لا يعرف..
أيام يأتي طفل ليُصلي أول مرة في الجامع فلم يعرف أن يقف فيُقال له عُد للخلف يبقى مُعقّد، قال لي شخص: أنا الدين كله أحببته حيث دخلت إلى الجامع منذ صَغري وكنت قد اشتريت حذاء جديد وعندما خرجت لم أجده فبكيت " الجامع في سوق الحمدية " فشاهده تاجر وسأله فقال له ما جرى، فقال التاجر له تعالى واشترى له حذاء بدلاً منه، هذا الموقف مع هذا الطفل الصغير طيلة حياته يُحب الصلاة، طفل دخل إلى الجامع قُم بتدليله وإكرامه وإذا صلّى في الصف الأول ما المانع ؟؟ أيام يجلس على قدميه فينهره شخص ويقول له اجلس جيداً.. ليست هذه في الأساس الدعوة إلى الله.. هذه فظاظة.. من أمرَ بمعروف فليكن أمره بمعروف، هذا الطفل عبد الإحسان، عليه الصلاة والسلام كان يتصابى للصبيان قال: من كان له صبيٌ فليتصابى له، إذا مرَّ في الطريق وكان فيه صبيان يقول: السلام عليكم يا صبيان.
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر للغريب على الجفوة في منطقِهِ ومسألتِهِ حتى إن كان أصحابهُ ليستجلبونهم ويقول إن رأيتم طالِبَ حاجةٍ فأرسلوه ولا يقبل الثناء إلا من مُكافئ، يعني واحد سفيه يمدحه لا يرضَ ذلك، يقبل الثناء من واحد مستواه راقي لأنَّ مدح السفيه سفاهة، ومدحُ السفيه إهانة.

((ولا يقطع على أحدٍ حديثه))
قال وتراه يُصغي للحديثِ بسمعِهِ وقلبِهِ ولعلّه أدرى بِهِ حتى يجوز ويقطعه بنهيٍ أو قيام.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:08 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 22 : حكم السؤال عن الشبهات - شمائل النبي صلى عليه وسلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-04-13
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
حدثتكم من قبل عن موضوع الشبهات وكيف أن الحلال المطلق كالأبيض الناصع والحرام المطلق كالأسود الداكن وبين الحلال والحرام حالات كثيرة جداً اشتبهت على الناس لا يعلمها كثير من الناس، وأن هذه الشبهات كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]
بينت لكم من قبل أن هناك مسارات للشبهات، ترجيح السبب المحلل والسبب المحرم اختلاط الحلال بالحرام، هذه المسارات أنهيناها.
درسنا اليوم متى يباح للمسلم أن يسأل حول شبهةٍ ما، هل يباح له أن يسأل، هل محرم عليه أن يسأل، هل يجوز أن يسأل، هل مندوب أن يسأل، مثلاً يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: اعلم أن كل من قدم إليك طعاماً أو هديةٍ أو أردت أن تشتري منه فليس لك أن تفتش عنه وتقول هذا مما لا أتحقق حله، فلا أخذه، وليس لك أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا يتيقن تحريمه، بل السؤال واجب مرةً وحرام مرةً ومندوب مرةً ومكروه مرةً، فلابد من تفصيل ذلك، يعني متى يجب أن تسأل، متى يحرم أن تسأل، متى يندب أن تسأل، متى يستحب أن تسأل، متى يكره أن تسأل ؟ السؤال أولاً هذا الذي قدمه إليك فلان المال هناك بحثان، هناك موضوع متعلق بالمالك، وموضوع متعلق بالمال نفسه، فالمالك لا يمكن إلا أن يكون إحدى أشخاص ثلاثة، أولاً أن يكون مجهولاً، ثانياً أن يكون معلوماً، ثالثاً أن يكون مشكوكاً فيه، ما معنى مجهول ؟ أي لا تعرف صلاحه من فساده، شخص يركب سيارة عامة معه كيس من العنب قدم لك عنب شخص عادي لا تعرف عن صلاحه شيئاً ولا عن فساده شيئاً هذا الشخص غير مشكوك فيه اسمه مجهول، وشخص تشك في أن ماله حرام في دلائل إذا كان في دلائل في بحث مستقل، وشخص متيقنٌ أنت أن ماله حرام، مالك هذا المال إما أن يكون مجهولاً أو أن يكون معلوماً أو أن يكون مشككاً فيه، فما موقفي إن كان مجهولاً ؟
المجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه، إنسان عادي ليس في عمله، أو حرفته، أو تصرفاته، أو حركاته، أو سكناته ما يدل على أنه فاسد أو أن ماله حرام، هذا اسمه مجهول فإذا دخلت قريةً لا تعرفها فرأيت رجلاً لا تعرف من حاله شيئاً وليس عليه علامةٌ تنسبه إلى أهل الصلاح أو إلى أهل الفساد فهو مجهول وإذا دخلت بلدةٌ غريباً ودخلت سوقاً ووجدت خبازاً أو قصاباً أو غيره وليس هناك علامة تدل على كونه ذي مال حرام هذا أيضاً مجهول لكن أحد العلماء قال: منذ ثلاثين سنةً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته، العلماء بعضهم لا يفرق بين المجهول وبين المشكوك فيه إذا كان هناك شك اترك وإذا ما كان هناك إطلاقاً شيء مباح لأن العلماء قالوا: الأصل في الأشياء الإباحة أما التحريم فيحتاج إلى دليل.
فقال هذا: منذ ثلاثين عاماً ما حاك في قلبي شيء إلا تركته وتكلم جماعة في أشق الأعمال فقالوا: هو الورع، قال لهم حسان بن أبي سنان: ما شيء عندي أسهل من الورع إذا حاك في صدري شيء تركته، يعني إذا شيء مشكوك فيه تركه سهل أما إذا كان شيء مجهول العلماء قالوا ليس هناك حرج في أن تأخذ أو أن تشتري أو أن تعامل شخص لا تعرفه وليس في حاله أو مقاله أو هيئته أو حركاته أو سكناته ما يدل على أنه فاسد، هذا اسمه مجهول.
فالمجهول إذا قدم لك طعاماً أو حمل لك هديةً أو أردت أن تشتري من دكانه شيئاً فلا يلزمك أن تسأله، السؤال غير مطلوب أخي مالك حلال، مجهول لا يوجد أي علامة يسمونه علامة، لا يوجد علامة تؤكد أنه فاسد وذو مال حرام، ولا يوجد علامة تؤكد أنه صالح إنسان حيادي، بل يده وكونه مسلماً، يده على الشيء معنى يده على الشيء أي له دكان أعطاك شيء من دكانه قال لك تفضل، يده عليه يد الملك، وهو مسلم، بل يده وكونه مسلماً دليلان كافيان في الهجوم على أخذه، مادام هذا الشيء تحت يده إذاً في ملكه وهو مسلم إذاً يعرف الحق من الباطل، وليس هناك ما يشير إلى فساده أو إلى أن ماله حرام، إذاً ليس لك أن تسأله إطلاقاً ولك أن تهجم على ما في يده بمعنى أن تأخذه وأنت مطمئن، من دون تريث، من دون تردد من دون شك، من دون وجل، من دون قلق، وليس لك أن تقول الفساد والظلم غالب على الناس، فهذه وسوسة وسوء ظن، لهذا المسلم بعينه وإن بعض الظن إثم، أخي الناس كلها أموالها حرام يا لطيف شيء يخيف، هذا كلام باطل لا يوجد معك دليل والرجل مسلم وهذا الشيء تحت يده وقدمه لك وضيفك، وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك أن لا تسيء الظن به فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فساداً في غيره فقد جنيت عليه إذا أسأت الظن بعينه لأنك رأيت الفساد بغيره فقد جنيت عليه، إذا أكثر الناس فسدوا أكثر الناس مالهم حرام هل عندك دليل على أن هذا الإنسان بالذات ماله حرام ؟ هذه جناية عليه وأتيت به في الحال نقداً من غير شك، يعني انتقدته وأنت لست شاكاً في ماله.
والصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى، القُرى غير القِرى، القِرى الإكرام هذا جناس ناقص، رجل قال: يقيني بالله يقيني، هذا جناس تام، يعني يقيني بالله يحفظني، المرء تحت طي لسانه لا تحت طيلتانه، الطيلتان هو الثوب، وكم من ملك رفعت له علامات فلما علا مات، هذا كله من الجناس التام.
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في قرى ولا يردون القِرى، أشخاص عاديين قدموا لهم طعاماً، ويدخلون البلاد لا يحترزون من الأسواق، في شيء منطقي المسلم طبيعي التكلف والتعنت والتشدد بغير مكانه هذا غلو في الدين قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)﴾
[ سورة المائدة ]
غلو في الدين، تزمت، وكان الحرام أيضاً موجوداً في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا من ريبة، سيأتي بعد قليل متى يجب أن تسأل في حالات يجب أن تسأل أهذا المال حلال أم حرام ؟ يعني شخص مجهول يعني لا يوجد دليل على فساده ولا دليل على صلاحه فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يسأل عن كل ما يحمل إليه بل سأل في أول قدومه المدينة عما يحمل إليه أصدقة أو هدية ؟ وهذا السؤال مهم جداً إذا قلت له صدقة لها وجوه، الصدقات لها أصحابها لها مستحقوها هناك فقراء، هناك مساكين، هناك محتاجون، هناك ابن السبيل هناك غارمون، هناك مرضى، هناك طلبة علم، هناك أبواب محدودة وواضحة جداً لإنفاق الصدقة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قُدم له طبق من تمر فقال: أصدقة هو أم هدية، فإن قيل صدقة لم يأكل ولا تمرة، وإن قيل هدية قال: بسم الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قدم المدينة سأل أول مرةٍ عن شيء حمل إليه أصدقة هو أم هدية، في سبب لأن أصحابه الكرام المهاجرين كانوا فقراء جداً فصار الأنصار يقدمون لهم ما يعينهم على حياتهم لعل هذا الذي قدم هذا المال على نية الصدقة هنا صار في التباس، فالنبي الكريم سأل فغلب على الظن أنه ما يحمل إليهم بطريق الصدقة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعى إلى الضيافات فيجيب، ولا يسأل هذا الطعام صدقة أم لا لأن العادة جرت أن الطعام الذي يقدم للناس ضيافةً وليس صدقةً.
لكن سيدنا الصديق سأل أحد غلمانه عن هذا الطعام من أين أتيت به ويبدو أنه شك وسيدنا عمر أيضاً سأل عن الذي سقاه من لبن الإبل هل هذا من إبل الصدقة أيضاً سأل يعني غلام عنده قدّم له كوب من الحليب وهذا الغلام مشرف على إبل الصدقة هنا في موضوع سؤال من أين أتيت بهذا الحليب ؟ أمن إبل الصدقة معه حق أن يسأل صار في شك.
وكل من وجد ضيافةً عند رجل مجهول لم يكن عاصياً بإجابته من غير تفتيش، أنت في بلد وإنسان رآك عربي وأنت في بلد أجنبي وهذا الشخص عربي أيضاً دخلت إلى بيته ولا يوجد شيء يدل على فساده دعاك إلى الغداء طبيعي جداً لا يوجد خطأ ولا فساد، قال حتى لو رأى في داره تجملاً ومالاً كثيراً فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير فهذا حرام، هنا نقطة لطيفة إذا الإنسان اشتغل بتقوى الله عز وجل يعيش حياة كريمة، لكن لا يوجد ثراء فاحش، الثراء الفاحش أن تنتقل بين عشية وضحاها من إنسان فقير إلى إنسان غني جداً هذه النقلة المفاجئة هذه مشكوك فيها لأن الطريق المشروع يجعلك تكسب المال بشكل معقول أما النقلة الهائلة من الصفر إلى كل شيء هذه نقلة مشكوك بها ومع ذلك لو دعيت إلى طعام ورأيت في البيت تجملاً ومالاً كثيراً ليس لك أن تقول الحلال عزيز وهذا كثير فمن أين اجتمع له هذا الحلال ؟ قد يكون هذا الشخص قد ورث هذا المال أو اكتسبه فهو بعيله يستحق إحسان الظن به، وليس له أن يسأله.
يعني إذا شك في الأمر يتلطف في الانسحاب من دون ما يسأله إذا أن الأمر فيه شبهة يتلطف في الانسحاب أما السؤال فيه إحراج والسؤال فيه خدش، إذا كان الوقوع في أكل طعام غير حلال فإن السؤال ربما يزيده نفوراً.
سألني رجل منذ مدة سؤال رجل تبرع لجامع بمبلغ من المال وهذا الشخص له معاصي فاللجنة اتخذت قراراً برفض المبلغ، قلت له: هذا غلط، إذا إنسان تقرب إليكم بمبلغ من المال فإذا قبلتموه لعله يزداد إحساناً ولعله يتوب ليس هذا المال هو الحرام في نقطة دقيقة جداً ليس عين المال هو الحرام، بل طريقة كسبه، يعني إذا تلقينا مبلغ من المال للمسجد هذا المبلغ الخمسمائات هذا حلال ليست الحرمة في عين المال ولكن الحرمة في طريقة كسبه، مثل أوضح من ذلك لو إنسان بائع أقمشة وقفت عليه امرأة مومس مثلاً واشترت منه قماشاً هذا المال الذي أخذه ثمن هذا القماش أخذه حلالاً طريقة كسب المائة ليرة طريقة مشروعة قماش جيد سعره معتدل ما أخفى عليها العيب القياس صحيح الكيل صحيح يعني طبق كل الأشياء الصحيحة في بيع هذه المرأة، أما هي كيف كسبت هذا المال الحرمة عليها لا على البائع.
إذاً الحرمة في المال ليست في عين المال بل في طريقة كسبه يوجد نقطة دقيقة يقول الإمام الغزالي: ليس الإثم المحزور في إيذاء المسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة يعني إذا سألته عن ماله وشعر أنك تحقق معه وأنك شاكاً في صلاحه وانجرح منك هذا الإثم أبلغ من إثم أكل الشبهة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: يسروا ولا تعسروا سددوا وقاربوا بشروا ولا تنفروا.
يعني الإنسان يجب أن يكون معتدلاً لا أن يكون قاسياً، ولا يجوز للمسلم أن يسأل غير هذا الرجل من حيث يدري هو به، ما سألته له دخل ابنه أبوك ماذا يعمل ؟ أنتم هل يوجد لديكم مال حرام ؟ فالابن قال لوالده، نفس الشيء، ولا يجوز أن يسأل من يدري شخصاً آخر إذا سألته علم المضيف أنك تسأله، أيضاً هذا لا يجوز، هذه تشبه الغيبة والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾
[ سورة الحجرات ]
ثم يقول الإمام الغزالي فليعلم أن طريق الورع ترك دون التجسس وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل دون أن تتجسس، نقطة لطيفة جداً يقول الإمام الغزالي: هذا هو المألوف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع.
أصحابي علماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، من زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع، يوجد رجل أراد أن يطوف في مكان أبعد من المكان الذي طاف منه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له أحدهم ويلك تفتن، قال: كيف أفتن وأنا أطوف البيت، قال له وأي فتنة أعظم من أن ترى نفسك سبقت رسول الله.
النبي الكريم وأصحابه الكرام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ))
[ الترمذي ]
فإذا توهمت أنك أشد ورعاً منهم فهذا هو الضلال بعينه هكذا يقول الإمام الغزالي ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع.
صلى الله عليه مرةً أكل طعام بربرة، قدم له طعام فأكله فقال بربرة إنه صدقة يا رسول الله، يروون أن بعض الأصحاب وضع يده في فمه وتقيأ، أما انظروا الموقف الكامل قيل له إنه صدقة:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ))
[ مسلم ـ النسائي ـابي داود ـ أحمد ]
صار التباس تمرة أكلها، قال هي لها صدقة ولنا هدية، لأن هذه تقيأ... ليست واردة وهذا الموقف الكامل.
الآن إذا كامن مشكوك به، يعني أيام الإنسان يشك بشخص بسبب دلالة أورثت ريبةً فالنذر صورة هذه الريبة، أما الصور أن تدله على تحريم ما في يده دلالة إما من خلقته، أو من زينته، أو من ثيابه، أو من فعله، أو من قوله، يجوز أن ترى شخصاً وتشعر أن ماله حرام يلبس زي يرتديه أصحاب الملاهي، دخلت إلى بيته فوجدته كله صور عارية مثلاً أشياء واضحة البيت ليس طبيعي معنى هذا أن مصلحته سيئة ولن نفصل في هذه الأشياء وفهمكم كافي.
هذا صار مشكوك فيه إذا إنسان صار مشكوك به أيضاً أنت لك حكم، أيام تجد إنسان ظفره طويل وعلكة في حنكه، طوق في يده ووضعه ليس طبيعي ويلبس أحد الصرعات، ودعاك إلى طعام لا تقبل بهذه الطعام، قال لك تعال لأوصلك بسيارتي، لا تحتاج إلى هذه الركبة، وضعه ليس طبيعي وضعه خنثى مثلاً، أو دخلت إلى بيته ما شعرت فيه مثلاً النساء مع الرجال مختلطين، أنت انسحب بسرعة لأن هذا البيت ليس لك وهذه الجلسة ليس لك، إذا شكيت في الهيئة أو بالحركة أو باللباس، أو حامل مجلة منحطة ودعاك هذه المجلة كافية وحدها، هذه المجلة لا يحملها إلا إنسان غير ورع بعيد عن الدين إنسان يحمل مجلة، كتاب، فيلم يحمله بيده، هذا إنسان مشكوك فيه غير المجهول.
فقالوا: مثل هؤلاء الترك من الورع، والهجوم على تلبية الدعوة غير جائز، لقوله عليه الصلاة والسلام:

(( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ))
لكن هنا في نقطة إذا كان الدليل على أن أكثر ماله حرام، له مصلحة واحدة كلها حرام هذا فيه امتناع قطعي، له مصلحة حلال لكن في له دخل حلال، إذا غلب على ظنك أن أكثر ماله حرام لا ينبغي أن تأكل منه شيئاً ولا أن تلبي دعوته، أما إذا كان له مصلحة صحيحة إلا أنه مشكوك في بعض الدخل أنه حرام عندئذٍ الإقدام جائز والترك أورع.
الحالة الثالثة أن تكون حالة المالك معلولةً بنوع من الخبرة والممارسة بحيث يوجب ذلك ظناً في حل المال أو تحريمه، تعرف أن هذا الإنسان صالح وتقي وورع وانتهى الأمر أو تعرفه أنه سيء وماله حرام انتهى الأمر، هذه الحالة الثالثة سهلة، طبعاً لا يجوز أن تأكل طعاماً إلا عند تقي وأن لا يأكل طعامك إلا تقي كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي))
يعني إذا أحدكم عاهد نفسه أن لا يصاحب إلا مؤمناً وأن لا يأكل طعامه إلا تقي حلت مشكلاتنا.
الآن ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام إذا اختلطوا، كان الحديث من قبل عن مالك المال، الآن على المال نفسه إذا في اختلاف بين الحلال والحرام هذا البحث طويل إلا أن ملخصه كلمات إذا كان في السوق في بضاعة مسروقة واختلطت مع البضاعة المباعة ولم تستطع تمييزها فشراؤك من السوق حلال، إذا الحلال اختلط بالحرام من دون تمييز وغلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حلال ليس لك أن تسأل ولك أن تشتري، أما إذا غلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حرام أو أمكنك التمييز بين الحلال والحرام فالأولى أن تسأل وأن تتحقق.

* * *
والآن إلى بعض شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم، وقاره العظيم، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس وقاراً وأعظمهم أدباً وأرفعهم فخامةً وكرماً، روى أبي داود مراسيله قال: أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه.
أم انتهى الأمر، هذه الحالة الثالثة سهلة، طبعاً لا يجوز أن تأكل طعاماً إلا عند تقي وأن لا يأكل طعامك إلا تقي كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي))
يعني إذا أحدكم عاهد نفسه أن لا يصاحب إلا مؤمناً وأن لا يأكل طعامه إلا تقي حلت مشكلاتنا.
الآن ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام إذا اختلطوا، كان الحديث من قبل عن مالك المال، الآن على المال نفسه إذا في اختلاف بين الحلال والحرام هذا البحث طويل إلا أن ملخصه كلمات إذا كان في السوق في بضاعة مسروقة واختلطت مع البضاعة المباعة ولم تستطع تمييزها فشراؤك من السوق حلال، إذا الحلال اختلط بالحرام من دون تمييز وغلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حلال ليس لك أن تسأل ولك أن تشتري، أما إذا غلب على ظنك أن أكثر ما في السوق حرام أو أمكنك التمييز بين الحلال والحرام فالأولى أن تسأل وأن تتحقق.

* * *

والآن إلى بعض شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، من آدابه العامة صلى الله عليه وسلم، وقاره العظيم، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس وقاراً وأعظمهم أدباً وأرفعهم فخامةً وكرماً، روى أبي داود مراسيله قال: أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه. ((عن حَفْصَةُ ابْنَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَجَلَّلَهُ فَتَحَدَّثُوا ثُمَّ خَرَجُوا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى هَيْئَتِكَ فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ تَجَلَّلْتَ بِثَوْبِكَ فَقَالَ أَلا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ ))
[ الترمذي ]
هات لي في الشام كلها عالم من الدرجة العاشرة جالس في المجلس وكاشف عن فخذه هل تليق هذه به ؟ هذه ليست معقولة، اسمعوا النبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الوقار لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف، يشمر إلى هذا الحد ليس وارد هذا، يعني إذا كان الإنسان العادي من بعده بألف وكذا سنة ليس معقول إلا وأن يظهر بمظهر كامل هكذا النبي صلى الله عليه وسلم، يوجد أشياء غير مقبولة العقل لا يقبلها أنه كاشف عن فخذه والسيدة عائشة جالسة وسيدنا الصديق ثم دخل سيدنا عمر، وعائشة جالسة عنده لا يحق لعمر أن يرى عائشة، دخل عثمان فاستحى وقال ألا أستحي ممن تستحي الملائكة منه، هذا الكلام الحق الكلام الحق أنه صلى الله عليه وسلم لا يظهر شيئاً من أطراف جسمه الشريف.

(( عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ نَعُودُهُ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا ))
[ ابن ماجة ]
يعني إذا إنسان دخل إلى مجلس علم وليس له مكان يجب أخوانه يفسحون له إكراماً له، دخل شخص متقدم بالسن إذا شاب جالس على الحائط فأجلسه مكانه هذا إكرام كبير الشاب يتمكن أن يجلس ساعة من دون أن يسند نفسه أما المتقدم بالسن يحب أن يستريح فإذا شاب تنازل عن مكانه.
صلى الله عليه، دخل سيدنا أبو بكر وإلى جانبه علي رضي الله عنه فقام علي ليجلس أبا بكر تبسم عليه الصلاة والسلام وقال:
لا يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ إلا أهل الفضل.

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرِ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمِ الصَّغِيرَ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ))
فالنبي الكريم وهو سيد البشر لما جاءه أصحابه رفع رجليه، حتى أنه قيل ما رؤي ماداً رجليه قط في حياته، طبعاً كان بالفراش مضجع ومع ذلك ضم رجليه، إذا أحد زارك وأنت مريض وأنت على السرير، يعني النبي الكريم وهو مستلقي على السرير رفع رجليه تحت الغطاء فقال:

(( سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلا حَيَّوْنَا وَلا عَلَّمُونَا إِلا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا ))
وكان عليه الصلاة والسلام يقدم كبير القوم في الكلام ولك من باب التكريم وحفظ المراتب وتنويل الناس منازلهم.

(( عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلا عَلِمْنَا قَاتِلاً فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً فَقَالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ قَالَ فَيَحْلِفُونَ قَالُوا لا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ))
[ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ]
يعني ليتكلم أكبركم، كان يعرف لكل إنسان مكانته، إلا أنه مرة دخل على سليمان بن عبد الملك وفد يتقدمهم غلام صغير فغضب هذا الخليفة وقال لحاجبه ما شاء أحد يدخل علي حتى دخل حتى الصبيان، فقال هذا الغلام الصغير: أصلح الله الأمير إن دخولي عليك لن يقلل من قيمتك لكنه شرفني، أصابتنا سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم وسنة دقت العظم ومعكم فضول مال فإن كانت لله فعلامَ تحبسونها عن عباده، وإن كانت لنا فأعطنا إياها، وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا معكم أموال زائدة إما هذا لله ونحن عباده، وإما أنه لنا فأعطوها لنا وإما أنه لكم فقال هذا الخليفة: والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدةٍ عذراً.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخل عليه وفد الحجازيين يتقدمهم غلام فغضب، قال: اجلس أنت أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً، فقال أصلح الله الأمير المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس، يعني سرّ عمر من هذه الإجابة، فالنبي الكريم وهذه سنته المطهرة كان يعرف لكل إنسان مكانته، كان يقول:

(( قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرِ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمِ الصَّغِيرَ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ))
وأما تكريمه أهل الفضل فقال عليه الصلاة والسلام: البركة مع أكابركم.
يعني بالعصر الذي زعزعت مكانة الكبراء ضاع الناس، الناس بأكابرهم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))
[ أحمد ]
الآن استمعوا أيها الأخوة إلى سيدنا رسول الله كيف عامل عمه العباس هو رسول الله:

(( روى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى اله عليه وسلم فلما رآه قام إليه)) ـ رسول الله قام إليه ـ ((وقبل ما بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ثم قال: هذا عمي فمن شاء فليباهي بعمه))
ويروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس فقال اللهم هذا عم نبيك نتوجه به إليك فأسقنا بما برحوا حتى سقوا فخطب عمر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم.
وكان الصحابة الكرام يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه.
استمعوا أيها الأخوة:
إنه لم يمر العباس بعمر وعثمان وهما راكبان أبداً، لو صدف أن التقى سيدنا عمر وهو يركب دابته أو حصانه بسيدنا العباس لابد من أن ينزل عمر عن دابته إجلالاً له.
ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، هذا عم النبي، فكان سيدنا عثمان وهما خليفتان لم يمر بهما العباس وهما راكبان أبداً حتى يزيد العباس إجلالاً له ويقولان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا أدب رسول الله مع عمه العباس فكيف أدب العباس مع رسول الله استمعوا قيل للعباس أنت أكبر أم النبي ؟ ـ أيام الإنسان يكون عنده أخ صغير يتزوج وهو أخ أكبر يأتيه ولد أكبر من عمه هذه واردة، أو أكبر من خاله ـ فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله، وفي رواية هو أكبر مني وأنا أسن منه.
وذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب فقال: تنحى يابن عم رسول الله، قال: لا هكذا نفعل بالعلماء الكبراء.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
[ أبي داود ]
ولكن كم أتمنى على ذي الشيبة المسلم أن يستحي من الله، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: شاب شعرك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك.
إذا الإنسان تجاوز الثلاثين أو الأربعين لا يليق به أن يعصي الله أبداً لا يليق به أن يمزح مزحاً فاحشاً، لا يليق به أن يمضي الساعات الطوال على الطاولة، استحي مني فأنا أستحي منك.

(( إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
يعني إذا في قرية كان مدير ناحية، شاب مستقيم ما أساء بحياته احترامه واجب مدير منطقة، محافظ مثلاً، مستقيم في معاملته يقيم الحق يبطل الباطل واجب أن تحترمه إكرام هؤلاء واجب يحتمه النبي عليه الصلاة والسلام.
يوجد شيء لفت نظري في السيرة:

((عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ دَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالُوا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينَا عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ثُمَّ نَدِمْتُ فَقُلْتُ أَفْشَيْتُ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ فَلَمَّا دَخَلَ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ أَحْسَنْتِ ))
[ أحمد ]
الذي ترك في نفسي أثراً هذا الجواب ((كَانَ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ سَوَاءً ))، موقف واحد تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها، شيء معلن، شيء غير معلن لا يوجد، شيء للاستهلاك، شيء حقيقي، تمثيل لا يوجد، تزييف لا يوجد، دجل لا يوجد، الشيء الذي يقوله يفعله والشيء الذي يفعله يقوله، وما في نفسه على لسانه وما يقوله في قلبه.
قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
[ سورة آل عمران ]
علمنا النبي الكريم المشاورة يعني إذا كان مدير مؤسسة، مدير مدرسة، ثانوية معمل، موظف مهم تحته عشر موظفين، إذا استشارهم هذا أسلوب ذكي جداً، أسلوب يطيب قلوبهم، فأولاً العلماء استنبطوا حكمة المشاورة، أولاً تطيب نفوس أصحابه حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ومضوا فيه كالحرب وأمثالها يكون هذا عن طيب نفوسهم و اختيارهم يعني إذا كان الأب عمل سياسة تقشف في البيت جمع زوجته وأولاده وقال لهم سوف نشتري بيت ثاني أو نشتري لأخيكم محل وسوف نضيق مصروفكم قليلاً، إذا أخذ رأيهم هم يندفعون معه للتطبيق فإذا فرض عليهم هذا من علٍ يتبرمون، فمن الحكمة والذكاء أن تشاور أصحابك.
نعيد طرحه لأن المشاورة يحتاجها الأب، المعلم، كل إنسان له دور قيادي، لأن المشاورة لها فوائد كبيرة والنبي عليه الصلاة والسلام حثنا عليها وأمرنا بها، وربنا قال شاورهم في الأمر، وإنشاء الله لنا عودة في موضوع المشاورة في الدرس القادم.
أيام أخ يسألني سؤال إجابته كلمة واحدة لكن أحب أن أراه يسألني شاهدت أحدهم يقبل أسفل الضريح ويتوسل بصاحبه إلى الله فهل هذا مباح ومقبول، أتمنى من هذا الأخ الكريم كاتب هذا السؤال أن أجيبه إجابة خاصة له لأن تقبيل الضريح والتوسل برسول الله مقبول ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)﴾
[ سورة المائدة ]
أما بالأموات الميت انتهى دوره، رسول الله قال: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم لكل عصر واحد يسمو به، الشيخ محي الدين قال وأنا لهذا العصر ذاك الأوحد مهمتهم في حياتهم فإذا توفاهم الله عز وجل فالمهمة للأحياء، أما النبي عليه الصلاة والسلام حياته كمماته:
(( من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي))
و تعرض علي أعمالكم، الله عز وجل من باب الإكرام أوكل ملائكة ينقلون إلى هذا النبي الكريم أعمال أمته من بعده، ما سوى النبي عليه الصلاة و السلام لا يجوز التوسل لأن هذا الإنسان مهما كان عند الله عز وجل عالي الشأن انتهت وظيفته و الناس يتعلقون بالأموات لأن هذا الميت لن يحاسبه لكن هذا الحي سوف يحاسب، أي إذا رجل له مرشد حي يمنعه عن بعض المعاصي، يسأله، يستفتيه أما الميت التوسل لا يوجد منه شيء، فالإنسان عليه أن يتيقن من كل عمل يفعله، طبعاً إكرام الأولياء واجب، تقديسهم واجب، لكن أن يبلغ التقديس بنا أن امرأة تمسك مقام محي الدين و تقول: يا شيخ محي الدين أريد ولداً، قولي يا الله، أما يجيب المضطر إذا دعاه عندما الإنسان يبالغ بالتوسل لدرجة أن هذا الولي جعله إلهاً يسأله اسأل الله عز وجل، إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله أي الموقف المعتدل هناك من يكفر الأولياء و هناك من يجعلهم آلهة كلاهما غلط، أن تجعلهم آلهة هذا شرك بالله عز وجل و أن تكفرهم أيضاً هذا تجني عليهم أناس علماء قدموا خدمات كبيرة، و إذا رأيت في كتبهم ما ليس في كتاب الله فهذا مدسوس عليهم، هم بريؤون منه العالم لا ينطق إلا بالحق فإذا وجدت في كتابه باطلاً أغلب الظن أن هذا الباطل مدسوس عليه، فالموقف المعتدل لا نكفرهم و في الوقت نفسه لا نجعلهم آلهة، إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله لكن ليكن لك في الدنيا مرشد تتلقى منه العلم، أي المقولة التي تقول: من لا شيخ له فشيخه الشيطان إلى حد ما مقبولة، فالذي لا يوجد له انتماء إلى أي مرشد تجده يعيش على هواه يحلل و يحرم، إذا واحد له رجل يهتدي على يده، يسأله، يستفتيه، يسمع منه، يفسر له كتاب الله يكون من السعداء، أما الإنسان يعيش وحده يفتي على هواه كل المعاصي، هذه لابد منها و هذه ضرورية وهذه العصر يفرضها علينا و هذه من أجل التيار العام... فعندما الإنسان يعيش وحده أغلب الظن يقع بمعاصي كثيرة، أي الله عز وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
[ سورة التوبة ]
كن معهم:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
[ سورة الكهف ]
أي أنا من يومين ثلاثة وقع تحت يدي كتاب قيم، الكتاب عن علماء الشام في القرن الرابع عشر، تأريخ لطيف مختصر لكل علماء الشام لكن عند بعض العلماء هناك شطحات أحد العلماء زارته امرأة مزينة بالحلي و الأساور، في البيت ماتت و كره موتها في بيته صارت عبئاً، قال لها: قومي يا، قامت مشيت و بالبيت هناك ماتت بعد ذلك، هذه إحياء الميت صارت، هذه فقط لسيدنا عيسى، إحياء الميت فكيف الكتاب تورط و ذكر هذه القصة ؟ الإنسان دائماً النبي له حد، فعندما الإنسان يعطي كل إنسان حجمه الحقيقي يكون منصفاً قيل لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله و يدلك على الله مقاله كلام منطقي، أي يدعوك إلى الله و أحواله طيبة، أما قم يا أو و الله مشت، كانت ميتة مشت، أي هناك أشياء العقل صعب أن يقبلها، هذه إحياء أموات أصبحت هذه معجزة و هذه لسيدنا عيسى، هذا معناه أنه يوجد سيدنا عيسى ثان على هذا اللون، فكل شيء له حجم حقيقي المبالغة غلط و التقليل غلط كلاهما باطل.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:09 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس23:القناعات والمواقف: الفرق بينهما . الانتقال من القناعات إلى المواقف
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-04-20
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم:
من حين إلى آخر تتوق نفسي إلى الحديث في موضوع خاص فالأحاديث تتجه جهتين إما أن يتجه الحديث إلى إحداث قناعة في الإنسان وإما أن يتجه الحديث إلى إحداث موقف في الإنسان، فرق بين القناعة والموقف، العلم الشريف تفسير القرآن الكريم، تفسير الحديث الشريف، أحكام الفقه، أحكام العبادات، هذه كلها تحدث في الإنسان قناعةً، ولكن حديثاً آخر قد يحدث في الإنسان موقفاً فإذا وازنا بين القناعة والموقف، فرق بينهما كبير، قد يقنع الإنسان بشيء ولا يطبقه، هذه القناعة تكون عليه حسرةً يوم القيامة، لو سألت مسلمي الأرض وهو يزيدون عن ألف مليون مجموعة أسئلة، أجابوك جميعاً إجابةً صحيحة، من ربك ؟ الله ربي ما دينك ؟ الإسلام ديني، من نبيك ؟ محمد نبي، هل تؤمن بالجنة ؟ يقول نعم وكيف لا أؤمن بها، هل تؤمن بالنار ؟ نعم وكيف لا أؤمن، هذه القناعات ما قيمتها إن لم تنقلب إلى حياة إلى سلوك، إلى تجربة، هذه القناعات تبقى في الذهن ولكن النفس ما تزال شقيةً بالبعد عن الله، لا تزال النفس ضائعةً، لا تزال شاردةً لا تزال خائفةً، لا تزال منافقةً، لا تزال مستعليةً، لا تزال تحب ذاتها، هذه الأمراض الفتاكة التي يبدأ مفعولها الخطير بعد الموت شهوات الدنيا قد تغطي على الإنسان أمراضه النفسية، منغمس في ملذات الدنيا في جمع مالها، والانغماس في ملذاتها هذا مما يغطي على الإنسان خطورة أمراضه النفسية ولكن إذا جاء الموت وانقطعت الدنيا انقطاعاً تاماً بدأ تأثير هذه الأمراض الفتاكة في النفس، فذلك لا أعد عملي في الدعوة إلى الله ناجحاً بعدد الحاضرين مهما كثروا.
قد تلقي على دار سينما نظرةً فتشاهد جمعاً غفيراً مجتمعاً في هذه الدار في دخولهم وفي خروجهم فهل اجتماع عدد غفير من الناس دليل أن هؤلاء الناس جميعاً على حق ؟ لا، هناك أسباب تجمعهم ولكن الذي يدفع الداعية إلى الله إلى مزيد من الحماس، إلى مزيد من البذل والتضحية، إلى مزيد من الحرص والعناية، أن يرى مثلاً ممن يدعون إلى الله في مستوى الدعوة، لا تأخذهم في الله لومة لائم، لا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل، لا تلههم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله، صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، هذا الذي يرفع الناس عند الله عز وجل فذلك أجد نفسي مدفوعاً من حينٍ إلى آخر في توجيه الحديث إلى إحداث موقفٍ لا قناعة، القناعة متوفرة والحمد لله، القناعات متوافرة ولكن البطولة في الذي تنقلب قناعاته إلى سلوك يعيشه في البيت، ليس يجدي أن تكون قانعاً بالإسلام ولا قانعاً بالقرآن، ولا قانعاً بأحاديث النبي العدنان الشيء المجدي أن تكون حياتك عملك، زواجك، بيتك، بيعك شرائك، وظيفتك، طعامك، شرابك، هندامك، كلامك وفق الشرع، إن كنت كذلك سمت نفسك، وإن سمت نفسك كنت قدوةً للناس.
الإسلام أيها الأخوة الأكارم لا يحيا بالكتب، ولا يحيا في الأشرطة ولا يحيا في المؤلفات، ولا يحيا في المحاضرات، ولا يحيا في الخطب، يحيا فيكم، يعني موقف أخلاقي واحد، ورع من أحدكم يعدل ألف محاضرةٍ سمعها أو ألقاها، موقف فيه ورع، ما الذي يلفت نظر الناس، ما الذي يشدههم، ما الذي يجعلهم يفكرون ؟ أن يروا إنساناً يشتهي ما يشتهون ويحب ما يحبون، ويرغب فيما يرغبون ولكنه عند الشرع، الألف والمائة ألف والألف ألف تحت قدمه إذا كان هذا المال في شبهة، والمائة والألف والألف ألف تبذل رخيصة في طاعة الله وابتغاء مرضاته، لذلك قد تجد أحدنا فاتراً لضعف عمله، قد تجد أحدنا يستمع ويقول والله كلام لطيف سمعت مثله كثيراً، ولكن الذي يضفي عليك حرارة الإيمان كثرة التطبيق، فلذلك الذي أرجوه أن الإنسان يأخذ هذا الكلام على محمل الجد، هذا كلام إن صح التعبير مصيري.
خطر في بالي اليوم أن الله سبحانه وتعالى ما جعل الدنيا إكراماً لأوليائه، ولم يجعلها عقاباً لأعدائه، قد تجد عدواً لله عنده من الدنيا الشيء الكثير، وقد تجد ولياً لله لا يملك من الدنيا شيئاً لهوانها على الله سبحانه وتعالى، لضعف شأنها، لقلة خطرها لزوالها، لم يشأ الله أن يجعلها مكافأةً لعباده الأتقياء، ولم يشأ أن يجعل الحرمان منها عقاباً لأعدائه الفجار، بل أعطاها لأحبابه وأعطاها لأعدائه، لا شأن لها عند الله لذلك إذا كانت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا فالطامة كبرى، المصيبة جليلة، أردت من هذا الحديث التوجه لا إلى العقول ولكن إلى القلوب هذا القلب ربنا سبحانه وتعالى يقول في بعض الأحاديث القدسية:
(( عبدي طهرت منظر الخلق سنين))

سنوات وسنوات وأنت تعتني بهيئتك وصحتك وهندامك وبيتك، وغرفة الضيوف، وغرفة الطعام، وغرفة الجلوس، وغرفة النوم، والمكتبة والجناح الشرقي من البيت، والأدوات الكهربائية، والمركبة تعتني بها ـ
((أفلا طهرت منظري ساعة))
هذا القلب على ماذا ينطوي ؟ هل ينطوي على حب لله، تقول نعم ما علامة ذلك ؟ هل يفتقدك الله حيث نهاك ويجدك حيث أمرك ؟ الإنسان إذا ما جلس لنفسه كل يوم جلسة عشر دقائق ربع ساعة حاسب نفسه إلى أين أنا ماضٍ أفي طريق صحيح أم في طريق غير صحيح، هل في عملي ما يرضي الله، أم في عملي ما يوجب سخط الله عز وجل لأن الدنيا ساعة اجعلها طاعة ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾
[ سورة الفجر ]
يعني الساذج ضيق الأفق، الجاهل يظن أن المال إكرامٌ من الله عز وجل، وأن الزواج إكرامٌ، وأن الصحة إكرامٌ، و أن الأولاد إكرامٌ، وأن القوة إكرامٌ، هو إكرام وليس بإكرام هذا أجاب عنه الله سبحانه وتعالى قال: كلا ليس عطائي إكراماً، وليس حرماني حرماناً ؟ إنما عطائي ابتلاء وحرماني دواء، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، الإنسان يبتلى بالمال إذا أنفقه في طاعة الله انقلب المال نعمةً يعطيه زوجةً إذا وجهها وأصلح شانها وأخذ بيدها إلى الله حتى عرفت ربها على يديه انقلبت الزوجة نعمةً، الأولاد المركبة، أي شيء إذا استخدمته في طاعة الله انقلب نعمةً قبل أن يستخدم في طاعة الله لا يسمى نعمةً يسمى ابتلاءً، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)﴾
[ سورة التغابن ]
كيف أن هذا المحك الذي يستخدمه الصياغ تأتيهم قطعة ذهبية يحكونها بهذا المحك فيظهر خط أبيض يعرفون أنها من المعدن الرخيص، إذا بقي الخط أصفر اللون براقاً، يعرفون أنها من المعدن الثمين، فهذا المحك، هذه المصائب الزوجة، الأولاد المال محك، فلا تقل لي ماذا تعرف، قل لي ماذا تعمل ؟ ماذا تعرف كل منا إذا وافته المنية يعرف كل شيء قال تعالى:

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
[ سورة ق ]
كل منا وكل من الذين أنكروا وجود الله، الشعوب التي رفعت راية لا إله، إذا وافتها المنية تعرف كل شيء، أي إنسان كافراً فاجراً، ملحداً، فاسقاً، دالاً، مهتدياً، عارفاً، مؤمناً منافقاً إذا وافته المنية يعرف كل شيء، ولكن بعد فوات الأوان، فالبطولة أن تعرف كل شيء قبل فوات الأوان وأنت في الدنيا، والقلب ينبض وكل شيء ممكن، التوبة ممكنةٌ، أداء ما في عنقك من حقوق ممكن، استرضاء الناس ممكن، طلب العفو منهم ممكن، إصلاح المعاملة مع الزوجة ممكن، إصلاح العلاقة مع الأم ممكن إصلاح العلاقة مع الزبائن ممكن، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)﴾
[ سورة الحشر ]
يعني أحياناً يصبح حضور مجالس العلم عادة من عوائدنا، إلى أين؟ إلى المسجد، من أين ؟ من المسجد، والإنسان هو هو، شيء من الغفلة، بعض المخالفات، بعض التقصيرات بعض الرغبات التي ما أرادها الله عز وجل، هذه كلها حجاب.
يعني الشيء الذي يؤلمني أن أكبر معصية في مساهمتها في قطعك عن الله عز وجل كأصغر معصية، تيار كهربائي في عندك غسالة وبراد ومروحة ومسجلة، وعندك أدوات كثيرة جداً في البيت، لو فصلت التيار ملم متراً واحداً كل شيء توقف، ولو فصلته متران كل شيء يتوقف، فهذه الصغائر التي تساهل بها المسلمون هي عند الله كبائر لأنهم أصروا عليها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار))
يعني الإنسان إذا جلس صباحاً وصلى الصبح وقرأ شيئاً من كتاب الله، وتفكر دقائق في الموت، يعني هذا الطريق طريق الإيمان له أصول، لو أنك استيقظت قبل صلاة الفجر وصليت ركعتين لله تعالى، الله سبحانه وتعالى يقول:

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ البخاري ـ الترمذي ـ ابن ماجة ـ أبي داود ـ أحمد ـ مالك ـ الدارمي ]
هذا يريد بيت، هذا يريد زوجة، هذا طلب من الله أن يجمعه مع أهل الحق، هذا طلب من الله أن يعينه على إتقان الصلاة، ما لك حاجة عند الله عز وجل، مالك طموح ؟ لا ترغب فيما عنده، لا تراه أهلاً أن يجيبك ؟ يعني إذا أحدكم تمكن أن يصلي ركعتين قبل أذان الفجر ويسأل الله في هاتين الركعتين حاجاته كلها ما كان منها مشروعاً متعلقاً في الدنيا، وما كان منها متعلقاً في الآخرة، ثم أذن الفجر وصلى السنة والنبي عليه الصلاة والسلام من عادته أن يضجع على شقه اليمن بين السنة والفرض يفكر في الموت، هذا الموت الذي لابد منه، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جــــنازةً فاعلم بأنك بعدها محمــــول

اليوم تصور التغسيل، يوم مشهد التكفين. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)﴾
[ سورة القيامة ]
اليوم تصور شراء القبر، هؤلاء الذين يتولون تجهيز الميت يقتسمون الأعمال بعضهم يذهب إلى إتمام معاملة الدفن، بعضهم يذهب لتأمين الطعام ظهراً، بعضهم يذهب لتأمين الكراسي، بعضهم يذهب لتأمين المشايخ، بعضهم يذهب لشراء القبر فإذا نقر في الناقور إن كنت في مقبرةٍ ورأيت حفار القبور ينقر أحد القبور، قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)﴾
[ سورة المدثر ]
الويل لمن سينزل في هذه الحفرة، بين السنة والفرض يوم بالتغسيل، ويوم بالتكفين ويوم بشراء القبر، ويوم بحالة الأهل من بعدك، تصور ماذا سيفعل ابنك، ابنتك، زوجتك هل يبقى البيت على ما هو عليه، هل يباع البيت، هل يقتسم البيت، هل يختلف الأولاد، ماذا سيكون من بعدك ؟ هذه الخواطر لابد منها، لابد من عشر دقائق، في موضوع الموت من أجل أن تنضبط النفس، من أجل أن تملك زمامها، من أجل أن تؤمن بالفناء والزوال، إذا أذن الفجر إذا صليت السنة واضطجعت بين السنة والفرض دقائق معدودات وفكرت بالموت الذي لابد منه تهون عليك المصيبة، تهون عليك الدنيا، ترضى بزوجتك، ترضى بأولادك، ترضى بدخلك تندفع للعمل الصالح، قال تعالى:

﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
[ سورة المؤمنون ]
تصلي صلاة الفجر وبعدها تجلس للذكر، وقبل أن تذكر فكر، قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[ سورة عبس ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾
[ سورة محمد ]
فكر بهذا الطعام، بهذا الطفل الذي رزقك الله إياه، فكر بهذه المرأة التي جعلها الله سكن لك، بهذا الدماغ الذي منحك الله إياه فجعلك تعمل عندك خبرات، إذا فكرت في آيات الله استعظمت الله عز وجل، خشع قلبك، تفكر ساعةٍ خير من عبادة ستين عاماً، والله الذي لا إله إلا هو تفكر ساعة، نصف ساعة، ربع ساعة بعد صلاة الفجر خير من عبادة ستين عاماً ستين عام في مكان واحد، لكنك بالتفكير ترقى كل يوم درجة، فكر يوماً في العين، يوماً في الأذن يوماً في الشعر، يوماً في الطفل، يوماً في الطعام والشراب، في الشمس في القمر، ليس المهم أن تكثر الموضوعات، المهم أن تتعمق في موضوع واحد، ابقى في العين شهراً، ابقى في الأذن شهراً، إذا فكرت كل شيء في أوله صعب، ولكن مع التدريب والتمرين والمحاولة والخطأ تشعر أن هذا التفكر الذي بدا لك صعباً مرهقاً أصبح سهلاً، إذا فكرت اذكر الله سبحانه وتعالى ربع ساعة أخرى، يعني امسك مسبحة وقل الله الله وأنت سابح في الآيات الذي فكرت فيها، يعني ربع ساعة تفكر وربع ساعة توجه، وإذا أمكنك أن تقرأ بضع صفحات من كتاب الله وأن تقف عند الأمر، عند النهي عند القانون، قال تعالى:

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾
[ سورة طه ]
هذه الآية تبث في نفسك طمأنينة وثقة وراحة لا يعرفها إلا من فقدها، قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)﴾
[ سورة يونس ]
مستحيل أن يكون لك مخالفة وتؤمن، ترفض الحق، إنك تحب أن تجر الحق إلى مخالفاتك، تحب أن تبرر أعمالك لذلك الفاسق لا يؤمن، اقرأ القرآن الأوامر اكتبها، ضع تحتها خطاً أحمر، النواهي اكتبها، القواعد العامة اكتبها، يعني إذا أحدكم بدأ نهاره بركعتين قيام ليل وركعتين سنة واضطجاع دقائق في التفكر في الموت، ثم أداء صلاة الفجر، ثم التفكر ربع ساعة في آيات الله، ثم الذكر، ثم تلاوة بعض آيات القرآن الكريم ومدارستها والتأمل فيها والتدبر واستنباط الأوامر والنواهي، والأحكام والقواعد العامة، ثم انطلق إلى عملك وأنبأني كيف يكون هذا اليوم، تقول أنت في هذا اليوم أنا أسعد الناس، لأنك في هذا اليوم بأعيننا كما قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾
[ سورة الطور ]
لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله، أنت في هذا اليوم في ذمة الله بمعنى في عنايته المشددة، في حفظه، في رعايته في تجليه، إذا انطلقت من البيت لا تنسى أن إطلاق البصر يفسد عليك دينك، إذا أطلقت البصر لا تقوى قدماك على أن تقف ظهراً لتصلي، في خجل، انكماش، بعد، الشيء الذي يمكن أن يبعدك عن الله سبحانه وتعالى في أثناء النهار إطلاق البصر، والكذب والغيبة، والنميمة، والسخرية، والضحك، والخوض في أحاديث باطلة لا جدوى منها، وأكل المال الحرام، أكثر الأشياء كسب المال والتساهل في موضوع النساء، المال والنساء بابان كبيران من أبواب جهنم، وسلاحان فتاكان في يد إبليس، وشبكتان تغريا كل واحد من المؤمنين أن يقع فيها، فإذا كانت لك هذه الجلسة الصباحية أمكنك في أثناء النهار أن تكون في حفظ الله، تجد نفسك شديد التفكير، كلامك دقيق، قرارك سليم، رؤيتك رابحة، عملك صحيح، موقفك سليم مكانتك رفيعة، هذا السلوك إذا استمر يحدث شيء اسمه التراكم تتراكم هذه الأحوال الطيبة، تتراكم هذه القناعات، يتراكم التعظيم لله عز وجل، يتراكم الورع، المحبة، إلى أن تغدو في حالة لا تعهدها من قبل حالة الإقبال على الله، حالة الرضا حالة الوقار، حالة المحبة، حالة الحلم، حالة العفو، البذل، الثقة، الطمأنينة، تعيش أحوالاً ما كنت تعرفها من قبل، يجب أن تقول أنا أسعد الناس لا أقول لك تحتقر، أقول لك لا يمكن أن يكبر في عينيك إنسان من أهل الدنيا، تراه ضيق ا_لأفق، تراه تائهاً، شارداً، ضالاً، مغبوناً مخفقاً، شقياً، مادام هذا الإنسان مهما علا شأنه، مهما كان غنياً تراه أنت صغيراً، الكبير من عرف الله.
لو رجل قال: من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه، يجب أن تقول في نفسك الدنيا جنة أحياناً ألتقي بإنسان أقول له: كيف حالك ؟ والله الذي لا إله إلا هو تشعر أن السعادة تشع منه، يقول: الحمد لله، الحمد لله على نعمة الهدى.
سيدنا علي رضي الله عنه قال: إن من نعم الله الغنى، وإن أفضل من الغنى صحة البدن، وإن أفضل من صحة البدن الإيمان.
معنى هذا أن الإيمان أعلى نعمة يملكها الإنسان، لما سيدنا عمر كانت تأتيه مصيبة كان يقول: الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ـ مادامت هذه المصيبة لم تطل ديني الحمد لله ـ والحمد لله إذا لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذا ألهمت الصبر عليها.
أبو بكر في الجنة ـ الآن في الجنة ـ حينما قال النبي هذه الكلمة كان في الجنة، يعني في جنة، وأنا أقول لكم قد يكون دخلك قليل، كثير محدود، غير محدود، متعب، مريح، قد تكون زوجتك وسط دون الوسط، سيئة، قد يكون بيتك ملكك أو تسكن بالأجرة، صغيراً كبيراً في حي راق، في حي شعبي، تحت الأرض، فوق الأرض في الطابق الرابع، ملحق، إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى.

فأنتم هو الحق لا غيركم فيا ليت شعري أنا من أنا

يعني من ذاق عرف، ذاق طعم الإيمان، الإيمان له طعم إن لم تذقه حاول أن تذقه حرر دخلك، كن دقيقاً جداً، يعني أخ كريم ذكر لي بعض الأغلاط قبل أن يعرف الله عز وجل قلت له القضية سهلة مادام القلب ينبض فكل شيء له حل، في أخ آخر سألني اليوم ما معنى قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)﴾
[ سورة ص ]
يعني بدت له هذه الآية غير واضحة ـ رجل دخل إلى مدرسة حتى يفتش المعلم سمع الطلاب جميعاً يقولون، طم بل ك، ما هذا ؟ دخل إلى الصف وعرفه المدرس أنه مفتش وقال له ما هذا الكلام ؟ قال له قرآن كريم، فقال له: أي قرآن هذا ؟ قال له: والله محيط بالكافرين أخذ مقطع يقرأهم ـ تعريفها الدقيق هو ليس الوقت وقت خلاص يعني إذا رجل تورط في قتل إنسان وألقي القبض عليه وسيق إلى السجن وشكلت محكمة لمحاكمته استجوبته وكل محامي والمحامي دفاعه ضعيف، الأدلة كلها متضافرة في إدانته، أدين بهذه الجريمة صدر حكم في إعدامه، استأنف الحكم، صدر الحكم الثاني بإعدامه نقض الحكم، صدر أمر من محكمة النقض بإعدامه، صدق حكم الإعدام، سيق إلى المشنقة، وضع على خشبة المشنقة، الجنود يحيطون به من كل مكان، هل هذه الساعة ساعة خلاص ؟ هل يوجد أمل بالمليون واحد لا يوجد، كل الإجراءات تمت والحكم مصدق والمشنقة جاهزة والموظف جاهز والمنصة جاهزة والقرار مكتوب ولات حين مناص، وليست الساعة ساعة خلاص.
فالبطولة نحن الآن في ساعة خلاص، نحن الآن في ساعة خلاص قد تخلص من عذاب الآخرة الآن، قد تتوب، إذا رجع العبد إلى الله تعالى نادى منادي في السماوات والأرض أن هنئوا فلان فقد اصطلح مع الله، الصلحة بلمحة، إذا قال العبد يا رب فقد أذنبت، يقول الله عز وجل وأنا قد غفرت، فإذا قال العبد يا ربي لقد تبت، يقول الله عز وجل وأنا قد قبلت.
كلمة تكلفك الآن قل يا رب تبت إليك، لو جئتني بملء السماوات والأرض ذنوباً غفرتها لك ولا أبالي، أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء، إذا ضاقت عليك الدنيا تذكر قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
[ سورة الزمر ]
في أشخاص يقفون عند هذا الحد في هذه الآية اسمعوا التتمة:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾
[ سورة الزمر ]
إياك أن تصل إلى ساعة ولات حين مناص، هذه أصعب ساعة إذا إنسان صعد به على خشبة المشنقة، يحب أن يبكي يبكي، يحب أن يضحك يضحك، يحب أن يترجى لا يوجد جدوى، يحب أن لا يترجى لا يترجى، يحب أن يطلب والدته تأتي ولكن الشنق لابد منه اطلب ما تشاء لابد من تنفيذ الحكم، هذه الطامة الكبرى لذلك الإنسان هذا الدرس يقول أحدهم والله الدرس جميل ولطيف، وآيات قرآنية دقيقة والمعنى عميق، والحديث رائع، وهذا له علاقة بعملنا، وهذا الحديث من أين جاء به والله ما سمعناه سابقاً، يعني هذا الاستمتاع بالأحاديث وأنت على حالك، واحد كألف وألف كأف.
فالذي أرجوه في هذا اللقاء أن يتوجه هذا الكلام لا إلى إحداث قناعات في الدماغ بل إلى إحداث مواقف عملية، كل واحد له بيت له زوجة، له أولاد، له بنات، محل تجاري، في عملك التجاري هل يوجد علاقة محرمة ؟ في علاقة ربوية، بيع بسعرين، كتمان عيب ؟
هذا في عملك، ادخل إلى بيتك هل يوجد مخالفة، ابنتك خروجها هل كما يريد الله سبحانه وتعالى، زوجتك هل تصلي، هل تأمرها بالصلاة، هل هناك وليمةٌ انتهكت فيها حرمات الله عز وجل جمعت فيها الأهل والأصحاب على مائدة واحدة ؟ هل تلهو كما يلهو الناس هل تستمتع كما يستمتعون ؟ هذه البطولة، امسك دفتر وسجل التقصيرات وحاول أن تتلافاها واحدة واحدة بأقرب وقت ممكن حتى يصبح العلم مبارك، يقول لك أحدهم تباركنا أستاذ، ما هي البركة ؟ البركة التطبيق، إذا إنسان كان معه مرض عضال وفي دواء شافي البركة بالدواء ذكره، حفظ اسمه، وضع الوصفة في مكان وجيه في البيت، أم استعمال الدواء، بركة الدواء استعماله، بركة القرآن الكريم اتباع سنته، بركة مجلس العلم تنفيذ ما جاء فيه، لا يوجد بركة أخرى، تباركنا لا يوجد بركة أخرى، هذه الكلمة لا معنى لها الإنسان عليه أن يكون بالمستوى المطلوب، واحد اثنين خمسة عشرة إذا كانوا في مستوى الدعوة هؤلاء لهم تأثير عجيب الأنبياء قلة نبي واحد قلب وجه الأرض بإخلاصه وصدقه وجهاده واستشهاده وآلاف المصلحين كلام مزخرف منمرق نظريات شواهد كتب مؤلفة ما دام الذي يتكلم ليس في مستوى كلامه كلامه لا يؤثر.
نحن من حين إلى آخر ندرس السنة المطهرة، ما هذا النبي الكريم الذي لفت القلوب بعد ألف وخمسمائة عام إذا ذكرته يتعطر المجلس تحس بالشوق إليه ؟ لكماله وأنت أيضاً كن على هديه، اقتفي أثره اتبع سنته، يعني اجعل بيتك إسلامي، عملك إسلامي، محلك إسلامي لباسك إسلامي، كلامك، نظرتك، لما الإنسان يطبق يسعد.
ونحن أيها الأخوة الأكارم بالعلم ليس العلم هدفاً بذاته، العلم وسيلة من جعله هدفاً بذاته فقد ضل، العلم وسيلة، لقول النبي عليه الصلاة و السلام:

(( كل الناس هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم ))
يعني لابد من أن تكون عالماً يعني لابد أن تكون عالماً عاملاً مخلصاً يقظاً، هذا الكلام خطير قال تعالى:

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)﴾
[ سورة النجم ]
لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل، يوجد عندنا موسم لا تحرجني لا يوجد عمل في الأرض لا موسم، ولا زواج، ولا شراء بيت، ولا انتقال من بيت إلى بيت لا يوجد عمل في الأرض يفوق أن تعرف الله عز وجل، لذلك من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، أنت اشتغل بذكر الله ومعرفته واترك الدنيا وأنا مسؤول والله الذي لا إله إلا هو لتأتيك الدنيا وهي راغمة، تأتيك الدنيا من أيسر سبلها، براحة وكرامة ويسر وسعادة.
أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه، ومن خدمكِ فاستخدميه، الدنيا تضر وتغر وتمر، الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، الدنيا جيفة طلابها كلابها، خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ترى الآن شخص يعمل ليل نهار وصفهم الله عز وجل قال:

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) ﴾
[ سورة المدثر ]
باللغة الدارجة مثل الحمير الطرابة، عمل مرهق يخرج من بيته قبل أن يستيقظ الأهل ويعود بعد أن يناموا، يقول لك الحياة جهاد عملي صعب، ترى فجأةً انضرب القلب، عشرة أيام النعوة على الباب، ما دخل المسجد إلا ليصلى عليه، ما دخل المسجد ليصلي دخل مرة واحدة ليصلى عليه، أيام نصلي على جنازة لا نعرف يا ترى كان يصلي، كان يعرف الله عز وجل، كان ماله حلال ماله حرام، كان يخشى الله، عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت كل واحد منا لابد من أن يلقى الله.

ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
رجل أنت، ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى، وما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، وما دخلت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها.
الذي أرجوه في هذا اللقاء غير إحداث قناعات في الفكر إحداث مواقف في النفس، أن تفر إلى الله عز وجل، ففروا إلى الله جميعاً أن تقوم إليه، أن تشمر.
أيام الإنسان إذا أقدم على عمل مهم جداً يشمر، أيها الناس شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودا فإن السفر بعيد وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤود لا يجتازها إلا المخفون وأخلصوا النية فإن الناقد بصير ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة.
في رجل سبب هدايته أن كان يعمل في سلك الشرطة وكان رئيس مخفر له صديق من وجهاء الحي كان غنياً ومترفاً فنشأت علاقة بين هذا الصديق وبين هذا الضابط، سهرات وطعام نفيس وساعات فيها ضحك وسرور ونزهات وبساتين جميلة، والخير موفور ومال كثير وهذا الغني له أربع زوجات كلما كبرت زوجة طلقها وتزوج امرأةً شابة في المباحات ليس له معاصي وفق الشرع توفي هذا الرجل بعد أيام جاؤوا إلى مخفر الشرطة يطلبون من هذا الضابط أن يرافقهم إلى المقبرة ليكشف عن الجثة بصحبة طبيب شرعي، لأن هناك إخباراً يفيد بأن هذا الرجل مات تسمماً بالسم وليس موته موتاً طبيعياً، فهذا الضابط نزل إلى القبر بصحبة هذا الطبيب الشرعي فقال والله شاهدت منظراً بقيت أسبوعاً أو أسبوعين ترتعد فرائسي منه، بطن منفوج رجل بالشرق ورجل بالغرب وجه أسود أزرق الدود، ولما الطبيب فتح البطن حصل انفجار، هذا الضابط قضى مع هذا الإنسان سهرات ممتعة وأيام حلوة وأكل معه أطيب الطعام وشهد منزله الفخم، ودخل إلى بستانه الجميل وعرف خبايا هذا الرجل، هذا هو المصير قال والله الذي لا إله إلا هو بقيت أسبوعين أو أكثر لا تشتهي نفسي أن أكل طعاماً هذا هو المصير بعد شهر جاءه أناس إلى المخفر يطلبون منه أن يحل منازعةً تمت في المقبرة، هذه المنازعة رجل توفي وأراد أهله أن ينزلوه في قبر مضى على دفن الذي قبله أربعين عاماً فتحوا القبر، قال: والله الذي لا إله إلا هو بأم عيني رأيته رجل ممدد كأنه نائم ثيابه تشبه قميص اللوكس جلده هو هو، خده، شعره، ذقنه ابتسامته، هذا كان يحفظ القرآن الكريم وكان إمام مسجد بعد أربعين عاماً هو هو، أما الآخر بعد أسبوع، هذا المنظر المتناقض هذه المفارقة الحادة، هذه الحالة التي تدعو إلى القرف والمقت، وتلك الحالة التي تدعو إلى الرضا والسرور، هي التي لفتت نظر هذا الإنسان وكانت سبباً في هدايته.
البطولة عند هذه الساعة، ساعة نزول القبر، ساعة مفارقة الدنيا من الآن اشتغل، من الآن يجب أن يبقى الموت في ذهنك دائماً طبعاً تتزوج وتشتري بيت، تكسب مال وتسعد وتسر ولكن عندك طمأنينة عميقة لو جاء الأجل أنت إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض وأكربتاه يا أبتي، قال لا كربة على أبيك بعد الآن غداً نلقى الأحبة محمد وصحبه، يعني ساعة اللقاء عند المؤمن أجمل ساعة، كل هذه الحياة من أجل هذه الساعة.
بعض الأشخاص يتخذون جدولاً فيه أسماء الأيام عرضاً وأما طولاً مثلاً قيام الليل، صلاة الفجر حاضراً، التفكر بالموت، التفكر بآيات الله، ذكر الله، قراءة القرآن، غض البصر، الصدق، تحري الحلال، بر الوالدين عموداً، وكل يوم يحاسب نفسه، يوم السبت هل صليت قيام الليل هل ذكرت الله عز وجل، هل فكرت بالموت، هل فكرت بآيات الله، هل تلوت بعض آيات الله، هل كان غض بصري جيداً حازماً أم فيه تراخي، إذا كان هذا الشيء تحقق إشارة تحقق وإلا إشارة ضرب، يمتحن نفسه يلقي نظرة على هذا الجدول كل أسبوع إذا في خطأ يتراجع عنه يتوب عنه، المؤمن مذنب تواب، كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة عودها القناعة.
يعني هذا الدرس له اتجاه آخر وكان من الممكن أن نتابع الموضوع في إحياء علوم الدين، موضوع الحلال والحرام، وكان من الممكن أن نتابع ما جاء في كتاب شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ولكن أردت قبيل شهر رمضان المبارك وهذا شهر الطاعة، شهر الاستنفار شهر مضاعفة العبادة، مضاعفة الجهد، شهر العمل الصالح، شهر قراءة القرآن، لابد من أن تستعد إلى هذا الشهر قبل مدة من أجل أن يكون هذا الوقت استعداداً لهذا الشهر العظيم، إذا طبقتم سعدتم وإن لم تطبقوا يقول أحدكم والله ما استفدنا شيء والحقيقة إذا الإنسان ما طبق لا يستفيد شيء والعلم علمان مطبوع ومنطوق المطبوع هو الأساس الذي ينطبع في قلبك ويجري على لسانك أما المنقول كالماء المجموعة، المياه المجموعة قد تكون آسنة ولكن مياه النبع تكون عذبة فراتاً أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى وأن يجعلنا في مستوى شرعه الحنيف.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:10 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس24:خروج التائب من المظالم المادية - شمائل النبي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-04-27
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة المؤمنون: في موضوع الحلال والحرام من كتاب إحياء علوم الدين وصلنا إلى بابٍ رابع عنوانه:
كيفية خروج التائب من المظالم المادية أي المالية.
يعني إنسانٌ تابَ إلى الله عزّ وجل وفي ذمتهِ حقوقٌ مالية كيف يخرجُ منها، لأنكم تعلمون أنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر ما بينه وبين العبد لمجرّد أن يتوبَ العبد، أمّا ما بين العبد وبين الناس لا تُغفر إلا إذا رُدّت الحقوق إلى أهلِها، لذلك قال الله تعالى:

﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)﴾
(سورة الأحقاف)
هذه الـ من للتبعيض، يعني إذا أقبلتم عليه وتُبتُم إليه يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينه وبينكم، لكنَّ التي بينكم وبين العباد لا تُغفر إلاّ بعدَ الإصلاح، أعلم أنَّ من تابَ وفي يدهِ مالٌ مُختلط فعليه وظيفةٌ في تمييز الحرامِ وإخراجِهِ من الحلال، ووظيفةٌ أخرى في مصرِفِ المخرجِ فليُنظر فيه.
إذاً: مهمتين الأولى معرفة الحرام وتمييزه من الحلال، والثانية ردُّ الحرام إلى أصحابِهِ، هذا لا تُقبل توبة المُسلم ما لم يفعل هاتين المهمتين.
أعلم أنَّ كل من تاب وفي يده مالٌ حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل، عنده حاجة ليست له متميّزة، واضحة، ليست مختلطة يعني فُلان وفُلان حيٌّ يُرزق.. قضية سهلة.. تأخذ هذه الحاجة وتردّهُا إلى صاحبها، عندك كتاب ليس لك، قلم حبر ثمين نسيه أحد أصدقائِك معك منذ خمس سنوات وتعرفه وتعرف بيته والقلم موجود.. من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل. وإن كانَ ملتبساً مختلطاً.. دخل الحرام في الحلال.. فلا يخلو إمّا أن يكون في مالٍ هو من ذوات الأمثال، المال أنواع:
1- هناك مالٌ من ذوات الأمثال: يعني قمح، شعير، عدس..... هذه لها مثيل كالحبوب والنقود و لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة فيها مئة ليرة حرام والألف قد صرفتها كانت قطعتين خمسمائة أصبحت عشر قطع مئة ليرة، مئة دفعهتا ومئة قبضتها هذه المئة حرام دخلت وهذه المئة لها أمثال، القضية أيضاً سهلة.
2- وإمّا أن يكون في أعيان كالدورِ والثياب.
إما أن يكون في الأمثال وإما أن يكون في أعيان، فإن كان في الأمثال وكان شائعاً في المال كلِهِ كمن اكتسب تجارةً يعلمُ أنه قد كَذَبَ في بعضِها في المرابحة مثلاً، هناك بيع اسمه بيع المرابحة: يأتي الزبون ويقول للتاجر بعني القماش مرابحةً وخُذ على سعر المتر ليرتين وأكشف رأسُ مالِك... هذا النوع من البيع اسمه بيع المرابحة... أنت عندئذٍ تقول: سعر المتر 18 ليرة وكلّف جمارك 4 ومصاريف ليرة وتخزين وو.... أصبح سعر المتر 24 وليرتين مرابحة أصبح 26، لو أنكَ رفعت رأسَ مالِك في هذا التصريح لكان البيع حرام هو اشترى منكَ مرابحةً على كل متر ليرتين، ينبغي أن تكشف رأسَ مالِكَ الحقيقي من دون زيادة، فلو أنكَ كذبتَ في رأسِ مالِك لكان هذا البيعُ حراماً.
فلذلك من له تجارة يعلم أنه قد كذَبَ في بعضِها في المرابحةِ وصَدَقَ في بعضِها الآخر، باع عشرون بيعة منهم خمس مرابحة كذَبَ في رأس المال وخمس عشرة مرابحة صدق في رأس المال فدخلت الأموال مع بعضها واختلطت وصار المبلغ في الصندوق متنوّع أو من غَصَبَ دُهناً وخَلَطَهُ بدُهنِهِ، أو من فعلَ ذلِكَ في الحبوب غَصَبَ حبوباً أو دراهم أو دنانير وخلَطَها بحبوبِهِ أو دراهِمهِ أو دنانيرهِ فلا يخلو ذلك إمّا أن يكون معلومَ القدرِ أو مجهولاً.
3- إذا كان المال متميّز فالقضية سهلة جداً، وإذا كان متداخل في الأشياء التي لها أمثال فالقضية سهلة أيضاً، بقي عقبة واحدة: أنكَ هل تعرف مقدار هذا المال الحرام ؟ أو هذا القمح المغصوب ؟ أو هذا الدُهن المغصوب، أو هذا العدس المغصوب ؟ إن عرفت الكمية فالقضية أيضاً سهلة لأنه لها مثيل، غصبت مقدار " مُدّين " من العدس تُعطي مكانهُما مُدّين من عدسٍ آخر لأنَّ العدس متماثل، غصبتَ عشر بيضات تُعطي من غصبتَ منه هذا البيض عشر بيضات آخرى... أنتَ لن ترُدَّ له عين البيض لأنك أكلته واستهلكته لكن تستطيع أن ترُدَّ مثيله، أخذت ألف ليرة لك أن ترُدَّ مثيلها.. القضية أيضاً سهلة. لكن العقبة في مقدار هذا الشيئ المغصوب، فإذا عرفت مقدارُهُ فالقضية أيضاً سهلة، فإذا كان المقدار مجهولاً.. هنا المشكلة.. قال فله طريقان: طريق اليقين، وطريق غالب الظن.
1- طريق اليقين: يعني تتحرّى أن تُبقيَ المال عندك حلالاً وأن تتخلّى عن كُلِّ مالٍ فيهِ شبهةُ حرام.. هذا هو الورع الأكمل..، لكن لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة وأنت على يقين أنَّ منها أربعمائة ليرة حلال مئة في المئة ومنها أربعمائة ليرة حرام مئة في المئة و منها مئتان غير متأكد من أنهم حلال أم حرام، الورع الأكمل أن تُبقي عندكَ الأربعمائة وتُرجع الستمئة.
2- غالبية الظن: وهي أن تُفرز الحلال المُطلق والحرام المُطلق وتُبقي المئتين وتُجري دراسة فإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حلال تضُمهاُ إلى مالِك وإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حرام تدفعُها إلى صاحِبِها.
إمّا أن تأخُذَ باليقين وإمّا أن تأخُذَ بغلَبَة الظن، ولكنَّ الورع أن تأخُذَ باليقين، يجوز أن تُمسِكَ هذا الذي غَلَبَ عليكَ الظن، لكنَّ الورع إخراجُهُ.
مُدّين " من العدس تُعطي مكانهُما مُدّين من عدسٍ آخر لأنَّ العدس متماثل، غصبتَ عشر بيضات تُعطي من غصبتَ منه هذا البيض عشر بيضات آخرى... أنتَ لن ترُدَّ له عين البيض لأنك أكلته واستهلكته لكن تستطيع أن ترُدَّ مثيله، أخذت ألف ليرة لك أن ترُدَّ مثيلها.. القضية أيضاً سهلة.. لكن العقبة في مقدار هذا الشيئ المغصوب، فإذا عرفت مقدارُهُ فالقضية أيضاً سهلة، فإذا كان المقدار مجهولاً.. هنا المشكلة.. قال فله طريقان: طريق اليقين، وطريق غالب الظن.
1- طريق اليقين: يعني تتحرّى أن تُبقيَ المال عندك حلالاً وأن تتخلّى عن كُلِّ مالٍ فيهِ شبهةُ حرام.. هذا هو الورع الأكمل..، لكن لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة وأنت على يقين أنَّ منها أربعمائة ليرة حلال مئة في المئة ومنها أربعمائة ليرة حرام مئة في المئة و منها مئتان غير متأكد من أنهم حلال أم حرام، الورع الأكمل أن تُبقي عندكَ الأربعمائة وتُرجع الستمئة.
2- غالبية الظن: وهي أن تُفرز الحلال المُطلق والحرام المُطلق وتُبقي المئتين وتُجري دراسة فإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حلال تضُمهاُ إلى مالِك وإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حرام تدفعُها إلى صاحِبِها.
إمّا أن تأخُذَ باليقين وإمّا أن تأخُذَ بغلَبَة الظن، ولكنَّ الورع أن تأخُذَ باليقين، يجوز أن تُمسِكَ هذا الذي غَلَبَ عليكَ الظن، لكنَّ الورع إخراجُهُ.
الآن عندنا مشكلة العلماء قاموا ببحثها مطوّلاً: يعني معك درهم ولا سمح الله اغتصبت درهم صاروا درهمين ولكنك الآن لا تعلم أيُّ الدرهمين هو المغصوب لأنَّ الدرهمين متماثلين تماماً، لو فرضنا ليرتين حديد لا فرقَ بينهم إطلاقاً فأيُّ الليرتين التي اغتصبت ؟ الموضوع مُطوّل جداً والذي أراه أنه لا جدوى منه لماذا ؟ لأنكَ إذا أعطيت أحد الدرهمين لمن اغتصبت منه الدرهم وكان الذي أعطيته ليس درهمه بل درهمُكَ.. بعض العلماء قالوا أنه لا يجوز، وبعضهم قال أنه يجوز لأنَّ هذا الدرهم له مثيل.. ما الفرق بين هذه الليرة وهذه الليرة ؟.. يعني.. مناقشة مطوّلة من غير جدّوى إلا أنه لو أنكَ أعطيته درهمه كان بها وإن أعطيته درهمكَ وأبقيتَ درهمه تبادلتُما الدرهمين هذا التبادل أحد أنواع البيع بيع المعاوضة أو بيع التسلّم، على كُلٍّ مادامَ هُناكَ لهذا الدرهم مثيلاً فالمثيلُ يُغني عن الأصيل فيما لو بقي عندكَ الدرهم الذي اغتصبته وأعطيته الدرهم الذي هو لك.
لكن أحياناً عندنا حالات من التعنّت والتزمّت: معك درهمين أحدُهما مُغتصب والدرهمان اختلطا، صاحب الدرهم المُغتصب يقول أنا واللهِ لا آخذُ إلا عينَ درهمي فإن لم تعرف أيهما المُغتصب لا آخذ منكَ شيئاً وتعنّت.. أوقعك في الحرج.. أنت قد تُبتَ إلى الله.. ولا يأخذ إلا عينَ درهمِهِ، وأنتَ لا تعرف أيُّ الدرهمين درهمُهُ، قال: في هذه الحالة القاضي ينوب عن هذا الخصم المتعنّت فيأخذ منكَ أحد الدرهمين ويجعل الدرهم الثاني حلالاً لك، فإن عَجَزَ القاضي عن أن يأخُذ هذا الدرهم يصحُ أن يأخذ هذا الدرهم رجلُ ديّنٌ " ذو دين " في المجتمع يأخذه نيابةً عن صاحِبِه من أجل أن يجعل بقية الدراهم حلالاً وإذا لم تجد هذا الرجل الصالح تُزيحُ درهماً من الدرهمين وتضعه في مكانٍ ما من أجلٍ أن تستهلك الدرهم الثاني، أنت تنوب عن صاحب الدرهم المغتصب وتفرزه جانباً من أجل أن تستخدم الدرهم الثاني.
الآن: أرض مغتصبة وصاحبُها توفي وتركَ ورثة، المغتصب أعادَ نصف هذه الأرض، الورثة متنوعون أحدهم له الحق في النصفِ، فقال هذه النصفُ لي وانتهى الأمر، الشرعُ لا يُوافِقهُ على ذلك، الشيئ الذي رُدَّ من الأرض يُوزّع على الورثة جميعِهم.. هذا هو الشرع، أمّا أن يدّعي من له نصيبُ النصفِ أن هذه الأرض التي رُدّت هي حقُهُ وحقوق بقية الورثة في النصف المُغتصب هذا مرفوضٌ قطعاً ولا يجوز.
شيئٌ آخر: إذا وقعَ مالٌ في يدِ رجلٍ أخذه اغتصاباً من ظالمٍ ثمَّ تاب وكان هذا المالُ عِقاراً، مُدّة بقاء العِقار في يدك يجبُ أن تدفع لمالِكِهِ الذي أغتصِبَ منه أجرَ المثلِ، لو أنكَ اغتصبت سيارةً ليست لكَ ثُمَّ ندمِتَ وتُبتَ وبقيت معكَ سنتين فهل تعتقد أنكَ إذا رددت هذه السيارة إلى صاحِبِها نجوتَ من عذاب الله !؟ لابُدَّ من أن تردّها إلى صاحِبِها وأن تدفعَ لِصاحِبِها أجرة هذه السيارة عن سنتين لأنَّ هذا الشيئ له منفعة " كل شيئ يُمكن أن يُستفادَ من منفعتِهِ وتبقى رقبته هي هي فهذا الشيئ يجب أن تدفع لصاحِبِهِ أجرتهُ "، لو اغتصبت داراً ثُمَّ تُبتَ إلى الله عليكَ أن تُعيدَ الدارَ وأن تـُعيد الأجرة التي تستحقُ فيما لو استأجرت هذا العقارَ من مالِكِهِ.
في عندنا موضوع دقيق خلافي حول انتقال المال: انتقال المال من الميت إلى ورثتِهِ هل يُغيّرُ صفتَهُ ؟ إذا كان هذا المال حراماً هل يُصبح حلالاً ؟.. هذا الموضوع خِلافي..، من وَرِثَ مالاً ولم يدري من أينَ اكتسبهُ مورّثُهُ، طفل صغير توفي والده وترك بيت ومحل تجاري ومصنع، لا يعرف عندما كبُرَ الطفل أنَّ هذا المال كيف كان اكتسابُهُ.. هل كان اكتسابُهُ حراماً أم حلالاً ؟.. إن كان لا يدري فهذا المالُ يأخذهُ الوريثُ حلالاً مئةً في المئة.. هذه واضحة باتفاق العلماء: من وَرِثَ مالاً ولا يدري أكانَ هذا الذي أورثهُ المال قد اكتسبهُ من حلالٍ أو من حرام، مادُمت لا تدري فهذا المال تأخذهُ من مورِّثِكَ حلالاً طيّباً.
وبالمناسبة ليسَ هناك علامة.. إذا وجدَ شخص في خزانة والده مثلاً ملعقة من فِضّة مكتوب عليها مثلاً اسم فندق.. هذه علامة على أنها مأخوذة سرقةً.. إذا وجد ملعقة من ذهب ومكتوب عليها اسم فندق في فرنسا مثلاً.. مادامَ هناك علامة فهذه العلامة تؤكدُ لكَ أنَّ هذه الملعقة أُخِذت حراماً، قال: وإن عَلِمَ أنَّ فيهِ حراماً وشكَّ في قدرِهِ أخرجَ مِقدارَ الحرام بالتحرّي، أمّا إذا كان مورّثهُ كان يعمل مع السلاطين وقد وصلَ إلى علمِهِ أنه لم يأخذ من أموالِهم شيئاً أو أنه أخذَ من مالِهم شيئاً ومضى مدةٌ طويلةٌ وقد أُنفِقَ هذا المال.. أغلب الظن أنَّ هذا الذي ورِثَهُ حلالٌ أيضاً طيب.
وإن عَلِمَ أنَّ بعضَ مالِهِ كانَ من الظُلمِ فيلزمه إخراجُ ذلِكَ القدر بالاجتهاد.. يعني شخص والده موظف ويعرف أنَّ والده كان مستقيم، وعندما كان مستقيم كان عنده دكان وبيت وبعض الأموال، ثمَّ شعر أنَّ والده انحرف، مثلاً بعد انحرافه اشترى سيارة، صار هناك وضوح هذه السيارة اشتريت من مالٍ حرام وهذا البيت وهذا الحانوت من مالهِ الحلال أصبح من المُمكن أن يتميّز الحلال من الحرام.
لكنَّ بعض العلماء قالوا: لا يلزمه شيئٌ من ذلك لأنَّ موت صاحب المال يقلِبُ الحرامَ حلالاً، " بعضُهم قال هذا "، فأنتَ لكَ أن تأخُذَ بالحد الأدنى ولكَ أن تأخذ بالحد الأقصى، لكَ أن تأخذ بهذا القول ولكَ بالورع فتأخذ بإخراج المال الحرام الذي ثَبَتَ لديك من مورّثِك، لكن إن كُنت لا تعلم من أين أُكتُسِبَ هذا المال يُصبح المال حلالاً.. هذا عن أنَّ التائِبَ لا تُقبل توبته إلا إذا عرفَ نوعَ الظُلامة المالية وأرادَ ردّها إلى صاحِبِها.
المشكلة الآن: أنكَ عرفتَ أن هذا المال مُعلّقٌ في رقبتِك ولابُدَّ من أن تُنفِقَهُ، الآن كيف أُنفِقَهُ ؟ الإمام الغزالي يقول: إمّا أن يكون لهذا المال له مالِكٌ معيّن فيجبُ أن يُدفع إليه أو إلى وارِثِهِ. لكن العلماء قالوا لبعضهم إذا كنتَ قد اغتصبت مال من شخص من دون أن يعلم في زمن الجاهلية وحينما تُبتَ إلى الله عزّ وجل أردتَ أن تُعيدَ هذا المال، بعض العلماء يقول: لستَ مُضطراً أن تُعلِمَهُ أنكَ اغتصبت هذا المالَ من وراء ظهرِهِ وها قد تُعيدَهُ إليه.. لا..، لكَ أن تدفع المال على شكل هدية، ولكَ أن تدفعه على شكل حوالة بريدية ولكَ أن تدفعهُ له من دونِ أن يشعُر، يعني كُنت أنت في مكتبه وتركت محفظة فيها المبلغ وضعتها في الدرج عندما ذهب ليُحضر كأس شاي فاختلط المبلغ مع مبلغ الدرج واختلط، لكَ أن تضع المبلغ من دون أن يشعر ولكَ أن تُرسلهُ حوالةً ولكَ أن تُقدّمه على شكل هدية، لكنّهُ لابُدَّ من أن يصِلَ إليه أمّا الطريقة، هُنا في مرونة لستَ مُكلّفاً أن تكشِفَ نفسَكَ بعد أن تاب الله عليك وبعدَ أن ستَرَكَ.
إذاً: إن كان هذا المال له مالِكٌ معيّن يجبُ أن يُدفع إليه وإذا كان قد توفي إلى وارِثِهِ، وإذا كان غائِباً تُنتظر عودتِهِ فإن أمكنَ إيصالُهُ إليه توصِلُهُ إليه ومعك عنوانه يُمكن أن تُوصِلَهُ إليه عن طريق مسافر مثلاً في جدة ولك صديق مسافر إلى جدة فتضع له المبلغ في ظرف وتقول له الرجاء ابعث بهذه الرسالة إلى هذا العنوان وقُل له من صديق قديم من دون أن تذكر اسمه.. مثلاً.
إذاً: إذا كان حاضر تدفعه إليه، مات إلى وارِثِهِ، غائب تنتظر عودته، معروف عنوانه توصِلَهُ إليه، وإن كانت له زيادةٌ ومنفعة يعني بيت مؤجّر وأنت كنت قد اغتصبته فتدفع له ثمن البيت أو أوراق الطابو مثلاً أو شيئ من القبيل مع الأجرة أو شيئ يُمكن أن يُستغل، أرض استغلّت قدّمت أول سنة ثلاثون ألف وفرضاً للمستأجر له النصف أو له الربع ثلاث أرباع له فتدفع له الغلّة أو كل شيئ انتفعت بهِ من هذا الشيئ المُغتصب، أمّا إذا كان هذا المال لِمالِكِ غير معيّن وقع اليأسُ من الوقوف على عينِهِ.. لا تعرفه.. ممُكن، يعني واحد وجد حاجة أمام محل فلو كان ورعاً لسألَ صاحب المحل ووضع إعلان لكن أخذها ومضى.. في الجاهلية.. وبعد أن أسلم عَرَفَ أنَّ هذه لقيطة ويجب أن يوضع خبر أو إعلان في أقرب مكان، هذه اللقيطة لا يُعرف صاحِبُها لها حُكم شرعي يجب أن تُعلن وأن تنتظر فهو لم يُعلم أخذها مباشرةً واستهلكها، فهذا المال لا يعرف مالِكَهُ ولا يدري أنه مات أو مات عن وارث أم لا، فهذا لا يُمكن أن يردّهُ إلى مالِكِهِ، يستطيع أن يتريّث قليلاً حتى يتضح الأمر فإذا كان في الإمكان أن يضع إعلان متأخر، فينتظر شهر أو شهرين ويضع إعلان فإذا تعذّرَ الردُّ يُدفع المبلغ صدقةً، قال هذا كغلول الغنيمة إذا وجد شخص درعٌ ثمينة مع الغنائم أخذها وبعدها تاب وكان الجيش مثلاً مئة ألف مقاتل فهذا الثمن ثمن هذا الدرع يجب أن يُرد إلى مئة ألف إنسان.. مستحيل..، في مثل هذه الحالة يُدفع ثمن هذه الدرع التي أُخذت قبل توزيع الغنائم يُدفع صدقةً.
بعضُهم قال: إذا كان هذا المال شيئاً " الغنيمة ما أُخذت عن حربٍ والفيئُ ما أُخِذَ من دونِ حرب الذي يُؤخذ من دونِ حرب يجبُ أن يُردَّ إلى مشاريع خيريّة تعود على المسلمين كُلِّهم بالنفع كالقناطر كالمستشفيات والمدارس وما إلى ذلك، لكنه من يتولى إنفاق هذا المبلغ الذي أُخِذَ من دون حرب وأُخِذَ اغتصاباً ؟ قال القاضي، وإن لم يكن فرجلٌ يوثقُ بأمانتِهِ وعلمِهِ يُدفعُ المبلغُ إليه ليُنشأ به مرفِقاً عام يعود نفعُهُ على المسلمين، وإذا تعذّر يتولى هذا المغتصب التائب بنفسِهِ إنفاق هذا المبلغ على المسلمين.
الآن سؤال مهم جداً: هل يجوز التصدّقُ بما هو حرام ؟ يعني واحد معه مال مغتصب واستحال عليه معرفة صاحِبِهِ فدفعهُ صدقة، هل تُقبلُ هذه الصدقة ؟ سؤال مهم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ))
(رواه الترمذي)
من قال لكَ إنها صدقة ؟ إن أسميّناها صدقة فأجرُها ليسَ لكَ ولكنه لِصاحِبِها، لذلك قال: ذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ ذلك غير جائز لكنَّ الرأيَ الأصح والأرجح أنَّ هذا جائز والدليل ما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهُ سُئِلَ عن شاةٍ مغتصبة لا يعرفُ صاحِبُها فقال أطعموها للأسارى، هذا خبرٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني تُقيس عليه حاجة إذا كان مبلغ مثلاً لو أبقيته في جهةٍ فلم يكُن هناك فائدة منه فإذا دفعته للفقراء هذا لا يُسمى صدقة ولا زكاة ولا شيئ من هذا القبيل إنما يُسمّى وساطة.
وهناك قول آخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن مالٍ سُحتٍ لا يُدرى صاحِبُهُ فقال هذا سحتٌ تصدّق به، مال حرام لا يُعرف صاحِبُهُ فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أن يتصدّقَ بهِ.
يعني هناك أخ كان يتيم فورثَ مبلغاً من والِدِهِ وُضِعَ في بعض المصارف، فلما بلغ أشدّهُ دُفِعَ له المبلغ والفائدة فسألني عن هذا، قلتُ له ادفعها إلى جهةٍ فقيرة ولن تُحسبَ لكَ صدقة ولا زكاةً ولا شيئ إنما هي وساطة، لو أخذتها ودفعتها إلى جهةٍ مستحقةٍ لكانَ هذا أولَى.
ولم يدفع ثمنها ولمّا همَّ بدفع ثمنها لم يجد صاحِبَها طلبه كثيراً فلم يجده، فتصدّق بالثمن وقال: اللهمَّ عنه إن رضي وإلا فالأجرُ لي.
سيدنا الحسن سُئِلَ عن توبة الغالّ " الغالّ: هو الذي أخذَ من الغنائم قبلَ أن توزّع " فقال: يتصدّقُ بِهِ.
الآن: القياس أنَّ هذا المال الحرام الذي عثرنا عليه ماذا نفعل؟ مثلاً عشر ليرات ذهب.. قال هناك رأيان أحدهما أن تُلقيها في البحر، طيب إلقاؤها في البحر خير أم التصدّق بِها ؟ الرأي الراجح التصدّق بِها وإن كانت لا تُسمى صدقة لكن أنتَ وسيطٌ بينَ صاحِبِها وبينَ هذا الفقير فالأجر لِصاحِبِها إن رضي كما قال سيدنا ابن مسعود.
هناك آراء جديدة أنَّ الواحد قد تُحسب له صدقة من دون أن يُريد، شخص عنده مزرعة وفيها عنب والطيور تأكل من هذا العنب من دون أن يُريد ولا يُوافق ولا يشعر ولا يدري، فالنبي الكريم طمأن صاحب هذه المزرعة:

(( أنَّ للزارِعِ والغارِسِ أجراً في كُلِّ ما يُصيبُهِ الناس والطيور من ثِمارِهِ وزرعِهِ))
يعني حملوا هذا الموضوع على هذا الحديث، شخص وضع قمع على سطح المنزل فالطيور أكلت منه القليل وأنت لا تعلم إطلاقاً وأنت تجلس في بيتك فنَقَصَ الوزن حوالي 2 كيلو، قال هذا يُحسب لكَ صدقة من دون أن تدري، طبعاً الحديث يؤكد أن للشخص له مال مغصوب والذي أخذه تاب ولما تاب استحالَ ردّهُ إليه دفعه صدقة فهل يُحسب لصاحب المال الثواب ؟ يُحسب، قِسناها على هذا الحديث، إذا كان عنده قمح على السطح وجاءت الطيور وأكلت منها تُحسب له هذه الكمية التي أكلتها الطيور صدقةً.
أمّا قول القائل: لا نتصدّق إلا بالطيّب، قال: فذلك إذا طالبنا بالأجر لأنفسِنا ونحنُ الآن نُطالب بالخلاص، هناك فرق إن طالبت بالأجر لا أجرَ لكَ فهذا مال مُنتظر وليس لك، أمّا إن طلبتَ الخلاص فالخلاص من هذا المال أن تدفعهُ إلى الفقير، شتّان بين طلب الأجرِ وطلبِ الخلاص.
وقال بعضُهم: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفُسِنا فهو كذلك ولكنه علينا حرامٌ لاستغنائِنا عنه وللفقير حلالٌ إذّ أحلّهُ دليلُ الشرعِ يعني هذا المال الحرام المُغتصب علينا حرام " على مغتصبِهِ "، أمّا للفقير حلال لأنه بحاجة إليه.
الآن: إذا كان المال مُغتصب وهذا المال المغتصب أُغتصِبَ مرةً ثانية، فالمغتصب الثاني هل له أن يُعيدَه إلى المُغتصب الأول ؟ الجواب.. لا.. لأنَّ هذا المُغتصب الأول لن يُعيدّهُ إلى صاحِبِهِ في هذه الحالة تصدّق بِهِ، يعني إذا واحد مثلاً أخذ مال من مُغتصب ثُمَّ تاب عليهِ أن يتصدّقَ بهذا المال لأنَّ المُغتصب لن يُعيدَ هذا المال إلى صاحِبِهِ، أنتَ كُنْ وسيطاً بينَ صاحِبِهِ الأصلي وبين الفقير، المُغتصب إذا اغتصبَ مالاً مغتصباً وتابَ من ذنبِهِ عليهِ أن يُعيدَهُ إلى الفقراء ويُحسبُ لِمالِكِهِ الأصلي.
هذا بعضُ الموضوع والموضوع دقيق جداً وهذا من أهم الموضوعات والإنسان إذا كان له جاهلية وكان مُتساهل في الأمور فالآن عَرَفَ كيف الطريق، عَرَفَ كيف أن يتوب من المظالم المالية.
والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام:
قال الله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
(سورة آل عمران)
الإنسان لا يخلو من أن يكون أب، أو موظف، أو أخ أكبر، لا يخلو أحدكم من أن تكون له وِصايةٌ أو إشرافٌ أو ولايةٌ على من هم دونه ولو كانوا أولاده.
إذاً هذا الموضوع نحنُ جميعاً بحاجة إليه موضوع المشاورة، فقد أمرَ الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالمشاورة في الأمرِ الذي يحتاج إلى المشاورة، إذا واحد أراد أن يشرب كأسَ ماء فهذه لا تحتاج إلى مشاورة، أمّا إذا أراد شراء محل تجاري يا ترى موقعه مناسب أو سعره مناسب أو هل عليه مشاكل... هذا الأمر يحتاج إلى مشاورة، وبالمناسبة ما نَدِمَ من استشار ولا خابَ من استخار والمشاورة لأُولي العقولِ من المؤمنين " أُولي الخبرات " والاستخارة لله عزّ وجل.
قال: فإذا عَزَمَ قلبه على الفعلِ وعلى إمضائِهِ بعدَ المشاورةِ فليمضِ وليتوكل على الله سبحانه وتعالى، وإنما أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُشاوِرَ أصحابَهُ أهلَ الرأي والتدبير في الأمورِ مع أنَّ عقلهم بالنسبة إلى عقلِهِ الشريف كالسُهى بالنسبة إلى شمسِ الضُحى السُهى: نجم ضئيل جداً يكاد لا يُرى بالنسبة إلى شمس الضُحى ومع ذلك صاحب العقلِ الذي كشمس الضُحى أُمِرَ أن يستشير صاحب العقلِ الذي كالسُهى.. لماذا ؟ قال:
أولاً لِحكمٍ كثيرة أحدُها تطييبُ نفوسِهم، الزوج الحكيم يستشير زوجته وأولاده، والمدير الحكيم يستشير كِبار الموظفين عنده، وأي إنسان له ولاية على بعض الأشخاص في بعض الأمور يستشيرهُم حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ومضوا فيهِ كالحرب وأمثالِها يكون ذلك عن طيبِ نفوسِهم واختيارِهم، النبي الكريم استشار أصحابه الكِرام في بدر قال أشيروا عليَّ يا معشر الأنصار ما قولُكُم ؟، قال أحدهم سيدنا سعد لكأنكَ تعنينا ؟ قال نعم، قال يا رسول الله لقد آمنا بِكَ وصدقّناك وشهدِنا أنَّ ما جِئتَ بهِ هو الحق فإمضِ بِما أراكَ الله نحنُ معك لن يتخلّف منا رجلٌ واحد إنّا لصُبرٌ في الحربِ، صُدقٌ عندَ اللقاء فحارب من شِئت وسالم من شِئت، وعادِ من شِئت، وخُذ من أموالِنا ما شِئت فو الذي تأخذُهُ أحبُّ إلينا من الذي تُبقيه، فإمضِ على بركة الله... النبي الكريم شاور أصحابه في هذه المعركة، طيّبَ قلوبهم رفع من مكانتهم، أشعرهم بقيمتهم، عرّفهم بمهمتِهم.
ثانياً: الإستتظهار برأيهم: بمعنى أنَّ رأيهم الموافق لرأيهِ صلى الله عليه وسلم يزدادُ به النبي الكريم قوةً خطَرَ في بالِكَ خاطر فسألت أخ مُخلص فقال لك مِثلَ ما خَطَرَ في بالِك فتتأكد أنت وتتقوى، تتأكد من صِحة رأيك، إن كان لكَ رأيٌ سديد واستشرت إنسان آخر وأشار عليك بما أنتَ قد فكرت فيه فهذا مما يزيدُ رأيكَ صلابةً وقوةً وقناعةً، إذا أمضيتهُ تُمضيهِ عن ثِقةٍ أشد، قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكرٍ وعُمر لو اجتمعتُما في مشورةٍ ما خالفتُكُما.

(( الحكمة الثالثة: أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ))
فقد عَلِمَ الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ إليهم ولكن أرادَ أن يستنَّ المسلمون من بعدِهِ هذه السُنّة الطيبة، أن تطلُبَ الاستشارة، وقد رُويَ عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أنه قال:

((عن ابن عباس قال لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا))
(أخرجه ابن عدي والبيهقي)
الله ورسولُهُ غنيانِ عن المشورة ولكنَّ أي إنسان آخر بعد النبي الكريم بحاجةٍ ماسّةٍ جداً لهذه المشورة.

(( الحِكمة الرابعة: أنَّ في المشاورةِ تقديراً للمستشار واعتبارً لمنزلِتِهِ وإعطاءً له حرية الرأي والنظر))
وبهذا يشعر المستشار أنَّ له اعتباراً وشأناً وأنَّ عليه مسؤوليةً ينبغي أو يؤديّها حقها ناصِحاً صادقاً بِخلاف الاستبدادِ للرأي في مواضع الاستشارة فإنه يجعلُ الموجودين من عقلاء الرجال كالمفقودين، ويجعلُ المختارين كالمُكرهين، من دون استشارة العقلاء كأنّكَ تعُدُّ وجودهم لاغياً كأنهم غير موجودين فإذا أحسّوا هذا الإحساس انقلبوا إلى أعداء، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ مشاورة أصحابِهِ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ُبَ الإستشارة))
وقد رُويَ عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أنه قال:

((عن ابن عباس قال لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا))
(أخرجه ابن عدي والبيهقي)
الله ورسولُهُ غنيانِ عن المشورة ولكنَّ أي إنسان آخر بعد النبي الكريم بحاجةٍ ماسّةٍ جداً لهذه المشورة.

((الحِكمة الرابعة: أنَّ في المشاورةِ تقديراً للمستشار واعتبارً لمنزلِتِهِ وإعطاءً له حرية الرأي والنظر))
وبهذا يشعر المستشار أنَّ له اعتباراً وشأناً وأنَّ عليه مسؤوليةً ينبغي أو يؤديّها حقها ناصِحاً صادقاً بِخلاف الاستبدادِ للرأي في مواضع الاستشارة فإنه يجعلُ الموجودين من عقلاء الرجال كالمفقودين، ويجعلُ المختارين كالمُكرهين، من دون استشارة العقلاء كأنّكَ تعُدُّ وجودهم لاغياً كأنهم غير موجودين فإذا أحسّوا هذا الإحساس انقلبوا إلى أعداء، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ مشاورة أصحابِهِ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
(رواه الترمذي)
الحِكمة الخامسة: أنَّ في المشاورة استعراضاً للآراء، أحياناً تسمع رأي واثنين وثلاث وأربع مختلفين وكل رأي يلفت نظرك إلى جِهة لم تكُن في بالِك، هذا التصرف مُفيد لكن له مضاعفات سيئة من هذه الناحية، فالمشاورة تُقلّب لكَ الرأي على كُلِّ وجوهِهِ تعرض لكَ الوجه الطيب والصورة السيئة، النواحي الإيجابية والنواحي السلبية، وعن عائشة رضي الله عنها قال:

((عن عائشة بلفظ إن المشير معان والمستشار مؤتمن فإن استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه ))
(رواه القضاعي)
واحد له عقل استعار عشر عقول من دون مقابل، عوّد نفسكَ أن تستشير في كُل قضية، اسأل عقلاء، اسأل خبراء، اسأل أُولي خِبرة، اسألهم سؤال هل أشتري هذه الحاجة، هل أشتري هذا البيت ؟، يعني أيام في بيت يكون عليه قص يكون ثمنه 500 ألف فيُباع بـ 450 فتجده فرصة، اسأل.... وَجِدَ عليه قص فتمَّ تسعيره بـ 100 ألف ذهبت عليك الـ 400 ألف، فالإنسان يسأل في شِراء بيت، أو في زواج، أو في أي نشاط له مضاعفات، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( المستشير مُعانٌ والمُستشار مؤتمن فإذا أُستُشيرَ أحدُكم فليُشر بما هو صانعٌ لِنفسِه))
في بعض الآثار يقولون: نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أُمورِكُم بالمشاورة.
العلماء بيّنوا أنَّ المستشار يجبُ أن يكونَ أميناً على الاستشارة، محترماً، ناصحاً ثابِتَ الجأشِ، غيرَ معجبٍ بنفسِهِ، ولا متلوّن في رأيِهِ، ولا كاذبٍ في مقالِهِ، متغالياً في محبة الأمرِ المُستشار فيه، ولا متجرّداً عن الدنيا فإنه لا يُستشار في أمر الدنيا لعدم معرفتِهِ.
أردت أن تعمل في التجارة فذهبت وسألت ابن عمٍ لك موظف وهو بعيد عن التجارة بعدٌ شديد ولا يعرف شيئ في التجارة، يجب أن تسأل إنسان في المصلحة نفسها، في السوق نفسه، في الموضوع ذاته، أمّا إذا سألت واحد صاحب دين لكن لا توجد لديه الخِبرة، يجب أن تبحث عن الخبير المؤمن، لو كان خبير غير مؤمن.
قال لي أخ أراد أن يعمل بعمل متعلّق في الحلويات ذهبَ وسأل فأول محل أجابه بأنَّ هذه المصلحة مُفقرة وناشفة وغير طعامك لا تُحصّل، أقسم بالله أنه سأل أربع محلات فأعطوه أخبار سيئة جداً، أنا أعرف أنَّ هذا الكلام له غرض، وأنَّ هؤلاء يربحون أرباحاً طائلة، وأنَّ هذا الكلام لِئلا يدخل أحدٌ على هذه المصلحة جديد، أرسلته إلى أخ مؤمن في المصلحة نفسِها وقُلتُ له استشر فُلاناً فكان الجواب بالعكس، قال له: هذه مصلحة جيدة وأرباحُها جيدة، وطلبُها ثابت، وموادُها الأولية متوافرة، والعملية بسيطة، المؤمن أشار بما هو صانِعٌ لنفسِهِ أمّا المُشرِك الذي رأى أنَّ هذا سوف يُخلّصهُ رِزقهُ.. هذا إشراك بالله عزّ وجل.. أعطى معلومات مغلوطة، فلذلك إيّاكَ أن تستشير فاسقاً أو منافقاً أو مُشرِكاً، وإيّاكَ أن تستشيرَ جاهلاً، لابُدَّ من صفتين تجتمعان في المُستشار: الخِبرةُ والأمانة:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾
(سورة القصص)
وإيّاكَ أن تستشيرَ بخيلاً، مثلاً تسأله بطبع كروت للمحل يقول لكَ لا ليسَ هناك حاجة، فالبخيل يُشير عليك بما ليس ينفعُكَ.. هذه قاعدة، وعن أبي مسعودٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( المستشار مؤتمن وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت فإن تكلّم فليجتهد رأيه))
يعني أيام تُستشار بشيئ لو أنكَ أشرتً بما تعرف للحِقَكَ من هذه الاستشارة ضرر كبير.. حالات نادرة.. سألَكَ أن أفعل هكذا فلكَ أن تسكُت، إمّا إذا تكلّمت يجب أن تنطق بالحق، لكَ أن تسكُت، أيام بالتجارة والتجارة سِر أحياناً تكون وأنت هذه المصلحة قد اشتريتها وسألكَ أن يشتري مثلَها، فإن نصحتهُ بعدم الشراء " لا تشتري أنا اشتريت مثلها " فيُمكن أن يظُن عكس ذلك، أيام الكلام له مضاعفات، وفي حالات نادرة وقاهرة وحساسة لك أن تسكُت، لكنكَ إذا تكلمت لا ينبغي أن تقول إلا الحق، أمّا هُناك أُناس ينصحونكَ بشيئ خِلاف مصلحتك، تاجر ناشئ سوف يُزاحِمُكَ على هذه المصلحة وسألَكَ بنفسٍ رضيّة وطيبة فأشرت عليه بنوع من البضاعة غالية الثمن وليست لها طلب إطلاقاً، واشترى كميات كبيرة ووضعها في المستودع ولم تُباع معه فجعلته يُفلّس، كُل رأسُ مالِهِ وضعه في هذه المصلحة ولم تُباع معه، أنت في هذه الطريقة أخرجته من المصلحة.. هذه خيانة..، يعني إذا كان هُناك حالات قاهرة فيها حرج أباح لكَ الشرع أن تسكُت، أمّا أن تقول غلطاً فهذه خيانة.
قال شاهد على أنَّ الإنسان أحياناً يحقُ له أن يمتنع عن إعطاء رأي طالب سألك على أن يدرس هذا الموضوع وأنت قد وضعت السؤال، إذا قُلت له لا تدرسه فهو سيأتي في الفحص فتكون قد ضللته، وإن قُلت له بأن يدرسه وجاء في الفحص وقال الطالب أنا أخذت من الأستاذ السؤال فسوف يُدمِرُكَ... هذه ليست استشارة... تقول له لا أعرف، حيث أنك تملك عن إبداء الرأي أمّا إن تكلّمت فليس لك الحق أن تُضلله، فأكثر الناس الآن في الاستشارة إذا كان له مصلحة في الموضوع يُضللهُ، هذا المنزل مثلاً نفسهُ فيه فيجعله يكره المنطقة كلها، فكُل إنسان يُشير خِلاف ما هو صانع لِنفسه فقد خانَ صاحِبهُ.. الاستشارة أمانة.. لكن هناك حالات مُعيّنة تستطيع أن تمتنع عن إعطاء الرأي أكثرُ هذه الحالات في التجارة وبعضُها في التعليم وبعضُها في القضاء.
إذاً: المستشار مُؤتمن وله في حالات نادرة أن يمتنع عن إعطاء رأي فيما لو كان في هذا الرأي إضراراً بالغاً للمستشار.
آخر حديث: يقول عليه الصلاة والسلام:

((عن أنس قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار))
(أخرجه الطبراني)
إلاّ أنَّ العلماء ارتأوا أن تـُقدّمَ الاستشارةُ على الاستخارة. فضع في ذهنك أنكَ قبل أن تُقدِمَ على عملٍ ما تبدأ بالاستشارة، والمستشار يجب أن يجمع بينَ شيئين الخِبرة والأمانة، الخبرة في الموضوع، والأمانة بأوسع معانيها الدينية، بمعنى أنه لن يقول لكَ إلاّ الحق، إن عثرت على مِثل هذا الإنسان استشره فإذا أشارَ عليكَ أن افعل هذا الأمر عُدْ إلى الله عزّ وجل واستخرهُ، صلِّ ركعتين وقُل:
يا ربي إن كان هذا الأمر فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فإقدرهُ لي ويسّرهُ لي، وإن كان خِلافَ ذلك فإصرفني عنه وإصرفهُ عني وأُقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كان
الإنسان في هذا الدعاء مع التوجّه الصادق، مع الإقبال، مع الركعتين المُخلصتين لعلَّ الله عزّ وجل يُريه مناماً أو يشرح صدرهُ أو يقبِض صدرَهُ.
على كُلٍ تبدأ بالاستشارة وتختم بالاستخارة، الاستشارة لأصحاب الخِبرةِ من المؤمنين الصادقين الأُمناء والاستخارة لله عزّ وجل، ولكن من أجل أن تعرف الحقيقة لا استشارة ولا استخارة في المحرّمات، فقط في المباحات في الزواج، في التجارة، في السفر، في هذه الموضوعات المُباحة في استشارة وفي استخارة، لكن واحد أراد أن يستشير شخص في شُرب الخمر مثلاً ليست واردة.. أو بأكل مال حرام أو في رشوة أو في باغتصاب منزل مثلاً، يقول والله لنأخذ رأي واحد مؤمن !! هذا كلام مُضحك، لا استشارة ولا استخارة في المُحرّمات بل في المباحات وليست أيّ مباحات مثلاً تناول طعام الغذاء.. أخي هل آكل.. هذه أشياء تافهة.. الاستشارة في المباحات التي لها مضاعفات، أي لها توابع، الزواج له توابع، التجارة لها توابع، إنشاء معمل صغير له توابع كان معك مئة أصبحوا في آلة.. تجمدوا.. إذا لم يكن الأمر قد تمّت دراسته بشكل جيد فتكون قد أضعت رأس مالِك في آلة ليس لها ثمن، أصبحت كتلة حديد، فالاستشارة في المباحات والاستشارة قبل الاستخارة، والمستشار يجب أن يكونَ من أصحاب الخِبرةِ من عقلاء المؤمنين.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:11 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس25:آداب الألفة (المعاشرة)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-05-04
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم :
من إحياء علوم الدين بدأنا بمجموعة أبواب في الآداب الإسلامية فكنا قد بدأنا بآداب الأكل وأمضينا فيها وقتاً طويلاً ثم انتقلنا إلى آداب الكسب والمعاش ، وانتقلنا منه إلى باب الحلال والحرام وها نحن نصل إلى آداب الألفة أي المعاشرة ، التعامل اليومي والإمام الغزالي رضي الله عنه يعقد باباً مطولاً يتحدث فيه عن آداب الألفة التعامل فيقول : اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق ، يعني حسن الخلق ثمرته الألفة والتفرق ثمرة سوء الخلق ، يعني سوء الخلق يؤدي إلى التفرقة وحسن الخلق يؤدي إلى المودة لذلك المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد :
((عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[ رواه مسلم ـ أحمد ]
قال تعالى :

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾
[ سورة الأنفال ]
يعني بين المؤمنين علاقات متينة وشيجة لا يعرفها إلا من عاينها لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف لأن كل مؤمن بأخلاقه الفاضلة يجذب أخاه النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه الكرام في نزهة قال أحدهم علي ذبح الشاة ، قال الثاني علي سلخها ، قال الثالث علي طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام وعلي جمع الحطب .
يعني كل إنسان يبذل لأخيه الإنسان ما في وسعه هذا البذل يسبب ألفة ، ما تفسير الألفة بين المؤمنين ، لو حللت هذه المودة تحليلاً علمياً يعني إذا جاء عالم نفس أو عالم اجتماع ليحلل أسباب المودة البالغة بين المؤمنين تحليلاً علمياً يجد أن الأخلاق الفاضلة الخلق الحسن الذي يتحلى به المؤمن هو سبب المودة ، ربنا عز وجل خلقنا على فطرة سليمة وخلقنا على فطرةٍ عالية ، وكل منا يحب مكارم الأخلاق بالمناسبة فرق كبير بين أن تحب مكارم الأخرق وبين أن تكون متحلياً بمكارم الأخلاق قد تحبها ولست متحلياً بها فكل مخلوق على وجه الأرض يحب مكارم الأخلاق ، إذاً مكارم الأخلاق سبب هذه المودة ، سبب هذه العلاقة الوشيجة ، العلاقة المتينة ، تحس أن بين المؤمنين علاقةً لا يفصمها شيء لا يضعفها شيء لا يوجد غيبة يعني بعض الأخوة الأكارم لهم سهرة أسبوعية مضى عليها سبعة عشر عاماً كل ثلاثاء في بيت واحد ، بعد هذه الأعوام الطويلة طرح أحدهم سؤالاً قال: ما سبب دوام هذه الألفة ؟ وطلبوا الإجابة للجلسة القادمة فقد أجمع الأخوة على أن عدم الغيبة وعدم دخول النساء فيما بينهم سبب هذه الألفة ، المرأة تفرق إذا دخلت مجلساً تفرق هذا المجلس ، قد ينظر الزوج إلى زوجة صديقه نظرةً تسبب الحمق لزوجها ، وقد تنظر الزوجة لصديق زوجها نظرةً تسبب الغيرة لذلك إذا دخلت المرأة في مجلس تقطع ما بين هؤلاء من صلات .
يعني المجتمع المسلم مجتمع متماسك ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا المجتمع الكافر مجتمع مفتت ولو بدا لك أنه مجتمع قال تعالى :

﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)﴾
[ سورة الحشر ]
من ثمار الخلق الحسن هذه الألفة التي بين المؤمنين ، من ثمار الخلق السيء هذه التفرقة بين الناس ، هذا ملخص الفصل ، ومهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً يعني على مستوى إذا ممكن الخلق الحسن يقاس بوحدات ، الآن يقيسوا الضجيج ، يقيسوا الزلزال بوحدات ، من أيام قاسوا الإشعاع النووي بوحدات قال : أربع مائة وخمسين وحدة قاتلة هذه الأشعة وجدوها في ألمانية مائة وخمسين وحدة ، فالإشعاع يقاس بوحدات والضجيج يقاس بوحدات فإذا أمكن أن نقيس الخلق الحسن بوحدات ، إذا كان مستوى خلق هذا الإنسان الحسن سبعين بالمائة فالمودة بينه وبين الناس سبعون بالمائة ، ثمانين ثمانين ، تسعين تسعين مائة بالمائة تكون مائة بالمائة ، يعني على قدر ما يتحلى الإنسان بالخلق الحسن على قدر ما يتمتع بعلاقات متينة جداً وحميمة جداً مع بقية الناس ، إذاً محبة الناس لك ثمنها أن تكون ذا خلق حسن ، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فاسعوهم بأخلاقكم الكلمة الطيبة أحياناً تثمر عملاً طيباً .
حدثني أخ كان صغيراً دخل إلى مسجد ليصلي ، خرج من المسجد فافتقد حذاءه لاحظه رجل وقور ، صالح ، خير ، فاشترى له حذاءً فقال لي : أغلب الظن أن سبب حفاظي على صلاتي منذ الصغر هذا التصرف الأخلاقي من هذا الرجل ، يعني الخلق الحسن ، لعل كلمة طيبة تنقذ بها إنسان ، لعل موقف فيه تسامح تجعل إنسان يتوب إلى الله عز وجل ، لعل موقف فيه حلم تجعل إنسان يتعرف إلى الله يقول هكذا الإسلام ، هذا الإيمان ، فالإنسان لا يدري كم نتائج الخلق الحسن كم هي باهرة ، يعني ما الذي جعل الناس من كل حدب وصوب يذهبون إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد ألف وخمس مائة عام خلقه الحسن ، ما من مسلم إلا وقرأ عن خلقه الحسن ، يتصور تواضعه ، تسامحه ، عدله ، كرمه ، خدمته ، حبه لأصحابه إخلاصه لهم ، حبه لهم ، ترفعه عن نقائصهم ، يتولد في قلبه محبة لهذا النبي الكريم.
مهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودةً ، وحسن الخلق لا تخفى فضيلته في الدين ، يعني يكاد يكون الدين حسن خلق حتى لا يظن إنسان أن الدين صوم وصلاة ، الدين ليس صوماً وصلاة فحسب ولكنه خلق حسن ، يعني إذا قلت لي ما الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن ؟ قد تقول الصلاة ، لا من شاء صام ومن شاء صلى ولكن الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن خلقه الحسن ورعه ، عفافه ، استقامته ، أمانته ، صدقه ، لا يكذب ، لا يخون ، لا يتعدى ، لا ينظر إلى ما ليس له وما لا يحل له .
وقد مدح الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام فقال :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
[ سورة القلم ]
من علامات قيام الساعة أن قيمة الرجل متاعه ، يعني في آخر الزمان الإنسان يستمد مكانته الاجتماعية من نوع سيارته ، من موقع بيته ، من مساحة بيته ، من حجم محله التجاري من دخله ، من ضعف القيم الأخلاقية في آخر الزمان أن الذي يرفع الناس فيما بينهم متاعهم دخلهم غناهم ، ومما يرفع الإنسان في المجتمعات المؤمنة خلقه الحسن لذلك إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا فساد كبير ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾
[ سورة الأنفال ]
يعني كلمة وإنك لعلى خلق عظيم وحدها تكفي ، الله سبحانه وتعالى ما وصف النبي بالغنى ، يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً قال بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره ، ما يقدح من مكانة الإنسان فقره ، ولا يقدح من مكانة الإنسان بيته الصغير ، ولا يقدح من مكانته عمله المتواضع ، ضارب آلة كاتبة معه بكالوريا قد يكون عند الله عظيماً بأخلاقه الفاضلة ، قد يكون عند الله أعلى بمئات الألوف من البشر التافهين لا يقدح في قيمتك إلا الخلق السيء وإنك لعلى خلق عظيم قالوا : يا رسول الله ما هذا الأدب ؟ بحياته ما سحب يده من مصافح ، بحياته ما تحرك حركة في بيته انصرف يا أخي عندي عمل ، بحياته ، ما رؤي ماداً رجليه قط ، ما عاب طعام قط قالت : إنها قصيرة ، قال : يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ، كلمة قصيرة .

((أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ))
يعني لو تخيلنا إنسان يصلي الضحى والأوابين وقيام الليل والتهجد ويصوم الإثنين والخميس ، ويتصدق فوق الزكاة عشر أمثال الزكاة وقلبه قاسي وكلامه فظ هذا يقدح في إيمانه ، قال تعالى :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
[ سورة آل عمران ]
لا يرفعك عند الله إلا الخلق الحسن ، لذلك روى الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن أن أحسن الحسن الخلق الحسن ، أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وقال أسامة : يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ ـ الذي عنده فندق دخله باليوم مائة ألف ليرة قال : عنده فندق أربعين طابق خمس نجوم طوال العام محجوز ، هذا أوتي مالاً كثيراً ، النبي الكريم يقول :

((عَنْ أُسَامَةَ ... قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ قَالَ خُلُقٌ حَسَنٌ))
[ الترمزي ـ أبي داود ـ أحمد ]
الذي عنده أرض تضاعفت مائة ضعف ، اشتراها بخمسة آلاف وباعها بخمسمائة ألف ألم يؤتَ هذا الإنسان شيئاً ؟ الخلق الحسن أثقل من هذا وقال صلى الله عليه وسلم :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال َ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ ))
[ أحمد ]
وفي رواية أخرى إنما بعثت معلماً ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وقال عليه الصلاة والسلام : أثقل ما يوضع بالميزان خلق حسن .

(( وقال عليه الصلاة والسلام : ما حسن الله خَلق امرئ وخُلقه فيطعمه النار))
يعني إذا إنسان الله تفضل عليه بخلق حسن معنى هذا مقرب منه متصل به ، ما من إنسان تحلى بخلق حسن إلا وله صلة بالله عز وجل ، فهذا الذي له صلة بالله هل يعقل أن يدخل النار .
وقال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق ))
حدثني أخ اليوم كان بالحج مع رجل من أهل الصلاح والتقى وجالسين في خيمة نظيفة جداً ومرافقها نظيفة جداً ، دخل إنسان طائش بعيد عن الخيمة وقضى حاجة بشكل غير لائق فما رأوه ، اتهم بعضهم بعضاً بهذا العمل السيء فكادت تنشب بينهم مشكلة فقام هذا الرجل الصالح وقال أنا الذي وبادر لينظف هذا المكان ، طبعاً ما سمحوا له ، ولكن الإنسان الطيب بخلقه الحسن يؤلف ولا يفرق ، يقول لي هذا الرجل لا أنسى له هذا الموقف ما حييت ، مضى على هذا الموقف أكثر من ستة عشر عاماً ولا ينسى هذا الموقف ، حتى يحل مشكلة فاتهم نفسه بهذا المشكلة ونهض لينظف هذا المكان .
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما كان مع أصحابه الكرام في وليمة ، توضأ أصحابه وصلوا الظهر ، بين الظهر والعصر بدت رائحة كريهة حينما أذن العصر قال عليه الصلاة والسلام :

(( كل من أكل لحم جذور فليتوضأ ، قالوا : كلنا أكلنا هذا اللحم قال كلكم فليتوضأ))
هذا الوضوء ستراً لحال هذا الذي انتقض وضوءه .
كان إذا دخل بيته عليه الصلاة والسلام لف ثوبه لئلا يزعج أهل البيت ، كان له كلام أحلى من العسل ، أرسل خادماً وغاب غيبةً طويلة فغضب النبي عليه الصلاة والسلام فلما حضر قال عليه الصلاة والسلام : لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك ، هذه أقصى كلمة قالها في حياته صلى الله عليه وسلم

(( عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ مَنَعَكَ وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ ))
[ أحمد ]
أن تصل من وصلك هذا ليس من حسن الخلق ، هذا خلق عامة الناس إذا وصلته يصلك لكن حسن الخلق أن تصل من قطعك ، وتعفو عن من ظلمك وتعطي من حرمك ، إذاً ثمرة حسن الخلق الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر طابت الثمرة ، قال تعالى :

((لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكم الله ألف ))
الآن من علامة الإيمان بين الأخوة المودة بينهما ، يعني إذا رأيت أن هناك مودة كبيرة بين المؤمنين فهذه بشارة طيبة لهم جميعاً ، كأن الله يرضى عنهم يد الله مع الجماعة ، يد الله على الجماعة ، وإن كان بينهم خصومات وشقاق ، وحسد ، وغيبة ، ونميمة ، فالله سبحانه وتعالى يمقتهم أهكذا أنتم ، أهكذا دينكم ، أهكذا الاستقامة ، قال تعالى :

﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً (103)﴾
[ سورة آل عمران ]
فالأخوة الصادقة نعمة كبرى يتمتع بها المؤمنون ، ولا يعرفها إلا من فقدها ، لذلك أهل الدنيا إذا ذهبوا إلى نزهة لابد من أن ينشب الخصام بينهم ، إذا ذهبوا إلى رحلة ، إذا تخالطوا في شركة ، إذا تجاوروا دائماً الخصومات والعداوات والسباب والشتائم والتدابر والتقاطع هو الشيء السائد بينهم ، المؤمنين المودة ، والتعاطف ، والخدمة ، والمأثرة والمحبة ، ومراعاة الشعور ، أسمع أيام قصص عن سكان بناء بمنتهى المودة ، بمنتهى التعاطف ، والله أشعر بسعادة لا توصف نحن بخير إن رأيت أن هناك تعاطفاً بين الناس أن هناك مودة بين الناس ، أن هناك أعمالاً طيبة فيما بين الناس أشعر أننا بخير وأن الله لن يعذبنا قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
[ سورة الأنفال ]
بعضهم فهم هذه الآية فهماً دقيقاً وأنت فيهم ما دمت بين ظهرانيهم لن يعذبهم الله عز وجل ، المعنى الآخر مادامت سنتك فيهم في أعمالهم ، مادامت محبتك في قلوبهم ، هذه واحدة المعنى الثالث سنتك الطاهرة فيهم يعني مطبقة فيهم ، إن كانت سنتك مطبقة فيهم فلن يعذبهم الله عز وجل ، يعني إذا في تعاطف ، أيام ترى تعاون إنسان له ابن يحتاج إلى عملية جراحية طرق باب رجل ميسور الحال قال له تكلف ستين ألف ، قال له : ولتكن مشي المعاملة العلمية في إنكلترا هذا الذي دفع هذا المبلغ أقسم بالله العظيم أن أرباحه في هذا العام تضاعفت دفعهم دفعة واحدة .
أعرف أخ أيضاً حالته المادية ميسورة عنده موظف يتقاضى ألف ليرة أصيب بمرض خطير جداً هبوط مفاجئ في عمل الكليتين سألوا تكلف العملية سبع مائة ألف ، فأرسله إلى أمريكا وأرسل معه مرافق وبقي هناك ثلاث أشهر وأجريت له العملية ونجحت وبعد عشرة أيام توفي ، لكن هذا الذي دفع هذا المبلغ له عند الله مكانة لا يعلمها إلا الله ، تحقق الهدف أنه كشف على حقيقته موظف فقير عنده لا يملك شيء ، الأعمال الطيبة تسبب سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .
يعني أحياناً يرى فقير يعطيه نصف ليرة ويظن نفسه أنه عمل عملاً جديداً ، العمل الطيب أن تحل مشكلة كبيرة لإنسان ، مشكلة كبيرة تحل حلاً جذرياً هذا هو العمل الطيب هذه القروش مقبولة قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾
[ سورة الزلزلة ]
وقد تكون هذه النصف ليرة من طفل صغير هي عند الله أكثر من مائة ألف ليرة إذا والده أعطاه ليرة ووجد فقيراً أعطاه نصف ليرة هذه عند الله أكثر من مائة ألف ليرة ، رب درهم سبق مائة ألف درهم أما إذا إنسان ميسور الحال أعطى نصف ليرة لفقير يحاسب على قدر ماله لا على قدر هذا المبلغ ، يقول لك : الله شفاني سوف أوزع كيليين خبز ثمنهم ليرتان ، كأنه عمل عملاً كبيراً على نية الشكر لله فقط كيليين خبز بليرتين ، قال تعالى :

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾
[ سورة آل عمران ]
لذلك النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال :
ليس منا من فرق .
ما قولكم بهذا الحديث ، نفى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الإنسان الإنتماء إلى دين الإسلام ، الذي يفرق بين أخوين ، بين شريكين ، بين زوجين ، بين أم وابنها ، بين أخ وأخيه ، بين جارين بين مؤمنين ، بين صديقين ، بين مسافرين ليس منا ، المؤمن دائماً يؤلف ولا يفرق بكلامه الطيب ، وقال عليه الصلاة والسلام :

((عَنِ الأَعْمَشِ قَال سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا))
[ البخاري ـ مسلم ـ أحمد ]
ألا يطمح أحدنا أن يكون له مكانة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا المكان القريب لا تناله إلا بحسن الخلق ، إن أقربكم مني مجالس يوم القيامة ، يعني رسول الله في الجنة .

((مرة قال صلى الله عليه أول من يمسك بحلق الجنة أنا))
لا يوجد إنسان يدخل الجنة قبل النبي عليه الصلاة والسلام ، يعني إن صح التعبير هو الذي يقص الشريط الحريري ويدخلها ، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ، قال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاد فلم تتزوج من أجلهن .
طبعاً هذه كناية لطيفة من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((إن أقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذي يألفون ويؤلفون ))
من تعريفات النبي الكريم الجامعة المانعة للمؤمن أنه يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، يعني يألف ويؤلف ، لين العريكة سموح سهل لا يعقد الأمور اعتذر منه ومشي الحال وعدك وما جاء نسيت هون عليك طالما يوجد محبة ، الأكل ما كان جاهز لا بأس يصلي ركعتين ريثما يجهز الطعام ، أما الكافر لا يألف ولا يؤلف :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ وَلا يَقْرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلا هَجْرًا وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا دَبْرًا مُسْتَكْبِرِينَ لا يَأْلَفُونَ وَلا يُؤْلَفُونَ خُشُبٌ بِاللَّيْلِ صُخُبٌ بِالنَّهَارِ وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً سُخُبٌ بِالنَّهَارِ))
[ أحمد ]
أما الكافر فظ غليظ ، فاحش بذيء ، مستعلي ، وقال صلى الله عليه

(( المؤمن إلف مألوف ولا خير فيما لا يألف ولا يؤلف ))
وقال عليه الصلاة والسلام :

((من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه))
أثمن عطاء في الدنيا أن يكون لك أخ في الله ، العصر ما صلينا الله يجزيك الخير نريد أن نزور فلان مريض ، ما رأيك أن نأخذ له هدية إذا كان نسيت يذكرك ، وإذا ذكرته يعينك ، إذا كان إنسان مريض وأخذت له هدية أجمل ، إنسان جاء من الحج ، من العمرة يعني تزوج نزوره ونأخذ له هدية أفضل ، فإذا أنت نسيت يذكرك وإذا ذكرته يعينك ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه))
يعني إذا إنسان له في الحياة الدنيا أخ مؤمن يحبه لله ولا يحبه إلا لله وليس هناك مصلحة ولا قرابة ولا نسب ، هذا الأخ أكبر ثروة في الدنيا قال لي أخ : إنسان له بضاعة في مكان واضطر أن ينقلها نقلاً سريعاً خلال ساعات إلى مكان آخر ، ساكن في بناء وفي مودة بالغة طرق على باب جيرانه بساعة متأخرة من الليل بذلوا له كل جهدهم وساعدوه ، يقول لي والله لا أنسى هذا العمل ما حييت ، هذا العمل الطيب يمتن العلاقة أيام تعمل مع أخوك عمل لا ينسى لك هذا العمل ، تعيش أربعين سنة وترى في مودة بالغة بينكم بفضل هذا العمل ، إذا الإنسان بذل يجد نفسه ، تذهب إلى مدينة مثل لندن أو طوكيو فيها ثمانية عشر مليون القاهرة فيها عشرة ملايين أشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً ، لماذا تدابر النظرة المادية طاغية .
قال لي إنسان ذهبت إلى لندن وفي أحد شوارعها المزدحمة رأيت عن بعد امرأة قد وقعت ، متقدمة في السن ، أقسم لي أنه مر أمامها ما يزيد عن مائتي رجل ولم يلتفت إليها أحد ولما وصل أمسك بيدها ليوقفها أو ليأخذها إلى بيتها قالت لي : أنت لست من هذا البلد ، عرفته أنه غريب .
أجروا في فرنسا تجربة لاختبار الدافع الإنساني أحضروا سيارة أجرت حادث وضعوها على طريق ليون باريس هذا أكثف طريق ، كثافته شديدة وإنسان اضطجع أمام هذه السيارة ووضعوا عليه حبر أحمر بعد ست ساعات توقفت سيارة واحدة لينقذ هذا الجريح فأشد الأمكنة ازدحاماً أشدها وحشةً .
أتصور حياة أجدادنا ما كان كهرباء ، ولا بيوت فخمة ، الثريات الفخمة ، ورق الجدران ، الأرض والسجاد العجمي مثلاً هذه الديكورات ما كانت موجودة ولكن كان محبة وتعاطف ، وأنس لا يوصف ، الآن فخامة ما بعدها فخامة ، بذخ ما بعده بذخ ، أناقة نظافة ترتيب تزيينات لكن في تقاطع وتدابر ، يعني عنده غرفة ضيوف ليس لها مثيل ما فات إليها ضيف بالسنة ، تدابر كل إنسان يعيش لوحده ، أخين متقاطعين من أب وأم ، عديلين ، صديقين لا يعرف من ساكن فوقه ، مرة دخلت إلى بناء وأعطاني العنوان مواجه الكوى سألت قال لي في الطابق الفلاني لما صعدت إلى البناء نسيت كم طابق قطعت طرقت باب قالوا : لا نعرفه فكان هو يسكن فوق منهم من عشرين سنة ، ما خطر ببالهم يعرفوا اسم جارهم ما اسمه الجار أربعين جار على اليمين ، وأربعين جار على اليسار ، وأربعين شمال ، وأربعين جنوب وأربعين فوق ، وأربعين تحت ، ست جهات ، والله يسأل عن صحبة ساعة .
وقال عليه الصلاة والسلام :

(( مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى))
هذا التماسك والتعاطف ، وما التقى مؤمنين قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيراً إذا التقى مؤمنين لابد من أن أحدهما يستفيد من صاحبه ، يكون الأول ذاكراً الله عز وجل حالته طيبة يصافحه يوجد حرارة الإيمان ، الثاني يغار والله يجب أن أكون مثله ، يعني يبلغه أن الثاني قد صلى قيام الليل يغار منه ، منافسة في طاعة الله ، أيام يقول له سمعت تفسير آية وتكون الآية لها معنى دقيق وتحل مشكلة لهذا الإنسان فأي لقاء بين مؤمنين قد يكون لقاء نفسي ، لقاء عرضي ، لقاء مقصود ، لقاء غير مقصود ، لقاء علمي ، أي لقاء بين مؤمنين لابد من أن أحدهما يستفيد من الآخر .
وقال عليه الصلاة والسلام :

(( من آخى أخاً في الله رفعه الله درجةً في الجنة لا ينالها بشيء من عمله ))
أنا أتمنى عليكم لا يوجد عندي إمكانية أعرف بالضبط من لم يحضر اليوم ، أما إذا كل واحد آخى واحد ، فلان مريض يجب أن نزوره له حق علينا ، فلان مسافر ، فلان يشكو من مشكلة ، فهذا الأخ إذا آخى أخ وتعاون هو وإياه ، فكل واحد يختار أخ في الله يكون هو ولي أمره إذا غاب ، وإذا أراد أن يأتي هل تحب أن نذهب معاً ، إذا كان الثاني متكاسل لما جاءه هاتف استحيا ، وما كان ينوي أن يأتي ، صار ترابط إذا غاب فوراً عن الدرس فذهب وتفقده ، عندما انطرق الباب معنى هذا أنني مهم إذا ما جئت إلى الدرس ، خير إن شاء الله لعل أن تكون مريضاً ، صار ثاني درس إذا لم أحضر إلى المسجد يأتون إلى عندي هذا التعاون ، كل واحد يختار أخ بالله ويتفقد أموره ، يتفقد دوامه على الدروس ، يتفقد حاجاته صحته ، أيام الإنسان بحق نفسه مقصر يكون بحاجة إلى مساعدة ، إلى حل مشكلة يخجل أن يطلبها ، إذا أخوه عرف هذه الحاجة ونقلها إلى إنسان ميسور الحال تكون حليت له مشكلة .
((وقال أبو أدريس لسيدنا معاذ : إني أحبك في الله ، فقال له : أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ويخاف الناس وهم لا يخافون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فقيل من هؤلاء يا رسول الله قال : المتحابين في الله تعالى ))
ومن السنة المطهرة أنك إذا أحببت أخ في الله أن تعلمه بهذا الحب قل له يا أخي والله إني أحبك في الله ، يقول لك : أحبك الذي أحببتني من أجله ، إذا في بقلبك محبة لأخ لا تكتمها أظهرها ، حتى أن رجلاً مر على النبي الكريم ثم تابع مسيره فقال أحد الحاضرين والله إني أحبه فقال له : قم فأعلمه ، فقام من مجلسه وذهب إليه ليعلمه أنه يحبه
وقال النبي عليه الصلاة والسلام إن حول العرش منابر من نور عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور ، ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيين والشهداء فقالوا : يا رسول الله صفهم لنا فقال المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتزاورون في الله .

((عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ))
[ أبي داود ]
وقال صلى الله عليه وسلم :

((ما تحابا اثنين بالله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه))
هذه دقيقة جداً يعني أخين في الله هذا يحب أخاه وذاك يحب أخاه إذا أردنا أن نقيس المحبة بوحدات هذا يحب أخاه بدرجة تسعين ، هذا يحبه بدرجة ثمانين ، الذي يحب أخاه بدرجة تسعين هو أحب إلى الله الأرقى يحب أكثر والأقل يحب أقل ، ترى الراقي لا يحقد ولو الناس اساؤوا له ترى موقفه فيه عفو ، فيه صفح ، ربنا قال :

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)﴾
[ سورة الحجر ]
أنا لا أنسى سيدنا أبو بكر كان يبر إنساناً يتصدق عليه ، هذا الإنسان تحدث عن أن السيدة عائشة قد زنت ، هذا الإنسان بالذات ما كان من أبي بكر رضي الله عنه من شدة ألمه على سمعة ابنته الطاهرة إلا أن امتنع عن إعطاء المساعدة الدورية لهذا الإنسان فنزلت آية تعاتبه على ذلك :

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)﴾
[ سورة النور ]
قال : بلى وبكى وتابع عمله الطيب ، ويقال أن الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقام من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، هذه فكرة دقيقة يعني أخين الأول أعلى من الثاني إذا الثاني أحب الأول لأنه أرقى منه حب الثاني للأول يرفعه إلى مقامه وهذه المحبة صار ارتباط معه ، وبهذا الارتباط انتقلت للثاني أحوال الأول ، أحوال المحبة والورع والخوف من الله والطمأنينة ، كل هذه الأحوال انتقلت إلى الثاني بفضل حبه له ، إذاً الثاني جاءته هذه الأحوال عن طريق المحبة إذاً ألحق بالأول ، هذا معنى قول الإمام الغزالي : إن الأخوين بالله إذ كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
[ سورة الطور ]
هذه آية لها معنى آخر إذا إنسان ربى ابنه تربية صالحة وتوفى كل أعمال الابن إلى أن يتوافاه الله في صحيفة الأب ، أعمال الابن ألحقت بأبيه ، ممكن أن يكون الإنسان له حساب في مصرف عشرة آلاف ، مائة ألف ، مليون ، وفي حساب ثاني مليون ، ممكن أن ينضاف هذا الحساب إلى حساب الآخر إذا ذهب إلى المصرف وقالوا له حسابك مليون لكن نفس مبلغك أضيف لحساب فلان تقريباً .
أعمال الابن كلها الصالحة تسجل في صحيفة الأب ، هذا معنى ألحقنا بهم ذريتهم وما من عملهم من شيء ، الابن وابن الابن وهذه الذرية الطيبة إلى يوم القيامة ، لذلك الإنسان يوم القيامة يكون أطعم لقمة في سبيل الله يراها كجبل أحد ، أنا شاهدتها في المدينة كنت أتصوره جبل صغير بل هو جبل شامخ ، عالي والمعركة لم تتم على قمة هذا الجبل بل على أحد فروعه ، أما هو جبل شامخ .
إذا لقمة أنفقتها في سبيل الله أصبحت كجبل أحد ، قال تعالى في الحديث القدسي :

((عنَ عَبَسَةَ هَلْ أَنْتَ مُحَدِّثِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ أَنْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلا كَذِبٌ وَلا تُحَدِّثْنِيهِ عَنْ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ غَيْرِكَ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ قَدْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي))
[ أحمد ]
وإن الله تعالى يقول يوم القيامة :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي ))
[ أحمد ـ مالك ـ الدارمي ]
والحديث المعروف عندكم :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
[ مسلم ـ الترمزي ـ النسائي ـ أحمد ـ مالك ]
يعني صلى الله عليه قال : العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن ، يعني ألزم ما يلزم الشاب أن يكون تائباً ، وألزم ما يلزم المرأة أن تكون حييةً ، وألزم ما يلزم الغني أن يكون سخياً ، وألزم ما يلزم الفقير أن يكون صابراً ، وألزم ما يلزم العالم أن يكون ورعاً ، وألزم ما يلزم الإمام أن يكون عادلاً .

(( الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))
إذا كنت أحد هؤلاء أبشر ، إذا دفعت مبلغاً من المال من كسبك الحلال ولم تنبت ببنت شفة ما ذكرت لأحد العمل أبشر ، وإذا دعتك امرأة فقلت إني أخاف الله رب العالمين .
قال لي رجل وكان من تجار الغنم الكبار فلاقى الأمرين في البادية مرة يعني فوجئ أن امرأة تدعوه وكان قد غاب عن أهله أكثر من أربعة أشهر فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في الرحلة الثانية أوشك أن يموت هو وقطيع الغنم عطشاً فقال : يا رب إن كنت تعلم أنني امتنعت خوفاً منك على الفاحشة فيسر لنا الماء ، دعاه بهذا العمل والله استجاب له والتقى برجل دله على ماء قريب ولولا هذا الرجل لماتوا عطشاً .
وقال صلى الله عليه وسلم :

(( ما زار رجل رجلاً في الله شوقاً إليه ورغبةً في لقائه إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً ))
[ ابن ماجة ]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ))
[ أحمد ]
يعني أحدنا يركب السيارة حتى يزور أخ في الله لا مصلحة ، ولا بيعة ، ولا شراء ولا شكر ، ولا خوف ، ولا رد شر ، ولا رهبة ، ولا قرابة ، ولا واجب ، إنما يزوره زيارةً خالصةً لوجه الله لأنه يحبه هذا وجبت له الجنة ، هذه العلاقات أكثروا منها العلاقات الخالصة لوجه الله .

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَائِلٌ الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ وَقَالَ قَائِلٌ الْجِهَادُ قَالَ إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ))
[ أبي داود ]
هذا الحديث دقيق أوثق عرى الإيمان ، العروة معروفة العروة فتحة في الثوب تدخل في الزر ، أوثق عرى معنى هذا أن الإيمان مجموعة عرى لكن الحب في الله أوثق هذه العرى السؤال الآن من يفكر في عرى للإيمان غير محبة ، في حديثي الأول أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، والثاني أوثق عرى الإسلام ، فإذا كان من الممكن أن نفكر بهذا الحديث الدرس القادم ممكن أن أصل إلى عروة أخرى للإسلام غير الحب في الله ، نريد أن نبحث عن مجموعة عرى للإسلام والإيمان غير الحب في الله ، أما النبي عليه الصلاة والسلام يقول : أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله ، الإسلام له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، الإيمان له مجموعة عرى أوثقها الحب في الله ، فأول سؤال اسأله نفسك ما الإسلام ، والسؤال الثاني ما الإيمان ، ما هي عرى الإيمان ؟ وما هي عرى الإسلام؟ والنبي يخبرك أن أوثق هذه العرى الحب في الله للإسلام والإيمان .
فالسؤال للدرس القادم العروة ما تعريفها وكم عروة للإسلام وكم عروة للإيمان ؟ ثم لماذا الحب في الله أوثق هذه العرى ، ولماذا البغض في الله أوثق هذه العرى ؟
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد أما جهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك ، وأما انقطاعك إلي فقد تعجلت به ولكن ماذا صنعت من أجلي ؟ قال وماذا أصنع من أجلك ؟ قال : هل عاديت في عدواً ، وهل واليت في ولياً ؟ ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام ، لو أنك عبدتني بعبادة أهل السماوات والأرض وحب في الله ليث وبغض في الله ليث ما أغنى عنك ذلك شيئاً .
من هذه الأحاديث يتضح أن الحب في الله ركن أساسي في الإسلام والإيمان ، بل إن الحب في الله والبغض في الله من أشد عرى الإسلام والإيمان ، وهذا الذي يرفعنا ، وهذا الذي يسعدنا أن يحب بعضنا بعضاً حباً خالصاً لله تعالى ؟ ألا لا إيمان لمن لا محبة له ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له .
يعني إسلام بلا محبة كجسد بلا روح ، الإسلام جسد روحه المحبة أصحاب النبي فتحوا العالم بمحبتهم ، والناس اليوم تخلفوا بافتقارهم لهذه المحبة ، النفس مقفرة ، قام وصلى وصام .
رجل ذهب إلى الحج قال : سبحان الله ما رأيت فيه شيء ، الإسلام من دون محبة من دون أشواق ، من دون اتصال بالله عز وجل جسد من دون روح .
وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى وما زلنا في الحديث عن فضل المحبة لكن الألفة لها آداب وتفصيلات كثيرة جداً نأخذها في دروس قادمة
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:13 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس26:حقوق الأخوة في الإسلام
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-09-07
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... انتهى موضوع الزكاة، وبانتهاء موضوع الزكاة نكون قد أنهينا في العبادات الصلاة، والصوم، والزكاة، وكنَّا قد تحدَّثنا عن الحج عدَّة مرَّاتٍ في سنواتٍ سابقة وتحدَّثتُ عن الحج في هذا العام في الخُطَبْ الأسبوعيَّة، وكنَّا من قبل ذلك قد أخذنا موضوع النكاح وهو من أبرز الموضوعات الشخصيَّة، وبقينا فيه أكثر من سنة ونصف تقريباً، وكنَّا قبل هذه الموضوعات قد أخذنا المُعاملات كل هذا من كتاب فقه السُنَّة، وأنا في صَدد أن نبدأ موضوعاً جديداً لم نأخذه من قبل وهو موضوع العقائد، بدل كتاب الفقه في الدرس القادم إن شاء الله سنبدأ بالحديث عن العقائد الإسلاميَّة الصحيحة، وربَّما اخترنا كتاباً من أوثق الكُتُبِ في موضوع العقائد، وقد نمضي فيه مدَّةً طويلةً، لأن موضوع العقائد هو الموضوع الأوَّل في الإسلام، لأنه إذا صَحَّت العقيدة صَحَّ العمل، وإذا فسدت فسد العمل، وسوف نتابع إحياء علوم الدين ونحن الآن في الجزء الثاني منه، وربَّما أضفنا في دروسٍ قادمة بعض قصصٍ من السيَر النبويَّة، أو من سير الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فدرس الأحد نختار فيه فصلاً من كتاب العقائد، وفصلاً من إحياء علوم الدين، وبعضاً من سِيَرِ النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين.
والآن إلى إحياء علوم الدين لنُنْهي الحقوق التي تجب على الأخ الذي يعقد أخوَّته مع أخٍ في الله.
وصلنا في الحقِّ السابع الذي عنوانه الوفاء والإخلاص، وعرَّفنا معنى الوفاء بأنه الثبات على الحبِّ وإدامته إلى الموت وبعد الموت مع الأولاد والأصدقاء، وإنما الحب بين الأخوين في الله إنما يُراد للآخرة وليس للدنيا، ووصلنا إلى أن من الوفاء أن لا يتغيَّر حال الأخ مع أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه.
فالإنسان في الدنيا قد ينتقل من مكانٍ إلى آخر، من منصب إلى آخر، من عمل إلى آخر فإذا ارتفع شأنه فمن باب الوفاء مع إخوانه في الله أن لا يبتعد عنهم، وأن لا يزوَّرَّ عنهم، وأن لا يرى نفسه فوقهم، فمن صفات الكرماء المؤمنين أنه هو هو مع إخوانه، ومن صفات المنقطعين عن الله عزَّ وجل أنه إذا ارتفعت مكانته نسي إخوانه.
فالتَرَفُّع عن الإخوان بما يتجدَّد من الأحوال لؤمٌ، أي أن أحد أنواع اللؤم أن تترفَّع عن إخوانك إذا عَلَت منزلتك، سيدنا رسول الله اللهمَّ صلي عليه حينما فَتَحَ مكَّة، ودانت له الجزيرة العربيَّة بأكملها، وخضعت له القبائل، وصار قمَّة هذا المجتمع الجديد، خشي الأنصار رضوان الله عليهم أن يؤثر النبي عليه الصلاة والسلام البقاء في مكَّة، بلده، فلمَّا أعلنوا عن قلقهم قال:
((إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ قَالَ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ ))
( مسند أحمد: عن " أَبُو هُرَيْرَةَ " )
((لو سلك الناس فجَّاً وسلكت الأنصار فجَّاً لسلكت فَجَّ الأنصار، اللهمَّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناءِ الأنصار))
هذا هو الوفاء، لمَّا وصل النبي الكريم إلى مكَّة فاتحاً تنازع أصحابه في أي بيتٍ سيبيت فقال:
((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))
وفاءً لهذه الزوجة التي صَدَّقته حين كذَّبه الناس، وقامت معه لمَّا قعدوا، وواسته بمالها، وحدبت عليه بعطفها، وأيَّدته وآمنت به، وكان وحده، قال:
((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))
فيكاد يكون الوفاء خُلُقَ المؤمن الأول، الوفاء لإخوانه، لمن كانوا معه ساعة العسرة، لمن كانوا معه في ساعة الشدَّة، ولا يتكبَّر على أخٍ إذا عَلَت منزلته إلا لئيم، قال الشاعر:
إنَّ الكرامَ إذ ما أيسروا ذكروا من
كان يألفهم في المنزل الخشنِ

* * *
وهذا الذي يتزوَّج امرأةً وتصبر عليه، فإذا أغناه الله بَحَثَ عن أُخرى، هذا والله عين اللؤم، رضيت بكَ حينما كنت فقيراً فلمَّا اغتنيت لم ترض بها ؟! قد يلقى الله وهو عليه غضبان.
وأوصى بعض السَلَف ابنه فقال:
(( يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قَرُبَ منك، وإذا استغنيت عنه لم يطمع فيك، وإن عَلَت مرتبته لم يرتفع عليك ))
وقال بعض الحكماء:
((إذا ولي أخوك ولايةً فَثَبَتَ على نصف مودَّته لك فهو كثير ))
صديقين عاشا أيَّام الصِبا، وكانا يحييا حياةً خشنة، فقال أحدهما للآخر: لو أنك تَسَلَّمت منصباً رفيعاً هل تذكرني ؟ "، قال: أعوذ بالله أنا لا أنساك أبداً، قال: وكيف ألتقي بكَ ؟ قال: قِفْ لي أمام هذه الشجرة .. عيَّن له شجرة في المدينة.. فلمَّا دارت الأيام وتسلَّم أحدهما منصباً رفيعاً صار هذا الصديق الأخ يقف عند الشجرة، فتقع عين صديقه عليه فلا يُسَلِّم عليه فلمَّا أُزيح عن منصبه التقى به، قال: ألم تكن ترني ، قال: " والله لم أكن أرى الشجرة كلَّها " ليس أنت بل لم أكن أرى الشجرة، فالإنسان قد يكون في عمى، لذلك قال بعض الحكماء: إذا ولي أخوك ولايةً فثبت على نصف مودَّته لك فهو كثير.
وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى ببغداد رجلاً، ثمَّ إنَّ أخاه ولَّي ولايةً له، فتغيَّر له عما كان عليه، آخى رجل هذا الرجل تسلَّم ولايةً فتغيَّر له، فكتب إليه الشافعي بهذه الأبيات بعث إليه برسالة وقال:

اذهب فودُّك من فؤادي طالقٌ أبداً وليس طلاق ذات البين
فإن ارعويت فإنها تطليقةٌ ويدوم ودُّك لي على سنتين
وإن امتنعت دفعتها بمثالها فتكون تطليقين في حيضين
وإذا الثلاث أتتك مني بتَّةً لم يغن عنك ولاية السيبين
* * *
هذه أول نقطة، أي أن من الوفاء هو إذا ارتفعت أنت أن لا تنسى أخاك الذي كان في أيَّام ضيقك وفقرك.
النقطة الثانية: واعلم أنه ليس من الوفاء أن توافق أخاك فيما يخالف الحق في أمرٍ يتعلَّق بالدين، ليس من الوفاء أن تسكُت عن معصيته، ليس من الوفاء أن توافقه على معصية، ليس من الفاء أن تعرف أن دخله حرام فلا تنصحه، ليس من الوفاء إذا ضَيَّع فرض صلاةٍ أن تسكت عنه هذه خيانة، من وفائك لأخيك المؤمن أنه إذا انحرف أو أخطأ أو قَصَّر أن تنبِّهه وأن تُذَكِّره من دون أن يكون هذا أمام ملأٍ من الناس لأن في هذا تشهيراً وليس في هذا نصيحةً.
بل من الوفاء له المخالفة، فقد كان الشافعي رضي الله عنه آخى محمَّد بن عبد الحكم وكان يقرِّبه ويقبل عليه، ويقول:
((ما يقيمني بمصر غيره))
فاعتلَّ محمدُ، فعاده الشافي رضي الله عنه فقال:
مرض الحبيب فعدته.. فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيبُ يعودني.. ... فبرئت من نظري إليه
* * *

أي شفيته، ظنَّ الناس لصدق هذه المودَّة وتمامها أنه يفوِّض أمر حلقته إليه بعد وفاته، لما بينهما من مودَّة، فقيل للشافعي في عِلَّته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدكَ يا أبا عبد الله ؟ أي من خليفتك ؟ فاستشرف أبو محمد، محمد بن عبد الحكم، استشرف أي ارتفع، وبَيَّن وظهر أمام تلامذة الشافعي، وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال الشافعي: (( سبحان الله أَيُشَكُّ في هذا ؟ أبو يعقوب البويطي ))
كانت كالقنبلة، مفاجأةٌ كبيرة، كل الناس يظنُّون أنه سَيُخَلِّفُ من بعد محمد بن عبد الحكم، فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي، مع أن محمداً كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن هذا الذي خَلَّفه من بعده كان أقرب إلى الزُهد والورع، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة، ولم يؤثِّر رضى الخلق على رضى الحق، فلمَّا توفي انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه، ودرس كتب مالكٍ رحمه الله.
هذه النصيحة، أي من تمام الوفاء أن لا توافق أخاك على شيءٍ لا يرضي الله أبداً المقصود من هذا أن الوفاء بالمحبَّة من تمامها النصح لله تعالى.
قال الأحنف: ((الإخاء جوهرةٌ رقيقة إن لم تحرسها كانت معرَّضةً للآفات، فاحرسها بالكظم حتَّى تعتذر إلى من ظلمك، وبالرضا حتَّى لا تستكثر من نفسك الفَضلَ، ولا من أخيك التقصير)) أي أن الإخوَّة جوهرة رقيقة سريعة العطب، احفظها من أن تنكسر بالانتقاد، أو بالشعور بأنك ممتنٌّ عليه، أو بإحساسك أن أخاك مقصِّراً في حقِّك، أو أنه إذا أساء إليك اعتذر عنه حفاظاً على هذه الجوهرة.
ومن آثار الوفاء بل من آثار تمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة، نفور الطبع عن أسبابها، كما قيل:
وجدت مصيبات الزمان جميعها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
فرقة الأحباب من أشدُّ أنواع المصائب في الدنيا.
قال ابن عُيينة:
(( لقد عهدت أقواماً فارقتهم منذ ثلاثين سنةً ما يُخَيَّلُ إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي ))
الأخ الراقي، الأخ الوفي، المؤمن، الصادق، المحب، المتواضع، هذا إذا فارقك فإن حسرةً سوف تلسع القلب.
الآن من الوفاء أيضاً أن لا تستمع إلى أقوال الناس في صديقك، لاسيما من يُظْهِرُ أولاً أنه محب، فالناس يفسدون هذه العلاقات على الشكل التالي: يقول لك من أصدقاؤك ؟ تقول له: فلان صديقي، والله إنسان طيِّب، والله أحسنت الاختيار، نِعِمَّ هذا الصديق، حينما يمدحه لك تنسَر، تستأنس، يقول لك: فعلاً صديق جيد، وفي، أخلاقه عالية، سبحان الله لكن من يومين وجدت له موقف أحزنني، سبحان الله وجدت له موقف ما كنت أصدِّقه عنه، تقول له: غير معقول، ماذا فعل ؟ يقول لك بعض عيوبه، هذا اسمه فخ، حينما أثنى عليه من أجل أن تصغي إليه، لو بدأ بهذه المنقصة لما استمعت إليه، من أجل أن يضمن أن تستمع إليه بدأ بالثناء وثنىَّ بالنقد، فمن تمام الوفاء لصديقك أن لا تستمع إلى أقوال الناس فيه.
فذلك من دقائق الحيل في التضريب، ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلاً.
قال بعضهم: جاء رجل إلى حكيم فقال:
((قد جئتك خاطباً ودُّكَ))
قال:
((إن جعلت مهرها ثلاثاً فعلت))
مودَّتي لها مهر. قال:
(( ما مهرها ))
قال:
((أنلا تسمع عليّ بلاغةً، ولا تخالفني في أمر، ولا تغُشَّني في نصيحة ))
لا تستمع علي شيئاً ولا تخالفني في أمر ولا تغشَّني في نصيحة.
الآن من الوفاء أن لا تصادق عدوَّ صديقك، لك عدوٌ لدود، يتكَّم عنك أشياء غير صحيحة، يلفِّق عليك، صديقك المُحِب الوفي يصادقه، سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال: " أصدقاؤك ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدوِّ عدوِّك، وأعداؤك ثلاثة: عدوُّك، وصديق عدوِّك، وعدوُّ صديقك ". فالإنسان ليس له حق يصاحب عدو صديقه لأن هذا من عدم الوفاء هذا هو الحق السابع، بقي الحقُّ الثامن والأخير.
الحقُّ الثامن عنوانه: التخفيف وترك التكلُّف والتكليف وذلك بأن لا يكلِّف أخاه ما يَشُقُّ عليه، نحن غداً إن شاء الله سنأتي لنتغدَّى عندك، سمِّكها، ما هذا ؟ هذا تكليف، الإنسان بين عُسر ويُسر، بين ضيق وتوسعة، قد يكون غير مشغول، قد تكون امرأته مريضة، قد يكون في بيته مشكلة، قد يكون ميسور الحال، أخي فلان الله عزَّ وجل ميسِّر عليه أموره، صحيح لكن قد يكون عنده في البيت مرض، زوجته قعيدة الفراش، من يطبخ ؟ قد يكون في مشكلة فأحياناً في البيت تجد مشكلات، ابنته مخطوبة والخطيب لم يظهر، يا ترى وافقوا لم يوافقوا مشوَّشين، في تشويش في هذا البيت، أخي غداً الغداء عندك، سمِّكها، التخفيف وترك التكلُّف والتكليف.
بالعكس يجب أن تخفِّف عنه، يجب أن لا تحمِّله عبأً، يجب أن لا تستمدَّ من ماله ولا من جاهه، يجب أن لا تكلِّفه التواضع لك والتفقُّد لأحوالك، والقيام بحقوقك، لا تكلِّفه، أخي أنا أليس لي حق عليك ؟ اعزمنا ؟ أنت تكلِّفه بما لك عليه من حق، أنا ألم أعمل لك عزيمتين سابقاً؟ يظهر لم يبينوا معك ؟ هذا تكليف، يجب أن تحبَّه لله تعالى فقط، كلَّما كان إيمانك أرقى كانت مؤنَتُك أخف، لو عامل له ثلاثين عزيمة لا تطالبه بأي بعزيمة، لو خادمه مليون خدمة، ألم تخدمه لله ؟ انتهى الأمر..

((اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهلَه أصبت أهلَه وإن لم تصب أهله فانت أهلُه))
أنت ألم أهدك هديَّة قديماً بمناسبة زواجك ؟ أنا جاء لي مولود ولم تهدني يا أخي، أنت هكذا تطالبه بحقوق وقد يكون هو في عسر، قد يكون ما معه ثمن الهديَّة.
فملخَّص الكلام أنه إذا كان لك أخٌ في الله يجب أن تخدمه لله، من دون أن تنتظر أن يردَّ عليك بخدمةٍ مشابهة، يجب أن لا تستغل مودَّته بأخذ ماله، ولا استعارة جاهه، ولا أن تكلِّفه ما لا يطيق، ولا أن تكلِّفه أن يتفقَّد أحوالك، ولا أن يفي بحقوقك، هذا كلُّه من ضَعْفِ الإيمان، أنا ذاهب إلى المكان الفلاني هل تريد شيء ؟ نعم والله انتظر قليلاً عندي قائمة، أعطاه قائمة تحتاج إلى شغل خمس ساعات، هذا أخونا ذاهب إلى محل يمكن يكون معه بضاعة، أنت بهذا كلَّفته شيء فوق طاقته، لا تكلِّف أحد شيء، قل له: والله ممنون جداً شكراً، لا تكلِّف، يكون واحد ذاهب إلى مشوار يجد التكاليف صارت فوق طاقته، تحتاج وقت عشرة ساعات وهو ذاهب ليوم واحد، صار الحجم غير مقبول، واحد مسافر إلى بلد فأعطوه أغراض تحتاج إلى حقيبتين، هو له عشرين كيلو، والدفع بالعملة الصعبة، هذا غير معقول، لا تُكَلِّف أحد فوق طاقته.
أمَّا لك أن تُكَلِّفه أن يدعو لك، هذه مقبولة، لك أن تكلِّفَه أن يدعو لك، لك أن تستأنس بلقائه، لك أن تستعين به على أمر دينك، أخي أدعو لنا، هذا من حقِّ الأخوَّة، والله أنا آنس بك لو تزورني، تدعوه لزيارتك، أو زره، أو استعن به على أمر دينك، هذا مباح.
تقرَّب إلى الله بخدمته، تقرَّب إلى الله بأداء حقوقه، تقرَّب إلى الله بتحمُّل مؤنته، هذا هو الأخ في الله، قال بعضهم: ((من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه منه فقد ظلمهم)) لك محل وله محل، زرته على محلَّه اشتريت حاجة فقال لك: ليست بحاجة، ليس لها قيمة خذها، الثاني لم يزرك إلى محلَّك ولم يأخذ شيء أبداً بدون مقابل، إذاً أنت اقتضيت منهم ما لا يقتضونه منك، ليس هذا من أخلاق المؤمن..

(( من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم مثلما يقتضونه فقد أتعبهم ))
أنت خدمته خدمة، بعد جمعتين كلَّفته بخدمة مشابهة، أتعبته، إذاً هذه عمليِّة دين ووفاء صارت، لم تفعل هذا لله..
((من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم، ومن لم يقتضي فهو المتفضِّل عليهم ))
اخدمهم وإذا كان بالإمكان أن لا تطالبهم بشيء فافعل، فقد تفضَّل عليهم، وقال بعض الحكماء:
(( من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثِمَ وأثِموا))
اللهمَّ صلي عليه هل في الأرض من هو أرقى منه ؟ هل في الأرض من هو أكمل منه ؟ من هو أقرب إلى الله منه ؟ من هو أعظم منه ؟ لا، كان مع أصحابه، أرادوا أن يذبحوا شاةً ليأكلوها، قال أحدهم: عليَّ ذبحها، قال الثاني: عليَّ سلخها، قال الثالث: عليَّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام:
((وعليَّ جمع الحطب ))
يا رسول الله نكفيك ذلك، قال:
((لا إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه))
يكون واحد تافه يذهب نزهة مع إخوانه فيقول لهم: أنا تعبان أريد أن أرتاح، يشتروا الأكل، ويطبخوا، ويقدِّموا الطعام، تفضَّل، يستيقظ ويأكل نعرف أنك تعبان !! يأكل وينسحب كأنه غير مكلَّف بشيء، في ناس مكلَّفين بالخدمة، وبغسيل الأطباق، ليس هذا من أخلاق المؤمن، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحق، قال:
(( إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه ))
سيدنا الصديق رضي الله عنه وقع زمام ناقته وأصحابه حوله، فنزل من على ناقته ليلتقط الزِمام، عجب أصحابه، يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك ، قال: " لا سمعت حبيبي رسول الله يقول:
((لا تسألوا الناس شيئاً ))
فأحياناً الواحد يكون مريض قعيد الفراش، إذا كلَّف أخوه بحاجة هذا شيء مشروع، أما ما دام بقوَّته، اقضي حاجتك بيدك فهذا شكر قوَّتك..

(( برئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
((برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))
((برئ من الشُحِّ من أدَّى زكاة ماله ))
سيدنا رسول الله اللهمَّ صلي عليه في معركة بدر عندماً وجد الرواحل قليلة قال:
(( كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة ))
ركب النبي على راحلته، انتهت نوبته في الركوب، جاء دور عليٌّ وأبي لبابة فتوسَّلا إليه أن يبقى راكباً، رسول الله ابقى راكباً، قال: لا .
قدم رسول الله لعدي بن حاتم الطائي وسادة من أدمٍ محشوَّةً ليفاً، قال لعدي:
((اجلس عليها ))
قلت: بل أنت ، قال: بل أنت ، قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض اللهمَّ صلي عليه، هذه النبوَّة.
من جعل نفسه عند إخوانه فوق قدره أثِمَ وأثِموا.. أثمَ لأنه رفع نفسه فوقهم، وأثِموا لأنهم لم ينصحوه، أوهموه أنه هو بهذا المستوى، ما دام إخوان من نفس المستوى فليقولوا له: قم عاونا، إذا سكتوا معنى هذا أنه من غير المستوى، أوهموا.. أثِمَ وأثِموا، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم، ومن جعلها دون قدره سَلِمَ وسلِموا.. أعطي مكان دون قدرك أريح لك وإن أحَب أكثر، وتمام التخفيف طيُّ بساط التكليف، حتَّى لا يُستحيا منه.
قال الجنيد:
((ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما ))
أبشع عادة بالأسر مثلاً يدخل الصهر إلى بيت عمِّه يرحِّبوا فيه، يحترموه، يدلِّلوه كذلك هو يتأدَّب معهم، يذهب إلى البيت فيقول لزوجته: الجبنات مالحين زيادة، والزيتونات كانوا قليل في الصحن، والبيض مقلي ليس بالسمن البلدي بل مقليَّة بسمن نباتي، ينتقد هذا الطعام لزوجته، تخجل، وتعاتب أمها، يظهر التكلَّف، معنى هذا أنه ينتقد، معنى هذا أنه يراقبنا مراقبة دقيقة جداً، يصير هناك جفاء، إذا كنت بطل لا توجد حالتين بل حالة واحدة، في تكلُّف لا تزورهم، تحبُّهم ارفع التكلُّف، هكذا المؤمن، انتقاد، تكون الزوجة مسكينة فتتحطَّم، زوجها ينتقد أهلها، تدافع عن أهلها يقول لها: لا تدافعي، ألم أقل لكِ أن أهلك ما فيهم ذوق، شيء يحيِّر، إن سكتت يقم ويزودها، وإن دافعت يمنعها من المدافعة، هذه كلها أخلاق الجهل، أخلاق الجاهليَّة..
((إن الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها ))
والله الذي لا إله إلا هو لا يتعلَّق بالسفاسف مؤمن، هذه سفاسف.
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تمرةٌ كانت تَسُدُّ رمقهما، وضع لك العشاء، فمعنى هذا أنك غالي عليه، هذا الذي عنده، كأن هناك فواكه لم يضعوها لي، في البراد أن رأيتهم، فتحت لأحضر الماء فرأيتهم في البراد، ما هذا الصهر القراضة ؟
((ما تواخى أخان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتسم إلا لعلَّةٍ في أحدهما))
وقال عليٌّ رضي الله عنه: " شرّ الأصدقاء من تكلَّفت له " هذا شر الأصدقاء.
كان لي صديق يحضر من بلد مجاور فيحضر مجلس علم، ينام عندي أحياناً، والذي عندك تقدِّمه، تجد أنه مسرور جداً، لو طرق بابي دائماً لا أنزعج أبداً، ظله خفيف، الموجود أضيفه منه، ينام بالمكان المُتاح، الطعام الموجود أضيفه فيه، لا أشعر بثقل أبداً من مجيئه لأنه رافع التكليف، كنت أزوره في بلده الشيء نفسه يفعله، الموجود يضعه لي، هكذا المودَّة تدوم أحياناً يكون هناك سهرات، هذا وضع كاسة شاي، وثاني مرَّة وضع كعكة وشاي، ثالث مرَّة أرز بحليب، رابع عمل قشطة، وبعد هذا عشاء، وبعد هذا عشاء وحلويات، وبعد هذا وقف الدور، التغى الدور كله، غير معقول يستمر هذا، اجعل الموضوع عادي جداً، اجعل اللقاء هو أهم شيء، اللقاء هو الأهم، التكلُّف يمنع الألفة، لا تتكلَّف، كن طبيعي، تتكلَّف مرَّة فلن تستطيع أن تعيدها مرَّة ثانية، وإذا تكلَّفت هذا المرَّة قد يكون الذي أكرمته دخله محدود لا يتحمل أن يقدم لك مثل هذا العشاء، هذا العشاء سيُذْهِبْ بنصف معاشه، أنت أذيته وقطعت علاقته معك كن طبيعي، عندك قهوة قهوة، ما عندك شاي، القهوة صارت غالية، ما كان عندك قهوة ضع شاي، ما في شاي ضع مليسة، سكرة، قدم سكر، عندك قدِّم، اجعل القضيَّة من دون تكلُّف هذا الذي يديم المودَّة.. شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له ومن أحوجك إلى مداراةٍ.. يقول لك: نؤذي لا يتحمَّل كلمة. وألجأك إلى اعتذارٍ.. ثلاث صفات:
(( شرُّ الإخوان من تتكلَّف له، ومن يحوجك إلى مداراةٍ، ومن يحوجك إلى اعتذارٍ))
معنى هذا الأخ الراقي لا تحتاج أن تتكلَّف له ولا أن تعتذر إليه، يعرفك محب انتهى، والله أنا لم أقصد هذه الكلمة، أنت تكون غضبت، على كل حال مشي الحال، تجد أنه يكسِّر ويقول: مشي الحال، أتحبُّه ويحبُّك انتهى الأمر، أما هذا التدقيق هذا من صفات الجاهليين، قال له:
((يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي))
بدوي ضيَّع ناقته فوجدها فمن فرحته أخطأ، قال له:
(( يا ربي أنا ربُّك وأنت عبدي))
فربنا عزَّ وجل قال:
(( للله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ))
في شخص حقود لا يمررها، أبداً، يقول لك: أنت تكلَّمت هكذا بزمانك لا أنساها لك هذا شرُّ الأصدقاء من تكلَّفت له، وأحوجك إلى مداراةٍ، وألجأك إلى اعتذار.
وقال الفضيل:
((إنما تقاطع الناس بالتكليف))
قلت لكم ذات مرَّة: إن دور استمرَّ سبعة عشرة عاماً، كل يوم ثلاثاء، استغربوا لأن الأدوار كلها تنتهي بعد سنة سنتين، اقصى شيء سنة، فالتكلُّف يقطعها، سبعة عشرَ عاماً قال واحد: ما سبب ذلك ؟ قال: لا في غيبة، ولا في نساء، ولا في تَكَلُّف، لا تكلُّف ولا غيبة ولا نساء، إذا في نساء انتهى، حرام صار، في معصية، اختلاط صار، تطلعتي فيه زيادة، والله لم أتطلع فيه، يعمل لها مشكلة في المساء، أنت عينك عليها، شيء يقرِّف، هذه علاقات أهل الدنيا، أما المؤمنين ما في عندهم اختلاط، لا يعرف أحد.. إنَّما تقاطع الناس بالتكليف.. يزور أحدهم أخاه فيتكلَّف له فيقطعه ذلك عنه.
وقالت عائشة رضي الله عنها:
((المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه))
ما معنى يغتنمه ؟ أي يستغلُّه، يقول: هذا مُدْهِن، ترفَّع ترقى عند الله، الذي أعطاه يعطيك، إيَّاك أن تجلس إليه فتذلَّ نفسك أمامه..
((لا يغتمنه ولا يحتسمه))
كذلك يجلس بوقار فوق الحد المعقول، خذ راحتك قليلاً وانفرد، هذا أخوك.
وقال الجنيد:
(( ما تواخى اثنان في لله واحتسم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلَّةٍ في أحدهما))
قال لي واحد البارحة، ركب معي، حكيت له حديث قدسي فدمعت عينه وقال لي: الله يجزيك الخير، ركبت معك وآنستني بهذا الحديث، قلت له: والله شيء طبيعي ماذا نتحدَّث إذاً ؟ قال لي: البارحة ركبت مع واحد على قدر ما استعلا بسيَّارته وعلى قدر ما تكبَّر ونظر لي شزراً، قال لي: والله هممت مرَّات عديدة لأقول له: قف لأنزل، لم أتحمَّل، ما تكلَّم ولا كلمة، لأنه ركَّبه بالسيارة وأوصله، هذا الكبر أعوذ بالله، الإنسان..
وانظر إلى الأكحال وهي حجارةٌ لانت فصار مَقَرُّها في الأعينِ

* * *
والله يا أيها الإخوة الأكارم... على القدر ما تواضعت تعلو عند الله وعند الناس والمتكبِّر محتقرٌ في نظر الله، لا توجد صفة أبشع من التكبُّر، على ماذا ؟ من أنت ؟ نطفةٌ أولك وجيفةٌ آخرتك، بعد الموت، وأي غلطة في حياتك تجد أن الإنسان فقد حواسّه، بحصة في الكلية لا تنام منها الليل، ويطلب لك اسعاف.
وقيل لبعضهم: " من نصحب ؟ "، قال:
((من يرفع عنك ثِقَل التكلُّف وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفُّظ))
التحفُّظ كذلك مشكلة، أنت تكون خائف أن تتكلَّم بكلمة فينتقدك عليها، ما هذه الحياة ؟ ما هذه الصداقة والمودَّة، خائف، تكلَّمت بكلمة رأيت أنه كن، هل هناك شيء ؟ لا، لا يوجد، زعلت مني ؟ لا لم أزعل، تجد الواحد خائف يزعل، العوام يعبِّروا عنه بأنه نؤذي، سويْعاتي، أما المؤمن لا يوجد عنده هذا، ما دام وقعت المحبَّة ارتفع التكلُّف، ذكر اسمك ولم يقل أستاذ، لم يوقِّرني ولم يعرف قيمتي، نسي يقول لك أستاذ، ما قال لك: أبو فلان، لماذا غضبان كل هذا ؟ الله عزَّ وجل ذكر كنية واحدة في القرآن الكريم فقال:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾
( سورة المسد )
ما ذكر غيرها، أما يا يحيى، يا زكريا، يا عيسى، أحبابه الأنبياء بأسمائهم أما عدوه بكنيَّته..

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾
واحد ما أحب أن يقل لك: أستاذ فقال لك باسمك، قال لك: أبو فلان، ما شي الحال، نسي اسم ابنك فقال لك باسمك، كذلك التحفُّظ يقطع المودَّة.
جعفر الصادق رضي الله عنه يقول:
(( أثقل إخواني علي من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه واخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي))
واحد ذهب إلى مشوار فأخذ معه رفيقه ماذا أخذت معك ؟ والله عندنا قليل من البرغل فأخذناهم مع صحن مخلَّل، والله كثير طيب، أكل معك، فعلامة الصديق الناجح من إذا كنت معه كأنك وحدك، زارك ضيف، إذا كان هذا الضيف فيه تكُّلف يجب أن تلبس، لا تقدر، لابس روب أبيض نظيف استقبلته فيه ما الذي حصل ؟ أخي ما عرف قيمتي، ما ذهب ولبس، لقيت شحاطة أخذتها بسرعة فكانت بلاستيك، ما عنده واحدة ثقيلة للضيوف، أخي تطلَّع شحَّاطته بلاستيك كيف يستقبتني فيها ؟ استقبلك فيها ما الذي حصل ؟ إذا تطلع بوجهه طلعت شحَّاطته ؟!.. أثقل إخواني عليّ من يتكلَّف لي وأتحفَّظ منه، وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي " هذا أعظم أخ.
وقال بعض الصوفيَّة:
(( لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده بِدِرٍ، ولا تنقص عنده باثمٍ، يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء، وإنما قال هذا لأن به يتخلَّص عن التكلُّف والتحفُّظ ))
إذا واحد نام عند صديقه فاستيقظ بعد الشمس، يجب أن تعذره، فهو متعب، أين صلاة الصبح أذهبتها ؟ هكذا المؤمن ؟ فاستحى على حاله، و لن يزورك أبداً، الإنسان تصير معه، النبي مرَّة صلاها لكي يعلِّمنا أنه ممكن واحد لأمر قاهر إذا نائم الساعة الثالثة نمت تصير أحياناً الابن لا ينام، استيقظ فرأى الشمس طالعة، لا تتكلَّم ولا كلمة، لأن هذا يصير معك أيضاً.
قال بعضهم:
(( كن مع أبناء الدنيا بالأدب، ومع أبناء الآخرة بالعلم، ومع العارفين كيف شئت"))
مثلما تريد لأن التكلُّف مرفوع.
لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، و يعتذر إليك إذا أسأت هو الذي يعتذر عنك، أحياناً تخدم واحد وتقول له: لا تؤاخذنا، كيف لا آخذك أنت الذي خدمتني آخذ على لسانه لا تآخذنا من تواضعه، يخدمك ويقول لك: لا تآخذني من كرم أخلاقه، إذاً:
((لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، ويحمل عنك مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه))
رجل قال للجنيد: " قد عزَّ الإخوان في هذا الزمان.. لم يبقَ أخ صديق وفي.. أين أخٌ لي في الله ؟ "، الجُنيد أعرض عنه حتى أعاده ثلاثاً، فلمَّا أكثر، قال له الجنيد:
(( إن أردت أخاً يكفيك مؤنتك ويتحمَّل أذاك فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخاً في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه فعندي منهم الكثير))
لا تقل لا يوجد، الإخوان في الله كثير، ولكن لا تطلب منه يخدمك ويتحمَّل أذاك، إذا كنت تريد واحد تخدمه وتتحمَّل أذاه يوجد منه كثير، ما أكثرهم فسكت الرجل.
فهذا الموضوع له تتمَّة طويلة ننهيها في الدرس القادم إن شاء الله، على كلٍ أنا متأكِّد أنكم في أثناء الدرس تستفيدون من هذه المعلومات، ولكن لو أن أحداً منكم سأل نفسه بعد شهر عن هذا الموضوع.. عن الحق الثامن.. كم يذكر منه ؟ أغلب الظن لا يذكر شيئاً، إذاً العلم يحتاج إلى مُدارسة، فإذا واحد عنده وقت فراغ واشترى هذا الكتاب وبدأ يراجع الذي يسمعه، القراءة المتكرِّرة مع التجارب اليوميَّة هذا ربَّما يقلب هذه الحقائق إلى سلوك، إلى عادات، إلى خُلُق فالمقصود ليس إعطاء معلومات، العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له إلا إذا طُبِّق، مهما أتحفتكم بأفكارٍ دقيقة من هذا الكتاب، والله الذي لا إله إلا هو لا وزن لها عند الله أبداً ما لم تنقلب إلى أخلاق تعيشونها، وعادات تتبعونها.
فلذلك الإنسان إذا أراد أن يكون طالب علم حقيقي، عندما كنَّا في الجامعة كان عندنا نظام للاستماع وطالب نظامي، بقي أربع سنوات يعطي المستمع شهادة خاصَّة لا قيمة لها، مستمع، أما الطالب النظامي عليه امتحانات، وفي عليه مذاكرات، وفي عليه أعمال كتابيَّة، وفي عليه تقارير، وفي عليه أطروحة، وأشياء دقيقة جداً ويُحاسب حساب خاص.
فنحن الاستماع فقط لا يفيد، الكتاب موجود في الأسواق، فإذا واحد حاول أن يراجع هذا الموضوع لوحده في البيت يتذكَّر كل تعليق علَّقت عليه أنا، كل تعليق علَّقت عليه يتذكَّره، فالذي أرجوه أن تكون هذه الحقائق عاداتٍ، أخلاقاً، سلوكاً نعيشه، إذا فعلنا هذا والله كان المجتمع كالبنيان المرصوص، هذه أخلاق ثمينة جداً، هذه حقوق إذا أحب الواحد يطبعها لوحدها كرسالة حقوق الأخوة في الله والله شيء جميل، عمل طيِّب، إذا واحد أخذ من الكتاب حقوق الأخوَّة في الله وطبعها ووزَعها مجَّاناً يكون قد أدَّى خدمة كبيرة كثير، هذا الفصل لوحده موضوع.
فالواحد لا يكتفي بالسماع، العلم يحتاج إلى جهد، إلى مدارسة، إلى مذاكرة، إلى مراجعة، إلى تطبيق، حتَّى أن بعضهم أخذ هذا الموضوع الحق الثامن يسجِّل عنده النقاط الرئيسة، في آخر الجمعة يقول: ماذا طبَّقت منه ؟ عمل زيارات أو أقرباؤه زاروه هل طبَّق هذه المعلومات؟ رفع التكلُّف ؟ لم ينتقدهم أبداً ؟ ما حاسب حساب دقيق ؟ ما تحفَّظ ؟ ما أوحس الناس منه ؟ أما كمعلومات ليست لها قيمة، واحد توفي فترك مئتي مؤلَّف، فلمَّا سأله تلميذه في المنام قال له: يا سيدي ماذا فعل الله بكَ ؟ قال له: طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات ولم يبق إلا رُكَيْعَات ركعناها في جوف الليل.
أأكِّد لكم أن العلم في حدِّ ذاته لا قيمة له، العلم ليس مطلوباً لذاته إنما هو مطلوبٌ لأن تعمل به، ومن عمل بما علم علَّمه الله ما لم يعلم، ولا تكون عالماً حتَّى تعلم ما علمت، تعلَّموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتَّى تعملوا بما علمتم، أي لو أنك فعلت مع أخيك المؤمن حالةً من هذه الحالات لكان خيراً لك من حفظ هذا الكتاب كُلِّه، لو حفظته كلَّه أقول لك كما قال الغزالي: " زادت نسخة "، في السوق على مستوى القطر فرضاً توجد ثمانية آلاف نسخة، لو حفظته غيباً خلال خمسة أعوام لقلت لك: زادت نسخة، فلو طبَّقت بعض أحكامه لارتقيت عند الله عزَّ وجل فالعبرة التطبيق، أما الحفظ وحده لا يكفي.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:14 AM
الفقه الإسلامي : موضوعات متفرقة -الدرس 27:قضاء رمضان - ليلة القدر - الإعتكاف - سنن عيد الفطر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-05-24
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... هذا هو الدرس الأخير لهذا الشهر الكريم، أردت أن أجعل فيه بعض الموضوعات الفقهية التي نحن في حاجةٍ إليها في هذه المناسبة.
أولاً: مع انقضاء هذا الشهر الكريم قد يسأل سائل: من اضطر أن يفطر في رمضان كيف يتم القضاء ؟ قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوباً موسَّعاً، في أي وقتٍ وكذلك الكفَّارة، الكفارة صيام ستين يوماً متتابعة، لو أن الإنسان أفطر في رمضان عَمْدَاً فعليه القضاء، لو قارب أهله فعليه الكفارة، والكفارة إعتاق رقبةٍ أو صيام ستين يوماً، أو إطعام ستين مسكيناً، إعتاق رقبةٍ فمن لم يجد، فصيام ستين يوماً فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فهذه الكفارة على الترتيب لا على التخيير، إن لم تجد أن تعتق رقبةً فلا بدَّ من الصيام أولاً، فصيام الكفارة وقضاء ما فاتك من رمضان لسببٍ أو لآخر، هذا لا يجب على الفور، بل يجب وجوباً موسَّعَاً.
وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان ولم تكن تقضيه فوراً عند قدرتها على القضاء، والقضاء مثل الأداء، أي لا يوجد فيه ربا ثلاثة أيام ثلاثة أيام، خمسة، خمسة، والقضاء مثل الأداء، بمعنى أن من ترك أياماً عليه أن يقضيها دون أن يزيد عليها، كفرض، كأيامٍ أفطرتها من رمضان بعذر تقضيها بالعدد بالتمام والكمال، يفترق القضاء عن الأداء، معنى الأداء، من صام رمضان في رمضان فهذا أداء من صام أياماً فاتته من رمضان في شهرٍ آخر فهذا قضاء، تعبير فقهي، يفترق القضاء عن الأداء في أنه لا يلزم فيه التتابُع، في رمضان يجب التتابع، أما في القضاء لا يجب التتابع ممكن أن تعمل بالأسبوع يوم واحد، بالأسبوع يومين، بالشهر يوم، لقول الله عزَّ وجل:
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
( سورة البقرة: من آية " 185 " )
مُطْلَقَة، أي ومن كان مريضاً أو مسافراً فأفطر فليصُم عدةً أيامٍ التي أفطر فيها في أيامٍ أُخَرى، متتابعاتٍ أو غير مُتتابعات، فإن الله أطلق الصيام ولم يُقَيِّدُهُ، وروى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان:
(( إن شاء فرَّق وإن شاء تابع))
أنت في التخيير، لكن من أَخَّرَ القضاء حتى دخل رمضان آخر، هنا في موضوع خِلافي، بعض المذاهب توجب أن تقضي ما فاتك من رمضان بعد أن دخل رمضان آخر مع الفدية، وبعضهم قال: لا فدية عليه، وفي رأي ثالث يجمع بين الرأيين إذا كان عدم التَمَكُّن إذا كان عدم الصيام بسبب عدم التمكن فلا فدية عليه، أما إذا كان في تقصير وفي تهاون ومرت أيامٌ طويلةٌ وأشهرٌ عديدة، وكنت في أتمّ الصحة، وكان الوقت شتاءاً والنهار قصيراً ولم تصم، فهذا إهمالٌ شديد، فإذا في عذر لا فدية، إذا ما في عذر في فدية، هذا الرأي يجمع بين الرأيين.
الإمام مالك والشافعي قال: أنه لا فدية عليه إذا كان التأخير بسبب العذر، والإمام أبو حنيفة قال: لا فدية عليه مُطلقاً.
في سؤال صغير: أنه من مات وعليه صيام ولم يقضه، أجمع العلماء على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة، فإن وليَّهُ لا يصلي عنه هو ولا غيره، كمن صار معه مرض وتوفي وفي دواء لهذا المرض، فمات، نكلف واحد يأخذ الدواء عنه، مات وانتهى هذا الدواء لذاك، كل إنسان له حالة خاصة، العلماء أجمعوا على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة فإن وليَّه لا يصلي عنه هو ولا غيره، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحدٌ أثناء حياته.
ي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان:
(( إن شاء فرَّق وإن شاء تابع))
أنت في التخيير، لكن من أَخَّرَ القضاء حتى دخل رمضان آخر، هنا في موضوع خِلافي، بعض المذاهب توجب أن تقضي ما فاتك من رمضان بعد أن دخل رمضان آخر مع الفدية، وبعضهم قال: لا فدية عليه، وفي رأي ثالث يجمع بين الرأيين إذا كان عدم التَمَكُّن إذا كان عدم الصيام بسبب عدم التمكن فلا فدية عليه، أما إذا كان في تقصير وفي تهاون ومرت أيامٌ طويلةٌ وأشهرٌ عديدة، وكنت في أتمّ الصحة، وكان الوقت شتاءاً والنهار قصيراً ولم تصم، فهذا إهمالٌ شديد، فإذا في عذر لا فدية، إذا ما في عذر في فدية، هذا الرأي يجمع بين الرأيين.
الإمام مالك والشافعي قال: أنه لا فدية عليه إذا كان التأخير بسبب العذر، والإمام أبو حنيفة قال: لا فدية عليه مُطلقاً.
في سؤال صغير: أنه من مات وعليه صيام ولم يقضه، أجمع العلماء على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة، فإن وليَّهُ لا يصلي عنه هو ولا غيره، كمن صار معه مرض وتوفي وفي دواء لهذا المرض، فمات، نكلف واحد يأخذ الدواء عنه، مات وانتهى هذا الدواء لذاك، كل إنسان له حالة خاصة، العلماء أجمعوا على أنه من مات وعليه فوائت من الصلاة فإن وليَّه لا يصلي عنه هو ولا غيره، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحدٌ أثناء حياته.
فإن مات وعليه صيام، وكان قد تمكَّن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه، في عليه صيام، ووافته المنية، وكان بإمكانه أن يصوم، كان بإمكانه أن يقضي ما فاته، جاء رمضان صام، ترك الصيام لمرضٍ شديدٍ سبعة أيام ثم صح من هذا المرض وتمتع بصحة تامة، ووافته المنية بعد ذلك، هذه الأيام السبعة التي وافته من رمضان، ماذا يفعل بها أهله ؟
فقال: ذهب جمهورٌ من العلماء منهم أبو حنيفة ومالك والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه، ويُطعم عنه مُدَّاً عن كل يوم، ما دام في عليه سبعة أيام أفطرها في رمضان بعذر، ومضى عليه أيامٌ واشهر كان فيها صحيحاً ولم يصم، ووافته المنية، وليه لا يصوم عنه، لكن يدفع عنه كل يومٍ مُدَّاً عن كل يوم، عند بعض الشافعية يستحب لوليِّه أن يصوم عنه، هذا عند بعض الشافعية، أما عند جمهور العلماء منهم أبو حنيفة ومالك أنه لا يصوم عنه وليه بل يطعم عنه مسكيناً كل يوم.
شيءٌ آخر.. اختلف الفقهاء في التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويَقْصُرُ ليلها، في بعض البلاد في المنطقة الشمالية قد يزيد نهارها عن عشرين ساعة، وقد يقل ليلها عن أربع ساعات، هذا الموضوع عولج كثيراً ولا يزال الناس يُدلون فيه بآرائهم، أرجح الأقوال أن تطبَّق على هذه البلاد التي يصعب فيها الصوم بهذه المدة الطويلة توقيت مكة المكرمة التي أُنزل فيها التشريع، وبعضهم يرى أن البرد الشديد، يعين الإنسان على الصيام مع طول المُدة فهناك تناسب، ونحن نلاحظ في الأيام المعدلة الصيام سهل جداً، إذا الطقس معتدل الإنسان لا يخسر من مائه كثيراً، أما في الأيام الحارة جداً يصبح الصيام عسيراً أو صعباً، فلذلك كلما ارتفعنا نحو الشمال كان الجو رطباً وبارداً، وهذا مما يُعِينُ على الصيام، بعضهم قال: مكة أو المدينة، وبعضهم قال: أقرب بلد إسلامي يطيق أهله الصيام في توقيته.
وبمناسبة كون هذه الليلة هي ليلة القدر، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾
( سورة القدر )
ألف شهر ثمانين سنة، بعض العلماء وجَّهوا هذه الآية: أنك إذا عبدت الله ثمانين عاماً عبادةً تامةً، وحَصَلَت لك ليلة القدر، بمعنى أنك عرفت الله، وقدَّرته، وعرفت عظمته وغناه، وقوته، وعلمه، وعرفت أحقية شريعته، وعرفت لماذا خلقك، فهذه المعرفة تنقُلك من مرتبة العُبَّاد إلى مرتبة العُلَماء، من هنا كانت ليلة القدر، فلا ترقى عند الله إلا بعلمك، إلا بمعرفتك، إلا بإقبالك، أما أن تطبِّق الشريعة تطبيقاً شكلياً أو صورياً وأن ساهٍ ولاهٍ، هذا ليس مطلوباً، فلذلك:

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾
لأن العوام يقولون: " ضربة المعلم بألف "، فالذي يعرف، هذا إذا صلى، هذا إذا فعل، هذا إذا عمل صالحاً، هذا إذا دعا إلى الله، لذلك:

(( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ))
(( يا بني الناس ثلاث ؛ عالمٌ رباني، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كُميل أن تكون منهم ))
إما أن تكون عالماً ربانياً، وإما أن تكون مستمعاً على سبيل النجاة، وإما أن يكون هذا الإنسان من الهمج الراع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم.
قال: يستحب طلبها في الوَتْرِ من العشر الأواخر من رمضان، في الوتر، واحد وعشرين، ثلاثة وعشرين، خمسة وعشرين، سبعة وعشرين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان، وتقدَّمَ سابقاً أنه إذا كان دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ الأهل وشدَّ المئزر، شد المئزر كنايةٌ عن أن هذه الأيام أيام سباق فلذلك لا ينبغي أن ينشغل الإنسان فيها حتى في المُباحات، أي كنايةٌ عن اعتزال النساء.
للعلماء آراءٌ في تعيين هذه الليلة، منهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين، منهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين، منهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، منهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين، أي هذه الليلة بالذات، روى أحمدٍ بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ))
( من مسند أحمد: عن " ابن عمر " )
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
( من صحيح البخاري: عن " أبي هريرة " )
وروى أحمد وابن ماجة والترمذي وصحهَهُ عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ))
( من سنن الترمذي: عن " عائشة " )
هذا هو الدعاء المُختار في هذه الليلة، اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فأعفو عني يا كريم.
موضوع الاعتكاف هو أن تبقي في المسجد بنيَّة التقرُّب إلى الله عزَّ وجل، فأنا أؤكد لكم أن جلوسكم في هذا المسجد اعتكاف، ليس لك مصلحةٌ في هذا البقاء إلا في سبيل معرفة الله، فالجلوس في المسجد بنية التقرب إلى الله عزَّ وجل هو تعريف الاعتكاف، الاعتكاف بالبيت لا يسمى اعتكاف يسمى انقطاع لله عزَّ وجل، يسمى قنوت، أما في المسجد يسمى اعتكاف لقوله تعالى:

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 187 " )
يستحب للمُعْتَكِفِ أن يكثر من نوافل العبادات، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح، والتحميد، والتهليل والتكبير، والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء، ومما يدخل في هذا الباب دراسة العِلْمِ، واستذكار كتب التفسير والحديث، وقراءة سير الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين، إذاً حينما تأتي إلى المسجد لتصلي، أو لتقرأ القرآن، أو كي تسبِّح، أو تُحَمِّد، أو تهلل، أو تُكَبِّر، أو تستغفر أو تصلي على النبي، أو تدعو، أو أن تقرأ كتاب تفسيرٍ، أو كتاب حديثٍ، أو سيرة الأنبياء والصالحين، أو كتابٍ فقهٍ ودين فهذا كله من مُسْتَحِبَّات الاعتكاف.
فأنت في الدنيا لكسب الرزق، دخلت إلى المسجد لتنقطع عن الدنيا إلى الله، هذا الاعتكاف، لذلك في بعض المساجد يكتبون عليها:
(( نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه ))
فأنت الآن معتكف، وانتظارك الدرس أنت في اعتكاف، إذا سبَّحت الله فأنت معتكف، إذا مجَّدته، إذا حمدته، إذا كبَّرته، إذا ذَكَرْتَهُ، إذا قرأت كتاب الله، إذا صلَّيت إذا قرأت كتاب تفسير، كتاب حديث، كتاب فقه، كتاب ديني، كتاب سِيَر، كتاب سيرة نبوية فأنت معتكف.
سيدنا رسول الله خرج من معتكفه لتوديع أهله.. فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))
( من صحيح البخاري: عن " صفية بنت حيي " )
إذا رسول الله هكذا فكيف نحن ؟ هو فوق الشبهات، معصوم، يوحى إليه، سيِّد البشر سيد الأنبياء خاف على صاحبيه أن يوسوسَ لهما الشيطان شيئاً، من هذه التي معه ؟ إذا أنت بوضع وضح، هذه زوجتي، إذا الإنسان أخذ زوجته يكون معه ابنه أفضل، لأن الابن ينفي الشبهة، قد يسئ الإنسان فهمه، أحياناً يسافر الإنسان، فيكلف ابن حماه أو أخ زوجته يطل بغيابه على اخته التي هي زوجنه، لا يعرفونه الجيران من هو، والله واحد وهو غايب دخل جلس ساعتين ثم ذهب، جاء مرتين ثلاثة، وَضِّح يا أخي، وضح أن هذا ابن حمايا، هذا أخو زوجتي، أنا كلفته الله يجزيه الخير، البيان يطرد الشيطان، وضِّح، اجعل هذا مبدأك كل شيء أبقيته عالق قد يأتي خبيث فيسئ الظن بك، ويروِّج هذا بين الناس، فتتألم أنت لأنك وضعت نفسك موضع التهمة، لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك وضِّح.
قال لي شخص: رجل متدين في محل تجاري، ويعلم أن صاحب هذا المحل أيضاً متدين، جاءت امرأةٌ قالت له: اشتقنا لك، قال لها: والله نحن أيضاً اشتقنا لك، ما هذا قال له: هذه أخته، وضح هذه أختي، كلمة مشتاقين لا تتكلم مع زبونة، بلغ يا أخي، والله هذه أختي،لتشتري قطعة من القماش، هكذا رسول الله علمنا.

(( عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ))
قال الشافعي الله يرضى عنه: حُكِيَ عن الشافعي أن ذلك كان منه شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوءٍ لكفرا، خاف عليهما، لأنهما لو ظنا به ظن سوءٍ كفرا، هو يعرف نفسه فبادَرَ إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا.
وقال الشافعي رضي الله عنه:
((إن كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء ))
فيجوز الخروج من المعتكف، فكان عليه الصلاة والسلام لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، فأجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه لقضاء حاجةٍ، لأن هذا لا بدَّ منه، وفي معنى الحاجة أن يأكل ويشرب، وإن بغته القيءُ ليقيء، وكل ما لا بدَّ منه ولا يمكن فعله في المسجد فله أن يخرج إليه، وهذا لا يفسد اعتكافه، يبطل الاعتكاف أن تخرج من المسجد لغير حاجةٍ عمداً وإن قَل، ويبطله الردة لمنافاتها للعبادة، ويبطله ذهاب العقل ويبطله الوطءُ لقوله تعالى:

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
( سورة البقرة: من آية " 187 " )
شيءٌ آخر.. عن صلاة العيد
شُرِعَت صلاة العيدين في السنة الأولى من الهجرة، وهي سنةٌ مؤكدةٌ واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، معنى سنة مؤكدة أن النبي عليه الصلاة والسلام فعلها كثيراً وتركها قليلاً، لو لم يتركها لكانت فرضاً، والسنة غير المؤكدة معناها أن النبي عليه الصلاة والسلام فعلها قليلاً وتركها كثيراً، فهي سنةٌ مؤكدة واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها أصحابه أن يخرجوا لها.
أولاً: يستحبُّ الغُسْلُ والتطيب ولبس أجمل اللباس، فعن جعفر بن محمدٍ عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس بُردةً حبره في كل عيد، فذا الواحد عنده طقم أجد طقم عنده، هذا أيام العيدين، للاحتفالات، للزيارات الرسمية، لأن الآن ينظر للإنسان من خلال ثيابه، يقيم الإنسان في آخر الزمان من خلال ثيابه، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس))
وعن الحسن السبط قال:

(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحِّي بأثمن ما نجد))
وكان عليه الصلاة والسلام يلبس لهما أجمل ثيابه، وكان له حُلَّةٌ يلبسها في العيدين والجمعة، الجمعة عيد أسبوعي والعيدين سنويين، فأعياد المسلمين الفطر والأضحى والجمعة.
يسن أكل تمراتٍ وتراً قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر، وتأخير ذلك في عيد الأضحى حتى يرجع من المُصَلَّى فيأكل من أضحيته إن كانت له أضحية، فالطعام في عيد الفطر قبل الصلاة، وتناول هذه التمرات في عيد الأضحى بعد الصلاة.
وعن أنسٍ رضي الله عنه:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا))
( من صحيح البخاري: عن " أنس بن مالك " )
أي ثلاثة أو خمسة أو واحدة رواه أحمد والبخاري..
وعن بُريده، كان النبي صلى الله عليه وسلَّم:

(( لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ وَلا يَأْكُلُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ))


( من مسند أحمد: عن " عبد الله بن بريدة عن أبيه)
وقالت ابن قُدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلاف، وذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد من طريقٍ والرجوع من طريقٍ آخر، ما الحكمة من ذلك ؟ من أجل أن تجتمع بأكبر عددٍ من الناس، هذا يوم اللقاء، يوم المحبَّة، يوم الصفاء، يوم المودَّة، ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة جعل هذين العيدين، فأنت في العيد يجب أن تفرح، يجب أن تُلْقِيَ الفرح في نفوس من حولك، الأمور كلها مجمدة في العيد، لا توجد مشكلات، أو كسب رزق، ولا يوجد تأمين حاجات، وتأمين بضاعة، وتأمين طلبات، كله انتهى، عندك أكلاتك في العيد وأنت معطل، وأهلك مزيَّنين، وأولادك لابسين، فالمفروض أن يذوقوا منك حلاوة العيد، المودة، المحبة، العبارات اللطيفة، تأمين حاجات العيد بشكل زيادة عن الحد المألوف، الأكلات الطيبة التي يحبها أولادك أمِّنها لهم، ألبسهم مما يشتهون هذا هو العيد، وطبعاً هذا هو المعنى السائد، له معنى أعمق من ذلك.
بصراحة أقول لكم: فإذا واحد مثلاً إذا كان في الجامعة وهو بالسنة الأخيرة وفي عنده آخر مادة ونجح منها، والفرع صعب جداً، ونجاحه يترتَّب عليه ميزات كبيرة، سوف يتعين مثلاً، سوف يتقلَّد وظيفة عالية، وسيستحق بعثة، فتجده فرحان فرح حقيقي، ما هذا الفرح؟ هو النجاح، أنت نجحت، نجحت بهذه الشهادة، فالنجاح طعمه طيِّب جداً، إذا الإنسان صام ثلاثين يوم صيام صحيح، ضبط نفسه عن المباحات إكراماً لله عزَّ وجل، تنفيذاً لأمره وضبط جوارحه عن المعاصي كلها، وصام صيام صحيح، وقام قيام صحيح، وشعر أنه انتقل من مرحلة إلى مرحلة، ارتقى، في فرح أعظم من هذا الفرح ؟ عاد إلى الله عزَّ وجل عادت إليه روحه، عاد إليه إقباله، عاد إلى جادة الصواب، عاد إلى طريق الهُدى، هذا المعنى راقي جداً لا يعرفه إلا ن صام صياماً صحيحاً، من صام صياماً صحيحاً يقبض الجائزة، فإذا الإنسان ينهي عمل ويحاسب يعطوه هذه الأوراق النقدية ذات الخمسمئة ليرة تجده يركزهم، يحس أنه حقق شيء، أنجز وقبض الأجرة، يوم العيد يوم الجائزة.
فالله عزَّ وجل علمنا أننا في رمضان يجب أن نترك المباح، فإذا أنت عوَّدت نفسك أن تترك المباح فمن باب أولى أن تترك غير المباح، أصبحت هينة عليك، ما دام الطعام والشراب الشيء المباح تركته في رمضان، فترك الغيبة والنميمة والنظرة إلى المرأة الأجنبية أصبح من باب أولى، فالعيد هذا الفوز، هذا النجاح، هذا الفلاح، قد حققت رضوان الله عزَّ وجل هذا هو المعنى، لمن صام صياماً حقيقياً، ولمن صام صياماً تقليدياً يفرح براحة البال والطعام والشراب واللِّباس.
وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر ثلاثة أمتارٍ إلى الزوال، أي إلى الظهر تصح لما أخرجه أحمد بن حسن من حديث جندب قال:

(( كان النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بنا الفطر والشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أوْ الأضحى على قيد رمحين))
لكن يستحب تعجيل صلاة عيد الأضحى وتأخير صلاة عيد الفطر، يستحب تقديم الأضحى ليَتَّسِعَ وقت الضَحِيَّة، وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا انتهى إلى المُصلى أخذ الصلاة من غير أذان ولا إقامة إطلاقاً، والسنة أن لا يفعل شيئاً من ذلك لا أذان ولا إقامة، وقد قال مسلم عن عطاء قال: "أخبرني جابرٌ أنه لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيء ".
وكان عليه الصلاة والسلام يخطب خطبتين قائماً، يفصل بينهما بجلسة، خطبتين.
والآن تكبيرات صلات العيد، صلاة العيد ركعتان يسن فيهما أن يكبِّر فيهما المصلي قبل القراءة في الركعة الأولى.
الصلاة على المذاهب مختلفة، على المذهب الحنفي يقف الإمام ويكبِّر تكبيرة الإحرام ويقرأ دُعاء الثناء،سبحانك اللهم وبحمدك ثم يكبر ثلاث تكبيرات، وفي كل تكبيرةٍ يرفع يديه إلى شحمة أذنيه، وبين التكبيرتين يقول: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ سورة سبِّح اسم ربك الأعلى، ويركع ويسجد، ثم يقف فيقرأ الفاتحة وسورة هل أتاك حديث الغاشية، وقبل أن يركع يكبِّر ثلاث تكبيرات، يرفع يديه في كل تكبيرة إلى شحمة أذنيه، وبين التكبيرتين يقول: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذه صلاة العيد وفق المذهب الحنفي.
في المذهب الشافعي: سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وخمسة تكبيرات بعد تكبيرة القيام، نحن نُصلي العيد هنا على المذهب الحنفي.
لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى قبل صلاة العيد سنةً قبلها ولا بعدها، لا في قبلها ولا في بعدها، ولا أصحابه يُصَلُّون إذا انتهوا إلى المُصلى شيئاً قبل الصلاة ولا بعدها.
تصح صلاة العيد من الرجال والنساء والصبيان والمسافرين كانوا أو مقيمين مسافرين أو مقيمين، جماعةً أو منفردين، في البيت أو في المسجد، أو في المُصلى طبعاً جماعة ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلَّى ركعتين، قال البخاري: إذا فاتته العيد يُصَلِّي ركعتين وكذلك النساء ومن في البيوت والقُرى، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ وَصَلَّى كَصَلاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ))
( من صحيح البخاري )
أي ركعتين للعيد نصليهما في المسجد هكذا، العادة جرت، فإذا لسبب قاهر فاتت أحدنا، فليصلي ركعتين لله عزَّ وجل.
والخطبة في العيد بعد الصلاة، الخُطبة سُنَّ، والاستماع إليها سُنَّة، فعن أبي سعيدٍ قال:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ.. أي غزوةً.. أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاةِ))
( من صحيح البخاري: عن " أبي سعيد الخدري " )
طبعاً السنة أن نصلي قبل الخطبة وهذا الذي تفعله اليوم، واستماع الخطبة سنة وصلاة العيد أيضاً سنةٌ مؤكَّدة، فالأولى أن لا نخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي شي فعله.
كما قلنا قبل قليل: يستحب في العيد أن تَبُثَّ البهجة والفرحة في نفوس من حولك ولا سيما الصغار، ويستحب العمل الصالح، لأن هذا العيد يوم جبر، فزيارتك للأقارب، إكرام اليتيم، إكرام الأرملة، هذا العمل الصالح له أجر كبير في هذه الأيام.
ويستحب التهنئة بالعيد كما كان بعضهم يقول لبعض: تقبَّل الله منا ومنك.
وصيغة التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد هذه يجب أن تكون قبيل صلاة العيد، تكبير مستمر، أما في العيد الأضحى يكون التكبير عقب الصلوات الخمس إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد الأضحى المبارك.
فهذه بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بقضاء رمضان، وبليلة القدر، وبالاعتكاف وبصلاة العيد، أردت أن أجمعها في هذا الدرس لأننا على وشك أن نستقبل هذا العيد المبارك وكما قلنا في درسٍ سابق جعلنا العيد فيه عطلة رسمية، وكل عامٍ وأنتم بخير.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:15 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس28:أحاديث في باب الصبر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-05-22
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع درسٍ جديد من دروس الحديث النَّبوي الشريف بعض الأحاديث في هذا اليوم معقودةٌ تحت باب الصَبر والصَّبر كما قال عليه الصلاة والسلام نصف الإيمان، الإيمان نصفٌ صبرٌ، ونصْفٌ شكرٌ، وقال عليه الصلاة والسلام: الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان" والصَّبر أساسه المعرفة، فإذا عرفْت أنّ الله سبحانه وتعالى رحيمٌ بك، وخلقكَ لِيُسْعِدَك فإذا رآك قد حِدْتَ عن الطريق الذي يؤدِّي إلى سعادتك ساقَ لك من الشَّدائد ما يُعيدُك إلى الطريق الصحيح، فالصَّبر معرفة، ولن تكون صابرًا إلا إذا كنتَ عارفًا، فإذا عرفْت اله، وعرفْت حبَّه، وعرفْت حِرْصهُ ورحمتهُ، ولماذا خَلَقَكَ وعرفْت أنّ هذه الدُّنيا دار عمل، فإذا جَعَلتها دار أمل لا بد من عِلاج وإذا علمْت أنّ هذه الدنيا دار تكليف وجعلتها دار تَشريف فلا بدّ من عِلاج، إذا عرفْت أنَّ الدنيا دارَ سَعي والآخرة دار جزاء فعَكَسْت الآية لا بدَّ من عِلاج، فالإنسان متى يُعالج ؟ ومتى يقسو الأب على ابنِهِ ؟ لا يمكن لأبٍ يرى ابنهُ على الطريق الصحيح، وفي الاتِّجاه الصحيح، وفي السرعة المناسبة ويقسُو على ابنِهِ ويؤكِّدُ هذا قوله تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
[سورة النساء: 147]
فلمّا الإنسان تأتيه الشدائد، والشدائد أنواع منوَّعة، هناك شدائد نفْسِيَّة، وهناك شدائد جسدِيَّة كالأمراض، وشدائد ضيق في الدَّخْل، وشدائِد ألم وشدائِد قهر، وشدائِد فقد الحُريَّة أنواع الشدائد أنواع منوَّعة، ويجب أن تعلمَ عِلْم يفين أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يسوقها إلا لِحِكمةٍ بالغة لو كُشِفَتْ لك لذابَتْ نفسُكَ محبَّةً لهذا الربّ العظيم، والمؤمن يعرف هذا الكلام، والمؤمن الصادق يقيس على ما قد سلف، أيَّةُ مشكلةٍ ساقها الله إليك انتَهَت بثَمَرةٍ طيِّبة، قد يكون هناك انْحِراف طفيف، وسوء ظنٍّ بالله تعالى، شِرْكٌ خفيّ، اعْتِماد على غير الله، وطَمَع في الدنيا وطمأنينة لها، تأتي المشكلة لِتُطَهِّر النَفس مِمَّا علِقَ بها من حبّ الدنيا يُرْوى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكان مريضًا فقال هذا الصحابيّ المريض يا رسول الله اُدعو الله أن يرْحمني، فقال: يا ربّ ارْحَمْهُ، فقال الله عز وجل: يا عبدي كيف أرحمه مِمَّا أنا به أرحمهُ ؟! وعِزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبْدِيَ المؤمن وأنا أحِبّ أن أرحمَهُ إلا ابتَلَيْتُهُ بكلّ سيّئةٍ كان عملها سُقْمًا في جسَدِه، أو إقْتارًا في رزقه أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغَ منه مثل الذرّ فإذا بقِيَ عليه شيءٍ شدَّدْتُ عليه سكَرات الموت حتى يلْقاني كيَوْم ولدَتْهُ أُمُّه !
أُريد أن أقول لكم كلمة ؛ والله الذي لا إله إلا هو لو كُشِفَ لك الغِطاء من أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا تابعَ عبْدهُ المؤمن بِعِقابٍ إثْرَ كلّ مَعْصِيَة لكان هذا العبدُ مكرَّمًا عند الله عز وجل، فإذا تركَهُ هملاً فهذه هي الإهانة، الإهانة ليْسَ أن يدَعَكَ الله وانْحرافك، الإهانة أن يدَعَكَ وانْحِرافَكَ من دون معالجة ولكنَّ التَّكريم أن يُتابِعَك على كلّ ذَنْب تقترفهُ عُقوبةً أو ضيقًا أو شِدَّة الي أريد أن أقوله لكم أنَ الصَّبر عِلم، والإنسان لن يصبر إلا إذا كان عالمًا بالله عز وجل حينما ترى الأب يُضيِّقُ على ابنِهِ، فأنت كأبٍ آخر تعرف أنّ ها محظ رحمة ولُطف ومحظ عَطف وشفقَة وحِرص، لذلك مجموعة أحاديث اليوم من باب الصَّبر، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة النمل]
ما أرْوَعَ المؤمن حينما تأتيه الشِّدَة فيقول: يا ربّي لك الحمْد، وأنا راضٍ بِحُكْمك أليْسَ النبي عليه الصلاة والسلام قدوتنا في هذا الموضوع ؛ ألم يذهب إلى الطائف مَشْيًا على قدَمَيْه، ألمْ يلْقَ من أهل الطائف ردًّا قبيحًا واسْتهزاءً وكُفرًا وتكذيبًا ؟ ألم يضيِّق عليه أهل الطائف ويرجؤوه إلى الحائط ؟ أما دعا عليه الصلاة والسلام قائلاً: اللَّهم إنِّي أشْكو إليك ضَعْف قوَّتي وقلَّة حيلتي وهواني على الناس، يا ربّ المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍّ ملَكْتهُ أمري، إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أُبالي، ولك العتبى حتى ترضى، ولكنَّ عافيتَكَ أوسَعُ لي هذا هو حال المؤمن، والنبي الكريم قُدوَةٌ لنا، لا تخْلو حياة أحدنا من شدَّة، قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريبٌ ﴾
[سورة البقرة]
قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[سورة العنكبوت: 2 ]
والله الذي لا إله إلا هو من ظنَّ أنَّه يُبْتلى أو لا يُبْتلى فقد ضلَ وأخطأ الصحيح أنَّهُ لا بدَّ من أن نُبْتَلى، وإنَّ الله سبحانه وتعالى جعَلَ هذه الحياة الدنيا دار ابْتِلاء وامْتِحان، المركبة لا تُمتحَن في الطريق النازلة، مهما كانت المركبة ضعيفةً، ففي الطريق النازلة تُسْرع، ولكنَّ المركبة لا تمْتحن إلا في الطريق الصاعدة، وكذا الإنسان لا يُمْتحنُ بالرَّخاء فجَميع الناس يشكرون الله سبحانه وتعالى، ولكنَّ البُطولة أن تشكرهُ في الشِّدة، قال الإمام عليّ كرَم الله وجهه: الرِضا بِمَكروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين البُطولة وأنت في الضِّيق المادّي تقول: يا ربّ لك الحمد مِن أعماق أعماقك، والبطولة في ساعة الشِدة، وأنت في الضِّيق، وأنت في الهمّ والحزن، يا أرحم الراحمين بِرَحْمتِكَ أسْتغيث، يا ذا الجلال والإكرام بِرَحمتك أسْتغيث، اللهمّ إنِّ عبدك، اللهمّ أنت خلقتني وأنا عبدك، أبوء بذنبي، حالة المؤمن حالةٌ راقشيَة، قبل أن أمضي في الحديث عن أحاديث الصَّبْر لا بدَّّ أن تعرفوا أنَّ الصَّبْر نصف الإيمان، والصَّبر تمامًا يُشبه مريضًا جالسًا على كرسي طبيب أسنان، هذا المريض الواعي الراشد والواعي والعاقل مع أنَّ آلامًا مبرِّحة في الأسنان حين الحَفر، وفي أثناء المعالجة، لكنَ هذا المريض يضْغط على يدَيْه ويحْتملُ الآلام، وفي النِهاية يشْكر الطبيب لأنَه يعلمُ علم اليقين أنَ هذا الذي يؤلِمُه هو في مَصْلحته.
قلتُ لكم مرَةً أنَّّ أحد الأعراب كان يطوف بالبيت وهو يقول: يا ربّ هل أنت راضٍ عنِّي ؟! كان خلفهُ الإمام الشافعي فقال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟! فقال: يا سبحان الله ! من أنت ؟ فقال: أنا الشافعي، فقال: وكيف أرضى عنه وأنا أتمنَى رِضاه ؟ قال: إذا كان سرورك بالنِّقمة كَسُرورِكَ بالنِّعمة فقد رضيت عن الله ! هذه هي البطولة، البُطولة عند الصَّدمة الأولى، وعندما يأتي الخَبَرَ المؤْلِم، هذا فعلُك، وفِعلكَ لا يخلو من حكمة بالغة، هذه إرادتك، وهذه مشيئتك، وهذا قضاؤُك، وأنا راضٍ به، والله كلمةُ: أنا راضٍ بهذا القضاء تعْدلُ الدنيا وما فيها ؛ لأنَّ هذه الكلمة امْتِحان، وقد نَجَحْت في هذا الامتِحان، وسوف يمضي كلّ شيء، الخَير سيَمضي، والضِّيق سيَمْضي، وتبقى هذه الكلمة التي قلتها معبِّرًا بها عن امْتِنانك، وعن رضاك بِقَضاء الله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا أحبَّ الله عبده ابتلاه فإن صبَرَ اجْتباه، وإن شكر اقْتَناهُ، معنى هذا أنِّي غالٍ عليك يا ربّ، ومعنى هذا أنَّك لم تنْسَني ومعنى هذا أنَّك تحبّني، ومعنى هذا أنَّه لولا حرصك عليّ لما ضيَّقْت عليّ ومعنى هذا أنَّك تريد أن تُقوِّمَ سُلوكي، ومعنى هذا أنَّك تريد أن تقرِّبني إليك، ومعنى هذا أنَّك تبتغي بِيَ مقامًا أعلى مِن مقامِي بهذه المصيبة، فالمصائب أيُّها الإخوة الأكارم مَحْض فضْلٍ، ومَحضُ عَدْلٍ، وقد سمَّاها العلماء النِّعَم الباطنة في قوله تعالى:

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
[سورة لقمان]
النِّعَم الباطنة هي المصائب، والدليل قوله تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة آل عمران]
الإعزاز خَير، والإذلال خَيْر، والعطاء خَير، والمنعُ خَير لذلك علماء التوحيد يحظِّرون على المسلم أنْ يذكر بعض أسماء الله عز وجل وحدها، فلا بد أن تقول المانع المعطي لأنَه يمنَعُ لِيُعْطي والضَّار النافع، أيْ يضرّ لِيَنفَعَ، والخافض الرافع، يخفض لِيَرْفَعَ قال تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[سورة القصص: 4 ـ 6 ]
هؤلاء المستضعفون نريد أن نمكِن لهم في الأرض، قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
فإذا أردْت أن تكون من عباد الله لا مقرَّبين فاسْتَعِدَّ للبَلاء، ولكن إيَّاك أن تطلب البلاء فهذا سوءُ أدبٍ مع الله عز وجل.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ قَال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ
((إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاه))
[رواه الترمذي]
هناك امْتِحان، وهذه دَعوى كبيرة جدًّا أن تُحِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهه تحتاج إلى بطولة، وإلى ابتِلاء، وتحتاج إلى صَبْر، لك أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أحدهم أُلْقيَ القبض عليه ليقْتَل ويعذَّب قبل أن يُقْتَل، تقدَّم منه أبو سفيان أظنّه خُبيْبًا، فقال له: يا خُبَيب، أتُريد أن يكون محمَّدًا مكانك وأنت معافى ؟ فقال خُبَيب رضي الله عنه: والله ما أحبّ أن أكون في أهلي وولدي، وعند عافِيَة الدُّنيا ونعيمها ويُصاب رسول الله بِشَوْكَة ! هذا هو الإيمان هل أحْببْت في الله ؟ هل أعْطَيْت في الله ؟ وهل منعْت لله ؟ ماذا قدَّمتَ ؟ ومع من وَقَفت ؟ ومع من عادَيْتَ ؟ الإيمان مواقف والإيمان الْتِزام وبذْل وعطاءٌ، فلذلك حينما يظنّ الإنسان أنَّ هذه الدنيا دار نعيم، ودار مُتَعٍ وسُرور فقد وقعَ في خطإٍ كبير هذه الدنيا دار عمل، ودار ابْتِلاء ودار بَذْل، ودار عطاء، النَّعيم المقيم في الآخرة والسَّعادة العظمى في الآخرة، والطمأنينة في الآخرة والتَّشريف في الآخرة، أنت الآن في دار تَكليف، هذه المقدِّمة أردْتُ أن تكون بين يديّ بعض هذه الأحاديث الشريفة.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[ رواه الترمذي ]
هذا العبد له إمكانيات طيِّبة، ويحبّ الله ورسوله، يُنْتَظَر منه أن يكون ذا مقامٍ عالٍ هذا العبد مخلص، يسأل الله عز وجل أن يطهِّرَ قلبه من الأغيار، هذا هو طلبه، فلهذا الطَّلَب العالي، ولهذا السموّ الرفيع، الله سبحانه وتعالى يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بِعَبْدِهِ الشرّ أمْسكَ عنه بِذَنْبِهِ حتى يُوافي به إلى يوم القيامة، يجبُ أن تعلموا عِلْم يقين أنَّه في اللَّحظة التي يُتْركُ فيها العَبْدُ وشأنَهُ، يُتْركُ فيها العَبدُ وذَنبهُ يُتْركُ فيها العبدُ وتقصيرهُ، يُتْركُ فيها العَبد ومخالفته، في هذه اللَّحظة يجب أن تعلمَ عِلْم يقين أنَّك مُهانٌ عند الله تعالى، أما إذا حاسبَكَ حِسابًا سريعًا، انْحرفْتَ قليلاً فجاء العقاب، وقصّرْت فجاء الدّواء، تجاوَزت فجاء العلاج، اتَّكَلْت على غيره فجاء التخلي، أشْركت به فجاء التأديب إذا كنتَ كذلك فأنت في نعمة كبرى، لأنَّ الله سبحانه وتعالى دليلُ أنَّهُ يحبُك، وهذه النُّقطة مهمّة جدًّا.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ رواه الترمذي ]
المؤمن كأنّ له رداءً أبيضًا ناصعًا فإذا وقعَ عليه شيءٌ مهما بدا صغيرًا يبْدو صارخًا الثَّوبُ الأبيَض الناصع البياض، والنَظيف، لو أنَّ شيئًا وقَعَ عليه لا يزيدُ عن أنملةٍ يبْدو صارخًا لذلك يُسارعُ صاحبُ الثَّوب الأبيَض إلى مسْح هذه البقعة الملوّنة، ولكن هذا الذي يرْتدي ثوبًا أسْودًا قد تمرَّغَ به في الوَحل والزُّيوت، وفي الشُّحوم، لو ألْقَيْتَ عليه محبرة فلا يظهر لها أثر فهناك إنسان ثوبهُ أسْوَد، وهناك من ثَوبُهُ أبْيَض فالمؤمن ثوبُهُ أبْيَض، لذا ما مِن عثرةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا خَدْش عودٍ إلا بما قدَمَتْ أيديكم وما يعْفو الله أكثر، والآية الكريمة قوله تعالى:

((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ))
[سورة الشورى: 30 ]
وما هنا اسم شرْط جازم ومعنى الشِّرط أنَّ تعلّق الجواب بِفِعل الشَّرط هو تعلُّق حَتمي قوله تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ))،الآن عندنا نقطة مهمَّة جدًّا أتمنَاها عليكم جميعًا، هذه النُّقطة أنّ المؤمن إذا أصابتْهُ مصيبة عليه أن يتَّهِم نفسهُ بالتَّقصير، الله سبحانه وتعالى عادِل، ورحيم، ولا بدّ من زَلَّةٍ زَللْتَ بها، ولا بدَّ من مَعْصِيَةٍ اقْترفتها ولا بدّ من مخالفةٍ وقعْتَ بها، لا بدَ من تقصيرٍ بدَر منك، ولا بدَّ من تَطاوُلٍ تكلَّمْت به ولا بدّ من شِرْك، ومن اعْتِمادٍ على غير الله تعالى هكذا الأدَب، إذا وقعْت في مشكلةٍ فاتَّهِم نفْسكَ أما إذا رأيْت أنَّ أخاك قد وقعَ في مشكلة فإيَّاك أن تتَّهِمَهُ، فهذا من سوء الأدب وعليك أن تقول: هذه مصيبة أرْجو الله أن يرفعهُ بها، فهذه اعْتبِرْها مصيبة رَفْع أما لك فاعْتَبِرْها مصيبة عِقاب وكما تعلمون هناك مصيبة القصْم وهناك مصيبة الرَّدع، وهناك مصيبة الدَّفع، وهناك مصيبة الرَفع وهناك مصيبة الكَشف، فالقصْم لمَّا يسْتوفي الإنسان كلّ رغباته في الدنيا ويريد أن يفجر ويؤذي، عندئذٍ يقْصِمهُ الله عز وجل، هذه مصيبة القَصْم، إذا طغا، وبغى، واعتدى، وتكبَّرَ وأصْبحَ يزْدادُ شرًّا كلّ ساعةٍ فرحْمةٍ به يقْصمهُ الله سبحانه وتعالى، أما مصيبة الرَّدع فقد ينْحرفُ الإنسان، قد يأكل مالًا حراماً فيفقد أموالًا طائلة، أكل أمس فأذهب أموال طائلةً، مصيبة قاسيةٌ جدًّا، هذه مصيبة الردع، أما مصيبة الدفع ؛ مؤمن مستقيم لكنه مقصِّرٌ، تأتي المصيبةُ لتدفعه إلى الأمام أما الرفعُ مؤمن مستقيم و يسرع في طريقه إلى الله، لكنه يحتمل، و مادام يحتمل يضاعف اللهُ له أجره بهذه المصيبة، و أما الأنبياء ففي أنفسهم من الكمال ما لا يبدو إلا في المصيبة، يعني فيه آلات أو فيه محرِّكاتٌ جبَّرةٌ ذاتُ قوى عالية جدًّا لا تبدوا إلا في طرق وعْرة جدًّا و في صعود حادٍّ جدًّا و إلا محرِّك آخر أدنى بكثير يقوم بهذه المهمَّة، فهذه مصيبة الكشف و على كلٍّ إذا أراد اللهُ بعبده الخيرَ عجَّل له العقوبةَ في الدنيا، و إذا أراد اللهُ بعبده الشَّرِّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة، هذه الفكرةُ ضعْها في ذهنك، إذا عجَّل اللهُ لك العقوبةَ فأنت محبوبٌ، فأنت مرغوبٌ فأنت مطلوب، محبوب و مرغوب و مطلوب، و إذا تُرِكْت هملًا والعياذ بالله، المصيبة عندئذ أن تُترك هملًا من دون عقاب.
كلُّكم يعلم أب عنده ثلاثة أولاد، ولد ابن ذكيٌّ و متفوِّقٌ، و ابنٌ آخر ذكيٌّ و مقصِّر وابنٌ ثالث أبلهٌ، فهذا الأبُ لن يضيِّق على الأبلهِ لعدم الجدوى على التضييق عليه، فيدعه و شأنه لا يحتاج إلى تأديب، لكنَّ تأديب هذا الأب ينصبُّ على الابن الثالث الذكيِّ المقصِّر، فالإنسان لمَّا يقصّر يبْتَلِيه اللهُ عزوجل، فإذا تفوّق، ربَّما ابتُليَ بنوع آخر، فإذا تفوَّق في معرفة الله عزوجل له امتاحاناتٌ من نوع أخر أرقى، هناك متاعب مقدَّسةٌ و هناك متاعب مؤدِّبةٌ، و هناك متاعب فيها عقوبة.
و قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ
((عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ))
[رواه الترمذي]
رواه الترمذي و قال حديث حسن، الشقُّ الثاني من الحديث يؤكِّد المعنى الأول.
ملخَّص هذه الكلمة المطوَّلةُ حول هذين الحديثين أنك إذا شعرتَ أن اللهَ يتابعك بالعقاب فهذه بادرةٌ طيِّبةٌ جدًّا و أنت محبوبٌ و مرغوبٌ و مطلوبٌ و إذا شعرت أن الله قد ترك الإنسانَ هملاً بلا عقاب مع إساءته و مع تقصيره و مع معصيته فهذه علامةٌ خطيرةٌ على أن الله سبحانه و تعالى تركه هملاً.
و الآن إلى الفقرة الثانية من قصَّة التابعي الجليل عبد الرحمن الغافقي تحدَّثنا في الدرس الماضي عن القصَّة الأولى، و اليوم نتحدَّث عن القصَّة الثانية و الأخيرةِ.
الحقيقة أن الأجانب الفرنجةُ في كتبهم و في تاريخهم و في كتب أدبهم آثارٌ كثيرةٌ عن فتوحات المسلمين في بلاد الأندلس، فالشاعر الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزتْ أوروبا بعد فتح الأندلس، و تعلمون أن جيوش المسلمين فتحت الأندلس، يعني أسبانيا اليوم و البرتغال، و بعدها توجَّهت إلى فتح أوروبا بدءًا بفرنسا، ووصلتْ إلى مائة كيلومتر من باريس، و في بعض الروايات إلى مسافة أربعة عشر كيلو متر من باريس فهذه المعركة الشهيرة؛ معركة بلاط الشهداء ؛ يتحدَّث عنها بعضُ الأجانب، فيقول الشاعرُ الإنجليزي سوذي يصف جيوش المسلمين التي غزت أوروبا بعد فتح الأندلس، من عربٍ و بربرٍ جموعٌ لا تُحصَى من عرب و بربرو رومٍ خوارج و فرسٍ و قبطٍ و تتَرٍ قد انضَوَوْا جميعا تحت لواء واحد يجمعهم إيمانٌ ثائرٌ راسخُ الفتُوَّة و حميَّةٌ متلضِّيةٌ كالشَّرر و أخوَّةٌ مُذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر، تجمعهم أخوَّةٌ مذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر، قال تعالى:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "﴾
[سورة الانفال ـ 63 ]
تجمعهم أخوَّةٌ مذهلةٌ لا تفرِّق بين البشر، لم يكن قادتُهم أقلَّ منهم ثقةً بالنصر بعد أن ثمِلوا جميعا بحُمَّى الظَّفرِ، يعني أنَّ النصرَ تتابع عليهم و اختالوا بتلك القوَّة القوية التي لا يقف أمامها شيءٌ، هذه القوَّة القويةُ التي لا يقف أمامها شيءٌ، و أيقنوا أنّض جيوشهم لا يمكن أن يُلِمَّ بها الكلالُ، أي التعب، فهي دائما فتِيَّةٌ مشبوبةٌ كما انطلقتْ أوَّلَ مرة، و آمنوا بأنها حيث ما تحرَّكت مشى في رِكابها النصرُ و الغلبةُ، و أنها ستندفع دائمًا إلى الأمام حتَّى يصبح مثل الرمال المُحرِقة المنتثرة على صحراء العرب، و يقف فوق صخور مكة الصلبة.
هذا مقطعٌ مترجَمٌ لقصيدة لشاعر إنجليزي اسمُه سوذي يصف فتوحَ المسلمين لأوروبا في عهد التابعيِّ الجليل عبد الرحمن الغافقي.
مؤلِّفُ الكتاب يخاطب هذا الشاعرَ، لم تكن أيُّها الشاعرُ بعيدًا عن الحقيقة أو هائمًا في أودية الخيال في كثيرٍ ممَّا قلتَ، فقد كانت الجيوشُ التي قادها المجاهدون لإخراج آباءك من جاهليَّتهم الجهلاء كما وصفتَ، ففيها عربٌ أقوياء، أقوياءُ بالله هبُّوا إليكم من الشام، من الحجاز من نجدٍ من اليمن، و من كلِّ مكان في جزيرة العرب كما تهُبُّ الريحُ المرسلَة، و فيها بربرٌ أعزَّةٌ بالإسلام تدفَّقوا عليكم من فوق جبال الأطلس كما يتدفَّق السيلُ العرِم و فيها فُرْسٌ عافتْ عقولُهم وثنيةَ الأكاسرة و فاءت إلى دين التوحيد و صراط العزيز الحميد، و فيها رُومٌ خوارج كما قلتَ، و لكنَّهم خرجوا عن الظلم و الظُّلمات و انحازوا إلى نور الأرض و السماوات، وهُدُوا إلى دين قيِّمًا، و فيها قِبطٌ رفعوا عن رقابهم نيرَ العبودية للقياصرة ليعيشوا كما ولدتْهم أمَّهاتُهم أحرارًا في أكناف الإسلام، نَعَم لقد كان الجيشُ الذي قاده عبدُ الرحمن الغافقي و أسلافُه لإنقاذ أجدادك من الجاهلية فيه الأبيضُ و الأسودُ و العربيُّ و الأعجميُّ، و لكنَّهم انصهروا جميعًا في بوتقة الإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا، و قد كان همُّهم كما ذكرتَ أن يدخلوا الغربَ في دين الله كما أدخلوا الشرقَ من قبلُ، وأن يجعلوا البشريَّةَ كلَّها تُطأطِأُ الرأسَ لإله الناس، و أن يعُمَّ نورُ الإسلام بَطاحَكم و أوديتَكم، و أن تشرق شمسُه في كلِّ بيتٍ من بيوتكم، و أن يُسوِّيَ عدلُه بين ملوككم و سُوقتِكم، و كانوا قد عزموا على أن يدفعوا أرواحَهم ثمنًا لهدايتكم إلى الله و إنقاذكم من النار.
و بعد ؛ فالقصَّةُ الأخيرةُ لهذا الجيش كما يلي:
تناهتْ إلى دُوقِ أُوكتانيا ؛ الدوق أي الحاكم ؛ أوكتانيا مقاطعة من مقاطعات فرنسا تناهت إلى دوق أُوكْتانيا الأخبارُ المُفزِعةُ عن مصرع صهره عثمان بن أبي نُسعة، و بلغته أنباءُ النهاية الحزينة التي صارت إليها ابنتُه الحسناءُ مِنِين، ابنةُ هذا الدوقِ قِيدَتْ أسيرةً إلى دمشق، وصهره الذي خان المسلمين في الأندلس قُتل، فأدرك هذا الدوق ؛ دوق أوكتانيا ؛ أنّ طبول الحرب قد دقَّت، و أيقن أنّ أسد الإسلام عبد الرحمن الغافقي مُمْسٍ في دياره أو مُصبِح، فتأهَّب للدفاع عن كلّ شبر من أرضه دفاع المُستَميت، و استعدَّ للنضال دون نفسه ومملكته استعدادَ المُسْتبسِل، فقد كان يخشى أنْ يُساق هو الآخر أسيرًا إلى دار الخلافة في الشام كما سِيقتْ ابنتُه يعني هذه الشامُ، دمشقُ هذه، كانت تحكم معظمَ جمهوريات الاتِّحاد السوفياتي، و كانت تحكم شمالَ إفريقيا بكامله و بلادَ إسبانيا اليوم و البرتغال و جزءًأ كبيرا من بلاد فرنسا، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور: 55 ].
فقد كان يخشى أن يُساق هو الآخرُ أسيرا إلى دار الخلافة في الشام كما سِقت ابنتُه، أو أنْ يُحمَل رأسُه على طبقٍ و يُطاف به في أسواق دمشق كما طِيفَ برأس الدِّرِيق ملكِ إسباني من قبلُ، لم يُكذِّب عبدُ الرحمن الغافقي ظنَّ الدوق فانطلق بجيشه اللَّجد من شمال الأندلس، انطلق كالإعصار و انصبَّ على جنود فرنسا من فوق جبال البِرِني كما ينصبُّ السيفُ، و كان عدَّةُ جيشه مائة ألف مجاهد، بين جوانح كلٍّ منهم قلبُ شجاع لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، في عروقه عزمةُ ماردٍ، يمَّم الجيشُ الإسلاميُّ وجهه شطرَ مدينة آرِيل الواقعة على ضفاف نهر الرُّون، فلقد كان له معها حساب، ذلك أنَّ آريل هذه كانت قد صالحت المسلمين على أن تدفع لهم الجزيةَ فلمَّا استُشهد السَّمحُ بن مالك الخولاني في معركة تولوز و تضعْضَع المسلمون لمصرعه، نبذ أهلُ آريل الطاعةَ و نكثوا العهدَ و امتنعوا عن دفع الجزية، و لما بلغ عبدُ الرحمن الغافقي ضواحي المدينة وجد أنَّ أَوَدَّ دوق أوكتانيا قد عبَّا قوَّاته الكثيفة عندها و حشدها حول تُخومها و تصدَّى لردّ الزحف الإسلامي عليها ثم ما لبث أن التقى الجيشان وجهًا لوجهٍ و دارت بين الفريقين معركةٌ طحونٌ، قذف خلالها عبد الرحمن الغافقي بكتائبَ من جيشه تحبّ الموتَ أكثر مما يحب أعداؤُها الحياةَ، فزلزل أقدامَ العدوِّ و مزَّق صفوفه ودخل المدينة منتصرًا و غنِم منها غنائم عزَت عن الحصر، أما دوق أود فقد فرَّ بمن بقي حيًّا من جنوده، و طفق يُعِدّ العدَّة للقاء آخر مع المسلمين فقد كان يعلم أن معركة آريل كانت بدايةَ الطريق و ليست نهايته.
عبر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الجرَّار نهرَ الجارون و طفقت كتائبُعه الظافرة تجوز مقاطعة أوكتانيا ذاتَ اليمين و ذات الشمال و أخذت المدنُ و القرى تتساقط تحت سنابك خيله كما تتساقد أوراق الشجر في فصل الخريف إذا هبّت عليها الرياح الهوج، و أضاف المسلمون إلى غنائمهم السابقة غنائم لاحقة لم ترها ينٌ من قبلُ، و لم تسمع بها أذنٌ، و قد حاو لدوق أوكتانيا أن يتصدَّى لهذا الزحف الكبير مرةً أخرى فاشتبك مع المسلمين في معركة ضروس، لكنَّ المسلمين ما لبثوا أن هزموه هزيمةً طاحنة و أنزلوا به نكبةً ساحقة مدمِّرةً و مزَّقوا جيشه شرَّ ممزَّق و تركوا جيشه بين قتيل و أسير و هزيم، ثم اتَّجه المسلمون إلى مدينة بوردو كبرى المدن الإفرنسية أنذاك، و عاصمة مقاطعة أوكتانيا، و خاضوا مع أميرها معركة لا تقلُّ هولًا عن المعارك السابقة و استبسل فيها المهاجمون و المدافعون استبسالًا يثير العجب و الإعجاب، و لكنَّ المدينة الكبيرة الخطيرة ما لبثت أن سقطت في أيدي المسلمين كما سقطت أخواتُها من قبل، و ما لبث أميرُها أنْ قُتل في جملة القتلى، و أحرز المسلمون غنائمَ بوردو ما هوَّن في أعينهم كلَّ ما حازوه من غنائم، و كان سقوطُ بوردو في أيدي المسلمين فاتحةً لسقوط مدنٍ آخرى كثيرة خطيرة أهمُّها لِيون، ثاني مدن فرنسا الآن، وبِزَنْسون و سانسْ، و كانت هذه الأخيرةُ لا تبعد عن باريس أكثرَ من مائة ميل، أي مائة وخمسون كيلو متر، اهتزَّت أوروبا من أقصاها إلى أقصاها لسقوط نصف فرنسا الجنوبي كلِّه في يد عبد الرحمن الغافقي خلال بضعة أشهر، و فتح الفرنجةُ أعينَهم على الخطر الداهم و ضبَّ الصريخُ في كل مكان يدعو العجزةَ و القادرين إلى الوقوف في وجه هذا الهول القادم من الشرق، و يحضُّهم على التصدّي له بالصُّدور و السيوف و يدعوهم إلى سدِّ الطريق أمامه بالأجساد إذا انعدم العتادُ، فاستجابت أوروبا لدعوة الداعي و أقبل الناسُ على الانضواء تحت لواء شَارْل مارتل، و معهم الشجر و الحجر و الشوكُ و السِّلاح، و كان الجيشُ الإسلاميُّ أنذاك قد بلغ مدينة تور، طليعة مدن فرنسا وفرةً في السكان و قوَّةً في البنيان و عَراقةً في التاريخ، و كانت المدينةُ فوق ذلك تختال على أكثر مدن أوروبا بكنيستها الفهخمة الضخمة العمِرة بجميل الأعلاق وكريم النفائس، فأحاط بها المسلمون إحاطة الغِلِّ بالعنق و انصبُّا عليها انصباب المنون إذا جاء الأجلُ و استصرخوا في سبيل افتتاحها الأرواحَ و المُهج فما لبثتْ أن سقطت بين أيديهم على مرأى شارل مارتل و سمعه.
وفي العشر الأخير من شعبان سنة أربع و مائة للهجرة زحف عبد الرحمن الغافقي بجيشه الَّلجد على مدينة بوَاتييه، و هناك التقى مع جيوش أوروبا الجرَّارة بقيادة شارل مارتل ووقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة لا في تاريخ المسلمين و الفرنجة فحسب، و إنما في تاريخ البشرية جمعاء وقد عُرِفت هذه المعركة بمعركة بِلاط الشُّهداء، و كان الجيشُ الإسلاميُّ يومئذٍ في ذِروة انتصاراته الباهرة، لكنَّ كاهله كان مُثقلًا بتلك الغنائم التي انصبَّت عليه انصبابَ الغيث، و تكدَّستْ في أيدي الجنود تكدُّس السُّحب و قد نظر عبد الرحمن الغافقي إلى هذه الثروة الهائلة نظرةَ قلق و إشفاق و توجَّس منها خِيفةً على المسلمين، فقد كان لا يأمن أن تشغل هذه النفائسُ قلوبهم عند اللِّقاء، و أنْ تُوزَّع نفوسُهم في لحظات البأس، و ان تجعل إحدى عيني المقاتل منهم على العدوِّ المُقبِل عليه و عينَه الأخرى على الغنائم ابلتي في يديه، و لقد همَّ بأن يأمرَ جنودَه بالتَّخلُّص من هذه الثروات الطائلة الهائلة، و لكن خشِيَ أن لا تطيبَ قلوبُهم بذلك القرار الخطير، و أن لا تسمح نفوسُهم بالتَّخلِّي عن ذلك الكنز الثمين، فلم يجد وسيلة خيرًا من أن يجمع هذه المغانم في مُخيَّمات خاصَّة و أن يجعلها وراء المُعسكر قبل إنشاد القتال.
وقف الجيشان الكبيران بضعةَ أيام، كلٌّ منهما قُبالةَ الآخر في سكون و ترقُّبٍ و صمت كما تقف سلسلتان من الجبال، إحداهنا في وجه الأخرى فقد كان كلٌّ من الجيشين يخشى بأسَ عدوِّه و يحسب للقائه ألف حساب فلمَّا طال الوقتُ على هذه الحال ووجد عبد الرجمن الغافقي مراجِلَ الحميَّة و الإقدام تغلي في صفوف رجاله، آثر أن يكون هو البادئ بالهجوم معتمدًا على مناقب جنده، متفائلًا بحسن طالعه في النصر، انقضَّ عبد الرحمن الغافقي بفرسانه على صفوف الفرنجة انقضاض الأسود الكاسرة، و صمد لهم الفرنجةُ صمود الأطواد الراسخة و انقضى اليومُ الأول من المعركة دون أن ترجح فيه كفَّةٌ على كفَّةٍ، و لميحجز بين المتقاتلين غيرُ هبوط الظلاو على ميدان القتال، ثم تجدَّد النِزالُ في اليوم الثاني، و حمل المسلمون على الفرنجة حملاتٍ باسلة و لكنَّهم لم ينالوا منهم وطرًا، و ظلَّت المعركةُ تدور على هذه الحال سبعة أيامٍ طويلةٍ ثقيلةٍ، فلمَّا كان اليوم الثامنُ كرَّ المسلمون على عدوِّهم كرَّةً واحدةً، ففتحوا في صفوفه ثُغرةً كبيرةً لاحَ لهم من خلالها النصرُ كما يلوحُ ضوءُ الصبح من خلال الظلام عند ذلك الذي حصل في معركة أُحُدٍ تكرَّر في هذه المعركة، عند ذلك أغارت فرقةٌ من كتائب الفرنجة على معسكرات الغنائم، فلما رأى المسلمون أنَّ غنائمهم قد أوشكت أن تقع في أيدي أعدائهم، اِنكفأ بعضُهم لاستخلاصها منهم فتصدَّعت بذلك صفوفهم، و تضعضعت جموعُهم وذهبت ريحُهم فهبَّ القائدُ العظيمُ يعمل على ردِّ المنكفئين لمدافعة الهاجمين، و سدِّ الثغور، و فيما كان بطلُ الإسلام عبد الرحمن الغافقي يزرع أرض المعركة على صهوة جواده الأشهبِ جِيئَةً و ذهابا و كرًّا و فرًّا أصابه سهمٌ نافذٌ فهوى عن متن فرسه كما يهوي العُقابُ من فوق قمم الجبال، و ثوى صريغا شهيدًا على أرض المعركة، فلما رأى المسلمون ذلك عمَّهم الذُّعرُ و أصابهم الاضطرابُ و اشتدَّت عليهم وطأةُ العدوِّ و لم يوقِف بأسَه عنهم إلا حلولُ الظلام، فلما أصبح الصُّبحُ وجد شارل مارتل أن المسلمين قد انسحبوا من بواتييه، من أرض المعركة، فلم يجرؤ على مطاردتهم، ذلك أنه خشي أن يكون انسحابهم مكيدةً من مكائد الحرب دُبِّرتْ في الليل، فآثر البقاءَ في مواقعه مكتفيًا بذلك النصر الكبير، لقد كان يومُ بلاط الشهداء يومًا حاسما في التاريخ، أضاع فيه المسلمون أملًا من أعزِّ الآمال، و فقدوا خلاله بطلًا من أعظم الأبطال، ما هو الاملُ ؟ أنْ تُفتًَح القسطنطينية لا من الشرق، بل من الغرب، أي أن تُفتح أوروبا بأكملها بدءًا من فرنسا و انتهاءًا بالقسطنطينية، و تكرَّرت فيه مأساةُ يوم أحُد، سنَّة الله في خلقه، و لن تجد لسنة الله تبديلًا.
الشيءُ المهمُّ جدًّا في هذه القصة تعليقٌ لبعض المؤرِّخين على هذه المعركة لبعض المؤرِّخين الأجانب: هزَّت أنباءُ فاجعة بلاط الشهداء في كلِّ مكان هزّا عنيفا و زُلزلت لهولها أفئدتُهم زلزالا شديدا، و عمَّ الحزنُ بسببها كلَّ مدينة و كلَّ قريةٍ و كلَّ بيتٍ، و ما زال جرحُها المُمِضُّ ينزف من قلوبهم دمًا حتى اليوم، و سيظلُّ ينزف ما ظلَّ على ظهر الأرض مسلم،و لا تحسبن أنَّ هذا الجرح العميق الغائر قد أمضَّ أفئدة المسلمين وحدهم - اسمعوا الآن - و إنما شاركهم في ذلك طائفةٌ من عقلاء الفرنجة، رأوا في انتصار أجدادهم على المسلمين في بواتييه مصيبةً كبرى، الفرنجة رأوا في انتصار أجدادهم مصيبةً كبرى رُزِأت بها الإنسانية و خسارةً عظمى أصابت أوروبا في صميمها، و نكبةً جُلَّة نُكِبت بها الحضارة، و إذا شئتَ أن تقف على رأي بعض هؤلاء في فجيعة بلاط الشهداء فاستمع إلى هنري دي شنبون مدير مجلَّة ريفي الفرنسية حيث قال -و اسمعوا بدقَّة ماذا قال هذا الإنسانُ -:" لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادُنا في ظلمات القرون الوسطى- في القرون الوسطى فيه مخازي، و كان فيه جهل و كان فيه طغيانٌ و كان فيه استغلال، و كان الإنسان محتقرًا، هذه ظلماتٌ -قال: لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادُنا في ظلمات القرون الوسطى، و لما أُصيبت بفضائعها، و لا كابدت المذابح الأهلية التي دفع إليها التعصُّبُ الديني المذهبي، نعن لولا ذلك الانتصارُ الوحشي على المسلمين في بواتييه لظلَّت إسبانيا تنعُم بسماحة الإسلام، و لنجتْ من وصمة محاكم التفتيش و لما تأخَّر سييرُ المدنيةِ ثمانيةَ قرون و مهما اختلفت المشاعرُ و الآراءُ حول انتصارنا ذلك فنحن مدينون للمسلمين بكلِّ محامد حضارتنا، نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم و الفنِّ و الصناعة، مدعُوُون لأن نعترف بأنهم كانوا مثال الكمال البشري، في الوقت الذي كنا فيه مثالَ الهمجية، و افتراء ما ندَّعيه اليوم من أن الزمان قد استدار و أن المسلمين وصلوا في هذا العصر إلى ما كنا عليه في العصور الوسطى .
كلمةُ مؤرِّخٍ مُنصِف، أي أن انتصار الفرنجة على المسلمين في معركة بلاط الشهداء كان سببَ تأخُّر أوروبا ثمانية قرون، و كان سببَ المآسي التي وقعت في العصور الوسطى، و كان سبب الحروب الاهلية التي ذاقتها أوروبا أو ذاقت من ويلاتها، و على كلٍّ سنة الله لن تتغيَّر فإذا قاتلتَ في سبيل الله ثم طمعتَ في الدنيا تخلَّى اللهُ عنك، في أُحُد و مع النبيِّ الكريم و النبيُّ عليه الصلاة و السَّلامُ كان بين ظهرانيهم، فلمَّا طمعوا في الغنائم تاخلَّى اللهُ عنهم، و في حُنَين قال تعالى:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة]
تخلى اللهُ عنهم، و في اللحظة التي تُعجَب بها بقوَّتك يتخلَّى اللهُ عنك، و في اللحظة التي تطمع بها في الدنيا يتخلَّى اللهُ عنك، هذه سُنَن الله في خلقه.
بقيت كلمةٌ قصيرةٌ من إحياء علوم الدين حول آفات اللسان التي كنا قد بدأنا بها قبل رمضان.
من آفات اللسان، الوعدُ الكاذب، و اللسانُ سبَّاقٌ إلى الوعد، و معظم الناس يطلق الوعودَ بدون حساب، فقد يعِد ابنَه بدرَّاجة، و قد يعِد امرأتَه بثوبٍ على العيد، و قد يعد أخاه بهديَّة، و أحيانا صاحب محلٍّ يعد الموظف بالشراكة، يشاركك، وهو قد صدَّقك و بنى عليها آمالًا و أحلامًا، و أنمت وعدتَه و مشيتَ، فهذه من آفات اللسان، الوعد الكاذب، قال: إن اللسان أسبقُ إلى الوعد ثم النفسُ، ربما لا تسمح النفسُ بالوفاء، فيصير الوعدُ خُلفا، و هذا من آمارات النفاق، أنا أمتحن رصانةَ المؤمن و نضجَ÷ و ذكاءَه من اقتصاده بالمواعيد، يسكت، و الشيءُ الذي يتمكَّن من تنفيذه يتكلَّم فيه، أمّا على طول موعد يعطي وعودًا برَّاقةً، و الناسُ بعد فترة لن يصدِّقوه، و أصبحت وعودُه لا قيمة لها إطلاقًا،و لا تؤثِّر أبدًا، قال الله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة]
تخلى اللهُ عنهم، و في اللحظة التي تُعجَب بها بقوَّتك يتخلَّى اللهُ عنك، و في اللحظة التي تطمع بها في الدنيا يتخلَّى اللهُ عنك، هذه سُنَن الله في خلقه.
بقيت كلمةٌ قصيرةٌ من إحياء علوم الدين حول آفات اللسان التي كنا قد بدأنا بها قبل رمضان.
من آفات اللسان، الوعدُ الكاذب، و اللسانُ سبَّاقٌ إلى الوعد، و معظم الناس يطلق الوعودَ بدون حساب، فقد يعِد ابنَه بدرَّاجة، و قد يعِد امرأتَه بثوبٍ على العيد، و قد يعد أخاه بهديَّة، و أحيانا صاحب محلٍّ يعد الموظف بالشراكة، يشاركك، وهو قد صدَّقك و بنى عليها آمالًا و أحلامًا، و أنمت وعدتَه و مشيتَ، فهذه من آفات اللسان، الوعد الكاذب، قال: إن اللسان أسبقُ إلى الوعد ثم النفسُ، ربما لا تسمح النفسُ بالوفاء، فيصير الوعدُ خُلفا، و هذا من آمارات النفاق، أنا أمتحن رصانةَ المؤمن و نضجَ÷ و ذكاءَه من اقتصاده بالمواعيد، يسكت، و الشيءُ الذي يتمكَّن من تنفيذه يتكلَّم فيه، أمّا على طول موعد يعطي وعودًا برَّاقةً، و الناسُ بعد فترة لن يصدِّقوه، و أصبحت وعودُه لا قيمة لها إطلاقًا،و لا تؤثِّر أبدًا، قال الله تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
[سورة المائدة]
و قد أثنى الله تعالى على نبيِّه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾
[سورة مريم: 54 ]
و لما حضرتْ عبدَ الله بن عمر الوفاةُ قال: إنه كان قد خطب إليَّ ابنتي رجلٌ من قريش، وكان مني إليه شبهُ الوعد، فوالله لا ألقى اللهَ بثُلُث النفاق،أُشهدكم أني زوَّجته ابنتي وعد، و إيَّاك أن تعد دون أن توَفِيَ هذا الوعد و كان ابنُ مسعود لا يعد وعدً إلَّا و يقول: إن شاء اللهُ، و هو الأولى، ثم إذا فُهِم مع ذلك الجزم في الوعد، فلا بدَّ من الوفاء إلا أن يتعذَّر، فإن كان عند الوعد عازمًا على أن لا يفي فهذا هو النفاق، وقال عليه الصلاة و السلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ))
و في رواية
((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ))
[رواه مسلم]
(( وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))
[رواه أحمد]
و النبيُّ عليه الصلاة و السلام أثنى على التجَّار الذين هم عند وعودهم فقال: إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدَّثوا لم يكذبو و إذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اؤتمنوا لم يخونوا إذا اشتروا لم يذموا و إذا باعوا لم يُطروا و إذا كان لهم لميعسِّروا و إذا كان عليهم لم يمطلوا.
الإنسان لمجرّد أن يخلف وعده أو يكذب في حديثه أو يخون في أمانته فقد سقط من عين الله و ضُمَّ إلى زمرة المنافقين، طبعًا إذا كان فيه الثلاثة فهو منافق خالص، أما واحدة فثلث النفاق، ثلث و ثلثان و ثلث ثلاثة، و قال عليه الصلاة و السلام ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))
[رواه البخاري]
و هذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخُلف، أو ترك الوفاء لغير عذر الإنسان وعد وهو عازمٌ على الوفاء بهذا الوعد و ما تمكَّن، فهذا ليس منافقا، أما المنافق حينما وعد الوعد عازمٌ في قلبه على أن لا يفي بهذا الوعد، هذا هو المنافق، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالتُه ووجبت أخُوَّتُه و حرُمت غيبتُه.
لكن العلماءُ قالوا: أمَّا من عزم على الوفاء فعنَّ له عذرٌ منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، الصورةٌ الخارجية للنفاق انطبقت عليه، فهو غيرُ منافق و لما وعد نوى و عزم عزمًا جازمًا على أن يفيَ، و لكن ظهر له عذرٌ قاهرٌ، ولكن هذه الصورة الخارجية صورة نفاق، و لكن ينبغي ان يحترز من صورة النفاق أيضا، كما ينبغي أن يحترز من حقيقته، انتبِهْ، يجب أن تبتعد عن صور النفاق، و طبعا المؤمن يبتعد عن حقيقته وهي عزم القلب على إخلاف الوعد، هذه حقيقة النفاق، لكن صورة النفاق أن تعد وعدًا ثم لا تتمكَّن من الوفاء به، فأنت فكِّرْ مادام أن الشيء فيه احتمال فلا تعد الوعد، و أصحابُ المصالح أنت تقدر أن تنجز العمل في عشرة أيام فقل له في أسبوعين احتياطًا، فإذا ظهر معك أمرٌ قاهرٌ ولم تتمكَّن من الوفاء في هذا الوقت صارت الصورة نفاقًا، أما إذا أخذت الاحتياط أسبوعا ثانيا فهذا الأسبوع احتياط، فيجب أن نبتعد لا عن حقيقة النفاق بل عن صورة النفاق، و صورةُ النفاقِ أن تخلف الوعدَ لعذرٍ مقبولٍ، و لكن على الإنسان أن يعتمد أو أن يتحرَّى دقَّةَ الوعد لأنها ترفع من قيمة الإنسان.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:17 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس29:فضل طلب العلم وآدابه.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-06-05
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي موضوعاً عن العلم، وعن فضل العلم وهناك بعض الأحاديث الشريفة التي ينبغي أن تُوَضَّح لتكون الصورة كاملة حول موضوع العلم يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة:
(( يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ))
( من سنن ابن ماجة: عن " أبي ذر " )
هذا الحديث الشريف يبيِّن فضل العلم على العبادة.. لأَنْ تَغْدُوَ.. أي لأن تذهب، والعلم له مواطن، وموطنه في المسجد.. ((لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)).. كتاب الله، إذا تعلَّمت آيةً، تعلَّمت قراءتها، وتعلَّمت معناها، وعملت بها، ارتقيت، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾
( سورة المجادلة )
فالإنسان له عند الله مقام يحدِّده علمه، ويحدِّده عمله، فالذي يتعلَّم آيةً شيء، والذي يتعلَّم آيتين شيء، والذي يتابع مجالس العلم بحيث يستمع إلى تفسير سورٍ طويلة هذا شيءٌ آخر، فكلَّما ازددت علماً ازددت من الله قُرباً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا بورك لي في شمسِ يومٍ لم أزدد فيه من الله علما)). وهناك قول آخر: (( لم أزدد فيه من الله قرباً))
إذاً هذا الحديث الذي رواه ابن ماجة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يؤكِّد فضل العلم على العبادة، لأن العالِم ربَّما كان..

((فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))
( من سنن ابن ماجة: عن " ابن عبَّاس " )
لكن العابد لأتفه سببٍ، أو لأقل ضغطٍ، أو لأقلِّ إغراءٍ تنهار مقاومته، العابد مقاومته هَشَّة، أي أنه سريعاً ما ينتكس، سريعاً ما يترك، سريعاً ما يعود كما كان عليه، لأنه باني سلوكه على أحوال طارئة، على فورة عاطفيَّة، لكنَّه لو بنى سلوكه على تحقيقٍ، ويقينٍ وحقيقةٍ، وبحثٍ، ودرسٍ، إن العلم سلاح المؤمن، فلهذا هذه الملاحظة الأولى المستنبطة من هذا الحديث الشريف:

(( يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ ))
أي أنك تعلَّمت هذه الآية، فاستفدت منها، فارتقيت عند الله..

(( وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ ))
لأنه بالتعلُّم تستفيد أنت وحدك، لكنَّك في التعليم تُفيد، والذي يفيد أفضل من الذي يكتفي بأن يستفيد.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))
( من صحيح مسلم: عن " ابن سيرين " )
دان إلى الشيء بمعنى خضع إليه، فأنت إذا تعلَّمت حقيقةً خضعت إليها، فإن كان العلم صحيحاُ كان خضوعك صحيحاً، وإن كان العلم مغلوطاً كان خضوعك مغلوطاً، فلأن العمل أساسه العِلم، ولأن السعادة والشقاء أساسها العمل، فالقضيَّة خطيرة جداً، لو تعلَّمت أن على الإنسان أن يفعل ما يشاء من المعاصي، ثمَّ يشفع له النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يشفعُ له، هذا علمٌ خطير، أو هذه فكرةٌ خطيرة.
النبي عليه الصلاة والسلام يشفع له، والشفاعة حق، وفيها أحاديث صحيحة ؛ ولكن لمن مات غير مشرك، أما الذي يفعل الموبيقات، ويفعل المعاصي من دون حرج، معتمداً على أن النبي عليه الصلاة والسلام سيشفع له، هذا مفهومٌ ساذج، ومعناً ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام حينما حدَّثنا عن الشفاعة.
فقد تستقي بعض المعلومات، أو بعض الأفكار، أو بعض الأوهام من مصادر غير موثوقة، فإذا صَدَّقتها، وقبلتها، واعتقدتها، وعملت بها أهلكت نفسك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))
( من صحيح مسلم: عن " ابن سيرين " )
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ))
الذين مالوا يعطونك من الرُخَصِ ما تشاء، يُسَهِّلون لك كل شيء، فأي شيء تحبُّ أن تخالف بعه الشريعة يعطونك فتوى، هؤلاء الذين مالوا، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا))
وهذا يؤكِّد هذا الحديث:

(( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))
لو سُمِحَ لك بالاختلاط، وتعلَّقت نفسك بامرأةٍ لا تحلُ لك، كانت هذه المرأة حِجَاباً بينك وبين الله، لو سُمِحَ لك بأكل الربا قليلاً وشعرت أنَّك خَرَقْتَ حدود الله، كان هذا الأكل للمال الحرام حجاباً بينك وبين الله، لو أُلقي على مسامعك أن شفاعتي كما قال عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر من أمَّتي، مطلقةً من دون توجيةٍ خاص، من دون تأويل، من دون تضييق، من دون تقييد، هكذا لأهل الكبائر من أمَّتي، فأنت تعتقد بهذا، وتفعل من الكبائر ما تشتهي، ثمَّ تُفاجأ أن الإنسان سيُحاسب عن أعماله كلها، فالأمر ليس من السهولة بمكان، الأمر خطير..

(( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))
شيءٌ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما أعزَّ الله بجهلٍ قط ولا أذلَّ بعلمٍ قط))
مستحيل إلا أن يكون العلم سبباً للرفعة عند الله وعند الناس، وعند نفسك، لأن رتبة العلم أعلى الرتب، ولا أذلَّ بعلمٍ قط، فالجهل قبيح وصاحبه ذليل، والعلم جيِّد وصاحبه عزيز، فإذا أردت عزَّ الدنيا والآخرة فعليك بالعلم، وعليك بطلب العلم..
(( ما أعزَّ الله بجهلٍ قط ولا أذلَّ بعلمٍ قط ))
فحتَّى في الدنيا، حتَّى الذين تَعَمَّقوا في علوم الدنيا لهم مكانةٌ رفيعة، قد يكون حولهم أناسٌ متقدِّمون في السن ولكن يقفون أمامهم كالأطفال، فالعالِم شيخٌ ولو كان حدثاً والجاهل حدثٌ ولو كان شيخٌ، فإذا أردت عزَّ الدنيا والآخرة، إذا أردت أن يعزِّك الله عزَّ وجل فاطلب العلم، فبين أن يموت الإنسان ولا يدري به أحد، بين أن يموت الإنسان ولا يكترث لموته أحد ؛ وبين أن يموت العالِم فتهتزُّ لموته بلدةٌ بأكملها، هذا شأن العلم، وهذا مقام العلم، وهذه رفعة العلم وهذا فضل العلم.
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الطوسي:

(( طالب العلم بين الجُهَّال كالحي بين الأموات ))
أي أن الجاهل ميِّت، جسده حي لكنَّ نفسه ميِّتة، والعالِم حي، ليس العالِم بل طالب العلم، طالب العلم فقط، فإذا جلس طالب العلم بين إخوةٍ له، أو بين زملاء له، أو بين أقرباء، أو بين جيران، في جلسة، في نُزهة، في سهرة، في نَدوة، طالب العلم متفتِّح، طالب العلم مستنير، طالب العلم متوازن، طالب العلم مُعْتَدِل، طالب العلم كلامه صحيح، وكلامه فيه دقَّة، طالب العلم لا تجمح به نفسه، طالب العلم عفيفٌ عن المحارم، طالب العلم عفيفٌ عن المطامع، فهذا طالب العلم كأنه حيٌّ بين الأموات، وشتَّانَ بين الحي وبين الميِّت، الميِّت جثَّة هامدة، لا يعلم، ولا يتكلَّم، ولا ينطق، ولا يتنفَّس، ولا يفكِّر، ولا يسأل، ولا يجيب، فالإنسان من دون علم كأنه هبط إلى مرتبة الحيوان ؛ جسم يأكل، ويشرب، وينام، ويعمل، ويستمتع فقط، لا يزيد الإنسان من دون العلم عن أن يكون في مستوى البهائم، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( طالب العلم بين الجُهَّال كالحي بين الأموات ))
وقال عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا. قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ ؟ حِلَقُ الذِّكْرِ ))
( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك " )
(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ الْمَسَاجِدُ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
فإذا جاء الإنسان إلى مجلس العلم بقلبٍ مخلص، وبنيَّةٍ عالية، وقد بذل جهداً ووقتاً وجلس وفق أصول المجالس ؛ بأدبٍ جم، وبإنصات، فمستحيلٍ إلا أن يكرمه الله سبحانه وتعالى لأنه: " إن بيوتي....... وحق على المزور أن يكرم زائره ".
أخ من الإخوة الأكارم قال لي: أنه وهو في مجلس العلم شعر بسعادةٍ لا توصف، شعر بالسكينة، شعر بالاطمئنان، شعر بالسعادة، شعر بالسرور، هذه كلُّها من نتائج مجالس العلم..

(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قُلْوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ مجالس العلم ))
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( وقِّروا من تعلمون منه العلم، ووقِّروا من تعلِّمونه العلم ))
أما توقير من تتعلَّمون منه العلم فالمعنى بديهي، ولكن توقير من تعلِّمه !! هنا إشارة دقيقة جداً إلى أن المتعلِّم إذا شعر أنه محبوب، وأنه مطلوب، وأنه مرغوبٌ فيه، وأن المعلِّم رحيمٌ به متواضعٌ له، واسع الصدر، طويل النفس، يأخذه بالحلم، يصبر على أسئلته غير المتوازنة يفسح له مجالاً ليسأل، إن هذا التواضع والتوقير لمن تُعَلِّمه هو أثمن من العلم نفسه، بهذه الطريقة يستفيد طالب العلم.
أما إذا كان هناك استعلاء، أو كان هناك بعدٌ بين المعلِّم والمتعلِّم، أو كان هناك تكبُّر، أو كان هناك استخفاف بالمتعلِّم، أو كان هناك سخريةٌ منه، أو كان هناك إجابةٌ قاسية لاذعةٌ ؛ فإن المتعلَّم يستحي، وينكمش، ويبتعد، ويكون حجابٌ كثيفٌ بين المعلِّم والمتعلِّم، عندئذٍ لا ينفع العلم.
فلذلك النبي الكريم عليه أتمُّ الصلاة والتسليم أشار إلى ضرورة أن توقِّر من تعلِّمه، أن يشعر المتعلِّم أن له مكانته عند المُعَلِّم، وأن طلب العلم شيءٌ يُشَرِّفه ويرفعه، فالذي يعلّم الناس ينبغي أن يتواضع لهم، وينبغي أن يوقِّرهم، وينبغي أن يُلَبِّي مطالبهم، وينبغي أن يصبر على أسئلتهم، وينبغي أن يكون طويل النفس معهم، وينبغي أن يكون واسع الصدر، وينبغي أن يكون حليماً، وينبغي أن لا يردَّ سائلاً، هذه الصفات التي تؤهِّل المعلِّم أن يؤثِّر في المتعلِّم.
والنبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث المتعلِّقة بالعلم يقول:

(( قيدوا العلم بالكتابة))
(( قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ ))
( من سنن الدارامي: عن " عمر بن الخطَّاب " )
هنا نقطة دقيقة جداً، الإنسان أحياناً يحضر مجالس علم، ويستمتع بها، ويستفيد بها، لا يبقى منها بعد حين إلا الانطباع، والله الدروس جميلة، فلو سألته: حدِّثنا، يجبك: والله حكى أحاديث جميلة جداً، وحكى قصص كذلك، لكنَّه لا يتذكَّر شيء، فالإنسان إذا ما كتب لا يذكر فيغني عن الكتابة أن تعلم أن الأستاذ يدرِّس من كتاب الجامع الصغير، فإذا أنت اقتنيت الجامع الصغير، وعدت إلى البيت ورجعت إلى هذه الأحاديث، تذكَّرت ماذا قيل حولها، فإذا كنت ذا همَّةٍ أعلى من ذلك تكتب بعض التعليقات، فمن الضروري أن تعرف ما الكتاب الذي يُدرَّس في المسجد.
شيءٌ آخر: لو أنَّك حضرت درس تفسير، في أثناء الدرس مسرور، لكن إذا ذهبت إلى البيت، وراجعت المصحف، ووقفت عند الآيات التي تمَّ شرحها، وناقشت من حولك في هذه الآيات، أو رجعت في بعض التفاسير، ووازنت بين ما سمعت وبين ما في التفاسير، أو كتبت بعض المُلاحظات حول بعض الآيات، إنَّ هذا الجهد الذي تبذله بعد مجلس العلم يثبِّت الحقائق التي تمَّ شرحها في مجلس العلم.
لذلك الآن تحصل حالة اسمها امتلاك، الآن أنت امتلكت هذه الآيات، هذه الآيات فُسِّرَت هكذا، وهذا الحديث شُرِحَ هكذا، وهذه القاعدة شُرِحَتْ وفق الأصول التالية، إنَّك إذا كتبت وتذاكرت ثَبَّتت هذه المعلومات، من أسبوعٍ إلى أسبوع، ومن شهرٍ إلى شهر، ومن عامٍ إلى عام تصبح عالِماً، أما أن يُكْتَفى بحضور مجالس العلم من دون جهدٍ إطلاقاً، لا جهد يسبق المجلس ولا جهد يتبع المجلس، ولا مُذاكرة، ولا رجوع لكتاب، ولا كتابة، هذا الإنسان حضوره جيِّد نقول له: احضر هذه الدروس، ولكن لا يستطيع يرقى مع الأيَّام إلى درجة أن يعلِّم الناس، يبقى مستهلك، يستمع، يستمع، يستمع إلى ما شاء الله، متى تُعْطِي العلم ؟! أيعقل أن تمضي كل حياتك تستمع ؟! ألا ينبغي أن تضع حدَّاً للاستماع وأن تنتقل إلى التعليم ؟ ألا ينبغي أن تنصح من حولك ؟ ألا ينبغي أن تلقي على الناس حديثاً صحيحاً ؟ روى الطبرانيُّ في الكبير عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، تلقي حديث بشكل صحيح، ألا ينبغي أن تضبط ألفاظ الحديث ؟ لذلك طلب العلم يحتاج إلى جهد، وليس من جهدٍ على وجه الأرض أرقى عند الله من الجهد الذي تبذله في طلب العلم.
فالحد الأدنى الأدنى إذا أحضر الإنسان الدفتر وكتب بعض الأحاديث، والله عمل طيِّب معه دفتر، من درس إلى درس صار معه دفتر ملئ بالأحاديث، فإذا لم يتمكن من ذلك، وتمكَّن أن يستعير شريط مثلاً للدرس، الدرس ترك فيه أثر كبير، تمكن من شراء شريط أو استعار الشريط، سمع الدرس مرَّة ثانية، سجَّل، فلا يوجد علم من دون جهد.
لماذا التعليم المدرسي مجدي ؟ لأنه في كتاب، وفي معلِّم، وفي امتحان آخر السنة تضطر تقرأ الكتاب، وتعلِّق عليه، وتعمل هوامش، وتضع خطوط، وتعمل مذاكرة، وتعمل مراجعة، وتحفظ، وتبصم، وتؤدي امتحان فتنجح، أنت بذلك جهود كبيرة جداً حتَّى أصبح هذا الكتاب من ممتلكاتك العقليَّة.
لكن الإنسان من دون جهد لا يرقى، يبقى في مكانه، مستقيم مستقيم على العين والرأس يغضُّ بصره، ويحرِّر دخله، ولا يخالف الشرع، هذا مستهلك، هذا ناجي ؛ ولكنه لا يرقى إلى مستوى أن ينجي غيره، ألا تطمح أن تكون عالِماً ؟ ألا تطمح أن تكون مُعَلِّماً ؟ فلماذا تزهد في تعليم الناس ؟ يقول عليه الصلاة والسلام لسيدنا على كرَّم الله وجهه:

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
( من صحيح البخاري: عن " سهل بن سعد " )
الدنيا فيها شيء جميل جداً..
((خيرٌ من الدنيا وما فيها ـ خيرٌ لك ممن طلعت عليه الشمس ـ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
فالتعليم يحتاج إلى جهد، ولا في جهد أرقى ولا في جهد أعظم عند الله من جهد التعلُّم ثم التعليم، إذاً:
(( قيدوا العلم بالكتابة ))
فأتمنَّى على جميع الإخوان في الدرس القادم يكون معهم دفاتر يكتبوا، وحينما أرى الدفاتر أمامي أنا اضطر أن أقرأ الحديث ببطء، أن أمليه على الإخوة الأكارم إملاءً، لكن ما دام في استماع فقط فأنا اقرأه قراءةً، هذا الحديث:
(( قيدوا العلم بالكتابة ))
تقول لك زوجتك: ماذا سمعت في الدرس احكي لنا، والله كان درس جميل جداً، احكي لنا حديث، والله لا أتذكَّر.
الإنسان سمع خطبة سمع حديث المراجعة ضروريَّة، المراجعة والمذاكرة، وأنا أنصح الإخوة الأكارم لكي يستفيد فائدة صحيحة، دائماً الإنسان يهرب من الجهد، هكذا طبيعة الإنسان يميل إلى الراحة، لو ما كان في مدارس، وفي فحوص، وفي مراكز، وفي شهادات لا أحد يتعلَّم، فلمَّا يحضر الإنسان الدرس ينسر، ويقول لك: الذي عليَّ أديته، الأستاذ رآني فانته الأمر ليس هذا هو القصد ؛ بل القصد أنك حينما تقاوم نفسك، وتبذل جهد خلاف ما تشتهيه النفس النفس تميل للراحة، عندما تراجع أنت بعد الدرس الأحاديث، أو في أثناء الدرس تكتبها، وتكتب بعض التعليقات على الحديث، وشرح بعض الكلمات، وتحاول في البيت تحكيها لزوجتك، أو لأولادك، أو لإخوانك، أو لجيرانك، أو لزملائك، عندما ينطلق اللسان في شرح الأحاديث وشرح الآيات هذه بدايات التعليم، عندما يكون الإنسان في قلب عشرات الأشخاص، في قلب المئات، ساعة إذٍ يشبه أن تنطبق عليه هذه الآية:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾
( سورة النحل: من آية " 120 " )
لا تكن فرد، كن أمَّة، كيف تكون أمةً ؟ إذا علَّمت الناس، فأنا أشجِّعكم وأتمنَّى عليكم أنه إذا سمع الإنسان حقيقة وتأثَّرت نفسه بها ينقلها للآخرين، لا يكتفي بالسماع والتأثر الآني..
(( قيدوا العلم بالكتابة ))
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((ما جُمِعَ شيءٌ أفضل من علمٍ إلى حلم ))
أحياناً تجد إنسان ذكي يحصِّل معلومات ومعارف جيِّدة، لكن تتعامل معه تجد في معاملته سوء، في كبر أحياناً، في حب للذات، في رغبة أن يستأثر بكل شيء، عندئذٍ تقول في أعماق نفسك: آه ليت أخلاق هذا الإنسان كعلمه، محصِّل علم جيِّد لكن أخلاقه ليست في مستوى علمه وأحياناً تجد إنسان آخر معاملته من أرقى ما يكون، أفكاره محدودة، وله تفسيرات مضحكة فتقول: آه ليت علمه كأخلاقه، لكنَّك إذا جمعت بين العلم وبين الخُلُق، بين أن تكون عالِماً متفتِّح العقل، وبين أن تكون طيِّباً طاهراً النفس فهذا هو المثل الأعلى الذي نصبوا إليه، نصبوا في الإنسان أن يجمع بين العلم وبين الخُلُق، بين الفطنة وبين الطيب..
(( ما جُمِعَ شيءٌ أفضل من علمٍ إلى حلم ))
علم إلى حلم، الحلم كناية عن الأخلاق الفاضلة لأن الحلم سيِّد الأخلاق، والعلم تحصيل للعلم الشرعي الشريف هذا يرفع مكانة الإنسان.
حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
(( تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضاً، فإنَّ خيانةً في العلم أشدُّ من خيانةٍ في المال ))
لو أن أحد الشريكين قبض مبلغاً ووضعه في جيبه، أليست هذه خيانة ؟ طبعاً خيانة، ما ظنُّك أن الذي يكتم العلم، يكتم حكماً شرعياً، يكتم معناً لآية، يكتم توجيهاً نبوياً لمصحةٍ يريدها أو اتقاء شرٍ يخافه، إنَّ هذه خيانة لا تقلُّ عن خيانة المال، فإن العلم دين، والله سبحانه وتعالى أخذ على العلماء عهداً أن يبيِّنوا للناس ولا يكتمون العلم..

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
( سورة آل عمران: من آية " 187 " )
فكتمان العلم خيانةٌ كبيرة.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( مجالسة العلماء عبادة ))
أي أن نوعٌ من العبادة أن تجلس في مجلس علم، نوعٌ من العبادة، إنَّك بالعلم ترقى وربَّما لا ترقى بالعبادة.
وهناك أحاديث أخرى نُرِجِئها إن شاء الله في وقتٍ آخر..

(( إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ))
( من صحيح البخاري: عن " عمرو بن العاص " )
إن من إجلال الله تعالى إكرام العلم والعلماء وذي الشيبة....
هاب من كل شيء، بين أن يهابه كل كل شيء، وبين أن يهاب من كل شيء.

(( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
( من سنن ابن ماجة: عن " ابن عمر " )
(( لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ ولا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ "))
( من سنن ابن ماجة: عن " جابر بن عبد الله " )
وهناك أحاديث كثيرةٌ جداً تتعلَّق بالعلم والعلماء يرجا أن تعودوا إليها في أي كتابٍ يقع تحت أيديكم من كتب الحديث الشريف.

* * * * *
والآن إلى القصَّة التي وعدناكم بها في الدرس الماضي من متمِّمات قصَّة النجاشي ملك الحبشة.
رملة بنت أبي سفيان، أبو سفيان زعيم قريش وسيِّدها، وكان من ألدِّ أعداء الدعوة الجديدة الإسلاميَّة، الشيء الذي كان يُصْعَق له أن ابنته، أقرب الناس إليه، فِلْذَةُ كبده أسلمت رملة بنت أبي سفيان كفرت بآلهة أبيها سيِّد قريش، وآمنت هي وزوجها عُبيد الله بن جحشٍ بالله وحده لا شريك له، وصدَّقت رسالة نبيِّه محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، فأرهقتها قريش من أمرها عسرى، وأنزلت بها أشدَّ العذاب، حتَّى باتا هي وزوجها لا يُطيقان البقاء في مكَّة، فكانا من عداد المهاجرين إلى الله بدينهم اللاجئين إلى النجاشي بإيمانهم، فلقيا عنده ما لقياه إخوانهم المهاجرون من كرمٍ الوفادة وحسن الجِوار، حتَّى خُيِّل لأم حبيب أن الأيام قد صفت لها بعد عبوس، إذ لم تكن تعلم ما خبَّأته لها المقادير.
فلقد شاء الله سبحانه وتعالى وتباركت حكمته أن يمتحن أم حبيبة امتحاناً قاسياً، تطيش فيه العقول، ذلك أن زوجها المؤمن عبد الله بن جحشٍ قد ارتدَّ عن دينه، وتنصَّر، وجعل يهزأ بالإسلام والمسلمين وهو في الحبشة، وأَكَبَّ على حانات الخمَّارين يعاقر أم الخبائث فلا يرتوي منها ولا يشبع، وقد خيَّرها بين أمرين أحلاهما مر ؛ إما أن تُطَلَّق وإما أن تتنصَّر.
أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان وجدت نفسها بين ثلاث: إما أن تستجيب لزوجها فترتدَّ عن دينها، وبذلك تبوء بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، وإما أن تعود إلى بيت أبيها في مكَّة وهو ما زال قلعةَ الشرك، وإما أن تبقى في بلاد الحبشة وحيدةً شريدةً ومعها ابنتها الصغيرة حُبَيْبَة.
الثلاث خيارات صعبة، إما أن ترتدَّ عن دينها إرضاءً لزوجها وفي هذا خزي الدنيا والآخرة، وإما أن تُطَلَّق وتعود إلى بيت أبيها في مكة، وبيت أبيها قلعة الشرك، وسيشمت بها كل الناس، وإما أن تبقى في الحبشة وحيدةً شريدةً طريدة.
فهذه القصَة والله الذي لا إله إلا هو تتكرَّر كل يوم، الإنسان أحياناً يُوضَع بموقف صعب هذه طاعة الله وهذه معصيته، مع المعصية كل الرخاء، وكل النعيم، ومع الطاعة كل المتاعب هذا الامتحان..
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾
( سورة العنكبوت )
أهكذا ؟ لابدَّ من أن تُمْتَحن، وهذا امتحانٌ صعب، ماذا فعلت رملة بنت أبي سفيان أم حُبيبة ؟ آثرت رضى الله عزَّ وجل على كل أمر، وأزمعت البقاء في الحبشة حتَّى يأتي الله بفرجٍ من عنده، فليس أماما غير ذلك، هذا هو المؤمن مقاومته شديدة جداً، لا تلين له قناة، فالمؤمن لا ينهار..

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران )
وكما قلت في خطبةٍ سابقاً: لا تقوى سبائك الذهب اللامعة، ولا الضغوط المانعة أن تصرفه عن دينه.
لم تطل مأساة أم حبيبة كثيراً، فلقد قضى زوجها نحبه وهو سكران مخمور، مات على الكفر..
حدَّثني شخص قال لي: شخص خدم والدته اثني عشر سنة، خدمها خدمةً ممتازة، ثم ضاق زرعاً بخدمتها، وتبرَّم، وزمجر، وغضب، واستدعى إخوته وقال: هذه أمكم ليست أمي آن الأوان أن تأخذوها عني، خذوها عني، وكسر خاطرها، فأخذها إخوته إلى بيتهم وفي اليوم التالي توفيت، كيف خُتِمَ هذا العمل بأسوأ نتيجة.
وأعرف رجلاً خدم أرملةً عشرين سنةً، وكانت تقطن إلى جوار بيته، امرأة عاجزة متقدِّمة في السن، ثم انتقل إلى حيٍ آخر بعيدٍ جداً عن حي هذه الأرملة، فجعل يذهب كل يومٍ من حيٍ بعيدٍ إلى حيِّها ليقدِّم لها الطعام والشراب وما تحتاجه، ضجَّ أهله، واستنكروا عمله، وغضبوا وقالوا: يكفيك ما خدمتها طوال هذا العمر، فأصرَّ على خدمتها، عندئذٍ سمحوا له أن يأتوا بها إليهم ليتابع خدمتها ويرتاح، ما هي إلا أيَّام حتَّى توفيت.
فهذا الإنسان كان مؤمناً، هاجر إلى الحبشة، ارتدَّ عن دينه، عاقر الخمر، ما هي إلا أشهر حتَّى قضى نحبه وهو سكران مخمور.
ثمَّ إنَّ رملة ما إن أتمَّت عدَّتها منه حَتَّى أتاها الفرج، قال: ففي ضحى يومٍ فضيِّ الثنا بهي القسمات، طُرِقَ عليها الباب، فلمَّا فتحته فوجئت بأبرهة.. امرأة اسمها أبرهة.. وصيفة النجاشي وهي تحيِّها وتقول لها:

((إنَّ الملك يهديكِ السلام ويقول لكِ: إنَّ محمداً رسول الله قد خطبكِ لنفسه، ووكَّلهُ أن يعقد عليكِ، فوكِّلي عنكِ من تريدين إذا شئتِ))
فاستطارت أم حبيبة فرحاً وهتفت:
(( بشَّركِ الله بالخير، بشَّركِ الله بالخير))
حينما علم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الوضع الصعب تزوَّجها، يجب أن تعلموا أن النبي عليه الصلاة والسلام هكذا يتزوَّج، لأسبابٍ إنسانيَّة، أرملة، مطلَّقة، لها بنت، تزوجها جبراً لخاطرها.
ثمَّ قالت:
(( لقد وكَّلت عني خالد بن سعيد بن العاص فهو أقرب الناس إليّ في هذه الديار))
وفي قصر النجاشي اجتمع الصحابة المقيمون في الحبشة ليشهدوا عقد أمِّ حبيبة على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلمَّا اكتمل الجمع، حمد النجاشي الله وأثنى عليه ثمَّ قال:
أما بعد فإن الرسول عليه الصلاة والسلام طلب مني أن أُزوجه رملة بنت أبي سفيان، فأجبته إلى ما طلب، وأمهرتها نيابةً عنه أربعمئة دينارٍ ذهباً على سنَّة الله ورسوله ، ثم قام خالد بن سعيد بن العاص فحمد الله واستعان به، وصلى وسلَّم على نبيه ثمَّ قال:
(( أمَّا بعدُ فقد أجبت طلب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وزوَّجته موكِّتي رملة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله في زوجته، وهنيئاً لرملة بما أحظاها الله به من الخير))
فكل واحد منكم أيها الإخوة إذا كان وضِعْ في خيار صعب، واختار مرضاة الله عزَّ وجل له مثل هذه النتائج، في عملك، في تجارتك، في زواجك، في بيتك، مع إخوانك، حينما تقف موقفاً صعباً وتؤثر مرضاة الله عزَّ وجل لابدَّ من أن تنال مثل هذه النتائج.
أعدَّ النجاشي سفينتين من سُفُنْهِ، وأرسل عليهما أمَّ المؤمنين رملة بنت أبي سفيان وابنتها حبيبة، ومن بقي عنده من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أرسل معهم طائفةً من الأحباش الذين آمنوا بالله ورسوله، وتَشَوَّقوا للقاء النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام والتملِّي منه والصلاة خلفه، وأمَّر عليهم جميعاً جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه، ثمَّ أهدى إلى رملة أم المؤمنين جميع ما عند نسائه من نفيس الطيب، والورس، والعود، والعنبر، كما حمَّلهم بعض الهدايا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان من جملة ما أهداه إليه ثلاث عصي من روائع عصي الحبشة.
فأمسك النبي عليه الصلاة والسلام بواحدةٍ منها، أما الثانية والثالثة فأهداهما لعمر بن الخطَّاب وعلي بن أبي طالب، وقد كان بلالٌ رضوان الله عليه يمشي بين يدي النبي بالعصاةِ التي استبقاها لنفسه، وذلك في الأماكن التي لا يكون فيها مسجدٌ ولا بناءٌ يُحَدِّدان القبلة، وفي أسفار النبي عليه الصلاة والسلام، وفي العيدين، وفي صلاة الاستسقاء، وقد ظلَّ بلالٌ يمشي بها بين يدي أبي بكرٍ الصديق رضوان الله عليه، فلمَّا آلت الخلافة إلى عمر وإلى عثمان من بعده مشى بها بين أيديهما سعد القُرَظِي، ثمَّ تتابع الخُلفاء على ذلك زمناً طويلاً.
كما أهدى النجاشي للنبي عليه الصلاة والسلام حِلْيَةً فيها خاتمٌ من ذهب، ما كان يعرف أن الذهب محرَّمٌ على رجال المسلمين، فأخذه النبي وإنه لمعرضٌ عنه، ثم أرسله إلى أُمامة ابنة ابنته ذهب وقال لها:
(( تحلي بهذه يا بنيَّة ))
وقبيل فتح مكَّة بقليل انتقل النجاشي إلى جوار ربِّه.
فإنه قام بأشرف موقف، وقف مواقف مشرِّفة، وكسب الدنيا والآخرة، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة عليه وقال: ((إن أخاكم أصحمَة النجاشي قد توفي فصلوا عليه))، ثمَّ أمَّهم فصلوا عليه صلاة الغائب، علماً بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على غائبٍ قبل النجاشي ولا بعده، لم يصل إلا على النجاشي لا قبله ولا بعده صلاة الغائب.
رضي الله عن أصحمة النجاشي وأرضاه وجعل جنَّات الخُلد مثواه، فلقد قوَّى المسلمين السابقين من ضعفٍ وأمَّنهم من خوفٍ، وابتغى في ذلك مرضاة الله ورسوله.
فالقصَّة مؤثِّرة، لكن الأبلغ منها أن تعلم علم اليقين أنك إذا آثرت مرضاة الله عزَّ وجل فأنت الرابح، ولكن قد لا يبدو لك في الوقت الحاضر المَخْرَج، الأمور ضيِّقة، طريق الحرام مفتوح على مصراعيه، وطريق الحلال مُغلق، الله عزَّ وجل يمتحنك، فإذا الإنسان إيمانه ضعيف يقول لك: مضطر فماذا أفعل ؟ هكذا الناس كلهم، كثيراً ما تقع هذه الحادثة أن تُفْتَح لك أبواب الحرام على مصاريعها، ويبقى باب الحلال مغلقاً، ماذا تفعل ؟ أتصبر أم تعتذر ؟ أنا مضطر، فإذا صبرت وآثرت رضوان الله عزَّ وجل تأكَّد أنه لابدَّ من أن يكرمك الله عزَّ وجل إكراماً تنسى معه كل المتاعب.

* * * * *
بقي فقرةٌ أخيرة من الدرس وهي: آفات اللسان وما أكثر آفات اللسان.
الآفة الخامسة عشر هي الغيبة، لقد نصَّ الله سبحانه وتعالى على ذمِّها في كتابه الكريم وشَبَّهَ صاحبها بآكل لحم الميتة، فقال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾
( سورة الحجرات )
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم:

((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))
( من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة " )
العِرْضُ هو المَعْنِيُّ بالغيبة موطن المدح والذمِّ في الإنسان، والغيبة تتناول العِرْض، وعن مجاهد أنه قال في قوله تعالى:

﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) ﴾
( سورة الهمزة )
الهُمَزَة الطَعَّان في الناس، واللُمزة الذي يأكل لحوم الناس بالغيبة، وقال ابن عبَّاس: "
((إذا أردت أن تذكر عيوب الناس فاذكر عيوبك، وربَّما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار محسودك))
كما قيل:
(( وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود ))
أما التعريف الجامع المانع للغيبة فهو قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْغِيبَةُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ"))
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
وإنما حُرِّم الذكر باللسان بما فيه تفهيم الغير نُقْصَان أخيه، لذلك كان التصريح غيبة والتعريض.. فلان.. ولم يتكلَّم بشيء، والتعريض غيبة كالتصريح، والإشارة غيبة، والإيماء غيبة، والغَمْزُ غيبة، والهَمْزُ غيبة، والكتابة غيبة، والحركة غيبة، وكل ما يُفْهَم المقصود فهو داخلٌ في الغيبة، هذا الذي جاء البارحة وكان مسافر.. حكيت عنه.. وهو معروف من الذي كان مسافر، لك أخ جاء، لك ابن عم جاء من السفر أنت لم تقل اسمه بل قلت: كان مسافر وحضر، هذه قرينة تشير إليه فهي غيبة.
فمن أومأ بيده إلى قِصَرِ أحدِ أو طوله أو حاكاه في المشي ـ أي قلَّده كما يمشي ـ والكتابة عن شخصٍ في عيبٍ به غيبة لأن القلم أحد اللسانين.
أحياناً المغتاب يعمل نفسه صاحب دين فيقول لك: الحمد لله الذي لم يبتلينا بما فعل فلان الحمد لله يا رب لك الحمد، وهذه هي الغيبة بعينها، يحمد الله على أنه لم يبتله بما فعل فلان هذه كذلك غيبة.
وأحياناً المغتاب ذكي يمدح المغتاب فيقول لك: يا أخي ما أحسن أحوال فلان لولا أنه فعل كذا وكذا، ما في أرقى منه، لكن في كم نقطة عليه، بعدما قال: ما في أرقى منه ذكر الغيبة كلها، فلو بدأت بالمديح غيبة، لو دعيت الله أنه أكرمك وأنجَّاك من الذنب غيبة.
أحياناً المغتاب يغتاب شخص، فالحاضرين لا يهتموا، فينزعج، ويقول: سبحان الله ما أعجب هذا، هذا تسبيح ؟ لا ليس تسبيح إنه غيبة، سبَّح الله ليلفت النظر إلى الغيبة، فهو غيبة.
أحياناً المغتاب يقول لك: والله أنا تألَّمت جداً لأن فلان فعل هكذا، أصابني غم لأنه أخي عبَّر عن اهتمام كاذب لكي يصل إلى ذكر ما في هذا الإنسان، انظر إلى هذه الأساليب الخبيثة كلها، يقول لك: اعتصر قلبي ألماً بما سمعت عن فلان من كذا وكذا، ويحكي لك كل القصَّة هو بدأ أن قلبه تمزَّق واعتصره الألم لما سمع عن فلان، هذه كذلك غيبة، أو يقول لك: والله فلان ابتلي بمصيبة أو بنقص لكن الله عافاه منها وتاب، لم نستفد شيء، ما دام تاب أنت فضحته لكن تاب الحمد لله، أنا معلوماتي أنه تاب، اغتبته، إذا كان تاب اسكت.
الآن إنسان يغتاب، وأنت أصغيت له، عجيب، فلم تتكلم ولكن أعطيت اهتمام لقول المُغتاب، المغتاب تشجَّع وأضاف قصص جديدة، فهذا الذي يصغي إلى الغيبة واقع في إثم الغيبة فالإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجُّب غيبة، والتصديق بالغيبة غيبة، بل إن الساكت المستمع شريك المغتاب ؛ إلا أن ينكر بلسانه أو بلقبه إن خاف، قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
( من مسند أحمد: عن " أبي الدرداء " )
أيها الإخوة الأكارم... الغيبة من الكبائر، ولو صان الإنسان لسانه من الغيبة لكان المجتمع متماسكاً، حدَّثني صديق فقال لي: توجد عندنا سهرة أسبوعيَّة امتدَّ عمرها أكثر من سبعة عشرَ عاماً، كل سبت وثلاثاء توجد سهرة، الغريب أن مثل هذه السهرات تستمر لهذه السنوات الطويلة، فتعجَّب الأصحاب من استمرار هذه السهرة، فسأل بعضهم بعضاً: ما سرُّ استمرارها ؟ فقالوا: شيئان ؛ ليس في هذه المجالس غيبة، وليس فيها نساء.
لو في اختلاط لا تستمر، ولو في غيبة لا تستمر، إذاً حينما تنزِّه مجلسك من الغيبة هذا المجلس يستمر.
وكان أحد العلماء الأفاضل رحمه الله تعالى إذا تكَّلَّم إنسان كلمة أمامه عن إنسان آخر يقول له: " يابا اسكت أظلم قلبنا "، لا يسترجي أحد يتكلَّم أمامه كلمة.
عوِّدوا أنفسكم، إذا كنت أب، إن كنت أخ، إن كنت معلِّم أن لا تسمح لمن حولك بأن ينهش في أعراض المسلمين، لأنه كما ينهش أمامك ينهشك.. من نمَّ لك نمَّ عليك.. من اغتاب في حضرتك اغتابك في غيبتك، هذه قاعدة.
شيءٌ آخر، يذكر الإمام الغزالي من الأسباب الباعثة على الغيبة التشفي، الإنسان أحياناً يقع بينه وبين إنسان آخر مشكلة، خصومة، فأحد الطرفين يتشفَّى بذكر مثالب الطرف الآخر هذا باعث دنئ، أن تجعل التشفي سبباً للغيبة، لذلك النبي الكريم يقول:

(( أمرني ربي بتسع: العدل في الغضب والرضى ))
العدل الإنسان أحياناً يغضب فيغتاب، يرضى فيستِّر، يجب أن تكون عادلاً في الغضب والرضى.
من أسباب الغيبة الداعية لها موافقة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، كأن تكون جالس في مجلس، وهم يتكلَّموا على فلان، فإذا أسكتهم يرون أنك ثقيل الظل، يابس، أنت من أجل مكانتك وأن لا يتكَّموا عليك فتشاركهم، فهذا باعث آخر موافقة الرفقاء، الحق قاسي، كلمة الحقِّ مُرَّة، فالمؤمن لا تأخذه في الله لومة لائم.
أحياناً من بواعث الغيبة إرادة التصنُّع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، باعثها الكبر، هو لا يفعل هذا، هو فوق هذه المشكلة، وأحياناً يكون الحسد هو باعث الغيبة، وهو أن يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرِّمونه، فيريد زوال هذه النعمة عنه، فلا يجد سبيلاً إلا بالقدح فيه حتَّى يكفُّوا الناس عن الثناء عليه وإكرامه.
ومنها اللعب والهزل وتزجية الوقت بالضحك، هذا أيضاً باعث من بواعث الغيبة، ومنها السخرية والاستهزاء استحقاراً ومنشأه الكِبْر، والسيدة عائشة رضوان لله عليها قالت عن أختها صفيَّة: إنها قصيرة قال النبي:
((يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته))
فالاستقامة التامَّة تسبِّب أن يُفْتَحَ الطريق بينك وبين الله، وأكثر شيء يقع فيه المسلمون في حياتهم اليوميَّة هي الغيبة، فقد تكون السرقة، وشرب الخمر، والزنا أبعد عن المسلم من الغيبة فالغيبة أقرب تناولاً، الإنسان طوال يومه مع أصدقائه، مع إخوانه، مع جيرانه، الحديث عن فلان وفلان، وعلان، وزيد وعبيد، فيقع معظم الناس بالغيبة وهم لا يشعرون.
وسوف نأخذ في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة، وكيف أن الغيبة مُحَرَّمةٌ بالقلب وباللسان.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:18 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس30:أحكام الصيام(3)3
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-04-01
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الصّيام، وقد وصلنا إلى مفسدات الصّيام والمفسدات أيها الإخوة على نوعين: مفسدات توجب القضاء فقط، ومفسدات توجب القضاء والكفارة.
فأما المفسدات التي توجب القضاء فقط، فهي إذا تناول الصائم في أداء رمضان شيئًا ووصل إلى جوفه، وكان ممَّا لا يتغذى به عادةً، ولا يعتاد أكلهُ كالأرزّ النيئ، العجين الدقيق الملح، نواة تمرة، حصاة، ورق كتابة، شيءٌ لا يعتاد أكله، ولا يُؤلفُ، إذا وصل إلى جوف الصائم يوجبُ عليه القضاء فقط دون الكفارة، هذا هو الحكم الأوَّل.
تراب، شيءٌ لا يقبلهُ الطَّبع، رزّ نيئ، عجين، طحين، إذا أكل شيئًا ممَّا لا يعتاد أكله، ممّا ينفر الطَّبع منه، فوصَل إلى جوْفه فعليه القضاء دون الكفارة.
إذا تناوَلَ غذاءً أو دواءً لعُذْرٍ شرعي، كالمرض والسَّفر، مريضٌ تناوَلَ طعامه ومسافر تناول غذاءهُ، أو دواءً، هناك عُذْرٌ شرعي، أيضًا هذا يوجب القضاء لا الكفارة.
من أكل أو شرب مضْطرًّا، أو مكرهًا، ومعنى مضْطرّ على وشك الهلاك فأكل على وشك الموت عطشًا شرب، أكل وشرب مضطرًّا، هذا يوجب القضاء لا الكفارة.
من أكل وشربَ مكرهًا تحت قوَّة السِّلاح إذا لم تأكل قُتِلْت، أكلت وشربْت الأوّل مضطرّ، والآن مكره، وهناك فرْق بينهما، من أكل أو شرب مضطرًا أو مكرها يوجب عليه القضاء لا الكفارة.
الآن إذا دخل إلى جوف الإنسان شيءٌ خطاً وهو يتمضْمض، بالغَ في المضمضة مع أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: بالِغْ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا..." وهو صائم بالغَ في المضمضة فابْتَلَعَ شيئًا من الماء، يجب عليه القضاء لا الكفارة.
فلو أنّ الواحد شرب ماءً أثناء المضمضة فابْتَلَعَ ماءً، وتوهَّم خطأً أنَّه أفطَر وهو أفْطر، لكن عليه أن يمْسك بقيَّة اليوم، هذا الحكم لا يعرفهُ، ما دُمْتُ قد أفطرْت بدأ يأكل، الآن أكل وشرب ظانًّا أنّ خطأهُ السابق جعله مفطِراً أيضًا يجب عليه قضاء ذلك اليوم.
في المذهب الحنفي الحقنة الشرجيَّة تفطر، لأنَّها دخول ماءٍ إلى الجوف، هذا الموضوع خلافي، بعض العلماء يرَوْن أنّ دخول الطَّعام والشَّراب إلى الجوف عن الطريق المألوف وهو الفم ؛ هذا الذي يُفطر، وبعضهم أخذ في الاحتياط، فقال: وُصول شيءٍ إلى الجوف، ولو من جهة ليْسَت معتادة هذا أيضًا يُفْطر، لذا قاسوا عليه صبّ الدواء في الأنف والأذن، واستعمال النشوق والسّعوط، واستعمال الأدوية الطيَّارة بطريقة التَّنفّس أو التبخير وإدخال الهواء بالحنجرة، هذا كلّه دخلْنا في الخلافيَّات، والأحْوَط إذا لمْ يكن مضطرًّا الإنسان وإذا لم يكن مضطرًّا له أن يُفطر إذا كان مريضًا.
إذا أمسك عن الطّعام والشراب، ونسيَ أن ينْوي، الأفضل أن ينْوي الإنسان عن طول شهر رمضان، ولكن إذا أراد أن ينْوي كلّ يومٍ عن حِدَة وفي يومٍ ما نوى، وأمسك عن الطعام والشراب بلا نيَّة، هذا اليوم يجب أن يصومهُ ثانيَة، وعليه القضاء دون الكفارة.
الآن أكل وشرب، وقد ظنّ أنَّ الفجر لمْ يطلع، ثمَّ تبيَّن أنّ الفجر قد طلع، سمع الأذان فظنَّه أذان الإمساك، فشرِبَ كأس ماء، ولمَّا انتهى الأذان عرف أنَّ هذا الأذان أذان الفجر إذًا عليه أن يصوم مكان هذا اليوم، يجب أن يقضيَهُ دون كفّارة، هذه كلّها أشياء توجب القضاء لا الكفارة.
مثال آخر، لو أنَّه سمع أذان المغرب فظنَّه مغربَنا، فإذا هو مغرب بلدٍ آخر، فأكل عليه أن يقضي هذا اليوم.
الآن من اسْتقاء ؛ تكلَّفَ القيْء عمْدًا، وكان القيءُ ملء فمِهِ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((من استقاء عمْدًا فلْيَقْضِ)) الآن من أكل ما بين أسنانه، وكان قدْر الحمصة، وهذه نادرة، سمسمة والإنسان عليه أن يجهد بِغَسل أسنانه جيِّدًا، أما إذا بقيَ شيئًا، وكان حجمهُ قدْر الحمصة عليه أن يقضيَ يومًا مكانه.
إذا أنشأ السَّفر بعد الفجر، هذا مخالف للسنّة، عليه أن يقضي ذلك اليوم.
لمزيد من الفائدة أعيد عليكم بشكل سريع الأشياء التي تفسد الصَّوم، وتوجب القضاء لا الكفارة:
من أكل شيئًا لا يتغذى به عادةً، ولا تألفه الطِّباع، عجين، رزّ نيئ، ورقة، فإذا الطالب معه ورقة وخاف من المراقب، وبلعها ؛ هذا يفطِر وأذْهب عليه يومًا، وهذا يفعلهُ الطلاب، عجين، نخالة، دقيق، تراب، أيّ شيءٍ تنفر الطِّباع منه، ولا تألفهُ الطِّباع، ولا يُتغذَّى منه، إذا أكله الصائم يجب عليه القضاء لا الكفارة.
إذا أكل طعامًا مألوفًا، أو دواءً لِعُذرٍ شرعي، مرض، أو سفر يجب عليه القضاء لا الكفارة.
ومن أكل أو شرب مضطرًّا على وشك الموت عطشًا، انْهارَت قِواهُ جوعًا هذا أكل مضطرًّا أو شرب، ومن أكل أو شرب مكرهًا تحت قوَّة السلاح، وهذا الذي يُهدِّدُه يفعلُ ما يقول وغلبَ على ظنِّه أنَّه، هذا عليه القضاء لا الكفارة.
ومن دخل إلى جوفهِ ماءٌ أو طعامٌ خطأً، كمن تمضْمَض، وسبق الماء إلى جوفه هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة، ومن فعل شيئًا يوجب القضاء، فظنّ أنَّه أفطرَ فأكلَ أكلاً عاديًّا أثناء المضمضة صباحًا دخل ماءٌ إلى جوفه، فظنَّ أنَّه أفْطر، فأكل أكلاً عاديًّا، هذا غلط، من أفْطَر مخطئًا عليه أن يمسك عن الطعام والشراب بقيَّة اليوم حُرْمةً لهذا الشهر العظيم.
الحقنة الشَّرجيَّة، دواء في الأذن، في الأنف، نشوق صعود، أدْويَة طيّارة لمَن يشْكون الرَّبو، كلّ شيءٍ وصَل إلى الجوف، إما إلى الرئة عن الأنف أو الأذن أو طريق الحنْجرة، أو طريق الشَّرْج، هذا في الأحوط يوجب القضاء لا الكفارة، إذا قلنا مريض، هذا عليه أن يفطر.
إذا أمسك عن الطعام والشراب يومًا كاملاً من غير نيَّة، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة.
أكل ويظنّ أنَّ هذا الأذان أذان الإمساك، فإذا هو أذان الفجر، أو سمع الأذان فظنَّه أذان المغرب، فإذا هو أذان مغربٍ آخر بغير بلدنا، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة.
ومن استقاء عمدًا، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة، ومن أكل ما بين أسنانه وكان فوق الحمصَة، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة.
من أنشأ سفرًا بعد الفجر، وهذا مخالفٌ للسنّة، لأنَّ السَّفر لا ينعقد إلا فعلاً لا نيَّةً يجب أن تسافر قبل الفجر، أما إذا سافرْتَ يجب أن تُتِمَّ الصِّيام، فإذا بلغَتْ بك المشقَّةُ أوْجَها لك أن تفْطِرَ.
والآن إلى قصَّة صحابيّ جليل، وهو سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه.
شيءٌ يلفتُ النَّظر، وهو أنَّ هذا الصحابيّ الجليل، وهو على قمّة عمره الطويل عاش تسعينَ عامًا، قال هذه الكلمة: لقد بايَعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فما نكثْتُ، ولا بدَّلْتُ إلى يومي هذا، ولا بايعْتُ صاحبَ فتْنةٍ، ولا أيْقَظْتُ مؤمنًا من مرقده.
أردْتُ أن أُعلِّق على هذه المُبايَعَة، هل بايعَ أحدُنا الله عز وجل ؟ هل عاهدهُ على السَّمع والطاعة ؟ في المنشط والمَكْرَه ؟ إذا عاهَدَهُ عهْدًا ما هل نقضَ هذا العهْد أم هو على عهْده ؟ أحيانًا الإنسان بِساعات الشِّدّة يُعاهد الله عز وجل على ترْك كذا وكذا، وفعْل كذا وكذا، أحيانًا يكتب عهدهُ كتابةً، طيِّب أنت إذا عاهدْت الله عز وجل، أين أنت من عهْدك ؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)﴾
[ سورة الصف ]
الإنسان لأَن يسقط من السماء إلى الأرض فتنْحطِمَ أضلاعهُ أهْوَنُ من أن يسقُط من عَين الله، فالإنسان في ساعة من ساعات الشدّة، وفي ساعة من ساعة الضِّيق قد يُعاهدُ الله عز وجل، لكنَّ الله عز وجل كأنَّه يعْتَبُ على عباده فيقول:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)﴾
[ سورة الأعراف ]
كثيرًا ما يُعاهدون الله عز وجل عند الشدَّة فإذا جاء الرَّخاء نسُوا ذلك العهْد أما البطل هو الذي إذا عاهد عهْدًا لا ينساهُ أبدًا، ولا ينكُثُ عهْدَهُ، فهذا الصحابي الجليل قال: بايَعْتُ رسول الله ؛ متى بايعَهُ ؟ دون العشرين أمضى سبعين عامًا على عهده ‍‍! يا ترى الدنيا تغيِّر يكون الإنسان فقير فيُعاهِدُ ربَّهُ على الطاعة، يأتي إليه المال من كلّ حدب وصَوْب فيَحْملُه على معْصِيَة الله ! أين العهْد ؟ فالذي عندهُ ضمير حسَّاس، ونفَس صافِيَة دائمًا يسأل نفسهُ هذا السؤال أين أنت من العهْد الذي عاهدْت فيه ربَّك ؟ هذا الصحابيّ بايَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: فما نكثْتُ ولا بدَّلْت إلى يومي هذا، كلمة بدَّلتُ هذه قرآنيَّة قال تعالى:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)﴾
[ سورة الأحزاب ]
أنت تُعاهِدُ من ؟ تعاهدُ خالق الأكوان، تعاهد الله عز وجل، خالقٌ معك مطَّلِعٌ على حالك، بصير بها، يسمع قولك، عليم بما في قلبك، كيف تنكث العهْد معهُ ؟
كان هذا الصحابيّ مولعًا باتِّباع، واللَّفظ الصحيح لهذه الكلمة هو مُولَعًا وليس مُوَلَّعًا لأنَّ المُوَلَّع هو الثَّور الأحمر، يجب أن تقول فلان مولَع فكان هذا الصحابيّ الجليل مولعًا باتِّباع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتَّى أن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالَت مرَّةً: ما كان أحدٌ يتْبعُ آثار النبي صلى الله عليه وسلَّم في منازله كما كان يتْبعُهُ ابن عمر، أيْ أنَّ ابن عمر يتَّبِعُ سنَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم بِشَكلٍ دقيق جدًّا، لذلك أنا من درسيْن سألْتُ بعض الإخوان الكرام، الحبّ شيءٌ داخلي، شعور داخلي، كلّ إنسان يدَّعي أنَّه يحبّ الله عز وجل:

وكُلٌّ يدَّعي وصْلاً بليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاك

فهل هناك علامة للحبّ ؟ فقال لي بعضهم: إتباع النبي ! لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾
[ سورة آل عمران ]
فاتِّباع النبي علامة الحبّ في مأكلِهِ، وفي مَشْربِهِ، وفي نومِهِ، وفي صلاته، في صيامه، وفي أحواله، وفي ذِكْرِه، وفي دعائه، في علاقته بعلاقة بيته، وبإخوانه وجيرانه وبإخوانه، وفي رقّته، وفي حِلْمِهِ، في صبره، وفي تواضعه، في يقينه وفي زهده، النبي جعله الله لنا قدوةً فما كان أحدٌ يتَّبعُ آثار النبي في منازله كما يتبعُه ابن عمر.
قال أحدهم: اللّهمّ أبْقِ عبد الله ابن عمر ما أبْقيْتَني كي أقْتدي به، فإنِّي لا أعلم أحدًا على الأمر الأوَّل غيره ! إتباعه الشديد لِسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام أصبحَ قدوةً لأنَّ سيّدنا ابن عمر عاش تسعين عامًا، وبالمناسبة آخر صحابي تُوفِّي اسمهُ أنس بن مالك، توفِّي في السنة الواحدة والتِّسْعين للهجرة، وسيّدنا ابن عمر كان من المعمِّرين، وكان من الصحابة الذين مدَّ الله في حياتهم فعاشوا إلى زمن بني أُميَّة، وكان متَّبِعًا لسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام اتِّباعًا دقيقًا حتى أنَّ هذا الإنسان قال: اللّهمّ أبْقِ عبد الله ابن عمر ما أبْقيْتَني كي أقْتدي به، فإنِّي لا أعلم أحدًا على الأمر الأوَّل غيره !
كذلك كان له موقفٌ علميّ دقيق، فقد كان وقَّافًا عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يزيد ولا ينقص، فقال عنه مُعاصِرون: لم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحدٌ أشدَّ حذرًا من أن لا يزيد على حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله ابن عمر، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار..." أي إذا كنت تعلم أنَّ هذا الحديث ما قالهُ النبي عليه الصلاة والسلام، وتقوله أنت لِتُوهم الناس أنَّ النبي قاله قال: فلْيتبوَّأ مقعَدَهُ من النار، بل هناك حديثٌ أخطَر من هذا: من روى عنِّي حديثًا يعلم أنَّه كذب هو ما تحقَّق، وأيضا هذا الإنسان ملوم.
إذًا لم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحدٌ أشدَّ حذرًا من أن لا يزيد على حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله ابن عمر.
علَّمَنا هذا الصحابي الجليل الروح العلميَّة، فمرَّةً جاءهُ سائلٌ يستفتيه، فلمَّا ألقى على ابن عمر سؤالهُ أجابهُ قائلاً: لا عِلْم لي بما تسأل عنه ! صحابي جليل مُعَمِّر، وله باعٌ طويل ما رأى في هذا نقيصَةً، ولا ثُلْمةً، ولا موقِفًا يُسْتحيى، قال: لا أعلم، فلمَّا ذهب الرجل إلى سبيله، وما إن ابتَعَدَ خُطوات، حتى قال ابن عمر، وقد فرك كفًّا بِكَفّ، سُئِلَ ابن عمر عمَّا لا يعلم فقال: لا أعلم ‍! هذه نقطة دقيقة، وهي أنَّ الإنسان يُوَطِّن نفسهُ، فإما أن يقول بِعِلْم، أو أن يسكت، أو أن يقول: لا أعلم، هذا وِسام شرفٍ للإنسان، فهذا الذي يعلمُ كلّ شيءٍ صدِّقوني لا يعلمُ شيئًا، فالذي يعلمُ كلّ شيء لا يعلمُ شيئًا، لكنَّ العالم هو الذي يقول: لا أعلم إذا كان لا يعلم وإذا كان يعلم يجب أن يقول: إنّي أعلم، وهذا هو الجواب، وأيضًا كِتمات العلم غلط، فالله عز وجل أخذ على العلماء العهْد، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)﴾
[ سورة آل عمران ]
فَكِتْمان العِلم خطأ كبير، وأن تقول ما لا تعلم خطأ أكبر، والعلم أمانة والنبي عليه الصلاة والسلام أمين وحي السّماء، والعالم أمين على الحقّ الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينبغي أن يزيد، ولا ينبغي أن ينقص منه شيئًا.
سيّدنا عثمان ارتاى أن يجعل ابن عمر قاضيًا عنده، فعرضَ عليه هذا المنْصب فاعْتذَر سيّدنا ابن عمر، فألحَّ عليه عثمان، فأصرَّ على اعْتِذاره، فسألهُ عثمان: أتَعْصيني فأجابه ابن عمر: لا، ولكن بلغني أنّ القضاة ثلاثة ؛ قاضٍ يقضي بِجَهْلٍ فهو في النار، وقاضٍ يقضي بهَوًى فهو في النار، وقاضٍ يجتهدُ فَيُصيب فهو كفاف ؛ لا وِزْر ولا أجر !! هذا الذي يجتهد ويصيب كفاف، لا وِزر ولا أجر، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: قاضٍ في الجنَّة وقاضيان في النار..." وبعضهم يقول: في آخر الزَّمان قاضِيان في النار، وقاضٍ في جهنَّم أي كلّهم في النار فهذا حجرٌ قيل عنه عبدَ الله خمسين عامًا، فضجَّ بالشَّكوى إلى الله عز وجل وقال: يا رب، عبدتُكَ خمسين عامًا، وتضعني بأُسّ كنيف، أي مرحاض ! فقال الله له: تأدَّب يا حجر إذْ لمْ أجْعلك في مجلس قاض ظالم والقصَّة المعروفة، في ذلك الرجل الذي كان يطوف حول الكعبة وهو يقول: ربّ اغْفر لي ذنبي، ولا أظنّك تفعل، مشى وراءهُ رجل، وقال له: يا هذا، ما أشدَّ يأْسكَ من رحمة الله ؟، فقال: ذنبي عظيم، فقال: وما ذنبكَ ؟ فحكى له ذنبًا كبيرًا جدًّا، قتل وسرقة، فدخل إلى بيت، قتل الرجل، وكان في قمع فتنة، والفتنة قمِعَت وأحلَّت المدينة لأحد الجنود فدخل لأحد البيوت، في البيت رجل قتلهُ، وهناك امرأة وولدان، فقال للمرأة اعْطني ما عندك، فأعْطتْهُ ذرعًا، وسبعة دنانير ذهبيَّة، فقتل ولدها الأوَّل، فلمّا رأتْهُ جادًّا في قتْل الثاني أعْطتْهُ ذرْعًا مُذْهبة، فلمَّا أمْسكها أعْجبتْهُ، فإذا على الذِّرع بيتان من الشِّعر هما:

إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويـل ثمّ ويل ثمّ وَيْلٌ لِقاضي الأرض من قاضي السـماء
فقال له: هذا ذنبي ! لذا موضوع القضاء ليس بالسَّهل، أحيانًا تكون أنت مُحكَّم تِجاري أيضًا، هناك قاضي بعهد الرشيد من أشهر القضاة، ومن أنْزَهِهِم، طُرِقَ بابه في رمضان، وكان هذا القاضي مُحِبًّا للرُّطَب، وهناك رطب غاليَة جدًّا، فالنتيجة جاءهُ طبقٌ من التَّمر، فسأله الخادم من جاء به ؟ فقال رجل شكلهُ كذا وكذا، فعرف هذا القاضي أنَّ هذا الرجل له قضيَّة عنده، فأمر الخادم أن يردّ هذا الطَّبَق، في اليوم التالي وقف أمامه هذا الرجل الذي قدّم هذا الطَّبق ورُدَّ، والثاني، تمنَّى القاضي أن يكون الحق مع هذا الذي قدّم طبق التَّمر ! هذه التَّمَنِّي عدَّهُ خيانةً لِمَنْصِب القضاء على الرغم من أنَّه ردَّ التَّمر، ولكن تمنَّى أن يكون صاحب هذا الطَّبق الذي قدَّم التَّمر، وردّه هو صاحب الحقّ، فذهب إلى الخليفة يستعفيه من منْصب القضاء فلذلك القضاء مسؤوليَّة كبيرة جدًّا.
سيّدنا ابن عمر يبْدو أنَّه خاف هذا المنصب، فقال له عثمان: أتعْصيني ؟ قال: لا ولكن بلغني أنّ القضاة ثلاثة ؛ قاضٍ يقضي بِجَهْلٍ فهو في النار، وقاضٍ يقضي بهَوًى فهو في النار، وقاضٍ يجتهدُ فَيُصيب فهو كفاف ؛ لا وِزْر ولا أجر !! أعفاه عثمان بعد أن أخذ عليه العهْد بأن لا يُخْبِرَ بهذا أحدًا، لأنَّه إن أخبر الناس بهذا عندئذٍ لا أحدَ في المملكة يقبل هذا المنصب.
مرَّةً المنصور عرض القضاء على رجل تابعي، فهذا التابعي قال له: فلان أفضل مِنِّي، فاحْتار الأمر، والاثنان رفضَا، فقال أحدهما: والله يا أمير المؤمنين أقسم بالله أنّ أخب فلان أفضلُ منِّي ! فإن كنتُ كاذبًا في هذا اليمين فلا ينبغي أن تولِّيَ القضاء لِكاذب، وإن كنت صادقًا فلا ينبغي أن تولّيَني، وفي الأمَّة من هو أفضلُ مِنِّي ! ضيَّقَ عليه، إن كنتُ كاذبًا في هذا اليمين فلا ينبغي أن تولِّيَ القضاء لِكاذب لأنَّك ستأخذ، وإن كنت صادقًا، وصدَّقتني، فلا ينبغي أن تولّيَني، وفي الأمَّة من هو أفضلُ مِنِّي ! ماذا قال الثاني ؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد حلف يمينًا، وحنثَ بها، وعنده أن يفدي هذه اليمين أهْوَنُ من أن يكون قاضيًا عندك !! أن يفْدِيَ يمينهُ بِكَفَّارة أهْونُ من القضاء، فهو تلافى هذا المنصب بهذا اليمين، وكان هناك ورع.
تجد أبًا تأتي بنته عنده، وتقول: سآخذ هذا الشيء لأمي، أنت لسْت قاضي، لكن أنت أب، فالانحِياز للبنت دائمًا، يجعلك تصدِّقها، وعندها كلّما تتكلّم فهي صادقة ! أخذ موقفًا عنيفًا من الصِّهر اسمَع منه، أنت الآن قاضي، بنتك حكَت أشياء صحيحة، ولكن ما حكَتْ عن الأشياء التي فعلتها معه، حكَت لك أنّه قال لها كذا وكذا، أو ضربها، ولكن اسْمَع ماذا قالَت له هي ؟! فأحيانًا الأب يكون قاضيًا وهو لا يدري، وأحيانًا يحكم التاجر بين تاجرَيْن، هذا صاحبه وهذا لا يعرفُهُ، فالإنسان إذا مال في تَحكيم تِجاري، وفي تحكيم عائلي، وفي تحكيم أُسَري أحيانًا المعلّم يأتيه طفلٌ صغير، ويشتكي على الآخر فيضرب الاثنان ! ما الذي حدث ؟ هذا طفل صغير، وأنت بهذا ربَّيْت في نفسه الحِقْد، ربَّيْت بنفسه الظُّلْم، النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا مرَّةً ببَعض الغزوات شابّان، أحدهما أجازه، والثاني ما أجازهُ، فالثاني بكى بكاءً شديدًا فجاءَت أمُّه، والنبي على وشك معركة، والأمر حاسم، وخطير، فما منعَهُ انشِغاله للإعداد لهذه المعركة عن أن يستدعي ذلك الشاب الذي لم يجِزْهُ، فتصارع الاثنان أمامه فأجاز الأوَّل لطوله، وقوَّته والثاني لغلبتِهِ، فاحْترام شخصيَّة الطِّفل جزءٌ أساسيّ في التربيَة، لو كان طفلاً صغيرًا، حقِّق معه وأجِبْهُ، فالأب قاضي، والزوج، والتاجر قاضي، والقاضي قاضي.
هذا الصحابي الجليل سيّدنا ابن عمر رأى في شبابه رؤيا فسَّرها له النبي عليه الصلاة والسلام تفسيرًا جعل قيام الليل منتهى آمال عبد الله، قال هذا الصحابي الجليل: رأيْتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كأنّ بيديّ قطعة إستبرق - قماش فاخر- وكأنَّني لا أريد مكانًا من الجنّة إلا طارَتْ بي، هذه القطعة من القماش إستبرق، أيّ مكان أراده في الجنَّة طارَتْ به إليه، ورأيْتُ كأنَّ اثنين أتياني، وأراد أن يذهبا بي إلى النار فتلقَّاهما ملكٌ فقال: لا تُرَع فتَخَلَّيا عنِّي، قالت: فقصَّتْ حفصة - أخته - على النبي عليه الصلاة والسلام رؤيايَ، فقال عليه الصلاة والسلام: نعْم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل فيُكْثرُ ‍! اسْمعوا ؛ ومن ذلك اليوم إلى أن لقِيَ ربَّهُ، لمْ يدَع قِيام الليل يومًا واحدًا، لا في حِلِّه، ولا في ترحاله، كان كلام النبي عليه الصلاة والسلام غالي جدًّا عليهم، والعهْد مع الله تعالى أغلى، فلذلك هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: كان يصلّي ويتلو القرآن، ويذكر ربَّه كثيرًا وكان كأبيه تهطُل دموعهُ حينما يسمعُ آيات النّذير في القرآن، يقول عُبَيد بن عُمَير ؛ عُبَيْد تصغير، عُمَير تصغير، مرَّةً قال عمر عن نفسه: كنتُ عُمَير، فأصبحت عمر، فأصبحتُ أمير المؤمنين، إذا كان الإنسان كان صانعًا وأصبَح تاجرًا لا ينسى فضل الله عليه، وكان ساكنًا مع أهله ثمّ أخذ بيتًا، واسْتقلَّ فيه، هذا فضْل كبير، كان يتحكَّموا الناس فيه، وصار مستقلاًّ بِرأيِهِ هذا كذلك فضْل كبير، فالإنسان لا ينسى الماضي، والماضي يُعرِّفك بالحاضر.
يقول عُبَيد بن عُمَير: قرأتُ يومًا على عبد الله بن عمر هذه الآية:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42)﴾
[ سورة النساء ]
فجعل بن عمر يبكي حتى ندِيَتْ لحْيتُهُ من دموعه، امتلأَتْ.
وجلسَ يومًا بين إخوانه، فقرأ قوله تعالى:

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)﴾
[ سورة المطففين ]
فمضى يقول: يوم يقوم الناس لِرَبِّ العالمين، ودموعهُ تسيل كالمطَر حتى وقع من كثْرة وَجْدِهِ وبُكائِهِ.
هذا الكلام ينقلنا إلى كلام، نحن في رمضان عندنا مقياس دقيق وهو أن يكون هذا القلب مفْعمًا بِحُبّ الله، أن تكون العَين مطَّالة، يكون هناك رقَّة وحبّ، وشَوْق إلى الله عز وجل، الإنسان من دون حبّ يعيش مُقْفر، من دون مشاعر راقيَة، المحبَّة لها سبب، ولها ثمن ثمنها طاعة الله عز وجل، والأعمال الصالحة، الطاعة والأعمال الصالحة والاستقامة، هذه تنَمِّي المحبَّة، وعالثَّمَرة تأخذها في الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الصلاة ميزان فمن وفَّى اسْتَوفى))
سيّدنا بن عمر كان من ذوي الدخول الرَّغيدة، أنا اخْترْت ابن عمر من أجل موضوع قيام الليل، وموضوع الإنفاق، ونحن في رمضان قيام ليل وتراويح وإنفاق، والفضل لله عز وجل، يوميًّا مساءً هناك سرور بالغٌ جدًّا في قراءة جزء من القرآن الكريم، وبعد التراويح هناك عشرة دقائق نشرح فيها بعض الآيات، فالإنسان إذا كان برَمضان ما صلّى التراويح وقيام الليل، وما أمضى الوقت الطويل في طاعة الله، هل له من وقت يشعر بهذا ؟ فقال: كان ابن عمر كان من ذوي الدخول الرَّغيدة الحسَنَة كان تاجرًا أمينًا ناجحًا، وكان راتبهُ من بيت مال المسلمين وفير، ومع ذلك يحدِّثنا أيُّوب بن واحد الوائل الراسبي عن واحدةٍ من مكرماته فيُخْبرنا أنّ ابن عمر جاءه يومًا أربعة آلاف درهم، وقطيفة، وفي اليوم التالي رآهُ أيُّوب بن وائل في السوق يشتري لِراحلتِهِ علفًا نسيئةً بالدَّيْن، البارحة جاءه أربعة آلاف درهم وقطيفة وبعدها يشتري علفًا لِدابَّتِهِ نسيئةً، فذهب ابن وائل إلى أهل بيته وسألهم: أليْس قد أتى لعبد الله بن عمر بالأمس أربعة آلاف درهم وقطيفة ؟ فقالوا: بلى، قال: فإنِّي رأيته اليوم في السوق يشتري علفًا لراحِلَتِهِ، ولا يجدُ ثمنها ! قالوا: إنَّه لم يبِتْ بالأمس حتى فرَّقها جميعًا، ثمّ أخذ القطيفة على ظهره وخرج، وعاد وليْسَت معه فسألناه عنها، فقال: إنّه وهبها لفقير !! فخرج بن وائل يضرب كفًّا بِكَفّ حتى أتى السوق، فتوقَّل مكانًا عاليًا، وصاح في الناس، يا معشر التُّجار ما تصنعون بالدنيا، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم، فيُوَزِّعها ثمَّ يصبحُ، فيشتري علفًا لراحِلَتِهِ نسيئةً، هكذا كان يفعَل.
من شدّة حبِّه للنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ركب ناقتهُ تقصَّد أن يسير في المكان الذي سار فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: لعلَّ خُفًّا يقعُ على خفّ، هذا من شدَّة حبِّه للنبي عليه الصلاة والسلام.
له عادات طيِّبة جدًّا، كان يُطعمُ المحتاجين، والفقراء، وكان قلَّما يأكل طعامًا وحدهُ لا بدّ من أن يأكل معه أيتامٌ أو فقراء، وطالمَا كان يُعاتب بعض أبنائه حينما يولمون للأغنياء ولا يُطعمون الفقراء، ويقول لهم: تَدعون الشِّباع، وتَدَعون الجِياع ! هذا الطّعام يجب أن يأكله الفقراء.
أهداهُ أحدُ إخوانه ثوبًا ؛ حُلَّةً أنيقةً ناعمة فاخرة من خراسان، فقال: جئتك بهذا الثَّوب من خراسان، وإنَّه لتقرُّ عَينايَ به إذْ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه، وترتدي هذا الثوب الجميل، فقال ابن عمر: أرِني إيَّاه ؟ ثمّ لمسهُ وقال: أحرير هذا ؟ فقال: لا هذا قطن وتملاَّه عبد الله قليلاً، ثمّ دفعهُ بيَمِينه وهو يقول: لا إنِّي أخاف على نفسي، أخاف أن يجعلني هذا الثّوبُ مختالاً فخورًا، والله لا يحبّ كلّ مختال فخور.
أهداه صديق مرَّةَ وعاءً مملوءً، سألهُ بن عمر: ما هذا ؟ فقال: هذا دواءٌ عظيم جئتُكَ به، فقال: وماذا يُطبِّب هذا الدَّواء ؟ قال: يهضم الطَّعام ‍فابتسم ابن عمر وقال يهضم الطَّعام ! والله لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عامًا، فالشِّبع من مخالفة السنّة، حتّى أنَّه وردَ في السنّة أنَّ أوَّل بدْعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله هي الشِّبَع، قال: والله لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عامًا !
يروون أنّ الشيخ بدر الدّين الحسني رحمه الله كان يمشي هو أحد تلاميذه في الشام فكان هناك أناني كازوز، وكانت جديدة في البلدة، قال له: ما هذا يا ابني ؟ فقال: هذا كازوز من أجل ماذا ؟ فقال: إذا الواحد مثْقل يجعلك تهضم أحسن، فقال له: ولماذا يثقل الإنسان ؟! قال والله لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عامًا !
قال: هذا الصحابي كان يخاف أن يُقال له يوم القيامة كما قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)﴾
[ سورة الأحقاف ]
سيّدنا عمر بن عبد العزيز يقرأ آيةً كلّ يوم، كان يقرأ قوله تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206)
مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾
[ سورة الشعراء ]
فكان سيّدنا بن عمر يخشى أن يُقال له: أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمْتعتم بها، لذلك قال: والله ما وضعْتُ لبِنَةً على لبِنَة منذ توفِّيَ رسول الله.
ميمون بن مهران قال: دخلْت بيتَ بن عمر فقوَّمْتُ كلّ شيء في بيته، من فراشٍ ولِحام، وبساط، ومن كلّ شيء فيه، فما وجدتهُ يساوي مئة درهم كلّ هذا البيت، وكلّ ما عنده أما الآن يقول لك: الثريّة هذه ثمنها ثمانون ألفًا !! ويفتخر !! وهذه السجادة لا توجد بكلّ سوريَّة إذا جمَّعت وجدْت بيته يحوي الملايين، أما سيّدنا ابن عمر، كلّ بيته لا يوجد فيه ما يساوي مئة درهم.
سيّدنا ابن عمر عاشَ طويلاً، وعاش في وقت فيه رفاه، البلاد فُتِحَت وبلاد بني أميَّة كلّها خيرات، وطعام وشراب، وثياب، فكلَّما ذكِّر بِحُضوض الدنيا، وقيل له: خذ غير هذا البيت، ودابَّة أرقى من هذه ! قال: كلَّما ذكِّر بِحُضوض الدنيا ومتاعها يقول: لقد اجتمعْتُ وأصحابي على أمر، وإنِّي أخاف إن خالفْتهم أن لا ألْحقَ بهم.
ما كان أقلّ ذكاءً ممَّا يُزاحموه، له كلمة شهيرة، قال: اللَّهمّ غنَّك تعلمُ لولا مخافتُكَ لزاحمْنا قومنا قريشًا في هذه الدنيا ! آثرَ مرضات الله عز وجل فالمؤمن ليس خبًّا، ولا خبّ يخدعُهُ، ولكنَّه اختار اختيار جيِّد جدًّا، ما اختار الدنيا ولكن الآخرة.
فهذا الرجل أنا وجدتهُ مناسبًا لموضوع الإنفاق، والبذل، والزّهد، وقيام الليل وتلاوة القرآن، والتَّواضع، عاش تسعين سنة، وهنيئًا له، الذين تمتَّعوا في الدنيا ماتوا، قال تعالى:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾
[ سورة غافر ]
مرَّة عملتُ حسابًا بسيطًا فقلتُ: سبعة آلاف سنة مرَّت على وفاة آل فرعون ضرب ثلاث مئة وخمسة وستِّين يومًا كلّ سنة، ضرب اثنان !! اللَّذة انقطعت وبقي العذاب والزهد والورع انتهى، وبقي الثواب والجنَّة، فالدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنَّفس طمَّاعة علِّمها القناعة.
أنت الآن ما دمتَ في حياة فأبواب التوبة مفتوحة، وأبواب الاستقامة، وكذا العمل الصالح، والرقيّ، وأبواب طلب العلم، وأبواب تعليم العلم، هذا كلّه مفتَّح.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 01:20 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس31:صدقة الفطر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-04-08
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، من المناسب أن ننتقل في هذا الدرس إلى صدقة الفطر ؛ لأنَّ هذا الوقت وقتها، وقد أجاز الأئمَّة والعلماء أن تُدْفعَ في أوَّل رمضان، لأنَّ دفعَ صدقة الفِطْر في وقت متأخِّر من رمضان قد يُضْعفُ من قيمتها لأنَّ هذا الإنسان الفقير يحتاج إلى تأمين حاجاته وإطعام أهله وكِسْوتهم في الوقت المناسب، فمن المناسب أن يكون الحديث عن صدقة الفطر.
بادىء ذي بدء، هذه الصَّدقة أيها الإخوة من نوعٍ خاصّ، تجب على كلّ مسلم؛ غنيٍّ أو فقير، كبير أو صغير، حرّ أو عَبْد، لماذا ؟ لِيَذوقَ كلّ مسلم في العام مرَّةً طَعْم الإنفاق فالإنفاق له طَعْمٌ لا يعرفُه إلا من ذاقهُ والإنسان في البدايات يسْعَد في الأخذ، يأتي عليه طَور إذا ارتقى إلى الله عز وجل يسْعد بالعَطاء، فهذا مقياسٌ دقيق جدًّا يمكن أن تقيسَ نفسك به ما الذي يُسْعدُكَ ؟ أن تأخذ أم أن تُعْطي ؟ أن تأكل أم أن تطْعِم ؟ سيّدنا عمر أمسكَ بِتُفَّاحة ونظر إليها متأمِّلاً، قال: أكلتها ذهبَتْ، أطْعَمْتُها بَقِيَتْ سيّدنا النبي عليه الصلاة والسلام وزَّع شاةً، ووزَّع أعضاءهَا عضْوًا عضْوًا، أطرافها، وعائشة تنظر إليه، فقالت له: يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها، فقال عليه الصلاة والسلام: بل بقِيَتْ كلّها إلا كتفها، مقياسٌ دقيق، ما الذي يُسْعدك ؛ أن تأخذ أم أن تعطي ؟ طبعًا العطاء للمَيْسور والزَّكاة لِمَالِكِ النِّصاب، ولكنّ الله سبحانه وتعالى أراد من زكاة الفِطْر ولها اسم آخر ؛ زكاة الرأس، لأنّها على كلّ رأس، لا على المال، على الرأس وعلى كلّ إنسان تمونهُ، أو تلي عليه، حتَّى إنَّ المسلمين يدفعون عن الأجِنَّة التي في بطون زوْجاتهم، على كلّ مسلمٍ حرّ، أو عبْد ذكرٍ أو أنثى صغيرٍ، أو كبير، غنيّ، أو فقير، يجب أن يدفع زكاة فطره، النبي عليه الصلاة والسلام أعطاها المُبَرّر، فقال: طُهْرةً للصائم، وطعمةً للمسكين، ففي رمضان لعلَّه زلَّ لسانهُ في كلمة غيبةٍ، لعلَّ عيْنهُ سبقَتْهُ إلى نظرٍ كان الأولى أن يغضّ عنه بصره، أو تأخَّر في غضّ البصر، وهذه مخالفة، طُهْرةً للصائم من لغْوٍ أو من رفثٍ من مخالفة طفيفة متعلّقة بالشَّهوة، أو من مخالفة طفيفة متعلّقة باللّسان، هذه اسمها عند علماء الفقه جَبْر، حصَلَ خلَلٌ أو نقْص أو تقصير، يأتي الجَبْر، فهذا الذي ذهب إلى الحجّ، وطاف طواف القدوم، واعْتمَرَ، وتحلَّل من ثياب الإحرام، وبقيَ متنعِّمًا بالتَّحلّل عشرة أيَّام حتى جاء يومُ عرفات أو يوم التَّرْوِيَة عندئذٍ أحْرمَ هل هذا يٌساوي من جاء إلى الحجّ منذ أن وصلَ إلى مكَّة وهو مُحْرم وحتَّى يوم التَّرْوِيَة ؟ هذا بذلَ جهْدًا كبيرًا جدًّا، وذاك بذلَ جهدًا يسيرًا كأنَّ ثلْمةً حصلَت في حجّ هذا الثاني، نقول له: أنت عليك هَدْي، هذا الهَدْي هو هَديُ الجَبْر.
بالمناسبة لو أنّ إنسانًا غلِطَ مع ربِّهِ، كأنْ تكلَّمَ كلمةً الأولى أن لا يقولوها نظرَ نظْرةً الأولى أن لا ينظر إليها، وقفَ موقفًا الأولى أن لا يقفهُ وابتسَمَ ابْتسامةً الأولى أن لا يبتسِمَها فعَلَ شيئًا لا يتناسب مع مكانته، فالصَّدقة تأتي لِجَبْر هذا النَّقْص، ولِتَرْميم هذا الكَسْر، إذًا صدقة الفِطر من أجل أن تذوق طَعْم البَذْل، وطَعْم العَطَاء.
شيءٌ آخر، أنَّ يوم العبد هو يومُ جَبْر الخواطر، ويوم إكرام، وكلّ إنسانٍ يتمنَّى أن يأكل الطَّعام اللَّذيذ، وأن يلبسَ الجديد، فتأتي هذه الصَّدَقة لِتُغْني الفقراء، والمساكين.
صدقة الفطر حكمها واجب، فعن ابن عمر.حديث:
((فرض رسول الله زكاة الفكر من رمضان صاعًا من الفطر أو صاعا من شعر....من المسلمين))
(رواه البخاري ومسلم)
صاعٌ من تمر، أو صاع من شعير، هذا الصاع ماذا يُساوي ؟ قدَّروهُ كليَيْن ومئة غرام تقريبًا، ثمن التَّمر، أو ثمن القمح، أو ثمن الشعير فهناك رقم، والحقيقة هذه أسعار متبدِّلة، لكن ممكن أن يكون الحدّ الأدنى ثلاثون ليرة، ومن زاد زاد، وله الأجر والفضل الفقير ثلاثون ليرة عن الشَّخص الواحد، على كلّ فرْدٍ يمونهُ، أو يلي عليه، يمكن على التَّمر أن يكون السِّعر أغلى، أليس كذلك ؟ نحن لِصالِحِ الفقير نأخذ الحدّ الأدنى.
وروى الجماعة عن ابن عمر رضي الله عنهما.حديث:
((أمر بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة))
فهذه الزكاة لا تُؤدَّى إلا قبل صلاة العيد، فمن أدَّاها بعد صلاة العيد فهي صدقةٌ عاديَة من الصدقات.
هذه الصدقة واجبة على كلّ مسلم مالكٍ للنِّصاب، ولو غير نامٍ، ولو لم يحُل عليه الحَول، هناك تشديد على أن تُدْفع هذه الزكاة لأكبر عدد في قاعدة المسلمين، كما قلتُ قبل قليل لِيَذوقوا طَعْم الإنفاق.
سبحان الله الآية الكريمة:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾
[ سورة التوبة ]
التَّطهير مِن ماذا ؟ من الشّح، ربّنا عز وجل يقول:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)﴾
[ سورة الحشر ]
الشّحّ مرضٌ خطير، النبي قال: شرّ الناس من يعيشُ فقيرًا لِيَموت غنيًّا...." هناك حالات للشحّ العقل لا يصدِّقها ‍! إنسانٌ يحْرم نفسه كلّ ما في الدنيا نَظِيرَ تخزين المال ! هناك حالات كثيرة، فلذلك كما قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم﴾
فالذي يدفع زكاة الفطر من زكاة ماله، هذا الدَّفع صار عادةً عندهُ والعادة تتأصَّل في الإنسان، وإذا تأصَّلَتْ عادة البذْل صار سَخِيًّا، إذًا صدقة الفِطر، وزكاة المال من أجل تعْويد الإنسان نفسهُ البذل، وهذه هي الطهارة.
قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
[ سورة التوبة ]
ما هي الزَّكاة ؟ الفِعل زكى يزْكُو ما معنى زكى ؟ نما ينْمُو، وما الذي ينْمُو ؟ قال: يَنْمو الإيمان، وتنْمو النَّفس، والنَّفس لها مستويات، قد تنتقل من مستوى إلى مستوى، عندنا سؤال دقيق ؛ إذا الواحد سأل نفسه هذا السؤال: يا تُرَى أنا في هذه الأيَّام مثلي قبل عام ؟! إذا كان مسْتَواهُ النفسي ومستوى معرفته بالله، ومستوى استقامته، مستوى ورعه، مسْتوى بذْله مستوى ورعِهِ، همّه، شوْقهُ حبُّه، إذا كان هو هذا العام كما هو في العام الماضي فهو مضمون والمضمون كما قال عليه الصلاة والسلام مَن تساوَا يوماه، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان إذا أنت كنت راكبًا رصيف متحرِّك، سلَّم متحرِّك، بعض الأماكن حتى لا يكلّف الزبون نفسه يتقدَّم نحو المحلّ التِّجاري، هناك سلّم متحرّك، تقف على الدرجة يمشي وحده أنا شاهدْت ممشى متحرِّكًا، وهو واقف يمشي، نحن نتصوَّر ممشى كبير متحرِّك، وأنت أحدُ هؤلاء الأشخاص على هذا الممشى المتحرّك، فإذا نزلْت من الممشى، ووقفْت في مكانك، فأنت واقفٌ أم متخلّف الممشى ماشٍ، شريط متحرّك فالذي كان بعدك بكثير صار أمامك، فأنت في تراجع، لو كان الممشى واقفًا لكان هناك ثباتًا، ولكن ما دام الممشى متحرّك، وأنت واقف فأنت مسبوق، وهذا معنى قول النبي الكريم: من لم يكن في زيادة فهو في نقصان.
فالزكاة فيها نمُوّ، ينْمو إيمانك، وينمُو حبّك، تنمُو معرفتك، وتنْمو أموالك فالقرآن الكريم فيه إعجاز، واللّغة العربيّة واسعة جدًّا، والمعاني غير محدودة، فكلمة ينْمو تعني ينْمو إيمانك وينْمو مالك، هذا معنى قوله تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
[ سورة التوبة ]
هناك سؤال: هذه الآية أعتقد أنّ كلّ واحدٍ قرأها عشرات المرات بل مئات المرات بل سمعها من خطباء المساجد، أو من مدرِّسي العلم، أو من مدرّسي التربيَة الدِّينيّة في المدرسة فهل فكَّرْنا أن نقفَ عند بنْيتِها بُنْيةً بُنْيَة ؟! كلمة خُذْ، ماذا تعني ؟ لو أنّ الله سبحانه وتعالى قال لهذا المسلم: أعْطِ، الخطاب خُذْ لِمَن ؟ خطابٌ للنبي عليه الصلاة والسلام، طيّب مَنْ ينوبُ مناوبَة أولوا الأمْر، فالخِطاب للنبي بِصِفَتِه الزَّمنيَّة لا الدِّنيَّة، فهو رئيس دولة، والله عز وجل يُخاطبُه ويقول له: خُذْ، إذًا إذا أمركَ الله بِغَضّ البصَر أنت تغضّ أو لا تغضّ، أمّا الأمر فليس لك، الأمر لرئيس الدَّولة، قال له: خُذْ من أموالهم، معناها أنت لا بدّ أن تدفعَ الزَّكاة طوْعًا أو كرهًا أعْجبكَ أم لمْ يُعجبْك، رضيتَ أم لمْ ترضَ، فإن لمْ يأمرْكَ السلطان بها أوْجبها عليه القرآن فالزكاة إما أن يأمر بها السلطان، أو يوجبها القرآن، فالله عز وجل ما قال: أعْطِ، وإنَّما قال خُذْ من أموالهم فهي إذًا حقّ، طيّب من هو مالِكُ المال الحقيقيّ؟ مالِكُ المال الحقيقيّ هو الله سبحانه وتعالى، لله ما أعطى، وله ما أخذ، إذا كان مالك المال الحقيقي أمرَ أولي الأمر أن يأخذوا من أموال الأغنياء ما يسُدّ جوع الفقراء لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في السنَّة النَّبويَّة المطهَّرة أشار أيضًا إلى هذا المعنى فقال: تُؤخذُ من أغنيائهم، وتُردُّ على فقرائهم، فكلمة خُذْ كلام خالق الكون، لمْ يقلْ أعْط أيها المسلم لأنَّه إذا أمرهُ أن يُعطي قد يعطي وقد لا يعطي بِحَسَب إيمانه، أما الأمر لأولي الأمر هو خُذْ، ليس هناك سلطان يأمر بِدَفع الزكاة، القرآن عندئذٍ يأمر.
طيّب، كلمة مِنْ في قوله تعالى خُذْ مِنْ ؛ ماذا تعني ؟ للتَّبعيض، هل أمرَ الله تعالى أن تأخذ أموالهم ؟ لا، خُذْ مِن، سؤال ثاني، ومَنْ يُجيبني عنه: لماذا قال تعالى خُذْ مِن مالهم أنواع الأموال، عندك مشروع عسل عليه زكاة، أو عندك مشروع بقر عليه زكاة، عندك دواجن عليه زكاة، عندك قمح عليه زكاة، زبيب عليه زكاة، محلّ تجاري عليه زكاة، أو عندك بيتًا اشْتريْتهُ للنَّفْع لا للاستهلاك، أو عندك أرضًا حينما اشْتريتها كان هدفك أن تربح بها عند بيعِها وكذا الذّهب والفضَّة، فكلمة أموال شملَت كلّ أنواع الأموال، دقَّة القرآن الكريم.
لمَّا ربّنا عز وجل قال: خُذْ من أموالهِم، أضاف الجمع إلى الجمْع، لماذا؟ قال لأنَّ الزكاة مفروضة على جميع المسلمين مِن دون استثناء، ربّنا ما سمّاها زكاة، وإنَّما سمَّاها صدقة ؛ لماذا ؟ ماذا تعني كلمة صدقة ؟ خُذ من أموالهم صدقةً، تُعَبِّر عن صدْقِهِ، أحيانًا يقول لك أحدهم: كلّه كلام في كلام ! أما الدَّفْع لا يوجد فيه كلام، هناك حامل، الله عز وجل قال:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾
[ سورة آل عمران ]
الإنفاق خلاف طبيعة النَّفس، فهو تكليف، والإنسان لا يرقى إلا بالتَّكليف لا يرْقى إلا لما فيه مخالفة لِطَبيعة النَّفس، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
[ سورة التوبة ]
تطهِّرهم من مرض الشّح، وتزكِّي المال بالنَّماء، وتزكِّي المنفق بالرقيّ وهناك جهة ثالثة تزكو، من هي ؟ العلم، الفقير يزكو، الدُّوَل الغنيَّة ماذا تفعل ؟ تعطي مساعدات بِسَخاءٍ للدّول الناميَة، لماذا ؟ من أجل تملك الدُّوَل الناميَة قوَّةً شرائيَّة، تشتري منتجات الدُّوَل الغنيَّة.
الأغنياء إذا دفعوا زكاة مالهم، الفقير جمَّع خمسة آلاف أو ستَّة آلاف على العيد يشتري ماذا ؟ ألبسة، فمن الذي انتفع ؟ بائع الألبسة، إذا الأغنياء أدُّوا زكاة أموالهم صار هناك حالة اسمها وُجود قوَّة اشْترائيَّة في المجتمع هذه القوّة الشِّرائيَّة تعود بالنَّفع على دافعي الزَّكاة أحيانًا يؤخذ المال من الفقير لِيُردَّ إلى الغني، أما الزكاة فعكس هذه الحالة، تؤخذ من الغنيّ لِتُردَّ إلى الفقير، والحقيقة لمَّا يكون هناك أغنياء جدًّا، وفقراء جدًّا هذا نُسمِّه خلَلٌ بالبُنْيَة الاجتماعيَّة ماذا تفعل الزكاة بهذا الخلل ؟ ترمِّمه الزكاة تُرمِّم الخلل الاجتماعي الناتج عن أن يكون المال دولة بين الأغنياء منكم، فإذا الإنسان ما أراد أن يدفع زكاة ماله، الزكاة تأكل المال في أربعين عامًا لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: اتَّجِروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة...." يعني كلّما درسْت ومحَّصْت، وتأمَّلْتَ، وتأنَّيْت وقلَّبْتَ الأمر الإلهي، تجد الحياة كلّها تضيق عن معرفة الحِكَم التي لا حصْر لها لهذا الأمر الإلهي العظيم.
الزَّوج ملْزمٌ شرْعًا أن يُخرجَ صدقَة الفِطْر عن زوجته لِكَوْنِهِ ملْزمًا بالإنفاق عليها وكذلك عن أبوَيْه إذا كان ملزمًا بالإنفاق عليهما، وكذلك عن أخته إذا كان ملْزمًا عليها، فزكاة الفطْر تجب على منْ تمونهُ، أو تتولَّى أمرهُ.
عند السادة الأحناف، دفع قيمة الشعير أو القمح أو التمر أفضل من دفعها عَيْنًا، لأنّ سيّدنا أبو حنيفة عاش في المُدُن، والمدينة المال فيها أيْسَر، لو أعطيت لأحد كيس قمح، وقلت له تعال وخُذْه، لاحتاج إلى سيارة وحمْل ولا يوجد عنده مكان في البيت، ولا بد من طحنه فالقمح عبءٌ بالمدينة أما أعطي إنسانًا ساكنًا بالريف كيس قمح تكون قد خدمتهُ كثيرًا فالطاحونة موجودة، والتنور موجود، والعجانة موجودة، وكلّ شيء موجود، فأبو حنيفة النعمان ارتأى أن تُدفع قيمة هذه الزكاة نقدًا، وهو أولى.
قال: والأفضل أن تعطي للأرحام، والأقارب ما عدا الأصول والفروع والزوجة فالأبوان مهما علَوا، والأبناء مهما دَنَوا، والزوجة.
لأخ والأخت وأولادهما، والخال والخالة، والعم والعمة، وأولادهم الفقراء وهم أفضل من غير القريب، إذْ لا يقبل الله صدقة إنسان، وفي قرابته محاويج، ثمّ جيرانه، ثم أهل محلَّته، وتعطى صدقة الفطر لأهل البلد الذي يسكنهُ، ويكره أخراجها لغير بلده، فأنت قد تربح مئة ألف، مِمَّن ربحْتهُ ؟ من الذين اشتروا من عندك، أي من سكّان هذه المدينة، ففقراء هذه المدينة أولى بِزَكاة المال من مدينة أخرى، لذلك يكْرهُ أن تنتقل الزكاة أو صدقة الفطر من بلد إلى آخر.
لو دُفعَت في أوَّل رمضان لكانت مقبولة وصحيحة، وصدقة الفطر لا تسقط بهلاك المال بعد وجوبها بخلاف الزكاة، فلو هلك النِّصاب بعد فجر يوم الفطر لا تسقط عنه زكاة الفطر إذا هلك المال تسقط الزكاة، طيّب سؤال: إذا هلكت الزكاة، فلو أن أحدًا زكاة ماله عشرة آلاف فوضعها في ظرف، وسرق الظرف منه، هل سقطت عنه الزكاة ؟ لا تسقط، كأنَّه دَيْن، هل تقول للدائن: دراهمك ضاعت منِّي ؟! هذا غير مقبول !
لكنّها لا كالمال يُسقط الزكاة، لكن هلاك المال يسقط الزكاة، أما هلاك الزكاة لا يسقطها، أما هلاك المال لا يسقط صدقة الفطر.
من أفطر في رمضان لعُذْر، لا تسقط عنه الفطرة، فيجب إخراجها والنيَّة فيها عند الدَّفع للفقير، أو عند عزْلها عن ماله، فأحيانًا الإنسان لا يجد الفقير المناسب، فإذا عزلها عن ماله ووضعها بِظَرْفٍ أو صندوق، وكتب عليها زكاة مال، فهذه مقبولة.
المرأة الغنيَّة لا تُكلّف بزكاة الفِطْر عن أولادها ولو كان زوجها فقيرًا، لأنّ الزوج هو المُنْفِق، والرجل لا يكلّف بصدقة الفِطر عن أولاد زوجته الذين من غيره.
الأولاد تُخرجُ زكاة الفطر من مالهم، إذا كانوا أيتام، ولا أحد ينفق عليهم ويجوز إعطاء عدّة صدقات فطْر لواحدٍ، هناك من يدفع خمسة آلاف ؛ كلّ واحد ألف ليرة، كلمة أربعين هذه الحدّ الأدنى، أما لا حدّ للأكثر، قال تعالى:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾
[ سورة البقرة ]
ممكن أن تدفع زكاة فطر واحدة لعدَّة فقراء، القصْد أن تذوق طعم الإنفاق والقصْد أن تُرمَّم أغلاط الشَّهر، والقصْد أن يشبع الجائع في العيد.
والآن إلى سيرة أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
في العام الواحد والثلاثين من عمره أسْلم، وفي العام السابع والثلاثين من عمره مات شهيدًا، كم سنة عاشَ ؟ ستَّة سنوات، لكنَّ هذا العمر يعْدل آلاف السَّنوات، القضيَّة بالأعمار لا بِطُولها.
سعْد بن معاذ، في العام الواحد والثلاثين من عمره أسلم، وفي العام السابع والثلاثين من عمره مات شهيدًا ؛ إنَّه سعْدُ بن معاذ.
كان وسيمًا قسيمًا جليلاً فارع الطول، مشرق الوجه جسيمًا جذلاً، يقطع الأرض وثبًا إلى دار أسْعد بن زرارة، لِيَرى هذا الرجل الوافد من مكَّة، من هو ؟ مصعب بن عُمَير جاء من مكَّة مندوبًا لِرسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أهل المدينة قبل الهجرة، فجاء إليه وثْبًا لِيَدفع بهذا الغريب خارج المدينة حامِلاً معه دينه، تاركًا للمدينة دينها، انْطلقَ إليه ليُخْرجهُ من المدينة، ولكنَّه لا يكاد يقترب من مجلس مصعب في دار خالتِهِ، وأُسَيد بن زرارة حتى ينتعش فؤادُهُ بِنَسَماتٍ حُلْوةٍ هبَّتْ عليه هبوب العافيَة المؤمن عنده سرّ، وله سِحر خاصّ، وله إشراق وإشعاع، ونور، هذا يفْعل في النَّفس فِعْل السِّحر، فالقضيّة ليْسَت قضيّة معلومات، إنَّما قضيَّة روحانيَّة، لها تأثير في الآخرين، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه ؛ إنَّ محمَّدًا سحَرَ أصحابهُ، هكذا قال الكفار سحرهم بماذا ؟ له منطقٌ حُلْوٌ، منطقي، فكْرٌ نيِّر حقائق متوهِّجة، ونفْسٌ طيِّبة ونفسٌ مقبلَةٌ على الله عز وجل، نور الله عز وجل يسْري فيه فأنت إن لمْ تكن فيك هذه النُّورانِيَّة، وما عندك هذا الاتِّصال بالله عز وجل، وما عندك هذا السِّحر الذي يفعل في الناس فعْل السِّحْر لن تستطيع أن تؤثِّر فيهم فسيِّدنا سعْد بن معاذ ينتقل إلى دار أسعد بن زرارة وَثْبًا ليَدفعَ بهذا الإنسان الغريب إلى خارج المدينة، وما إن يستمع إلى كلماته العذبة حتى تسْري هذه الكلمات في قلبه سرَيَان العافيَة في الجسم المريض ! ما الذي حصل ؟ انشرح قلبه، وشعر بِرَاحةٍ، وانْسرّ، ووجد نفسه، اطْمأنَّ قلبه وسكنَت نفسهُ، هذه علامة الإيمان، وعلامة أنَّ هذا الذي تستمعُ منه على شيءٍ من الحقّ.
في إحدى المفاجآت الغريبة يُلقي زعيم الأنصار حرْبَتَهُ بعيدًا، ويبْسُط يمينهُ مُبايِعًا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن طريق مصعب بن عُمَير وبإسلام سعْد تُشْرقُ على المدينة شمْسٌ جديدة، تدور في فلكها قلوبٌ كثيرة الآن انظروا معي إلى هذا الموقف الذي وقفهُ من رسول الله يوم بدْر فالواحد منَّا نحن يقول لك: أنا تركت وفعلتُ، ولكن لو تعرف ماذا فعل أصحاب رسول الله...الإنسان يقيس نفسهُ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء المدينة مهاجرًا أخذ عليهم العهْد أن يحموه، ولكن ما أخذ عليهم العهْد أن يخرجوا معه مقاتلين، هذا خروجٌ على الاتّفاق، لذلك لمَّا أراد أن يحارب يوم بدْر خارج المدينة، أراد أن يسْتشيرهم، ويستمزج رأيَهُم فقال عليه الصلاة والسلام: أشيروا عليّ أيّها الناس، وتوجَّه نحو الأنصار سيّدنا سعْد بن معاذ زعيمهم، قال: كأنَّك تُريدنا يا رسول الله ؟ فقال: أجل ! أريد رأيَكُم أنتم، قال: يا رسول الله وانظروا كيف صاغ هذه الكلمات، ومتى ؟ وأنا أعتقد أنّ هذه ليس كلمات ولكن روحه وإيمانه لقد آمنَّا بك وصدَّقْناك، آمنَّا بك رسول الله، وصدَّقناك على وحي السماء وشهِدْنا أنَّما جئتَ به هو الحقّ، وأعطيْناك على ذلك عهودنا، مواثيقنا فامْضِ يا رسول الله لما أردْت فنحن معك والذي بعثك بالحق: لو استعرضْت بنا هذا البحر فخُضْتهُ لخُضْناهُ معك، ما تخلَّف منَّا رجل واحد وما نكْرهُ أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، اِمْضِ يا رسول الله، صِلْ حِبالَ مَن شئْتَ، اقْطَع حبال من شئْت، سالِمْ مَن شئْت، عادي من شئت، خُذْ مِن أموالنا ما شئت، فو الذي بعثك بالحق للَّذي تأخذه من أموالنا أحبّ إلينا من الذي تدعُهُ لنا، إنَّنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللِّقاء، ولعلّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله، يكفيه هذا الموقف ؛ عاَ سبْع سنوات، أن تنصر رسول الله، أنْ تنْصرَ الحق، أحيانًا تجد مواقف متخاذلة ؛ تعال اقْرأ، يقول لك: لسْتُ فارغًا !! نريد العمل الفلاني يقول لك: اعْتذر، هذا تخاذل، وهروب، ما أكثر الناس حينما تعدّهم، وفي المهمَّات لا ترى أحدًا، إذا دعْوى ترى تهافت، وإذا حِمْل وعبء لا تجد أحدًا لذلك الإنسان أحد أكبر أبواب العمل الصالح أن تنصر دين الله، أن تنصرَ هذا الدِّين بإحقاق الحق وبإبطال الباطل، أن تنصر هذا الدِّين بِخِدْمة مساجد الله، إذا الإنسان نَظَّفَ مسْجدًا، هذا موقفٌ شريف، قال تعالى:

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾
[ سورة البقرة ]
هذا الأمْر موجَّهٌ لأبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إذا زائرٌ للمسجد جديد وجد نظافة، ترتيب، كلَّفْنا أحدهم بالتَّدفئة ؛ هذا عمل، قلْ أنا موظَّف عند الله عز وجل ! نعمَت الوظيفة، هناك أعمال بالمسجد كأعمال النَّظافة، والصِّيانة، والترتيب ؛ هذا شرَفٌ عظيم فسيّدنا سعْد قال: للمْوت أحب إلينا، هناك نقطة تؤثِّر فيّ ؛ أحبّ الأعمال إلى الله عز وجل أدْومُها وإن قلَّتْ، إذا أخذْت وظيفة ابْق فيها دائمًا، لأنّ حينما لا تأتي، ثمّ نضع مكانك أحدًا تنزعج، وهذه مشكلة، أخذت وظيفة بمسجد ابْق فيها دائمًا، هذا الله عز وجل غالي عليك وهذا الموقف يكفي.
له موقفٌ آخر سيّدنا سعد بِغَزوَة أحد، وله موقف آخر بِغَزوة الخندق، ففي غزوة الخندق، النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا رأى عشرة آلاف مقاتل جاءَت لِتَستأصل الإسلام أشْفقَ على أصحابه، ففاوَضَ أكبر قبيلة اسمها غطفان، اتَّفَقَت مع قريش على غزْو النبي، فاوضها على ثلث ثمار المدينة على أن نترجع ولا تحارب، هكذا اجتهد النبي، لكن شعر أنّ لا حقّ له في المفاوضَة إلا أن يُشاوِرَ أصحابه، لأنَّ الله عز وجل يقول:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
[ سورة آل عمران ]
فقصَّ النبي عليه الصلاة والسلام على زعيمي المدينة ؛ سعد بن معاذ وسعد بن عُباد قصّ عليهم موضوع التَّفاوُض، وأنبأهما أنَّه إنَّما لجأ إلى هذه المحاولة رغْبةً في أن يبْعِدَ عن المدينة وأهلها هذا الهجوم الخطير والحصار الرهيب، وتقدَّم السَّعْدان إلى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال، قالا: يا رسول الله، أهذا رأيٌ تختارهُ أم وحْيٌ أمركَ الله به ؟ إذا كان وحيًا نحن لا ننطق، لأنّه لا ينطق عن الهوى، أما رأي اجتهادي فقال عليه الصلاة والسلام بل هو رأي أختارهُ لكم، لكنَّني أشفقْت عليكم وخشيت أن يكون الهجوم شرسًا عليكم فأردتُ أن أفاوض هذه القبيلة على ثلث ثمار المدينة، فإذا رضيَات وانْشقَّت ضعفت عليكم الهجمة، قال والله ما أصنعُ ذلك إلا لأنَّني رأيْت العربَ قد رمَتْكم عو قوْسِ واحدة ! اتَّفَقَتْ قبائل العرب كلّها على حرْب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: والله ما أصنعُ ذلك إلا لأنَّني رأيْت العربَ قد رمَتْكم عو قوْسِ واحدة ! وكالبوكم من كلّ جانب ؛ إذا الواحد دخل بستانًا ووجده محتفًّا بالكلاب شيء صعب ؛ صورة رائعة، فأردتُ أن أكسر منكم من شوكتكم إلى أمر... وأحسَّ سعد بن معاذ أنَّ أقدار كرِجال وكمؤمنين تُواجِهُ امتِحانًا، أيَّ امتِحان ؟ كأنَّ النبي أشفقَ عليهم، كأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام رآهم دون هذه الحرْب الضروس، دون هذه الهجْمة التي لا قبل لهم بها هناك قال سعد بن عبادة - الذي عاش سبعة سنوات خير من ألفٍ - يا رسول الله قد كنَّا نحن وهؤلاء على الشِّرْك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا ثمرةً واحدة إلا قِرًى، أو بيْعًا، أفحين أكْرمنا الله بالإسلام، وهدانا إليه، وأعزَّنا بك يا رسول الله نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، متى كان هذا الكلام ؟ منتهى الأدَب بعد أن سألوه أوَحْيٌ أمرَكَ الله به أو رأي اخترْتَهُ لنا ؟ طبعًا صلوات الله عليه وسلامه اختاره لهم هذا خوفًا عليهم وشفقةً، وكذلك هو بهذا امْتحنَهُم، لو كانت القضيّة منتهِيَّة لتفاوَضَ وما سألهم لكن مادام استشارهم أراد أن يستثير حماسهم بِطَريقةٍ ذكيّة جدًّا فقال سيّدنا سعد بن معاذ: والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! بعدما عرفناك وصرْنا من أصحابك، وأنت رسول الله، ويوحى إليك، ونحن بعنا أنفسنا من ؟أجلك ثمّ نعطيهم ثلث ثمار المدينة خوفًا منهم، ونحن معك.
أحيانًا تكلّف إنسانًا شيئًا فوق طاقته، مثلاً قلْ لموظَّف عندك كنِّسْ المحلّ يتضايَق أما لو كنسْتهُ بنفسك تراه يأخذ عنك، طريقة ولكن لطيفة جدًّا وتحفظ له مكانتهُ، لو أنّ النبي أمرهُم بالقتال، وعندهم عشرة آلاف مقاتل حلَّقوا حول المدينة، هذا صعب، فقال: أنا أشفقت عليكم، وأريد أن أُصالحهم على ثلث ثمار المدينة ‍! فقالوا: لا نرضى، وبيننا وبينهم الحرب فالحرب ظهرتْ مبادرةً منهم، وليس إلزامًا، طبعًا بعد أيّام شهدت المدينة حصارًا رهيبًا، والحقّ أنَّه حصارٌ دام مدّة طويلة، وكان صعبًا لسبب وهو كانت هناك خطّة قذرة، اليهود الذين عاهدوا النبي ؛ بنو قريظة نقضوا العهْد في أثناء الحصار، كشفَ ظهر النبي عليه الصلاة والسلام لذلك أحد الرجال قال: أيَعِدُنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضِي َ حاجته ! عشرة آلاف مقاتل جاؤوا لينهوا الإسلام لذلك قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾
[ سورة الأحزاب ]
هذا هو الموقف.
سيّدنا سعد أُصيب بمرض عُضال أقْعدَه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى بني قريظة خانَت العهْد، لا بدّ من التأديب، وسيّدنا سعد كان يتمنَّى أن يُحكَّم بهؤلاء الخَوَنة وكان له دعاء لله عز وجل لطيف جدًّا قال له: يا ربّ، إن كنتَ أبْقَيتَ من حرْب قريشًا شيئًا فأبْقني لهم، فإنَّه لا قوْم أحبَّ إليَّ أن أُجاهدهم من قومٍ آذَوا رسولك، وكذَّبوه وأخرجوه، وآذوْهُ وإن كنت وضعْت الحرب بيننا وبينهم، فاجْعل ما أصابني اليوم طريقًا للشهادة، نفسهُ عزفَت عن الدنيا، أصابته ضربة سيْف، فصار الجرح ينزف، ومضاعفات للجرح، فالنبي مرَّضه في المسجد، فدعا بهذا الدعاء إذا كان بقي لقاء مع قريش أبْقني، وإذا انتهى اللّقاء مع قريش فهذه حاجتي ! ولا تُمْتني حتَّى تقرَّ عَيني من بني قريْضَة، أرى فيهم يومًا أسْوَد الذين خانوا نبيّك عليه الصلاة والسلام، بنو قريظة حاصرَهم النبي عليه الصلاة والسلام خمسةً وعشرين يومًا، وهم اختاروا سعد بن معاذ أن يحكم بينهم فقال: يا سعد اُحْكم في بني قريظة، فقال سعد: إنِّي أرى أن يُقاتَلوا، وأن تُسبى ذراريهم، وتُقسَّم أموالهم، طبعًا أكثر الروايات، دُعوا إلى الإسلام فإن أسلموا انتهى الأمر كالعادة، وإن أبَوا يُقاتلوا فإن هُزِموا تُسبى ذراريهم وتقسم أموالهم، فقال يا سعد لقد حكمْت بِحُكم الله من فوق سبع سماوات ‍! هذا جزاء من يخون عهْد رسول الله.
قال: ذات يوم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام لِعِيادَتِهِ، فألْفاهُ يعيشُ في لحظات الوداع ؛ آخر أيامه، فأخذ عليه الصلاة والسلام رأسهُ ووضَعَهُ في حجْره، أعلى درجات المحبَّة والعطف، وابتهل إلى الله قائلاً: اللهمّ إنّ سعْدًا قد جاهد في سبيلك، وصدَّق رسولك، وقضى الذي عليه، فتقبَّل به روحه بِخَير ما تقبَّلتَ به روحًا، وهطلَت كلمات النبي عليه الصلاة والسلام على الروح المُوَدِّعَة برْدًا وسلامًا، فحاوَلَ في جهْد، وفتح عَينيْه راجيًا أن يكون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم آخر ما تبصرُ به !
أحبّ أن تكون آخر صورة في الدنيا هي صورة النبي عليه الصلاة والسلام وقال: السلام عليك يا رسول، أما إنِّي أشهد أنَّك رسول الله، وتملَّى النبي عليه الصلاة والسلام وجْه سعْدٍ آن ذاك، وقال: هنيئًا لك أبا عمرو !
والله هناك موتة أحسن من حياة ألف رجل، ماتَ مسكينًا، أما آخرون نقول عنهم مسكين عاش ! إذا الحياة تافهة ؛ كلّها معاصي وسخافة وكلّها أذى للناس، هذه حياة البهائم وحياة حيوانات، دابّة فلتَتْ ! أما إذا الإنسان وقف موقفًا مع رسول الله، ونصر دين الله عز وجل... أما هناك من يعيش مئة سنة كلّها شطرنج والطاولة والشدَّة.
قال له: هنيئًا لك أبا عمرو ! ويقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:
(( كنت ممَّن حفر لِسَعد قبرهُ، وكنَّا كلَّما حفرنا طبقة من تراب شممْنا ريح المسْك، حتَّى انتهينا إلى اللَّحد وكان مُصاب المسلمين في سعْد عظيم إذْ كان زعيم الأنصار، ولكن عزاءهم كان جليلاً لِسَماعهم النبي عليه الصلاة والسلام: لقد اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ))
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، حجمك عند الله بحجم استقامتك حجمك عند الله بحجم شوقك وفهمك لكتاب الله، وبحجم خدمتك للناس والطريق مفتوح، والباب مفتوح، والثمن جاهر، قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
[ سورة الكهف ]
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 04:38 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة -الدرس 32:حكم الإسلام في الغناء
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-12-08

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
أخ كريم رجاني أن أعالج في هذا الدرس موضوع الغناء، لذلك اخترت فصلاً من إحياء علوم الدين، بل اخترت فصلاً من تلخيص إحياء علوم الدين، التلخيص اسمه تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، هذا الفصل عنوانه السمع، وسأنقل لكم مختارات من هذا الفصل، ولكن قبل أن نبدأ في الحديث عن موضوع السماع، كما ورد في كتاب الإحياء للإمام الغزالي، لا بد من مقدمة، أيها الإخوة الأكارم كما قال عليه الصلاة والسلام:
((ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُؤْمِنِين))
الإنسان أحياناً يمضي وقتاً طويلاً ويكثر حضور مجالس العلم، وينوع مجالس العلم، ويطالع ويطّلع ويستمع ويقرأ، إن لم يستقم على أمر الله أي شغل في الدنيا، إن حصلته حصلت كل شيء، وإن لم تحصله لم تحصل شيئاً، هذا كلام دقيق، أي في الدين نجد السعادة، نجد الطمأنينة في الدين هناك شعور بالتقدم دائماً، شعور بالتفوق، شعور بالفلاح وبعض النجاح، في الدين شعور لا يوصف، وهو شعور القرب من الله عز وجل، في الدين شعور أن المستقبل إلى جانبك، وأن خطك البياني في صعود مستمر، كل ما في الدين من ثغرات، كل ما في الدين من مكتسبات، كل ما في الدين من نجاحات لا يمكن أن تنالها إلا إذا استقمت على أمر الله، كلام دقيق وخطير أي لنوفر وقتنا، لنوفر جهدنا ما دام هناك معاصي، مخالفات، شبهات فالطريق إلى الله ليست سالكة هذا الكلام إذا أدركته، وفرت وقتك، هذا يذكرني بقصة مضحكة، يروى أن السلطان العثماني قدم إلى الشام، ووالي دمشق لم يطلق المدافع من أجله، فأمر بإعدامه، كما يقال من حلاوة الروح، سأله قبل أن يقتل، وهي رواية غير دقيقة، لماذا لم تطلق هذه المدافع، قال: هناك سبعة عشر سبباً، قال: ما هي ؟ قال ليس هناك بارود، قال: لا تكمل انتهى الأمر، سبب وجيه، يعني إذا لا يوجد استقامة لا تكمل، الطرق كلها مغلقة، الطرق كلها مسدودة، الطمأنينة، السعادة، التوفيق أن يكون كلامك سديداً، أن يكون عملك راشداً، أن تشعر بحلاوة الاتصال، أن تشعر بطعم الصيام أن تذوق حلاوة الحج، أي كل ما في الدين من ثمار، كل ما في الدين من مكتسبات، من نجاحات لا يمكن أن تنالها إلا إذا استقمت على أمر الله، حاسب نفسك حساباً عسيراً ليكون حسابك يوم القيامة يسيراً، اسأل نفسك لماذا الحجاب بينك وبين الله، لا بد من مخالفات، لا بد من ظلم للآخرين، لا بد من تقصير في أداء الحقوق.
فيا أيها الإخوة الأكارم:
النبي عليه الصلاة والسلام قال في حجة الوداع:

((إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم))
أي أن تقوم الوثنية مرة ثانية هذا مستحيل، ولت الوثنية إلى غير رجعة، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم، مادام هناك مخالفات في الجوارح، ما دام هناك شبهات في كسب المال، ما دام هناك شبهات في إنفاق المال، ما دام هناك إطلاق البصر فيما حرم الله، ما دام هناك سماع مالا يرضي الله، ما دامت هذه الجوارح لم تستقم بعد على أمر الله فالطريق إلى الله ليست سالكة، هذا الكلام أسوقه لكم ليكون الوقت مستثمراً استثماراً كبيراً، وإلا مهما ذهبت و مهما أتيت و مهما عدت ومهما استمعت، اقرأ ما شئت واستمع إلى من شئت، مادام هناك مخالفات فهناك حجب بينك وبين الله لا تذوق طعم الإيمان إلا إذا استقمت مع الله، ولا تذوق حلاوة القرب إلا إذا استقمت على أمر الله، لا يلقى النور في قلبك فترى فيه الحق حقاً والباطل باطلاً إلا إذا استقمت على أمر الله، سُقْتُ هذا الكلام كمقدمة ليكون السير إلى الله واضحاً، أي يجب أن تصل إلى درجة أن تكون لك حساسية كبيرة في طريق الإيمان، هذه مخالفة حجبتك عن صلاة الظهر، هذه النظرة حجبتك عن الاتصال بالله، هذا المبلغ المشبوه قطعك عن الله، فلذلك من ذاق حلاوة القرب، ومن ذاق طعم الإيمان، ومن ذاق حلاوة الإيمان لحرصه الشديد على دوام هذه الصلة يبالغ في استقامته على أمر الله، وأقول لكم كلمة: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه، أي صفقة فيها شبهة، أقول لك اركلها بقدمك، صداقة فيها شبهة اقطعها وأنت الرابح تجارة فيها شبهة ابتعد عنها وأنت الكاسب، فلذلك نحن سقنا هذا الموضوع موضوع الغناء لأنه ابتلي به معظم المسلمين، ففي أكثر بيوت المسلمين الأغاني تصدح، أي كيف يجتمع قرآن مع الغناء ؟ كيف يجتمع اتصال بالله مع سماع الغناء ؟ أنا لا أقول شيئاً من عندي، أنقل لكم ما ورد في كتاب السماع من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي الحامد الغزالي، في مقدمة هذا الفصل يقول: إنّ الغناء يلهي القلب عن التفكير في عظمة الله، أي هذا الموضوع الآن أنك أنت في الدنيا عليك مهمة خطيرة فأي شيء ألهاك عن مهمتك الخطيرة فهو حكماً حراماً بمعنى أنّ الإنسان إذا عمل بالخسيس ونسي النفيس انطبق عليه قول الله عز وجل:

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)﴾
( سورة التكاثر )
عمل بالخسيس ونسي النفيس، أنت في الدنيا مخلوق لمهمة عظيمة وهي أن تعرف الله، وأن تعرف منهجه، وأن تستقيم على أمره، وأن تتقرب إليه لتنال سعادة الدنيا والآخرة، إذاً أي شيء ألهاك عن هذا الهدف النبيل وعن هذا القصد الجليل فهو عقبة كئود في طريق سعادتك، فإذا أردنا أن نعلل وأن نبين لماذا الغناء نهانا النبي عنه ؟ لأنه لهو، تصور إنسان غاص في أعماق البحار وتجشم الأخطار ورأى في قاع البحار لآلئ وأصداف فترك اللآلئ وجاء بالأصداف، مئة صدفة لا تساوي لؤلؤة واحدة، قلت لكم سابقاً: من طبيعة الإنسان أن يحب، هذا طبع ثابت في الإنسان، المشكلة ليست في أن تحب أو لا تحب، لا بد من أن تحب، ولكن المشكلة في من تحب، قلت لكم سابقاً: ليست المشكلة في أن تؤمن أو لا تؤمن، لا هذا الموضوع غير مقبول، المشكلة متى تؤمن لأنّ فرعون آمن عند الموت، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق )
إذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تحب، لأنّ الحب غذاء القلب، وإذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تتعلم، لأن العلم غذاء العقل، وإذا كنت من بني البشر فلا بد من أن تأكل، لأنّ الأكل غذاء الجسم، أنت بحاجة إلى أغذية ثلاثة: إلى طعام وشراب تغذي به جسمك، وإلى علمٍ تغذي به عقلك، وإلى حب تغذي به قلبك، ويجب أن تتوازن، لأنّ شريعة الله عز وجل شريعة متوازنة، يجب أن لا يقع الخلل، أن لا تحب على حساب عقلك، وأن لا تعقل على حساب قلبك، وأن لا تهتم بجسمك على حساب دينك، لابد من التوازن، إذاً أول شيء، مثلاً من باب التوضيح، لو أنّ طالباً عنده امتحان خطير بعد عشر ساعات، أي الساعة الثامنة في صبيحة اليوم التالي عنده امتحان في مادة خطيرة في عام تخرجه، واشتهى أن يأكل وجبة من الطعام التي لا توجد إلا في مركز المدينة، فارتدى ثيابه وركب السيارة العامة، وانتظر إلى أن جاءت السيارة العامة، وزاحم الناس بمنكبيه، وبقيت هذه السيارة تمشي ساعة أو أقل، إلى أن وصل إلى مركز المدينة، وانتقل إلى طرف مركزها، ووقف في طابور طويل ليشتري هذه الحلوى أو هذا الطعام الذي اشتهاه، ثم عاد أدراجه إلى البيت أي أنفق ثلاث ساعات، ماذا فعل ؟ لم يفعل شيئاً، أكل طعاماً، لكن نقول له: هذا الوقت الخطير أنت استهلكته في سبب تافه، فأول شيء في الغناء أنت مخلوق لهدف عظيم، فإذا ألِفت سماع اللهو فهو اسمه لهو لأنه يلهي عما خُلِقت له، وحينما دُعي النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهو قال: وهو طفل صغير أنا لم أُخلقْ لهذا، هذا سبب، السبب الثاني كما يذكر صاحب الإحياء أنّ الغناء يغريك بالشهوات وبالمعاصي، لأنّ الغناء كما يقال رُقيَةُ الزنى ما الغناء ؟ وصف لمحاسن المرأة في معظمه، إذاً كأن الغناء كما يقول بعض العلماء رقية الزنى، إذاً من جهة يعطل عليك مهمتك الخطيرة، ومن جهة يدعوك إلى معصية الله، هذه الأسباب الموجبة لتحريم الغناء، لكن مثلاً ما ينشده المنشدون وهم في طريقهم إلى الحج قيل:
بشرها دليلها وقال: غداً ترين الطلح والجبال
أي إذا كان هناك حادي يحدو الإبل وله بعض الأناشيد التي يذكر فيها الكعبة والمطاف والمسعى وعرفات ومنى وقبر النبي، فهذا الشعر الذي ينشده الحادين ليثيروا مشاعر الحجاج هذا ليس عليه شيء، أنت لو حضرت عقد قران وأنشد المنشدون بمدح سيد الأنام لا شيء عليك، لو ابتهل المبتهلون بأصوات عذبة شجية حركوا مشاعرك لا شيء عليك، ليس هذا هو الغناء، هذا شعر كما قال الفقهاء حسنه حسن وقبيحه قبيح، فهذا من الشعر الحسن لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ))
وأحياناً تفعل بك أبيات في مدح رسول الله ما لا تفعل الخطب الطويلة، وأحياناً تفعل بك أبيات في الابتهال لله عز وجل ما لا تفعل بك الكتب العريضة، فهذا ليس من الغناء أن تستمع إلى مدح النبي عليه الصلاة والسلام وأنت في عقد قران، وأنت في مولد لذكرى سيد الأنام، فهذا ليس من الغناء الذي حرّمه الشرع إطلاقاً، معانٍ سامية، مشاعر القرب مشاعر الحب، مشاعر الوجد، مشاعر التوبة، مشاعر الندم، مشاعر القرب من الله عز وجل، هذا ليس معنياً في درسنا إطلاقاً، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كان له حادٍ أي يا حادي الركبان متى وصلت البان، أرح هناك العيس، كان له حادٍ اسمه أنجشة يحدو الإبل فقال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَسُوقُ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ فَاشْتَدَّ فِي السِّيَاقَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ ))
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا، وكان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو القوم ويقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فألْقِيَنْ سكِينـــةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال عليه الصلاة والسلام: من هذا السائق ؟ من هذا الحادي ؟ فقالوا: عامر بن الأكوع، فقال: يرحمه الله، أي أحياناً هناك منشد يشجي مشاعرك، مرة ثانية ليس هذا هو الغناء المحرم، هذا يسمو بك، هذا يحرك مشاعرك نحو الله عز وجل، هذا يحرك مشاعرك نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا يحملك على أن تتوب، وكما قيل:
إلى متى أنت باللذات مشـغول وأنت عن كــل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبـه ذاك لعمــري في المقام بديـــع
لو كان حبك صادقاً لأطعــته إنّ المحـــب لمن يحب مطيـع
أيا غافلاً تبدي الإساءة والجهلا متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراها كأن العيـــــن حولاء أو عميا
لأنت كمزكوم حوى المسك جيبه ولكنه المحـــروم ما شمه أصلاً
أيا عبــــدنا ما قرأت كتابنا أما تستحـي منا ويكفيك ما جرى
أما تختشي من عُتْبِنا يوم جمعنا أما آن أن تقلـع عن الذنب راجعاً
وتنظر ما به جاء وعدنا
إلى آخر الأبيات، فأبيات تثير لواعج الشوق إلى الله عز وجل، أو مشاعر التوبة أو مشاعر الاستغفار، أو مشاعر الندم، هذا ليس من الغناء الذي حرّمه الشرع، هذا شعر يسمو بالإنسان، أي ما يلقى في الموالد من مدائح، من ابتهالات، من وصف للنبي عليه الصلاة والسلام هذا لا شيء عليه، وقد نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: أما استماع الحدائي ونسيج الأعرابي فلا بأس به، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أهديت امرأة إلى زوجها في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قال: قولوا:
أتيناكم أتينــاكم فحيونا نحييـكم
ولو الحبة السمرة لما جئنا لواديكم
أي هذا يقال في الأفراح، هناك أشعار تنمي في الإنسان الزهد، قيل:
ياغادياً في غفلة ورائـح إلى متــى تستحسن القبائح
وكم إلى كم لا تخاف موقفا يستنطــق الله به الجوارح
واعجباً منك وأنت مبصر كيف تجنبت الطريق الواضح
شيء يدعو للتوبة، يدعو للندم، يروى أنّ أحدهم سأل الإمام أحمد بن حنبل عن هذه القصائد الرقيقة التي فيها ذكر الجنة والنار، قال: يا إمام أي شيء تقول فيها، هذه القصائد الرقيقة التي فيها ذكر الجنة والنار ؟ أي شيء تقول فيها، فقال: مثل أي شيء، فقال السائل:
إذا ما قـال لـي ربـي أما استحييت تعصـيني
وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيـــان تأتيني
فقال ابن حنبل: أعد أعد عليّ، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته وردّ الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قـال لـي ربـي أما استحييت تعصـيني
وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيـــان تأتيني

فهذه الأشعار في وصف سيد الأنام، في الابتهال إلى الله، في وصف معاني القرب، في وصف لواعج المحب، هذه الأشعار ليست من موضوعنا في شيء، لكننا نسوق لكم هذه الحقيقة، من الثابت أن طبع الناس طبع موحد، أي كل بني البشر يطربون بالشيء الجميل، لو أنّ شاباً قال لك: أنا مهما نظرت إلى النساء الحسناوات لا أتأثر بجمالهن أبداً بماذا تجيبه ؟ نقول هذا كلام غير صحيح، لأن طبعك طبع أي إنسان، وطبع الإنسان يميل إلى المرأة فهذا كلام مرفوض وإذا كان فعلاً صادق أي أنه مريض ويحتاج إلى معالجة، إذا قال: أنا لا أتأثر، معناها هناك كذب، وإذا كان صادقاً معناها يحتاج إلى معالجة، فعندما قال ربنا عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾
( سورة النور )
أن يقول قائل: أنا لا أتأثر أبداً، نقول هذا كلام فيه كذب، وإذا كان صحيحاً فأنت من طبع آخر، لست من بني البشر، فلذلك إذا قال قائل: أنا أستمع إلى كل المغنيات ولا أتأثر أبداً نقول لك: هذا كلام فيه كذب، ولو كنت صادقاً فيما تقول فأنت بحاجة إلى معالجة لأن طبع البشر واحد
طبعاً يتفاوتون بفواصل قليلة جداً، أما طبيعة الإنسان لو أنه سمع أو شاهد امرأة حسناء لتحول من جهة إلى جهة، فكيف يقول القائل: نحن نستمع ولا نتأثر، هذا الكلام جوابه إما أنكم تكذبون وإما أنكم مرضى، فالذي نهى الله عنه ما نهى عنه إلا لأنه ضار، وما نهى عنه إلا لأن طبع البشر كلهم واحد في هذا، الآن دخلنا في الموضوع، هذا الذي قلناه قبل قليل هو مباح ولا شيء على صاحبه، لكن ما هي الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة التي تحرم الغناء، قال من كتاب الله قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)﴾
( سورة لقمان )
هذه الآية في لقمان رقم ستة، قال ابن مسعود: هو الغناء، وأعلى تفسير عند أعلام المفسرين هو تفسير الصحابة، وابن مسعود من أصحاب رسول الله، وعن سعيد بن يسار قال: سألت عكرمة عن لهو الحديث فقال: هو الغناء، هذا صحابي آخر، وكذلك قال الحسن وسعيد ابن جبير وقتادة أصحاب النبي عليهم رضوان الله قالوا: إنّ لهو الحديث هو الغناء، الدليل الثاني:

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61)﴾
( سورة النجم )
معنى سامدون عن ابن عباس وأنتم سامدون أي وأنتم تغنون أي الناس سكرى بالغناء، سائقو السيارات، سائقو المركبات، في المكاتب، في البيوت، في المتاجر، في المزارع، وأنتم سامدون، يريدون الحق وهم سامدون، معنى سامدون يغنون عن عكرمة وقال مجاهد: هو الغناء سمد فلان إذا غنى هذا الدليل الثاني، وأما الدليل الثالث فقوله عز وجل:

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً (64)﴾
( سورة الإسراء)
عن سفيان الثوري عن مجاهد واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال: هو الغناء والمُدَامُ، هذه ثلاثة أدلة من كتاب الله، ليس من فهمنا له بل من فهم أصحاب رسول الله، أما السنة:

((عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَتَبْكِي أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ الْبُكَاءِ قَالَ: لاَ وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ ))
هذا دليل من السنة، الآن أدلة من أصحاب رسول الله، قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الذقن، وقال ابن مسعود: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسمِ لبسه الشيطان، وقال: تغنى، فإن لم يحسن قال: تمنى، تجد المسافر إما أنه يغني أو يستمع إلى الغناء أو يتمنى، يعيش في أحلام كلها دنيوية، وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه لك، قال: أحرام هو ؟ قال: انظر يا بن أخي إذا ميز الله الحق من الباطل ففي أيهما يكون الغناء، ذات مرة أعجبني من رجل، هناك دليل بسيط جداً ربما تتكلم ساعات طويلة عن مضار التدخين والسرطانات وضيق الشرايين والجلطة في القلب والأوعية وأدلة وصور، قال له: بالله عليك إذا أمسكت دخينة لتشربها هل تقل بسم الله الرحمن الرحيم، هل تسمِ ؟ فإذا أنهيتها هل تقول الحمد لله رب العالمين، ائت لي بإنسان يسمي إذا بدأ ويحمد الله إذا انتهى، إذاً هذه من الخبائث، هذا دليل سريع، سيدنا عمر بن عبد العزيز كتب إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدأها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، وعن الفضيل بن عياض: الغناء ركية الزنى والضحاك يقول: الغناء مفخدة للقلب مفختة للرب، ويزيد بن الوليد يقول: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة، سئل أبو علي عن سماع الملاهي وعن رجل يقول هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثر فيّ اختلاف الأحوال فقال: نعم لقد وصل إلى صقر، طبعاً هناك تفسيرات كثيرة ولكن أردت أنا أن أميز بين نوعين من الشعر في مدح رسول الله وليس معه معاجم، ولا آلات له، هذا لا شيء عليه، أو في الابتهال إلى الله أو في التوسل، وشعر آخر فيه وصف المحاسن، وفيه إثارة للشهوات، هذا الغناء الذي حرمه الشرع، طبعاً كما قلت في مطلع الدرس أنك لا تستطيع أن تتصل بالله إذا كنت مقيماً على معصية، لا تستطيع أن تتصل بالله إلا إذا طهرت جوارحك من كل مخالفة فكل ثمار الدين، كل عطاءات الدين، كل السعادة التي ترجوها من الدين كل ما عند الله عز وجل لا تناله إلا بطاعتك، لذلك قالوا الاستقامة عين الكرامة، هذا الموضوع أحد الإخوة الأكارم رجاني أن أعالجه في هذا الدرس، عالجته بطريقة مختصرة فيه جانب مشرق، لا شيء عليه وفيه جانب آخر فيه كل شيء، بل فيه قطيعة مع الله عز وجل وأؤكد لكم إذ قال بعضهم أن القرآن و الغناء لا يجتمعان في قلب إنسان، إما أن يكون قلبه مشبعاً بالغناء، و إما أن يكون قلبه مشبعاً بالقرآن، ويحك ألغير كتاب الله تتغنى، وأقول لكم مرة أخيرة إن ذواقي الغناء في العالم لو اجتمعوا والله الذي لا إله إلا هو، لا يرقون في طربهم وفي استمتاعهم في أغانيهم إلى درجة المؤمن حينما يطرب في كتاب الله، أي أنت إذا أعرضت عن الغناء لن تبقى محروماً من نعمة النغم، يأتيك طرب بكتاب الله لا يوصف هذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ماترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه ))
و أما الحديث عن أعلام المسلمين فاخترت لكم في هذا الدرس الإمام أبو حنيفة النعمان، إمام الأئمة الفقهاء، و سنأخذ فقرات من فضائله و من محنه فترون أن هؤلاء الذين تركوا هذا الذخر الكبير من الفقه كيف كان ورعهم، لا تنسوا أن الإمام أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه كان ورعاً إلى درجة لا تصدق، أنا مرة ذكرت لكم أنه ألزم نفسه أن يدفع ديناراً ذهبياً لكل يمين يحلفها في البيع و الشراء و هو صادق، كل يمين يحلفها و هو صادق ألزم نفسه أن يدفع ديناراً صدقة، كان يؤدب نفسه تأديباً كبيراً، كان واقفاً مرة في ظل بيت مع شخص يتحادثان، أمسكه من يده و تنحيا عن الظل إلى الشمس فالشخص استغرب، لماذا فعلت هذا ؟ قال: هذا بيت مرهون عندي وإني أكره أن أنتفع بظله، كان ورعه إلى هذا المستوى، فلذلك:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلد))
أجمل ما في حياة هذا الإمام العظيم هو إكرامه لطلبة العلم، كان أبو حنيفة كما يروي من ألّف عنه طويل الصمت كثير التفكر دقيق النظر في الفقه، لطيف الاستخراج في العلم والبحث، لا يطلب على تعليمه، وإن كان الطالب فقيراً أغناه، وأجرى عليه وعلى عياله حتى يتعلم، فإذا تعلم قال له: لقد وصلت إلى الغنى، فإذا تعلم قال: لقد وصلت إلى الغنى الأكبر وهو معرفة الحلال والحرام، وكان كثير العقل قليل المجادلة، أي أنه كان يدعم طلابه الفقراء حتى يتعلموا، فإذا تعلموا قال: هذا هو الغنى الأكبر، أن تعرف الحلال والحرام، أكبر تلميذ من تلاميذه هو الإمام زُفَر والإمام محمد وأبو يوسف، أكبر تلميذ من تلاميذه هو أبو يوسف، يقول أبو يوسف: كنت أطلب الحديث وأنا مُقِل المال، وأنا فقير فجاء لي أبي وأنا عند الإمام فقال لي: يا بني لا تمدّن رجلك معه فإنّ خبزه مشوي وأنت محتاج، أي اتركه فنحن بحاجة إليك، فقعدت عن كثير من الطلب، تركت المجالس واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإمام وتفقدني وقال حين رآني: ما خلّفك عني يا بني قال: طلب المعاش يا سيدي، فلما رجع الناس وأردت الانصراف دفع إلي صرة فيها مائة درهم وقال: أنفق هذا فإذا تمً إنفاقه أعلمني والزم الحلقة، فلما مضت مدة دفع إلي مائة أخرى وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يخبر بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم أحسن الله مكافأته وغفر له، هذا تلميذه أبو اليوسف صار من أعلام الفقهاء، لأنه حينما أخذه والده وأبعده عن مجالس العلم وتفقده أبو حنيفة رضي الله عنه وسأل عنه وأمده بمصروفه حتى صار الإمام أبا يوسف، ويروى أنّ الحسن بن زياد كان فقيراً وكان يلازمه الإمام وكان أبوه يقول له: لنا بنات وليس لنا ابن غيرك فاشتغل بهن يا بني، فلما بلغ الخبر الإمام أجرى عليه رزقاً، وقال: الزم الفقه فإني ما رأيت فقيهاً معسراً أبداً، لأنه عرف الحق، عرف الحلال والحرام، عرف ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، ألطف كلمة هي فإني ما رأيت فقيراً معسراً، وروى الموفق بسنده إلى مكي بن إبراهيم أحد شيوخ البخاري قال: كنت أتجر فقدمت على أبي حنيفة فقال لي: يا مكي أراك تتّجِر، التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كبير، تفقهوا قبل أن تتّجروا، لأنكم إذا اتّجرتم من دون تفقه ضللتم وأكلتم الحرام ووقعتم في الربا وأنتم لا تدرون، قال: التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير، فلمَ لا تتعلمُ العلم ولمَ لا تكتب، فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه فرزقني الله منه شيئاً كثيراً، فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما أذكره لأن الله ببركته فتح لي باب العلم، ملخص هذه القصص أن العلم هو الغنى الحقيقي، وأنه كما قال أبو حنيفة: ما رأيت فقيراً معسراً، لأنه عرف الحق، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وهو كان يقول: من طلب العلم تكفل الله له برزقه، أي حينما تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لحضور مجالس العلم كي تتفقه، فإن الله سبحانه وتعالى يبارك لك في بقية وقتك الحقيقة أن الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه ورحمه الله تعالى وقع في مآزق حرجة جداً وهذه المآزق تؤكد فهمه الدقيق وحسه المرهف وسرعة بديهته، أي النبي عليه الصلاة والسلام كان على المنبر فسأله أحد الأعراب قال: يا رسول الله متى الساعة ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان سريع البديهة فرد عليه بسؤال آخر: وماذا أعددت لها، من محن أبي حنيفة دخل عليه أحد الخوارج في أيام الخليفة مروان بن محمد، الخوارج فرقة ضالة احتلت الكوفة بقيادة الضحاك بن قيس الشيباني، فقد دخل الضحاك ومعه جماعة على الإمام رحمه الله تعالى وطلب منه أن يتوب، لماذا ؟ لأنّ الخوارج يكفّرون بالصغيرة، يعني أي إنسان فعل ذنباً صغيراً فهو كافر، فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتقد هذا، فدخل عليه الخوارج على بيته مقتحمين وأمراه أن يتوب وإلا قتلاه، فقال الإمام: ممّ أتوب، ماذا فعلت حتى أتوب ؟ وأعاد عليه الضحّاك الأمر بالتوبة، فقال له الإمام: ممّ أتوب ؟ قل لي، قال من رضاك بالتحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، أنت رضيت بالتحكيم، فقال له الإمام: هل لك أن تناظرني ؟ قال: نعم، قال الإمام: إذا اختلفنا فمن نجعل بيننا ؟ قال فلاناً، فقال له الإمام: أترضى به أن يكون حكماً بيننا ؟ قال: نعم، قال الإمام للضحاك لقد رضيت بالتحكيم أنت، أي أعطاه إجابة هاك رضيت بالتحكيم، أتناظرني، فقال له: نعم فإذا اختلفنا قال له: نحكّم فلاناً، ترضى به أرضى به، هاك قد رضيت بالتحكيم فلمَ تطلب مني أن أتوب من قبول التحكيم، هذه سرعة بديهة، هناك محنة ثانية دخل عليه وفد الخوارج وقد شهروا سيوفهم وقالوا: هاتان جنازتان بباب المسجد، أما إحداهما فجنازة رجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها، طبعاً لو قال: إنهما شخصان مسلمان لقتلاه، شهرا عليه السيوف، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: من أي المِلل كانا، ما ملتهما ؟ هل من اليهود، قال: لا، قال: أمن النصارى ؟ قال: لا، قال: أمن المجوس، قال: لا، هما مسلمان، قال: هذا هو الجواب فلما وصلا معه إلى هذه النقطة قالا: ليس هذا نسألك، هل هما في الجنة أم في النار ؟ قل لنا طبعاً أن تقول فلان في الجنة أو في النار هذا ليس من شأنك، لكن لا شك أنّ الإنسان إذا مات كافراً فهو إلى النار بنص القرآن الكريم، لكن إذا رأيته يعصي ليس من شأنك أن تحكم عليه لأنه قد يتوب ويسبقك، الآن يعصي وأنت لا تعصي، اطلب من الله التثبيت، اطلب من الله له الهداية، واطلب لنفسك التثبيت، أما إذا عيّرت عاصياً بمعصيته ربما تاب من معصيته وابتلاك الله بها، لأنّ التعيير ذنب كما تعرفون، الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيّره ابتُلي به، فنحن نقول: من آمن بوجود الله عز وجل ولم يطعه نقول: هذا الإيمان لا يكفي لنجاته لا في الدنيا ولا في الآخرة هذا كلام صحيح، لقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً (136)﴾
( سورة النساء )
أي أنت أيقنت أنّ الماء ضروري ولم تقبل عليه فمت عطشاً، وفي الحقيقة ما قيمة هذا الإيمان ؟ لكن أن تقول: فلان كافر، هذا ليس من شأن الإنسان، فلما قالوا: أهما في الجنة أم في النار ؟ قال: أما إذا أبيتم فإني أقول فيهما ما قال إبراهيم عليه السلام في قوم كانوا أعظم جرم منهما قوله تعالى:

﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)﴾
( سورة إبراهيم )
وأقول ما قال عيسى بن مريم قال تعالى:

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
( سورة المائدة )
وأقول ما قال نوح قال تعالى:

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)﴾
( سورة الشعراء )
وأقول ما قال نوح قال تعالى:

﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)﴾
( سورة هود )
خمس أقوال لأنبياء كبار، هذا هو الأدب لله عز وجل، إذا كنت في طاعة فقبّل الأرض شكراً لله تعالى على أن هداك، وعلى أن قواك وأعانك على طاعته، الدليل قول سيدنا يوسف قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾
( سورة يوسف )
فإذا استقام أحدنا على أمر الله فلا يعتد باستقامته وإنما يشكر الله عز وجل، أقول لك مرة ثانية: إذا كنت مستقيماً على أمر الله، إذا كنت غاضاً لبصرك، متحققاً من دخلك منفقاً مالك في سبيل الله، تحضر مجالس العلم، تحب الله ورسوله، تحب المؤمنين، تنفق من مالك في مرضاة الله عز وجل، قبّل الأرض واشكر الله عز وجل على أن هداك وأعانك اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وإن رأيت ضالاً وعاصياً فادعو له بالهدى والتوفيق هذا الموقف الكامل، أما أن تعيّره بمعصيته فهذا ذنب يستحق العقاب، وربما كان عقابه أنّ الله سبحانه وتعالى يتوب عليه ويبتليك به، فالإنسان كلما كان أكثر تأدباً مع الله عز وجل كلما كان أقرب إلى الله، وقلت لكم مرة سيدنا عمر حينما بلغه أنّ أحد أصدقائه كان في الشام يشرب الخمر ويعصي الله أرسل له رسالة تقطر رقة وعطفاً، أحمد الله إليك غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول، فقيل أنّ هذا الصديق العاصي قرأها وصار يبكي إلى أن تاب فلما بلغ عمر رضي الله عنه ما كان من حال صديقه قال: هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضلّ كونوا عوناً له على الشيطان ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، إذا أخطأ أحد ما عليك قبوله وتطييب خاطره وإعانته على نفسه ورحمته، وإياك والقسوة عليه فيزداد بعداً عن الله عز وجل، قال لهم: ما دام سيدنا عيسى هكذا قال، قال تعالى:

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
( سورة المائدة )
من أنا ؟ سيدنا عيسى وسيدنا داود وسيدنا نوح وسيدنا رسول الله، المحنة الرابعة دعا أبو جعفر أبا حنيفة النعمان ليتولى القضاء فامتنع، فطلب إليه أن يرجع إليه القضاة فيما يُشكل عليهم ليفتيهم فامتنع، فأنزل عليه العذاب بالضرب والحبس أو الحبس وحده على اختلاف الروايات، الحقيقة لما حضر أبو حنيفة إلى بغداد خرج ممتقع الوجه وقال إنّ هذا دعاني إلى القضاء فأعلمته أني لا أصلح، وإني لأعلم أنّ البينة على المدّعي واليمين على من أنكر، أقسم له أني لا أصلح للقضاء، قال له: إن كنت صادقاً في قولي يصلح له فلان، إن كنت صادقاً في قولي فأنت عليك أن تولي الأولى، وإن كنت كاذباً في هذا اليمين فلا يصح لك أن تولي كاذباً القضاء، أي بطريقة من الطرق خرج من هذه المحنة التي لو أنّ الإنسان ابتلي بها قاضيان إلى النار وقاضٍ إلى جهنم بعضهم قالوا أي كلهم على خطأ، طبعاً إلا من عصم الله عز وجل، ألم يقل له بأن حجر عَبَدَ الله خمسين عاماً ثم ضج بالشكوى إلى الله، قال: يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف، قال له: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم، قصته الشهيرة مع أحد خصومه الكبار الذين أرادوا أن يوقعوا به وأن ينهوه عند المنصور، كان في حضرة المنصور وسأله هذا القاضي قال له: يا أبا حنيفة إذا أمرني الخليفة بقتل امرئٍ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم، فإن قال له اقتله فقد أغضب الله عز وجل، وإن قال له: لا تقتله فقد أغضب المنصور فكان سريع البديهة قال: الخليفة على الحق أم على الباطل أجبني ؟ وكان الخليفة جالساً فقال له: على الحق، قال له: فكن مع الحق، فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته، هذا من مواقفه الذكية، بعض أقواله بشكل سريع قال: من لم يمنعه العلم عن محارم الله ولم يحجزه عن معاصي الله فهو من الخاسرين، كما قلت أول الدرس كل هذا العلم محاضرات كتب، مطالعات، حضور ندوات مناقشات، أشرطة، كل هذا العلم في النهاية إذا لم يمنعك عن معصية الله فأنت من أكبر الخاسرين، لماذا لأن ندم الذي لم يتعلم أقل منك، أي تعلمت وحدت عما تعلمت، هذا أول قول، القول الثاني: إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة من العلماء فليس لله ولي، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، ولي جاهل لا يوجد، ولي أجدب لا يوجد، ما دمت ولياً لله فلا بد من أن يعلمك الله عز وجل لأن الله ما اتخذ ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، بل إن الإيمان لقب في ثلاث خصائص، خاصة علمية، وخاصة أخلاقية، وخاصة جمالية، فأنت كمؤمن لا بد من أن تكون عالماً، أنت منطلق من مبادئ، من قيم، من حقائق، من مسلمات، من إيمان راسخ أنّ لهذا الكون إلهاً ورباً ومسيراً هو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله كامل في أسمائه، هذا القرآن كلامه ومعك على ذلك ألف دليل ودليل، وهذا النبي رسوله مؤمن وجاهل لا يوجد، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، هذه أول صفة، الصفة الثانية، الخاصة الثانية في الإيمان أو في المؤمن الخاصة الأخلاقية، مؤمن غدار لا يوجد لا يوجد مؤمن محتال، الحد الأدنى للإيمان الأخلاق، وهناك أحاديث كثيرة جداً كلها صحيحة، الإيمان كله أخلاق، كنا قوم أهل جاهلية فلما بعث الله فينا رجل نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه دعانا إلى الله لنعبده ونوحده وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، الصفة الأولى بالمؤمن صفة علمية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، الصفة الثانية صفة أخلاقية، غدر، إفك، افتراء إيقاع بين الناس، ليس هذا من صفات المؤمن، المؤمن إنسان أخلاقي، وقّاف عند حدود الله والصفة الثالثة جمالية، فالمؤمن له ذوق، نظيف، عنده أذواق عالية، يطرب لا للغناء وإنما للقرآن، أجمل ما في المرأة حشمتها، أذواقه في اختيار أهله، في اختيار طعامه نظيف، في كل شيء نظيف، ففي الإيمان صفة أخلاقية وعلمية وجمالية ذوقية، قال: إن لم يكن أولياء الله في الدنيا والآخرة علماء فليس لله ولي، من تعلّم العلم للدنيا حرم بركته ولم ينتفع به أحد ومن تعلمه للدين بورك له في علمه ورسخ في دينه وانتفع الناس منه، لذلك يقول الإمام الغزالي:
أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله الإمام أبو حنيفة سئل عن رجلين كبيرين عظيمي الشأن، قال: أيهما أفضل ؟ قال: والله ما قدري أن أفضِّل بينهما، قدري أن أدعو لهما وأن أجلّهما فقط، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده، أنت لا تملك الحق أن تميز بين اثنين أعلى منك، فلان هذا أحسن من فلان، ما شأنك بهذا ؟ أنت لست في مستواهما، فلما سئل أيهما تفضِّل ؟ قال: والله ليس هذا من شأني، أنا شأني أن أدعو لهما وأن أجلهما، أما أن أحكم بينهما فو الله ليس هذا من شأني، كان هناك أمير من أمراء الكوفة سأله مرة: يا أبا حنيفة لو تعذرنا، لو تغشيتنا، فو الله نحن نحبك، تعال لعندنا نغديك ونكرمك، ونحتفل بك، لو تغشيتنا يا أبا حنيفة فيمن يغشانا، أي أنّ بابنا لا يُغلق أبداً، الناس مقبلون علينا زرافات ووحدانا، وأنت لا نراك، فقال له رحمه الله: لأنك إن قربتني فتنتني وإن أقصيتني أحزنتني، إن قربتني فتنتني في ديني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندك ما أرجوه إطلاقاً، ما أرجوك له، طلبي هو الآخرة، طلبي الجنة، طلبي مرضاة الله عز وجل، فليس عندك شيء أرجوك له، وليس عندي شيء أخافك عليه، لم تعطني شيء تخاف أن تذهب مني، ليس لي عندك حاجة، حاجتي عند الله عز وجل، وليس لك عندي حاجة تخاف أن تذهب مني، قال له: ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وليس عندك شيء أرجوه منك، قال له: وإنما يغشاك من يغشاك ليستغني بك عمن سواك، وأنا غني بمن أغناك، فلِمَ أغشاك فيمن يغشاك، ليس لي مصلحة عندك، ألم يقل أحد الخلفاء لأحد العلماء بالحرم المكي: سلني حاجتك ؟ قال له: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، هذا غير معقول فهنا بيت الله عز وجل، فلما التقى به خارج الحرم قال له: سلني حاجتك ؟ قال له: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها ممن لا يملكها، فلما ألح عليه قال له أريد منك الجنة، قال له: هذه ليست عندي، فأجابه: إذاً ليس لي عندك حاجة، فأنا أريد هذه.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 04:40 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 34 : عيادة المريض وأحكامه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-01-12
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسلام على سيدِّنا محمّد الصادق الوعد الأمين اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين
أيُّها الأخوة المؤمنون: موضوع الدرس اليوم:
((آداب عيادة المريض ))
قبل عدّة أسابيع تحدّثنا عن آداب السفر، واليوم نتحدّث عن آداب عيادة المريض وذلك لسبب بسيط، هو أنني في بحر هذا الأسبوع عدْتُ أخَاً مريضاً، فقُدِّمت ضيافة، وهو من الثابت في آداب المريض ألا يتناول العائد الذي يعيد المريض عند المريض شيئاً، ولأنّ الناس يمرضون، ولأن من واجبات المسلم أن يعود المرضى من إخوانه المؤمنين، فهذا موضوع نحن في أمسّ الحاجة إليه، وحبّذا لو طبّقنا في كل حركاتنا وسكَناتنا الآداب النبويّة التي أمر الله بها ولكن قبل الحديث عن العيادة، لابد من مقدّمة:
الحقيقة أنَّ الإنسان إما أن يتأدّب تأديباً داخلياً، وإمَّا أن يتأدّب تأديباً خارجياً، أي إمَّا أن يكون هناك تعليمات يطبّقها، وإمَّا أن تكون عنده مشاعر وموازين دقيقة يأتَمِر بها، فإذا أُدِّب من الخارج، فهذا نوع من الأدب، وإذا أدب من الداخل، فهذا نوعٌ أرقى، كما يقال هناك رادع وهناك وازِع، هناك توجيهات خارجية، وهناك دوافع داخلية، وكيف نجمَع بينهما ؟ الإنسان إذا طبَّق الآداب التي نصَّ عليها الشارع الحكيم، تطبيق هذه الآداب يعينُه على الاتصال بالله عزَّ وجل، واتّصاله بالله عزَّ وجل يُثمر له رقةً في المشاعر، ودقّة في الموازين، فأنت إمّا أن تتأدب حين تطبِّق قواعد الشرع، أو حينما ترقُّ المشاعر وتدِّق
الموازين، نجمع بينهما بقول النبي عليه الصلاة و السلام:

((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَورَثَهُ اللَّهَ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَم ))
تطبّق التعليمات، تتّصل بربِّ الأرض و السماوات، بعد الاتصال تصبح هذه التعليمات جزءاً من كِيانك، تطبّقها عفواً لا قصداً، تطبقها سجيّة لا تصنُّعاً، تطبِّقها استجابةً لوازعٍ داخلي، لا خوفاً من رادع خارجي، هذا ما فعله النبي عليه الصلاة و السلام، أو هذا ما قاله النبي عليه الصلاة و السلام حينما سُئل:

((أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي ))
وقد يسأل سائل ما حجم الآداب في الإسلام ؟ إنَّها ربع الإسلام، في الإسلام عقائد وفي الإسلام عبادات، وفي الإسلام معاملات، ففي الإسلام آداب، فعندنا آداب المسافر، من يلبّي دعوة عند أخيه، آداب الزواج، آداب مجالس العلم......الخ ودرسنا اليوم: آداب عيادة المريض
أولاً: عيادة المريض سُّنة مؤكّدة عند الجمهور " سُّنة مؤكَّدة " كلُّكم يعلم أنّه هناك فرض، وهناك واجب، وهناك سُّنة مؤكَّدة، وهناك سُّنة غير مؤكَّدة، وهناك مُباح، وهناك مكروه كراهة تنزِّيهية، وهناك مكروه كراهة تحريميّة، وهناك الحرام، فأيُّ حركة، وأيُّة سكَنة وأيُّ تصرّف لابدَّ من أن ينضوي تحت هذه الأحكام العدَّة التي نصَّ عليها العلماء.
عيادة المريض سّنة مؤكدة، والإمام البخاري يقول:
((هي واجبة ))
لأنَّ النبي عليه الصلاة و السلام قال:

((عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الأَسِيرُ ))
(صحيح البخاري)
والحديث الذي تعرفونه جميعاً، أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ، رَدُّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَازَةِ ))
(سنن أبي داوود)
يعني سُّنة مؤكَّدة، وعند الإمام البخاري واجب، وعند بعض العلماء مندوب، أي يوجد ندب وسٌّنة مؤكدة وواجب، أي في كل الأحوال، يجب عليك أن تعود المريض، لكنَّ الشيء الذي يُلفت النظر، هو أنه مما يلحَق بعيادة المريض، تفقّد أحواله، زرتَ المريض - زرتَه - وسلّمتَ عليه وسألتَه عن صحته، وخاطرَك مع السلامة.. لعلَّه بحاجة إلى شيء بحاجة إلى دواء، إلى طبيب، إلى حاجات للبيت.. فقال: مما يُلحَق بعيادة المريض، تفقّد أحواله، وتعهّده والتلطُّف به، أشياء ثلاثة، تفقّد أحواله، أن تسأله، هل أنت بحاجة إلى شيء هل أنت بحاجة إلى أغراض ؟ هل أنت بحاجة إلى الدواء ؟ هل أنت بحاجة إلى الطبيب ؟ هل أنت بحاجة إلى ممرّض ؟ اسأله، تفقّد أحواله، وتعهّد بعضها، أنا آتيك بالطبيب، هناك أخ كريم من إخواننا الأطباء، كلَّما ذكر في الدرس أخ مريض، يأتيني ويقول: أنا سأذهب إليه، والله صرتُّ ممنوناً منه من أعماقي، كلَّما ذكرتُّ أخاً مريضاً، جاء إليَّ، وقال: أنا سأذهب إليه، أيّ صار فيه تعاون، في الإسلام هناك شيء أعمق من أن حضرنا مجلس علم، نحن أسرة، أسرة واحدة، كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمَّى، هكذا المؤمنون، كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً، إذاً أدقٌّ شيء في العيادة: ما يلحقُ في الأحوال، وتفقد بعضها، والتلَّطف بالمريض، تفقّد، تعهّد، تلَّطف، هذا مما يُلحَقُ بعيادة المريض.
العيادة لا تتقيَّد بوقت، لا يوجد في السِّنة وقت خاص بها، بحسب عادات الناس بعد الظهر مثلاً، بعد العشاء، قبل المغرب، ضحى، بحسب عادات المريض، بحسب فراغه بحسب الإمكانات المتاحة، لكن أدقُّ ما في الموضوع: هو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي: قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟))
(صحيح مسلم )
كيف نسب الله المرض إلى ذاته وهو لا يمرض ؟ أيّ كيف أضافه إلى ذاته ؟ قال شرَّاح الحديث: هذا تطييبٌ لقلب المريض، وهذا جبرٌ لخاطره، وهذا تكريمٌ له، وهذا تشريفٌ له، يعني كما يُقال: إنَّ الابن إذا تألَّم تألَّمت معه أمه، في مشاركة، في محبة، فربُّنا عزَّ وجل حينما يقول:

((مَرِضْتُ، فَلَم تَعُدْنِي))
حينما أضاف المرض إلى ذاته، قالوا في هذا تشريفٌ، وتكريمٌ، وتطييبٌ لقلب المريض، وجبر لخاطره، وحين قال:

((يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ ؟ قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانَاً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ، أَنَّكَ لَوعُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ ))
والنقطة الثانية:
((أنَّكَ لَوعُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ))
أيّ: أنا يا عبدي، حينما سلَبْت هذا المريض بعض صحته، عوّضته سكينة في قلبه وعوّضته قرباً مني، أيّ: بٌعد مع الصحة، قرب مع المرض، حينما سلبته الصحة، عوضّته قرباً مني، عوضّته سكينة في قلبه، لذلك من أدق الآثار، أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام علَّمنا أنَّك إذا عدت مريضاً " اسمعوا " قال:

((عودوا المرضى وأمروهم فليدعوا لكم، فإنَّ دعوة المريض مستجابة، وذنبه مغفور ))
هذا معناه: أنَّ المريض أقرب منْك إلى الله، لأنه بهذا المرض، سلبَه الله الصحة لكن عوضَّه القرب، عوضَّه الرقّة، عوضَّه التجلي، قذف في قلبه نوراً، وليس غريباً أن تزور مريضاً، فترى في وجهه تألُّقاً، فترى في نفسه رقةً، فترى في حديثه روحانيةً، هذا الذي يحصل تماماً، إذا سلَب الله المريضَ صحته، عوضه السكينة والتجليات و القرب والأنوار وما إلى ذلك..وهذا شيء مألوف جداً، تشعر أنه قريب، تشعر أنه رقيق المشاعر، تشعر أنه طليق اللسان، تشعر أنَّه ازداد معرفة بالله عزوجل، وأجمل كلمة قالها لي مريض عدته في هذا الأسبوع، قال لي: هذه خلوةٌ مع الله، هذا المرض خلوة مع الله، لأنَّ الإنسان أحياناً يكون مُثقل بالمواعيد واللقاءات و الأعمال و المتاعب، يقول لك: نشف قلبي، جفَّ قلبي، أنكرتُ قلبي فإذا أراد الله أن يقربه، أيّ أن يريحه في البيت أسبوعاً، فإذا بهذا الأسبوع، خلوةٌ مع الله عزَّ وجل، قال الرسول عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ! إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا ))
(مسند الإمام أحمد)
النبيُّ عليه الصلاة والسلام، من حديث زيد بن أرقم قال: عادني الرسول عليه الصلاة والسلام، من وجعٍ كان بعيني، إذاً بالأقوال:

((عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ َطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الْأَسِيرُ))
(صحيح البخاري)
وبالأفعال، عادني رسول الله صلى عليه وسلم، من وجع كان بعيني، ويقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ ثَوْبَان، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ ))
(صحيح مسلم)
((قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجهَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِنْهُمْ مَنْ وَقَفَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَأَبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عِلاقَةَ))
(سنن الترمذي)
إذاً كلَّها أحاديث، تدعونا إلى عيادة المريض، إذاً: سلوك إسلاميّ، سلوك إيمانيّ سلوك يتميَّز به المسلم، هو أن تعود أخاك المريض، بالإضافة إلى العيادة، أن تتفقد أحواله وأن تتعهد بعضها، وأن تتلطَّف به، هذه أحكام العيادة.
فما هي آداب العيادة ؟ آداب العيادة، قيل: يندب في العيادة أمور كثيرة، منها يستحبُّ لعائد المريض، أن يدعو له بالشفاء " شفاك الله وعافاك " وأن يأمرَه بالصبر، أي لك مهمة ثانية وهي أن تأمره بالصبر، وأن تدعو له بالشفاء،

((عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فَجَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ ))
(سنن أبي داوود)
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ))
(سنن أبي داوود)
أي إذا كان هناك إيمان، ونفَس طاهر، واستقامة، وحب بين المؤمنين، و أخ كريم عاد أخاه المريض، ودعا له من أعماق قلبه، يعني أغلب الظن و أرجح الظن، أنَّ الله سبحانه وتعالى يستجيب و يشفي هذا المريض المؤمن.

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا. قَالَ سُفْيَانُ حَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُورًا فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ ))
(صحيح البخاري)
والسقم: هو المرض.
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُبْطِلُنِي، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ وَقُلْ:
((بِسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ، سَبْعَ مَرَّاتٍ ))
((فَقُلْتُ ذَلِكَ فَشَفَانِيَ اللَّهُ ))
(سنن ابن ماجه)
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ: -وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ -، فَقَالَ لَهُ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: قُلْتُ طَهُورٌ ؟ كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا ))
(صحيح البخاري)
أي أنَّ الإنسان ليس له حق أن ييأس، يأسه دليل جهله بالله عزَّ وجل، يأسه دليل جهله، والله عزَّ وجل يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ ))
(مسند الإمام أحمد)
فالمؤمن يظن بالله خيراً، هذا المرض للترقية، هذا المرض للتطهير، فإذا أراد أن يظن ظنّاً سوءاً، فله ذلك:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ ))
(مسند الامام احمد)
عاد النبيّ الكريم أحد الأنصار، عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار، فأكبَّ عليه يسأله، قال: يا رسول الله ما غمِضت ليَ عين منذ سبع ليالي، ولا أحد يحضُرني، المريض إذا مرض، ونسيه إخوانه و أصحابه، ونسيه أقرباؤه، وبقي طريح الفراش أياماً عديدة، يتألم أشدَّ الألم، قال: يا رسول الله، ما غمضت ليَ عين منذ سبع ليال، ولا أحد يحضرني، فقال عليه الصلاة و السلام:

((أيّ أخي اصبر، أيّ أخي اصبِر، تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها ))
إذاً عندنا طَهور، إن شاء الله

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ))
(صحيح البخاري)
طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّه

((واصْبِر، اصْبِر، تَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِكَ كَمَا دَخَلْتَ فِيْهَا))
وكان عليه الصلاة و السلام، يضع يده الشريفة على مكان الألم ويقول: بسم الله هذه بعض آداب عيادة المريض، لكن أدقّ شيء في العيادة، الآن بعد الدعاء، والأمر بالصبر واشف، يا ربَّ الناس، يا مُذهب البأس، اشف شفاءً لا يغادر سقماً، و طَهور إن شاء الله، بعد كلِّ هذه الأقوال.
أهم شيء في العيادة، قال: يستحبُّ للزائر أن يطيّب نفس المريض وأن ينفسُّ له في الأجل.

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ ))
(سنن ابن ماجه)
هذا يعني أنت مهمتك، بكلام طيِّب، أحياناً يكون مرضاً خطيراً، أنت تعرف قصتين، ثلاث، أربع، خمسة، عن أشخاص أصابهم مرض عضال، وشفاهم الله شفاءً تاماً هذه القصص إذا ذكرتها للمريض، وأنت صادق بها، وقد وقعَت فعلاً، ولا بأس من أن تؤكّدها له، هذه القصص تلقي على قلبه الطمأنينة، وتشرق في نفسه الأمل، الإنسان لمَّا يكون معه مرضاً خطيراً، ويسمع أنَّ هناك أشخاص كثيرين أصابهم مرض عضال، وشفاهم الله شفاءً تاماً لذلك الإنسان من حكمته، ومن إتباعه للسَّنة، إذا علم عدة قصص، فيها شفاء من الله عزَّ وجل فيها عناية إلهية، يجب أن يذكر هذه القصص للمريض، لأنَّ هذه القصص ترفع معنويات المريض، ولا أكتمكم أنَّ في رفع معنويات المريض تعجيلاً للشفاء، لأن ارتباط النفس مع الجسد ارتباط دقيق جداً، أنا قلت لكم مرة، حدثني صديق أجرى عملية قلب مفتوح في لندن، فقال لي قبل إجراء العملية بيوم أو يومين، دخلت ممرضة ونسَّقت الأزهار في الغرفة، لم تفعل شيئاً ذا بال، لكنَّها نسَّقت الأزهار، وسألته عرَضاً، من طبيبك الذي سيجري لك العملية ؟ فقلت لها فلان، قالت: له فلان، بدهشة كبيرة، قال: نعم، قالت له: كيف قبِل أن يجري لك هذه العملية ؟ قال: أنا اتصلتُّ به من دمشق منذ أشهر، قالت: غير معقول ‍‍‍‍!! هذا من ألمع الأطباء، هذا أجرى عشرة آلاف عملية، لم يخطئ في واحدة، فقال لي: واللهِ شعرت براحة عجيبة، بعدما انتهت العملية، في أثناء دفع الحساب، هناك ألفين جنيه مقابل رفع معنويات، هذه الممرضة هذه عالمة معها اختصاص من علم النفس، دفعَّتهُ ألفين جنيه، المؤمن لا يحتاج لتوعية المؤمن لوحده معنوياته عالية، لأنَّ له ثقة بالله كبيرة جداً، ثقته بالله هذه تعين العضوية على الشفاء، طبعاً هناك طبيب حدَّثني عن الآلية الدقيقة، كيف أنَّ الإنسان عندما تكون معنوياته عالية كثير، هذه المعنويات العالية، تعين العضوية على الشفاء، هذه الآليِّة معقدة جداً لارتباط كبير جداً، بين الحالة النفسية وبين الحالة العضوية، وليس غريباً أنَّ أمراض السكر لها علاقة بالصدمات النفسية، ضغط الدم له علاقة بالصدمات النفسية، الأمراض العصبية كذلك، أمراض المعدة وجهاز الهضم كذلك، أمراض القلب كذلك، أكثر الأمراض، تكاد تكون الأمراض كلَّها ذات اتصال وثيق جداً بالحالة النفسِّية، فلذلك، المؤمن له هذه الميزة، أنَّ معنوياته المرتفعة دائماً تعينه على الشفاء السريع، فلذلك الطبيب والممرِّض والذي يعود المريض، من أخطر ما يفعله، أنَّه يبثُّ الرعب و الخوف في المريض، فمن سنَّة عيَّادة المريض، أن يطيّب نفس المريض بإقناعه في الحياة، وقرب الشفاء.

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
(سنن ابن ماجه)
وكم من مريض شفاه الله عزَّ وجل، حينما زاره مؤمن وبثَّ في قلبه الطمأنينة ورفع معنوياته، الآن إذا عُدتَ مريضاً، اطلب منه الدعاء منه، ادع لنا، لأنه قريب من الله عزَّ وجل، ولأنه صافي النفس، ولأنه يقظ الفؤاد، وحينما تطلب منه الدعاء، هذا رفع آخر لمعنوياته.
قيل: ويستحبُّ تخفيف العيادة، وعدم تكريرها في اليوم الواحد، إلاَّ إذا رغب المريض، إذا رغب في التكرير، أو رغب في التطويل، إلا إذا رغب المريض في التكرير و في التطويل وأصَّر على ذلك، أمَّا إذا ما تكلَّم شيئاً، يستحبُّ ألاَّ تكرَّر في اليوم الواحد، وألاَّ تطوَّل، والنبيّ عليه الصلاة و السلام جعل العيادة بقدر فواق ناقة.
سبحان الله، هذا الحكم، أوهذا الأدب السابع، قال: يستحبُّ لمريد العيادة الوضوء ما حكمة ذلك ؟ النبيّ الكريم سَنَّ وضوء الطعام، وضوء الطعام، غسل اليدين و الفم قبل الطعام وبعد الطعام، أيّ من سنة النبيّ عليه الصلاة و السلام، الوضوء قبل الطعام والوضوء بعده وضوء الطعام: غسل اليدَين وغسل الفم، والحكمة واضحة، إذا الإنسان صافح إنسان آخر، أو مسك شيئاً ملوَّثاً مثلاً، أمسك حذاءه
بيده، مسك أداة ملوثة، فإذا أراد أن يأكل ولم يغسِّل يديه فقد وقع في مشكلة، ففمه و يداه تغسَّلان قبل الطعام وتغسَّلان بعد الطعام، واسم هذا الوضوء وضوء الطعام.

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا، بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا. قُلْتُ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا الْخَرِيفُ ؟ قَالَ: الْعَامُ قَالَ أَبو دَاود وَالَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُ الْعِيَادَةُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ))
(سنن أبي داوود)
أنّه قد يكون هذا العائد، حامل مرض، قد يكون معه تلوث، قد يكون بيده جراثيم وهو لا يدري، عنده مناعة شديدة، حامل مرض وليس مريضاً، وهذا ما اكتشفه العلم مؤخراً، النبيّ عليه الصلاة و السلام، في حديث يعدٌّ من إعجازه.

((عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ، ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ ))
(صحيح مسلم)
معروف السبب، إذا كنتم فيها، لا تخرجوا منها، عدم الدخول واضح، هؤلاء خطرون جداً، لأنهم ينقلون المرض، من دون أن يأخذ المريض أو الرجل احتياطه منه، فنحن الأكمل كما فعل النبيّ، أنَّك إذا عدت مريضاً، عليك أن تتوضأ، من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم، محتسباً، أكرمه الله سبحانه و تعالى، من توضأ، وأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم، إذاً الوضوء أيضاً من السِّنة، إذاً يوجد لدينا، الوضوء، والتنفيس في الأجل وطلب الدعاء، وأن تقول: لا بأس عليك طَهور إن شاء الله، وأن تأمره بالصبر، وأن تتفقد أحواله، وأن تتعهد بعضها، وأن تتلطَّف به، هذه كلَّها من آداب عيادة المريض، ويستحبُّ للعائد ألاَّ يتناول عند المريض طعاماً، ولا شراباً، ماذا يحصل ؟ أيّ أهل المريض في شغل عن تقديم الضيافة، والمريض قد يشتهي هذا الطعام الذي يُقدَّم، والعائد قد يجد حرَجاً إذا تناول شيئاً عند المريض مخافة العدوى، فالزائر في حرج، والأهل في حرج، والمريض في حرج فالسُّنة أن لا تقدَّم ضيافة أبداً من قبل أهل المريض، والسُّنة من العائد أن لا يأكل شيئاً، لأنه تقع إحراجات كثيرة جداً، هذا أردتُّ أن أقوله في درس عام، حتى إذا كان جاءنا عائد لمريض ليس من العار، أن لا نقدم له شيئاً، لأنها هذه سّنة النبيّ، هكذا قال عليه الصلاة و السلام في ما أخرجه الديلمي :
((إذَا عَادَ أَحَدُكُم مَرِيضَاً، فَلا يَأْكُل عِنْدَهُ شَيِئَاً، فَإِنَّهُ حَظَّهُ مِنْ عِيَادَتِه، فَلا يَأْكُل عِنْدَهُ شَيْئَاً ))
الآن حُكم أن تعود ذميَّاً، أيّ من أهل الكتاب، قال: يجوز أن تعود ذميَّاً، يجوز أن تعود إنسان نصراني، إذا كان هناك مصلحة من عيادته، قد تكون هناك مصلحة، قد يكون جاراً قد يكون زميلاً في العمل، فمن المصلحة أن تعود الذمّي.
((عَن ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ))
(صحيح البخاري)
أحياناً، تعود إنساناً ذميّ، هذه العيادة يطرَب لها، يفرح بها، تكلِّمه كلمات دقيقة أنَّ الإنسان المريض يكون قريباً من الله كثيراً، تكون معنوياته، تكون مشاعره مرهفة، فكره يقظ، فإذا عدَّته، ونطقت بالحق أمامه، ولفتَّه إلى الله عزَّ وجل، فهذا عمل طيب، وقد روي عن أنس أنَّ أبا طالب مرض، فعاده النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، أبو طالب يخاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي، ادع إلهك الذي تعبده، أن يعافيَني سبحان الله، فقال النبيّ عليه الصلاة و السلام:اللَهُمَّ اشْفِ عَمِّي
فقام أبو طالب، كأنَّما نشط من عُقام، شعر بنشاط، فقال: له يا ابن أخي، إلهك الذي تعبده، يطيعك، قال عليه الصلاة و السلام: و أنت يا عمِّي إن أطعت الله ليطيعك.
إذا أطعته و دعوته يستجيب لك، هذه في اللغة تسمى مشاكلة، أي ليس فقط أنا بل أنا و أنت، إذا عرفته و أطعته و دعوته، يستجيب لك.
المذهب الحنبلي " الحنابلة معروفين، يقول الناس: فلان حنبلي " لا يجوز أن تعود مبتدعاً، إنسان جاء بعقيدة فاسدة، إذا عدَّته فكأنك أيّدته، إذا عدَّته فكأنّما أقررته على عقيدته لا يجوز أن تعود مبتدعاً، ولا مجاهراً بمعصيةٍ، أيّ إذا إنسان فاسق، فاجر، عدو للدّين، هذا دعه، دعك من عيادته، هذا عند الحنابلة، لكن الآن المريض نفسه، جاءه العوّاد، ماذا يقول قال: لا بأس على المريض أن يخبر من يعوده، بما يجده من ألمٍ، لا على سبيل الضجر و الصخب، بل على سبيل البيان، مبتدئاً أن يقول: الحمد لله، أجد كذا وكذا... أو الحمد لله، بيّ كذا وكذا، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه:

((إذا كان الشكر قبل الشكوى، فليست بشكوى ))
الحمد لله، الله عزَّ وجل، الله ابتلاني، أجد ألم في صدري، أجد ألم في يدي، أجد ألم في رأسي، إذا كان هناك شكوى، وكان هناك حَمدُُ قبل الشكوى، فالحمد قبل الشكوى تبطل الشكوى.

((عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا: وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَاثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ ))
(صحيح البخاري)
يعني ممكن، إنسان يتألم، لكن الصياح، وتمزيق الثياب، وضرب الوجه، هذا الذي نهى عنه النبيّ عليه الصلاة و السلام، طبعاً إخبار المريض، صديقه أو طبيبه، عن حاله لا بأس به إتفاقاً، لأن هذا لا يتنافى مع الصبر الجميل، سيدِّنا يعقوب ماذا قال ؟

﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾
(سورة يوسف)
وسيدِّنا أيوب قال:

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)﴾
(سورة الأنبياء)
وقال بعض الشعراء:

و إذا عراك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنَّه بك أعلـــم
وإذا شكوت إلى بن آدم إنَّما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
الأكمل أن تشكو إلى الله عزَّ وجل، من الأدعية الجميلة: يا ربّ، أشكو إليك ما لا يخفى عليك، وأطلب منك ما لا يعسر عليك، أشكو إليك ما لا يخفى عليك، وأطلب منك ما لا يعسر عليك، من السّنة أيضاً، إذا كنت في عيادة مريضٍ، أن تذكر له هذين الحديثين -

(( سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ))
(صحيح البخاري)
مُهمين - يقول عليه الصلاة و السلام في ما رواه أبو هريرة، و أخرجه الشيخان
((سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ))
(صحيح البخاري)
يعني: يبتليه، يعنيّ: إذا أحبَّ الله عبداً، ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اغتناه

((سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ))
(صحيح البخاري)
وفي حديث آخر:

((عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ ))
(مسند الإمام أحمد)
الحديث الثالث:

((أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا))
(صحيح البخاري)
حديث رابع:

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ، وَلا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ))
(صحيح مسلم)
إذاً كم حديث صار لدينا ؟ سنعيدهم مرة ثانية، في أحاديث إذا تلوتها على المريض رفعت معنوياته

((سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ))
(صحيح البخاري)
يعني: إذا أراد الله بإنسان خيراً، ابتلاه، الصحابيّة التي ما رأت زوجها ما مرض أبداً، فخافت أن يكون منافقاً، فأرادت أن تذهب إلى النبيّ عليه الصلاة و السلام تشكوه، زوجي ما أصابه شيء في حياته، في الطريق وقع فتعثَّر، فقالت: "رجع مشي الحال

((سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ))
(صحيح البخاري)
((عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ ))
(مسند الإمام أحمد)
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ وَلا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ))
والحديث المعروف الذي أتلوه عليكم كثيراً، لمَّا النبيّ الكريم دخل على مريض قال يا رسول الله، ادعّ الله أن يرحمني، قال:
((يا ربِّ ارحمه))
فقال الله عزَّ وجل:

((كَيْفَ أَرْحَمُه مِمَا أَنَا أَرْحَمُه، وَعِزَّتِي وَجَلالِي، لا أَقْبُضُ عَبْدِيَ المُؤْمِنُ، وَ أَنَا أُحِبَُ أَنْ أَرْحَمَهُ، إِلاَّ ابْتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سَيِئَةٍ كَانَ عَمِلَهَا، سَقَمَاً في جَسَدِه، أَو إِقْتَاراً في رِزْقِهِ، أو مُصِيبَةٌ فِي مَالِهِ أَو وَلَدِهِ، حَتَّى أَبْلُغَ مِنْهُ مِثْلَ الذر، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيهِ شَيءٌ، شَدَّدَّتُ عَلَيِهِ سَكَرَاتِ المَوتِ حَتَّى يَلْقَانِي كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه))
هذا شيء ثابت، يعني: المرض للمؤمن تكفير، المرض للمؤمن ترقية، المرض للمؤمن خلوة إجبارية، المرض للمؤمن مناسبة ليلتفت إلى الله عزَّ وجل.
الآية الكريمة:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾
(سورة البقرة)
الصلوات من الله عزَّ وجل، بمعنى المغفرة و الثناء،
والرحمة: العطاء و الإحسان.
((وأولئك هم المهتدون))
هذا هو التاج، فلذلك المريض، هذه فلسفة المرض في الإسلام، عيادة المريض واجب، والمريض يرقى بالمرض.
أتمنى عليكم جميعاً، أنَّه إذا بلغكم أخ مريض، تعودوه، وتواسوه، وتتفقّدوا أحواله وتتعهدوا بعضها، وتتلطفوا به، تنفذوا هذه الآداب التي ذكرها النبيّ عليه الصلاة والسلام فإنَّ عيادة المريض تمتّن
الأخوة في الله، تمتّنها تمتيناً كبيراً، يعني أخ كريم عُدناه في مرضه، قال: كلمة تركت في نفسي أثراً، قال: أنا لي عمل، و أنا في عملي منذ عشرين عاماً، أو ثلاثين عاماً رأيت في إخواني في المسجد، ما لم أره من زملائي في العمل من عشرين عاماً، والله شيء رائع جداً، أن يحس الأخ أنه عضو في أسرة، إخوان كثر زاروه تباعاً، وقدَّموا له خدمات وتفقدوا أحواله، وتعهدوا بعض الخدمات، و أعانوه، هكذا المؤمن، لست وحدك في الحياة أنت عضو في أسرة، مجتمع المؤمنين مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى، الشيء الرائع جداً، أن يشعر الإنسان أنه غالي على إخوانه، والذي يؤكّد هذا الحب، وهذا الولاء، وهذه التضحية والإيثار، أن تعود المريض.
طبعاً، إخواننا والحمد لله، أكثرهم يفعلون هذا، أنا ما ذكرت هذا الدرس في العيادة لأنهم مقصرون، ولكن أردت أن أذكّرهم بآداب العيادة، ما ينبغي أن تقوله للمريض، ما ينبغي أن تتفوه به، أن تأمره بالصبر، أن تدعو له بالشفاء، أن تطلب منه الدعاء، أن تنفّس له في الأجل، أن لا تأكل عنده شيئاً، ولا تشرب، أن تتعظ بهذا المرض، والإنسان إذا مرض كمؤمن، يجب أن يعتقد، أن هذا المرض تطهير له، وتقريب، وخلوة.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة و السلام على سيدّنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللّهم أعطنا ولا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضِنا و ارضَ عنَّا، اللّهم أصلح لنا ديننا، الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كلِّ خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين، وصلى الله على سيدِّنا محمد النبيّ الأميّ، وعلى آله و صحبه و سلَّم.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 04:41 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 35 : الحلال بين والحرام بين - الشبهات 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-02-16
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم: الحديث الشريف اليوم:
(( حَدَّثَنَا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ))
(صحيح البخاري)
الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم يعد من أصح الأحاديث يسميه علماء الحديث متفق عليه.
أيها الإخوة هذا الحديث تسمعونه كثيراً هناك فرق بين أن نستشهد بحديث شريف وبين أن نفصل فيه الحديث فهذا الحديث مع أنكم تسمعونه كثيراً نريد أن نقف عنده وقفة متأنية السبب: إن سبب اختياري لهذا الحديث هو أن معشر المؤمنين الحرام عندهم واضح، لا يشربون الخمر، ولا يزنون، ولا يسرقون، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، والحلال عندهم واضح أن يعملوا بتجارة مشروعة، أن يأكلوا ويشربوا، ويسكنوا في بيت، أن يتزوجوا، هذه أشياء واضحة جداً، مشكلات المؤمنين ليست في الحلال ولا في الحرام ! لأن الحرام والحلال عندهم بين، فلو تتبعت بعض المفتين مالذي يتواتر السؤال عنهم لقال لك: إنها الشبهات المحرمات واضحة، والحلال واضح وبين ومتفق عليه ولا اختلاف فيه وليس مشكلة وأغلب الظن أن المؤمنين بعيدون بعداً كبيراً جداً عن أن يقعوا في المحرمات، ففي مجتمع المؤمنين المسلمين قلّما تجد ويندر أن تجد شارب خمر، أو عابد صنم، أو قاتل نفس، أو زانٍ، هذه أشياء قلّما توجد.
فنحن في بيت من بيوت الله نحن مؤمنون والحمد لله بدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
(سورة التوبة)
لأنكم في بيوت الله فأنتم في نص الآية الكريمة مؤمنون والحمد لله.
لكن نحن مشكلتنا لا في الحلال ولا في الحرام ! فالذي يهلك المؤمنين الشبهات الذي يحجبهم عن ربهم صغائر الأعمال التي تكون حجاباً بينهم وبين السماوات، هذا الذي يظنونه صغيراً وهو عند الله كبير، لذلك اخترت هذا الحديث الشريف ولنقف عنده وقفة متأنية نتعلم أن سلامة دين المؤمن ليست في اتقاء المحرمات إنه يتقيها ولا شك، ولكن سلامة دين المؤمن في اتقاء الشبهات لأن الشبهات تنقله إلى المحرمات، لذلك الحلال المحض الواضح البين كأكل الطيبات من الزروع، هل سمعت إنسان على وجه الأرض يسأل مفتي: ما حكم أكل التفاحة مثلاً هذا السؤال لا يسأل لأنه بالبديهة والفطرة والواقع حلال كأكل الطيبات من الزروع والثمار أكل بهيمة الأنعام، شرب الأشربة الطيبة، لباس ما يحتاج إليه من القطن، والكتان، والصوف والشعر، والزواج، هذا كله حلال بين، الحرام أكل الميتة لحم الخنزير الدم شرب الخمر نكاح المحارم إلباس الحرير للرجال اكتساب المحرم كالربا والميسر...
هذه أشياء ليست مشكلة إطلاقاً ومن نافذة القول الحديث عنها، إن حدثت عصاة أو أناس بعيدون جداً عن أضواء الدين لك أن تحرم عليهم الخمر والربا، لكن إن حدثت المؤمنين هؤلاء بعيدون بعداً كبيراً عن هذه المحرمات، لذلك الحديث المناسب المفيد للمؤمنين هو الحديث عن الشبهات.
فمعنى الشبهة شيء من جهة يشبه الحرام، ومن أخرى يشبه الحلال، إذا كان الشيء هناك دليل على حلّه، ودليل على حرمته، أدى للاشتباه، هذا الشيء من كان رقيقاً في دينه يقع في الشبهات، ومن كان ورعاً لا تنسوا أنه لا تبلغ درجة المتقين حتى تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، فصفات المؤمن الذي يرقى عند الله عزوجل هو الورع، ومعنى كلمة ورع أنه يدع ما اشتبه عليه، قضية فيها إشكال، وفيها وجهات نظر، قضية خلافية، قضية تحتمل أن بعض العلماء أحلّها، وبعضهم حرمها، الذي حرمها معه دليل، والذي أحلّها قاسها على شيء محلل فما دام القضية فيها شبهة، وشعور بالضيق فالورع يبتعد عنها ! وكما أقول لكم دائماً ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلّط.
الشيء الذي يجدر أن نذكره بادئ ذي بدء أن النبي الكريم حينما قبضه الله عزوجل بين كل شيء ! لذلك نزل عليه قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
(سورة المائدة)
هذا كلام خالق الكون، هناك من يقرأ هذه الآية قراءة ليس فيها تدبر، إذا قال لك خالق الكون:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
هل معقول أن يبقى في الدين شيء نسيه القرآن ؟ أو لن يرد ذكره في القرآن ؟ أو القرآن عالجه معالجة سريعة نحن في أمس الحاجة لمعالجة عميقة، فحينما يقول الله عزوجل:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
معنى أكملت من حيث النوع، ومعنى أتممت من حيث العدد

﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾
(سورة البقرة)
ولنفرض أنك أقرضت إنسان عشر ليرات ذهبية وهي ذات مواصفات جيدة، فإذا أعطاك إياها يقول لك: تلك عشرة عدها، وبعد أن عددتها تقول له: كاملة، من النوعية الجيدة التي أخذتها منك، إذاً فالتمام عددي، والكمال نوعي، وربنا عزوجل يقول:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
فما من قضية عالجها الدين إلا عالجها معالجة كاملة، ومجموع القضايا التي عالجها الدين مجموع تام ألا يستطيع إنسان كائناً ما كان أن يضيف على الإسلام شيئاً ؟ أن يحدث فيه ما ليس منه ؟ لذلك من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ))
(سنن النسائي)
فالدين ختم، ودورنا دور التلقي والنقل، وليس دور الابتداع، الابتداع ضلال في ضلال إنما أنا متبع ولست بمبتدع !
يقول الله عزوجل:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
(سورة النحل)
لكن يجب أن نقف يا ترى نوع البناء القرآن لم يذكره فهناك بناء إسمنتي، حجري من لبن وطين، فكيف نفهم قوله تعالى:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
أنواع الأطعمة، أنواع الأشربة، أنواع الألبسة، أنواع البيوت، السدود، البحيرات المستنقعات، الأهوار، أنواع الجبال، المعادن أنواعها وعددها، القرآن لم يذكر هذا جاء ذكره عرضاً، أما أن يذكر القرآن تفصيلات كل شيء ما ورد ما الجواب ؟ الجواب: أن القرآن كتاب هداية فأي شيء في حياتك تتوقف عليه نجاتك وسعادتك أمرك الله به أمر إلزام، هذا الفرض الصلاة فرض، وأي شيء يقوض سعادتك وسلامتك ويهلكك نهاك الله عنه نهي جزم، أي تحريم فنحن عندنا في القرآن الكريم والسنة فرائض ومحرمات، الفرائض الأمر بها إلزام ووجوب وقطع وحتم، ومن تركها فقد هلك، والمحرمات النهي عنها نهي مؤكد جازم قاطع بات ومن وقع فيها فقد هلك، هناك فرائض كطلب العلم، المسلم يتوهم أن الفرائض خمسة صوم وصلاة وحج وزكاة.. من قال لك ذلك ؟ من قال أن هذه فرائض تعبدية، أما مطلق الفرائض كثيرة جداً حينما ألزمك الله أن تتعلم فا العلم أن لا إله إلا الله صيغة أمر هذه فرض طلب العلم فريضة.

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ﴾
(سورة آل عمران)
فريضة، لذلك إذا قرأت القرآن الكريم دقّق أي فعل أمر، أو مضارع مسبوق بلام الأمر هذا أمر وجوب، أمر كالصلاة تماماً

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
(سورة هود)
أمر فرض، فمن الغباء والسخف ومن ضيق الأفق، والجهل الفاضح أن تتوهم أن الفرائض خمسة:
شهادة أن لا إله إلا الله وأداء الصلاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وأداء الزكاة. هذه أركان الإسلام، أما الفرائض بمعناها المطلق كبيرة جداً

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾
(سورة طه)
أن تأمر أهلك بالصلاة فرض، أن تدعو إلى الله فرض، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فرض، أنكحوا الأيام أن تزوج أولادك، فالأمر في أعلى درجاته فرض، وبعد الفرض واجب مندوب، فإذا قرأت القرآن لا ينبغي أن تظن أن الفرائض خمسة، أي فعل أمر أو مضارع، أو فعل مسبوق بلام الأمر، إنه أمر إنه فرض إنه واجب فاتفقنا على أن في الإسلام قضايا تتوقف عليها نجاتنا وسعادتنا، لقد أمرنا الله بها، وهناك قضايا في حياتنا لو فعلناها لهلكنا وأهلكنا كالمحرمات.
هناك أشياء إذا فعلناها حسّنا الفرض، ورفعنا مستواه كالواجبات، ويوجد أفعال إذا فعلناها اقتربنا من المحرمات هي المكروهات، يوجد لدينا فرائض و محرمات، مندوبات ومكروهات، وأشياء سكت عنها الشرع والحكمة من سكوته عنها لا تقل عن الحكمة من تشريع بعضها، أشياء حيادية ليس لها علاقة، لا بنجاة الإنسان ولا بهلاكه، لا برقيه ولا بضعفه، هذه الأشياء الحيادية هي المباحات، لكن العلماء قالوا: ((المباحات إذا نويت بها أن تنفع المسلمين أو نفسك أو أن تتقوى على طاعة ربك انقلبت إلى عبادات)) تناول الطعام والشراب هل هو أمر فرض ؟ لا، مندوب ؟ لا، محرم ؟ ليس محرم بل مباح، لكنك إذا أردت أن تأكل ونويت أن تتقوى بهذا الطعام على طاعة الله انقلب هذا الطعام إلى عبادة، فمجموع القضايا التي عالجها الدين تام، طريقة المعالجة طريقة كاملة، إذاً لا يستطيع إنسان كائناً من كان أن يضيف على الإسلام شيئاً، من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد مردود عليه.

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّد ،ٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّار ))
(سنن الترمذي)
ومن أجل أن ترى الإسلام بعد ألف ومائة وخمسين عام كما بدأ في عهد النبي الكريم من أجل أن يستمر هذا الدين كما بدأ، من أجل أن يبقى هذا النبأ عذباً صافياً فراتاً، يجب أن لا يضاف على هذا النبع شيء، وأن لا يؤخذ منه شيء، هذه قاعدة. من أضاف على الإسلام ما ليس منه فهو مبتدع، ومن حذف منه فهو مبتدع، الابتداع في الإضافة عليه والحذف منه، هذه آية.
الآية الثانية: يبين الله لكم أن تضلوا أي أن لا تضلوا، الله عزوجل بين.

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)﴾
(سورة التوبة)
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
(سورة المائدة)
فهذه الآيات توضح وتبين أن الله بين وفصل والنبي عليه الصلاة والسلام بين وفصل أيضاً، فأنت أمام شريعة تامة كاملة. هذه الآيات، أما الأحاديث:

((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا ))
(مسند الإمام أحمد)
الإسلام واضح، هنا نقطة هامة جداً: اعلم علم اليقين ليس في دين الله شيء لا يقال هذا دين ( أخي هي بيناتنا خليها ) لا بالدين لا يوجد بيناتنا، في الدين يقال كل شيء على الملأ دين الله، دين الخالق، خالق الكون أنزل هذا القرآن فهل أنت تخجل فيه ؟ هل من شيء في الدين يستحيا منه ؟ كلمة (لا حياء في الدين ) للقليل، لا من قليل تذكر العورات وتقول: لا حياء في الدين، هذه والله ليست صحيحة ! كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العغراء في خدرها شيء يلفت النظر سيأتي معنا بعد قليل: أن سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله من هؤلاء السبعة شاب دعته إمرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين ! جميعاً فهمتم المقصود، النبي نكر شيء يستحيا منه لماذا دعته ؟ لم يقل، إلا ماذا دعته ؟ مفهوم هذا الكمال النبوي، الله عزوجل قال:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
(سورة المؤمنون)
كل الحرافات الأخلاق في هاتين الكلمتين ! لا حياء في الدين، أسماء العورات أوضاع مثيرة، أشياء فاضحة، تقول: لا حياء في الدين، من قال لك ذلك ؟ الدين كله حياء الحياء والإيمان قُرنا جميعاً، فإذا رفع الحياء رفع الإيمان، لكن لا حياء في الدين الدين دين الله لا يمكن أن تستحي من فكرة في الدين تقول له:هذه بيني وبينك إياك أن تقولها للناس ! وهناك شيء مضحك أكثر أنت دون مستوى هذه الآية لا يمكن أن تفهمها أنت دون مستواها من قال لك ذلك ؟ إنسان أعطاه الله فكراً العلم لا يمنع ولا يحظر، والدين دين واضح، فالحلال حلال والحرام حرام، المندوب مندوب، المكروه مكروه، المباح مباح، كل شيء واضح
تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ
((وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه توفي رسول الله وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علماً))
فكل شيء له علاقة بحياتنا، ذكر النبي منه علماً لذلك في بعض كتب الحديث بين دفتيها عشرات بل مئات ألوف الأحاديث كله بينه النبي الكريم.
وقال عمه العباس رضي الله عنه والله ما مات رسول الله حتى ترك السليل نهجاً واضحاً أحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق وحارب وسالم حتى بين كل شيء. هذا يؤكد أن ليس في الدين إضافة.
الآن موضوع الدرس هو الشبهات بعض العلماء قالوا: ما كان القرآن واضحاً وضوح الشمس فهو الحلال والحرام والبين منه آيات محكمات هن أم الكتاب:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾
(سورة المائدة)
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
(سورة النور)
وأحل البيع وحرم الربا فهناك آيات واضحة محكمة مهما حاولت أن تتفلسف فالعلماء أسموها قطعية الدلالة، الآيات قطعية الدلالة واضحة وضوح تام لا مشكلة، لا يختلف فيها اثنان

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
(سورة المائدة)
تفضل واجتهد وفكر استنبط واضح وأيديكم إلى المرافق هذا النص سماه العلماء قطعي الدلالة، أي واضح بين، موضوع غير اجتهادي موضوع نصي ولا اجتهاد في موضع النص لكن ربنا عزوجل في موضوعات ثانية أعطاها آيات ظنية الدلالة، ففمكن أن تفهم هذه الآية بمستويات كثيرة حينما أراد الله عزوجل من ألآية أن تكون ظنية الدلالة أراد كل المعاني التي تحتملها مثلاً قوله:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
(سورة البقرة)
شيء واضح هذه آية احتمالية يا ترى أنفق لئلا تهلك ؟ أم لا تنفق كل مالك لئلا تهلك ؟ ما تقولون ؟ المعنيان مقصودان هذه آية احتمالية ظنية فأنت بالقرآن الكريم أمام نموذجين صاخبين، آيات محكمات قطعية الدلالة وآيات متشابهات ظنية الدلالة فالآيات قطعية الدلالة أرادها الله أن تكون قطعية الدلالة، وأراد الله أن لا نختلف فيها، وأراد الله أن نفعهما على نحو واحد، وأما الآيات ظنية الدلالة فالله سبحانه وتعالى أراد كل المعاني المحتملة: وامسحوا برؤوسكم هذه الباء للتبعيض ؟ أي وامسحوا بعض رؤوسكم ممكن هذه الباء زائدة.

﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
ممكن، فحينما يأتي النص ظني الدلالة اعلم علم اليقين أن الله أراد كل هذه المعاني لماذا ؟ توسعة على العباد، اختلاف الظروف والبيئات والأوضاع والحالات والسن والجنس فالاختلاف لذلك أراد الله لأن تكون هناك مذاهب لأن بالقرآن آيات احتمالية، وآيات ظنية الدلالة لذلك عالم فهم هكذا، وعالم فهم هكذا، من خلال مواقف النبي الكريم، وأحاديثه عالم قال ممكن أن يكون خلاف غنى، فيا أيها الإخوة الأكارم: من عظمة هذا الدين أنك إذا تركت جانباً مبدأياً الآيات قطعية الدلالة، ودخلت في الآيات ظنية الدلالة، وفي الأحاديث ظنية الدلالة، وجدت أن هذه الصيغة الظنية الاحتمالية التي تحتمل حالات عديدة هكذا أراد الله عزوجل أن تحتمل كل هذه الحالة، فمعنى التشابه آيات ظنية الدلالة يفهمها كل إنسان بحسب منهجه في استنباط الأحكام الآن دقق في الحديث يقول عليه الصلاة والسلام:

((سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
(صحيح البخاري )
فهذه الشبهات ألا يوجد حل لها ؟ نبقى طوال حياتنا في حيرة وشك ؟ هل يوجد بالحديث حل ؟ دققوا في الحديث:

((سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ))
(صحيح البخاري)
ماذا يستفاد من هذه الفقرة في الحديث ؟ أن بعض الناس يعلمون العامة لا يعرفون ذلك، لكن الخاصة يعلمون، الله عزوجل قال:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾
(سورة الأنبياء)
قال لك: اسأل به خبيرا، فأنت مكلف أن تسأل مفتاح العلم السؤال، أنت واقع في حرج، لك صديق يغلب على ظنك أن دخله حرام جئته ضيفاً فقدم لك ضيافة ! هذا شيء يحير فماله حرام أو بعض ماله فهل أتناول الطعام أم لا ؟ عليك أن تسأل فهذه شبهة، النبي الكريم يقول:
((لا يعلمها كثير من الناس))
هناك من يعلم فاسألوا أهل الذكر، وهذه وظيفة المفتين، ووظيفة العلماء، أن تسألهم أحلال أم حرام ؟ ماذا أفعل ؟ فهذه الشبهات هناك من أولي العلم والخبرة والتبحر من يعلم حقيقتها.
ولنفرض أنك اشتريت من عند أحدهم قطعة، فأعطاني خمس وعشرون ليرة، صانع مكنسيان اشترى قطعة فأعطاه خمس وعشرون ليرة مكافأة يا ترى هذه حلال أم حرام ؟ إن كان أعطاك إياها من ربحه الخاص فهي حلال، وإن كان قد أعطاك إياها من صاحب القطعة الذي اشتراها وأضافها على الثمن فهي حرام، فمن هذا القبيل هناك آلاف القضايا في البيع والشراء والزواج والطلاق، يا ترى حلال أم حرام ؟ فهذه الشبهات هناك من يعلم حقيقتها، على كل لو سألنا أنفسنا هذا السؤال لماذا اختلف العلماء في بعض الأحكام الفقهية ؟ لأن المذهب الشافعي يختلف عن الحنفي، عن ابن مالك لولا مالك لكان الدين هالك ! هذا حنبلي ساقها حنبلية، أي هناك مذهب متشدد ومذهب ليّن، مذهب نصي، مذهب يأخذ بالمصلحة، مثلاً المذهب الحنفي يأخذ بالنص، مذهب يأخذ عن الصحابة... إلى آخره.
لماذا الخلاف ؟ قال بعض العلماء: أولاً قد يكون أحد النصوص وصل لعلم عالم وخفي عن علم عالم آخر، فالذي أخذ بهذا النص أعطى فتوى، والذي غاب عنه هذا النص أعطى فتوى، هذا أحد أسباب الخلاف.
أو هناك نصان أحدهما يأمر، والآخر ينهى، فالعالم حار في هذا الأمر، لا يملك تاريخ للنصين ليرجح أحدهما المتأخر، حتى يجعل المتأخر ناسخاً، والمسبوق منسوخاً وهذا باب آخر، أحياناً حديث ثبت عند هذا العالم ولم يثبت عند هذا العالم فوجد الخلاف ! أحياناً استنباط المعنى من النص هذا استنبط الفرض، وهذا استنبط الندب، وأنكحوا الأيامى هذا فعل أمر، لكن العلماء استنبطوه أنه أمر ندب، فلدينا أمر وجوب، وأمر ندب، وأمر إباحة، وأمر تهديد، فربنا قال:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
(سورة البقرة)
أمر إباحة، وإذا قال:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
(سورة الكهف)
ما معنى فليكفر ؟ هل هي أمر ؟ أعوذ بالله إذاً هذا أمر تهديد، فيوجد أمر إباحة أمر وجوب، أمر ندب،
إذاً هناك أسباب لاختلاف العلماء في هذا المعنى، على كل الشبهات تحتاج إلى جلاء وسؤال، فمفتاح العلم السؤال، فأنت بسؤال تلقيه على إنسان تثق بعلمه وبورعه تأخذ كل خبرته فلماذا تضن على نفسك بالعلم ؟ الحلال بيّن والحرام بيّن، لكن هذا الأمور المشتبهة لماذا لا تجليها ؟ وتوضحها أو تسأل عنها، لماذا أنت بين بين ؟ فبالعلاقات الزوجية هل يجوز الحمل أن نسقطه ؟ اسأل يا أخي، رجل مجهول أجاب من هو هذا الرجل ؟

((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ))
(صحيح مسلم)
يقول ابن عمر رضي الله عنهما:
(( دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ))
سأذكر لكم بعض المواقف للنبي عليه الصلاة والسلام في ترك الشبهات يقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا ))
(صحيح البخاري)
النبي عليه الصلاة والسلام أصابه أرق في الليل فقال له بعض نسائه:

((عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ تَحْتَ جَنْبِهِ تَمْرَةً مِنَ اللَّيْلِ فَأَكَلَهَا فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِقْتَ الْبَارِحَةَ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَحْتَ جَنْبِي تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا، وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ ))
(مسند الإمام أحمد)
((وفي بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام تضايق من تأخر الوحي عنه ))
كم كان ورعاً ! تمرة تأخر عنه الوحي هذا تعليم لنا أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه ما وقف في ظل بيت مرهونٌ عنده قال: أكره أن أنتفع بظله لذلك ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط.
هذا الحديث له تتمة وإن شاء الله تعالى سنتابع الحديث عنه في درس قادم لأنه حديث من أصول الدين، وأنا أحرص دائماً في درس الحديث أن يكون الحديث من أصول الدين أساسي، طبعاً هذا الحديث تسمعونه مني دائماً، أما أن أذكره على سبيل الاستشهاد أما التفصيل فهو يحتاج لدرس أو أكثر.
والآن إلى بعض مواقف النبي الكريم في تعليم أصحابه، نحن في الدرس الماضي بينت لكم بعض المبادئ الأساسية في الدعوة إلى الله إليكم نماذج تطبيقية في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((أُمِرْتُ أَنْ يَكُوُنَ صَمْتِي فِكْرَاً، وَنُطْقِي ذِكْرَاً وَنَظَرِي عِبْرَةً ))
((عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ ! فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا: لا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))
(صحيح مسلم )
استغل النبي الكريم شاهد صارخ مثل حي، مشهد رائع، النبي عليه الصلاة والسلام قرب إليهم فرح الله عزوجل بتوبة عبده.

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ ؟ فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ ! فَقَالَ: فَوَ اللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ ))
(صحيح مسلم)
أقسم بالله أن الدنيا أهون على الله من هذا الجدي الأسك الميت على صاحبه ألقوه في الطريق، لذلك إذا رأيت الله يعطي زيداً المال الوفير أو الصحة، أو الجاه العريض، أو القوة وتظن أنك محروم من هذا كله أنت واهم

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾
(سورة آل عمران)
﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)﴾
(سورة إبراهيم)
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾
(سورة البقرة)
إذا سأل سائل سؤال وسخر منه هذا سلك سلوكاً منافياً لأصول التربية، فإذا سخرت من سائل فقد حطمته، وقد حطمت أساس السؤال وقد منعت طلب العلم فلذلك يروى أن أعرابياً جاء النبي فقال له: يا رسول الله
((ثِيَابَنَا بِالجَنَّةِ نَنْسُجُهَا بَأَيدْيَنَا ؟ فَضَحِكَ القَومُ فَقَالَ عَليهِ الَّصَلاَةُ وَالسَّلاَمْ وَهُوَ مُنْزَعِجْ: مِمَا تَضْحَكُونْ ؟ إِنَهُ يَسْأَلُ ! لاَ يَا أَعْرَابِيُ وَلَكِنَهَا تَتَشَقَقُ عَنْهَا ثِمَارُ الجَنَّةِ! ))
به، إنك بعيد بعد الأرض عن السماء عن أن تكون داعية إلى الله عزوجل ‍مهما بدى لك السؤال سخيفاً، أو ساذجاً، سأل سؤال هذا من أساليب الدعوة إلى الله الاهتمام بالسائل احترام السائل، أن تجيبه باحترام، أن تجيبه بصبر، ورحابة صدر.
كما ذكرت لكم أن النبي الكريم كان يحصن الحسن، ويقبح القبيح، مرة قال: من يسأل الناس تكثراً أي رجل غني وعنده أموال طائلة ولكنه اعتاد التسول، أن يمد يده للناس، أن يثير عطف الناس، شفقتهم، وهو كاذب ويتخذ هذه حرفة ً، فأنا سمعت قصص تكاد لا تصدق إمرأة متسولة دخلت لبعض المصارف لها رصيد يزيد عن سبعة مائة ألف ليرة في المصرف ‍فهذه أصبحت حرفة لها، فالإنسان إذا أراد أن يدفع مالاً للفقراء ينبغي أن يجتهد، لا أن يلاقي المال جزافاً، فهذا المال مال الله به قيام الحياة، تعطيه لإنسان ليزيد ثروته يقول عليه الصلاة والسلام: من يسأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، من جمر جهنم، فليستقل أو ليستكثر.

((سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ فَيَأْخُذَهُمَا فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلا قَطْعِ رَحِمٍ ؟ قُلْنَا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ يُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلاثٌ خَيْرٌ مِنْ ثَلاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ))
(مسند الإمام أحمد)
أي أنت إذا جئت إلى المسجد لتتعلم شيئاً من كتاب الله من سنة رسول الله من أحكام الشرع من قصص الصحابة الكرام وتستفيد من هذه الحقائق، وتجعلها سلوكاً يومياً أنت بهذا أغنى من لو جئت كل يوم بثلاث مائة ألف ليرة.
النبي عليه الصلاة والسلام يروي بعض القصص قال:

((حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))
(صحيح مسلم)
فالنبي الكريم أراد أن يصور لكم شدة فرح الله عزوجل إذا تاب العبد إليه، وإذا رجع إليه، وإذا اصطلح معه، هذه كلها أساليب تربوية كان عليه الصلاة والسلام يستخدمها مع أصحابه،

((عَنْ عبد الله رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا))
(صحيح البخاري)
أي أعراض الدنيا المسرات، الأحزان، أشياء كلها ماضية لا تبقى، هو خارج هذا المربع، هذا أيضاً من وسائل النبي عليه الصلاة والسلام في تعليم أصحابه، إذاً استخدم الرسم استخدم القصة، استخدم المشهد، والمثل والحادثة، احترم أسئلة أصحابه ما سخر من سؤال من صحابي، هذا كله من هدي النبي في تعليم أصحابه، إليكم هذا الحديث:

((حَدَّثَنَا أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَلَكْتُ وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً ؟ قَالَ: لَيْسَ لِي، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لا أَجِدُ، فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْعَرَقُ الْمِكْتَلُ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ ؟ تَصَدَّقْ بِهَا، قَالَ:عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي وَاللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: فَأَنْتُمْ إِذًا ))
(صحيح البخاري)
فالنبي بدأ معه بالتدريج هناك ترفق وتساهل، فهو عاجز عن عتق رقبة، وصيام ستين يوما، وإطعام ستين مسكين، فأعطاه التمر ليتصدق به فسأله على من ؟ على أفقر منا فضحك النبي وقال له اذهب فأطعمه أهلك. إذاً يوجد تساهل ولين ورحمة فهناك متشددون يعطيك الحكم وينهي الأمر لا أمل من التراجع، أعطاه العرق من التمر وقال له كله أنت وأهلك، هذه بعض هدي النبي في توجيه أصحابه.
نحن ذكرنا من درسين سابقين أن الأخ الكريم الذي له بال طويل في تلقي العلم وله وقت مديد، آن له أن يدعو إلى الله عزوجل، أو يبث هذا العلم الشريف لكن بترفق وتساهل ذكرت لكم في درس سابق أن عليك أولاً أن تعرف الآمر قبل الأمر، والإحسان قبل البيان وخاطب العقل والقلب معاً، وخاطب العامة بأصول الدين، والخاصة بفروع الدين، والحق مع ما أكدته الفطرة والواقع والعقل والنقل واسلك سبيل التدريج، وسدد وقارب، وبشر ولا تنفر ويسر ولا تعسر، عليك أن تكون لطيفاً

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
(سورة آل عمران)
فهذه الآية نقرأها كثيراً ولكن والله لو وقفنا عندها ولو كنت يا محمد عليه الصلاة والسلام سيد الخلق حبيب الحق، سيد ولد آدم، يوحى إليه، مثل أعلى، نبي، معه قرآن رغم كل ذلك

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
فإذا كان رجل لا وحي لديه، ولا رسالة، ولا نبوة، ولا عصمة، ولا تأييد، ولا معجزة فكيف يكون فظاً غليظ القلب ؟ لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموهما ما صحبتم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضا عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
05-11-2011, 04:43 AM
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 36 : الحلال بين والحرام بين - الشبهات 2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-02-23
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون: في الدرس الماضي شرح بفضل الله تعالى نصف هذا الحديث الشريف الذي يعد ركناً من أركان الدين، الحديث الشريف:
(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ ! إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْب))
(صحيح مسلم)
وهو من الأحاديث المتفق عليها، ومن أعلى درجات الحديث الصحيحة.
أيها الإخوة الأكارم: الحلال بيّن، والحرام بيّن، فحينما تدرك الشيء على ما هو عليه فهذا هو العلم، وحينما تدرك الشيء على خلاف ما هو عليه هذا اسمه الجهل فالجهل فراغ أم معلومات ؟ معلومات، في ذهن الإنسان مقولات كلها مغلوطة غير صحيحة العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، والجهل إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، مثل بسيط: أنت تركب سيارة في أيام الصيف الحارة رأيت من بعيد ماءً اقتربت لم تجد شيئاً فأنت ظننت أن هذا الذي لمع في الطريق ماء ! فهذا هو الجهل، لأنك أدركت هذه الظاهرة على خلاف ما هي عليه وإذا علمت بخبرتك أن هذا ليس ماءً بل إنه سراب هذا هو العلم العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، والجهل إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، إذا علمت أن فعل هذا الشيء حرام وهو حرام فهذا هو العلم، فإذا علمت أنه حلال وهو حرام هذا هو الجهل، فالجهل لا علاقة له بالشهادات ! مهما ارتفعت درجتك العلمية إذا أدركت الأشياء على خلاف ما هي عليها فهذا هو الجهل، لكن تتميماً للفائدة لا بد من أن أفرق لكم بين الجهل البسيط، وبين الجهل المركب، فالجهل البسيط أن لا تعلم، أو تقول لا أعلم، فلو اطلعت على تخطيط قلب يسألونك ماذا يعني هذا التخطيط ؟ قلت لهم: لا أعرف ! فهذا ليس من اختصاصي، هذا جهل بسيط، أما إذا كان هذا التخطيط يشير إلى تضخم بالعضلة القلبية أو احتشاء، وإلى ضيق الشريان التاجي، وإلى ضعف الصمام، هذا كله كذِب ! إن قلت: لا أدري فهذا جهل بسيط، وإن ذكرت أشياء ليست صحيحة لا يعنيها التخطيط، فهذا جهل مركب، فالجهل إما خليّ الذهن من إجابة عن سؤال، أو حكم شرعي، وصاحبه يقول: لا أعلم، ولا تنسوا أيها الإخوة أن الجاهل جهلاً بسيطاً هذا مشكور ! لأنه يتعلم، لأن جاهل الفراغ أو عدم المعرفة هذا متواضع ! لذلك قال سيدنا علي:
(( أربعة من أركان الدين والدنيا قال: عالم مستعمل لعلمه ))
هذا ركن من أركان الدنيا إذا صلح الأمراء والعلماء صلحت الدنيا فالعلماء الذين يعلمون حقائق عن الله عزوجل، والذين يعلمون أمراً ما، والأمراء الذين آتاهم الله القوة على تنفيذ الشريعة، فأنت بين أمير يملك سلطة، وبين عالم يملك فكرة حقيقية فإذا صلح العلماء والأمراء صلحت الدنيا،
حينما يقول الإمام علي كرم الله وجهه:
((أربعة من أركان الدين والدنيا عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه))
فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله ضاع الفقير آخرته بدنيا غيره، إذاً أتمنى على كل أخ كريم مالعلم ؟ أن تدرك الشيء على ما هو عليه، هذا كتاب أحاديث، هذه طاولة، إذا أدركت الشيء على خلاف ما هو عليه فهذا هو الجهل المركب، صاحبه متكبر، يقول لك: أنا أعرف، وهو لا يعلم، حقائق غير صحيحة هو سماها حقائق، وأشياء مزورة .
الحلال بين: إذا أدركت الشيء على أنه حلال وهو حلال فهذا هو العلم، وإذا قال لك: هذا الشيء ما حكمه في الشرع ؟ قلت له: لا أدري هذا هو الجهل، وإذا قلت: هذا حلال وهو حرام هذا هو الجهل المركب، فإدراك الشيء على ما هو عليه بدليل هو العلم وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه بلا دليل هذا هو الجهل المركب، أصبح لدينا علم وجهل، العلم يقابل الجهل، والجهل يقابل العلم.
الآن إذا غلب على ظنك أن هذا الشيء حلال فمعك أدلة بالمائة سبعين أو ثمانين هذا هو الظن، وإذا غلب على ظنك أن هذا الشيء هو حلال وأدلتك بالمائة ثلاثين هذا هو الوهم، فإذا لاحظت عندك جانب أنه الحلال بأدلة تزيد عن سبعين بالمائة وفي جزء من تفكيرك تقول: والله أنا لست مرتاح لكن يغلب على ظني أنه حلال هذا هو الظن فإذا غلب على ظنك أن هناك احتمال ضعيف أنه حلال بالمائة ثلاثين هذا هو الوهم، ففي حالة أنه حلال وهم، وفي حال أنه حرام وهم، أصبح الظن يقابل الوهم فإذا استوت الأدلة أنه حلال مع أدلة أنه حرام تماماً فهذا هو الشك، الشك استواء الأدلة، هناك أدلة ترجح أنه حلال وهناك أدلة ترجح أنه حرام، الأدلة تقابلت هذا هو الشك، أدلة الرجحان أقوى من أدلة البطلان، هذا هو الظن، أدلة البطلان أقوى من أدلة الرجحان، هذا هو الوهم، عندك دليل قطعي هذا هو العلم، تعرف هذا الشيء على خلاف ما هو عليه هذا هو الجهل.
أنت كمؤمن آمنت بالله خالقاً، وبالله رباً، ونصيراً، إلهاً عليماً حكيماً، الآن أنت أردت أن تتقرب إليه تريد أن تتحرك، الإنسان كائن متحرك في شهوات، يريد أن يأكل هذا الطعام الذي يأكله حرام أم حلال ؟ طعام حلال، يا ترى كسب الطعام حلال أم حرام ؟ حلال طريقة تناول الطعام حلال أم حرام ؟ حلال، كمية الطعام حلال أم حرام ؟ عندك أسئلة كثيرة أن تحل ما أمنت بالله عزوجل يجب أن تبحث عن أمره فأمره حرام، بدليل قطعي هو العلم حلال بدليل قطعي هذا هو العلم، الشيء حرام وتوهمت أنه حلال هذا هو الجهل، الشيء حلال وتوهمت أنه حرام، هذا هو الجهل، وغلب عندك أنه حلال هذا هو الظن، وغلب عندك أنه حرام وكونه حلال بالمائة ثلاثين هذا هو الوهم، استوت عندك أدلة الحلال والحرام هذا هو الشك، فأنت دائماً بين علم وجهل، وبين ظن ووهم وشك، الفقه فيه حرام، وحلال والأصح في أمر وندب، وتحريم وكراهة، وإباحة، فالمؤمن الصادق يجب أن يتقصى أمر الله في كل شيء حتى في أدق خصوصيته، وفي علاقته مع نفسه، حتى في علاقته مع أهله حتى في علاقته مع جسده، حتى في علاقته مع ربه، حتى في علاقته مع من دونه، دائماً أسباب الحركة في التماس، وفي علاقات وابتسامة، في عبوس وضحك وبكاء، في إعطاء ووهم، وقطع ووصل، في غضب ورضا، في كذب وصدق، خيانة وإخلاص، فأيهما الصادق في كل حركاته وسكناته يتحرى أمر الله عزوجل، لذلك يسأل، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾
(سورة النحل)
اسأل فأنت عندما تسأل تستعير عقل هذا الرجل كله وخبرته كلها، وتجاربه وعلمه كله بهذا السؤال، سبحان الله الأشياء الدنيوية كلها مأجورة، لا تستطيع الدخول على محامي ويكون أقل شيء في جيبك خمسة مائة ليرة، إذا سألته سؤال يقول لك ؟ لا تفعل هذا يريد خمسة مائة، لا تدخل على طبيب أو مهندس أو مستشار إلا معه مبلغ من المال إلا أن العلم الديني وهذا من فضل الله عزوجل مأجور بسخاء وبلا مقابل، ما عليك إلا أن تسأل وقديماً قالوا: "الذي يستحي لا يتعلم ولا متكبر "
علامة الإنسان أنه يحب الله ورسوله، أنه يبحث عن أمر الله ورسوله لمّا كثرت دعوة الحب بالله عزوجل، الدعاوى كثيرة طولب هؤلاء بالدليل والدليل قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾
(سورة آل عمران)
العودة للحديث: الحلال بيّن، الحلال معه أدلة نقلية قطعية.

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾
(سورة البقرة)
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾
(سورة الأعراف)
الطعام والشراب هذا المقصود
ويحرم عليهم الخمر
فهو ليس غذاء بل مادة مخرشة، كحول، يسكر، فربنا عزوجل جمع الحلال في كلمة ليحل لهم الطيبات ما تطيب نفوسهم به، ما تطيب أجسادهم به، ما تطيب قلوبهم به ما تطيب وجهتهم إلى الله به، والخبائث ما تخبث به أجسادهم، وما تخبث به نفوسهم، وما تنقطع صلتهم بالله عزوجل، الحلال إذاً ما له دليل قطعي نقلي، وما له دليل قطعي عقلي وماله دليل قطعي فطري، وما له دليل قطعي واقعي، في الحلال لا خلاف، ما أحد في الأرض لا يختلف اثنين على أن صلب الماء القراحي الفراتي حرام، ولا يختلف أحد مع أحد على أن تنفس الهواء حلال أم حرام ؟ شيء طبيعي،والحرام بيّن، الزنى في كل الشرائع السرقة القتل الكذب، الفطرة، فالحلال البيّن دليله النقل والعقل والواقع،والفطر، والحرام البيّن دليله النقل والعقل والواقع والفطر، الحلال هذا البيّن، والحرام هذا البيّن، مدار بحثنا اليوم، لأنه لا يختلف فيه اثنان، لكن درسنا هذه الأمور المشتبهات التي يحلها بعضها بدليل ضعيف فيه وهم، أو يحرمها بعضهم بدليل ضعيف فيه وهم، ماذا قال عليه الصلاة والسلام قال: الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، ماذا يستفاد من هذا الكلام ؟ أجيبوني، أن هناك قلة من الناس يعلمون هذه الشبهات، فأول صنف الذي يعلم حقيقة هذه الشبهة يقول: هذه ردعة، مثل بسيط: أنا أريد أن أشتري بيت ليس معي كل ثمنه، معي نصف ثمنه جئت إنساناً وقلت له: تعال واشتري معي هذا البيت وسأعطيك أجرة ما دام هذا المبلغ بحوزتك، فإذا وفيتك إياه بعد عامين توقفت الأجرة، شراء وتأجير، لا مشكلة هذه شبهة، هذا ليس تأجيراً، هذا ربى، يا أخي لا يوجد ربى، أنا اشتريت معه نصف هذا البيت، وتقاضيت عنه أجرة سنوية مقدارها كذا، فإذا دفع لي أسهماً توقفت الأجرة، فأي شبهة فيها ؟ قال: هذا حرام، وهذا ربى، لأنك إذا اشتريت معه نصف هذا البيت فأنت ضامن،هو حينما أخذ منك هذا المبلغ وأعطاك عليه ما يسميه أجرة، يكون أعطاك فائدة عليه، بدليل أن مبلغك محفوظ، لو أن هذا البيت احترق، أو شمله قرار تنظيم فقد معظم قيمته، والمبلغ عندك ثابت ؟ نعم ثابت إذاً هذا ربى، كل قرض جر نفعاً فهو ربى متى يصح أن أشتري مع إنسان نصف بيت ؟ أو تقاضى أجرة ؟ إذا اشتريت نصف البيت وأنا ضامن بالخسارة إذا وقعت، وحينما أريد استرداد مالي أقوم البيت وآخذ نصف ثمنه الجديد لو قديم، إذا كنت ضامناً وكان التقييم جديداً، كنت مؤجراً فعلاً ونلت الأجرة باستحقاق، لذلك هناك شبهات كثيرة، اليوم معظم الناس يدفعون أموالهم لجهات تستثمرها بأرباح ثابتة، يا أخي استثمار، لكن لا وقت لديه لعمل الحسابات، على مائة ألف أعطاني خمسة آلاف في الشهر، أو ثلاثة آلاف، حينما يصبح الربح ثابتاً دخلنا في موضوع الربى ! التجارة ربحها حقيقي، ففي التعامل التجاري، أو الاجتماعي، أو العلاقات، كأن هذه مثل أختي وهذه مثل زوجتي، وهي هذا سلفي وهذا.. كلها أشياء غير أن الناس ألفوها لكنها محرمة عليهم فلذلك الحلال بيّن فيه أدلة قطعية ونقلية وعقلية وواقعية وفطرية، والحرام بيّن ما له مشكلة بقي المتشابهات.
المتشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، الذي يعرف حكم الشيء حكماً متشابه ويعلمه كما أمر الله عزوجل هذا أرقى إنسان ! أي خصه الله لعلم دقائق هذه الحالات، وفعل ما أمر الله به، هناك إنسان آخر أيضاً محمود عند الله من هو ؟ أنت أمام شبهة يوجد رجل عرف حقيقتها فقال لك: هذه حرام، وآخر قال لك: هذه الشبهة حلال ! تقول: أين الدليل هذا طبيعي لا تعليق عليه، شخص دخل إلى صديق هذا الإنسان أكثر ماله حلال وفيه دخل حرام وقدم لك فنجان قهوة هل تشربه أم لا ؟ لك أن تشربه ما دام الحلال والحرام مختلطاً وما دام أكثر ماله حلالاً فأنت لا عليك أن تقول هذه القهوة من أي مبلغ اشتراها ؟ القضية مستحيلة فأنت اشتريت القهوة من معاشك أم من الجيبة الثانية ؟ هذه قضية مستحيلة ! فهذا الذي يعرف أن هذه حرام، وأن هذا حلال، ويفعل هذا أي إنسان وهؤلاء قلة، في إنسان عند الله محمود من هو ؟ يقول لك: والله هذه شبهة لا أدري ! فتركها، لماذا تركها ؟ قال استبراءً لدينه وعرضه ! معنى استبراءً: فعل استبرأ، مرة تحدثنا عن معاني أوزان الأفعال وزن استفعل يفيد الطلب تقول: استغفر، أو تركت المغفرة، تقول: استودع، أو تركت الوديعة، استرحم، طلبت الرحمة، استبرأ، طلبت البراءة، فهذا الإنسان الذي ترك هذه الشبهة استبراءً لشيئين: لدينه وعرضه، لأن علاقته مع الله طيبة، وإذا أردتم أن تعرفوا جوهر الدين هو حسن العلاقة مع الله، يقول لك: عامرة، الطائع قلبه عامر بذكر الله، فهذا المؤمن المستقيم لا يأخذ الدنيا بأكملها إذا قطعته عن الله عزوجل، المؤمن المستقيم الذي ذاق طعم القرب من الله، وذاق طعم الإقبال عليه، ذاق طعم أن الله يحبه، وأنه يرعاه، من ذاق هذا الطعم يركب الدنيا كلها خشية أن تقطعه عن الله عزوجل، هذا الذي يؤكده قول النبي والله أيها الإخوة الآن أقول لكم هذا الحديث وهو أيضاً من أركان الدين والحديث معروف وقلته آلاف المرات، لكن والله لا أشبع منه !
((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ قالا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقُلْنَا : هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ))
(مسند الإمام أحمد )
والله زوال الدنيا أهون على الله من أن تدع شيئاً لله ثم تخسر، أم تصاب بخيبة أمل، أو تكون في آخر المركبة في المؤخرة، إذا تركت شيئاً لله عوضه الله خيراً منه فكيف الحال في دينك ؟ قالوا: في دينه ودنياه، أجيبوني:

((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ))
لم يقل النبي إلا عوضه الله، بل عوضه خيراً منه، واضحة أزيد.
أما ما معنى في دينه ودنياه ؟ من يجيبني ؟ في الدنيا يأتيه شيء خير منه، فإن ترك هذا المبلغ خوفاً من الله آتاه الله مبلغاً أكبر منه بطريق حلال، وإن ترك هذه المرأة التي في دينها رقة آتاه الله إمرأة أحسن منها وأكرم منها وأرقى منها، وإن ترك هذا البيت لشبهة فيه أكرمه الله ببيت أكبر منه وأفضل منه، دائماً ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه هذا في دنياه ؟ فماذا عن دينه ؟

((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ))
(مسند الإمام أحمد)
في دنياه واضحة، ترك مئة يرزق بألف، السيدة عائشة مرة يبدو أنها خافت على سيدنا أبي عوف كان غنياً جداً فقالت: أخاف أن يؤخره كثرة ماله عن اللحاق بأصحابه أصحاب النبي متفوقون في المقدمة أوائل، قالت السيدة عائشة: أخاف أن يؤخره كثرة ماله عن اللحاق بأصحاب النبي، فبلغته هذه الكلمة، قالت: أخاف أن يدخل الجنة حدواً أي زحفاً فقال رضي الله عنه: والله لأدخلنها خدماً، ركضاً، وماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ! ما هو ذنبي ؟ ماذا أفعل ؟
والله أنا أقول لكم: إن رأيت فقيراً مؤمناً يجوز أن تكون هذه الكلمة فيها تجاوز والله قد تشتهي الفقر منه، من تواضعه وسخائه أو من تجمله من صبره، فإن رأيت رجل مؤمن تشتهي الغنى منه من تواضعه وسخائه وحبه للناس، إن رأيت إنسان غير متعلم ولكنه مؤمن والله تحبه حب الجنة، وتراه عالماً حقيقة لأنه عرف الله، واستقام على أمره، وهذا أذكى إنسان، دائماً الإيمان إذا دخل بشيء يصبح متألقاً، إذاً عوضه الله خيراً منه في دنياه واضحة، في دينه كيف ؟ الشيخ نجيب ؟ أبو حسان ؟ أي بقيت الطريق إلى الله سالكة، لو أنه أكل هذه الشبهة لانقطع عن الله عزوجل، لكن لا يبقى على صلة المألوفة السابقة تزداد هذه الصلة لأنه آثر، قال: معاذ الله رب العالمين، عندما الإنسان يؤاثر جانب الله لا يبقى الطريق سالكاً يتسع الطريق، لا تبقى سرعته اعتيادية بل تزداد سرعته، مادام ترك شيئاً لله لذلك أكثر شيء في التجارة صفقة فيها شبهة، سلعة كاسدة، لو آثرت رضاء الله قلت هذه السلعة فيها العيب الفلاني، لكن إذا جاءك من يشتريها أنت تريد أن تبيعها إياه بأية طريقة تخفي عنه العيب أو بعض المواصفات لكن المؤمن يؤثر جانب الله عزوجل يعطي ويوضح كل شيء، لذلك ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه، تأتي دنياه أشد وأكثر وأفضل وأريح من ما كانت، ويبقى الطريق مع الله سالكاً ويزداد إقباله على الله لأن أثر رضاء الله عزوجل، هذا رقم 2.
أول واحد عرف الحكم فطبقه، الثاني ما عرف الحكم، هذا جاهل جهل بسيط قال: والله شبهة، معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين.
الرجل الثالث: خطأه مقبول من هو ؟ أمام شبهة قرأ فرأى أنها حلال، ففعلها لكنها حرام، من اجتهد فأخطأ فله أجر، حمله على أن يجتهد لكن الذي لا يجتهد ويقع في الشبهات هذا هو الذي وقع في الحرام، رجل عرف الحكم الصحيح ففعله فهذا أرقى إنسان رجل ما عرف فامتنع، هذا إنسان جيد وورع، ورجل اجتهد كل جهده حتى وصل إلى حكم ليس صحيحاً لكن الله غفور رحيم، ولكن الله يقبل من هذا المؤمن الذي اجتهد وحرص على طاعة الله عزوجل اجتهادا.

((فَمَن اتَقَى الشُبُهَاتْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه ))
لدينه فقد خاف على دينه سيدنا عمر كما تعرفون كان إذا أصابته مصيبة قال الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، الدين سليم كله سهل، الحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، الحمد لله إذ ألمت صبّ عليها، هذا الذي ترك الشبهة استبرأ بدينه.
فما معنى بعرضه ؟ العرض هنا في الحديث موضع المدح والذم في الإنسان سمعته، إذا إنسان تساهل بالشبهات تضعف مكانته الاجتماعية، هذا دينه رقيق، أقل كلمة تقال له، ليس دقيقاً وغير منضبط ومنتظم، سبب لسمعته خدشاً، لكن المؤمن يستبرء بدينه وعرضه، إذا نبي من الناس أنت مخطئ، لماذا النبي الكريم حينما كان مع السيدة صفية رضي الله عنها في رمضان ومر صحابيان جليلان وأسرعا واستحيا واستحي كل منهما لماذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا فُلانُ هَذِهِ زَوْجَتِي فُلانَةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ))
(صحيح مسلم)
الآن رسول الله استبرأ لدينه أم لعرضه ؟ لعرضه فقط، أنت مثلاً يمكن أن تكون شخص مؤمن إيمان عالي وورع وتقي ونقي ذهبت للنزهة مع زوجتك من دون أولاد مكان متطرف تسير مع واحدة يجوز أن يظن الناس أنها ليست زوجتك الأكمل أن يكون معك ولد فإذا كان الوضع مريب أنت عليك لا أن تستبرئ دينك هذه زوجتك، لكن عليك أن تستبرئ لعرضك وتهمك سمعتك، الإنسان يعيش بسمعته، فهذا الذي يقول: أنا لا يهمني الناس لا يعرف الحقيقة، يجب أن تسعى لاستبراء سمعتك، العرض هنا موضع المدح والذم في الإنسان، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، إذا قالوا لك: يوجد محل بائع أحذية من الدرجة الأولى بمدخل ملهى هل تدخل ؟ أنت دخلت لشراء الحذاء وعملك مشروع وصحيح، لكن لو رآك إنسان تدخل لهذا المدخل قد يسيء الظن بك، إذا كان جالس مع إمرأة متفلتة من قواعد الشرع في مركبة عامة فالأولى أن لا تجلس جانبها، أي شيء يسبب لك سمعة سيئة ابتعد عنه، أنت مضمون ومستقيم لكن يجب أن تزيد إلى استقامتك أن تحرص على عرضك أن يخدش، لذلك
((رحم الله عبداً جبّ المغيبة عن نفسه ))
أنا سأسافر وكلفت أخ زوجتي أن يزورنا كل يوم ليجلب الحاجات ولكن لنا جيران يجب أن أبلغهم أني مسافر وكلفت أخو زوجتي أن يمر عليها في غيابه، فالجيران أصبح لديهم