المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ((موضوعات إسلامية))موضوعات متفرقة


سوسن
06-09-2011, 04:05 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 001: حكمة سكوت النبي والقرآن عن أمر ما ..
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-01-06
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
بينــت لكم في درسين سابقين حالات الضرورة التي يمكن من خلالها أن تغير الأحكام، تحدثنا في درس سابق عن علة الجهل، وبينا أن حالات نادرة من الجهل تعد عذراً، أما بالنسبة لإنسان نشأ في بلاد المسلمين فلا يعد الجهل عذراً إطلاقاً، وبينت في درس بعده كيف أن عموم البلوى تعد أيضاً نوعاً من الضرورات التي تتغير بها الأحكام.
واليوم ننتقل إلى موضوع آخر متعلق بالضرورات ألا وهو موضوع العرف، فالعرف ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا على إطلاقه على معنىً خاص لا تألفه اللغة ولا يتبادر غيره عند سماعه، يعني مجموعة أفعال ومجموعة أقوال ألفها الناس فيما بينهم، تعارفوا عليها، فعلوها جميعاً.
وقد شمل هذا التعريف الذي ذكرته قبل قليل العرفَ العملي والعرفَ القولي، وكل منهما عرف عام وعرف خاص، العرف العملي: أفعال، ما اعتاده الناس في أفعالهم العادية أو معاملاتهم المدنية، مثلاً الناس يأكلون في العيد اللحم، في رمضان لهم أكلات خاصة، بالعيد معايدة، عند الموت تعزية، هذه أفعال اعتادها الناس في معظم البلاد، في الأفراح والأتراح والمناسبات والأعياد، هناك ألبسة خاصة بالزفاف، ولديهم ألبسة خاصة ببعض الأحزان.
فالأفعال التي اعتادها الناس وألفوها وتعارفوا عليها وفعلوها جميعاً هذا من العرف، المهر في الزواج معجل ومؤجل هذا من العرف أيضاً، بيع المعاطاة خلاف الشرع، يعني مثلاً كؤوس الشراب، تشرب كأساً وتضع ليرة ولا تتكلم ولا كلمة فأين الإيجاب والقبول ؟ أتبيعني هذه الكأس بليرتين ؟ يقول لك بعتك هذه الكأس بليرتين، أين الشهود، القضية سريعة جداً وتافهة جداً، فبيع الخسيس لا يحتاج إلى إيجاب وقبول وشهود، فبيع المعاطاة خلاف حكم الشرع، لكن العرف أنه بالطرقات يكون بائعو العصير فتدفع وتمشي ولا كلمة، فهذا عرف عملي.
والعرف القولي، اللحم يعني: لحم الضأن، والسمك سمك مع أن السمك لحم، فكلنا نقول: أكلنا سمكاً وأكلنا لحماً، إذا قلنا أكلنا لحماً يعني لحم ضأن وما أكلنا سمكاً، فكلمة السمك هي لحم لكن تعني السمك فقط. وكلمة اللحم تعني لحم الخراف فقط أو لحم البقر، فمثلاً كلمة ولد تعني الذكر يقول عندي ولدان، أما: ووالد وما ولد، فالولد تعني في اللغة الذكر والأنثى، أما في العرف الولد الذكر.
إذاً: عندنا أعراف قولية ( الولد تعني الذكر ) يقول لك عندي ولدان وبنت، وهم كلهم أولاد، وهكذا عندنا عرف عملي وعرف قولي، والعرف العام ما تعارف عليه أغلبية أهل البلدان، يعني يوم عيد الأضحى بالعالم الإسلامي كله عطلة، وللمسلمين زيارات فيه، وألبسة جديدة، وطعام طيب وحلويات، هذا عرف عام، وكل بلد لها أعراف، لها أكلات معينة، تقاليد معينة حركات معينة، وأساليب في التهنئة معينة.
تذهب إلى مصر فتجد عند الولادة أشياء مضحكة، هنا لا نعرفها نحن، تذهب إلى قرية فترى أعرافاً غير أعراف المدينة، فالعرف عام أو خاص، عملي أو قولي.
وبعد، فالعرف نوعان: عرف صحيح يؤخذ به، وعرف فاسد لا يؤخذ به، ما تعريف العرف الصحيح ؟ ما تعارف الناس عليه دون أن يحرم حلالاً أو يحل حراماً، مادام العرف لا يتصادم مع الشرع فهو صحيح، المرأة لها مهر في القرآن الكريم ولها مهر في السنة ولها مهر في أحكام الفقه لكن نحن تعارفنا أن المهر يقسم إلى قسمين: معجل ومؤخر، هذا من الأعراف، ونحن ما صادمنا نصاً شرعياً ولا خالفنا فيه حكماً شرعياً، ولا حرمنا به حلالاً ولا أحللنا به حراماً، إذاً العرف الصحيح هو الذي لم يصادم أمراً محرماً أو نهياً محرماً.
مثلاً إنسان في بيته دعامتان بينهما فراغ، يعني أراد أن ينشئ في هذا الفراغ مكتبة، لو دار أقطار الدنيا لا يجد مكتبة عرضها أربعون سنتيمتراً وطولها مترين، لكن في بيته دعامتان بينهما فراغ فأراد أن يستغل هذا الفراغ فيجعله مكتبة، يأتي بنجار يساومه على صناعة مكتبة في هذا الفراغ، العرض أربعون سنتيمتراً والطول متران، هذا اسمه بيع الاستصناع، هذا بيع المعدوم خلاف الشرع لكن العرف أقره لأنه ليس هناك حلّ آخر، لا بدّ من أن تأتي بنجار وأن يصنع لك خزانة في هذا العرض النادر وهذا الطول الطويل، فبيع الاستصناع عرف لكنه لا يتأذى منه أحد، نطالب النجار أن الخشب من نوع كذا والفورمايكا من نوع كذا والمسكات من نوع كذا، ونضع سعراً ونساوم ونتفق ونكتب عقداً فيصنعها، هذا أيضاً من العرف.
يعني الزوجة أحياناً لا يُسمح للزوج أن يخرج معها خارج البيت إلا بعد العرس، مع أنها من يوم العقد أصبحت زوجته، زوجته بكل معاني الكلمة ولو خلا بها، ولو ذهب بها إلى بيت فارغ، هذه زوجته، العقد أبرم وهناك إيجاب وقبول ومهر وشاهدان، لكن العرف لا يسمح للزوج أن يسافر بزوجته قبل الدخول، هذا عرف، كل ما يقدم للزوجة أثناء الخطبـة هذه هدايا وليست من المهــر، هذا عرف، المهر يدفع دفعة واحدة أو يدفع على شكل أثاث، أما إن جاءها بقطعة ذهب أو بثياب أو عطورات فهذه هدايا، العرف ما تعارف الناس عليه ولا يتصادم مع نصوص الشرع.
قلت قبل قليل هناك أعراف عملية، وأعراف قولية، وأعراف عامة وأعراف خاصة، وها أنا ذا أقول لكم لكل أسرة أعراف خاصة، هناك أكلات خاصة بالأسرة، وللأب طريقة خاصة في تربية أبنائه، هذه أعراف خاصة، لكل قرية عرف خاص، لكل مدينة عرف خاص، والأعراف منها عامة، ومنها أعراف عملية، ومنها أعراف قولية.
إذا ولد للأسرة مولود فيصنعون حبوباً، وسليقه وهذا من الأعراف، يعني كل حركة من حركات المولود كأن تظهر أسنانه فلديهم أكله معينة وهكذا، هذا كله من الأعراف.
لكن نحن ما علاقتنا بهذا الدرس، علاقة الأعراف بالضرورات، بعد قليل تتضح الأمور، فلقد تعارف الناس الآن على أن التصوير من لوازم الأعراس، تأتي بعض النساء كاسيات عاريات بأبهى زينة، يأتي رجل يصور هذا العرس، وهذا صار عرفاً الآن، لكنّ هذا العرف يجب أن يكون تحت أقدامنا فهو عرف فاسد، إيداع المال في البنوك و أخذ الفوائد هذا عرف فاسد.
يقولون إذا كان المطعم ( خمس نجوم ) لابد أن يكون فيه خمر، من قال هذا ؟ هذه أعراف، مطعم خمس نجوم لا بد أن يقدم فيه الخمر وإلا لا يُعطى الترخيص بخمس نجوم، يعطى بثلاث نجوم.
من الأعراف مثلاً التصوير في الحفلات، الاختلاط، الربا، الفوائد هذه كلها أعراف فاسدة ينبغي أن تسحق تحت أقدامنا، نحن إذا تحدثنا عن العرف تحدثنا عن عرف يتوافق مع الشرع لا يصادم نصاً، أما حينما يتعارض العرف مع أحكام ديننا لا نعبأ به ولا نقيم له وزناً، وأكثر شيء واضح موضوع الأزياء، فالأزياء أعراف، إذا أظهرت الأزياء مفاتن المرأة وحجم أعضائها، وأظهرت لون أعضائها، أظهرت مفاتنها الخفية، هذه أزياء أعراف لكنها تحت أقدامنا، فهي أعراف فاسدة.
فالمؤمن الصادق، وها نحن دخلنا رحاب الدرس، أجل المؤمن الصادق لا يأخذ بالعرف إلا إذا كان وفق منهج الله، يعني من أعرافنا إذا تم زواج تقام حفلة فهذا جيد، وليس فيها منكرات، رجال - مديح رسول الله - تقدم ضيافة - تلقى كلمات، هذا عرف على العين والرأس ولا معصية فيه نلبي هذه الدعوة، لا اختلاط، ولا خمور، ولا غناء، بل مديح لرسول الله وضيافة وكلمة تلقى حول عقد القران أو سنة النبي في الزواج، هذه أعراف لكنها مقبولة، أما لو كان عقد قران مختلط في فندق خمس نجوم توزع فيه الخمور ويؤتى بالراقصات فهذا عرف أيضاً، لكن هذا العرف نركله بأقدامنا.
إذاً الأعراف موجودة، وما اعتاد الناس أن يفعلوه في كل البلاد سواء أكان عرفاً عاماً أو خاصاً من قول أو عمل، فهذا العرف إن وافق منهج الله فعلى العين والرأس، وما خالف منهج الله عز وجل لا نعبأ به ولا نأخذ به ولا نقيم له وزناً بل نحاربه أشد المحاربة.
ثم أذكركم أن الأخ الكريم الذي يسمح لزوجته أن تذهب إلى عرس فيه تصوير فهذا الأخ يرتكب أكبر معصية، لأن هذه الزوجة لا بدّ من أن ترتدي أجمل ثيابها ولا بدّ من أن تُدعى في هذا العرس لأن تخلع ثيابها الخارجية، ويأتي المصور فيصور، وقد يطبع من هذا الفيلم المئات وكل رجل في البيت يرى هذا الفيلم ويقول من هذه ؟ هي في الطريق محجبة لكنها انعتقت من الحجاب في العرس وظهرت في الفيلم ! أعوذ بالله، هذه الأعراف تحت أقدامنا، لذلك في العرس تجد شاباً مؤمناً مسلماً طاهراً مستقيماً تربية المسجد فينصمد إلى جانب العروس مع المدعوات جميعاً، وأمامه مائتا امرأة كاسيات عاريات ينظر إليهن، وكل واحدة شكل وزي، وهو شاب مؤمن طاهر حافظ لكتاب الله، أيصح هذا الحال ؟ لا. ثم لا.
فنحن مقياسنا الشرع، كل من ترك ميزان الشريعة لحظة هلك، أما إن كان العرس نسائياً واجتمعت النساء وذكرن مولد رسول الله ووزعت الحلوى وألقيت كلمة فهذا عرس إسلامي راقٍ جداً ولا حرج عليهن، الإسلام ليس ضد الحفلات ولكن ضد المعاصي والآثام.
العلماء قالوا العرف الذي يمكن أن يؤخذ به في الشرع له شروط، الشرط الأول ألا يعارض نصاً شرعياً في القرآن أو في السنة، والشرط الثاني أن يكون مضطرداً غالباً مستمراً العمل فيه في كل الحوادث أو يجري العمل فيه في أغلب الوقائع، ولذلك فالعرف شيء والإجماع شيء آخر، إن الإجماع أن يجتمع علماء الأمة ويجمعوا على أمر، أما العرف فهو عمل عفوي مشترك من دون اجتماع، الإجماع غير العرف، الإجماع أقوى بكثير، الإجماع مجتهدو الأمة اجتمعوا وقرروا، أما العرف مجموعة من الناس فعلوا شيئاً مشتركاً فصار عرفاً لهم.
أيها الإخوة:
طبعاً الأعراف في بعض التشريعات الوضعية لها قيمة كبيرة وهنا الخطأ الكبير، يعني إذا شاع الشذوذ في بريطانيا فهذا عرف سيئ يصدر قانون بإباحته، وإذا شاعت المخدرات في هولندا تأتي الدولة وتوزع المخدرات على المدمنين، هذه مشكلة كبيرة جداً، مشكلة خطيرة أن التشريع تابع للواقع، ما تعارف الناس عليه ولو أنه خطير ولو أنه انحراف شديد يأتي التشريع الوضعي فيقره، معنى ذلك أن التشريع الوضعي تابع للواقع المنحرف، الإسلام ليس كذلك، إذا اتفق الناس على شيء وفـق منهج الله لا شيء عليهم، لكنهم إذا اتفقوا على شيء خلاف منهج الله فهذا شيء مرفوض.
فعظمة هذا الدين أنْ ليس العرف دليلاً شرعياً مستقلاً، هو دليل شرعي إذا اتكأ على دليل فقهي نقبله، إذا وافق حكماً فقهياً أو أمراً شرعياً نقبله، أما إذا خالف نرفضه وانتهى الأمر.
سيدنا ابن مسعود يقول: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ، أخذ هذا من الأثر:
((لا تجتمع أمتي على ضلالة.))
يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة لذلك ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ، لكني أقف عند كلمة ( ما رآه المسلمون الملتزمون الصادقون ) لكن بين المسلمين حالياً من يرون أن ارتياد الفنادق في أعياد الميلاد شيء مقبول، يرونه حسناً، المقصود المسلم الصادق الملتزم نظرته سليمة، أما المسلم المتفلت فرؤيته معكوسة ونظره سقيم.
العلماء قالوا الثابت بالعرف كالثابت بالنص، يعني حالياً تجد عرفاً بالحقل التجاري خلاصته أنّ إنساناً عنده موظف يريد أن ينهي عمله فهناك عرف أن يعطيه عن كل سنة راتب شهر تعويضاً، هذا عرف جيد لا شيء فيه، وهناك من يعترض على هذا العرف أحياناً، لكن الحق أنه عرف جيد لأن ذاك العامل يحتاج إلى فترة من الزمن حتى يجد عملاً فلا بدّ له من مبلغ يعيش به وهذا المبلغ هو التعويض.
الثابت بالعرف كالثابت بالنص، والعادة محكّمة أي معمول بها، لكن واحداً قرأ العادة مَحْكَمة والصواب العادة محكّمة أي تُحَكَّم في التشريع الوضعي وهي العادة التي تتوافق مع الشرع.
وبعد، عندنا مشكلة وهي أنك قد تقرأ عن حكم شرعي قبل مائتي عام ولم تقبله الآن لأن الأعراف تغيرت، فأحياناً تبنى الأحكام الشرعية على الأعراف التي لا تخالف التشريعات الإلهية، فحينما تتبدل هذه الأعراف تتبدل معها الأحكام، يعني كان قديماً العم والد، والشرع الحكيم لم يعط الأولاد نصيب أبيهم المتوفى في حياة أبيه، لكن حينما أخذ العم نصيب أخيه فهو ملزم بتربية أولاد أخيه ما امتدّ به العمر حتى يكبروا، أما حينما تقاطع الناس وتدابروا وقلت العاطفة بين الأعمام وبين أولاد الأخ جاء التشريع الوضعي فألزم الناس بالوصية الواجبة وهي إذا مات الأب في حياة أبيه يأخذ أولاده حصته من الإرث كما لو كان حياً،فمن الأعراف أن أولاد الأخ كالأخ تماماً، يعني يربي أولاد أخيه إذا مات كأنهم أولاده تماماً، لكن هناك أعمام يملكون مئات الملايين وأولاد أخيهم لا يملكون ثمن الطعام ولا يلتفت الأعمام إليهم، فاختلت معايير الأعراف.
الآن أضع بين أيديكم بعض الأحكام الشرعية التي لها علاقة بالأعراف، الفواكه والخضراوات تنضج تباعاً، واحد مثلاً ضمن حقلاً من البطيخ، البطيخ ينضج خلال تسعين يوماً، وكل يوم يستطيع الإنسان أن يجني ما يملأ سيارة، فكيف يبيع هذا البطيخ، النبي اشترط ألا تبيع الثمر إلا إذا بدا صلاحه، هناك ثمار يتلاحق نضجها، وبعض الخضراوات يتلاحق نضجها، العرف يقتضي أن تباع دفعة واحدة فتُضَمَّن، إذاً هذا استثناء من القاعدة، العرف يقتضي ذلك، وقد علمنا أن الفواكه والخضراوات تنضج تباعاً، فإذا حكمنا النص الشرعي أنه لا يجوز أن تبيع شيئاً حتى يبدو صلاحه فممنوع أن تبيع هذا الحقل، حقل البندورة مثلاً لأنه ينضج تباعاً، هذه حالة.
النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أن تباع ثمرة حتى تنضج، طيب، عقود الاستصناع عقود على أشياء معدومة، عقود الإيجار.. الإيجار تملكت منفعته لكنك ما تملكت رقبة، أعطيت الأجرة سلفاً مقابل أي شيء، المعاطــاة عقد بيع من دون إيجاب وقبول، بيع السلم تشتري شيئاً ما ظهر بعد، تشتري قمحاً لم ينبت، تشتري صوفاً لم ينبت على ظهر الماشية، فبيع المسلم وعقد الإيجار وعقد الاستصناع وبيع المعاطاة، مثلاً إنسان دخل الحمام دفع الأجرة خمسين ليرة يا ترى كم له أن يبقى في الحمام ؟ ما في شرط، كم له أن يستهلك من الماء ؟ ما في شرط، هنا تجد جهالة في الشروط، قد يجلس الإنسان في مكان يا ترى أيجلس ساعة أو أقل أو أكثر ؟ ليس هناك تحديـد، هذا كله خلاف قواعد الشرع الصارمة، هذا أيضاً من العرف.
أحياناً تستأجر إنساناً بطعامه، طيب الطعام فيه جهالة، ماذا سوف تطعمه ؟ يعني هذا عرف الطعام وله وجبة لا تقل عن حدّ معين ولا تزيد، وأوضح مثل بيع المعاطاة كما قلت قبل قليل ليس فيه إيجاب وقبول وليس هناك شاهدان، ليس فيه بعتك وبعتني، تدفع المبلغ وتأخذ الحاجة وتأكلها وتمشي، تدفع المبلغ وتشرب الكأس وتمشي.
قد تشتري حاجة ويقال لك معها كفالة سنة، النبي يقول لا بيع وشرط، يشترط في بيع هذه الحالة أن تضمن الشركة المقدمة أن تقدم كفالة سنة، فمثلاً بالسيارات يعطون كفالة سنة أو خمسين ألف كيلومتر، دون خمسين ألف كيلو متر مضمون تصليحها على حساب الشركة أو سنتين، هذا صار بيع وشرط، لكن صار في منافسة في البيع، فهذه الشركة تقدم ضمانة للمشتري أن أي عطب يصيب المركبة دون الخمسين ألف كيلـومتر أو قبل سنتين فالتصليح على حساب الشركة، هذا عرف جرى العمل به وهو مقبول.
أحياناً تشتري قماشاً ليخيطه لك الخياط، صار بيع وشرط، تشتري قمحاً ليطحنه لك الطحان، تشتري طحيناً ليخبزه لك الخباز، فإذا اشتريت شيئاً وشرط خبزه أو خياطته هذا صار بيعاً وشرطاً، فهذه الأعراف تجيز مخالفة الأحكام الفقهية.
نحن عندنا قاعدة أساسية في الفقه: لا يجوز أن تأخذ أجراً على طاعة ولا على واجب، فأنت حينما تقرأ القرآن أو تعلم القرآن فهذا واجب لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.))
(صحيح البخاري 4639)
أما عمليا نحن عندنا مليون ونصف طالب في القطر في التعليم الإعدادي والثانوي أو مليونا طالب، فإذا كان كل خمسين طالباً يحتاجون إلى أستاذ فإذاً تحتاج إلى خمسمائة أستاذ ديانة، أفمعقول أن نلزم خمسمائة إنسان أن يعملوا في الأسبوع ستة أيام وكل يوم ست ساعات لوجه الله تعالى ؟ هذا غير معقول، فكل منهم يحتاج إلى أن يأكل، يحتاج إلى أن يتزوج وأن يسكن في بيت، لذلك ينصرف عن التعليم إلى صنعة، ويبقى الطلاب بلا دين وبلا قرآن وبلا فقه، لذلك فالعرف حالياً يقتضي أن تعطي راتباً لكل من يعلم القرآن، نحن عندنا شيء اسمه مدرس مادة تربية إسلامية يحمل شهادة في الشريعة ويتعين ويتقاضى راتباً طوال حياته، أما بحسب الأحكام الفقهية فلا يجوز أن تتقاضى أجراً على أداء عمل أمرك به الشرع، قد أمرك الله أن تعلم القرآن.
وكذلك المؤذن ؛ فَرَّغنا إنساناً خمسة أوقات ليؤذن، لو قلت له لا يجوز أن تأخذ على الأذان أجراً يقول لك من أين آكل ؟ إذاً يجوز أن نعطي الإمام والمؤذن وكل من يعمل في الحقل الدعوي راتباً يكفي مؤونة التفرغ.
كذلك تجهيز الميت ودفنه عمل تطوعي يفعله المسلمون وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، ممكن الآن أن تكفل إنساناً ينتقل من بيت إلى بيت، وعندنا في الشام ثمانون جنازة كل يوم يتنقل من بيت إلى بيت يغسل ويجهز ويكفن ويدفن لوجه الله، ليست مقبولة حالياً، لا بدّ من موظف في دفن الموتى، موظف يغسل، وموظف يؤذن، وهكذا.
بيع العربون منهي عنه، لكن أحياناً يكون في ضرر ثابت فأنت يمكن أن تحصل الضرر من هذا العربون، أما أن تأخذه بلا ضرر فلا يجوز، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ.))
(سنن ابن ماجة 2331)
يمكن أن يحصل خلاف في أسعار المحاصيل الكبيرة، يحددون يوماً في هذا اليوم على أي سعر استقر هذا المحصول يكون أساس الحساب، أيضاً هذا وفق العرف، أنا آتيكم بأمثلة كثيرة كيف أن مصلحة المسلمين استقرت على هذه الأعراف، مادامت المصلحة استقرت والناس يفعلونه حلاً لمشكلة قائمة إذاً يمكن أن تستنبط الأحكام الشرعية الاستثنائية من الأعراف.
إنّ محور الدرس وأساس الدرس أن كل شيء يؤخذ من العرف يجب أن يكون موافقاً للشرع، يعني إذا لم يكن موافقاً فعلى الأقل ألا يصدم نصاً، يعني هناك أشياء الشرع ما ذكرها لا إيجاباً ولا سلباً، فالأصل في الأشياء الإباحة، أو الأصل في الأقوال والأفعال الإباحة، الناس أحياناً يجتمعون وكل إنسان يدفع ألف ليرة في الشهر، وهم عشرة، فعشرة آلاف ليرة يعطونها لواحد، كل شهر يأخذها واحد بالقرعة، الشرع ما ذكر هذا لا إيجاباً ولا سلباً لكن لا شيء فيها مخالف للشرع فهذا عرف ما أحد دفع شيئاً زيادة ولا خسر، ليس فيها يانصيب، دفع ألفاً كل شهر وأخذها دفعة واحدة.
لذلك الأصل في الأشياء الإباحة، ونضيف على الأشياء الأفعال، فأفعال كثيرة الأصل فيها الإباحة، لا يحرم شيء إلا بنص، عندنا البيع والشراء وقطف الثمار، عندنا عرف بتضمين الثمار، عندنا حالات كثيرة والأعراف هي في الحقيقة حل لكل مشكلة، حلّ جماعي مقبول، مادام لا يصادم نصاً ولا يعارض أمراً ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً إذاً فالعرف مقبول، فصار العرف نوع من الضرورات التي تبيح المحظورات، يعني ضرورة جماعية والمجتمع حلها على نحو لا يخالف الشرع، إذاً تؤخذ هذه حجة في مخالفة المحظورات.
أحياناً الإنسان يبيع سيارة ويُتفق على الثمن، ويقبض ثمن السيارة ويشترط أن تبقى معه شهراً في الصيف إلى أن ينتهي شهر الصيف فهذا ممكن، فهو لا بيع ولا شرط لكن تقتضي المصالح ذلك، هذا إنسان يريد أن يسافر بعد شهر ويريد أن يبيع سيارته، فإنسان أعجبته السيارة واشتراها بثمن معقول قال له بشرط أن تبقى معي حتى أسافر، ليس من مانع، أشياء كثيرة يفعلها الناس بحكم العادة والعرف، وهذه الأشياء لا تصادم نصاً ولا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، تعد هذه في حكم الضرورات التي تبيح المحظورات، والعادة محكّمة، والمسلمون عند شروطهم، والعرف: إذا رأى الناس شيئاً حسناً أقرهم الله عليه، وفي القرآن آيات كثيرة تؤكد العمل بالعرف، بالمعروف يعني بما تعارف الناس عليه، يقول لك يا ترى هل على الحلي زكاة ؟ الجواب: الحلي المُعدّة للاستعمال وما تعارف الناس على قدره لا زكاة فيه عند بعض المذاهب، يعني امرأة يكون عندها أسوارة وقرط وعقد مثلاً فهذا معروف، أما أن يكون عندها عشرون أسوارة فهذه ليس حلياً، هذا صار مالاً، فالحلي التي تعارف الناس ما كان بحجم معتدل يصلح للاستعمال فهذا معفى من الزكاة عند بعض المذاهب.
أرجو الله سبحانه و تعالى أن نكون قد أفدنا من هذا الدرس فكلنا جميعاً محاطون بأعراف وتقاليد، والإنسان أحياناً يضعف أمام قوة المجتمع، وأمام ضغط الأعراف و التقاليد، فالمؤمن عنده ميزان، فأيّ عرف أو أيّ تقليد خالف منهج الله عز وجل يرفضه ولا يعبأ به، والنبي دعي إلى حلف الفضول وأثنى عليه ثناءً كبيراً، وهو اتفاق ينص على أن ينصر المظلوم وأن يُعطى كل ذي حق حقه وهذا كان في الجاهلية، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت.))
يعني أنت لا تكن بعيداً عن المجتمع، إذا كان هناك اتفاقُ تعاونٍ سكني ليس فيه ربا وليس هناك مانع شرعي، وإذا كان اتفاق لحل مشكلة والناس اجتمعوا وقرروا فلا عليك، وكل شيء لا يعارض نصاً شرعياً ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً فليس فيه مانع فلا بأس، فدائماً مقياسك الشرع، كل من ترك ميزان الشرع من يده لحظة هلك، اجعل الشرع ميزاناً، سواء كان في الزواج، أو في الولادة فالأعراف كثيرة لازم كأن يقدم الناس كراوية عند الولادة ليس هناك مانع وهذه لا تحل حراماً، مادة مسموحة والضيافة واردة، وإطعام الطعام وارد، إذاً الأعراف في الولادة وفي الزواج والطلاق والحياة والموت، والسفر، هذه الأعراف مقياسها الشرع، فلا نخالف الشرع ولا نحل حراماً ولا نحرم حراماً وليس هناك مانع، أما إن كانت تصادم الشرع فيجب أن نقف موقفاً شديداً إزاءها.
أساس الأعراف حل لمشكلة حلاً جماعياً، فالشرع عدّ العرف مصدراً تشريعياً، العادة محكَّمة والمسلمون إذا استحسنوا شيئاً فالشرع حسنه.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:09 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 002 : شرح تعريف الإيمان - شرح تعريف الكفر - أنواع الكفر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-02-10
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هناك حديث قدسي طويل، ولكن قبل الشروع في الحديث عنه وتوضيح فقراته أحب أن أقدم له بمقدمة قصيرة، وهي أن الإنسان أحياناً يكون معذباً في حياته، قد يكون ضيق ذات البين يعني فقير، قد يكون مستضعفاً لا شأن له في المجتمع، قد يكون مريضاً، أحياناً مثل هذا الشخص يتعرف على إنسان على جانب كبير من الغنى والعلم والرحمة وحب الخير يعينه في شأن، يقدم له معونة، يحل له بعض المشكلات، يذلل له بعض العقيات، تصبح حياته من نوع آخر، يقول هذا الإنسان لقد طرا على حياته تغير كبير بعد أن عرفت فلان، كنت في حال وأصبحت في حال، كنت في وضع وأصبحت في وضع، كنت أعاني من مشكلات كثيرة وكل هذه المشكلات ذللت.
طيب إذا كان شأن إنسان فقير متعب مريض ضعيف الشان، إذا تعرف إلى إنسان من بني البشر على جانب من القوة والمناعة، وأدخل على حياته تطوراً نوعياً جذرياً فما بال الإنسان وهو الفقير ؟ وهو الضعيف إذا تعرف إلى الله خالق الكون، ذي الأسماء الحسنى والصفات الفضلى.
فهذه المقدمة، إذا أنت عرفت الله عز وجل يجب أن تنتقل من حياة إلى حياة، من منزلة إلى منزلة، من مستوى إلى مستوى، من مقام إلى مقام، من ضيق الدنيا إلى سعة فضل الله، من الفقر والقلق إلى الرضا والتوكل، هناك مشاعر لا يعرفها إلا من ذاقها.
ورد في الخبر أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام، ماذا قال الله عز وجل من خلال هذا الحديث القدسي الذي خاطب به سيدنا داود ؟ قال ياداود: من الذي دعاني فقطعت رجاءهم ؟
هذا استفهام إنكاري، عن هل في الدنيا كلها إنسان دعاني صادقاً، دعاني مخلصاً، دعاني منيباً، دعاني تائباً قطعت رجائه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)﴾
(سورة التوبة)
من ذا الذي دعاني فقطعت رجاءه، هذا استفهام إنكاري، يعني ليس في الخلق كله مخلوق واحد دعى الله عز وجل بعد ان ايقن أنه لا إله إلا الله لا مغني ولا معطي ولا رافع ولا خافض ولا معز ولا مذل ولا قابض ولا باسط ولا موفق ولا ميسر إلا الله، من ذا الذي دعاني فقطعت رجائه.
ومن ذا الذي قرع بابي فلم يفتح له ؟،هل في الخلق كلهم إنسان واحد قرع باب الله، الإنسان أحياناً يقرع باب الناس، فلان اعتذر، إنسان بلطف قال له ليس معي نقدي، إنسان قال له أنا مسافر، فلان قولوا له ليس هنا، أحياناً الإنسان يطرق باب الناس هذا يرده بلطف وآخر بلؤم، هذا يماطل، هذا لا يرد عليه، أما إذا قرعت باب الله عز وجل في أي قضية في الدنيا أو الأخرة، قرعت بابه لحاجة أنت فيها، قرعت بابه لملمة نزلت بك، قرعت بابه لرجاء تعقد عليه الأمال، قرعت بابه لمطلب كبير ونبيل أن تعرفه، أن يجمعمك بمن يعرفهم، من ذا الذي دعاني فقطعت رجائه، ومن ذا الذي قرع بابي فلم يفتح له.
أنا الذي جعلت آمال خلقي متصلة بي وعندي مدخرة، الآمال كلها منقطعة بما سوى الله، أما إذا وصلت هذه الآمال بالله عز وجل كلك متصل، هذه الآمال إذا عقدها على الله عز وجل فهي متصلة بمعنى محققة، ليس هناك إنسان يأمل شيئاً ويدع هذا الأمل في الله عز وجل إلا حقق الله رجائه.
يا داود: ما لي عبدي يعرض عني، بعيد عني يلتفت إلى غيري، يتوجه إلى مخلوق مثله، يتذلل أمام إنسان لئيم، يبذل ماء وجهه أمام شخص حقير، يريق ماء حياته أمام إنسان غير وفي.
وأنا أقول إليّ إليّ، أقبل إليّ يا عبدي، فيجب أن يكون لسان الحال لبيك اللهم لبيك، ففروا إلى الله، الإنسان كيف يفر ؟ يفر مشياً أو هوناً ! قال تعالى:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)﴾
(سورة الذاريات)
يا داود: أنا محل الآمال، انظر هذه النقطة دقيقة، لا يليق بك أن تعقد آمالك على إنسان مهما كان، والدليل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي.))
لا تعقد آمالك على أولادك يغيبوا ظنك، يسافروا ويتجنسوا ويتزوجوا ثم تنقطع رسائلهم، ربيته وتعبت به حتى كبر وأخذ شهادة عليا وصرفت عليه ثم نسيك، امرأة أجنبية لفتته عن أبيه وأمه وعن وطنه وعن أمته، لا تعقد أملك على ولد ولا على زوجة ولا على صديق ولا على جار، يا داود أنا محل الآمال، ربنا عز وجل قال:

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)﴾
(سورة المدثر)
هو الأهل، أن تفني حياتك من أجل الله وحده، أن تريق ماء وجهك في أعتابه وحده، أن تمرغ جبهتك وأنت ساجد له وجده، أن تتذلل له وحده، لا يصح منك ولا يليق بك كإنسان أن تخضع لغير الله، أتنة تريق ماء وجهك لغير الله، أن تتذلل لغير الله، أن تخنع لغير الله، أن تخضع لغير الله.
يا داود: وقلوب المشتاقين نحوي، وجعلتها في الأرض مواضع نظري، يعني القلب منظر الرب، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
يا داود: بشر أولياء وأحبائي، من أوليائه ؟ الذين أطاعوه، الولي كل الولي الذي تجده عند الأمر والنهي.
انقطاع في الشريط إلى أن يقول:
إنسان عنده قطعة معدنية يظنها حديداً معدناً رخيصاً لو اكتشف فجأة أنها ذهب ومن أإرقى أنواع الذهب، والإنسان إذا عرف نفسه، وعرف لماذا هو على هذه الأرض، وأنه المخلوق الأول، عرف كرامته على الله، عرف أنه مكلف، عرف أننه خلق لهدف نبيل، عرف أنه خلق لجنة عرضها السماوات والأرض.
يا داود: بشر أوليائي وأحبائي بأن كل ساعة أريهم كرامتي.
أيضاً انقطاع إلى أن يقول:
قال كيف أشكرك ؟ قال: يا موسى إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني.
أيضاً انقطاع إلى أن يقول:
لأقعدنهم في الفردوس، ولأمكننهم من رؤيتي، يعني أكبر عقاب يعاقب به الكفار يوم القيامة أنهم عن ربهم محجوبون، كلا إنهم يومئذ عن ربهم لمحجوبون.
وعزتي و جلالي لأقعدنهم في الفردوس، ولأمكننهم من رؤيتي حتى أرضى عنهم ويرضوا عني، ويجب أيها الأخ الكريم أن تعتقد أنه ما من فوز على وجه الأرض.. ما من فلاح.. ما من توفيق.. ما من نةجاح.. ما من سعادة إلا تفوق أن يرضى الله عنك، فإذا كنت على منهج الله وفي طاعة الله تطبق أمخر الله فأنت أسعد الناس في الدنيا.
يا داود: أخبر أهل الأرض بأني حبيب لمن أحبني، إن تابوا فأنا حبيبهم، من أحبنات أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا.
يا داود: أخبر أهل الأرض بأني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ورد في بعض الأحاديث:
((أتحب أن أكون جليسك ؟ فقال سيدنا موسى: كيف هذا يا رب ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))
إذا أردت أن تحدث ربك فادعوه، وإذا أردت أن يحدثك الله عز وجل فاقرأ القرآن.
يا داود: أخبر أهل الأرض بأني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن أنس بي، هل يأنس قلبك بذكر الله أم بالناس ؟ هل يضيق صدرك إذا غاب عنك الناس أو جلست في البيت وحيداً ؟ هل تضجر أم تأنس بالله، هل تأنس في بيوت الله.
يا داود: أخبر أهل الأرض بأني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن أنس بي، وصاحب لمن صاحبني، اتخذ الله صاحباً ودع الخلق جانباً.
ومطيعاً لمن أطاعني، ويده ومؤيده، ومختاراً لمن اختارني، أردته فأرادك، أحببته فأحبك، أنست به فأنسك.
وقل لعبادي هلموا لمصاحبتي ومأنستي، وسارعوا إلى محبتي وقربي، أبوابه مفتحت، رحمته قريبة من كل محسن، توبته جاهزة لكل تائب، توفيقه حاصل لكل طالب، هداه مبذول لكل مريد.
يا داود: لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إليهم أشد شوقاً، ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، إذا الإنسان أراد بالصلاة غير الله لا يرى فيها شيئاً، إذا أراد بالحج السمعة والتجارة يذهب ويعود ولا يشعر بشيء، أي شيء تريده لغير الله لا ترى الله فيه.
يا داود: إذا كان الغالب على عبدي الاشتياق إليّ والاشتغال بي، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين،
(( هم في مساجدهم والله في حوائجهم))

يعني إحوان كثيرون حدثوني عن قصص منتزعة من حياتهم، أنهم إذا كانوا في مساجدهم حلت بعض قضاياهم، حلت بأيسر السبل، سخر الله لهم من يعينهم على حلها، هذه الكلمة أيضاً لا تنسوها قالها النبي عليه الصلاة والسلام: ((هم في مساجدهم والله في حوائجهم.))
قال العلماء: الإنسان إذا صلى ماذا فعل ؟ في الصلاة معنى الحج ومعنى الصيام ومعنى الزكاة، معنى الصيام إنك في الصلاة تمتنع عن الطعام والشراب وكل شيء عدا حركات الصلاة وقراءاتها ففيها معنى الصيام، وإنك في الصلاة تتوجه إلى بيت الله الحرام ففيها معنى الحج، وإنك في الصلاة تنفق الوقت من أجلها والوقت أصل في كسب المال، هذا الذي يغلق محله التجاري ويأتي إلى مجلس العلم ويصلي المغرب والعشاء ويستمع إلى الدرس ألا ينفق وقتاً كان من الممكن أن يكسب مالاً، في الصلاة معنى الصيام والزكاة والحج، وفي الصلاة صلة بالله عز وجل، لذلك تعد الصلاة الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، هي عماد الدين وعصام اليقين، وسيدة القربات وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، وقد فرضت في الإسراء والمعراج فرضية مباشرة.
يا داود: إذا كان الغالب على عبدي الشوق إليّ والاشتغال بي، هل أنت مشتغل بالله، تبحث عنه، تريد معرفته، تريد رضوانه، تريد القرب منه، تريد فهم كتابه.
إذا كان الغالب على عبدي الشوق لي والاشتغال بي جعلت راحته ولذته في ذكري، يعني ذكر الله أحب إليه من كل شيء، ألا أنبئكم بأفضل أعمالك وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( ذكر الله وما والاه.))
إذا كان الغالب على عبدي الشوق لي والاشتغال بي جعلت راحته ولذته في ذكري ورفعت الحجاب بيني وبينه، يحبني وأحبه، يعني إذا الإنسان له علاقة مع إنسان مهم وقوي وله شأن، وأن هذا الإنسان يده طولى تطول كل شيء، وله إن صح التعبير مونة على كل شيء ألا تسعدك هذه العلاقة.
أحبه ويحبني، حتى لا يغفل إذا غفل الناس ولا يسهو إذا سهى الناس ولا يلهو إذا لهى الناس أولئك الأبرار حقاً، الناس يسهون، هذا الذي عرف الله لا يسهو، الناس يغفلون هذا لا يغفل، الناس يمرحون هذا لا يمرح.
إذا كان الغالب على عبدي الشوق لي والاشتغال بي جعلت راحته ولذته في ذكري ورفعت الحجاب بيني وبينه، أحبه ويحبني، حتى لا يغفل إذا غفل الناس ولا يسهو إذا سهى الناس ولا يلهو إذا لهى الناس أولئك الأبرار حقاً، ياداود: إذا طلبتني وجدتني وكفيتك كل شيء، وإن طلبت غيري شغلتك بالأسباب وطالبتك بالحقوق ولم تجدني، ياداود إني جعلت محبتي لمن لا ينساني بليانه وقلبه، فإنه لا شيء أرقص عندي من الغفلة والنسيان، كما قلت قبل قليل الحديث طويل، مناجاة.
يا داود: إن رضيت عني رضيت عنك، رضائك عن الله عز وجل يعني أن ترضى عن أفعاله، أن ترضى بقضائه وقدره، أن ترضى بما قسمه لك من الدنيا، أن ترضى بحظوظك من الدنيا، أن ترضى بأمره التشريعي، وأن ترضى بأمره التكويني.
بالمناسبة جاءني سؤال هنا مناسبته، يقول السائل: ما الفرق بين التسليم لأمر الله وبين الرضا بقضاء الله ؟ هذا شرحناه في الدرس الماضي، أن من كمال الإيمان أن تسلم لأمر الله وأن ترضى بقضاء الله وأن تفوض إلى الله وأن تتوكل على الله.
الحقيقة التسليم إذا داهمك شيء لاح في الأفق آت إليك ماذا يحصل ؟ امتحان قادم، الامتحان يقترب منك ياترى أنجح أم لا أنجح، هذه الوظيفو أوفق فيها أم لا أوفق، التسليم أن ترضى بأي شيء يأتي إليك، بعد أن يأتي الشيء وينتهي الأمر ما الذي حصل ؟ هكذا الرضى، فالتسليم قبل حدوث الشيء والرضى بعد حدوثه، أما إذا أنت عزمت على شيء فالتوكل على الله عز وجل، إذا الشيء قادم إليك تسلم قبل أن يأتي وترضى بعد أن يأتي، أما إذا أقبلت أنت على شيء توكلت على الله.
يا داود: إن رضيت عني رضيت عنك، وإن أفردتني بالحاجة أفردتك بالانجاح، يعني حاجتك طلبتها مني، سألتني إياها وحدي، لن تشرك، إن أفردتني بالحاجة أفردتك بالإنجاح، وإن شكرتني صيرتك ملكاً في الدارين، ملكاً في الدنيا يعني مستغن عن الناس في حالة من الراحة والطمأنينة وكذلك في الأخرة.
يا داود: إني إذا أحببت عبداً من عبيدي ملأت قلبه خوفاً مني، وشزقاً إلى لقائي، وحرصاً على طاعتي، فالمنافق يعني ذنبه كالذبابة، أما المؤمن ذنبه كأن جبلاً جاثماً عليه.
يا داود: إني لا أنسى من ينساني فكيف أنسى من يذكرني، ياداود: إني أجود على من يبخل عليّ فكيف أبخل على من يجود بي، يعني الحقيقة كما قلت قبل قليل إذا عرفت الله حق المعرفة، عرفت أسمائه الحسنى، قلنا في درس سابق الإنسان في حقائق أساسية في الإيمان، يجب أن تؤمن بأن الله موجود وأن الله واحد وأن الله كامل، الوجود والوحدانية والكمال، طبعاً كل كلمة عليها أدلة كثيرة من كتاب الله، لكن إذا آمنت بوجود الله خالقاً ومربياً ومسيراً وآمنت بوحدانيته ولم تشرك وآمنت بكمالاته وأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى عندئذ تسعد به، وتكون معرفة الله كما يقول بعضهم منعطفاً خطيراً في حياتك، يعني كنت لا شيء فأصبحت به خير شيء في الورى.
يا داود: بشر عبادي السائلين بأني بهم رؤوف رحيم، كل حبيب يحب خلوة حبيبه، وأنا مطلع على قلوب أحبائي، وقل للمتلذذين بذكري هل وجدتم رباً أبر مني، ياداود: من أطاعني وهو يحبني أسكنته جنتي وأريته وجهي، ومن عصاني ولم يحبني أدخلته ناري وأحللت عليه سخطي، ياداود: كذب من ادعى محبتي وإذا جن عليه الليل نام عني، من عرفني أرادني ومن أرادني طلبني ومن طلبني وجدني ومن وجدني لا يختار عليّ حبيب سواي، بشر المذنبين بأني غفور، وأنذر الصديقين بأني غيور، للمذنب الله غفور، أما للصديق الله غيور.
يا داود: من لقيني وهو مستحي مني لم أخجله يوم يلقاني، جنتي لمن لم يقنت من رحمتي، وغضبي عل من أخطى خطيئة ولم يتب منها.
يا داود: لولا أنني ربطت أرواح أحبائي في أبدانهم لخرجت الأرواح من أبدانهم شوقاً إلى لقائي، إني من عبادي عباداً جعلتهم للخير أهلاً، وجعلهت لهم المؤانسة لهم، طوبى لهم وحسن مئاب.
يعني هذه المعاني، كلما توغلت في طريق الإيمان كلما ارتقى إيمانك، كلما ازدات معرفتك تتمثل هذه المعاني وتعكف على طاعة الله عز وجل وعلى الإقبال عليه.
في موضوع آخر نحب أن نكمل به الدرس وهو: الملاحظ أن الإنسان أحياناً من دون علم يتهم إنسان بالكفر، والكفر كلمة كبيرة جداً، يعني الكفر أخطر ما يتصف به الإنسان، لذلك أردت في هذا الملحق لهذا الدرس أن يكون هذا الموضوع واضحاً في أذهان الأخوة، الكفر هو أعظم المهلكات على الاطلاق وهو عدم الإيمان، والإيمان هو التصديق بالقلب، الإنسانا متى يصدق ؟ من معاني الإيمان التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.))
فالآن سؤالنا: كيف يريد الإنسان أن يطبق ؟ يعني إذا أنت سافرت إلى بلد ورأيت معالم المدينة، ثم أطلعك إنسان على صورة هذه البلد تقول هذه حلب مثلاً، أنت متى صدقت ؟ حينما رأيت، إذاً لن تكون مؤمناً إلا إذا رأيت الحقائق من خلال تأملك بالكون، خلق الله طريق إلى معرفته، فإذا جال عقلك وفكرك في ملكوت السماوات الأرض وقال الله عز وجل:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
(سورة الرعد 2)
تقول صدق الله العظيم، يعني أية آية تقرأها في القرآن إذا كنت فكرت في هذه الآية الكونية وجاءت هذه الآية البقرآنية تقول صدق الله العظيم، فحينما يكون لك بحث ذاتي عن الله عز وجل، وتأتي الآيات في القرآن الكريم تؤكد بعض الحقائق أنت تصدق، لأن أدق تعريف للإيمان التصديق والدليل:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)﴾
(سورة يوسف)
ما معنى ذلك ؟ أي ما أنت بمصدق لنا، فالإيمان تصديق، يعني قلبك ممتلىء أن الله موجود لأنه هو الإله، وأنه رب، وأنه عليم وحكيم وقادر، حينما يصدق القلب معنى ذلك أن هذا القلب رأى قبل أن يصدق، كيف يرى ظ ربنا عز وجل قال:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا﴾
(سورة يونس 101)
قال:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾
(سورة الذاريات)
قال:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25)﴾
(سورة عبس)
فإذا نظرت أنت في كأس الماء أو رغيف الخبز، بهذه البيضة بكأس الحليب، بهذا الخروف، بهذا الجمل، بهذا الحصان، بهذا الجبل، بهذا الخلق الدقيق، إذا نظرت في خلق الله وجاءت الآيات تقول الله خالق كل شيء أنت حينئذ تصدق.
مدينة ذهبت إليها وأقمت فيها شهراً فلما قيل لك: أهذه حلب ؟ قلت نعم، التصديق يأتي بعد المشاهدة، لذلك جاء في تعريف الإيمان: الإيمان هو التصديق بالقلب بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى والإقرار به بالسان، صدقت بالقلب وأقررت بالسان وعملت بالأركان فأنت مؤمن، هذا هو الإيمان، أما أن يدخل الإيمان إلى قلبك بلا سبب، بلا جهد، بلا بحث بلا اهتمام، بلا سعي، بلا بذل جهد، بلا إمضاء وقت هذا شيء مستحيل، أساس الحياة الإيمان، والإيمان أساس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وبلسم الصبر عند الشدائد، وهو الذي يكبح جموح الإنسان، الإيمان قيد الفتك، الإيمان عفة عن المحارم، عفة عن المطامع، الإيمان هو الحياء، الإيمان هو الطاعة.
فلذلك حينما تقول الإيمان التصديق لقوله تعالى وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق أي القلب إذا صدق، طيب لو عرضت عليك نصاً وقلت ما قولك بهذا النص ؟ هل تشكيل هذا النص صحيح وأنت لا تعرف في اللغة شيء، هل بإمكانك أن تصدق شيئاً لا تعرفه ؟ إذاً كأن الإيمان رؤية تسبق الإقرار، يؤكد هذا قول أصحاب رسول الله الأجلاء: " أوتينا الإيمان قبل القرآن "
الحقيقة ماذا تفعل الكلمات ؟ تثير عندك خبرات، لو فرضنا أن إنسان عانى البطالة سنة ن ليس معه مال أبداً، عانى ألام البطالة الذل، البحث عن عمل، ضيق ذات اليد، الجوع، يحتاج إلى إنفاق ليس معه، فإذا واحد قال البطالة صعبة الآن صدقته أنت، النجاح مسعد تصدق، إنسان نجح ينس كل الأتعاب السابقة، فهذه الحياة خبرات، أيام تأتي الكلمات وتثير هذه الخبرات.
لو فرضنا إنسان خلال خبراته في الحياة باع بيعة من دون تبصر، فالشاري كان نصاباً واضطررت أن تطالبه خلال سنتين أو ثلاثة، وضيعت وقت كبير وجهد وبذلت ماء وجهك حتى تترد دينك، وأنت معانات سنتين سحقت بها، قال لك واحد في جلسة والله الدين صعب تقول له نعم، تقولها من أعماقك، لماذا ؟ لأنك عانيت هذه الحقيقة.

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
***
فإذا الإنسان تأمل في خلقه، في جسمه، في سمعه وبصره، تأمل في الحوادث، قال لك واحد المرابي آخرته الدمار، تقول أي والله، أنا الآن أحاول أن نضع يدنا على سرّ الإيمان، أنت إذا حاولت أن تتقصى أحوال الله كيف عامل المستقيم ؟ كيف عامل المنحرف ؟ كيف عامل من طلبق زوجته ظلماً ؟ كيف عامل من أحسن إلى زوجته ؟ كيف عامل المستقيم في البيع والشراء ؟ كيف عامل الشاب العفيف ؟ كيف رزقه زوجة صالحة في الوقت المناسب ؟ كيف عامل إنسان قال إني أخاف اللع رب العالمين ؟ إذا أنت تأملت فعل الله في خلقه، في مجالات كسب المال وإنفاقه، والعلاقات الاجتماعية والدراسة والتوفيق والتجارة، واستنبطت بعض القوانين، وقال لك واحداً أنا لاحظت أن كل وزاحد يأكل مالاً حراماً يدمره الله عز وجل تقول أي والله، أنت الآن آمنت صدقت بالحقيقة.
الآن أنت إذا تتبعت ما يفعله الله بالناس، ما يجري في الكون من حوادث، فعله التكويني، واتبعت أمره التشريعي، أمرك بغض البصر، أنت غضضت البصر فسعدت في بيتك، فإذا كانت الآية تليت:

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾
(سورة الأنفال 3)
لما ربنا عز وجل قال:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى﴾
(سورة النور 30)
إي والله، أطهر أزكى أكمل أعف أشرف، وإذا إنسان غض بصره عن النساء يشعر بشرف بعفة بمكانة، فأنا في نقطة أرجو من الله أن أوفق إلى شرحها، الإيمان تصديق، تصديق ماذا؟ إذا أنت دارس لغة عربية وعرضوا عليك نص مضبوط بالشكل كله صح، إذاً في معرفة مسبقة، حينما تقرأ النص كي تصدقه، حينما تقول صدق الله العظيم معنى ذلك أنه عندك معرفة مسبقة بالله، حتى قلت لهذه الآيات حينما تلوتها صدق الله العظيم، هذا معنى الإيمان، يعني أنت فكرت بالكون، عرفت المكون، عرفت المنظم، عرفت المسير، عرفت الحكمة، عرفت القدرة، عرفت الغنى، عرفت اللطف، عرفت التقدير، فإذا جاءت الآيات وأنت في زمانك دعوة الله عز وجل وسمعك واستجاب لك، كنت في مأزق دعوته فأجاب لك، فإذا قرأت قول الله تعالى:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
(سورة النمل 62)
لذلك يقولون: هي الكلمات التي تسمعها تثير خبرات، ضربوا على ذلك مثل كنت أقوله لكم كثيراً أن أستاذ في الجامعة مكانته وشهادته تؤهله أن يكون ذا كرسي، هذه أعلى مرتبة في الجامعة، بسبب أو لآخر ما أتيح له ذلك، شعوره أنه مظلوم شعور مستمر، له معاناة وألآم، يحكي لك عشر ساعات لماذا لم يتاح له هذا المنصب وأعطوه لغيره، فلو فرضنا أن هذا الإنسان سمع في الطريق كلمة كرسي، يمشي ساعتين وهو يقول لماذا لم يضعوني أستاذ بكرسي، والله شاهدتي درجة أولى، فلان ليس بمستواي، كلمة كرسي ماذا أثارت عند هذا الإنسان ؟ شجونه، خبراته، متاعبه، ألآمه، معاناته، يسمعها حلاق لازمه كرسي زيادة، يا ترى نأتي بكرسي ثالث في ضريبة أكثر وعمال زيادة وثمن الكرسي، هذا مشى في خط، يسمع كلمة كرسي إنسان تعبان يقول ليت هناك كرسي أرتاح عليه، يسمع كلمة كرسي إنسان ناقص كرسي حمام ياترى آخذه بلاستيك أو خشب، كلمة واحدة آثارت عند اإنسان لواعج، مشاكل، معاناة، ألآم هموم، عند هذا الإنسان موضوع ثاني.
ما التصديق إذاً ؟ أنت حين يكون لك خبرات مع الله عز وجل، يعني أنت أطعته فأكرمك دعوته فاستجاب لك، فكرت في الكون فاستعظمته، عاهدته فوفى لك العهد، استرزقته فربزقك، اتكلت عليه فنصرك، تذللت له فأعزك، أنبت إليه فقبلك، تبت إليه فتاب عليك، سألته فلباك، أنت إذا قرأت:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
تقول صدق الله العظيم تخرج من أعماقك، فالإيمان تصديق، يعني أنت بحثت واستنبطت نتيجة فلما تلوت قوله تعالى:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
(سورة الزمر)
تقول صدق الله العظيم، إذاً الإيمان تصديق، تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان، هذا هو الإيمان.
إذا صدقت الله عز وجل وأقرّ به لسانك وسلكت في طاعته الوجه الأمثل النتيجة الطبيعية أن تقبل عليه، عرفته واستقمت على أمره وتقربت عليه، النتيجة الحتمية الطبيعية أنك أقبلت عليه، أما الكفر تكذيب وتفلت وإساءة وإعراض.
قالوا الكفر ثلاثة أنواع: كفر جهلي، إنسان جاهل، وسببه عدم الإصغاء لحقائق الدين من أئمة الإسلام، واحد إذا كانت نفسه مستودع كلها مجلات ومعلومات وصرعات أزياء ونكات وطرائف وأخبار مضحكة، يعني كأن الإنسان وعاء غذائه كله ثقافة معاصرة، أما الإنسانة إذا غذى نفسه بكتاب الله وسنة رسول الله، ببطولات المسلمين الأوائل، تجد أن هذه النفس امتلأت كمالاً وحقاً وصدقاً ووفاءاً ورحمة وورعاً وخشية، الان حينما تمتلىء خشية وحباً وورعاً وإخلاصاً ماذا تفيض ؟ تفيض مما فيها، كل إناء بالذي فيه ينضح، هذا المثل أبقوه في أذهانكم: مستودع عليه صنبور من فوق وصنبور منه، بحسب ما يصب عليه من الصنبور الأعلى يعطيك الصنبور الأسفل.
أنت الآن عش أسبوعين بأخبار الناس ومشكلاتهم، بأخبار معينة لو زارك إنسان ليس عندك شيء تتكلم به إلا ما سمعته، أنت مستودع غذيت نفسك بمعلومات عادية معينة فحديثك منها، فإذا غذيت نفسك بالقرآن صار حديثك بالقرآن، إذا غذيت نفسك ببطولات الصحابة صار غذائك الثقافي راق جداً، فإذا قرأت قصة ساقطة مثلاً وغذيت نفسك بها صارت خواطرك وتفكيرك وسلوكك وطموحك يستوحى من هذه القصة الساقطة، قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت، قل لي ماذا تسمع أقول لك من أنت، قل لي من تصاحب أقول لك من أنت، قل لي مع من تجلس أقول لك من أنت، قل لي ماذا تتغذى أقول لك من أنت، الذي تتغذى به هو الذي تعطيه للناس.
إذاً هنا كفر جهلي، جاهل مغذى تغذية معاصرة، تغذية من المجلات والصحف وبعض الشخصيات الفنية وأخبارها، أكثر الناس على هذا، إذا أحب أن يتكلم ليس عنده شي، يتكلم سقوط وانحراف وخيانات واحتيالات ومواقف مشينة هذا الذي قرأه هو، هذه ثقافته ومعلوماته، فقل لي ماذا تغذي نفسك أقول لك من أنت، فلذلك المؤمن إذا فكر في الكون صار حديثه عن الكون، إذا فكر في كلام الله صار حديثه عن كلام الله، إذا فكر في أصحاب الله رأى بطولاتهم ومواقفهم المشرفة وأمانتهم وصدقهم وورعهم صار سلوكه مشابهاً لهم.
فالقضية دقيقة جداً، هناك الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان وإقبال على الله عز وجل، الكفر تكذيب وتفلت وإساءة وإعراض عن الله عز وجل.
فهنا جهلي وسببه عدم الاصغاء لتقرير الدين من أئمة المسلمين وعدم الالتفات والتأمل للآيات المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس على الحق، يعني أنت ممكن أن تأخذ الحقائق من القرآن، ويمكن أن تأخذه من الآفاق أو من نفسك، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، جسمك طافح بالآيات، الكون طافح بالآيات، والقرآن آيات، لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
(سورة الأنعام )
والآية الأخرى:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
(سورة الكهف 1)
إذاً الكتاب جانب من جوانب معرفة الله، والكون جانب، والحوادث جانب، الجهل عدم الإصغاء إلى حقائق الدين من أئمة المسلمين، وعدم الالتفات والتأمل في الآيات المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، هذا كفر جهلي.
هناك كفر جحودي وعنادي وسببه الاستكبار ككفر فرعون وملأه، طبعاً ربنا عز وجل قال:

﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47)﴾
(سورة المؤمنون )
كفر استكبار وكفر جهل، النوع الثالث كفر حكمي، إذا الإنسان أمسك بالمصحف ورماه ما قال ولا كلمة كفر، لكن إلقاء المصحف إهانة له هذا اسمه كفر، إذا استخف بأمر الله لماذا الصلاة، سلوك قديم هذا وبالي هذا كفر، هو ما جعله الشارع أمارة على تكذيب الدين، أي سلوك عمل تصرف استهزاء ضحك سباب معين، أي سلوك أو تصرف يدل على استخفاف بحقائق الدين فهذا أيضاً كفر.
صار عندنا كفر جهلي، وكفر جحودي، وكفر حكمي كاستخفاف ما يجب تعظيمه من الله عز وجل، استخفافه بكتبه، استخفافه بملائكته برسله باليوم الآخر، إذا قال ليس في غير الدنيا، هذه الدنيا جنة ونار هذا كفر، هذه كلمة الكفر، في أحد من كان مع رسول الله لكن تكلم بكلمة الكفر قال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول فنحن أشد من الحمر، لو كان صادقاً أنه نبي لكنا بعدم اتباعه كالحمر، ربنا عز وجل سمى هذا الكلام الكفر.
إذاً أي استهزاء بالله بملائكته برسله بكتابه باليوم الآخر بأوامره بنواهيه بالعبادات بالصلاة، ماهذا الحج، قال بعضهم وهو مسلم قال: والله مدّ السجاد لي إلى هناك لا أذهب، ليس فيه شيء الحج إطلاقاً، فإذا الإنسان أنكر فرضية الحج، أنكر فرضية الصلاة، أنكر فرضية الزكاة، أنكر فرضية الصيام، أنكر حديثاً متواتراً، أنكر آية قطعية الثبوت والدلالة أو ظنية الدلالة، استخف بأمر إلهي هذا كله كفر حكمي، وفي عندنا كفر جهلي وعندنا كفر عنادي جحودي.
أما إنسان مقصر له مخالفات لكن متؤلم من نفسه له تقصير، لا يصلي لكن لا يدع الصلاة إنكاراً لحقها ولكن تهاوناً وتكاسلاً، وأنا أنصحكم أن تبعدوا عن ألسنتكم كلمة الكفر، هذه الكلمة أبعدها عن لسانك نهائياً، ليس هذا من شأنك هذا من شأن الله عز وجل، أنت دائماً لست وصياً على العباد، وأنت ليس لديك إمكانية أن تعرف حقائق النفوس، سيدنا سعد لما قتل رجلاً كافراً قبل أن يقتله بثواني قال أشهد ألا إله إلا الله، فغلب على ظنه أنه قالها اتقاءاً، النبي غضب غضباً شديداً وقال يا سعد أشققت على قلبه، فالقلب لا يعلمه إلا الله، فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
فكلما ارتقى إيمانك زاد أدبك، سيدنا رسول الله لما جاءه عكرمة مسلمة ماذا قال ؟ إياكم أن تسب أباه فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت، سيدنا عكرمة من أعدى أعداء رسول الله، كان شاعراً، كان يهجو النبي، وحارب النبي، حاربه في كل المعارك، والنبي أهدر دمه، وبعد أن أهدر دمه عفى عنه ودخل في الإسلام وحسن إسلامه وكان بطلاً من الأبطال.
فأنت تعرف خاتمة الإنسان، سيدنا خالد بن الوليد كم مرة حارب النبي ؟ الأولى والثانية والثالثة، ومع ذلك قال له أنت سيف من سيوف الله، فالإنسان من الحمق والجهل أن يحكم على الناس، أو أن يقيم الناس، أو ينصب نفسه وصياً عليهم، موضوع الكفر موضوع خطير جداً، من كفّر مسلماً فقد كفر، موضوع خطير جداً، بسرعة تكفر الناس، أنت عليك من نفسك، وعليك أن تكون وفق الأصول، فنحن كما قلت قبل قليل الإيمان أن يكون لك جولة في الكون، وتأمل في أفعال الله عز وجل، وتدبر في القرآن، إذا تدبرت القرآن ونظرت في أفعال الله عز وجل وتأملت في الأكوان عندئذ إذا سمعت حديثاً شريفاً تقول صدق رسول الله، لو أنت في قضية أثرت رضوان الله وضحية بالدنيا فأكرمك الله مرتين، عوض عليك ما فاتك من الدنيا وزدت على الله إقبالاً وسعادة، وقرأت قول النبي الكريم: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، ماذا تقول ؟ صدق رسول الله.
إذا أنت كنت أميناً والناس وثقوا من أمانتك وأعانوك في حياتك أقرضوك مثلاً، وقرأت قول النبي الكريم الأمانة غنىً، ماذا تقول ؟ صدق رسول الله، تلاحظ الإيمان تصديق، يعني في خبرات، في حقائق استقرت في نفس المؤمن، في تأملات في استنتاجات، في أحكام حكم بها، فإذا جاء قوله تعالى، ربنا عز وجل قال:

﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
(سورة إبراهيم 5)
لما ربنا عز وجل قال:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
(سورة الحج 38)
وأنت كنت مؤمناً، وعدة مرات كنت على شفى هاوية وجاء شخص لا تعرفه ودافع عنك وأنقذك، وإذا قرأت قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

لا تقول من أعماقك صدق الله العظيم، إذا أنت زوجت ابنتك لرجل مؤمن فقير لكن أعجبك إيمانه، والله عز وجل أغناه وأكرمه , أسس أسرة، ولما تقرأ قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
(سورة النور 32)
ألا تقول صدق الله العظيم، وإذا واحد اختار الدنيا على الدين وصار في متاعب زوجية وصار طلاق وإهانة، وكل يوم تتعبك ابنتك يوم ضربني ويوم أتعبني ويوم أدخل أصدقاءه، لا تقول أنت ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ‍!
فهذا القرآن تؤخذ معانيه ممن يعانيه، إذا أنت تعاني الحقائق وتقرأ القرآن تذوب ذوباناً، يقشعر جلدك، تجيش نفسك، أما إذا أنت في واد والقرآن في واد، أنت لك خبراتك الدنيوية التي لا علاقة لها بالقرآن وتقرأ القرآن لا تجد فيه شيئاً، أين التصديق ؟ لا تصديق.
فالإيمان تصديق بالقلب، فكلما جلت في الكون وانتهيت إلى حقيقة استعظمت الله بها، إنما يخشى الله من عباده العلماء، وكلما تدبرت آيات القرآن، وكلما تأملت أفعال الله عز وجل واستقرت بعض الحقائق، مرة قلت لكم أن شخص كان في طريق يقود سيارة، على طرف الطريق في جرو صغير أيام باردة والطريق، والطريق المعبد أدفأ من التراب في الشتاء لأن لونه أسود يمتص أشعة الشمس، هذا الجرو جالس على طرف الطريق المعبد يستدفئ به، هذا الشخص قائد السيارة أراد أن يتسلى وأن يظهر براعته في قص أيدي هذا الجرو، فاتجه نحوه وجعل العجلة فوق يده فقط، وأطلق ضحكة ساخرة، كان إلى جانبه شخص هذا الذي روى لي القصة، والله رواها لي لغرابة هذه القصة يصعب أن تصدق.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:11 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 003 : الجهل عدو الإنسان الأول - توجيهات لمنع العدوى - التشاؤم حديث ( لاعدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ....).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-02-17
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم... حديث اليوم: ((عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ. ))
(رواه البخاري 5316)
قبل الخوض في شرح هذا الحديث الصحيح الذي اتفق عليه البخاري ومسلم لا بدّ من مقدمة.
أيها الأخوة الأكارم... أعداء الإنسان كثر، يجب أن نعتقد أن أعدى أعداء الإنسان هو الجهل والخرافة، فأي شيء تعتقده خطأ له تأثير خطير في حياتك، لذلك قالوا في تعريف العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل، وفي تعريف الجهل: إدراك الشيء في خلاف ما هو عليه.
لو ظن الإنسان أنه كلما ارتفع ضغطه كلما حسنت صحته هذا جهل، ارتفاع الضغط قد يؤدي إلى انفجار بعض شرايين المخ، وقد يصاب بالسكتة الدماغية، إما أن يصاب بشلل تام أو بموت فجائي، فإذا ظن الإنسان أن ارتفاع الضغط مفيد جداً هذا هو الجهل وهو أعدى أعدائه، المصاب بمرض السكر إذا ظن أنه كلما تناول النشويات والسكريات شفي من مرضه هذا هو الجهل، أعدى أعداء الإنسان أن يجهل.
الدين الإسلامي من فضل الله علينا جاء متوافقاً مع الواقع ومتوافقاً مع العقل، هنا تعريف أوسع وأدق للعلم: علاقة ثابت بين شيئين مقطوع بصحتها، لو اعتقدت أن هذا الشيء صواب بالمئة ثلاثون هذا وهم، إذا اعتقدت أنه صواب بالمئة خمسون هذا شك، إذا اعتقدت أنه صواب بالمئة سبعون هذا ظن، بالمئة ثمانون هذه غلبة الظن، بالمئة تسعون هذا يقين، بالمئة مئة قطع، حقيقة ثابتة بالمئة مئة، فإذا اعتقدت أن هذا العلاقة الثابتة بين شيئين مقطوع بصحتها يؤكدها الواقع عليها دليل، هذا هو التعريف الموسع للعلم، لو أن الواقع ما أكدها فهو الجهل، لو أنك لا تملك الدليل فهو التقليد، لو أن هذه الحقيقة ليست قطعية الثبوت فهو الشك والوهم.
إذاً أنت إما بين الشك والظن والوهم وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، وإما أن تكون مقلداً، وإما أن تكون جاهلاً، الجهل مخالفة الواقع، التقليد حقيقة لكن بدون دليل، ليس في إمكانك أن تقبلها ولا أن تردها ولا أن تعلمها، إن لم تك متأكداً فأنت بين الظن والشك والوهم.
إذاً هذا الموضوع خطير، الجهل أعدى أعداء الإنسان، الإنسان حينما يجهل حقيقة في دينه أو في صحته أو في عمله أو في تجارته أو في صناعته أو في زراعته، يعني قصة لا علاقة لكم بها ولكن مزارعاً اشترى سماداً لحقله، و إنتاج الحقل بمئات الألوف، أذاب هذا السماد بطريقة غير علمية ولم يراع النسب الدقيقة، كل هذا النبات احترق، يعني مئات الألوف ضاعت عليه في يوم واحد، من أعدائه ؟ هو نفسه العدو، هو عدو نفسه.
فيا أيها الأخوة الأكارم... أخطر ما في الدين أن يعشعش في أذهان المسلمين أوهام، عقائد فاسدة، تخيلات، تصورات، خرافات، خزعبلات، تجاوزات، بدع، يجب أن نعود بالدين إلى ينابيعه، إلى أصله.
هذا الحديث الشريف الذي يبن أيدينا وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ.))
(صحيح البخاري 5316)
الحقيقة هذا الحديث شهير، نحن في عندنا حديث متواتر تواتراً لفظياً، وهناك حديث متواتر تواتراً معنوياً، فإذا جاء الحديث بروايات عديدة كلها يؤكد بعضها بعضاً فهذا حديث مشهور متواتر تواتراً معنوياً وبعده المشهور وبعده الآحاد، فهذا الحديث جاء بروايات عديدة، في البخاري جاءت له إضافة:
((" وفرّ من المجزم كما تفر من الأسد))
وفي صحيح مسلم جاءت إضافة: وَلَا نَوْءَ.
ولولا أن هذه العقائد، وهذه الأوهام، وهذه الخرافات لا تزال معشعشة في أذهان كثير من المسلمين اليوم لما كان هناك ضرورة لسوق هذا الحديث، ولكن كثيراً ما أسأل، كثيراً ما أطلع على أشخاص يعتقدون اعتقادات فاسدة، يتوهمون توهمات مضحكة، النبي عليه الصلاة والسلام جاء بالحق الصريح، فيجب أن نصحح عقائدنا من خلال ما أخبرنا به النبي عليه الصلاة والسلام.
يعني ما الفرق بين الجاهلية والإسلام ؟ سؤال دقيق، الحقيقة الجاهلية إما من الجهل وإما من الجهالة، الجهل أن تعتقد بخرافات لا أصل لها، والجهالة أن تخرج عن طريق الحق فتأخذ ما ليس لك، الجهالة هي السفه والجهل ضد العلم، والجاهلية التي كانت قبل الإسلام جاهلية جهلاء، وسيدنا جعفر ابن أبي طالب قال حينما خاطب النجاشي: كنا أهلاً ذات جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونؤذي الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله كي نعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء.
يجب أن تعلموا أيها الأخوة أن الله عز وجل ما اتخذ ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه، يعني جزء كبير جداً من شخصية المؤمن العلم، العلم سلاحي كما قال عليه الصلاة والسلام، وما حضور الأخوة لهذه المجالس إلا من أجل طلب العلم، وإلا من أل أن يكون العلم سلاحاً لهم على الشيطان.
كلكم يعلم أن أحد العلماء أن يعلم تلاميذه درساً تطبيقياً بين العلم والعبادة، فارتدى جبة ولفة خضراء وسار بأصحابه إلى باب أحد العباد وقال له أنا الخضر، فما كان من هذا العابد إلا أن انكب على قدميه وصار يبكي ويتمسح به، وقال أطمئنك أنه قد رفعت عنك الصلاة، فازداد حباً وبكاءً وسروراً، انتقل بطلابه إلى بيت عالم بهذا الزي وهو زي الخضر، وطرق باب هذا العالم وقال أنا الخضر، فنظر إليه نظرة غير مرتاحة وقال أبشرك بأن الصلاة قد رفعت عنك، فدخل إلى البيت وعاد بقضيب ليلحق بهذا الدعي الكذاب.
لو أن أحداً رأى النبي وقال له الصلاة رفعت، الصلاة لا ترفع بأية رؤية، الدين الإسلامي دين علم، دين قانون، دين حقيقة، دين عقل، دين فكر.
الآن نبدأ بكلمة لا عدوى، الحقيقة الإنسان أحياناً لقلة علمه يتوهم أن هناك تناقض بين الأحاديث، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لا عدوى ))
ويقول في حديث آخر:
((إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا. ))
(صحيح البخاري 5287)
كيف نوفق بين هذا الحديث وهذا الحديث ؟ أحد العلماء في بعض الأقطار العربية توجه إلى بلد أجنبي بحكم دراسته، والتقى بأشهر عالم من علماء الجراثيم و سأله، سأله أسئلة ملخصها أننا إذا كنا في بلد وقد جاءته جاءه مرضية ماذا نفعل ؟ فأجابه هذا العالم وهو لا يدري أن في الدين الإسلامي هذا الحديث فقال: يجب أن نمنع كل شخص من الدخول إلى هذه البلدة لئلا يصاب العدوى، أما لماذا نمنع من فيها من الخروج ؟ هذا الذي لا تفسير له، أجاب هذا العالم بأن هناك مريض وهناك للمرض، هناك إنسان صحيح، الآن مرض الإيدز يقولون في عشر ملايين إنسان يحملون هذا المرض، أما المصابون بهذا المرض ثلاثة ملايين تقريباً، هناك عشرة ملايين يحملون هذا المرض وهو لا يشعرون، فمن كان في هذه البلدة أغلب الظن ممن ليس مريضاً يحمل هذا المرض، فإذا خرج منها أغلب الظن أنه يعدي الآخرين، لذلك هذا التوجيه النبوي يتفق مع أحدث نظريات العدوى والجراثيم.
لذلك سيدنا عمر لما كان مع أصحابه في الجابية قرب الشام وعلم أن بالشام طاعوناً أبا أن يدخل، فقال بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين أفراراً من قضاء الله، فقال رضي الله عنه: هل عندكم شيء قاله النبي في هذا الموضوع، فذكر أحد أصحاب رسول الله هذا الحديث، فقال عندئذ سيدنا عمر: إن دخلنا إلى الشام فبقضاء الله وإن لم ندخلها فبقضاء الله.
فأنت مأمور أن تحكم عقلك، وأن تطبق السنن التي سنها الله عز وجل للإنسان، لكن كيف نفسر هذا الحديث، يعني إذا أصبت بالعدوى فلا تنسب هذه العدوى لغير الله، الإنسان لا يمرض إلا بمشيئة الله، لئلا تقع العداوات، لئلا تقع الاتهامات، لئلا تعزو الفعل لغير الله لئلا تقع في الشرك، لئلا تمتنع عن معالجة مريض، لئلا تمتنع عن خدمة مريض، قال لك: لا عدوى، يعني المرض لا يحدث إلا بأمر الله، وإذا حدث فهو بتقدير الله عليك أن تأخذ الأسباب.
إذاً لا عدوى تعني أنه يجب على الإنسان ألا يضيف الفعل لغير الله، هذا المعنى لا تكن مشركاً، لا تضف هذا الفعل فعل المرض لغير الله، اعتقد أن الله هو الذي يمرض، وأن الله هو الذي يشفي، أما أنت عليك أن تأخذ بهذه التوجيهات النبوية: إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها.
لذلك من حكمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
(( من عاد مريضاً فأكل عنده فذلك حظه من عيادته.))
كلام النبي عليه الصلاة والسلام له أهداف عديدة، من أهدافه أن المريض قد يشتهي هذا الطعام الذي يقدم للزائر وهو ممنوع منه، أن هذا المريض مهموم بمرضه وأهله معنيون بمرضه ليس عندهم وقت لتقديم الضيافة، والأدق من ذلك أن هذا الزائر قد يخشى العدوى فإذا قدمت له شراباً أو طعاماً يخشى أن تصيبه العدوى فلا توقعه في الحرج.
إذاً من أجل ألا تقع العدوى النبي عليه الصلاة والسلام وجه المؤمنين بعدم تناول شيء عند المريض، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((وَلَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ.))
(صحيح مسلم)
إذا إنسان يعلم أن معه مرض أو التهاب كبد أو مرض معدي ليس له حق أن يتوسع في لقاءاته مع الناس، يتوسع في زياراتهم، يتوسع في إعطائهم أدواته فإن هذا يمرضهم.
ومن سمع به في أرض فلا يقدم عليه، إذاً هذا معنى لا عدوى أي لا تنسب الفعل لغير الله، لكنك مطالب أن تأخذ بالأسباب، لأن الأخذ بالأسباب جزء من عبادة الله، أنت قبلت شرعه وقبلت قوانينه الأرضية وقبلت فعله التكويني، في شرع أمرك بغض البصر، أمرك بدفع الصدقة، أمرك بترك الربا هذا أمر تشريعي، وفي أمر تكويني نزل بلاء، شحت السماء، حدث زلزال، حدث فيضان هذا أمر تكويني، أنت يجب أن تقبل أمره التشريعي لإيمانك به، وأن تقبل أمره التكويني وأن تتأدب مع سننه، من لوازم الإيمان أن تتأدب مع السنن التي سنها الله عز وجل، للسقوط هناك قانون، هذا البناء له قانون، فكل إنسان خالف القوانين ( قوانين الأشياء ) يعني يكفي خمسة أكياس أسمنت للمتر المربع الواحد واترك الأمر لله هذا جهل، هذا مطلق الجهل، يجب أن تضع الكمية المناسبة والحديد المناسب وبعدئذ تتوكل على الله.
فكل إنسان لا يعبأ بالقوانين العامة في البناء والتجارة، في العدوى والمرض، في الصحة في الوقاية هو إنسان لا يعرف الله، المؤمن جزء من مرتبته الإيمانية أنه عالم، يعرف ماذا يأكل، وكيف يتكلم ومع من يلتقي، وكيف يكسب المال وكيف ينفقه، وكيف يعامل زوجته، وكيف يتعامل مع من حوله، إذاً حينما قال النبي لا عدوى يعني إياك إن مرضت لا قدر الله أن تنسى فعل الله عز وجل وتعزو مرضك إلى إنسان، لو ما أكلت عنده أو لم تصافحه ولو لم تستعمل ملعقته وتقول هو أذاني ونسيت الله عز وجل، لئلا تقع في الشرك، لئلا تقع في الزيغان قال: لا عدوى، ولكن عليك أن تأخذ بكل السباب، ألا لا يورد ممرض على مصح، فرّ من المجزوم فرارك من الأسد، إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع في أرض وأنت فيه فلا تخرجوا منها، هذا توجيه النبي.
يعني اغسل يديك، اغسل الفاكهة، من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه، هذا التيار الكهربائي مئتين وعشرين في حالات كثيرة إذا أصيبت به امرأة أو طفل يموت، إذاً يجب أن تأخذ بالأسباب، أما هذا التوكل الأبله الساذج التواكل الجهل، الجهل أعدى أعداء الإنسان، يعني كثير من الحالات امرأة لا تلبس برجليها شيئاً وأرض الحمام كلها ماء أصابها مسّ من تيار الغسالة فصعقت فماتت، هذه يجب أن تأخذ بالأسباب، أن تأخذ كل أسباب الحيطة، وهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام اعقل وتوكل، قال يا رسول الله أأعقلها أم أتوكل ؟ قال:
((اعقلها وتوكل.))
من السذاجة أن تعتقد أن العقل والتوكل باب يتناقض مع التوكل، التوكل عبادة القلب من الداخل، والأخذ بالأسباب عبادة الجوارح، المسلمون متى تخلفوا ؟ حينما عكسوا الآية، تركوا الأخذ بالأسباب وتوكلوا بجوارحهم، التوكل بالقلب والجوارح تأخذ بها الأسباب، هذه واحدة.
أما التشاؤم، يقول عليه الصلاة والسلام:
((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ))
ما الطيرة ؟ قال الطيرة هي التشاؤم، وهي من عبث الشيطان بالجهلة والضعفاء من الناس، العرب في الجاهلية كانوا إذا طار عن يمينه طير تفاءلوا، وإن طار هذا الطير عن شمالهم تشاءموا، طبعاً الآن في عندنا أشياء أخرى، في تشاؤم من الشهور، من بعض الشهور، من بعض الأيام، من بعض الساعات، من بعض الأرقام، من بعض الأشخاص، دخل إلى المحل البيعة فسدة، يقول لك هذا قدمه نحس، هذا جهل، لا علاقة إطلاقاً بين عدم إتمام هذه البيعة وبين دخول هذا الإنسان، فالنبي نهانا فقال:
((لا عدوى ولا طيرة.))
إنسان أيام يتشاءم من امرأة، يقول لك من يوم تزوجتها رزقي أصبح قليلاً، لا هذا خلط، أما إذا اخترتها فاسقة فالتشاؤم في المرأة إن لم تحسن اختيارها، إن تزوجتها فاسقة مقصرة لا تحب الله ورسوله، لا تصلي طبعاً هذه الزوجة تصبح مبعث قلق لك ولأولادك.
تشاءم من هذا البيت، طبعاً إذا في شبهة من سكناه، يأتي من هنا التشاؤم، يقول عليه الصلاة والسلام وهذا حديث خطير:
(( من تطير فقد أشرك ))
دخل رجل إلى محلك التجاري تشاءمت منه، واليوم الأربعاء هذا يوم شؤم، رقم ثلاثة عشر يخوف، برج الحمل صار فيه مرض هكذا قرأت في المجلة، من تطير فقد أشرك، الفعال هو الله، الناس تقول قدر سخر مني، الزمان قلب لي ظهر المجن، الأيام رمتني بسهامها، هذا كلام ليس له معنى، أو يقول ليس لي حظ أو حظي سيء، هذه البنت حظها قليل، هذه يكون لها سبب، أو تقول هذا من فعل الدهر، يقول الله عز وجل يسبني الإنسان وما كان له أن يسبني، إذا يسب الدهر وأنا الدهر أقلبه كيف أشاء، ليس هناك إلا الله، هناك الله وكلمتين لا عير: توفيق.. تيسير أو تعسير، والتيسير له أسباب والتعسير له أسباب.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾
(سورة الليل)
في إله بيده كل شيء، وفي قانونين: قانون التيسير وقانون التعسير، فإذا آمنت بالله واستقمت على أمره وعملت الصالحات فهذه أسباب التيسير، وإذا لم تعرف ربك وتفلت من أمره وأسأت إلى الناس فهذه أسباب التعسير، لذلك قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَ آخِرَكُمْ وَ إِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.))
(صحيح مسلم 4674)
إذا كنت بطلاً كل شيء أصابك اسأل نفسك هذا السؤال المحرج: ما الذي فعلت حتى استحقيت من الله هذا ؟ دقق في أقوالك وخواطرك، في أعمالك، في علاقاتك، في لقاءاتك، في ترجحاتك، في كلماتك القاسية، في تقصيرك بالحقوق، إذا دققت تجد لكل سيئة عقاباً، وأن لكل حسنة ثواباً.
الحديث إذاً: من تطير فقد أشرك، بس تتشاءم من يوم أو من رقم، من بيت، من إنسان وقعت في الشرك وأنت لا تدري، علاقتك بالله وحده وعليك أن تعبده وحده وعلى الله الباقي.

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
(سورة الزمر)
أما النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتشاءم ولكن كان يتفاءل، كان يحب الفأل، يعني دخلت على مريض وقال لك مرض صعب جداً تقول له إن شاء الله تشفى، قل له الشفاء بيد الله عز وجل، والله عز وجل يقول:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
(سورة الشعراء)
رأيت إنسان مهموم من أجل ابنته قل له لعل الله في القريب العاجل يقيض لها زوجاً صالحاً يكون قرة عين لها ولك، دائماً بشر، دائماً قرب، دائماً أعطي الوجه الإيجابي، الآن كأس ماء نصفه فارغ لك أن تقول نصفه ملأن ولك أن تقول نصفه فارغ وكلا القولين صحيح، أما الإنسان المؤمن يقول نصفه ملأن، المؤمن دائماً يرى ما عنده ويتجاهل ما ليس عنده، المتشائم دائماً ينظر إلى الذي ليس معه، دائماً متألم.
الطيرة ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
((حْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.))
(سنن أبي داود 3418)
وقال:
(( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ.))
(صحيح البخاري 5331)
دائماً عود نفسك على الكلمة الطيبة، أخي هكذا التحليل اصبر قد يكون هناك خطأ في التحليل، أعرف قريبة لي ذهبت لتصبح معلمة لا بدّ من فحص شعاعي لصدرها، فذهبت إلى المستشفى وصورت صدرها وجلست تنتظر النتيجة فإذا بالنتيجة أنها مصابة بمرض عضال معدي، فما كان منها إلا أن غرقت بالبكاء، وذهبت إلى أهلها والدنيا مسودة في عينها وزاد هذا في أملها، أيام عديدة إلى أن تبين أن هذا الفحص أعطي لها بالخطأ بعد أن تابت وصلت وتحجبت.
الخطأ يوظف لصالح الإنسان، إذا واحد قال له انظر إلى التحليل فاصبر لعل في هذا التحليل خطأ، لعل في هذا الأمر خير لك لا تعلمه أنت، دائماً عود لسانك الكلمة الطيبة، يعني في شخص يقول أعرف شخص مات بهذا المرض.
إذاً: لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل ؟ قال: كلمة طيبة.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( لا ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيراً ))
يعني اخ كريم لا بدّ من أن يجري عملية ضرورية جداً، قيل له يجب ألا تجريها الآن لسبب خرافي غير صحيح، سألني فقلت كلام غير صحيح إطلاقاً ولا تنظر إلى هذا الكلام، مادام أنت بحاجة إلى هذه العملية فأجريها وتوكل على الله، أجراها في الوقت المناسب ولم يحصل له شيء، يعني لا يليق بالمؤمن أن يكون خرافياً، يصدق سحرة ومشعوذين ودجالين، وأشخاص يتعاملون مع الجن، هذا كله كلام فارغ أنت مؤمن في إله، في توفيق، في تعسير، في تيسير وفي تعسير، والتيسير له أسباب إيمان بالله واستقامة على أمره وعمل صالح، والتعسير له أسباب، والدليل:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾
(سورة الليل)
وانتهى الأمر، ترتاح من آلاف المشعوذين، من آلاف الدجالين، من آلاف المتسائلين، من القيل والقال، من التخويف، ترتاح من هؤلاء جميعاً، يعني إذا واحد رجع من سفر تشاؤماً، سفر مشروع ومباح، له قصد نبيل والأمور صحيحة سافر.
النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا سافر لحاجة يقول: يا راشد يا نجيح، يعني أرجو أن أكون راشداً في هذا السفر وناجحاً.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: وما كفارة ذلك ؟ قال: أن يقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك.
الآن لو أتيت إلى إنسان تجد كاهن أو ساحر أو إنسان يسموه الناس شيخاً، يقول لك هذا مخاوي، يقول لك لا تسافر ولا تعقل ولا تتزوج القلم لم يكتب، ما في إذن، من أنت ‍! فلذلك النبي الكريم يقول:
((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.))
(مسند أحمد 9171)
إن صدقته كفر، وإن لم صدقه لم تقبل لك صلاة أربعين يوماً ولو مزاحاً، أيام بالنزهات تأتي منجمة للتسلية وفقيرة يأتي الناس إليها، أنت مؤمن أعطيها صدقة من دون شيء، أما تعالي نجمي تحدث لك المشاكل، تقول لك لا تحب زوجتك وزوجتك أماك وتقول الزوجة هذا صحيح بالأمس ضربني، تربط الزوجة الأفعال بالقول.
في عندنا شيء اسمه الاستقسام بالأزلام، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾
(سورة المائدة)
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾
(سورة المائدة 3)
أردت أن تسافر ن تأتي بثلاث أوراق: سافر لا تسافر أعد، هكذا كان العرب في الجاهلية يفعلون، ويجعلهم في كيس ويسحب سافر فيقطع في الطائرة، لا تسافر ليس هناك مجال إلغي الحجز، أعد تعال نعيد القرعة، هذا استقسام بالأزلام لا يجوز، بعض الناس على المسبحة، هذا شيء إطلاقاً غير وارد، هذا شيء خلاف الدين، وهذا ليس له قاعدة، وهذا كله كلام فارغ خلاف الدين، خلاف العقل، خلاف العلم، خلاف الحقيقة، أما الاستخارة شيء ثان، صلاة ركعتين ودعاء الاستخارة وتنظر إذا يسر الله هذا الأمر يكون أراده لك، وإن لم ييسر يكن لم يريده لك.
الآن عندنا الشؤم من الزوجة والبيت، إذا منزل له مشكلة مثلاً اغتصاب أو عدوان أو له علاقات بحقوق الآخرين، أو امرأة اخترتها اختيار سيء طبعاً تشاؤم منها هذا شيء طبيعي جداً.
الآن عندنا التمائم، نضع للسيارة شبة أو نعل فرس، عين الحاسد تبلى بالعمى، معنى ذلك لا يصير حادث، إذا أنت تستأهل الحادث لا بدّ من حادث، إذا أنت مستقيم لا تحتاج إلى نعل فرس، استقامتك تنجيك من كل خطر، إذا ما في استقامة لو وضعت الفرس كله يصير مشكلة، لذلك هنا كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الرقى والتمائم شرك.))
قال الشاعر:

وتجلدي للشامتين أر يهموا أني لغير الدهري لا أتضعضع
***
فأجابه آخر:

وإذا المنية أنشدت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
***
تضع تميمة، أو أسواره أو خرزة أو نعل فرس أو تضع عبارة عين الحاسد تبلى بالعمى هذا كله كلام فارغ، عليك أن تطيع الله عز وجل وكفى.
وعندنا تحضير الرواح، كل إنسان له قرين، فالساحر لا يستحضر روح القريب بل يستحضر قرين هذا الميت، هذا القرين يعلم كل قصصه، والله فلان سنة كذا تزوج، سنة كذا سافر، هذا استحضار أرواح لقرناء الميت نفسه، الآية الكريمة:

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾
(سورة يس)
التوفيق معكم، والتعسير معكم، التفاؤل منك من استقامتك، والتشاؤم من انحرافك، منك العملية من داخلها ليس هناك شيء خارجي، يعني خيرك منك وشرك منك، التشاؤم من انحراف الإنسان من أكله مالاً حراماً، من الربا، من نظره إلى الحرام، من تجاوزه للحقوق، التشاؤم منك، والتفاؤل منك، والخير منك، والشر منك، والتوفيق منك، والتعسير منك، هذا معنى قوله تعالى:

﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾
منكم التشاؤم ومنكم التفاؤل.

﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)﴾
الهامة، النبي قال:
(( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ))
الهامة طائر ليلي هو البوم، إذا سمعه الناس تشاءموا، وإذا وقع في بيت أيقن أهله أنه لا بدّ أن يموت واحد منهم، والحديث معروف:
(( ما من بيت إلا ويقف الملك فيه خمس مرات، فإذا رأى أن العبد أتى أجله وانقطع رزقه ألقى عليه غمّ الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها والممزقة ثوبها، فيقول: فيما الجزع والفزع، ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحداً، فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم.))
فإذا روح الميت رفرفت فوق النعش تقول يا أهلي يا ولدي: لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة عليّ.
أما البومة وقعت في البيت لا بدّ من ميت في هذا البيت، أو أن يخرب هذا البيت هذا كلام لا معنى له أبداً، أيضاً نعق الغراب، قال: إذا نطق الغراب وقال خيراً فأين الخير في وجه الغراب، أيضاً يتشاءم الناس من نعيق الغراب أو من منظر البومة.
أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله أرادوا أن ينظفوا ماء زمزم لأنهم رأوا فيه حيات صغيرة فظنوها جناً فقال اقتلوها اللهم صلي عليه، يعني الحية والعقرب تقتلان ولو في الصلاة، هي موحية أنها جن ولكن ليست جن، الجن فوق الأرض، ربنا قال شياطين الإنس والجن، لماذا قدم الإنس على الجن ؟ لأن شياطين الإنس أشدّ مكراً من شياطين الجن يريدون دروساً منهم.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي. ))
(سنن أبي داود 456)
الذي يخاف من ثأر الحية ليس مني، والآن الريف كله قصص الثعبان ثأر منه بعد عشر سنوات، هذا طلع ليس ثعبان بل جني، ما قتله ثأر منه، يعني وقع في الشرك وهو لا يدري.
في هناك خرافة جاهلية الآن غير موجودة أن الميت يطير من قبره طائر يطلب بثأره، الله عز وجل قال:

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)﴾
(سورة الزمر)
ببعض البلاد العربية يتشاءمون من الأعور، فإذا إنسان رأى أعور يظن نفسه أنه جاءته مصيبة، أيضاً هذه خرافة لا أصل لها.
الحديث الشريف:
((النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ.))
(صحيح البخاري 5316)
صفر: إما داء يصيب البطن والجلد يصبح لونه أصفر من شدة الجوع، بل من وجود حيات في البطن، معه دود حكمه وأعطيه دواء الدود، هذا مصفر مسحور جن دخلوا فيه، كل هذا كلام باطل.
إذاً الصفر داء يصيب البطن من شدة الجوع، أو من سوء التغذية، وكانوا يسمونه حية البطن، وصفر شهر يأتي بعد الأشهر الحرم، يعني ربنا قال:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
(سورة التوبة 36)
المتحاربان لا يكفان عن القتال، فالإنسان ربط مكانته وكرامته بهذه الحرب، فالمجتمع الإسلامي لو صار مشكلة يتوقف القتال في هذه الأشهر دماء الوجوه كلها محفوظة، بعد الأشهر الحرم يأتي شهر صفر فالعادة تكثر فيه المشكلات والمنازعات فالناس تشاءموا من هذا الشهر تشاؤماً لا معنى له أصلاً.
بعض الدجالين وضعوا على لسان النبي حديثاً لا اصل له قال: آخر أربعاء من كل شهر يوم نحت مستمر، هذا حديث موضوع ليس له أصل.
الآن إضافة الإمام مسلم: ولا نوء، هذه نحن واقعين فيها، في أمطار الحمد لله، يقول منخفض جوي متمركز فوق قبرص تجاه القطر، الله ليس له علاقة بالموضوع ! إذا نسبت المطر إلى الأنواء والسحب والأجواء والحرارة والرطوبة والتبخر ونسيت الله عز وجل فقد أشركت وأنت لا تدري، يعني الأنواء ظواهر الطبيعة، إذا ركزت على ظواهر الطبيعة وأغفلت فعل الله عز وجل أغفلت رحمته، أغفلت حكمته، يقول الأوزون تخلخل إذاً بسبب ارتفاع نسب غاز الفحم في الجو لذلك خطوط المطر تغيرت، موضوع مادي بحت وكأن الله لا علاقة له بهذه الأنواء إطلاقاً، فالنبي ماذا قال روى لنا حديثاً قدسياً: قال الله تعالى:
((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي قَالَ إِسْحَاقُ كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ.))
(مسند أحمد 16444)
المشكلة أن الأقوام السابقة قوم عبدوا الشمس، وقوم عبدوا البقر، وقوم عبدوا المطر وقالوا إله المطر وإله الريح وإله الشمس وإله الجمال، والمشكلة الخطيرة في هذا العصر أنهم عبدوا الطبيعة، الطبيعة كل هذه المظاهر،، يعن كان شرك متفرق فأصبح شرك موحد، فإذا عزوت الأمور إلى غير الله، لماذا صار زلزال لأنه صار اهتزاز في الطبقة السفلى على ميزان ريختر خمس درجات وراح خمسة آلاف قتيل، قضية طبيعية جداً، الله ليس له علاقة.
إذا عزوت هذه الأحداث الكبرى كالزلازل والبراكين كل شيء يحدث مخيف إذا عز وته لغير الله وربطته بالأرض وبالأشخاص وبالقوى، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال:

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
(سورة فصلت 15)
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
(سورة يونس 24)
لم يقول إن شاء الله، سيكون كذا بالحتم، هذا منتهى الشرك، الله عز وجل قال:

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48)﴾
(سورة الروم)
آخر شيء في الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا غُولَ.))
(صحيح مسلم 4119)
الغول يعني حيوان أسطوري مخيف، يتوهمه الناس في الفلوات ويخوفون به أبنائهم، في أشخاص مثل الغول في الواقع، أما غول ما في غول.
قال عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ.))
(مسند أحمد 13759)
فمثلاً ربنا عز وجل جعل قاعدة كلما تقرب الشيطان فقل:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)﴾
(سورة الفلق)
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)﴾
(سورة الأعراف)
إذا وجدت في الطريق مشادة وأذنت حسب السنة الشيطان يهرب، لأنه بالأساس دخل،إذا دخل الشيطان تجد شيء مخيف، أما إذا أنت ذكرت الله عز وجل إما استعاذة أو أذاناً تجد الشيطان ولى، إذا الإنسان دخل البيت يقول بسم الله، يقول السلام عليكم، يكون في البيت قراءة قرآن وصلوات، والقصة تعرفونها كلكم إذا دخل الإنسان البيت ولم يسلم يقول الشيطان لإخوته أدركتم المبيت، وإذا جلس إلى الطعام ولم يسم قال أدركتم العشاء أي الأكل، وإذا دخل ولم يسلم وجلس ولم يسم قال الشيطان لإخوانه أدركتم المبيت والعشاء.
فأيضاً الخرافات التي يرويها الناس لأولادهم هذه كلها أشياء خلاف الأصل، لذلك هذا الدرس أردت منه كل الخرافات السحر والكهانة وعلم الغيب، وصبوا عليه ماء يوم العرس ليكون وفاقاً بين العروسين، ووجد تحت الوسادة شعرة، وقصوا له من لحيته شعرة ووضعوها في مكان ثاني، هذا كله كلام فارغ، أنت كمؤمن عندك كتاب الله هذه تعليمات الصانع، فأي كلام ليس له تغطية من كلام الله أو من حديث رسول الله يجب أن تعرض منه وأن تسخر منه وأن تبتعد عنه أما أن تأخذ الأشياء التي جاء بها المنحرفون فهي كلها من الدجل والخرافة والخزعبلات ولا تنفع ولا تضر والله وحده هو النافع والضار والرافع هكذا الإيمان، هو الرافع، هو الخافض، هو النافع وهو الضار، هو المغني والمفقر، هو القابض والباسط، هو المعز وهو المذل، هو كل شي وعليك أن تعبده كي تستحق مكافأته، وإياك أن تعصيه كي لا تستحق عقابه، قضية بسيطة جداً، يعني الإنسان إذا كان جاهلاً يتعامل مع مليون جهة، إذا كان عالم مع جهة واحدة، لا تنسى الحديث الشريف:
(( اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.))
من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر عليه، ومن أصبح أكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:14 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 004 : أمة التبليغ وأمة الاستجابة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-02-24
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم... يحتاج المؤمن أحياناً إلى أن يملك التفسير الصحيح، أن تملك التفسير الصحيح للأحـداث هذه نعمة كبرى ينعم الله بها على المؤمن، والنبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وردت في باب الفتن له توجيهات نظرية وله توجيهات عملية، ففي كتاب الفتن من قسم الأفعال من كتاب كنز العمال أحاديث كثيرة تلقي ضوءاً ساطعاً على بعض القضايا.
يعني آحاد الأمة لها أحكام ومجموع الأمة لها أحكام، فأنت كمؤمن إن آمنت بالله عز وجل واستقمت على أمره وأخلصت له وعملت الصالحات فلك بنص القرآن الكريم حياة طيبة، وبنص القرآن الكريم لك مودة مع الله، وبنص القرآن الكريم إن الله يدافع عنك، وبنص القرآن الكريم أن الله يحفظك وينجيك، هناك وعود كثيرة تزيد عن عشرين وعداً إلهياً وعد الله بها المؤمن، هذا الموضوع ليس بمشكلة فهو معروف عندكم جميعاً، ولكن أحياناً حينما تكون الأمة المنتمية إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مجموعها مقصرة عندئذ قد ينشأ ظرف تحار في تفسيره.
كلنا يظن نفسه أنه من أمة نبينا محمد، توضيح دقيق: فهناك من ينتمي إلى النبي انتماء التبليغ وهناك من ينتمي إلى النبي انتماء الاستجابة، فأنت إما أن تكون من أمة التبليغ وإما أن تكون من أمة الاستجابة، فلأنك مسلم ومن أب مسلم ومن أم مسلمة ولأنك نشأت في بيئة مسلمة، ولأنك تحضر خطب الجمعة، وفي منهاجك المدرسي مادة التربية الإسلامية فأنت مسلم وقد بلغت الإسلام من والديك ومن أساتذتك ومن علماء المسلمين بحكم انتمائك إلى أب مسلم وأم مسلمة وبحكم تلقيك الدروس الدينية إن في المدرسة وإن في المسجد، فأنت أيها الأخ الكريم مصنف مع أمة التبليغ، لكنك إذا سمعت الحق وفهمته وتدبرته ووعيته واستجبت لله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
(سورة الأنفال 24)
فالآن أنت تنتقل من أمة إلى أمة، تنتقل من أمة التبليغ إلى أمة الاستجابة، عندئذ جميع الوعود التي وعد الله بها المؤمنين كجماعة لا كأفراد تنطبق عليك:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
(سورة النور 55)
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾
(سورة آل عمران 160)
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾
(سورة محمد)
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
(سورة آل عمران)
إذاً هناك وعود في القرآن موجهة إلى الأفراد، ووعود متوجهة إلى مجموع الأمة، فأنت إذا كنت من أمة الاستجابة ينالك وعود الأفراد ووعود الجماعة، فإن كان مجموع الأمة في تقصير، في ضياع، في تهاون، في مخالفات، في إعراض، في تشتت، في حب للدنيا فعندئذ جميع الوعود التي وعد الله بها الأمة كمجموعة، هذه الوعود معطلة.
فالإنسان حتى يبقى متوازناً، حتى يملك تفسيراً صحيحاً لما يجري حتى يملك التفسير الصحيح لما يفعله الله عز وجل، القرآن حق، وكلام الله حق، وزوال الكون أهون من أن يُعطَلَ وعدُ الله لمجموع الأمة.
عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه:
((كيف أنتم إذا بقيتم في حثالة من الناس، مرجت أماناتهم وعهودهم وكانوا هكذا، ثم أدخل أصابعه بعضها في بعض.))
يعني الأمانة معدومة، لا دين لمن لا أمانة له، ولا إيمان لمن لا عهد له، ليس هناك أمانة وليس هناك عهد.

((كيف أنتم إذا بقيتم في حثالة من الناس، مرجت أماناتهم وعهودهم وكانوا هكذا، ثم أدخل أصابعه بعضهــا في بعض، قالوا: إذا كان كذلك كيف نفعل يا رسول الله ؟ قال: خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكـرون، ثم قال عبد الله بن عمرو بن العاص: ما تأمرني به يا رسول الله ؟ قال: آمرك بتقوى الله وعليك من نفسك وإياك عامة الأمور.))
وهذا حديث آخر: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن في آخر الزمان دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم أدخلوه فيها، قال: قلت يا رسول الله: كيف النجاة منها ؟ قال عليه الصلاة والسلام: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.))
أنت لك جماعة، لك إمام، أنتم على الحق على منهج الله، على العقيدة الصحيحة، على الأسلوب الصحيح، على الطريق المستقيم.
قال: قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال: اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على غصن شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.
وعن حذيفــة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
ليس بخيركـم من عرف الخير ولا من عرف الشر، لكن من عرف الشرين وفرق بينهما واختار أهونهما.
فقلت يا رسول الله: إن كنا أهل جاهلية وشر فقد جاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟
يعني بعد النبي وأصحابه، بعد هذه الشعلة التي أضاءت العالم، هل بعد هذا الخير من شر.
قال: نعـم، قال: فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه ؟ قال:
((قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر.))
بأعمالهم أشياء صحيحة وأشياء غير صحيحة، في عقائدهم عقائد صحيحة وغير صحيحة.
قال: نعم، قال: فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه ؟ قال:
((قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعـد ذلك الخير من شر ؟ قال: نعم، خير ثم شر ثم خير ثم شر، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه إليها.))
حق صراح بعده فتن، بعده خير فيه دخن، بعده شر دعاة إلى أبواب جهنم، هذا حديث آخر من أحاديث الفتن.
النبـي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عنه حذيفة بن اليمان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((كيف أنتم إذا كنتم بين عاجز وفاجر.))
مسلم عاجز، وإنسان آخر فاجر، القوي فاجر والمسلم ضعيف، هذه علامة من علامات آخر الزمان.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ.))
(صحيح مسلم 4816)
لم يقل: القوي خير، لأن القوة من غير إيمان قوة غاشمة، قوة خطيرة، قيد القوة بالإيمان، فقال: المؤمن القوي خير.
وعن سهل بن سعد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( اللهم لا ترني زماناً لا يتُبعُ فيه العليم.))
يعني أحياناً عامة المسلمين ينحون باللائمة على العلماء، العلماء ماذا يستطيعون أن يفعلوا غير أن يبينوا، لو أن الناس اتبعوهم لكانوا في حال غير هذه الحال، لو اتبعهم واحد أو اثنان أو عشرة أو مائة هؤلاء الذين اتبعوا الحق لهم عند ربهم وعدهم وتوفيقهم وحفظهم، ولكن لو أن مجموع الأمة اتبعت علماءها لكانت الأمة في حال أحسن، فلا رأي لمن لا يطاع.
فيقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم لا ترني زماناً لا يُتبع فيه العليم، ولا يستحيا فيه من الحليم.))
العليم لا يتبع، يعني لا اتباع ولا حياء، الإنسان أحياناً يكون كثير العلم قليل الحياء، لا علم ولا حياء، هذه أيضاً علامة من علامات آخر الزمان.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى عليه وسلم فتنة بين يدي الساعة، قال: قلت وفينا كتاب الله، قال:
((وفيكم كتاب الله.))
فينا كتاب الله بين أيدينا نقرؤه صباح مساء، آياته واضحة جلية، أحكامه دقيقة، سبل النجاة فيه ميسرة، ومع ذلك فالناس لا يتبعونه، جعلوه وراء ظهورهم، أعرضوا عن تطبيقه، ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه، فلذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فتنة بين يدي الساعة.
قلت: وفينـــا كتاب الله، قال: وفيكم كتاب الله، قلت: ومعنا عقولنا، قال:
((ومعكم عقولكم.))
فيكم أذكياء كثر، وفيكم عقلاء كثر، لكن هذا العقل مسخر للدنيا، هذا العقل مسخر لمصالح دنيوية لا لمعرفة الله عز وجل، فقد تكون فتنة كبيرة والذين وقعوا فيها بين أيديهم كتاب الله وعقولهم في رؤوسهم، ولكن كتاب الله مهجور وعقولهم معطلة، أيضاً هذه علامة من علامات آخر الزمان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تكون فتنة لا يُنَجّي منها إلا دعاء كدعاء الغريق.
تصور إنسان وقع في البحر والأمواج طاغية ولا يجيد السباحة وليس له إلا الدعاء كيف يدعو! أظنه أنه يدعو بكل خلية في جسده، بكل عضو من أعضائه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((إنه سيصيــب أمتي داء الأمم، قالوا: يا نبي الله وما داء الأمم ؟ قال: الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم يكون الهرج.))
((وعن ابـن مسعود رضي الله عنه قال: أخاف عليكم فتناً كأنها الليل، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه.))
يعني له قلب ميت لا يعي على خير، لا يفعل شيئاً ابتغاء وجه الله، لا يتحرك إلا بالمال، قلبه لا يرحم، يريد أن يحيا ويموت الناس، يبني مجده على أنقاض الناس، يبني غناه على فقر الناس، مثل هذا الإنسان مات قلبه وهو عند الله من الميتين، قال تعالى:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
(سورة النحل 21)
الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يأتي على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيضطجع عليه ويقول يا ليتني مكان صاحبه، ما به حب للقاء الله ولكن لما يرى من شدة البلاء.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع والمضطجع فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الراكب والراكب فيها خير من المجري، قيل: ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه.))
(كنز العمال 30991)
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من شاته، أكيسهم الذي يروغ بدينه روغان الثعلب.
هذا الذي يستطيع أن ينجو بدينه على ذكاء شديد وعلى براعة هائلة حتى ينجو بدينه.
وعن مرداس قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

((يقبض الصالحون، الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يعبأ الله بهم شيئا))
(صحيح البخاري 3925)
كنت أقول لكم دائماً الإنسان إذا هان الله عليه هان على الله، إذا أردت أن تعرف مقامك فاعرف فيما أقامك، إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فاعرف ما لله عندك، هل أنت عند الأمر والنهي ؟ هل يراك حيث أمرك ؟ هل يفتقدك حيث نهاك ؟ هل شرعه معظم عندك ؟ هل تحرص أن تكسب مالك بالحلال ؟ هل ترعى حرمات الله ؟ هل تعظم شعائر الله ؟
يعني الدخل حرام، واختلاط، ومنكر، وشرب خمر، وزنى، وبغي وعدوان، وكبر، مجتمع غارق في الوحول والشهوات، هؤلاء حثالة كحثالة التمر أو الشعير لا يبالي الله بهم.
وكما قلت قبل قليل في مطلع الدرس هناك وعود وعد الله بها المتقين كأفراد، وهناك وعود وعد الله بها المؤمنين كجماعة، فالفرد ما دام يؤمن بالله الإيمان الصحيح ويطبق أمره التطبيق الصحيح وله إخلاصه فله عند الله مكانته وحفظه وله نجاته وله معاملة إلى حدٍ ما خاصة ما دام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أما مجموع الأمة، حين يقول الله عز وجل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
(سورة النور 55)
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾
(سورة آل عمران 160)
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾
(سورة محمد)
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
(سورة آل عمران)
الوعود المتعلقة بمجموع الأمة لا تتحقق إلا إذا كان مجموع الأمة كما يريد الله عز وجل.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((تكون فتن لا يستطيع أن يغير فيها بيد ولا بلسان ))
يعني هناك فتن ضمن إمكانات المسلمين أن يغيروها، ولكن هناك فتن أخرى يقف المسلم إزاءها عاجزاً لا يستطيع أن يغيرها لا بيده ولا بلسانه.

((فقال علي: يا رسول الله! وفيهم مؤمنون يومئذ؟ قال: نعم، قال: فهل ينقص ذلك من إيمانهم؟ قال: لا إلا كما ينقص المطر على الصفا.))
(كنز العمال 31520)
الضعيف ماذا يملك ؟ ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؟ اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، إذا كان عنده إمكان فعليه ألا يدخر وسعاً، وإذا كان عنده إمكان أن يغير هذه الفتنة بيده أو بلسانه فعليه ألا يدخر وسعاً، ولكن إذا كان في زمن صعب وهو ضعيف فليقف مكتوف الأيدي، وليستنكر بقلبه.
وعن علي رضي الله عنه قال: سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه.
يعني الكتاب: القرآن فإذا كان مطبوعاً طباعة أنيقة، ويوضع في أجمل مكان في البيت، وللبيت مظاهر إسلامية، والمساجد فخمة مزخرفة، والناس يعتزون بأنهم مسلمون، ولكن حلقاتهم اليومية، دخلهم، حركاتهم، علاقاتهم بغيرهم، ليس أساسها الإسلام، أساسها ما تعارف عليه الناس من عادات وتقاليد فهم غثاء، ذات مرة والقصة قديمة جداً كنت أصلي في بعض المساجد، وخرجت مع بعض المصلين، فإذا رجل يتجه إلى سيارته، وفيها امرأة تبدو أنها زوجته وهي بمظهر فاضح جداً، ترتدي ثياباً مبتذلة قلت هذا كيف يتوازن ؟ كيف يسمح لزوجته أن تكون بهذا الشكل؟ وهو يدخل المسجد ليصلي، نقول له: نحن نصلي صلاة فرض ولكن ما هذا التناقض ؟
يعني النبي الكريم يقول حديثاً لو فهمناه فهماً عميقاً لكان لنا شأن آخر.
لو أن في الأمة المحمدية أمة الاستجابة لا أمة التبليغ، لو أن فيها هذا العدد لن تغلب من قلة، المسلمون يعدون ألف مليون، ألف مليون، لذلك يبدو أنه لم يبق من الإسلام إلا اسمه على مستوى المجموع ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى وهم بعيدون عن الدين بعداً شديداً، فأنت تراهم كأنهم ليسوا من بني البشر لقسوة قلوبهم، ولغلظة طباعهم، ولأنانيتهم، ولأثرتهم، ولاتجاههم نحو الأذى والشر.
هناك بلاد متمدنة على مقياس العصر، يقول لك راقية، ناطحات سحاب، عمارات، أبنية، حدائق، جمعيات الرفق بالحيوان، يقولون لك: أمة متحضرة، أمة متمدنة، حقوق الإنسان من أعلى مستوى، هؤلاء الذين تراهم أو تتوهمهم هكذا تفاجأ أنهم وحوش.
طبعاً هذه صفات وردت على لسان سيدنا رسول الله في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب، وله طريق آخر من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر.
الأحاديث الواردة كثيرة، يعني قراءتها تكفي لا تحتاج إلى شرح، ولكن الإنسان حينما يرى المؤمن مستضعفاً، أو المسلم لا يرى وعود الله التي وعده إياها كمجموعة متحققة لأمته أما كأفراد هذا موضوع آخر، المؤمن كآحاد كفرد موعود بحياة طيبة، موعود بطمأنينة، موعود بأن يدافع الله عنه، موعود بأن ينجيه الله من كل كرب، موعود بوعود كثيرة هذه كلها محققة على مستوى الأفراد، أما على مستوى الأمة فلا تتحقق وعود الله إلا إذا كانت الأمة بمجموعها كما أراد الله عز وجل، فإن كانت كما يريد الله جاء قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
(سورة آل عمران)
إن كانت الأمة بمجموعها كما يريد الله عز وجل يأتِ قول الله تعالى:

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾
(سورة آل عمران 160)
إن كانت الأمة بمجموعها كما يريد الله عز وجل يأتِ قول الله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
(سورة النور 55)
لذلك، نحن في زمن صعب، وفي زمن فتن، والقابض على دينه كالقابض على الجمر أجره كأجر سبعين، قالوا منا أو منهم ؟ قال: بل منكم، قالوا ولمَ ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون، والحديث الذي تعرفونه جميعاً: قال صلى الله عليه سلم:
((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أوَمِن قلة نحن يومئذ ؟ قال: لا، أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، قالوا: ولمَ ؟ قال: يصيبكم الوهن، قيل وما الوهن، قال حب الدنيا وكره الموت. ))
إذاً لن نفلح، ولن نقوى، ولن نعتز، ولن ننتصر إلا إذا اصطلحنا مع الله، لا كأفراد بل كمجموعة، طيب كيف يكون هذا الصلح على مستوى المجموع، هذا يبدأ من كل واحد على حدة، اصطلح أنت مع الله، أقم الإسلام في بيتك، لو أن كل واحد منا فعل هذا لا يمضي زمن إلا وهذه البيوت المسلمة تتقارب، فإذا المجموع على حق عندئذ نستحق النصر من الله عز وجل.
يعني اسمع قول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾
( سورة الصف )
وأخرى تحبونها، فالنصر محبب، وربنا عز وجل لما خاطب النبي قال:

﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3)﴾
(سورة الفتح 3)
يعني ما من شعور يصيب المؤمن مثل أن يشعر أن الله عز وجل كان معه، والشيء الذي تعرفونه جميعاً أن الله عز وجل له معيتان، معية عامة، وهو معكم أينما كنتم، ومعية خاصة هذه خاصة بالمؤمنين، بالصابرين، بالمتقين، فمعية الله الخاصة هي معية الحفظ والتأييد ومعية النصر والتوفيق.
إذاً إذا أردتُ أن أضـع لهذا الدرس عنواناً فهو الصلح مع الله، طريق عزتنا وكرامتنا، العودة إلى أوامر الله عز وجل، إذا عدت وحدك تأخذ وعود الله عز وجل لك، أما إذا عاد مجموع الأمة تستحق الأمة في مجموعها وعد الله عز وجل، نبدأ من الأفراد، فلا بد أن يبدأ كل مؤمن بمحاسبة نفسه حساباً دقيقاً، هذا البيت بيته، هل يأمر أهله بالصلاة ؟ هل يربي أولاده تربية صحيحة ؟ هل زوجته عندما تخرج من بيتها وتمشي بالطريق في زيّ يرضي الله عز وجل ؟
أما هذا الانفصام في الشخصية هو في وادٍ وحياته الخاصة في وادٍ ومشاعره في وادٍ، معاملته في وادٍ، شروده في وادٍ، وانتماؤه في وادٍ، هذا الانفصام في الشخصية هو السبب في الهلاك يعني كما قلت قبل قليل زوال الكون أهون على الله من أن يضيع على مؤمن عمله، زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق وعوده، كما جاء في العقيدة الصحيحة، وعد الله حق لا يتخلف، وعد الله للمؤمن حق لا يتخلف، ووعد الله للأمة المؤمنة حق لا يتخلف، فالطريق واضح، يعني على الإنسان أن يبلغ، الطريق واضح، والكلام كله لا يجدي، المشاعر كلها لا تجدي، يعني ما من إنسان إلا وله مشاعر، فإذا شعر أن الله أعز الإسلام يفرح، وإذا الإسلام تخلف يتألم، هذه المشاعر لا تقدم ولا تؤخر أما الذي يقدم ويؤخر أن تكون في المستوى الذي يريده الله عز وجل، لذلك إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماء أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، إذا كانت معرفة الإنسان بالله متينة وإيمانه قوياً فلو أن الأمور جاءت على خلاف ما يريد لا يتزلزل بل يقول كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة، وحكمته متعلقة بالخير المطلق:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
(سورة البقرة)
وهذه العقائد إذا ترسخت في النفس رأيت أن الله بيده كل شيء حقيقة.

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
(سورة هود 123)
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾
(سورة فاطر 2)
هذه الحقائق الثابتة تعينه على إلقاء الضوء على ما يظنه تخلياً من الله عز وجل عن عباده المؤمنين، وإليكم قصة من قصص السلف الصالح، الخيزران زوجة الخليفة العباسي المهدي وأم بنيه الهادي وهارون الرشيد، كانت ملكة حازمة متفقهة يمانية الأصل، أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي، وكانت من جواري المهدي أعتقها وتزوجها، ولما مات وليَ ابنُها الهادي الخلافة وهذه القصة جرت معها هي بالذات زوجة الخليفة الهادي، قال: كانت الخيرزان في دارها وعندها أمهات أولاد الخلفاء وغيرهن من بنات بني هاشم، فبينما هي كذلك إذ دخلت عليها جارية من جواريها فقالت: أعز الله السيدة: بالباب امرأة يبدو أنها شريفة في أطمار رثة، وليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية، تأبى أن تخبر عن اسمها، وهي تروم الدخول عليك، فقالت الخيزران: أدخليها، فإنه لابد من فائدة أو ثواب، فائدة أو ثواب، نعم: فدخلت امرأة في أطمار رثة فوقعت بجنب عضاضة الباب، يعني طرف الباب الملبن، ثم سلمت متضائلة، منكمشة، مستحية، كسيفة باللغة الدارجة، وتكلمت، فأوضحت ببيان ولسان، فقالت لها الخيزران: من أنت ؟ قالت: أنا مزنة، زوج مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وقد أصارني الدهر إلى ما ترين، هذه حالتي، ووالله ما الأطمار الرثة التي عليّ إلا عارية، حتى هذه الأطمار البالية التي على جسدي استعرتها، وإنكم لما غلبتمونا على هذا الأمر وصار لكم دوننا لم نأمن مخالطة العامة، فقصدناكم لنكون في حجابكم على أية حال كانت، حتى تأتي دعوة من له دعوة أي الموت. فهذه زوجة خليفة في ثياب رثة تقف بباب الخيزران، وترجو أن تدخل عليها، فاغرورقت عينا الخيزران بالدموع.
ثلاثة أشخاص إن وقعوا في هذا الموقف يجب أن ترحموهم، غني افتقر، لذلك الفقهاء أوجبوا بل سمحوا أن تدفع زكاة المال لرجل فقير بإمكانه أن يعمل ولكن كان عزيز الشأن، فلو أجبرناه أن يعمل لعمل عملاً سحقه وسحق كرامته، فليس ممكناً لإنسان أن يشتغل بمهنة متدنية اجتماعياً، وقد كان عزيزاً، فلذلك هذا الغني الذي افتقر والذي يقوى على العمل يسمح له أن يأخذ من بيت مال المسلمين ما يقيم أوده من دون أن نلجئه إلى عمل يشعر به بالذل، فاغرورقت عينا الخيزران بالدموع ونظرت زينب بنت سليمان بن علي، فقالت زينب: لا خفف الله عنك يا مزنة، يعني الله لا يقيمك باللغة الدارجة، أتذكرين وقد دخلت عليك وأنت على هذا البساط بعينه، نفس القاعة، فكلمتك في جثة إبراهيم الإمام فانتهرتني وأَمَرْت بإخراجي، وقلت ما للنساء والدخول على الرجال، فو الله لقد كان مروان أرعى للحق منك، لقد دخلت عليه فحلف أنه ما قتله وهو كاذب، وخيرني بين أن يدفنه أو يدفع إلي بجثته، وعرض علي مالاً فلم أقبله، فانظر إلى الأيام كيف يداولها الله بين الناس.
يعني العوام يقولون كلمة الله كبير، كنت أروي قصة دائماً أن امرأة كانت في البيت مع زوجها يأكلان، طرق الباب فقامت لترى من الطارق فإذا رجل متسول يطلب منها شيئاً يأكله، وكان الطعام دجاجة، فهمت أن تأخذ بعض الطعام لتطعم هذا الفقير، فانتهرها زوجها وكان بخيلاً، وأمرها أن تطرده، وساءت العلاقة بين الزوج وزوجته الأمر الذي أدى إلى تطليقه إياها، وبعد حين خطبت و تزوجت من رجل ميسور الحال، وفي أحد الأيام كان هذا الرجل مع زوجته يتناولان طعام العشاء، فطرق الباب فقامت الزوجة لترى من الطارق، فإذا رجل يطلب طعاماً، فلما رأته ارتجفت وعادت مضطربة، قال لها: من الطارق، قالت: سائل، قال: ما القصة ؟ أراك مضطربة ! فلما ألح عليها قالت: السائل هو زوجي الأول قال: أتعلمين من أنا ؟ قال أنا السائل الأول !!! فالعوام يقولون كلمة، لكن هذه الكلمة معبرة جداً وهي "الله كبير"، فالإنسان إذا تكبر، إذا كفر بالنعمة، إذا تجاوز الحد، إذا استعلى على خلق الله، قد يفقده الله النعمة كلها.
فالمؤمن أديب بأدب الإسلام لا يتكلم كلمة، يعني لا يتكلم كلمة فيها صلف أو كبر، أو غطرسة، قالت: لا خفف الله عنك يا مزنة، أتذكرين يوم دخلت عليك وأنت على هذا البساط بعينه فكلمتك في إبراهيم الإمام فانتهرتني وأمرت بإخراجي وقلت ما للنساء والدخول على الرجال، فو الله لقد كان مروان أرعى للحق منك، لقد دخلت إليه فحلف أنه ما قتله وخيرني بين أن يدفنه أو يدفع إلي به، وعرض علي مالاً فلم أقبله، قالت مزنة: والله ما أدّاني إلى هذه الحال التي ترينها إلا تلك الفعال أي أن أفعالي سبب بؤس حالي.
واللهُ عز وجل غني عن تعذيبنا، غني عن ظلمنا، لا يظلم أحداً، وحينما ترى إنساناً في بؤس فقل لعل الله يعالجه، لعل له ماضياً يستحق بسببه أن يكون في هذه الحالة من البؤس فالله عز وجل قال:

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾
(سورة الكهف)
قالت مزنة: والله ما أداني إلى هذه الحال التي ترينها إلا تلك الفعال التي كانت مني، وكأنك استحسنتها فحرَّضْتِ الخيزران على مثلها إنما كان يجب عليك أن تحضيها على فعل الخير وترك المقابلة بالشر لتحرّز بذلك نعيمها وتصون دينها، يا بنت العم كيف رأيت صنيع الله بنا في العقوق، أفأحببت التأسي بنا، ثم ولت باكية.
والإنسان أحياناً يبكي بكاء الرحمة، أو بكاء القهر، أو بكاء الخوف، أما أصعب بكاء فبكاء القهر، سيدنا علي سئل: ما الذل ؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده، والقول الشهير: والله لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
قال: فأشارت الخيزران إلى جارية من جواريها فعدلت بها إلى بعض المقاصير، وأمرت بتغيير حالها والإحسان إليها، فلما دخل المهدي عليها وقد انصرفت زينب قصت الخيزران عليه قصتها، وما أمرت به من تغيير حالها، فدعا الهادي بالجارية التي ردَّتْها إلى المقصورة وقال لها: لمّا رَدَدْتِها إلى المقصورة ماذا قالت ؟ فقالت الجارية: لحقتها وهي تبكي في خروجها وتقرأ قوله تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
(سورة النحل)
فهذه الآية لا أرتوي من تكرارها، أية أمة.. أي مجتمع.. أية مدينة.. أية جماعة كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله واستعلت وبغت وطغت واحتقرت غيرها فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون، فهذه مزنة دخلت مقصورتها باكية وهي تردد هذه الآية، فقال المهدي إلى زوجته الخيزران: والله لو لم تفعلي فيها ما فعلتِ ما كلمتك أبداً، وبكى بكاء كثيراً، وقال: اللهم إني أعوذ بك من زوال النعمة.
هكذا كان النبي يدعو، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، فإنسان في بحبوحة وعز وجاه وفجأة وبعد ساعة أصبح في الحضيض، أصبح جائعاً، أصبح مشرداً، وهذا شيء نراه بأعيننا، فجأة نقمة الله عز وجل، نعوذ بالله من هذا الحال والمآل.
هناك تفسير ديني لكل الأحداث، أنا أرى أن الإنسان يجب ألا يغفل عن التفسير الديني للأحداث، التفسير الديني الذي ورد في القرآن الكريم، فالنبي الكريم كان يقول: أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك.
قال: اللهم أعوذ بك من زوال النعمة، ثم بعث لهذه المرأة من يخبرها، قال: أقرئي عليها السلام وقولي لها: يا ابنة العم إن أخواتك اجتمعن عندي، فلما جاءته قال: يا بنت العم والله لولا أني لا أريد أن أجعل لقوم أنت منهم في أمرنا شيء لتزوجتك، ولكن لا شيء أصون لك من حجابي، وكوني مع أخواتك في قصري لك ما لهن وعليك ما عليهن، إلى أن يأتيك أمر من له الأمر فيما حكم فيه على الخلق، ثم أخدمها وأجازها فأقامت في قصره إلى أن قضى المهدي والهادي ومضى صدر من أيام الرشيد في خلافته، فتوفيت وجزع عليها جزعاً شديداً.
طبعاً هذه قصة فيها عبرة، فالإنسان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب السيدة عائشة:
((يا عائشة أكرمي جوار نعم الله، فإن النعم إذا نفرت قلما تعود.))
نعوذ بالله من زوال نعمه، وفجأة نقمه، والله عز وجل أحياناً يستدرج الإنسان مهما كان ذكياً والإنسان مسير ومخير، بالأصل مخير لكن مسير ليحقق اختياره، ومسير مرة ثانية ليدفع ثمن اختياره، فإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه، مع الله لا ذكاء ينفع مع الله ولا عقل يجدي، إذا أراد أن يستدرجك أخذ لبك فتفعل شيئاً غير معقول ثم يعيد لك لبك فتندم على ما فعلت، فيكون هذا استدراجاً وعقاباً ودفعاً لثمن اختيارك.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:17 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 005: تلاوة القرآن - أحاديث في فضل قراءة القرآن -
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-03-17
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم... نحن في رمضان، والشيء البارز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في رمضان كثرة تلاوة القرآن، نوهت إلى ذلك في خطبة الجمعة ولا بدّ من بعض الأحاديث الأخرى التي تدعم هذا الموضوع، يقول عليه الصلاة والسلام: من قرأ القرآن،أتيح له أن يفهمه، أتيح له أن يعمل به، رآه كلام الله عز وجل.
من قرأ القرآن، ثم رأى أن أحداً أوتي خيراً مما أوتي هو، يعني هو لا يملك مركبة، هو يقرأ القرآن، ويفهم القرآن، ويجود القرآن، ويطبق القرآن، ويحب القرآن، والقرآن ربيع قلبه، لكن داره صغيرة، دخله محدود.
((من قرأ القرآن ثم رأى أن أحداً أوتي خيراً مما أوتي فقد استصغر ما عظمه الله سبحانه وتعالى.))
يعني إذا قدمت لإنسان قطعة ألماس ثمنها ثلاثة ملايين فظنها ألماس صناعي، قال هذه ثمنها حوالي ثلاثين ليرة، هذا الموقف أليس موقفاً مخزياً أمام هذا المهدي، إذا قدم لك شيء ثمين جداً وأنت استصغرته أي رايته صغيراً، ورأيت عطاءً آخراً أكبر منه، هذا الذي قاله عليه الصلاة والسلام.
إذاً قارئ القرآن الذي يتلو القرآن، الذي يفهم القرآن، الذي هداه الله إلى حضور مجالس العلم فيها تفسير للقرآن ينبغي أن يرفع رأسه، ينبغي أن يغتبط بهذه النعمة، ينبغي أن يشكر الله عليها.
الحديث الآخر القدسي: يقول الله تبارك وتعالى:
(( من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل جزاء الشاكرين.))

الحياة الآن صعبة، الوقت ضيق، ليس هناك واحد منا إلا مثقل بالعمل، النفقات كبيرة والدخول قليلة، إذاً على حساب أوقات الفراغ، على حساب مضاعفة ساعات العمل، على حساب اختيار عمل شاق، كلما ضاق الوقت صار الوقت الذي تنفقه في تلاوة القرآن وفهمه أغلى عند الله، لأن الله عز وجل كما يقول في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾
(سورة المزمل 20)
الوقت مقدر عند الله عز وجل، ضيق وقتك، شدة انشغالك، تزاحم الأعمال في حياتك، إذا قطفت أو اقتطعت من هذا الوقت الثمين وقتاً تتلو فيه كلام الله عز وجل وتفهمه.
الذي أقوله لكم ما من عمل على وجه الأرض يفوق أن تعرف المنهج، يعني إذا كنت في طريق إلى بلد، إذا ضيعت ربع ساعة في معرفة الطريق والمداخل والمخارج وأماكن الوقوف وأفضل مكان للنوم والطعام، هل يعدّ هذا الوقت الذي تنفقه في التعرف لهذه الرحلة الخطيرة وقت مستهلك أم مستثمر ؟ مستثمر، لأن الحركة من غير علم طائشة، حركة قد تكون مهلكة، قد تكون حركة ماحقة، فالإنسان لا بدّ من التحرك، يستيقظ يبحث عن عمل، في بيعه في شرائه، يبحث عن قضاء بعض الحاجات النفسية والجسمية والاجتماعية، فالإنسان في حركة دائمة، فإذا سبقت هذه الحركة علم وقع حركته وفق المنهج الإلهي فسعد وأسعد، فإذا جاءت هذه الحركة بعيدة عن العلم كانت مهلكة، إذا ًأي وقت تنفقه في معرفة الطريق، في معرف المنهج هذا زوقت مستثمر وليس مستهلك.
إذاً من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي، يعني ممكن ألا تقرأ القرآن وأنت تكون بعيداً عن معانيه الدقيقة وعن توجيهات ربنا سبحانه وتعالى، فإذا أردت أن تتاجر ودخلت في علاقة محرمة أو في بضاعة محرمة أو في طريق أو أسلوب محرم عند الله عز وجل وكان العقاب محق هذا المال كله، فيا ترى كل هذه الجهود، وكل هذه الطاقات التي بذلتها والتي خرجت بها عن منهج الله عز وجل جهود ضائعة، لو وفرت وقتك وعرفت المنهج ثم تحركت، الآن حركة باتجاه الزواج من دون منهج أغلب الظن زواج مخفق ينتهي بالطلاق، أما تعلم العلم قلب الزواج أغلب الظن أن هذا الزواج ناجح، إذاً:

((من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل جزاء الشاكرين.))
قال: إن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن، يعني في عذاب في القلب، معنى ذلك أن هناك عذاب جسدي وعذاب قلبي، قد تجد إنسان سليم معافى في بحبوحة وأموره كلها كما يشتهي لكنه معذب القلب، قد يشعر بالقهر، قد يشعر بالحقد، قد يشعر بالهوان، قد يشعر بحيه للانتقام، قد يشعر بالضياع، قد يحس بالتشاؤم، قد يحس بالسوداوية شيء جميل هذه كلها عذابات القلب، إذا وعيت معاني القرآن.. عرفت سننه.. عرفت مراميه قلبك لا يعذب، توحد، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
(سورة الشعراء)
وقال:
((من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه ))
يعني مقام كبير أن ترتقي إلى مستوى قراءة القرآن قراءة متقنة وفهمه وتدبره
طبعاً الحديث الذي سأتلوه عليكم ذكرته في الخطبة: إن البيت الذي يتلى فيه القرآن يتسع بأهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتخرج منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله عز وجل يضيق بأهله، ويقل خيره وتخرج منه الملائكة وتحضره الشياطين.
أتحب بيتاً كالجنة ؟ اجعل القرآن فيه متلواً، أي اتلو القرآن وأمر أهلك أن يتلوا القرآن.
الآن أقوال بعض العلماء في فضل القرآن، يقول الفضيل بن عياض:" ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له إلى أحد حاجة "، يعني إنسان قارئ أو حافظ للقرآن هذا من أهل الله، فإذا وقف أمام إنسان لئيم واضعضع أمامه وتذلل، أو أيام والذي يؤلمني أشدّ الألم عند مكتب دفن الموتى إذا إنسان يجري معاملة يلحقه عشرات قراء القرآن بوضع مزري ومخزي في بذل ماء الوجه، أهكذا قارئ القرآن ‍!
يقول الفضيل بن عياض:" ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له إلى أحد حاجة، بل ينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه "، لعظم شأنه، لأنه من أهل الله عز وجل.
قال:" حامل القرآن حامل راية الإسلام، فلا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا أن يسهو مع من يسهو، ولا أن يلغ مع من يلغو، تعظيماً لحق القرآن ".
يعني في أماكن، في حركات، في نزهات لا تليق بحامل القرآن، في أماكن فيها اختلاط وغناء، في أسواق وصخب الأسواق، حامل القرآن لا ينبغي أن يكون مع هؤلاء تعظيماًَ لشأن القرآن.
يعني الآن نحن يهمنا بحث في كتاب إحياء علوم الدين هو: ذم تلاوة الغافلين، طبعاً الخطبة السابقة كلها عن فضل القرآن الكريم، أما الموضوع الجديد ذم تلاوة الغافلين، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه، والغريب قرآن في جوف الفاجر.))
قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نيام، وبنهاره إذا الناس يفرطون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون مستكيناً ليناً، ولا ينبغي أن يكون جافياً، ولا ممارياً، ولا صياحاً، ولا صخاباً، ولا حديداً، نظر قاسي، هذه صفات حافظ القرآن الكريم.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( اقرأ القرآن ما نهاك، فأن لم ينهك عن معصية الله، فلست تقرأه. ))
أنت في حكم الذي لا يقرأه ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه. ))
من استحل محارم القرآن فهو في حكم غير المؤمن به، وقال بعض السلف: إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها، وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها، فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال: إذا أحلّ حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته.
وقال بعض العلماء: إن العبد ليتلو القرآن يلعن نفسه وهو لا يعلم، يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم لنفسه، ألا لعنة على الكاذبين وهو منهم.
ويقول الإمام الحسن: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جملاً لا أنتم تركبونه فتقطعون به مراحلهم، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربكم، فكانوا يتدبرونها في الليل وينفذونها في النهار.
ولابن مسعود كلمة بليغة جداً أنه رأى رجلاً يقرأ القرآن في النهار ولا يعمل، فقال: إنما أنزل هذا القرآن لتعمل به، أفاتخذت قراءته عملاً، يعني هذا يقرأ في الليل تعبداً وفي النهار يجب أن تعمل لتكون عضواً نافعاً في المجتمع وليس عالة على غيرك.
قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد عشنا دهراً طويلاً وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن.
يعني شيء دقيق لما الإنسان يفكر في الكون يستعظم خالق الكون، فإذا قرأ القرآن وقال إن الله عليّ كبير يقول صدق الله العظيم، هذا الوصف لذات الله عز وجل جاء مطابقاً لما رأى هذا المؤمن، فكلما كانت رؤية العبد لمولاه من خلال التفكر في الكون رؤية صحيحة ثم تلا كتاب الله عز و جل تأتي آيات الله عز وجل مطابقة لإيمان العبد، وهذا معنى قول أصحاب النبي.
مثلاً أنت سافرت إلى بلد وكانت هذه البلدة جميلة، فإذا قال لك أحدهم والله ما رأيت أروع من هذه البلدة، تقول أي والله، تقول نعم لأنك رأيت هذا الجمال، فهذا الكلام ما الذي أكده ؟ رؤيتك لهذه البلدة.
قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد عشنا دهراً طويلاً وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها و حرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عندها، ثم إني رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين الفاتحة إلى الخاتمة لا يدري ما آمره ولا زاجره، وما يجب أن يقف عنده منه.
إذاً إذا أوتيت الإيمان قبل القرآن تدبرت القرآن وصدقته، فإذا لم تؤت الإيمان قبل القرآن تقرأه ولا تدري من أمره شيئاً.
ورد في الأثر أن الله عز وجل يقول:
((يا عبدي أما تستحي مني، يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفاً حرفاً حتى لا يفوتك منه شيئاً، وهذا كتابي أنزلته إليك فصلت فيه القول، وكم كررت عليك فيه للتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك.))
يعني فعلاً تأتيك رسالة قد تفتحها وأنت في الطريق، قد تفتحها وأنت عند الطبيب، قد تفتحها وتقرأها وأنت في أشد الأوقات حرجاً، تريد أن تعرف ماذا في هذه الرسالة، طيب وهذا الكتاب الذي بين أيدين رسالة من الله عز وجل، خطاب الله لهذا الإنسان، ألا ينبغي أن نقرأه بعناية ونفهم ماذا أراد الله به.
في نقطة مهمة ذكرها العلماء أن الإنسان بفكره يستطيع أن يتعرف إلى الله عز وجل والدليل هو الكون، وبفكره يستطيع أن يتعرف إلى فكر النبي من خلال الإعجاز، وبفكره يستطيع أن يتعرف إلى أن هذا الكلام كلام الله، لكن أنت بفكرك تقول لا بدّ لهذا الكون من خالق ولكن من هو هذا الخالق ؟ ولماذا خلق الخلق ؟ وماذا يريد مني ؟ هذا لا تده إلا في كتاب الله.
يعني مثلاً دخلنا إلى جامعة، إنسان ذكي تأمل وجد فيها قاعات واسعة، معنى ذلك أن هذه القاعات لطلاب الآداب، طلاب الآداب عددهم كثير، ورأى قاعات صغيرة ورأى مخابر ورأى ملاعب، ورأى قاعات مطالعة، ورأى مكتبة ضخمة، ورأى حديقة غناء، ورأى دار للطلبة، ورأى مدرجات ورأى مكاتب للمدرسين، فهو بفكره فقط يستطيع أن يقول هذه الجامعة عظيمة وفيها كليات متنوعة، وفي إنفاق كبير، ويبدو أن أقساطها عالية جداً لأن فيها خدمات كبيرة جداً، فممكن أن تعرف أشياء كثيرة بفكرك، لكن مهما تأملت في أقواس الأروقة وفي ساحات الجامعة وفي ملاعبها وفي أبنيتها وفي حجرها وفي مدرجاتها أفبإمكانك أن تتعرف إلى نظامها الداخلي ؟ أفبإمكان أن تعرف من هم مدرسوها ؟ أفبإمكان أن تعرف ما هي مناهجها ؟ ما طريقة النجاح فيها ؟ لا تعرف ذلك، لا بدّ من كتيب.
إذاً نحن الآن عندنا مشكلة: هناك أشياء يمكن أن تعرفها بعقلك وجود الله عز وجل كماله وحدانيته رسله كتبه، لكن لماذا خلق الكون ؟ لا بدّ أن تسأل خالق الكون، ما هي مهمتك في الكون ؟ لا بدّ أن تسأل خالق الكون. ماذا كان قبل الوجود ؟ ماذا سيكون بعد الوجود ؟ أين كنت؟ إلى أين المصير ؟ هذه الأسئلة الكبرى لا بدّ أن تقرأها في كتاب الله، إذاً هذا الذي يكتفي بالكون من دون أن يتعب نفسه في فهم القرآن فقد عرف شطر العلم، أما إذا أردت أن تحوط الدين من كل جوانبه لا بدّ من استعمال العقل تارة واستعمال النقل تارة، وهل الإنسان إلا عقل يفكر، وأذن تسمع، وإن في ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
عندنا آداب لتلاوة القرآن آداب ظاهرة وآداب باطنة، فمن هذه الآداب الباطنة، طبعاً بحث طويل لكن سنأخذ منه بعض الفقرات، من هذه الآداب الباطنة قال: التخلي عن موانع الفهم، هناك أشياء تمنعك من فهم القرآن، فإن أكثر الناس منعوا من فهم معاني القرآن لأسباب، وحجب أسبلها الشيطان على قلوبهم فعميتم عنهم عجائب أسرار القرآن، قال صلى الله عليه وسلم:
(( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت.))
اخترت لكم قصة قصيرة جرت مع بعض التابعين وهي تتعلق بهذا الموضوع، قال ذكر الحافظ محمد بن نصر المروزي في جزء قيام الليل عن الأحنف بن قيس ( والأحنف من التابعين ) أنه كان يوماً جالساً فعرضت له هذه الآية:

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)﴾
(سورة الأنبياء)
قال: فانتبه، فقال عليّ بالمصحف لألتمس ذكري اليوم، هكذا قال الله عز وجل، يعني أنتم أيها العباد قد ذكرتم في هذا القرآن، هذا هو التدبر أيها الأخوة، فانتبه، فقال عليّ بالمصحف لألتمس ذكري اليوم، حتى أعلم من أنا ومن أشبه.
أن تعرف من أنت هذا سؤال خطير جداً، أيام الإنسان يعيش كل حياته لا يعرف من هو، يظن نفسه مؤمن وهو غارق في المخالفات، يظن نفسه محب لرسول الله يجلس في عقد قران فيبكي ثم يأتي للسنة فيخالها، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
(سورة آل عمرن 31)
فحتى الإنسان لا يغش نفسه والوقت خطير فهذا السؤال يجب أن تعرف من أنت، إذا واحد ظن بنفسه أنه قوي بالرياضيات فلم يدرس جاء الفحص فخرج ضعيفاً فرسب ألا يكون أحمقاً، لو فرضنا أنه فعل فحصاً لنفسه أو كلف صديقاً له متفوق في الرياضيات أن يمتحنه فقال له والله بصراحة أنت ضعيف في الرياضيات، هو يظهر أنه جلس مع طالب أضعف منه فصار عليه أستاذ فتوهم أنه قوي بالرياضيات، فلو سألت واحد متفوق في الرياضيات يعطيك وصفاً دقيقاً.
هناك كثير من الأمراض الخطيرة الإنسان يظن نفسه معافى منها ليس لها أعراض ظاهرة، يعني هذا سؤال مهم جداً ويريد جرأه، الإنسان يتملق نفسه أحياناً، أريح له أن يتوهم نفسه مؤمن، أريح له أن يتوهم نفسه فهمان، لكن إذا كان فعلاً جريء يحاول أن يكشف من هو، أين أنا من الإيمان، إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك، اعرف من أنت هل أنا مؤمن، يا ترى مستقيم، يا ترى محسن، يا ترى مسلم، يا ترى أنا منحرف فاسق فاجر مسلم مؤمن تقي، فهذا سؤال مهم.
طبعاً منهج السؤال إذا قرأت في القرآن أوصاف المؤمنين يجب أن تقف عند هذه الأوصاف، وأن تسأل نفسك هل هذه الأوصاف تنطبق عليّ.
فهذا الأحنف بن قيس: قال: فانتبه، فقال عليّ بالمصحف لألتمس ذكري اليوم حتى أعلم من أنا ومن أشبه.
يعني لما علم أن القرآن قد ذكر جميع صفات البشر وبين صفاتهم أراد أن يبحث عن نفسه في أي الطبقات هو، يعني:

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)﴾
(سورة الأنبياء)
البشر كلهم في هذه الآيات، قال: فتح المصحف، فمر بقوم كانوا قيلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم، فسأل نفسه: هل أنت من هؤلاء؟ هذا سؤال لنا أيضاً، وقال: مرّ بقوم آخرين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقناهم ينفقون.
في شخص إذا جاءته الدنيا وهي طائعة يرتاح ويسترخي، يقعد تفتر همته، يقول الحمد لله الله فضل عليّ، ضعفت همته في طلب الحق، في طلب العلم، ضعفت همته في العمل الصالح، مال إلى الراحة، مال إلى الاستمتاع بالحياة، هذا معنى:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾
(سورة السجدة 16)
العبرة القرآن بليغ جداً، معنى المضجع هنا ليس السرير فقط، يعني ارتاح في حياته بعد أن تزوج وتاجر وربح أرباحاً طائلة ورتب أموره ونظم حياته وأمضى وقته في التمتع بمباهج الحياة فصار يألف الراحة، يألف القعود، يألف إلقاء الأوامر، يألف يتلقى خدمات الناس، يألف أن يعيش في راحة كبيرة جداً، قال من صفات المؤمنين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، تماماً مثل طالب عنده بعد أسبوعين فحص مصيري تخته وثير، وفراشه ناعم، الملاءة نظيفة جداً، يعني غرفته دافئة هادئة معزولة الصوت، لكن كلما نام ساعة انتبه مذعوراً ضاع الوقت.
فعلامة المؤمن مادام في حياة، وبعد الحياة موت وجنة ونار وحساب لا يركن إلى الدنيا.

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾
سأل نفسه هل أنت من هؤلاء ؟ وجد جواباً بالنفي، قال ومرّ بقوم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، ومرّ بقوم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، هذا التدبر، أنت تقرأ صفات المؤمنين، وقف هل أنا منهم ؟ هل هذه الصفات تنطبق عليّ ؟ لا تنطبق ماذا أفعل؟ ماذا أنتظر ؟ لا بدّ أن أسعى لكي أن أكون من هؤلاء.
قال: فوقف الأحنف وقال لا، اللهم لست أعرف نفسي هاهنا، طبعاً يمكن أن يكون قد قالها تواضعاً هكذا النص، يعني لم يجد هذه الصفات في نفسه، حتى يعدّ نفسه من هذه الطبقة، ثم أخذ الأحنف السبيل الآخر، فمرّ بقوم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، ومرّ بقوم يقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، ومرّ بقوم قال الله تعالى فيهم:

﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)﴾
(سورة الزمر)
ومرّ بقوم يقال لهم:

﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾
(سورة المدثر)
قال الأحنف: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء، ولا أنا من هؤلاء، لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، فما زال يقلب ورق المصحف يقرأ ويلتمس في أي الطبقات هو حتى وقع على هذه الآية:

﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)﴾
(سورة التوبة)
فقال: أنا منهم، هذه الآية وصفته، قد يكون بتواضع قال هذا الكلام، قد يكون هو من أول قوم، لكن على كل مغزى القصة أنت حين تقرأ القرآن:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾
(سورة الحجرات 15)
أنت عندك ريب ؟ سؤال دقيق جداً

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾
(سورة الأنفال)
هكذا أنت ؟ هل يجل قلبك إذا قرأت القرآن، هل يقشعر جلدك، فإذا تلوت القرآن في رمضان فعليك أن تعرف نفسك أين أنت من هؤلاء، فالذي يمنع فهمك لكتاب الله يبعض الحجب، من هذه الأشياء: أحياناً ينصرف بكليته وبفهمه كله إلى تحقيق الحروف وإخراجها من مخارجها عندئذ غاب عن المعنى كلية، هذا تطرف في تلاوة القرآن حق تلاوته، تلاوته حق تلاوته أن تقرأه مجوداً، وتلاوته حق تلاوته أن تفهمه، وتلاوته حق تلاوته أن تطبقه، فإذا اكتفيت بواحدة تلوته حق تلاوته ولم تفهم مضمونه ولا أمره ولا حلاله ولا حرامه، ولم تفكر في تطبيقه، إذاً أنت ما تلوته حق تلاوته، فأن يكون إخراج الحرف من مخرجه هو كل شيء في القرآن هذا هو ما يمنعك من فهمه، هو كل شيء أن تخرج الحروف من مخارجها هذا شيء مهم، أما التطرف أن تجعله كل شيء.
هذا الكلام لا يعني أن نقلل من قيمة التجويد لا والله، لكن حينما ترى إنساناً لا يعبأ أبداّ بمعاني القرآن ولا بأوامره ولا بمضمونه ولا بحلاله ولا بحرامه ولا يعنيه منه إلا إتقان لفظه هنا التطرف، هنا يعدّ هذا العلم الثمين القيم الذي وسعه حتى غطى عليه كل شيء وغطى عليه معاني القرآن يعدّ هذا حاجباً أو مانعاً من موانع فهم القرآن، هكذا ورد في الإحياء.
مما يمنع فهم القرآن الكريم أن يكون مصراً على ذنب أو متصفاً بكبر، إما أن تظنه فقط حسن تلاوة، يعني كلما قرأته تبركت به، هذا مما يمنع فهم القرآن، المانع الثاني أن تكون مصر على ذنب أو متصف بكبر، هذا يمنعك من فهم كتاب الله، هذا مانع آخر.
قال إذا عظمت أمتي الدرهم والدينار نزع منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي، أي حرموا قراءة القرآن، وحرموا فهم القرآن.
أحياناً الإنسان يقرأ القرآن، التخصيص في القرآن الكريم يمنع الفهم، مثلاً:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
(سورة الأحزاب 31)
قال نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش، ليس له علاقة هو، كل آية يفرغها في حادث تاريخي وانتهى الأمر، كأنه عطل كلام الله عز وجل، فأن يكون الإنسان مصراً على ذنب أو متصفاً بكبر هذا يمنعه من فهم كلام الله، أن يفرغ كل آية في أسباب نزولها ويجعلها آية تعبر عن حدث وقع وانتهى قضية تاريخية، يعني إذا جعلت القرآن كتاب تاريخ انتهى الأمر.
يا أيها الذين آمنوا مؤمنون مكة، لا تكونوا كالذين كفروا أي كفار مكة وليس له هو دخل، قضية تاريخ، يقرأ الآيات كلما قرأ آية فرغها لجهة معينة، هذا التخصيص أيضاً يمنع فهمك لكلام الله وأن تنتفع به.
والله أتمنى، أحياناً الإنسان تزل قدمه يقرأ القرآن ويبتعد عن القصد الإلهي من أمرنا بتلاوته، فكلما عاد وصحح سيره في الطريق الصحيح كلما نجح وربح.
إذاً أخطر شيء في موضوع الدرس اليوم موضوع تأخذ شيء من القرآن جزئي وتضخمه إلى درجة تجعله تغطي كل شيء، فأنت بهذا تمتنع عن فهم كلام الله، الحالة الثانية أن تكون مصر على ذنب أو معصية أو متصف بالكبر، هذه الآية هكذا تفسيرها فقط، يعني عندك شيء من التعصب، قارئ كتاب عنها أو شخص قال لك تفسيرها خلص، أصبح عقلك مغلق، ما عاد عندك إمكان أن تفهم فهماً آخراً، هذا أيضاً يمنع الفهم، أو أنت جعلت هذه الآية لحادثة معينة نزلت في فلان انتهى الأمر، أما إذا فهمت الكلام أنه لكل المؤمنين في كل الأزمان والأعصار يتفتح عقلك.
وسيدنا الأحنف بن قيس هذا التابعي الجليل كيف قرأ القرآن وقال أين أنا من هؤلاء ومن هؤلاء، هذه المناقشة الفكرية، لذلك في بعض الصحابة لهم ختمة يقرؤونها في ثلاثين عاماً، آية آية، حكم حكم، آية كونية، حلال حرام، وأنصح أن يكون للإنسان ختمتين ختمة يقرأ فيها قراءة سريعة باليوم جزء، وختمة يتدبر فيها القرآن على مهل، لعله يكون درس الجمعة في التفسير فيه تأني كل درس آية واحد، لكن نفرض أن واحد ما قرأ إلا درس الجمعة معنى ذلك ما قرأ ولا بعشر سنين مرة، فلازم قرآن للتعبد، ويقرأ مرة للتدبر.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:20 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 006: الهجرة (1) - صور من هجرة الصحابة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-07-14
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقا و رزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مازلنا مع دروس السيرة العطرة، و ما دام العام الهجري الجديد قد أقبل فلنقِف قليلا عند موضوع الهجرة، و لنحاول أن نستنبط منها الدلائل و العبرَ التي تلقي ضوءًا على سلوكنا و على ما ينبغي أن نفعله في المستقبل القريب.
أيها الأخوة الأكارم ؛ لما أذِن الله تعالى لرسوله في الحرب و بايعه الأنصارُ على الإسلام أمر النبيُّ صلى الله عليه و سلم أصحابَه من المهاجرين و ممن معه بمكة بالخروج إلى المدينة و الهجرة إليها، و اللحوق بإخوانهم الأنصار و قال: إن الله قد جعل لكم إخوانا و دارًا تأمنون بها.
أقف وقفةً قصيرة عند هذه الكلمة ؛ إن الله قد جعل لكم إخوانا، أي من نعم الله الكبرى على المؤمن أن له إخوانا يعيش معهم، و يبثُّهم مشاعره و يجدهم عند الشِّدة، يصغي إليهم بمشكلاته، و يأخذ من علمهم و يأخذ من حكمتهم و يأخذ من مسيرتهم، يقدِّم لهم ما عنده و يأخذ ما عنده هذه الحياة التي بين المؤمنين فيها من المودَّة و التناصح و المحبَّة و السعادة ما لا سبيل إلى وصفه، فلذلك لا ينبغي للمؤمن أن يتَّخذ أولياء من دون المؤمنين، و لا ينبغي أن تقيم علاقات حميمة مع غير المؤمنين لا ينبغي أن تشارك غير المؤمنين، و لا ينبغي أن تعامل غير المؤمنين، المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادُّون و لو ابتعدت منازلهم، و المنافقون بعضهم لبعض غششَة متحاسدون و لو اقتربت منازلهم، و قد لا تصدِّقون أن نجاح هذه الدعوة الإسلامية كان بسبب هذا التعاون المتين بين المهاجرين و الأنصار، المهاجرون في مكة ضيَّق الكفارُ عليهم، و قيَّدوا حركتهم و أتمروا عليهم، و عذَّبوهم و نكَّلوا بهم، و أصبح الطريق مسدودا، و أصبح الأملُ مفقودا، جاء الأنصارُ آمنوا بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام، و جعلوا أرضهم أرضا للمهاجرين و قاسموهم أموالهم و قاسموهم بيوتَهم، و قاسموهم بساتينهم و قاسموهم أعمالَهم فأصبح للإسلام أرضًا أساسُ كيان المجتمع، أو أساس كيان الدولة، إذًا قد لا نصدِّق أن هذه الدعوة الإسلامية العظيمة سببها هذا التعاون، فلذلك ما قيمة أن تعتقد اعتقادا صحيحا و بيننا التحاسد و بيننا التنابذ و بيننا التباغض.
أنا أريد من هذه الحقيقة، و حقيقة السيرة موضوع خطير جدًّا، و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو فهمنا أبعادَ السيرة النبوية لكنا في حال خير من هذا الحال، أساس الدعوة الإسلامية مبنيةٌ على المحبة بين المؤمنين، مالك تجد في آخر الزمان هؤلاء مؤمنون و هؤلاء مؤمنون و الهدف واحد و القرآن واحد و النبيُّ واحد، مالك تجد عداءًا و اتِّهاما و معركة قذرة بين الجماعات الإسلامية، هكذا كان المسلمون ؟ لن يصلح هذا الدين إلا بما صلُح به أوَّلُه، بدأ هذا الإسلام غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء، أنا الذي أقرأه في هذه السيرة عن المودَّة بين الأنصار و المهاجرين شيء يفوق التَّصوُّر، إذًا نحن علينا أن نقلِّد، إن لم كذلك علينا أن نقلِّد، هكذا علَّمنا النبيُّ، قال:
((إنما الحلم بالتحلم))
إن لم تكن حليما تصنَّع الحلمَ إن العلم بالتعلُّم، و إنما الكرم بالتكرم، أي إن لم تكن تشعر بهذه المحبَّة الجارفة، هذا الحبُّ لأخيك المؤمن فلا أقلَّ من أن تقلِّد الأنصار في خدمة إخوانك و في التَّودُّد لهم و في التعاون معهم و في محضهم النصيحة، إن لم تكن كذلك فقلِّد.
الحقيقة نحن مقياسُنا بالممارسة اليومية، مقياسنا بالعمل، كلُّ هذه المحاضرات و كل هذا الإنصات، و اللهِ لا قيمة له إن لم تكن في بيتك و في عملك مع أخيك ذا ودٍّ و ذا محبَّة،فقال النبيُّ عليه الصلاة و السلام:
((إن الله قد جعل لكم إخوانا و دارا تأمنون بها ))
فخرج أصحابُ النبيِّ عليهم رضوان الله إلى المدينة أرسالا و أقام صلى الله عليه و سلم بمكة ينتظر أن يأذن الله له في الخروج إلى المدينة.
نحن بدأنا الهجرة من هذه المرحلة، أن هناك أمرا إلهيا وجِّه إلى النبيِّ في ضوءه أمرَ أصحابَه أن يهاجروا، فهاجر أصحابُه زرافاتٍ ووحدانا و سوف نرى في هذا الدرس كم تحمَّل أصاحبُه مشقةٍ في سبيل الهجرة واحد في بلدة حمص أراد أن يبيع أرضًا إلى رجل غير مسلم، فسأل أحدَ العلماء، قال له: و اللهِ اسأَل سيِّدنا خالد بن الوليد كم بذل جهدا حتى فتح هذه البلاد، و أنتم الآن ترون كم بذل أصحابُ النبيِّ عليهم رضوان الله من جهد حتى هاجروا و حتى أسَّسوا في المدينة كيانا و حتى بدأ هذا الكيانُ يقوى و حتى انتهى هذا الكيان بأن فتح الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.
من قصص الهجرة أصحاب رسول الله، من قصصهم هجرة أصحاب رسول الله، فيما رواه ابنُ إسحاق قال: حدَّثتْ أمُّ سلمة لما كان من أمرها و أمر زوجها من هذه الهجرة فقالت: لما أجمع أبو سلمة - زوجها و كان من أصحاب رسول الله - الخروجَ من المدينة إلى مكة رحَّل لي بعيرا، أي جهَّز لي بعيرا، ثم حملني عليه و جعل معي سلمة ابن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بعيري، فلما رآه رجالُ بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك، من هم بنو المغيرة ؟ قوم أم سلمة لما رآه قومُ أن سلمة قد جهَّز بعيرا ليهاجر به مع زوجه و ابنه إلى المدينة اعترضه أهلُ زوجته، هذه نفسُك غلبتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه على مَ نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت أمُّ سلمة فنزعوا خطامَ البعير من يده، خطام البعير أي زمام البعير، أو عقال البعير، و أخذوني منه، قالت: و عندئذٍ غضب بعد ذلك بنو عبد الأسد، من هم بنو عبد الأسد ؟ أهلُ أبي سلمة، أي ظهر نزاعٌ بين أهل زوجته و بين أهله، و غضب بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة و قالوا: و اللهِ لا نترك ابننا عندنا إذْ نزعتموهما من صاحبنا، ما رضي أهلُ أبي سلمة أن يبقى ابنُ أبي سلمة مع أمه، فتجاذبوا سلمة بينهم، تجاذبوا سلمة هذا الطفل الصغيرَ بينهم حتى خلعوا يدَه، و انطلق به بنو عبد الأسد و حبسني بنو المغيرة عندهم، في وقت قصيرٍ أصبح الابن مخلوع اليد عند أهل أبيه و أصبحت المرأةُ محبوسة عند أهلها و انطلق أبو سلمة إلى المدينة تمزيق للأسرة، و انطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، ففُرِّق بيني و بين ابني و بين زوجي، قالت: فكنتُ أخرج كلَّ غداة فأجلس في الأبطح، و الأبطح مكان إلى جانب الكعبة، الآن إذا الإنسان في طريقه من منًى إلى مكة يجد لوائح كثيرة، الأبطح، قرب الكعبة، فكنتُ أخرج في كل غداة فأجلس في الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، زوجها في جهة و هي محبوسة و ابنُها عند أهل زوجها و قد خُلِعت يدُه، بقيتُ هذا سنة تقريبا حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا ترحمون هذه المسكينة ؟ أنتم جئتم في عصرٍ الإسلام منتشر، في بلد إسلام، و الشعائر تُقام بكل راحة تأتون إلى المساجد و تصلّون و لا أحد يعترضكم، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، من أجل أن تذهب أمُّ سلمة إلى النبيِّ عليه الصلاة و السلام أو من أجل أن تلتحق بزوجها، بنو عبد الأسد و بنو المغيرة تصارعا فيما بينهما و كان الطفلُ ضحيَّةً و كانت هي ضحيةً و توجَّه أبو سلمة إلى المدينة، قال: ألا ترحمون هذه المسكينة ؟ فرَّقتم بينها و بين زوجها و بين ولدها، قالت: فقالوا لي: اِلحقي بزوجكِ إن شئتِ، بعد عام بأكمله قالوا: الحقي بزوجكِ إن شئتِ، فردَّ بنو عبد الأسد إليَّ ابني فارتحلتُ بعيري - بعد ذلك تصوَّروا بين مكة و المدينة أربعةٌ و خمسمائة كيلو متر، لا توجد سيارات و لا طائرة و لا كرنك، لا يوجد إلا هذه الناقة تركبها امرأةٌ و معها ابنُها و هي تيمِّم وجهها شطرَ المدينة، لا بدَّ من أن تسير خمسة عشر يوما بلياليها وحدها، كم كان الثمنُ باهظاً ؟ كلمة هجرة، و اللهِ النبيُّ الكريم هاجر مع أصحابه، أنت ما ذقتَ الهجرة أبدا أنت تعرف الهجرة كفكرة، كموضوع يُلقى عليك أو كخطبة تسمعها أو كمقالة تقرؤها، أما أن تعانيَ في هذه الشروط القاسية، قال: ثم أخذت ابني فوضعتُه في حِجري ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة، و النبيُّ الكريم لما سُئل: من أعظم الرجال حقا على المرأة قال: زوجها، فلما سئل: من أعظم النساء حقًّا على الرجل ؟ قال: أمُّه، زوجها في المدينة و هي مؤمنة، قال: و ما معي أحد من خلق الله، ما هؤلاء النساء ؟ الآن المرأة تخاف من صرصورٍ و تخاف من فأرة و ترتعد خوفًا و تصيح قال: حتى إذا كنتُ بالتنعيم، التنعيم مكان الذي يحرُم منه المعتمرون هناك مسجد الآن ضخم جدًّا الآن للسيدة عائشة، من هذا المكان يحرم المعتمرون إلى مكة المكرمة، قال: حتى إذا كنتُ في التنعيم، و الإنسان لمل يحجُّ أو يعتمر، هذه الأماكن المقدسَّة التي تأخذ من قلبه حظًّا كبيرا يراها رأيَ العين، هذا التنعيم، و هذا غار حراء و هذا غار ثور، و هنا بيعة الرضوان و هنا موقعة بدر و هنا أحُد، لا شكَّ أن المسلم إذا زار هذه الأماكنَ يجد قلبُه و يضطرب، قال: حتى إذا كنت بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة اسمعوا أيها الإخوة ماذا حدث لها في التنعيم مع رجل مشرك، لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال لي: إلى أين يا ابنة أبي أمية ؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معكِ أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله و بُني هذا، بعض العارفين بالله قال: إذا كنتَ في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أن في غِنًى، أي أنا حينما كنتُ في الديار المقدسة ما تمكنتُ من الذهاب إلى غار حراء و لكن سمعت أن شابا جلْدا قويا مفتول العضلات لا يستطيع أن يصل إليه قبل ثلاث ساعات، من أقرب نقطة طريق معبَّد ثلاث ساعات تسلُّق جبال، و هناك مكان في الجبال كالجدار قلت: عليه الصلاة و السلام وصل إلى هذا المكان و بقي فيه الليالي ذوات العدد، أحدُنا أيجرؤ أن يذهب إلى جبل قاسيون و أن يقبع في مغارة، الآن طبعا هناك أنسٌ و هناك سيارات، لكن تصوَّر الجبلَ قبل السيارة و قبل الطرق المعبَّدة، تسلَّق جبلا موحشا اقبَعْ به أياما ثلاثة ألا تخاف، ما تفسير ذلك ؟ أُنسُ النبيِّ عليه الصلاة و السلام بالله كان أقوى من وحشة المكان، أنس النبي عليه الصلاة و السلام بربه كان أقوى من وحشة المكان، و من أقبل على الله عز وجل شعر بطعم القربِ فألقى اللهُ في قلبه الطمأنينة و السكينة، أيْ إذا كنتَ في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنًى.
قال: أو ما معك أحدٌ ؟ قلت: ما معي أحد إلا الله و بنيَّ هذا، فقال: و الله ما لكِ من متَّركٍ، أي لا يجوز أن تُتركِ وحدكِ، هذا مشرك، قال: فأخذ بخطام البعير، أنا كنتُ أفحص طلاَّبا في هذه الأيام فسألتُ أحدَهم أعندك حديث يلخِّص أهداف الدعوة الإسلامية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))
[رواه أحمد]
أيها الإخوة الأكارم كلام دقيق جدًّا، النبيُّ عليه الصلاة و السلام يحدِّد عن طريق " إنما" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

(( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))
[رواه ابن ماجه]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

((َ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))
[رواه أحمد]
كلام النبي دقيق جدًّا، ما قال: لأبثَّ مكارم الأخلاق، ما قال: لأدعو إلى مكارم الأخلاق، ماذا قال ؟ قال: "لأتمم" ماذا يعني هذا الكلام ؟ يعني أن في الإنسان جانبا خيِّرا، يؤكِّده قولُه صلى الله عليه و سلم:عَنْ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ))
[رواه أحمد]
و أنتم أيها الإخوة الأكارم بعد أن عرفتم اللهَ عز وجل و بعد أن اصطلحتم معه، أنا أؤكِّد لكم و وواثق بكلامي أن الخيرَ الذي فيكم الآن له جذورٌ قبل معرفة الله، أحدكم بعد أن عرف اللهَ و استقام على أمره كان قبل أن يتوب و قبل أن يصطلح مع الله على جانب كبير من الخير هكذا، فهذا عثمان بن طلحة قبل الإسلام و قبل أن يسلم و هو مشرك كبُر عليه أن تنتقل هذه المرأةُ وحدها في هذه الصحارى و الفيافي، قال فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي به، فو اللهِ ما صحبتُ رجلا من العرب قط أرى أنه أكرم منه، كان إذا بلغ المنزلَ ؛ مكان الاستراحة أناخ لي ثم استأخر عني حتى إذا نزلتُ استأخر ببعيري فحطَّ عنه ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى إلى شجرة أخرى فاضطجع تحتها، أي ينيخ البعيرَ و يبتعد عن البعير حتى أنزل، ثم يأتي فيأخذ البعيرَ إلى مكان بعيد فينيخه ويريحه و يستقلُّ شجرةً بعيدةً يستريح تحتها، فإذا دنا الرَّواحُ قام إلى البعير فقدَّمه و رحَّله ثم استأخر عني و قال: اركبي، فإذا ركبتُ و استويتُ على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي، قال:فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينةَ، أي تبرَّع في خدمة هذه المرأة و هو مشرك أكثر من خمسة عشر يوما و ليلة يقود بعيرَها و ينيخ البعيرَ و يستأخر عنها فتنزل و يأخذ البعير و ينيخه تحت الشجرة و يستقِلُّ في شجرة بعيدة فإذا حان الرَّواحُ عاد إلى البعير فقدَّمه إلى أم سلمة و استأخر عنها فإذا ركبت و استوت عليه عاد إلى البعير فأخذ بخطامه و قاده إلى مرحلة أخرى، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباءٍ قال: زوجكِ في هذه القرية و كان أبو سلمةَ بها نازلا فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
لكن و اللهِ الذي لا إله إلا هو الذي أعتقده أنا إن رأيتُ عملا طيِّبا أخلاقيا، و إن رأيتُ تضحيةً من إنسان لم يهتدِ إلى الله بعد، أنا أشعر أن هذا الإنسان لا بدَّ لأه من نهاية طيِّبة، لا بدَّ من أن يتعرَّ ف إلى الله في القريب العاجل، لأن هذه الأخلاق أخلاق مؤمنين، أحيانا أنت تواجه مشكلة تواجه إنسانا لم يهتد إلى الله بعد لا يزال شاردا و لا يزال غيرَ مستقيم، لكن ترى منه نبلاً و أخلاقا طيَّبة و تضحية و مؤاثرةً و بذلا و كرما، اِعتقِد معي جازما أن هذا الذي يفعل هذه الأفعال الطيِّبة و يكون بهذه المروءة لا بدَّ من أن تكون له نهاية طيِّبة، لقول النبي عليه الصلاة و السلام:عَنْ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ))
[رواه أحمد]
و قال:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))
[رواه أحمد]
فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب بني سلمة و ما رأيتُ صاحبا قد كان أكرم من عثمان بن أبي طلحة.
على كلٍّ النقطة المهمة أن أحدنا، نحن جئنا في آخر الزمان، إذا خفَّ البيعُ يتبرَّم، و إذا تأخَّر زواجُه يتبرَّم، و إذا لم يُوفَّق إلى عمل يتبرَّم و كأنه يعاتب اللهَ عز وجل، أن مؤمن يا رب، لماذا تفعل بي هكذا ؟ الجواب هذه قصة، اللهُ عز وجل يريد أن يمتحن المؤمنين، و يريد أن يعليَ قدرهم و يريد أن يراهم في الشدائد ماذا يقولون، هناك عطاء كبير، لا يمكن أن يناله المؤمن وهو في الراحة و هو في درب محفوفة بالورود، طريق الإيمان يحتاج إلى بذلٍ و إلى تضحية و إلى صبر و إلى جلَد، هذه قصة.
قصة أخرى من قصص الهجرة ؛ صهيب بن سنان أحدُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أراد الهجرةَ قال له كفَّارُ قريش: أنت يا صهيبُ أتيتنا صعلوكا حقيرا ؛ معنى صعلوك هنا يعني الفقيرَ، كلمة مستعملة في الجاهلية، أتيتنا صعلوكا حقيرا، أي من الطبقة الدنيا في المجتمع، وفقير، فكثُر مالُك عندنا، و بلغتَ الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك،و نسمح لك نحن، لا أنت أصبحت غنيًّا جدًّا اغتنيتَ في بلدنا و تأخذ مالك و ترحل هكذا ببساطة، أنسمح لك بذلك ؟ ثم تريد أن تخرج بمالك و نفسك، و اللهِ لا يكون ذلك أبدا، هذا شيء مستحيل، فقال لهم صهيبُ - اسمعوا كم هي قيمة الدين عند أصحاب رسول الله، كم هي قيمة الإيمان عندهم - قال: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتُخلُّون سبيلي ؟ إن أعطيتكم مالي كلَّه - الآن يقال: تحويشة العمر يقال لك: جمعت قرشين نظيفة، عندي عشر قروش، و هو عنده عشر ملايين، يقول: ورقة، أي مائة ألف، عامود أي مليون - فواحد جمَّع ثروةً لا بأس بها يقول لكفار قريش: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، خذوا كلَّ مالي أتخلُّون سبيلي ؟ تسمحون لي، طيَّب ما بال أناسٍ اليوم يضحُّون بدينهم من أجل دريهمات، يحلف يمينا كاذبا ليربح مائة ليرة و ليربح قطعة قماش، لذلك حينما ترى المسلمين ألف و مائتا مليون و هم يبيعون دينَهم بعرض من الدنيا قليل، هؤلاء لا شأن لهم عند الله، فعلى قدر تضحيتك لك عند الله شأن، لما رأوا المالَ كلَّه قالوا: نعم، قال: فإني جعلتُ لكم مالي كلَّه، هذا الرجل صهيب بن سنان وصل إلى النبيَّ عليه الصلاة و السلام و أبلغه، النبيُّ عليه الصلاة و السلام يُروى أنه بكى، لماذا بكى ؟ أكبر فيه هذا الإيمان، إنسان يضحِّ بكل ماله من أجل إيمانه، و ضحَّ بكل ثروته و بكل ما جمعه من مالٍ من أجل أن ينجوَ إلى رسول الله، و الإنسان أحيانا يلغي درسَ علم لبيعة يربح فيها عشر ليرات، و الله عشرون ليرة، بسبب تافه، هذا الصحابي الجليل ترك مالَه كلَّه على أملِ أن يلتحق برسول الله، النبيُّ الكريم بكى، أنا أرجِّح أنه بكى تقديرا لهذه التضحية، ثم تبسَّم، و قال: ربِح البيعُ أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى، قالها ثلاث مرات، أي ربحت لذلك ما ترك عبدٌ شيئا لله إلا عوَّضه اللهُ خيرًا منه في دينه و دنياه اِسأل نفسَك بماذا ضحَّيتَ ؟ هل ضحَّيت بوقتك و هل ضحَّيت بخبرتك و هل عرضتْ لك امرأةٌ ذاتُ منصب و جمال فقلت: إني أخاف اللهَ رب العالمين، هل عرض لك عملٌ ذو دخل كبير لكن رأيتَه لا يرضي اللهَ فقلت: إني أخاف اللهَ رب العالمين ؟ هل عرض لك رحلة ممتعة جدًّا و لكن لا ترضي اللهَ فقلت: إني أخاف الله رب العالمين،أنت بماذا ضحَّيت و ماذا قدَّمته لله عز وجل، أنفقت كذا و أوقفت مالي على كذا هكذا، ربح البيعُ أبا يحيى، وكان اسمُه أبا يحيى، قال له ثلاثا: ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى.
قصة ثالثة من قصص الهجرة ؛ قال عيَّاش بن أبي ربيعة لما هاجر إلى المدينة خرج إليه أبو جهل بن هشام و أخوه الحارث بن هشام و كان عيَّاشُ أخاهما و ابن عمهما، أخاهما من أبيهما، و كان أصغرَ ولد أمه فأخبراه - الآن أبو جهل سيتآمر على عياش بن أبي ربيعة - أخبراه - أبو جهل و أخوه - أن أمه نذرت أن لا تغسل شعرَها و أن لا يمسَّ الطيبُ رأسها و أن لا تستظلَّ من شمس حتى تراه عائدا لها، هو أزمع أن يهاجر، أبلغاه ؛ أبو جهل و أخوه ؛ أن أم عياش نذرت أن لا تغسل شعرها و أن ينال شعرَها المشطُ و أن لا تستظل من شمسٍ حتى تراه، ثم قالا له: و أنت أحبُّ ولد أمِّنا إليها، و أنت أصغر أولادها، و أحب أولادها إليها، و أنت في دينٍ - انظُروا إلى الذكاء و الخبث - و أنت في دين منه برُّ الوالدين، أحيان أهلُ الدنيا يستغلُّون دينَك، أنت مؤمن هذه ممنوعة في دينك، ألم تقرأ عن برِّ الوالدين ؟ قال له: و أنت في دين منه برُّ الوالدين فارجِع إلى أمك و اعبُد ربَّك في مكة، اعبُده في مكة، كما تعبده في المدينة، فرقَّت نفسُه و صدَّقهما و هي مؤامرةٌ فقال له عمرُ بن الخطاب:يا عياش و اللهِ ما يريدان إلا فتنتك عن دينك فاحذَرهما، فو الله لو قد آذى أمَّك القملُ لا متشطتْ - لا تصدِّق الكلام تتمشَّط - و لو اشتدَّ عليها حرّث الشمس لاستظلَّت، فقال عياش: أبرُّ أمي، و لي مالٌ هناك آخذه، قال عمر: خذ نصفَ مالي و لا تذهب معهما، فأبى إلا أن يخرج معهما، إذا الإنسانُ أراد أن يقدِم على بلاد المشركين و استُنصِح و استنصح إخوانَه فنصحوه، اِبقَ في بلد المسلمين هناك تُفتن في دينك و هناك تبيع دينك بدنياك و هناك تترك الصلاة وهناك ترى ابنتَك تمشي مع رجل شاب في مقتبل الحياة ليس في إمكانك أن تمنعهما، قد ترى ابتنك قد أحبَّت شخصا غيرَ مسلم و قد جاءت معه بعد منتصف الليل ماذا تفعل ؟ أعجبتك البلادُ و نسيتَ مستقبل أسرتك إذا الإنسان قيَّد اللهُ له من ينصحه فلا يركب رأسَه، فسيِّدنا عمر نصحه أول مرة و ثاني مرة و ثالث مرة حتى بذل و قال له: خذ نصف مالي و لا تذهب معهما، قال: فأبى إلا أن يخرج معهما، مالتْ نفسُه أن يعود إلى مكة، قال له عمر: أما إذا أبيتَ إلا ذلك فخذْ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلولٌ، أي سرعتها عاليةٌ فالزَم ظهرَها فإن رابك من أمرهما ريبٌ فانجٌ عليها، إن رأيتَ أنهم قد احتالوا عليك و قد مكروا بك هذه ناقتي نجيبة سريعة فالزم ظهرها، و إياك أن تنزل عنها، إن رابك مت أمرهما شيءٌ فانجُ عليها، و عُد إلينا، فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي و اللهِ لقد استغلظتُ بعيري هذه، أي بعيري حرونٌ أفلا تعقبني - و معنى تعقبني، أي أتناوب أنا وإياك على بعيرك، مرة أنت و مرة أنا - قال: بلى فأناخ بعيرَه و أناخا ليتحول عليهما،و ليتبادلوا فلما استووا بالأرض عدوَا عليه و أوثقاه بالحبال و جلداه نحو من مائة جلدة ثم دخلا به مكة موثقا في ضوء النهار و قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا، نصحه سيِّدنا عمر، قال له: خذ نصف مالي، و قال له: الزم طهر هذه الناقة إن رابك من أمرهما شيء فانجُ عليها، أحيانا تأتي النصيحة كأنها من عند الله عز وجل، إذا أنت صادق في شيء و سألت إنسانا تثق بعلمه و إخلاصه و فهمه للشرع فإذا نصحك فاقبل نصيحته.
يُروى أن رجلا له جارٌ عالِم أقدم على عمل تجاري لا يرضي اللهَ عز وجل، أي تجارة محرَّمة فهذا الجار العالم نصحه كثيرا فأبى إلا أن يقدم على هذا المشروع، بعد سنوات وافته المنيةُ، و مات على معصية رُئِيَ في المنام يرتدي ثيابا خشِنة، أي كيس خيش، فتح طرفاه و اخرج منهما يديه، و على خصره حبلٌ خشن يدور حول بحرة و يقول: فلا نصحني و ما انتصحتُ، يا ليتني انتصحتُ، إذا نصحتكم فاقبلوا النصيحة، النصيحة أحيانا ثمينة جدًّا، انظُر إلى النصيحة، أخذا ناقته و قيَّداه و منعاه من الهجرة، فالإنسان دائما يستنصح من يثق بعلمه و خبرته، و من يثق بدينه و إخلاصه، و النبيُّ علَّمنا الاستخارة و الاستشارة، الاستخارة لله عز وجل و الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، دائما، أنا لا أنسى أن أحد أخوتي الأكارم قلتُ له: اِسأل أهل هذه السوق عن هذه المصلحة، جيِّدة، قال لي: سألتُهم واحدا واحدا كلُّهم أجمعوا على أن هذه المصلحة سيِّئة جدًّا، و باللغة الدارجة فاقورة، و كاسدة و لها مشاكل، و اللهِ ما أعجبتني هذه الأجوبة، قلت له اسألْ فلانا، أعرف رجلا مؤمنا في المصلحة، فذهب إليه و قال له كلاما على عكس كلامهم، قال له: و اللهِ مصلحة جيِّدة جدًّا و رائجة و بيعها محقَّق و ربحها وفير، المؤمن نصوح، إذا الواحد اسمه نصوح فلا يغشَّ الناسَ، يتمثَّل باسمه، الأنبياء كانوا نصحةً، المؤمنون نصحةٌ و اللهِ إذا قال لك واحدٌ: انصحْني، و أنت بائع شهد اللهُ لو وجَّهتَه توجيها خلاف مصلحته خُنتَ اللهَ و رسوله، قال لك: انصحني، إن كنت طبيبا و إن كنت محاميا وإن كنت بائعا و إن كنت تاجرا، قال لك انصحني، و اللهِ لو تعرف معنى انصحني صار اللهُ وكيلَه، صار اللهُ عز وجل خالقُ الكون وكيلا له، تفضَّل فانصحه، لون كاسد تقول له: هذا أحسن لون، البضاعة، هذا المؤمن نصوح يفضِّل كسادَ بضاعته وأن يرى بضاعته للسقف في المستودعات و أن لا يغشَّ بها مؤمنا، أما إذا ذكر عيبَها فلا شيء في ذلك، و إن كان أعطاها سعرا مناسبا و ذكر العيبَ هذا عمل طيِّبٌ، قال لي أحد إخواننا يبيع قطعا قال: طُلِب مني قطعة صعدتُ إلى السُّلم لآخذها من على الرَّفِّ، و أنا في أعلى درجة قال لي الزَّبونُ: أصلية، قلتُ لا و الله ليست أصلية، قال: هاتها، كلمة هاتها و كلمة ليست أصلية أصبح البيعُ مشروعا تماما كثيرا هناك بضاعة مقلَّدة، تقول له: هذه أصلية و ليست أصلية، فأنت تكلَّم الحقيقةَ و لا تخشى في الله لومة لائمٍ، لا تصدِّق قول التُّجار: إذا ما كذبنا لا نربح، هذا كلام الشيطان، و أنت في الصدق تربح أرباحا جيِّدة، كن صادقا و عامل ربَّك عز وجل.
من قصص الهجرة سيِّدنا عمر ؛ قال: أما عمرُ بن الخطاب، هذا الموضوع دقيق جدًّا، تسأل أنه سؤال مهمٌّ، يا تُرى أيُعقل أن يكون عمر أشجعَ من رسول الله ؟ و اللهِ مستحيلٌ، تكلَّمت عن هذا في الخطبة مستحيل، سيدنا رسول الله استخفى و هيِّأ راحلةً و هيَّأ خبيرا للطريق وضع عليَّ بن أبي طالب سجَّاه في سريره و ألبسه بردَته و خرج من خوخة بيته، و توجَّها إلى غار ثورٍ، في جنوب مكة، على عكس طريق المدينة، و كلف إنسانا لتقصِّي الأخبار و إنسانا لمحو الآثار و إنسانا لتأمين الزاد، أي رسم خطَّةً دقيقة جدًّا و محكمة، و سيدنا عمر ماذا فعل ؟ قال: رُوِي عن على بن أبي طالب أنه قال: ما علمتُ أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفياً إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّد سيفَه و تنكَّب قوسَ - ومعنى تنكَّب وضعه على منكبه - و انتضى في يده أسهمًا - الجعبة للسهام - و اختصر عنزتَه - معه حربة صغيرة وضعها على خاصرته- و على كتفه قوس و في يديه السهام و وضع السيف على جنبه الآخر، و مضى قِبَل الكعبة، ذهب إلى الكعبة و الملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا ثم أتى المقامَ فصلَّى ركعتين ثم وقف على الحلَق" - الحلق جمع حلقة و هي الجماعة متحلِّقون حول بعضهم بعضا، حِلق الذكر، طبعا كفار قريش في فناء الكعبة حلقا حلقا، و جماعات جماعات - وقف على الحلق واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوهُ، لا يُرغِم اللهُ إلا هذه المعاطسَ أي أذلَّكم اللهُ، شاهت وجوهكم - هكذا قال - من أراد أن تثكله أمُّه أو يُوَتِّم ولدَه أو تُرمَّل زوجتُه فلْيَلْقني وراء هذا الوادي - تفضَّل، فقال عليٌّ: فما تابعه أحدٌ، ثم مضى لوجهه "، سيدنا عمر هذا تصرُّف شخصي و اختار هذا الطريق، فلو قُتل كان دفع الثمن، نجا يعني الله عز وجل كتب اللهُ له النجاةَ، أما سيدنا النبي مشرِّع، أنا لستُ مضطرا أن أقتديَ بعمر، مع أني أكبِر شجاعته و أكبر بطولته، و لكنه ملزَم من عند الله عز وجل أن أتَّبع النبيَّ، النبيُّ أخذ بالأسباب، لو كان عمرُ مشرِّعا لكان اقتحامُ الأخطار واجبا و لكان أخذُ الحيطة حراما، و لكان إلقاءُ النفس في المهالك سنة، عندئذ تهلك أمَّتُه، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام كما يروي سيدُنا علي: كنا إذا احمرَّت الحِدقُ و حميَ الوطيسُ لُذنا برسول الله، فلم يكن أقربَ إلى العدوَّ منه، مرة سمع أهلُ المدينة جلبةً و ضجيجا فظنوا أن غزوا قد قدم المدينة، فخرجوا من بيوتهم حذرين خائفين فإذا بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام قد سبقهم إلى موطن الخطر وعاد يطمئنهم، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ ))
[رواه البخاري]
سبقهم و عاد يطمئنهم، كان عليه الصلاة و السلام أشجع الناس، و بالمناسبة كما قال حسَّان بن ثابت رضي اله عنه:

و أجمل منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلِد النسـاءُ
خُلِقتَ مبرَّأً من كل عيــب كأنك قد خلقتَ كما تشـاءُ
***
و مع ذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام مشرِّع، و مادام مشرِّعا علَّمنا أن نأخذ بالأسباب و أن نكثر الحيطة و أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة و أن نعِدَّ لكل احتمال ما يغطِّيه، و أن نغطِّيَ كلَّ الثغرات و، بعد ذلك نتوكَّل على ربِّ الأرباب.
قد يسأل سائلٌ، النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما أخذ كلَّ هذه الاحتياطات في الهجرة، لماذا أخذ بها ؟ هل أخذ بها عن خوف ؟ لا و اللهِ، أخذ بها تطبيقا لتوجيهات الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)﴾
[سورة الكهف]
و الدليل، لو أن النبي عليه الصلاة و السلام أخذ بكل هذه الاحتياطات، لو أنه أخذ بها عن خوف حينما فوجِئ بأن كفار قريش وصلوا إلى غار ثور و لو نظر أحدُهم إلى موطن قدمه لرآنا، يجب أن ينهار النبيُّ، كلُّ هذه الخطَّة و كلّ هذا الإحكام و كلُّ هذا الإعداد و كلُّ هذا الاحتياط انكشف النبيُّ عليه الصلاة و السلام، لأنه أخذ بالأسباب تطبيقا لأمر الله عز وجل، أما اعتمادُه على ربِّ الأرباب، قال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال:
((يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟))
هذه الكلمة اترُكها في بالك، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، أيَّة قوة في الأرض تجرؤ على أن تمدَّ يدَها إليك، أيَّة قوة في الأرض مهما كبُرت في الأرض مهما كبرت، و إذا كان الله عليك فمن معك زوجتك أقرب الناس إليك تعاملك أقسى معاملة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)﴾
[سورة الحج]
فلذلك دائما اعتمِد على الله عز وجل، دائما ثق بالله، دائما قل كما قال صاحبُ هذا المقام:

كن مع الله ترَ اللهَ معك و اترُك الكلَّ وحاذِرْ طمعَك
و إذا أعطاك من يمـنعك ثم من يعطي إذا ما منعـك
كيف شاء فكن في يــده لك إن فرَّق أو جمــعـك
في الورى إن شاء خفضا ذقته، و إذا شاء عليهم رفعك
***
هكذا، إذًا سيدنا عمر مثَّل شخصَه حينما هاجر، أما النبيُّ عليه الصلاة و السلام مشرِّع، هكذا علَّمنا، علَّمنا أن نأخذ بالأسباب، و لكن الصحابة الكرام أنواع، أي موقفه رائع جدًّا، يثلِج القلبَ، و ينتشي الإنسانُ له، من أراد أن تثكله أمُّه أو أن يوتِّم -أن يجعل ولده يتيما - أو أن تُرمَّل زوجتُه فلْيَلقني وراء هذا الوادي، قال عليٌّ: فما تبعه أحدٌ، ثم مضى لوجهه.
الحقيقة بعد الهجرة، بيوت في مكة أصبحت فارغة، و صار فيها أزمة سكن معكوسة، بيوت كثيرة أصبحت فارغة، و ذكر ابنُ إسحاق أن عتبة بن ربيعة و العباس بن عبد المطَّلب و أبا جهل بن هشام مرُّوا و هم مصعِدون إلى أعلى مكة بدار بني جحش، فنظر إليها عتبةُ تخفِق أبوابُها يباباً ليس فيها ساكنٌ، فلما رآها كذلك تنفَّس الصُّعداءَ و قال:

و كلُّ دارٍ و إن طالتْ سلامتُها يوما ستدركها النَّكباءُ و الحوب
***

و هناك بيتان من الشعر على شاكلة هذا البيت: كلُّ ابنِ أنثى وإن طالت سلامت ُه يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ
فإذا حملتَ إلى القبورِ جنازةً فاعلم أنك بعدها محــمولُ
***
تجد بيتا عامرةً، الحفلات و التزيينات و السهرات و أصوات و الضحك و الولائم، يموت صاحبُ البيت، يختلف الأولادُ فيأخذونها للبيع، تجد محلاًّ فخما جدًّا عرض للبيع، هكذا، الناسُ خلائف، قال تعالى:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾
[سورة الرحمن]
هذا أحد الشعراء زار قصرَ كسرى بن شروان يصفه وصفا رقيقا جدًّا أي شاهد هذه الدار و كيف كانت عامرةً بكسرى و حوله الحشودُ و الحاشية و الولائم، كيف أصبحت دارا خربةً ماذا قال عندها، قال أبو جهل: أصبحت دارُ بني جحشٍ خلاءً من أهلها قال أبو جهل و هو يشير إلى العبَّاس عمِّ رسول الله، قال: هذا عملُ ابن أخي هذا، هذا عمل ابن أخيك، فرَّق جماعتنا و شتَّت أمكرنا و قطَّع بيننا.
و الحقيقة أنه لولا أنه جاء النبيُّ عليه الصلاة و السلام بهذه الدعوة لما كنا نحن الآن مسلمين، و لما عرفنا ربَّنا سبحانه و تعالى، لو أن الإنسانَ طبَّق أمرَ الله عز وجل، ما كان هناك وئامُ و ما كان اختلاط و ما كان فيه مرح، و ما كان فيه سهرات مختلطة، بعد ما هذا الشاب آمن و استقام على أمر الله، لم يعُد عنده اختلاط، فيأتي الأهلُ، ما كنا هكذا كنا مؤتلفين و كنا مبسوطين و كنا مع بعضنا و أنت فرَّقت العائلةَ عملتَ لنا نساء و رجالا، و لبَّكتنا، و سفرتين في رمضان، ما هذا الدين الذي معك، و من أين أتيت به ؟ يعيشها كلُّ شابٍ مؤمن إذا أراد أن يطبِّق دينَه، فلو أن هناك سهرات و فيه فرح و فيه مرح و فيه احتفالات، طبعا التقوى أقوى، و العاقبة للمتقين، و شرعُ الله أحقُّ أن يُطبَّق، وما زال المسلمون يتلاحقون بالمدينة حتى لم يبق بمكة إلا رسول الله و أبو بكر و علي، و إلا من اعتُقل مكرها، اعتُقل اعتقالا مكرها، من مفتون أو محبوس أو مريض أو ضعيف، و هم المستضعفون الذين قال الله فيهم:

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99)﴾
[سورة النساء]
طبعا إن شاء الله في درس قادم نتحدَّث عن هجرة النبي صلى الله عليه و سلم.
ومرة ثانية أقول لكم، واللهِ في سيرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام من الدروس و العبر و من الدلائل ما لو طبَّقنا هذه السنة في حياتنا لسعَِدنا و أسعدنا، القضية ليست قصة، العملُ أخطر بكثير من قصة، أكبر من قصة، أكبر من سيرة، العمل أنك أمام إنسان كامل، و كلُّ أفعاله تشريع، و كلُّ أفعاله نصائح و كلُّ أفعاله إضاءة لطريقك المعتِم، فنحن إن شاء الله إذا تابعنا سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم، القصد أن نستنبط الدلائل و العبر، و البطولة أن نطبِّقها في حياتنا، و البطولة أيضا أن ترى هؤلاء الأصحاب الكرام كيف بذلوا، و كيف ضحُّوا، و كيف ضحُّوا بالغالي و الرخيص، و النفس و النفيس من أجل دينهم البطولة أن تكون قويا في دينك، و أن تضحِّيَ بكلِّ شيء إلا دينك إلا صلتك بالله عز وجل.
أرجو اللهَ عز وجل أن يوفِّقنا لمتابعة سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لا يزال درسُ الأحد درس حديث شريف، و لأن السنة هي الأقوال و الأفعال و الإقرار، أمضينا سنوات طويلة في الأقوال، و هانحن الآن في الأفعال، السيرة النبوية أفعال النبي عليه الصلاة و السلام.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:22 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 007: الهجرة (2)- هجرة النبي صلى الله عليه وسلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-07-21
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقا و رزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
لا زلنا في موضوع السيرة، و لا بدَّ من أن يكون واضحا في أذهانكم أن سيرة النبي صلى الله عليه و سلم ليست أحداثا وقعت من دون أن نستنبط منها الدلالات و العبر، ليس القصدُ أن نروي الأحداثَ، و ليس الدرسُ درسَ تاريخ، و لا درس قصص،و لكن درس تشريع و تعليم، فكل موقفٍ وكلُّ حدثٍ وكل تصرُّف و كلُّ قضاء قضاه اللهُ عز وجل لنبيِّه و لأصحابه فهو له معنى كبيراً يلقي ضوءا في حياتنا اليومية.
كلُّكم يعلم أن أصحاب النبيِّ رضوان الله عليهم هاجروا بأمر النبيِّ عليه الصلاة و السلام إلى المدينة، و حينما شعرت قريشٌ أن عدد الصحابة الذين غادروا و التجئوا إلى المدينة ورأوا في إخوانهم الأنصار أنصارا و إخوانا قاسموهم أموالهم ومساكنهم و أعمالهم و أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام إذا انتقل إليهم أصبح في منعة و في قوة،و ربما توجَّه إلى قريش فأقلقها و أقضَّ مضاجعها، حينما أدركت قريش أن هجرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام ستكون حاسمةً في تأسيس كيان إسلامي مستقلٍّ بإمكانه أن يتحرَّك و يقلق مضاجع الكفار، عندئذٍ تحرَّكت قريش.
روى ابنُ إسحاق: و لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم له شيعةٌ و أصحابٌ من غير بلدهم و رأوا خروجَ أصحابه إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا و أصابوا منهم منَعةً فحذروا خروجَ النبي صلى الله عليه وسلم، و عرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون ما يصنعون في أمر النبيِّ عليه الصلاة و السلام حينما خافوه، ما الذي جرى في دار الندوة ؟ دارُ الندوة دار يعقد فيها زعماءُ قريش اجتماعات تشاور، و لا يقطعون أمرا إلا عن تشاور فيما بينهم وما جرى من نقاش و ما جرى من تشاور في دار الندوة، قال بعضهم: نحبس محمدا في الحديد و نغلِّق عليه الأبوابَ و نتربَّص به كغيره من الشعراء، ظنوه شاعرا، و لكنَّ هذا الرأي لم يلقَ استجابة من الحاضرين، طُرِح رأيٌ آخر، يخرجونه من ديارهم، ثم يتركونه يذهب حيث يشاء، و لكن هذا الرأي أيضا لم يلق استجابةً لأنهم خافوا حلاوةَ منطق النبيِّ، و سحرَ بيانه و قدرته على اجتذاب الناس، خافوا أن يجتمع الناسُ حوله فيصبح قوة كبيرة، إذًا رفضوا أن يحبسوه و رفضوا أن يخرجوه، بقيَ حلٌّ ثالث وهو أن يقتلوه، حينما اتَّفقوا على أن يقتلوه ولكن القتل له في الجزيرة العربية مضاعفاتٌ كثيرة، إن الأخذ بالثأر و إن العصبيات القبلية و أن بني عبد مناف كانوا من أعزِّ قبائل قريش و أن هؤلاء لن يدعوا أحدا يقتل محمدا و ينجو بدمه، إذًا ما العمل ؟ اتَّفقوا على أن يقتلوه بطريقة مأمونة، ذلك أن يختاروا من كل قبيلة فتى جلْدا شجاعا ثم يذهب إليه فضربوه جميعا بسيوفهم، و إذًا لا يستطيع بنو هاشم أن يقاتلوا العرب جميعا، عندئذٍ يرضون بالدية و يضيع دمُه بين القبائل جميعا.
الآن دقِّقوا ؛ ربُّنا عز وجل قال:
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾
[سورة إبراهيم]
تصوَّر إنسانا قويًّا جدًّ عنده موظَّف ضعيف جدًّا، هذا الموظف ائتمر مع بعض الموظفين على الكيد لهذا المدير أو لصاحب هذه المؤسسة، فاجتمع سرًّا و تداول و خطَّط و كتب و سمى و برمج، هذه الورقة التي كتب عليها خطَّته كانت بعد دقائق عند صاحب المؤسسة،

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾
[سورة إبراهيم]
الآن هناك نقطة مهمة جدا ؛ هذه النقطة هو أن الله يعلم كل شيء معكم أينما كنتم، يعلم سركم و جهركم، يعلم الجهر و يعلم ما تخفي و ما تعلن، يعلم السرَّ و أخفى، ما خفي عنك يعلمه، فإذا كنت معه و أراد خصومُك أن يكيدوا لك أو أن يأتمروا عليك أو أن يخطِّطوا لإيقاع الأذى بك، يجب أن تعلم أن الله عز وجل يعلم كلَّ مكرهم، و أن مكرهم عند الله، معنى عنده، أي عليم به قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
[سورة إبراهيم]
مكرٌ عظيم و ربُّنا عز وجل يبيِّن حجم هذا المكرَ، عِظم هذا المكر، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
[سورة إبراهيم]
و مع ذلك:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾
[سورة إبراهيم]
كلُّ هذه الخطة وكل هذا التشاور و كل هذا التآمر،و كل هذا الإعداد و كل هذا الترتيب في لمح البصر كان عند صاحب المؤسسة، وهو القوي أما ربُّنا عز وجل، و لله المثل الأعلى وهو يفكر، تفكيره مكشوف وهو يخطِّط تخطيطه مكشوف، وهو يطمح، طموحه مكشوف، وهو يتمنى تمنِّياته مكشوفة، وهو يصارع نفسه و هواه، صراعه مكشوف فإذا كنت مع الله عز وجل فإن الله مطَّلع على كل خصومك، عندئذ من توفيق الله، عندئذٍ من توفيق الله أنه يلهمك الخطة التي تبطل بها كيد خصومك، هؤلاء الذين بعضهم قال: نحبسه و بعضهم قال نخرجه وبعضهم قال نقتله، و بعضهم قال: نقتله بطريقة مأمونة، ننتخب من كل قبيلة فتى جلدا يضربونه ضربة واحدة يضيع دمُه بين القبائل، هؤلاء الذين فكَّروا و خطَّطوا و ائتمروا و فعلوا و دبَّروا غاب عنهم أن اله بيده كل شيء، و هو مع كل شيء، و لا يعجزه شيء، و قد مرَّ بنا في اسم العزيز أن من معاني العزيز أنه يحتاجه كلُّ شيء في كل شيء فحتى هؤلاء الذين ائتمروا على النبي عليه الصلاة و السلام حياتهم بيد الله عز وجل، لذلك إذا كنت مع الله فأنت أقوى مخلوق، لأن خصومك مهما كانوا أقوياء هم ف قبضة الله أولاً، و في علم الله، و تحرُّكهم بقوة الله، في أيِّة لحظة اللهُ سبحانه و تعالى قادر أن يشلَّهم و قادر أن يمنعهم،و قادر أن يحبط عملَهم، لذلك هذه السيرة ليست قصة تُروى و لكن أحداث لها دلالات و لها عبر و لها مغزى عميق، أنت بعد ألفٍ و خمسمائة عام، إذا كنت مع الله عز وجل من هو خصمُك ؟ أيستطيع أحدٌ في الكون أن ينالك بأذى إلا أن يشاء اللهُ، إلا أن يأذن الله، و إلا أن يسمح الله له بذلك، من هنا قال عليه الصلاة و السلام:
((لا يخافن العبد إلا ذنبه و لا يرجون إلا ربه))
قال: أوحى اللهُ للنبي عليه الصلاة و السلام بما دبَّروا له، المؤامرة متى تنتهي ؟ إذا كُشِفت، قوتها في خفائها، و ضعفها في انكشافها، فما دام الله يعلم السرَّ و أخفى، فكل هذا التخطيط اللهُ معهم، و هو معكم أينما كنتم، علِم ما ائتمروا بع و أبلغ النبّض عليه الصلاة و السلام، و انتهى الأمرُ، أنت كمؤمن ما علاقتك بهذا الموضوع ؟ إذا أطعت اللهَ عز وجل قد يبدو لك من القواعد المستنبطة من الحياة أن خصومك سوف يوقعون بك الأذى، إذا وقعت في صراع بين أن تطيع اللهَ و بين أن ترضيَ من هم فوقك، وهذا الصراع يقع دائما، و ربنا عز وجل لحكمة يريدها، يضع المؤمنَ في مكان صعبٍ أحيانا، منطق الأحداث و القواعد المستنبطة من علاقات الناس بعضهم ببعض تنبئك أنك إذا أغضبتَ فلانا فسوف يوقع بك الأذى الشديد، و أمرُ الله عز وجل يتناقض مع توجيه فلان، فهذا درسٌ لنا جميعا، إذا جاءك توجيهٌ أو جاءك ضغطٌ أو جاءك إغراءٌ من إنسان لا يعرف اللهَ عز وجل و أنت تعتقد أنه قويٌّ و بإمكانه أن يفعل بك ما يفعل، و أمرُ الله عز وجل إذا فعلتَه بحسب المظاهر و بحسب القواعد المستنبطة من منطق الأحداث ربَّما أوقع بك الأذى الشديد، أنت إذا أطعت الله عز وجل واعتمدت عليه و توكَّلتَ عليه ما الذي يحدث ؟ أن كلَّ كيدٍ يُكادُ لك في علم الله عز وجل، و أن الله يلهمك المواقف التي تحبط بها كيدهم و أنت لا تدري، هذا هو توفيق الله عز وجل.
إذًا أنا أتمنى عليكم لا أن تكون هذه الأحداثُ قصصا ممتعة تُروى أو قصصا نتبارك بها، بأنها قصة نبيِّنا عليه الصلاة و السلام لا الأمر أخطر بكثير، هذا الذي جاء في السيرة درسٌ تطبيقٌ للقرآن الكريم، أي السيرة، ألم تقل السيدة عائشة:عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

((َ فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ))
[رواه البخاري]
إذًا القرآنُ متلوٌّ و مشاهد، مشاهد في سيرة النبيِّ، لذلك قال بعضُهم تجوُّزا: النبيُّ عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي، فكلُّ آيات القرآن و كل قوانين القرآن و كل سنن القرآن متمثِّلة في سيرة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، إذًا نحن أول استنباط من هذا الموقف، كفار قريش و زعماء قريش، الرجال الأقوياء الذين أمرهم نافذٌ في بلدهم، بل و في الجزيرة العربية اجتمعوا و قرَّروا و أخذوا احتياطات ودبَّروا و ائتمروا، قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16)﴾
[سورة الطارق]
وشتان بين كيد البشر و بين كيد خالق البشر، و شتان بين كيد المخلوق و كيد الخالق، و شتان بين كيد الضعيف و بين كيد القوي، شتان بين كيد الجاهل و بين كيد العالِم، شتان بين كيد الحادث و بين كيد القدير فإذا كنت مع الله كان الله معك، كان اللهُ معك، و إذا كان اللهُ معك فمن عليك و إذا كان الله عليك فمن معك، هذا درسٌ يجب أن تطبِّقه كلَّ يوم اشعُر دائما أنك إذا وقعت في ظرفٍ حرج بين أن تطيع الله عز وجل، و تغضب زيدا و يحنق عليك زيدٌ و يتوعَّدك زيد و يلوِّح لك زيد بما عنده من عقوبات، إذا وقعت في ظرف حرج بين أن تطيع الله عز وجل وأن تغضب مخلوقا أو أن تطيع مخلوقا و تغضب خالقا، فاعلم علمَ اليقين أنك إذا أطعتَ الله عز وجل منعك من خصومك، لأنهم في قبضته، و حركاتهم في علمه، و كيدهم عنده، ممكن أن تكتب على ورقة شيئا بعد فترة بسيطة يصل إلى خصمك ما في الورقة، أما وأنت تكتب هي عنده فوق طاقة البشر، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾
[سورة إبراهيم]
أي وهم يمكرون مكرهم عند الله عز وجل، هذا شيء فوق طاقة البشر هناك آية ثانية دقيقة جدا، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
[سورة الزخرف]
أنتم هكذا خطَّطتم و هكذا قرَّرتم، و هكذا أجمعتم على قتله، و أن يقتله فتيان من كل قبيلة، و أن يضيع دمُه بين كل القبائل، و أن تعجز بنو مناف عن الأخذ بالثأر من كل هؤلاء جميعا، إذا يضيع دمُه و يقبلون الدية، هكذا خطَّطتم، و هكذا أبرمتم، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
[سورة الزخرف]
و نحن قرَّرنا أيضا، قرَّرنا أن ننجِّيَّه و نجعله سيِّد البلاد و العباد و أن يأتي إلى بلدكم فاتحا و أن تكونوا جميعا رهن إشارة منه، لو أشار إشارةً لقُتلتم جميعا، و أن يقول لكم: ما تظنون أنيب فاعل بكم ؟ يقولون أخ كريم و ابن أخ كريم، فيقول عليه الصلاة و السلام:
((اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
أنتم هكذا أبرمتم ونحن هكذا أبرمنا، فالبطل هو الذي مع الله دائما، لأن أمر الله هو النافذ، يا فلان و يا شيبة بن ربيعة و يا عتبة و يا أمية بن خلف ؛ خاطبهم في بدر واحدا واحدا، أوجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا، لقد أخرجتموني و آواني الناسُ خذلتموني و نصرني الناسُ، قالوا أتخاطب قوما جيَّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إذًا أن تكون مع الحق دائما، الحق هو المنتصر هو الأبدي السرمدي، أنا تأثرتُ أنهم اتَّفقوا، نحبسه، لا، قد يأتي أصحابُه فيأخذونه من حبسه، نقتله، مشكلة، نطلقه مشكلة، إذًا يجب أن نقتله بطريقة مأمونة، قال تعالى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
[سورة الزخرف]
فإذا كنت مع الواحد الديَّان، و إذا كنت أنت من حزب الله قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)﴾
[سورة المائدة]
إذا كنت وليًّا لله، قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾
[سورة يونس]
هنا البطولة، أن تعرف مع من تقف، أن تعرف مع من تناصر، أن تعرف من هو الأقوى، الإنسان الذكي إذا وجد جهتين إذا كان يحبُّ ذاتَه و لا يعلِّق أهمِّية على صحة المبادئ يرى أيُّهما أرجح كفَّة و أيهما أقوى ينحاز له لضمان مستقبله، أنت يجب أن تؤمن أنك إذا كنت مع الله فأنت أقوى إنسان، و هكذا قيل: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، و إذا أردت أن تكون أكرمَ الناس فاتَّقِ الله، و إذا أردت أن تكون أغنى الناس، فكن بما في يدي الله أوثقُ منك بما في يديك، طبعا هذا الاجتماع الخطير الذي ائتمرت فيه قريش على قتل النبيِّ بشكلٍ يسير بُلِّغ للنبيِّ عن طريق الوحي، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام وضع خطَّة بإلهام من الله عز وجل للردِّ على هذه المؤامرة على قتله.
أوَّلاً: أوحى إلى ابن عمِّه - القضية قضية ساعات، و الموضوع كلُّ أصحابه أصبحوا في المدينة،و الأنصار وقفوا موقفا مشرِّفا وهو ينتظرون النبيَّ، فصار هناك أرضٌ، و صار فيه كيان و صار فيه قوة و صار فيه خطر، فقريش معها ورقة رابحة باللغة الحديثة، هو النبيُّ فإذا قتلته انتهت الدعوةُ، فإذا أُفلِت من بين يديها انتهت قريش، فالقضية قضية مصيرية، فاجتمعت و قرَّرت و النبيُّ عليه الصلاة و السلام تلقَّى وحيا من الله عز وجل بما دار في دار الندوة، ووضع خطَّة محكمة بمعونة الله عز وجل و اتِّكالا عليه و ثقة بنصره، و ثقة بأنه معصوم من أن يُقتل، و بأنه نبيُّ هذه الأمة، ونفَّذ الخطة، أنت كمؤمن، و المؤمن لا يأتيه الوحيُ، الوحي انتهى قولا واحدا، طبعا بالمناسبة أنواع،قال تعالى:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾
[سورة الزلزلة]
هذا وحي الأمر للجمادات، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)﴾
[سورة النحل]
هذا وحي الغريزة للحيوانات، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
[سورة القصص]
هذا وحي الإلهام، وقال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾
[سورة يوسف]
هذا وحي رسالة، فوحي الرسالة انتهى، لكن يمكن أن يأتي إلهانٌ من الله عز وجل، يكون لك خصمٌ دبَّر لك شيئا، فربُّنا عز وجل علِم هذا الشيء فألهمك أن تتَّجه إلى هذا المكان بدلا من هذا المكان، هذا الشيء يقع كلَّ يوم، إذًا علاقة المؤمن بهذه القصة أنك إذا كنت مع الله عز وجل ألهمك الطريق المناسب، و ألهمك الطريق السليم، ألهمك الطريق الذي ينجِّيك من خصومك، ألهمك تصرُّفا و أو موقفا تحبط به مؤامرة خصومك، طبعا لا يوجد إنسان ليس له أعداء، و العداء بين الحق و الباطل قديم و مستمر، فإذا كنت مع الله عز وجل و كان لك خصومك كأن الله عز وجل يلهمك أن تفعل كذا و أن تقول كذا أو أن تمتنع عن الذهاب إلى هذا المكان، أن تذهب إلى هذا المكان، أن تخاطب فلانا و أن تصاحب فلانا، هذا إلهامات هي ثمن و جزاء استقامتك و اعتمادك و اتِّكالك و اعتزازك و طاعتك، و الحقيقة أنك بين إلهام و بين وسوسة فإما أن تتحرَّك بوسوسة الشيطان، و الدعاء الشهير: اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم..." أحيانا الإنسان يفكروا يفكر و يفكر، يخطِّط و يجمع و يطرح و يقسم و يضرب، و يأخذ رأي أصدقاءه ويعمل عملا يكون فيه أجلُه و يكون فيه إفلاسه، و يكون فيه تدميرُه، العاصي يتحرك بوساوس الشيطان، أما المؤمن نظير استقامته و طاعته لله و محبّته لله و اعتماده عليه و توكُّله عليه، يتحرَّك بإلهام من الله عز وجل يلهمه، و القصص على هذا أكثر من أن تُحصى و المؤمن - و أنا واثق بكلامي - المؤمن يشعر أن قوة خفيَّة تدفعه أن يفعل كذا، أو أن يغيِّر اتِّجاهه أو أن يفعل كذا أو أن يقول كذا أو أن يقف هذا الموقف، في النهاية يرى أن هذه المواقف نجَّته من ملمَّة كبيرة،قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور]
و هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
[سورة الأنفال]
قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾
[سورة البقرة]
قال تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)﴾
[سورة التوبة]
و معية الله عز وجل الحفظ و التأييد و النصر و الرعاية.
هذا أولُ درس، مستقيم مهما كان خصمُك قويًّا، حركته بعلم الله و بقبضة الله، بعلم الله و بقبضته، فيلهمك التَّحرُك المناسب لإحباط خطة خصمك، هذا ملخَّص الملخَّص، إذا كنت مستقيما ألهمك الله حركة خاصة تكتشف بعد حين أن هذه الحركة أحبطت خطَّة خصمك، أحيانا يكون موظَّف مؤمن مثلا، مستقيم و دخله حلال أربك الآخرين باستقامته أربك الآخرين، وكشفهم، فيأتمرون عليه،و يلقون عليه بتهمٍ باطلة، و يوّشُون به عند رؤسائهم، و يجعلون من هم فوقه يحنقون عليه هو لا أقول ساذج، و المؤمن ليس ساذجا، المؤمن كيِّس فطِن حذِر لكن باللغة الدراجة " يا غافلا لك الله " هو مستسلم لله عز وجل، و طبَّق شرع الله و ما قبِل الحرام، فتجد ما الذي يحصل، أن كل كيد خصومه عند رؤسائه، ينفضح و ينكشف و تعود الدائرة عليهم، و يزداد قوةً في عمله.
الآن الفكرة أنا أعلِّق عليها أهميَّة كبيرة، نحن عندنا شيء اسمه منطق الأحداث، هناك مراكز قوى في الحياة، فلان قوي و فلان ضعيف، و فلان غنيٌّ و فلان فقير، و فلان يستطيع أن يؤذي و فلان لا يستطيع أن يؤذي، عندنا منطق أحداث، هذا المنطق إذا أنت آثرت طاعة الله عز وجل يتعطَّل، مثلا، جاءك ضغطٌ معيَّن إن لم تفعل كذا تخسر عملك وهذا الفعل يغضب اللهَ عز وجل، لا أفعل و ليكن ما يكون، بمنطق الأحداث يجب أن تخسر عملك، بمنطق الرحمن تزداد قوة في عمل، و يعلو شأنُك و تُمنح ثقة لا حدود لها، و ينقلب خصومُك صغارا مكشوفين يظهر حقدُهم وحسدُهم، و تنكشف مكيدتهم، فإياك أن تستسلم لمنطق الأحداث، استسلم لمنطق القرآن، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
[سورة النحل]
و قال تعالى:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
[سورة المائدة]
إذًا هذا أول درس زعماء قريش اتَّفقوا و اجتمعوا و وضعوا خطة محكمة دقيقة، أبلغها اللهُ للنبي و ألهمه خطةً أحبط بها خطَّتهم، -ماذا فعل النبيُّ، قال أوحى إلى ابن عمِّه عليٍّ رضي الله عنه أن يبيت في فراشه تلك الليلة،و أخبره بما كان من عزمه على الهجرة، و أمره أن يتخلَّف عنه حتى يؤدِّيَ ما عنده من الودائع إلى أصحابها، و كان صلى الله عليه و سلم موضعَ ثقة من أهل مكة جميعا، فكانوا يحفظون عنده أماناتهم وودائعهم، ماذا نستنتج ؟ أنا لا تهمُّني الأحداثُ......رأوه على السرير في الفراش، اطمأنوا و ألبسه برده الأخضر، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم و لو يروه، أنا مؤمن إيمانا بكل خلية من خلاياي أن كل مخلوق أمامك قد يراك و قد لا يراك، أحيانا يكون الشيءُ معقَّدا جدًّا تجد هذا الموظَّف ببساطة وافق لك، ببساطة عجيبة جدا،ممكن يسبب لك متاعب لا تنتهي، فهذا الموظف ملهَم من الله عز وجل، إنما ربُّنا يوجِّهه توجيها بالتدقيق أو بالتساهل، فهؤلاء الذين وقفوا على باب بيت النبي عليه الصلاة و السلام وهو يتربَّصون به ليقتلوه و أيديهم على سيوفهم، كيف خرج من بينهم و لم يروه، و حينما خرج أمسك حفنةً من تراب و ألقاها على رؤوسهم و قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾
[سورة يس]
أنت كمؤمن هذا الذي أمامك مخلوق بيد الله، ممكن ربُّنا عز وجل يعميه عنك، ممكن يفتِّحه عليك، و ممكن ينبِّهه إلى شيء، و ممكن لا ينبِّهه فأنت علاقتك مع الله عز وجل و ليس مع الأشخاص، هذا الشخص بيد الله، هذا الدليل، شباب أشدَّاء أقوياء أيديهم على الزناد بالتعبير الحديث أي على السيوف وهم ينتظرون خروج النبي ليقتلوه و ينفِّذوا خطَّة قريش و النبي عليه الصلاة و السلام خرج من بينهم و ألقى عليهم التراب و قد أصابهم نعاسٌ شديد، غفلوا عنه و خرج من بينهم، قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾
[سورة يس]
خرج من بينهم و هم ينظرون إلى فراش النبي وهم مطمئنون أنه في الفراش، و الحقيقة عليٌّ مكانه، و قد سجِّيَ ببرده الأخضر، و لكن عندنا استنباط آخر، و الاستنباط الآخر أقوى ؛ أن هؤلاء الذين اتَّهموه و الذين لم يستجيبوا له لماذا وضعوا عنده أماناتهم ؟ إذًا هو موضعُ ثقة فيهم إذًا هو عندهم صادق، هم ما كذَّبوه لأن الصدق و الأمانة متلازمان، ما دام أمينا فهو صادق، هو صادق و أمين، إذًا كِبرهم ومصالحهم منعتهم من أن يؤمنوا به، و استنباط آخر أن المؤمن دائما موضع ثقة، موثوق بالتجارة موثوق، بكل عمل موثوق، و يؤدِّي الأمانات إلى أهلها، أكبر دعم للمؤمن أن الناس جميعا على اختلاف آراءهم فيه و على اختلاف تقييمهم له وعلى اختلاف ردود فعلهم اتِّجاه إسلامه أما متَّفقون جميعا أنه أمين و لا يخون أبدا، هذا شيء ثابت، إذا كنت مؤمنا حقًّا أنت موضع ثقة، و النبي الكريم قال:
((الأمانة غنى))
لمجرَّد أن تكون أمينا أنت غنيٌّ بالمعنى المادي، لأنك إذا كنت أمينا مُنِحت ثقةَ الناس،و إذا منِحت ثقة الناس تحرَّكتَ حركة واسعة جدًّا.
أذكر صديقا لي يعمل في التجارة، ذهب إلى حلب و دخل إلى معمل ضخمٍ جدّا و هذا المعمل ينتج منسوجات، و لكن عليها طلب شديد، طلب منه بضاعة دينا، قال له انتظر أسبوعا، حضر صاحب المعمل إلى الشام، و سأل عن الصديق، فجاء الجوابُ طيِّبا جدا، معه طيبة و نزيه و أمين، فقال له: أنت لك عندي رصيد سقف مليون ليرة ؛ هذه منذ عشر سنوات ؛ فأْت ببضاعة و بِعها وادفع ثمنها، هذه السمعة الطيبة و هذه النزاهة و الأمانة سبَّبت له غنى ماديا، جاءته بضاعة بمليون ليرة و باعها و ربح و دفع ثمنها، لو كان مشكوكا في أمانته لم يبيعوه إلا نقدا، إذًا الأمانة غنى مادي، و الحقيقة شيء عجيب جدا، الأمين متعفِّف و نزيه وورِع، ظاهر الورع أن تحت يديه أموال كان بإمكانه أن يستفيد منها، قال تعالى:
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)﴾
[سورة الحشر]
نظير هذه الأمانة و الورع و الزهد و العفَّة أن الله عز وجل يجعله موضع ثقة الناس جميعا، و إذا كان موضع ثقة الناس جميعا أصبح غنيًّا بالمعنى المادي أيضا، أس ثقة الناس بط رأسُ مال آخر، أنا أقول لإخواننا يعملون في التجارة أنت كم رأس مالك ؟ مائة ألف، إذا كنت مستقيما و أمينا يصبح رأسُ مالك خمسين مليون، لأنه عندئذ يثق الناس بك، حتى الأجانب إذا شعروا أن هذا الإنسان موضع ثقة يمنحوه تسهيلات، إذًا الأمانة غنى كما قال النبيُّ الكريم، النبي عليه الصلاة و السلام وهو لم يصدِّقوا دعوته و لم يستجيبوا له لكن أموالهم وودائعهم و نفائسهم موضوعة أمانة عنده، هذا ماذا يعني ؟ أنه صادق في دعوته و لكن كِبرهم و حسدهم ومصالحهم و زعامتهم منعتهم من أن يؤمنوا به و ليس الذي يظنه الناسُ أنهم لم يقتنعوا
روى ابنُ إسحاق عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:كان لا يخطئ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي بيتَ أبي بكر أحدَ طرفي النهار اللقطة النبيُّ عليه الصلاة و السلام كان يزور أبا بكر كل يوم في بيته المودة و المحبة، دائما الزيارة تسبب المودة، النبيُّ ممكن أن يقول له تعالَ إليَّ، طبعا يستجيب، لكن إكراما لهذا الصحابي الجليل، و إكراما لسيد الصحابة كان النبي عليه الصلاة و السلام لا يخطئ، و معنى لا يخطئ هنا لا يفعل، لا يغفل عن أن يفعل، لا يخطئ أن يأتيَ بيت ؟أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بُكرة و إما عشيَّةً، حتى إذا كان اليومُ الذي أذِن الله فيه لرسوله في الهجرة و الخروج من مكة بين ظهري قومه أتانا - كلامُ من ؟ كلام السيدة عائشة - قالت أتانا رسولُ الله صلى الله عليه و سلم بالهاجرة، في وقت غير معتاد، الظهيرة، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسولُ الله في هذه الساعة إلا لأمرٍ جللٍ، لأمر خطير، العادة مع البراد باللغة الدارجة العصر، أو صباحا، أما في الهاجرة، ما جاء رسولُ الله صلى الله عليه و سلم إلا لأمر خطير، فلما دخل تأخَّر له أبو بكر عن سريره فجلس عليه الصلاة و السلام و ليس عند أبي بكر إلا أنا و أختي أسماء بناته الصغار فقال عليه الصلاة و السلام: أخرج عني من عندك، هو قال:
((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))
أحيانا يكون عندك شخص مهمٌّ و طفل صغير واقف، تنسى أن الطفل يسمع، هذا الطفل أحيانا ينقل، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام قال:
((المؤمن كيس فطن حذر))
و:

(( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))
هكذا المؤمن، فقال: أخرج عني من عندك قال يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وهذه لها معنى آخر أي الإنسان أولاده و بناته جزءٌ منه، وما ذاك، ذاك أبي و أمي، قال: إن الله قد أذِن بالخروج و الهجرة، هذا الخبر أسرَّه لسيدنا الصديق بعد ان جاء التوجيه الإلهي، فقال أبو بكر: الصحبة، أي هل بالإمكان أن أصاحبك يا رسول الله، قال: الصحبة نعم، قالت عائشة: فو الله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي ثم قال: يا نبيَّ الله إن هاتين راحلتين كنتُ أعددتهما لهذا أي شعر أنه قد يهاجر مع النبي، فاشترى راحلتين و علفهما و هيَّأهما ليكونا مطيتي رسول الله و صاحبه، فاستأجرا عبد الله بن أرقط رجلا من بني الدؤل بن بكر و كان مشركا، ماذا عندنا كاستنباط من هذا ؟ هذا الرجل خبير بالطرقات، و يستطيع أن يمشي بهما في طريق آمنٍ، بين التلال و بين مسارب الوديان، بطريقة لا يُكشَف، و أنا حينما كنت في الحج أُنبِئتُ أن الطريق الحديث جدا بين مكة و المدينة هو طريق الهجرة الذي سار به النبيُّ صلى الله عليه و سلم، الاستنباط من هنا، أنه أحيانا قد تكون الخبرة عند غير مسلم، هذا غير المسلم ليس معاديا، لكن يجب أن نستفيد من خبرته، فالسؤال دقيق، استأجرا عبد الله بن أرقط، رجل من بني دؤل بن بكر و كان مشركا يدلهما على الطريق و دفعا إليه راحلتيهما و كانتا عنده يرعاهما لميعادهما، الخطة التي رسمها النبيُّ صلى الله عليه و سلم أنه حينما يخرج من البيت تقوم قائمةُ قريش، أين ذهب النبيُّ، إذًا يجنِّدون كلَّ قواهم لإدراك و اللحاق به و إلقاء القبض عليه، إذًا ليس من الحكمة أن يتَّجه النبيُّ إلى المدينة، مستحيل، هو ضعيف، هو مع الصديق رجلان، أما قريش قبيلة و هو أشدَّاء أقوياء حاقدون، إذًا من الذكاء و الحكمة و الفطنة أن يختبأ النبي في أيام ثلاثة إلى أن تضعف همَّةُ قريش في البحث عن النبي، و الخطة المرسومة أن يخرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام مع صاحبه الصديق إلى غار ثور، و أن يختفيا في هذا الغار مدةً، حتى ينظرا ما يكون من حال القوم في شأنهما، حتى إذا هدأت العاصفةُ و كفَّ الطلبُ عنهما أخذا في السير إلى المدينة من طريق غير الطريق المألوف، و كان لا بدَّ لهما من دليل حاذق يهديهما سواء السبيل و يأخذ بهما آمنَ طريق و أبعده عن عيون القوم، فاختارا لذلك عبد الله بن أرقط و واعداه أن يوافيهما بعد أيام ثلاثة عند غار ثور، هناك خطة، أنت كمسلم هكذا من دون إعداد و من دون تخطيط و من دون تدبير، أخي اتركْها لسيدنا، أنا على الله نتوكل، والله لا يضيِّعني، هذا موقف غير إسلامي، بالتجارة و في الدراسة و في الزراعة و في العمل و في الوظيفة و في كل شيء خطَّط و هيِّأ لكل مشكلة جواباً و هيّأ لكل ثغرة ما يسدُّها، و هيِّأ لكل مفاجأة ما تغطِّيها به، هكذا فعل النبيُّ، و لو أنه خرج من مكة إلى المدينة احتمال أن يدركه القومُ قويٌّ جدا، تكون ممنوعا معصوما لتا يكفي هذا و ليس معناه يكفي، هو مشرِّع، مع أنه معصوم علَّمنا كيف نأخذ بالأسباب.
قال: غار ثور كهف بأعلى جبل ثور، وهو جبل عالٍ ذو قمَّتين، لا تقل قُمة، القمة من القمامة، قل قِمة، بكسر القاف، جبل عالٍ ذو قمتين على ثلاثة أميال من جنوب مكة، أي تقريبا أربعة و نصف كيلو متر أو خمسة كيلو متر، مسير ساعة، في الطريق المنحدر منها إلى اليمن و المدينة نحو الشمال، و توجَّه النبيُّ على عكس ما يخطر في بال كل الملاحقين و المطاردين، كل المطاردين نحو الشمال، هو اتَّجه نحو الجنوب، نحو طريق اليمن، قال: يمشي السَّائرُ فيه نحو ساعتين في طريق ليِّنٍ كثيف الرمال، ثم يصعد فيه صعودا هيِّنا حتى يصل إلى قمَّته القريبة، فإذا وصل إليها مشى قليلا في طريق ممهَّد سهل كأنه برزخ ثم يأخذ في الصعود إلى القمة الأخرى في مرتقى وعرٍ شديد الانزلاق انحداره شديد، كثير المضايق و الصخور، فلا يزال كذلك يبذل من جهده و قوته و يستعين بكل خبرته و حذقه حتى يصل إلى الغار عند القمة، إذا الواحد ذهب إلى العمرة و أُتيح له أن يزور غار ثورٍ فليفعل ليرى كيف أن الله عز جل حمى نبيَّه صلى الله عليه و سلم في هذا الغار و كانت هذه الحماية سبب انتشار الإسلام، حتى يصل إلى الغار عند القمة الثانية فيجده كهفا ضيِّقا لا تزيد مساحته عن مترين و نصف رابضا تحت صخرة ضخمة تغشِّي جوفَه ظلمةٌ خفيفة له فتحتان، فتحة ضيِّقة في جانب منه، و أخرى من جانب آخر لا تزيد سعتها عن نصف متر، يجب أن يدخلها راكعا أو منحنيا، وهي التي يستطيع الداخلُ أن يدخل منها بغير مشقة كبيرة، ماذا فعل سيدنا الصدِّيق ؟ أبى أن يدخل إلى الغار إلا قبله، لعل فيه أفعى لعلَّ فيه عقرب و لعلَّ فيه سبع، و لعلَّ فيه وحش، هذه قمة التضحية من أجل النبي عليه الصلاة و السلام، في تلك الليلة بات فتيان قريش يرصدون دارَ النبي ليقتلوه عند خروجه، فليس من عادة العرب أن يقتلوا شخصا في عقر داره، هذه عادة كانت متَّبعة و بات عليُّ بن أبي طالب في فراش النبيِّ و تغطَّى ببرده الحضرميِّ الأخضر و جعل القومُ كلما نظروا من خِصاص الباب رأوا عليًّا فظنوه رسول الله، فاطمأنوا،فلما تنفَّس الصبحُ و انكشف الظلامُ قام النائمُ من فراشه فإذا هو عليُّ بن أبي طالب، فجُنَّ جنونُ القوم و طار صوابُهم و حدقوا بعليٍّ ينهرونه و يتجاذبونه و يسألونه عن محمد أين ذهب و أين اختفى فيقول عليٌّ في هدوء لا أدري، أمرتموه بالخروج فخرج فجعلوا يضربونه و يناوشونه بأيديهم و عصيِّهم حتى أخرجوه إلى المسجد فحبسوه هناك و اجتمع القومُ عليه يحاولون بكل وسيلة أن يعرفوا منه مكان النبيِّ فلم يستطيعوا، فلما استيأسوا منه أطلقوه و تفرَّقوا يبحثون عنه في كل مكان و ينقِّبون في كل فجٍّ، و يسألون كلَّ غادٍ و رائحٍ و يقطعون الأرضَ شرقا و غربا و شمالا و جنوبا، و يتتبَّعون آثار الأقدام في كلِّ طريق، و خرج الغضبُ و الغيظُ بهم عن أطوارهم فجعلوا يتخبَّطون بما يفعلون.
روى ابنُ إسحاق: خرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام و أبو بكر رضي الله عنه قالت عائشة: أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم فقالوا: أين أبوكِ يا بنت أبي بكر ؟ قلتُ: لا أدري و اللهِ أين أبي، فرفع أبو جهل يدَه و كان فاحشا خبيثا فلطم خدَّي لطمةً طرح منها قُرطي، أي الحلق، و بالمناسبة، سمعتُ أو قرأت أن أبا جهل أيضا أراد أن يؤذيَ ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، السيدة فاطمة، و كانت صغيرة جدا، سألها أين أبوكِ ؟ قالت: لا أدري، فضربها ضربا شديدا، فسمع بهذا أبو سفيان، فذهب إلى بيت أبي جهل و عنَّفه ووبَّخه و قد حمل فاطمة على يده و قال: اضربيه هكذا سمعتُ، لما بلغ النبيَّ صلى الله عليه و سلم هذا رفع يديه إلى السماء و قال: يا ربي لا تنسَها لأبي سفيان، أي كلُّ شيء مسجَّل، كل موقف و كل دفاع، فيُقال أن هذا الموقف من أبي سفيان الذي حارب النبيَّ ثلاث مرات لا تنسَها لأبي سفيان، انتهت حياتُه بالإيمان، آمن بالنبيِّ و أسلم و حسُن إسلامُه، فالإنسان يعتقد أن كلّ حركة و كل سكنة مسجَّلة عليه، هذه عبارة حديثة، ذاك الموقف سجَّلناه، انكتب، و سوف تُحاسَب عنه، أنت اعتقِد أن الله عز وجل سيسجِّل عليك كل موقف وقفتَ موقف المنسحِب، موقف المتبني، موقف المدافع، موقف المتَّقِد حماسا، موقف اللامبالي، موقف الغيور، موقف الشامت، هذه كلها مسجَّلة، فأنت مواقفك تعبير عن ذاتك، و عن إيمانك و عن عقيدتك و عن محبَّتك و عن ورعك و استقامتك، فهذا أبو جهل بن هشام كان فاحشا خبيثا فلطم خدِّي لطمةً طرح منها قرطي.
يروي صاحبُ الدُّرِ المنثور فيما رواه أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم مشى ليلةً على أطراف أصابعه، لئلا يظهر أثرُ رجليه على الأرض العرب كانوا أذكياء جدالا في اقتفاء الآثار، كانوا يعرفون المرأة الحاملَ من آثار أقدامها، يعرفون ذكرا أو أنثى، و كم هي في السنِّ و حامل أو غيب حامل، من آثار الأقدام، هذا علم تفوَّق به العربُ جدا، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام لئلا تظهر آثارُ أقدامه على الأرض كان يمشي على أطراف أصابعه، حتى حفيت قدماه و أنه لم يصل الغارَ حتى تقطَّرت قدماه دمًا، ألم يقل عليه الصلاة و السلام: عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))
[رواه الترمذي]
الله يجعلنا من هؤلاء ممن يتبِّع هذا النبيَّ العظيم.
موقف أخير ؛ سيدنا الصديق وهما في طريقهما إلى الغار يمشي تارة خلف النبيِّ و تارة أمام النبي، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام سأله و قال له: لمَ تمشي هكذا ؟ قال: يا رسول الله أذكر الطلبَ، يلاحقونك ؛ فأمشي خلفك، و ذكر الرُّصدَ ؛ ينتظرونك، فأمشي بين يديك، هل هناك أرقى من هذه المحبَّة ؟ خطر في باله أنهم يلاحقونه فيشمي وراءه حتى يكون درعا له، و خطَر بباله خاطرٌ آخر، لعلَّهم أمامه ينتظرونه مشى بيت يديه، فالنبيُّ استغرب، لم تفعل هكذا ؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، و أذكر الرصد فأمشي أمامك.
على كلٍّ هذه القصة أجملتها آيةٌ واحدة، قال تعالى:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾
[سورة الأنفال]
أي مكره يعود بالخير على كل العباد، و الإسلام انتشر، مكرُ الله عز وجل يعني تدبيره في ردِّ مكر الكفار، و حفظ النبيِّ عليه الصلاة و السلام، ولم تكَد تمضي أيامٌ ثلاثة حتى يئست قريشٌ من العثور على النبي صلى الله عليه وسلم و أيقنت أنه أُفلِت من يديها و أخذ في طريقه إلى أصحابه في المدينة فكفَّت عنه البحثَ و جعلت مائة ناقة لمن يأتني بالنبيِّ حيًّا أو ميِّتا، طليقا أو أسيرا، و إن شاء الله في درس قادم نتابع طريق الهجرة، و لكنني أُلحُّ عليكم مرة ثانية أن الأحداث معروفة، و أنا حينما أتلو على مسامعكم بعض هذه الأحداث لا ألقي عليكم جديدا، و لكن الذي أعلِّق عليه أهميَّة كبيرة هي الدلائل و العبر و الاستنتاجات و الدروس التي يمكن أن تُستنبط من هذه السيرة كي تكون لنا نورا مضيئا في حياتنا، فنحن عندنا نقطتان أو ثلاثة من أول الدرس ممكن أن الله عز وجل يلهمك الصواب دائما، كلما ائتمر عليك خصومُك يلهمك خطة تحبط بها مساعيهم، هذه لكل مؤمن مستقيم، و الله تعالى ماذا قال:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
[سورة الأنبياء]
الحديث عن سيدنا يونس قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
[سورة الأنبياء]
يُستنبط من هذه الآية أن الله عز وجل إذا حفظ أنبياءه الكرام على قدر إيمانهم و على قدر إخلاصهم و على قدر ورعهم ينالهم نصيبٌ من حفظ الله عز وجل لهم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:27 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 008: الهجرة (3)- هجرة النبي صلى الله عليه وسلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-07-28
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقا و رزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا في دروس السيرة، و لا زلنا في هجرة النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و كما بيَّنتُ لكم من قبل، إن أبرز ما في هذه الدروس الدلالات والاستنباطات التي يمكن أن نستنبطها من وقائع السيرة لتكون نورا لنا في طريق الحياة.
كما تكلمتُ في الدرس الماضي في الثلاثة الأيام الأولى قامت قريشٌ و لم تقعد، و تحركت في كل مكان، و سخَّرت كلَّ رجالها، و أرادت أن تلقيَ القبض على النبيِّ صلى الله عليه و سلم و أن تمنعه من أن يصل إلى المدينة، و لكن مسعاها باء بالإخفاق ولم تستطع أن تصل إليه و قد نفَّذ النبي صلى الله عليه و سلم الخطَّة التي رسمها تنفيذا دقيقا، فحينما اشتدَّ عليه الطلبُ كان في غار ثور، و لما مرَّت أيامٌ ثلاثة أيقنت قريشٌ أن النبي لا يمكن أن يبقى في مكة، لا بدَّ من أنه قد ارتحل عنها، لذلك خفَّ عليه الطلب و خفَّت وطأة الملاحقة و جاء الدليلُ الذي استأجره النبيُّ صلى الله عليه و سلم في الوقت المعلوم مع ناقتين لسيِّدنا الصديق و ناقة له، ووصل بهذه الرواحل إلى باب غار ثور وفق الوقت المحدَّد و يروي ابنُ إسحاق قال: لما قرَّب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قدَّم له أفضلهما، هنا الوقفة، النبيُّ علَّمنا أن نؤثر إخواننا في كل شيء، مرة أُعطِي سواكين سواك مستقيم و سواك أعوج، فلما أراد أن يقدِّم أحدهما لأحد أصحابه قدَّم له المستقيم هنا استنباط أولٌ، لا يصحُّ إيمانك و لا يكمل إيمانُك إلا إذا آثرت أخاك بالشيء الذي تختاره لنفسك، لقوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[سورة الحشر]
التفاحة الكبيرة قدِّمها لأخيك، و المكان جانب النافذة في السيارة قدِّمه لأخيك أنت وطِّن نفسك على أن تؤثر إخوانك في كل شيء، و هم يوطِّنون أنفسهم على أن يؤثرونك في كل شيء، و عندئذ تشتبك النفوس، و يصبح المؤمنون كالبنيان المرصوص، عندئذ تشعر أنك في أسرة كبيرة و تشعر أن مجتمع المؤمنين مجتمع عظيم، مجتمع فيه المودَّة و الرحمة مجتمع فيه النصح و الإرشاد.
أيها الإخوة الأكارم ؛ دقِّقوا في هذه الآية، قال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة]
و قال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة]
ما قال ؟: أولياء بعض، قال بعضهم من بعض، دقّة القرآن الكريم:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة]
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
[سورة التوبة]
من طينة واحدة، و من خيانة واحدة، و من عداء واحد و من تشتُّت أي بين المنافقين عداء كبير، أما المؤمنون بعضهم أولياء بعض.
أنا أقول لكم: اللهُ سبحانه و تعالى لا يحبُّنا إلا إذا أحببنا بعضنا، و إلا إذا آثرنا بعضنا في كل شيء، و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو أنك آثرت أخاك في كل شيء تحبُّه لنفسك، لأعطاك اللهُ خيرا منه أضعافا مضاعفة تكشف عن معدنك الطيِّب، طبعا النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما قدَّم السواك المستقيم لصاحبه كان لنا قدوةً، سيِّدنا الصدِّيق قدَّم أفضلهما لرسول الله، عوِّد نفسك تختار الأحسن لإخوانك، و إخوانك كذلك أشخاص عندهم حساسية و عندهم أخلاق و عندهم نظر و عندهم عقل إن رأوك خصصتهم بالأحسن، هم أيضا يبادرون إلى أن يخصُّك بالأحسن، نشأت المودَّة و المحبة و التعاون و التكاتف، دائما أهل الدنيا أين مجتمع المؤمنين، أنتم على حق، شيء جميل، أين مجتمعكم الفاضل ؟ أين المودة و المحبة، أين المسامحة، أين الفداء و أين التضحية فيما بينكم ؟ إذًا قدَّم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي و أمي أنا لا أعتقد أن في الأرض كلها رجلا أحبَّ رجلا كهذا الصديق الجليل إذ أحبَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام، و لا أكتمكم أن تسعة أعشار الإيمان حبٌّ، ألا لا إيمان لمن المحبة له.

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به))
عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))
[رواه البخاري]
قال له اركب يا رسول الله فداك أبي و أمي، هذا الذي دلَّك على الله هذا الذي عرَّفك بالله، هذا الذي دلَّك على سعادة أبدية لا تنقطع، هذا الذي منحك علما و حلما و رأفةً و رحمةً و أخلاقا واسعةً و معرفة بالله عز وجل، مَنَ مِنَ البشر يستحقُّ الشكر كرسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾
[سورة التوبة]
قال: اركب فداك أبي و أمي، فقال عليه الصلاة و السلام:
((إني لا أركب بعيرا ليست لي ))
يريد النبيُّ أن يدفع ثمنها، لا أركب بعيرا ليست لي، كن عفيفا، لا تقبل العطيةَ بسهولة، اِدفع ثمنها، تعفَّف عن أن تُقدَّم إليك، لتكن يدُك هي العليا، اكسب المال الحلال، هذا استنباط دقيق جدا، قال عليه الصلاة و السلام:
((إني لا أركب بعيرا ليست لي ))
فقال سيدنا الصدِّيق رضي الله عنه: هي لك يا رسول الله، هبة، هي لك يا رسول الله بأبي أنت و أمي، قال: لا، و لكن ما الثمن الذي ابتعتها به يريد النبيُّ عليه الصلاة و السلام أن يدفع ثمن الناقة التي ركبها في الهجرة، مع أن سيدنا الصدِّيق يتمنى أن يقدِّم له لا ناقته بل روحه الشيء الذي يلفِت النظر في أصحاب رسول الله بقدر ما أن بعضهم أسخياء بقدر ما أن بعضهم أعفَّاء، قال: دونك نصف مالي، بارك الله لك في مالك، دُلَّني على السوق، لا تنسوا الفضل بينكم، هو قدَّم لك هذه، أنت انقُده الثمنَ، قال: هي لك يا رسول الله، بأبي أنت و أمي قال: لا و لكن ما الثمن الذي ابتعتها به، هنا الآن صار فيه امتثال، و الامتثال خير من الأدب، قال: ابتعتها بكذا و كذا، قال: قد أخذتها به لك عندي هذا المبلغ ثمن الناقة التي أركبها، أتلاحظون كيف أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام مع انه سيد الخلق يعامل أصحابه و كأنه واحد منهم، هو الذي يقول:
((إن الله يكره أحد عباده متميِّزا على أقرانه.....))
يكرهه الله عز وجل، هذا الموقف رائع جدا، قدَّم أفضلهما لنبيِّ و قال: اركب فداك أبي و أمي، فقال عليه الصلاة و السلام:
((إني لا أركب بعيرا ليست لي ))
فقال: هي لك يا رسول الله بأبي أنت و أمي، قال: لا و لكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا و كذا، قال: قد أخذتها به اشتريتها بهذا الثمن، و لك عندي ثمنها، قال: هي لك يا رسو ل الله فركبا و انطلقا و أردف أبو بكر الصديق رضي الله عنه عامرَ بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق، مولاه جعله سيدنا الصديق خلفه ليكون مِعواناً للنبيِّ عليه الصلاة و السلام و صاحبه في أثناء طريق الهجرة، و كانت أسماءُ بنتُ أبي بكر قد أتتهما بسفرة من الطعام يتبلَّغان بها في سفرهما، قد وضعتها في جراب، و لكن الوقت أعجلها أن تجعل للسفرة عِصاما، أي رباطا، تعلِّقها به في الرحل، فلما أرادت أن تعلِّقها لم تجد غير نطاقها الذي تشدُّ به وسطها، فشقَّته نصفين و علَّقت السفرة بشِقٍّ و تنطَّقت هي بالشق الآخر فسُمِّي أسماءُ بنت أبي بكر ذات النطاقين سيدنا الصدِّيق، و الرواحل و مولاه و ابنته و كل كيانه و كل ماله و كل وقته و كل خبرته و كل مكانته في خدمة النبي عليه الصلاة و السلام من هو النبيُّ ؟ رسول الله، فإذا الإنسان أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربَّه، فكيف إذا أكرم النبيَّ عليه الصلاة و السلام.
يقول ابنُ سعدٍ في الطبقات: إن عبد الله بن أرقط هذا الدليل الذي كان خبيرا بالطريق أخذ بهم في السير و هو يرتجز، في العادة الهارب لا يرتجز، الهارب ساكت، انظُر إلى الذكاء، ما دام النبيُّ الكريم و صاحبه الصدِّيق يتخفَّيان في السفر فقد يُلحقان، أما هذا الدليل صار يرتجز في الطريق و ينشد، ليوهم الناسَ أو من يسمعه أن هذه قافلة عادية، و من صفات المؤمن أنه كيَّس، من صفات الأنبياء أنهم فَطنون من صفات المؤمنين أن المؤمن كيِّس فطِن حذِق، مرة أحد الصحابة أرسله النبيُّ عليه الصلاة و السلام إلى صفوف المشركين في معركة الخندق ليتفقَّد أحوالهم، يبدو أن أبا سفيان شعر أن فيما بين المقاتلين أشخاصا غرباء، فأعطى توجيهه لجنوده أن يتفقد كلٌّ منهم صاحبه فكان هذا الصحابي الجليل نبيها و فطِنا و ذكيا، ما أن انتهى أبو سفيان كلامه حتى وضع يده على يد من جانبه، و قال له: من أنت ؟ هو الغريب قال: أنا فلان، المؤمن من صفاته الذكاء و الفطانة و الكياسة.

((اطَّلعتُ على أهل الجنة فرأيت عامة أهلها من البُله ))
هذا الحديث يحتاج إلى تفسير آخر، أي الإنسان أحيانا يؤثر طاعة الله عز وجل على الدنيا فيُعدُّ عند البُله أبلهَ، أما الذي يؤثر طاعة الله عز وجل على معصيته يؤثر طاعته على الدنيا، هذا في قمة الذكاء، و هذا في قمة الكياسة، هذا في قمة العقل، و على كلٍّ هذا الدليل كان يرتجز في أثناء السير ليضلِّل الناس من حوله، لأن الذي يهرب و يتخفَّى لا يرتجز.
روى البخاري بسند عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال:أُخذ علينا بالرصد، أي على النبي عليه الصلاة و السلام و صاحبه الصدِّيق رصدٌ شديد، مراقبة شديدة، و تتبُّع، فخرجنا ليلا، فأحففنا، أي عجَّلنا ليلتنا و يومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رُفعت لنا صخرةٌ، أي وجدنا صخرة، فأتيناها و لها شيء من الظل، قال الصدِّيق رضي الله عنه: ففرشتُ لرسول الله صلى الله عليه و سلم فروةً معي، ثم اضطجع عليه صلى الله عليه و سلم، فأطلقت أنفض ما حولها، أنظِّف ما حولها، فإذا أنا براعٍ قد أقبل في غُنَيمة، مع بعض الغنمات، يريد هذه الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام ؟ قال: أنا لفلان، فقلت له: هل في غنمك من لبن ؟ قال: نعم، قلت له: هل أنت حالبٌ ؟ قال: نعم فأخذ شاةً من غنمه فقلت له: انفُض الضرع، أي امسحه جيَّدا، فحلب كثبة، أي آنيةً من لبنٍ و معي إداوة، الإداوة سقاء الماء، قربة ماء، و معي إداوة من ماء عليها خرقة، لتبرد، طبعا مثل أفعال بعض السائقين الآن، يجعل قربة ماء عليها قماش، هكذا كان سيدنا الصدِّيق كان يجهِّز للنبيِّ الكريم ماءً باردا في هذه الرحلة، إداوة من ماء عليها خرقة، قد ورأْتها لرسول الله، ورَّأتها أي شددت عليها هذه الخرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفلُه ثم أتيت به النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقلتُ: اشرَب يا رسول الله، فشرب صلى الله عليه و سلم حتى رضيتُ، ثم ارتحلنا و الطلب في أثرنا، هذه استراحة قصيرة، و الصدِّيق رضي الله عنه بذل كلَّ ما وسعه ليرتاح النبيُّ في هذه الدقائق أو هذا الزمن.
قريش حينما يئست من أن تعثر على النبي صلى الله عليه و سلم جعلت جائزة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا، مائة ناقة، الآن الناقة ما ثمنها ؟ تقريبا مائة و خمسين ألف، مائة ناقة، خمسة عشر مليون، مبلغ ضخم جدًّا و خمسة عشر مليون للصدَِّيق، لمن يأتي بهما حيًّا أو ميِّتا، مبلغ كبير جدا و ثروة طائلة، قال: كانت قريش حينما فاتها رسول الله قد جعلت مائة ناقة لمن يأتيها به أسيرا أو قتيلا، و أرسلت بذلك في أهل السواحل، فأغرى ذاك ذوي المطامع من أهل البادية لتتبُّع النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و كان من هؤلاء سراقة بن مالك، قصته عجيبة سراقة بن مالك علم أن نفرا ثلاثة قد مروا على رواحلهم بقرب الشاطئ فاعتقد سراقة أنهم محمد و أصحابه، تتبَّع أثرهم يريد أن يأتي بهم قريشا طمعا في الجائزة.
يروي البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن ابن شهاب ما حدَّث سراقةُ عن نفسه فيما كان من أمره، قال: جاءنا رسلُ كفار قريش يجعلون في رسول الله و أبي بكر دية كلِّ واحد منهما لمن قتله أو أسره مائة ناقة لكلٌّ واحد، أي مائتا ناقة، أي ثلاثون مليون ليرة، فبينا أنا في مجلس من مجالس قومي إذ أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا و نحن جلوس، قال: يا سراقة إني رأيت آنفا إسوِدةًَ، أشباحا سوداء، إسودة بالساحل أُراها أي أظنها محمدا و أصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، ضمن ثلاثين مليون ليرة، و اللهِ الذي لا إله إلا هو لو اجتمع الناسُ، العالَم الآن خمسة آلاف مليون لو اجتمع خمسة آلاف مليون على أن يمسُّوك بشيء ما سمح اللهُ به لا يستطيعون، كن مطمئنا، هذا سراقة لاحت له الثروةُ و لاحَ له الغنى، ثلاث أشباح ثلاث إسودة ما أظنهم إلا النبيَّ عليه الصلاة و السلام، فقال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، حتى لا يسبقوه، غنيمة كبيرة جدا، إنهم ليسوا بهم،و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا، سمى له أسماء خلابية، هؤلاء أعرفهم، ليسوا محمدا و أصحابه، حتى يضمن الجائزة، ثم لبثت في المجلس ساعة،ثم قمت فأمرتُ جاريتي أن تخرج بفرسي و هي من وراء أكمة، فتحبسها عليه و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت سيدنا موسى قال:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾
[سورة طه]
و قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
[سورة الشعراء]
الشغلة بالمنطق انتهينا فرعون بكل أسلحته و بكل زبانيته و بكل قدراته و بكل أسلحته، يتبع سيدنا موسى، و سيدنا موسى اتِّجاه البحر و البحر أمامه و فرعون من وراءه، حسب المنطق انتهى، قال تعالى:

﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
[سورة الشعراء]
في الخندق عشرة آلاف مقاتل طوَّقوا المدينة في جانب واحد لليهود خرق اليهودُ عهدهم مع النبي، و بقي الإسلام قضية ساعة أو ساعتين و ينتهي الإسلام عن آخره، قال أحدهم: أيعدنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلادُ قيصر و كسرى و أحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، ما الذي حدث ؟ أرسل اللهُ ريحا عاصفة قلبت قدورَهم و اقتلعت خيامهم و أطفأت نيرانهم، و ارتحلوا و كفى الله المؤمنين القتال، البطولة أن تكون لك مودة مع الله، أن يحبَّك الله، لأنك إذا أحبك الله أحبَّك كلُّ شي فسراقة ظن أنه سيقبض مبلغا طائلا بعد قليل، القضية بين يديه، قال: ثم لبثت ساعة في المجلس ثم قمت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي فتحبسها عليه و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططتُ بزجِّه في الأرض و خفضت عاليَه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرَت بي إلى أن أدركت النبيَّ صلى الله عليه و سلم و صاحبه، طبعا حتى إذا دنوتُ منهم هناك واحد ثالث هو عامر بن فهيرة، فعثرت بي فرسي، وقع من على فرسه، فخررت عنها فقمتُ فأهويت يدي إلى كنانتي، إلى جعبة سهامي،فاستخرجت منها الأزلام، السهام، فاستقسمتُ بها، قديما كان " أنجح، لا أنجح، أنجح، " هذا معنى الاستقسام بالأزلام، روح ما روح روح ما روح أو بالعكس ما روح روح ما روح روح، هذا الاستقسام بالأزلام، فأخرجتُ الأزلام من كنانتي فاستقسمتُ بها أضرهم أم لا أضرهم، فخرج الذي أكره، لا أضرهم ما أراد أن يعود صفر اليدين فركبت فرسي و عصيت الأزلام فجعل فرسي يقرِّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم، كان عليه الصلاة و السلام يقرأ القرآن، وهو لا يلتفت، و أبو بكر يلتفت كثيرا، خوفا على النبيِّ الكريم، عندئذ ساخت يدا فرسي في الأرض، يدا الفرس ساختا في الأرض و انغمست في الرمل ووقع من على الفرس مرة ثانية حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها فأهويت، ثم زجرتها فنهضت فلنم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة ساخت قدماها مرة ثالثة في الأرض ووقعت عنها فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، لا تضرهم، عندئذ ناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبتُ فرسي حتى جئتهم، ووقعه في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمرٌ رسول الله، هذا ليس إنسانا عاديا، أول محاولة و الثانية و الثالثة، قوة عظيمة معه فرسي تسيخ قدماها في الرمل، و أقع من عليها، فقلت لرسول الله صلى الله عليه و سلم: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، و أخبرتهم أخبار ما يريد الناسُ بهم أنهم جعلوا مائة ناقة لك و مائة لصاحبك، إن قبضا عليكما أو أتيا قريشا بكما أحياءً، و عرضت عليهم الزاد و المتاع، عرض سراقة على النبي صلى الله عليه و سلم الزاد والمتاع، أي جاء ليقتلهما أو يأسرهما فعرض عليهما الزاد و المتاع، هذا الذي قاله بعض العارفين:

إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
***
يأتي عدوُّك ليقدم لك الزاد و الطعام، فلم يردَّاني و لم يسألاني إلا أن قالا: أخفِ عنا، إن عدت إلى مكة يئِّس الناسَ في متابعتنا، أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم، هذه القصة لها تتمَّة أنه قال: يا سراقة كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى، ما هذا الإيمان ؟ النبيُّ ملاحق، و موضوع لمن يقتله مائة ناقة و يقول لسراقة: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى، و في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءت الغنائم و جاء سوارُ كسرى و نادى سراقة و قال: البِس سوار كسرى كما بشَّرك النبيُّ عليه الصلاة و السلام، لبسه فسيدنا الصدّيق يلتفت، وهو لا يلتفت، يقرأ القرآن و لا يلتفت، فكلما علا إيمانك ازدادت ثقتُك بربَّك، و كلما ازدادت ثقتك بربك شعرت أن الله عز وجل لن يتحلَّى عنك، مرَّ النبيُّ عليه الصلاة و السلام في طريقه في الهجرة بأم معبد الخزاعية، وهي أعرابية كريمة، كانت تجلس أمام خيمتها، تطعم و تسقي من يمرُّ بها من السيارة،فلما نزلوا عندها سألوها تمرا أو لحما يشترون منها، فلم يصيبوا عنها شيئا، و قالت و هي تبدي أسفها لهم: و الله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرى، لكنا أحوجناكم تشترون منا، لكنا ضيَّفناكم و أكرمناكم، بلا ثمن، و ما كنتم إذًا بحاجة أن تسألوا شيئا أو تدفعوا ثمنا، و كانت السَّنَة مجدِبة، و البادية في قحط شديد، قال ابنُ سعد رواية عن أبي المعبد الخزاعي: فنظر النبيُّ صلى الله عليه و سلم - يبدو أنهم جائعون - إلى شاة في كِسر الخيمة، شاة هزيلة، تجد حيوانا " جلدة وعظمة لا يستطيع أن يقف، تجد أحيانا قطَّة، نظر النبيُّ إلى شاة في كِسر الخيمة فقال: ما هذه ؟ قالت: هذه شاة خلَّفها الجهدُ، من شدَّة التعب و الضعف و الهُزال لا تقوى أن تذهب للمرعى، قال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، لا يمكن، لا تستطيع أن تمشي، أين اللبن، قال: أتأذنين لي أن أحلبها، انظر إلى الأدب، قالت: نعم بأبي أنت و أمي، إن رأيت بها حلبا، إن رأيت فخذه، فدعا النبيُّ صلى الله عليه بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله عليها و قال: اللهم بارك لها في شاتها، فتفاجَّت و درَّت و اجترَّت ؛ فدعا بإناء برُبط الرهط ؛ إناء كبير؛ فحلي فيه سجًّا حتى غلبه الثُّمانُ، صار رغوةً، فسقاها، سقى الشاة أول شيء، لأنها ميتة من الجوع، فسقى الشاة حتى رويت و سقى أصحابه و سقى أمِّ معبد و شرب صلى الله عليه و سلام آخرهم، انظُر إلى الأدب، رحم الحيوان و رحم صاحبة الحيوان و رحم صاحبه و عامر بن فهيرة و كان عليه الصلاة و السلام آخرهم شربا، و قال:
(( ساقي القوم آخرهم شربا...))
إذا الواحد يريد أن يوزِّع شيئا من المرطِّبات لإخوانه بدأ بنفسه و ابتلع نصفها، أما إذا كان هو آخر واحد، يعمل ترتيبا، الكلُّ يشرب و يبقى له قليل، فصار هناك تنظيم، إذا كان هو آخرهم شربا لا بدَّ أن يوزِّع الكمية بدراسة جيِّدة، حتى يبقى له شيئا، هذا توجيهٌ ثانٍ، قال: ثم حلب ثانيا عودًا على بدءٍ فغادره عندها، ترك لها الحليبَ مرة ثانية، ثم ارتحلوا عنها فقلَّما لبثت أن جاء زوجُها أبو معبد يسوق أعنُزا عجافا جاء بقطيع ماعز عجاف، جلد و عظمة، فلما رأى اللبنَ عجِب، قال: من أين لكم هذا و الشاة عازبة و لا حلوبة في البيت ؟ قال: و اللهِ إنه مرَّ بنا رجلٌ مبارك كان من حديثه كيت و كيت، فقال: و اللهِ إني لأراه صاحبَ قريش الذي يُطلَب، الملاحق ؛ صِفِيهِ لي يا أمَّ معبد، إن شاء الله في درس آخر آتيكم بالوصف الدقيق، قال:رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه غُصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة، إذا تكلم سكت أصحابُه، و إذا أمر تبادروا بأمره، حلوُ المنطق، لا هجرٌ و لا نجرٌ، أي وصف دقيق جدًّا و جميل، فجعلت أمُّ معبد تصف له ما بهرها منه، من كمال الطلعة و جمال الهيئة ووقار السمتِ و عظمة الخلُق و سلامة المنطق و عذوبة الحديث و سماحة النفس و طلاقة الوجه و شدَّة الهيبة و جلال المظهر.

و أجملَ منك لم ترَ قطّ عيني و أكملَ منك لم تلِد النساءُ
خُلِقتَ مبرئا من كلِّ عيـب كأنك قد خُلقت كما تشـاءُ
***
طبعا هنا الكاتب جمع الصفاتِ و لخَّصها، قال كمال الطلعة و جمال الهيئة و وقار السمت و عظمة الخلُق و سلامة المنطق و عذوبة الحديث و سماحة النفس و طلاقة الوجه و شدَّة الهيبة و جلال المظهر، قال: و اللهَِ هذا صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكِر، و لو كنتُ وافقته يا أمَّ معبد لا لتمستُ أن أصحبه، و لأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلا أي نوى أن يصحبه، و الصحابة درجات، أعلى مقاما الذين لازموا النبيَّ عليه الصلاة و السلام، لازموه و تعلَّموا منه، و كانوا في خدمته و كانوا يدَه و كانوا سمعه و كانوا أعوانه، هكذا ؛ أمُّ معبد ذكية جدًّا، حينما علمت أن هذا الرجل ملاحق مرَّ بها فتيان فسألوها عن رسول الله فأشفقت عليه منهم، فتعاجمتْ عليهم و قالت له: من هو ؟ إنكم تسألون عن شيء ما سمعتُ به قبل عامي هذا، من هو، و اللهِ كان في العرب أذكياء جدًّا، كلمة قالها زوجُها، قال: إنه مطلوب، فحينما جاءها فتيانُ سألوا عن رسول الله، قال: من هو؟ إنكم تسألون عن شيء ما سمعت به من قبل عامي هذا، المؤمن فيه كمالٌ ظاهر، قلتُ اليوم كلمةً عن علامة المؤمن إذا عاملتَه لا تنسَ كمالَه و لا تنسَ مودَّته، و لا تنس لطفه و لا تنس تواضعه، و لا تنس وفاءه، و لا تنس كرمه، هذا المؤمن، المؤمن حافظ كم كلمة فقط، لا، أي إنسان يمكن أن يحفظ كم كلمة، الكتاب أحسن منه سعَةً، إذا ما فيه أخلاق فالكتاب أحسن منه.
روى ابنُ إسحاق عن عبد الرحمن بين عُوَيمِر قال:حدَّثني رجالٌ من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، قالوا: لما سمعنا بمخرج النبيِّ بمكة و توقَّعنا قدومَه كنا نخرج إذا صلَّينا الصبحَ إلى ظاهر حرَّتنا، إذا ذهب الإنسانُ إلى المدينة المنورة هناك مكان في ظاهر المدينة أرض وعِرة صخرية، هذا اسمُها حرَّة المدينة، إذا صلَّينا الصبح خرجنا إلى ظاهر حرَّتنا ننتظر النبيَّ صلى الله عليه سلم، فو اللهِ ما نبرح حتى تغلبنا الشمسُ على الظِّلال، فإذا لم نجد ضلاًّ دخلنا و ذلك في أيام حارًّة، حنى إذا كان اليومُ الذي قدِم فيه رسولُ الله صلى الله عليه و سلم جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبقَ ضلُّ دخلنا بيوتنا و قدِم صلى اللهُ عليه و سلم حين دخلنا بيوتنا، فكان أولَ من رآه يهودي و قد رأى ما كنا نصنع، و أنا ننتظر قدومَ رسول الله فصرخ بأعلى صوته، يا بني قيلة هذا جدُّكم قد جاء، أي جدُّكم ؛ من تعتقدون نبوَّته فخرجنا إلى النبيِّ صلى الله عليه سلم و هو في ظلِّ نخلة و معه أبو بكر يا تُرى من رسول الله، لا يعرفون الرسول، آمنوا به قبل أن يروه آمنوا به و صدَّقوه و أحبُّوه و تمنوا أن يقدِّموا أنفسهم في فداءً له و لم يروه بعدُ، رأوه في طل نخلة و معه أبو بكر رضي الله عنه ـ في مثل سنِّه، قريب سنُّ بعضهم، و أكثرنا لم يكن رأى النبيَّ صلى الله عليه و سلم من قبل، و تزاحم عليه الناسُ و ما يعرفونه من أبي بكر سيِّدنا الصدِّيق كان نبيها جدًّا، شعر أنهم التبسوا فقام رضي الله عنه فأظلَّه بردائه، لستُ أنا، انظر إلى هذا الذكاء و الفهم، لما شعر بعيون الناس بالحيرة من هذا قام رضي الله عنه و أظلَّه بردائه، و لما أظلَّه بردائه الآن إذا كان اثنان يمشيان في نفس المستوى، واحدهم هو المدير عام و الثاني معاونُه، فأتوا على مكان، لا بدَّ للمعاون ظان يرجع خطوة إلى الوراء و تضيع الطاسة بعد ذلك، ارجع خطوة إلى الوراء يا سيد،لذلك هكذا فعل سيدنا الصدِّيق، فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفوا أنه رسول الله.
أول شيء فعله النبيُّ صلى الله عليه و سلم في قِباء أنه أسَّس مسجدا هذا بيت الله، مركز النور و مركز الهدى و مركز التوبة و مركز العبادة و مركز التهذيب و مركز الإقبال على الله عز وجل، خير البلاد مساجدها، أول شيء فعله النبيُّ، أنت مسافر و لم ترتَح بعد تعمِّر مسجدا و كان أول عمل قام به النبيُّ صلى الله عليه و سلم في قباء أنه أسَّس مسجدا هناك، فكان أولُ مسجد اُسِّس في الإسلام، و قد عمِل فيه النبيُّ صلى الله عليه و سلم بيده، و ليس لبِنة واحدة و قليل من الإسمنت و لوحة، أعمق من ذلك، بنى فعلا بيده الشريفة هذا المسجد، و شارك أصحابُه في حمل الحجارة و الصخور حتى كان يبدو عليه الجُهدُ و كان يبدو عليه الجهدُ، خمسة عشر يوما راكب ناقة في الحرِّ الشديد، و قد رغِب أصحابُه أن يكفوه بأنفسهم فأبى أن يكون إلا واحدا منهم، هذه السُّنة، هذه اترُكوها في بالِكم، إن الله يكره العبدَ أن يراه ربُّه متميِّزا على أقرانه، طبعا توسَّلوا إليه و ترجَّوه، ارتَح و نحن نشتغل في مكانك فقال: فأبى إلا أن يكون واحدا منهم، هذه عظمة النبيِّ، و لا فرق بين أقواله و أفعاله أبدا، كلُّ شيء قاله فعله، دعاهم إلى التواضع فكان أشدَّهم تواضعا، و دعاهم إلى أن يكونوا سواسية، سوَّى نفسَه معهم و هو سيِّدهم، أحيانا هناك بعض التقديمات للنبيِّ الكريم: يا مَن جئتَ الحياةَ فأعطيتَ و لم تأخذ يا من قدَّست الوجودَ كلَّه و رعيت قضية الإنسان، يا من هيَّأك تفوُّقُك لتكون واحدا فوق الجميع فعشتَ واحدا بين الجميع، هنا العظمة، تكون أنت فعلا عظيم، إنسان نبيهٌ إنسان متفوِّق و تعيش مع إخوانك مع أولادك و مع زوجتك و مع جيرانك و مع أصحاب مهنتك مع زملائك كواحد منهم، هذه مظاهر العظمة.
روى الطبراني بسند رجاله ثقاة عن بنت النعمان رضي الله عنها قالت نظرتُ إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم حين قدِم فنزل و أسَّس المسجدَ فرأيته يأخذ الحجرَ و الصخرَ فيأتي أصحابُه و يقولون: يا رسول الله بأبي أنت و أمي تُعطيني أكفِكَ، أحمله عنك، فيقول: لا خذ مثلَه، ائت بحجر ثانٍ، هذا اتركْه لي، التواضع، نعم.
و في القرآن الكريم نزلت آيةٌ في هذا المسجد، وإذا كان اللهُ أكرمكم بالذهاب إلى عمرة أو إلى حجٍّ الآن مسجد قباء من أجمل المساجد، و فيه الآية الكريمة، قال تعالى:
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾
[سورة التوبة]
فيه رجال يحبون أن يتطهروا، يحب أن ينقِّيَ نفسه من الغل و الحسد و الغيبة و النميمة و الأخلاق السيِّئة و الكِبر و الاستعلاء.
يروي الرواةُ أن يوم دخول النبيِّ صلى الله عليه و سلم المدينةَ كان يوما حافلا، لم ترَ المدينةُ يوما أشدَّ فرحا و ابتهاجا منه، ازدانت المدينةُ و أشرقتْ جوانبُه و لبِس الناسُ أحسنَ ثيابهم كأنهم في يوم عيد، ووقفتْ ربَّاتُ الخدور على سطوح المنازل ليستشِفْن النبيَّ صلى الله عليه و سلم و صاح الصبيانُ في فرح و ابتهاج، جاء رسولُ الله صلى الله عليه و سلم جاء رسولُ الله.
و روى الإمامُ أحمدُ بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

(( إِنِّي لَأَسْعَى فِي الْغِلْمَانِ يَقُولُونَ جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَقُولُونَ جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا قَالَ حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكُنَّا فِي بَعْضِ حِرَارِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ بَعَثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ خَمْسِ مِائَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ الْعَوَاتِقَ لَفَوْقَ الْبُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ أَيُّهُمْ هُوَ أَيُّهُمْ هُوَ قَالَ فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا مُشْبِهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْنَا وَيَوْمَ قُبِضَ فَلَمْ أَرَ يَوْمَيْنِ مُشْبِهًا بِهِمَا ))
[رواه أحمد]
فمرةً التبس على المسلمين من هو النبيُّ فتأخَّر سيدنا الصدِّيق عن النبي صلى الله عليه و سلم و ركب النبيُّ ناقةً، هذه الناقة لها قصةٌ رائعة جدًّا، ولكن رُوِي عن عائشة أنه لمل قدِم رسولُ الله صلى الله عليه و سلم المدينةَ جعل النساءُ و الصبيانُ و الولائدُ يقولون: طلع البدرُ علينا، أنا وقفتُ في قباء في الساحة العامَّة، هناك ساحة عامة أمامك المسجد، و هناك وضعوا شيئا نسمّيه نحن شيئا جماليا عمود من رخام عليه كرة كبيرة كُتِب عليها طلع البدر علينا، أنا و اللهِ أسمع هذا النشيد عشرات بل المئات بل عشرات المئات المرات كلّ عقد قران، و ما شعرتُ أنه اقشعرَّ جلدي إلا حينما رأيتُ في هذه الساحة العامة حينما وصل النبيُّ هذا المكان بالذات و قال أصحابُه:

طلع البدر علينـا من ثنيات الــوداع
وجب الشكر ُعلينا مــا دعـا لله داع
أيها المبعوث فينا جئتَ بالأمر المُطاع
***
الحقيقة أن هذا النشيد يذكِّر المؤمنين الصادقين بقدوم النبيِّ، ارتفع النهارُ و ركب النبيُّ ناقته القصواءَ، التي ما خلقت، سمعتموها في الحديبية و ما كان لها أن تخلق و ليس لها بخلق، في كوكب حافل، و المسلمون يحيطون به مشاةً و ركبانا، و قد تقلَّدوا سيوفهم و تحلَّوا بأحسن ملابسهم و علا وجوههم الزَّهوُ و البشرُ و الابتهاج بمقدم النبي صلى الله عليه و سلم، و قد بلغ من حرصهم على كرامة رسول الله و تعظيمه أنهم كانوا يتزاحمون على زمام ناقته، كل واحد يريد أن يمسك هذا الزمام من حبِّهم له، و حبُّ النبي علامة الإيمان، علامة إيمانك أن تحبَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام، قال: حتى ينازع أحدُهم صاحبَه في الوصول إليه و التَّبرُّك به، و توجَّه النبيُّ نحو المدينة، بين قباء و المدينة هناك نحو ربع ساعة، مثل دُمَّر وابن رشد فجعل لا يمرُّ بدور من دور الأنصار إلا اعترضوا طريقَه، وضعوا له حاجزا، و قالوا: هلمَّ يا رسول الله إلى القوة و المنعة و الثروة، هنا بيت و الأمور ميسَّرة، طعام وشراب و قوة و نحن ندافع عنك، هلم، فيبتسم صلى الله عليه و سلم شاكرا و يدعو لهم بالخير ثم يقول وهو يشير إلى ناقته: جلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة، لم يحدث منازعات، تركها للناقة، و قال مأمورة، اللهُ يوجِّهها وجهةً معيَّنة، خلوا سبيلها فإنها مأمورة، ما كسَر لا خاطرَ إنسان، كلُّ واحد يتمنى أن يدخل النبيُّ إلى بيته، كلُّ واحد حلُم من أحلامه العظيمة أن النبيَّ يدخل إلى بيته، يقف يترجَّاه و يتوسَّل له دعوها فإنها مأمورة، و قد كان في المدينة دورٌ كثيرة تبلغ تسعًا، الدار يعني القبيلة، أو رهط، كلُّ دار محلَّة مستقلة بمساكنها و نخيلها و زروعها، و كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلَّتهم فهي كالقرى المتلاصقة، قرى صغيرة مع بعضها، فلما وصل صلى الله عليه و سلم إلى دار بني سالم بن عوف أدركته صلاةُ الجمعة فصلاَّها هناك في واديهم بمن كان معه من المسلمين، فكانت أوَّلَ جمعة أقامها صلى الله عليه و سلم في الإسلام، أول جمعة.
فاتني أن أقول لكم إن النبيَّ صلى الله عليه و سلم حينما ما خرج من مكة أوَّل ما خرج دعا بهذا الدعاء، و الدعاء له دلالة كبيرة جدًّا، قال:
((و اللهِ إني لأخرج منكِ يا مكةُ، و إني لأعلم أنكِ أحبٌّ أرض الله إلى الله، و أكرمها على الله، و لولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ))
و الرواية الثانية قال النبيُّ الكريم:
((و اللهِ إنكِ لأحبُّ أرض الله إليَّ، و أحبُّ أرض الله إلى الله، و لولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ قهرًا مل خرجتُ ))
أما الدعاءُ الثالث، قال:
((اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحبِّ البلاد إليَّ، فأسكنِّي أحبَّ البلاد إليك ))
المدينة، من هذا الحديث يُستنبط أن المدينة أحبُّ البلاد إلى الله عز وجل.

(( اللهم إنك أخرجتني من أحبِّ البلاد إليَّ فأسكنِّي أحبَّ البلاد إليك ))
على كلٍّ ركب النبيُّ ناقته لما أدركته صلاةُ الجمعة خطب خطبةً أربع أسطر قال: أيها الناس قدَِّموا لأنفسكم، تعلمنَّ و اللهِ ليُصعقنَّ أحدُكم ؛ أي يموت ؛ ثم ليدعنَّ غنمَه ليس لها راعٍ، و ليقولنَّ له ربُّه ليس له ترجمان و لا حاجب، أي يوجد محامي و لا حاجب يحجبه دونه، ألم يأتِك رسولي فبلَّغك ؟ آتيتك مالا وأفضلتُ عليك، فماذا قدَّمتَ لنفسك ؟ فينظرنَّ يمينا و شمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدَّامَه فلا يرى إلا جهنم.

((فمن استطاع أن يقيَ وجهه من النار و لو بشق تمرة فليفعل))
كلام مختصر مفيد، يموت أحدُكم يقول النبيُّ الكريم، يدع غنمه، أي و بيته و داره و مركبته و مكانته الاجتماعية و رصيده و ثروته، كل شيء يدعه و يذهب، يقول الله له عز وجل: ألم يأتِك رسولي فبلَّغك، ماذا فعلت ؟ ينظر يمينه و شماله و خلفه أمامه النار، فإن استطاع أحدُكم أن يتَّقِيَ النار و لو بشقِّ تمرة فليفعل، قال: قوموا إلى صلاتكم " كلام مختصر مفيد، هذه هي الخطبة، ثم انتهت صلاة الجمعة و ركب النبيُّ ناقته فما زالت تسير و قد أرخى لها زمامها حتى برَكت به في مكان مسجده، محلَّ ما برِكت كان المسجد النبوي، و كان مربدا لغلامين، أي أرضا لغلامين يتيمين من بني النجَّار، عند دار أبي أيوب، فنزل عليه الصلاة و السلام و قال:
(( ربِّ أنزلني منزلا مباركا و أنت خير المنزلين ))
قال ذلك أربع مرات، و أخذه الذي كان يأخذ عند الوحي فلما سُرِي عنه قال و قد جاءه الوحي، قال: هذا إن شاء اللهُ يكون المنزلُ، بوحيٍ من الله هذا منزلي، و بعد موته أصبح قبرا، الناقة لم يقل: دعوها فإنها مأمورة، لما وقفت الناقةُ جاءه الوحيُ هنا اجعَل بيتَك في هذا المكان.
و من فضل الله علينا أن قبر النبيِّ ثابتٌ تاريخيا، كثير من الأنبياء قبورهم غير ثابتة، يقرأ الفاتحة، هل ترى حقا أن هنا سيدنا يحيى، الله أعلم، هناك شيء من الشكِ يداخلك، و تزور قبر سيدنا خالد، أكيد أنه هنا مدفون، هناك روايات ضعيفة أنه مدفون، مادام هناك ضعف في الروايات هناك شعور بالقلق، لكن من فضل الله على هذه الأمة أن قبر النبيِّ عليه الصلاة و السلام ثابت ثبوتا قطعيًّا، مكان ما بركت الناقةُ هنا منزله، و بعد وفاته كان قبرا، فقال النبيُّ -قضية وحي الآن- ليس هناك مجاملات، فقال النبيُّ الكريم: أيُّ بيوت أهلنا أقرب ؟ الصحابة أهله، و أنت من أهلك ؟ إخوانك، على شاكلة واحدة و مشرب واحد و من قيم واحدة، فقال أيُّ بيوت أهلنا أقرب ؟ وصف أصحابَه بأنهم أهلُه فقال أبو أيوب: أما يا نبيَّ الله، هذا بيتي، هذه داري و هذا بابي فقال: فانطلِق فهيِّئ لنا مقيلا، هيِّئ لنا البيتَ، فذهب فهيِّأه ثم جاء فقال: يا رسول الله قد هيَّأتُ لك مقيلا قوما على بركة الله فقيلا، ارتاحوا قليلا و نزل النبيُّ عند أبي أيوب فأقام عنده حتى بنى مسجدَه و مساكنه، و جعلت الهدايا من الطعام و الشراب تتوارد على النبيِّ صلى الله عليه و لم و كانت أولَ هدية هُدِيت له قصعةٌ جاء بها زيدُ بن ثابت، فيها خبز مسرود بلبن وسمن، أي فتَّة، يبدو أنه شيء طيِّب كثيرا فقدَّمها إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم و يقول: أرسلتْ بهذه القصعة أمِّي، فقال عليه الصلاة والسلام: بارك اللهُ فيك و في أمِّك، انظُروا إلى دعاءه عليه الصلاة و السلام، و دعا أصحابَه فأكلوا، ثم جاءت قصعةُ سعد بن أبي عبادة فيها ثريد و عُراق لحم، و جعل بنو النجَّار يتناوبون حملَ الطعام إليه طولَ مقامه في دار أبي أيوب، و أقام النبيُّ في دار أبي أيوب سبعة أشهر و قيل: نحو سنة، حتى بنى مسجده و مساكنه و نزل معه أسامةُ بن زيد، و قيل: إن عليًّ بن أبي طالب نزل معه، و كان قد قدِم من مكة.
الدرس القادم إن شاء اللهُ بعد أن نزل النبيُّ إلى المدينة جعل لأهل المدينة نظاما و معاهدةً إن شاء الله نقف عندها وقفةً متأنِّية في الدرس القادم لأنها ذات أهمّية بالغة جدًّا في السيرة، كيف نظَّم النبيُّ المجتمعَ الإسلاميَّ الجديد، لأن المجتمع الإسلامي مجتمع منظَّم، مجتمع فيه حقٌّ وواجب، فيه أخذٌ و عطاء، فيه حقوق و فيه حدود و فيه واجبات، إن شاء اللهُ في الدرس القادم نقف عند الوثيقة التي خطَّها النبيُّ و نظَّم بها مجتمعه في المدينة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:30 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 009: الهجرة (4)- هجرة النبي صلى الله عليه وسلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-08-04
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله وأصحابه أجمعين.
و بعدُ فيا أيها الإخوة، لا زلنا في دروس السيرة، و لا زلنا في سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، و قد انتهينا في الدرس الماضي من وقائع الهجرة، و كيف وصل النبيُّ صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و استقبله أهلُها استقبالا حارًّا، و قبل أن نتابع موضوعاتٍ الهجرة نقف وقفتين ؛ الوقفة الأولى عند سراقة بن مالك و قصته التفصيلية، و عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، عند سراقة بن مالك و عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما، لأن في قصتيهما دلالات كثيرة و استنتاجات رائعة، وهذا من السيرة، نحن ما خرجنا عن السيرة، و لكن أردنا أن نعمِّق و أن نفصّل في فقرتين من فقر الهجرة ؛ الأولى تتعلَّق بسراقة بن مالك، و الثانية تتعلق بأبي أيوب الأنصاري، مما يؤكِّد نبوَّة النبيِّ صلى الله عليه و سلم، سراقة تعلمون أنه كان فارسا من فرسان قومه طويل القامة عظيم الهامة، بصيرا باقتفاء الأثر، عنده قدرات خاصة، بصيرا باقتفاء الأثر صبورا على أهوال الطريق، و كان إلى ذلك أريبا لبيبا شاعرا و كانت فرسُه من عِتاق الخيل، أي ستون حصانا بالتعبير الحديث، كانت فرسه من عتاق الخيل، صفات رائعة، و قلَّما تجتمع في إنسان، هذا حينما سمع أن قريشا رصدتْ مائة ناقة لمن يقبض على النبيِّ حيًّا أو ميِّتا، و مائة ناقة أخرى لمن يقبض على سيِّدنا الصدِّيق حيًّا أو ميِّتا، و مائتا ناقة تعدل كما قلنا في درس سابق ما يزيد عن ثلاثين مليون، أي ثروة ضخمة جدًّا، لذلك مضى سراقةُ يطوي الأرض طيًّا لكنه ما لبث قبل أن يرى محمدًا هو يسير باتِّجاه يلاحق النبيَّ عليه الصلاة و السلام، بعد أن تأكَّد ممَّن دخل عليه وهو في قومه أن ثلاثة يمرُّون إلى جانب الوادي و قد أشار القائلُ إلى أنهما النبيُّ عليه الصلاة و السلام و صاحبه، لكنَّه عمَّى عن ذلك و تجاهل ذلك و قال: هذا فلان ذهب ليبحث عن ناقته و أراد أن تبقى الجائزةُ له.
أولُ تنبيه من الله عز وجل، أحيانا الإنسان يكون مقدِمًا على عمل لا يرضي الله يقع و يُشجُّ رأسُه و يمزق ثوبُه و يفقد دراهمَه، هذه أشياء دقيقة جدًّا لعلَّها إشارات من الله، المؤمن أريب، إذا مضيتَ إلى عمل لا يرضي اللهَ و رأيت بعض المنبِّهات و بعض المذكِّرات، بعض الذي يلفت النظرَ فانتبه، هذا من رحمة الله عز وجل، قبل أن يلقى النبيَّ عليه الصلاة و السلام قبل أن يلقى النبيَّ عثرت به فرسُه و سقط عن صهوتها فتشاءم من ذلك، و قال: ما هذا، ليس هذا من عادته، تبًّا لكِ من فرس و علا ظهرَها ثانية، غير أنه لم يمضِ بعيدا حتى عثرت به مرة أخرى إشارة ثانية من الله عز و جل، أعرف رجلا اغتصب محلاًّ تجاريا من إخوته، و المحلُّ انطلق انطلاقة عجيبة، هو يركب مركبته غلى جانب طريق الحجاز جانب البريد أُصيب بأزمة قلبية و هو يقود سيارته، و كانت إلى جانبه زوجته، و من غرائب الصُّدف أن مضى صديقُه من ذلك المكان، فقاد السيارة و أخذه إلى غرفة الإنعاش في أقرب مستشفى بعد أن صحا قال: آتوني بآلة تسجيل، جاءوا له بآلة تسجيل فقال في هذه الآلة: هذه الدكان لي و لفلان و لفلان، صرَّح بالاغتصاب، ثم أُنعِش و بعدها صحا، و بعد أيام شعر أنه أبلًّ من مرضه فطلب الشريط و كسَّره و عاد إلى سابق سيرته، و بعد ثمانية أشهر وافته المنيَّةُ، ما تفسير هذه القصة ؟ إشارة من الله و تنبيه، و المؤمن نبيهٌ، فسيدنا سراقة جاءته إشارة من الله، إشارة، فازداد تشاؤما و همَّ بالرجوع، فما ردَّه عن همِّه إلا طمعُه بالجائزة، ثم انطلق بفرسه ثانية باتِّجاه النبيِّ و صاحبه و مولى سيدنا أبي بكر، غدَّ السير إلى أن أبصر النبيَّ عليه الصلاة والسلام و صاحبيه فمدَّ يده إلى قوسه من أحل أن يرميَ بقوسه و سهمه النبيَّ صلى الله عليه و سلم، لكنَّ يده جمدتْ في مكانها، ذلك لأنه رأى قوائم فرسه تسيف في الأرض، و الدخان يتصاعد من بين يديه، أي الغبار و يغطِي عينيه و عينيها، فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت، جمدتْ في الأرض كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد فالتفت إلى النبيِّ صلى الله عليه و سلم و صاحبيه و قال بصوتٍ ضارع يا هذان أُدعُوا لي ربَّكما أن يُطلق قوائم فرسي، و لكما عليَّ أن أكفَّ عنكما، فدعا له النبيُّ صلى الله عليه و سلم، فأطلق اللهُ له قوائم فرسه لكن أطماعه بالجائزة ما لبثت أن تحرَّكت من جديد فدفع فرسَه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل، فاستغاث بهما ثانية، و قال: إليكما، أول مرة توسَّل إليهما، والمرة الثانية قال: إليكما زادي و متاعي و سلاحي فخذاه، و لكما عليَّ عهدُ الله أن أردَّ عنكما من ورائي من ورائي من الناس، هذا متاعي و هذا زادي و هذا سلاحي فخذاه و لكما عليَّ أن أردَّ عنكما من ورائي من الناس، فقالا له: لا حاجة لنا بزادك ومتاعك و لكن رُدَّ عنا الناسَ، ثم دعا له النبيُّ صلى الله عليه و سلم فانطلقت فرسُه، فلما همَّ بالعودة ناداهم قائلا: تريَّثوا أكلمكم، فو الله ما يأتيكم مني شيئا تكرهونه، اطمئِنوا، قالا له: ما تبتغي منا ؟ فقال: و اللهِ يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينُك، أي أنت نبيٌّ، أول دليل، و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس و السادس، ستة إشارات من الله عز وجل، فقال: و الله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينُك و يعلو أمرُك فعاهدني إذا أتيتكَ في ملكِك أن تكرمني، اُكتُب لي بذلك وصيَّة، أنا الآن متأكِّد أنك نبيٌّ و سوف يظهر دينُك و سوف يعلو شأنك، و لكن عاهدني يا محمد إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني، اكتُب لي بهذا وثيقة، فأمر النبيُّ صلوات الله و سلامه عليه الصدِّيق فكتب له على لوح من عظم و دفعه إليه، و لما همَّ بالانصراف قال عليه الصلاة و السلام -هنا بيت القصيد -:و كيف بكَ يا سراقة إذا لبستَ سواريْ كسرى، إذا واحد أعرابي من أطراف البادية قلنا له: كيف بك إذا ركبتَ طائرة بوش مثلا، و ركبت يختَه و مركبته، و جلست في مكانه يقول لك: لا بد لك من قصير، طبعا نفس النسبة، إنسان ضعيف في صحراء يعهده النبيُّ عليه الصلاة و السلام أن يلبس سواريْ كسرى نبيٌّ عظيم لا ينطق عن الهوى، وهذا من معجزاته صلى الله عليه و سلم قال تعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27)﴾
[سورة الجن]
قال سراقة في دهشة:كسرى بن هرمز ‍! الآن كسرى اسم، أما يبدو في وقته اسم كبير جدًّا، كيف هناك في العالَم دولٌ عظمى، و هناك رؤساء لدول عظمى، و هناك دول أعظم من دول و أن رئيس أعظم دولة في العالم بالمقياس الحديث، قال له: كسرة بن هرمز ‍! يخاطب النبيَّ، قال: نعم كسرى بن هرمز، هنا دقِّقوا و لا تنسوا هذا الموقف، قال: عاد سراقةُ أدراجه ووجد الناسَ أقبلوا ينشدون النبيَّ صلى الله عليه و سلم فقال: ارجعوا لقد نفضتُ الأرضَ نفضًا، بحثا عنه، أبغي المحال، و أنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر فرجعوا، ثم كتم خبره مع محمد انظُر إلى الوفاء، و لمَّا يسلم بعد، كتم خبره مع محمد و صاحبه حتى أيقن أنهما بلغا المدينة و أصبحا في مأمنٍ من عدوان قريش، عند ذلك أذاعه، يا جماعة حدث لي مع محمدٍ كيت و كيت، فلما سمع أبو جهل بخبر سراقة مع النبيِّ صلى الله عليه و سلم و موقفه منه لامَه على تخاذله و جُبنه و تفويته فرصةَ القبض عليه، أنت جبان، فأجابه سراقةُ شعرًا، و كان شاعرا، قال له:

أبا حكَمٍ و اللهِ لو كنتَ شاهدًا لأمر جوادي إذْ تسوخ قوائمُه
علمتَ و لم تشكُك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
***
الموقف لم تذُقه.
الأيام دارت و النبيُّ عليه الصلاة و السلام هاجر واستقرَّ بالمدينة و علا شأنُه و استقرَّ ملكُه و حارب قريشا في بدرٍ و أحد و الخندق، و فتح مكةَ المكرَّمة، و قال:ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخٌ كريم و ابن أخٍ كريم، قال:
(( فاذهبوا فأنتم الطلقاء))
و لما صار النبيُّ كما توقَّع سراقةُ في أعلى مركز، قال سراقةُ: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه و سلم بالجعرانة ؛ مكان بين مكة و الطائف، فدخلتُ في كتيبة من الأنصار فجعلوا يقرعونني بكعوب الرماح و يقولون: إليكَ إليكَ ماذا تريد ؟ و معه كتاب، و معه العظمة، عهدُ النبيِّ، فما زلتُ أشقُّ صفوفهم حتى غدوتُ قريبا من رسول الله، وهو على ناقته، فرفعتُ يدي بالكتاب قلتُ: يا رسول الله أنا سراقة بن مالك، أتذكر.
يا إخوان لا إيمان لمن أمانة له، و لا دين لمن لا عهد له، و اللهِ يا إخوان زوال الكون أهون على الله عز وجل من أن يضيِّع مؤمنا، و المؤمن ذهاب ماله كلِّه أهون عليه من أن يخلف عهدا، من أن ينقض عهده أو يخلف وعده، الموقف الأخلاقي، قال: أنا سراقة بن مالك وهذا كتابك لي، فقال عليه الصلاة و السلام: أُدنُ مني يا سراقة، هذا يومُ بِرٍّ ووفاء، فأقبلتُ عليه و أعلنتُ إسلامي بيد يديه، و نِلتُ من خيره و برِّه، لم يمضِ على هذا اللقاء وقتٌ قصيرٌ حتى تُوُفِّي النبيُّ عليه الصلاة و السلام، نحن نريد أن نسمع و أن نرى ماذا حلَّ بهذا الوعد كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سواريْ كسرى، قال: كسرى بن هرمز ! قال عليه الصلاة و السلام: كسرى بن هرمز، أي هوَهوَ، هبَّت الجيوشُ تتَّجه نحو فتح بلاد فارس و كانت معركة القادسية، و في ذات يومٍ من أواخر أيام عمر قدِم على المدينة رسلُ سعد بن أبي وقَّاص يبشِّرون خليفةَ المسلمين بالفتح، هذه القادسية الأصلية، و يحملون إلى بيت مال المسلمين خمسَ الفيء الذي غنِموه، و لما وُضِعت الغنائمُ بين يدي عمر نظر إليها في دهشة، تاج كسرى و سواري كسرى و ثياب كسرى المنسوجة من خيوط الذهب، فقد كان في هذه الغنائم تاجُ كسرى المرصَّع بالدُّرِ و ثيابه المنسوجة بخيوط الذهب ووِشاحه المنظوم بالجوهر، و سواراه اللذان لم ترَ العينُ مثلَهما قط، و ما لا حصرَ من النفائس، فجعل عمر يقلِّب هذا الكنز الثمين بقضيب كان في يده احتقارا له، ما هذا ؟ تاج، و هذا، إذا الواحد كان يقلِّب القمامة أحيانا يترفَّع عنه بيده، يمسك قضيبا، فجعل عمرُ يقلِّب هذه الكنوزَ بقضيب كان بيده ثم التفت إلى من حوله و قال: إن قوما أدَّوا هذا لأمناءُ، ما هذه الأمانة ! لو واحد حامل تاج كسرى و شقَّ نحو إنطاكية لصار مليونير، و باعه هناك، لو حمل سواري كسرى و ذهب إلى بلد آخر قسطنطينية قال: إن قوما أدَّوا هذا لأمناء، كان إلى جانبه سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال: يا خليفة رسول الله أعجِبتَ من أمانتهم لقد عففتَ فعفُّوا و لو وقعتَ لوقعوا، الطُّهرُ منك بدأ، العفةُ منك بدأت، الاستقامة منك بدأت أتعجب يا أمير المؤمنين و يا خليفة رسول الله من أمانتهم لأقد عففتَ فعفُّوا و لو وقعتَ لوقعوا، و هناك رواية أخرى لو رتعتَ لرَتعوا، وهنا دعا الفاروقُ رضوان الله عليه و قال: أين سراقة؟ فألبسه قميصَ كسرى و سراويلَه و قِباءه و خفَّيه و قلَّده سيفه و مِنطقته ووضع على رأسه تاجه و ألبسه سوارين، نعم سوارين، و تحقَّقت نبوءة النبيِّ صلى الله عليه و سلم، عند ذلك هتفَ المسلمون الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم التفت عمرُ إلى سراقة و قال: بخٍ بخٍ، كلمة تعجُّب بخ بخ، أُعيْرابيٌّ أعيرابي تصغير أعرابي، تصغير، شويعر، قويئد، عُويلم، غويلم شجيرة، كتيب، صيغة التصغير، قال: أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى و في يديه سواره، ثم رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهم: إنك منعتَ هذا المالَ عن رسولك، هنا النقطة الدقيقة، و كان أحبَّ إليك مني، وأكرم عليك مني، إذا الواحد آتاه اللهُ الدنيا فلا يفرح كثيرا، لأن الله عز وجل ما آتاها لمن هو أحبُّ إليه منكَ، هكذا قال سيدنا عليٌّ: فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمدا أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، فإن قال: أهانه فقد كذب و إن قال: أكرمه فلقد أهان غيرَه حيث أعطاه الدنيا و قال عليه الصلاة و السلام:عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاء ))
[رواه الترمذي]
هيِّنة على الله، رأى النبيُّ شاةً ميِّتة ألقاها أهلها خارج البيت فقال عليه الصلاة و السلام:عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

(( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا فَقَالَ أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا))
[رواه ابن ماجه]
كلام سيدنا عمر رائع اللهم إنك تعلم أنك منعتَ هذا المالَ رسولَك وهو أحبُّ إليك مني، و أكرم عليك مني و منعته أبا بكر و كان أحبَّ إليك مني، و أكرم عليك مني،و أعطيتني إياه فأعوذ بك أن تكون قد أعطيتني إياه فتنة لي الأنبياء كانوا فقراء، فإذا أنت كنت غنيًّا فلا مانع لكن إياكَ أن تظنَّ أنك مكرَّم بهذا المال، لا، هذا المالُ ابتلاء، فإن أنفقته في طاعة الله أصبح نعمةً، فإن لم تفعل هو بلاء، ابتلاء و بلاء هذه قصة سراقة بالتفصيل التي مررنا عليها في الدرس الماضي مرورا سريعا.
أما الوقفة المتأنِّية الثانية عند قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كلكم يعلم أن قدر هذا الصحابي الجليل في القسطنطينية، ما قصة هذا الصحابي الجليل ؟
الدرس الماضي وجدت في الدرس موضوعين يحتاجان إلى تفصيل، إذًا هما من صلب السيرة النبوية، أما سيدنا أبو أيوب الأنصاري، تعلمون كيف ناقة النبي قال: دعوها فإنها مأمورة، و كيف أنها وقفت في ساحة، و كيف أن الوحي جاء النبيَّ و كي أن النبيَّ علم أن هذا المكان بأمر الله عز وجل هو مسجد رسول الله و حوله بيوته.
أبو أيوب الأنصاري كيف وصل النبيُّ و كيف بركت ناقتُه القصواءُ و كيف قال: أي بيت أهلنا أقرب، و كيف كان بيت أبي أيوب أقرب البيوت إلى مكان استقرار الناقة، هذا مرَّ بنا في الدرس الماضي، و لكن الوقفة اليوم عند منزل أبي أيوب الذي اختارته العنايةُ الإلهية ليكون منزلَ النبيِّ صلى الله عليه و سلم في هذه الهجرة المباركة.
قال: كان منزلُ أبي أيوب يتألَّف من طبقة فوقها عُليَّة، طبقة فوقها عُليَّة أي فيه غرفة في الطابق الثاني، فأخلى العُليَّة من متاعه و متاع أهله لينزل فيها رسولُ الله، لكنَّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام آثر عليه الطبقة السفلى، سيدنا أبو أيوب خطَّط أن هذه الغرفة العالية لرسول الله، أخلى منها متاعه وأثاثها و كلَّ شيء، أما النبيُّ عليه الصلاة و السلام آثر الطبقة السفلى، فامتثل أبو أيوب لأمره و أنزله حيث أحبَّ، و لما أقبل الليلُ - انظُر إلى توقير النبيِّ عليه الصلاة و السلام، و انظر إلى محبَّة النبي، و انظر إلى هؤلاء الأصحاب الذين كانوا يغضُّون أصواتَهم عند رسول الله، الدين كلُّه أدب، الدين كلُّه أدب في أدب - و لما اقبل الليلُ و أوى الرسولُ صلوات الله عليه إلى فراشه، صعِد أبو أيوب و زوجه إلى العُليَّة، و ما أن أغلقا عليهما بابها حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته و قال: ويحكِ ماذا صنعنا، أيكون رسول الله أسفل منا و نحن أعلى منه ؟ أنمشي فوق رسول رسول الله، أنصير بين النبيِّ و الوحي ؟ إنا إذًا لهالكون، بكل ما يملك من مشاعر، أنا أكون فوق النبيِّ، أنا أكون بين النبيِ و الوحي ؟ أنا أمشي فوق النبيِّ، قال: ويحكِ ماذا صنعنا أنصير بين النبيِّ و الوحي ؟ إنا إذًا لهالكون، و سُقِط في أيدي الزوجين وهما لا يدريان ماذا يفعلان، النبيُّ نام، دخل و نام، و لم تسكن نفساهما بعضَ السكون، إلا حين انحازا إلى جانب العُليَّة، توقَّعوا أن النبيَّ ينام في الوسط، فانحازا إلى طرف الغرفة، الذي لا يقع فوق رسول الله، و التزماه لا يبرحانه إلا ماشين على الأطراف متباعدين عن الوسط، أي تحرَّجوا حرجا كبيرا أن يتحركَا وسط العلية و تحركا إلى جانب العلية، فلما أصبح أبو أيوب قال للنبي صلى الله عليه و سلم: و اللهِ يا رسول الله ما أُغمِض لنا جفنٌ هذه الليلة، لا أنا و لا أم أيوب فقال عليه الصلاة و السلام: و ممَّ ذلك يا أبا أيوب ؟ خيرا إن شاء الله،النبيُّ كان بسيطا، ليس فيه تعقيدات، ممَّ ذلك يا أبا أيوب ؟ قال: ذكرتُ أني على ظهر بيتٍ أنت تحته، و أني إذا تحرَّكتُ تناثر عليك الغبارُ، لم يكن هناك إسمنت، فآذاك، ثم إني غدوتُ بينك و بين الوحي، فقال عليه الصلاة و السلام: هوِّن عليك يا أبا أيوب، القضية بسيطة جدًّا، إنه أرفق بنا، تحت أريح لنا، أن نكون في السفل لكثرة من يغشانا، عندنا زبائننا كثُر، طول النهار دق بالمفتاح، تفضَّل و خذوا الطريق، يا الله، شغلة، تحت أريح لنا، باللغة الدارجة " التحت أريح" قال: هوِّن عليك يا أبا أيوب، إنه أرفق بنا، أن نكون في السفل لكثرة من يغشانا من الناس، فقال أبو أيوب فامتثلتُ أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن كانت ليلةٌ باردة، برد، و المدينة باردة، إذا الواحد ذهب إلى العمرة و معه أغراض فليأخذ معه " كنزة" إلى أن كانت ليلةٌ فانكسرت لنا جرَّةٌ بالعُليَّة و أُريق ماؤها في العلية، و لا يوجد إلا لِحافٌ واحد يلتحفانه، فقمتُ إلى الماء أنا و أم أيوب و ليس لدينا إلا قُطيفةٌ كنا نتَّخذها لحافا، و جعلنا ننشِّف بها الماءَ، بأبي أنت وأمي إني أكره أن أكون فوقك، و أن تكون أسفل مني ثم قصصتُ عليه خبر الجرَّةَ فاستجاب لي، كذلك النبيُّ ليِّن اللهم صلِّ عليه، أخذ موقفا و غيِّره الآن ما الذي حدث ؟ أنا قلت كلمة ؛ من حضْرتُك ؟ تراجع، فالنبيُّ شعر أن أبا أيوب يحمِّله ما لا يطيق، بالسكنى فوق، مع أنه في الطابق السفلي أهون للنبيِّ، و النبيُّ لما رأى أبا أيوب متحرِّجا و متألِّما و منكمشا ماذا فعل النبيُّ، قال: فاستجاب لي و صعد إلى العلية و نزلت أنا و أم أيوب إلى السفل، الحمد لله، هنا مكاننا، طيِّب الأعلى أجمل، أقام النبيُّ عليه الصلاة و السلام في بيت أبي أيوب نحوا من سبعة أشهر حتى تمَّ بناءُ مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها الناقةُ، ثم انتقل إلى الحجرات التي أُقيمت حول المسجد له و لأزواجه، فغدا جارا لأبي أيوب أكرِمْ يهما من متجاوريْن.
أراد أبو أيوب مرَّةً أن يدعوَ النبيَّ على طعام نفيس فذبج ذبيحةً و هيَّأ خبزا و هيَّأ تمرا و أُقطًا، من أطيب الطعام، فأخذ أبو أيوب جديًا فذبحه و قال لامرأته: اِعجِني و اخبزي و أنتِ أعلم بالخبز، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه و عمد إلى نصفه الثاني فشواه، فلما نضج الطعامُ ووُضِع بين يدي النبي و صاحبيه أخذ النبيُّ عليه الصلاة و السلام قطعة من الجدي ووضعها في رغيف و قال: يا أبا أيوب بادِر بهذه القطعة إلى فاطمة، فإنها لم تأكل مثلَ هذا منذ أيام، و كان يقول:
((فاطمة بضع مني من أكرمها فقد أكرمني))
و البنت غالية كثيرة، قال: يا أبا أيوب بادِرْ بهذه القطعة إلى فاطمة فإنها لم تُصِب مثل هذا منذ أيام، هنا النقطة، فلما أكلوا و شبعوا قال عليه الصلاة و السلام: خبزٌ و لحم و تمرٌ و رُطبٌ و دمعتْ عيناه، ثم قال:
((و الذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة ))
هاتوا شايًا أخضر، هاتوا رزًّا بحليب، هاتِ الفواكه يا ولد، هات الحلويات، غالي البطيخ، هذه حقها ستٌّ و ثمانون ليرة، قلْ: يا ربي لك الحمد، تجد ه يشتري و يأكل و يُضيِّف و ليس له شكرٌ لله عز وجل، سيدنا عمر أكل خبزا و ملحاً فقال: الحمد لله الذي أشبعنا و شرب ماءً، الذي أسقانا فأروانا، الذي أطعمنا فأشبعنا و أسقانا فأروانا، إذا الإنسان صحَّته طيِّبة و عنده طعامه يأكل، يجب أن يذوب شكرا لله عز وجل، قال: و الذي نفس محمد بيده هذا هو النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة، فإذا أصبتُم مثلَ هذا فضربتُم بأيديكم فيه فقولوا: بسم الله، فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا و أنعم علينا و أفضل.
عاش أبو أيوب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم حياةً متَّبعا سُنَّة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، ما تخلَّف عن غزوة قط، و كانت آخرُ غزواته ؛ الآن اسمعوا: الرجل بلغ الثمانين من عمره ؛ و كانت آخر غزواته حين جهَّز معاويةُ جيشا بقيادة ابنه يزيد لفتح القِسطنطينية و كان أبو أيوب حين ذاك شيخا طاعنا في السِّن، يحبو نحو الثمانين من عمره، فلم يمنعه ذلك العمُرُ أن ينضويَ تحت لواء يزيد و أن يبخُرَ عُباب َ البحر غازيا في سبيل الله، الآن رفعوا الخدمة الإلزامية من خمسة و أربعين إلى خمسة و خمسين، سن الإعفاء، فالناس ثمانون سنة ركب البحرَ غازيا ينبغي وجه الله عز وجل، ما هؤلاء الصحابة ! لكنه لم يمضِ غيرُ قليل على منازلة العدوِّ حتى مرِض أبو أيوب مرضًا أقعده عن مواصلة القتال، أي يبدو أنه أُصيب بالشلل، فجاء يزيدُ ليعوده و يسأله، هل لك من حاجة يا أبا أيوب ؟ قال:اِقرأ عني السلام على جنود المسلمين و قل لهم - طبعا وجودُ أبي أيوب معهم أعطاهم حماسا كبيرا جدًّا، صحابي جليل من أصحاب رسول الله، هو الذي نزل عنده - قال: اقرأ - إذا أنت لك جارٌ و تقدر بجاهك أن تنفع أخاك فلا تقصِّر، إذا وجودك بهذا المكان يحلُّ مشكلة أخيك، و إذا وجودك يحمِّس الآخرين، إذا مكانتك الاجتماعية تشجِّع الناسَ لطلب العلم، إذا كانت مكانتُك الاجتماعية تحضُّ الناس على بذل المال في سبيل الله لا تضن بهذه المكانة، فيبدو أن أبا أيوب وجوده في الجيش أكبر دافع للنصر فمضى في هذا الجيش وهو يزيد عن ثمانين عاما، طاعن في السِّن، و أصابه مرضٌ عضالٌ أقعده عن متابعة القتال، و مع ذلك قال: يوصيكم أبو أيوب أن توغِلوا في أرض العدوِّ إلى أبعد غاية،و أن تحملوه معكم من أغرب الغرائب أن أبا أيوب الأنصاري حمله المسلمون وهو مُقَعد في فتحهم للقسطنطينية، و أن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية، و لفَظ أنفاسَه الطاهرة، و فعلاً الجنود المسلمون استجابوا لهذه الرغبة المُلِحة و كرُّوا على جند العدوّ الكرَّة بعد الكرَّة حتى بلغوا أسوارَ القسطنطينية وهم يحملون أبا أيوب معهم، وهناك حفروا له قبرا ووارَوه فيه، إخواننا الأتراك ؛ أين يقع قبر أبي أيوب ؟ في حي أيوب هنيئا لكم بهذا المقام الذي عندكم، و هنا حفروا له قبرا وواروه فيه، و قبر أبي أيوب الأنصاري الآن في استنبول.
أيها الإخوة الأكارم ؛ ذكرت هاتين القصَّتين لأنهما تفصيل للدرس الماضي، و أريد قبل أن ينتهيَ الدرسُ أن أطرح هذا السؤال، الحقيقة هناك سؤال كبير المسلمون الآن ألف مليون مسلم، و بلغني آخرُ رقم ألف و مائتا مليون مسلم، و كان أصحابُ النبيِّ لا يزيدون عن عشرة آلاف صحابيٍّ، و قد رفرفتْ رايتُهم في أطراف الدنيا، الذي يجب أن نبحث عنه، ربُّنا هوهو، يعني إلهُنا غيرُ إلههم، لا، لا إله إلا الله ربُّنا هو هو، طيِّب و القرآن هو هو، سنة النبيِّ هي هي، طبيعة الإنسان هي هي، الشهوات التي أودعها اللهُ فينا أودعها فيهم، الرغبات التي زُرِعت فينا زُرِعت فيهم، ألا ينبغي أن نسأل هذا السؤال بإخلاص: ما الفرق بيننا و بينهم ؟ كانوا صادقين مع الله، الإسلام له مظاهر و له حقائق، كانوا مع حقائقه، و من أبرز حقائق الدين أن تستقيم على أمر الله، من أبرز حقائق الدين أن تحبَّ اللهَ و رسولَه، حبًّا يدفعك إلى طاعته، من أبرز حقائق الدين أن يكون اللهُ و رسولُه أحبَّ إليك ممَّا سواهما، من أبرز حقائق الدين أن تعرف لماذا أنت في الدنيا، ماذا بعد الموت، هذا الذي يؤدِّي الصلوات و يصوم الصيام المفروض و يحجُّ كما يحجُّ الناسُ و يؤدِّي زكاةَ ماله و يتحايل في ذلك ألقف حيلة و حيلة و يزعم أنه مسلم و هو غارقٌ في الملذَّات التي لا ترضي اللهَ عز وجل هذا محسوب على المسلمين و ليس منهم، لكن و اللهِ هناك واحد كألف و هناك ألف كأُف، و إذا الإنسان شعر أن بابَ الله مفتوحٌ، بابَ البطولة مفتوح، باب الطاعة مفتوح و باب الإخلاص لله مفتوح، درس الجمعة الماضية ذكرت بعض الأعمدة الأساسية للإيمان ؛ العمود الأول الاستقامة على أمر الله، أقول لكم كلاما من قلبي: إذا أحدنا، أحد الإخوة الحاضرين ليس مستعدًّا يطبِّق الشرع تماما لا يعتاد إذا أمضى سنوات تلو السنوات و يقول بعد هذا لم أستفِد شيئا، لأن أحد الأعراب جاء النبيَّ عليه الصلاة و السلام و قال: يا رسول الله عِظني و لا تُطِل، لا تطِل عليَّ، فقال عليه الصلاة و السلام:
(( قل: آمنت بالله ثم استقِم ))
وجد الاستقامة صعبة عنده، قال: أريد أخفَّ من ذلك، قال:
((إذًا فاستعِدَّ للبلاء ))
إذا الاستقامة ثقيلة عليك استعِدَّ للبلاء، وهذا أول طلب، يعني الحلال بيِّن و الحرام بيِّن، و أنا و اللهِ لكم ناصحٌ أمين، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
[رواه مسلم]
أي إذا الإنسان ما استقام، الطريق مسدود، مهما تزيَّ بزيِّ المسلمين ومهما تظاهر بمظاهر المسلمين، إن لم يستقم فالطريق مسدود، كلمة تصيب كبد الحقيقة، إن لم تضع شهواتِك تحت قدمك، إن لم تأتمر بما أمر اللهُ و إن لم تنتهِ عما نهى اللهُ عنه فالطريق مسدود، تحضر مجلس علم، تقرأ الكتاب الفلاني و تسمع شريطا، و تثني على الخطيب، و تمدح المدرِّس يقول لك: يا أخي مشاعري كلها إسلامية و الحمد لله، و عندك مكتبة إسلامية، كلُّه جميل، لكن مادام معاصي و مادام فيه مخالفات و مادام فيه تقصيرات الطريق إلى الله مسدود، و الأمر خطير و الموت على الأبواب و العمر قصير و المهمَّة صعبة، جدِّدوا فإن البحر عميق، يا أبا ذر جدِّد السفينة فإن البحرَ عميق، الزوجة يا تُرى سافرة أم محجَّبة ؟ الله يصلحها و يهديها لا ترضى معي، " تصطفل" ليس هذا المسلم، لا بدَّ لها من محاولات، هناك في البيت مخالفة هناك في كسب المال مخالفة، هناك في إنفاق المال مخالفة، هناك في العلاقات الاجتماعية مخالفة، في الندوات و السهرات و النُّزهات هناك اختلاطات، هناك انحرافات حتى تشعر أنك أنت مع الله، حتى تحسُّ أن قلبك موصول بالله، حتى تقطف ثمارَ الدين، أقول لكم هذا الكلام لأن إلقاء العلم من دون هذه التوجيهات قد يظنُّ الإنسان أنه تعلَّم، و أنه درس و أنه فهِم السيرة، ما قيمة العلم كلّه إن لم يكن سلوكا بيننا، إذًا أول سؤال أحد الأعمدة الاستقامة، قال تعالى:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾
[سورة هود]
الاستقامة عين الكرامة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾
[سورة فصلت]
العمود الثاني - انظر الاستقامة تحتاج إلى طلب علم حتى أنت بين طلب العلم و بين الالتزام، طلب العلم يعطيك أفقًا أوسعَ، و الاستقامة تجعل الطريق إلى الله سالكا، و الحقيقة الاستقامة سلبية و العمل الصالح إيجابي، فأنت بين طلب العلم و بين العمل الصالح، و النبي قال:
((لا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله علما و لا بورك لي في يوم لم أزدد من الله قربا))
فأنت في صلاة الفجر، قل: اللهم هب لنا عملا صالحا يقرِّبنا إليك، اسأل نفسك هل لك عمل صالح ؟ لك عمل يصلح للعرض على الله، أما هذا النشيد الذي ينشدونه:
"ما لي عمل يصلح لعرض عليك"
ما معناه، هذا لغرض يعني، ما لي عمل يصلح للعرض عليك، أي هذا المنشِد ظنَّ الشيء رائع جدًّا انم يكون هكذا، اِبحث عن عمل يصلح على العرض على الله، لك عمل و لم دعوة، هناك أخ هديته إلى الله وهناك أخ عاونته، أقرضتَ فقيرا وأعنت مسكينا، ماذا عملت ؟ هناك أعمال تنتهي لمصلحتك، كلها تنتهي لصالحك، هذه الأعمال لا قيمة لها
فيا أيها الإخوة الأكارم عمود الاستقامة يجعل الطريق إلى الله سالكا و عمود العلم يوسِّع الأفق، و عمود العمل يدفعك نحو الله عز وجل الطريق سالكٌ لكن لا بدَّ لك من محرِّك، و المحرِّك هو العلم و العمل فهذا الذي يُجدي، الوقت ثمينٌ و العمر قصير، و المواصلات صعبة و حضور الأخ غالٍ عليَّ كثيرا، أنه يقعد سنة سنتين ثلاثة مقيم على خمس مخالفات في بيته، و في عمله، يجد الطرق كلها مسدودة، و الله كلُّه سمعناه، و لو عمل بما عمل أورثه الله علم ما لم يعمل، لو عمل بما علم، فنحن لا نريد كلاما كثيرا، نريد كلاما قليلا و عملا كثيرا، نريد أن يكون أحدُنا ذا عملٍ أكبرَ من علمه، لا علم غزير و عمل قليل هؤلاء الصحابة هكذا فعلوا، أخلصوا، هناك موضوعات كثيرة المسلمون المتأخرون اشتغلوا، ومزَّقتهم هذه الموضوعات و اختلفوا و أصبحوا فرَقا و أحزابا و شيعا و طوائف، و تراشقوا التُّهم، كل هذه الموضوعات الصحابة ما طرقوها أبدا، وضعوا يدهم على جوهر الدين لا أنسى هذا الموقف و أنا أقوله لكم كثيرا، لما سيدنا عمر امتحن أحد الأعراب الرعاة، قال: بِعمي هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي قال: قل لصاحبك أكلها الذئبُ، قال: ليست لي، قال: خذ ثمنها، قال و اللهِ إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها و قلتُ لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده لصادق أمين، و لكن أين الله، هذه هي الدين كلُّه يتلخَّص في أين الله، ممكن أن تعصيه وهو يراقبك، ممكن أن تغشَّ مؤمنا، تغش إنسانا، تكذب على إنسان، تستبيح مال إنسان تغتصب مال إنسان، تبتزُّ مال إنسان، تعتدي على إنسان تغتاب إنسان من استقام على أمر الله وضع يده على جوهر الدين، و استقيموا و لن تُحصوا، و حينما تستقيمون تعرفون لذَّة القرب، تعرفون معنى أن الدين يسعد الإنسان إلى الأبد.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:34 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 010: الهجرة (5)- تنظيم المجتمع الإسلامي في المدينة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-08-11
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، و أرنا الحق حقًّا و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم ؛ لا زلنا في السيرة النبوية الشريفة، و لا زلنا في موضوع الهجرة، و ما تلا هذا الموضوع من حوادث و من عبر تُستنبط من هذه الحوادث.
الآن وصل النبيُّ عليه الصلاة و السلام إلى المدينة المنورة، و يُعدُّ وصولُه إليها إشعارا بظهور أول كيان للمسلمين، سماها الفقهاءُ دار الإسلام، ظهر أولُ كيان للمسلمين، ماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام في تنظيم هذا المجتمع، دقِّقوا فيما فعله النبيُّ، أو في العمل الذي بدأ به النبيُّ عليه الصلاة و السلام تنظيم هذا المجتمع.
أولُ شيء فعله بنى المسجد النبويَّ الشريف، إذًا يُعدُّ المسجد الأساس الأول للمجتمع الإسلامي، السؤال لماذا ؟ لماذا يُعدُّ المسجد الأساس الأول للمجتمع الإسلامي ؟ لأن الإسلام عقيدة، والإسلام نظام، الإسلام آداب، في أيِّ مكان تُبثُّ هذه العقيدة، و في أيِّ مكان يُعلّم هذا النظام و في أيِّ مكان تُرسَّخ هذه الآداب غير المسجد، إذًا لا مجتمع إسلامي إلا بمسجد، ما الطريقة التي يمكن أن نصل بها إلى المسلمين، كيف نخاطب المسلمين، كيف نرسِّخ فيهم العقيدة الصحيحة، إذًا حينما بدأ النبيُّ عليه الصلاة و السلام بإنشاء مسجد في المدينة وهو المسجد النبوي الشريف، كان هذا العملُ إشعارا لنا أن المسجد ركيزة أولى و أساسية للمجتمع المسلم، قد يفهم أحدُكم أن المسجد كي نؤدِّي فيه الصلاة أؤكِّد لكم أن أقلَّ وظيفة من وظائف المسجد إقامة الصلاة، أقل وظيفة المسجد كما أنه ليس هناك تجارة بلا متجَر، ليس هناك استيراد بلا مكتب، ليس هناك تحضير بلا مقر، ليس هناك جامعة بلا بناء، جامعة في الهواء، لها بناء، لها قاعات تدريس، ليس هناك أمة بلا وطن، أي الوطن أساسه الأمة، و الجامعة أساسها البناء، و القاعات و المكتبات و التجارة أساسها المتجر، و المجتمع الإسلامي أساسه المسجد، لذلك من علامة الإيمان أن يتعلَّق قلبُك بالمساجد، من علامة النفاق أن تنفر من المساجد، إذًا النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما باشر تنظيمه للمجتمع الإسلامي، النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما بدأ أولَ تنظيم للمجتمع الإسلامي، بدأ بإقامة المسجد، في المسجد تُعلَّم العقيدة، في المسجد يُعلَّم نظامُ الإسلام، في المسجد تُعلَّم آدابه الرشيدة، إذًا إنشاء أول مسجد علامةٌ على أن المسجد هو أساس المجتمع الإسلامي.
الشيء الآخر الحقيقة المجتمع، كلمة مجتمع، أي أفراد بينهم علاقات متينة، هذه العلاقات المتينة القائمة على الأُخوة و المحبة أساسها اللقاءُ، مثلا الموضوع الذي يوضِّح هذه الفكرة موضوع صلة الرحم، لماذا أمرنا النبيُّ عليه الصلاة و السلام بصلة الرحم، ماذا يحدث لو ذهبتَ إلى أختك و زرتها في العيد، ماذا يحدث لو ذهبت إلى عمَّتك أو إلى خالتك أو إلى عمِّك،أو إلى أقرباءك، الحقيقة من السذاجة أن نظن أن صلة الرحم أن تزورهم في العيد، هذه الزيارة بداية التعرف على مشكلاتهم، لولا هذه الزيارة لما عرفتَ أحوالهم، ماذا يحتاجون، ماذا يشكون و ما الذي يعانون، إذًا ليس القصدُ أن تزورهم و أن يقدِّموا لك الضيافة، و أن تهنئهم العيد و السلام عليكم، و انتهى الأمرُ، لا القصد أن تتعرف عن أحوالهم، إلى ما يعانون، و إلى ما ينقصهم، و إلى ما يفرحهم، إلى ما يؤلمهم، و إلى ما يشكون،طيِّب، إذًا ليس القصد الصلة، القصد المعرفة، و المعرفة ليس في حدِّ ذاتها هدفا الهدف أن تبادر إلى المساعدة، كأن الله عز وجل يريد من هذا المجتمع المسلم أن يكون متكاتفا متعاونا متعاضدا، إذًا الصلة وسيلة والمعرفة وسيلة و الهدف أن يتعاون المسلمون فيما بينهم، هذه حكمة العلاقة بين الأقرباء، أي هذه الأسرة أن تكون متماسكة، متعاونة، غنيُّها يعين فقيرها، قويُّها يعين ضعيفها، صحيحها يعين مريضها، أولو الخبرة فيها يعينون ضعيفي الخبرة فيها، فكذلك المسجد، المجتمع الإسلامي أساسه المحبة و التآخي، طيِّب هذه المحبة و التآخي أين تكون ؟ في اللقاء، كيف تعرف أخاك إلا من خلال المسجد، تتعرف إليه في المسجد، و تتعرف على أحواله إلى معاناته و إلى تفوُّقه و إلى ضعفه و إلى حاجاته، الحقيقة ليس القصدُ أن تلتقيَ بأخيك في المسجد، القصد أن تعرف أحواله، القصد أن يتعاون المؤمنون فيما بينهم، مثلا أخٌ له حِرفة له مهنة في هذا المسجد أو أيِّ مسجد آخر، نحن يجب أن نشجِّعه يجب أن نبادر إلى التعاون معه، لأنه هو المؤمن الصادق الذي لا يغشُّ و لا يكذب، لا يطعنك في الظهر مثلا، فطبعا هذا الذي يثق المؤمنون به وهو يستغلُّ هذه الثقة ليـأخذ منهم فوق ما يجب، أو هذا الذي يستغلُّ ثقة المؤمنين به ليطلب من إخوانه فوق ما يستطيعون، هذا خانهم حينما يأتيك أخٌ إلى دكانك أو إلى متجرك أو إلى مكتبك وهو ملؤُه ثقة بأنك مسلم و أنك مؤمن و أنك لن تغشَّه، فإذا أنت استغليت هذه النقطة و رفعتَ عليه السعرَ فقد خُنته، لذلك الموضوع هو أن هذا المجتمع المسلم يتميَّز بعقيدة، و نظام و أخلاق، العقيدة و النظام و الأخلاق لا تُبثُّ و لا تُلقى إلا في بيوت الله، و حينما تأتي إلى بيت الله تأتي لتتزوَّد بالعقيدة الصحيحة، و لتعرف نظام الإسلام، لتعرف آداب الإسلام أنت بين عقيدة و بين عبادات و بين معاملات و بين أخلاق، فالعقيدة في دروس العقيدة، و العبادات في دروس الفقه و المعاملات في دروس الفقه، و الآداب في دروس التزكية، إذًا المسجد الذي بناه النبيُّ عليه الصلاة و السلام كأوَّل عمل فعله هو ركيزة المجتمع الإسلامي، و السبعة الذين يظلُّهم الله تحت ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه من هؤلاء السبعة:و شاب قلبه معلَّق بالمساجد، و علامة المؤمن أنه في المسجد كالسمك في الماء، لأنه بيتٌ من بيوت الله.
الشيء الثاني، من صفات المجتمع الإسلامي المساواة، أما المساواة لا تكون إلا في المسجد، يجوز في عالَم التجارة المدير العام له مكتب فخم جدًّا، و الموظَّف الصغير له غرفة صغيرة جدًّا، هناك مظهر فارق كبير بين مكتب المدير العام، و مكتب الموظَّف الصغير، لكن كل الفروق الدنيوية التي أساسها المالُ أو العلم، أو العلم الدنيوي أو القوة كل هذه الفروق تتلاشى في المسجد، أقلُّ المسلمين شأنا مع أعظمهم شأنا، أقل المسلمين مالا مع أكثرهم مالا، أقل المسلمين نباهةً يجلسون جنبا إلى جنب في بيت من بيوت الله، هذا الجلوس الموحَّد و هذه الصلاة الموحَّدة وهذا الذكر الموحَّد، وهذه المظاهر الصارخة التي توحِّد المسلمين أيضا علامة من علامات الأخوَّة الصادقة بينهم، في المسجد تتعلَّم العقيدة، و تتعلَّم العبادات و المعاملات و الأخلاق، في المسجد نلتقي مع بعضنا بعضا، نتعرَّف إلى أحوال بعضنا بعضا، ونتعاون على صلاح الدنيا و الآخرة، في المسجد نلتقي على شكل متساوي، ونحن في المسجد سواسية كأسنان المشط، هذا مما يرسِّخ العلاقة الطيِّبة بين المؤمنين.
الحقيقة الذي يعتني بالمسجد بناءً كنتُ ذكرت لكم أن أحد أصحاب رسول الله كان في الشام اشترى قناديل و اشترى ما تُعلَّق به و اشترى الفتيلَ و حينما جاء المدينة المنورة أمر غلامَه أن يعلِّق القناديل وأن يسرج هذه القناديل، فلما دخل النبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى المسجد في صلاة العشاء و قد ابتهج و قد نوَّرته هذه القناديل، قال: من فعل هذا ؟ قالوا: تميم الداري، فطلبه و أثنى عليه و قال:
((نوَّر اللهُ قلبَك كما نوَّرت المسجد، لو عندي فتاة لزوَجتكها ))
من شدَّة سروره عليه الصلاة و السلام، أي إذا جاء أخ إلى المسجد ووجد المسجد مريحا، نظيف أوَّلاً نظيف جدًّا، وجده مريحا في التهوية و في التدفئة مثلا، هناك ماء بارد و هناك ماء ساخن في الشتاء، و الجلسة مُريحة المرافق جيِّدة، هذا كلُّه يجذب الناسَ إلى المسجد، هناك أشخاص يتحسَّسون من التقصير في نظافة المسجد، يتحسَّسون من الجوِّ الحار أحيانا، يتحسَّسون من ضعف الصوت، فكلُّ من يسهم في توفير راحة رواد المسجد، راحة المصلِّين راحة طلبة العلم، فهذا له عند الله أجرٌ كبير، لأنه يحبِّب الناسَ في المسجد، يجذبهم إلى المسجد.
الحقيقة أن هناك علماء رأوا أن الأموالَ يجب أن تُنفٌّ في بناء المساجد لا في المبالغة في زخرفة المساجد، المبالغة في زخرفة المساجد ربَّما صار عليها إشكالٌ و خلافٌ بين العلماء، على كلٍّ الحكم الفقهي لا يجوز صرفُ أموال الوقف على زخرفة المساجد، لكن يجوز أن ينفق الإنسانُ بطواعية منه و مبادرة منه مالا على تزيين المسجد، لكن يبقى التزيينُ المعتدِل مقبولا و التزيين المبالغ به مكروها، كراهة تنزيهية عند عامَّة الفقهاء، لأن الإنسان إذا دخل إلى بيت الله و شُغِل بهذه الزخرفة و هذه التُحف و هذه الخطوط و تلك الثُّريات، رُبَّما انشغل عن صلاته بتأمُّل هذه الزخرفة، لذلك العلماء على أن، لكن ربُّنا عز وجل قال:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) ﴾
[سورة النور]
و معنى ترفع، فيها معنى زيادة على تُبنى، رفعُ البناء أن يكون بمظهر يجذب النفسَ إليه.
العمل الثاني الذي فعله النبيُّ عليه الصلاة و السلام، أول عمل بناء المسجد، بناء المسجد هو ركيزة المجتمع الإسلامي، لا مجتمع إسلامي بلا مسجد، مركز إشعاع، مركز تعليم، مركز عبادة، مركز ذكر مركز تعاون، بل إن دور المسجد في العصور الإسلامية كان خطيرا جدًّا، أي في كلِّية التربية درسنا في التربية الإسلامية دور المسجد المسجد كان جامعة، و المسجد كان دارَ قضاء، و المسجد كان دار فتوى، و المسجد كان دار تعليم، و المسجد كان دار حلِّ مشكلات المسلمين، مكان لقاء، من المسجد تُجيَّش الجيوش، من المسجد يُعلَن السِّلم و الحرب، كان المقرَّ الأساس للمجتمع الإسلامي.
الآن البند الثاني ؛ البند الثاني الذي فعله النبيُّ صلى الله عليه و سلم بعد أن دخل المدينة و استقرَّ فيها، و بعد أن ظهر أولُ كيان للمسلمين مستقلٍّ عن كيان قريش أصبح هناك ما يُسمَّى في الفقه دار إسلام، نحن الآن عندنا دار إسلام و عندنا دار أمان و عندنا دار حرب، الأرض كلُّها لا تعدو عن أن تكون أحدَ هذه الدور، دار الإسلام أي البلاد التي يقطن بها المسلمون و يحكمها المسلمون، و دار الأمان البلاد التي بينها و بين المسلمين معاهدات، أي وجود سفارة لدولة أجنبية في بلادنا ووجود سفارة لبلادنا في بلاد أجنبية هذه الدولة الأجنبية أصبحت دار أمان، و الدار الثالثة، الدار التي تُعقَد بينها و بين المسلمين أو فيها حالة حرب فبلاد اليهود دار حرب، الدول الصديقة دار أمان، البلاد التي يقطن بها المسلمون و يحكمها المسلمون، أي يطبَّق فيها حكمُ الله عز وجل دار إسلام، فأول دار إسلام في التاريخ الإسلامي هو النبيُّ عليه الصلاة و السلام بعدما انتقل إلى المدينة و أسَّس المجتمع الإسلامي.
الآن ماذا فعل في البند الثاني، البند الثاني، النبيُّ عليه الصلاة و السلام رسَّخ الأخوة بين المؤمنين، أوَّلاً أمر المؤمنين ليتآخوا اثنين اثنين مهاجر و أنصاري، هذه الأخوة الإنسان في الحياة الدنيا، و الحياة فيها متاعب و فيها هموم و فيها قسوة، أعظم ما في الحياة أن يكون لك أخٌ مؤمن صادق وفيٌّ محبٌّ مخلص، فممَّا يخفِّف قسوةَ الحياة، و ممَّا يخفِّف معاناة المعاناة التي يعانيها الناسُ هو وجود الأخوة في الإسلام.
الحقيقة أنه حينما تقطن في بلد متقدِّم جدًّا تجد مظاهر صارخة للمدنية لكن في هذه المدينة الصاخبة وحشةٌ ما بعدها وحشة، قيمة الإنسان بما يملك، ليس هناك شيء اسمه رحمة، أو عطف أو تعاون، هناك علاقات أساسها المادة، مرة قرأتُ مقالا أن في جهة في فرنسا أحبَّت أن تعرف مقدار الدافع الإنساني في المجتمع الفرنسي، فاختارت أكثر طريق فيه كثافة، ( لِيُون – باريس) طريف كثيف جدًّا، و جاءت بسيارة أُصيبت بحادث،وُضِعت على طرف الطريق ووُضِع أمامها إنسانٌ يشبه أن يكون مجروحا، أي أمامه سائلٌ أحمر كأنه مجروح، و انتظروا ما هي أول سيارة بعد وقت يمضي و تقف سيارةٌ لتسعف هذا المصاب، ستُّ ساعات مضتْ دون أن تقف أيَّةُ سيارة لإسعاف هذا المصاب، ست ساعات، الحقيقة المجتمع الغربي مجتمع متقدَِّم جدًّا ماديًّا، لكن متخلِّف جدًّا اجتماعيا، هناك قسوة، قيمة الإنسان رصيدُه في المصرف، قيمة الإنسان قوته، أما المعاني الإنسانية ينبغي أن تسود المجتمع، هذه لا تكون إلا من خلا معرفة الإنسان لله عز وجل، و إذا مارس الإنسانُ الغربي العلاقات الاجتماعية الذكية، هذه ممارسة تجارية هدفُه منها أن يكسب مزيدا من الزبائن، فتجد كلَّ القيم الإنضباطية في المجتمعات الغربية أساسها المكسب المادي، فإذا انقطعت المصلحةُ بينهم و بين من يتعاملون انقلبوا إلى وحوش كاسرة.
إذًا النبيُّ عليه الصلاة و السلام بعد الهجرة و بعد تأسيس المسجد اتَّجه إلى المؤاخاة بين المؤمنين، شيء لا يُصدَّق، النبيُّ عليه الصلاة و السلام جعل المسلم يرث أخاه في الله، جعل التوارث أساسا للعلاقة بين المسلمين، طبعا بعد حين، بعد معركة بدرٍ نُسِخت آيةُ التوارث بين المؤمنين و حلَّت مكانَها القرابة، لأسباب دقيقة جدًّا، لأن مجتمع المسلم مجتمع جديد، مقبِل على إنشاء كيان جديد، و له أعداء كُثُر، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام آخى بين المؤمنين اثنين اثنين، جعل واحدا أنصاريا و الثاني مهاجرا، هذه المؤاخاة من أجل ضمان استمرارها و من أجل أن يكون لها ثمرة طيِّبة،جعل النبيُّ بين هذين الأخوين توارثا أي أن أحدهما، يرث الآخر، لأن الأسر مفككَّة بعضها في مكة و بعضها في المدينة، و الإسلام فرزَ الناسَ فرزا دقيقا، فلذلك جعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام الأخوة في الدين أساس التوارث، إلى أن وقعت موقعةُ بدر، عندئذٍ اجتمع شملُ الأمة و صار التوارثُ أساسه القرابة.
الشيء الثاني الحقيقة أنه عندنا أخ نسبي و عندنا أخ في الإيمان، و الأخ النسبي ليس لك اختيار في وجوده، هذا من أمِّك و أبيك، له عليك واجبات كثيرة، لكن قد يكون الأخُ النسبي في وادٍ و أنت في وادٍ، قد يكون الأخ النسبي بعيدا عن اتِّجاهك الديني، لكن من هو أقرب الناس إليك، أخوك في الإيمان، لأن القضية قضية علمية، الإنسان له مائة صفة فرضا، الأخ في الإيمان تسعون صفة مشتركة بينكما من المائة أما الأخوة النسبية قد تلتقيان بعشر صفات، بعشرين صفة، فكلما زادت الصفاتُ المشتركة بين الشخصين زادت العلاقةُ و المحبَّة، فلذلك من باب أولى أن تنشأ الأخوةُ الصادقة بين المؤمنين، إذًا المؤاخاة وأنا أدعوكم تقليدا للنبيِّ عليه الصلاة و السلام أن أحدكم أن يؤاخي أخًا أي أخ مسؤول عنه في غيابه و في حالاته في أزماته و في حاجاته، و الثاني كذلك، فدائما لك أخٌ معين، أخ يتفقَّد أحوالك أخ يمدُّ لك يد المعاونة، و الشيء الدقيق جدًّا أن الأخوة مع الفوارق مستحيلة، نحن نريد أن نعمل علاقة بين الناس تجمع الناس جميعا، قد يكون الإنسان لا يؤمن بالله أصلا، فكيف ألتقي معه ؟ أن تقيم علاقات مفتعلة بين أناس متباعدين في العقيدة و في السلوك و في القيم و في المبادئ، هذا كلام يشبه الحلم، و الحقيقة أن أساس العلاقة بين المؤمنين أساسها العقيدة الواحدة و القيم الواحدة و الآداب الواحدة و السلوك المنتظم الواحد و المبادئ و الأنظمة التي تحكم كل المسلمين، فنحن في مجتمع لا بدَّ من مؤاخاة بين المؤمنين.
و الحقيقة الثانية أن المجتمع لا يتماسك إلا بالعدل، فإذا فشا الظلمُ بين أفراد المجتمع انقلبت الحياةُ إلى جحيم لا يُطاق، أي المجتمع المسلم أساسه العدل، فالمسلم ماله و ما له عليه، الذي عليه يؤدِّيه و الذي له يطالب به، من دون أن يزيد أو أن ينقص أو أن يجحف في حقِّ أخيه المؤمن، و المجتمع الذي فيه الظلم مجتمع مفكَّك، متداع واهٍ ضعيف فنحن إذا أردنا أن نقيم الإسلام فيما بيننا، و لو كان مجتمعنا صغير جدًّا أساسه العدل و أساسه المحبَّة، أساسه المساواة، و أساسه الإخاء أساسه المعاونة و أساسه البذل، أساسه التضحية، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام آخى بين أصحابه و جعل العلاقة المتينة بين أصحابه أساس المجتمع الإسلامي، لذلك المظاهر التي تُرى بين المسلمين من التباعد و التحاسد و التباغض و التَّخلّي أحيانا، هذه مما تفتَّت وحدتهم و تضعف كيانهم، قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[سورة الأنفال]
معنى تفشلوا تضعفوا و معنى تذهب ريحكم، أي هذه السمعة الطَّيِّبة العطرة تتلاشى بين المؤمنين، فكل واحد منا بقدر وسعه و إمكانه عليه أن يقدِّم يدَ العون لإخوانه المؤمنين، مثلا ؛ مع تدابر الناس في دمشق وحدها ما يزيد عن سبعمائة شقَّة جاهزة للسكن، و لكن مغلقة، لكن لماذا مغلقة ؟ لانعدام الثقة فقط، لا يوجد عهد، تعطي هذا البيت لفلان فيصبح له نهائيا، لا يوجد خوف، فعلماء الاجتماع يقولون: ليس هناك أزمة سكن، أزمة ثقة، الأزمة أزمة ثقة بين المسلمين، أما لو كان المسلم عند عهده و عند وعده انتهى الأمرُ، طبعا ليس القصدُ أن ندرس تاريخا، القصد أن هذا السلوك الذي فعله النبيُّ عليه الصلاة و السلام في المؤاخاة بين المؤمنين يجب أن يسود بيننا، لأن التعليم شيء و التربية شيء آخر، التعليم أن تلقيَ على الناس حقائق معلومات و أدلة و براهين و أفكارا، علاقات، أن تلقيها عليهم واضحة مع أدلتها و انتهى الأمرُ لكن التربية أن تجعل من هؤلاء الذين تتعاون معهم مؤمنين حقًّا، في كل صفات المؤمنين، إذًا لا نصبح كما يرضى الله عنا إلا إذا كنا متحابِّين أساس المحبة العدل، خذ ما لك و أعطِ ما عليك، أساس المحبة المساواة،و أساس المحبة التضحية و الإيثار، لذلك الله عز وجل أثنى على الأنصار ثناءً طيِّبا حينما قال:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[سورة الحشر]
الآن بعد أن أسَّس النبيُّ عليه الصلاة و السلام أوَّل مسجد لأنه الركيزة الأول في بناء المجتمع الإسلامي، و بعد أن آخى بين المؤمنين، و طبعا المؤاخاة أساسها التشابه، تشابه القيم، أنت مثلا تنفر من إنسان مزحُه غير لائق، تنفر منه، تنفر من إنسان كذَّاب، أنت صادق، لكن قلبك يهفو للصادق، لو أنك سألتَ نفسك سؤالا دقيقا علميا، لماذا أحبُّ فلانا، لأن فلانا صادق، لأنه أمسين و أنت أمين، لأنه عفيف و أنت عفيف، لأنه أخلاقي و أنت أخلاقي، لأنه يحبُّ الخيرَ و أنت تحبُّ الخيرَ، فكلما نمت الصفاتُ المشتركة بين إنسانين نمت معها المحبَّةُ و الأُلفة و المودَّة و التماسك، إذًا أنت كلما ازددتَ إيمانا ازددتَ حبًّا للمؤمنين، و كلما قلَّ إيمانُك ازددتَ بغضا لهم، كلما ابتعدتَ عنهم في الصفات الأخلاقية ابتعدت عنهم في المحبَّة، كلما اقتربت منهم في أخلاقك اقتربت منهم في المحبَّة، إذًا إذا كان تآخى أخوان في الله من الذي يبتعد عن الآخر، أٌقلُّهم مرتبةً و أقلُّهم انضباطا أقلهم استقامةً استقامتك جيِّدة محبتُك جيدة عملك الصالح جيِّد محبَّتك جيِّدة، إذًا نحن يهمُّنا كما فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام، العلاقة بين المؤمنين أساسها المؤاخاة، هناك عندنا علاقة بين المؤمنين و بين غير المؤمنين المدينة فيها يهود و فيها مشركون، و فيها قبائل محيطة بها، فالنبي نظَّم العلاقة بين المؤمنين و بين غير المؤمنين، بوثيقة تاريخية لا مجال لقراءتها كلها في هذا المجلس، نقرأ بعضَ بنودها، و نشرح بعض بنودها الآخر.
أول بند، أو بعض هذه البنود ؛ المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، و أول مرة ترِد كلم أمة في هذه الوثيقة، قبل كانت قبيلة، بطن، عشيرة، فخذ، أي فرع، أما أول كلمة ترد على لسان النبيِّ تبيِّن أن هذه الكتلة البشرية المؤمنة بالله عز وجل هي أمة في هذه الوثيقة، هؤلاء المسلمون جميعا المسلمون من قريش و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، قريش المهاجرون، من في يثرب أنصار، و من تبعهم من أي قبيلة أخرى فلحق بهم أقام معهم و جاهد معهم، إذًا ذاب فيهم صار واحدا منهم، وليس على أساس إقليمي، على أساس إيماني، على أساس انتماء، على أساس عقيدة، على أساس بذل، المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، هذا أول مفهوم، هؤلاء المسلمون جميعا، من قريش و يثرب ومن تبعهم و جاهد معهم، المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم و يفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المسلمين، أي أقام النبيُّ عليه الصلاة و السلام هذا المجتمع على أساس التكافل و التضامن، ما معنى يتعاقدون، أي إذا الواحد قتل أخاه خطأً، فعليه الدية هذه الدية قد لا يستطيعها وحده، فوق طاقته، مائة جمل مثلا، ليس عنده، فهذه في عرف الإسلام أو في عرف الشرع على قومه جميعا نوع من أنواع المشاركة، أقول القتل الخطأ، الآن إذا صار فيه حادث دهس و ضربك، ليس فيها أيَّة نية قتل، لكن خطأ، فالقتل الخطأ، هذا الذي قُتِل له دية كبيرة جدًّا، كان قيِّمَ أولاده، فهذه الدية قد لا يستطيع دفعها من تسبَّب في الحادث، من علائم التكافل و التضامن أن أسيرته كلَها مكفَّلة بدفع هذه الدية، فهذا معنى قول النبي: هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم، أي متضامنون متكاتفون متعاونون، يفدون عانيهم، العاني الفقير،الأسير بالمعروف و القسط بين المسلمين، إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسةً أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو إفسادا بين المؤمنين، أي المسلمون جميعا يجب أن يكونوا يدا واحدة و صفًّا واحد ضدَّ من بغى منهم، أو ابتغى دسيسة، أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين، كلمة " ما دخلني، يصطفلوا " هذه ليست ورادة في العلاقات بين المؤمنين، أنت أخ في أسرة، هناك أخ ظلم، أنا ما دخلني و الثاني ما دخله، و هذا متزوج و جالس لحاله، ظلم أخاه الصغير، إذا كان صار فيه انسحاب و تخلِّي، هذا الأخ القوي يكيد الظلم و العدوان لأخيه الصغير، و إخوته الباقون منسحبون، من هذه المشكلة، أما إذا تدخَّلوا جميعا و أوقفوا الكبير عند حدِّه، و نصروا الصغير، هذا مما يرضي الله عز وجل فأنت مؤمن، و كلُّ مؤمن يعنيك، فهذا بندٌ دقيق جدًّا، أن المؤمنين المتقين جميعا على من بغى منهم، أي من اعتدى، أو ابتغى دسيسة أو ظلما أو إثما أو عدوانا أو إفسادا بين المؤمنين، و أن أيديهم عليه جميعا و لو كان ولدَ أحدهم، هذه من ملامح المجتمع المسلم التي رسمها النبيُّ عليه الصلاة و السلام، أول بند المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، البند الثاني هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم و يفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المسلمين، أول بند من هم المسلمون، ثاني بند التضامن و التكافل، ثالث بند أن يكونوا جميعا يدا واحدة على من ظلم أو بغى أو أفسد أو أثم أو دسَّ أو فعل المنكر.
ذمةُ الله واحدة يجير عليهم أدناهم و المؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس، أي معنى الإجارة ؛ أجاره، هذا تقليد كان شائعا في الحياة التي سبقت بعثة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، أي إذا إنسان مظلوم و هناك إنسان يظلمه، وهذا اشتجار بإنسان آخر، فهذا المجير لا يستطيع أحدٌ أن ينال هذا الذي أجاره بأمان، أي طريقة من طرق الحماية للضعيف، و تقليد رائع جدًّا، و الضعيف أحيانا يلجأ إلى رجل من أولي الشأن، هذا الرجل يحميه من ظلم من ظلمه، فالظالم حينما يستجير فلانٌ بفلان فإذا اعتدى على فلان كأنه اعتدى على صاحب الشأن الكبير، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام حينما ذهب إلى الطائف، و حينما لقيَ من أهل الطائف العنت و السخرية و التكذيب و الكفرَ عاد إلى مكة و قد هُدِر دمُه عليه الصلاة و السلام، خرج منها يظن أن أهل الطائف يستجيبون له فردّوه أسوأ ردٍّ، دخل مكةَ المكرمة بعد أن عاد من الطائف في حماية المطعِم بن عديٍّ، هذا أجاره و حماه و عندئذٍ ما جرأ أحدٌ من كفار قريش أن ينال النبيَّ عليه الصلاة و السلام بالأذى، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام لم ينسَ له هذا الموقف الأخلاقي في كل معركة قادمة أمر أصحابه أن يكفُّوا عن المطعم بن عديّ و عن أولاده من بعده حفاظا على الموقف الأخلاقي الذي وقفه، فذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم فالإجارة كانت سابقا للوجهاء، النبيُّ ماذا فعل ؟ جعل هذه الإجارة لأيِّ مسلم، أي أقلُّ المسلمين شأنا إذا أجار أحدا لا يستطيع أقوى المسلمين أن يناله بأذى، المقصد من ذلك أن المسلمين عند النبيِّ عليه الصلاة و السلام و من خلال توجيهاته لهم رتبة واحدة، فأقلُّ المؤمنين يجير أكبرهم، و لا يستطيعوا أقواهم أن ينال منهم، هذا معنى قول النبيِّ: ذمتهم واحدة يجير عليهم أدناهم، و المؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس، أما أخطر شيء في هذه الوثيقة أن النبيّ عليه الصلاة و السلام قال:
(( سلمُ المؤمنين واحدة ))
أي المؤمنون لهم أعداء، ليس له حق أن ينفرد الإنسانُ بالصلح مع هؤلاء أو بالعداء مع هؤلاء، يجب أن يكونوا يدًا واحدة و على قلب واحد ورأي واحد، فسلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن، في قتال في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم، حتى يكون المسلمون أقوياء يجب أن يكون لهم موقفٌ واحد، في سلمهم و في حربهم، أما أن يتفتَّتوا، كل إنسان يأخذ موقفا، هذا التَّفتُّت يضعفهم جميعا، و يجعل عدوًّهم يطمع فيهم، عدوُّهم يتمنى أن يتفرَّقوا حتى ينال منهم واحدا واحدا، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام في الوثيقة قال:
(( سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم.))
هذه كيف نطبِّقها ؟ نحن على مستوى مجتمع صغير، مستوى أسرة، إذا هناك إنسان فاسق فاجر مثلا، يؤذي هذه الأسرة، هل لأحد أفرادها حقٌّ أن يصادقه على حساب الباقين، ليس له حق، هل لأحد أفراد الأسرة أن يقيم معه علاقات طيِّبة وهو يكيل الصاعَ لبقية أفراد الأسرة، هذا لا يجوز، سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم.
بندٌ آخر من بنود هذه المعاهدة أو هذه الوثيقة الدستورية: من خرج من المدينة فهو آمن و من قعد فهو آمن إلا من ظلم أو أثم، هناك حرية في الحركة، أردتَ أن تقيم في المدينة فأنت آمن، أردت أن تخرج فأنت آمن، إلا إذا ظلم الإنسان أو أثم.
آخر بند: كلُّ ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو استجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله عز و جل و إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنى هذا البند، أي طبيعة المجتمع الإنساني قد يكون هناك مشكلات، أو شجار أو منازعات أو خصومات، هذه لا بدَّ واقعة في طبيعة النفس الإنسانية، في المجتمع المسلم هذه المشكلات و هذا الشجار و هذه المنازعة و هذه الخصومة يجب أن تُحلَّ وفق كتاب الله و سنة رسوله، و لا يُعقل أن يكون المجتمع المسلم يبحث عن حلٍّ آخر في غير كتاب الله و سنة رسوله، لذلك قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾
[سورة النساء]
من هم أولوا الأمر ؟ العلماء و الأمراء، العلماء الذين يعرفون الأمر الإلهي، و الأمراء الذين ينفَّذونه، الأمير له صفة تنفيذية، و العلم له صفة نقلية تشريعية، ليس العلِم مشرَِّعا لكنه ناقل، ينقل لك بأمانة أمر الله و أمر رسوله، فالآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾
[سورة النساء]
حصلت منازعة و خصومة و خلاف.

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾
[سورة النساء]
في أي شيء.

﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء]
ما معنى إلى الله، إلى كتابه، و ما معنى لرسوله ؛ سنته، في حياته إليه بالذات، هكذا فعلنا،عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))
[رواه البخاري]
الإنسان ليس له أبدا أن يلغيَ عقلَه إطلاقا، لا يستطيع أن يلغي عقله أمام الإنسان إلا أمام إنسانٍ واحدٍ هو رسول الله، لأنه هو معصوم أولاً،و يُوحى إليه، و معه معجزة، هي القرآن، و مع ذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام ما قال شيئا رفضه العقلُ، و لا نهى عن شيء قبله العقلُ، لأن العقل هو مقياس أودعه اللهُ في الإنسان و التشريع الإسلامي هو نظام إلهي فالذي خلق العقلَ هو الذي أنزل هذا الدين، فلا بدَّ من موافقة تامة بين العقل و النقل، لذلك آخر بند مهمٌّ جدًّا، خلاف بين المؤمنين خلاف بين الشركاء، خلاف بين أمٍّ و ابنها أحيانا الأم لا ترضى إلا إذا عصى الابن اللهَ عز وجل، إلا إذا كان فيه اختلاط و هناك علاقات حميمة بين نساء و رجال لا يحللن لهؤلاء الرجال، حتى الأم لا تغضب مَن الحكَم ؟ كتاب الله، أيُّ خلاف في الأسرة، أيُّ خلاف بين الشركاء، أي خلاف بين الجيران، الحكم كلام الله و سنة رسوله، لا ضرر و لا ضرار، و لو كان القانون معك، هذا فيه إضرار لجارك، فلا يُسمَّى المجتمع مسلما إلا إذا طبَّق أوامر الله و أوامر النبيِّ عليه الصلاة و السلام، بل لا يُعدُّ المجتمع مسلما إلا إذا احتكم إلى الله و رسوله، أما إذا احتكمت إلى جهة لا تعرف الله عز وجل، انظُر لأيِّ مسلم يحتكم لجهة لا تعرف اللهَ ليس مسلما، كلُّ مسلم يورِّط أخاه المسلم مع جهة لا تعرف اللهَ هذا ليس مسلما، أريد أن آخذ حقِّي، حقُّك لا تأخذه بهذه الطريقة الظالمة، يجب أن ترجع إلى كتاب الله و إلى سنة رسوله كلام دقيق جدًّا أٌوله لكم كثير ما أشعر أن هناك إنسان له مع الآخر دين و يعرف واحدا يكفيه المبلغ و الضعف لا يجوز أن تفعل هكذا، هذا سلوك غير إسلامي، لا تستطيع أن تأخذ حقَّك إلا بالطرق المشروعة إذا سلَّمته لجهة لا تعرف اللهَ، يمكن أن يأخذوا عشر أضعاف حقهم، أليس كذلك ؟ إذًا إذا هناك مشكلة و خصومة و منازعة و فيه قضية و حدث بين مسلمين و بين جوار و بين أسرة و بين شركاء، هذا الموضوع لا يُحلُّ إلا في ضوء الكتاب و السنة إذا كنتَ مسلما، فإذا رفضتَ كلام الله فلست مسلما قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب]
هذا حكم الله، هذا البيت ليس لك، تقول: أنا موقفي أقوى و موقفي قانوني، كمسلم تحتكم إلى الشرع فيما لك و فيما عليك.
أردتُ من هذا الدرس و إن كان متعتُه أقلَّ من متعة القصة و السيرة لكن هذا أول عمل فعله النبيُّ حينما هاجر و حينما أسَّس مجتمعا مسلما أولا:بنى المسجد، لأنه هذا المقرُّ، مقر الدعوة، مقر بثِّ العقيدة، و مقر تعليم العبادات و مقر تعليم المعاملات، مقر تعليم الآداب، مقر اللقاء، و اللقاء فيه معرفة، و المعرفة فيها تعاون، مقر المساواة، هنا المساواة، مقر التعاون والتكاتف، فأساس المجتمع المسلم المسجد.
ثانيا: الأخوة بين المؤمنين، يتآخى كلُّ واحد مع أخ، قل له أنت أخي في الله، و أنت أخوه في الله، نتعاون ونتناصر و نتناصح، و نتفقَد بعضنا، نتزاور و نتباذل، و اللهِ أنا أتمنى على كل واحد منكم، أحب إذا قلتُ له من أخوك في الله ؟ يقول لي: فلان أخي في الله، أعرف أن فلانا مرض، يبلغني أنه مرض، هناك مشكلة يبلِّغني إياها فنتعاون على حلِّها، ليس موضوع أنه سمعنا محاضرة و مشينا، هذه قضية جامعة و ليس جامعا، إلقاء المحاضرة و الاستماع إليها، و انتهى الأمرُ هذه جامعة، في أيِّ مكان موجودة الجامعات، أما الجامع تعاون محبَّة و تكاتف و تناصر و تناصح و تباذل و، فهذا يريد أخوة في الله، فكل أخ يختار أخا، هكذا النبيُّ قال: تآخيا اثنين اثنين، أعرف الأستاذ فلانا نريد أن نزوره، فلان عنده مشكلة نحلُّها له، هذا الذي يشدُّ الناسَ إلى الدين، لست وحدك في الحياة، أنت تعيش بين أخوة مؤمنين صادقين هذه رقم اثنين.
رقم ثلاثة من هذه الوثيقة الدستورية، فعلا هناك أشياء، مرة أخيرة أسمِّعكم: المسلمون من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، أنت منتمٍ إلى أسرة، منتمٍ إلى جماعة مؤمنة، هؤلاء المسلمون جميعا على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم، تضامن، التضامن و التكافل بين المؤمنين، الثالثة: المؤمنون جميعا على من بغى، أو اعتدى أو ظلم أو أفسد أو دشَّ جميعا، ليس هناك " يصطفلوا"
رابعا: ذمة الله واحدة، مساواة تامة بينهم.
خامسا: سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء و عدل بينهم، من خرج من المدينة فهو آمن و من قعد فهو آمن، إلا من ظلم أو أثم، كل ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله و إلى محمد صلى الله عليه و سلم.
إذا أنت مسلم حقيقة اختلفت مع زوجتك، من الحكم ؟ كتاب الله، القرآن فيما لها و فيما عليها، فإذا الواحد رفض ما لها وما عليها أو هي رفضت ما عليها فهي آثمة، مع شريكك و مع جارك، مع صاحبك، مع زميلك، مع أي إنسان، كل ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله عز وجل و إلى محمد رسوله
الوثيقة تزيد عن تسعين بندا، نحن حكينا سبع بنود فقط، تسعون بندا هذه الوثيقة نظَّم فيها النبيُّ عليه الصلاة و السلام المجتمع الإسلامي.
و الحقيقة آخر فكرة لماذا تنظيم العلاقات ؟ حتى الإنسان يتفرَّغ للعبادات إذا اشترى بيتا و البيتُ ذهب من يده، يبقى مشوَّشا عسر سنوات، يدخل في المحاكم اثني عشر سنة، كل إنسان يهمل الشرعَ إهماله للشرع يرجعه إلى القضاء، و إذا الواحد علق بالقضاء، يتمزَّق، فتطبيق الشرع من أجل التفرُّغ لمعرفة الله و لطاعته، واحد ساهم في شركة و لم يعمل عقدا، الشريك الثاني شعر أنه لا يوجد عقدٌ و شريكه ضعيف فاستأثر بالشركة وحده، صار هناك منازعات و صارت خصومات، إذا هناك قرابة، القرابة تفسَّخت، صار هناك عداء و صار هناك طلاق من وراءه، صار فيه محاكم، هذا المجتمع المسلم تفتَّت، لأن وقت بدأت الشراكةُ لم يكن هناك عقدٌ و لا كان فيه حقوق وواجبات و حدود، إذًا أنت لما تطبَّق الشرع ليس من أجل أن تتقيَّد، من أجل أن يتفرَّغ قلبُك لمعرفة الله، لو تعمل وصلا، نسي الرجلُ أنه أخذ منك مبلغا، طالبته فلم يتذكَّر، كيف لا تتذكر، أنت اكتب وصلا أريح لك، ماله في هذه الشغلة، قال تعالى:

﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾
[سورة البقرة]
دخلنا في شركة، سحبت و اشتريت بيتا، استحى أخوك،سحبت زوَّجت أولادك، طيّب كم هي المسحوبات غير المسجَّلة، بعد مضي عشرين سنة صار فيه خصومة، أنت عندك بناية و عندك بيت و عندك حائط، و أنا ما عملت هذا الشيء سجِّل المسحوبات كلها، فلما لا إنسان يترك الشرع و يترك النظام يترك أحكام الشرع في التعامل يقع في خصومات و متاهات ما لا نهاية، و تعود عليه سلبا في علاقته مع الله عز وجل، هكذا المؤمنون، هكذا المسلمون ؟ أكَّالين حقوق، دخل في متاهات معه، أما إذا طبَّقنا الشرع تفرَّغ قلبنا لمعرفة الله عز وجل، و أساس الشرع أ، يكون قلبُك فارغا لمعرفته و لطاعته و للتقرُّب منه.
إذًا هذه الملامح نحن نطبّقها في مجتمعنا الصغير، بخلافاتنا مردُّنا إلى كتاب الله و سنة رسوله، بتعاوننا و بمؤاثرتنا و بمحبَّتنا و مؤاخاتنا أرجو الله عز وجل أن تنقلب هذه الموضوعات التاريخية إلى ممارسات عملية نعيشها، ما قيمتها لو تعرّفنا إليها، قضية من ألف و أربعمائة سنة وقعت، إنشاء المسجد و المؤاخاة بين المؤمنين و الوثيقة الدستورية هذه قديمة جدا، فالمعلومات ما لها من قيمة، مضت و انتهت، أما كمسلك و كنظام كمبادئ و كقيم نعيشها، فكلُّ ما أتمناه عليكم أن تنقلب هذه المعلومات و التفصيلات إلى سلوك نعيشه و إلى قيم نتمثَّل بها.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:37 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 011: الهجرة (6)- مرحلة ما بعد الهجرة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-08-18
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، و أرنا الحق حقًّا و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم ؛ لازلنا في دروس السيرة و لا زلنا في مرحلة ما بعد الهجرة.
أيها الإخوة المؤمنون مقدِّمة قصيرة تلقي ضوءا على الأحداث التي مر بها المسلمون بعد الهجرة، المؤمن إذا فهم طبيعة الحياة الدنيا و طبيعة ما يجري فيها و سرَّ التصرفات الإلهية، إذا فهم كل ذلك من خلال آيات القرآن الكريم، ومن خلال السنة النبوية، و من خلال الأحداث الجارية، ما الذي يحصل ؟ يُقوَّى و يسلَّح، فإذا واجه شيئا أصاب أصحاب رسول الله، إذا واجه شيئا عاناه رسول الله لا تكبر عليه الأمور، ميزة السيرة، النبيُّ عليه الصلاة و السلام بلغه أن الناس يتحدَثون عن عائشة حديثا لا يرضيه،اتَّهموها في إخلاصها له، اتَّهموها
في شرفها، كيف وقف النبيُّ ؟ ما الموقف الذي وقفه النبيُّ، هذا هو الموقف الكامل، النبي عليه الصلاة و السلام خرج إلى الطائف و لقي الصدَّ الاستهزاءَ، و الإيذاء و التكذيبَ و السخرية، ماذا فعل ؟ قال:
((اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ))
النبي عليه الصلاة و السلام قدوة، في مرحلة ما بعد الهجرة تحمَّل المسلمون المشاقَّ الكبيرة، و لكن بادئ ذي بدء أتمنى أن يكون واضحا لديكم أن مصيبةً تقع بما كسبت أيدينا شيء و أن مصيبة تقع امتحانا لصبرنا و تأكيدا لعبوديتنا و تقوية لعزيمتنا و رفعا لمقامنا شيء آخر، أتمنى على الله عز وجل أن لا يختلط في أذهانكم الموضوعان، إذا قال الله عز وجل:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
هذه الآية موجَّهة إلى المؤمنين المقصِّرين الذين وقعوا في المخالفات و اجترحوا بعض السيئات، قصَّروا في أداء بعض الواجبات، فجاء العقابُ، أريد بشكل دقيق جدًّا أن نعزل هذا الموضوع عن درسنا، درسنا الآن في موضوع آخر، المؤمن ممتحَن و المؤمن مبتلى، المؤمن لا بلدَّ من أن يمرَّ بظروف صعبة، يكشف الله له صدقه و للناس جهاد و عند الله مقامه، فإذا تحدَّثنا عن فقر أو عن مصيبة أو عن حياة خشِنة عاناها المسلمون بعد الهجرة، هذا لا من موضوع:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
لقد دفعوا الغالي و الرخيص، و النفس و النفيس، تركوا أوطانهم و تركوا أموالهم و تركوا أهلهم في سبيل الله، و تحمَّلوا كلَّ شغف عيش و كل خشونة الطعام، فإذا تحدَّثنا عن هذا الدرس عما أصاب المسلمين من مشقة بعد الهجرة لا على سبيل أن هذا عقابا ألمَّ بهم لا، لأن المصائب أنواع منوَّعة، أحيانا يُفتح البطنُ لاستئصال الزائدة و يُفتح البطن أحيانا لمعالجة و يُفتح البطن لكشف جريمة، فما كلُّ فتح بطن يشبه الآخر، إنسان ميِّت يفتح بطنُه لإخبار أنه مات مسموما، هذا فتح بطن له معنى، و إذا فُتح البطنُ لاستئصال الزائدة هذا له معنى آخر و ما كل مصيبة تشير إلى معنى واحد، فالموضوع الآن أن الواحد سأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله و اللهِ إني لأحبك فقال عليه الصلاة و السلام: انظر ما تقول، قال: و اللهِ إني لأحبك، قال: انظر ما تقول، دقق فيما تقول، قال: و الله إني لأحبك، فقال عليه الصلاة و السلام:
((إن كنت صادقا فيما تقول للفقرُ أسرع إليك من شرك نعلك ))
أي إذا كنت صادقا في محبَّتي لا بد من أن تتحمَّل بعض المشاق لا بد من أن تبذل جهدا في سبيل تأكيد هذه المحبَّة، لا بد من أن تذوق بعض الامتحان، فأن تقول: أنا أحب، تصوَّروا أن جامعة أُنشأت في أرقى المواصفات، و فيها أعظم الأساتذة، و فيها أرقى المناهج، و فيها أوسع المدرَّجات، و فيها أرقى المخابر، و فيها كل قاعة تأخذ بالألباب هذه الجامعة نظام الناجح فيها أن يقدِّم الطالبُ تصريحا ؛ إنني أستحقُّ خمسا و ثمانين في الرياضيات، عندئذ يُعطى الطالبُ هذه العلامة، هذه جامعة ‍‍‍! هذا امتحان ! هذا شيء مضحك، و ربُّنا عز وجل قال:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾
[سورة العنكبوت]
القضية على كلامكم أن تقول: أنا أحب اللهَ قضيةً سهلة، أنا مؤمن يا أخي، أنا ورِع، هذا كلام يقوله كلُّ إنسان، هناك امتحانات يجب أن تؤمن أن الدنيا مركوزة على الامتحان، أحيانا مدرسة فيها قاعات و فيها تدفئة و فيها مراوح و فيها مكتبة، أساس الدراسة، إذا فيها مكان لبيع الفطائر، هذا المكان استثنائي، الأصل الدراسة، الأصل التدريس والأصل الاستماع و الأصل المحاضرات، الأصل الكتب و الأصل الامتحانات، هذا جوهر المدرسة، إذا فيها حديقة أو فيها مكان لبيع الفطائر و إذا فيها مكان لشرب بعض المشروبات، إذا فيها قاعة مطالعة فيها مجلاَّت، هذه أشياء استثنائية، فالأصل في المدرسة أنها للدراسة اسمعوا هذا الكلام و الأصل في الدنيا أنها للامتحان، و الدليل، قال تعالى:

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾
[سورة المؤمنون]
و قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾
[سورة الملك]
إذًا إذا فهمتَ أن سرَّ هذه الدنيا و أن طبيعتها و أن جوهرها و أن حقيقتها مركَّز في الابتلاء، تعدُّها دار ابتلاء و تعدُّ الآخرة دارَ جزاء، تعدُّها دارَ عمل و تعدُّ الآخرة دارَ جزاء و إكرام، تعدُّها دار تكليف و تعدُّ الآخرة دار تشريف، فنحن إذا فهمنا سرَّ الحياة لا نُفاجأ، إذا كان الطالب فرضًا طلب مقعدا وسيرا متحرِّكا يصبح كالسَّرير و طلب فطائر و طلب مشروبات و طلب مجلات و طلب مذياعا صغيراً، و طلب موالح و مقبِّلات و مسلِّيات و أجهزة و هو يدرس، هذه الطلبات غير معقولة، هذه القاعة للدراسة، فلما الإنسان يطلب الجزاء في الدنيا، أو يطلب المتعة في الدنيا، فقد جهِل حقيقتها، و أكثر الناس همُّهم الأوحد النعيم، يركِّز وضعه و يركِّز بيتَه و يركِّز متنزَّهه و حياته قبل كل شيء و راحته و نومه و سيرانه و نزهته و استلقاءه و مكانته و كرامته، قبل كل شيء، هذا فهم الدنيا على أنها دار استمتاع و دار تنعُّم، و قد يقول قائل: الإنسان إذا استقام على أمر الله تماما لا يمكن أن يصيبه شيءٌ نقول له: هذا كلام فيه مبالغة، لا يُصاب بمصيبة عقاب، لكن يُصاب بمصيبة ابتلاء، فإذا أنت لم تفهم هذا المعنى و ما قبِلته و مستقيم استقامة تامة و غض بصر و إنفاق مال و شاءت حكمةُ الله عز وجل أن يبتلِك بشيء، تفاجأت و اختلَّ توازنك و شككت فيمن تعلَّت منه، قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾
[سورة العنكبوت]
لك أن تقول ما تشاء، و لك أن تدَّعيَ ما تشاء و لك أن تصنِّف نفسَك مع من تشاء و لك أن تقول: أنا في المرتبة الفلانية و أنا أصبحت تقيًّا وأنا مؤمن وأنا بالإحسان بالإيمان و أنا بالإسلام و أنا محبٌّ و أنا أبكي و أنا أعمل، و أنا أخشع، قل ما تشاء، عندنا ابتلاء أخي قل هذه إسوارة من أربعة و عشرين، كلام هذا، نحن عندنا أجهزة تكشفها، الجهاز يقول لك: ثمانية عشر.
أدقُّ نقطة في هذا الدرس، قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
[سورة العنكبوت]
قطعة إسمنت هذه قوة تماسكها واحد كيلو على السنتيمتر، أي سنتيمتراً مكعباً من الإسمنت نحملُّه كيلو تقطع، هناك إسمنت يحمل اثنين كيلوا و هناك إسمنت يحمل خمسة كيلو، فكلما ارتفع الوزن الذي تُكسر به هذه القطعة عظُمت قيمتها، فأنت على أي شيء تكسر ؟ هناك إنسان على كلمة تعالَ عندنا لم يعد يأتي على الدروس نهائيا، هناك كلمة إذا الواحد حذَّره تحذيرا بسيطا مغرض شيطاني لم يعد يأتي إلى الدروس هذا كسر على الأوقية، على الأغراض كسر.
هذه المقدمة أردت منها أن أصحاب النبيِّ عليهم رضوان الله ذاقوا من المشقَّات و المتاعب بعد الهجرة ما لا سبيل إلى وصفه، فنحن إذا فهمنا هذا الفهم و عرفنا طبيعة الدنيا تقبَّلنا بعض الابتلاء، إذا الإنسان توقَّع شيئا ووجده تفاجأ، لو فرضنا أن ابنه لن ينجح، و ما نجح، يُصعق الأب، لا، بالعكس هو متوقِّع هذا الشيء، فإذا أنت توقَّعت أنك لما تستقيم على أمر الله لن تصاب بشيء إطلاقا، و اقتضت حكمةُ الله عز وجل أن يبتليَك بشيء يختلُّ توازنك، أما إذا علمت و رغم انك مؤمن قد يريد اللهُ عز وجل أن يكتشف و أن يظهر حقيقة إيمانك، يضعك في طرف صعب ماذا تفعل، انظر الظرف صعب، إنسان يعفُّ و إنسان يسرق، بظرف صعب إنسان تزلُّ قدمُه و إنسان يتعفَّف، قال تعالى:

﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾
[سورة يوسف]
لو وضعنا مائة شخص في الظرف الذي وُجد فيه سيدنا يوسف، أغلب الظن أن قسما كبيرا تزلُّ قدمه.
إذًا يجب أن تعلم، وهذه أهمُّ نقطة في الدرس أنك في مرحلة ابتلاء قبل الدنيا هناك عالَم الأزل، و بعد الدنيا هناك عالَم البرزخ، و أما في هذه الدنيا فأنت في مرحلة ابتلاء، الآن نبعد عن أذهاننا مصائبَ العقاب قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
هذا بحث آخر، له مجال آخر و موضوع آخر.
أنا الآن في موضوع جديد، مؤمن مستقيم، طيب في البحبوحة مستقيم يجب أن نمتحنه في الشدة، يبقى مستقيما، موظَّف له دخل كبير، و له دخل آخر كبير، الدخل الآخر الكبير توقَّف و بقي على راتبه، هل يأخذ مالا حراما ؟ وُضِع في ظرف، إذا قال وهو دخله كبير: أنا لا أقبل، أنا أنا، فلما ضاقت عليه الدنيا مدَّ يدَه، معناه أن الامتحان جاء، فيه عملية كشف، عملية كشف، ما نوع هذا الذهب، هناك أربعة و عشرون و هناك واحد و عشرون و هناك ثمانية عشر، و هناك ستة عشر، و هناك أحد عشر، و هناك نحاس مطليٌّ بالذهب، و هناك نحاس ملمَّع و هناك تنك، فالعملية عملية امتحان للمعدن، فالدرس الحالي اليوم موضوعه أن هذا الكلام للمؤمنين موجَّه، إذا كنت أنت داعية و لقيت واحدا شارب خمر، آكل مالا حراما منحرف الأخلاق، و بعث الله له مرضا، الله بالمرصاد، الله عز وجل عقابه أليم، و قل: إن لكل سيئة عقابا، قل له: ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم و ما يعفو الله أكثر، قل له هذا الكلام، قل له:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
[سورة النساء]
ائتِ له بخمسين أو ستِّين آية و أكِّد له أن هذا الجزاء عبارة عن عقاب لذنب ارتكبته، قال تعالى:

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾
[سورة آل عمران]
قل له: فمن وجد خير فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، إذا كنت تحدِّث إنسانا عاصيا و إذا كنت تحدِّث إنسانا منحرفا دخله حرام و إنفاقه حرام، متفلِّت من قواعد الدين، بصره شرقا و غربا ينغمس في الملذَّات المحرَّمة، لا يحرِّم و لا يحلِّل، و جاءه مرضٌ عضال أو مصيبة كبيرة أو ذاق فقرا مدقعا، هذا الإنسان يُخاطب بهذه الآيات و الأحاديث، هذا الموضوع لا علاقة له بدرسنا اليوم، درسنا اليوم واحد مستقيم مؤمن، سائق مصلي دخله حلال و إنفاقه حلال، يا ترى بالرخاء مستقيم، يريد الله عز وجل أن يريَه نفسه في الشدة، أن يريه نفسه في الضائقة، أنت عفيف على دخل كبير،وإذا صار دخلُك قليلا، تبقى عفيفا، امتحناك بالنزلة، و هذه طلعة، في النزلة ممتازة السيارة، نريد الطلعة، تسخن، هذه اتركها في بالك، الامتحان في الصعود أهمّ، فتقول: أنا مؤمن لا يحدث لي شيء أنا مستقيم، أنت أكرم من أصحاب رسول الله ؟! أصابهم منا أصابهم، الله عز وجل هذه المصائب اسمها امتحان، سمِّيها مصائب ترقية، مصائب امتحان مصائب عبودية لله عز وجل، أي هناك أشياء ليست واضحة، الله عز وجل ساق لك شيئا غير واضح، أنت ليس لك ثقة في حكمته ؟ برحمته و بعدالته، إذا أنت مستسلم راضٍ مفوِّض لماذا هكذا حدث معي ؟ أنا أعرف أنه لا يحدث لي شيء، اختلَّ توازنك، هذا الكلام أنقله لكم من أعماقي، إذا أنت دخلت الإيمان هناك حساب ثاني، إذا واحد خارج مدرسة يُعاقب عقابا حتى يدخل المدرسة يُضيَّق عليه و يُضرب، دخل مدرسة، الآن هناك عقاب ثاني، أين وظيفتك ؟ لماذا لست حافظا للدرس ؟ ائتنا بأبيك غدا، أخي نحن ما انتهينا من العقاب ؟ هذا نوع وهذا نوع، هذا عقاب و أنت خارج المدرسة، من أجل أن تدخلها، فإذا دخلتها هناك عقاب من نوع ثانٍ، من أجل أن ترقى فيها، آمنت و استقمت، الآن فيه امتحانات، و فيه ترقية، و إذا كان هناك معاصي، هناك عقابات،فحتى ما يختلط الأمر، يدخل موضوع العقوبات موضوع الترقيات أردتُ هذه المقدِّمة.
الآن سنرى من أصحاب رسل الله شيئا، الصحابة الكرام المهاجرون قدموا المدينة، أولا جغرافيا، مكة جافَّة، هواءها نقيّ، المدينة كلها بساتين، رطبة، فإذا الواحد منا ذهب إلى الساحل، يقول لك: سأخرج من جلدي، حرٌّ مع رطوبة لا يُحتمل، أنت ابن منطقة دمشق، الرطوبة خمسة و ثلاثون، إذا نقلناك إلى منطقة الرطوبة فيها تسعون لا تتحمَّل يحدث معك رشوحات و اختلال توازن و لا تنام و أرق فتتصوَّروا المهاجرين انتقلوا من جوٍّ جافٍ إلى جو رطب، انتقلوا من بيوتهم التي هي على ما يريدون، إلى بيوت ليست على ما يريدون فلذلك لم تكن حالُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في المدينة المنورة في أول عهدهم بالهجرة حالا مرضية، بالرغم من أن الأنصار أكرموهم و شاطروهم أموالهم و بساتينهم، و حوانيتهم، و قدَّموا لهم كلَّ شيء لكن البيئة مختلفة، فهذا أول امتحان، الهجرة كلمة تقولها أنت، الإنسان له جوٌّ خاص، و له مدينته الخاصة، ألِف طقسها و ألف مناخها، ألف تضاريسها، ألف مناظرها، و ألف أهله و أقرباءه، انتقل إلى مدينة ذات طبيعة أخرى، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
***
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
***
قال:
اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ
***
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
((َ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ قَالَتْ وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ قَالَتْ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا تَعْنِي مَاءً آجِنًا))
[رواه البخاري]
صار فيه أمراض كثيرة للمهاجرين بسبب اختلاف البيئة، من بيئة جافة إلى بيئة رطبة، و ذلك قبل أن يُضرب علينا الحجاب، هذه إشارة دقيقة قبل أن يُضرب علينا الحجاب، جاءت آيات الحجاب، فحسمت الأمرَ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59)﴾
[سورة الأحزاب]
و قال تعالى:

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾
[سورة الأحزاب]
نقلة مفاجئة، نقلة في المناخ، طيب، المهاجرون في مكة كانوا تجَّارا في المدينة مزارعون، إذا واحد تاجر ألِف أن ينتقل لمكتب و يقعد وراء طاولة و يدق كم هاتفا، و يأتيه فنجان قهوة صباحا، و يعمل كم صفقة و يأتي للبيت على الساعة الثانية، مثل مزارع ثمانية ساعات عمل شاقٍّ فأصحاب رسول الله مهاجرون انتقلوا من بيئة تجارية إلى بيئة زراعية و في هذا مشقَّة كبيرة جدًّا.
الشيء الآخر، الوطن له طعم خاص، فقدِم على النبي عليه الصلاة و السلام رجل اسمه أصيل، فماذا فعل هذا الرجل ؟ سئل كيف تركتَ مكة ؟ فذكر من أوصافها الحسنة ما غر غرت منه عينا رسول الله، الإنسان يشتاق إلى بلده، إذا الواحد ترك دمشق و سافر لبلد بعيد، إذا كان سمع كلمة دمشق في الأخبار يحِنُّ، دخل لمعرض و رأى جناح بلده ورأى بعض المناظر عن دمشق تجد يتفاعل، هكذا الإنسان، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾
[سورة النساء]
فقال هذا الرجل: وصف مكة المكرمة فذكر من أوصافها الحسنة ما غرغرت منه عينا رسول الله، و قال: لا تشوِّقنا يا أصيل، دعِ القلوبَ تقرُّ.
أردتُ أن أنبئكم أن الهجرة شيء عظيم، اقتلاع من الجذور، انتقلت إلى بلد أنت فيها غريب، ليس لك فيها شيء، جوُّها مختلف و بيئتها مختلفة و طقسها مختلف، ومناخها مختلف، العلاقات مختلفة، و كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربَّه و يقول:عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا فِي الْجُحْفَةِ ))
[رواه أحمد]
إلى خارجها صار فيها وباء، و صار فيها إنتانات و أمراض تحسُّس، و أمراض معوية، و صار فيها حمى.
هناك شيء آخر ؛ الصحابة الكرام، انتقلوا إلى المدينة، طبعا عانوا من اختلاف الطقس عانوا من اختلاف العلاقات، و لكن عانوا أيضا من أعداء، فيها يهود، و فيها منافقون، و فيها مشركون، هؤلاء أعداء طبيعيُون لأصحاب رسول الله، المهاجرون كثروا حتى ضاقت بهم المدينة، بعضهم ليس له مأوى، فماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام ؟ قال: أمرهم أن يناموا في صُفَّة المسجد، إذا الإنسان زار القبرَ النبويَ الشريف و راء القبر هناك مصطبة عالية، مثل الأموي فيه سدَّة، هذه المصطبة اسمها الصُّفة، لأن فقراء المسلمين كانوا في هذا المكان ينامون، انظروا إلى هذا الوصف، كان عليه الصلاة و السلام يوزِّعهم على أصحابه كلَّ ليلة عند العشاء، ماذا يأكلون ؟ أبو فلان خذ معك فلانا و فلانا و عشِّهم، فلان خذ معك فلانا و فلانا، كان النبيُّ عليه الصلاة و السلام يوزِّع أهل الصفة على أصحابه، و يأخذ فريقا منهم إلى بيته فيطعمهم، هكذا المسلمون، فيه تعاون، أنت عضو في أسرة، إذا جاء واحد الآن مثلا مسافرا، اشتاق لهذا الدرس، و جاء من بلد، و رآه أخٌ أخذه و عشَّاه، هذا عمل عظيم جدًّا، هو جاء إلى هذه البلدة مشتاقا لهذا الدرس، أي إذا كان وجد استقبله في بيته و قدَّم له طعام العشاء و إذا أنامه عنده أفضل، هكذا الإيمان، إذا أنت قلت: ما دخلني، يدبِّر حاله غيري يأخذه، ممكن، لكن أنت لم تعُد في المستوى الراقي، كثير من الإخوان يأتون، و هناك أخ جاءنا من بلد بعيد، لم يأت إلينا إلا شوقا لهذه المجالس، لا بدَّ أن يدعوه لبيته إخوان كثُر، يكرموه و يشعر أنه بين أهله قاعد، هكذا الإيمان، أي أخٌ لك جاء من سفر، خاطرك مع السلامة، هذه هي الشغلة، ترحِّب بكم على مدخل دمشق، هذه فقط هناك دعوة و هناك وليمة و هاك منامة، هكذا الإيمان، النبيُّ عليه الصلاة و السلام، الفقراء ناموا في صفَّة المسجد، لكن مساء كان يتوازعهم أصحابُ رسول الله، و النبيُّ قدوة، و كان يأخذ بعضا منهم ويأخذ هو فريقا منهم فيأكلون معه، و كان هؤلاء يسمَّون أهل الصفَّ أو فقراء المسلمين، و كأنما كان هذا الفقرُ نعمةً أنعم الله بها عليهم، ما السبب ؟ لأنهم صار معهم وقت فراغ كبير، ليجلسوا مع النبيِّ و يتعلَّموا منه، و يتأدبوا بآدابه، أحيانا أنت لا يُوجد شغلٌ، بارد، أُتيح لك هذا العمل، فارغ، حفظت القرآن، و داومت في المسجد، تعلَّمت ارتقيت رقيًا كبيرا، لو كان اللهُ شغلك بعمل مربح، ضاع عليك هذا الخيرُ، و قال تعالى:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
[سورة البقرة]
أحيانا الإنسان الله يفرِّغه، الطريق مسدود، و العمل لم يُتَح له، و البيت ما اشتراه، الزوجة لم تُتح له أن يتزوَّجها، قاعد فارغ، مادام انك فارغ، اشغَل نفسك بالحق، فهؤلاء أهل الصفة ارتقوا رقيًّا كبيرا لأن لهم فراغ كبير، و ملئوا فراغهم بمجالسة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و تعلم القرآن و حفظ الأحاديث و ما شاكل ذلك.
قال: فكان لديهم من الفراغ ما جعلهم أشدَّ الصحابة لصوقا بالنبيِّ، و أكثرهم مداومة على حضور مجلسه، فأفادهم ذلك علما، و فقها في الدين، و قال عليه الصلاة و السلام:
((لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببت أن تزدادوا فقرا))
ملازمة مجالس العلم و تلقي العلم و التَّأدب بآداب المؤمنين، و سماع الحق منهم، و العمل على الرُّقي، هذا أعظم عمل تفعله في الدنيا.
بعض الاحاديث التي وردت في هذه الفترة القاسية حيث أن أصحاب النبيِّ عليهم رضوان الله ذاقوا من المحن ما ذاقوا.

((عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ فَقَالَ بَخْ بَخْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الْكَتَّانِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَيَجِيءُ الْجَائِي فَيَضَعْ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي وَيُرَى أَنِّي مَجْنُونٌ وَمَا بِي مِنْ جُنُونٍ مَا بِي إِلَّا الْجُوعُ ))
[رواه البخاري]
كان فيه جوع، و النبي عليه الصلاة و السلام ذاق الجوع، لو أمر الجياع بالصبر و لم يذق الجوعَ لأخذوا عنه مأخذا، ما دام النبيُّ عليه الصلاة و السلام قدوة لنا، فإذا أمرنا بالصبر فلأنه ذاق الجوع، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ:

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْخَصَاصَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ حَتَّى يَقُولَ الْأَعْرَابُ هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ أَوْ مَجَانُونَ فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً قَالَ فَضَالَةُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[رواه الترمذي]
من الجوع، هؤلاء تركوا ديارهم، و تركوا بلادهم، و تركوا أموالهم تركوا أهلهم، الآن الإنسان في بلده بحيِّه ممكن يستدين لشهر، يستدين من لحَّام، من خبَّاز من الخضري، لا يشعر، أما لو انتقل إلى بلد آخر، ليس يمكن أن يأكل شطيرة بدون ثمن، ليس هناك مجال، حتى أن النبي عليه الصلاة و السلام دعاه أحدُ الأنصار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

(( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ قَالَا الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ مَرْحَبًا وَأَهْلًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ فُلَانٌ قَالَتْ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي قَالَ فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ فَقَالَ كُلُوا مِنْ هَذِهِ وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ ))
[رواه مسلم]
إذا الواحد أكل و شبع و بعد ذلك كأس شاي و بعدها قطعة بطِّيخ القضية ليست سهلة، الله أشبعك، أصحاب رسول الله ذاقوا بعضَ الجوع، و سيدنا عمر لما كان يأكل بعد وفاة النبي كان يبكي و يقول: أصحاب رسول الله ما أكلوا هذا الطعام فكيف آكله أنا من بعدهم ؟
طبعا هذا الجوع بسبب الهجرة، ما تظن أن هناك كسل، موضوع آخر الكسل، أما واحد انتقل من بلد إلى بلد، لا فيه أعمال، الآن أخ يقول لك لا يوجد عمل، ذكي و معه شهادة، لا يوجد شغل، يتلوى تلوِّيا يقول: أنت أخي لست جيِّدا، لا يوجد عمل، الله أراد أن يمتحنه، أراد أن يمتحن صبرَه، يمتحن ثباته، يمتحن استقامته، يمتحن عفَّته، تجده عفيفا، متجمِّلا صابرا، حامدا شاكرا، و لا يوجد شغلٌ، ليس معه قرش في جيبه، أنت لست جيِّدا ليس معك مال، هذا كلام فيه تجاوز للأدب، و فيه سوء في التعامل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي مَجْهُودٌ فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ فَقَالَ مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي قَالَ فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئْ السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ قَالَ فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ))
[رواه مسلم]
عجب اللهُ عز وجل، معك وجبة طعام واحدة، تطعمها لأخيك، هكذا كان الصحابة، أسرة واحدة متماسكة، أخذه إلى بيته و أطعمه وجبة طعام واحدة، ليس عنده غيرها، حتى إن بعض زوجات النبيِّ عليه الصلاة و السلام كانت تقول، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:

(( لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا))
[رواه البخاري]
هذه بعض المشاق التي ألمَّت بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام و أصحابه بُعيد الهجرة، هناك سبب، الصحابة هاجروا بأنفسهم، أين أموالهم ؟ بمكة، ما تمكَّنوا أن يأتوا مع المال، المال غير منقول، تركوا البيت و تركوا البستان و الحائط و النخل، تركوا كلَّ شيء بلا شيء، فلذلك إنسان جاء إلى المدينة بلا شيء، بلا مال، و لا يوجد دخلٌ و لا يوجد إنتاج.
الآن دخلنا مرحلة جديدة، الآن عندنا مرحلة هي قبل موقعة بدر الأموال كلُّها بيد قريش، أموال المهاجرين التي أخذوها منهم عنوةً، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام وجد أن من حق هؤلاء أن يسترجعوا أموالهم، فرسم خطَّة ذكيَّة جدًّا، هذه الخطة يبدو أنه استنبطها من قوله تعالى:

﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾
[سورة الشورى]
فأرسل النبيُّ سرايا تلو السرايا، هذه الخطة الذكية أنه أرسل سرية أربعين أو خمسين صحابي إلى الطريق بين مكة و الشام، هذا الطريق حيويّ، عصب الحياة في مكة، طريق التجارة، هم أغنياء، تذهب القوافل إلى الشام و تأتيهم بالبضائع و الأغذية و كل الحاجات الأساسية بحبوحتهم بسبب هذه التجارة، لما حاصروا بلدا، لا يمكنك أن تبيع النفط، مات من الجوع أليس كذلك ؟ أهم شيء الطريق بين مكة و الشام، أن يقطع النبيُّ عليهم هذا الطريق.
أولًا: إشعارا لهم أننا موجودون و أننا أقوياء و أننا أنداد لكم، كنا مستضعفين، صِرنا أندادا، فبعث سريةً تلو السرية، في رمضان أرسل حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين من المهاجرين، فسار حتى وصل البحر من ناحية العير فالتقى بأبي جهل يقود قافلة لقريش و معه ثلاثمائة راكب و كاد الفريقان أن يقتتلان لولا أن حجز بينهما مجديُّ بن عمرو و سيد بن جهينة، ليس القصد الحرب، القصد مناوشة، يسمُّونها عرض عضلات، يسمونها تهيئة لمعركة.
و في شوال أرسل النبيُّ عليه الصلاة و السلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في ستين راكبا من المهاجرين، إلى وادي رابغ فالتقى هناك بمائتين من المشركين على رأسهم أبو سفيان بن حرب فتراموا بالنبل و لكن لم يقع بينهما قتال، و في هذه السرية فرَّ من المشركين إلى المسلمين عتبةُ بن غزوان و المقداد بن الأسود، و كانا قد أسلما و خرجا ليلحقا بالمسلمين في المدينة، هذه السرية الثانية.
السرية الثالثة، و في ذي القعدة من هذه السنة خرج سعد بن أبي وقاص في نحو من عشرين من المهاجرين يعترض عيرا لقريش ففاتته العيرُ.
و في صفر خرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام نفسه في جمع من المهاجرين يريد عير قريش، و استخلف على المدينة سعد بن عبادة فسار حتى بلغ ودَّان جهة الأبواء فوج العير قد سبقته، فحالف بني ضمرة على أنهم آمنون على أنفسهم و أموالهم و لهم النصر على من رامهم، و أن عليهم نصرة المسلمين إذا دُعوا إلى ذلك، و لم يمضِ على رجوعه إلى المدينة غيرُ قليل حتى علِم أن عيرا لقريش آيبةٌ من الشام، فيها أُمية بن خلف و مائة من قريش ولفان و خمسمائة بعير أنت إذا ذهبت من طريق الزبداني تجد قافلة للشاحنات سبعين واحد، ماذا سبعون، ألفان و خمسمائة بعير، قافلة واحدة، كل بعير بشاحنة واحدة، فخرج إليها في شهر ربيع الأول في مائة من المهاجرين و استخلف على المدينة سعد بن معاذ، و سار حتى بلغ بُواط جهة ينبع فوجد العير قد فاتته فرجع ولم يلقَ كيدا.
مرة ثانية القصد ليس القتال، القصد التهيئة لمعركة حاسمة مع قريش الأموال التي صُودرت، و أقام عليه الصلاة و السلام في ربيع الأول و بعض جمادى الأول حين علم أن عيرا عظيمة لقريش قد فصلت من مكة تريد الشام، على رأسها أبو سفيان و معه بضعة وعشرون رجلا، و فيها جماع أموالهم، حتى لقد قيل إنه ما من قرشي، و لا قرشية إلا وله في هذه العير مال، فخرج النبيُّ عليه الصلاة و السلام و معه مائة و خمسون من المهاجرين، و استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسود و سار حتى بلغ العُشيرة من ناحية ينبُع، فوجد العير قد مضت فودع بني مد لج و حلفاءهم ثم رجع إلى المدينة.
ما هذه الحياة ؟ كل شهر غزوة، كل أسبوعين سرية، عمل مستمر لما ربُّنا عز وجل أقسم بعمره الثمين، قال تعالى:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾
[سورة الحجر]
معنى ذلك أن هذا العمر أمضاه كله عليه الصلاة و السلام إما في الدعوة إلى الله و إما في الجهاد في سيل الله، و لم يكد عليه الصلاة و السلام يقيم بعضا من الليالي بعد عودته حنى أغار على مسرح المدينة كرزُ بن جابر الفهري، فاستاق بعض إبل و أغنام كانت ترعى بناحية الجمَّاء على ثلاثة أميال من المدينة، فما كاد يبلغ النبيَّ خبرُه حتى أسرع في جمع من أصحابه يطلب اللحاق بكرز، و استخلف على المدينة زيد بن حارثة، و ما زال يسير حتى بلغ صفوان من ناحية بدر، يسمِّي الرواةُ هذه الغزوة بغزوة بدر الأولى.
تعليق بعض كتَّاب السيرة، قال: هذا العدد من الغزوات لا يمكن أن يصلح لقتال، هي الغزوة أربعون راكبا خمسون راكبا ليس قتالا، لا يصلح هذا العدد لقتال هجومي، إنما كانت كلُّها كتائب استطلاع و كشف لحركات العدوِّ، و كانت في الوقت نفسه مناوشات يُراد بها أعداء الإسلام من قريش، و إشعار الجميع بأن المسلمين قوة تستطيع أن تناوئ من يناوئهم و أن تدافع من يحاول الاعتداءَ عليهم.
أما الواقعة الكبرى التي سبقت معركة بدر هي كما يلي: أرسل النبيُّ عليه الصلاة و السلام سرية عبد الله بن جحش، فقد أرسله النبيُّ عليه الصلاة و السلام في رجب و معه ثمانية من المهاجرين، ليستطلع أخبارَ قريش، فكَتب له كتابا و أمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فإذا نظر فيه فليمضِ لما أمره، و لا يستكره أحدا من أصحابه، سرية ثمانية أشخاص، رأسها عبد الله بن جحش، أعطاه كتابا مختوما و قال له: لا تفتح هذا الكتاب إلا بعد يومين، إذا فتحته نفِّذ الأمرَ و لا تكره أصحابك على تنفيذه، خيِّر، قال: فإذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نخلةً بين مكة و الطائف، فترصَّد بها قريشا و تعلَّم لنا من أخبارهم فقال: سمعا و طاعة و أخبر أصحابه بما في الكتاب و قال لهم: قد نهاني رسولُ الله صلى الله عليه و سلم أن أستكره منكم أحدا، فمن كان منكم يرغب في الشهادة فلينطلق معي، و من كره دلك فليرجع، أما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم، فمضى و مضى و مضى معه أصحابُه لم يتخلَّف منهم أحد، غير أن سعد بن أبي وقاص و عتبة بن غزوان أضلاَّ بعيرهما الذي كانا يتعاقبان عليه، فانطلقا يبحثان عنه، فتخلَّفا عن أصحابه لسبب ليس له علاقة بالمرتبة، ضاع منهما بعيرُها فتتبَّعاه، و هناك صادفوا عيرا لقريش مقبلة من الطائف، تحمل زبيبا و جلودا و تجارة لقريش، و معها أربعة نفر، عبد الله بن الحضرمي و عثمان بن المغيرة و أخوه نوفل و الحكم بن كيسان و كان ذلك في آخر يوم في شهر رجب، فتشاور عبدُ الله و أصحابُه في أمر العير فقال بعضُهم لبعض: واللهِ لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلنَّ الحرم و لئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، وقعوا في حرج، فتردَّدوا و هابوا أن يقدموا و مازالوا بين الإحجام و الإقدام حتى شجَّع بعضُهم بعضا فهجموا على العير فقتلوا منها حرَّاسها، من حراسها عبد الله الحضرمي و استأثر لهما اثنان و فرَّ الرابع، واحد فرَّ و اثنان أسيران و قتلوا واحدا، فلما قدِموا على النبيِّ و علم ما كان من أمرهم غضب و قال:
((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ))
ووقف العير و الأسيرين و أبى أن يأخذ منهما شيئا و سُقط في أيديهم و رأوا أنهم قد هلكوا و جعل إخوانُهم المسلمون يعنِّفونهم على ما صنعوا، أما قريش فقد وجدتها فرصة سائغة لإثارة العرب عليهم، فذهبت تشيع في الناس أن محمدا و أصحابه قد استحلُّوا الشهر الحرام فسفكوا فيه الدماء، و أخذوا الأموالَ.
هذه السرية التي تحدَّثنا عنها قبل قليل سوف تفهمون في ضوء هذه القصة الآية الكريمةَ، طبعا جاء الوحيُ من السماء بعد هذه الحادثة قال تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾
[سورة البقرة]
هذا القتل تمَّ في الشهر الحرام و النبيُّ غضب غضبا شديدا، و استغلَّت قريشٌ هذه الحادثة و شهَّرت بالمسلمين لأنهم انتهكوا حرمة الشهر الحرام، فجاء قوله تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾
[سورة البقرة]
صحيح معكم الحق.

﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾
[سورة البقرة]
إجابة رائعة جدًّا القتال كبير.

﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)﴾
[سورة البقرة]
الله عز وجل مع أن هناك خطأ ارتُكِب، و مع أن النبيَّ عليه الصلاة السلام ما رضيَ أن يُقتَل هذا الإنسان في هذا الشهر احتراما لهذا الشهر و مع كل ذلك جاء الوحيُ الإلهي ليدافع عن المؤمنين و يبيِّن أنهم قد ظُلموا وأنهم قد أُخذت أموالُهم و أنهم أُخرجوا من ديارهم بغير حق لذلك.

﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)﴾
[سورة البقرة]
إذًا هذه السرايا التي بعثها النبيُّ عليه الصلاة و السلام أراد بها أن يثبت لكفَّار قريش أنهم قوة في مستوى قريش و أنه يمهِّد بهذه السرايا لمعركة حاسمة يسترجع بها بعضَ ما فقده أصحابُ رسول الله صلى الله عليه و سلم، و أراد أن تكون هذه المعركة حاسمةً بين الحق و بين الباطل.
على كلٍّ في ضوء هذه السير و هذه القصص يتَّضح أن الحياة الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء، الدنيا دار ابتلاء و الآخرة دار جزاء.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:40 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 012: حقوق الإنسان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-08-10

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
حقوق الإنسان:
أيها الأخوة الكرام: موضوع درس اليوم جديد عليكم، فالإنسان لا يفتأ يستمع إلى الأخبار حول حقوق الإنسان، وأن هذه الدولة لا تحترم حقوق الإنسان، وأن تلك الدولة تُعاقَب لأنها لا تحترم حقوق الإنسان، وكأن حقوق الإنسان إنجاز عالمي كبير، والذي يؤلم أشد الألم أن أجهل الناس بما في الإسلام من حقوق للإنسان هم المسلمون، يتبجحون بحقوق الإنسان وفي الدين الإسلامي من صيانة حقوق الإنسان ما لا يصدق، لذلك هذه الكلمة كثيراً ما نستمع إليها في الأخبار حقوق الإنسان، صون حقوق الإنسان، رعاية حقوق الإنسان.

حقوق الإنسان متعددة منها:
1 ـ حق الحياة:
أيها الأخوة الكرام: أول حق من حقوق الإنسان هو: حق الحياة، فالحياة هبة الله سبحانه وتعالى، وقد أجمعت جميع الشرائع والأديان على تقديس حق الحياة واحترامه وحفظه ورعايته، وبالتالي حرّمت الاعتداء على صاحبه تحريماً قطعياً، لا نجد صوناً لهذا الحق كما نجده في الإسلام، دققوا في هذه الآية:

﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)﴾
( سورة المائدة )
حق الحياة مصون لأعلى درجة في الإسلام:
الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، أما أن تُغتَصب ثلاثمئة وخمسون ألف فتاة في البوسنة، وأما ما يفعله هؤلاء بما يسمى بالتطهير العرقي، ليس هذا انتهاك لحقوق الإنسان ؟ هل تجدون نصاً يرعى حق الحياة كهذا النص ؟ هل تجدون نصاً في الكون كله يرعى حق الحياة كقوله صلى الله عليه وسلم:

(( يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً ))
[ ورد في الأثر ]
وهذه آية أخرى:

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93)﴾
( سورة النساء )
شيء لا يصدق من يقتل مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وإليكم آية ثالثة:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾
( سورة البقرة )
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)﴾
( سورة النور )
حق الحياة مصون في الإسلام في أعلى درجة، الذي يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، الذي يقتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً.

القصاص في القتل:
بأحكام الفقه، القصاص في القتل يتساوى فيه جميع الناس، فيقتل العالم بالجاهل، شخص يحمل أعلى شهادة في العالم (بورد) قتل إنساناً جاهلاً أمياً، الذي يحمل أعلى شهادة في العالم يُقتل بهذا الجاهل، لأنه اعتدى على حق الحياة.
يُقتل الشريف بالوضيع، ولو كان من أرقى أسرة، ولو أنها منسوبة، لو حدثت جريمة قتل يقتل الشريف بالوضيع.
يُقتل العاقل بالمجنون، عاقل قتل مجنوناً يقتل العاقل بالمجنون.
يُقتل الكبير بالصغير، يُقتل الرجل بالمرأة، يُقتل المسلم بغير المسلم، هكذا بالفقه، هل هناك من حق للحياة أعلى من هذا ؟

أحكام القتل الخطأ:
والآن إليكم حكم ما دون القتل، قال تعالى:

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)﴾
( سورة المائدة )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)﴾
( سورة البقرة )
أما القتل بالخطأ، فإن قُتل شخص خطأً فلا بد من رعاية حق عام وحق خاص.

1 ـ الحق الخاص:
أما الحق الخاص دية مسلّمة إلى أهله.

2 ـ الحق العام:
أما الحق العام كما أنه أزهق نفساً مؤمنةً في مجتمع مؤمن فعطل مصالح المؤمنين بقتل هذا الإنسان خطأً فينبغي أن يدخل إلى مجتمع المؤمنين نفساً مؤمنةً يعتقها لتكون فديةً له أو ديةً له نظير الحق العام.
حالياً لا يوجد عبيد فرادى، يوجد أمم مستعبدة لذلك لابد من صيام شهرين متتابعين، إذا الإنسان قتل إنساناً خطأً في حادث سير فلابد من أن يقدم إلى أهله دية كاملة ولا بد من أن يصوم شهرين متتابعين، هذا حق الحياة في الإسلام.

حقوق الإنسان في الإسلام معلنة بآيات من كتاب الله:
حينما تستمعون إلى حقوق الإنسان ينبغي أن تعتزوا بإسلامكم، حقوق الإنسان أعلنت في عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن قتلت الحرب أكثر من ثلاثةٍ وستين مليون إنسان، عدا المشوهين، انتهت الحرب العالمية الثانية بمجموع قتلى يساوي ثلاثةٍ وستين مليون إنسان، ودمرت كل شيء.
عقب هذه الحرب أعلنت حقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول عام ألف و تسعمئة وثمانية وأربعين، بينما حقوق الإنسان في الإسلام معلنة بآيات من كتاب الله قبل ألف و أربعمئة عام.

فائدة استخدام السواك:
أوربا استعملت الفرشاة قبل مئتي عام فقط، وقبلها كيف كانت تنظف أسنانها ؟ كانت تنظف أسنانها بالتمضمض بالبول، بينما السواك شرع للمؤمنين قبل ألف و أربعمئة عام.
ذكرت يوم الجمعة أن عالماً ألمانياً متخصصاً بعلم الجراثيم والأمراض قرأ كتاباً لرحالة بريطاني زار الشرق الأوسط، وكان هذا الرحالة يتهكم على قطعة من الخشب ينظف بها المسلمون أسنانهم، عدّ هذا همجيةً وتخلفاً، وكان ساخراً لاذعاً في سخريته، هذا العالم قرأ هذه المذكرات لهذا الرحالة البريطاني، قال: لعل في الأمر شيئاً لا نعرفه، وكان يتمنى أن يؤتى بسواك ويفحصه، إلى أن زار صديقاً له بالسودان وأتى ببضعة عيدان من السواك، قال هذا العالم: سحق أحد هذه العيدان وبللها ووضعها فوق مزرعة للجراثيم، ثم فوجئ أن مفعول مسحوق السواك في مزرعة الجراثيم يشابه تماماً مفعول البنسلين، فالسواك فرشاة مع معجون مع دواء في وقت واحد، والآن هناك معاجين مصنوعة من خلاصة السواك.
هم قبل مئتي عام بدؤوا ينظفون أسنانهم بالفرشاة، وقبلها كانوا ينظفون أسنانهم بالتمضمض بالبول، بينما المسلمون أرشدهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى استخدام السواك.

(( السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ))
[أخرجه النسائي عن عائشة ]
من مستلزمات حق الحياة:
1 ـ تأمين الأرزاق:
الفقهاء قالوا: مِن رعاية حقوق الإنسان ولا سيما حق الحياة تأمين الأرزاق، وحماية المنتجات، وعقاب المحتكرين، لأن حق الحياة من لوازمه تأمين الطعام والشراب، كل من يحتكر الطعام يعاقب في الدنيا ويعاقب في الآخرة لأنه ضعضع قضية حق الحياة، من لوازم حق الحياة أن يأكل هذا الإنسان، لسيدنا أبي ذر كلمة رائعة: إذا جاع المسلم فليس لأحد مال، يجب أن يوزع الطعام بين المسلمين، من لوازم حق الحياة أن تؤمن للناس حياتهم الأساسية.
سيدنا عمر قال لأحد ولاته: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب، قال الوالي: أقطع يده، فقال عمر: إذاً إذا جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك في المعصية.
حق الحياة من فروعه حق تأمين الأرزاق، وأي دعوة إلى الله ينبغي أن ترافقها دعوة إلى العمل دعوة إلى كسب الرزق، دعوة إلى الكفاية، لأن الإنسان كما قال سيدنا علي: كاد الفقر أن يكون كفراً، وطلب الحلال فريضة بعد الفريضة.
وإني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني.

2 ـ حق الدفاع عن النفس و العرض و المال و الدين:
ومن مستلزمات حق الحياة إباحة حق الدفاع عن النفس وعن العرض وعن المال وعن الدين، حق الدفاع عن النفس مشروع، بالقضاء بنصوص واضحة: إذا الإنسان هاجمه إنسان ليقتله فسبقه وقتله يعد هذا القتل دفاعاً عن النفس، هذا حق مشروع من لوازم حق الحياة.
من لوازم حق الحياة تأمين الطعام والشراب والمأوى والكساء هذه أساسيات، من لوازم حق الحياة أن تبيح للإنسان حق الدفاع عن النفس وعن العرض وعن المال، وهذه مقاصد الشريعة الخمسة، الدين، النفس، العرض، العقل، المال، يقتضي حق الحياة كما قلنا قبل قليل تحريم الاعتداء على النفس، تحريم التمثيل في القتلى.
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: مثل بهم يا رسول الله ( يعني قتلى الكفار)، فقال عليه الصلاة والسلام:
((لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً.))
تحريم القتل بغير حق:
التمثيل في الجثة اعتداء على حق الحياة.
تحريم المبارزة بين شخصين في غير الحق، المصارعة الحرة التي تنتهي بقتل أحد المتصارعين هذه محرمة شرعاً لأنها عدوان على حق الحياة، هذه جريمة يصارعه إلى أن يرديه قتيلاً، ثم يقال: أخذ بطولة العالم. شيء مضحك، هذا محرم بالشرع لأنه عدوان على حق الحياة.
تحريم الإذن بالقتل، قال يا أمير المؤمنين: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم ولست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله، أتستأذنني بتعذيب بشر، وهل أكون لك حصناً من عذاب الله، وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.

حق الحياة ليست ملكاً للإنسان بل الإنسان ملك المسلمين:
وبعد: فإن الإنسان إذا مرض مرضاً خطيراً وما عالج نفسه يموت عاصياً صوناً لحق الحياة، وإنسان نام على سطح بلا سور يحيط بالسطح فسقط ودقت رقبته يموت عاصياً، إنسان ركب ناقةً حروناً ودقت رقبته يموت عاصياً والنبي أبى أن يصلي عليه، قال:
((من كانت ناقته حروناً فلا يركبها.))
أحد الصحابة أراد أن يكسب شرف الجهاد ركب ناقةً حروناً فرمته من على ظهرها ودقت رقبته فمات، أبى النبي أن يصلي عليه، يقاس عليها الآن مركبة درجة عاشرة، مكابحها متآكلة، ميكانيكها تعبان، والسفر طويل فإذا جرى له حادث يموت هذا الإنسان عاصياً، صوناً لحق الحياة، لأن حق الحياة ليس ملكك بل أنت ملك المسلمين، وأنت ملك أسرتك وأنت ملك من تعول، هذه كلها أحكام فقهية، أرأيتم إلى هذا الحق.

بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بحق الحياة:
هل تصدق أن تناول الطعام والشراب من أجل صون الحياة فرض عين على كل إنسان، لو أن إنساناً ترك أكل الطعام والشراب فهذا الصوم حتى الموت انتحار.
أيضاً إذا أصابك مرض ولم تعالج نفسك تموت عاصياً، إذا أهملت صحتك فإنك تعصي الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
( سورة البقرة )
الاعتداء على الجنين محرم صوناً لحق الحياة، حتى إن معظم العلماء قالوا: إن البويضة إذا تلقحت من الحوين يحرم إسقاطها ولو لأول لحظة.
هناك فتوى ضعيفة أنه خلال الأربعين يوماً الأولى يجوز إسقاط الجنين، لكن أكثر العلماء على أنه لا يجوز، لأن هذه البويضة عندما تلقحت أصبحت كائناً حياً وبدأ الانقسام فلو تمّ الإسقاط في هذه الفترة فهذا عدوان على حق الحياة.
هذه بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بحق الحياة، إذا أحدكم سمع في الأخبار يتحدثون عن حقوق الإنسان، فليعلم أن حقوق الإنسان مصونة في أعلى درجة في الإسلام، لكن موضوع التطبيق شيء آخر، نسعى إلى تطبيق هذا، لا تربط الإسلام بالواقع، افهم الإسلام نقياً وحاول أن تجعل الواقع يرتقي إلى مستوى الإسلام، قد لا نجد هذا في الواقع ولكن حق الحياة في الإسلام مصون في أعلى درجة من درجات الصون.

2 ـ حق الكرامة الإنسانية:
الحق الثاني حق الكرامة الإنسانية، الإنسان مكرم قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾
( سورة الإسراء )
الإنسان يحيا بالطعام و الشراب و تحيا نفسه بالتكريم، أما الإذلال والقهر والإهانة فهذا محرم، النبي عليه الصلاة و السلام نهى عن ضرب الوجه لأنه موضع كرامة الإنسان، و الشيء الثابت في علم النفس أن الإنسان يأكل و يشرب حفاظاً على حياة الفرد و يتزوج حفاظاً على النوع و يؤكد ذاته حفاظاً على الذكر، فالإنسان عنده حاجة أساسية جداً بعد أن يأكل ويشرب، ويقضي حاجاته الأخرى، هو بحاجة إلى أن يكون ذا شأن في المجتمع، حق الكرامة، وقد يأتي هذا الشأن من إتقان عمله، قد يأتي هذا الشأن من إيمانه، من طلبه للعلم، ومن تعليمه العلم، من أعماله الصالحة، وقد يأتي هذا الشأن من إيذاء الناس، شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، فهو لجهله يبحث عن تأكيد ذاته بطريق قذر، الذي يؤذي الناس ويشعرهم أنه مخيف، وأنه بإمكانه أن يزعجهم هذا إنسان يؤكد ذاته بطريق شيطاني، أما المؤمن يؤكد ذاته عن طريق معرفة الله ومعرفة منهجه والعمل بطاعته، وخدمة خلقه، وطلب العلم، وتعليم العلم، هناك آلاف الأبواب ترقى بها وتؤكد ذاتك وتحقق الهدف الأساسي من وجودك.

حق الكرامة حق لجميع المسلمين:
إذاً: حق الكرامة حق لجميع المؤمنين، لجميع بني البشر، سيدنا عمر حينما داس أعرابي من فزارة طرف رداء ملك من ملوك الغساسنة في أثناء الطواف، التفت الملك وضربه ضربةً هشمت أنفه، البدوي شكاه إلى عمر فاستدعاه عمر، قال: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ (انظروا إلى الإسلام كيف حفظ حق الكرامة !!) قال: لست ممن يكتم أو ينكر شياً، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، فقال له: أرضِ الفتى لابد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير ؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ قال: نزوات الجاهلية هذه ورياح العنجهية قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس لدينا أحراراً وعبيداً، قال: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.

الاستقامة و الإحسان سبب الكرامة:
حق الكرامة، كل إنسان له الحق أن يتمتع بأعلى درجة من الكرامة وفي القرآن الكريم آية كريمة فيها قانون الكرامة:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)﴾
( سورة يونس )
الكرامة سببها الاستقامة والإحسان، وكل إنسان بعمله فإذا كان متقناً يرفع رأسه، أقول لكم هذه الكلمة أيها الأخوة: كن نظيفاً، وكن واضحاً، وكن مستقيماً، ولا تخشَ أحداً، ارفع رأسك يا أخي لا تُمَوِّتْ علينا ديننا، إنسان كان يمشي مطأطئ الرأس علاه عمر بالدرة وقال له: ارفع رأسك فالإسلام عزيز.
أما عندما تأكل مالاً حراماً تطأطئ الرأس، وتقبّل الأقدام، والإنسان يضعف مركزه عندما يرتكب إثماً، أما إذا كان طائعاً لله ينبغي أن يكون رافع الرأس، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، وسيدنا عمر بن الخطاب عندما استدعى ابن عمرو بن العاص من مصر لأنه ضرب مواطناً من مصر بغير حق، قال له: اضرب ابن الأكرمين، قال كلمته المشهورة التي تكتب بمداد من ذهب، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

على الإنسان أن يحترم كرامة الآخرين و حقوقهم:
حق الكرامة الإنسانية، أنت في مكان عملك وعندك موظفون مرؤوسون حاسبهم، ناقشهم، حاورهم، بين لهم خطأهم لكن لا ينبغي أن تهينهم، لا ينبغي أن تذلهم، أنا أقول لكم أيها الأخوة: الإنسان أحد رجلين إما مسلم أو عنصري، العنصري يعتز ببيئته، بقبيلته، بعشيرته، بطائفته، بمكانته، بماله، بمنصبه، هذا الذي يعتز بشيء وينظر إلى الناس من عل ويحتقر الناس من دونه فهذا إنسان عنصري وهذه أكبر تهمة في عصرنا الحاضر، أن يكون الإنسان عنصرياً، مستعلياً على الآخرين.
كانوا في سفر وعندهم شاة، فقال أحدهم عليّ ذبحها يا رسول الله، وقال الثاني: وعلي سلخها، أما الثالث: علي طبخها، فقال النبي: وعليّ جمع الحطب، أمعقول هذا ؟ نحن نكفيك ذلك، قال:
((لا، أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً عن أقرانه.))
أول حق: حق الحياة، والحق الثاني: حق الكرامة أذكر هذا لئلا تؤخذون إن استمعتم إلى الأخبار وأن بلداً ما لا يحترم حقوق الإنسان، فاعلموا أنه ما من دين على وجه الأرض احترم حقوق الإنسان كالإسلام، حقوق الإنسان معروفة في الإسلام قبل ألف وأربعمئة عام.

3 ـ حق الحرية:
أما حق الحرية: فأولاً حرية الاعتقاد، قال تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)﴾
( سورة البقرة )
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)﴾
( سورة البقرة )
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾
( سورة القصص )
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾
( سورة هود )
﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)﴾
( سورة الأنعام )
حرية الاعتقاد:
حرية الاعتقاد مصونة في الدين، لكن وأنت في مجتمع مسلم اعتقد ما شئت لكن لن تستطيع أن تفعل شيئاً خلاف منهج الله، يوجد نقطة دقيقة جداً، الحرية يفهمها الآخرون في الطرف الآخر في مجتمع الغرب أن تفعل ما تشاء، ولو أدت هذه الحرية إلى إفساد المجتمع، لكنه في الإسلام هناك تشريع من عند خالق الكون، هذا التشريع مصون، يعني هذه المرأة التي تمشي في الطريق تظهر كل مفاتنها وتفسد شباب المسلمين عملها هذا ليس حريةً، هذا ممنوع، هي حرة أن تفعل في بيتها ما تشاء أما ليست حرة في الطريق.
سمعت عن امرأة في مركبة عامة في سفر، سائق المركبة وضع شريطاً من الأغاني الساقطة التي قلما توضع، وقفت امرأة ملتزمة وقالت للسائق أوقف هذه المسجلة، لأن هذه المركبة ملك كل الراكبين، هذا الشريط تسمعه في بيتك فقط، هذه المركبة فيها شابات وشباب، هذا الغناء تسمعه وأنت في بيتك.
الإنسان في الإسلام حر لكن هذه الحرية تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين. أنا لا أستطيع أن أفسد المجتمع باسم الحرية، أفتح نادياً ليلياً باسم الحرية، أجعل المرأة تمشي وكأنها عارية باسم الحرية، لا، هذا فهم خاطئ للحرية، هذا فهم مشوه، الشيء الذي شرعه الله عز وجل فوق الجميع، نحن نتحرك وفق منهج الله عز وجل.

التفكير من لوازم حرية الاعتقاد:
التفكير من لوازم حرية الاعتقاد، حرية الاعتقاد مصونة لقوله تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)﴾
( سورة البقرة )
والتفكير الحر من لوازم حرية الاعتقاد، قال تعالى:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)﴾
( سورة يونس )
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)﴾
( سورة المؤمنون )
فهل عندك برهان على شريك، الإسلام حينما قال: لا إكراه في الدين صان حرية الاعتقاد، وحينما دعانا إلى التفكير أعطانا لوازم حرية الاعتقاد، ولحكمة بالغة بالغة أن أحداً في الأرض لا يستطيع أن يطلع على ما في رأسك، وهذه أعظم حرية، قولك قد يكون مراقباً، أما تفكيرك غير مراقب، اعتقادك غير مراقب، لك أن تعتقد ما تشاء، فإذا إنسان أكره وقلبه مطمئن في الإيمان فهو عند الله مؤمن.

دعوة الله الإنسان إلى التفكير و البرهان:
تصور أنك في المجتمع لو اعتقدت بخلاف ما يعتقد هؤلاء لقتلوك فرضاً، فهل يستطيع هؤلاء أن يطلعوا على اعتقادك ؟ لا. أبداً، كفل الله لك حرية الاعتقاد، ودعاك إلى التفكير والبرهان قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾
( سورة الإسراء )
أعطاك سمعاً وبصراً، نوافذ للعالم الخارجي، أعطاك قوة إدراكية، قوة محاكمة، اتخذْ قراراً واعتقدْ ولا تعبأ بأحد، بل إن التعبير عن الرأي مصون في الإسلام، الدعوة إلى الله قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾
( سورة آل عمران )
هذه اللام لام الأمر، ولتكن منكم أمة، معنى هذا أن الإسلام صان حرية الاعتقاد، ودعا إلى التفكير الحر، وأمر بالتعبير الحر.

صون الإسلام لحرية الاعتقاد و دعوته إلى التفكير الحر:
أنت حر فكر تفكيراً حراً وعبّر تعبيراً حراً، قال تعالى:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125)﴾
( سورة النحل )
رجل واعظ دخل على ملك قال له: سأعظك و أغلظ عليك، قال له: و لِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله مَن هو خير منك إلى من هو شر مني ؛ أرسل موسى إلى فرعون، لا أنت موسى ولا أنا فرعون، قال تعالى:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
( سورة طه )
حرية الاعتقاد مصونة في الإسلام لا إكراه في الدين، والدعوة إلى التفكير قال تعالى:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)﴾
( سورة يونس )
حرية التعبير مصونة في الإسلام بشرط إدراك فقه الأولويات:
حرية التعبير وقول ما فيه الخير مصونة في الإسلام قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾
( سورة آل عمران )
ولكن:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125)﴾
( سورة النحل )
هناك دعاة إلى الله ليسوا على إدراك عميق بفقه الأولويات، كأن يدخل شخص إلى بيت، لعل أهل هذا البيت لا يصلون، لعل أهل هذا البيت لا يلتزمون بالحجاب، نساؤهم لسن محجبات، لعل دخلَ صاحب البيت دخلٌ حرام، مع كل هذه السلبيات رأى عصفوراً حبيساً فقال: هذا حرام، قبل هذا العصفور هناك أشياء كثيرة، هناك أشياء كثيرة جداً فلا بد أن تبدأ بالأولويات، كنت أضرب مثلاً وأكرره: تصوروا طبيباً جراحَ قلبٍ، جاءه مريض يعاني من أزمة قلبية حادة وهو بحاجة ماسة إلى فتح قلبه فوراً، نظر هذا الطبيب إلى أظافره فإذا هي طويلة فترك قلبه وقص أظافره، هل هذا الطبيب يفهم حكمة الأولويات ؟ إن دعوت إلى الله فقبل أن تأتي على تفاصيل الشريعة انظر إلى عقيدة هذا الإنسان لعله لم يؤمن بعد بالله، لعله لم يؤمن بالآخرة، كيف تحاسبه على صورة في بيته، أو على عصفور، أو على شيء من فروع الشريعة لا من أصولها.

4 ـ حق العمل:
وبعد أن ذكرت حرية الاعتقاد، أذكر: حق العمـل، إخواننا الكرام قبل قليل ذكرت نصاً لسيدنا عمر، هل تعتقدون أن هناك نصاً أوضح من هذا النص ؟
سيدنا عمر قال لأحد ولاته: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، فقال عمر: إذاً إذا جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، معنى هذا أن أكبر مرض اجتماعي هو البطالة، وفي زماننا هناك بيانات الانتخابات في أمريكا وأوربا وأول موضوع يعالجه المرشح للفوز بالانتخابات موضوع البطالة، يقول لك: في بريطانيا أربعة ملايين إنسان عاطل، في أمريكا عشرة ملايين، شيء مخيف إنسان بلا عمل يصبح كتلة شر.
مرة أخ من إخواننا سألني فقال: عندي معمل ولا يوجد ربح أبداً وعندي ثمانون عاملاً، وأنا مكتفٍ والحمد لله يمكن أن أنفق مهما امتد بي العمر وعندي ما يكفيني، يفكر هذا الأخ بإغلاق هذا المعمل، فكان جوابي له: هل تظن أن الربح الوفير ما يفيض لديك آخر العام ؟ أنت إذا أمنت لهؤلاء العمال الثمانين رزقهم ورزق أسرهم فهذا أكبر ربح، أنت مهيئ ثمانين فرصة عمل، بالاقتصاد يقولون المشروع الفلاني يهيئ ألف فرصة عمل مثلاً، فبقدر ما يهيئ من فرص عمل يكون نفعه.

تأمين فرص عمل للشباب شيء عظيم في الإسلام:
الشاب عندما يكون له عمل مهما كان دخله قليلاً صار له أمل في أن يتزوج، وقد يشتري أرضاً خارج دمشق في بستان ويعمر بها غرفة، عنده دخل، يستأجر بيتاً سياحياً يدفع ثلاثة آلاف ويبقى معه ثلاثة، صار له أمل، هذا شاب في أول حياته والطرق كلها مغلقة مشكلة بل جحيم، لا تتصور إذا كان شخص معه مبلغ من المال ووضعه في البنك وأخذ فائدته أهو مرتاح ؟ لا، ضميره متعب، بينما إنسان أسس مشروعاً يحتاج إلى عشرة موظفين، هذا أَمَّنَ عشرة فرص عمل، هذا عمل صالح، أنت أمنت عشرة فرص عمل، عشرة أسر يعيشون من هذا العمل، صار ربحك ليس الربح المادي الذي تتأمله ربحك تأمين فرص عمل للناس.
إخواننا الكرام: موضوع تأمين فرص عمل للناس شيء جليل وعظيم، لماذا حرم الله الربا ؟ لأن الربا أساسه المال يلد المال، أما الأعمال التجارية والصناعية فأساسها الأعمال تلد المال، الأعمال تحتاج إلى أيدٍ عاملة، العمل الصناعي يحتاج إلى عمال، العمل التجاري يحتاج إلى موظفين، أحياناً يستخدم الإنسان مئة شخص أو مئتي شخص بشكل غير مباشر، لا بد من نقل البضاعة ولها هناك مكاتب نقل، ولا بد من المراسلات وهناك بائعون للقرطاسية، الحسابات هناك محاسبون، ترى مؤسسة تجارية متواضعة جداً مئة شخص يعملون من خلالها، الأعمال عندما تلد المال فالناس جميعاً ينتعشون فمن كان صاحب معمل أو مؤسسة وعنده موظفون فهذا عمل عظيم ربح أم لم يربح، ربحك الحقيقي أنك قد أمنت فرص عمل للناس ويعيشون بكرامة.

حق العمل حق أساسي لكل إنسان:
من عامل الناس وصبر على أذاهم خير ممن لم يعاملهم، فإذا جاءه ملك الموت يقول: ماذا فعلت ؟ ستموت قرير العين لذلك قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾
( سورة الملك )
حق العمل حق أساسي، لذلك وصف الله سبحانه الأنبياء بأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق حياتهم ليست ذاتية بل هي متوقفة على تناولهم الطعام، وتأمين طعامهم متوقف على بذلهم للجهد، يعمل فيكسب فيأكل، إذاً بشر.

الإسلام لا يُعرف من واقع المسلمين يعرف من مصادره الأصيلة:
إخواننا الكرام:
" من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً "
يؤلمني أشد الألم، أن مسلماً يجهل دينه ويعتز بأفكار مستوردة، ويزهو بها ويتباهى بها، وهذا الموضوع خير شاهد، يعتز بعض المسلمين أن حقوق الإنسان إنجاز حضاري، دينك قبل ألف وأربعمئة عام جاء بحقوق للإنسان ما وصل إليها العالم بأجمعه.
لكن لا تفهم حقيقة الإنسان المسلم من واقع المسلمين، هذا خطأ كبير، الحقيقة أن قلة قليلة من المتنورين يستطيعون أن يفهموا الدين من مصادره وينابيعه الأصيلة، العوام يفهمون الدين من ممارسات المسلمين وهذا غلط كبير، أكثر الناس يحكم على المسلمين من أعمالهم، فلان أعماله سيئة، الإسلام لا يُعرف من واقع المسلمين يعرف من مصادره الأصيلة المؤصلة من الكتاب والسنة، ومهمتنا أن نرقى بالواقع إلى مستوى الإسلام الصحيح هناك أخطاء كبيرة جداً، هناك من يحاول أن يقرب الإسلام من الواقع، بعض الأخطاء في كسب المال، في إنفاق المال، في الاختلاط، في تقاليد الأجانب، نحاول أن نبحث عن نصوص تبين صحة ما نفعل هذا سلوك مضحك، تريد أن تنزل بالإسلام من صفائه ومن نقائه ومن سموه إلى وحل الواقع العكس هو الصحيح أن ترقى بالواقع إلى مستوى الإسلام، الآن حالياً ظهر تفكير انتهى إلى أن الاختلاط مباح، الربا مباح، المرأة لها أن تظهر أمام أبيها كما خلقها الله، قراءات معاصرة، شيء مضحك نريد أن نجعل من الواقع المتفلت الإباحي ديناً، هذه عملية ضالة: تفجير الدين من داخله أجل يحاولون تفجير الدين من داخله، ذلك هو الضلال البعيد.

على المسلم أن يعتز بدينه و ألا يكون عالة عليه:
الأصح أن نسمو بالواقع إلى مستوى الإسلام الصحيح، والأصح من هذا وهذا ألا نفهم الإسلام من واقع المسلمين، أن نفهمه من مصادره المؤصلة، هذا هو الإسلام، هذه حقوق الإنسان في الإسلام، أما أن تكون مطبقة أو غير مطبقة فهذا موضوع آخر، نرجو أن تصير مطبقة ونسعى إلى تطبيقها تطبيقاً كاملاً، ونفعل كل شيء من أجل تطبيقها، أما أن نتهم المجتمعات الإسلامية بأن الإسلام لا يرعى حقوق الإنسان فهذا كلام غير صحيح، الإسلام رعى حقوق الإنسان إلى أعلى درجة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يتنور المسلمون، وأن يكونوا في المستوى الذي أرادهم الله فيه، وأن يعتزوا بدينهم وألا يكونوا عالة على ثقافات تأتينا من الغرب، رجل اسمه ديل كارينجي، ألف كتاباً: كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء فأول طبعة كانت خمسة ملايين نسخة، وهو كتاب مشهور جداً، جاء عالم من مصر وأخذ قواعد هذا الكتاب وجاء بقواعد من الكتاب والسنة أبلغ مما في ذلك الكتاب، نحن لافتقارنا للعلم نعتقد أنه كتاب رائع جداً، كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء.

العاقل من يُذَكِّر الآخرين بحسناتهم و إيجابياتهم ثم يبين لهم خطأهم:
أضرب لكم مثلاً صغيراً، الذين يعملون في مراكز قيادية، مدير معمل، مدير مستشفى مثلاً، مدير مدرسة، رب أسرة، صاحب متجر، يستخدم موظفين فإذا الموظف أخطأ ماذا عليه أن يفعل ؟ قال عليه أن يذكره بإيجابياته وحسناته أولاً ثم يبين له خطأه، حينما ذكر له ميزاته وإيجابياته اطمأن هذا الموظف إلى أن رب العمل منصف يعرف قيمة أمانتي وإخلاصي وخبرتي، لكن هناك تأخر يومي، فقال له أنا أعلم بأنك أمين ومخلص ومتفوق لكن هذا التأخر مزعج أريد أن أعالجه أنا وإياك، هذا أكمل سلوك في إدارة الموظفين، أن تبين لهم ميزاتهم أولاً ثم تذكرهم بأخطائهم، مؤلف الكتاب الذي ردّ على كتاب ديل كارينجي قال: دخل أحد أصحاب رسول الله المسجد وقد بدأ النبي بالصلاة فلحرصه على أداء الصلاة مع رسول الله وعلى ألا تفوته ركعة مع رسول الله، أحدث في المسجد جلبةً وضجيجاً ليتمكن من تدارك الركعة مع النبي، فلما انتهى النبي من صلاته قال له عليه الصلاة والسلام برقة بالغة:

((... زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))
[ أخرجه البخاري عن أبي بكرة ]
عَدَّ هذه الجلبة والضجيج من حرصه على أداء الصلاة مع رسول الله، هذه هي الميزة، ثم نهاه عن أن يعود إليها فقال: ولا تعد، فالكتاب الذي ألفه بعض علماء مصر رد على كتاب كارينجي أعلى رد، يعني كل قاعدة جئت بها هي في كتابنا وفي سنة نبينا، قواعد، أنت أمام دين عظيم منهج كامل، منهج يدخل إلى التفاصيل.

الإسلام دين علينا الاعتزاز به لأنه من عند خالق الأكوان:
إنسان يسافر أحياناً ثم يطرق أهله عائداً من سفره ليلاً الزوجة في عمل المنزل طيلة النهار ومتعبة، ولا يُعجبه وضعها، ما جاء النبي من سفر إلا وأقام بظاهر المدينة يوماً حتى يعلم كل النساء أن أزواجهن عادوا من سفرهم، فتستعد تنظف أولادها وتعتني بنفسها، وتتزين لتبدو لزوجها في أحسن مظهر، فإذا دخل الزوج من سفر ينبغي أن يرى شيئاً حسناً، من ينتبه إلى هذه القضايا ؟ يوجد أشياء تفصيلية حتى في العلاقات الزوجية لا تصدق من منهج رسول الله، فنحن نقلد الأجانب ونستورد عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان تتناقض مع تقاليدنا وإسلامنا، ونزهو بها، ونتباهى بها، وننسى أن لنا ديناً عظيماً.
أردت من هذا الدرس، هذا المحور، وألا تنخدع بكل ذي بريق فتحسبه ذهباً، بل اعتز بإسلامك، فأنت تدين بدين من عند خالق الكون، كماله مطلق قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾
( سورة المائدة )
والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:45 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 013: الرؤى الصالحة : - علم الغيب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-08-17
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام: إنني في هذا الدرس أسعى جاهداً أن تكون الموضوعات مما تلبي حاجات الإخوة المؤمنين، فالإنسان حينما يلقي السمع إلى موضوع يعاني منه يكون تأثره وتفاعله واستجابته أشد مما لو لم يكن الموضوع مقترباً من حاجاته اليومية.
ما منا أحد على الإطلاق إلا إذا ألقى رأسه على الوسادة تمنّى أن يرى رؤيا صالحة سارّة، و يستيقظ صبيحة تلك الليلة. ويتساءل ماذا تعني هذه الرؤيا ؟ فمحور الدرس اليوم الرؤيا الصالحة، و قد وردت في القرآن الكريم رؤيا سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾
( سورة يوسف )
كما وردت في السورة نفسها ( سورة يوسف ) رؤيا للملك الذي ضم سيدنا يوسف إليه، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)﴾
( سورة يوسف )
وقد وردت في الأحاديث الشريفة نصوص كثيرة تتحدث عن الرؤيا، و في الحقيقة أن الرؤيا من خصائص الإنسان، وإذا أردت أن تفهم حكمتها الكبرى فهي دليل على الحياة النفسية التي يحياها الإنسان بعد الموت.
فلو أن رجلاً أو رجلين، أو فتاة أو فتاتين، ناما على سرير واحد، الجو واحد، الفراش واحد، الدفء واحد، الرطوبة واحدة، الموقع واحد، كل الظروف واحدة، قد يرى أحد الشابين رؤيا يشعر أنه قارب السماء من الغبطة والسرور، وقد يرى الثاني رؤيا يكاد ينسحق منها، بينما الظروف المادية واحدة.
إذاً لك حياة نفسية تتجاوز الشروط المادية، و قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ))
النبوة من أخص خصائصها أنها صادقة، صدقُ النبي من أخص خصائصه، وحينما قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث، المعنى أنها صادقة كصدق النبوة لا كما يفهم بعضهم أن الذي يرى رؤيا صالحة هو على مشارف النبوة، لا، علاقة الحديث بالنبوة أنها صادقة كصدق النبوة.
و لذلك سميت هذه الرؤيا الصالحة بشارة، هي في الحقيقة غيب، يعني إطلالة على الغيب لذلك لا بد من التمهيد لهذا الموضوع بالحديث عن الغيب، حينما ننهي الحديث عن الغيب نصل إلى الرؤيا.
أولاً هناك غيـب أيها الإخوة استأثر الله به، لا يُطْلع عليه أحداً من خلقه كائناً من كان، حتى ولا الأنبياء، أجل: هناك نوع من الغيب استأثر الله به لا يطلع أحداً عليه، من هذا قيام الساعة الكبرى، يعني قيام القيامة، ومن هذا الغيب الذي أستأثر الله به قيام الساعة الصغرى، الساعة الصغرى موت الإنسان، الإنسان له ساعة صغرى يموت فيها، وساعة كبرى يبعث و يحاسب فيها، يوم القيامة ساعة كبرى وموت الإنسان ساعة صغرى، الدليل قال تعالى:

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)﴾
( سورة النمل )
و هذه الساعة الكبرى، قال تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)﴾
( سورة الأعراف )
فهذا النوع من الغيب الساعة الكبرى والساعة الصغرى علم استأثر الله به، ما يَطّلع أحد عليه كائن من كان، حتى ولا الأنبياء، آية ثالثة قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾
( سورة لقمان )
الإمام مالك فيما تروي الأخبار، رأى ملك الموت في المنام، قال يا ملك الموت كم بقي لي من عمري، فأشار بيده خمسة، فلما استيقظ قال: أخمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، أم خمس دقائق ؟ فلما سأل الإمام ابن سيرين عن تأويل هذه الرؤيا قال: يا إمام يقول لك ملك الموت: إن هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، فهذا هو التأويل، لكن لو بحثنا عن حكمة إخفاء ساعة الموت لوجدنا خيراً كثيراً، فلو أن الله سبحانه وتعالى أطلع إنساناً على ساعة موته، فمثلاً أنت أيها الإنسان تعيش ستاً وسبعين سنة وستة أشهر وسبعة أيام وخمس ساعات وثلاث دقائق وثلاث ثوان، فماذا يكون من هذا الإنسان ؟ يتوقف نشاطه و سعيه و هذه مشكلة كبيرة، لو أن الإنسان عرف أجله لانتهى العمل كله، لأنّ من المستحيل أن يتحرك الإنسان حركة وهو يعلم نتائجها.
أخواننا الكرام أدق ما في الأمر الآية الكريمة:

﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)﴾
( سورة البقرة )
والله آية محيرة، يا رب الموت بيدنا حتى تأمرنا ألّا نموت إلا ونحن مسلمون، الموت بيدك يا رب لا بيدنا، فما معنى هذه الآية ؟ يعني لا يأتيكم الموت إلا وأنتم مسلمون.
ومرة ضُرب مثلٌ مضحك، أن شركة طيران السفر إلى أمريكا و ثمن البطاقة إلى أمريكا خمس مائة ألف، فإن لم تسافر تخسر قيمتها، افتراضاً، والشركة هي التي تأخذك من البيت، ولا تقف على الباب إلا دقيقة واحدة وموعد مجيئها من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساءً، فماذا تفعل ؟ خمسة مائة ألف لن ترد لك، وهم يقفون على الباب دقيقة واحدة، فأنا أعتقد أننا لو عرضنا الأمر على ألف شخص، سيقف الألف شخص وراء الباب مع المحفظة والحقيبة من الساعة الثامنة صباحاً.
هذا معنى قوله تعالى:

﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)﴾
( سورة البقرة )
إذاً فالموت لا تعلم موعده، فيجب أن تكون جاهزاً لاستقباله، جاهزاً بالتوبة والصلح مع الله، وأداء الحقوق، وأداء كل ما عليك من التزامات، حتى إذا جاء ملك الموت تكون جاهزاً للذهاب معه.
العامة تقول: تؤلف ولا تؤلفان، على أنه حديث نبوي، هذا الكلام لا أصل له إطلاقاً كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار.
هذا الغيب الأول، أما الغيب الثاني فغيب يعلمه الله و يُعلمه لرسوله، هذا شيء آخر تأييداً للأنبياء وتصديقاً لما جاؤوا به، يعني يأتي إنسان و يَدّعي قائلاً: " أنا رسول الله " شيء جميل، فهل نحن ملزمون أن نصدق كل إنسان ادّعى هذا الادعاء ؟ لا. فالذي يقول: أنا رسول الله، لا بد من أن يأتي بشيء لا يستطيع أن يفعله أحد، فإن فعله الرسول كان مؤيداً من الله ولذلك من لوازم الرسول أن تكون معه معجزة، فمن معجزات الرسل أنهم يعلمون الغيب الذي سمح الله لهم به أن يعلموه فقط، يؤخذ هذا من قوله تعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27)﴾
( سورة الجن )
فهذا الغيب أيها الإخوة أنواع ثلاثة، غيب الماضي، وغيب المستقبل بعدان زمانيان وغيب الحاضر بعد مكاني، فمن غيب الماضي مثلاً قال تعالى:

﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)﴾
( سورة آل عمران )
من أين جئت بهذه الأخبار ؟ لولا أنك رسول يوحى إليك لما جئت بهذه الأخبار، هذا غيب الماضي، أما غيب المستقبل قال تعالى:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2)﴾
( سورة الروم )
فعلاً بعد سبع سنوات انتصر الروم على الفرس، هذا من غيب المستقبل وهناك آيات كثيرة جداً، وهناك أحاديث كثيرة جداً، والحديث عن علامات الساعة الكبرى من هذا القبيل غيب أطلع الله نبيه عليه، تأييداً له ودعماً له في صدق دعوته، قال تعالى:


﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
( سورة النحل )
الطائرة دخلت في مفهوم الآية، والمركبة الفضائية دخلت في الآية، والمركبة والقطار دخلا كذلك، أما غيب الحاضر بعد مكاني، قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)﴾
( سورة التوبة )
إنسان كتب إلى قريش أنّ محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، الله عز وجل أطلع النبي عليه، إنسان آخر قال لصفوان بن أمية: يا صفوان والله لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، قال له صفوان: يا عمير أما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، فامضِ لما أردت، وصل عمير إلى المدينة رآه عمر رضي الله عنه وعلى عاتقه سيف، قيده بحمالة سيفه وساقه إلى النبي قال: يا رسول الله هذا عمير عدو الله جاء يريد شراً فقال له النبي: أطلقه يا عمر و ابتعد عنه فأطلقه، و ابتعد عنه، أُدنُ مني يا عمير، ما الذي جاء بك يا عمير ؟ قال: جئت لأفك ابني من الأسر قال: وهذا السيف الذي على عاتقك ؟ قال: قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر، فقال له: ألم تقل لصفوان لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لقتلت محمداً وأرحتكم منه فقال لك صفوان كذا وكذا..، وقف وقال: أشهد أنك رسول الله لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله.
ومرة أخرى كان النبي عند اليهود في موضوع معين، فائتمروا عليه وهو عندهم أن يصعد أحدهم إلى ظهر البيت الذي يجلس في ظله ويلقي عليه صخرةً ويقتله، فجاءه الوحي وأخبره، فقام النبي وقام أصحابه وفسدت خطتهم.
هناك غيب الحاضر وغيب الماضي وغيب المستقبل، يوجد عندنا غيب آخر يسمى غيباً، مجازاً، يعني في السماء الآن تهب رياح، تستمع إلى النشرة الجوية إلى أن هناك موجة حر آتية من المنطقة الشمالية، ترتفع الحرارة فوق معدلها وتهب رياح حارة، و في الشتاء: رياح باردة، و غداً مثلاً تكون الحرارة دون معدلها فكيف علموا الغيب ؟ هذا مرتفع أو منخفض مرصود في أوربا مثلاً، أوضح من ذلك أخبار المنخفض الجوي، يقولون: منخفض جوي متمركز فوق أوربا سرعته ثلاث مائة كيلو متر في الساعة مثلاً، بيننا وبين أوربا ثلاثة آلاف كيلو متر تحسب المسافة وتقسم على السرعة يقولون بعد ثلاثة أيام سيكون عندنا منخفض جوي، ومعه أمطار غزيرة، هذا العلم يسمى علم غيب مجازاً لكن هناك وسائل تكشفه، كذلك الجنين في بطن الأم، يأخذ الأطباء السائل الأمينوسي و بالتحليل يُعرف الجنين أهو ذكر أو أنثى، أو بالتصوير، فهذا الذي يتوهمه العوام غيباً ليس غيباً، هو حاضر. يقولون: هناك منخفض متمركز فوق أوربا و لديهم اتصالات سريعة جداً، فبحساب المسافة والسرعة والاتجاه نحكم على وجود أمطار بعد أربعة أيام فهذا يسميه الناس غيباً مجازاً وهو ليس بغيب إنما هو غيب الواقع والله سمح به، كل شيء سمح الله به لم يعد غيباً، قال تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
( سورة البقرة )
إلا أن أكثر الناس المشككين يقولون: ماذا نفعل بقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)﴾
( سورة لقمان )
وقد علم الإنسان الجنين ما إن كان ذكراً أو أنثى، الجواب بسيط جداً الله جل جلاله لم يقل ويعلم من في الأرحام، يعني ذكراً أو أنثى قال: " يعلم ما " فمن يستطيع أن يعلم أن هذا الجنين عالم، شقي أو سعيد، مديد العمر أو قصير العمر، مصلح كبير أو مجرم خطير، ما لونه ما لون عينيه، ما صفاته، من سيتزوج، كم سينجب، ما رزقه، إلى الآن يوجد حوالي مليون مورث، مليون معلومة مبرمجة متوضعة في خلية الحوين المنوي لم يستطع البشر أن يعرفوا إلا ثمان مائة نقطة منها فهذا ليس علم غيب، علم الغيب أن تعلم شيئاً ليس له وجود الحاضر.
شيء آخر يجب أن نعلمه جميعاً، ما يشيع بين العامة من أَنَّ الجن يعلمون الغيب، كذلك كل ما يفعله الناس ولو كان لعباً، أن غداً سيكون كذا عن طريق البرج، عن طريق الكُهّان، عن طريق السحرة، نقرأ في فنجان القهوة، هذا كله كذب ودجل لا أصل له، ومن يفعله يأثم.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
الجن لا يعلمون الغيب إطلاقاً، والدليل قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾
( سورة سبأ )
سيدنا سليمان كلف الجن بعمل شاق ومات، وما دلهم على موته إلا حينما انكسرت عصاه التي كان متكئاً عليها فوقع.
إذاً أنواع الغيب هي: غيب استأثر الله بعلمه، و هو النوع الأول، وغيب أطْلعَ الله أنبياءه عليه تأييداً لهم و هو أنواع ثلاثة:غيب الماضي و غيب الحاضر و غيب المستقبل و هذا هو النوع الثاني، و غيب يتوهمه الناس غيباً و هو النوع الثالث يسمى غيباً مجازاً، كالتنبؤات الجوية أحياناً، و الأشياء التي لها دلائل، فهذه أيضاً ليست غيباً إلا أن العوام يسمونها غيباً، و أما الجن فلا تعلم الغيب إطلاقاً قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾
( سورة سبأ )
هذا التمهيد لموضوع الرؤيا، الآن عندنا غيب يسمى بشارة، و هو ما يراه المؤمن الصالح في منامه ثم يتحقق بعد ذلك و في الحديث الشريف:

((عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ))
في صدقها و في دلالتها: و قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن جرير:


((عن مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي تفسير هَذِهِ الآيَةِ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ )) هذا محور الدرس، والتمهيد انتهى، يعني بشكل أو بآخر، الرؤيا إعلام من الله مباشر لهذا المؤمن، الأنبياء يأتيهم الوحي أما المؤمنون فلهم الرؤيا الصالحة يعني طريقة من طرق الاتصال المباشر، الله جل جلاله يوحي لأنبيائه، إن الله يقرئك السلام يا محمد ويقول لك. فهذا اتصال مباشر عن طريق سيدنا جبريل، أما المؤمن، فكيف السبيل إلى أن يكون هناك اتصال مباشر بينه وبين الله ؟ عن طريق الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له.
قال العلماء: أصدق أوقات الرؤيا تكون في أواخر الليل، قبل صلاة الفجر أو بعده، أو بالقيلولة، النوم بعد الظهر. أما النوم بعد العصر فاسمه العيلولة لأنها تسبب علة للإنسان فلا تكون رؤيا بعد العصر، و إنما هو حلم.
و إليكم هذه الطرفة، رجل في وزارة الأوقاف قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي قل لفلان أن يجعلك في وظيفة كذا، فقال له المسؤول: متى رأيت هذه الرؤيا؟ قال له: البارحة الساعة الثانية عشرة، فقال له: أنا رأيت رسول الله فجراً وقال لي: إنه كاذب لا تصدقه.
الرؤيا الصالحة جزء من المبشرات، أحياناً الإنسان يرى رؤيا ليس فيها ترتيب ولا انسجام ولا تناقض، واضطرابات، قال العلماء: هذه لا تفسر إطلاقاً فهي أضغاث أحلام، تناول طعاماً ثقيلاً ونام، غضبان ونائم، أو نام بمجرى رياح مثلاً، فهناك أحوال معينة، أو نام على أثر مناقشة حادة، فهذه رؤيا لا يُعبأ بها إطلاقاً. إنها أضغاث أحلام.
قالوا من طريف ما روت كتب الأدب أن أحدهم كان شاعراً و رأى رؤيا أنه دخل على أمير وأنشده طامعاً في عطائه قال: أيها الأمير رأيت في النوم أني مالك فرساً ولي وصيف وفي كفي دنانير، فقال قوم لهم علم ومعرفة رأيت خيراً وللأحلام تفسير، اقصص منامك في بيـت الأمير تجد تفسير ذلك، التفسير أن يعطيك فرساً ودنانيراً وخادماً، فقال له الأمير: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.
أخواننا الكرام: الرؤيا الصادقة الصالحة هي رؤيا المؤمن كما ورد في الحديث الشريف
(( عَــنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ))
أي صادقة كصدق النبوة، أمّا الأنبياء فرؤياهم حق، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)﴾
( سورة الصافات )
رؤيا الأنبياء شيء، ورؤيا المؤمنين شيء آخر، رؤيا الأنبياء أمر من الله، العلماء قالوا إذا رأى النبي قبل البعثة رؤيا فهي من إرهاصات النبوة أما إن رآها بعد البعثة فهي من أنواع الوحي، و هي لِلأنبياء وحدهم.
تقول السيدة عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم:

(( عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مـِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ))
وبصراحة أيها الإخوة المؤمن الصالح له رؤيا من هذا القبيل، الله عز وجل يبشره أو يحذره، يقيم اتصالاً مباشراً، الله عز وجل أحياناً ينصحك عن طريق عالم، يحذرك عن طريق داعية، ينبهك عن طريق كتاب، أو عن طريق صاحب، لكن أحياناً لو شاءت حكمة الله، أن يعطيك معلومة مباشرةً كيف ؟ أنت مؤمن لا يوحى إليك فتأتيك عن طريق رؤيا صالحة.
و هناك تحليل لا أعلم مبلغ صحته، النبي عاش ثلاثة وعشرين سنة وستة أشهر بالتمام والكمال يدعو إلى الله فهذه الثلاثة والعشرين ضرب اثنين، حاصلها ستة وأربعون، الرؤيا الصالحة تكون جزءاً من الستة و الأربعين جزءاً من النبوة يعني، مدة الوحي، هي صادقة كصدق الوحي وهذا تطمين لنا، إلا أن الله عز وجل يقول:

﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾
( سورة البقرة )
البشرى هي الرؤيا الصالحة، وهناك حديث كذلك يقول:

(( عــن عَبْد ُاللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قـَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الرُّؤْيَا الصَّالِحـــَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَـمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ))
أحلام مضطربة مشوشة غير واضحة متداخلة متناقضة هذه أضغاث أحلام أما الرؤيا من الله، دقق في هذا الكلام الحلم شيء، الحلم من الشيطان والرؤيا من الرحمن، كما أن التثاؤب من الشيطان والعطاس من الرحمن، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان.
ورد أيضاً من البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة، قال عليه الصلاة والسلام: من البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له، أما الحديث الدقيق الذي سبق تخريجه يقول عليه الصلاة والسلام:

((عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلا الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ))
أخرجه البخاري في كتاب التعبير، وبموت النبي عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي وانتهى كل شيء، بقيت المبشرات.
أخواننا الكرام: انتبهوا لهذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم:

(( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قــَالَ: إِنْ كُنْتُ لأرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّ،،ى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحـَةُ مِنَ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكــُمْ مَا يُحِبُّ فَلا يُحَدِّثْ بِهَا إِلا مَنْ يُحِبُّ وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعـَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا وَلا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ))
لأنه لا يصدقك ولا يوجد دليل، إعلان شخصي وليست صالحة للتحدي لا يوجد فيها دليل والباب واسع، كل إنسان يدعي أنه رأى رسول الله، فبشكل مختصر تقول له: أنت مستقيم رأيت رؤيا سارة و هي بشارة من الله، مستقيم رأيت رؤيا غير سارة هي تخويف من الشيطان لا سمح الله، أما إن كنت لست مستقيماً و رأيت رؤيا سارة فهي تغرير من الشيطان، و إن كانت رؤيا سيئة فتنبيه من الرحمن، أربع حالات، الأصل أن تكون مستقيماً فالسار من الله و هو تبشير، والمزعج من الشيطان و هو تخويف.
أخواننا الكرام: كثيـــرون هم الذين يقولون رأينا رسول الله، طبعاً يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّـى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي ))
أنا أنقل لكـم شيئاً سمعته من بعض أخواننا، يقول لك لمدة شهر وأنا مغموس بسعادة لا توصف لأنه رأى النبي مرة واحدة، كيف الذين عاشوا معه ؟ كيف الذين رأوه بأمّ أعينهم، كيف الذين استمعوا إلى حديثه، كيف الذين جاهدوا معه، كيف الذين فدوه بأرواحهم ؟ هذا في المنام تراه مرةً فتسعد والله أيها الإخوة هذا إن لم تغب عن وجودك، فالشيء الدقيق جداً إن رأيت الرسول عليه الصلاة والسلام في المنام تغب عن وجودك.
مرة أخ من أخواننا و هو الآن مسافر، كنت في العمرة في إحدى السنوات وحينما عدت من العمرة جعلت أحد دروس الأحد عن العمرة، هذا الأخ صادق ومنيب ذهب إلى البيت ألقى رأسه على الوسادة فرأى في الرؤيا أنه في المدينة المنورة، وقف أمام قبر النبي رأى النبي واقفاً خلف الشبك فسأله عن أحواله وعن اسمه، وأين يحضر وأثنى عليه وبارك له، يقول هذا الأخ شهر بكامله وهو ذائب في محبة الله وفي سعادة لا توصف.
الحقيقة إذا الإنسان رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام أو في الرؤيا
((... مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي))
أنت لم يتح لك أن تراه في اليقظة، لو أنك مشتاق له الاشتياق الكافي لرأيته في المنام، ولسألته وسألك ولسعدت بقربه ولغمرك بتجلّ لا يقدر بثمن، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتيح لنا أن نرى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن، دققوا في لكن، أولاً رؤيا النبي ليست أضغاث أحلام ولا تخيلات شيطان بشرط أن تراه كما وردت أوصافه في كتب الصحاح، إذا كانت الرؤيا بلون غير لونه، و بقوام غير قوامه، بشكل غير شكله، بطول غير طوله، فهذا ليس هو النبي ولو توهمت أنه النبي.
العلماء قالوا: لا تعد الرؤيا رؤية النبي إلا إذا كانت صورته كما وردت في كتب الصحاح.
" بَاب فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا "
وعند مسلم:
(( عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيــْنَ الْمَنْكِبَيْنِ لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ))
قال أنس:

(( عنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْــهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا وَلا مَسَسْتُ خَزًّا قَطُّ وَلا حَرِيرًا ولا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا شَمَمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
وقال أحد أصحابه:

(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كـَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ وَلا مَسِسْتُ دِيبَاجَـةً ولا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
سيدنا علي يصفه فيقول:

(( عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللــَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيــَةِ شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ مُشْرَبٌ وَجْهُهُ حُمْرَةً طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
وسيدنا حسان يقول:

وأجمل منك لم تر قط عيني وأفضل منك لم تلد النساء
خلقت مبرَّأً من كل عـيب كأنك قد خلقت كما تشـاء
***
و بعد فأخطر ما في الدرس، أيها الإخوة، أنّ رؤيا المؤمن لرسول الله لا تحل حراماً، ولا تحرم حلالاً، ولا تغير شيئاً فيما ثبت بالشرع ولا تزيد عليه ولا تنقص منه، إنْ رأيته ألف مرة فالشرع لا يتغير.
قالوا كان رجل صالح فقيراً في زمن العلامة الكبير الشيخ عز الدين ابن عبد السلام فرأى النبي في منامه يقول له في أرض كذا ركاز، يعني مال دفين ابحث عنه وخذه ولا تُؤَدِّ زكاته.
ومعلوم أن زكاة الركاز: خُمس، إذا رجل وجد صحيفة ذهب عليه أن يؤدي خُمسَهُ زكاةً وليس اثنين ونصف بالمائة، فبحث هذا الرجل على الكنز الذي دله عليه النبي فوجده، فسأل العز بن عبد السلام فقال له: ماذا أفعل النبي قال لي لا تؤدّ زكاته ؟ قال له: بل أدِّ خُمسه للزكاة، ففتوى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ويقظته مقدمة على فتواه في منامك وأظنك لفقرك وفرحك بما وجدت نسيت أو توهمت، والراجح عندي أنه قال لك: أدِّ زكاته.
لذلك أخواننا الكرام موضوع الرؤيا لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، ولا تزيد في الشرع ولا تنقص منه، ولا يقيّم منها الأشخاص، انتبهوا هذه تتخذ ذريعة أحياناً، العالم الفلاني شاهد في منامه الرجلَ الذي خاصمه في حالة يرثى لها، هذه لا تتخذ قاعدة، الإنسان لا يقيّم من منام إطلاقاً، يقيم بعمله، أحواله، بورعه، بطاعته إلى الله، فكل تقييم للأشخاص منطلق من رؤيا فهو باطل، لوأنك رأيت النبي عليه الصلاة والسلام وقال لك بخلاف الشرع ترد الرؤيا ويثبت الشرع. هذا هو ديننا، ديننا دين علم، أما الرؤيا إشارة لك لا يبنى عليها حكم شرعي، تطمين، تحذير، اتصال من الله مباشر، لأن الله عز وجل قال:

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾
( سورة الحجر )
أنت مكلف أن تعبد الله إلى أن تموت، و كل شيء تراه في المنام لا يقدم ولا يؤخر، هو بشرى لك، أما أن تبني عليه حقيقة فلا ثم لا.
بلغنا أن بعض الأشخاص يصحح الحديث الشريف من رؤيا رسول الله يقول: صححه على مسؤوليتي لأني رأيت النبي، هذه ليس معقولة، نحن ديننا ليس دين منامات، كان رجل يدعي أنَّه كلما عرض عليه حديث يرى النبي فيخبره ما إن كان الحديث صحيحاً أم كاذباً، فجاء إنسان وقدم له حديثاً صحيحاً طبعاً هو كاذب، ادعى أنه رأى النبي وقال له أنا قلته، فتح الكتب ورآه صحيحاً، و في اليوم التالي أعطاه حديثاً موضوعاً، فقال له: ما قاله النبي هكذا قال لي، ثالث يوم أعطاه حديثاً ضعيفاً، فتح الكتب فرآه ضعيفاً، قال: سألته فقال هو ضعيف، هنا ظهر كذبه لأن النبي يقول عن الحديث إما قلته أو لم أقله.
بصراحة إذا كان درس مبني على المنامات وعلى الكرامات وعلى السحبات فهذا ليس درس، هذا حكواتي، يوجد درس علم ودرس حكواتي، و إذا كان الدرس أساسه منامات وسحبات فهذا الدرس للتسلية و ليس درس علم بأية حال.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 04:54 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 014: تفسير الرؤى : آ- من خلال القرآن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-08-24
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام:
كان موضوع الدرس السابق الرؤيا الصالحة، وكيف أنه من المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، وذكرت أيضاً أن الرؤيا أسلوب من أساليب الاتصال المباشر بين الله وبين المؤمنين، الأنبياء صلتهم الوحي، أما الأولياء والمؤمنون الصادقون فالرؤيا الصالحة طريقة من الإعلام المباشر من الله عز وجل، تبشيراً أو تحذيراً أو تطميناً.
وبينت أيضاً أن الرؤيا لا يمكن أن يبنى عليها حكم شرعي كما لا يبني عليها تقييم للأشخاص، لأن الإنسان ولو رأى النبي عليه الصلاة والسلام وأفتى له بغير الشرع ترد الرؤيا ويثبت الشرع، هي للاستئناس وليس ليبنى عليها حكم شرعي.
واليوم اختـرت لكم متابعةً لهذا الموضوع بعض القواعد في تفسير الرؤيا لأن من أكثر الأسئلة التي تردني بعد الخطبة أو بعد الدروس، أن أخاً كريماً رأى رؤيا يحار في تفسيرها، الحقيقة كما قلت في درس سابق: إنّ التفسير اختصاص و هناك علماء كبار في مقدمتهم ابن سيرين و كذلك الشيخ عبد الغني النابلسي أيضاً له باع طويل في تفسير الرؤيا، وله كتاب يعد أصلاً في هذا الموضوع، قال بعض العلماء من أراد أن يفسر الرؤيا عليه أن يتقن فهم القرآن والسنة واللغة العربية واشتقاقاتها وكثيراً من العلوم الاجتماعية والنفسية وأن يعرف أصول التعبير، ويدرك أحوال السائلين، لأن هناك أشياء كثيرة تدخل في تفسير الرؤيا.
أولاً كيف نفسر الرؤيا من خلال القرآن الكريم ؟ اللباس الجديد في المنام بشرى بالزواج، الدليل قال تعالى:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾
( سورة البقرة)
فهذا تفسير وفق كتاب الله، و كذلك السفينة: نجاة من همّ أو مشكلة، قال تعالى:

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)﴾
( سورة العنكبوت )
أكل اللحم في المنام يدل على الغيبة، والدليل قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(12)﴾
( سورة الحجرات)
البيضة في المنام تدل على المرأة، لقول الله تعالى:

﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)﴾
( سورة الصافات )
الحديد يدل على شدة وقسوة، قال تعالى:


﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(25)﴾
(سورة الحديد)
وقد يدل على التوفيق والغلبة على العدو، والآية أيها الإخوة دقيقة جداً، معنى ذلك أن الأسلحة تصنـع من الحديد، فيه بأس شديد، والمصانع والجسور وكل الأدوات تصنع من الحديد، ففي كلمتين من آية واحدة أشار الله عز وجل إلى منافع الحديد في الحرب ومنافع الحديد في السلم.
والحجارة تدل على القسوة والشدة في القلب والمعاملة، قال تعالى:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾
( سورة البقرة )
والحديد أيضاً كمــا يروي علماء التفاسير و الأحلام ؛ يدل على تعلم صنعة أيضاً، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)﴾
( سورة سبأ )
أيها الإخوة الكرام: إليكم هذا المثال: أخ كريم يعمل في حقل الدعوة أهداني كتيباً عن الرؤيا، ذكر في هذا الكتيب أن إنسانة سألته عبر الهاتف أنها رأت في النوم أنها ترتدي ثوباً أبيض مزركشاً وزميلاتها يقلن لها هيا ادخلي هذا القصر ففرعون ينتظرك، هذا الأخ الكريم اجتهد وفسر هذه الرؤيا بأن إنساناً قاسياً شديداً بعيداً عن أن يكون زوجاً مثالياً خطبها فحذرها من متابعة هذا الزواج.
تحذير من الله عز وجل، يبدو أنها صالحة ومطيعة لربها، تروي هذه الإنسانة بعد حين أنها انصرفت عن هذا الزواج ولم يتم الزواج ولكن بعد حين تبين أن هذا الذي خطبها شرس الأخلاق، قاسي المعاملة يعني أنه متفرعن إن صح التعبير، هذه الرؤيا نموذجية أراد الله عز وجل أن يحذرها من متابعة هذا الزواج.
و كونها ترتدي ثوباً أَبيض مزركشاً، يعني هذا أنها عروس، وزميلاتها يقلن لها هيا ادخلي هذا القصر ففرعون ينتظرك، إذاً إشارة تحذيرية، فهذا منام واضح، و ليكن واضحاً أن الرؤيا غير الحلم، الحلم منام غير واضح فيها تناقضات فيه شطحات، فيه عدم ترابط له أسباب جسمية: طعام ثقيل، اضطراب نفسي، نوم على خوف، نوم على مشكلة.
أيضاً هذا من كتاب الله عز وجل، و هو تفسير مقبول، ذكرت لكم في الدرس السابق أن الإمام مالك حينما رأى ملك الموت وقال يا ملك الموت كم بقي لي من عمري ؟ فأشار له ملك الموت بيده و فرق بين أصابعه، ازداد اضطراباً حينما استيقظ، أخمس سنوات أم خمسة أشهر أم خمسة أيام أم خمس ساعات، أم خمس دقائق ؟ فسأل الإمام ابن سيرين وهو إمام في تفسير الأحلام، فقال: يا إمام إن ملك الموت يقول لك: إن هذا السؤال أحد خمسة مغيّبات لا يعلمها إلا الله، و هذا تفسير رائع.
في الحديث الشريف:

(( الغراب والحية والعقرب والفأرة وكل ضار من الحيوانات يدل على الفسق، لأنه يغادر مكانه للأذى ))
وكذلك الفاسق يؤذي نفسه وغيره، وقد سمى النبي عليه الصلاة والسلام هذه الحيوانات المؤذية فواسق، وسمى الفأرة فويسقة، وتقتل في الحل والحرم، فمن رأى مثل هذه الحيوانات التي ذكرها النبي بأنها فواسق، فهذا يدل على شيء من الفسق متلبس فيه فليحذر أن يتابع ما هو فيه.
قال شاب سأل بعض مفسري الأحلام: إنه رأى في المنام أنه يسعى لتناول زنبق جميل في بحرة في بيت، ثم قال: فرأيت حيات وعقارب وحشرات كثيرة تحيط بتلك البحرة فما تأويله؟ فقال له مفسر هذا الحلم أظنك خطبت فتاة جميلة من أسرة غير متدينة، و غير ملتزمة بأوامر الشرع. هناك حالات كثيرة ؛ البنت طاهرة مستقيمة و لكن لها أم مخيفة، هذه الأم تفسد سعادة ابنتها، هذه إشارة أن هذه الزنبقة الجميلة بنت حسناء في بحرة صافية لكن حولها حيات وعقارب. يعني مَن حولها من أفراد أسرتها.
رؤيا أخرى: شاب رأى في منامه أنه يسبح في بركة صافية هو وزملائه الشباب، وكانوا يغطسون إلى أسفل البركة ويتسابقون لإحضار شيء في قعر البركة، ونزلت في البركة فتاة فتعكر الماء ولم يعد بالإمكان رؤية قعر البركة، ثم أخذت الفتاة بيدي تسوقني إلى بستان قريب لنجلس تحت ظل شجرة، فتحت عيني قبل دخول البستان فما تأويله ؟
حسب ما ورد في الأحاديث أن الماء يدل على العلم، فلان بحر في العلم، و البركة يعني مدرسة متواضعة، البحر شيء والبركة شيء، محدودة صغيرة، وصفاء الماء يدل على صفاء الذهن، وسرعة فهم العلم وأنت ورفاقك الذين تدرسون بفهم وعلم وتدركون أعماق المسائل والقضايا وتغوصون إليها وتعودون بالمراد والهدف، وكنت فارغ القلب من الارتباط بفتاة، فدخلت حياتك العاطفية فتاة عكرت جو العلم عليك وصفاء العلم أمامك لأنها شغلت قلبك واستحكمت على تفكيرك، فلم تعد تفهم أو تعي ما تقرأ وهي تستعجل الأمر وتطلب منك أن تسارع إلى خطبتها لتتـزوجا قريباً، منام واضح، الماء يدل على العلم، و لو كان بحراً لكان علماً كبيراً، لكن بركة أي علم محدود، صفاء الماء يدل على صفاء الذهن، الانغماس إلى قعر البركة دليل الذهاب إلى أعماق القضايا والمسائل، الزملاء عندهم صفاء مثلك.
لذلك إذا طلب الإنسانُ العلم، فليطلبه قبل أن يتزوج، طبعاً لأن لديه فراغاً كبيراً و ليس هناك مانع من أن تطلبه بعد الزواج.

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
***
إذاً يمكن أن نفسر المنام والرؤيا من خلال كتاب الله عز وجل ومن خلال سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، و أحياناً ظاهر الاسم يسهم في تفسير الرؤيا، فمثلاً اسم فاضل: يدل على الفضل، راشد: يدل على الرشد، سالم: يدل على السلام، الأسماء في الرؤيا تعني مضمونها، تعني معناها اللغوي لا معناها الاصطلاحي، الإنسان قد يكون اسمه راشد ؛ وهو غير راشد، قد يكون اسمه كامل ؛ وهو غير كامل، قد يكون اسمه سعيد وهو أشقى الناس، فالأسماء في حياتنا قد تدل على مسمياتها وقد تدل على معناها اللغوي وقد لا تدل، وقد يكون مسمى بلا اسم، لكن في المنام قالوا الأسماء تدل على معناها اللغوي، راشد في القرآن يعني: رشد.
أيضاً هناك طريقة في تفسير الرؤيا في المعنى أو واقع الشيء، فالنرجس والورد يدلان على قلة البقاء وقصر العمر، لذبولهما بسرعة وورق النخل أو الآس يدلان على طول البقاء وطول العمر لتحملها عوامل الطبيعة أكثر من غيرهما.

إن يكن حبك ورداً فحبي لك آسُ
***
يعني إن كان حبك لي سريع الذبول فحبي لك كالآس مديد، فالورد والزنبق كل منهما سريع الذبول، والآس وورق النخل كل منهما بطيء التلف، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يضع ورق الآس أو نبات الآس على القبر لأنه مديد، أو يضع جريداً من النخل أيضاً.
وكما تعلمون أنّ النبي عليه الصلاة والسلام سمع صوت إنسانين يعذبان في المقبرة فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَـانِ فِي كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ: بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ دَعَا بِجَرِيــدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا ))
و قالوا أيضاً: شاعر ذهب يزور قبر صديقه، فرأى شقائق النعمان قد أزهرت ونبتت في الربيع على قبر أخيه، ثم التفت عائداً وهو يرى شقائق النعمان لم تغادر قبر أخيه فتصورها تخاطبه قالت شقائق قبره: ولرب أخرس ناطق، فارقته ولزمته، فأنا الشقيق الصادق.
أيضاً فتاة رأت في المنام على وجهها حبوب، هذه الحبوب تستحي أن تقابل الناس بها، سألت أحد العلماء لتفسير هذه الرؤيا، فقال لها: إن الوجه هو أكرم ما في الإنسان، قد استخدمه الشعراء للمديح، و الفخر والثناء، فإن صفاء الوجه ونقاء الوجه علامة نقاء السريرة وصفائِها، أما إذا كان مرض في الوجه وشيء مزعج هذا دليل أن يوجد شيء في حياة الإنسان يستحي أن يقابل الناس به، فلما سألها هل في حياتك شيء تستحي أن تقابلي أهلك به، قالت: والله تزوجني شاب وأنا أعلم أنه مغنٍ وله أعمال لا ترضي الله عز وجل وأنا أكتم عن أهلي حقيقة أعماله التي لا يعلمونها، فلهذا كان التفسير واضحاً، أحياناً اللغة العــربية يمكن أن تسهم في تفسير الرؤيا، يعني السن رمز لعمر الإنسان قلع الضرس أو قاطع من القواطع، أو ناب يدل على: وفاة قريب أو حبيب أو جار أو قريب، الضرس للكبير، والقواطـع للشباب والناب للطفل والفك العلوي للرجال والسفلي للنساء، هكذا قال شراح الرؤى.
لماذا العلوي للرجال ؟ الرجال قوامون على النساء، والسفلي للنساء، و رؤيا السن و هي تتحرك وتضطرب من مكانها يدل على المرض، روت كتب السير أن أميراً رأى في نومه أن أسنانه كلها قلعت إلا واحداً، فدعا من يؤول له هذه الرؤيا، قال له أحدهم: يموت أهلك كلهم ثم تموت أنت بعدهم، فأمر بتأديبه، طبعاً هذا المفسر لم يحسن الجواب، ثم جاء مفسر آخر يقول له: أنت أطول أهلك عمراً أيها الأمير فطابت نفسه وأمر بإكرامه، والمعنى واحد، فقلع السن و الضرس والناب يدل على الموت هكذا يرى بعض المفسرين.
حول موضوع العمر هناك طرفة في اللغة، قد يكون إنسان المعنى واضح في ذهنه، لكنه لا يحسن التعبير عنه، مثلاً شخص سأل رجلاً اسمه هشام القرطبي عن سنه: أي عمره، كم تعد، قال أعد من واحد إلى ألف ألف أي مليون، قال له الرجل أردت كم تعد من السن، قال: أعد اثنين وثلاثين ستة عشر في الفك الأعلى وستة عشر في الفك الأسفل، قال له: إنما أردت كم لك من السنين، أريد عمرك، قال: ليس لي منها شيء كلها لله عز وجل، قال: أردت ما سنك ؟ قال له: عظم، قال: أردت ابن كم أنت ؟ قال: ابن رجل وزوجته، قال: كم أتى عليك ؟ قال: لو أتى علي شيء لأهلكني، قال: حيرتني، ماذا أقول لك، فقال له: قل لي كم مضى من عمرك، فالسؤال الأول غلط والثاني غلط...
إنسان آخر زوجته لم تحمل وأوشك أن يطلقها، فرأى في المنام أنه ركب في فمه سناً من الذهب فالذي أولّ هذه الرؤيا اعتمد على أن قلع السن موت و تركيب السن ولادة، وما دام من الذهب أي ستأتيه فتاة، فأولّ هذه الرؤيا أنه عن قريب ستنجب زوجتك بنتاً.
مرة ثانية الرؤيا الواضحة جداً تؤيدها تأويلات لطيفة من الكتاب والسنة واللغة، والواقع، و كذلك الأمثال السائرة لها علاقة باللغة، فاليد الطويلة تدل على معروف وخير، فلان أطول منك يداً أي كرماً ومعروفاً وقال صلى الله عليه وسلم لزوجاته:
((أَوّلكنّ لحوقاً بي بعد موتي أطولكن يداً ))
يعني: أكثرهن معروفاً.
الاحتطاب في الرؤيا، يدل على نميمة وإيقاع الشر، لأنه يستعمل لإيقاد النار وهو رمز العداوة والشر، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:


﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)﴾
( سورة المسد )
لم تكن تحمل الحطب لكن الحطب الذي ذكره الله عز وجل هو الحطب الذي يوقد نار العداوة والبغضاء، الذي يوقع بين الناس هذا يعبر عنه بالمحتطب.

أراك لســـــتَ بوقاف ولا حذر كالحاطب الحاذق الأعواد في الغلس
***
قال أحد الشعراء:

لا تأمن الموت في طرف ولا نفس وإن تمنّعـت بالحجــاب والحرس
أراك لســــت بوقاف ولا حذر كالحاطب الحاذق الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولن تسلك مسـالكها إن السفينــة لا تجري على اليبس
***
فالذي يرى إنساناً يحمل حطباً في المنام يعني يحمل الحقد والعداوة والبغضاء، ويوقع بين الناس.
أيضاً إذا الإنسان رأى في منامه أنه يغسل يده، يعني علامة اليأس من شيء هو واقع فيه، غسلت يدي منه، فهذا المثل يعين على تفسير بعض الرؤيا.
الكبش في المنام يدل على التضحية و الإخلاص لأنه يُضحى به في عيد الأضحى، ويذكرنا بإخلاص سيدنا إبراهيم لله عز وجل قال تعالى:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)﴾
( سورة الصافات )
والكبش أيضاً يدل على سيادة وقوة، أو يدل على عزة وإباء، فالعرب تقول فلان كبش قومه أي سيد قومه، أحياناً تفسر الرؤيا بضد الشيء، فالبكاء في المنام يؤول بالفرح، والعرب تقول أقر الله عينك، أي أبكاك بدمع بارد، قال بكاء الفرح دمعه بارد، وبكاء الألم دمعه حار، أبكاك بدمع بارد، فالبكاء في المنام يدل على الفرح.
والضحك في المنام يدل على الحزن، لأن شر البلية ما يضحك، واليأس في المنام يدل على الفرج وزوال الهم والحزن، فهذا يعني أن هناك منامات تفسر بأضدادها، وقد يفسر الضعف بالمنام قوةً، وقد يدل أيضاً على ضعف في الدين وانغماس بما لا يجوز قال تعالى:

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
( سورة النساء )
يشمل الرجل والمرأة والشاب والصبي، مشيراً أن كلاً منهم ضعيف أمام الآخر، فينبغي على المرء أن يتجنب الاختلاط، والمزالق والشبهات.
الضحك بصوت مرتفع مع مزاح فاحش فهذا دال على الشر، وإذا كان تبسماً كان دليلاً على سرور وفرح وحسن أدب.
و لو أن واحد رأى ميتاً يبتسم، ابتسامته وهدوؤه في تبسمه دليل على أنه من أهل السعادة، والضحك بسخط في المنام يدل على خفة.
وبعضهم قال الضحك في المنام من المرأة يدل على أنها سوف تحمل لأن همها الأول أن تكون حاملاً، قال تعالى:

﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)﴾
( سورة هود )
يوجد عامل آخر في التفسير، كان ابن سيرين من أبرع من يفسر المنامات قالوا: سئل من قبل رجلين، رأى كل منهما أنه يؤذن، فسألاه عن تفسير هذا المنام، فقال للأول: وقد عرف بالصلاح والاستقامة والخوف من الله وحسن الخلق: اسأل الله لك أن تحج هذا العام بيت الله الحرام، قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾
( سورة الحج )
وأما الثاني فكان يعرف منه خلاف ما عرفه في الأول، ولم يكن صالحاً فقال له: حماك الله، أخشى أن تسرق فتقطع يدك، فسأله تلميذه كيف أولت هذا ؟ قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)﴾
( سورة يوسف )
فالصالح فسر له رؤياه بأنه سوف يحج، والسيء فسر له رؤياه بأنه سيسرق وتقطع يده، وقد روى العلماء بعد ابن سيرين أن الأول حج بيت الله الحرام والثاني سرق وقطعت يده.
طالب في مدرسة شرعية رأى نفسه في المنام أنه يصلي إماماً ببعض زملائه ولما انتهى من صلاته وسلم لم ير أحداً من زملائه وراءه، وكان تأويل هذا المنام أن فلاناً لن يتابع الدراسة، وسينسحب من المدرسة وهذا الذي حصل، قالوا رؤيا النار في الشتاء خير وبركة، و أما رؤيا النار في الصيف فشر وخطر.
الملخص أن رؤية النار في الصيف شر وضرر وخطر فهي قيظ على قيظ، وقس على ذلك مواقع القارات، رؤيا النار في بلاد باردة شديدة البرودة كمناطق التجمد الشمالي فيها بشارة وخير ونجاة وأمل، في حين أن رؤيا النار في مناطق استوائية إنذار ووعيد وشر، يجب أن يكون الشيء في أوانه وفي مكانه المناسب.
قال رجل رأى خزانة بيته تحترق فسأل أحد العلماء الذين اشتهروا بتفسير الرؤيا، فقال له: لعل تحتها أو وراءها خيراً، فحفروا فرأوا جرة ملأى ذهباً يلمع كأنه نور الشمس، بعد أشهر رأى الرجل الخزانة نفسها تحترق، فلم يسأل المفسر فأسرع وحفر تحتها فخرج له ثعبان وآذاه، ومسه بسوء فعولج حتى شفي، فذهب إلى ذلك العالم يسأله متعجباً لاختلاف الأمرين وتضاد النتيجتين فقال له: إن الرؤيا الأولى كانت في الشتاء والنار في الشتاء دفء وهناء أما الثانية كانت في الصيف والنار في الصيف شدة وبلاء.
الثمار في أوانها خير وبركة، وتبشر من يراها في المنام بخير، ونجاح وبركة، قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً(31)﴾
( سورة الكهف )
الفاكهة في المنام تدل على الزواج، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)﴾
( سورة يس )
الآن إذا كان المحصول فاكهة رطبة، كالمشمش، و الدراق، و التفاح، قالوا تدل على رزق لا يدوم، أما إذا كان من اليابسة كالقمح، العدس والحمص، تدل على رزق كثير دائم.
سيدنا عمر رضي الله عنه رأى في منامه أن ديكاً ينقره عدة مرات، فأوّل الديك وهو لا يفصح برجل أعجمي وأوّلَ النقرات بطعنات وقال: يقتلني رجل أعجمي، هذا قبل أن يقتل، مات شهيداً فقد قتله أبو لؤلؤة وهو رجل أعجمي فارسي.
الذي ألف الكتاب له والد عالم جليل و قبل وفاته بيومين رأت زوجته يعني أم المؤلف أن أكبر ضرس في فكها العلوي قد خلع، وأخبرته بذلك فقال لها: ليتك لم تخبريني وبقي متوجساً خيفة أن يأتي خبر لا يسره، لأن قلع الضرس من الفك العلوي يدل على وفاة رجل كبير في الأسرة، ولم تمضِ سويعات إلا وقع ما كنت أخشى وأخاف، انتقل والدي إلى رحمة الله، يعني هذه طبعاً ليست ملزمة لكن هذا تفسير يستأنس به.
و قد عالجت هذا الموضوع كله بسبب أنه ما من يوجد خطبة ولا درس من دون استثناء إلا و هناك أسئلة عديدة عن الرؤيا، و هناك رؤى أفرح فيها كثيراً لبعض الإخوان، طبعاً أخ كريم رأى رؤيا يحب أن يطمئن عن نفسه، طبعاً هذه محاولة متواضعة و ليس من شيء قطعي في الموضوع حتى يكون كلامي دقيقاً، لكن كما فسرت لكم من الكتاب والسنة واللغة وحال الأشياء وحال الأشخاص والظروف المعينة يمكن أن نستأنس ببعض الرؤى، وكما ذكرت قبل قليل:


(( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّـهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَــى ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾ فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي أَوْ أَحَدٌ قَبْلَكَ قَالَ: تِلْكَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ)) الإنسان أحياناً في طريقه إلى الله يلقى بعض المتاعب، يلقى صعوبات معارضات، تعرض له أعمال كثيرة، بعضها لا يرضي الله يدعها من أجل الله، يبقى فقيراً يندم أو لا يندم، هذه الأحوال التي تحيط به ربما جاءت الرؤيا الصالحة فطمأنته، أو قوت عزيمته، وعلى الإنسان ألا يستهين بالمنـام، أحياناً منام يقربك من الحقائق، يا ترى الإنسان بعد الموت كما هو قبل الموت بذاكرته بقواه الإدراكية هذا سؤال كان يخطر في بالي كثيراً ولا يوجد جواب عنه، أذكر أنني نمت في رمضان، رأيت أنني أبتعد عن جسمي ومازلت أصعد حتى وصلت إلى قبيل سقف الغرفة، وأنا أرى جسمي ممدداً على السرير وسمعت صوتاً ملأ الأفق يقول: مالك يوم الدين، وكنت قد علمت قبلها بأيام، عن معنى قوله تعالى: مالك يوم الدين، عندها يكون الإنسان قد انتهى خياره، ختم عمله، انتهى السعي، و كل الأبواب عند الموت أغلقت، وأنا أنظر إلى جسمي ممدداً على السرير أذكر كل شيء وأرى كل شيء وأستمع إلى كل شيء وذاكرتي هي هي وثقافتي هي هي و تواردت عليّ خواطر لا حصر لها، حتى إنني أذكر أن الغرفة وأنا قبيل السقف، أتأمل ما فيها حاجة حاجة، مكان الجلوس، الهاتف، الخزانة، الفرش كله أمامي.
طبعاً هذه الرؤيا علمتني أن إحساس الإنسان بالحقائق بعد الموت أشد من إحساسه بها قبل الموت، هل يوجد آية قرآنية تؤكد ذلك ؟
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)﴾
( سورة مريم )
هذه ( اسمع ) صيغة تَعَجُّب، هناك صيغتان للتعجب في اللغة، ما أعدله وأعدل به ما أكرمه وأكرم به، يعني ما أشد سمع الإنسان وما أقوى بصره بعد الموت.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لقتلى بدر من الكفار يخاطبهم:
لقد كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، خاطبهم بأسمائهم واحداً واحداً، قالوا يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا، أصبحوا جيفاً ؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يكلمونني.
سبحان الله خاطر يخطر ببالي أحياناً، ما حقيقة الإنسان بعد الموت، ثم وقع تحت يدي كتاب عن الحياة بعد الموت كتاب غريب جداً، وجعلته مرة موضوع خطبة، إنسان دهس بالسيارة وكاد يموت ثم عادت له الحياة ثم وصف ماذا جرى له، قال صعدت روحي إلى أعلى والناس متحلقون حول الحادث، وأنا أراهم واحداً واحداً، هذا المؤلف سافر إلى أقطار الدنيا كلها وجمع من مستشفيات كثيرة حالات نادرة جداً منها إنسان توقف قلبه لعدة دقائق وماذا شعر في هذا الوقت ؟
أخواننا الكرام: كتاب الحياة بعد الموت كتاب عجيب، إنسان التقيت به لقاء عابراً فقال لي: أنا أعمل مدرساً ثم انتسبت إلى كلية الطيران بمصر وأنا أتدرب على الطيران سقطت الطائرة وألقيت بنفسي وأقسم بالله وهو في طريقه إلى الأرض أنه استعرض حياته دقيقة دقيقة وهذا الكلام سمعته من أكثر من إنسان، إذا اقترب من الموت يرى أعماله كلها أمامه، هذا شيء ثابت، فهذا الإنسان كان يعمل بالتدريس وكان أبوه غير راضٍ عن عمله بالطيران، وذهب إلى كلية في مصر وفي أثناء التدريب حدث في الطائرة خلل وسقطت، فألقى بنفسه بكرسي خاص ونزل على الأرض كتلة لحم وعظم وسط بركة من الدماء، قال لي بقيتُ غائباً عن الوعي ستة أشهر، ثم عولج في بلاد غربية معالجة مديدة وصعبة جداً والله عز وجل أكرمه ببعض الشفاء، أمّا ما استفدتُهُ من هذا الرجل أنه وهو في طريقه إلى الأرض على ارتفاع عشرة كيلو مترات أو خمسة عشر بقي له عشر دقائق أو خمس دقائق إلى أن يصل للأرض، فقال لي: حياتي كلها استعرضتها بأعمالها الحسنة والسيئة، وكأن أعماله أمامه وهذا قرأته عن كل الذين ماتوا إلى حين، ومؤلف كتاب الحياة بعد الموت طاف أكثر البلاد، و جمع حالات نادرة، أحد أخواننا من أطباء القلب عنده حالة نادرة جداً أن إنساناً توفي وتوقف قلبه أكثر من عشر دقائق ثم نبض وهو في هذه الحالة ماذا فكر ؟ والخواطر التي جاءته، أن كل الذين يشرفون على الموت تعرض أمامهم أعمالهم كاملةً، المقياس الوحيد مدى إحسانه للناس، الذي لفت نظري أن هذا الكتاب: الحياة بعد الموت، جمعت معلوماتُه من بلاد عديدة وأماكن متباعدة وثقافات مختلفة، وأديان متنوعة أما الكلام فواحد، ومع ذلك فالذي قاله كل هؤلاء وهم على وشك أن يموتوا أنهم رأوا أعمالهم أمامهم ماثلةً وأن أعمالهم كلها قيّمت بمقياس واحد هو: مدى طاعتهم لله عز وجل ومدى خدمتهم للعباد.
و أنا ما كنت لأجعل درساً بأكمله عن الرؤيا الصالحة، لولا أنني أشعر أن الرؤى يجب ألا تكون مما يتاجر بها، و لا أن يتخذ منها أي حكم شرعي، والأحكام الشرعية قننت وانتهى الأمر ولكن يمكن أن الله عز وجل قد يطمئنك، أو يبشرك، أو يحذرك كما مر في بعض الرؤى التي سردتها على مسامعكم.
فالإنسان إذا كان صالحاً ومستقيماً ورأى رؤيا إن أمكنه أن يفسرها وإلا فليسأل من يثق بعلمه عن تفسيرها، فقد تكون بشارة، على كل ليس ديننا دين رؤى ولا أحلام ولا كرامات.
و أجمل كرامة للإنسان أن يكرمه الله بالعلم، هذه كرامة لا تحتاج إلى خرق للعادات، إن أردت الكرامة فاطلب العلم، وأعظم كرامة أن تكون محسناً، والإنسان عندما يطلب ود الله عز وجل وهو العلي القدير الكريم لا بد أن يبادره بشيء يشعره أنه يحبه، فلعله يبشره بمنام، والمنام بالقرآن ورد عن سيدنا يوسف، قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾
( سورة يوسف )
والملك الذي سأل سيدنا يوسف عن هذا المنام، قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾
( سورة يوسف )
الرؤى بالقرآن واردة، يوجد رؤى كثيرة، و قد أردت من هذا الدرس النادر أن أضع أيديكم على طرائق بسيطة في تفسير الرؤى من دون أن يعتد بها أو يتخذ منها حكم شرعي و من دون أن يتاجر أحد بها، فهي بينك وبين نفسك، إذا الله أكرمك برؤيا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا شيء عظيم، والذي يرى رسول الله يبقى أسابيع منغمساً بسعادة لا توصف فكيف هؤلاء الذين عاشوا معه ورأوه رأي العين وملؤوا عيونهم من وجهه، واستمعوا إلى حديثه وعاملوه، كلمة ( نبي ) شيء كبير جداً.
و رؤيا مسعدة أرجو الله سبحانه وتعالى، أن يرحمنا وأن ينفعنا بما علمنا.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:00 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 015: الضرورات تبيح المحظورات (4) : اعتبر الجهل عذراً مبيحاً
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-10-12
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
في ثلاث خطب من خطب الجمعة كان الحديث عن قاعدة أصولية أسيء استخدامها أشد الإساءة حتى انقلب المقصود منها إلى عكس أصله، هذه القاعدة هي أن الضرورات تبح المحظورات توسع الناس بهذه القاعدة توسعاً شديداً حتى أن الإنسان إذا شعر بالحر اقترض قرضاً ربوياً ليشتري مكيفاً ويقول هذه ضرورة، إلى درجة أن كل المحرمات انتهكت تحت غطاء الضرورات تبيح المحظورات.
وتعلمون أيها الأخوة أن حقائق الدين مع مضي الزمن ومع إساءة فهمها وإساءة العمل بها، ومع تسلط الأهواء والرغبات والنزعات هذه المعالم تضيع فيغدو الدين هيكلاً مجوفاً، يغدو الدين اسماً بلا مسمى، يغدو الدين طقوساً لا معنى لها، عندئذ ربنا عز وجل يؤدب هؤلاء الذين انحرفوا في فهمهم وزاغت أعينهم عن الصراط المستقيم.
لابد من أن نعيد للدين حيويته، ما هو العمل الذي يتعلق بتجديد بناء ؟ أن نزيل عنه ما علق ليس منه، هذا هو التجديد، أيام بناء حجري تأتي عليه عوامل الزمن فيغدو الحجر أسود اللون، الآن يوجد أجهزة تزيل عنه هذه الطبقة السوداء وتعيد إليه نصاعته، المفروض أن الدعاة إلى الله عز وجل كلما جاءت قاعدة ضاعت معالمها، شوهت، مددت، زورت، أسيء فهمها، أسيء تطبيقها، أن نعود إلى أصل القاعدة.
خصصت ثلاث خطب عن الضرورات تبيح المحظورات، وتحدثت عن الضرورة وعن حدودها الضيقة، وكيف أن الضرورة في النهاية حينما يغلب على يقين الإنسان أنه هالك هو وأهله جوعاً وعرياً وعطشاً وتشرداً عندئذ تباح له المحظورات، ذكرت هذا تفصيلاً في خطب الجمعة الثلاث، لكن وصلت في الخطب إلى موضوعات دقيقة جداً.
من الضرورات الجهل، من الضرورات النسيان، من الضرورات الإكراه الملجئ، من الضرورات الجوع الشديد، فهذه الموضوعات لا تعالج في خطبة الجمعة، وإنما تعالج في دروس الفقه.
درسنا اليوم متى يعد الجهل ضرورةً أو عذراً مبيحاً ؟ أيضاً الناس في هذه الأيام يحتجون بالجهل، يقول لك لا أعرف، متى كلمة لا أعرف تعذر بها ؟ ومتى كلمة لا أعرف لا تعذر بها؟ حتى الإنسان لا يكون عرضة للهلاك وهو يحسب أنه يحسن صنعا لا بد من تحديد معالم الجهل الذي يعذر به الإنسان.
أولاً الجهل في اللغة الذهول عن الشيء، قد يكون في الغرفة خاتم ألماس غالي جداً وأنت لم تنتبه إليه، جهلت وجوده ذهلت عن وجوده، هذا أصل الجهل.
في الفقه الاصطلاح الدقيق الجهل عدم العلم بالأحكام الشرعية، حينما لا تعلم أن المصافحة حرام وتصافح، تجهل الحكم الشرعي لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ رُقَيْقَةَ تَقُولُ: جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ نُبَايِعُهُ فَقَالَ: لَنَا فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))
فحينما تجهل الحكم الشرعي الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هذا الجهل هو محور درسنا اليوم، السؤال الدقيق من جهل حكماً شرعياً فلم يعمل به، أو عمل بخلافه هل يعد جهله عذراً مقبولاً عند الله وعند الناس ؟ هذا هو الدرس.
لكن الأصل أيها الأخوة أن أصل التكليف أن تعلم الأمر التكليفي، شرط التكليف الأساسي أن تعلم أن هذا أمر وهذا نهي، وبعد إذ تحاسب عن تقاعسك عن أداء الأمر أو فعلك عن المنهي عنه.
لكن لو قلنا أي جهل بالأحكام الشرعية يكفي، كل إنسان يدعي أنه جاهل، بهذا تضيع معالم الشريعة ونقع في فوضى لا تنتهي، علماء القانون انتبهوا إلى هذا لو قلنا أي مواطن يجهل هذه المادة في قانون السير، كل إنسان يخترق قوانين السير يقول أنا لا أعلم أن هذا الطريق ممنوع، لذلك علماء القانون قالوا لا جهل بالقانون، والجهل في القانون عذر غير مقبول، الشريعة من باب أولى، إنسان نشأ في بلاد المسلمين دخل المدارس يوجد ساعتين تربية إسلامية، دخل في الإعدادي ثلاث ساعات، دخل الثانوي عمره عشرين سنة، عشرون ضرب خمسون حضران ألف خطبة، معقول أنه لا يعرف أن الزنا حرام، الخمر حرام شيء مستحيل أن يقبل عذر الجهل لإنسان يعيش في بلاد المسلمين.
لذلك شرط التكليف العلم بالأمر التكليفي أو التمكن من علمه، اسأل قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾
( سورة النحل )
إنسان نشأ في بلد مسلم تلقى علومه الشرعية في التعليم الإعدادي والثانوي والابتدائي وحضر ألف خطبة جمعة، لا يمكن أن يعذر أنا لا أعلم بأن الربا حرام.
لذلك أول حقيقة في هذا الدرس الفقهاء أجمعوا على أنه لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام، يوجد مثل آخر دقيق كلكم يعلم أن الإنسان إذا كان جنباً لا يستطيع أن يقرأ القرآن وكذلك المرأة إذا كانت في الحيض لا تقرأ القرآن، يوجد عندنا ثانوية شرعية وعندنا صف عاشر والمادة قرآن كريم، جاءت المدرسة بتلاوة القسم الذي كلفن حفظه، تفضلي يا فلانة واقرأي، آنسة أنا معذورة، تفضلي أنت، فقالت معذورة أيضاً، معنى هذا انتهى الدرس كلياً، لذلك أجمع الفقهاء على أن المرأة أو الرجل إذا كانت حائضاً أو كان جنباً وكان في قراءة قرآن تعليمية يباح له أن يقرأ القرآن عذر لا يوجد، وإلا الأمور لا تستقيم.
أول حقيقة الإدعاء بعدم العلم أو الاعتبار بالجهل في دار الإسلام غير مقبول، إنسان عمره عشرون سنة حضران أقل شيء سبع مائة خطبة حضران كل أسبوع ساعتين والعام الدراسي ثلاثين أسبوع تقريباً ستين ساعة، والابتدائي ست سنوات، والإعدادي ثلاثة، تسعة والثانوي ثلاثة اثني عشر ضرب ستين، معقول، وله أب وأم لذلك العذر بالجهل بدار الإسلام غير مقبول أبداً، وإلا إذا قبلنا عذر الجاهل يعطل هذا الدين وتعطل أحكامه، وعلماء القانون انتبهوا إلى هذا وقال لا جهل في القانون.
أنت إذا كنت تركب مركبة وخالفت القانون يقبل منك الشرطي أن تقول له لا أعلم ؟ لا يقبل.
يقول الإمام الشافعي: كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل، إذا أخذنا ألف شخص تسعين شخص من هؤلاء يعلمون أن الزنا حرام والسرقة حرام، والخمر حرام، وإطلاق البصر حرام، والمصافحة حرام فإذا ادعى واحد أنه لا يعلم في حين أن غالبية الناس يعلمون، هذا ادعاء مرفوض وعذر غير مقبول.
يستثنى من ذلك أن يكون قريب عهد بالإسلام، يعني أسلم البارحة واليوم رمضان ولا يعلم أن الاقتراب من أهله يفطر الصائم لو أنه اقترب لا شيء عليه لأنه حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيد عن العلماء.
حدثني أخ ذهب إلى بلد في هذه البلدان التي تؤمن أنه لا إله سابقاً، دخل إلى مكان للبيع أحد هؤلاء الروس الداغستان عرفه مسلماً فأقبل عليه وعانقه وبكى حتى بللت دموعه لحيته، ولشدة محبته إليه اشترى زجاجة خمر وقدمها له هدية، صدقوه لا يعلم أن الخمر حرام سبعين سنة تجهيل، هذه حالات أخرى لو كان في بلاد حرمت العلم سبعين عام، المساجد أصبحت إسطبلات، مستودعات، إذا فلان عنده مصحف يهدر دمه لأنه يحوز مصحفاً في مثل هذه البلاد العذر مقبول والمسؤولية على من ؟ على المسلمين في بقية البلاد، لذلك على المسلمين الآن عبء كبير جداً ومسؤولية كبيرة جداً لهؤلاء الذين مورس الجهل عليهم سبعين عاماً.
يوجد استثناء واحد هو أن يكون الرجل قريب عهد بالإسلام، أو أن يكون في بادية بعيد عن العلماء أو في مكان العلم ممنوع.
لكن العلماء قالوا أما الأحكام الشرعية التي لا يعلمها إلا العلماء المختصون يوجد أحكام دقيقة جداً، في التعامل التجاري، في التعامل الربوي، في البيع والشراء، هذه تحتاج إلى فقهاء وإلى مجتهدين، وإلى علماء بأصول الفقه، الأحكام الدقيقة جداً التي لا يعلمها عامة المسلمين هذه يعد الجهل بها عذراً مقبولاً، أما الحل أن تسأل.
الأحكام الشرعية التي لا يعلمها إلا المختصون من العلماء فهذه يجوز للعوام أن يعتذروا لجهلهم، يعني نقل الأعضاء يجوز ؟ قضية خلافية عقدت مؤتمرات من أجل هذا نقل الأعضاء، يجوز للإنسان أن يبيع كليته ؟ هذه قضية لا يعلمها عامة الناس، يوجد أشياء دقيقة في الحياة تحتاج إلى فقهاء وإلى خبراء، الأشياء التي لا يعلمها إلا قلة قليلة من العلماء هذه يعد الجهل بها عذراً مقبولاً، أما هذا العذر المقبول يكون لعامة الناس لا للفقهاء، إنسان طالب علم شرعي داخل كلية الشريعة، يحمل شهادة شرعية هذه الإنسان المتخصص بالشريعة وحده محاسب ولا يقبل منه عذر الجهل للأحكام التفصيلية التي يعلمها إلا الفقهاء، لأنها اختصاصه.
لكن العلماء قالوا النسيان يعد عذراً مقبولاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))
أيها الأخوة: الإمام السيوطي يقول: إن الجهل والنسيان مسقطان للإثم مطلقاً أي في الآخرة، الله عز وجل رحمة بنا ورأفة بنا، الجهل والنسيان عند الله مقبول، أما في الدنيا غير مقبول، لو أن إنسان أكل ما ليس له، وأخذ ما ليس له ناسياً عليه حينما يذكر أن يعيد هذا الذي أخذه إلى صاحبه.
حينما يفطر في رمضان مثلاً يحتجم فيتوهم أن الحجامة تفطر فيأكل، ثم يكتشف أن الحجامة لا تفطر، والآن أفطر عن جهل نقول له عليك أن تقضي هذا اليوم، النسيان والجهل لعلهما يسقطان الإثم مطلقاً عند الله، أما في الدنيا لا بد من أن ترمم أو أن تقضي أو أن تؤدي الحق إلى أصحابه.
من نسي أو جهل صلاةً أو صوماً، أو حجاً أو زكاةً، وجب تدارك ذلك بالقضاء بلا خلاف هذا في العبادات، أما في المعاملات لابد من أن يعوض على من أخذ ماله خطأ أو نسياناً أو جهلاً.
ومن رحمة الله بنا أنك إذا حلفت يميناً على شيء أن تفعله ولن تفعله نسياناً، أو على شيئاً أن لا تفعله وفعلته ناسياً، ما دام النسيان هو علة عدم الفعل أو الفعل فهذا النسيان أيضاً يعد عذراً مقبولاً عند الله عز وجل، وأوضح شيء من أكل في رمضان ناسياً لا شيء عليه لكن يسن إذا كان شاباً أن تذكره، وإن كان شيخاً مسناً وأكل ناسياً اسكت لا تذكره في رمضان، هكذا العلماء قالوا، لأنها ضيافة الله له.
أحياناً تأكل طعاماً مغتصباً لا تعلم، دخلت إلى بيت قدم لك فاكهة قد تكون هذه الفاكهة أخذت قصراً من صاحبها، أنت لا تعلم لذلك حينما لا تعلم وحينما لا تملك أن تعلم، قاضي جاءه شاهد أقسم يميناً على كتاب الله أنه يشهد بالحق، وأدى شهادة صحيحة فبنى القاضي على هذه الشهادة، فإذا بالشاهد كاذب، القاضي لا يعلم أنه كاذب دفعه إلى حلف اليمين وحلف، فهذا جهل معذور به القاضي لأنه لا يتمكن أن يعلم والإنسان أيها الأخوة من ضعفه لا يعلم إلا أن يعلم.
الجهل عند السادة الشافعية لا يعتبر ضرورياً في ترك المأمورات والاختلافات، ويعتبر ضرورة ضرورة في بعض المنهيات وبعض العقوبات، هذا ملخص هذا البحث.
الآن هل هناك فرق بين النسيان وبين الجهل ؟ الحقيقة يوجد فرق النسيان يطرأ على الإنسان قهراً بحيث لا يتمكن من دفعه، أما الجهل يمكن التغلب عليه بالعلم، يعني أخ من أخوانا والله أنا أكبرته اشترى صفقة جلود بمبلغ كبير جداً فلما وصلت إلى البلد سأل أي جلد هذا فإذا هو جلد خنزير والثمن كبير جداً وهناك من يشتريها، أحرقها، ونجا بجلده لأنه لا يجوز استعمال جلد الخنزير، هذا جهل حينما اشتراها من بلاد شرقي آسيا لم يخطر في باله أن يسأل عن هذا الجلد وظنه جلد بقري لكبر حجمه فلما علم أنه جلد خنزير، أما هنا سأل فعلم، لذلك الجهل يمكن أن تتلافاه بالسؤال، فلما علم أنه جلد خنزير أحرقه.
أجمعت الأمة أن النسيان لا إثم فيه بالجملة وأن الناسي معفو عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))
أما الجاهل الذي لا يعفى عنه ويعتبر الجاهل كالمتعمد لأن المكلف بالأمور الشرعية لا يجوز أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، هنا موضوع ثاني النسيان واضح، أما الجهل غير مقبول، أنت مسلم وتعرف أن هذا الشرع كامل وأن فيه حكماً لكل شيء فقبل أن تقبل على هذا القرض، أو قبل أن تضع هذا المال بربح ثابت، قبل أن تلتقي مع هذه المرأة يجب أن تسأل ما حكم هذه الخلوة، ما حكم هذا التعامل، ما حكم هذا القرض، ما حكم هذا السفر، ما حكم شراء هذه المادة، ما حكم التعامل في هذه البضاعة المحرمة، الجهل لا يعد عذراً عند الفقهاء لأنك مسلم ويمكنك أن تتلافى هذا الجهل بالسؤال أما النسيان قوة قاهرة أذكى الأذكياء ينسى أمراً مهماً جداً وقد تفوته فرصة ذهبية، الإنسان مقهور بالنسيان، يمكن أن تقول لشيء سأفعله غداً دون أن تقول إن شاء الله وهذا الأمر مهم جداً وأنت في أمس الحاجة إليه، الله عز وجل يقهرك وينسيك ذلك، قال تعالى:

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾
( سورة الأعلى )
أما ربنا جل جلاله، قال تعالى:

﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)﴾
( سورة طه )
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ لا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ قَالَ: وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ))
ولولا أن الله أنساه هذه الركعتين لما سن لنا عليه الصلاة والسلام سجود السهو، فالفرق بين النسيان والجهل فرق كبير جداً، وكل واحد منكم وأنا معكم يوجد أشياء ضرورية جداً نسيها.
طائرة فيها مائة راكب والطيار أول مرة يقودها، وكان معاون طيار وصار طياراً، فلما وصل إلى أرض المطار نسي شيئاً بسيط جداً نسي أن يرخي العجلات، والطائرة سارت على بطنها زحفاً طول المدرج كله ولم تحترق، ولم تجمح، متى علم الطيار أنه لم ينزل العجلات ؟ حينما وصل إلى ساحة المطار وأراد أن ينحرف لم يعمل المقود، وعندما جاء الخبراء قالوا هذه بقدرة قادر، هذه الحادثة عندنا في الشام شيء لا يصدق نسي أن يرخي العجلات، النسيان قوة قاهرة أما الجهل ليس قوة قاهرة، الجهل تتلافاه بالعلم، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾
( سورة النحل )
السؤال مفتاح العلم، بالمناسبة أنا أرى الأذكياء والعقلاء والمتفوقون والموفقون يسأل دائماً، إنك إن سألت الرجال استعرت عقولهم، تستعير عقله كله، أيام إنسان يشتري كتاب، الكتاب استغرق تأليفه عشر سنوات، مؤلف الكتاب صب كل علمه في هذا الكتاب، يقول لك الكتاب غالي، لا ليس غالي أنت اشتريت علم إنسان خلال أربعين سنة عندي كتاب في النحو، قال مؤلفه في المقدمة أمضيت في تدريس النحو في جامعة القاهرة أربعين عاماً وبعدها ألف الكتاب، هذا الكتاب محصلة خبرات النحو والصرف وعلم اللغة أربعين سنة تدريس في الجامعة.
أنا والله أيها الأخوة أحياناً يأتيني أخ كريم ويسألني في موضوع فقهي دقيق ويقول لي: أريد حكم الشرع فإن كان هذا حرام تركته، والله أكبره أيما إكبار، أخ من أخوانا جاءه عرض وهو في ضائقة مالية شديدة، عرض صناعي وهي صنعته، مبلغ فلكي لكن البضاعة فيها شبهة فتركها لوجه الله، وعوضه الله خير منها في القريب العاجل.
أروع شيء في الإنسان أن يستفتي الشرع، قل لي ما حكم الشرع في هذا، إن كان حراماً لا أفعله، ما الدليل على أنه لا يجوز أن تقدم على شيء قبل أن تعرف حكم الشرع فيه ؟ الآية الكريمة:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾
( سورة الإسراء )
قبل أن تعطي، قبل أن تدع، قبل أن تصل، قبل أن تقطع، قبل أن تصافح، قبل أن تبتسم، يجب أن تعلم علم اليقين ما حكم الشرع في هذا؟
أخوانا الكرام:
الإنسان بعد أن عرف الله وبعد أن وصل إلى، لا شيء يسعى إليه أكثر من معرفة حكم الله في هذا الأمر، الإنسان له نشاط واسع جداً، نشاط في عمله التجاري، نشاط في قبض المال، نشاط في كسب المال، في إنفاق المال، نشاط اجتماعي، في لقاء مسموح به وفي لقاء غير مسموح به، في اختلاط مسموح به اختلاط المحارم، وفي اختلاط غير مسموح به، كلام مسموح به وكلام غير مسموح به، المؤمن مقيد بمنهج الله عز وجل، أما غير المؤمن متفلت غير مقيد، وأنا أقول لكم دائماً الناس رجلان، والله لا ثالث لهما، إنسان موصول منضبط محسن سعيد، مقطوع متفلت مسيء شقي، وما سوى هذه التصنيفات تصنيفات لا أصل لها وليس لها من الله داع.
فالنصف الأول ولا تقف ما ليس لك به علم، والنصف الثاني قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ ))
خطر في بالي مثل ذكرته قبل يومين، المظلي حينما يهبط من الطائرة لو أنه جهل نوع النسيج الذي صنعت منه المظلة هل يموت ؟ لا، لا يموت، النسيج حرير، خيط صناعي، يا ترى صب أم نسيج، لو جهل طول الحبال هل يموت ؟ لا يموت نوع الحبال طبيعية أم صناعية؟ لو جهل مساحة المظلة هل يموت ؟ لا أما في شيء واحد إذا جهله يموت، طريقة فتح المظلة، إذا جهل كيف يفتح المظلة لابد من أن ينزل ميتاً، فهناك في الشريعة علم ينبغي أن يعلم بالضرورة ويوجد علوم للمختصين للمتبحرين لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾
( سورة آل عمران )
يعني منكم علماء أجلاء متبحرين، متخصصين عندهم حجج قوية رد على كل شبهة، هؤلاء العلماء المتبحرون هؤلاء فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الجميع، أما يجب أن تعرف أركان الإسلام وأركان الإيمان، وأنت تاجر يجب أن تعلم أحكام البيوع، وأنت زوج حقوق الزوج والزوجة، وأنت أب واجبات الأب اتجاه أبنائه، يوجد بالشريعة علوم لا بد من أن تعلم بالضرورة، وهي فرض عين على كل إنسان لذلك طلب العلم فرض عين على كل مسلم ومسلمة ولا تقف ما ليس لك به علم.
هذا الذي يتخذ الجهل عذراً في التفلت من أحكام الشريعة، تقول لا تعرف يوجد أمور أخرى تعرفها، أنت من أجل أن تصرف ليرة ذهبية واحدة، تسأل مائة إنسان والأسعار، والجرائد، وتسأل، وتحسب، من أجل ليرة ذهبية واحدة، أما دينك إلى هذه الدرجة رخيص عليك حتى لا تسأل، هكذا الله ألهمني ما هذا الكلام ؟ يوجد علماء ومفتين، وأناس متخصصين، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾
( سورة النحل )
هما آيتين، هناك علوم متعلقة بذات الله، فاسأل به خبيرا، ويوجد علوم متعلقة بالشرع فسألوا أهل الذكر، أنت غير معذور.
قال من باع يجب عليه أن يتعلم ما علمه الله وشرعه في البيع، ومن أجرّ عقاراً يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في الآجار، ومن صلى يجب عليه أن يتعلم حكم الله في الصلاة، إذاً هذه العلوم يجب أن تعلم بالضرورة.
الآن يوجد عندنا مشكلة لو أن إنسان قال لا أعلم يعاقب على الجهل لم لا تعلم، الجهل ليس عذراً العقاب قائم إما على المخالفة بحكم شرعي، وإن قلت لا أعلم العقاب على أنك تجهل هذا الحكم الشرعي، لما لم تطلب العلم.
لذلك قال الإمام مالك: الجاهل في العبادات كالمتعمد لا كالناسي، إنسان أحياناً ينسى أن يصلي الظهر، ويكون له عادة أن يصلي في المسجد دائماً بعد المسجد مرتاح، يوم لم يصلي بالمسجد نسي هذا النسيان عذر أما الجهل ليس عذراً، لذلك بالعبادات الجاهل كالمتعمد.
عند الإمام المالكي رأي دقيق في موضوع الجهل، قال: الجهل الذي يعتذر به هو الجهل الذي يتعذر الاحتراج منه، إنسان موظف، مدرس مهندس، طبيب دارس شريعة بشكل مبسط، لكن يوجد قضية في المعاملات التجارية معقدة جداً، أيام إنسان يقول لك أنا اشتريت مع إنسان ربع بيت وأخذت أجرته، هل فيه شيء ؟ لا شيء عليك.
ولكن أنا شرطت عليه أن هذا المبلغ يرد إلي بعد سنتين بالتمام والكمال مادمت شرطت هذا الشرط فكل الذي أخذته منه على أنه أجرة هو فائدة ربوية، متى تكون هذه الأجرة حلالاً ؟ بعد سنتين يقيم البيت بتقييم وقتي فإما أن يزداد السعر وإما أن يهبط، فإذا أنت مستعد أن تدفع مليون لإنسان ربع ثمن بيت لسنتين، وبعد سنتين يقيم البيت تقييماً جديداً، قد يكون ثمنه مليونين صار هل تأخذهم خمس مائة ألف الأجرة حلال، وإذا لم تأخذهم إلا مليون الأجرة فائدة مائة بالمائة.
أو إنسان وضع ماله عند شخص وطلب على الألف كذا، فائدة لا تصح الاستثمار المضاربة المشروعة، التي أمر الله بها إلا أن تكون على ربح حقيقي لا على مبلغ ثابت، النسبة مشروعة.
الشيء الذي يتعذر معرفته يعد الجهل به عذراً مقبولاً، أما الشيء الذي لا يعذر الإنسان معرفته سهلة، الظهر كم ركعة ؟ لو سألت ألف إنسان يقول لك أربع ركعات، شيء سهل، أما الشيء المتعذر، يوجد بعض القضايا تحتاج إلى مراجع، تحتاج إلى الخوض في مسائل الفقه، الأشياء المعقدة، الإمام مالك يقول: يعد الجهل بها عذراً مقبولاً، أما الأشياء المبذولة لكل الناس لا يعد الجهل بها عذراً مقبولاً.
أيام إنسان يأكل قطعة حلوى، بعد أن أكلها علم أنها مستوردة من بلد غربي وأغلب الظن أن المادة الدهنية في هذا البلد من شحم الخنزير، فإذا الإنسان كان أدق من ذلك وورع، إذا شيء مستورد وفيه دهون، مواد دسمة مكتوب دهن حيواني من بلد غربي في الأرجح والأعم الأغلب أنه شحم خنزير، الإنسان عليه أن يحتاط.
كل جهل لا يتعذر الاحتراز عنه، ولا يشق على النفس لم يعف عنه ولا يرفع التكليف بالفعل به، أما الشيء الدقيق جداً أنه في أصول الدين وفي الاعتقاديات، الجهل غير معذور به، الله موجود والله واحد، وأسماءه حسنى وصفاته فضلى، ويوجد جنة ونار، أصول الدين معلومة بالضرورة للكل، لذلك الجهل بها لا يعفي صاحبها، وبالعبادات الجاهل كالمتعمد، الصلوات والصوم والحج، الجاهل كالمتعمد، في العقائد الجاهل كالمتعمد هذه الموضوعات الكبر في أصول الدين والعبادات الجهل فيها ليس عذراً أما في دقائق الأحكام الشرعية التي يتعذر على المسلم العادي معرفتها هذه ربما تكون عند الإمام مالك عذراً مقبولاً.
ملخص هذا الموضوع يعتبر الجهل أحياناً ضرورة تدفع الإثم والحرج والمسؤولية عن المكلفين، وتمنع من توجيه الخطاب الشرعي إليهم ويكون هذا العذر أحياناً سبباً في تخفيف العقوبة الشرعية لدى بعض الفقهاء، لكن الجهل لا يبيح الفعل بمعنى أن الإنسان أن يكون مخيراً بين فعل وترك وإنما يكون فقط عذراً مانعاً من المسؤولية كما أشرت.
أيها الأخوة الكرام:
أنا أقول لكم لا شيء يعلو في حياة المسلم على طلب العلم، لأن حياتك بالعلم، تعرف ربك بالعلم، تعرف أسماءه الحسنى بالعلم، تعرف وحدانيته بالعلم، تعرف كتابه بالعلم تعرف هويتك بالعلم، تعرف سر وجودك بالعلم.
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
إنسان درس الطب ثلاث وثلاثين سنة، وجاء إلى بلده واشترى عيادة ديناً وعليه ديون كبيرة جداً ويحمل أعلى شهادة في الطب وعين موعد لاستقبال المرضى من الخامسة وحتى السابعة مساءً، وجاءه مريض الساعة السادسة مساءً فقال له: لا يوجد لدي وقت، لماذا لا يوجد لديك وقت ؟ هذا سبب رزقك، وهذا عملك الأساسي، وهذا الوقت المحدد، وعليك دين، فإذا إنسان قال لك أنا لا يوجد لدي وقت لحضور مجلس علم، إلى أي شيء أنت فارغ، لسهرة فيها مسلسلات، لسهرة فيها غيبة ونميمة، لسهرة فيها نرد، ماذا كنت تعمل في الدنيا، قال تعالى:

﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾
( سورة المدثر )
مرة ثانية لا شيء في حياة المؤمن يعلو على طلب العلم، حياتك بالعلم استقامتك بالعلم، اتصالك بالله بالعلم، انضباطك بالعلم.
أحدهم معه ضغط عالي كيف يعالجه ؟ أول مرحلة بمعالجته أن تعلم أن ضغطك عالي، أول معالجة للمشكلة أن تعلمها، أن تعلم أن هناك مشكلة، العلم ماذا يفعل ؟ يعرفك بواقعك، يعرفك بموقعك من الإسلام هل أنت مقصر، متفوق، متفلت، ورع، متمسك، العلم يعرفك بموقعك في الإسلام، العلم ما هو حل كلي، العلم وسيلة لأن تعرف أين أنت في هذا الدين، في المقدمة، في المؤخرة، خارج هذا الدين.
أحياناً يقولون أن هذا الوقت ضائع، وأيام يقولون أن هذا الوقت مستثمر الوقت الذي تمضيه في طلب العلم استثمار للوقت، وليس هدراً له، إذا رجل عنده آلة معقدة جداً يوجد كومبيوتر لتحليل الدم يمكن أن تضع نقطة دم بضغطة واحدة يعطيك سبع وعشرون تحليلاً، إذا كل تحليل ألفين ليرة، وعندك ألف زبون واقفين، والجهاز تجهل استعماله، ولا تعرف كيف تستعمله وسافرت إلى البلد المصنع وأقمت أسبوع للتدرب على هذا الجهاز هل تعد وقت هذا ضياع للوقت ؟ هذا الوقت أكبر استثمار للوقت عندك جهاز كل تحليل ألف ليرة وعليه طلب، مائة زبون جاهزين، والجهاز غالي جداً، فإذا لم تستعمله جمدت ثمنه وإن استعملته بلا علم عطلته، فأفضل شيء أن تذهب إلى بلد المنشأ وتتدرب على استخدام هذا الجهاز، الوقت الذي تبذله في طلب العلم استثمار للوقت، لذلك قالوا هم في مساجدهم والله في حوائجهم.
مرة قال لي أحدهم زوجتي تخونني قلت له منذ متى ؟ قال من خمس سنوات، قلت له مع من ؟ قال مع جارنا، قلت له كيف عرفت هذا الجار ؟ قال لي: أنا السبب، مرة زارنا فقلت لها تعالي أم فلان هذا مثل أخيك اجلسي معنا.
هو لو حضر مجلس علم واحد لم يفعل هذا، أيام العلم يحرسك، يوقيك سائق سيارة عمومي أوقفته امرأة، قال لها أين تذهبين ؟ فقالت له أين ما تريد، فهم واعتبرها مغنم فلما قضى حاجته تركت له ظرفين ظرف فيه خمسة آلاف دولار، وظرف فيه رسالة، الرسالة كلمتين، مرحباً بك في نادي الإيدز، والدولارات مزيفين دخل السجن.
لو كان مسلم ويعرف حكم الخلوة مع امرأة أجنبية كان فتح الباب وركلها بقدمه ونفد، العلم مهم جداً، لا يوجد مشكلة في الأرض إلا سببها الجهل، فأنت حينما تعلم تدخل إلى حصن حصين، وطلب العلم فريضة على كل مسلم ولا تقف ما ليس لك به علم.
محور درسنا اليوم هل يعد الجهل عذراً مقبولاً ؟ فيما يجب أن يعلم بالضرورة عذر غير مقبول، أما في دقائق الأحكام الفقهية يعد عذراً مقبولاً، لكن الحلال يجب أن تتعلم حتى تنتهي من هذه المشكلة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:23 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 016: الضرورات تبيح المحظورات (5) : المشقة تجلب التيسير - العسر وعموم البلوى .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-10-19
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
ذكرت لكم من قبل أن موضوع الضرورات تبيح المحظورات هذه قاعدة أصولية، ولكن الناس توسعوا في فهمها وميعوها، وأسالوها إلى درجة أنه يفهم منها عكس ما أريد منها لذلك جعلت في بعض خطبي موضوعاً حول هذا الموضوع ووعدت أن أتابع تفاصيل هذا الموضوع في دروس الأحد، تحدثنا في الدرس الماضي كيف أن بعض أنواع الجهل يعد ضرورة، بعض أنواع الجهل الذي يصعب أن يتلافى يمكن أن يكون ضرورة لرفع الحرج أو رفع الإثم، وفصلت هذا كثيراً في الدرس الماضي، مع أني بينت أن معظم حالات الجهل لا يعذر فيها صاحبها ولا سيما الذي نشأ في بلاد المسلمين و حكماً وصلت إليه أحكام الشريعة بمدلولاتها الواسعة، و اليوم ننتقل إلى موضوع آخر من موضوعات الضرورات و هو موضوع العسر و عموم البلوى، فالمشقة تجلب التيسير لأن الله سبحانه و تعالى لا يريد بنا الحرج يريد أن يخفف عنا، فالعسر هو المشقة و عموم البلوى شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص منه أو الابتعاد عنه و هذا سبب من أسباب التخفيف.
أيها الأخوة الكرام:
أضع بين أيديكم بعض الأمثلة:
تصح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدمي القروح و الدمامل و القيح و الصديد بكميات قليلة جداً و مع أن هذه نجاسات لكنها نجاسات معفو عنها، وقليل دم الأجنبي أي دم إنسان آخر، قليله معفو عنه و طين الشوارع إذا الإنسان مشى في الشتاء قد يأتي شيء من طين الشوارع على ثوبه، طين الشوارع معفو عنه إن لم يكن فيه عين النجاسة، عندنا شيء نجس و عندنا عين النجاسة و من أروع ما فهم المفسرون من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)﴾
( سورة التوبة )
لم يقل نجسون، قال نجس، و النجس أي عين النجاسة و عين النجاسة لا تطهر أما الشيء النجس يطهر، لو عندك آنية أصابتها نجاسة تغسله سبع مرات فتطهر هذه الآنية، أما عين النجاسة هذه لا يمكن أن تطهر لأنه أصل النجاسة، وقد قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)﴾
( سورة التوبة )
المشرك الكافر، المنحرف، الفاجر إنسان نجس بأوسع معاني هذه الكلمة يعني نجس في حديثه، نجس في طموحاته، نجس في علاقاته، النجاسة المادية شيء والنجاسة المعنوية شيء آخر، الخيانة نجاسة، الكذب نجاسة، الاحتيال نجاسة، الكبر نجاسة، هذا العمل قذر وقد يكون صاحبه بأعلى درجة من الأناقة، قد يكون صاحب هذا العمل في أعلى درجة من درجات الأناقة ومع ذلك له عمل قذر.
مرة إنسان قال لي كلمة، قال: أنا عملي قذر، والحقيقة قد يكون محل بأرقى أسواق دمشق وفيه زينة بأعلى أذواق والكمال ولكن يرتاده النساء صاحب المحل لا يتورع عن أن يغازلهن، فهذا المحل فيه قذر ونجاسة مع أنه يتمتع بأعلى درجات الجمال والأناقة، فالنجاسة المعنوية خطيرة جداً يوجد أعمال قذرة في مواقف قذرة، مواقف النفاق قذرة، مواقف الاحتيال قذرة، أن تظهر ما لا تبطن هذا عمل قذر، فربنا عز وجل حينما قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)﴾
( سورة التوبة )
يعني لهم أعمال فاحشة لا ترضي الله عز وجل شيء آخر آثار النجاسة التي يعسر زوالها في بعض المساجد آثار الطيور مهما نظف المسجد بقى آثار الطير في صحن المسجد، بول ترشش على الثوب بقدر رؤوس الإبر هذه أيضاً نجاسة المعفو عنها.
الأحناف حددوا النجاسة المعفو عنها بما دون ربع الثوب فإذا تجاوزت أكثر من الربع ليس معفو عنها لا بد من تبديل الثوب، طبعاً هذه إذا كانت النجاسة مخففةً، وبقدر الدرهم أو عرض الكف إذا كانت النجاسة مغلظةً هذه عسر يجلب التيسير.
إنسان يسير في الطريق مرت سيارة في الشتاء ألقت عليه بعض الماء المشوب بالتراب، وتراب الطريق ليس طاهراً، ولا بد من أن تصلي ولا تعود إلى بيتك إلا بعد المغرب ماذا تفعل؟ ترجع إلى البيت تعيد الكرة وهناك سيارة ثانية، يوجد شيء من النجاسات المخففة المعفو عنها هذا من عظمة هذا الدين الحنيف، شيء آخر النار عند الأحناف مطهرة فالروث إذا أشعلناه تعتبر النار مطهرة له، فرماد روث الحيوانات ورماد العذرة التي تشتعل تصبح طاهرةً ولولا ذلك لحكمنا في نجاسة الخبز الذي يخبز في الأرياف، لأنه يخبز على وقود أصله من روث الحيوانات.
البعر إذا وقع في الحليب وأخرجناه فوراً يعد الحليب طاهراً، أثناء حلب الشاة قبل أن يتحلل، هذه الكرة القاسية قبل أن تذوب في الحليب هذا يعد من النجاسة المعفو عنها، الماء إذا مكث طويلاً وأصابه بعض التغير أو كان فيه بعض الطحالب أو بعض الطين لأن هذا يعسر أن نتلافاه ولا سيما في الأرياف هذا أيضاً يعد طاهراً.
يجوز الاستنجاء بالأحجار مع أن الحجر لا يزيل النجاسة كلياً، أحياناً يوجد ضرورات مثلاً إنسان يمشي في طريق و اضطر أن يقضي حاجة و ليس في الطريق ماء ليتطهر به ماذا يفعل ؟ هذا درسنا اليوم عموم البلوى، المشقة تجلب التيسير و لكن لا أريد أن نزيد على هذه الأمثلة شيئاً، هذه الحدود التي سمح بها الفقهاء، أي شيء مخفف ربع الثوب المغلبة درهم أو عرض الكف، أكثر لا يجوز أن تصلي بهذا الثوب.
صبي أحدث، طالب بالصف، درس قرآن، قال يسمح للصبي المحدث أن يمس المصحف أثناء تعليم القرآن، كل من يتعلم القرآن، القرآن يتلى تعبداً و يتلى مدارسة و تعلماً، يتلى تعبداً و يتلى تعلماً، فحين يتلى تعلماً يسمح للصبي المتعلم أن يمس المصحف دون أن يكون متوضئاً و كذلك المعلم.
يصح المسح على الخف حال الإقامة لمدة يوم و ليلة لمشقة نزع الخف في كل وضوء حتى أنه يجوز عند الحنابلة المسح على الجوربين في حالات نادرة جداً أثناء السفر أي الوقت قليل جداً لا يتسع لأن تبحث عن حذاء آخر أو عن شيء تلبسه أثناء الوضوء يجوز عند الحنابلة المسح على الجوربين في الحالات النادرة.
مثلاً يباح أن تستدبر القبلة في صلاة شدة الخوف، قبلة الخائف جهة أمنه، قبلة المسافر جهة دابته، قبلة المريض جهة راحته، يصح أن تصلي بالإيماء إذا عجزت لأن الصلاة هي الفرض المتكرر التي لا يسقط أبداً، يباح القعود في النوافل وكذلك الإضجاع فيها عند الشافعية ولا بأس بالإبراد لصلاة الظهر يعني بعد أن تزول الشمس عن كبد السماء من شدة الحر بل أنه مستحب في الصيف سواء كان الحر شديداً أم لا يجوز ترك صلاة الجماعة والجمعة بالأعذار المعروفة كالمطر الشديد والمرض الشديد وإشراف القريب على الموت، والخوف على النفس أو العرض أو المال، وشدة الريح في الليل وشدة الجوع والعطش والبرد والوحل والحر ظهراً، ويجوز عند الشافعية جمع الصلاتين تقديماً وتأخيراً في السفر والمرض هذه المشقات التي تجلب التيسير، وهذه الذي سماها الفقهاء عموم البلوى.
لا يجب قضاء صلاة الحائض لتكررها بخلاف الصوم، تسقط الصلاة عن المغمى عليه إذا زاد إغماءه عن يوم وليلة، إنسان أغمي عليه وفاتته صلاة يوم وليلة يسقط عنه قضاء الصلوات.
وعن المريض العاجز عن الإيماء بالرأس على الصحيح عند الحنفية، يعني إنسان أصابه سبات هذا المريض الذي يعجز عن الإيماء بالصلاة تسقط عنه الصلاة.
تجوز عند أبي حنيفة صلاة الفرض في السفينة غير المربوطة في الميناء قاعداً من غير عذر مع القدرة خوفاً من دوران الرأس، إذا كان على طرف السفينة والبحر عميق، والإنسان إذا صلى واقفاً لعله يصاب بالدوار يجوز أن تصلي وأنت على السفينة قاعداً مع القدرة على الوقوف تصح الصلاة من الجنب بالتيمم أثناء السفر، إنسان مسافر جنب ولم يتمكن أن يغتسل يصح أن يتيمم ويصلي، أو خوفاً من البرد الشديد الذي يؤذيه إيذاءً يقينياً لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقر عمر بن العاص حينما صلى بأصحابه بالتيمم ولم يغتسل من الجنابة مستدلاً بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
يباح أكل الميتة ومال الغير مع الضمان عند الضرورة، على وشك الموت يباح أن تأكل الميتة، أو أن تأكل من مال الغير مع الضمان، أن تدفع له لاحقاً ثمن الطعام عند الضرورة أي عند خوف الموت.
يجوز لولي اليتيم أن يأخذ من مال اليتيم بقدر حاجته إذا كان يستثمره له هذا إذا كان فقيراً أما إذا كان غنياً فليستعفف.
في حالات المرض يجوز للرجل أن يلبس الحرير، إذا رجل معه مرض جلدي وأي ثوب يؤذي جلده يحق له استثناءً أن يلبس ثوباً حريرياً ليخفف عنه آلام الجلد.
يوجد حالات فيها مشقة لكن الشرع أباحها دفعاً لهذه المشقة من هذا عقد بيع السلم، بيع السلم على قواعد أخرى محرم، لأنه بيع معدوم تشتري صوف لم ينبت، تشتري قمحاً لم ينبت، بيع السنم معاونة الشاري للبائع يجوز عقد بيع السنم على أنه بيع معدوم، وفيه نوع من الغرر.
وجوز عقود الإقالة، والحوالة، والرهن، القرض، والتركة والوكالة، والإجارة، والمزارعة، والمضاربة، والإعارة، الإيداع، هذه كلها تحل مشاكل المسلمين.

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)﴾
( سورة الحج )
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
( سورة النساء )
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
( سورة النساء )
الإنسان عليه أن ينتفع بملكه، كيف ينتفع بملك الغير ؟ عن طريق الإيجار، إنسان استأجر بيت أو سيارة هو انتفع بملك غيره هذا من التسهيلات التي شرعت في شريعتنا السمحاء من أجل تحقيق مصالح المسلمين، يمكن أن تستعين بالغير وكالةً وإيداعاً وشراكةً، ومضاربةً ومساقات، ومزارعةً، إنسان كبير في السن معه مال يستعين بشاب متقد حماس يعطيه ماله يستثمره له، هذه مضاربة والمزارعة، والمساقات والشركة.
ضمانة الدين تأتي بالرهن والكفالة وما إلى ذلك، هذه من التسهيلات التي جاءت بها الشريعة السمحاء.
حينما شرع الشارع الحكيم في موضوع الخيارات، يوجد خيار العيب، أنت اشتريت حاجة فيها عيب لك أن تفسخ العقد وترد المبيع، في خيار الرؤية من اشترى ولم يرى له الخيار إذا رأى، في خيار الغبن الفاحش يوجد في الشرع الحنيف أكثر من عشر خيارات، إذا في غبن فاحش أنت في خيار الغبن، البضاعة لم تراها على المساطر رأيتها، أنت في خيار الرؤية، أحياناً أنت في خيار الوقت، اشتريت بيت تريد أن تعرف وضعه في السجل العقاري تأخذ خيار من البائع، فإذا ثبت أن هذا البيت مرهون أو عليه إشكال أنت في حل من هذا العقد، خيار وقت، خيار غبن، خيار رؤية.
يوجد خيار الثمن، إذا اشترى ولم يدفع الثمن الشاري البائع يشترط إنك إن لم تدفع الثمن خلال هذا الوقت فالعقد باطل، يوجد إنسان يشتري ولا يذكر موضوع دفع الثمن فيبقى هذا الشيء ملك الشاري ولو لم يدفع الثمن.
إنسان جاءه ملك الموت ولم يستعد للموت شرعت الوصية، بإمكانك أن يوصي بكل ماله في الأعمال الطيبة لخدمة الفقراء والمساكين، وطلبة العلم، وإنشاء المياتم، والمشافي، فالوصية تجلب التيسير، إنسان تأخر في الأعمال الصالحة.
الإنسان الأخرس إشارته المعهودة تعد إقراراً بحقوق العباد وبالقصاص والديات والأموال والأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونحو ذلك بالضرورة، عندنا شرع دقيق جداً الأخرس لا ينطق، لا يقول اشتريت ولا بعت ولا وافقت، ما الحل ؟ إشارة الأخرس تعد إقراراً، الإشارة المعهودة، إقرار الأخرس فيما يوجب حداً من حدود الله لا يعد، لا يقبل.
الله عز وجل حقوقه مبنية على المسامحة، يكفي أن يقر الأخرس في حقوق العباد فإشارته إقرار، أما إذا قلت له أسرقت فخفض رأسه هذا الخفض لا يعد إقراراً يوجب إقامة الحد، يعد هذا الإقرار شبهة، و أدرؤوا الحدود بالشبهات، فيما يتعلق بحقوق العباد إشارته إقرار أما فيما يتعلق بحقوق الله، أو فيما يتعلق بما يوجب الحد لا تعد إشارة الأخرس إقراراً تعد شبهةً تدرأ بها الحدود.
يباح النظر بالضرورة وعند الحاجة لوجه المرأة عند الخطبة، والإجهاد والمعالجة، القاضي له أن يرى وجه المرأة والطبيب له أن يرى بعض من جسم المرأة وكذلك عند الخطبة لك أن ترى وجهها وكفيها وما يدعوك إلى الزواج منها.
إباحة تعدد الزوجات، عقب الحروب وفي حال مرض الزوجة وفي حالات نادرة عند الزوج، فهذه أيضاً من المشقة التي توجب التيسير، زوجة مريضة أو زوجة لا تنجب أو عقب الحروب يوجد كساد في الزواج، فهذه مشقة تجلب التيسير، أحياناً الحياة الزوجية تصبح مستحيلة عذاب بغضاء حقد خصومات يكون الحل الأمثل هو الطلاق مع أن الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله لكنه ضرورة.
المجتهدون، كلفنا العالم أن يجتهد فما أصاب، لو أننا توعدناه بالعقاب الأليم على اجتهاده ما اجتهد أحد ألغي الاجتهاد، ربنا عز وجل من خلال سنة النبي عليه الصلاة والسلام، المجتهد إذا أصاب له أجران وإذا أخطأ له أجر، أرأيتم حافزاً للاجتهاد كهذا الحافز، لو أنك أخطأت في الاجتهاد لك أجر، إن أصبت لك أجران، طبعاً هذه الحالات أذكرها إليكم تحت محور واحد هو أن المشقة تجلب التيسير، ليس القصد أن تتحمل المشقات والقصد أن تتصل بالله فأية مشقة تحول بينك وبين الله عز وجل، يعني مثلاً في الحج، الوقت الأكمل لرمي الجمرات هو بعد الزوال لكن قد تجد مليوني إنسان يحاول رمي الجمار بعد الزوال، أحياناً يسمى محرقة مقتلة، ممكن إنسان أن يرمي في الليل إذا معه أهل معه نساء، من منا يحتمل أن تسحق امرأته بين الرجال ؟ المشقة الكبيرة تجلب التيسير، فالتيسير أن ترجم الجمرات ليلاً، والليل يوجد بحبوحة أمامك متر بمتر فارغ أما في النهار قد لا يحصل لك أي اتصال بالله أمام هذا الازدحام الشديد، يجب أن نفقه حقيقة الدين.
أخوانا الكرام:
المشقة ليست مطلوبة لذاتها، الآن لو أراد إنسان أن يحج ماشياً هل تظنون أن له أجراً يفوق أجر راكب الطائرة ؟ أبداً، يملك ثمن الطائرة بل أراد أن يفتعل مشقة كي يزيد ثوابه، ليس في الإسلام مشقة مطلوبة لذاتها، لكنه في بعض الظروف قد تفرض عليك مشقة هذه نتحملها إذا فرضت علينا، مرة كنت في بلد إسلامي بالأخبار أن أناس يمشون ألف كيلو متر على أقدامهم ليصلوا إلى مقام أحد العلماء الكبار، هذه المشقة لا مبرر لها أكثر من شهر ونصف تقريباً وهم يظنون أن هذا فيه أجراً كبيراً.
المشقة ليست مطلوبة لذاتها، المشقة أحياناً تفرض في الحج، الطواف السعي، الوقوف في عرفات، الحر الشديد، مقبولة إذا فرضت بذاتها مقبولة، أما أن نفتعلها نحن هذا ليس مباحاً إطلاقاً.
أيها الأخوة الكرام:
موضوع المشقة موضوع كبير جداً القصد أن تشعر أنك قريب من الله عز وجل وكل شيء يحول بينك وبين هذا القرب، أنا أوضح شيء في معالجة هذا الموضوع، أيام الحج مثلاً الذي معه أهل، نساء أطفال صغار أحياناً الانطلاق من مزدلفة بعد صلاة الفجر هذا قد يستغرق الطريق معه عشرين ساعة وازدحام لا يحتمل عند السادة الشافعية يجوز أن تنطلق من مزدلفة بعد منتصف الليل، معنى ذلك أنك تصل بنصف ساعة إلى منى وقد ترجم جمرة العقبة وقد تنتقل إلى مكة المكرمة وتطوف طواف الإفاضة قبل صلاة الفجر وهذا مسموح به عند السادة الشافعية لمن كان معه أهل وصغار يخشى عليهم العنت، طالما يوجد مشقة كبيرة المشقة تجلب التيسير، هذه قاعدة من قواعد الفقه الأساسية.
إن الله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن توتى عزائمه الإتيان بالعزيمة فضيلة وأن تأخذ بالرخصة أيضاً فضيلة، أحياناً الله عز وجل قال:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
( سورة البقرة )
مرة أخ كريم في نقاش جرى بيني وبينه، أنه أخذ الدواء ليس واجباً، قلت له: لو أن لك زوجةً وكانت على وشك الوضع وأخبرك الطبيب أن هذه الزوجة لا يمكن أن تلد إلا ولادة قيصرية، قلت له بربك إذا لم تعبأ بقول الطبيب وماتت الزوجة في أثناء الوضع ألا تشعر أنك مقصر ألا تشعر أنك ارتكبت إثماً كبيراً ؟ حينما عرضت الزوجة إلى الهلاك ثم إن أحكام الفقهاء أنه إذا غلب على ظنك أن هذا المرض يعيق عبادتك ويعيق كسب رزقك وله دواء، قال أخذ الدواء في مثل هذه الحالة يرقى إلى مستوى الفرض، ما الدليل ؟ قال تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
( سورة البقرة )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
أحياناً تجد بعض الأحكام لا تقبلها أنت، إما الذي ألقاها عليك ضعيف العلم، أو محدود الاطلاع والثقافة، أما الشيء اليقيني أنه حينما يغلب على ظنك أن هذا المرض خطير وأن علاجه يسير، وإنك إن لم تأخذ العلاج ألقيت بنفسك إلى التهلكة إذاً وجب عليك التداوي.
تداووا عباد الله، هذا التداوي، الفعل أمر وكل أمر يستوجب الوجوب هذا الذي يقول نحن ليس مكلفين أن نأخذ الدواء هذا كلام غير شرعي أساساً، يوجد حالات كثيرة بعض الأحكام الذي اشترى عود ثم تاب إلى الله عز وجل قال الأولى أن يحطمه، هذه الأداة له، ويوجد رأي عند بعض السادة الفقهاء أن هذا العود مصنوع من خشب ينتفع من هذا الخشب بإحراقه لذلك يجوز لك أن تبيعه، طيب هل من المعقول إنسان يشتري عود بخمس ست آلاف ليرة ليحرقه ويغتسل عليه ؟ هذا العود يباع ليستعمل عوداً، الإنسان يوجد عنده مقياس، مقياس فطري، نحن عندنا تفرقة بين الإمام أبو حنيفة والأحناف، بين الإمام الشافعي وبين السادة الشافعية، هو الفقه كله اجتهادي، والمجتهد يصيب أو يخطئ، ذكرت لكم من قبل أن أحد السادة الأحناف أجاز أن تأكل مال المستأمن برضاه في بلد الأمان، يوجد تقسيمات للفقه، في دار الإسلام، ودار الحرب، ودار الأمان، دار الإسلام كبلاد المسلمين، ودار الحرب كاليهود بلاد حرب، ودار الأمان كبلد مثل فرنسا بيننا وبينها تمثيل دبلوماسي، فالفتوى في الفقه الحنفي يجوز أن تأخذ مال المستأمن في بلده برضاه، أما أدق ما في الفتوى بقصد إضعافه، أنت إذا نقلت إلى بلد كل أموالك واستثمرتها عنده في البنوك أضعفته أم قويته ؟ قويته إذاً شيء محرم والأصح من ذلك أن الحرام حرام في كل مكان في بلدك وفي غير بلدك في دار الإسلام وفي غير دار الإسلام في بلاد الكفر، الحرام حرام، المكان لا يغير الحكم الشرعي لكن الإنسان كما قلت لكم استفتي قلبك ولو أفتاك المفتون وأفتاك.

(( عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
الحلال بين، إنسان صلى العشاء وشعر بحاجة إلى النوم، أمضى يوم شاقاً، فإذا أوى إلى فراشه وصلى العشاء والسنة والوتر هل يشعر أنه فعل شيئاً ؟ الحلال بين والحرام بين، الزنا والخمر القتل أشياء واضحة الكذب الخيانة، حول هذين البندين ليس هناك مشكلة إطلاقاً، أي إنسان بأي ثقافة بأي مستوى الحلال حلال والحرام حرام، وذكرت هذا في درس سابق أنه لا جهل في بلاد المسلمين، أمضى سنوات طويلة كل أسبوع يوجد ساعتين تربية إسلامية، حضران مع والده مائة خطبة أو خمس مائة خطبة، ويعيش في مجتمع إسلامي يقول لك أنا لا أدري أن الخمر حرام، هذا كلام مرفوض وكان هذا موضوع الدرس الماضي.
لكن يوجد دقائق في الفقه قد لا يعرفها هذه الدقائق التي لا يعرفها بحدود ضيقة جداً قد يعذر عند الله بجهلها، أما الجهل أو ادعاء الجهل هذا لا يعفي صاحبه من قبل الله عز وجل ومن قبل أولي الأمر.
الحلال بين والحرام بين، أحياناً ذكرت هذا في درس الفجر أظن اليوم أنه بتعليمات وضع الأسئلة بالشهادات العامة، سؤال سهل معظم الطلاب يجيبون عنه وسؤال وسط الطلاب المتوسطو الدراسة يجيبون عنه، لكن لابد من سؤال عليه علامات محدودة لا يجيبون عنه إلا المتفوقون، سؤال محاكمة سؤال استنباط، سؤال يعتمد على دقة والإدراك في ثنيات الموضوعات هذا السؤال لا يجيب عنه إلا المتفوقون أنت عندما طالب يجيب عن أول سؤال معنى ذلك أنه مع الضعفاء، يجيب عن ثاني سؤال معنى هذا أنه مع المتوسطين، أما أجاب عن السؤال الثالث هذا مع المتفوقين.
أخوانا الكرام:
في الدين يوجد عندنا سؤال أول وثاني وثالث، إنسان ترك الحرام البين مثل الشمس واضحة، ترك الحرام البين قضية بديهية وسهلة ولا تكلف جهداً، أخذ الحلال البين ليس له مشكلة، إنسان أخذ طعاماً من كسبه الحلال تزوج، أنجب أولاد ذهب إلى نزهة مع أولاده لا يوجد مشكلة ولكن أين المشكلة ؟ وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، ماذا نفهم من هذا النص ؟ نفهم أن بعض الناس يعلمون المتشابهات، يوجد عندنا حالات كثيرة، أكثر الناس يحسبونها حلالاً وهي حراماً، أكثر الناس يستثمر ماله بنسب ثابتة، يقول لك أريحني لا حسابات ولا..أعطاني على الألف عشرين استثمار المال بنسب ثابتة ربا، إنسان دخل مع إنسان شريك في بيت وأخذ منه أجرة بشرط أن يضمن من الذي اشترى البيت أن يعطيه المبلغ بعد حين بالتمام والكمال، الأجرة ربا صارت.
أحياناً أقرضني هذا المبلغ وخذ هذا البيت استعمله سنة، هذا القرض جر نفع، أشياء كثيرة جداً، الإنسان عليه أن يحتاط للمتشابهات ليس هناك مشكلة فيما هو بين لا حلال ولا حرام، وبينهما كثير من الشبهات.

(( النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
لذلك الورع أن تدع مالا بأس به حذراً مما فيه بأس، الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك أحياناً ينشأ مناقشات حلال هكذا قال فلان، بما أنها قضية خلافية الأولى الهروب من الخلاف، يعني أوضح مثل المسح على الجوربين، الماء متوفر وكل شيء متيسر فالأولى أن تخرج من هذا الخلاف.
يوجد مصطلح فقهي لطيف الهروب من الخلاف، إذا في مذهب فقهي أجاز شيء ومذهب ما أجازه، عند الأحناف لا يجوز أن تجمع بين الصلاتين إلا في الجح، القصر عندهم جائز أما الجمع لا يقبل إلا في أثناء الحج في عرفات، بينما المذاهب الثلاث لك أن تجمع ولك أن تقصر الصلاة، إنسان يصلي إمام وراءه أناس من مذاهب متعددة ما الأولى أن يفعل أن يخرج من الخلاف في صلاة الظهر وحده والعصر وحده، هكذا، الأولى ملخص الملخص في حال الشدة لك أن تأخذ بالأسهل في حال الشدة وفي حال الأيسر لك أن تأخذ بالأحوط، هذا ملخص موضوع المشقة تجلب التيسير وموضوع عموم البلوى، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)﴾
( سورة الحج )
وكان عليه الصلاة والسلام في أيام الحج كلما سئل عن شيء يقول أفعل ولا حرج، العبرة إنما يريد الله ليطهركم، الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:25 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 017 :الضرورات تبيح المحظورات (6) : العرف .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-10-26
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: بينت لكم في درسين سابقين حالات الضرورة التي يمكن أن تغير من خلالها الأحكام، وتحدثنا في درس سابق عن علة الجهل وكيف أن حالات نادرة من الجهل تعد عذراً، أما إنساناً نشأ في بلاد المسلمين لا يعد الجهل عذراً إطلاقاً، وبينت في درس بعده كيف أن عموم البلوى تعد أيضاً نوع من الضرورات التي تتغير بها الأحكام.
واليوم ننتقل إلى موضوع ثالث متعلق بالضرورات ألا وهو موضوع العرف، فالعرف هو ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا إطلاقه على معنىً خاص لا تألفه اللغة ولا يتبادل غيره عند سماعه، يعني مجموعة أفعال ومجموعة أقوال ألفها الناس فيما بينهم، تعارفوا عليها، فعلوها جميعاً وقد شمل هذا التعريف الذي قلته قبل قليل العرف العملي والعرف القولي، وكل منهما عرف عام وعرف خاص.
العرف العملي أفعال، أعمال ما اعتاده الناس في أفعالهم العادية أو معاملاتهم المدنية، مثلاً الناس يأكلون في العيد اللحم في رمضان لهم أكلات معينة، يوجد في العيد معايدة، عند الموت يوجد تعزية، هذه الأفعال اعتادها الناس في معظم البلاد في الأفراح والأتراح والمناسبات والأعياد.
و يوجد ألبسة خاصة للزفاف، ألبسة خاصة في الأحزان، فالأفعال التي اعتادها الناس وألفوها وتعارفوا عليها وفعلوها جميعاً هذا من العرف.
المهر في الزواج معجل ومؤجل هذا من العرف أيضاً، بيع المعاطاة خلاف الشرع، يوجد كؤوس شراب تشرب كأس وتضع ليرة ولا تتكلم ولا كلمة، أين الإيجاب والقبول ؟ أتبيعني هذا الكأس بليرتين، يقول لك بعتك هذا الكأس بليرتين أين الشهود، قضية سريعة جداً وتافهة جداً، بيع الخسيس لا يحتاج إلى إيجاب وقبول وشهود، فبيع المعاطاة خلاف الشرع، لكن العرف، يوجد في الطرقات بائعو العصير تدفع وتحمل وتمشي، فهذا عرف عملي.
العرف القولي اللحم يعني لحم ضأن، والسمك سمك، مع أن السمك لحم، أكلنا سمك وأكلنا لحم، فكلمة السمك هي لحم ولكن تعني السمك وكلمة اللحم تعني لحم الخراف فقط ولحم البقر، كلمة ولد تعني ذكر، عندي ولدين، أما ووالد وما ولد، الولد باللغة تعني الأنثى والذكر، أما بالعرف الولد ذكر.
يوجد عندنا أعراف قولية، الولد يعني ذكر، عندي بنتين وولد، كلهم أولاد من الولادة، عندنا عرف قولي وعرف عملي، والعرف العام ما تعرف عليه غالبية أهل البلدان، يوم عيد الأضحى بالعالم الإسلامي كله يوجد عطلة ويوجد زيارات، وألبسة جديدة، وطعام طيب، وحلويات هذا عرف عام، وكل بلد لها أعراف، وطعام معين، وتقاليد معينة، أساليب في التهنئة معينة، تذهب إلى مصر الولادة أشياء مضحكة لا نعرفها نحن، تذهب إلى قرية يوجد أعراف في القرية غير أعراف المدينة، فالعرف عام أو خاص، عملي أو قولي.
العرف نوعان، عرف صحيح يؤخذ به، وعرف فاسد لا يؤخذ به، ما تعريف العرف الصحيح ؟ ما تعارف الناس عليه دون أن يحرم حلالاً أو يحلل حراماً، ما دام العرف لا يتصادم مع الشرع فهو صحيح، المرأة لها مهر في القرآن الكريم، ولها مهر في السنة ولها مهر في أحكام الفقه، نحن تعارفنا أن المهر ينقسم إلى قسمين معجل ومؤخر هذا من الأعراف ولا يتصادم مع نص شرعي ولا أحلنا به حراماً ولا حرمنا به حلالاً، العرف الصحيح هو الذي لم يصادم نصاً محرماً أو نهياً محرماً .
الإنسان مثلاً عنده في البيت دعامتين بينهما فراغ، أراد أن ينشئ في هذا الفراغ مكتبة، لو دار أقطار الدنيا مكتبة عرضها أربعين سم وطولها ثلاثة أمتار، أما في بيته يوجد دعامتين بينهما فراغ أراد أن يستغل هذا الفراغ ويجعله مكتبةً يأتي بنجار يساومه على صناعة مكتبة في هذا الفراغ، هذا اسمه بيع الاستصناع، هذا بيع المعدوم خلاف الشرع، لكن العرف أقره، لأنه لا يوجد حل ثاني لابد من أن تأتي بنجار وأن يصنع لك خزانة في هذا العرض النادر وهذا الطول الطويل فهذا عرف بيع الاستصناع، لكنه لا يتأذى منه أحد، نطالب النجار أن الخشب من نوع كذا والمسكات من نوع كذا والتفاصيل...نضع سعر ونتفق، يصنعها، هذا أيضاً من العرف.
الزوجة أحياناً لا يسمح للزوج أن يمشي معها إلا بعد العرس مع أنه من يوم العقد أصبحت زوجته، زوجته بكل معاني الكلمة، ولو خلا بها ولو دخل بها إلى بيت فارغ هذه زوجته، العقد أبرم وصار في إيجاب وقبول، ومهر وشاهدين لكن العرف لا يسمح للزوج أن يسافر بزوجته قبل الدخول، هذا عرف.
كل ما يقدم للزوجة أثناء الخطبة هذا هدايا وليست من المهر، هذا عرف، المهر يدفع دفعةً واحدة أو يدفع على شكل أثاث، أما جاءها بقطعة ذهب، بثياب، عطورات، هذه كلها هدايا، العرف ما تعارف الناس عليه، قلت قبل قليل يوجد أعراف عملية ويوجد أعراف قولية يوجد أعراف عامة ويوجد أعراف خاصة، أنا أقول لكم لكل أسرة أعراف خاصة، يوجد أكلات خاصة للأسرة، في طريقة للأب في تربية أبنائه، عادات خاصة هذا عرف خاص، لكل قرية عرف خاص لكل بلدة عرف خاص، ويوجد أعراف عامة ويوجد أعراف عملية ويوجد أعراف قولية.
إذا ولد المولود هناك طعام معين، إذا ظهروا أسنان الطفل يوجد طعام معين وهكذا هذا كله من الأعراف، نحن ما علاقتنا بهذا الدرس ؟ علاقة الأعراف بالضرورات، العرف الفاسد، تعارف الناس الآن على أن التصوير من لوازم الأعراس، مئتا امرأة كاسية عارية بأبهى زينة يأتي رجل يصور هذا العرس، هذا عرف صار الآن ويجب هذا العرف أن نضعه تحت أقدامنا، عرف فاسد، إيداع المال في البنوك وأخذ فوائد عرف فاسد، يوجد اختلاطات، احتفالات، يقول لك إذا مطعم خمس نجوم لا بد أن يكون خمر، من قال هذا: الأعراف، هذا المطعم خمس نجوم إذاً لابد من أن يكون خمر وإلا لا يعطى الترخيص بخمس نجوم يعطى ثلاث نجوم.
يوجد عرف التصوير بالحفلات، والاختلاط، الربا، الفوائد هذه كلها أعراف فاسدة ينبغي أن تسحق تحت أقدامنا، نحن إذا تحدثنا عن العرف تحدثنا عن عرف يتوافق مع الشرع، إذا تحدثنا عن عرف تحدثنا عن عرف يتوافق مع الشرع لا يصادم نصاً، أما حينما يتعارض العرف مع أحكام ديننا لا نعبأ به ولا نقيم له وزناً، وأكثر شيء واضح الأزياء هذه أعراف الأزياء إذا أظهرت مفاتن المرأة، أظهرت حجم أعضاءها، أظهرت لون أعضاءها، أظهرت مفاتنها الخفية، هذه أزياء أعراف لكن تحت أقدامنا، المؤمن الصادق الآن دخلنا في بداية الدرس لا يأخذ بالعرف إلا إذا كان وفق منهج الله، من أعرافنا إذا تم زواج وصارت حفلة لا يوجد فيها منكرات رجال مديح رسول الله، تقدم ضيافة، تلقى كلمات هذا عرف على العين والرأس لا يوجد ولا معصية نلبي هذه الدعوة، اختلاط لا يوجد، خمور لا يوجد، نساء، غناء، لا يوجد ولكن يوجد مديح لرسول الله وضيافة، وشيء يلقى حول الزواج وحول سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الأعراف ولكنها مقبولة.
أما لو كان عقد قران مختلط في فندق خمس نجوم، توزع فيه الخمور ويؤتى بالراقصات، هذا عرف أيضاً لكن هذا عرف نركله بقدمنا، المؤمن صار عنده أعراف طاب الناس أن يفعلوه في كل البلاد عام، وفي بلد خاص خاص، عملاً أو قولاً، هذا العرف.
ما وافق منهج الله على العين والرأس، وما خالف منهج الله عز وجل لا نعبأ به، ولا نأخذ به، ولا نقيم له وزناً بل نحاربه أشد محاربة، أنا أقول لكم كلمة: الأخ الكريم الذي يسمح لزوجته أن تذهب إلى عرس فيه تصوير هذا الأخ يرتكب أكبر معصية، لأن هذه الزوجة لا بد من أن ترتدي أجمل الثياب، لا بد أن تدعى في هذا العرس إلى خلع ثيابها الخارجية ويأتي المصور فيصور، وقد يطبع من هذا الفيلم مئات وكل رجل في البيت يرى هذا الفيلم، من هذه؟ هذه زوجة فلان، هي في الطريق محجبة، تفضح في الفيلم أعوذ بالله، هذه الأعراس تحت أقدامنا لذلك بالأعراس ترى الشاب مؤمن طاهر، مستقيم، تربية مسجد يقال يجب أن ينصمد أمام العروس مع المدعوات جميعاً، هذا كله خلاف الشرع أمامه، مئتا امرأة، كاسيات عاريات ينظر إليهن وكل واحدة شكل، وهو شاب مؤمن طاهر، حافظ كتاب الله، ما هذا الكلام نحن مقياسنا الشرع، كل من ترك ميزان الشريعة من يده لحظةً هلك، احتفال لا يوجد فيه معصية لا مانع ولو كان احتفال نساء، اجتمع النساء وذكرن الله عز وجل وسمعن مولد رسول الله ووزعت الحلوى وألقيت كلمة، هذا عرس إسلامي راقي جداً، الإسلام ليس ضد الحفلات، لكن ضد المعاصي والآثام.
العلماء قالوا العرف الذي يمكن أن يؤخذ به في الشرع أولاً له شروط، الشرط الأول: أن لا يعارض نصاً شرعياً في القرآن أو في السنة، والشرط الثاني: أن يكون مضطرباً، غالباً، متسماً العمل به في جميع الحوادث، أو يجري العمل به في أغلب الوقائع، لذلك العرف شيء والإجماع شيء.
الإجماع علماء الأمة اجتمعوا وقرروا، أما العرف عمل عفوي مشترك لا يوجد اجتماع، الإجماع أقوى بكثير من العرف، الإجماع مجتهدوا الأمة اجتمعوا وقرروا، أما العرف مجموعة من الناس فعلوا شيئاً مشتركاً فصار عرفاً لهم.
طبعاً أيها الأخوة الأعراف في بعض التشريعات الوضعية لها قيمة كبيرة، وهنا الخطأ الكبير، إذا شاع الشذوذ في بريطانيا عرف سيء يصدر قانون بإباحته، إذا شاعت المخدرات في هولندا تأتي الدولة وتوزع على المدمنين المخدرات، هذه مشكلة كبيرة جداً مشكلة خطيرة جداً، تشريع تابع للواقع، ما تعارف الناس عليه ولو أنه خطير يأتي التشريع الوضعي فيقره، معنى ذلك أن التشريع الوضعي تابع إلى الواقع المنحرف، الإسلام غير ذلك، إذا اتفق الناس على شيء وفق منهج الله لا شيء عليهم، أما إذا اتفقوا على شيء خلاف منهج الله هذا الشيء مرفوض، عظمة هذا الدين ليس العرف في الإسلام دليلاً شرعياً مستقيماً، دليل شرعي إذا اتفق مع حكم شرعي، إذا وافق حكماً فقهياً وافق أمراً تشريعياً نقبله، أما إذا خالف نرفضه.
سيدنا ابن مسعود يقول: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسناً، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء، أخذ هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة لذلك ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء، لكن أقف عند كلمة، ما رآه المسلمون الملتزمون، الصادقون، أما الآن يوجد مسلمون يرون ارتياد الفنادق في أعياد الميلاد شيئاً حسناً، المقصود المسلم الصادق الملتزم، أما المسلم المتفلت رؤيته معكوسة، ونظره سقيم.
العلماء قالوا الثابت بالعرف كالثابت بالنص، الآن يوجد عرف في الحقل التجاري، أي إنسان عنده موظف أراد أن ينهي خدمته، عليه أن يعطيه عن كل عام راتب شهر، عرف، وهذا العرف جيد لا شيء فيه وليس له وجه، ولكن هذا عرف إنسان أنهيت له خدمته إلى أن يجد عملاً لابد له من مبلغ يعيش منه هذا المبلغ هو التعويض.
الثابت بالعرف كالثابت بالنص، والعادة محكمة، أي معمول بها، يوجد أحدهم قرأ: العادة محكمة، هي العادة مُحكمة أي تحكم في التشريع العادة التي تتوافق مع الشرع.
الآن يوجد مشكلة هو أنك إذا قرأت عن حكم شرعي قبل مائة عام، ولم تقبله الآن لأن الأعراف تغيرت، أحياناً تبنى الأحكام الشرعية على الأعراف التي لا تخالف التشريعات الإلهية فحينما تتبدل هذه الأعراف تتبدل معها الأحكام، كان قديماً العم والد، والشرع الحكيم حينما لم يعطي الأولاد نصيب أبيهم المتوفى في حياة أبيه، العم حينما أخذ نصيب أخيه هو ملزم بتربية أولاد أخيه ما امتد بهم العمر، أما حينما تقاطع الناس وتدابر وقلت العاطفة بين الأعمام وأولاد الأخ جاء التشريع الوضعي فألزم الناس بالوصية الواجبة، إذا مات الأب في حياة أبيه يأخذ أولاده حصته من الإرث كما لو كان حياً، أولاد الأخ كالأولاد تماماً، الذي يتوفى أخوه الأخ الباقي يربي أولاد أخيه وكأنما أولاده تماماً، الآن يوجد أعمام معهم مئات الملايين وأولاد أخيهم لا يملكون ثمن الطعام ولا يعطونهم شيئاً، وصار في العرف تغيير، الآن أضع بين أيديكم بعض الأحكام الشرعية التي لها علاقة بالأعراف.
أحياناً يوجد فواكه وخضراوات تنضج تباعاً، واحد مثل ضمن حقل بطيخ، والبطيخ ينبت خلال تسعين يوم وكل يوم الإنسان يستطيع أن يجني ما يملأ سيارة فرضاً، كيف يبيع هذا البطيخ ؟ النبي اشترط أن لا تبيع الثمر إلا إذا مضى صلاحه، إذا تم نضجه، يوجد ثمار يتلاحق نضجها، بعض الخضراوات يتلاحق نضجها، العرف أن تباع دفعة واحدة تُضمن.
إذاً هذا استثناء من القاعدة العرف يقتضي ذلك، يوجد فواكه وخضراوات تنضج تباعاً، فإذا حكمنا النص الشرعي أنه لا يجوز أن تبيع شيئاً حتى يمضي صلاحه امتنع بيع هذا الحقل، مثلاً حقل البندورة لأنه ينضج تباعاً، هذه حالة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أن تباع ثمرة حتى تنضج.
عقود الاستصناع عقود على أشياء معدومة، عقود الإيجار الإيجار تملكت منفعة، ما تملكت البيت، أعطيت الأجرة سلفاً مقابل أي شيء ؟ المعاطاة عقد بيع من دون إيجاب وقبول، بيع السنم شيء لم يظهر بعد القمح لم ينبت، تشتري صوف لم ينبت على ظهر الماشية، عقد بيع السنم وعقد الإيجار، وعقد الاستصناع وبيع المعاطاة، إنسان دخل حمام دفع أجرة خمسين ليرة، هل يا ترى كم له أن يبقى في الحمام ؟ لا يوجد شرط، كم له أن يستخدم من المياه لا يوجد شرط، يوجد جهالة في الشروط، لا ذكر كم من الوقت سيبقى.
أيام إنسان يجلس في مكان يا ترى يجب أن يجلس نصف ساعة، ساعة لا يوجد تحديد هذا كله خلاف قواعد الشرع الصارمة، هذا أيضاً من العرف، أحياناً تستأجر إنسان بطعامه، الطعام فيه جهالة، ماذا سوف تطعمه ؟ هذا وارد في عرف، الطعام له وجبة لا تقل عن حد معين، ولا تزيد عن حد معين.
وأوضح مثل بيع المعاطاة كما ذكرت قبل قليل، لا يوجد إيجاب وقبول ولا يوجد شاهدين، ولا يوجد بعتك وبعتني وقبلت، تدفع المبلغ وتأخذ الحاجة وتأكلها وتمشي، تدفع المبلغ وتشرب الكأس وتمشي، أحياناً أنت تشتري حاجة تقال لك معها كفالة سنة، النبي قال: لا بيع وشرط يشترط في شراء هذه الحاجة أن تضمن الشركة المنتجة أن تقدم كفالة سنة، السيارات يعطون كفالة سنتين أو خمسين ألف، دون خمسين ألف كيلو متر مضمون تصليحها على حساب الشركة أو سنتين، هذا صار بيع وشرط وصار منافسة في البيع، فهذه الشركة تقدم ضمانة للمشتري أن أي عطل يصيب المركبة دون السنتين أو دون الخمسين ألف على حساب الشركة، هذا عرف جرى به الشرع مقبول.
أحياناً تشتري قماش ليخيطه لك الخياط صار بيع وشرط، تشتري طحين ليطحنه لك الطحان، تشتري طحين ليخبزه لك الخباز، فإذا اشتريت شيئاً واشترط خبزه أو خياطته أو طحنه هذا صار بيع وشرط أما العرف مقبول، هذه الأعراف التي تجيز مخالفة الأحكام الفقهية، نحن عندنا قاعدة أساسية في الفقه: لا يجوز أن تأخذ أجراً على طاعة ولا على واجب، أنت حينما تقرأ القرآن أو تعلم القرآن هذا واجب وكون النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( عَنْ عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
أما عملياً نحن عندنا مثلاً، مليون ونصف طالب في القطر الإعدادي والثانوي، أو مليونين طالب، فإذا ألزمنا مثلاً كل خمسين طالب يحتاجون إلى أستاذ تحتاج إلى خمس مائة أستاذ ديانة، هل معقول أن نلزم خمس مائة إنسان يداومون ستة أيام في الأسبوع وكل يوم ست ساعات لوجه الله تعالى ؟ الآن ليس معقول هذا يجب أن يأكل، يتزوج وأن يسكن في بيت، لذلك ينصرف عن التعليم إلى صنعة يبقى الطلاب بلا دين، بلا فقه، لذلك الآن الأعراف تقتضي تعطي راتباً على من يعلم القرآن في المدارس، نحن عندنا شيء اسمه مدرس تربية إسلامية يتعين يحمل شهادة في الشريعة، يتقاضى راتب خلال حياته، أما هو بحسب الأحكام الفقهية، لا يجوز أن تتقاضى أجراً على أداء شيء أمرك به الشرع، والله أمرك أن تعلم القرآن.
المؤذن، فرغنا إنسان خمس أوقات، لو قلت له لا يجوز أن تأخذ على الآذان أجراً يقول لك من أين أكل، إذاً يجوز أن نعطي للمؤذن والإمام وكل من يعمل في الحقل الديني راتب يكفيه مؤونة التفرغ.
شيء آخر أيضاً، تجهيز الميت ودفنه هذا عمل تطوعي يفعله فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الجميع، ممكن أن تكلف الآن إنسان من بيت إلى بيت وعندنا في الشام ثمانين جنازة في اليوم، من بيت إلى بيت يغسل ويجهز ويكفن ويدفن لوجه الله ؟ ليس مقبولة الآن لا بد من موظف لدفن الموتى، موظف مغسل، موظف مؤذن.
أحياناً بيع العربون منهي عنه، أحياناً يكون هناك ضرر ثابت، أنت يمكن أن تحصل الضرر من هذا العربون، أما أن تأخذه بلا ضرر لا يجوز، النبي قال:

(( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ ))
أحياناً يمكن أن يحصل اختلاف في أسعار المحاصيل الكبيرة، يحددون يوم، على أي سعر استقر هذا الشيء يكون أساس الحساب، أيضاً هذا وفق العرف، أنا أتيكم بأمثلة كثيرة كيف أن مصلحة المسلمين استقرت على هذا الشيء، المصلحة استقرت والناس يفعلونه حلاً لمشكلة قائمة، إذاً يمكن أن تستنبط الأحكام الشرعية الاستثنائية من الأعراف، أما محور الدرس وأساس الدرس أن كل شيء يؤخذ من العرف لا بد أن يكون موافق الشرع، يعني وإن لم يكون موافق لا يصدم نصاً، ويوجد شيء الشرع لم يذكره لا إيجاباً ولا سلباً، الأصل في الأشياء الإباحة أيام الناس يجتمعون يدفع كل واحد ألف في الشهر ويعطونها للواحد، ثاني شهر بالقرعة.
أحياناً يجتمعون عشرة يدفع كل واحد ألف بالقرعة كل شهر يأخذ العشرة آلاف واحد، هذه الشرع لم يذكرها لا إيجاباً ولا سلباً، لا يوجد فيها شيء عرف لا أحد دفع شيء وزيادة ولا أحد خسر لا يوجد يانصيب انتفع بها وحل مشكلته بها، لذلك الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة يوجد أفعال كثيرة الأصل فيها الإباحة لا يحرم شيء إلا بنص، نحن الآن يوجد عندنا في البيع والشراء، بقطف الثمار، بتظليل الثمار مناحي كثيرة الأعراف هي في الحقيقة حل لمشكلة، حل جماعي مقبول وهو لا يصادم نصاً ولا يعارض أمراً، ولا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، إذاً مقبول العرف، فصار العرف نوع من الضرورات التي تبيح المحظورات.
يعني ضرورة جماعية المجتمع حلها على نحو لا يخالف فيه الشرع إذاً تؤخذ هذه حجةً وعذراً في مخالفات المحظورات، أحياناً الإنسان يبيع سيارة ويتفقان على الثمن ويقبض ثمن السيارة ويشترط أن تبقى معه شهراً في الصيف، إلى أن ينتهي الصيف ممكن وهو لا بيع وشرط لكن تقتضي المصالح إنسان يريد أن يسافر بعد شهر ويريد أن يبيع سيارته وإنسان أعجبته السيارة واشتراها بثمن معقول فقال له: أريد أن تبقى معي حتى أسافر، لا يوجد مانع، يوجد أشياء كثيرة يفعلها الناس بحكم العادة والعرف وهذه الأشياء لا تصادم نصاً ولا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، وتعد هذه من المحظورات والضرورات التي تبيح المحظورات.
والعادة محكمة، والمسلمون عند شروطهم، والعرف إذا رأى الناس شيئاً حسناً أقره الله عليهم الناس جميعاً من المسلمون وإذا رأى المسلمون شيئاً قبيحاً أقره الله عليهم، وهذا العرف يوجد آيات كثيرة تؤكد هذا العرف، قال تعالى:

﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
( سورة البقرة (233))
بالعرف يعني، العرف ورد في القرآن الكريم في حالات كثيرة، بالمعروف أي بما تعارف الناس عليه، يقول لك هل يوجد على الحلي زكاة ؟ هو الجواب الحلي المعد للاستعمال بحجم تعارف الناس عليه بأنه حلي، امرأة عندها أسواره وقرط وعقد مثلاً هذا معروف، أما عشرين جنزير هذه ليست حلي صار مال، الحلي التي تعارف الناس على أن هذه الحلي بحجم معتدل يصلح للاستعمال هذا معفى من الزكاة عند بعض المذاهب.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون قد نفعنا من هذا الدرس، لأنه كلنا جميعاً محاطون بأعراف وتقاليد، والإنسان أيام يضعف أمام قوة المجتمع وأمام ضغط الأعراف والتقاليد، فالمؤمن عنده ميزان أي عرف أو تقليد خالف منهج الله عز وجل يرفضه ولا يعبأ بكلام الناس النبي دعي إلى حلف الفضول وأثنى عليه ثناءً كبيراً، صار في اتفاق على أن ينصر المظلوم ويعطى كل ذي صاحب حق حقه، هذا في الجاهلية، قال: إذا دعيت إلى مثله لأجبت، اللهم صلي عليه.
أنت لا تكون بعيد عن المجتمع، إذا يوجد اتفاق تعاون سكني، سكن تعاوني لا يوجد فيه ربا، لا يوجد مانع، إذا يوجد اتفاق أن يصير حل لمشكلة، الناس اجتمعوا كل شيء لا يعارض نص شرعي ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لا يوجد مانع، دائماً مقياسك الشرع.
كل من ترك ميزان الشريعة من يده لحظةً هلك، الشرع ميزان، أيام في الولادة يوجد أعراف كثيرة، يجب أن نضيف، كراوية، لا يوجد مانع مادة جيدة، هذه لا تحل حراماً، مادة مسموحة، والضيافة واردة وإطعام الطعام وارد، أما يوجد أعراف في الولادة، والزواج، والطلاق، والحياة والموت، وفي السفر هذه الأعراف مقياسها الشرع لا نخالف الشرع ولا نحل حراماً، ولا نحرم حلالاً لا يوجد مانع، أما تصادم الشرع يجب أن نقف موقف شديد منها.
أساس الأعراف حل لمشكلة، حل جماعي، فالشرع عدّ العرف مصدراً تشريعياً، العادة محكمة والمسلمون إذا رأوا شيئاً حسناً استحسنه الشرع.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:26 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 018 :الضرورات تبيح المحظورات (7) : السفر - المرض - النقص الطبيعي .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-11-02
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: لازلنا في موضوع الضرورات ولا زلنا في أن هذا الموضوع تداول بين أيدي الناس إلى درجة أن الناس فهموا الضرورات على عكس ما أرادها الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه القاعدة الأصولية إلى أن الضرورات تبيح المحظورات، قاعدة دقيقة جداً مقيدة بشروط كثيرة.
وتحدثنا في دروس سابقة عن عموم البلوى وعن الحالات التي تكون فيها الضرورات مبيحةً إلى المحظورات، واليوم ننتقل إلى السفر وإلى المرض وإلى النقص الطبيعي، وهذه أسباب توجب تخفيف التكاليف.
السفر أيها الأخوة قطع مسافة بمعناه المطلق أو بمعناه الشرعي، أن تخرج من بلدتك لتقصد بلدة أخرى، السفر نوعان: سفر قصير، وسفر طويل، السفر الطويل مسيرة ثلاثة أيام فأكثر، لسير الإبل ومشي الأقدام وتقدر بعشرين ساعة، أو بست وثمانين كيلومتر عند الإمام أبي حنيفة وتقدر بست وتسعين كيلو متر عند الإمام الشافعي، يعني ليس هناك سفر يبيح لك تخفيف التكاليف إلا إذا كان زيادة عن ست وثمانين كيلو متر عند أبي حنيفة، وعن ست وتسعين كيلو متر عند الشافعية.
أيها الأخوة الكرام: السفر هناك تكاليف كثيرة تخفف أو تسقط، من هذه التكاليف أولاً قصر الصلاة، يجوز أن تقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، تصلي سنة الفجر وفرضه وتصلي الظهر والعصر ركعتين ركعتين، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، والوتر عند من عده واجباً لا ينقص، وعند من عده سنة يلغى.
أولاً شيء آخر في تخفيف تكاليف السفر أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم وهناك مفاسد كثيرة تتأتى من سفر المرأة وحدها، وقصص كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى سببها أن المرأة إذا كانت في سفر مطموع بها، والسفر كما قال العلماء أخية.
ولذلك الرأي الراجح أنه لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولهذا الحكم تفاصيل كثيرة، نأتي على ذكرها إن شاء الله، شيء آخر للمسافر أن يفطر في رمضان وهذا الإفطار تخفيف للتكاليف، لكن قد يقول قائل هذا السفر ليس شاقاً، الحقيقة أن السفر وحده علة للإفطار، فلو جعلنا المشقة علةً، البعد عن المشقة حكمة الإفطار في السفر والحكمة شيء والعلة شيء آخر.
العلة مضبوطة، أما الحكمة ليست مضبوطة، فلو جعلنا المشقة في السفر علة الإفطار لوجدنا أنفسنا أمام متاهات، كل إنسان له جسم معين وله قدرات على التحمل معينة، لَدَخل الناس في متاهات لا تنتهي، المفروض أن السفر وحده علة، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾
( سورة البقرة )
شيء آخر هو أن السفر كما تعلمون له حالات كثيرة أرقى حالات السفر أن تجاهد في سبيل الله، وكلمة جهاد يفهمها الناس فهماً متفاوتاً تفاوتاً كبيراً جداً، والحقيقة كما ورد في السنة الصحيحة، وكما ورد في صحيح البخاري، أفضل أنواع السفر أن تجاهد نفسك وهواك.
هذا شيء ورد في الصحاح لأن المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، المهزوم أمام نفسه هذا إنسان ساقط لا يستطيع أن يفعل شيئاً، قبل أن تفكر بالطرف الآخر عليك أن تضمن أنك جاهدت نفسك وهواك.
((أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك ))
وقد ورد عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم:

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى ))
يمكن أن نقف وقفة متأنيةً عند هذا الحديث، الإنسان حينما يحمل نفسه على طاعة الله، هو يجاهد نفسه وهواه، حينما يحمل نفسه على الكسب الحلال، حينما يركل بقدمه الدخل الكبير إذا كان فيه شبهة ويأخذ القليل إذا كان حلالاً يرضي الله عز وجل، هو يجاهد نفسه وهواه حينما يضبط جوارحه وهواه وفق منهج الله هذا يجاهد نفسه وهواه، حينما يضبط لسانه يجاهد نفسه وهواه، حينما يتقن عبادة ربه كيف يصل نفسه إلى الله هذا يجاهد نفسه وهواه.
يجب أن تعلموا أن كلمة الجهاد إذا وردت تعني أشياء ثلاث، تعني الجهاد جهاد النفس والهوى، وتعني الجهاد الدعوي وتعني الجهاد القتالي، أما هناك أشخاص كلما ذكر كلمة الجهاد هذه الكلمة لا تنصرف عنده إلا إلى القتال، مع أنها جزء من الجهاد وجزء متأخر، جزء لا بد من أن تسبقه الأجزاء الأولى والثانية.
معقول إنسان قام جنباً لعلاقة فيها معصية ليصلي قيام الليل مباشرةً هذا مثل حاد، قام جنباً من معصية فاحشةً ليصلي قيام الليل هذا شيء مستحيل، لا بد من توبة، لا بد من طهارة، لا بد من استقامة، فأن تقول أنا سوف أهتم بالطرف الآخر، هل أنت منتصر على نفسك ؟ هل استطعت أن تحمل نفسك على طاعة الله، حتى تقول أنا سوف ألتفت إلى الطرف الآخر لذلك وهذا شيء مؤكد في الصحاح أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك.
إنك إن انتصرت على نفسك أنت مؤهل الآن أن تفكر في الطرف الآخر كيف سأهديه إلى الله، كيف سآخذ بيده.
أيها الأخوة الكرام: أنا أقول لكم شاع في هذه الأيام شيء اسمه إسلام صالونات، يعني المذاهب الوضعية كلها سقطت في الوحل، لم يبق إلا الدين، لم تبق حقيقة صامدة متألقة أمام الفكر البشري إلا حقيقة الدين، فصار أن تتكلم في الدين شيء يرفع من شأنك، أن تكون إسلامياً أو أن يكون لك فكر إسلامي، أو عاطفة إسلامية، أو لك مناقشات إسلامية، أو أن تخوض في موضوعات تمس المسلمين، هذا يرفع مقامك بين الناس وهذا يجعلك تتصدر المجالس، هذا الإسلام المنفصل عن الالتزام لا يقدم ولا يؤخر، أنا أعجبتني هذه التسمية إسلام صالونات، الإنسان يجلس ويتكلم في الإسلام وكأنه قطب الرحى، وكأنه محور العالم، ما الذي ينبغي أن يكون بديل هذا الإسلام إسلام الصالونات ؟ إسلام جهاد النفس والهوى، والحقيقة الإنسان لا ينشد إلا إذا مسلم أمامه، أنا كنت أقول أن مهمة القدوة خطيرة جداً في حياة المسلمين، لأن الإسلام بلا قدوة أفكار، والأفكار ما أكثرها وما أكثر تنوعها، وما أكثر تألقها أما الذي ينتقل بنا من عالم الفكر إلى عالم الواقع هو المثل الأعلى، وقالوا دائماً المثل الأعلى فكر يتحرك.
كنت أقول لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، أن الكون قرآن صامت، وأن القرآن كون صامت، الذي يشدنا إلى الدين أن ترى رجلاً مسلم في حديثه في حركاته، في سكناته، في علاقاته، في تجارته، في بيعه، في شرائه، في وظيفته، الآن المسلمون في أشد الحاجة لا إلى فكر إسلامي، لا إلى ثقافة إسلامية، هم في أشد الحاجة إلى مسلم، يعطيك الحقيقة مع البرهان عليها، البرهان عليها واقع المسلم.
كنت أقول لكم سابقاً، النبي عليه الصلاة والسلام له مهمتان كبيرتان، الأولى مهمة التبليغ لكن المهمة الخطيرة جداً جداً هي مهمة القدوة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعله الله قدوةً لنا، وأسوةً حسنة، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾
( سورة الأحزاب )
النبي ذاق الفقر وصبر، وذاق الغنى فأعطى، وذاق القهر فاستسلم إلى الله عز وجل، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وذاق النصر فتواضع، ذاق موت الولد وذاق مشكلة الزوجة أن يقال عنها زانية، وذاق الهجرة، وذاق تطليق بناته، فيما أذكر ما من حدث يصيب الإنسان إلا أصيب به النبي عليه الصلاة والسلام، فوقف الموقف الكامل فإذاً نحن نحتاج إلى شخص مسلم.
الآن يوجد فكرة دقيقة وهي أن القدوة إذا كانت من عصر بعيد جيدة ولها أثر كبير، ولكن قد يقول واحد من الناس هذا الإنسان الذي نقتدي به كصحابي جليل أو عالم كبير، هذا لن يعش حياتنا هذه، ولن يعش ظروفنا، لن يعش الضغوط التي نتحملها، لن يعش الإغراءات، لن يعش العقبات، أقول لكم أيها الأخوة أن ترى إنساناً مسلماً يعيش معك في الظروف نفسها في المعطيات نفسها، في الضغوط نفسها، في الإغراءات نفسها مع العقبات نفسها، هذا شيء يقدم أكبر دليل فإذا أردت أن يدخل الناس في دين الله أفواجا فكن مسلماً، مسلماً صادقاً.
ماذا قال أصحاب النبي عن رسول الله ؟ قال: حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، أصول الأخلاق أن تكون صادقاً وأن تكون أميناً.
حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك ))
والحديث الآخر الذي يرويه معظم الناس:

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى.))
هذا الجهاد جهاد النفس والهوى يعد أعلى أنواع الجهاد هو الجهاد الذي لا بد منه هو فرض عين على كل مسلم، لذلك تراجع المسلمون بسبب أنهم لم يجاهدوا أنفسهم وأهواءهم، تراجع المسلمين وبقي الإسلام في الكتب، في المحاضرات، في ما بين ثنيات المكتبات.
أما الإسلام إذا طبق في الحياة، لانتصرت الحياة، هذه واحدة، نحن ذكرنا الجهاد، هناك جهاد النفس والهوى، وهناك جهاد دعوي، جهاد النفس والهوى أيها الأخوة هذا الذي نعول عليه لا بد منه، الممر الذي لا بد منه أن تجاهد نفسك وهواك، من يمنعك أن تغض بصرك عن محارم الله، من يمنعك أن تضبط لسانك، من يمنعك أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً، من يمنعك أن تقيم الإسلام في بيتك، من يمنعك أن تقيمه في عملك، من يمنعك أن تكون صادقاً، من يمنعك أن تكون أميناً من يمنعك أن تكون عفيفاً، شيء متاح لنا جميعاً، ربنا هو هو رب الصحابة الذي أكرمهم وأعطاهم يكرمنا ويعطينا، الذي حفظهم ونصرهم يحفظنا وينصرنا.
أهم شيء جهاد النفس والهوى، هذا هو المعول عليه، كنت أذكر في بعض الخطب اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، فأول فقرة في الجهاد فقرة جهاد النفس والهوى، الإنسان مجموعة أهواء، مجموعة ميول، مجموعة رغبات، يوجد منهج، حينما يُؤثر طاعة الله على رغباته، ونفسه وأهواءه فهو عند الله عظيم ولنا عودة إلى هذا الموضوع.
الجهاد الثاني أيها الأخوة هو الجهاد الدعوي، وأنا أتيكم بالأدلة من الكتاب والسنة، يكفينا قوله تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾
( سورة الفرقان )
أجمع علماء التفسير على أن الهاء في كلمة به تعود على القرآن الكريم خالق الكون سمى هذا جهاداً كبيراً، حتى الجهاد القتالي هدفه نشر الدين هدفه نشر الحق بين الناس، فإذا أتيح لك أن تنشره هذا هو المطلوب من يمنعك أن تقرأ القرآن وأن تفهم القرآن وأن تفهم دقائق القرآن، وأن تفهم حلال القرآن والحرام وما ينبغي وما لا ينبغي، من يمنعك أن تعرف حدود الله في كتاب الله، من يمنعك أن تكون مطبقاً للقرآن الكريم ؟ هذا هو الجهاد الدعوي.
قلت لكم سابقاً الجهاد الدعوي فرض عين، أنت لماذا تصلي ؟ لأن الله فرض عليك الصلاة، لماذا تصوم رمضان ؟ لأنه فرض عليك الصيام وكما أن الله فرض عليك الصلاة والصيام فرض عليك أن تدعو إلى الله على بصيرة، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
( سورة يوسف )
فإن لم تدعو على بصيرة فلست متبع لرسول الله، أيها الأخوة حديث خطير جداً.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ ))
إذا ما فكرت أبداً أن تهدي إنساناً، ما فكرت أبداً أن تغض بصرك، ما فكرت أبداً أن تضبط لسانك، ما فكرت أبداً أن تضبط دخلك وإنفاقك، ما فكرت أبداً أن تقيم الإسلام في بيتك، ما فكرت أن تدعو إلى الله، أن تدعو أحداً.
أيها الأخوة: كما تعلمون.

(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ذُرْوَةُ سَنَامِ الإسْلامِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))
يعني أعلى شيء في الإسلام أن تجاهد نفسك وهواك، إذا جاهدت نفسك وهواك تنتقل إلى الجهاد الدعوي الذي هو فرض عين، في حدود ما تعلم ومع من تعرف.
أيها الأخوة: أقول لكم لا من هواء بل من أرضية صلبة، كم من أخ كريم في أي مكان بأخلاقه الرضية، واستقامته، وعفته، وصدقه، وأمانته، ومنطقه السديد، وأخلاقه الرضية، التف الناس حوله في العمل في الحي، الأقرباء، الأصدقاء، الآن إذا تكلم كلمةً طيبة، ذكرت في الخطبة أن الكلمة الطيبة، كلمة الحب، والكلمة الطيبة كلمة العلم، والكلمة الطيبة كلمة النصيحة، والكلمة الطيبة كلمة التوجيه، سماها الله طيبة والمطلق على إطلاقه، لأن النفس تطيب بها.
والأنبياء جاؤوا بالكلمة، والكلمة لها فعل خطير، المخترعون والعلماء والتكنولوجيون جاؤوا بالمخترعات والأجهزة الإلكترونية والأجهزة المدهشة، لكن الإنسان هو الإنسان، بينما الأنبياء الكرام جاؤوا بالكلمة الطيبة، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾
( سورة إبراهيم )
أنا أردت من هذا الدرس الذي دخلت فيه في موضوع المرض وموضوع السفر، وموضوع النقص الطبيعي، أردت أن أصل إلى أن كل واحد منكم مفروض عليه أن يكون داعية إلى الله، ذكرت في صلاة الفجر أكبر قطر إسلامي يساوي سكانه الأمة العربية بأكملها فتح عن طريق التجار، عن طريق المعاملة، لا عن طريق السيف والسنان، فكل واحد يجب أن يكون أمة، أنا أحثكم وأحث نفسي على أن يخرج الإنسان من ذاته، إلى هداية الخلق إنها أعلى صنعة صنعة الأنبياء، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾
( سورة فصلت )
جهاد النفس والهوى متاح لنا جميعاً، تستطيع أن تفعله بكل حرية دون أن تجد أي عقبة، والجهاد الدعوي تعلم القرآن وعلمه وانتهى الأمر تستطيع أن تعلم، وأقول لكم من باب التحذير أن كل إنسان لن يحدث نفسه لا بجهاد النفس والهوى ولا بجهاد الدعوة يموت على شعبة من النفاق، وأنا لا أصدق أبداً أن حقيقة الإيمان تستقر في نفس الإنسان ولا تعبر عن ذاتها بدعوة إلى الله، مستحيل، مؤمن صامت لا يوجد، مؤمن منسحب من المجتمع لا يوجد، مؤمن يائس لا، بل إن الدعوة إلى الله تكفل الله لها بالنصر، لأن هذا الدين دينه، قال تعالى:

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾
( سورة غافر )
هذا كلام الله، زوال الكون أهون عند الله من أن لا ينفذ هذا الكلام، فنحن فضلاً عن الثقافة الدينية، أنا ذكرت قبل أسبوع أن الإنسان لا يتفوق في الدين بحجم ثقافته الدينية ولا بحجم عواطفه الجياشة، ولا بحجم المظاهر الدينية التي يحيط نفسه بها، ولكن يتفوق بالدين عندما يلتزم أمر الله ونهيه، ذكرت هذا الموضوع بشكل مختصر في مسجد آخر وبعض الأخوة تمنوا علي أن أوسعه في يوم الأحد، جهاد النفس والهوى، الجهاد الدعوي ونرجو الله سبحانه وتعالى في المستقبل أن يتيح لنا أن نجاهد اليهود الذين يتحدون هذه الأمة، هذا الجهاد القتالي إن شاء الله يسمح الله لنا به في وقت لاحق أما الآن مهمتنا جهاد النفس والهوى لنستحق أن ينصرنا الله على أعدائنا.
جهاد الدعوة، أنت قد تستغرب هذه المدينة الطيبة الطاهرة فيها ستة ملايين، من يرتاد المساجد يوم الجمعة ؟ خمس مائة ألف فقط، أمامك مهمة كبيرة جداً، هناك أناس كثيرون شاردون عن الله، هناك أناس كثيرون لا يصلون، هناك أناس كثيرون لا يعرفون الله أبداً، فنحن مهمتنا أن نوسع دائرة المعرفة ولكن نحتاج إلى حكمة بالغة، الذي يدعو إلى الله يحتاج إلى فهم عميق، إلى نفس تتسامح مع الآخرين، إلى أخلاق تشد الناس إليها، ذكرت لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عنه:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾
( سورة آل عمران )
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد لنت لهم، لينك لين رحمة وليس لين ضعف، أيام الإنسان البعيد عن الدين يلتبس عليه الأمر يرى الرحمة ضعفاً، الرحمة غير الضعف، إن أردت أن يلتف الناس حولك فكن رحيماً، رحمة عن طريق الاتصال بالله عز وجل.
أخوانا الكرام: لازلت في هذا الموضوع الخطير، الجهاد الدعوي يجب أن تحدث نفسك أن تهدي إنساناً، تعلّم وعلّم، الملاحظ أن الإنسان إذا حضر مجلس علم ولا ينوي إطلاقاً أن ينقل هذا الدرس للآخرين قد يستمتع بالدرس فقط، لكن هذا الإنسان لا يستطيع أن يحفظ هذه المعلومات إلا إذا أراد نقلها للآخرين، الإنسان إذا أمسك بكتاب ليقرأه وليس مكلف أن يقدم به امتحاناً يستمتع به ولكن لا يحفظ منه شيئاً قد يبقى فيه انطباع يتحدث عنه بكلمات قليلة، يقرأ كتاب مئتي صفحة يتحدث عنها بكلمات قليلة، لأنه حينما يقرأ هذا الكتاب لا يفكر أن يؤدي فيه امتحاناً، أما حينما تمسك بالكتاب المقرر تقف عند كل كلمة وعند كل شاردة، وعند كل فكرة، وعند كل تعليق وعند كل شاهد تضع الخط وتلخص لماذا ؟ لأنك مكلف أن تؤدي فيه امتحاناً.
الإنسان إذا فكر أن يدعو إلى الله، وجلس مجلس علم يستوعب، يركز يدقق، يتابع، يراجع، يذاكر، فإذا هذه المعلومات الذي سمعها بالدرس ملكها، وفرق كبير بين أن يستمع الإنسان وبين أن يعي، كل منا يسمع، بل إن الصوت يصل إلى أذان كل الناس، قد يصل صوتاً ولا يصل معنىً، قد يصل معنىً والمعنى لا يعقل فالذي أرجوه من الله تعالى أن الإنسان ترك بيته وترك زوجته وأولاده ولبس ثيابه وجاء إلى مجلس العلم، فإذا صار مجلس العلم عادة من عاداته، إذا كان توجهت إلى المسجد ولم تحدث نفسك بنقل هذه الحقائق للناس، الإنسان يموت على ثلمة من النفاق.
تعلم وعلم، تلقى وألقي، تعلم القرآن وعلمه هذا هو الجهاد الدعوي، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، بل إنها أحد أركان النجاة، والدليل قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
( سورة يوسف )
فالمتبع لرسول الله يدعو إلى الله على بصيرة، مع الدليل والتعليل وأحد أركان النجاة من الخسارة التواصي بالحق، كبار العلماء هؤلاء تبحروا وتعمقوا، أدركوا هؤلاء دعوتهم فرض عين، قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾
( سورة آل عمران )
هذه من للتبعيض، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾
( سورة فصلت )
من تيسر الله للعلم ممكن أخ لا يتقن إلقاء العلم، لا يتقن إقناع الناس لا يتقن نشر الحق، الإنسان إذا أصر على شيء وصل إليه، هذا الأخ عنده شريطين ثلاثة يوزعهم، يناقش الناس فيهم بعد حين جذب الناس.
الآن يوجد دعوة أساسها الشريط ممكن أن توزع شريط معين، تعطي إنسان موضوع علمي تأثرت به، آية تفاعلت معها، خطبة، شدت نفسك إليها، تقول اسمع هذا وناقشني به، هذا الذي أردته في هذا الدرس أن أركز على جهاد الدعوة، الجهاد الدعوي أن تنقل هذه الحقيقة إلى الناس.
هذا الذي يقول: الحمد لله اهتديت ولا علاقة لي بالناس، هذا ما عرف شيئاً، قلت قبل قليل الانسحاب من المجتمع هذا انهزام، أن لا تبالي بالناس، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
فأعلى أنواع السفر سفر الجهاد، ثانيها سفر طلب العلم، ثالثها سفر الفرار بالدين، رابعها سفر كسب الرزق، خامسها سفر السياحة وفق منهج الله، أما سادسها السفر لمعصية، والآن صار يوجد مصطلح سمعته بأذني السياحة الجنسية، يسافر ليزني، لذلك تجد خطوط الطيران إلى شرق آسيا يوم الخميس والجمعة كلها محجوزة في بعض الدول الغنية، هذا سفر إلى المعصية.
الحكم الفقهي في السفر أن الإنسان إذا غلب على ظنه أنه لن يستطيع أن يقيم شعائر الله في السفر صار السفر محرماً، ومن أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله.
لهذا الذي يقيم هناك على نية البقاء إلى آخر حياته، هذا جهده لمن، ثقافته لمن، أولاده ما مصيرهم ؟ شيء مؤلم جداً.
أيها الأخوة: العلماء اختلفوا اختلافاً غريباً في سفر المعصية، كأن يسافر الشخص لقطع الطريق، أو لأخذ المال، أو لقتل الأنفس، أو لقصد قتال المسلمين والتمرد عليهم، أو اللهو المحرم هل يجوز له استعمال الرخص الشرعية ؟ من قصر الصلاة وفطر رمضان وأكل الميتة ونحوها ؟ شيء مضحك إنسان ذهب ليقطع الطريق ذهب ليقاتل المسلمين هل يجوز أن يقصر في الصلاة ؟ أية صلاة هذه.
أيها الأخوة ننتقل إلى المرض الذي هو ضرورة في تخفيف التكاليف ولكن يا أيها الأخوة الأكارم ممنوع أن يقدر الإنسان بنفسه، وسع نفسه لأن الله عز وجل يقول:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾
( سورة البقرة )
فالوسع الذي تتحدث عنه الآية يقدره الله تعالى لا أنت، أنت تقول لا أستطيع، الله عز وجل سمح لك بالسفر أن تقصر الصلاة وسمح لك بالسفر أن تفعل كذا وكذا، أما أن تزيد أنت عليها شيئاً هذا لا يجوز، من رخص المرض: التيمم بالتراب من أجل الصلاة عند وجود مشقة باستعمال الماء، بالمناسبة أيها الأخوة المشقة في الإسلام لا يمكن أن تقصد بذاتها لأن ديننا دين رحمة، دين رفع المشقة، ليس بالإسلام مشقةٌ تقصد بذاتها إطلاقاً أما حينما تفرض علينا من أجل طاعة ربنا محباً بها، فأي عمل فيه مشقة على النفس مفتعلة بإمكانك أن لا تفعلها ينبغي أن لا تفعلها.
من تخفيف تكاليف المرض التيمم بالتراب من أجل الصلاة عند وجود مشقة في استعمال الماء، أو الخوف على النفس، أو العضو، أو زيادة المرض أو بطئ البرء أو حدوث شيء قبيح في العضو، أي مرض يبطئ البرء يحصل تشوه، يصاب بمرض، لك أن تدع الوضوء بالماء إلى التيمم، وفي المرض يجوز القعود في صلاة الفرض، وفي صلاة الجماعة، والإضجاع والصلاة بالإيماء، هذه من رخص المريض.
ومن عذر المريض أنه يجوز التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة مع حصول الفضيلة والثواب المطلوب.
من رحمة الله بنا أن المؤمن المستقيم يكتب له وهو مسافر وكأنه مقيم، يكتب له وهو مريض كأنه صحيح، حينما تخفف عنه التكاليف يبقى ثوابه مقيماً صحيحاً، يوجد رأي أن المريض يصح له الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً عند جماعة من الشافعية، يجوز أن يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر والمغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً للمريض، وجواز الفطر في رمضان مشروعية أن يوصي بحجة بدل، مشروعية أن يرمي عنه أحد الجمار إذا كان ازدحام شديد، مشروعية إباحة المحظورات في الإحرام، كأن يرتدي الثياب المخيطة، مشروعية التداوي بالنجاسات، لو أنه كان على وشك الموت لغصة في حلقه له أن يشرب الخمر، لو كان على مشارف مرض شديد وخاف أن يموت جوعاً له أن يأكل لحم الخنزير ويباح أيضاً للطبيب النظر إلى المريض ذكراً كان أو أنثى وإلى عورته.
أخوانا الكرام: يوجد أحكام هامة جداً في المرض قال: إذا لم يكن الشخص المريض مديناً، افترضوا عليه حجراً جزئياً على تبرعاته كالهبة والوقف والوصية والصدقات، فلا ينفذ منها إلا ما كان في حدود الثلث، إنسان مريض ليس مديناً لا يجوز أن ينفق من ماله في مرضه أكثر من الثلث هذا يفرض عليه حجراً جزئياً أما أن يعطي ماله كله ويدع الورثة فقراء، هذا لا يجوز لذلك المريض الذي ليس عليه دين يقام عليه حجر جزئي بحيث لا يستطيع أن ينفق ماله كله في مرضه، ينبغي أن ينفق ثلث ماله كما قال عليه الصلاة والسلام لسيدنا سعد ابن أبي وقاص: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس من بعدك.
شيء آخر المريض لا تنفذ تبرعاته لأحد من الورثة إلا بإجازة باقي الورثة، أراد أن يهب المريض وهو في مرض لابنه بيتاً يؤثر به على بقية أخوته لا يجوز إلا أن يجيز بقية الورثة هذه الهبة، وإن كان صحيح يوجد حكم آخر، أما إذا مريض حتى إذا وهب شيء من ماله لأحد أولاده لابد من موافقة بقية الورثة، صار عندنا حجر كلي وحجر جزئي.
أما إذا كان المريض مديناً ودينه مستغرقاً كل ماله الفقهاء قرروا أنه يعتبر محجوراً عليه حجراً كلياً، إنسان يوجد عليه دين بقدر أمواله كلها هذا وهو مريض يحجر عليه حجراً كلياً ليكون المال مقابل الدين، إذا لم يكن دينه مستغرقاً جميع ماله قال: يحجر على أمواله حجراً جزئياً، هذه حالة المرض، العبرة من الحجر أن نصون الحقوق، إما حقوق ورثته أو حقوق المدينين.
فصار المريض بإمكانه أن يقصر من الصلاة وأن يجمع بين الصلاتين، وأن يصلي قاعداً وأن يتخلف عن صلاة الجمعة والجماعات، وأن يتيمم بالتراب وأن يوكل في رمي الجمار، وأن يتداوى بالنجاسات، وأن ينظر الطبيب إلى عورته، هذا كله مباح للمريض ومن تخفيف التكاليف الشرعية وانطلاقاً من المقولة الأصولية الضرورات تبيح المحظورات.
الآن عندنا نقص طبيعي، الطفل ناقص طبيعياً والمرأة، والنبي الكريم أوصانا بالمرأة واليتيم، بالضعيفين، تخفيفات على النقص الطبيعي عدم تكليف الصبي والمجنون من التكاليف الدينية كالصلاة والصيام وسائر العبادات، العلماء أحدثوا شيء في الفقه لطيف، يوجد تكليف تأديبي أنا أكلفه أن أصوم ليعتاد الصيام، أكلفه أن يصلي ليعتاد الصلاة، فنحن الصبي غير مكلف أن يصوم ولكن ليس معقولاً أن تدعه إلى أن يبلغ فتأمره بالصيام، لا بد من أن تؤدبه على أدب الإسلام، وعلى أدب طاعة الله عز وجل، إلا أن العلماء قالوا مال الصبي يجب أن تؤدى زكاته، وعلماء آخرون قالوا لا تؤدى زكاته، وعلماء آخرون وقفوا موقفاً معتدلاً فقال: مال الصبي المستثمر تؤدى زكاته، أما غير المستثمر معفى من الزكاة، إلا أن الصبي والمجنون ضامن على كل تلف لمال الآخرين لو حصل أنه أتلف مال الآخرين هو ضامن من ماله والمرأة أيضاً عندها نقص طبيعي نقص هو متعلق بمهمتها في الحياة، قال: المرأة لا تكلف بحضور الجمعة والجماعات، سبحان الله بعض المسلمين يفهمون هذا الحكم على غير ما أراده الفقهاء، يفهمون أن المرأة محرم عليها أن تحضر خطبة الجمعة، لا ليست مكلفةً عدم التكليف شيء وأن يحرم عليها أن تصلي الجمعة شيء آخر، امرأة جاءت مع زوجها من الريف إلى دمشق يوجد في الجامع والحمد لله قسم للسيدات مفتوح وقت خطبة الجمعة وبإمكانها أن تستمع إلى الخطبة امرأة ليست مكلفة بشيء مات زوجها وأولادها تزوجوا جميعاً وأحبت أن تستمع إلى خطبة الجمعة فإن صلت الجمعة صلاة الجمعة تجزؤها عن صلاة الفرض، هذا هو الحكم الشرعي.
أيام امرأة راغبة في العلم ليس وراءها أحد غير مكلفة مقيمة إلى جانب الجامع، فنحن وهذا حكم شرعي في خطبة الجمعة مصلى النساء مفتوح للأخوات المؤمنات.
والمرأة معفاة من الجهاد، معفاة من دفع الجزية مباح لها لبس الحرير والديباج، والتحلي بالذهب، مباح لها عدم قضاء الصلاة المفروضة في أثناء الحيض أو النفاس دفعاً للحرج، المرأة في أيام الحيض لا تصلي وليست مكلفةً أن تقضي هذه الصلوات، أما الصوم تفطر ويجب أن تقضي ما فاتها من رمضان.
أيها الأخوة: هذا النقص الطبيعي، والمرض، والسفر، يوجد تكاليف تخفف في أثناء هذه الحالات الثلاث لكن الموضوع الرئيسي الذي أردت أن أقف عنه مطولاً، موضوع جهاد النفس والهوى وموضوع الجهاد الدعوي، وهذا فرض عين على كل مسلم، أن يجاهد نفسه وهواه وأن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في حدود ما يعلم ومع من يعرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))
وكنت فيما مضى عرضت على الأخوة الكرام خطة مقترحة، هي إنك مؤمن لابد لك من لقاءات في أثناء الأسبوع، زرت أختك، عندك وليمة حضرت عقد قران، سافرت في نزهة، اللقاءات الاجتماعية ضرورية في حياة المؤمن، ماذا تتحدث في هذه اللقاءات ؟ اجعل من خطبة الجمعة أو درس الجمعة محوراً لهذا الحديث، فأنت حينما تجلس لتستمع إلى موضوع الدرس، التفسير، الحديث، السنة، الخطبة، إذا أردت أن تستمع من أجل أن تستوعب تركز، أما إن أردت أن تستمع دون أن تقدم شيئاً لا تركز فأنت ركز على ما تستمع إليه وحاول أن تحفظه أو أن تسجله وأن تجعله مدار الحديث، نكون قد سلكنا طريق الجهاد الدعوي، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾
( سورة النحل )
أنت كم واحد، أنا كنت أقول للأخوة يوجد ماسة ثمنها مائة وخمسين مليون ليرة موجودة في استنبول، والألماس أساسه فحم ويوجد فحمة بحجم الماسة ثمنها قرش لا تقدم ولا تؤخر، ويوجد إنسان كالقنبلة يؤذي وفي إنسان كالفحمة لا خير ولا شر، يوجد إنسان غالي جداً فأنت بقدر ما تدعو إلى الله عز وجل، بقدر ما تكون في قلوب الآخرين يكون لك عند الله مكان أعلى، فإن إبراهيم كان أمة، ترى أخ حوله أربعين عشرون، كلهم استفادوا منه، من أخلاقه، من دعوته.
العمر قصير والمهمة خطيرة، والآخرة لا بد من الوصول إليها وأكبر شيء يمكن أن يعينك في هذا اليوم العصيب أن يكون لك دعوة إلى الله عز وجل.
أنا مرة حضرت جنازة المتوفى رحمة الله تعالى جلست معه جلسات طويلة، رجل صناعي وله أذواق عالية جداً، وله بيت فخم جداً، وله مركبات عديدة وسفريات طويلة ونشاطات راقية، توفي رحمه الله، فالشيخ الذي أراد أن يؤبنه في الجامع قال: ترحموا على أخيكم فلان كان مؤذن، أنا لفت نظري هذا الكلام المختصر، لكن لو كنت محل هذا الإمام ماذا أتحدث عنه، عن بيته، عن مركبته، عن أذواقه، عن سفرياته ؟ هذا كله لا يقال عند الموت، لا يقال إلا عن أعماله الصالحة الذي فعلها فالإنسان أحياناً حجمه صغير جداً ليس له عمل صالح متمركز حول ذاته، أما الإنسان إذا خرج من ذاته إلى خدمة الخلق صار إنساناً آخر، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين.
وأقول لكم هذه الكلمة: الإنسان إذا خرج من ذاته إلى خدمة الآخرين الله جل جلاله يتولى حوائجه، أما إذا تمركز حول ذاته تأتيه المتاعب من كل مكان، فأما أن تشغل بخدمة الخلق وإما أن تشغل بحل مشكلاتك أنا في هذا الدرس بالحقيقة محوره الأساسي لا يكون همك ذاتك، بيتك أولادك، دخلي عملي فقط، إذا حصلت دخلاً كبيراً فعلى الدنيا السلام، عندك الطعام والشراب والمأوى وعلى الدنيا السلام، لا، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
لابد من دعوة، الإنسان حضر مجالس علم عشر سنوات لا يستطيع أن يتكلم ساعة مما سمع، لا يوجد عنده آيات فهمها، حديث فهمه، قصص، أحكام فقهية استوعبها، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لجهاد النفس والهوى وأن يوفقنا أيضاً للجهاد الدعوي، ولا أحد يمنعك أن تغض بصرك، أن تضبط لسانك، أن تحرر دخلك، أن تقيم الإسلام في بيتك، ولا أحد يمنعك من أن تحضر مجلس علم فتتعلم لتعلم وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( عَنْ عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
خيركم على الإطلاق.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:28 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 019: المرض (1) : حقيقة المرض .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-30
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: موضوع غريب وقل من يطرحه في درس ديني، إنه موضوع المرض، الإنسان أيها الأخوة بادئ ذي بدء حريصاً حرصاً لا حدود له على وجوده فإذا ضمن وجوده حريص على سلامته والمرض يتناقض مع سلامته، أحب أيها الأخوة أن يعلم كل منكم أن للمرض فلسفةً في الإسلام لو عرفها المريض لذابت نفسه شكراً لله تعالى على هذا المرض، الأمور بخواتيمها، الأمور بنتائجها لا بمقدماتها.
أول نقطة في هذا الدرس، الله عز وجل واجب الوجود، لكن ما سوى الله ممكن الوجود، معنى ممكن أي ممكن أن يكون هذا الوجود أو لا يكون، ومعنى ممكن إذا كان ممكن أن يكون على نحو غير هذا النحو، نحن ممكن لكن الله واجب، الله عز وجل واجب الوجود، لكن من سواه والخلق جميعاً وجودهم ممكن، ممكن أن يوجدوا ومن الممكن أن لا يوجدوا، الآن وجدوا ممكن أن يوجدوا على ما هو عليه الآن ويمكن أن يوجدوا على خلاف ما هم عليه الآن، السؤال الآن هل من الممكن أن يخلق الله بشراً يعيشون أعمارهم بلا أي مرض ؟ ممكن إن الله على كل شيء قدير، تعلقت حكمته بكل ممكن، تعلقت قدرته بكل ممكن.
شيء سهل فهمه، هذه الطاولة التي أمامكم من أجل أن يوضع عليها كتاب ومسجلة وكأس ماء، لو وقف خمس أشخاص على هذه الطاولة تتحمل وكل شخص ثمانين كيلو، أربع مائة كيلو تتحمل واستعمالها لكيلو واحد، استعمال كيلو تتحمل أربع مائة كيلو، بعلم الميكانيك معها احتياطي.
فو ربنا عز وجل جعل لكل عضو احتياطي كبير لا يوجد مرض، هذه تعيش آلاف السنين وكما هي، لأن استعمالها كيلو واحتياطها أربع مائة كيلو، انتهى المرض، كل شيء الله خلقه لو أعطاه احتياطي عالي جداً التغى المرض.
لكن يبدو أن المرض مقصود من قبل الله عز وجل وهو أحد أشد الأدوات التربوية فعالية، الله ثبت وحرك، ثبت نظام الكون، ثبت نظام الدوران، ثبت خصائص الأشياء، الشمس تشرق كل يوم لا يوجد مشكلة أبداً، الحديد حديد، اشتريت سبيكة ذهب سبيكة ذهب، مستحيل تستيقظ تراها حديداً ثمن الكيلو خمس مائة ألف، كيلو الحديد ثمنه ثلاثون ليرة، البذور بذور والمعادن معادن، كل شيء ثابت، حركة الأكوان ثابتة، نظام الكون ثابت.
أما الأمطار متحركة تأتي أمطار وقد لا تأتي أمطار، الصحة متحركة الله ثبت وحرك، الذي ثبته لاستقرار النظام، والذي حركه لتربية الإنسان، المرض أحد أكبر الوسائل الفعالة لتربية الإنسان، لأن الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على سلامته فإذا لاح له شبح مرض اندفع إلى باب الله تائباً، منيباً، اندفع معتذراً، اندفع معاهداً، اندفع مقبلاً، لولا هذا الدافع لما ركض الإنسان إلى باب الله، أعتى الكفار عند المرض العضال صار إنساناً آخراً.
حدثني شخص وقال لي: أنا أعمل مع إنسان له منصب رفيع، ما رأيت في الأرض جباراً مثله، ليس في قلبه ذرة رحمة، مرض مرضاً شديداً ففوجئت بنفسية لم أكن أتوقعها إطلاقاً، صار وديعاً، كيف صحتك يا بني، ما قالها بحياته.
أحد أكبر وسائل التأديب التي بيد الله قضية المرض، المرض سنة من سنن الله عز وجل في الكون يصيب الإنسان كما يصيب غير الإنسان من المخلوقات، المرض خروج الجسم عن مجراه الطبيعي، إذا كان مؤقت سمي مرضاً حاداً، وإذا كان مرض مديد سمي مرضاً مزمناً، وإذا انتهى هذا المرض بالموت سمي هذا المرض مرض الموت.
بالمناسبة كل منا يمرض وكل مرض له دواء:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً ))
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
والله يا أخوان هذه الفقرة من الحديث فيها من دلائل النبوة الشيء الكثير لأن لو سمع المريض هذا الحديث، ماذا يحدث له ؟ يمتلئ قلبه أملاً، لكل داء دواء، هذا كلام رسول الله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن عند الله، يسمع هذا الحديث الطبيب يشعر أنه مقصر هذا الداء له دواء، فإذا عرفنا هذا الدواء الأمر جيد، وإن لم نعرف هذا الداء فنحن مقصرون، أكبر باعث للطبيب للبحث عن دواء هذا المرض هذا الحديث لكل داء دواء، قال عليه الصلاة والسلام:

((...فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
يعني إذا وفق الطبيب إلى تشخيص المرض ثم وفق الطبيب إلى وصف الدواء هناك توفيقان كشف المرض، ووصف الدواء، فإذا أصيب دواء الداء، يعني أصيب في معرفة الداء وأصيب في معرفة دواء الداء وهذه من براعة الطبيب، قال برأ ولكن بإذن الله، لا يسمح الله للدواء أن يفعل فعله كما لا يسمح للداء أن يتراجع إلا إذا أذن الله.
فهذا الحديث على إيجازه جامع مانع، أول حقيقة لكل داء دواء، يا أيها المرضى اطمئنوا ما من مرض خلقه الله إلا له دواء، ويا أيها الأطباء ابحثوا واجتهدوا، فما من داء خلقه الله إلا وله دواء، ويا أيها المرضى اطمئنوا، ويا أيها الأطباء اسألوا الله عز وجل أن توفقوا في تشخيص الداء وكشف الدواء، ويا أيها المرضى ادعوا الله أن يشفيكم لأن الدواء لا يفعل فعله، كما أن الداء لا ينحسر إلا بإذن الله، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((داووا مرضاكم بالصدقة.))
هذا الحديث جامع مانع، فالمرض من سنة الله في خلقه، أداة فعالة للتربية لأن الإنسان حريص على وجوده، وحريص على سلامة وجوده والمرض ينغص عليه وجوده، ومركب بأعماق الإنسان أن المرض بيد الله وإن شاء تركه، فلذلك المرض أحد أسباب التوبة إلى الله.
سمعت عن امرأة كل من حولها يؤكد أن هذه المرأة لا يمكن أن تتوب، لشدة تفلتها وانحرافها، واعتزازها بجمالها، وشدة شعورها بنشوة حينما تتكشف أمام الأجانب، وكانت ترفض أشد الرفض أن تتحجب بل كانت ترفض أشد الرفض أن تحتشم في لباسها، مرضت مرضاً شديداً، قالت كلاماً والله أستحي أن أقوله لكم، قالت: لو طلب منها أن تضع على رأسها وعلى ظهرها، ما يوضع على الدابة على أن يشفيها الله عز وجل لفعلت من شدة ضيقها، الله عز وجل مربي يعرف نقطة الضعف بالإنسان، يعرف موضع الألم في الإنسان يسوق له شيئاً يرده إليه، فشفاها الله وتابت وتحجبت.
أعرف رجل من سابع المستحيلات أن يتوب إلى الله هو وزوجته رزق بابنة بارعة الجمال أصيبت بمرض عضال، هذا المرض اشتد وتفاقم ولم يدع أبوها ولا أمها طبيباً إلا و وكلوه أن يعالج ابنتهم إلا أن صمم الأب والأم على أن يتوبوا إلى الله فتابا إلى الله وشفيت ابنتهما وزوجت وكانا في أحسن حال.
هذا المرض مزعج، مكروه، لكن أحياناً ضيف يأتي ويذهب فإذا أنت مؤمن يأتي ويذهب فإذا أنت مستقيم يأتي ويذهب فإذا أنت تائب، قال مالك يا بنية، قالت: حمى لعنها الله، قال: يا بنيتي لا تلعنيها فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب.
المرض للعاصي يحمله على التوبة، والمرض للمؤمن يكفر عنه سيئاته والمرض للمؤمن رفع درجات له عند الله، حينما تفهم حكمة المرض لا أقول تتمنى المرض، لا، هذا الشيء غير مقبول، النبي عليه الصلاة والسلام أدبنا أدباً راقياً، قال:
((لكن عافيتك أوسع لي ))
أن أكون معافى هذا أسهل، أن أكون في بحبوحة، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء الإنسان أحياناً حينما يجوع يضطر إلى أن ينقب في الحاوية.
ابن المبارك عارف بالله كبير جداً، توجه إلى الحج في طريقة رأى كوماً من القمامة ورأى بنت صغيرة تنقب فيه إلا أن وجدت فيها طائراً ميتاً فحملته وانصرفت إلى بيتها، تبعها فإذا أسرة فقيرة جداً تعيش على هذه القمامة، الذي يرميه الناس بالقمامة يأكلونه، فرمي طائر ميت فأخذت هذا الطائر، ابن المبارك رأى أن الحكمة تقتضي أن يدفع كل ما يملك لهذه الأسرة وأن يعود دون أن يحج بيت الله الحرام، وهذا الذي فعله، المرض والفقر يدفعان الإنسان إلى باب الله.
سنة الله في كونه لا عبث فيها، والله أيها الأخوة يوجد حقائق أرجو أن تكون واضحةً عندكم، أفعال الله كلها حكيمة، عرفت أم لم تعرف، رأيتها أم لم ترها، أفعال الله كلها حكيمة، الأرض فيها أمراض، فيها فيضانات، فيها زلازل، فيها براكين، فيها حروب أهلية، هذا الذي تراه عينك وراءه حكم لا يعلمها إلا الله قد تبدو لك وقد لا تبدو، وإن لم تبدو لك ليس معنى هذا أنها غير موجودة.
كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، والمرض أراده الله، يوجد أمراض في الجلد، أمراض بالأمعاء، أمراض بالقلب أمراض بالأوعية، أمراض بالعظام، أمراض مخيفة، أمراض مؤلمة أمراض مشوهة، هذه الأمراض يسوقها الله جل جلاله لحكم لا يعلمها إلا هو، هذا هو الإيمان، ليس في الكون عبث، بالمناسبة الشر المطلق لا وجود له في الكون وإلا الكون عبث، إما أن تؤمن بالله حكيماً وإما أن تؤمن بالعبث، أي بلا أهداف.
أحد حكم المرض، لا تعرف نعمة الصحة إلا إذا مرضت، أقل مرض الأمراض الشائعة، كريب، ترى جسمك مكسر لا يوجد قوة أن تتكلم كلمة، لا تقوى على أن تقف، آلام في العضلات مع أنه مرض بسيط لا تعرف قيمة الصحة إلا إذا مرضت، والأولى أن نعرف نعم الله بدوامها لا بفقدها، لذلك عرف قيمة الصحة من مرض، المريض يجب أن يتعظ، أن يعتني بجسمه لأن الصحة رأس ماله، أكبر رأس مال تملكه لا المال، الصحة.
أعرف رجل سهر عند شخص سهرة دخن خمسة علب من الدخان كل شرايينه مسدودة، ومعه أموال لا تأكلها النيران، ما قيمة هذا المال ؟ أنا أعتقد أن الصحة أغلى من المال وعاء العمل، وعاء أعمالك الصالحة، وعاء سعادتك، المرض يأتي لتعرف قيمة الصحة، الأمراض الخفيفة لها فائدة طبية عالية جداً، الأمراض الخفيفة تعطي الجسم مناعة أكيدة، يعني الجسم دخل إليه جرثوم صنع مضادات قضى على الجرثوم، هذا المصل المضاد سجل في ذاكرة هذا الجهاز، هذا الجهاز المناعة المكتسبة وله ذاكرة عجيبة، دخل جرثوم وصنع الجسم مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم وغاب هذا الجرثوم سبعين عاماً ثم عاد، جهاز المناعة المكتسب تعرف هذا الجرثوم والمصل المضاد له، لولا ذاكرة هذا الجهاز العجيب لما كان هناك من فائدة من التلقيح بتاتاً فالأمراض الخفيفة تكسب الجسم مناعة، أما مرض الموت هذا منتهٍ، إذا الإنسان دخل في مرض الموت مهما دعوت له في الشفاء الله عز وجل أراد إنهاء حياة هذا الإنسان، الله جعل أسباب نظام الكون فتنتهي حياته بمرض في الكون، أو مرض في الدماغ، أو بتجمد في الدم، أو بمرض في الكبد، أو مرض في الكلية، ما دام جاء الأجل وللأجل مسببات، فهذا المرض الذي يسبق الموت مرض الموت لا برء منه، فما أن يكون مرض الموت ادع إلى أخيك بالشفاء.
أيها الأخوة: المريض إذا صبر على مرضه له أجر الصابرين، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾
( سورة الزمر )
العبرة أن تعتقد أن لهذا المرض حكمة، طبعاً الشعراء لا يعرفون الحقيقة، المتنبي:

وزائـــرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا بالظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في العظام
***
يخاطبها ويقول:

أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلت أنت من الزحام
***
كل بناته عندي، وبنت الدهر هي المرض، ولكن الحديث الصحيح أن كل الأمراض التي يسوقها الله عز وجل للمؤمن تكفير له عن الذنوب التي اقترفها، وعزتي و جلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إفطاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله وولده حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.
المرض هباء من الله والدواء يجب أن تتداوى، نحن نمرض بقضاء الله ونشفى عن طريق الدواء بقضاء الله، فكل مؤمن يقول لك أنا لا أتداوى، أنا مسلم أمري إلى الله هذا إنسان جاهل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
تختار أفضل طبيب وتستعمل أفضل دواء وتدعو الله أن يشفيك، ويسمح للدواء أن يفعل فعله، وبعدئذ تتصدق لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( داووا مرضاكم بالصدقات.))
دعاء، صدقة، معالجة عند أفضل طبيب، وتناول أفضل دواء، هذا سلوك المؤمن والأدلة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71)﴾
( سورة النساء )
من أخذ الحذر التداوي، قال تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
( سورة البقرة )
أخذ الدواء عدم إلقاء النفس إلى التهلكة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
جاءتني قصة من سنة تقريباً، إنسان يعمل في الحقل الديني زوجته أصيبت بمرض في أمعائها الغليظة فقال له الطبيب لابد من التنظير والتنظير يكلف خمسة آلاف ولا يوجد معي لغينا المعالجة كلياً، بعد حين آلام لا تحتمل، فحصنا سرطان منتشر في كل الأمعاء، بحسب العلم مضى أشهر عديدة لو كان في تنظير بالوقت المناسب كان من الممكن أن يستأصل القسم المصاب دون أن ينتقل المرض، السرطان شيء مخيف جداً، الانتقال، لو عولج في المراحل الأولى يستأصل القسم المصاب، أما إذا لم يعالج ينتشر إلى بقية الجسم.
هذه القصة بين أيديكم، قصة واقعية وأعرف زوجها، هذا الزوج لو طلب مساعدة خمسة آلاف لإجراء هذا التنظير بحسب قواعد العلم يكون قد أنقذ زوجته، هو أثم لأنه ألقى بيد زوجته إلى التهلكة، لا يسمى هذا عزة نفس، لا أن تطلب خمسة آلاف ليرة من إنسان مؤمن لمعالجة الزوجة هذا واجب عليك شئت أم أبيت، لذلك قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
( سورة البقرة )
بالمناسبة، يوجد أمراض مزمنة وعضالة سببها التقصير في المعالجة، أو طبيب ناشئ لا يفقه شيئاً هذا الطبيب جارنا، وأجرته بسيطة، الطبيب لا يفاتش، هذا الطبيب الذي لم يتمرس بالطب لا يقدم لك شيئاً بالعكس قد يصرفك عن الطريق الصحيح، فلذلك أيها الأخوة أول آية قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71)﴾
( سورة النساء )
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾
( سورة البقرة )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
ليس كل إنسان ينصب حبل ويشنق نفسه يكون قد قتل نفسه، ليس كل إنسان يطلق على نفسه النار قتل نفسه، إذا كان عنده مرض ولم يعالج نفسه وله مضاعفات كثيرة، المعالجة ممكنة والدواء موجود ولم يستعملها في حكم أنه قتل نفسه.
حياتك ملك لك ؟ ملك أسرتك، إذا كان لك عمل صالح ملك المسلمين فحينما تهمل حياتك، تهمل صحتك فقد حرمت أهلك ومن حولك من أعمالك الصالحة.
أيها الأخوة: ورد في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَدَاوَى قَالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ: الْهَرَمُ ))
تركته لله، سلمته لله، هذه زعبرة، الله عز وجل خلق الدنيا وفق الأسباب، ومكن الناس من علم الطب، وخلق دواء لكل مرض فحينما تدعي أنك أوكلت ابنك إلى الله، هذا كلام غير إيماني.
سيدنا عمر سأل جماعة فقال لهم من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال كذبتم، المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله.
أنت متوكل في شفاء ابنك، عالجه عند أفضل طبيب، وأعطه أكبر دواء وتصدق وادع الله عز وجل وتوكل على الله، أنت أب كامل وأب مثالي لأنك تأدبت مع الله، الله له قوانين حينما أخذت بالقوانين فأنت عبد لله.
أيها الأخوة: يمكن أن نلخص ما حدثتكم به حتى الآن على الشكل التالي لكل داء دواء أيها المرضى اطمئنوا، أيها الأطباء اجتهدوا، أيها الأطباء دققوا في تشخيص الداء ودققوا في وصف الدواء، ويا أيها المرضى تصدقوا وادع الله عز وجل لكم بالشفاء، معالجة، أخذ دواء يقول له حبتين قبل الطعام، يأخذهم بعد الطعام صار في خطأ، يقول له كل ست ساعات حبة يأخذهم كل عشر ساعات، ويقول لا تدقق هذا جاهل، العلم الطبي دقيق جداً، أيام الحبة من دون طعام تفعل قرحة في المعدة، أحياناً مع الطعام ليس لها مفعول إطلاقاً، قال لك قبل الطعام قبل الطعام، قال لك بعد الطعام بعد الطعام، كل ست ساعات، أربط منبه هذا هو الإنسان المؤمن إنسان علمي، الدعاء والتوكل بعد أن تأخذ بالأسباب توكل على رب الأرباب، بعد أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء هذا المؤمن.
بالمناسبة مع احترامي لكل الأطباء لكن في موضوع الصحة لا ينبغي أن يكون اختيارك للطبيب عشوائياً، يجب أن تختار طبيب متفوق وطبيب مؤمن يخشى الله عز وجل، لابد من أن يكون قوياً أميناً، قوياً باختصاصه، أميناً بولائه للدين، يخاف الله قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾
( سورة القصص )
يوجد شيء ثاني اسمه الحجر الصحي بالحقيقة هناك أكثر من دليل على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم:

(( أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فلا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا ))
معنى ذلك النبي قرر العدوى، هناك أمراض معدية، أرض فيها طاعون ينبغي أن لا تدخلوها، ولا تخرج منها بأمر النبي، هذا الآن كشف حامل المرض إنسان ليس مريضاً ولكنه يحمل المرض يبدو له أنه صحيح ولكنه حامل هذا الجرثوم، إذا خرج نقل هذا المرض إلى مناطق أخرى.
هذا ليس من علم النبي صلى الله عليه وسلم وليس من خبرة النبي وليس من ثقافة النبي، وليس من ثقافة عصر النبي، هذا وحي من الله وحي من عند الخبير.
يقاس على الطاعون كل مرض معدي خطير، أنا أعرف قبل أعوام عدة ظهر مرض خطير في أفريقيا، السعودية رفض حج هؤلاء ومعهم الحق، موقفهم شرعي لأن لو جاء هؤلاء الحجاج إلى الحج لانتشر المرض في كل الحجاج، هذا من توجيه النبي، أنتم في أرض فيها مرض معدي ينبغي أن لا تخرجوا منها، أنا ذاهب إلى بلد فيها مرض ينبغي أن لا أدخل فيها، امرأة معها إيدز نقلت المرض إلى سبعة عشر رجلاً، بفضل الله أي إنسان يقدم إلى بلدنا من بلاد الغرب يجب أن يقدم فحص بمرض الإيدز الإنسان لا يتأفف للضمانة هذا إجراء لابد منه.
قال العلماء: يقاس على الطاعون كل مرض خطير، النبي ذكر مرض معروف وقتها، أما مرض الإيدز، مرض الكوليرا، أي مرض خطير ينسحب على الطاعون.
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نفر من المجذومين كما نفر من أي خطر محقق، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ ولا هَامَةَ وَلا صَفَرَ وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ ))
يجب أن تفر من المجذوم، ما الذي يحصل في البيوت يكون إنسان معه حمى مالطية معدية، التهاب سحايا معدي، مرض كبدي، يريدون أن يضيفوا، لا يرضى أنا جئت أعيد مريضكم، لذلك النبي منعنا أن نقدم للعائد ضيافةً، لحكم لا يعلمها إلا الله، لعل هذا المريض يشتهي هذا الطعام، لعل أهل المريض مشغولون، لعل الزائر يخشى العدوى، لا تقدم لمن يعود مريضك ضيافة، لا قهوة ولا شاي ولا فواكه، ولا شيء هذه سنة النبي والنبي حكيم حكمة لا حدود لها، أحياناً ينتقل المرض عن طريق الضيافة، دون أن يشعر الإنسان، شيء محير، ثم يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود:

(( سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا غُولَ ))
هو يوجد عدوى والدليل:
((...إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فلا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا ))
ثم يقول لا عدوى، يعني إذا إنسان انتقل إليه المرض من إنسان لا ينبغي أن يحقد على المريض الذي نقل منه المرض، يجب أن يعتقد أن الله شاء له هذا المرض، والله سمح له أن يمرض يجب أن لا تحقد لا تعزو هذا المرض إلى المريض الذي عداك، هذا المرض قدره الله عليك، والدليل بقية الحديث:

((...لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا غُولَ ))
العرب كانوا عندهم حالات مضحكة، يكفي أن يطير طائر عن يمينهم يتفاءلون، لو أن هذا الطائر طار عن شمالهم يتشاءمون، هذه الطيرة يتفاءل بلا سبب ويتشاءم بلا سبب، الهامة أعلى الشيء وكان العرب يعتقدون في جاهليتهم أن روح القتيل تتحول إلى فراشة تطير وتحوم فوق قبره وتنادي اسقوني اسقوني، أي من دم القاتل ولا تهدؤوا حتى يقتل القاتل، هذه دعوة إلى الأخذ بالثأر وهي دعوة جاهلية.
الصفر، يوجد أشخاص يتشاءمون من شهر صفر أو من يوم الأربعاء أو من رقم ثلاثة عشر، غرفته رقم ثلاث عشر يخاف، ترتيبه في الصف ثلاثة عشر يخاف، أو الاجتماع يوم الأربعاء، شيء ليس له أي صحة.

((... لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا غُولَ ))
ولا غول كان يوجد اعتقاد أنه يوجد حيوان مخيف، هو الغول وجوده في الأساطير، واحد لا تشرك، يقول ألقوا لي ماء وملح، وتشاجرت مع زوجتي، أنتم مرتكبين خطأ تشاجرتم لا بسبب الماء بسبب معصية ارتكبها أحد الطرفين، فحينما تعزو الخلاف إلى أسباب خرافية فأنت ليس علمي أبداً.
الله يرضى عنه سيدنا عمر، نهر النيل تقليد من آلاف السنين، اختاروا أجمل فتاة حسناء بكر أبويها، يرضون أبويها ويأخذونها يضعون عليها أجمل الثياب والحلي ويقذفونها في النيل من أجل أن يجري ماءه غزيراً تقليد مضى عليه آلاف السنين من عهد الفراعنة إلى عهد عمر بن العاص، فلما أرادوا أن يفعلوا في عهد عمر بن العاص أمير مصر في عهد عمر، قال هذا لا يكون في الإسلام إطلاقاً خرافة، سكتوا أعطى أمر ممنوع، أما الحكمة البالغة قلت ماء النيل وقلت إلى درجة همّ الناس بالهجرة، وعندما سيدنا عمر بن العاص وجد القضية محرجة أرسل كتاب إلى سيدنا عمر، سيدنا عمر كتب رسالة، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر، وأعطى أمر إلى الوالي اجمع الناس على ضفتي النيل واقرأ الرسالة وألقها في النيل هكذا كان توجيه سيدنا عمر، فقال له: يا نيل إن كنت تجري من قبلك فلا تجري وإن كان الله يجريك أسأل الله أن يجريك.
وأمره أن يلقها في النيل، وما أن ألقاها في النيل حتى جرى النيل وأصبحت مياه النيل غزيرةً، وانتهت هذه العادة التي يزيد عمرها عن ستة آلاف عام، فتاة في عمر الزهور بكر أبويها نلقيها في الماء لتموت خرافة هذه، الله الرزاق لا يوجد سواه.
الإسلام علمي يوجد خالق ولا يوجد هذه الخزعبلات، لا يوجد عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول، ويوجد عدوى.

(( أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فلا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا))
لكن لا تشرك بالله وتقول فلان أمرضني، قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)﴾
( سورة الشعراء )
لكن في المناسبة هذه الآية عجيبة، دققوا الذي خلقني هو يشفين والذي يطعمني ويسقيني، ما قال والذي أمرضني ويشفين، قال إذا مرضت عزي المرض إلى الإنسان بمعنى أن أصل المرض مخالفة منهج الله، أنت بالأصل مصمم أن لا تمرض، يعني مثلاً أعقد آلة صنعها الإنسان أرقى سيارة لو أخذتها على الصفر، بعد عشر آلاف تغير الزيت، بعد أربعين ألف تغير زيت علبة السرعة، بعد ثمان آلاف تغير المكابح، بعد كذا تغير زيت الدفرانس، هناك برنامج، لا يوجد سيارة تقتنيها يخدمك زيتها وزيت المحرك وزيت البوط وزيت الدفرانس، والكواشيك والكوليات والمكابح لآخر عمرها إلا الإنسان، مصمم هل عندك تبدل زيت مفاصل للإنسان، مشينا خمسة عشر ألف نغير زيت المفاصل للإنسان لا يوجد هذا، مخلوق ثمانين سنة بمفاصلك بالغضاريف، أما سوء الاستعمال يسبب بعض الأمراض.
فالمرض بالأساس مخالفة لمنهج الله، سوء استعمال، أو خطأ في العصر يوجد تلوث عام، أكثر طعامنا معلبات، تعليب الطعام له مشكلة كل خضارنا في الفريزر، الآن يوجد أبحاث أن هناك عفونات تصير، لحومنا من شهر في الفريزر، كل شيء معلب تقريباً، يوجد عندنا فريزر فيه كل شيء، ولكن كل شيء غير صالح، أكثر شرابنا أصبغة كيميائية، تراه فرح أحضر علبة كلها بودرة هذه على أناناس وهذه على برتقال، لا يوجد شيء طبيعي مواد كيميائية حصراً، حياتنا كلها كيميائية، أدويتنا كيميائية، حتى الخضار في بيوت بلاستيكية، نمو الخضار في الهرمونات، يوجد خطأ في طعامنا كلها مهدرجة، سمونا على زيوتنا، على البرادات، التفاعل الذي يتم بين النايلون والمواد الحارة مسرطن، المواد الحامضية مع النايلون مسرطن، الحوامض مع كل شيء بلاستيك مسرطن، تأخذ طنجرة تيفال فرحان بها بعد سنتين تصبح طنجرة لا يوجد تيفال أين ذهبوا هؤلاء البلاستيكات ؟ في الطعام هذه مشكلة كبيرة جداً، يوجد خطأ في عصرنا، خطأ في تخزيننا للطعام، خطأ في إنبات الطعام هرمون محرم دولياً، يأتي الفلاح ويشتريه تهريب يبخ البندورة شيء جميل لا تستكبر البندورة خذها أصغر قياس، أكبر قياس مهرمن، يوجد خطأ كبير، حتى في مياه المجاري تسقى بها المزروعات، الفقهاء نهوا عن أكل لحم الدجاجة الجلالة التي تأكل النجس، أكثر الدجاج البلدي ماذا يأكل ؟ نجس يأكل كل شيء، منهي عن أكلها لأنه يوجد مشكلة، أنا أعطي أمثلة، إذا كان هناك أمراض كثيرة جداً، يوجد خطأ في حياتنا، خطأ في بيوتنا وفي تخزين الطعام، المعلبات لا يوجد شركة معلبات إلا تضع بنزوات الصوديوم لتحفظ الطعام، مسموح بالألف واحد يضع في الألف ثلاثة حتى يضمنون استمرار صلاحية العلبة كيلو الفروج أربعين يوم لا ينام متوترة أعصابه، فروج يجب أن ينام من وقت ولادته وحتى ذبحه لا ينام ولا دقيقة إضاءة شديدة وأكل باستمرار ومواد مهرمنة في طعامه، يوجد مشكلة.
أنا أقول وإذا مرضت، أي انتشار الأمراض سببها من الخطأ بالعصر، أكثر الذي يشربونه أجدادنا عرق سوس، ليمونادة، توت شامي، أما الآن مواد غازية لا تعرف ماذا تحتوي تأتي مواد مركزة من أوربا، هذه مشكلة وأنا أتمنى على الأخوان الكرام أن يعودوا إلى الشيء الطبيعي كأس لبن أفضل من ألف كأس آخر، ارجع إلى العسل إلى اللبن، الخبز الصحيح، هذا معنى وإذا مرضت فهو يشفين، المرض معزو إلى الإنسان لا إلى الله.
أيها الأخوة لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله نتابع هذا في درس قادم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:31 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 020: المرض (2) : فلسفة المرض .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-06

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: مازلنا في موضوع دقيق وحساس له علاقة بأي إنسان فضلاً عن أن يكوم مؤمناً، وموضوع المرض موضوع تربوي، ذكرت في درس سابق أن الله جل جلاله ثبت أشياء وحرك أشياء، الذي ثبته لاستقرار الحياة، ثبت خصائص الأشياء وثبت دورة الأفلاك، وثبت معظم القوانين إلا أنه حرك قضية الصحة وقضية الرزق وقضية الأمطار، حرك الأمطار وغير الرزق، وبدل الصحة لحكمةٍ بالغة جداً والعبرة لا أن ترى الحدث بل أن تحسن تفسيره، مثلاً قوس قزح رآه الناس جميعاً من قديم العصور، لهم تفسيرات مضحكة جداً، قضية كسوف الشمس حدث يراه الناس جميعاً عبر كل العصور ولكن أناس يفسرونه تفسيراً مضحكاً، أسطورياً.
العبرة لا في وقوع الحدث ولكن في حسن تفسيره، والمرض كذلك المرض حقيقة قائمة من يستطيع أن ينكرها ؟ أبداً ولكن العبرة أن تحسن تفسير المرض، إن أحسنت تفسير المرض ارتقيت إلى الله، وإن لم تحسن ابتعدت عن الله عز وجل والعبرة أن تزداد قرباً من الله عز وجل.
أكثر شيء يلفت النظر الحديث الصحيح القدسي:
(( يا داود مرضت ولم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال الله عز وجل: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدتني عنده ))
دقق أما إنك لو عدته لوجدتني عنده، يعني ربنا عز وجل خالق السماوات والأرض إذا سلب من إنسان بعض صحته، ارتفعت حرارته شعر بآلام، شعر بتعب، شعر بالتهاب معين، حينما سلبه بعض صحته عوضه بدلاً منها أضعاف مضاعفة من القرب، لوجدتني عنده.
وكل إنسان يزور مريض مؤمن يرتاح لأن هذا المريض المؤمن بهذا المرض ازداد قرباً من الله، وهذه حقيقة تدعمها عشرات الأحاديث الصحيحة، مالكِ يا بنية ؟ قالت: حمى لعنها الله، قال: لا تلعنيها فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب.
بل إن الشيء الغريب هو أنك لو دخلت إلى مسجد ووجدت فيه آلاف المصلين يجب أن تعلم علم اليقين أن ثلثي هؤلاء كان صلحهم مع الله عن طريق مرض أصاب أجسامهم، ولا أبالغ، الصحة غالية جداً، بعض وجودك ما في شيء مقلق إلا الصحة، بعد الصحة لا يوجد شيء مقلق إلا الرزق، فربنا عز وجل وجودك بيده وصحتك بيده، ورزقك بيده كل الأمور بيده، فحينما تنشأ مشكلة في الرزق، في الصحة ليس هناك من ملجأ إلا الله، فإذا لجأت إليه تبدل الأمر.
والله أيها الأخوة: العام الماضي أحد أخوانا الكرام وأنا والله أقدره كثيراً، أضطر إلى عملية جراحية وزرناه في بيته عقب العملية والله بكى أمامنا بكاء الحب لله وأبكانا، قلت والله ولا ألف درس علم يرقى بهذا المؤمن إلا هذا الذي وصل إليه، عن طريق عملية جراحية.
لكن دائماً المريض المؤمن إذا أجرى عملية جراحية، يد الطبيب بيد الله، ممكن طبيب من أرقى الأطباء والمريض يستحق التأديب، يرتكب معه خطأ لا يغتفر، كلية واقفة فذهب ليستأصلها لكي لا تقف الثانية فاستأصل السليمة، من أكبر الأطباء، أحياناً ينسى الطبيب الماهر أداة في البطن، تسبب آلام والتهابات، دائماً وأبداً يد الطبيب بيد الله.
إنسان توفي رحمه الله تسلم منصب في الجامعة وله زوجة على وشك الولادة، بقي شهرين وهو يريد أفضل طبيب، أعلى شهادة، أعمق خبرة، فبعد دراسة طويل واستقصاء، وقع اختياره على طبيب فكانت وفاة زوجته على يديه، وتأتي أعرابية يأتيها المخاض وهي في الصحراء فتلد وتقطع الخلاص في حجرين، أكبر طبيب مولد وعناية تفوق حد الخيال وتموت المريضة و إنسانة تلد وهي في الطريق وتقطع الخلاص بحجرين، تأتي المعونة على قدر الحاجة، على قدر الحاجة تأتي المعونة.
محور الدرس المرض أحد أكبر الوسائل التربوية التي يستخدمها الله عز وجل لتقريب هذا الإنسان، أيام الإنسان يكون بعيد بعد ليس معقول لا يوجد شيء يقربه إلا المرض.
والله أعرف أناس لا يوجد طريقة لو جمعت مربي العالم على أن يغيروا سلوكه مستحيل، لكن الله يعرف كيف يربيه، عن طريق المرض، إنسانة فاسقة متفلتة لا ترعى لا دين ولا خلق ولا ذوق، ولا تؤمن ولا تصلي ولا تتحجب، فتنة لكل من رآها، نصحت كثيراً أبداً هذا الحاضر أريد أن أعيش وقتي، أريد أن أعيش شبابي، أصابها مرض عضال قالت بالحرف الواحد، الكلمة لا أذكرها بالدرس، لو طلب مني أن أضع على جسمي ما تضعها الدابة عليها لوضعته على أن يشفيني الله من هذا المرض.
أنا أتمنى من الأخ الكريم لا يصل مع الله إلى طريق مسدود، لا يكون الطريق الوحيد أن يساق له مرض عضال يبكي كالأطفال، يوجد أمراض الإنسان يقع مغشي عليه إذا صادفه، قال له معك أربعة أشهر مرض خبيث صفي أمورك، اعمل حساباتك، صفي أمورك، ثاني يوم مات لم يتحمل، هو معه بعلم الطبيب أربعة أشهر في اليوم الثاني مات قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾
( سورة البقرة )
يكون إنسان في بحبوحة بنعمة فجأةً يصبح نهاره ليل وليله نهار، النقطة الدقيقة في الدرس أن الإسلام لأنه دين الحياة، ودين الواقعية، ودين الفطرة، حث المؤمنين ولا سيما الأطباء على اكتشاف الدواء هذا الحديث يقرأه المريض يمتلئ قلبه سرور.

(( عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
ويدفع الطبيب إلى البحث، أما إذا اكتشف الطبيب الداء ووفق إلى الدواء لابد من أن يأذن الله إلى هذا الدواء من أن يفعل فعله لذلك عليك بالدعاء فإذا أصيب دواء الداء، أي أصاب الطبيب في اكتشاف دواء للداء، يعني عرف الداء وعرف الدواء، يوجد أطباء يعرفون الداء ولا يعرفون الدواء، ويوجد أطباء يصفون الدواء الفعال لغير هذا الداء، فلابد من أن يصيب الطبيب في كشف الداء وكشف الدواء.

((...فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
حتى يأذن الله نختار أفضل طبيب، أفضل دواء، نبالغ في تعليمات الطبيب في استعمال الدواء، نتصدق وندعو الله، منهج لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( داووا مرضاكم بالصدقات ))
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ الْعِلْمَ سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))
يوجد أخ سألني سؤال عقب الدرس الماضي، قال لي: مرض الإيدز ليس له دواء ألا يتناقض مع حديث رسول الله، قلت له من قال لك أن مرض الإيدز، هو مرض ؟ هو عقاب من الله، لأنه الشيء الذي لا يصدق أن إنسان مصاب بالإيدز تقف على جسمه بعوضة تغرس خرطومها في جلده وتمتص من دمه إذاً تلوثت وانتقل فيروس الإيدز إلى هذه البعوضة تقف هذه البعوضة على جسم إنسان سليم وتغرس خرطومها وتنقل هذا الفيروس إلى هذا السليم ومع ذلك لا ينتقل الإيدز عن طريق البعوضة، وينتقل عن طريق الزنا، وعن طريق اللواط، وعن طريق أدوات المخدرات وما شابه ذلك.
فكأن الله عز وجل أراد لهذا المرض أن يكون عقاباً للمنحرفين وليس ابتلاء للمؤمنين، لذلك أنا أتوقع أن هذا المرض ليس له دواء، بقدر ما هو مستعص على العلاج، بقدر ما هو بسيط جداً من الوقاية منه يكفي أن تكون عفيفاً وانتهى الأمر، إذا المرض أصاب الإنسان شيء من سابع المستحيلات، سبحان الله يوجد أشياء عن هذا المرض عجيبة هذا الفيروس أضعف فيروس على الإطلاق إذا خرج من الإنسان لمسافة ثمانية سنتمتر يموت، من الهواء يموت، لكن دول عظمى، مؤسسات علمية عريقة، إمكانيات مفتوحة، ألف مليون كلها موظفة للبحث عن مصل لهذا الفيروس والطريق مسدود، كيف ؟ هذا الفيروس يشبه تماماً الكرية البيضاء، جيش لباس معين، نمط معين، قبعات معينة، فيأتي العدو يرتدي نفس الثياب يدخل فيعتقدونه صديق، يدخل هذا الفيروس إلى الجسم، شكله شكل كرية بيضاء لا أحد يقاومه صديق، فإذا استحكم قضى على كل هذه الكريات البيضاء، قضية تمويه، الشيء الذي لا يصدق أن هذا الفيروس له سلالات، فقد نوظف ألف مليون دولار من أجل مكافحة سلالة فعندنا سلالة ثانية ورابعة وخامسة إلى ما لا نهاية.
الشيء الأغرب بعدما يكتشف الإنسان فرضاً مصل مضاد لهذا الفيروس، الفيروس يغير شكله فإذا كل هذه الأموال قد صبت في طريق مسدود، يغير شكله وله عدة سلالات، ويوجد دراسة الآن، لو اهتدى العلماء إلى مصل مضاد إلى هذا الفيروس تكلف المعالجة، هذا الفيروس على العملة السورية خمسة عشر مليون، لو، لأن الله عمل الشفاء تعجيز مستحيل يكفي أن تكون عفيفاً لا يوجد مرض، صار في خطأ، وأنا قلما أقرأ قصة من جريدة على المنبر، أنا قرأت على المنبر عدة قصص نشرت بالجريدة، في دمشق عن حالات عجيبة جداً.
أول قصة رجل سافر إلى أمريكا بمهمة، له زوجة مخلصة يحبها وتحبه، وله منها ولدان زلت قدمه هناك وعاد إلى بلده معه هدايا، فجأةً انتقل المرض لزوجته ثم انتقل إلى الولد الذي جاء بعد اللقاء بين زوجته وبعد مجيئه من أمريكا، ثم يروي أنه هو الذي خان زوجته ويتمنى لو أنه يخسر الدنيا كلها ولا يخسر هذه الزوجة المخلصة، نشرت هذه القصة طبعاً بتفاصيل مثيرة جداً في جريدة نشرت في دمشق.
ويوجد قصة ثانية وصار هناك أسلوب أنه كل أسبوع يوجد قصة حتى الإنسان يكون دقيق، أما الشيء المؤلم أن الإنسان الآن يمتنع عن هذه الفاحشة بسبب خوفه من هذا المرض وليس له أي أجر، أما قديماً قبل هذا المرض لما الإنسان يبتعد عن الفاحشة يقال أنه مثل سيدنا يوسف وله أجر كبير جداً، ولما أصبح هذا المرض هو المخيف صار اتقاء الفاحشة بسبب هذا المرض، حبط عمل الناس.
في الجامعة واضعين شكل رمزي، شكل إنسان و إنسانة أسود كامل ليس له معنى سوى أن هذا ذكر وهذه أنثى، احذر الإيدز، أي أن أي علاقة ممكن أن ينشأ منها الإيدز، أما سابقاً احذر معصية الله، بين أن تحذر معصية الله وبين أن تحذر هذا المرض مسافة كبيرة جداً.
هل تشكون أن هذا الطبيب المسلم الذي يكتشف دواء لمرض بعد جهد كبير ألا يثاب عليه، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾
( سورة العنكبوت )
لأن النبي قال:
((... لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ...))
فإذا الطبيب سعى لكشف الدواء ووفق إليه له أجر كبير، من السنة النبوية ألا تكره مريضاً على الطعام والشراب، فإن من فضل الله تعالى أنه فطر المريض أن يمتنع عن الطعام، إذا رجل صحيح وجائع ويوجد أمامه طعام شهي، طبخة شهية، يحبها ويقبل إقبالاً شديداً، سبحان الله الإنسان عندما يمرض يكره الطعام هذه برمجة، لو كان الإنسان وهو مريض يشتاق إلى الطعام تفاقم مرضه، من صمم هذا الإنسان على أنه لمجرد أن يمرض يكره الطعام ؟ إذا واحد صار معه إقياء وقدمت له طعام لا يتحمل أن يتصور الطعام، هذه من نعمة الله تعالى أن الإنسان إذا مرض يكره الطعام.
الله عز وجل وضع أعصاب حس في كل أنحاء الجسم، لكن يوجد مكان الإنسان يتوهم أن الأعصاب ليس لها فائدة، وضع أعصاب حس داخل نقي العظام، أعصاب الحس في الجلد معقولة، أعصاب الحس في الأحشاء معقولة أما داخل نقي العظام ليس لها فائدة، لها فائدة كبيرة جداً لو صار كسر شدة الألم الذي ينتج عن هذه الأعصاب أربعة أخماس الدواء للكسر، الألم شديد تركها على حالها هذا العلاج، إذا حصل كسر أن تبقي القدم كما هي، لو كان لا يوجد أعصاب حس وسار عليها تتقطع الشرايين، وتتقطع الأعصاب، الأعصاب داخل العظم لو ما كان يمنعك من الحركة إذا صار كسر، فالإنسان يتابع حركته على عظم مكسور تتقطع الشرايين وتتقطع الأعصاب وليس لها حل، هذه حكمة الله عز وجل.
قص الأظافر، لا يوجد في الأظافر أعصاب حس ولا في الشعر، إذا كان هناك أعصاب تحتاج إلى عملية جراحية، عملية حلاقة، تخدير كامل، الشعرة يوجد فيها عصب ولكن عصب محرك، كل شعرة فيها عصب وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، وريد وشريان، لا يوجد عصب حس، ولو كان هناك عصب حس لا تستطيع الحلاقة إلا بتخدير وهذه من حكمة الله.
أحياناً الناس يتناقلون كلام ويعتقدون أنه حديث شريف، المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، هذا ليس بحديث، هذه حكمة قالها أحد الأطباء العرب الحارث بن كلدة.
ذكرت في الدرس الماضي أن لا تأكل عند المريض شيئاً، هو قد يكره الطعام فإن وضعت الطعام أمامه يتضايق وقد يشتهي الطعام وقد منع منه فإن أكلت الطعام أمامه تضايق، وقد يكون مرضه معدياً فإذا أكلت من بيته ينتقل إليك المرض، وقد يكون أهله مشغولون حملتّهم ما لا يطيقون.
لذلك النبي نهى أن يأكل العائد عند المريض شيئاً، هذه السنة لا يوجد إحراج بالعدوى، ولا إحراج للمريض من أن يشتهي الطعام، ولا أن يكره الطعام.
ورد في البخاري:

(( عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مرض فجعلت السيدة عائشة تلح عليه بطعام معين فأشار إليها أن لا تفعل ))
هذا مبدأ عام في منع الناس من أذى المريض، المريض حكيم نفسه، علمونا بالجامعة في كلية التربية، جاءوا بعشرة أطفال ووضعوا هؤلاء الأطفال على مائدة مدروسة من كبار العلماء التغذية، البروتين والفيتامين، والمواد السيللوزية، والدهنيات، صمموا طعام كامل الغذاء كل ما شئت على مائدة مفتوحة، أول عشرة يأكلون وفق علماء التغذية، ووضعوا عشرة أطفال آخرين على مائدة مفتوحة كانت بنية الأطفال الذين أكلوا أكلاً حراً على مزاجهم أفضل بكثير من الذين أكلوا بتعليمات هؤلاء الأطباء.
يبدو في الجسم قوانين عجيبة، هل يخطر في بالك، امرأة حامل تتوحم على كرنب، الكرنب فيه بوتاس بنسب عالية والجنين في بطنها يحتاج إلى بوتاس، تشتهي البوتاس، الوحام في بعض النظريات أنه حاجة هذا الجنين الذي لا يستطيع أن يعبر عن حاجته، الجنين له حاجات وينقصه مادة معينة حاجته تنقلب إلى ما يسمى عند العوام الوحام.
شيء ثاني المرض دقيق جداً، على موضوع الوحام يوجد طرفة، إنسان تزوج هو له شكل معين وزوجته لها شكل معين، جاء بغلام بعيد عن شكل الأب والأم بعداً كبيراً صار لغط حوله، فضيق على زوجته فقالت له: أنا كنت مرة في الشرفة واقفة فمر عبد أسود فتوحمت عليه فجاء الطفل أسود، فروى لأمه هذه القصة، فقالت له: أنا يا بني كنت على الشرفة فمرت دابة فتوحمت عليها فجئت أنت، كونه صدق فاعتبرته دابة.
شيء آخر في المرض الله عز وجل من فضله وكرمه جعل للمرض أعراضاً، ما هو أخطر مرض ؟ الذي ليس له أعراض، الضغط خطير جداً، أتمنى على كل أخ أن يكون عنده جهاز ضغط في البيت، الضغط لا يوجد له أعراض، إذا ارتفع فجأةً من أعراضه خثرة في الدماغ، عمى في العين، وقد يصعد إلى درجة عالية بدون أعراض، يتسلل، من فضل الله أدوية الضغط فعالة جداً وليس لها مضاعفات، يوجد أشخاص بريعان قوتهم ارتفع الضغط فجأةً فخسروا عضواً أساسياً في حياتهم.
اعقل وتوكل، قال له أأعقلها أم أتوكل، قال له: اعقلها وتوكل، إذا انخفض لدرجة معينة ستة وما دون، لمدة ست ساعات تتوقف الكلية نهائياً، انخفاضه له مضاعفات وارتفاعه له مضاعفات، لأنه أعراضه ليست ثابتة عند كل الناس، يوجد شخص يؤلمه رأسه، وشخص يرتفع ضغطه من دون أعراض، فلابد من احتياط ولا سيما بعد الأربعين يحتاج إلى جهاز ضغط.
أمراض الجلد أكثرها ليس لها أعراض، لأن الزنا تم خلسةً، خفيةً عن المجتمع، فربنا جعل عقابه بلا أعراض، أكثر الأمراض الجنسية ليس لها أعراض، تقتحم اقتحام، بالمناسبة يوجد طبيب يلغي الأعراض يوجد طبيب يعالج أصل المرض، هذا المرض من أعراضه ارتفاع الحرارة، فالطبيب غير الماهر يعطي خافض للحرارة، هذا ليس علاج العلاج أن تبحث عن علة ارتفاع الحرارة، فتعالج التهاب وليس ارتفاع الحرارة، من النعم العظيمة قال تعالى:

﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)﴾
( سورة النحل )
فالعلامات آية من آيات الله الدالة على عظمته، جعل لكل شيء علامة أنت تدخل إلى حقل بندورة كله اخضر يوجد كمية واحد بالمائة أحمر، اللون الأحمر علامة، وكأنها تقول لك تعال و اقطفني، كل أنواع الفواكه والخضراوات لها علامات.
الأمراض لها علامات، لو كان ليس لها علامات لا يوجد طب أساساً، إذا رجل معه مرض خطير ليس له علامات لا يعالج، مثلاً أشعر ضيق في الصدر علامة، أشعر بآلام في المفصل علامة، أشعر...لولا العلامات لا يوجد طب أساساً، الطبيب لا يفقه شيء.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا عاد مريضاً يقول:

(( عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَثَابِتٌ عَلَى أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ فَقَالَ: ثَابِتٌ يَا أَبَا حَمْزَةَ اشْتَكَيْتُ، فَقَالَ أَنَسٌ أَلا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلَى، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَأسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لا شَافِيَ إِلا أَنْتَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ))
إذا الإنسان عاد مريض من السنة أن يضع يده على رأسه وأن يدعو بهذا الدعاء.
أيها الأخوة: واجب ديني يقصر به كثير من المسلمين، وهو عيادة المريض أي زيارته، تفاجئون الآن أن عيادة المريض في المفهوم الإسلامي أن تأتيه بالطبيب، ولا تكون عبء عليه، خذوا طريق زارنا رجل، خذ له طبيب، أن تقضي له حاجاته، عنده مشكلة يحتاج إلى أغراض، إلى شراء دواء، عيادة المريض في الأصل خدمته، ليس تزوره فقط، ما الذي تشكي منه هذا مرض صعب، لي صديق مات فيه، والله تقع هذه، وهو لا يشعر حطمه عند الطبيب الفلاني هذا كلام شيطاني، قد لا تصدق أن عيادة المريض تعني خدمته، تأمن له حاجاته وقد تأتيه بطعام لأهل بيته، هم مشغولين بالمريض أتهم بطبيب، أحضر لهم الدواء، عنده جهاز معطل أصلح له هذا الجهاز.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسٌ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ رَدُّ التَّحِيَّةِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَشُهُودُ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ ))
مرة يعني أنا لي درس في جامع آخر، رجل في هذا الجامع الآخر مرض وأنا لم أزوره، فلما التقيت به عاتبني أنا مرضت ولم تزورني، الحقيقة أني لم أزوره، وقلت له: الحق عليك، قال: كيف، قلت له: أنت ذهبت مرتين عمرة ولم تقول لي وغبت شهرين، سألت فقالوا لي في العمرة، فعندما مرضت الآن توقعتك في العمرة، أما إذا بلغتني قبل السفر كما علمنا النبي، وغبت من دون أن تبلغني معنى هذا أنك مريض.
من السنة رجل في الجامع أحب أن يسافر، هذا الشيخ افرضه أب، فلان لم أراه، تكلم كلمة أنا لا أمنعك، إعلام لطيف، إذا إنسان بأسرة منضبطة ولم يتغذى في البيت يخبر بالهاتف، وإذا لم يخبر ينتظرونه، وإذا خبر هذا سلوك حضاري، أخلاقي.
كلما سافرت تبلغ هذا احترام للمجموع، إنسان يحب أن يكون أخوه في مستوى عالي، غاب عن المسجد شهرين من دون أن يعلم أحد، يقول أحدهم لا أخوكم مسافر وبلغني، انتهى الأمر.
السنة إذا الإنسان سافر يعلن، هذا أدب، وله حضور في المسجد يغيب فجأةً دون إعلام هذه مشكلة.

(( عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ ))
الآن الشيء الدقيق من مستلزمات هذه الزيارة إحضار الطبيب له عند الحاجة، وقضاء حوائجه، وحوائج أسرته إن لم يكن لهم من يقوم بذلك إذا الطبيب قال: منع أحد أن يزوره، قال لي طبيب: هذا المريض إذا عطس يموت معه خمس شرايين مسدودة، باقي على شريان ضعيف جداً، منع أحد أن يقابله، ويقولون له: كيف الصحة...مشكلة لا يتحمل وإذا قلت لهم ممنوع أن تزوروا المريض ينزعجون، لا هذه حضارة أخلاق، ممنوع ممنوع سلموا عليه.
إذا أراد الزائر زيارة المريض فعليه أن يختار الوقت المناسب الذي لا إزعاج فيه، والنبي قال:
((المريض عيادته فواق ناقة ))
أي ما بين حلب ناقة.
مرة جلس زائر عند مريض ثلاث ساعات، قلت له هذه محاولة حلب تيس، العيادة فواق ناقة، عشر دقائق، إذا هو طلب منك أن تجلس وتستمر وبإلحاح، يريد أن يأخذ إبرة، يغير جرحه، متألم لا يريد أن يصيح أمامك، العيادة كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام:

((فواق ناقة ))
من سنة العيادة أن تطمعه في الحياة، زار صديق صديقه ومعه مرض بقلبه، قال له: خير إن شاء الله، قال له المريض قضية في قلبي، فقال له: حاجتك كبرت.
نفسوا له في الأجر، إن شاء الله عز وجل يعافيك، إن شاء الله تزوج أولادك وترى أولادهم، لا كلامك يعيشه زيادة ولا كلامك الآخر ينهي له أجله.
يقولون طرفة أنه عندما ألقي سيدنا إبراهيم في النار، جاءت الضفدعة وملأت فمها ماء وحاولت إطفاء النار، وجاء أبو بريص ونفخ في النار لا الضفدعة أطفأت النار ولا أبو بريص زاد لهيب النار، ولكن كل واحد عبر عن ذاته.
يسر المريض إذا كلمته كلمات رقيقة وجميلة، أنا أذكر طبيب حكيم جداً أحضره أخ إلى والدته والمرض يحتاج إلى معنويات عالية، فعنف الابن تعنيفاً شديداً أمام الأم، لا يوجد فيك شيء أنا لست فارغ لهذه الأشياء، يوبخ ابنها، أنه جاء به والأمر ليس يستحق هذا، فالأم ارتاحت جداً.

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأجَلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ ))
أنت تعينه على الشفاء، يوجد أخ لا أنسى هذا أبداً عمل عملية في لندن قال لي: قبل العملية بساعتين دخلت ممرضة هي تنسق الأزهار ويبدو أن مهمتها تنسيق الأزهار، وهي تنسق الأزهار ووجهها نحو الأزهار قالت له من طبيبك أنت، قال لها: جبسون، فقالت له: هل رضي أن يعمل العملية، فقال: طبعاً، قالت له: ليس معقول، قال: لماذا، قالت: هذا عمل عشرة آلاف عملية ولا واحدة لم تنجح، وليس لديه وقت كيف أعطاك موعد ؟ فقال لها: أنا على موعد معه، فقالت: ليس معقول إنه أرقى طبيب في العالم، بعد أن انتهت العملية ونجحت والآن المريض حي يرزق، مكتوب في الفاتورة ألفين جنيه رفع معنويات، هذه الممرضة كانت عالمة نفس وليس ممرضة.
ترفع معنويات المرضى ولكن بشكل ذكي جداً، وهي تنسق الأزهار تسأل المريض من طبيبك...
فيسر أن هذا الطبيب أفضل طبيب في العالم ولا يوجد عنده ولا غلطة فيسر المريض وترتفع معنوياته، والآن ثبت في العلم أن كل ما كان المريض معنوياته أعلى استطاع أن يتغلب على العامل الممرض.
وهذا الفرق بين مريض معنوياته منهارة لا تنجح عمليته، وبين مريض معنوياته عالية تنجح عمليته.
هذه حكمة النبي قال:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأجَلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
يجب أن تتكلم كلام أحلى من السكر، والله مرة من شهر زرت مريض مرض عضال الله ألهمني عشر قصص، قصة عن مريض مشابه له ولها ثلاثون سنة، وأنا اقصدها واحدة وراء الثانية، وأعرف واحد من سنة الخمسة والستين والله شفاه وعافاه،... بشكل عادي، وهو يرتاح أول مريض الله شفاه وثاني مريض.. يجب أن تعطيه نفس، وكلما ارتفعت معنوياته تذهب إلى عنده مرتاح، هكذا قال النبي:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأجَلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ ))
ويوجد حديث آخر:

(( إن المسلم إذا عاده أخاه المسلم ما يزال في ثمرة الجنة ))
والنبي عليه الصلاة والسلام زار مريض أصيب بالحمى فخف عنه قائلاً:
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: لَهُ لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتَ طَهُورٌ كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا ))
وكان عليه الصلاة والسلام يضع يده الشريفة على جبهة المريض أو على صدره ويدعو له بالشفاء وهو نوع من الطب النفسي الموافق لقوله بشروا ولا تنفروا يسروا ولا تعسروا.
يوجد أخوانا درسوا في أمريكا هناك الترتيب شيء آخر، تبلغ المريض مرضه بأكبر حجم كلمة واحدة، هذا ليس معقول، بلغ أهله.
أنا أعرف مريض والله صار معه ورم خبيث في الرئة أمل بالألف واحد لأن زرع الرئة نجاحه نادر جداً، ومنتشر في كل الرئتين، وهو مؤمن ولم يبلغه أحد، والذين عادوه رفعوا معنوياته، والله هذا المرض تراجع شيئاً فشيئاً وهذه القصة، من خمسة عشر سنة والآن حي يرزق والذي فحصه وأخذوا خز عات إلى بريطانيا أطباء من أعلى مستوى، هذا الشفاء الذاتي، أهم شيء أن تكون معنوياتك قوية.
ويوجد امرأة مغربية ألفت كتاب صار معها مرض خبيث وذهبت إلى مكة المكرمة وشربت من ماء زمزم وطافت ثمانية عشر طواف مستمر ثم شفاها الله تعالى، وقابلت الطبيب الذي يأسها من الحياة وقال لها: معك أسبوعين وانتهى.
حدثني أخ من أخوانا الكرام، قال لي: أنا ولدت في بيت عربي، يوم ولدت زوجة عمي معها مرض خطير جداً، جاء الطبيب قال: هذه المرأة منتهية اكتبوا النعوة، واشتروا الأسود قال لي: زارتني بعد أربع وخمسين عام في بيتي الجديد، هذا أطول رقم سمعته بين كلام الطبيب انتهت وبين وفاتها بعد خمسة وأربعين عام.
الإنسان لا يعلم متى أجله عليه أن ينفس له في الأجل، قال: من أدب الزيارة أن لا يطيل الزائر المكث عن المريض كي لا يثقل عليه، المؤمن هين لين لا يظلم:

(( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ ))
وإن شاء الله نتابع هذا الموضوع في درس قادم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:33 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 021: المرض (3) : عبادة المريض .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-13

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: لازلنا في موضوع المرض والحديث اليوم عن عبادة المريض، لابد من مقدمة لهذا الموضوع تتعلق بأن الوسع لا يحدده الإنسان بل رب الإنسان، لأن معظم الناس لا أقدر عليه، لا أستطيعه، أين أذهب بعيوني، الاستقامة مستحيلة الآن، الاستقامة فوق الطاقة، يقول لك المحامي لابد من أن أخالف أمر الله وإلا أموت من الجوع، هذه الحرفة مبنية على غير ما يرضي الله، على الاحتيال على الكذب.
يقول لك الطبيب إن أعطيت المريض الدواء الشافي النباتي لا يقنع بي، لابد من قائمة أدوية غالية جداً حتى يقنع بعلمي، أي إنسان سألته يعطيك كلام غير إسلامي، أما بكلام بحسب رأي الناس واقعي، الإنسان حينما يغير.
حدثني أخ وقال لي والله وأنا ما أقررته على هذا ونبهته: تأتي امرأة تريد قماش معين يقدم لها ثوب، أريد أفضل، أقول لها يوجد ولكن أغلى بكثير تقول له لا يوجد مانع، آتيها بثوب آخر من القماش نفسه ومن اللون نفسه ولكن يوجد حركات معينة هذا غير، وآخذ ثمنه الضعف، تقريباً تكاد تكون معظم المصالح مبنية على الكذب، والغش والتزوير، والإيهام، والمخاتلة، وتزوير منشأ البضاعة، ومواصفات البضاعة، وعرضها بشكل مغر، هذا الحديث لا ينتهي بسنوات، الحديث عن أساليب الغش التي يفعلها الناس وهم يزعمون أنهم إن لم يفعلوا هذا ماتوا من الجوع، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)﴾
( سورة القصص )
أخوانا الكرام: حينما تنطلق من أنك إذا أطعت الله تخسر وأنك إذا عصيته تربح فعلامتك بالإيمان صفر، لا تعرف الله أبداً ولا ذرة، إذا توهمت فقط أني بطاعة الله أخسر وتصبح وراء الناس وعندما أعصي هكذا الدنيا تسير الله لا يؤاخذنا إن شاء الله، وكأن الله عز وجل ليس هو المعني بمعرفة وسع الإنسان، وسع الإنسان لا يحدده الإنسان يحدده الله عز وجل، يوجد حالات بكل مجتمع ولكن قليلة، بكل الحرف حالات قليلة جداً هذه الحالات هي شاهد معاكس.
قال لي شخص: أربعين سنة في الجمرك ما أكلت قرش حرام ولا ليرة الآن في الثانية والثمانين صحة، مكانة، أولاد، ويوجد أناس بالعكس، ممكن أن لا تأكل قرش حرام، يمكن أن تكون محامي لا تستلم إلا دعوة محق، الله هو الرزاق، أما الذي يحدث خلاف ما تتوقع، الذي يحدث أن هذا الذي وضع أعراف الناس تحت قدمه واستقام على أمر الله هو الذي سيربح الدنيا والآخرة، سيربح الدنيا، ما كان الله ليكافئ مطيعاً بحرمانه من الدنيا ولا كان الله ليكافئ عاصياً بإعطائه الدنيا، أما العاصي يجمع هذه الأموال الحرام خمسة فوق خمسة ثم يدفعها مائة مليون دفعة واحدة بطريق أو بآخر، وأساليب خسارة المال كبيرة جداً والله عز وجل إذا أعطى أدهش وإذا أخذ أدهش، أنا أتمنى على أخوانا الكرام إياك ثم إياك أن تتوهم أنك تخسر إذا أطعت الله وأنك تربح إذا عصيت الله.
أخ من إخواننا أنا أظنه مستقيماً ولا أزكي على الله أحداً قال لي: هذا الطفل الصغير يأخذ من والده خمس ليرات، عشر ليرات هل من المعقول أن أطعمه مادة منته مفعولها، قال لي: أفضل المواد بأعلى المواصفات وعلى الحسابات يجب أن لا أربح، لكن الله عز وجل كريم يعني تقريباً يعمل وحده ومن حوله واقفون، لا يوجد كساد سوق يحكم الله عز وجل، الله هو الفعال وأنت في سوق كاسد بمنافسة غير معقولة تعمل وحدك وتربح إذا النية طيبة والمنهج صحيح.
قال لي أخ من أخوانا من طلاب كلية الطب: من بعد أن اصطلحت مع الله واستقمت على أمره علاماتي أخذت تغيير نوعي كلها صارت امتياز جيد وأنا قدمت امتحان من أعقد الامتحانات سبعة وثمانين علامة، قال أنا ما تغيرت ولكن غيرت سلوكي مع الله والله شجعني بمعاملة لم تكن من قبل.
أريد منكم هذه النقطة لا تقول لي يوجد كساد، والأمور كلها مغلقة والطرق غير سالكة ويوجد وضع غريب، وجود عجيب، مع الله عز وجل لا يوجد شيء، الله عز وجل طليق الإرادة، فإن كنت له كما تريد كان لك كما تريد، عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
الوسع لا تحكمه أنت، يا رب أين أذهب بعيوني ؟ هناك آلاف مؤلفة من الشباب يغضون أبصارهم ولا يعبئون بأي تقليد اجتماعي، معقول أن لا أصافحها ؟ نعم معقول، أنا مسلم، هل من المعقول أن لا أجلس معهم معقول دعيت إلى عرس ما أحضره ؟
سمعت تعليق أعجبني جداً إنسان دعاك إلى عرس مختلط وغالي عليك أخوك مثلاً ما هو الحل ؟ أذهب قبل يوم وأخذ له هدية ثمينة وأنا شاكر جداً لدعوتك وأنا أتمنى أن ألبيها ولكن تتناقض مع منهجي وهذه هدية.
ترى الناس كأن أمر البشر أقوى من أمر اله تعالى، فالتعليق على قضية الوسع، الوسع لا يقرره إلا الله والله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها هو العليم.
فلذلك عبادة المريض رخص الإسلام للمريض ما لم يرخص لغيره في قوله تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾
( سورة البقرة )
فخفف عنه وعطف عليه فسمح له بالصلاة جالساً، أو مضطجعاً أو إيماءً بعينيه بحسب استطاعته، يعني سمح له أن يصلي بعينيه، سمح له أن يقصر الصلاة، هناك قصر كمي وقصر كيفي، القصر الكمي وأنت مسافر الرباعية تصبح ثنائية وفي أغلب المذاهب معفى من السنن عدا الوتر، وسمح لك أن تقصر الصلاة كيفي، لو كانت الصلاة سبب لقتلك حالات قد تقع في التاريخ في زمن هولاكو، تيمور لنك، يوجد حالات سمح لك أن تصلي وأنت واقف في استعداد، سمح لك أن تصلي وأنت في السرير، صلاة قصر الخوف قصر كيفي، لك أن تصلي بأي وضعية تكون لأن الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، لا يمكن أن يسقط يجب أن تصلي بأية طريقة لكن الله عز وجل تفضل علينا في هذه البلاد الإسلامية في الآذان والصلوات قائمة ودروس العلم كثيفة جداً، هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، في بعض البلاد لا تستطيع أن تدخل إلى المسجد ولا مرة، مرة واحدة تدينك، اشكروا الله على هذه النعمة، مساجد مفتحة أبوابها والدروس كثيفة جداً، إقبال الناس على الدروس كثيف وهذا من فضل الله علينا.
مثلاً قبلة الخائف جهة أمنه، قبلة المريض جهة راحته، قبلة المسافر جهة دابته، الله عز وجل خفف على المريض وعلى المسافر وعلى الخائف.
يوجد حكم إنسان تزوج فتاة شابة سبعة عشر، أخذ لها بيت في طرف قرية من القرى وليس حوله بيوت عنده أرض عمرها بيت، والجامع بعيد عنه الشرع يأمره أن يدع صلاة الجماعة سبعة أيام حتى تأنس به زوجته عدا الجمعة، قد يتركها الفجر تخاف، يتركها العشاء تخاف حديثة عهد بالزواج والبيت متطرف لا يوجد حوله أحد لا تتحمل أن تجلس بمفردها، الشرع حكيم.
الأغرب أن هذا المرض لا يحرمه أن يكون إماماً يصلي بالناس جالساً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم آخر حياته، صلى جالساً وأصحابه قياماً خلفه، يجوز للمريض أن يصلي جالساً إماماً، وفي صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ))
لكن يوجد أشخاص يتخففون من أعباء الصلاة، يعني لأتفه سبب صلى قاعداً، مرة الحجاج وقف عند بائع يصلي في دكانه قاعداً يبيع قدور، ويبدو أن المحل عالي جداً ويوجد سلم فقال لي ذاك القدر فصعد إلى فوق، فقال له: ليس هذا الذي بجانبه، الذي على اليسار فصعد خمس مرات مرة صاعد ونازل، فقال له: من أجل أن تبيع قدر تصعد وتنزل أما أربع ركعات أنت قاعد، هذا يقع.
والإسلام أيضاً يسمح للمريض أن يفطر في رمضان وعليه قضاء عدة من أيام أخر، بعد العيد يصوم ما أفطره من الأيام وله أن يتابع بينها وله يفرق بينها، هذا إذا كان مرضه مؤقتاً يرجى شفاءه وإن كان مزمناً لا يرجى شفاءه أو كان يضر معه الصوم بشهادة طبيب مؤمن موثوق، ورع، أفطر وعليه فدية وهي إطعام مسكين عن كل يوم وجبتين تكفيانه لفطوره و سحوره.
يوجد بالفقه قضية دقيقة جداً هو أن الإنسان حينما لا يستطيع أن يؤدي الواجبات هناك كفارات، أما أن تستحل بالكفارات الواجبات هذا الشيء مستحيل أن يقبل، أوضح مثل إنسان ركب في الطائرة ذاهباً إلى الحج يركب الطائرة أول مرة في حياته، وضع المناشف في المحفظة و المحفظة ذهبت إلى الوزن ثم إلى الطابق الأرضي في الطائرة، ركب الطائرة، اقترب من الميقات قال أين المحفظة ؟ أية محفظة، التي يوجد فيها المناشف ؟ حديث عهد بالطائرة، هذا لا يوجد حل إطلاقاً، السيارة تقف على اليمين نفتح الصندوق نأخذ الحقيبة أما فوق لا يوجد وقوف على اليمين، فهذا دخل الميقات غير محرم و الإحرام واجب، الشرع واقعي، قال وصل إلى جدة أمامه خيارين: إما أن يعود إلى رابخ فيحرم و إما عليه هدي، هذا معناه حج بثيابه العادية، دخل الميقات بالثياب العادية، جاء رجل غني قال: أخي أنا هذه المناشف أنا لم أحببها أريد أن ألبس كلابية مريحة، كم فدية هذه ؟ سمعت خاروفاً، أنا عشر خواريف، كلا و لا مائة خار وف و لا ألف و لا مليون مستحيل تتخذ الكفارة وسيلة لإلغاء الواجب، أما إذا لم تستطع أن تؤدي هذا الواجب يوجد كفارة، أما أن تستحل واجباً بكفارة مستحيل، هذه قضية أساسية في الدين، أحياناً ينتج أشياء غير مقبولة، يقول لك اسقط صلاة حسبوها مثل تلك إطعام مسكين و رجل ترك له خمسمائة مليون و لم يصلي في حياته هذه القضية سهلة، عاش مثلاً ستين عاماً و في الثلاثة عشر بدأ التكليف، فثلاثة عشر ناقص ستين سبعة و خمسون مثلاً، فسبعة و خمسين ضرب ثلاثمائة و خمسة و ستين ضرب خمسة ضرب إطعام مسكين يكونوا مثلاً ثمانمائة و خمسين ألف أو مليون، هل يوجد عندي شيء لكم ؟ لا، لو تدفع ألف مليون قال تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾
( سورة النجم )
هذا الوهم أنه يوجد سقوط صلاة و سقوط صيام كله حلوه، هذه العبادات لا تقبل إلا أداءً من صاحبها، عدا الحج يوجد حج بدل ولكن ممن إذا وصى، يعني اقتطع من ماله في حياته، عند بعض المذاهب لا يقبل الحج تطوعاً إلا من إنسان واحد ابنه الذي من صلبه، عندما ابنه تطوع وحج عن أبيه يعني أنه رباه تربية إسلامية، هذه التربية وهذا الورع من أثر أبيه، الابن وحده في بعض المذاهب مقبول أن يحج حجة بدل عن أبيه تطوعاً دون أن يوصي الأب.
يسمح للحاج المريض في رأسه أن يحلق رأسه وهو محرم في حج أو عمرة وعليه فدية وهي على التخيير فإما أن يصوم ثلاثة أيام أو أن يطعم ستة مساكين، أو أن يذبح شاة للفقراء، الحجاج دائماً يرتكبون أخطاء كثيرة وكل خطأ له سبب، يوجد مفتي كلما سأله حاج يقول له تحتاج إلى ذبح يعني عليك ذبح، قال تعالى:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
( سورة البقرة -196-)
الملاحظ أن المريض والمسافر إذا كان معذوراً يكتب له أجر كل عباداته مقيماً صحيحاً، لأن السفر والمرض أمر قاهر.
أوجب الإسلام الجهاد في سبيل الله على ذوي الكفاءة والقابلية البدنية والعقلية وعفا عن المرضى والضعفاء ومن لا يستطيع القتال لعلة فيه تقعده عن الجهاد، قال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)﴾
( سورة التوبة )
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً (17)﴾
( سورة الفتح )
يوجد نقطة دقيقة أحب أن تكون واضحة عندكم يوجد رخص ويوجد عزائم، في قصتين توضحان تماماً معنى الرخصة والعزيمة، صحابيان جليلان وقعا أسيرين بيد مسيلمة الكذاب، فقال للأول: أتشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أتشهد أني رسول الله، قال: لم أسمع شيئاً، فأمر بقتله، الثاني عندما رأى زميله قتل شهد له بالرسالة، بلغ ذلك النبي هنا الجواب، هو لم يصدق أن مسيلمة نبي ولكن لينجو من القتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((رحم الله الأول فقد أعز الإسلام، وأما الثاني فقد أخذ برخصة الله.))
هل ترى عظمة الإسلام يوجد موقفين وأنت مخير، هذا مسموح هنا الأجر بالعملة التركية وهنا الأجر بالدولار، مرة كنت في تركيا رأيت كتيب عن استنبول، قلت له بكم هذا، قال بمليون ليرة تركي يعني خمس مائة سوري، كل شيء بثمن، الذي قال له لا أشهد وقتل هذه سعرها غالي جداً، وهناك رجل على أتفه سبب يفطر، أنا مسافر لبيروت ساعتين والنهار ست ساعات، وسمعت ببعض البطولات التي قدمها بعض الطيارين في حرب تشرين في طائرين كانوا صائمين ولم يفطروا وهم في معركة جوية، وظهرت منهم بطولات مذهلة.
قصة رائعة عمار بن ياسر نطق بكلمة الكفر، خاف، وقال له النبي لا تخف وإن عادوا فعد، فنزل قوله تعالى:

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106)﴾
( سورة النحل )
وسيدنا بلال وضعوا صخرة كبيرة فوق صدره، أحد أحد فرد صمد، كل شيء بسعر، ولكن الأول ليس مؤاخذ ولكن أجره قليل أخذ بالرخصة يوجد نقطة أحب أن تكون واضحة أمامكم، يعني يأتي يوم عاشوراء، يوم رجب، أناس يصومون وأناس يفطرون، ألا تصوم، إذا أنت كنت صائم وتتباهى بهذا الصيام اترك الآخرين هذا ليس فرضاً ويريد أن يسأل الآخرين هل أنت صائم، جحا سهر ليلة ويريد أن ينام الدهر كله هذا سوء أدب، إذا قضية نفل النبي صلى الله عليه في بعض الغزوات في رمضان، النبي أمام كل أصحابه أمسك كأس ماء وشرب رحمةً بأمته، يوجد بعض الناس لم يفطروا، هذا بالتعبير الحديث يعملون مزايدة، فقال عليه الصلاة والسلام أولئك العصاة.
كن واقعي لا تحمل نفسك ما لا تطيق، لا تحمل نفسك على كره الدين النبي أورع منك، أشدكم لله خشية أنا، أنام وأقوم، يوجد قصص غير معقولة عمل أربع ختم في الليلة، ست مائة صفحة الجزء يحتاج إلى نصف ساعة، وثلث ساعة بصعوبة بالغة، ثلاثين ثلث ساعة عشر ساعات، أربع ختم أربعين ساعة، كن واقعي.
والله يا أخوان يوجد قصة أحجمت عن روايتها على المنبر يمكن عشر سنوات ما اقتنعت بها جاء من أذربيجان رسول كره أن يدخل على عمر في الليل أمير المؤمنين، والله أحياناً يخبرني أخ الساعة الثانية بعد منتصف الليل ويقول لي فلان رقمه عندك أستاذ، أنا دليل، يوجد أناس لا يوجد عندهم ملاحظة إطلاقاً، يوجد نقطة ثانية تؤلم كثيراً، رجل بآخر الدنيا لا يوجد عندي بيت قل للأستاذ راتب، يبعث لي بهذا الرجل ماذا أنا، كلما إنسان شكا لك تبعثه إلى عندي أنت ما عملت شيئاً وأحرجتني، هل أستطيع أن أؤمن خمسة بيوت للناس في اليوم، بيت يريد أن يتزوج، أن يسكن، عمل، لا أعرفه ولا يعرفني، ولا يلتزم عندنا، من الذي أرسلك إلينا ؟ إنسان يحبك كثيراً وحلفني أن لا أذكر اسمه.

((عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنَ الْمَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ))
(( عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
أيها الأخوة: مرة صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في سفر برمضان بعض أصحابه أفطروا وأخذوا بالرخصة وبعضهم بقي صائماً، يبدو أن الحر كان شديداً، فالذين بقوا صائمين وقعوا من شدة التعب، أما المفطرون ذبحوا الجزور ونصبوا الخيام وخدموا إلى أن جهزوا الطعام للصائمين، ماذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَنَزَلْنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَاتَّخَذْنَا ظِلالاً فَسَقَطَ الصُّوَّامُ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَسَقَوُا الرِّكَابَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأجْرِ ))
الإنسان عندما يكون واقعي الله يحبه، المفطر أقوى خدم إخوانه، لذلك ورد في الحديث إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، إذا الله رخص لك صلي ركعتين لا يوجد مانع في السفر، الله عز وجل سمح لك يوجد تعب وانتظار والمسجد مغلق لم تتمكن أن تصلي براحة في مكتب السفريات وراء الباب ركعتين، أما يوجد شخص يحمل نفسه ما لا يطيق.
أما ثواب المريض أدخر الله جل جلاله للمريض أجراً عظيماً إن تناول الدواء وصبر ورجا من الله الشفاء، شبه النبي عليه الصلاة والسلام المؤمن بالنبتة الطرية تعرض عليه المصائب ولكنه يجابهها بشجاعة وصبر على أمل أن الله عز وجل أعد له فيها أجراً عظيماً فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا))
في الحالتين شاكر، أحياناً الإنسان يحب الحياة وأحياناً يدعو على نفسه بالموت كلا الحالين غلط، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ))
شيء لطيف جداً دعاء متوازن، يوجد أشخاص، يعني أقرب الناس لهم يتمنون موتهم، يوجد حالات شلل، حالات ضعف، قال لي: والدتي نربطها من يديها وقدميها، لماذا ؟ قال: لو أطلقنا يديها أكلت من غائطها وخلعت كل ثيابها، الموت رحمة.
رجل دعا على رجل هكذا سمعت، اللهم أصبه بشلل في يديه، وعمىً في عينيه، وسرطان في يده حتى يتمنى الموت فلا يجده، أحياناً الموت رحمة من الله، ادع الله عز وجل أن يكون خريف العمر خريفاً سعيداً لأن غير المؤمن يرد إلى أرذل العمر.
قال: يا سيدي ما هذه الصحة ؟ ستة وتسعين سنة، منتصب القمة، حاد النظر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، زوجته معه، قال: يا بني حفظناها في الصغر حفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً التقوى أقوى هكذا كلام العامة.
إنسان ضبط سمعه ما استمع إلى الغناء، ضبط بصره ما أطلقه في عورات المسلمين، ضبط لسانه، الأعضاء الذي ضبطها في سبيل الله نرجو الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بها طوال الحياة، مرة زرت والد صديق لي عمره ست وتسعون عاماً في العيد، هكذا قال لي بالضبط: يا بني أجريت البارحة تحليل وكانت النتيجة كله طبيعي، تحليل كامل، قال: والله ما أكلت قرش حرام في حياتي، استقيم و انظر تصبح ملك عظيم، الله عز وجل يدعمك، يحفظك، يرفع شأنك يعلي قدرك، استقيموا ولن تحصوا.

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ))
أيها الأخوة الكرام: قضية المرض قضية عامة وقضية متكررة، المرض يصيب معظم الناس، يوجد مرض طارئ ومرض دائم، على كل حال المؤمن صابر، والمؤمن شاكر، والمؤمن يرى أن هذا المرض فيه حكمة بالغة.
يوجد أخ حدثني عن وضعه طبعاً في بلد غربي، قال لي: أخرج من البيت الساعة خمسة الفجر وأرجع الساعة الحادي عشر دخلي فلكي، يجري خمس عمليات كل عملية خمسة آلاف دولار، خمسة وعشرون ألفاً في اليوم، قال بقيت على هذا الحال ست وعشرين سنة لا أرى سوى العمل، جاءه مرض صحي واصطلح مع الله وغير كل حياته، قال لي: كنت في الغفلة ميت، والآن صحيت، هذا المرض لفته والله عز وجل شفاه والآن يدعو إلى الله ليلاً نهاراً بسبب مرض أصابه، فكلما الإنسان يعرف حكمة الله عز وجل يرضى بقضاء الله وقدره، وفي درس قادم إن شاء الله نتحدث عن معالجة المريض وهذا موضوع مهم جداً.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:34 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 022: المرض (4) : التـــــــــــــــداوي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-20

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: لازلنا في موضوع المرض وهو من ألصق الموضوعات في الإنسان لأن الله جل جلاله شاء المرض ليكون أداةً تربويةً، وحينما نفقه حقيقة المرض نزداد حباً لله عز وجل، ويجب أن نعلم علم اليقين أن الذي خلق المرض يخلق الشفاء، وأي مرض مهما بدا لكم عضالاً يشفيه الله عز وجل إلا مرض الموت لأن الموت أجل محتوم ولا تنتهي الحياة إلا عن طريق المرض، فمرض الموت لا شفاء منه.
ومع ذلك ففي حديث قدسي يقشعر منه الجلد:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))
هيأ لهذا المؤمن جنةً عرضها السماوات والأرض، وليس هناك من نسبة بين طبيعة الحياة في الدنيا وطبيعة الحياة في الآخرة، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعني في درس الجمعة الماضي ورد قوله تعالى:

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)﴾
( سورة البقرة )
قال العلماء: مطهرة من كل ما يعتري المرأة في الدنيا، يعتري المرأة الكبر، يعتري المرأة الحيض والنفاس، يعتري المرأة تراجع في صحتها، تراجع في شكلها، تراجع في جمالها، قد تكون سيئة الخلق، قد تكون ضاغطةٌ على زوجها هناك آلاف القصص في البيوت، أما الزوجة في الدار الآخرة مطهرة من كل شيء، لا يوجد تقدم في السن هذه الأمراض الذي يقلق لها الناس ليست في الآخرة هناك مرض.

((... وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))
قال لي أخ من يومين، سيدنا عمر قتل، قلت له: وما بها تنوعت الأسباب والموت واحد، وهناك أحاديث صحيحة في البخاري أن الشهيد لا يشعر بألم القتل ويرى مقامه في الجنة وتفوح من دمه رائحة المسك قربت هذا المعنى لهذا الأخ، قلت له: إنسان يرتدي بدلة عتيقة جداً يعني نوى أن يخلعها ليجعلها ممسحة مثلاً، جاء إنسان ودفع له ألف مليون، إذا خلعها باختياره ممسحة، أما أخذناها منه عنوة وأعطيناه مكانها ألف مليون، هذا الشهيد قدم روحه في سبيل اله، مات بأجله الشهيد ولكن بين أن يموت على فراش الموت وبين أن يقتل في معركة أُعطي مقابل هذا القتل مقام لا يعلمه إلا الله، قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾
( سورة آل عمران )
بكل ما تعني هذه الكلمة أحياء عند ربهم يرزقون، فلذلك المرض أداة تربوية بيد الله عز وجل، هو النبي أديب مع الله، قال: ولكن عافيتك أوسع لي، لا أحد يطلب المرض ولكن إذا جاء المرض ما لكِ يا بنيتي حمى لعنها الله، قال:
((لا تلعنيها فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب.))
والله أيها الأخوة للأمراض فضل والفضل لله عز وجل على بعض المؤمنين لا يعلمه إلا الله، مرض نقل إنسان من الكفر إلى الإيمان، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الوجدان، من التشرذم إلى الجمع، يعني يجب أن تعلم علم اليقين كل شيء يفعله الله أو كل شيء سمح الله به خير مطلق وإن بدا لك خلاف ذلك فلابد من أن تعرف الحقيقة بعد حين.
لكن الحكم الشرعي في معالجة المرض، حينما يغلب على ظنك أن لهذا المرض دواء عند بعض العلماء، بل عند جل العلماء ترقى معالجة المرض إلى الواجب بل إلى الفرض لماذا ؟ لأنك مكلف أن تصلي وأن تعبد الله فإذا أهملت نفسك فكأنما قتلت نفسك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
فالمعالجة واجبة بقدر ما تعلم من خطر الحياة الدنيا ومن أن هذه الحياة الدنيا فرصة لا تعوض يجب أن تكون صحيحاً، من باب التقريب العمر لا يتأثر بالمرض أبداً، العمر عمر، قال تعالى:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)﴾
( سورة يونس )
ولكن بين أن يعيش الإنسان هكذا أو هكذا، العمر عمر لكن من دون عناية هكذا ملقى على السرير، إذا اعتنى بجسمه هكذا، لأن صحتك غلاف عملك والإنسان بلا صحة عاجز، إذاً أوجب الإسلام على المؤمن أن يتداوى ولكل داء دواء إلا الموت:

(( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قَالَتِ الأعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَدَاوَى قَالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ، قَالَ: الْهَرَم))
بالدرس الماضي تحدثنا تذهب إلى الطبيب الأخصائي وتستعمل الدواء الجيد وتتقيد بتعليمات الطبيب وتتصدق لقول النبي عليه الصلاة السلام:

(( داووا مرضاكم بالصدقات ))
وتدعو الله أن يشفيك لأن:

(( عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
يعني إذا وفق الطبيب على تشخيص الداء، ثم وفق إلى كتابة الدواء معرفة الدواء، ثم سمح الله لهذا الدواء أن يفعل فعله بإذن الله ثم تصدقت تطييباً لقلبك ورجاءً من ربك أن يشفي ابنك فالصدقة والدعاء والتقيد بتعليمات الطبيب واستعمال الدواء الجيد واختيار الطبيب الاختصاصي هذه وسائل المسلم في معالجة الأمراض.
العلماء قالوا: على الطبيب المؤمن بل في عنق الطبيب المسلم أن يعالج المرضى بصدق وإخلاص، وذكرت لكم أن طبيباً صلى الجمعة في هذا المسجد وزارني في المكتب، قال لي: أنا أملك ثلاثة بورد وخرجت خمسين جيل من الأطباء أستاذ في كلية الطب ومختص بمرض الأورام السرطان، قال لي جاءتني مريضة معها مرض خبيث في صدرها لكن وصل إلى كتفها، انفرد بزوجها وقال لي: عنفته تعنيفاً شديداً قلت له أنت مجرم في حقها لماذا تأخرت في الإتيان بها إلي، عندما كان المرض صغيراً يعالج بالأشعة يستأصل، أما الآن انتهى الزوجة ميتة لا محال، فما كان من زوج هذه المريضة إلا قال: لا نحن عند الطبيب الفلاني ما قال لنا سرطان ونحن عنده من سنتين، فهمس بأذني قال لي: طالب الطب صف رابع يعرف الورم الخبيث، فكيف أبقى هذا الطبيب هذه المريضة عنده سنتين، يعطيها الكورتيزون والمسكنات ولم يخبر زوجها أن هذا مرض خبيث، قال لي: سرطان الثدي معالجته بالمائة ثمانين ناجحة يستأصل أو يعالج بالكيمياء والأشعة، فلما عرف الزوج أن هذا الطبيب الذي عالج زوجته كان يبتزهم قال لي: وقع على الأرض مغشياً عليه وتحرك حركات عشوائية ثم قال: يا رب إذا كنت موجوداً فانتقم منه، قال لي: هكذا قال، وبعد ستة أيام ماتت المرأة، وبعد أحد عشر شهراً، جاءني شاب وسيم جلس على المقعد في عيادتي لكن متهالكاً، قلت له: أهلاً وسهلاً من حضرتك، قال: أنا زميلك الطبيب الفلاني معي ورم في صدري هو نفسه الطبيب، قال لي بحسب اختصاصي قدرت أن عمر هذا الورم أحد عشر شهراً من ساعة ما وقع الزوج على الأرض وقال يا رب انتقم منه.
فالطبيب المسلم بعنقه أمانة كبيرة جداً، الطبيب مهنته راقية ولا يستطيع المريض أن يحاسبه، حلل يحلل، خذ هذا الدواء يأخذ هذا الدواء، أذكى مريض لا يستطيع أن يحاسب الطبيب، لكن الطبيب الله يراقبه إذا اتقى الله في خدمة المسلمين ونصحهم، يوجد طبيب يكبر تبرك، ويوجد طبيب يصغر تستشري، أما الطبيب المؤمن يعطيك الحد الطبيعي دون زيادة ودون نقصان، لا يوهمك ولا يخفف عنك تخفيف ساذج.
فالطبيب المسلم في بعنقه أمانة كبيرة جداً، أنا والله أقول لكم لا يمكن أن يوصى طبيب مسلم، ماذا توصي به يعرف الله، ويعرف أن هذا عبد لله، أحد أخونا الكرام طبيب جراح وهو موظف في أحد المستشفيات وله أعمال في مستشفيات خاصة، أقسم لي قبل حين: أني ممكن أن أجري عملية أجرتها مئتا ألف ليرة أو أكثر في مستشفى خاص العملية وعملية مشابهة لها تماماً في مشفى حكومي بلا مقابل كوني موظف هناك، أقسم بالله العظيم لا يمكن أن تكون العملية المجانية أقل إتقاناً من العملية المأجورة، هذه مجاناً وتلك بأجر كبير جداً لأن هذا الذي بين يديه عبداً لله ويخشى الله أن يهمله، يمكن أن يفتح القلب سنتيين والعملية تستغرق ست ساعات، إذا فتحنا أربع سنتمتر تستغرق ساعتين ولكن فتح أربع سنتمتر في القلب يصبح أخطار الجرح لا يلتئم، إذا أريد أن أسرع أفتح أربع سنتمتر، أريد أن أتقن أفتح اثنين سنتمتر خياطة سهلة وإمكانية التئام الجرح مضمون، فالطبيب المسلم لا يمكن أن يعتني بمريض دون مريض، لذلك أنا أستحي من الله أن أوصي طبيب بمريض، هو يرى الله، وأطمئن المريض المؤمن إذا كان عنده عملية جراحية، أقول له: والله يد الطبيب الجراح بيد الله، وإذا إنسان يستحق العقاب قد يكون الطبيب الناجح سبب وفاة المريض.
يوجد رجل كان رئيس جامعة وله زوجة أحب أن يولدها عند أفضل طبيب سمعت من بعض زملائه أنه أكثر من شهرين يبحث عن الطبيب الأول في التوليد، اختصاص من أرقى جامعة يده ماهرة جداً في التوليد خبراته متراكمة، كانت منية هذه الزوجة على يديه، وتجد بدوية في الطريق تلد وتقطع حبل الخلاص بحجرين وتمشي.

وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان
***
أطمئن كل مريض مؤمن والله يعافينا جميعاً، إذا الله عز وجل اضطر إلى عملية ليتأكد أن الأمر بيد الله عز وجل، يد الطبيب بيد الله والله زرنا أخ من أخوانا أجرى عملية بالعامود الفقري رأيته بحال والله ولا ألف درس علم يرقى به إلى هذا المستوى ولا ألف مليون يرقى إلى هذا المستوى، صار شفاف، حباً بالله، كما قال النبي:

(( لا تلعنيها يا بنيتي فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب.))
يوجد قول لا أعرف مدى صحته، المؤمن لا بد له من ذلة أو قلة أو علة، هذه العلة يعني عند خمس علل في جسمه حتى لا يطمئن للدنيا لا يركن إليها، ذلة إذا له ماضي سيء بعد أن اصطلح مع الله، قلة قد يعالجه الله بتضيق ذات اليد.
أخ رحمه الله توفي وله أعمال جليلة وله باع طويل في الدعوة إلى الله قال لي: أنا طوال عمري مريض لا أعرف يوم كنت صحيح، مرة بكيت وكأني عاتبت الله عز وجل يا ربي أنا ما ارتحت يوماً لماذا هكذا يصير معي، قال وقع في قلبه أن يا عبدي لولا هذا الحال من المرض ما كنت بهذا الحال من الإيمان، كلام طيب هذا الذي عبر عنه الإمام الغزالي ليس في الإمكان أبدع مما كان، فسره بعضهم وقال: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، ليس في إمكان الله اتهمته بالعجز، أنت كريم جداً عندك نبتة قطرها ملم أنت عندك إمكان أن تعطيها خمسة إنش فوقها تميتها، تسقيها بقدر كرمك أم بقدر تحملها ؟ المثل واضح هذا معنى قول الإمام الغزالي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
فالطب مسؤولية وفي عنق الطبيب أن يتقن عمله، أنا مرة زارني طبيب وهو حافظ كتاب الله، قلت له: أنت ينطبق عليك الحديث الشريف:

(( من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ))
من شدة أدبه قال: نحن محسوبون على هذا الحديث ولسنا أهلاً له.
عالم توفي قبل أشهر في مصر وهو من أكبر الدعاة في مصر أجرى عملية في بريطانيا، هكذا سمعت أنه أكثر من خمسمائة هاتف وألفين رسالة فإذاعة لندن استغربت شأن غير معقول، فسألوه ما هذه المكانة التي أعطاك الله إياها، فأجاب إجابة ذكية ومتواضعة، قال: لأني محسوب على الله، هذا من جماعة من هذا ؟ من جماعة فلان، وهذا من أين ؟ هذا تابع إلى الجماعة الفلانية، أما المؤمن محسوب على الله لا يليق بك أن تكون محسوباً على الأرض أو مجيراً لحساب فلان، أنت مجير للواحد الديان، لذلك لا تبيع مبادئك وعقيدتك ودينك ولا بالدنيا بأكملها وأكمل موقف قاله النبي صلى الله عليه وسلم:
((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.))
يا أخوان: لا يوجد إنسان أعظم ممن له في الأرض رسالة، حياته مقدسة، أنت حينما تعيش لمبدأ أصبحت إنساناً آخر، الهموم التي تسحق الناس أنت فوقها، حتى تعرف العلم وقيمة طلب العلم، وقيمة الإيمان إذا لك صديق من سنك وتاركه من عشرة سنوات زره واسمع منه تراه أين سخف وضيق أفق، مزح لا يرضي، هموم، مرة مشيت مع إنسان أكبر هم يلاحقه عبوة الغاز، هذه المشكلة كلها هذا الموضوع ساحقه سحق، كل هذا الكون أنت مسلم لك أهداف كبيرة.
سيدنا عمر جاءه ضيف من أذربيجان، خيّره تأكل عنا أم مع الفقراء قال له: طبعاً عندك بالقصر الملكي عند أمير المؤمنين، دخله البيت، يا أم كلثوم ما عندك من طعام قالت: ما عندنا إلا خبز وملح قال لها: هاته لنا، أكل و ضيفه خبزاً و ملحاً، عندما انتهى قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا و سقانا فأروانا.
أحياناً تدعى إلى طعام اثنتي عشرة نوعاً، شراب، مقبلات، صحون، عشرين نوعاً من المقبلات ثم لحومات ثم خضار ثم فواكه ثم شاي ثم رز بحليب فالحلويات، على خبز و ملح قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا و سقانا فأروانا ثم عرف هذا الضيف أن الفقراء يأكلون اللحم فأخطأ بالاختيار.
الطبيب المؤمن ينبغي أن يعالج فقراء المسلمين مجاناً، هل من المعقول أنت عندك علم أن تشفي هذا الإنسان وليس يملك شيئاً اذهب واحضر مال، والله مرة زارني طبيب الساعة الخامسة صباحاً، أنا رأيته من أولياء الله، ما قبل أن تضيع دقيقة إلا بالقرآن الكريم ثم علمت أن هذا الطبيب ليس غنياً يعالج تسعة مجاناً واحد بالمال، إذا فقير يعطيه للمريض ورقة موقعة إلى الصيدلي.
في طبيب من أخوانا أراني أكثر من مئتا إحالة منه يرجى المعالجة المجانية، له حال مع الله صعب أن تتصوروه، يمكن أسعد طبيب بدمشق هكذا أتصوره، يجب أن تعيش لرسالة، تعيش لمبدأ وأنت عندما تعالج مريض مؤمن لوجه الله، بعض الأطباء الله يجزيهم الخير وهم مثل أعلى، لا أبالغ، لنا جار طبيب تبرع وعالج كل طلاب المعهد مجاناً عدد كبير، لنا أخوان أطباء والله لا يوجد طالب علم لا يوجد أخ يشكو من شيء إلا ويتولاه بالرعاية الكاملة من طبيب إلى طبيب للتصوير للمستشفى مجاناً لوجه الله.
الآن صندوق العافية ألف عملية أجراها بسنة ونصف، قريب من أربعين مليون لوجه الله نحن والحمد لله جمعنا قبل أسبوعين أعلى رقم بدمشق لصندوق العافية، و جاؤوا بسرعة طمعاً بكرم الأخوان في المسجد، الحياة من دون عمل صالح تافهة ليس لها معنى، ترى أهل الدنيا اسمحوا لي بهذه الكلمة يقرفون و يقرفون، تراه كأنه أكل طعام حامض يكش وجهه لا يعجبه أحد، وهو يقرف، أما المؤمن هين لين نفسه هنية يألف ويؤلف يعيش للآخرين.
في الأساس معالجة المريض الفقير واجب في عنق الأمة، أنا قال لي أخ خطيب مسجد قصة يدمى لها القلب، عندي زوجة تشكو من آلام من بطنها أخذتها إلى الطبيب، فقال له: التنظير خمسة آلاف لا أملك بعد ستة أشهر تفاقم المرض وكان سرطان منتشر بكل جسمها، لا يوجد في الشام بين هؤلاء الأغنياء الذين يفعلون عرس بخمسة وثلاثين مليون من يعطيه خمسة آلاف، هذه أمة تأثم جميعاً، معالجة المريض واجب في عنق الأمة، لذلك أي مشروع لمعالجة الفقراء يجب أن تدعمه، أنا والله العبد الفقير ولا مرة دعيت إلى صندوق العافية إلا وكنت قدوة أخجل أن لا أدفع يجب أن أكون قدوة، إنسان يتمتع بالصحة هذه ليس لها زكاة، يوجد كل مرض الإنسان يخرج من جلده من الألم، يجب أن يشكر الله المعافى.
يوجد رجل معه مرض عضال وهو ملحد ولكن يعلم الإلحاد هذه مهمته صار معه مرض عضال ولا أحد يعطيه شيء، جاء رجل وعمل لعبة وقال له يوجد شيخ في الشام إذا تعطف عليك يجمع لك ثمن العملية وهذه القصة قديمة، فاتصل مع الشيخ والشيخ هو خطيب مسجد مشهور قال يا أخوان لكم أخ مريض يريد أن يسافر إلى روسيا ليجري عملية، وهو يحتاج إلى ستين ألف وكان الدولار بثلاث ليرات، فجمعوا له ثمانين ألف فذهب وأجرى عملية ونجحت، من إنسان يعلم الإلحاد إلى إنسان ملتزم في هذا المسجد، أترى الإحسان ماذا يفعل، عندما رأى هذا المسجد قدم له هذه المساعدة، أنت أحياناً تضرب عصفورين بحجر تحسن إلى هذا الإنسان لأن الله أمرك بهذا ثم يظهر شيء آخر أن هذا الإنسان اهتدى بهذا الإحسان، لا تزهد بالإحسان.

(( حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلاً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ فَنَظَرَا إِلَيْهِ فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمَا أَيُّكُمَا أَطَبُّ فَقَالا أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الأدْوَاءَ ))
بالمناسبة ورد في الأثر أنه من طبب ولم يعهد منه طب فهو ضامن، يوجد خطأ كبير جداً أن إنساناً يتعالج عند طبيب يصف له الدواء المناسب فيشفى، له أقرباء أحدهم شكا له الأعراض نفسها، فقال له هذا الدواء استعمله، هل أنت طبيب ؟ لعل معه حساسية معينة، ضغط مرتفع، لعل معه سكر مرتفع، لعل معه حساسية من دواء معين، هل أنت طبيب هذه اسمها كثرة كلام.
تقول هذا الطبيب تعالجت عنده وانتفعت زره أنت، لا تعالجه وتعمل طبيب إذا صار معه شيء تدفع ديته هكذا الشرع، من طبب ولم يعهد منه طب فهو ضامن، الصحة غالية جداً يجب أن تختار أفضل طبيب وأفضل دواء، فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار أمهر الطبيبين لهذا المريض.
شيء آخر دراسة الطب وتحصيل الاختصاص العالي فرض كفاية على المسلمين إذا قصروا به أثموا جميعاً، بولاية واحدة في أمريكا وهذا شيء يعتصر له القلب يوجد خمسة آلاف طبيب سوري معهم بورد، وهم قمم في اختصاصهم لو جاؤوا إلى بلدهم وعالجوا المسلمين لكان عملهم أرضى لله عز وجل، لأنهم يعالجون الكفار واليهود، والأمة بأطبائها، أنا أرى من أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله.
أنا هكذا قلت لهم في أمريكا أنتم ترعرعتم في هذا الوطن كما يقول العوام لحم كتفكم من خيره وتخرجتم من جامعاته والآن اختصاصكم وإمكاناتكم وعلمكم للأجانب، أمتكم أحوج إليكم ولا بد من التضحية، هناك كل شيء ميسر ولكن يوجد موت هناك.
مرة ببلدة اسمها دير بون لمحت مقبرة تأثرت تأثراً كبيراً أن إنساناً أقام هناك مع المشركين أمضى كل حياته هناك ثم مات، كيف يلقى الله عز وجل، إنسان مسلم عاد إلى بلده طبعاً سيجد بيت أصغر من بيته، والسيارة أغلى من هناك، سيجد شيء من التعقيدات نحن بلاد نامية لكن لئلا تضحي من أجل أمتك، من أجل دينك، من أجل الذي رباك، والله أنا تألمت خمسة آلاف طبيب بورد بولاية واحد، بترويد، هم قمم في اختصاصهم، اقترحت عليهم أن يأتوا شهراً إلى بلدهم ليعالجوا مجاناً يوجد طبيب استجاب قال لي: أنا أحضرت عشرين قسطرة مجاناً ثم القسطرة سبعة عشر ألف، أجريت عشرين عملية لله في الصيف، قضية أن تعالج أمتك، بصراحة إذا طبيب متفوق في أمريكا جاء إلى الشام ماذا يكون ؟ أمريكا تكون الشام، لأنه خبرة، إذا إنسان درس وتعلم لا ينسى بلده، لا ينسى أمته المسلمة التي هي في أمس الحاجة إليه.

(( عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
إذاً دراسة الطب وبالاختصاص العالي جداً فرض على المسلمين، إذا قام به البعض سقط عن الكل، يوجد اختصاصات كثيرة يوجد فيها شح المفاصل مثلاً هذا مرض مستشر، والخبراء به قلائل، جراحة العظام قليلة جداً، الجراحة العصبية نادرة جداً، تصور إنسان فقير يذهب إلى أمريكا، يحتاج معاملات وأموال فلكية، إذا الطبيب هنا والاختصاص النادر هنا يعني أمريكا في الشام.
فأنا أقول لكم وهذا والله الحكم الشرعي من أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله، وهذا الذي والله قلته في أمريكا للأطباء وما خجلت منهم أنتم آثمون، أمتكم في أشد الحاجة إليكم طبعاً لا تجد في الشام أمريكا لكن لابد من التضحية من أجل الآخرة.
يوجد شيء ثاني، المريض يجب أن يؤمن له تعويض في أثناء النقاهة وهذا فعله سيدنا عمر بن الخطاب كان يؤمن تعويضات إلى المرضى إلى أن يبرؤوا من مرضهم، الآن يوجد نغمة جديدة أن هذا ميؤوس منه يعيش على المنفثة، يمكن إنسان أن يصبح له قلب اصطناعي صار في موت في الدماغ، أوقف المنفثة يموت فوراً، الآن يوجد اتجاهات حاجته اسحب الفيش يموت فوراً، هذا محرم أشد التحريم السبب ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)﴾
( سورة النساء )
لكن قد تكون هذه الآلام في خريف العمر تكفير لذنوب سابقة أنت أحكم من الله عز وجل، أنت إله تنهي له حياته، وهي الآن نغمة شائعة ويوجد دراسات حولها وجدل كثير، أن هذا ميؤوس منه أوقف القلب الصناعي يموت فوراً، فلعل هذا تكفير لذنوبه، أو رفع لدرجاته، ولعل هذه الفترة يقترب من الله عز وجل.
أخ كريم ذكر لنا قصة وهو كان في كندا وعلم أن امرأة أصابها نزف شديد خطير إثر عملية إجهاض وحصل تأخير عفوي بإنقاذها بالدم فانخفض ضغطها حتى كاد ينعدم وتعطلت حواسها واعتراها ثبات طويل امتد أياماً مع كل الجهود المبذولة لإنقاذها، دققوا الآن فنصحوا الأطباء زوجها أن يوقفوا عنها العلاج حتى تموت وترتاح، النقطة الدقيقة بالموضوع هل في الأرض إنسان يستطيع أن يحكم على المستقبل ؟ إذا عندك إمكان أن هذه لن تعيش، قالوا لو بقيت سوف تعيش معطلة الحواس عديمة الحركة فرفض زوجها ذلك، زوجها مسلم وأصر على متابعة العلاج وصار المسلمون الذين عرفوا قصتها يدعون لها بالشفاء يوم الجمعة وفي الصلوات الخمس واستمر العلاج بحمد الله إلى أن تم الشفاء بحمد الله، هذا الشاهد قوي جداً.
يوجد طبيب في الأرض يستطيع أن يعطي حكم قطعي أن هذا الإنسان لن يعيش إذاً اقتلوه وانتهوا منه، هذا تألي على الله، أخ سألني منذ زمن قال لي: فوق طاقتنا المصاريف نوقف الأجهزة، قلت له لا هذا اسمه قتل، بعد أسبوع توفيت أمه، الذي ينهي الحياة هو الله، تكلفت تكلف هذا وسام شرف بيع، الذي يقصر بوالده ويصبح مشكلة يمضي حياته كلها في شقاء ويحس بتأنيب ضمير لا يحتمل.
أيها الأخوة: موضوع المرض موضوع لصق بنا جميعاً والبطولة ليس أن تنجو من المرض بل البطولة أن تقف الموقف الكامل من المرض، لي صديق جاءه مولود كل دقيقتين يصرخ، فذهب إلى ثلاث أطباء قمم كلهم في الجامعات والثلاثة قالوا له أن الولادة تمت بآلة فصار عنده أذية دماغية، فصارت هذه النوبات العصبية، والثلاثة قالوا له بشكل قطعي هذا أعمى أو مجنون أو مشلول، فكان كئيباً بعد شهر أنا حاولت أن أساعده كان طبيب مختص بالأمراض العصبية للأطفال حديثي الولادة، صور وحلل وقال: إن شاء الله يشفى وعزاها إلى الله، بعد عدد من الشهور نفس الشيء، والآن صف رابع في الأزهر، عكس ما قال كبار الأطباء لا أحد ييأس، لا أحد يتشاءم، أحد أخوانا الكرام قال لي ولدت أنا في بيت عربي والبيت غرف غرف وفي كل غرفة أسرة، قال لي: أنا ولدت في غرفة والغرفة التي بجواري امرأة عمي وهي في حالة مرض شديد جاء الطبيب وقال لهم لا يوجد أمل اكتبوا النعوة يوم ولادته، قال: عملت وساعدت والدي واشتريت بيت وبعد ذلك اشتريت بيت في العدوي، وجاءت امرأة عمي وزارتني بعد خمس وأربعين سنة من كلام الطبيب أن اكتبوا النعوة واشتروا الأسود، هذه أطول حادثة سمعتها والأخ من أخوانا الكرام وتكون زوجة عمه.
أنا أطمئن أخوانا لا تيأس لو قال الطبيب هذا المرض ليس له شفاء، لي صديق أستاذ علوم في الثانويات أصابه سرطان في الرئة، عالجوه أربع أطباء من أكبر أطباء دمشق واثنين منهم أصدقائي، أخذت عينة وحللت بأرقى مخبر في دمشق، أخذت عينة إلى بريطانيا سرطان من الدرجة الخامسة أمل في الشفاء لا يوجد، وكان هناك عملية تتم في أمريكا نسبة نجاحها ثلاثين بالمائة تكلف ثمن بيته، كنت مرة في زيارته والله بكيت رأيت أطفال صغار والخيار صعب، نبيع البيت ونتعالج ونصبح بلا بيت والنجاح بالمائة ثلاثين، هذه القصة من خمسة عشر سنة والمرض تراجع شيئاً فشيئاً والآن حي يرزق.
كلمة دقيقة يقولها العوام لكن عميقة، الذي عند الله ليس عند العبد، فاجعل ثقتك بالله قوية، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
( سورة الشعراء )
استعين بالطبيب، والدواء، والصدقة، والدعاء، هذه وسائل الشفاء عند الله عز وجل وهذا آخر درس بالمرض وأصبحوا أربعة دروس، وهذا الموضوع لصق بنا جميعاً والله يشفينا جميعاً ولا يمتحننا، لكن عافيتك أوسع لي.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:35 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 023: فضائل الشام .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-07-25
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سـيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون:
هنالك موضوع دقيق ويمسنا جميعاً، ولكن قبل أن أمضي في الحديث عنه، رأيت من المناسب أن أقدم له مقدمة، ذلك أن المؤمن آمن بأنه لا إله إلا الله وهذه كلمة التوحيد، ومـا عرفت العبيد أفضل من التوحيد، وآمن أن محمداً رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رسول الله أي لا ينطق عن الهوى، كلامه لا علاقة له لا بثقافته، ولا بتجاربه ولا بخبراته، ولا بمعطيات عصرِه، ولا بثقافة الدول التي حوله كلامه وحي من الله، هذا هو الإيمان.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
(سورة النجم: 3 ـ 4 )
ثلاثة أنا فيهن رجل، هذا كلام سيدنا سعد بن أبي وقاص، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، مِن هذه الثلاثة، ما سمعت حديثاً عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله تعالى.
في قلوبنا إيمان، أنت حينما تؤمن أن هذا الكلام كلام الله، إذاً كل علم الله، وكل حكمة الله، وكل خبرة الله، وكل رحمة الله، وكل عدل الله كل هذا في كلامه، وإذا آمنت أن هذا الكلام كلام رسول الله، إذاً هو وحي من الله، وحي غير متلو، هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، غير المؤمن يرى كلام النبي كأيّ كلام، يعرضه على عقله يقبل بعضه ويرفض بعضه الآخر، يظنه كلام بشر، لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعض، لا تفكر أن النبي إنسان عادي، يتكلم من عنده.

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
(سورة الأنعام: 50 )
يتبع الوحي، والوحي كلام الله، أو المعاني التي ألقيت في قلب رسـول الله، إذا تكلم من غير القرآن فكلامه وحيٌ غير متلو، هذا التمييز هو من بدهيات الإيمان، أنت حينما تعرض عليك قضية قطع فيها النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذه القضية إذا كنت مؤمناً إيماناً حقاً غير قابلة للبحث، الآية الكريمة.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
(سورة الأحزاب: 36 )
ليس لك اختيار، هذا حكم الله، كلام النبي من عند الله، وحي غير متلو، لا ينطق عن الهوى، وعلة كلام النبي أنه كلام النبي، سبب اتباع النبي أنه كلام النبي، لأنه وحده المعصوم والقاعدة كما تعرفون النبي معصوم وحده، بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها، أتمنى أن أستزيد في هذا المجال، يعني أنت كمؤمن إيماناً دقيقاً، إيماناً كاملاً، إيماناً متقناً، إن سمعت كلام رسول الله تقبل على تطبيقه بكل طمأنينة، وبكل ثقة، لأنه من عند الله عز وجل.
ثم إن هناك أحاديث كثيرة جداً صنفها العلماء تحت باب دلائل نبوة النبي، يعني قد تجد حديثاً لا يمكن للعلم أن يكشف حقيقة معناه في عهد رسول الله لكنه الآن توافق مع العلم، فهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تؤمن برسول الله، يجب أن تؤمن أنه يأتيه الوحي من عند الله، يجـب أن تؤمن أنه معصوم، لا يخطئ، لا في أقواله، ولا في أفعاله ولا في أحواله، ولا في صفاته، يجب أن تؤمن أن الله أمرك أن تأخذ عنه، ما صح من كلامه، يجب أن تؤمن أنه أحرص الخلق عليك.

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾
(سورة التوبة: 128 )
يجب أن تؤمن أن النبي أولى بالمؤمن من نفسه، وأرحم به من نفسه، لأنه يمثل كمال الله عز وجل، ولكن الناس يقدسون النبي تقديساً شكلياً، أما أن يأخذوا كلامه على أنه وحي غير متلو، أما أن يأخذوا كلامه على أنه حق، صرفٌ لا شائبة فيه، فقليل ما هم، وهناك مـن يتهم السنة الآن اتهاماً شنيعاً، على أنها تمثل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي ولا تصح لهذا العصر، هناك من يقول هذا الكلام.
وبعد، فموضوع الدرس اليوم أيها الأخوة:
فضائل الشام.
ونحن في الشام، يعني قبل أن أمضي في الحديث، فضائل الشام قد تقول: البيوت غالية هنا، رغم أن أسعار البيوت غالية فالشام لها فضيلة قد تقول: يوجد بطالة، فعلاً عندنا بطالة، ونعاني من شح المياه ؟ أجل لدينا شح مياه، يعني حينما أقول لك فضائل الشام لا أنفي عنها بعض المشكلات التي تعاني منها أكثر البلاد تقريباً، ولكن إذا قال لك النبي عليه الصلاة والسلام: إن فضل السكن بالشام فضل كبير، ماذا تفعل ؟ يجب أن تغتبط بأنك من سكان الشام، يجب أن تسعد، على الرغم من كل ما ترى من خشونة العيش أحياناً.
إذا أنت وازنت حياة طالب بالجامعة عنده ساعات دوام طويلة جداً، وأساتذة متعبين، يحضر دكتوراه دولة، وعنده تقريباً 200 مرجع وعليه أن يتقدم بأطروحة فيها إبداع، وسوف يَمْثُل أمام الأساتذة، وسوف يحْرجونه، حتى يشخب دماً، وازن مع حياة إنسان ينام إلى الظهر ويأكل ما لذ وطاب، ويذهب إلى السينما، وإلى الملاهي، ومع أصدقائه يلعب النرد والورق حتى منتصف الليل، وينام طويلاً حتى الظهر، فهذا كما يبدو للوهلة الأولى مرتاح، لكن مستقبله مظلم، وأمامه السبل مغلقة، وغده قاتم.
حياة الاسترخاء والفسق والفجور ليس لها مستقبل أبداً، ترى بلاداً جميلة جداً، متميزة عن كل البلاد، كل شيء ميسر فيها، لكن الطريق إلى جهنم سالك هناك، يعني الزنى على قارعة الطريق، هناك من يفتخر أنه شاذ جنسياً، والله ذكر لي أخ أن مسيرة جرت في أمريكة ضمت خمسة ملايين شاذ يطالبون بحقوقهم، أفخم مسيرة بالعالم خمسة ملايين شاذ، ساروا في مسـيرة ورفعوا لافتات، ولهم مندوبون قابلوا المسئولين، وطالبوا بحقوقهم بلادهم خضراء جميلة، مواصلات مريحة، أبنية فخمة، حاجات مؤمنة لكن الطريق سالك إلى جهنم، قد تجد متاعب في بلدٍ نامٍ وأكثر البلاد النامية هكذا، لكن فيها شيء اسمه دين، و يرفع فيها الأذان، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو حرمتم نعمة الأذان لشعرتم بوحشة.
أخ من إخواننا مقيم في أمريكة، قال لي عندكم حرارة في العلاقات الاجتماعية، وودّ، وروحانية، لديكم سهرات ممتعة جداً، تجليات، سرور أما لو وازنّا بين ما يعانيه الإنسان بالنسبة لبلد متقدم وغني جداً، وبين بلادنا وما فيها من علاقات حميمة لوجد الفرق كبير إذاَ حاول أن تبحث عن الإيجابيات والسلبيات تجد نفسك مرتاحاً، العمر قصير لا يحتمل أن يستهلك في موضوعات تافهة، لا يحتمل أن يستهلك في موضوعات جانبية، أنت مخلوق لهدف كبير، فأنت عندك امتحان مصيري، وتعلق عليه أهمية كبرى، أن تحقق نجاحك، وبعد النجاح وظيفتك الراقية، وبعد الوظيفة الزواج، ولكن فرضاً بين الامتحانان دخلت لمطعم أكلت شطيرة فما أعجبتك وانزعجت، فقضية شطيرة ما أعجبتك يعني الإيدام فيها قليل، والخبز جافر، فهل هذا يؤثر على أهدافك الكبرى ؟ أما إذا كان طالب طبعاً ينزعج جداً من الشطيرة السيئة، فإنه يدع الامتحان ويندب حظه فهذا سخيف العقل والنظر، أما الآخر فقد بدع بالامتحان وتفوق ونجح، فإن آماله الكبرى التي يعلقها على نجاحه تنسيه كل متاعب الجامعة، إن الإنسان العاقل له هدف كبير هذا الهدف الكبير ينسيه كل السلبيات، ينسيه كل الجزئيات، قد تجد إنساناً أسعد الناس وهو في بلد غير متقدم بلد فيه متاعب، لكن أهدافه محققة كلها، فالمؤمن إذا سكن في بلد أثنى عليه النبي فسيلاقي خيراً كثيراً، فمثلاً هذا الاجتماع نادر وجوده في بعض البلاد،دروس علم يحضرها المئات بينهم التراحم، المودة، والعطف، والإخاء، هذا هو العيش.
ذهب شاب من بلادنا إلى فرنسا، فقابل شاباً فرنسياً مهموماً، فسأله عن حاله فقال: أريد أن أقتل أبي. فسأله: ولمَ ؟ قال: أحب فتاة فأخذها مني. هذا نوع من علاقات الآباء والأبناء في تلك البلاد التي رفعت رايات التقدم والرخاء.
كذلك أم في أمريكا (وهذه القصة سمعتها لما كنت في أمريكا، وقعت وأنا هناك ) بكى أولادها ذات ليلة، فقال لها زوجها: نامي عندهم وأسكتيهم، وفي اليوم التالي أركبتهم بسيارة، وعند منحدر يشرف على بحيرة كبيرة أطلقت العنان للسيارة، ورمت بنفسها خارج السيارة، فسقط الأولاد في البحيرة وماتوا، من أجل أن تنام مع زوجها في الليلة التالية، بينما عندنا الابن أمانة عند والديه، والوالدان مقدسان عند الأبناء، والترابط الأسري حميم، همّ الأب الأول أن يزوج أولاده، همه الأول أن يطمئن على أولاده، هم الأم الأول أن تزوج بناتها، فمجتمعاتنا لها ميزات كثيرة جداً، لا يعرفها إلا من فقدها، وهذا كله تمهيد.
لأن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث صحيحة، وهو لا ينطق عن الهوى، يقول:

((عن زيد بن ثابت رَضِي اللَّه عَنْه قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقع إذ قال: طوبى للشام قيل له: ولم ؟ قال: إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم.‏))
[ أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والروياني في مسنده وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه ]
وفي بعض الأحاديث طوبى لمن له فيها مربط شاة، أي بقدر نصف الطاولة لمن له فيها مربط شاة، يعني مكان يؤوي شاة.

((عن عبد الله بن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستجندون أجنادا، جندا بالشام، وجندا بالعراق، وجندا باليمن قال: فقمت فقلت خر لي يا رسول الله ـ يعني اليمن أم العرق أم الشام ـ قـال: عليك بالشام، فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله.))
[‏ أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم‏ ]
قال: ربيعة فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه.
يعني إنسـان في هذا البلد الطيب بآخر الزمان قد يجلس بمجلس علم يشعر براحة، بطمأنينة، باستقرار، يشعر بأن الطريق إلى الجنة سالك يشعر أن الله راضٍ عنه، طبعاً هذا المستقيم، وليس كل واحد بالمدينة صار مغطى بهذا الحديث، بل أهل الاستقامة والصلاح هم المقصودون.
بالجامعة الطالب المجتهد المتفوق ينال كل ثمرات هذه الجامعة، أما إذا كان فيها طالب كسول فما له من ثمرة أبداً، إذاً طالب العلم المتفوق يقطف ثمار الجامعة كلها.
ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه، وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم وأحمد وأبو داود.
هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى، ما كل شيء يثني عليه النبي، ينبغي أن يضم كل ماديٍ جميلٍ لا، فمثلاً قد تدخل إلى جامعة غرفها عادية،كذلك محتوياتها بسيطة، لكن تمنحك دكتوراه، بينما إذا دخلت لملهى ففيه كل فخم، ثريات ورخام، مقاعد وثيرة، لكنه ملهى، آخرته لجهنم، فما كل شيء يمتع العين هو الحق.
ذات مرة شخص قال لي: أنا عملي قذر، والمكان الذي التقيت به فيه فخامة لا تصدق، قال لي عملي قذر، في اليوم التالي سبحان الله أصلحت مركبتي عند أخ وكان الوقت شتاءً، يلبس (أفرول) أصله أزرق ومن كثرة الشحم والطين صار لونه أسوداً، فك البواط وصَلَّحه، رجعه أخذ سعراً معتدلاً، وعمله متقن، خطر ببالي كلام الإنسان البارحة، يعني أن عملي قذر، قلت والله هذا عمله نظيف، مع أن الفخامة هناك لا تصدق، فخامة الغرفة التي جلست فيها تفوق حد الخيال، وخشونة دكان هذا المُصَّلِح لا تحتمل، الخشونة، زيت وشحم ومطر وأفرول، الأول عمله قذر، لكنه في طاعة الله، بينما الآخر في معصية الله، والمفارقة واضحة.
هناك ملهى بلبنان تكلفة الصالة 30 مليوناً، شيء فخم، لكنه مكان للقمار، وإليكم هذه الأبيات التي تصف هذا الملهى وأمثاله:

هو الداء الذي لا برء منه وليس لذنب صاحبه اغتفار
تشاد له المنازل شاهقـات وفي تشييد ساحتها الـدمار
نصيب النازلين بـه سهاد وإفلاس فيأس فانتــحار
***
أماكن القمار فخمة جداً، الملاهي فخمة جداً، أما المدارس خشنة جداً، والجامعات أبنية عادية، لا تدفئة، ولا تكييف، ولا في سجاد، فقط سبورة وأستاذ ومقاعد، ليس فيها ضيافة، العبرة ليس بما يمتع العين، العبرة بالنتائج.

((عن عبد الله بن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.‏))
[ أخرجه الحاكم ]
يأتي زمان الفتن التي تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام بوحي من الله عز وجل، وإن بين يدي الساعة أموراً شداداً وزماناً صعباً، يمسي الرجل مؤمنا ويصبح كافراً، يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، في زمن الفتن أفضل مكان هو الشام، وهذا الشيء ملموس، يعني والله في رمضان تشعر أن هناك عرساً بالشام فالناس قبيل العشاء بالطرق إلى المساجد، في بلاد أخرى كل الناس أمام التلفاز ليتابعوا مسلسلات مضحكة، بعد العشاء يدعون صلاة التراويح ليتابعوا التمـثيليات، بينما بالشام والحمد لله يعني آلاف مؤلفة يتجهون إلى المساجد، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام، إذا وقعت الفتن، إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، و إعجاب كل ذي رأي بريه فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك ودع أمر العامة، فالإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.
لدينا ملاحظة بسيطة، إنسان بأمريكا سمع هذه الأحاديث ترك أمـريكة ورجع إلى الشام، فبالشام إذا اجتهدت تجد الخير الكثير، كما تجد فيها دروس علم، صلاحاً، حياءً، أدباً، بقية دين تسعد أنت وأولادك وتحافظ على دينك، راحتك سلامة مستقبل أولادك.
إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.‏

((عن أبي ذر رَضِي اللَّه عَنْه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشام أرض المحشر والمنشر.‏))
[‏أخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه ]
يعني المحشر في الشام آخر الزمان، النبي أخبر عن قيام الساعة وعن نزول سيدنا عيسى، وعن ظهور المهدي، وكلها بأحاديث صحيحة وهذا كله يحدث بالشام، أرض المحشر والمنشر.
وحديث خامس.

((عن أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا.))
يعني هذه الأمة التي ارتضى لها الله دينها منتصرة إن شاء الله، وهذه نقطة مهمة جداً، قال الله عز وجل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
(سورة النور: 55 )
في الآية معنى دقيق جداً.

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾
أي دين ؟
﴿ الَّذِي ارْتَضَى ﴾
الآن لو كان دين بعض المسلمين لا يرتضيه الله فلن يمكنوا في الأرض، استنباط عقلي، فإذا لم يمكنوا، ماذا نستنبط ؟ أن دينهم لا يرتضيه الله عز وجل، إذا مكنوا فدينهم قد ارتضاه الله لهم،فالمسلمون اليوم ليسوا على ما كان عليه أصحاب رسول الله وليسوا على ما جاء به النبي، ليسوا ممن استمع القول فاتبع أحسنه.

(( ‏لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس حتى يأتي أمر الله، أكثرهم أهل الشام.‏))
يعني إذا أردنا أن نوسع الدائرة، فالشام واسعة لاتعني دمشق فقط، أوسع من دمشق،أي أهل الشام جغرافياً وتاريخياً.‏
((‏عن عبد الله بن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ثم أقبل على القوم فقال: اللهم ! بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدّنا وصاعنا.))
نحن في سورية قبل خمس سنوات كان إنتاجنا من القمح 3 ملايين طن، استهلاكنا مليون، ثلاثة أمثال حاجتنا، مرت سنوات كان الإنتاج فيها260 ألف طن، ثلث حاجتنا، ما معنى اللهم بارك لنا في مدّنا وصاعنا ؟ يعني أن الله عز وجل إذا أعطى أدهش، منطقة شمال شرق سورية تنتج 3 ملايين طن سنوياً، وقد ينخفض الإنتاج إلى 250 ألفاً، أحيانا ثلاثة أمثال حاجتنا وأحياناً ثلث حاجتنا، هذا معنى بارك لنا.
مرة سمعت أنهم بغوطة دمشق ضّمنوا المشمش وكان الإنتاج واسعاً وفيراً، فبيع بسعر خمس ليرات، من كثرة الإنتاج، وغزارة الفواكه، اللهم ! بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم ! بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، سافرت إلى عدة بلاد، وأكثر من التقيت بهم يقولون: الشام لها طعم خاص، فمثلاً طلاب العلم، عندهم مصر، والسعودية، والشام، يفضلون الشام، سألتهم مرة والسبب ؟ قالوا الدين عميق فيها وعندكم روحـانية، كلام دقيق، عمق بالدين، روحانية، لذلك أكثر طلاب العلم، يؤثرون الشام.
مرة كنا في ميتم، دعينا إلى تناول طعام الإفطار في رمضان، لفت نظري أن الطعام إعداد بيتي، نفيس جداً، وليس أكل مطاعم، فسألت قالوا أكثر من ثلاثين أسرة تنافست في تقديم الطعام للأيتام كل يوم برمضان، تتنافس الأسر لتقديم الطعام للأيتام فالأسر تهتم بطلاب العلم والأيتام، يطعمونهم أطيب الطعام في رمضان.

((عن عبد الله بن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.‏))
((عن سالم بن عبد الله عن أبيه رَضِي اللَّه عَنْه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ستخرج عليكم في آخر الزمان نار من حضر موت تحشر الناس فقالوا يا رسول الله أيما تأمرنا ؟ قال عليكم بالشام.))
[ أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن حبان ]
فالمقصود بالأحاديث مساجد الشام، والعلماء فيها، والمعاهد الشرعية، والأعمال الطيبة التي في الشام، رغم أن الإنسان قد يجد دور لهو وأماكن لا ترضي الله، لكن المقصود خير هذه البلاد مساجدها ودور العلم فيها.

((عن ‏بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت: يا رسول الله أين تأمرني قال ها هنا. ونحا بيده نحو الشام. ))
[ أخرجه الترمذي وأحمد ]
والحديث العاشر.

((عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن فسطاط المسلمين ـ والفسطاط المدينة التي فيها مجتمع الناس وكل مدينة فسطاط، وكذلك الخيمة الكبيرة فسطاط ـ فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام.‏))
[‏أخرجه أبو داود والحاكم ]
والحق أنني لا أحتاج إلى شرح أكثر مما سمعتم فكلكم يعلم بركة هذا الدين في هذه البلدة الطيبة.
مرة أخ مصطاف من بلد عربي، من الحجاز فيما أعتقد، صلى الفجر عندنا، وصلى الظهر كذلك، وحـضر درس الأحد والسبت والاثنين، كان متعلقاً بالدروس، وحصل تعارف بيني وبينه، زارني بالبيت فأنـا عندي عقد قران، قلت له أتذهب معي ؟ قال: يا لطيف وانتفض، وكأنني دعوته إلى معصية، قال أبداً لا أذهب، قلت له لماذا ؟ لن أحضر مثل هذه الاحتفالات، قلت: لا يجري فيها إلا ما يسرك، كلمة القيها، مع ابتهالات دينة وتوزيع بوظة، قال: فقط ! قلت له: فقط. فلما ذهب معي فوجئ، إذ سمع قصيدة عن أسماء الله الحسنى بصوت عذب، وألقيت كلمة، ووزعوا بوظة، قال لي: شيء رائع جداً، كنت أظن أن الحفل يضم نساء ورقص وراقصات، قلت له أعوذ بالله، في كل عقود القران بالشام كلمات تلقى، ومـديح لرسول الله،من دون أية معصية لكن بغير بلاد الشام يجب أن يكون هناك رقص، ونساء، واختلاط..إلخ، فيبدو أن هذا الأخ ورع وصاحب دين، فلما ذهب دهش، وقال: والله شيء جميل، فهذا من فضائل هذه البلدة، أن عقود القران دعوة خلاصتها دعوة إلى الله، بما فيها من مدائح وكلمات واعظة.
أخ دعاني إلى احتفال ما المناسبة ؟ قال لي سيارتي سرقت ثم وجدتها، فعملت مولد، دعا عدة علماء ألقوا كلمات، شيء جميل جداً هناك دعوة إلى الله قائمة بذاتها في غير المساجد، في عقود القرآن هذا كله من فضائل هذه البلدة.
الحديث الحادي عشر.

((عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق.‏))
[ أخرجه الطبراني ]
سيدنا عيسى سينزل، وهذا الحديث يشير إلى أنه سينزل بالشام، وفي حديث آخر.

((عن قرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم‏.))
[‏ أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجه وابن عساكر ]
والعياذ بالله عمَّ الفساد كثيراً من البلاد، ولكن بعض الأماكن في الشام وهذا قليل نسبته، يفاجأ الإنسان أن فيها نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، فلا حول ولا قوة إلا بالله،
((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم‏. ‏لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الناس لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة.))
الحديث الرابع عشر والأخير.

((عن سلمة بن نفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقر دار الإسلام بالشام.))
[رواه الطبراني ورجاله ثقات‏ ]
هذه الأحاديث تفيد أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثنى على هذه البلدة الطيبة، وهـناك دلائل كثيرة جداً على فضل أهل هذه البلدة، ودلائل كثيرة على أن الله قد حفظها، من الفتن، وجعلها آمنة مطمئنة وأرجو الله عز وجل أن يديم فضله علينا، فيجب عليك أن تكون واقعـياً، في بلاد أخرى، إذا دخلت المسجد مرة واحدة تحاسب، مرة واحدة، أما عندنا والحمد لله المساجد مفعمة بالرواد هذه نعمة كبرى حافظوا عليها، كونوا منضبطين، نعمة كبرى، أنك تأتي المسجد وتحضر مجلس علم، وأنت مرتاح، ومطمئن، ولا شيء عليك، هذه نعمة يفتقدها معظم المسلمين في بلادهم.
أخواننا الكرام: يطالعنا سؤال مهم جداً، يقول السائل: قلتم أن البلاد الغنية الكافرة أمور الحياة فيها ميسرة، فكيف نفسِّر حال البلاد الفقيرة الكافرة وما سر فقرها ومعاناتها، رغم أنها كافرة ؟ والسلام عليك.
الجواب الدقيق:
أن الإسلام، دقق، منهج موضوعي، لو طبقه الكافر يقطف ثماره في الدنيا، يعني أتقن عملك تبع بضاعتك، كن صادقاً يثق الناس بك، أعط الإنسان حقه يمنحك قلبه، وفر له كرامته يقدم ولاءه، فهناك قوانين طبقها الكفار لا حباً بالله، ولا حباً بالآخرة، ولا إيماناً بالجنة ولا بالنار، ولكنهم لأنهم أرادوا الدنيا في أعلى درجاتها فاكتشفوا بذكائهم قوانين الدين فطبقوها، فاغتنوا، أما الـدول الفقيرة الكافرة ضيعوا الآخرة وضيعوا الدنيا، فلم يلتفت أهلها إلى تلك القوانين، هناك الآن أزمات الكساد ورغم ذلك تجد أناساً لا يتعطلون أبداً، هم المتقنون، كل صاحب عمل يتقن عمله فإنتاجه لا يقف أبداً، والإتقان جزء من الدين، أعيد هذه الكلمة.
الإسـلام منهج موضوعي لو جاء ملحد، لو جاء عابد صنم، وطبقه يقطف ثمـاره في الدنيـا، ثم دعك من الآخـرة ومن الدين، تكلم بالصدق، وكـن أميناً، أتقن عملك، وضح كل أمـورك يقبل الناس عليك، ولو كان هدفك الدنيا تجد إقبالاً، الـدول الكافرة الغنية أتقنوا أعمالهم، صدقوا، تقيدوا بمواعيدهم، يعني أمورهم واضحة جداً، أعطوا الإنسان حقه، فأخذوا منه كل شيء، إذا كان نحن بدنا الدنيا فقط يجب أن نطبق هذا الدين، إن أردنا الدنيا والآخرة يجب أن نطبق هذا الدين عن إيمان، إذا آمنت بالمنهج، تقطف ثماره في الدنيا، فإذا آمنت بالله عز وجل، وطبقت منهج الله تقطف ثماره في الدنيا والآخرة، القضية واضحة جداً، وهأنذا أنتقل من هذا المثل الشمولي، إلى مثل فردي.
أمامك متجرين، لكافرين، أحدهما يتقن عمله، بضاعته جيدة، سعره معتدل، معاملته طيبة، لا يحب أحداً بل يحب ذاته، يحب الثروة، يحب الأموال المكدسة، لكنه يتقن عمله، دوامه مضبوط، يعطي الموظفين لديه حقوقهم يقبل الناس عليه ويغتني، فقد أراد الدنيا فقط، أما الكافر الثاني يفتح الساعة الحادية عشرة، مواعيده كلها غلط، يكذب، يدجل، يخادع، باع طقم أرائك لشخص من أول يوم اشتراه جاءه أصدقاءه وقعدوا عليه فخفس، إذاً عمله غير متقن، ركب صحناً ثبته ببرغيين فقط، فوقع الصحن فوق طفلة فقتلها، عمله غير متقن، أتقن عملك تنل أملك، نصدر نحن إذا كانت بضاعتنا متقنة، فالتصدير مستمر، وإذا كانت غير متقنة فالتصدير يكون لمرة واحدة فقط، طريق الغنى الإتقان، طريق الغنى الصدق طريق الغنى الأمانة، طريق الغنى الصدق في المواعيد، إنجاز الوعود تحقيق العهود.
مرة ثالثة:
الإسلام منهج موضوعي لو طبقه ملحد لقطف ثماره، الأجانب بذكائهم اكتشفوا أن هذا المنهج يجب أن يطبق، لا حباً بالله، ولا إيماناً به إطلاقاً، هم يعبدون المال فقط، والدليل إذا كانت مصالحهم تقتضي أن يبيدوا الشعوب يبدونها، لا دين فيهم أبداً، لا رحمة عندهم أبداً، ممكن أن يدمروا بلداً حتى الفناء، لأسباب تافهة، فمن أجل أن يبيعوا بضاعتهم، أن يهدموا البنية التحتية كلها، هم يطبقون قوانين الدين دون أن يشعروا لأنهم اكتشفوا أن قواعد الدين تجعلهم أغنياء، لكنهم في الآخرة لا خلاص لهم لأنهم آمنوا بالدين قوانين تخلص دنياهم فقط، أما المؤمن يطبق قواعد الدين حقاً فيكسب الدنيا والآخرة معاً.
هذا درس بليغ، وسؤال دقيق جداً، يمكن للكافر أن يكسب الدنيا، إذا طبق قواعد الإسلام ضمناً وهو لا يدري، ويمكن للكافر أن يخسر الدنيا والآخرة معاً إذا أهمل قواعد الدين، أما المؤمن الصادق يكسب الدنيا والآخرة إذا طبق قواعد الإسلام، هذا كلام دقيق، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
آلة نسيج، صنع بلد أوربي، موجودة في الشام وهي قصة من عشرين سنة معلوماتي قديمة جداً، تصنع ثوباً مطرزاً، يباع الثوب بمأتي ليرة، بينما يستورد هذا القماش ويطرز على الآلة نفسها في سويسرة فيباع المتر 700 ليرة، السبب فرق الإتقان فقط، الآلة نفسها، مترها المتقن بـ700 ليرة، غير المتقن بـ 200 ليرة، هذا مرده إلى الإتقان، فكل صناعة متقنة رائجة، الآن بالعالم معركة اقتصادية، تقريباً المعارك العسكرية كادت تنتهي، فالمتقن وصاحب الكلفة الأقل وصاحب الأسلوب العلمي في البيع والشراء هو الذي يربح، الآن معركة نكون أو لا نكون انتبهوا، فهذا الجواب لماذا بعض الدول الكافرة غنية، وبعض الدول الكافرة فقيرة، لأن الـدول الكافرة الغنية اكتشفت أن هناك قواعد إذا طبقتها أصبحت غنية، فطبقوها، وهي مطابقة للدين تماماً لذلك أنا أقول إيجابيات العالم الغربي إسلامية كلها، دون أن يقصدوا أن يعبدوا الله.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:35 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 024: رد على رسالة سائل تتعلق برأي الأستاذ عن الحجاب وسفر الفتيات ..
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-10-03
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الكرام، موضوع هذا الدرس، أو لعلّه جزء من درس، رسالة وصلتني يوم الجمعة، قرأتها، فيها ملاحظة حول كلمة قلتها في درس جمعةٍ سابق، وقبل الحديث عن هذه الكلمة التي قلتها، وكيف فُهِمَ منها أشياء ما أردتها ؟ وما أتوقَّع أن يفهمها أحدٌ بالشَّكل الذي فهمها، على كلٍّ في هذه الرسالة كلمة تقول: يجب أن توضِّح موقفك من هذه القضِيَّة، وأن توضِّح موقف الشَّرْع ؟!
أنا والله أستجيب إلى أيّ اعتراض، وأستجيب إلى أيّ نقْد، وسأقول لكم هذه الحقائق ؛ والله ما من كلمة سأقولها إلا وأنا مؤمن بها، ما من أحدٍ أصْغر من أن ينقل، وما من أحد أكبر من أن يُنْقض، ونحن نعتقد أنّ في العالم كلّه، أو في عالمنا الإسلامي رجلٌ واحدٌ معصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم، معصوم بِمُفردِهِ بينما أمَّته معصومة بِمجموعها، فكلّ رجل يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب القبّة الخضراء، ما جاءنا عن رسول الله فعلى العَين والرأس، وما جاءنا عن أصحابه فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن التابعين فعلى العين والرأس ؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام شهد لهذه العصور بالخَيْريَّة، وما جاءنا عن سواهم فنحن رجال وهم رجال.
إذًا العصمة لرسول الله وحده، أما أمَّته معصومة بِمَجموعها، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تجتمع أمّتي على خطأ، النبي معصوم والوليّ - ونرجو أن نكون من أولياء الله - محفوظ، ومعنى محفوظ أنَّه لا يضرّه خطؤُه، بمعنى أنَّه يعود إلى الحق سريعًا، ويستغفر كثيرًا، ويعود إلى الجادّة التي ينبغي أن يكون عليها، وهذا مبدأ، وأيّ إنسان يُلغي الاعتراض أو المعارضة، يلغي النّقْد ينتهي، والإنسان يرقى مادام يُصْغي إلى أيّ نقْد، الرسالة قاسِيَة جدًّا، ومع ذلك أنا أشكر صاحبها، مع أنَّه أغْفل اسمه، أشكر صاحبها لأنّ غَيْرتهُ تشفع له بِقَسْوته.
القصَّة أنَّني سمعتُ ثناءً عاطِرًا من أحد علماء دمشق عن كتاب يقصّ حياة رجل من أمريكا مُلْحِدٍ اهتدَى إلى الإسلام، وبعد أن اهتَدَى إلى الإسلام قال: لعلَّ ابنتي تسألني يومًا ما ؛ نحن مسلمين على شاكلَتِك، فلماذا أسْلمْت، فألَّفَ هذا الكتاب، والكتاب تُرْجم بأحد دور النَّشْر بدمشق، وبيعَ وقُدِّمَت لي نُسْخةٌ هَدِيَّة قرأتها فتأثَّرْتُ بها كثيرًا، ومن دواعي تأثّري بها أنّني جعلتها مِحْورًا لأربعة دروس في جامع العثمان.
هذا الإنسان الملْحد الذي نشأ ملْحِدًا، وكان متفوِّقًا تفوّقًا رائعًا في اختصاصه ؛ كيف أنَّه أسْلمَ، ويوم كنت في أمريكا سمعتُ أنَّه من أكثر الدعاة إلى الإسلام ‍! من الإلحاد إلى الدعوة إلى الله، وكنتُ أتمنَّى أن ألْتقِيَهُ إلا أنّه كانت هناك مسافة بيني وبينه حينما كنتُ مسافرًا، في درس جمعةٍ سابق فيما أذكر ذكرتُ أنَّ هذا الإنسان الملْحِد سبب إسلامه يعود إلى أنّ فتاةً محجَّبةً حِجابًا كاملاً والوقت صيف والنساء في أمريكا شبه عرايا كما قال عليه الصلاة والسلام:
((كاسيات عاريات مائلات مميلات ))
فهذا الإنسان الملْحِد رأى هذه الفتاة ترتدي على خلاف كلّ الفتيات، ثيابًا محشومة، وأنا قلت محجَّبة بالمفهوم عند هذا الإنسان، وقال في كتابه إنَّه نظر إليها فشَعَرَ أنَّها امرأة مقدَّسة لأنَّها تنطلق من قناعات على خلاف كلّ قناعات الفتيات اللاتي حوله، وأنَّه شعر بحاجةٍ كُبرى إلى أن يعينها في سُؤالها في الرياضيات، ثمّ لِقُدْسيَّتها لم يجرؤ أن ينظر إلى وجهها؛ هذا الذي قرأته وهذا الذي قلته، وانتهى الأمر، إلا أنَّني لم أتوقَّع أنَّ واحدًا من المستمعين يظنّ أنَّني أُقرّ أن تذهب الفتاة إلى هناك لتَدرس الرياضيات وتعيش هناك، وكأنَّني أمدح هذا ! الموضوع لا علاقة له بالفتاة، أليس في أمريكا نساء مسلمات، فيها ثمانية مليون مسلمة، وهذا واقع، أن أصِفَ لكم الواقع شيء، وأن يصدر منِّي حكم شرعيّ شيء آخر، الله عز وجل وصف فرعون فقال:

﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾
[ سورة القصص ]
هل يصدِّق أحدكم أنَّ ذبح الأبناء واستحياء النساء حكم شرعي ؟! فالله وصف عدوّه، أنا حينما ذكرت هذا التركيز على هذا الذي أسلم، ولعلّي أذكر أنّني قلت استقيموا يُسْتقَم بكم، ما الذي لفت نظر هذا الإنسان الملْحد ؟ فتاة محجَّبة، أما أنَّني أقرّ أن تذهب فتاة إلى أمريكا وتحصّل هذه الشهادة هذا موضوع آخر، ما ذكرته أنا، ما ذكرتهُ لا نفيًا ولا إيجابًا، أنا شعرتُ وأنا أقرأ الرسالة أنّ هناك أناسٌ كثيرين يفتقرون إلى منهج البحث في الإسلام، منهج البحث في الإسلام، ذكرتُ هذا مرَّاتٍ كثيرة، ولكن ينبغي أن أذكّر لقول الله عز وجل:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾
[ سورة الذاريات ]
في القرآن الكريم كم قصّة ذكرَت عن أهل الكفر ؟ فهل إذا ذكر الله في قرآنه قصّة معنى ذلك أنَّ أفعال أبطال القصّة حكم شرعي ؟ شيء صعب التصديق، أنا ما قصَدَت من قولي أنا أقرُّ ما فعلته هذه الفتاة، وأنَّني أقرّ كشْف وجهها، وأقرّ أن تسافر وحدها هناك، لأنّ هناك بيوت أصبحَت مشكلات فيها كبيرة جدًّا، فلان يقول: يجب أن نسافر وأن ندرس، وأن نتعلّم، وأن نصل إلى أعلى مرتبة علميّة، وما قلت هذا كلّه في الدرس.
أوَّلاً أُعيد وأُكرِّر ما من أحد أصغر من أن ينقد، وما من أحد أكبر من أن يُنقَد إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلّ إنسان يبتغي وجه الله لا بدّ أن يتَّسع صدره لأقصى أنواع النَّقْد، أنا قرأتُ رسالة، وسأُجيب عنها ولكن أن أقول: الحُكْم الشرعي هكذا، وقلت هكذا، لك أيّها الأخ الكريم أن تنزعج، أنا ما ذكرت القصّة إطلاقًا ؛ هناك واقع، فلو قلتُ هناك امرأة ترتدي البنطال، وتضع على رأسها إشارب، إذا ذكرتُ واقعًا ؛ هل يعني أنَّني أقرّ هذا ؟ هناك فتيات يرتدين البنطال ويضعن على رؤوسهنّ هذه الإشاربات، فهل معنى أنّني إذا ذكرتُ قصّة فتاةٍ تعمل كذا أنَّني أقرُّها على فعلها، وأنّني موافق على فعلها، وأنّ هذا حكمٌ شرعي، ويجب أن نفعل فعلها، لأنّ الأستاذ ذكر بالدرس أنّ فتاةً ترتدي بنطال وعلى رأسها إشارب لما تحرّم علينا!! هل هذا هو الاستنباط من الدرس ؟ مستحيل، وأنا والله ذكرتُ هذا كثيرًا، إذا كان هناك خطأ في كلمة ذكرتها أنا مستعِدّ أن أقولها على الملأ ؛ لقد أخطأْتُ، لأنّ هذه الأمانة ونرجو أن نكون في مستواها أمانة التَّبْيِين، هي منوطَةٌ بالعلماء، ما الذي يمنع إذا أخطأ مدرّس أو إنسان يتصدّى الدعوة إلى الله، ما الذي يمنع أنّه إن أخطأ يُلْفَتَ نظرهُ إلى خطئِه، وأن يقول على الملأ لقد أخطأتُ، ما الذي يمنع ؟ أنا أذكر مثلاً لعلّه بعيد عن مناسبة، طبيب بمصر عالجَ طفلاً صغيرًا بِمُسْتوصف حكومي، وصف له دواء للكبار، ودواء الكبار يقتل الصغير، العِيار عالي جدًّا، هذا الطبيب ؛ هكذا أنا أُحلّل القصَّة، رأى نفسه قاتِلاً لهذا الطِّفْل، فاتَّصَل بالإذاعة والتِّلفزيون في مصر - لو قلتُ تلفزيون هل يعني أنّني أقرُّه ؟‍ ممكن أن يقال عني كذا - وأبلغَهم أنّ هناك طفل بالمستوصف الفلاني عالجْتُهُ وأعْطيْتهُ دواءً يقتلهُ فَيُرْجى قطْع البرامج وإذاعة هذا الخبر فلعلَّ والدَ هذا الطِّفْل يبلغهُ الخبَر فلعلّ والدَ هذا الطِّفل يبلغُهُ الخبر فلا يُعطي ابنه الدواء، هو ضحَّى بِسُمعته، وضحّى بِمَكانته، وضحَّى بأثْمن شيء يملكهُ، الطبّ سمعته، ولكنّ الذي حصل أنَّه ارتقى عند الناس جميعًا، ظهرتْ أخلاقه، وحِرْصهُ على سلامة الطّفل، وضحَّى بِسُمعته الطبيّة، ووضع سمْعته تحت قدمه من اجل إنقاذ هذا الطفل، فيا أيّها الإخوة أنا أرى أنّ الحدّ الأدنى وليس الأعلى لإخلاص الدعاة إلى الله أنَّهم إذا روجِعُوا أو لُفِتَ نظرهم إلى شيء، وأنّه إذا كان الذي يُوجِّهُ هذه النصيحة على حقّ يجب أن يُعلنوا أمام الملأ أنَّهم أخطؤوا، وهذا يرفعهم درجات علا عند الله تعالى.
أذكر من عِدَّة سنوات، ذكرتُ نقطةً ثمَّ راجعْتُ نفسي فإذا هي بعْد عن الصَّواب، في الدرس التالي وفي أوّله قلت: أنا أخطأْتُ في الدرس الماضي وقلت كذا والصَّواب كذا، أنا لسْتُ معصومًا، فإذا اعْتقَدَ أنَّني معصومٌ فقد فسَدَتْ عقيدته، ولكنّني أرجو الله أن لا أخطئ، وأنا حريص على عدم الخطأ، و والله أُحاسب نفسي على الكلمة حتى أنّ الدرس أحيانًا يُسجَّل ويذهب إلى بلاد بعيدة، ويُذاع في الإذاعات، فأنا أجْري تعديل لكلّ كلمة ينبغي أن لا تكون في الدرس، فهذا الشريط يخضع إلى مراجعة، وإلى حذف حتى يكون الدرس مقبولاً عند الله، وعند الناس.
بِمُجرَّد أنَّني قلت: إنَّ فتاةً ترتدي حجابًا وتحمل دكتوراه في الرياضيات هل معنى ذلك أن كلّ بنت يجب أن تثور على أبيها، وأن تحتدّ لهجتها، وتطلب من أبيها أن يسمح لها السفر إلى أمريكا كي تدرس الرياضيات لأنّ الأستاذ راتب قال: أنّ هذا الملْحِد أنَّ سبب إسلامه أنَّه رأى فتاةً محجَّبة وتحمل دكتوراه في الرياضيات، ولِقُدْسيَّتها عنده تهيَّبَ أن ينظر إلى وجهها ‍‍‍!!!
هناك حقيقة أيها الإخوة، نحن عندنا سنّة قوليّة، وسنّة عمليّة يعني سيرة أيّهما أصدق في الدلالة على فهم النبي صلى الله عليه وسلّم للقرآن الكريم ؟ بيانه أم سلوكه ؟ سلوكه، هذه حقيقة في أصول الفقه، فأنا قد أقول كلمة تُفْهمُ فهْمًا ما أردتهُ، أما حينما أسلك سلوكًا فهذا السلوك وحده يقطع الشكّ لليقين، سلوكي إن شاء الله، وسلوك أهل البيت كلّكم تعرفونه، أما أن تقف البنت تثور على أبيها كي تذهب إلى بلدٍ بعيد وتدرس لأنّ أحد الملحدين أسْلم لمّا رأى هذه الفتاة، والله هذا استنباط مُضْحِك !! أنا ما أردْتهُ، والحقيقة أنَّني هل قلت أنّ الحكم الشرعي أن أرسل فتياتنا إلى بلاد الغرْب بلا محْرم كي يدرسْن العلوم العاليَة من أجل أن يُلْحِدَ الملْحِدون ؟ هل قلت أنا هذا؟ مستحيل أن أقول هذا ! لكن هل تمنعني أنت أن أذكر الواقع ؟ أليس هناك في أمريكا فتيات مسلمات بنات الجالية الإسلامية في أمريكا ثمانية ملايين، أمُسْتَغربٌ أنت أن تعيش فتاة في هذه البيئة وتُتابِعَ تحصيلها العالي ؟ صحّ غلط ؛ هذا موضوع له تفصيل آخر، فعملها هذا صحّ أو خطأ هذا موضوع له مكانٌ آخر، في درس آخر، أما لِمُجرّد أن أذكر أنّ فتاةً محجَّبةً بِمَفهوم أهل الكتاب.
مرَّةً تلقَّيْت سؤالاً على الهاتف من فتاةً تسكن في بلاد أوربيّة، يبْدو أنّها سألَت عن رقم هاتفي، وقالت لي: بنتي صاحبة دِين، وحافظة لكتاب الله تعالى، وجاءتْها أمينة خمر هديّة، هل يجوز أن تقدِّمها لإنسان ؟ سؤال جادّ ؛ فتاة مسلمة جاءتها زجاجة خمْر من أعلى مستوى هديَّة أفيجوز أن تقدّمها هي هديَّة لإنسان آخر ؟!! السؤال: كيف قبلتْها بالأساس ؟ ومن هذا الذي قدَّمها لها ؟ وما علاقته بها ؟ لو ذكرتُ هذه القصَّة الآن هل يفْهم أنّه يجوز للفتاة أن تقبل هديّة خمر ؟ هذا واقع، ولله في خلقه شؤون، والله يوجد شيءٌ يُحيِّر الألباب، فإذا الواحد وصف واقعًا ووصفَ قصَّةً وما قال الحكم الشرعي كذا، أنا لا أقصد أبدًا من كلامي أنَّني أُبيح كشْف الوجه، وأبيح الاختلاط، وأُبيح السفر بلا مَحرم، وأبيح تحصيل الشهادات العليا من أجل العلوّ في الأرض، لا أنا ما قلت هذا إطلاقًا ولِسُلوكي مخالفة لهذا الشيء، أما الأخ يبدو منزعِج جدًّا، فقال: هناك مشاكل بالأُسر حدثَت، وحالات صعبة جدًّا، ثمّ قال: إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها سبعين خريفًا ؛ وصل إلى هذا المستوى ! وأنا والله أشكره حتى تتعوَّدوا حريّة النقْد، لكنّ المرء يكون منطِقيًّا فقط، وتعلَّموا منهج البحث منهج البحث في الدِّين، نحن أوَّلاً عندنا القرآن الكريم، هذا كلام الله، علاقتك به فقط أن أفهم لأنَّه قَطْعيّ الثبوت، ليس لي مهمّة إلا أن أفهم كلام الله وِفْق علم الأصول، لا أقول فهمًا مزاجِيًّا، فهم إشاري ! وأجرّ النَّص إلى ما أريد، ألوي عنق النصّ كي يغطّي عقيدة أعتقدها، أكبر خطأ في العالم الإسلامي الآن أن نعتقد أوَّلاً ثمَّ نبحث عن الدليل ثانيًا ! النصّ أوَّلاً ومنه نأخذ اعتقادنا، النصّ هو القرآن طبعًا، والحديث الصحيح، فنحن عندنا قرآن، هل في القرآن الكريم شيءٌ يخالف هذا الذي قلتهُ ؟ الله تعالى وصف أهل الدنيا، مرَّةً عالمٌ من علماء دمشق بِنَدْوةٍ قال كلمة، فيما أذكر قال: أنا مع الحق، وإن كان الحقّ إنكار وجود الله عز وجل !!! طبعًا حدثَت ثوْرة، واعْتراضات، وكان ردُّه -استمعوا إلى ردّه -: قال هذا افتراض، والافتراض ورد بالقرآن الكريم ؛ أين ورد الافتراض ؟ قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) ﴾
[ سورة الزخرف ]
هل لله تعالى ولد ؟ لا افتراض فقط، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)﴾
[ سورة المؤمنون ]
وما هذا إلا افتراض، لو أنّه وجدْت برهان على إلهٍ آخر، متى يُحاسب الله عز وجل ؟ قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)﴾
[ سورة المؤمنون ]
هناك معنى مخالف ؛ لو ادَّعى إلهًا آخر مع برهان لا يُحاسب ؛ هذا افتراض، وهو منهج قرآني.
مرَّةً إنسان اعترض وكان بمؤتمر، وألقى كلمة، وخاطب رئيس المؤتمر بكلمة فيها تعظيم كبير، ويبدو أنّ رئيس المؤتمر ليس كذلك فجاءهُ نقْدٌ شديد فقال: حينما أرسل النبي كتابًا إلى عظيم الروم ؛ فهل كان عظيمًا عند النبي ؟ هذا لقب، أنت تخاطب إنسان يحمِلُ رتبةً، وإنسان يحمل دكتوراه، لو فرضنا أنّه مبتدئ، وقلت له دكتور فهل أنت أخطأت، هذا لقب علمي لا يعني شيء.
أنا ألاحظ أنَّ الإنسان لمّا يكون بعيدًا عن منهج البحث الإسلامي ينتقد انتقادات غير مبرَّرة، طبعًا هناك استنباطات غير صحيحة، فلو وجدتُ إنسانًا يقف إلى جانب عمود، وكان هذا الإنسان طويلاً، وبعد يوم وجدت إنسانًا يقف جنب هذا العمود نفسه فهل يعني أنَّه طويل ؟! لا، هذا استنباط فاسد، النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وقف أمامه حسّان ابن ثابت، وكعب بن زهير، وتغزَّل بامرأة، فهل هذا موقف شرعي مثلاً ؟ تقاليد في الشعر الجاهلي قالها:

بان السُّعاد فقلبي اليوم متبول مُتيَّمٌ إثرها لم يفْد متبول
***
هذا تقليد شعري، فهناك مواقف لا بدّ لها من مرونة قليلاً، أنا لا ألقي درسًا في حكم سفر المرأة إلى بلاد الغرب، ولا بِحُكم أن تطلب أعلى الشهادات، ولا بحُكم أن تكشف وجهها، ما ذكرتُ إطلاقًا في القصّة، والتركيز ليس على المرأة ؛ هذه المحجَّبة، التركيز على هذا الذي كان ملحدًا فأسْلَمَ، هذا التركيز، وحينما يُسْلمُ الإنسان تحسّ أنَّ بينك وبينه جسور، وكأنَّك أقرب الناس إليه، هذا الذي حدث.
على كلّ أتمنّى أن يُفْتحَ باب النّقد على مصراعَيه، إذا كان هناك خطأ أو توجيه له مضاعفات ما كنتُ أنظر إليها، أو ما انتبهْتُ إليها، ونبَّهني واحد أكن له من الشاكرين.
مرَّةً أخ من الإخوان بجامع العثمان أنا ذكرتُ نصًّا، ما قلتُ قال عليه الصلاة والسلام أبدًا، والشريط موجود، فهناك أخ أرسل لي ورقة أنَّ هذا الحديث ضعيف، أنا قلت أرجو أن ألتقي بِصاحب هذه الورقة، التقَيتُ معه وهو إنسانٌ فاضل وأُحبّه حبًّا جمًّا، قلتُ له الشريط موجود، فهل قلتُ قال عليه الصلاة والسلام ؟ فقال: لا، ما انتبهْت ! أو قال لي: لا أذكر ! أنا منتبه لهذه النقطة، حكمة، الآن لو قلت أحبُّوا الله لما يغدوكم من نعمه، ما قلتُ قال: وما قلت قيل، ولا قلت ورد، وما حكيْت شيئًا، إذا قلت: أحبُّوا الله لما يغدوكم من نعمه، ماذا فعلنا ؟ الشاهد أنّ بعدما انتهى الدرس والتقَيتُ به، قلتُ له: أشْكرك على هذه الملاحظة، وأنا منتبه لملاحظتك، ولم أقل إنَّه حديث إطلاقًا، وأطلب منك أن تستمرّ في ذلك، ففجعْتُهُ، وأوْصلتُه إلى بيته بالسيارة مكافأةً له على هذه الملاحظة، وأنا إن شاء الله تعالى أُعاهد الله على أن أتلقَّى أيَّ نقْدٍ، أو أيّ ملاحظة بأُذنٍ صاغِيَة، وعقْلٍ يقض، وصبر واسع، إن شاء الله، ولا أحدَ يتهيّب، ولا أحد لا يخطأ، وقد أخطئ، أنت وطِّن نفسك أنَّني أخطئ، حينها تتعامل معي في الحياة تعاملاً صحيحًا، فلسْتُ معصومًا، أما إذا وطَّنتَ نفسكَ أنَّني لا أغلط تقع بإشكال كبير، المعصوم هو رسول الله، ولكن القاعدة أنَّ النبي معصوم أما المؤمن محفوظ، النبي لا يخطئ، لكنّ المؤمن حريص على أن لا يخطئ، وإذا أخطأ يستغفر ويُراجع نفسه.
يوجد بالسيرة أشياء كثيرة لا ننتبه إليها، الوحي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم، في مواطن كثيرة جدًّا، وقد جاء وفْدٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وطلبوا منه سبعين قارئًا لِيُعلِّموا قومه، وفي الطريق ذبحوهم عن آخرهم ! كيف لم يعلم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ ولماذا أراد الله عز وجل أن يقع هذا الأمر ؟ طبعًا هم ماتوا بآجالهم، ولا إشكال في هذا، ولكن لماذا وقع هذا الأمر ؟ هذا درسٌ لأمَّته إلى يوم القيامة أنَّ أحدًا من المخلوقات، أنَّ أحدًا من بني البشر لا يعلم من ذاته إلا أن يُعلِمَهُ الله، وهذه قاعدة.
في موقعة بدر صلى الله عليه وسلم اختار موقعًا، ويبدو أنّه غير مناسب، ولكنّ حكمة الله شاءَت أن تحجب عنه الموقع المناسب ؛ حجبهُ عنه وحيًا وحجبهُ عنه إلْهامًا، وحجبهُ عنه اجتهادًا، لا وحي ولا إلهام ولا اجتهاد فجاء صحابي يكاد يذوب محبَّةً لرسول الله، ويكاد يذوب أدبًا معه، قال له: يا رسول الله هل هذا وحيٌ أوحاه الله إليك ؟ إذا كان كذلك ولا حرْف ‍، أم هو الرأي والمشورة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الرأي والمشورة انْظر إلى أدب هذا الصحابي، فقال: يا رسول الله هذا ليس بِمَوقع، إنَّه يخاطب نبي، ويخاطب رسول، ويُخاطب سيّد الخلق، أرأيْت إلى غَيْرة هذا الصحابي ؟ ماذا فعلَ النبي ؟ وبَّخه ؟ لا، عنَّفَهُ ؟ لا، أعْرض عنه ؟ لا، أهملهُ ؟ لا، طعنهُ ؟ لا، فقال: هذا هو الصواب، وأعطى أمرًا للانتقال إلى هذا الموضع ‍، ماذا يعلّمنا موقف النبي عليه الصلاة والسلام ؟ يعلّمنا أن نصغي إلى كلّ من ينتقد، والإنسان إذا لم يُصْغِ إلى من لا ينتقده ينتهي، ويسقط، أكبر مرض يصيب أيّ إنسان ناجح بالحياة هو الغرور، هذا الغرور يوصل أيّ إنسان إلى الحضيض، حتى وصلوا إلى ما هم فيه بذلوا جهدًا لا يوصف لكن حينما اغترُّوا وهم فوق أصبحوا في الحضيض.
هناك نقطة أتمنَّاها على كلّ أخٍ كريم، وهي ليْسَت واضحة، ونقطة غامضة، وفكرة ذكرتها يظنّها هو خطأ، ما الذي يمنع أن يلتقي بي شخصِيًّا ؟ ومن دون ورقة، ما الذي يمنع ؟ أناقشُه وأعطيه وِجْهة نظري ؛ إمَّا أن يقنعني وإمَّا أن أُقنِعَهُ، قال تعالى:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)﴾
[ سورة سبأ ]
النبي عليه الصلاة والسلام سيّد الخلق وضع نفسه أقلّ إنسان في الأرض قال تعالى:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)﴾
[ سورة سبأ ]
لأنَّ الورق أحيانًا لا يُعَبِّر، والورق ليس فيه جواب، وأنا لستُ مضطرًّا لكلّ سؤال أجعل له جواباً عامًا، فقد لا يكون من الحكمة أن أردّ على سؤال بِدَرسٍ عام، وأنا الموضوع أردتُ أن يكون في درس عام لأنّه ذكر أشياء غير معقولة إطلاقًا نساءً كِدْنَ أن يُطلَّقْنَ من أزواجهنّ ! ويُشرَّد الأولاد !! وكادت أن تقع جريمة قتل !!!!!! مبالغات ما أنزل الله بها من سلطان، أنا أتمنَّى وأقول أنَّ أيّ إنسان أراد أن ينتقد والله سأشكرهُ وسأتلطَّف معه، وسأقول له جزاك الله خيرًا، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، قلْ لي ما وجهت نظرك في هذا الموضوع ؛ هذه الآية والأحاديث، وهذه أقوال الصحابة فإما أن تُقْنِعَني وإما أن أُقْنِعَكَ، أما أن ترسِلَ ورقةً، وتقْسو بها قسْوةً بالغة وتُكبِّرُ الأمر إلى درجة لا يستحقّها، أنت في أيّ مجلس تذكر الواقع ؛ إذا قلت هناك بالطريق جهل، فهل الجهل ضروري للناس ؟ شيءٌ بديهي، من قال لك اسْتنْبِط هذا؟ لكن كلّ بلد لها ظروفها، فإذا هناك فتاة مسلمة وُلِدَت هناك، ولها أب من الجاليَة الإسلاميّة، وهناك الجوّ العلمي بديهي، ووصَلَت إلى أعلى درجة، واصْطَلَحَت هي بطريقة تفهمها، وقابلَت أستاذها في الجامعة، هل معنى ذلك أنّ كلّ فتاة تذهب لهذه البلاد وتدرس الشهادات ؟ من قال لك ذلك، أنا أتمنَّى على الآباء أن يُعلِّموا بناتهنّ لا أن يقْمعوهنّ، فالتعليم يصنع موقفًا ذاتيًّا، أما القمع يصنع القهْر، وكبت، وتفلّت معاكس عنيف جدًّا، أنا أذكر أبًا أظنّه صالحًا ولا أزكّي على الله أحدًا، ربَّى بناته على القمع الشديد، كلّ شيء حرام، النتيجة لمّا مات خرجَت بناته بِثيابٍ فاضِحَة ! لولا أنّ الله تعالى تدارك هؤلاء البنات وأرسل لهم شباب مؤمنين تزوَّجوهم إكرامًا لوالدهم لكان الأمر كبيرًا جدًّا، يقول عليه الصلاة والسلام: فيما رواه أبو هريرة:
((علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف))
[ أخرجه السيوطي ]
ألخِّص هذا الدرس فأقول: أنا غير معصوم، وهذه عقيدتنا، عقيدتنا التي نعتزّ بها، نعتقد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم معصومٌ وحده، وأنّ أمَّته معصومةٌ بِمَجموعها، وأنّ كلّ إنسان يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبّة الخضراء، وأنا أقول لكم وهو كلام صريح وواضح، أنا أتلقَّى أيّ ملاحظة، وأيّ انتقاد، وأيّ لفت نظر، وأيّ تعليق، وأيّ توجيه من أقلّ الإخوان شأنًا فيما يبدو للناس، وقد يكونون عند الله أكبر شأنًا ؛ من طفل صغير، قال الإمام أبو حنيفة لطِفْل صغير: أمامه حفرة، فقال له أبو حنيفة: إيَّاك يا غلام أن تسقط، فقال له الطفل: بل إيَّاك يا إمام أن تسقط، إنِّي إن سقطتُ سقطْت وحدي، وإنَّك إن سقطْت سقط معك العالم ! وهذه هي الحقيقة، هذا جامع، وهذا دين الله، وهو واضح، والحقّ لا يحتاج أن تكذب له، ولا أن تكذب عليه، ولا أن تُجامل، ولا أن تُبالغ، ولا أن تُقلِّل، والحق لا يخشى البحث، ولا توجد علاقة بيننا إلا علاقة العلم، ولا توجد علاقات مادِّيَّة والحمد لله تعالى، ولا توجد مصلحة، وإنَّما علاقات لوجه الله كلّها، فمَجلس العلم لا يحتمل الخطأ، ولا السكوت عن الخطأ، لا تسكتوا عن الخطأ، هذا علم، إذا كان هناك تجمّع مَصْلحي نسكت، إذا موارد ضخمة تأتينا نسكت وألف نسكت ! لكن لا توجد شيء، كأس شاي لا يوجد، فقط طلب العلم، لذلك طلب العلم يحتاج إلى وضوح وصراحة وأنا يمكن كلّ الإخوان يعلموا هذا أنَّني ما قسَوْتُ على إنسانٍ انتقدَ بالكلام، ولكن أقول: جزاك الله خيرًا، وفيما أذكر لا يوجد من وجَّه لي ملاحظة على الإطلاق إلا قلتُ له جزاك الله خيرًا إن شاء الله آخذ بالملاحظة، فباب النَّقد مفتوح على مصراعَيه، وأبدي أيّ وِجْهة نظر، وأيّ تعليق، والْفُت نظري لأيّ شيء، فإما أن تقْنِعَني وإما أن أُقْنِعَك، أما أن تستنبط من كلامي، فهذا غير معقول، تستنبط استنباطات، وتعمل تهويلات، وتبني عليها انهِيار أُسَر، وجرائم قَتْل، فهذا شيءٌ ما أنزل الله به من سلطان، ومبالغة كبيرة جدًّا، وليس هذا هو المنهج العلمي، المنهج العلمي أن أقول هناك إنسان ترتدي بنطال وتضع على رأسها إشارب، فهل قولي هذا يُقِرّ ما تفعل ؟! مستحيل هذا الكلام، إنسانة بأمريكا وجهها مكشوف، وهذا الذي أسْلم تهيَّب أن يُحدِّق في وجهها ؛ معنى ذلك أن الوجه يجب أن يُكْشف ؟ هذا كلام غير معقول للاستنباط.
أحدهم قال للآخر: سأنصحك وسأغلظ عليك ! فقال: ولم الغلظة يا أخي لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شرّ منِّي ؛ أرسل موسى إلى فرعون، قال تعالى:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
[ سورة طه ]
تكلَّم كلامًا لطيفًا، حتى لو أردْت أن تنتقي هناك انتقاد لطيف، وانتقاد يُنمِّي المشاعر، وهناك انتقاد يجعل الوُدّ بين الإخوة الكرام.
ثمَّ يقول في آخر هذه الرسالة، وأسأل الله أن تكون هذه الرسالة خالصة لِوَجه الله عز وجل، وقد تكون كذلك، وقد يكون هذا المنتقد يبتغي وجه الله فقط، وأنا كذلك قبلْتها، وجعلتها درسًا، وهو طلب منِّي ذلك ؛ يجب أن توضِّحَ موقفَكَ من هذه القصَّة، و هاأنا وضَّحْت موقفي، فأنا لا أُقرّ ما ذكرتُ، وأنا ذكرتُ شيئًا وقع، وليس كلّ ما وقع أقرُّه، الوصف شيء، والتَّقييم شيء آخر، أنا كنتُ أصف ولا أقيّم، وهذا مبدأ أساسي.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:36 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 025: حجم المؤمن بحجم عمله الصالح .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-10-10
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون، وأنا في طريقي إليكم لمَعَت في ذهني حقيقة أردتُ أن تكون مِحْوَرَ الدرس، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يُعينني على تحقيق هذا المَطْلَب.
النقطة الأولى ؛ أنَّك في هذه الحياة الدنيا مخلوقٌ للعمل الصالح، والعمل الصالح ثمن الجنَّة، وحجمك عند الله تعالى بحجم عملك الصالح، أحيانًا تجد الإنسان ملازمٌ للدروس ثلاثون سنة، تتمنَّى أن يصدر منه فِعْلٌ واحدٌ لِخِدْمة المسلمين، يستمع ويتأثَّر ويُثني ويمْدح، أما أن يتحرَّك، أما أن يقدِّم عملاً، أما أن يحمل همًّا أما أن يخفِّف مشكلةً ؛ بعيدٌ كلّ البعْد عن هذا أنا أتساءل ما قيمة حضور درس علم إنْ لم ينقلب إلى عمل، إن لم ينقلب إلى استجابة، إن لم ينقلب إلى حركات، إن لم ينقلب إلى عطاء، المشكلة يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام مرَّةً ؛ يقول: مرَّ مع أصحابه على قبر فقال: صاحب هذا القبر إلى ركعتين ممَّا تحقرون من تنفّلكم خير له من كلّ دُنياكم، أنا أتمنَّى على كلّ أخٍ كريمٍ أن يكون جريئًا على نفسِهِ، وأن يقبل الحقيقة المرَّة لا أن يعيش في الوهم المريح، أن يقول: ماذا قدَّمْتُ للمسلمين ؟ والله أيّها الإخوة أبواب العمل الصالح في كلّ زمان بعدد أنفاس الخلائق، أنواع منوَّعة، ممكن أن تعلِّم العلم، ممكن أن تنفق من مالك ممكن أن تحقّق إنجاز كبير تضعُهُ في خدمة المسلمين، ممكن أن تخفِّف آلام البائسين، الأعمال الصالحة لا تُعدُّ ولا تحصى لكن شرْطَ أن تتوفَّرَ لها نيَّة صالحة، هنا السؤال ؛ كيف نأتي بالنيَّة الصالحة ؟ أذكر مرَّةً أنَّ واحدًا سأل طبيبًا ماهرًا جدًّا، فقال له: أيّها الحكيم ؛ علِّمْني كيف تكتب الوصْفة ؟ فابْتسَمَ، وقال له: كتابة الوصفة محصِّلة ثلاثة وثلاثون سنة من الدراسة والتَّعب، والإنجاز والعطاء، وسهر الليالي، وتحمّل ضغوط الأساتذة، وتحمّل متاعب الامتحان، والمراجعة والخطأ والصواب، في نهاية هذا المطاف أكتب الوصفة بيدي، وأنت تريد أن تأخذها بدقيقة ؟ هذا التعليق نفسه على من يقول: كيف تكون نيَّتي حسنة ؟ النيّة الحسنة هي محصِّلة إيمانك كلّه، وجهاد النفس والهوى كلّه، وكفّك عن محارم الله تعالى، وتوظيف إمكاناتك في سبيل الخير ؛ طلّ هذا يُولِّد في النهاية نيَّة طيِّبة.
أيها الإخوة، كلمة دقيقة وعميقة ؛ المخلص عاداته عبادات، والجاهل عباداته عادات، العبادة الخالصة ؛ الصلاة والصوم والحجّ عادة، أما المؤمن لو جلس مع أهله وآنسهم له في هذا عمل صالح، لو أخذ أولاده نزهةً بِنِيَّة أن يُمَتِّن علاقتهم به كي ينشؤوا على طاعة الله ؛ عمل صالح أنا أعدُّ لكم أعمالاً لا تُصدَّق وكلّها أعمال صالحة، وهي عند الناس نشاط يومي وعادات، محور هذا الدرس، تجد أخًا من الإخوان بِسَنَتين أو ثلاثة أمَّة ؛ أقرباؤه وأصهاره وأولاده ومن يعلم وجيرانه وزملائه كلّهم دعاهم إلى المسجد وحملهم على طاعة الله تعالى، ويسَّر لهم سبيل الطاعة، فأصبح هو في قلوب الآخرين، كلمة أمّة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾
[ سورة النحل ]
تجد شخصًا بِقُلوب مئة أشخاص، وشخص بقلوب ألف، والنبي عليه الصلاة والسلام في قلب مليار و مئتا مسلمٍ، فأن أتمنَّى أنَّ الإنسان في هذه الحياة الرتيبة، النقطة الدقيقة أنّه أكلنا وشربنا ونمنا وسافرنا وانبسطْنا وسهرنا وضحكنا، إلى متى ؟ يأتي يوم يأتي فيه ملك الموت يقول لك: ماذا حصَّلْت من عملٍ صالح ؟ لا يوجد مهنة بالأرض إلا ولك أن توظِّفها للخير، أضرب لكم مثلاً ؛ امرأة أُصيبَت بِمَرض خبيث في دماغها، ودعَتْ ربّها أن يُشْفِيَها، وبقُدرة القادر، وحكمة حكيم شُفِيَت شفاءً تامًّا امرأة فقيرة قابعة بالبيت، ماذا تستطيع أن تفعل ؟ الرجل له مجالات واسعة جدًّا، فهذه استأجرَت غرفةً، وهيَّأتْ فيها مطبخًا، وصارَت تطبخُ أنفسَ الطَّعام، وهذه هي إمكانيَّاتها، طبّاخة من طراز أوّل، للأسر الغنيّة الراقيَة بِمُصطلح المجتمع المخملي ؛ أرباحها من هذا العمل بدأَت تُوظِّفها بِمُعالجة الفقراء، إنسانة لا تملك من الدنيا إلا الطّبخ استطاعَت أن تجمع مبالغ كبيرة جدًّا، وأن تجمع مئات المرضى الفقراء، فيا أيّها الإخوة الإنسان إذا كبر قلبه يصغر أمامه كلّ كبير، وإذا صغر قلبه يتعاظم عليه كلّ حقير، القلب يكبر ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كلّ كبير، ويصغر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كلّ حقير، تجد إنسان تمتلئُ منه إعجابًا نواياه وهمومه وأعماله، وتنظيم وقته، خدمته، مزحهُ للناس، وإنسان آخر عبءٌ على الناس، ومن دوم مبالغة أشعر أنّ واحدًا كألف، وواحد كمليون، حامل وغطّى كميّة كبيرة من الدعوة، وإنسان آخر غطَّى لك قطاع كبير من مشكلات المسلمين، ويقول لك: أنا هذا أحمله عنك، وإنسان محبوب، أنا لفت نظري منظر في الحجّ هؤلاء الذين كبر سنّهم ؛ ثمانون، يطوفون محمولون، كميّة عظام محمولة، هناك شابّ مسلم تجده بهذا الشكل، لا يقدّم شيء، ويريد كلّ شيء، ما دام دخل المسجد يريد بيت، ويريد زواج، وتأمِّن له كلّ شيء، وهو لا يقدِّم ولا شيء، وإذا كان هناك نزهة يأتي أوَّل واحد، أما إذا كان هناك عمل فلا ترى أحدًا، سؤالي، ومحور الدّرس اليوم أنَّ كلّ واحدٍ منَّا عليه أن يكون صريحًا مع نفسه، لو أنَّ ملك الموت جاءك، وقد يأتي في أيّ وقت، ما العمل الصالح الخالص الذي تقدّمه لله عز وجل ؟ والله أيّها الإخوة الذين تفضَّل الله عليهم بأعمال صالحة، والله هذا العمل الصالح الذي أجراه الله على أيديهم يُكْسبهم راحةً نفسيَّة، والله لو وُزِّعَت على أهل بلدٍ لكفاهم، فأنت بعد حضور درس لمدّة عشرين سنة، عشرة سنوات، ثمانية سنوات، وأحيانًا ثلاثون سنة ألا يمكن أن تقدّم شيئًا في هذه السنين، في الدعوة، وفي العمل، في العمل الصالح، في إعانة الناس، معالجة المرضى، تأمين حاجات الناس، إذا قال الله لك ماذا فعلْت في الدنيا ؟ يا ربّ، فعلت كذا، وعملتُ هذا العمل في سبيلك ابتغاء مرضاتك، لا أبتغي لا سُمعةً، ولا جاهًا، ولا مدْحًا ولا ثناءً، فتجد الإنسان له عمل واضح وصارخ، أخاف أن أقول أيّ واحد منكم يمكن أن يكون من أكبر أعلام الأمَّة لو صدَقَ، ولا أنسى هذه القصّة التي أعيدها كثيرًا ولا أنساها، رجل في صعيد مصر أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد عالمًا من علماء الأزهر، أبوه بالخامسة والخمسين تمنَّى أن يكون مثله، ركب دابَّته وتوجَّه بها إلى القاهرة، كم من يوم حتى يصل ؟ قلْ كم من أسبوع ‍! المهمّ وصَلَ، وسألهم أين الأزْعَر ؟! لا يعرف اسمه، فقال لهم أحدهم: يا أخي، ما هذا الأزعر ؟ هذا اسمه الأزهر، فدَلُّوه على الأزهر، والقصَّة واقعة، واسمهُ زكريّا الأنصاري هذا الرجل تعلّم القراءة والكتابة بالخامسة والخمسين، ثمَّ طلب العلم الشرعي، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر ! مات في السادسة والتسعين وهو شيخ الأزهر، فالذي يرزقه الله أعمالاً صالحة، هل هو أحسن منك ؟ لا لكن هو طلب، وأنت ما طلبْت، هناك إنسان قنوع، وأنا أُجلّ قناعته قنوع بِعَمل الأخيار، أنا بالجامع الفلاني، وهو جامع نظيف، ومعتدل، ووسط، ولا توجد مشكلة، طيِّب ماذا قدَّمْت ؟ أنت تتلقَّى وتتلقَّى، ولكن متى تعطي ؟ تستمع متى تُلْقي، تتلقى متى تعطي، تستمع متى تُلْقَى، تأخذ متى تمنح، فلا بدّ من عملٍ وأنا أتحدَّى أن تكون هناك حرْفة في الأرض لا يستطيع صاحبها أن يوظِّفها في الحقّ ! هناك إخوان جزاهم الله خيرًا، كلّ إنسان باخْتِصاصه، واحد من إخواننا الكرام قدَّم لطلاب المعهد في أوّل العام الدراسي كنزة لكل واحد، وهي ثمينة جدًّا، ثلاث مئة أو أربعمئة طالب لبسوا هذه الكنزات هديَّةً من الجامع، كان وقْعُها كبير، فأنا اختصاصي كذا وسأُقدِّم كذا، والله هناك في هذا المسجد جنود، وأنا أسمِّيهم جنود عند الله معروفون، كلمة جندي مجهول لها أشكال، جندي معلوم عند الله عز وجل، يقومون بأعمال مُشرّفة، ومن دون أن يعلمَ أحدٌ يا ربّ فعلتُ هذا من أجلك، أتمنى على كلّ أخٌ كريم يحضر دروس من فترة طويلة، أصبحت عندهُ قناعات ثابتة، المفروض يصدر منه شيء، وكلّ إنسان له اختصاص، ولا يوجد من لا اختصاص له، ولا يوجد من لا خبرة له، هناك أشخاص يقول لك: أنا متخصِّص بالبرمجة أنا بخدمتك، وإنسان بالكهرباء، وطبيب قال لي أيّ إنسان يأتي من عندك نعالجهُ مجَّانًا، ومُحلِّل قال: أيّ إنسان تبعثهُ نُحلِّلُهُ مجّانًا، شيء جميل، طبيب جرَّاح بعثْت له الأوّل والثاني والثالث والرابع، عمليَّة تامَّة من دون مقابل.
قدّم اختصاصه لله عز وجل، هذا قدَّم خبرته، وهذا قدَّم حرفته، وهذا قدَّم وقته، وهذا قدَّم عضلاته، ولكن من دون عمل مشكلة كبيرة جدًّا، الدِّين من دون عمل صالح يُمَلّ ‍! سمع صلّى وصام ؛ كلّه يشبه بعضه !! أما إذا عمل صالحًا يتألّق، ويصبح مثل المرجل، عجيب المؤمن، دائمًا عنده مشاريع الأعمال الصالحة التي لا تنتهي، ينتهي عمرهُ، ولا تنتهي نواياه الطَّيّبة، فهذا الإمام النووي رحمه الله، يمكن لا يوجد كتاب أبرق من هذا الكتاب ؛ رياض الصالحين، ألَّفه ومات، كم إنسان استفاد منه ؟ جمع أحاديث صحيحة، ورتَّبها ترتيبًا رائعًا، ضبطها، يمكن لهذا الكتاب من دون مبالغة مطبوع ألف طبعة، ألَّف كتاب الأذكار، وكتاب بُغْية المحتاج وكتاب شرح مسلم، ثمَّ مات، وكذا الإمام القرطبي، ترك هذا التفسير ويمكن ما من مسلم في هذا العالم إلا وقرأ هذا الكتاب، طبعًا الدعاة، وينتفعون به، لذا اُتْرك علمًا، أو عملاً، أو دعْوةً، أو ميْتَم، أو معهد شرعي، اعْمِل عملاً، هناك ثانويّات شرعيَّة، الأعمال المتاحة للمسلمين والله لا يعلمها إلا الله، مرَّةً دُعيت تناول طعام الإفطار في ميْتَم، طبعًا من أجل الورع هذا الطعام من إنسان، وليس من أموال الأيتام، وقد ذُكِر هذا في بطاقة الدعوة، ثمَّ أكلنا أكلاً من مستوى رفيع جدًّا، ثمّ فوجئت أنّ هناك مئتان أو ثلاث مئة أسرة بالشام صافِّين بالدَّور لِصُنع طعام أيتام برَمضان، أسرة تشتغل خمسة أيّام لتقديم طعام نفيس يُقدَّم للأيتام، نحن السَّنَتين الماضيَتين الإخوان الذين تبرَّعوا بتقدمة مأدبة إفطار لطلاّب العلم الأجانب، بالمصطلح الشائع أكثر من عشرون، وهناك قسم لم يُتَح لهم تقديم هذا، يا ربّ أنا طلاّب العلم أكرمتهم، سكَّنتُ هذا بِبَيتٍ، وهذا أمَّنْتُ له حاجته، أبواب العمل الصالح لا تُعدّ ولا تُحصى، ممكن أن تقدّم بيتًا، ممكن أن تقدِّم ثيابًا، ممكن أن تقدِّم طعامًا، ممكن تقدّم مواد غذائيَّة، ممكن أن تقدّم مالاً، علمًا، خِبْرةً، طبًّا، هندسة، كمبيوتر، ألف اختصاص موجود، وكلّ اختصاص يمكن أن يُوظَّف بالخير، فالذي يلفت نظري أنا، الإنسان ماذا ينتظر ؟ الأيام تمضي، وبين عشيَّة أو ضحاها يأتي ملك الموت، قال تعالى:

﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) ﴾
[ سورة النمل ]
يقول كنا نخوض مع الخائضين، قال تعالى:

﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) ﴾
[ سورة المدثّر ]
مستنفرة في الدنيا.
أيها الإخوة هناك نقطة ثانية من لوازم الدرس، قد يقول أحدكم أنا ليس إمكانات، من قال لك أنَّ أحدًا من بني البشر يملك إمكانات ؟ كلّ واحد منّا يملك أن يسأل الله تعالى أن يُعينه، وما أنت فيه ليس من محصّلة جهدك إنّما هو محصّلة دعاءك وطلبك، قد تكون إنسانًا أقلّ من عادي والله عز وجل يُجري عليك من الأعمال الصالحة ما لا يُعدّ ولا يُحصى، هناك بالعالم الإسلامي أعلام كبار، خيرهم لا ينتهي إلى يوم القيامة في عملهم الصالح، أضرب مثلاً، لو أنَّ واحدًا يتقن اللّغة الإنجليزيّة، هل تعلم كم من الخير متاحٌ له ؟ أربعة مليارات أو خمسة من أشخاصٍ شاردين شعوب، لو ألّفْت كتابًا باللّغة الإنجليزيّة ووضَّحت فيه معالم الدِّين، وعرَّفْت الناس بالإسلام، هذا عمل عظيم، هناك قنوات للدَّعوة غريبة جدًّا، ممكن أن تؤلّف كتاباً باللّغة الأجنبيَّة، ولك أن دخل إلى الإنترنت، فهناك آلاف القنوات الدَّعَويَّة، هذا مُتَرجم وهذا باحث، وهذا منظِّم، يقول لك: قدَّمتُ لك الكتاب لوجه الله تعالى، فأنا أدعوكم لأن تستفيدوا من هذا العمر الثمين الأمور الاستهلاكيّة تافهةٌ جدًّا، أيّ شيء أكلته بالظهر فالكل مثل بعضه المهمّ شبعت، الذي أكل أكلاً نفيسًا، والذي أكل سند ويش، بعد خمسة دقائق من انتهاء الطعام لا فرق بينها، امتلأت المعدة بالطعام وانتهى الأمر أين أكلت ؟ وماذا أكلْت ؟ ماذا لبسْت ؟ أشياء مستهلكة، ولا أثر لها مستقبلي أبدًا، أما لمَّا ينام الإنسان ويقول: يا ربّ ماذا أفعل من أجلك ؟ ما العمل الذي تحبّ أن أفعلهُ كي أصل إلى رِضاك ؟ هناك أعمال كالجبال، وكلّها متاحة لنا جميعًا، ولا يوجد واحد أحسن من الآخر، ممكن أن تعملَ عملاً كالجبل، لأنّ الله يُعينك عليه، قال تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
أنت تقول: إيّاك نعبد وإيَّاك نستعين، أيْ يا ربّ أنا فقير، وأنت الغني، وأنا ضعيف، وأنت القويّ، وأنا جاهل، وأنت العالم، عَلِّمني وأغْنني، وقوِّني.
مرَّةً ذكرتُ قصَّة ؛ أحدُ إخواننا مهندس لامع كلَّفه رجل ميسور أن يُعَمِّر له جامع بأحد أحياء دمشق الجديدة، الجديدة زمنًا، أما هي ضعيفة، فبحث عن أرضٍ ووجدها، وهي مناسبة، سأل عن سعرها اسْتقرّ السعر على ثلاثة ملايين ونصف، جاء المحْسن الكبير لِيَرى الأرض، فكانت مناسبة، سأل عن مالكها، فقيل له ورثها إنسان منذ شهر، عنده ثمانية أولاد ومعاشه أربعة آلاف، تفاوضوا على السعر ثلاثة ملايين ونصف، عمل له شكّ بِمِليونين كدفعة أولى، فقال له: متى الباقي ؟ فقال الباقي عند التنازل ‍فقال له أيّ تنازل ؟ قال له: بالأوقاف ‍‍!! فقال المالك: ولماذا ؟ فقال المحسن هذه القطعة سَتُبْنى جامعًا، فمسك الشيك وقطعه، وقال له: أنا المالك، وأنا أولى أن أقدّمها لله منك !! يقول هذا الغنيّ وهو الآن مريض، يقول: لم أصْغُرْ بِحياتي أمام إنسان كما صغرْت أمام هذا الشخص، قد يكون معه خمس مئة مليون، وسيُعطيك ثلاثة ملايين ونصف، ماذا نقص من هذا المبلغ الكبير ؟ أما هذا المالك كان فقيرًا، ولا يوجد من هو بحاجة لهذا المبلغ مثله، راتبه أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد !! وأرضٌ ثمنها ثلاثة ملايين ونصف، فخجلاً من الله أن يشتريها منه إنسان ويبنيها مسجدًا ثمّ بعدها وضعوه ناطورًا، وأعطيناها أربعة آلاف بالشهر فما رضي أن يأخذها، خوفًا من أن يذهب أجره وثوابه، فقالوا له: أقلّ ناطور يأخذ أربعة آلاف بالشهر، أراد أن يكرمه بوظيفة تابعة للمسجد فما رضي.
لذا يا ربّ أنا قدَّمت العلم، ويا ربّ أنا قدّمت هذه الأرض في سبيلك، ويا ربّ أنا عمّرت هذا المسجد، فالإنسان لا يتألّق إلا بعملٍ صالح خالص لوجه الله تعالى، قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[ سورة الكهف ]
هناك طبيب من إخواننا أحترمه احترامًا لا حدود له، والسَّبب أنَّ له مناوبة بمستشفى عام، أضلّ إلى الساعة الواحدة ليلاً أعتني بالمريض وكأنَّه أعطاني مئتا ألف لأنّ واسطته الله، مريض وفقير موضوع بمستشفى عام ممكن أن تقف عنده دقيقة واحدة، ساعتان يبقى هو، يرى التحاليل وطلب تحليل، وأعتني فيه عناية تامّة لأنّ واسطته الله تعالى.
يخرج من المتشفى الساعة واحدة على آخر نفَس، وهناك من يبقى خمسة عشرة دقيقة، كل مريض دقيقة، ويمشي، أما أن تعالج مريض فقير ليس له شيء إطلاقًا إلا رضاء الله عز وجل، وتبقى معه حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ترى الصور والتحاليل، وتضبط له أكله وشربه، وتراقب تطوّر حالته من يوم لآخر حتى يرضى الله منك، أنا هذا الذي أريده من هذا الدرس، تعمل عملاً لا يهمّك المديح ولا الثناء، ولا أن يُقال فلان، تريد وجه الله الكريم، حجمك عند اله بحجم عملك الصالح.
أحيانًا تدخل دائرة تجد موظّف كريم يخْدمك من قلبه، وكأنَّه يعرفك من خمسين سنة، وقد سمعْت، ولا أدري صحّة الخبر، مكتوب بالحُجْرة النَّبَوِيَّة حديث لرسول الله: أفضل المعروف إغاثة الملهوف وهو بمعنى هذا الحديث:
((إغاثة الملهوف فرض على كل مسلم))
[ رواه أبو حنيفة في المسند ]
مرَّةً قال لي شخصٌ رأيْتُ إنسانة حاملة طفلاً صغيرًا وتبكي، ومعها زوجها الساعة الثانية عشرة ليلاً، وكان راجعًا من لبنان أثناء أحداث لبنان، الابن كانت حرارته واحد وأربعين على وشك الموت، ولا يعرفون أحدًا وفقراء، فأخذهم إلى المستشفى وأسْعَفوهم، وصيدليّة مناوبة إلى الساعة الرابعة فجرًا حتى خلصْت، فقال لي: والله عشرة أيّام وأنا أشعر بسعادة مرموقة أنت اسْمع الآية:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[ سورة الكهف ]
لا تقل له من أين أنت ؟ هو عفريت ! أنت اخْدُمه وفقط، وهذه نزْعة أحْتقِرُها بالإنسان، هذا عبْدٌ لله تعالى أمامك، أينما كان اُخْدمْهُ، واجْعَلْهُ يعرف من هو المسلم أيها الإخوة الكرام، أتمنَّى أن يراجع الواحد منَّا نفسه كلّ يوم، أنت تلقَّيْت العلم عشرة سنوات مثلاً فماذا صنعت ؟ هناك جهْد عضلي، وجهْد فكري، وجهْد علمي، وجهد دعوي، ماذا تركت من أعمال ؟ الحقيقة أنّ المؤمن مثلما قال الله عز وجل:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾
[ سورة النحل ]
بأعماله الصالحة تجده في قلوب الآلاف، وكلّما كثر عملنا الصالح كلّما كثر كلامنا، ومن دون عمل نسقط من عين الله، وكلّما كثر عملنا وقلّ كلامنا نكْبُر في عين الله، فقلِّل الكلام، وكثِّر العمل، هناك من يكثر الكلام، ويُقلّل العمل، ينتقد، أنا قلتُ لكم مرَّة أحبّ بالدَّعوة التَّدَخّل الإيجابي ؛ لا تُهاجِمْ أحدًا، ولا تنتقد أحدًا، ولا تُقيِّم أحدًا، ولا تلمِّح ولا تغْمز ولا تهمز، قدِّم الإسلام واضحًا، وطبِّقْه بِحَياتك، وفقط وتكون بهذا أكبر داعِيَة، بل ممكن أن تكون أكبر داعيَة وأنت ساكت، بعملك استقيموا يُسْتَقَم بكم، هناك أعمال جليلة، لنا أخ كريم له معمل قال لي: عندي مهندس له معاش يكفيه فقط، وجد في الطريق كيسًا أسْودًا فيه ثمان مئة ألف، بحث عن صاحبها، وقدَّمها له طبعًا خلال يومين أو ثلاثة سأل المخافر، وقدّم له أمانته، ولم يأخذ شيئًا وهذه أعمال صالحة، تردّ الأمانة لصاحبها، ترعى يتيمًا، ذكر لي أخ أنّه وجد قطّة ممعوسة ولكنّها غير ميّتة أخذها على المستشفى، وعالجها وانتظر إلى يوم الغد حتى أُجْريَت لها عمليّة، وأعطِيَت مسكّنات، اشتغل يومين حتى أنقض هذه القطّة لوجه الله تعالى، فأتمنَّى من كلّ واحد أن يقول: أنا ماذا أفعل ؟ لا يوجد من لا يستطيع تقديم شيء، وقد علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أنّ الإنسان إذا وقع بمُشكلة أو ضائقة، أو همّ عليه أن يدْعوَ الله بِخالصِ عمله، يكن لك عملاً خالصًا لوجه الله تجعله شفيعًا لك إلى الله إذا كانت عندك أزمة ؛ يا ربّ إن كنتُ فعلتُ هذا ابتغاء مرضاتك قال لي أخ: والدي يشتغل تاجر غنم، وله رحلات طويلة في البادية، قال لي: مرّة كان نائمًا بِخَيمة، ولعلّه كانت هناك امرأة عندها رغبة زائدة وقعَت عليه، فدفعها وقال: إنِّي أخاف الله ربّ العالمين، وبعد سنة أو سنتين تاه في البادية وكان معه غنم، وبلغ العطش درجةً عاليَة على وشك الموت هو وغنمه، قال له: يا ربّ إن كنتُ تعفَّفت عن هذه المرأة قبل عامٍ خوفًا منك فأنْقذنا الآن، وكلّ واحدٍ منَّا قد يكون له عمل خالص لوجه الله، يبتغي به وجه الله.
هناك أخوة يعلّمون طلاب من دون مقابل لوجه الله ؛ سبت أحد و أثنين وثلاثاء، يأتي من آخر الدنيا، أوّل ساعة وثانية وثالثة، من دون أن يريد شيئًا، وهذه والله لن تجدها إلا بين المسلمين.
مرّت جرتْ بيني وبين إنسان مقابلة، وكان من بلدٍ أجنبي، يعمل دراسة عن علماء دمشق فوصَل عندي، سألني كم درسًا تقدِّم فقلت له: كذا فقال: كم تتقاضى عليه فقلت: لا آخذ شيئًا، لوجه الله، اخْتلّ توازنه، بالمنطق المادّي هذا نوع من الجنون، تعطي ثمانية عشر درسًا من دون مقابل ! طبعًا نحن نعمل للآخرة، دائمًا أضرب هذا المثل ؛ ملِكٌ قال لأستاذٍ: أعط ابني دروسًا، أحبّ الملك أن يعطي المدرّس بيتًا وسيارة، ومبلغًا خمسة ملايين، فلمّا جاء الأستاذ للابن وقال له: أودّ أجرتي منك ! أعطاه مئة ليرة !! فكلّ إنسان يطلب على عمله الصالح أجر في الدنيا يكون بهذا يحتقر أجر الله عز وجل، أما المؤمن لا يطلب إلا الأجر عند الله.
مرَّةً أذكر أخًا من إخواننا كان بينه وبين إخوانه خلاف، إخوانه بالسعوديّة وكانت بينهم تجارة، وكانت هناك خسارة كبيرة فاختلفوا، وحدث شقاق في الأسرة الواحدة فكلَّفوني أن أكون حكمًا بينهم، جلسْتُ أوَّل يوم وثاني يوم، وثالث يوم، أذكر كلّ يوم إلى الساعة الثانية عشر، والله عز وجل يوفّقني أن أجد حلاًّ وسطًا رضي به الجميع، أما أحدهم قال لي كلمة شعرتُ نفسي مُهانًا، قال لي: كم ثمن جلوسك كلّ هذه الجلسات ؟!! فقلت: أنا لا محامي ولا قاضي، أنا داعيَة، لا أريد منكم شيئًا، فكلمة: ما ثمن جلوسك هذه الجلسات إهانة، نحن نبتغي وجه الله، قال تعالى:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾
[ سورة الأنفال ]
هناك أخ من إخواننا يبقى أربعة ساعات يحلّ مشاكل الناس، متخاصمَيْن أو شريكَيْن، يسأل ويجيب، يكتب عنده، يحكم، من مدّة فقط موضوع أكثر من أسبوعين كلّ يوم من التاسعة إلى الثانية عشرة أو الواحدة حتى تنحلّ المشكلة بين شركاء محترمين، هذا هو العمل الصالح، أتمنَّى أنّ الإنسان يكون له عمل صالح واضح مركّز يبتغي به وجه الله عز وجل، وإذا قال: ليس لي إمكانيّات يكون بهذا لا يعرف الله عز وجل، فالإمكانيّات عند الله يمْنحها للصادق كانت هناك نظريّة سابقًا، وهي نظريّة الإمكانات المحدودة ؛ أنّ كلّ إنسان له مستوى ذكاء، وقُدرات محدَّدة مربوط بها، وهذه النَّظريّة تالفة الآن فالإنسان له قدرات كامنة، إما أن تُفجَّر وإما أن لا تُفجَّر، فكلّ إنسان عنده إمكانيّات لو اسْتغلَّها يكون علمًا من أعلام الأمّة، وكلّ من حوله، ألا تستطيع أن تقيم جلسة لأولاد أختك فرضًا، جلسة أسبوعيّة تعطيهم فيها آية أو أكثر، حديثين وقصّة، تربطهم بالدّين، وتجد مع مرور الأيّام هؤلاء البنات تحجَّبوا، وهؤلاء الأولاد لزِموا المسجد، ألا يستطيع الواحد فيكم أن يجعل لأقربائه، أو أصدقائه، أو جيرانه جلْسة أسبوعيّة، ويتلقّى العلم الجمعة والسبت والأحد و الاثنين، ألا تستفيد من كلّ هذه الدروس بحديث أو خمسة آلات، أو قصّة، وحكم فقهي، وشيء من السيرة، جمِّعهم لتحضير درس لِمَن هم حولك ؛ أختك، بنات أختك، زملائك، أصدقاءك ؛ جَلْسةٌ لله تعالى، البلاد كلّها جلسات وسهرات، وكلّها أذواق، ما من مجموعة إلا ويجتمعون ويأكلون ويتكلّموا ويضحكوا، فإذا كنت أنت مؤمنًا اجْعَل دورًا دينيًّا، اقرؤوا صفحة قرآن، يقرؤُها كلّ واحد، يرَوا تجويده، وواحد يشرح شيئًا من معاني هذه الصفحة، شيء ممَّا قيل في درس الجمعة أو درس الأحد، مذاكرة تقريبًا، تآنسْنا بِبَعضنا ربطنا بعضنا برِباط الإيمان، فالإيمان بناء كبير يُبْنى لَبِنَةً لبنَة فكلّ حقيقة تُضاف إلى قناعاتك، وكلّ حديث صحيح تفهمهُ فهمًا عميقًا يُضاف إلى ذخيرتك، وكلّ قصّة مؤثِّرة تُضاف إلى معلوماتك، فأنا أردت من هذا الدرس أن يكون باعثًا لكم على العمل الصالح يُقدَّم للمسلمين، وكلّ واحد بِمَوقف، هل منَّا من ليس له موقف معنا بالحياة ؟ لك موقف، وعندك إمكانيّان، فهل بالإمكان أن توظّف هذا الموقع، وهذه الإمكانية للخير، ولعملٍ صالح.
بمعرض الكتب تجد قصص إسلاميّة رائعة جدًّا، إنسان عكف على تأليفها مرَّةً راجعتُ آية من القرآن في تفسير من التفاسير، تأثَّرْتُ كثيرًا من شرحها، شرحٌ واضحٌ جدًّا، فجَعَلتها موضوع الجمعة للخطبة، ومن باب الوفاء تأثَّر الإخوة، وعبَّروا عن تأثّرهم بكلمات ؛ جزاك الله خيرًا، أنا بعدما انْتَهت الخطبة قلت: هذا الذي ألّف هذا التفسير ومات، وترك هذا التفسير، بعد ألف سنة قرأت هذه الآية وأعْجبتني، وجعلتها خطبة وسمعها خمسة آلاف إنسان، ومُسجّلة بالأشرطة، ويُذيعونها بإذاعات عديدة، فهذا الإنسان الذي ألّف هذا التفسير كم له من الأجر ؟‍ هنا ‍؛ قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))
[ رواه مسلم ]
مرَّة بلبنان فتحوا لي على إذاعة إسلاميّة لدار الفتوى فإذا بصوت أحد العلماء وهو مُتوفَّى رحمه الله، قالوا المرحوم فلان، تأثَّرْت تأثُّرًا بالغًا، فقد صار في القبر هو، ويذاع له كلّ يومين شريطَين أو ثلاثة بكلّ العالم العربي تقريبًا، فأنت لا تعلم بخمسين سنة قادمة أو مئة سنة تُذاع دروسه على الناس وهو ميِّت، أعضاؤه مكاحل، هذا عمل، تكون لك دعوة، وتترك عملاً، أو أخًا مؤمنًا، ولد صالح، كتاب مؤلَّف، أما أن تعيش على الهامش أكلنا شربنا سهرنا نمنا انبسطنا ضحكنا، صار تجلّي بهذه السهرة، وإلى متى هذا ؟ وهذا شيء متكَرِّر، الإنسان إلى كم، الخامسة والثمانين، ثمّ بعدها يموت.
أيها الإخوة، وأنا في طريقي جاءني خاطر على هذا الدرس، وقد كنت هيَّأتُ درسًا لدرس الأحد، ولكن في طريقي إلى المسجد، قلت هذا الأخ من باب النصيحة لازم أن يقدّم شيئًا للمسلمين، فيجب أن يحمِلَ همّ المسلمين، والشيء الثاني يقدّم شيئًا للمسلمين، يا ربّ هذا الذي فعلتُهُ في سبيلك.
أنا لا أنسى موقف أحد إخواننا رحمه الله، هناك أخوّة قريبة، وأخوَّة وسط، فالعلاقة كانت بيننا، فسهرنا مرَّةً، وكان معه مرض وتوفّي، ذهبتُ إلى جنازته فقام أحد العلماء وكان تلميذه فقال: أخوكم فلان كان مؤذِّنًا فترحَّموا عليه ! هذا هو التقديم كلّه، ثانيتان فقط، ألا يوجد شيء آخر ؟ بيته كان جميلاً جدًّا، صاحب معمل كان، أذواقه بالدنيا من أعلى ما يكون، وهو كان فقط مؤذِّنًا، فالإنسان الذي يعمل العمل الصالح يُحكى عنه بدقيقة أو دقيقتين، فعند الموت ماذا يحكى عن الميّت ؟ هل نقول بيته جبصين ؟!! عنده ثلاثة سيارات ؛ واحدة لنزهة والأخرى للمدينة وأخرى للحاجات !!! وعنده طقم فاخر...ماذا يُحكى عند الموت ؟ العمل الصالح فقط، ولا غير، ماذا قدَّم للإنسانيَّة ؟ وماذا قدَّم للأمّة من عمل صالح ؟ إذا توفّي واحد نقول عنه: رحمه الله، فالإنسان بالنهاية يقال عنه كلمتين ؛ إما يرحمه الله، وإما الثانية، إذا كان له عمل طيّب تخرج كلمة يرحمه الله من الأعماق، وإما أن يقولوا عنه كلمة أخرى والعياذ بالله، أيّها الإخوة أرجو أن يكون هذا الدرس باعثًا لكم، بشكل واضح واضح ركِّز ؛ ماذا أستطيع أن أقدِّم للمسلمين ؟ لنا أخ في أمريكا اختصاصه لغة إنجليزية فقال: أبي ماذا أفعل ؟ فقلتُ له: لك أن تؤلِّف كتاب عن معاني كلمات القرآن بالإنجليزيّة والعربيّة، فقدَّمه واشتغل فيه سنَتَين، وهو الآن على وشك الطَّبع، كلّ الجاليَة الأمريكيّة بأمريكا هذا الكتاب بالبيت، تأتي كلمة مثلاً، أبًّا، في قوله تعالى:

﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31)﴾
[ سورة عبس ]
ما هي أبًّا هذه ؟ فالذي عربيّته ثقيلة يجد هذه الكلمة بالإنجليزيّة، قدَّم الكتاب لوجه الله، تجد أحيانًا كتابًا مطبوع، وحقوق النشر غير محفوظة، فهي لكلّ مسلم دون قيْد أو شرْط، عكس كلّ كتب الأرض، تحت طائلة المسؤولية، ولا طبع ولا اقتباس ولا كمبيوتر، ولا تنضيد ضوئي، ولا ولا...أما هذا يقول لك: حقوق الطبع مبذولة لكلّ مسلم من دون قيد أو شرط، اطْبَع وانْشُر، ولا نريد منك شيئًا، يريد الله عز وجل.
فيا أيها الإخوة، كلّ واحد يُراجع حساباته، أنت لك هويَّة في المجتمع ولك اختصاص وحِرْفة، إنسان مهندس زراعي ألا يستطيع أن يرعى نباتات المسجد ؟ ممكن، إنسان مختصّ بشيء من الأشياء ألا يستطيع تقديمها للجامع ؟ طبعًا يستطيع، أو إلى معهد شرعي، وكلّ واحد بِحَسب إمكانيّاته، والله عز وجل هو ربّ النوايا، وحينما تريد شيئًا بِصِدقٍ يُحَقَّق.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:39 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 026: فقه الأوليات : كراهة السؤال عن الغرائب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-23
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة المؤمنون، موضوع الدرس غريبٌ نوعًا ما، متعلّق بِما يُسمّى بفقْه الأولويّات، يعني طالبٌ عندهُ امتحانٌ في مادّة أساسيّة في سنة التخرّج وسيُبنى على تخرّجه ؛ وظيفتهُ، وعملهُ، وزواجُه، وعندهُ مكتبةٌ عامرة فيها بضعُ مئاتٍ من الكتب.
فقْهُ الأولويّات ماذا يقتضي ؟ أن يقرأ الكتاب المقرّر، الذي سيُؤدّي فيه امتحانًا بعد يومين، فإذا نجَحَ، وبحثَ عن عملٍ ووجد، تبيّن، له بعدئذٍ أن يقرأ قصّة في هذه المكتبة، أما في المرحلة التي قبل الامتحان عليه أن يقرأ الكتاب المقرّر، وهذا اسمه فقه الأولويات.
فروع الدّين، هناك أشياء أساسيّة، وهناك أشياء حاجيّة، وأخرى تحسِينيّة وأشياء ثانويّة، لا ينبغي أن أسْتوْعِب الموضوع الثانوي جدًّا، وأُهْمِل الموضوع الأساسي، مِحْوَر الدّرْس، كراهة السؤال عن الغرائب.
يمكن أن يكون هناك مليون موضوع غريب، إلا أنّ القاعدة في ذلك أنَّ العلم الصحيح ما بُنِيَ عليه حُكمٌ فقهي، مرَّةً زارني أخٌ طبيب عقب خطبة الجمعة، قال لي: والله أريد أن أؤلف كتابًا حول المرض الذي توفى فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، قلتُ له بِصَراحة: هذا الموضوع لا يُفيد إطلاقًا، النبي توفّاه الله عز وجل، ماذا يعنينا من المرض الذي تُوُفي به ؟ أهُوَ الْتِهابُ السّحايا ؟ أم حمَّى ؟ أما لو ألَّفْتَ كِتابًا عن الطبّ النبويّ، هذا ننْتفعُ به، العلم ما عُمِلَ به، العلم ما بُنيَ عليه حكمٌ فقهي، أما ملايين الموضوعات إن عرفْتها أو لم تعرفها، لا يُبنى عليها شيء إطلاقًا، فإذا أردْت أن تصل بموضوع لا يتّصل بِحَياتك، ولا بعقيدتك، ولا بعبادتك، ولا بأخلاقك، ولا بكسْب مالك، ولا بمصيرك، هذا الموضوع يمكن أن يسمَّى علمًا لا ينفع، وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام مسجدهُ فرأى أصحابه قد تحلّقوا حول رجلٍ، سألهم سؤال العارف ؛ من هذا ؟ قالوا: هذا نسّابة، سألهم متجاهلاً ؛ وما نسّابة ؟ فقالوا: يعرف أنساب العرب، فقال عليه الصلاة والسلام:
((ذلك علمٌ لا ينفعُ من تعلّمه، ولا يضرّ مَن جهلَ به ))
وقد استعاذ عليه الصلاة والسلام من علمٍ لا ينفع، وقتك ثمين ينبغي أن تشتغل فيما ينفعك، ينبغي أن تشتغل فيما يُبنى عليه حُكْمٌ شرعي ينبغي أن تشتغل فيما يُحدّد مصيرك، أما هناك آلاف وآلاف الموضوعات والله لا تقدّم ولا تؤخّر، وأنا تأتيني أسئلة عجيبة جدًّا، أسئلة في التاريخ عن أقرباء الأنبياء، زوجتهُ ما اسمها ؟ يا ترى سيّدنا يوسف تزوّج بامرأة العزيز أم لم يتزوّج منها ؟ موضوعات لا تقدّم ولا تؤخّر، وليس لها أيّ أثَر في حياتنا، أنا كنتُ أُجيبُ عن هذه الأسئلة ؛ إن علمْت كذا أو كذا ماذا تستفيد ؟ ماذا تنتفع ؟ هو العلم الذي لا ينفع، وقد استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن عينٍ لا تدمع، ومن أُذنٍ لا تسمع، واستعاذ من هؤلاء الأربعة مجتمعةً.
قال المَروزيّ: سألني رجلٌ مرَّة ًعن يأجوج ومأجوج، أمُسْلمين هم ؟ فقلتُ له: أحكمْتَ العِلْم كلّه حتى تسأل عن هذا ؟ يعني القضيّة هنا فقط، وفي هذا فقط، يأجوج ومأجوج، أمُسْلمين هم؟
وسألَ بِشْرُ بن السريد سفيان الثوري عن أطفال المشركين، فصاحَ به، وقال: يا صبيّ، تسأل عن ماذا ؟ العوام لديهم رغْبة في طرْح أسئلة لا علاقة لها بالدِّين إطلاقًا، عبارة عن أحجيات، وألغاز، قضايا تاريخيّة ويشغلون أوقاتهم بهذا.
وقال بعضهم: مثل هذه الأسئلة هي مسائل أهْل الزَّيْغ، ما لكَ ولهذه المسائل ؟
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال سُئِلَ عن مسألة في اللّعان فقال: سلْ رحمك عمَّا ابْتُليتَ به، قضيَّةٌ لمْ تقَع، القاعِدَة عندنا أنّ كلّ قضيّة لا يُنتفعُ بها، ولا يُعْملُ بها، ولمْ تقع، هذا الموضوع يجبُ أن نترفَّع عن السّؤال عنه، طبعًا هناك موضوع قد عالجْتُه بِتَفصيلٍ شديد، وهو أنَّك حينما تسأل عن جُزئيّات وتفصيلات أغفلها الله في كتابه العزيز، أنت حينما تسأل عن هذا تُفسد عن الله حكمتهُ، فهو حينما ذكرَ عن بعض الأقوام السابقين، وعن أشخاص سابقين كذِي القرنَيْن، ما أراد أن يُحدِّد لك اسْمهُ وعمره ومكان ميلادِهِ، وكمْ ولدٌ عندهُ ؟ أراد منك أن تؤمن بِنَموذجٍ من البشَر، يمكن أن تتكرَّر، فإن بالغْت في السؤال عن تفصيلات حياته، وعن جزئيات المكان والزمان، ألْقيَ في روعنا أنّ هذا لا إنسان جاء ومات وليس له نموذج آخر، فكلّما أسرفْت في التفاصيل قلبْتَ القصّة من نموذجٍ حيّ متكرّر، ننتفعُ به، إلى قصّة تاريخيّة وقَعَت ولن تقع بعد اليوم، هذه حقيقة أولى، فالقاعدة الأولى ؛ اُسْكت عمَا سكت الله عنه.
قال تعالى:

﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[ سورة الكهف ]
ما حسم الله في العدد هنا، قل ربّي أعلمُ بعدّتهم، الله عز وجل علَّمَنا درْسًا بليغًا، العِبْرة أنَّه هؤلاء فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزدناهم هدًى، أما كم عددهم ؟ أشكالهم، و ألوانهم، طولهم ؛ هذه قضايا لا تقدّم ولا تؤخّر، الوقت ثمين، ولا بدّ من أن تنتفع بالوقت، تصوَّر إنسانًا يسكنُ بيتًا مساحتهُ أربع مئة متر، وهناك أثاث بخمسة ملايين، وجاءهُ أمر أن يغادر خلال أربع ساعاتٍ إلى بلدٍ آخر ولن تعود، فاحْمِل من هذا البيت ما يتَّسِع لشاحنة صغيرة، ماذا سيأخذ ؟ بيتٌ بأربع مئة متر فيه أثاث بخمسة ملايين! طبعًا سآخذ الحِليّ، وإذا كانت هناك أموال مجمّدة تأخذها معك وأجهزة غالية جدًّا، أما قطعة أثاث وزنها خمس مئة كيلو غرام، هل تأخذها معك ؟ تأخذ معك ثمنهُ وقلّ وزنهُ، قضيّة الاصطفاء، العُمْر محدود، ممكن أن تقضي عمرك بِفَرعٍ من فروع العلم غير النافع، أحيانًا أُشْفقُ على من ضيَّعَ حياتهُ في موضوع أدبيّ، أنا اختصاصي بالشاعر عمر بن أبي ربيعة !! خير إن شاء الله، أمْضَيْت طول حياتك في شعْر غزَل، ماذا ينتُج عن ذلك ؟ وإنسان مختصّ بالإلياذة والأوديسا، قصيدتان إغريقيّتان، درسَ الأبيات وترجمهم، وفهِمَ أبعاد القصيدة، مرّة كنَّا في الجامعة فحدَّثنا أستاذ الأدب العربي، قال في الصور بون، وهي جامعة عريقة في فرنسا، كانت هناك مادّة الأدب الفرنسي الحديث، وكان هناك نصّ لشاعرٍ معاصر، وقام الأستاذ يشرحُ هذا النصّ، فهو أستاذنا كان طالبًا في فرنسا، قال أمضر الأستاذ في شرْح هذا النصّ ساعتين أو أكثر وأعطاه أبعادًا، ومضامينًا، وما انتبهَ أنّ أحدهم في آخر القاعة متقدِّم في السنّ، لمّا انتَهَتْ المحاضرة جاء إليه وقال: شكرًا لك يا أُستاذ لقد أفْهمْتني قصيدتي !! إنّ كلّ هذه المعاني التي ذكرتها لمْ تخْطُر في بالي !!
نحن نريدُ علمًا ينفعُ، وعلمٌ يبْنى عليه حكمٌ شرعي، علمٌ يُعملُ به، علمٌ مفتى في قضيّة وقَعَتْ، أما هناك آلاف القضايا مستحيلٌ أن تقع.
ونُقِلَ عن أبي داود أنّه سألهُ رجلٌ عن مسألة فقال له: دَعْنا من هذه المسائل المحدثَة، وسألهُ عن أخرى فغَضِبَ، وقال: خُذْ وَيْحَكَ فيما تنتفعُ منه، وإيّاك وهذه المُحْدثة، وخُذ في شيءٍ فيه حديث شريف.
وأنا أخوكم ؛ العبد الفقير، في مئات الدروس، عقبها تُطْرح عليّ أسئلة في بعض المساجد، عجيب، تشعرُ أنّ السائل فارغٌ، قضيّة تاريخية قديمة قبل بِعثة النبي عليه الصلاة والسلام لا يُبنى عليها شيء، يسأل، ويناقش، ويُخاصِم، وفلان قال كذا، وفلان قال كذا، وما رأيكم في هذا الموضوع ؟
أحدٌ من الناس سأل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن رجلٍ اسْتأجر من رجلٍ دارهُ سنةً بِعَبْدٍ، فلمْ يسكن الدار، وأبقَ العبد ؛ ما الحلّ ؟ فالعبد هرب، والدار لم تُسكن، والأُجْرة هي العبْد الآبق، ماذا نفعل ؟ فقال له الإمام أحمد اعْفِنا من هذه المسائل.
وآخر سأل الإمام أحمد عن مريضٍ في شهر رمضان، وعن الصّوم، فقال الإمام: يُفْطر، قال أيأكل ؟ قال: نعم، يأكل، قال: وهل يُجامع امرأته ؟ قال: لا أدري ! هناك من يسأل سؤالاً فيه غلظة، فيه قلّة حياء، وفيه إحراج، والله لا يحضرني الآن نماذج ممَّا أُسأل عنه، ولكنّها أسئلة سخيفة جدًّا، إنّ الله يحبّ معاليَ الأمور، ويكرهُ سفْسافها ودَنِيَّها، بِبَعض كتب الفقه، عندهم وقت فراغ كبير، أنّ فأرةً وقَعَتْ في بئر، ماء البئر طاهر، قال: القضيّة على التفصيل ! لو كان قد لحِقها قطّ أو هرَّةٌ فخافَت وبالَت فالماء طاهر، وإذا لم يلاحقها هرّ ووقَعَت في البئر فالماء نجِس !!! وهناك أشياء أستحي أن أذكرها لكم وردَت في بعض الكُتُب، على كلٍّ إنَّ الله يحبّ معاليَ الأمور، ويكرهُ سفْسافها ودَنِيَّها.
قال: طفلٌ زنا بامرأة هل عليه غُسْل ؟ يِضْرب هو وغُسله !! كتب الموضوعات بعيدة عن الواقع.
قال: لا أدري، فأعدتُ عليه فحوَّل وجْههُ عنِّي، وأحدهم سأل أيَجُوزُ أن أتوضَّأ بِمَاء الباقلاّء - البازلاء أو الحمّص المسلوق - ؟ قال: لا أحبّ ذلك فقُمْتُ فتعلّق بِثَوبي، فهذه موضوعات ؛ حُكم الوُضوء بالعدس أو ماء الحمّص، الوُضوء باللّبن هذا معروف ! أما الموضوعات غير الواقعيّة، والتي لا يتنفعُ بها السائل، ولا يُبنى عليها حكمٌ شرعي، ولا تُغني.
وبعض العلماء قال: إيّاك وما يستشنع الناس من الكلام، يقول لك: لا حياء في الدِّين ! ولكنّ الدِّين كلّهُ حياء، والدليل قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)﴾
[ سورة المعارج ]
كم هناك من انحراف جنسي بالكتب ؟ أجْملها القرآن الكريم بكَلمةٍ مهذّبة وبكلمةٍ لا تجرحُ حياء الإنسان، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾
[ سورة الأعراف ]
اُنظر إلى كلمات القرآن الكريم كيف أنّها كلماتٌ لا تخدشُ حياء طفلٍ ولا شابّ، ولا مستمع، لمّا دخَلَتْ على النبي عليه الصلاة والسلام إحدى قريباته بِثِيابٍ شفافة، قال: يا بنيّتي إنّ هذه الثّياب تصفُ حجْم عظامك.
الإمام أحمد رُوِيَ عنه أنَّه قال: لا تسأل عمّا لم يكن، فإني سمْعتُ عمر رضي الله عنه ينهى أن يُسأل عمَّا لم يكن، أذْكُر أنّ أحدَ الصّحابة سُئِلَ عن شيءٍ فقال: أوقَعَتْ هذه الحادثة ؟ قالوا: لا، فقال: نُفْتي بها حينما تقَع.
وروى بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما رأيْتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ما سألوا إلا عن ثلاثة عشْرة مسألة حتى قُبِضَ ‍، والله شيءٌ عجيبٌ ‍! أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلّم، ومعهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، يوحى إليه، أعلمُ علماء الأرض، أعظمُ أنبياء البشريّة، سيّد الرُّسُل، أفضل الخلق، حبيب الحقّ، من شِدَّة صِدْقهم مع الله، والْتفاتِهِم إلى ما يُرضيه تعالى كانوا يسألونه عن شيء، الأمور أكثرها واضحة.
ما سألوا إلا عن ثلاثة عشرة مسألة حتى قُبِضَ كلّها في القرآن، وما كانوا يسألون إلا على ما ينفعهم.
وقد رُوِيَ عن أحد أصحاب رسول الله أنّه قال: ما أنزل الله البلاء إلا من كثْرة السؤال، يتركون أُصول الدِّين، والاستقامة، ويسألون عن أسئلة فرعيّة، يسأل ويقول: أستاذ أنا في البيت لي عصفور، أين أضعهُ ؟ هذا ينبغي أن يُسأل ؛ هل عند صحن ؟ وأفلام الساعة الواحدة ليلاً، هل يُعْقلُ أن تُهْمَل الأشياء الكبيرة، ولا يعمل بها، وقضايا هي محرّمة، والسؤال عنها ينبغي أن يأتي بعد أن تُحكم كلّ الأمور، إن أحْكمْت كلّ هذه الأمور اسأَل عنها، وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: يُكْرهُ السؤال عمّا لا يُنفع، ويُتْرك ما ينفعُه ويحتاجُه، فأنت لك أن تسأل عمَّا تحتاجُه، وعمّا تنتفعُ به، وأغلبُ العوام يسألون عمَّا يعلمون، يحضُر درسًا بِمَسجدٍ ما ويسمع فكرة، فيُعيدها كسؤال عليك ؛ ما قولكم سيّدي في هذا الموضوع ؟ فإذا أعْطيْتهُ رأيَك يقول لك: ألم يقل فلانٌ كذا وكذا ؟!! فإذا به يُحْرجُك هذا عامِّي يسأل وهو يعلمُ، إذا الواحد قرأ مجلّة طبيب هل يُصبحُ طبيبًا ؟ الطبيب درس أوّل سنة عُلوم، وثاني سنة دارس علم تشريح، وثالث سنة فيزيولوجية، وسنة رابعة علم الأمراض وعلم الأدوية، أما إذا الواحد اقتنى مجلاّت طبيّة وقرأها، لا يمكن أن يصبح طبيبًا، ثقافة طبيّة، وبالتعبير العامي نتْوَشَة ! يجلس، ويستمع إلى إحدى المحطّات إلى مناقشة بين عالمَين، يلقطُ ويقول لك: ما رأيُك بهذا الموضوع؟ هو يعلمُ الجواب، ويريدُ أن يفحصَك، وهذا نوعٌ من الأسئلة، وهو سؤال الإحراج، أنا سمعْتُ عن عالمٍ بِحِمص رحمه الله تعالى من الصالحين، ما كان يُجيبُ عن سؤالٍ عُزِي إلى عالمٍ مثله، اسأل ما بدا لك، أما أن تقول فلان فعل كذا وكذا قولك أنت، هذه فتنة ! فالأصْل أن تسأل سؤال من يستفهم، أما هناك من يسأل سؤال المحرج، أو سؤال من يُثير فتنة في البلد.
والله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
[ سورة المائدة ]
كان عليه الصلاة والسلام حكيمًا جدًّا، بشَّر إنسانٌ بالجنة اسْمُهُ عكَّاشة، فجاء آخر وقال: وأنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام سبقَكَ بها عُكَّاشة فالنبي عليه الصلاة والسلام خلص بهذه الحكمة، وقال له: سبقَكَ بها عُكَّاشة.
والإمام الشافعي احْتجّ عن كراهة السّؤال عن شيءٍ قبل وُقوعه، أحدهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام ؛ ماذا يُنجِّي العبْد من النار ؟ قال:
((إيمانٌ بالله ))
قال: مع الإيمان عمل ؟ قال: أن يُعطي ممَّا رزقهُ الله، قال: فإن كان لا يجدُ ما يُعطي ؟ قال:
((أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر))
قال: فإن كان لا يستطيع، قال: فلْيُعِن الأخرَق، فإن كان لا يُحسِن، قال:
((فلْيُمْسِك أذاهُ عن الناس ))
قال: أو إنْ فعَلَ هذا دَخَلَ الجنّة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
((أما تريد أن تدَعَ لصاحِبِكَ من خير ؟! ))
ألا توجد أيّة ميّزة لهذا الإنسان، لا يقدر أن يعطي مما أعطاه الله، ولا يستطيع الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر، ولا يعين أخرق، ولا يكفّ الأذى عن الناس، قال: أو إنْ فعَلَ هذا دَخَلَ الجنّة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
(( ما من عبدٍ مسلمٍ يأخذ بِخَصلةٍ من هذه الخِصال إلا أخذَتْ بيَدِه حتى تُدخله الجنّة ))
فإذا الإنسان كفّ أذاه عن الناس ينتقل إلى مرحلة أرقى، فإذا أعانهم، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، فإذا أمرهم ونهاهم لعلّه يدعوهم إلى الله عز وجل، ثمّ ينفق من ماله عليهم، فالشافعي إذًا كره السؤال عن شيءٍ لم يقع.
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شُعبة مرفوعًا:

((كان عليه الصلاة والسلام ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السّؤال.))
[ متفق عليه ]
وقال بعض الصَّحْب الكرام: أعظمُ المسلمين جرْمًا مَن سألَ عن شيءٍ لمْ يُحرّم فَحُرِّمَ من أجل مسألته، اذْبحوا بقرة، قالوا: ما لونها، صفراءُ فاقع لونها، ما هي ؟ شدَّدوا على أنفسهم حتى شُدِّد عليهم.
قال لي أحدهم: أنا إذا جاءتني كنزة مصنوعة بِبْريطانيا يجوز لي أن ألبسها ؟ فقلتُ له: يجوز، قال لي: أليْسَت من صُنْع الكفار ؟ فقلتُ: لا تلبسْها !
وفي شرْح مسلم قال الخطّاب، وهذا الحديث فيمَن سأل تكلّفًا، أو تعنُّتًا عمَّا لا حاجة به إليه، فأما من سألَ بِضرورة، وأن وقعَتْ له مسألة، فسأل عنها فلا ضَيْر عليه، مرَّةً أخٌ من إخواننا، بِضائِقة ماليّة شديدة جدًّا انْدَرجَت عليه دُيون، جاءهُ عرْض لِصنْع بيوت لِمَصاحف، تراثيّة موزاييك، فرفضَ، وقال لي: من كلَّفني بها غير مسلم ! فقلت له: ليس لها علاقة، اسأل، البُطولة أنّ كلّ إنسان يستطيع أن يحرّم، التحريم سهل جدًّا، حرِّم وارتاح !! لا، هناك أشياء مسموحٌ بها، لك أن تتعامل مع غر المسلمين، والنبي عليه الصلاة والسلام تعاملَ مع غير المسلمين، كان عليه الصلاة والسلام مشرِّعًا.
الدليل القويّ قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾
[ سورة الأنبياء ]
إذا القضيّة متعلّقة بِحُكم شرعي، متعلّقة بِحَلال أو حرام، أو بِضَرورة، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾
[ سورة الأنبياء ]
ومن اسْتشار الرّجال استعار عقولهم، أنت بسُؤال مهذَّب تأخذ خِبرة خمسين سنة من واحد، وأنا أرى المتفوِّقين بالحياة يسألون دائمًا، أينما جلسْت المتفوّق يسألك، ينتفع من علمك، فإذا كانت هناك ضرورة يمكن أن يرفع من درجتك الإيمانيّة، ويزيدُ من معلوماتك العلميّة، يعمّق فهْمك للأمور الفقهيّة، اسأل، لقوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾
[ سورة الأنبياء ]
أما سؤال نافع بقضيّة أساسيّة، وقضيّة حاجيّة، وقضيّة في الدِّين، بقضيّة في المصير، وفي الشّرع، أحيانًا تجدُ شخصًا له رفيق شارد، ليس فيه جنس الدِّين، يقول لك: هكذا فعل، أهذا حرام أم حلال ؟! هو سألك ؟ يقول: لا، طيّب ما دخلك به أنت ؟ هو أساسًا ما سأل، وما خطر بِبَاله أن يسأل عالمًا، وأنت تسأل عنه متطفِّلاً، وتحرجُ المسؤول، القضيّة تحتاج إلى دراسة، وأصعب شيء سؤال وأنت ماشي، يا أخي قضيّة هذه تحتاج إلى جلسة، ودراسة، وأسباب، وأدلّة، أتُريد أخْذ الحكم سريعًا بلا طائل.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))
[ رواه البخاري ]
الإمام طاوس روى عن عمر رضي الله عنه: لا يحلُّ لكم أن تسألوا عمَّا لم يكن، وقد ذكرتُ هذا قبل قليل.
أحدهم قال: سألْتُ طاوسًا عن شيءٍ فقال: أكان هذا ؟ قلتُ: نعم، فحلَّفني فحلفْتُ له، فقال: إنّ أصحابنا حدَّثونا عن معاذٍ أنّه قال: أيّها الناس لا تتعجَّلوا بالبلاء قبل نُزوله، فيذْهبَ بكم ههنا و ههنا، لو فرضنا أُستاذ ما نزل مطر هذه السّنة، واستأجر أحدهم أرضًا، هل له الحقّ في عدم دفع أجارها ؟! الجواب: لمَّا تمضي السّنة كلّها ولا تأتي الأمطار حينما اسْأل، الأمل عند الله عز وجل، والله وردتني أربع نشراتٍ عن الأمطار، والله شيءٌ يُبكي، بمكان بالغاب نزل مئة وتسعين ميلي متر بليلةٍ واحدة، وثاني يوم سبعين، وثالث ستّين، وبمناطق أخرى خمسة وأربعون بحوران و السويداء، وأماكن أخرى بالسبعينات، أنا قبل أُسبوع أخذْتُ نشرات الأمطار ووجدْت أنّه لا توجد إلا منطقة واحدة بالقطر بالساحل نصف، والباقي خمس وعُشر، بهذا المنخفض، وهذه الرحمة الإلهيّة، التي ساقها الله إلينا، تقريبًا القطر كلّه نصّف، كلّ المحافظات معدّل هطول المطر اقْتربَت أو تجاوَزَت النِّصْف، والفضْل لله عز وجل قال: ويْحَهُ يبكي لما لم يقع، يقول لك: إذا فلَّس الواحد ماذا يفعل ؟ أفلَّسْت أنت ؟! إذا الواحد توفّي أخوك، وترك له خمسة أيتام، وله شيخٌ وصار يبكي، فقال له لم البكاء ؟ قال له: أخي ترك لي خمسة أولاد ولا مُعين لهم غيري، فقال له الشيخ: أما ترك لهم شيئًا ؟ فقال: بلى يا سيّدي، ترك شيئًا يكفيهم عشرة أشهر، فقال له: الحمد لله، بعد هذه المدّة ابْكي لنا قريب كان يسكن بغُرفة، قبل توْسعة الجامع، نحن أمَّنا له بيت أُجرة قبل توسعة المسجد، يا لطيف كم انْزَعَج، تُوُفي قبل أن يصل إلى غرفته.
عن عكرمة، قال ليَ ابن عبّاس رضي الله عنه: انْطَلِقْ فأفْتِ الناس، فمَن سألَكَ عمَّا يَعْنيه فأفْتِهِ، ومن سألكَ عمَّا لا يعنيه فلا تُفتيه، فإنّك تطرحَ عن نفسك ثلثي مؤونة الناس، فالشيء المهمّ، والمتعلّق بالحلال والحرام، متعلّق بالعبادات والآخرة، متعلّق بالعقيدة يجبُ أن تجيبهُ، وهذا واجب العلماء، أما قضيّة لا تقدّم ولا تؤخّر، عن قرابات الأنبياء، وعن قصص الأنبياء السابقين، وشيءٌ من الإسرائيليات، وشيءٌ لا يعنينا إطلاقًا، مثلُ هذه الأسئلة ينبغي أن نُجيبَ عنها.
النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين، أنَّه قال: سلوني، وكان غاضبًا، فهابوا أن يسألوه، فجاء رجلٌ فجلسَ عند ركبتَيه، وقال يا رسول الله، ما الإسلام ؟ الحديث المشهور.
أيْ سلوني عمَّا تحتاجون إليه، فلا تعارضَ بين قوْل النبي عليه الصلاة والسلام في قوله سلوني، وبين كراهيَة السؤال عمّا ما لم يقع، لا تعارض، إنسان عندهُ مشكلة، بالإرث، أو بالرضاعة، قضيّة بكسْب المال، قضيّة بالبيع، وقضيّة بالشراء، اسأل ما بدا لك في أمورٍ أساسيّة، ومتعلّقة بالدّين وبالعقيدة، والعبادة، أما القضايا الثانويّة التي لا تقدّم ولا تؤخّر، فقل: لا أعلم !
مرّةً الإمام مالك رحمه الله تعالى جاءهُ وفدٌ من المغرب، يعني من الأندلس وأمضى هذا الوفد ثلاثة أشهر، ومعهم سبعةً وثلاثين سؤالاً، فأجاب عن سبعة عشرة سؤالاً، قالوا: والباقي ؟ فقال: لا أعلم، فقالوا: الإمام مالك لا يعلم ! فقال: قولوا لِمَن عندكم الإمام مالك لا يعلم.
أيها الإخوة الكرام، العالم متواضع، ولا يوجد من يعلمُ كلّ شيء، والذي يدّعي علم كلّ شيء، فهو لا يعلم، فإذا قال لك: لا أعلم، وإن أجابك دائمًا، أيّ سؤال له إجابة دليل على أنّه لا يعلم.
قيل أنّ رجلاً يعمل في حقل الدعوة غار من هؤلاء العلماء، كلّهم يحكوا بالعلم والفضاء، فقال: أحاول برأي أنا، فقال: طلوع الشّمس، فقال له تلميذ، يا سيّدي لسان لهب النار طوله مليون كيلو متر ! فما هو طلوع الشّمس ؟ فقال له: طلعوا بالليل ! فليس من سمة العلماء معرفة كلّ شيء قل لا أعلم وأنت في أعلى درجةٍ محترم، ومن يعلم كلّ شيءٍ لا يعلم شيئًا.
أيها الإخوة الكرام، أريد أن أستنبط من هذا الدرس أنّ غرائب العلم لا تنفع، ولا تقدّم، ولا تؤخّر، لتسْليَة ممكن، فمرّةً قلت لأحدهم: إنّ هنْدُ المليحةُ الحسناءَ، وهي من أضْمرَت بِخِلٍّ وفاءها، أعْرب لي هذا البيت ؟ هذا من غرائب العلم، قال لي: لا يمكن إنَّ هنْدُ، بل الأصل إنَّ هنْدًا فقلتُ له: إنّ هنْدُ المليحةُ الحسناءَ، هذه صفة، فعلى رأيك إنّ هنْدُ المليحةُ الحسناءُ، وليس الحسناءَ، والقضيّة أنّه عندنا الفعل وأى بمعنى وعَدَ يئي بِمَعني يعِدُ، إِ بِمَعنى عِدْ فعل أمر، والنون نون التوكيد الثقيلة، يعني عديني يا هنْدُ المليحةُ صفة للفظها بني على الضمّ في محلّ نصب، المنادى مفرد العلم يبنى على الضمّ في محل نصب، الحسناء تبِعَت المحلّ، والمنادى منصوب، عديني يا هندُ المليحةُ تبعَت اللّفظْ، والحسناء تبِعَت المحلّ، هذا بيتُ شعرٍ، وهو من غرائب العلم، ألغاز، مثلاً يقول لك: أتانا زيدٍ تحت الشجرة، ولكن هنا أتانا هو مؤنّث الحمار، بمعنى حمارة زيدٍ تحت الشجرة، هذه غرائب العلم، ومنها الشيء الكثير، وهذه للتَّسْليَة بالنزهات والسيران، وإذا كان الواحد مع أولاده، أما في العلم الجاد وعلم أساسي، هذه دعْكَ منها.
هناك فعل باللّغة إن أثبته فهو منفي، وإن نفيتهُ فهو مثبت، هو الفعل كاد إذا قلتَ: كدْتُ أن أقع، هل وقعْت ؟ وإذا قلت: لن أكد أن أقع حتى وقفت معناه وقعت، فالفعل كاد إن أثبته فهو منفي، وإن نفيتهُ فهو مثبت.
هاتِ، اعْربها ؟ فعل أمر، ولكنّه مكسور، وهذه حالة نادرة جدًّا، فعل أمر مبني على الكسر في محل جزم.
في كلّ العلوم هناك غرائب، غرائب كثيرة جدًّا، وهذه الغرائب للتسْليَة وللمسابقات، ولِطُلاب بنُزْهة، ولأولاد مع والدهم، أما في مجلس العلم فهذه لا تصلحُ، إنما يصلحُ العلم الجاد، والأساسي، والذي يرقى بك، ويُبنى عليه حكمٌ شرعي.
أيها الإخوة، أتمنَّى أن ننْصرف إلى الأساسيات في حياتنا، وأن نتعلّق بما ينفعنا، وبما يبنى عليه حكمٌ شرعي، وبعد ذلك نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا من عنده، إنّه خير مسؤول، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنّا، وصلّ وسلّم وبارك على يسّدنا النبي الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:40 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 027: الشرع غطى كل قضايا الحياة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-02-12
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الكرام، من الموضوعات العامة في الدِّين أنَّ الدِّين عقائد وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، أو آداب، الحِلل مع الآداب، الرحمة مع الآداب، طيّب الطلاق مع المعاملات، والحجّ مع العبادات، التوحيد مع العقائد، وهناك تقسيم آخر للدِّين، فالدِّين عقيدة، وعبادة، منطلق نظري، وسُلوك عملي، الإنسان بِخَلْق الله وبأفعاله، وبكلامه يعرف الله، وبِتَشْريعه يعبدُ، الله عز وجل خلق السماوات والأرض بالحقّ، فالحقّ لابسَ خلق السماوات والأرض، والله عز وجل نور السماوات والأرض، خلقهما بالحق، ونوَّرَهُما بالوَحي، فبالدِّين هناك وَحي، تؤمن بالله وتُطيعهُ، تؤمن به عن طريق خلقه، وتُطيعهُ عن طريق تشريعه.
الدرس اليوم تشريعي، فأوّل سؤال ؛ هل يُعقل أن تكون هناك قضيّة في حياتنا اقتصاديّة، اجتماعيّة، دَوليّة ليْسَت مُغطاة بالتشريع ؟ إن كان كذلك فمعناه أنّ التشريع ناقص ! إذا كانت هناك قضيّة بحياتنا، أو الآن، أو بعد مئة عام، أو بعد ألف عامٍ، أو قبل مئة عام، إذا كانت هناك قضيّة بمُجتمع صِحِيّة، اقتصاديّة، أُسريّة، اجتماعيّة، نفسيّة، دوليّة، سياسيّة ليس لها بالدِّين تشريع، فمعنى ذلك أنّ ديننا ناقص، والله عز وجل يقول:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[ سورة المائدة ]
إنْ آمنْت بأنّ الله خالق السماوات والأرض، وأنّ هذا القرآن كلامهُ، وأنَّ إعجاز القرآن دليل كمال الله عز وجل، وأنّ الذي جاء بهذا القرآن هو رسولهُ، وأنّ كلام النبي عليه الصلاة والسلام شرْحٌ لقرآن الله عز وجل، فيقول الله عز وجل:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[ سورة المائدة ]
ومَن ردَّ آيةً في القرآن فقد كفرَ، المسلم ينبغي أن يعتقدَ اعتِقادًا جازمًا أنَّ دينَه كاملٌ نوعًا، تامٌّ عددًا، لو أنّ الأمر تشريع أرضي يمكن أن يكون فيه تقص، أحيانًا يصدُر قانون، و واضعو القانون أذكياء وخبراء وعلماء ومُشرّعون، تفوتهم نقطة، وقضيّة، تغيبُ عنهم زاوية، فإذا في القانون خلل، وبذلك يُعدَّل القانون، ثمّ يُعدّل، ثمّ يعدَّل، ثمّ يبدَّل، وما أكثر التشريعات التي سنَّها الإنسان، ثمّ عدَّلها وعدَّلها، ثمّ ألغاها.
مثلاً ارتفاع أسعار السيارات غير المعقول، أصبح هناك شيءٌ بالاقتصاد اسمُه المضاربة، العادة أن يشتري الإنسان مركبةً ليركبها، هذا هو الأصل، الآن أصبح يشتري مركبةً ليبيعها، مرّة، وثانية، وثالثة، ورابعة وخامسة، يأتي من يريد أن يركبها سابع شخص، يكون سعرها قد تضاعف ثلاث مرّاتٍ، أساسًا سعرها ثلاث عشرة ألف، يُصبح سعرها مليونًا ونصف ! هذه ظاهرة غير طبيعيّة، طُبع قانون بِمَنْع بيْع السيارات النيّة طيّبة، ورائعة، والمنطلق سليم، وهو الحدّ من مضاربات السيارات لكن أحيانًا الإنسان يهب لزوجته سيارة، يمكن أن يبيعها، أو تبيعه سيارتها، وضعوا استثناءات، بين الزوج وزوجته، والأب وأبيه، والأخ وأخوه، و قرابات معيّنة وضعوا استثناءات، فإذا تظهر قضيّة بالمجتمع لن تخطر على المشرّع ببال، يتمّ زواج شكلي من أجل بيع سيارة !! الزواج لا أصل له إطلاقًا، عقد زواج شكلي، أحدهم تزوَّج امرأةً حتى يبيعها سيارة فإذا هي غنيّة جدًّا، فما رضي أن يطلّقها ! أضعُ بين أيديكم تشريعات أرضيّة، فالمُشرّع نيّتهُ حسنة، ولمصلحة عامّة، الحد من مضاربات في بيع السيارات، وإذْ يظهر شيءٌ لم يكن في الحُسبان ؛ أن يُعقد عقد قران سوري من أجل بيع سيارة، وإذا اكتشف الزوج أنّ زوجته غنيّة لا يطلّق، يحتاج إلى فروغ ! ثمّ أُلغِيَ القانون، أما حينما يشرّع ربّ السماوات والأرض، هناك بلد بإفريقيا ألْزَم المتزوّج إذا طلّق أن يُعطي نصف ممتلكاته لزوجته! لي قريب هناك، قال لي: بار سوق الزواج إنسان له معمل وثرْوَة ضخمة، محصّلها بِجُهْدٍ جهيد، يتزوَّج امرأة، لِخِلافٍ بينهما نشب، تُطالبُه بنِصف أملاكه، فبارت سوق الزواج، لدرجة أنّ السّفاح حلّ محلّ النكاح، قال لي: أصبح الأب إذا طلب إنسان ابنتهُ يعمل له سند بمليون ليرة، فنشأَت مشكلة كبيرة.
مُشرّع آخر بشرق آسيا، قال: يجبُ أن يقتصر الزوجان على ولدٍ واحد في الصّين، أصبحوا ألف مليون، قال ملك دولة بسيطة جدًّا، سكّانها مليونين، زار الصّين، ألقى أمام رئيسها كلمة أنّ شعب الفلان العظيم، فقال الرئيس: كم أنتم ؟ فقال الملك: نحن مليونان، فقال الرئيس: كان عليك أن تأتِ بهم ! لأنّ شعب الصّين ألف ومئتا مليون، هذا الشّعب طلع هناك قانون بالاقتصار على ولد واحدٍ قصْرًا، تأتي البنت يخنقونها، حتى يأتي صبيّ، فيُسجَّل ! غاب عن المشرّع نشوء مشكلة لا حلّ لها، فالآن بالصّين، فالآن الصّين هناك خمسون مليون شاب بلا أنثى، والآن بالصّين هناك عصابات لخطف البنات في سنّ الزواج، لا يوجد توازن، فالكلّ يريد ذكر، والبنت تقتل، ويخنقها إلى أن يأتي الذّكَر فيُسَجَّل، في بعض المجتمعات فقِد الإناث، واختلّ المجتمع، أنا أضع بين أيديكم نماذج من تشريعات أرضيّة، المشرّع قد يكون حسَن النيّة، وقد يكون خبير، ولكن خبرته محدودة، ولكنّ الخِبرة القديمة هي خبرة الله عز وجل، خبرتنا طارئة، والدليل ؛ اُنْظر إلى سيارة صُنِعت سنة ألف وتسع مئة ! أنا أذكر أنّ بالمرجة كانت هناك كم سيارة، الفانوس يشعلونه شعلاً، ولا توجد كهرباء ! وتشغيلها من قدّام، والدواليب صبّ وليس نفخ، والبوق مثل بيّاعين المازوت، وحركة واحدة، وازنها الآن بسيارة موديل تسعة وتسعين أو ألفين مرسيدس !! هل هناك فرق بينهما ؟ هذه هي خِبرة الإنسان تنمو، هكذا كانت وهي تنمو، هل طرأ على الإنسان تعديل ؟ هل هناك إنسان أبو دعسة ؟! الإنسان كامل، منذ أن خلقَ الله الإنسان كامل تطوير، تعديل، لا يوجد، فالنتيجة أنّ خِبرة الإنسان حادثة وتنمو، بينما خبرة الله تعالى قديمة.
التشريع الشيء نفسه، فتشريع الإنسان يعتريه الخطأ، والشديد أحيانًا، بالهند مثلاً، التشريع القديم الذي انقلب إلى عادات أنّ الإنسان إذا مات ينبغي أن تُحرق معه زوجتهُ ! ولا يزال هذا مطبَّقًا في بعض قرى الهند يموت الزوج تستلقي إلى جانبه زوجتهُ، ويُحْرقا معًا، هكذا تشريع الإنسان، فيه ظلمٌ، وجهلٌ، وانحياز، والدليل كم تشريعًا يصدر ؟ وكم تشريعًا يُلغى ؟ وكم تشريعًا يُعدَّل ؟ إذًا خِبرة الإنسان حادثة في التشريع بينما خبرة الله تعالى قديمة، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
[ سورة فاطر ]
إذا كان تشريع الله قديمًا، وهو من عند الخبير، فهل يُعقل أن نعاني مشكلة جسديّة، صحيّة، أُسريّة، نفسيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة، سياسية دَوليّة، ليْسَت مغطاة بالتشريع ؟ مستحيل، الدليل النصّي قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[ سورة المائدة ]
هناك دليل آخر، قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
[ سورة النساء ]
أطيعوا الله في كتابه، وأطيعوا الرسول في سنّته، وأولي الأمر منكم، فالطاعة تابعة لطاعة الله، ولطاعة رسوله، فإذا أُمرْتم من قبل أولي الأمر منكم، وهم العلماء، والأمراء، بما يوافق طاعة الله، وطاعة رسوله فأطيعوهم، قال تعالى:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[ سورة النساء ]
تنازعتم مع علمائكم، ومع أمرائكم، فردُّوه إلى الله والرسول، لو أنّ قضيَّةً تنازعنا فيها، فلمّا رجعنا إلى كتاب الله، وسنّة رسوله لم نجد شيئًا، معنى ذلك الآية لا تعني شيئًا ! فهل يُعقل أن يقول الله كلامًا لا معنى له ؟ إذا قال إله الكون، وخالق الكون، العليم، الخبير، القدير، إذا تنازعتم في قضيّة رُدُّوه إلى الله والرسول، ارْجعوا إلى كتاب الله، وإلى سنّة رسوله، معنى ذلك أنّه إذا رجعنا لا بدّ من أن نصل إلى تشريعٍ يُغطِّي هذه المشكلة، فأوَّل نقطة في هذا الدرس، هذا الوهم، أو هذا الخاطر الشيطاني أنَّ التشريع الإسلامي ناقص، لا يلبِّي حاجات المجتمع، البارحة أخٌ قال لي: التأمين حاجة أساسيّة، فقلتُ له: ومن قال لك إنَّه ليس حاجةً أساسيّة ؟ ولكنّ التأمين الذي هو مشروعٌ في هذا الدِّين العظيم تأمين التعاوُني، ليس مباحًا فقط، بل واجبٌ أن نفعلهُ، كيف ؟ مئة تاجر يستوردون الأقمشة، أسَّسوا صندوقًا للتأمين، كلّ تاجر بحسب حجم استيراده، بالألف واحد، وضع مبلغًا من المال، فأيّ واحدٍ من هؤلاء المئة لو فقدَ بضاعتهُ، أو احترقَت بضاعته، نُعطيه من هذا الصندوق ثمَن بضاعته، هذا هو التعاوُن، لو أنّ ولا واحدٍ أصابهُ شيء، هذا المبلغ يبقى لهؤلاء المئة، يبقونه في الصندوق، يستردونه، يستثمرونه في مشروع خيري، هم أحرار، وهذا التأمين يحلّ كلّ مشاكل الأمّة الإسلاميّة، حدَّثني أخ بأمريكا، هناك الطبيب يعاني من مشكلة كبيرة جدًّا، نحن لا نعانيها، لو أخطأ مع مريض، والمريض أقام عليه دعوى، قد يحكمُ له القاضي بعشرين مليون دولار ‍! وهذا فوق طاقة ثمن بيته، ومركبته، وكلّ أملاكه، هذا أكبر خطر يهدّد الطبيب هناك، إذا أخطأ مع مريض فلا بدّ من أن يدفع الثَّمن، وقد يكون الثَّمَن، بالملايين، فاتَّفق الأطبّاء عن طريق التأمين السابق الحرام، اثني عشر ألفًا إلى عشرين ألف دولار بالسّنة تأمين، اشتغل سنة، وما حدث معه شيء، دفع للتأمين كم ؟ عشرين ألف ألا يتألّم ؟ مقابل ماذا ؟ أما الآن اتَّفقوا على إقامة شركة، فيضع كلّ طبيب خمسة آلاف دولار، بهذا الصندوق، لو المريض أقام دعوى على هذا الطبيب يعطى من هذا الصّندوق، لا يوجد أيّة مشكلة مع هؤلاء الأطباء، فالمبلغ كلّه لهم، استردُّوه إن شئتم، هذا هو التأمين التعاوُني، لا توجد قضيّة يعاني منها المجتمع إلا ولها حلّ إسلاميّ، أحيانًا العلّة ليس في الإسلام، ولكن في المسلمين، لا يبحثون عن حلّ إسلامي، لا يُطالبون بِحَلّ إسلامي، لا يتطلّعون إلى حلّ إسلامي، يقول لك: ماذا نفعل ؟! وهذا من ضعف المسلم، ومن تقصيره، ومن عدم طالبته بِحَقّه، إذًا التشريع الإسلامي ينبغي أن يُغطِّي كلّ حاجات المجتمع الإسلامي، التشريعيّة، والنفسيّة، والأسريّة، والأحوال الشخصيّة، والاجتماعيّة، والسياسية، والدّوْليّة، والحمد لله، وهذا شيءٌ طيّب، وهو تحقيقًا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا تجتمع أمّتي على خطأ، فهذه الأمّة معصومةٌ بِمَجموعها عن أن تخطئ، لذلك تأسَّس مجمع فقه إسلامي، جميعُ الدُّوَل الإسلامية مجتمعة في هذا المجْمع، ولها أعضاء في هذا المؤتمر وهو يُعقدُ كلّ عامين، تُطْرحُ فيه قضايا معاصرة، يُعاني منها المجتمع وكلّ قضيّة يتولّى دراستها، والبحث فيها عدد كبير، من فقهاء المسلمين يعودون بعد عامَين بدراسات مستفيضة، تُتلى هذه الدراسات، ثمّ توضَع القرارات ثمّ تُعمَّم، وأصبح تقريبًا، أكثر من ألفين قرار متعلّق بقضايا المسلمين المعاصرة، وأنا كما وعدْتكم عقب شهر رمضان المبارك أن نعالج موضوعات نحن في أمسّ الحاجة إليها، فاخترتُ اليوم من قرارات هذا المجمع الفقهي الإسلامي، أشرحها على قدر الإمكان.
المشكلة إذا تأخَّر المدين عن سداد الدَّيْن في المدّة المحدَّدة، فهل للدائن الحقّ أن يفرضَ على المدين غرامةً ماليَةً جزائيّة بنِسْبةٍ معيَّنةٍ بسبب التأخير عن السداد في الموعد المحدّد ؟
بعد البحث، والبحث استغرق سنَتَين، وتُلِيَتْ بُحوث طويلة، واشترك عدد غير قليل في هذه الدراسة، أما القرار سطرين، القرار ؛ إنّ الدائن إذا شرط على المدين، أو فرضَ عليه أن يدفع له مبلغًا من المال غرامةً ماليّة جزائيّة محدّدةً، أو بنِسبةٍ معيّنة، إذا تأخَّر عن السداد في الموعد المحدّد بينهما، فهو شرْطٌ، أو فرضٌ باطل، لا يجبُ الوفاء به، بل ولا يحلّ سواءٌ أكان الشرط هو المصْرف، أم غيره، لأنّ هذا بعَيْنِهِ هو ربا الجاهليّة الذي نزل به القرآن تحقيقًا.
فأيُّ قرْض يحصل تأخّر، إذا فرضَ عليك الدائم مبلغ غرامة بِسَبب التأخير فهذا الشَّرْط باطل لا يتحقّق، هذا قرار.
القضيّة الثانية ؛ عقارٌ معدٌّ للسَّكَن، أو أرضٌ معدَّةٌ للزراعة، لصاحبها، أو دكانٌ معدّة للعمل، يعمل بها صاحبها، الدار المسكونة، والأرض المزروعة، والدكان التي يستخدمها صاحبها لعمله، هذه معفاةٌ من الزكاة يُسمّونها بالتّجارة أُصول، هذه أُصول ثابتة، تخفيفًا على المؤمن، ورحمةً به، المال الثابت مُعفى من الزكاة.
بيتٌ اشتراه المسلم ليؤجّرهُ، ويعيشَ من أجرته، نحن عندنا شيء اسمه الرقبة والمنفعة، أنت قد تملكُ بيتًا ؛ تملكُ رقبتهُ، ولا تملكُ منفعتهُ، تأجِّرهُ، المستأجر ماذا يملك ؟ يملكُ منفعةَ البيت، ولا يملكُ رقبتهُ، الدار المعدَّة للإيجار، زكاتها لا على رقبتها، لا على أصل ثمنها، بل على غلّتها أو أجرتها، هذا حكم ثاني، إنسانٌ مؤجّر لبيت بالسنة مئتا ألف ليرة، وهو في غِنى عن إنفاق هذا المبلغ، فالزكاة على أُجرة البيت، ولو أخذ هذه الأُجرة تباعًا شهرًا وراء شهر، وأنفقها مصروفًا، لا زكاة عليه، لأنّه حينما يحول عليه الحَول، ليس معه، على كلٍّ زكاة البيوت المعدَّة للإيجار، على إيجارها لا على أصل ثمنها.
أما من يعمل في تِجارة العقارات، أو في تجارة الأراضي، أو في تجارة الحوانيت، فالعقارات والأراضي والحوانيت بضاعةٌ له، فزكاتها على أصل ثمنها، وتجِبُ الزكاة كلّ عامٍ، هذا هو الحكم الشرعي.
القرار، العقار المعدُّ للسكنى، هو من أموال القنية، فلا تجبُ فيه الزكاة إطلاقًا، لا في رقبته، ولا في قدر أجرته.
ثانيًا العقار المعدُّ للتجارة هو عروض التّجارة تجبُ الزكاة في رقبته، تاجر عمار عنده بناية فيها خمسة بيوت، العقار المعدّ للتجارة هو من عروض التّجارة، فَتَجِبُ الزكاة في رقبته، وتقدَّر قيمتهُ عند مضيّ الحول عليه.
ثالثًا ؛ العقار المعدّ للإيجار، تجبُ الزكاة في أُجرته فقط، دون رقبته، هذا قرار ثاني.
هناك موضوع دقيق جدًّا، كلّكم يقرأ الآية الكريمة، آية الزكاة، بل آية مصارف الزكاة، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾
[ سورة التوبة ]
من آخر هذه المصارف في سبيل الله، هناك دراسة جيّدة جدًّا، قال: وفي سبيل الله يُقْصرُ معناه على الغُزاة في سبيل الله، هذا رأي، هناك رأي ثاني، إنّ سبيل الله عامّ لكلّ وَجْه من وُجوه البرّ من المرافق، والمصالح العامّة في بناء المساجد، والقناطر، وتعليم العلم، وبثّ الدعاة إلى آخره، فيا تُرى في سبيل الله متعلّقة بتجهيز الغزاة فقط، أم متعلّقة بكلّ عملٍ بشأنه أن ينشر دين الله عز وجل ؟ هو الغزْوُ القتالي، ما هدفهُ ؟ نشْرُ الدِّين، إن أُتيح لكم أن تنشروا الدِّين من دون قتال، هل هناك مانع ؟ لا مانعَ، لذلك رأيُ عدد قليل من الفقهاء القدامى، وعدد كثير من الفقهاء المعاصرين رأيٌ صائب، هو أنَّ في سبيل الله تعني نشْر هذا الدِّين، فقد نؤسِّسُ مركزًا إسلاميًّا في بلدٍ غربي، وقد نطبعُ الكتب، وقد نهيّء الأشرطة، وقد تلقى الندوات، والكلمات، وقد تُرسل البعثات الدَّعَويّة، وقد تؤلّف الكتب، هذا كلّه في سبيل الله، هذه الفتوى المعاصرة التي اقرّها عدد غيرُ قليل من الفقهاء المتقدّمين، جاء في القرار: أنَّ رأْي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريد قصْر في سبيل الله على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى، هذا القول الأوّل، والقول الثاني إنّ سبيل الله شاملٌ عامّ لكلّ طرق الخير، والمرافق العامّة، لمسلمين من بِناء المساجد، وصيانتها، وبناء المدارس، وفتح الطُّرُق، وبناء الجُسور، وإعداد المُؤن الحربيّة، وبثّ الدعاة، وغير ذلك من المرافق العامّة ممّا ينفعُ الدِّين، وينفعُ المسلمين، وهذا القول قولُ قلّة من المتقدّمين، وقد ارتضاهُ واختارهُ كثيرٌ من المتأخّرين، وبعد تداوُل الرأي، ومناقشة أدلة الفريقين اتَّخذ المجلسُ قرارًا كالآتي:
نظرًا إلى أنّ القول الثاني قد قال به طائفةٌ من علماء المسلمين، وأنَّه له حظًّا في النّظر في بعض آيات القرآن الكريمة، مثل قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)﴾
[ سورة البقرة ]
ومن الأحاديث الشريفة ما جاء في سنن أبي داود:

(( أنّ رجلاً جعل ناقةً في سبيل الله، فأرادَت امرأته الحجّ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم ارْكَبيها فإنّ الحجّ في سبيل الله تعالى.))
[ رواه أبو داود ]
ونظرًا إلى أنّ القصْد من الجهاد بالسّلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإنّ إعلاء كلمة الله تعال كما يكون بالقتال، يكون أيضًا بالدّعْوة إلى الله تعالى لأنّني كما سمعتُ في مؤتمرٍ عقد قبل شهر، أنّ في العصور السابقة كانت هناك حواجز بين الشّعوب، لا يمكن أن تخرق إلا بالقتال، والآن العالم كلّه مفتوح، بإمكانك أن تعقِدَ مؤتمرًا إسلاميًّا في أيّ مكان بالعالم، وأن تلقي المحاضرات، وأن تُلقى المحاضرات عبْر وسائل الاتّصال الحديثة، الشيء الذي يلفت النّظر في العالم الغربي، كلّ علماء المسلمين موجودون هناك حكمًا بأشرطتِهم، الحقّ منتشِر، والتواصُل تامّ، والعالم أصبحَ قريةً صغيرة، بل بيتًا صغيرة، وأحدث تعريف غرفة صغيرة ! كلّ ما يقع في شرق الأرض يعلمُ به من في غربها، إذًا كما يكون إعلاء كلمة الله تعالى بالجهاد القتالي يكون بالجهاد الدعوي، ونحن عندنا دليل قويّ، وهو قوله تعالى:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾
[ سورة الفرقان ]
فالله عز وجل سمَّى تعلُّم القرآن وتعليمه جهادًا كبيرًا.
وأنّ إعلاء كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون أيضًا بالدَّعْوة إلى الله تعالى، ونَشْر دينه، وإعداد الدّعاة ودعْمهم، ومساعدتهم على أداء مهمّتهم فيكون كلا الأمرين جهادٌ لما روى الإمام أحمد والنسائي، وصحّحهُ الحاكم عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال:
((جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم.))
[ أخرجه الحاكم ]
ثالثًا: ونظرًا لأنّ الإسلام محاربٌ من غزْو فِكري، وعقدِيّ، وأنّ لهؤلاء الأعداء من يدعمهم الدّعْم المادّي والمعنوي، فإنّه يتعيَّنُ على المسلمين أن يقابلوهم بِمِثل هذا الدَّعْم الذين يغزون به الإسلام، ولما هو أنكى منه.
رابعًا: ونظرًا لأنّ الحُروب في البلاد الإسلاميّة أصبح لها وزارات خاصّة وبنود ماليّة في الميزانيّة، ولكلّ دولةٍ بخلاف الجهاد بالدَّعْوَة فإنَّه لا يوجد في ميزانيّات هذه الدُّوَل الإسلاميّة ميزانيّات للدّعوة إلى الله تعالى لِنَشْر الحقّ، فإنّ المجلسُ يقرّر بالأكثريّة المطلقة، دُخول الدعوَة إلى الله تعالى وما يتعيَّنُ عليها، ودعم أعمالها في معنى ؛ وفي سبيل الله.
الأعداء الآن يخطِّطون لإلقاء الشّبهات، نحن معرَّضون لِغَزو فِكري عن طريق المحطّات الفضائيّة، وهناك من يكيدُ للإسلام، تسمعُ بالشّمال مثلاً أنّهم وجدوا قتلى، من فعل هذا ؟ حِزْبُ الله !! انظروا إلى الكيْد، كلمة الله، هذه الذات الكاملة، كيف تستخدم ؟ في القتل العشوائي، وفي الذّبْح، فعلها حزب الله، فهناك كَيد، وتَشْويه لسُمعة المسلمين، أجهزة الإعلام تحاربُ الدِّين في العالم، حربٌ ذكيّة، تُصَوِّرُ المسلم وحشًا مجرمًا، قاتلاً وعنيفًا، وإرهابيًّا، فلابدّ من هذا الافتراء، ومن هذه الهجمة الإعلاميّة مِن ردّ فِعْلٍ، من دَعْوةٍ صادقةٍ توضّحُ معالم الدِّين، فهذا الموضوع مهمّ جدًّا، فإذا كنَّا في عصْرٍ لا يُتاحُ فيه الدعوة القتاليّة، ولكن متاحٌ لنا بشكلٍ واسعٍ جدًّا الدعوة البيانيّة، فإذًا في سبيل الله تنصرفُ هذه الآية في آية مصارف الزكاة، إلى الدعوَة البيانيّة، يمكن لإنسانٍ أن يتكفَّل طالبَ علمٍ طالبُ علمٍ يأتي، ويدرس، وهذا مصيرهُ عالمٌ جليل، أنا كنتُ بِمُؤتمرٍ بالقاهرة، مؤتمر إسلاميّ، المؤتمر يحوي ثلاثة وسبعين دولة إسلاميّة وهناك دول غير إسلامية فيها جاليات إسلاميّة، قام مندوب نيجيريا، وألقى كلمة، والله طريقته لها طربًا لا حدود له، كأنَّه من أبوَين عربِيَيْن مسلمَين من خمسين عامًا، لغة فصيحة، وفِكْر عميق، وشواهد قويّة، فلمّا انتهى من كلمته قال: إنَّني درسْتُ في الشامّ، هو الآن مفتي نيجيريا، تأثَّرْتُ تأثُّرًا بالغًا، واسْتكْشفتُ خيرًا، إنَّك حينما تعتني بِطالبِ علمٍ، شابّ في مقتبل حياته، لا تدري ما سيكون هذا دورهُ في المستقبل، قد يكون داعيةً كبيرًا في بلده، لذلك تبنِّي طلاّب العلم، إكرام طلاّب العلم، وإسكان طلاّب العلم، وإطعام طلاّب العلم، وتجهيز بيوت طلاّب العلم، مرّة أخٌ طالب علمٍ من إفريقيا عفيف إلى درجة غير معقولة، بعد ثمانية سنوات في الشام علمْتُ أنّ بيته ليس فيه سجّاد ولا بساط، طول الشّتاء، غرفة على البلاط في الشّتاء، وعِزَّتُهُ أبَتْ أن يسألَ أحدًا، وكم منّا من عندهُ سجادتين أو أكثر يضعها في السقيفة، وهو في غنى عنها ؟‍‍‍ ‍‍!! قد لا يطيب لك أن تُعطيه بساطًا، طيِّب أَعِرْهُ بساطًا، إذا كان كلّ واحد يرى طلاّب العلم يحتاجون لمدفأة، ولوقود، ولطعام، ولشراب، ولسَكَن، فهذا عمل عظيم ودخل في سبيل الله تعالى، هذا الذي يأتي إلى بلدنا ليتعلّم سوف يعود إلى بلده معلِّمًا، هذا قرار مهمّ جدًّا، بعدما كان في سبيل الله خاصّة، وفي تجهيز الغزاة، يومَ لمْ يكن في البلاد الإسلاميّة وزارات حرْب، أما الآن في كلّ دولة إسلامية جيش، وله ميزانيّة ضَخمة، وله نفقات، وأسلحة، ومدافع، وطائرات، فالشيء الناقص الآن أن يكون هناك إنفاق على الدّعاة وعلى طلاّب العلم، وعلى تأسيس معاهد شرعيّة، هناك معهد شرعي بداريا أُسِّس، يتّسع لأربعة آلاف طالبة، بأعلى مستوى، قاعات محاضرات، سكنى للطالبات البعيدات إقامتهنّ، مطابخ، مدرّجات، مخابر، في أعلى مستوى، أنت حينما تعلّم فتاةً تعلّم أسرة ًبكاملها، هذا في سبيل الله، تؤسّس مدرسة شرعيّة، وتخرج طلاَّبًا، يعملون في الدعوة إلى الله تعالى، هذا عمل عظيم، يتأسّس معهد متوسّط، لتخريج خطباء المساجد، يقول أحد زعماء الأحزاب العلمانيّة: أعطوني مساجد المسلمين، وخُذوا منّي كلّ شيء، القضيّة ليْسَت سهلة، أنّ كلّ المسلمين يجب أن يستمعوا في كلّ أسبوع إلى خطبة، إذا كان الخطباء في المستوى المقبول، وفي المستوى اللائق، علمًا، وثقافةً، وحكمةً، ولغةً، وقوّة وحجَّةً، معنى ذلك أنّهم يصنعون الأجيال، فبذْل المال من أجل نشْر الإسلام، وتأسيس المساجد، ومعاهد الشرْع، وكليّات الجامعيّة الإسلاميّة، هذا كلّه في سبيل الله تعالى، كلّ شيءٍ يؤدِّي إلى إعلاء كلمة الله هو في سبيل الله تعالى، كلّ شيء يؤدّي إلى نشر هذا الدِّين هو في سبيل الله تعالى، ولكن كلّ شيء بِقَدَر، فالواحد إذا ألقى درسًا بمعهدٍ شرعي نعطيه معاشًا، نعطي لكلّ إنسانٍ يقدّم جهدًا، ما يُقابل هذا الجهْد، أما إذا حرمْنا المسلمين من ترْويج دينهم عن طريق المدارس، والمعاهد والكتب، والأشرطة، معنى ذلك أنّ الحقّ انْكمش، وتوسّع الباطل، والباطل ينتشر بشكل مخيف، والدليل القرآني قوله تعالى:

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)﴾
[ سورة إبراهيم ]
الكلمة الخبيثة تنتشر، هذه الآية جاءَت بعد قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾
[ سورة إبراهيم ]
بذرة تين زرعناها فصارت شجرة تين، فيها خمسة آلاف حبّة تين، وكلّ حبّة فيها عشرين ألف بذرة، بذرة انتهَت إلى شجرة، وإلى ثِمار، وكلمة الحقّ هكذا، وكلمة الباطل هكذا، إلا أنّ الباطل ليس له أصْل ثابت، اجْتُثَّتْ من فوق الأرض، أما الحقّ فأصله ثابت.
يا أيها الإخوة الكرام، اخْترْتُ هذا القرار من قرارات مجمع الفقه الإسلامي ليكون حافزًا لكم على إنفاق مالكم في سبيل الله تعالى، وفي سبيل نشْر هذا الدِّين، وفي سبيل ردّ كيْد أعداء الدِّين، وفي سبيل ترويج الحقّ، وإبطال الباطل، في سبيل جعْل كلمة الله هي العليا في الأرض، تحتاج إلى متفرِّغين، وإلى دُعاة، وإلى طلاّب علم، إلى معاهد شرعيّة، إلى كتبٍ ومؤلّفات، إلى مراكز إسلاميّة، هذا هو فَحْوى القرار الثاني في هذا اللّقاء.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:43 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 028: كلمات بليغة لابن القيم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-02-20
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العـليم الحـكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنـا بما علمتنا، وزدنا علـماً، وأرنا الحق حـقاً وارزقنا اتباعه، وأرنـا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
كلمة قيمة لابن القيم، وهو من كبار علماء المسلمين، وقد ذكرتها مرات عديدة دون أن أشرحها، لكنني شعرت أنني بحاجة أنا وإياكم إلى شرحها في هذا الدرس، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
عشرة ضائعة لا ينتفع بها.
وقبل أن أذكرها مفصلةً وأشرحها أقول: الإنسان يحب الربح، وتؤلمه الخسارة، يحب أن يجد مبتغاة، ويؤلمه أن يضيع عنه، يحب أن يربح، لذلك من هذا المنطلق قال الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) ﴾
(سورة الصف )
خاطبنا بمفهوم تجاري، هذه التجارة الرابحة أرباحاً طائلة رأس مالها.

﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾
(سورة الصف )
الربح الطائل:

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾
(سورة الصف )
تـجارة، أيـة تجارة لـها رأس مال ولـها مبيع، فإذا كان الفرق كبيراً جداً بين الكلفة وبين المبيع فهذه تجارة رابحة، يعني في عالم التجارة اليوم يقدر الربح بثلاثين بالمئة وهو ربح كبير، بينما أكثر الأرباح عند بعض التجار خمسة أو ستة، أو ثمانية بالمئة، ومع الاحتكارات فالربح مائة بالمائة أحياناً، لكنما سمعنا بربح مليار بالمئة، وما سمعنا ألف مليار مليار مليار مليار حتى ينقطع النفس بالمئة فأنت والله إذا تاجرت مع الله فربحك ليس له حد، يعني اللانهاية فالعـقل البشري يصعب عـليه أن يتصورها: اللانهاية، يعني رقـم واحد في الأرض وأصفار متتالية إلـى الشـمس لمسـافة 156 مليون كيلو متر، وبكل ميليمتر صفر، فهذا الرقم الذي يصعب أن يدركه الإنسان لو أننا نسبناه إلى اللانهاية كان صفراً، عطاء الله مستمر، خالدين فيها أبـداً، الدنيا محـدودة، ثمانين سنة، أو سـبعين أو ستين، أو أكثر أو أقل، يعني كـم صلاة صليتها ؟ كم درساً حـضرته ؟ كم عـمرة عملت ؟ كم فقير سـاعدته، كله محدود معدود، لكن عطاء الجنة إلى أبد الآبدين.
فالإنسان في الأصل يحب التجارة، ويحب الربح، فربنا عز وجل خاطبنا بمفهوم تجاري، قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
تـجارة لها كلفة، ولها ربح، كلفتها محدودة وربحهـا غير محدود، لذلك أذكى تاجر على الإطلاق هو الذي يتاجر مع الله، وأحمق إنسان هو الذي يستغني عن فضل الله، ويطلب الأجر المادي.
حدثني أخٌ قصة لعلي ذكرتها لكم، إنسان مقطوع بسيارته مع أهله بطريق، في أحد أيام الجمع، نساؤه كلهن محجبات، انقطع لأنه يحتاج إلى رافعة لإصلاح عجلة السيارة، الطريق بداية صعود شديد، فكل السيارات تأخذ عزماً من أجل أن تصعد، وقف ساعة ساعة ونصف، أو ساعتين، ولا أحد يقف، أخيراً وقف شخص، بعد انتظار ساعتين، فطلبوا منه رافعة، فقدمها لهم، وقال لي الأخ المقطوع: بقيت أحدث نفسي ببطولته وبمروءته، وبرحمته، وبإيمانه، وبنجدته، وبأخـلاقه العالية، طيلة إصلاح سيارتــي لكن بعد ما انتهى من إصلاح العجلة، قال له اسمح لي بخمس ليرات، قال له صاحب السيارة، المقطوع، والله لو طلبت مئة ليرة لأعطيتك، والقصة قديمة كثير بالستينات، لكن ليتك لم تطلب هذا المبلغ، وليتك كنت تتاجر مع الله عز وجل، لكان ربحك عظيماً، لكنه أخذ ربحه في الدنيا، فهذه حماقة حقاً.
ملك قال لمعلم، درّس ابني، وأنا أحاسبك، فالملك لا يعطي أقل من بيت، هذا أقل عطاء بيت أو سيارة، أو كلاهما، فهذا المعلم أفقه محدود جداً، قال له: يا جلالة الملك: علمتك ثمانية دروس، و الدرس بخمسمئة ليرة، قال له: تفضل، ما عرف أن الذي سيكافئه ملك فحينما تتاجر مع أذكى تاجر شيء، وحينما تتاجر مع الناس فالخسارة محققة أو الربح ضئيل، وقد يكون هناك الأخطار كثيرة جداً.
درس اليوم كلمات بليغات قيمات لابن القيم رحمه الله تعالى يقول:
عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها:
أول شيء: دققوا الآن، علمٌ لا يعمل به، لا قيمة له إطلاقاً إن حصّلت العلم، وجلست في مجالس العلم، وكتبت، وحفظت، وأديت امتحاناً، لكنك هذا العلم لم تطبقه، إذاً علم ضائع، لا قيمة له، بالعكس كلما تعلمت شيئاً ولم تطبقه كان حجة عليك، لا حجة لك، فالإنسان لا يقيّم بقدر ما يعرف، يُقيّم بقدر ما يطبق، وقيمة الإنسان في تطبيقه لعلمه والله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾
(سورة الصف )
حدثنا أخ، قال لي: في مدرسة من المدارس الشرعية، أستاذ له باع في التدريس، ألقى درساً حول التواضع، وقال لي شيء رائع، ما ترك شيئاً من الآيات، والأحاديث، وأقوال الصحابة، والقصص الهادفة، بلغة فصيحة وبمنهج واضح، بتسلسل، بترتيب، بأدلة، قال لي درس مذهل، فلما انتهى الدرس جلسنا في غرفة المدرسين فجلس بكبر لا يحتمل، وبعجرفة لا تطاق، وبازورار عن الخلق، قد لا يرد السلام، علماً بأن حديثه كان على التواضع وأنا أقول لكم بكل صراحة وبكلمة قاسية جداً، ليس كل إنسان يخلو من ازدواج شخصية، قد يكون الرجل إنساناً واعياً، وعنده ازدواج شـخصية، فالـذي يقوله في واد، والذي يفعله في واد آخر، كل إنسان يجد لذة في الحديث عن القيم حتى أقل الناس أخلاقاً، فالحديث ما له قيمة، ونحن لا نتقدم إلا إذا قيّمنا الإنسان من عمله أما أن تقيمه من كلامه فلا يصح فقد يكون أسوأ إنسان على الأرض و يتحدث بالقيم، و الدليل، ماذا قال فرعون ؟

﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾
(سورة غافر )
فرعون الذي قال:

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
(سورة النازعات )
الذي ذبح أبناء بني إسـرائيل، واستحيا نساءَهم، وكان طـاغية من أكبر من الطغاة في العالم، قال:
﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾
فالمعنى أن كل إنسان يحكي بالقيم، والقضية سهلة، أما الفرز الدقيق لما تفعل لا لما تقول.
فهذا العلم الذي لا يعمل به ضائع لا قيمة له، يعني إن لم تفكر في تطبيق ما تسمع وفر وقتك، جهد ضائع، وقت ضائع، مشقة ضائعة يعني طريق طويل والثمرة صفر، فهو علم لا يعمل به، لذلك قالوا: الورع حسن لكن في العلماء أحسن، والتوبة شيء حسن لكن في الشباب أحسن والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والعدل حسن لكن في الأمراء أحسن والتواضع حسن لكن في الأغنياء أحسن.
الآن: عمل، لكنه عمل لا إخلاص فيه، فهو ضائع أيضاً.

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18)﴾
(سورة الإسراء)
عبدي أنت تـريد وأنا أريد، فإذا سّلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، علم لا يعمل به فهو ضائع.
الآن: عـمل لا إخلاص فيه يؤتى يوم القيامة بأناس لهم أعمال كالجبال فيجعلها الله هباءً مـنثورا قالوا يا رسـول الله: جلهم لنا، والله شيء مخيف، قال:
((إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))
معناها لا إخلاص عندهم، بل مظاهر، إنسان هدفه أن ينتزع من الآخرين إعجابهم، أن يركز له مكانة اجتماعية عالية، يتظاهر بشيء، هو بعيد عنه في الحقيقة، علم لا يعمل به شيء ضائع عمل لا إخلاص فيه جهد ضائع.
الآن: عمل لا اقتداء فيه فهو ضائع، كذلك العمل كما تعلمون لا يقبله الله عز وجل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، لا يكفي أن أقول: أنا نيتي طيبة، أعمل حفلة غنائية ساهرة حتى اجعل ريعها لدار الأيتام، هذا العمل، تبدو النية طيبة لكنه غير صواب، يانصيب خيري مثلاً، حفلة غنائية ساهرة يرصد ريعها للمساكين والفقراء والمحتاجين، دائماً دقق وتمعن: العمل يجب أن يحوز على شرطين، على نيته الطيبة، و الإخلاص فيه، وعلى موافقته للسنة، وإلا لا قيمة له، إذاً هناك علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص به وعمل ليس فيه اقتداء بسيد الرسل.

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
(سورة آل عمران )
"مالٌ وفير لا ينفق منه ". وهذه من العشر الضائعة.

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) ﴾
(سورة التوبة )
هنا تفصيل لطيف، قالوا: هذا المال الذي لا ينفق منه، لا يستمتع به جامعه في الدنيا، بخيل لأنه، عاش فقيراً ليموت غنياً، ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة، لم ينتفع به في الدنيا لأنه كان بخيلاً، ولم ينتفع به في الآخرة لأنه ما قدم منه شيئاً لله عز وجل، فهذا المال الضخم قد يكون وبالاً على صاحبه، و الأغرب من ذلك قد يدخل ورثةُ غنيٍ الجنة بمال مورثّهم، ويدخل صاحب المال النار بماله، الذي جمعه وجهد في جمعه وتكديسه دخل النار به، لأنه جمعه من حرام، والذي ورثه، ورثه حلالاً، فأنفقه في طاعة الله فدخل الجنة، لذلك قالوا أندم الناس رجلان، حقاً أندم الناس على الإطلاق رجلان، رجل غني دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار، وعالم دخل الناس بعلمه الجنة، طبقوا كلامه فاستفادوا، فسعدوا، فاستحقوا الجنة، ودخل هو بعلمه النار، فهو اتخذ العلم حرفة، عَلِمَ ولم يعمل، هو كفتيل الشمع احترقت وأضاءت للآخرين وهذا المثل ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، كالفتيل يحترق ليضيء للآخرين، لذلك مرة فتحت كتاباً فوجدت فيه أربعة أدعية تأثرت بها تأثراً كبيراً، أربعة أدعية.
الدعاء الأول: اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد اسعد بما علمتني مني، يعني أن ادرس وأتعلم واشرح الآية شرحاً دقيق، وأبين أبعادها وملابساتها، ومفهومها العام، ومفهومها الخاص، خلفياتها، الأحكام الشرعية منها، و الذي استمع مني هذا الشرح طبقه، فسعد بهذه الآية والذي شرح هذه الآية ما طبقها فشقي بنفسه، اللهم إن أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني.
الدعاء الثاني: اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك أطلب به أحداً سـواك، كلام حق، لكن مـا قيل هذا الكلام لوجـه الله، قيل لاستجداء العطف والإحسان، أو قيل لاستجداء الأموال، أو قيل لانتزاع الإعجاب، أن أقـول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك، هذه الثانية.
الدعاء الثالث: اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، يعني يوم الجمعة يـلبس كلابية بيضة، والمسـواك بالجيب والمسـبحة بيد والمصحف بالـيد الثانية، وقد وضع طـاقية، على رأسه وتعطر بالمسـك وغدا إلى الجمعـة، والله شيء جميل، عطر وجبة ولفة وطاقية ومسك ومسواك ومسبحة كلُّ كامل ومصحف بالجيبة، وأوراد بالطريق، أين كان سهران البارحة ؟ أين كنت ؟ ومع من ؟ أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، هذه الثالثة.
الدعـاء الرابـع: اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، فلا أكون أنا قصة للناس، الناس يتسلون بقصتي، ويستفيدون منها، ويتعظون فيها.
إذاً عـلم لا يعمل به، ضائع، قيمته صفر، عمل لا إخلاص فيه ضائع، قيمته صفر، عمل لا يطابق السنة، لا اقتداء فيه ضائع، قيمته صفر.
الآن: مال لا ينفق منه، فلا ينتفع به جامعه في الدنيا، ولا يقدمه أمامه للآخرة.
الآن: قلب فارغ من محبة الله، قلب متصحر، بحياته كلها ما بكي بحياته ما خشع، في حياته كلها ما اقشعر جلده، ما وجل قلبه، مـا ذرفت عينه دمعة، محبةً لله، أو خـوفاً منه، أو شوقاً إلى لقائهِ، أبداً، عواطفـــه كلها أرضية، إعجابه بلاعبي الكرة مثلاً، بالممثلين والممثلات الأحياء منهم والأموات، قلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به يعني لا يتلو قرآن وإن تلاه، فلا شعور ديني ولا حركة وجل وخوف من الله، ولا تأثر، ولا خشية ولا اقشعر جلده، أبداً، كأنه يقرأ كلام البشر، يصلي وما لديه أية وجهةٍ لله عز وجل، يذكر الله ولا يتأثر، يجلس في مجلس علم ولا يتأثر أبداً، يحضر عقد قران فيه ابتهالات مؤثرة جداً، لكنه غائب عقلاً وذهناً وعاطفة.
هناك مصطلح جديد خطر في بالي مرة هو: سيراميك، لا يقبل ماءً، ولا صابوناً، وكل شيء يرفضه، صقيل جداً لأنه، لا يعبر عن شيء، ولا يقبل شيئاً، ولا يتأثر بشيء.
هذا الإنسان قلبه فارغ من محبة الله عز وجل، والشوق إليه والأنس به، يعني المؤمن الصادق له ساعة مع الله، له ساعة يخلو بها بالله، له مع الله اتصال، ابتهال، مناجاة.
قـال لي أخ زارني، وقد خرج من عند الطبيب النفسي إلى هذا الجامع مباشرة، يعاني من مشكلة نفسية، فالتقى بطبيب ليس مسلماً، سمع قصته بالتفصيل، فقال له الطبيب بالحرف الواحد، قال له أنت مشكلتك: الله زعلان منك، أنت شاعر بهذا الشيء ومتضايق، علاجك الوحيد، أن تقوم باتصال مع الله، وتستعطفه، وتترجاه، وتستغفره وتناجيه، مشكلتك مع الله، الطبيب غير مـسلم، لـكن من خلال القصة فهم أسـاس الشاب بأن علاقته مع الله طيبة، ثم اضطربت العلاقة، واهتزت، فشعر بالضياع، شعر أن الله لا يحبه، فاضطربت نفسه، فقال لي: أنت من باب أولى أن أتحكم عندك ما دامت القضية معلقة بالدين.
هذا القلب الفارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، يعني مستحيل إلا أن يكون للإنسان مع الله أيام حلوة، جميلة، كل واحد متزوج يقضي كم يوم بالخطبة عسلاً أو أحلى من العسل. لي صديق تزوج وبعد العرس بقليل، أخذ زوجته إلى مكان جميل لمحافظة اللاذقية، قال لي: صار سرور غريب جداً، ثم صارت الحياة عادية، ثم صارت مشكلات بالبيت، فأحـياناً تنفعل و تقول له لم أر منك خيراً قط، يقول لها ولا أيام "كسب " فتخجل.( كسب بلدة جبلية في محافظة اللاذقية).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه:
((إنك إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط.))
قلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به.
بالمناسبة سأطرح عليكم هذه المشكلة التي أعاني منها كثيراً، فأي واحد من إخواننا سامحهم الله، يأتيه شخص ليسأله مثلاً عن بيت،يحولّه إليّ قائلاً: راجع الأستاذ راتب، والله شيء جميل فماذا قدمت أنت ؟ لقد أحرجتني عندما أرسلته إليّ ولما سمعت قصته وجدتها قصته مؤلمة والله، وما عندي إمكانيات وسـودت وجهي أمـامه، وحملتني ما لا أطيق، فأنت مـاذا قدمت ؟ لا تحمروا وجوه الآخرين، بإحراج كبير فلذلك لا تعـدها بطولة أن تحول الناس لجهة أخرى، هذه ليست بطولة إن كنت تقدر أن تساهم بشيء ساهم وإلا أسكت، والله لا يحل مشكلات النـاس إلا الله، شيء فوق طاقة البشر، فمثـلاً: أول ما أنشئ صندوق العافية، كان يلبي كل الحـاجات، ثم صـار يسدد نصف نفقات العملية، ثم صار يسدد ربع نفقات العملية، أعداد مخيفة، يعني حاجات الناس كبيرة جداً، لا يقوى إنسان على حلها وحده، إلا الله تبارك وتعالى.
الآن: ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أمره، فمن الممكن لإنسان أن يدعي المحبة، ويتباهى بالحديث عن محبته، لكن خاضوا بحار الهوى دعوى وما ابتلوا، لا تجده عند الأمر والنهي، لا تجده أبدا ً، ويدعي محبة الله:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
(سورة آل عمران )
فالله عز وجل ما قبل دعوى محبته إلا بالدليل، محبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه هـذا لعمري في المقال شـنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لمن يحب يطــيع
***
ووقت معطل عن استدراك ما فرط صاحبه، أو اغتنام برٍ وقربة وقت ضائع معطل، لاحظ الناس يقعدون بلقاءٍ ساعتين أو ثلاثاً، كلام فارغ كله، ما منه شيء، قد يكون حديثهم غيبة ونميمة، متابعة قصص سخيفة، فالمؤمن وقته ثمين جداً، وقته وعاء عمله، فالوقت الذي لا يستدرك والإنسان فيه ما فرط من عمل، أو اغتنام برٍ أو قربة، فهو وقت ضائع، أعتقد أن أثمن شيء تملك هو الوقت على الإطلاق، إنه وعاء عملك، والوقت هو رأس مالك الوحيد، الوقت هو أنت، أنت وقت، أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك.
أنا أتمنى على كل أخ كريم أن ينفق وقته إنفاقاً استثمارياً، لا إنفاقاً استهلاكياً، أكلنا، ونمنا، وارتحنا، وعملنا نزهة، وسهرنا وانبسطنا، هذا كله استهلاك، ما له مردود مستقبلي، أما طلبنا للعلم فقد تسجل لنا وإن أنفقنا مالنا في سبيل الله تسجل لنا، علُمنا تسجل لنا، علمنا القرآن تسجل لنا، أمرنا بالمعروف تسجل لنا، نهينا عن المنكر تسجل، كل عمل تنتفع به بعد الموت هو عمل طيب، وكل عمل ينقضي أثره قبل الموت فهو عمل ضائع، ووقت معطل عن استدراك ما فرطت أو اغتنام برٍ أو قربة.
صار مجموعة هذه الأشياء، علم لا يعمل به، (واحد ) عمل لا إخلاص فيه، (اثنان ) عمل لا اقتداء فيه، (ثلاثة)، مال لا ينفق منه، (أربعة) قلب فارغ من محبة الله، (خمسة)، بدن معطل عن خدمة الخلق (ستة) محبة لا تتقيد برضاء المحبوب، (سبعة)، ووقت معطل عن استدراك ما فرطت، (ثمانية).
الآن: فكر يجول فيما لا ينفع، النبي الكريم دخل إلى المسجد فرأى رجلاً تحلق الناس حوله، قال من هذا ؟ قالوا نساب، قال: وما نساب ؟ سؤال للعارف، أسلوب تربوي، قالوا رجل يعرف أنساب العرب قال:
(( ذلك علم لا ينفع من تعلمه ولا يضر من جهل به.))
قصة من ألف ومئتي صفحة، الشيخ والبحر، ملخصها أن الإنسان أقوى من كل عقبة توضع أمامه، في سفرتي الأخيرة رأيت هؤلاء الأمريكان بالطائرات يقرؤون كتباً سميكة جداً، لأول وهلة أحسنت الظن بهم مثقفون ثقافة عالية، ثم سألت ماذا يقرؤون، فعلمت أنها كلها قصص، كل واحد يحمل قصة مثل البلوكة أمامه، يقرؤها، والله بعض هذه الكتب حجمها ثمانية مئة صفحة تقريباً، من الحرف الصغير، انكبّوا بالطائرات بالاستراحات، بالمطارات يقرؤون، قصة حوادث، علاقات، ومحبة وخيانة زوجية، إلخ.
هذا فـكر معطل، أنت ممكن بهذا الفكر أن تسمو إلى الله عز وجل، ممكن أن تصل إلى أعل مرتبة، تستهلك هذا الفكر في موضوعات سخيفة، وفكر يجول فيما لا ينفع، يعني أنا لا أنتقد طلاب الـعلم، مثلاً، لكن إنسـان نال دكتوراه وقفها على شاعر غزلي فرضاً، جاهلي، يقول: بقي أثني عشر عاماً في تحضيرها، مثلاً، أمعقول: اثنى عشر عاماً وأنت تفكر بشعر جاهلي أو بالغزل وبقول أجمل دكتوراه بعمر بن أبي ربيعة، ما شاء الله، اطلب العلم النافع، اشتغل بعلم ممتع، هناك علم ممتع ونافع، قد تكون تحمل اختصاصاً نادراً له دخل كبير، الآن هناك عـلم ممتع نـافع مسعد، هو العـلم الديني، علـم ممتع نافع مسعد في الدنيا والآخرة، بالمناسبة، إذا الله عز وجل شرف إنساناً تعلق قلبه بالقرآن الكريم، وكلام سيد المرسلين، وقرأ قصص الصحابة الكرام، أعلام الأمة، والله عندئذٍ لا يستطيع أحد أن ينال من مستواه إطلاقاً.
والآن: وخـدمة من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تـعود عليك بـصلاح دنيـاك، أنت تخدم جهة، هذه الجهة لا تعرف الله، وخـدمتك لـها لا تنفعك عـند الله ولا في الدنيا ولا في الآخرة، فأنت يعـني ألعوبة بيدها مسخر لخدمتها، أضعت آخرتك في دنيا غيرك، هذا أندم إنسان على الإطلاق، من ضيع آخرته بدنيا غيره، خدمة بدون مردود، خدمة دون حمد ولا ثناء ولا شكر، وخدمة من لا تقربك خدمته إلى الله عز وجل يعني ممكن أن تخدم أخاً مؤمناً، يقول: الله يجزيك الخير، الله يجعل هذا العمل في ميزان حسناتك هذا حسن، ممكن أن تخدم مسجداً، فتقوم بإصلاحات فيه يقولون لك: الله يجزيك الخير، إن شاء الله هذا الجهد يكون نوراً لك في قبرك، ممكن أن تخدم أخاً بحاجة إلى خدمة، تحستب هذا عند الله، فهناك آلاف الخدمات التي ترتقي بهـا عند الله، أما أن تخدم إنسـاناً بعيداً عن الله، لا حـمداً ولا ثناء ولا شكوراً، استهلكك استهلاكاً رخيصـاً، هذه خدمة ضائعة، وقالوا من أعان ظالماً سلطه الله عليه، فالله يؤدبه على ذلك ويكون أول ضحية من ضحايا الذي خدمه، طيب، قال: خدمة من لا تقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك، نعود ثانية لاستعراض هذه العشرة: علم لا يعمل به، عمل لا إخلاص فيه، عمل لا اقتداء فيه، مال لا ينفق منه، قلب فارغ من محبة الله بدن معطل عن خدمة الخلق، محبة لا تتقيد برضاء المحبوب، وقت معطل عن استدراك ما فرط الإنسان، فكر يجول فيما لا ينفع، خدمة من لا تقربك خدمته إلى الله.
الآن: وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، مرة كنت في احتفال فألقى أحد الدعاة إلى الله كلمة أعجبتني، قال إنسان على وشك الموت جوعاً، و إنسان عظيم كريم محسن عطوف رحيم جاءه بطعام، كان على وشك الموت، يعني مغمى عليه، ولقّمه الطعام بيده بملعقة، ثم أن هذا استيقظ ووجد أنه قد أكل طعاماً طيباً، وجسمه شبع، فنهض ووجد ملعقة أمامه، قال لها شكراً لك أيتها الملعقة، أنا مدين لك بالفضل أيتها الملعقة، يا لك من ملعقة ما بعدها ملعقة، طبعاً الخطيب تكلم هذا تعقيباً على الأمطار الغزيرة، فقد قرأ بالصحف لقد رحمتنا السماء، شكراً لك أيتها السماء، ماذا في السماء ؟ ما فيها إلا الله عز وجل، فكل هذا المقال شكر للسماء، السماء ضحكت، والسماء أنجدت، والسماء أغاثت، والسماء قدمت، فقال: مثل هذا الإنسان الصحفي يشبه تماماً هذا الذي كاد أن يموت جوعاً فلما شبع رأى ملعقة أمامه فأخذ يثني عليها، ونسي الذي أطعمه الطعام بالملعقـــة، فهذا الذي تخاف منه هو نفسه بيد الله عز وجل، شيء مضحك، تخاف من إنسان بقبضة الله، خاف من الله عز وجل، وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله عز وجل وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
أيها الأخوة:
كلمات قيمات، عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها: علم لا يعمل به عمل لا إخلاص فيه، عمل لا اقتداء فيه، مال لا ينفق منه، قلب فارغ من محبة الله، بدن معطل عن طاعة الله وخدمة عباده، محبة لا تتقيد برضاء الله تعالى، وقت معطل عن استدراك ما فرط أو اغتنام برٍ أو قربة فكر يجول فيما لا ينفع، خدمة من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تعود عليك بصلاح دنياك، خوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا.
قال: وأعظم هذه الاضاعات، إضاعتان، كنـا بعشرة والآن هناك إضاعتان خطيرتان، هـما أصل كل إضـاعة، إضاعة القلب، وإضـاعة الوقت، أخطر إضاعتين، إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل.
مرة كنت جالـساً في مكان أنتظر، واثنـان إلى جانبي، قال أحدهما والله فلان هلكنا، حيرنا، بقينـا سـتة أشـهر نحاول أن نفهم منه أأحب أن تكون تدفئة البيت عن طريق تمديد خارجي، أو تمديد داخلي، قال الخارجي أكثر فاعلية، أما الداخلي أجمل، مخفي، لكنه يخاف أن يعمله داخلياً وتفسد الأنابيب مستقبلاً ويضطر أن يكسّر البلاط، قال له، صار له ستة أشهر في هذا الموضوع، ثم استقر رأيه على أن يجعله داخلياً، وبعد عشرين سنة لما تفسد الأنابيب يمدد خارجياً، ولا يكسّر البلاط، فهل هو ضامن أن يعيش عشرين سنة ؟ هذا كل الأمل يملأ نفسه ويشغلها.
ذات يـوم قال لي شخص ما يلي: أنوي أن أقدم طلب إعارة لبلد عربي كمدرس، في حين أنه يدير ثانوية وكنت أسمع له، قال: سأبقى بهذا البلد خمس سنوات، قلت له شيء جميل، ثم قال لي: عندما أعود: أتقاعد، وتحسب مدة الإعارة من خدماتي قلت له ممتاز، ثم قال: بعد أن أتقاعد أفتح محلاً لبيع الهدايا والتحف، وهذا عمل لا علاقة له بالتموين، قلت له والله شيء جميل ثم قال لي ويكون أولادي قد كبروا، فيعملون بالمحل، وأنا أشرف على المحل صباحاً كل يوم ساعة من الزمن، والعصر كذلك، وقعدت عنده ساعة ثم انصرفت مودعاً وفي بالمساء عندي كان درس بمدرسة أخرى وبينما كنت عائداً إلى بيتي، رأيت نعوته على الجدران، والله الذي لا إله إلا هو في اليوم نفسه، فما جاء المساء وإلا كان تحت أطباق الثرى، فهذا الذي يتلف القلب بطول الأمل، قال إذاً فأعظم هذه الإضاعات، إضاعتان، هما أصل كل إضاعة، إضاعة القلب، وإضاعة الوقت، قال واحد لن أموت إلا بعد زمن طويل، لم ؟ قال أنا أولاً وزني قليل، ونحيف، وأمشي كثيراً، ولا أدخن، وأكلي قليل وما أحمّل نفسي همّاً، وهذه أهم واحدة، فبعد أسبوع كان ميتاً الله وكيلكم، وإني لصادق، إذاً: أعظم هذه الإضاعات، إضاعتان، هما أصل كل إضاعة، إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء الله عز وجل.
أيها الإخوة:
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذه المواعظ، هي كلمات بليغات، عناوينها، علم، عمـل، مـال، قلب، بدن، محبة، وقت، فكر خدمة، خوف، عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها، والآن فبالمقابل، يجب أن يكون العـلم معمولاً به، أن نعمل بما علمنا، وأن نخلص فيما عملنا وأن ننفق من أموالنا، وأن يكون قلبنا مفعماً بمحبة الله، وأن يكون بدننا في خدمة الخلق، و أن يـكون الوقت مملوءاً بالعبادات والأعمال الصالحة، والفكر في ذكر الرب، وخدمة أهل الإيمان، والخوف من الله وحده، هذا ملخص الكلمات.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:44 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 029: عشرة أشياء تحجب عن الله تعالى .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-02-27
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون... من الحقائق المقطوع بها أن كل السعادة في القُرب من الله، وكل الأمن والطمأنينة في طاعته، وكل الرضا بقضائه وقدره مِن خلال مَعْرِفته، وكل التفاؤل في المستقبل مِن خلال تعلُّق الأمل به.
الله هو كل شيء، عنده السعادة، وعنده الأمن، وعنده التوفيق، وعنده الرضا، وعنده كل ما تطمح إليه، وفي البُعد عنه كل الشقاء، وكل الإخفاق، وكل الإحباط، وكل القلق، وكل التشاؤم، هذا منطلق الدرس ؛ حقيقةٌ وحيدةٌ هي الله، كل شيءٍ يقرِّبك مِنه هو تمام العقل، والهدى، والتوفيق، والصواب، والتفوّق، والفوز، والفلاح.
كل شيءٍ يحجبك عنه، أكرر: كل شيءٍ يحجبك عنه، هو عين الخطأ، والخلل، والانحراف، والشقاء، والهلاك.
إذاً السعادة في القرب، والشقاء في البعد، السعادة في الطاعة، والشقاء في المعصية، الأمن في الطاعة، والخوف فـي المعصية، التوفيق في الطاعة، والتعسير فـي المعصية، هذه حقيقةٌ مقطوعٌ بها، هذه الحقيقة ينبغي أن تكون أمام عين كل مؤمن، من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، فحالة الإنابة إلى الله، حالة الصُلح مع الله، حالة الإحساس بطاعة الله، حالة أن تكون في ظل الله، حالة أن تكون مُخلصاً لله، هذه حالةٌ لا تعدلها حالة، ولا يعلو عليها أيّة حالةٍ يملِكها الإنسان، وحالة البُعد، والمخالفة، والمعصية، والجفوة، والانحراف، هو الشقاء بعينه.
ولا تنسوا أيها الأخوة ؛ أن كل إنسانٍ على وجه الأرض، الآن صار عدو بني البشر ستة آلاف مليون، من شهر تقريباً أحدث إحصاء لأهل الأرض ستة آلاف مليون، تأكّدوا أن ستة آلاف مليون جميعاً لهم هدفان أساسيان: السلامة والسعادة. والسلامة والسعادة تتحققان فـي طاعته، وفي الإقبال عليه، وفي القُرب منه، وفي الإنابة إليه، وفـي إقامـة حدوده، وفـي المبادرة إلـى خدمة خَلْقِه، والشقاء، والقلق، والخوف، واليأس، والضجر، والملل، والسأم في البعد عنه.
موضوع الدرس اليوم، ما الذي يحجب عن الله ؟
أيها الأخوة... العوام لهم كلـمات يعجبني بعضها أحياناً، يـقول لـك: الإنسان حكيم نفسه. في أُناس على مستوى الصحة: يقولون: هذه الأكلة لا تناسبني، هذه الأكلة تعمل لي عسر هضم، هذه الأكلة ثقيلة، فهو يأكل أكلة خفيفة، فيرتاح، يداري جسمه مداراة عجيبة، مثل هذا الإنسان حكيم جسمه، فمن هذا الذي هو حكيم قلبه ؟
أنت من خلال التجربة مع الله ألا تعلم ما الذي يبعدك عن الله ؟ متى تُحجَب عنه ؟ متى تشعر بالجفوة منه ؟ متى تشعر أنك مطروحٌ مِن عنده، متى تشعر أنك قريبٌ منه ؟ ألا تشعر ؟ إذا كان الإنسان لا يشعر فهذه مشكلة كبيرة جداً، قال العلماء: المنافق يعيش أربعين سنة بحال واحد، أما المؤمن يتنقّل في اليوم الواحد أربعين حالاً، أليس هناك عمل أبعدك عن الله ؟ قمت لتصلي فرأيت الطريق غير سالك ؟ أليـس هناك عملٌ قربك إلى الله ؟ ماذا تشعر عقب إنفاق المال ؟ ماذا تشعر عقب أداء الصلاة المتقنة ؟ ماذا تشعر عقب قراءة القرآن ؟ ماذا تشعر إذا كنت صادقاً، إذا رحمت إنسـانـاً، إذا أنصفت إنساناً، إذا أمـرت بالمـعروف، إذا نهيت عن المنكر، إذا أكرمت ضيفاً، إذا لبّيت دعوةً، إذا نطقت بالحق ؟
فمن اللازم بعد زمن من حضورك مجالس العلم، أن تشع أنه صار لديك مقياس حساس: هذا العمل جعلني أقبل، أما هذا العمل فجعلني أحجب عن الله عز وجل.
أحياناً الإنسان ينساق مع مَن حوله، ذكر لي أخ أنه بعد مـا اشترى هذا الجهاز حجب عـن الله، وأصبحت صلاته شكلية، إقباله شكلي، ليس هناك أي حال بقلبه، وعندما صرف هذا الجهاز من البيت عادت له أحواله التي حرمها.
قال لي أخ ثانٍ: صار عنده إطلاق بصر نوعاً ما في عمله، هذا الإطلاق للبصر حجبه عن الله عز وجل، فلما عاد إلى غض البصر، شعر باتصالٍ بالله عز وجل.
أخوتنا الكرام، أنا أخاطبكم واحداً واحدا: ألم يصبح عندك نوع مـن الميزان، ما الذي يقربك وما الذي يبعدك ؟ ما الذي يسعدك وما الذي يحجبك ؟ فهذا موضوع درسنا: عشرة أشياء تحجب القلب عن الله.
درسنا الماضي كان: عشرة أشياء ضائعة ؛ علمٌ لا يعمل به، وعملٌ لا إخلاص فيه، وعملٌ لا يطابق السُنَّة، وقلبٌ فارغٌ من محبة الله، وجسدٌ معطلٌ عن خدمة الخلق، ووقتٌ ضائعٌ فيما لا يرضي الله، ومالٌ لا ينفق منه، إلخ..
الدرس اليوم عشرة أشياء تحجب عن الله عز وجل: أكبر شيءٍ يحجبك عن الله فساد عقيدتك، أضع بين أيديكم نموذج من هذه العقائد الفاسدة:
إذا اعتقد المرء أن الله عز وجل خلق الإنسان، وكتب عليه الكفر، وأجبره على أن يعصيه، وأماته كافراً، وجعله في جهنم إلى أبد الآبدين، مـن دون سببٍ مَن العَبد، لأن الله عز وجل (كما يتوهَّم) يقول: لا يسأل عـما يـفعل، وعدلـه غير عدلنا، وقبضةٌ إلى الجنة ولا أبالي، وقبضةٌ إلى النار ولا أبالـي، والإنسان حينما يخلق يكتـب أجلـه، ورزقه، وشقيٌ أو سعيد، وانتهى الأمر، ولكـن فيمَ العمــل ؟ اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خُلِقَ لـه، إنسان أمام هذه العقيدة الجَبْريّة، أمام الشعور أن الله عز وجل قدّر على إنسان أن يكون كافراً دون سببٍ منه، وأجبره على أن يشرب الخمر وأن يزني، ثم أماته كافراً، ثم وضعه فـي نارٍ إلى أبد الآبدين، فماذا تفعل ؟ مثل هـذه العقيدة تُحجبك عـن الله قطعاً، أكبر حجابٍ بينك وبين الله أن تسيء الظن به..
﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾
(سورة الفتح: من آية: "6 " )
يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، هذا أكبر حجاب عن الله، لذلك أخطر شيء في حياة المسلم عقيدةٌ فاسدة، تَلَقَّفها دون أن يمحّصها، تلقفها دون أن يدقق فيها، لهذا العلماء قالوا: لا يمكن أن تقبل العقيدة تقليداً، ولو قُبِلَت العقيدة تقليداً لكـان كل أهل الفرق الضالة معذورون عند الله، لأن العقيدة، لابد أن يكون أساسها صحيحاً سليماً ؛ أمـا أن تقول: يا ربي فلان قال لي كذا فصدقته، لا ثم لا.. قال تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
(سورة محمد )
لم يقل سبحانه: فقُل. بل قال: فاعلم.
أيها الأخوة... أكبر حجابٍ بينك وبين الله سوء الظن به، بل إن أكبر معصيةٍ على الإطلاق تفوق الإثم والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والكفر، والشرك، أن تقول على الله ما لا تعلم، بل قال العلماء: إن العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون مِن أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم..

(( ابن عمر دينكَ دينك إنه لحمك ودمك ))
( من كنز العمال: عن " ابن عمر " )
أحياناً يقول لك أخ: فلان خاف من الله، خاف منه خوفاً شديداً، فأبقى أمواله في البيت، فجاء مَن قتله وأخذ الأموال، أما الذي لم يخف من الله، سلمت أمواله، وسلم صاحبها، ما قولك؟ هكذا يعامل الله تعالى من خافه ؟! هناك قصص لها فعل الكُفر تماماً، هـناك قصص تؤكِّد فحواها أن الله ليس بحكيم، وليس بعادل، أكبر حجابٍ بينك وبين الله أن تسيء الظن به، أكبر حجاب بينك وبين الله أن تظن به ظن الباطل..

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
(سورة آل عمران )
هذا أكبر حجاب، لذلك صححوا عقيدتكم، واعلم أن الله عز وجل كامل كمالاً مطلقاً، ولا تَقبل عليه ظلماً، تجده يقول لك:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾
( سورة الشمس )
والله بين تفسيرين ما بين الكفر والإيمان، إذا فهمت أن الله خلق في النفس الفجور، فو الله هذا كفر، أما إذا قلت إن الله فطرها فطرةً تعرف فجورها من تقواها ذاتياً، فهذا كمال، هذا عين الكمال، أعطاك مُشْعِر ذاتي، لا تحتاج إلى مَن يُعَلِّمك، حينما تخطيء تدرك أنـك مخطيء مباشرةً، ذاتياً.
أحياناً يقول لك: المؤمن يدخل الجنة وإن زنا وإن سرق، يفهمها بعض العوام، وإن يزني لا، لكنها: وإن زنا، إذا كان قد زنا في الماضي، في جاهليته وتاب الله عليه، يدخل الجنة، يفهمونها ولو كان زانياً يدخل الجنة، مسافةٌ كبيرة جداً قال تعالى:

﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾
(سورة الفرقان: من آية: " 68 " )
لذلك فهم النصوص شيء مهم جداً، فالله عز وجل ذكر فـي القرآن: أن الله علَّم يوسف عليه السلام مِن تأويل الأحاديث، فكل ظنٍ سيّءٍ بالله عز وجل، يحجبك عن الله، كل عقيدةٍ فاسدةٍ تحجبك عن الله، كل اتهامٍ لله ضمنيٍ بالظلم أو عدم الحكمة يحجبك عـن الله، حسن الظن بالله ثمن الجنة..

﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾
(سورة الفتح: من آية: "6 " )
الحجاب الثاني: حجـاب الشرك، والشرك كما تعلمون، شركٌ جليٌ وشركٌ خَفِيّ، من يعبد إلهاً صنماً. فقد كنت في أمريكا، فأخذني صديقٌ لي إلى معبد لطائفة الهندوس، معبد ضخم جداً، تكَّلَف ستة ملايين دولار يقع في ضاحية من ضواحي لوس أنجلوس، المدخل مخيف، أقواس، وزخـارف رائعة جداً، وفي صدر هذا البناء غرفةٌ فيها صَنَمٌ كبير، مصنوع من البرونز، وقد طُعِّم بالذهب الخالص، وامتلأ صدر هذا الصنم بالألماس، من أرقى أنواع الألماس، فهذا الصنم وحده كَلَّف ملايين مملينة وصنمان آخران، ورأيت واحداً من أتباع هذا الدين، ينبطح على الأرض بكامله، انبطاحاً كاملاً، فهذا هو السجود لهذا الصنم، وقيل لي إن بعضهم مثقفون، ورأيت في مدخل هذا المعبد كسارة لجوز الهند، سألت: لماذا هذه الكسارة ؟ قال: هذه لأن الإله يحب جوز الهند، تكسر له حبات جوز الهند، وتقدم له مساءً يأكلها بالليل. هذا الصنم من البرونز يأكل بالليل، هذا اسمه شرك جلي.
أما المليار ومئتا مليون مسلم، قد لا ينجو إلا قلة منهم مِن الشرك الخفي، قال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾
( سورة يوسف )
لمجرد أن تعتمد على إنسان مِن دون الله، لمجرد أن تضع أملك بإنسانٍ مِن دون الله، لمجرد أن تتوهم أن زيداً يرفعك، وعُبيداً يخفضك، وأن فلاناً يرزقك، وأن عِلاناً يحرمك، هذا شرك..

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله))
هذا حجاب الشرك، فالتوحيد التوحيد..

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء )
والشـرك الخفي مخيف، وعقابه أليمٌ وشديد، لأن الله يؤدّب من أشرك به، وقد يُحْبِطُ عمله.

الحجاب الأول: العقيدة الفاسدة، سوء الظن بالله.

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
(سورة آل عمران: من آية: " 154 " )
والحجاب الثاني: الشرك الخفي. معتمد على إنسان، وقد تعتمد على مالك، ومَن اعتمد على ماله ضَل، وقد تعتمد على خبرتك، وقد تعتمد على ذكائك، وقد تعتمد على أتباعك، وقد تعتمد على نَسَبِك، وقد تعتمد على رصيدك في البنك، كله شركٌ خفي، ينبغي أن تعتمد عـلى الله، وقد تعتمد على إنسانٍ قوي، تظن أنك في مأمنٍ حينما تتصل بـه هاتفياً، هذا أيضاً شرك، المؤمن الصادق لا يعتمد إلا على الله، فـالشرك الخفي، حجابٌ يحجبك عن الله.
المشـرك يمشي في طريق مسدود، لأن هذا الذي أشركته مع الله لا يملك لك نفعاً، ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياةً، ولا نشوراً، ضعيفٌ مثلك.
هناك حجابٌ ثالث: حجاب البِدَعِ القولية. فهناك أقوال يقولها العامة ما أنزل الله بها من سلطان، ليس لها أصل في الدين..
يقول لك: الله عز وجل يعطي الحلاوة لمن ليس له أضراس. ما هذا الكلام ؟ هذه بدعة قولية.
أو يقول: امش بجنازة ولا تمش بجوازة. هذه بدعة قولية ليس لها أصل.
أو يقول: سلامتك يا رأسي. أي عليك أن تنجو بنفسك ولا تعبأ بأحد. ونسوا: ومن لم يحمل همّ المسلمين فليس منهم.
أو يقول لك: الناس " لا يتشاكلوا "،
(( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم ))
هذا كلام النبي.

( من الجامع لأحكام القرآن )
أو يقول: أنا حلفت يمين ألا أخدم إنساناً. ولكن النبي قال:

(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ))
( من الجامع الصغير: عن " علي " )
آتيكم بأقوال كلها بدع قولية، بدع قولية ما أنزل الله بها من سلطان كلام غير صحيح، كلام غير متوازن..
يقول لك: طاسات معدودة بأماكن محدودة. فهذا الإنسان شارب الخمر ليس له ذنب، مقدر عليه أن يشرب الخمر عدد مـن الطاسات بمكان محدد، هذه كلها بدعٌ قوليةٌ تحجب عن الله عز وجل.
إذا شفت الأعمى طبه مالك أرحم من ربه. أهذه آية أم حديث ؟ هذا كلام فارغ، البدع القولية تحجب عن الله عز وجل.
تجعل الإنسان أنانياً، منافقاً، شديد الخوف، جباناً، هلوعاً، منوعاً، جذوعاً.
خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود. أيْ إياك أن تنفق.
الدراهم مراهم. فهذا شرك خفي، قالها واحد، فأذاقه الله مصيبة والله تدع الحليم حيران، ولا تحل بالمال، وهـو غني جداً، قال: الدراهم مراهم، ينحل كـل شيء بالدراهم. قعد بالزنزانة ستين يوماً، تفضل حلها بالدراهم، ما دام معك أنت مراهم، هذه كلها بدعٌ قولية تحجب عن الله عز وجل.
أول حجاب: العقيدة الفاسدة، ثاني حجاب الشرك الخفي، ثالث حجاب البَدع القولية...
رابع حجاب: البدع العملية.
ليس هناك اتفاق بين الزوجين، نحضر ملح، نذوبه بالماء، ونسكبه بطريقهم.
أو تحضر بقلة، وتسلقها، وتتغسل فيها، فيصبح ود بين الزوجين والله المجتمع ممتلئ بالبدع العملية.
لازم تحضر قماشة، تربطها على شباك ولي، وتمسك هذه النافذة وتهزها وهي تقول: يا سيدي فلان أريد ولد. لأن سيدها فلان إله ! ! أليس سيدها فلان عبداً مِن عباد الله، مات وانقلب إلى عمله.
راقب ؛ أول خميس، وثاني خميس، وثالـث خميس، والأربعين والسنوية، وثـلاثة سنوات لابسة أسود، أخته، أعمت قلب زوجها، ثلاث سنين تلبس الأسود، هذه كلها بدع، لا يحل لامرأةٍ أن تحد على غير زوجها أكثر من ثلاثة أيام، الزوجة موضوع ثانٍ، فهذه طقوس الحزن.
أما طقوس الفرح: لازم ينصمد العريس أمام المدعوات اللواتي هُنَّ في أبهى زينة، وإذا لم ينصمد معناها أنه أعور، فيه عيب، لـكي يبريّء نفسه من العَوَر والدمامة لازم ينصمد أمامهم، ويجب أن نصور الحفل، يجب أن تأتي مصورة تصور أولئك النساء بأبهى زينة، ويجب أن يؤخذ الفيلم ويعرض بهذه البيوت، وتخبر النساء الرجال أن هذه زوجة فلان ويقول الرجال: هذه زوجة فلان جميلة، والله عرف ينتقي، يجب على هذه المرأة السافرة التي تلبس لباساً فاضحاً، يجب أن ينظر إليها كـل الرجال في الفيلم.
يقول: ناقدوهم ما هذا ألا يوجد لديكم بالعرس تصوير فيديو ؟
هذا حال الناس، هذه بدع عملية ما أنزل الله بهـا من سلطان، بالحفلات، بالأعراس، بالمآتم، بالمآسي، بالسفر.
يجب أن يضع حذوة حصان على ظهر السيارة، وإذا وضع حذوة فلا على السيارة من بأس ولو على ركابها.
يضع مصحف بالسيارة ويسب الدين، ما هذا المصحف الذي تضعه ؟ مئات بل ألوف البِدَع العملية تُهَيْمِن على المسلمين، وهي تحجبهم عن الله عز وجل،.
حجاب البدع العملية:
يجب على الإنسان أن يقفز ( ينط ) لكي يصير مع الله هذا ما يجري في حفلات الذكر والشيس ؛ لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، لا داعيَ لأن تنط، لم يفعل هذا النبي عليه الصلاة والسلام.
البدع القولية:
القرآن مخلوق، عصور عانت ما عانت من هذه المقولة البدعية: القرآن مخلوق يرد عليهم آخرون، لا. غير مخلوق، فيرد الأوائل لا مخلوق، دخل علماء السجن، وكفر أناس، وإلخ.. بدع قولية، هل عالجها الصحابة الكرام ؟ هل فعل هذا أصحاب النبي ؟ هل جاءوا بشيء جديد ؟ هذا الحجاب الرابع.
العقيدة الفاسدة هي الحجاب الأول، والشرك الخفي هو الحجاب الثاني، والبدعة القولية هي الحجاب الثالث، والبدعة العملية هـي الحجاب الرابع.
الحجاب الخامس: حجاب أهل الكبائر الباطنة ؛ لديهم كبر، هـناك كبائر باطنة غير ظاهرة، الشعور أنك وحدك المُهْتَدي، وأن الله لك وحدك، وأن الجنّة لك وحدك، وأن كل هؤلاء الناس الذين ليسوا عـلى شاكلتك، ضالون، ضائعون، مصيرهم إلى النار، هذه أكبر بدعة باطنة، من الكبائر الباطنة: أن تتوهم أنك وحدك الناجي، وأن تسيء الظن بالناس، وأن تقول: هلك الناس، ومن قال: هلك الناس فهو أهلكهم، أيْ هو أشدهم هلاكاً، أو هو الذي أهلكهم وهم ليسوا كذلك، فهو أهلكَهم، أو أهلكُهم.
أهل الكبر. وهو في طاعة الله متكَبِّر، حـتى قال الإمام ابن عطاء الله السكندري: " رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً ". فيه كبر، وفيه عُجب، الكبر على الآخرين، أمـا العُجْب: يتيه بنفسه، فيه رياء، فيه حسد، فيه فخر، و خُيَلاء، و اعتزاز بقيم جاهلية: أنا ابن فلان. خير إن شاء الله.
دخل على النبي رجل أصابته رعدة من شدة هيبته، قال:

(( هون عليك إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش ))
ما قال له: أنا هاشمي، من بني عدنان، جدي قصي، قال له:
((إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد بمكة ))
( من الدر المنثور: عن " جرير " )
لديه خيلاء بالنسب، وخيلاء بالمال، أنا أكثر منك مالاً وأعز نسباً يقول لك: أنا عندي أموال لا تأكلها النيران، وربنا عز وجل له حِكَم كبيرة جداً...
شخص لـه عمل تجاريّ بالمنطقة الحرة وعمله رائج جداً، طلبات وبيع، وشراء، ملايين بين يديه، جاءه مهندس، مؤمن، شاب منضبط، يخطب ابنته، كَشَّر، وقال له: كم دخلك في الشهر ؟! أعطاه رقماً جيداً جداً، قال له: هذا لا يكفي ابنتي يوماً واحداً، فطرده بأن قال له: ليس لك عندنا اليوم نصيب.
والله أحد إخواننا حدثني بقصته وهو قريب له. قال لي: بقدرة قادر توقفت المنطقة الحرة، وهو طالب طلبات وعليه التزامات مالية فلكية، وتوقف عمل المعامل، ومُنع من بيع بضاعته، وأفلس. فجاء قريبه الـذي كان وسيطاً في خطبة ابنته، قال له: صاحبك الذي جاء ذات مرة وخطب ابنتي ذاك المهندس، هل تزوج ؟ فقال له: لا، قال له: هل تستطيع أن تقنعه أن يخطبها مرة ثانية ؟ قال له: أحاول أن أقنعه.
أقنعه، وخطبها، وتزوجها، واشتغل عمه عنده محاسباً، وخلال سنتين ؛ تحوّل من ملايين مملينة بين ديه، ومـِن كِبر فيه إذ رفض خاطب ابنته المؤمن، الطيب، المتواضع المهندس، ثم أصبح يعمل عند صهره محاسباً، فالله كبير.
فهذه عاقبة الكبر، هذا حجاب أهل الكبائر الباطنة، الكبر، العُجب، الرياء، الحسد، الفخر، الخيلاء، التوهّم أنك فوق الناس، الناس كلهم ضائعون، هذا كبر، هذا عجب، هذه كبائر باطنة تحجب عن الله عز وجل، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ مِن كبر.
ذكرت مرة من باب الطرفة: أن الإنسان يأتيه ضيوف أحياناً، يأتيه عشرون رجلاً مثلاً، ولا يوجد عنده شيء لضيافتهم، فوجد في البراد كيلوين من اللبن، فقال لزوجته: ضعي خمسة أمثالهما ماءً وملحاً وضعي ثلجاً ليصبح " عيران "، لكيلوين مـن اللبن أُضيف لهما عشرة كيلو من الماء، هذا شراب لذيذ، والعيران شيء طيّب، هذا من الكيلوين من اللبن لو أصابهما نقطة بترول، نقطة زيت كاز، هل يشربان ؟ لا، لكنهما قبلا خمسة أضعافهما ماءً، وكذلك الكبر يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.
فالذي عنده كبائر باطنة ؛ كالكبر، والعجب، والرياء، والحسد، والفخر، والخيلاء، والتوهم أنك على الحق وحدك والناس كلها ضائعة، هذا أيضاً حجابٌ يحجبك عن الله عز وجل.
الحجاب السادس: حجاب أهل الكبائر الظاهرة ؛ أيْ له مخالفات، لكن العجيب أن حجاب أهل الكبائر الظاهرة رقيق، وحجاب أهل الكبائر الباطنة ثخين، أيهما أهون ؟ الكبائر الظاهرة أهون، معصية واضحة، يتوب منها الإنسان، أما الكبر جبلّة في النفس، شعور مستمر، أخطر ذنب هو الذنب الذي لا تعرفه ذنباً، أخطر مرض هو المرض الذي ليس له أعراض، أخطر ذنب، هو الذنب الذي لا تشعر به، يتسلل خفية، لذلك الكبائر الباطنة قلّما يتوبُ صاحبها، لأنه يتوهّم أنه على حق، أمـا الكبائر الظاهرة، سُرعان ما يتوب صاحبها، ليست مشكلة، إنسان نبهه بأن فيه كبر فيتوب، حجاب أهل الكبائر الظاهرة. قال: حجابهم أرق من حجاب إخوانهم، من أهل الكبائر الباطنة مع كثرة عبادتهم، عبادة كثيرة جداً وكثيفة جداً، وقوية جداً، مع مكبر باطن، صاحبها أبعد عن الله عـز وجل مِن إنسان عباداته متوسطة، بسيطة، لكن عنده تواضع لله عز وجل.
قال: أهل الكبائر الظاهرة أدنى إلى السلامة مِن أهل الكبائر الباطنة وقلوب أهل الكبائر الظاهرة خيرٌ مِن قلوب أهل الكبائر الباطنة.
على كل حال كبائر ؛ ظاهرة وباطنة، وشرك، وبدع قوليةٌ، وبدعٌ عملية، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار، أما أن يُحْجَبَ الإنسان عن الله عز وجل للصغائر، فهذا مغبون جداً.
قال له: تحلف يميناً على أنك شهدت شيئاً لم تشهده ؟ قال له: أحلف، ولكن أريد خمسة آلاف. قال له: لا بأس، أعطيك خمسة آلاف، جاء للمحكمة فوجد مصحفاً أمام القاضي، قال له: ضع يدك على هذا المصحف. فوقف دقيقة، ثم جاء للموكل قال له: أريد عشرة آلاف، لأنني سأحلف يميناً، على المصحف، هذه أغلى. فالحلف على المصحف كبيرة تحجب الإنسان عن ربه.
يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن الـشيطان يئس أن يعبد في أرضـكم ولكن رضي فيما دون ذلك، مما تحقرون من أعمالكم ))
يصـافح امرأة، ويقول: هل ستأكلني ؟ لا ليست ستأكلك، مرة جاءني سؤال من أخت في أمريكا، تقول: لماذا المصافحة حرام ؟ قالت: نحن نُحْرَج كثيراً في أعمالنا، قضية عدم المصافحة مشكلة كبيرة في حياتنا، فلماذا هي حرام ؟ وماذا ينتج لو أننا صافحنا ؟ أجبتها جواباً دعوياً لا جواباً شرعياً، قلت لها:
فيما أعلم أن الملكة " أليزابث " لا يمكن أن يصافحها إلا سبعة رجال لنص القانون البريطاني، لأنها ملكة، ولعلو مقامها، لا يمكن أن يصافحها كل الرجال، بـل سبعة رجال محدودون، بحسب النظام والقانون البريطاني، والمرأة المسلمة ملكة، لا يمكن أن يصافحها إلا سبعة رجال بحسب القانون القرآني ".
أحياناً يأتي القاضي إلى بيت المرأة المسلمة ليستمع إلى شهادتها، المرأة مُعَظَّمة جداً في الإسلام، مكرمة جداً، لكن المسلمين حينما جهلوا حقيقة دينهم ظلموا المرأة، فلما استعملوا الطلاق التَعَسّفي استعمالاً ظالماً، طلقوها لأتفه سبب، وهدّموا بيوتهم لأتفه سبب، أو امتنعوا عن تطليقها للإضرار بها، جاء مَن يُطالب بالخُلع دون أن تشترط موافقة الزوج، وهذه قضيةٌ أثيرت أخيراً في مصر، إثارةً كبيرةً جداً، وصدر قانون الأحوال الشخصية: يسمح للمرأة أن تطلب من القاضي أن تُخْلَع مِن زوجها مِن طرف واحد دون موافقة الزوج. ولهذا الموضوع بحث طويل، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني أن أعالجه في دروسٍ قادمة.
هذه الصغائر حجاب أيضاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ ))
(من زيادة الجامع الصغير: عن " أنس " )
فأوضح مثل للصغيرة: أنت راكب سيارة، والطريق عريض جداً، عرضه ستين متراً، في بعض البلاد شارع الستين في جدة، ما معنى شارع الستين ؟ أي عرضه ستين متراً، طريق عرضه ستين متراً، عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، فإذا أنت ركبت مركبة، وثبَّت المقود بانحراف قدره ميلي واحد، ففي النهاية على الوادي، الميلي صغيرة، ولكن لو ثبتها على الوادي، الكبيرة تسعين درجة فجأةً، على الوادي رأساً.

(( لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ))
( من زيادة الجامع الصغير: عن " أنس " )
لـو لويت المقود تسعين درجة، ثم انتبهت، فأرجعته فقد أدركت نفسك وأنقذتها من الخطر، الطريق عريض وأدركت السلامة، إذاً حجاب أهل الصغائر.

(( إن الشـيطان يئس أن يعبد في أرضـكم ولكن رضي فيما دون ذلك، مما تحقرون من أعمالكم ))
يرونها ذنوباً صغيرة فهم مقيمون عليها، فالناس مثلاً يظنون أن اللعب بالنرد صغيرة، " دق طاولة "، لعبنا ماذا حدث ؟ ضاق خلقنا، تسلينا..قلا عليه الصلاة والسلام:

((من لعب النرد، فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه ))
( من مختصر تفسير ابن كثير " أبي موسى الأشعري " )
الحديث صحيح، ولعبة النرد قديمة جداً، أن تملأ عينيك من الحرام، وأن تظن هذا من الصغائر، أن تكذب كي تُضْحِك الناس وتظن أن هذا من الصغائر، أن تقلِّد إنساناً في مشيته وفي حركته، أن تقلِّد امرأةٌ امرأةً هذا كله يحجب عن الله قالت له: فلانة قصيرة، قال:
(( يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))
فالصغائر تحجب أيضاً.
الآن.. حجاب أهل التوسع في المُباحات: اشترى بيتاً بـلاطة كاملة، بأحد أبنية شارع برنية، بلاطة كاملة: بيتان كل بيت مساحته مئتان وعشرون متراً، مجموعهما أربعمئة وأربعون متراً، بيتان جاهزان على المفتاح، كَسَّر البلاط، قلع السيراميك، نزع الخشبية، رجَّع البيت على العظم، واشتغل فيه سنتين كاملتين، كل شـيء من أحدث نوع، وأغلى نوع، وأجمل شيء، وبالبناء لا يوجد مصعد، فيصعد كل يوم اثني عشر طابقاً على الدرج، بعد ما انتهى البيت، وضع طاولة من الرخام الأونكس، زين، وضع ألمنيوم برونز، عمل جبصين، مطبخ نفضه، أحياناً يكون النفض من نفض البدن، فيقول: نفض بيته، أيْ انتفض بدنه، أقسم لي جاره، وهو أحد اخوتنا: في اليوم الذي انتهى من كسوة البيت وافته المنية. والله طيلة سنتين يصعد، اثني عشر طابقاً، فالبناء بلا مصعد، رجّع البيت على العظم، كله كسره، لأن ذوقه رفيع جداً، و" سيشيع إلى مثواه الأخير "، هكذا مكتوب على كل النعوات، معنى هذا أن البيت الذي تسكنه مثوىً موقَّت، العبرة أن تنوّر القبر بعملك الصالح، هذا التوسّع في المباحات استهلك وقته وجهده وحجبه عن ربه بلا معصية.
والله من فترة قريبة كنت في تشييع جنازة، وقفت أمام القبر، قلت: سبحان الله، الإنسان منا ليحاسب نفسه هل يحتاج هنا إلى معجونة للقبر أو تحتاج إلى تصليحة فيه، أنت عندك رغبة بالكمال، ولكن ضع في حسابك أن هذا القبر نهاية المصير أرجوكم هل يوجد قبر من نوع خمس نجوم ؟ والله ما سمعت بقبر خمس نجوم، ولا أربع ولا ثلاث، ولا نجمان ولا واحد، ولكن هناك نجوم الظهر، يدفن ساعة وجودها. و القبر صندوق العمل.
إذاً عند كثيرين منا حجب وهي التوسع بالمباحات ليس عندنا أية معصية، ولا صغائر، ولا كبائر، لا كبائر باطنة، ولا كبائر ظاهرة، ولا بدع عملية، ولا بدع قولية، ولا شرك، ولا عقيدة زائغة، كله والحمد لله. كامل ولكن توسع بالمباحات، عندما يئس الشيطان من هذا الإنسان أن يحمله على الكفر، وجد عنده إيماناً بالله قوياً، فلما يئس أن يحمله على الشرك ورأى أن توحيده قوي، فلما يئس أن يحمله على الكبائر وجد عنده استقامة، فلما يئس أن يحمله على الصغائر وجد عنده ورعاً، فلما يئس مِنه أن يبتدع رآه من أهل السُنّة، فلما يئس، فلما يئس بقي عنده ورقةٌ رابحة هي: المباحات.
والله أيها الأخوة، أدخل إلى بيوت بحكم التعزية، يكون قريب لأحد إخواننا يقول لك: مات خالي، مات عمي، أذهـب لكي أعزي، أجد بيتاً ثمنه سبعون مليوناً فما فوق، أين صاحبه ؟ بالباب الصغير.
والله مرة كنت في حلب، الذي دعاني إلى هناك قال لي: سأريك بعض أحياء حلب، أخذني إلى حي في حلب اسمه حي الشهباء، أرقى حي عندنا يعتبر أكواخ أمام هذا الحي، أرقى حي فـي دمشق إذا قست هذه البيوت بتلك البيوت، فالبيوت فيه قصور، اطلعت على قصر، وهذا كان في العام أربعة وسبعين ـ هذه القصة قديمةً جداً، من خمسة وعشرين سنة ـ لون القصر أبيض، على النمط الصيني، وقتها كان الدولار بثلاث ليرات، كـلف بناؤه خمسةً وثلاثين مليوناً، الآن يكلف سبعمئة مليون، صاحبه توفي في الثانية والأربعين من عمره، وكـان طويل القامة، والقبر كان قصيراً لحكمةٍ أرادها الله، فلما وضع في القبر، لم يسعه القبر، فجاء الحفار ودفعه من صدره، فانثنى وتقوس، صاحب هذا القصر ينام هذه النومة في القبر، هذه حكمة مِن حِكَم الله عز وجل، فالمباحات صار الناس الآن يتوسعون بها كثيراً، وأحسبها من الحجب التي تحجب عن الله تبارك وتعالى.
الحجاب التاسع: حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خلقوا له وأريد منهم. فأنت لماذا خلقت في الدنيا ؟ خلقت لمعرفة الله، وأنت مخلوق للعمل الصالح، غفل عن سر وجوده وغاية وجوده، هذا حجاب أهل الغفلة.
آخر حجاب: ذكره فيه إحراج، إنسان توهم أن الدين كله بهذا الشيء، فاهتم بهذا الشيء، وبالغ به، ونسي بقية فروع الدين، فقد تجد إنساناً يرى أن الدين فقط فقه، لـكن الدين عقيدة، والدين استقامة، والدين عمل صالح، الدين صلة بالله. فهو عنده أن الدين فقه فقط، لا يعرف بالدين إلا الفقه، وإنسان آخر لا يعرف من الدين إلا التجويد، والتجويد ضروري وحق، ولكنه جزء من الدين، وما هو الدين كله، إنسان آخر لا يفهم من الدين إلا الرَد على أهل الكفر، يقول لك: مفكر إسلامي ولكنه لا يصلي. فهم الدين فهماً مشوّهاً، فأخذ جانباً منه وغفل عن بقية الأشياء، هذا أيضاً محجوب.
هذه عشرة حُجُب: العقيدة الزائغة، وحجاب الشرك الخفي، وحجاب البِدَع القولية، وحجاب البدع العملية، وحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة، وحجاب أهل الصغائر، وحجاب أهل التوسُّع في المُباحات، وحجاب أهل الغَفْلَة، وحجاب المجتهدين الذين غفلوا عن مقاصد الدين الكبرى.
هذه عشرة حجب تحجب عن الله عز وجل، والسعادة كل السعادة، والسلامة كل السلامة، والأمن كل الأمن، والفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والرضا كل الرضا في طاعة الله، والقرب منه، والهلاك والشقاء بالبُعد عنه، ومخالفة أمره، فكل شيء يقرّبك مِن الله ينبغي أن تعتني به، وكل شيء يبعدك عن الله ينبغي أن تبتعد عنه.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 05:46 AM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 030: الوقت
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-03-26
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... لا أبالغ إذا قلت لكم: إن أخطر موضوعٍ في حياة الإنسان موضوع " الوقت "، لأن الإنسان وقت، معظم الناس يقضون أوقاتهم لغير ما خلقوا من أجله، أي يضيعون أوقاتهم، ويفرحون بمضيّ هذه الأوقات، مع أن هذا المضيّ يستهلكهم، وسوف تكون هذه الأوقات الضائعة حسرةً عليهم يوم القيامة.
الوقت وعاء عملك، مَن استهلك وقته استهلاكاً استثمارياً سعد إلى أبد الآبدين، ومَن أتلف وقته، أو ضيّع وقته، أو صرف وقته لغير ما خلق له شقي في الدنيا والآخرة.
القاعدة الأولى: أنت حينما تعرف قيمة المال، ماذا تفعل ؟ تحافظ عليه، وتسعى إلى أن تنتفع منه، وحينما تعرف قيمة الوقت أيضاً تحافظ عليه، ولا تضيِّع ساعةً بلا طائل، وتسعى أن تنتفع به.
أحد كبار العلماء يقول: " وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية ". أريد أن أوضح: وأنت على مقعد الامتحان في الشهادة الثانوية، الساعات الثلاث لو أنك لم تكتب شيئاً، معنى ذلك رسبت، لو أنك كتبت كتابةً رائعة، معنى ذلك نجحت، وقُبلت في كلية الطب وأصبحت طبيباً، فهذه الساعات الثلاث في ساعات الامتحان في الشهادة الثانوية قد تحدد مصيرك، هذا مثل بين أيدينا. وهذا الوقت الذي نحن فيه الآن، كيف نستهلكه ؟ ماذا نفعل به ؟ ننام أم نصلي ؟ نطلب العلم أم نطلب المتعة ؟ نتحرك فيه وفق مبادئنا أم وفق شهواتنا ؟ ننفق الوقت فيما يرضي الله، أو فيما لا يرضي الله ؟ طريقة إنفاق الوقت تحدد مصيرك الأبدي، فهذا العالم الجليل يقول: " وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المُقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب".
فكلكم عشتم السبعينات أو معظمكم، نحن الآن بالألفين، كيف مضت الثلاثون عاماً ؟ كنت أعمل في منطقة في الجنوب مديراً للثانوية، بعد ثلاثين عام دعاني أحد تلامذتي إلى هذه البلدة، وأنا أتناول طعام الغداء قلت: أنا كنت هنا قبل ثلاثين عاماً، كيف مضت هذه الأعوام الثلاثون؟ كلمح البصر، الوقت يمضي سريعاً.
قال " يمر مرَّ السحاب. فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته، وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً مِن حياته، فإذا قطع وقته في الغفلة، والسهو، والأماني الباطلة كان وبالاً عليه يوم القيامة.
فيجب أن تنتبه إلى أنك وقت، إلى أنك بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، ينبغي أن تعرف قيمة الوقت لأنه وعاء عملك، في الوقت تطلب العلم، في الوقت تُعَلِّم العِلم، في الوقت تعبد الله، في الوقت تستغفره، في الوقت تتوب إليه، في الوقت تعمل الأعمال الصالحة، فلا يمكن تعمل شيئاً إلا بالوقت، الوقت وعاء عملك، فإذا أنفق في غير ما خُلق له كنت مِن الخاسرين، وإذا أنفقته فيما خُلِقْتَ له كنت مِن الفائزين.
عالمٌ آخر يقول: " ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيِّع منه لحظةً في غير قربةٍ لله عزَّ وجل ".
واللهِ أيها الإخوة، ولو وصل الإنسان إلى الجنة لا يتألم إلا على ساعةٍ مضت لم يذكر الله فيها، ولو كان مِن أهل الجنة، لأنه كلما بذلت شيء..
كان عليه الصلاة والسلام يمشي مع أصحابه فرأى قبراً ـ دققوا فيما قال ـ قال:
(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خيرٌ له من كل دنياكم ))
( كنز العمال )
ألا توجد شركات الآن أرباحها تبلغ أربعمائة مليار، في شركة أدوية أرباحها أربعمائة مليار دولار، أكثر الشركات الكبرى شركات تبيع بضائعها في كل أنحاء العالم، هذه لها ميزانيات تفوق ميزانيات الدول، لو أنك تملك هذه الشركات مجتمعةً، كلها لك..

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خيرٌ له من كل دنياكم ))
( كنز العمال )
لذلك " ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيِّع منه لحظةً في غير قربةٍ، ويقدِّم فيه الأفضل فالأفضل مِن القول والعمل ". يسمونه هذا سلم الأولويات. نضرب أمثلة: إذا عندك امتحان الساعة الثامنة سنة التخرج، ويبنى على نجاحك عمل له دخلٌ جيّد، ويبنى على العمل الزواج، والمادة أساسية، وسنة التخرج، وأنت ساكن بالمهاجرين فرضاً، وفي بائع (سند ويش) نوعه جيد جداً في أقصى دمشق، بالمخيم، وأنت لا ارتكبت معصية، ولا آذيت إنسان، ولا عملت عمل سيِّء، لكنك ركبت المواصلات من سيارة، لسيارة، لسيارة، ساعة الطريق، وساعة وقفت بالدور، وساعة رجعت، صاروا ثلاث ساعات، أنت بذلك لم ترتكب ولا معصية، لكن بحكم أن هذا الوقت ثمين جداً، ويبنى على نجاحك مستقبل زاهر، أنت الآن ضيَّعت وقت ثمين، أرأيت إلى الساعات التي تسبق الامتحان ؟ أنت محاسب على الدقيقة، أرأيت إلى ساعات الامتحان ؟ إنها تحدد مصيرك. الوقت العادي الذي تعيشه يحدد مصيرك الأبدي.
أحد العلماء الكبار مشى في الطريق فرأى مقهى، وفيه أناسٌ يلعبون النَرْد، فقال: " يا سبحان الله ! لو أن الوقت يشترى مِن هؤلاء لاشتريناه منهم ". يمكن أكبر أزمة يعانيها المؤمن ضيق الوقت، يتمنى أن يكون النهار خمسون ساعة، في بباله أشياء كثيرة، في بباله مشاريع كبيرة، في بذهنه طموحات عالية، الوقت لا يسمح له بها، فبالنهاية الأزمة أزمة وقت، لا يوجد وقت، فمِن أجل أن تؤلف، مِن أجل أن تعمل عمل عظيم تحتاج إلى وقت، فهذا الوقت محدود، لك عند الله هذه الأيام. " ما مِن يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
لدينا قاعدة في التفسير: الله عزَّ وجل إذا أقسم بشيءٍ من خلقه مِن أجل أن ننتبه إلى أهميته وعظمته، ومِن أجل أن يلفت الأنظار إلى قيمته، قال:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) ﴾
أقسم.

﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)﴾
( سورة الليل )
﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾
( سورة الفجر )
﴿وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)﴾
( سورة الضحى )
﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾
( سورة العصر )
ما دام أقسم الله عزَّ وجل بشيءٍ مِن خلقه، ليلفت نظرنا إلى عظمة هذا الشيء، يمكن أخطر شيء تملكه هو الوقت.
النقطة الثانية ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال ؛ عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَا أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به ))
( زيادة في الجامع الصغير)
ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس ؛ الصحَّة والفراغ ))
( الجامع لأحكام القرآن)
وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) ﴾
( سورة التكاثر )
قال بعض العلماء: هو الوقت. وقت الفراغ، في إنسان من أجل أن يأكل يجب أن يعمل عشرين ساعة، في إنسان عنده باليوم أربع خمس ساعات فراغ، ماذا فعل بها ؟.
الآن واجب المسلم نحو وقته، الموضوع مسلسل، ما هو واجب المسلم تجاه الوقت ؟
قال: أول شيءٍ الحرص على الاستفادة من الوقت فيما ينفعه في دينه ودنياه، ويقول الحسن رحمه الله تعالى: " أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم ". والدليل، هذا شيء واقعي، لو إنسان لا سمح الله ولا قدَّر أصيب بمرضٍ عُضال، والعملية تقتضي أن يجريها في بلدٍ غربي، وكلفتها تساوي ثمن بيته، لا يتردد لحظةً في بيع البيت وإجراء العملية،، لأنه مركبٌ في أعماقه أن الوقت أثمن من المال، أنفق ماله كلّه مِن أجل أن يعيش عدة سنوات فيما يبدو له زيادةً على أجله الذي يقتضيه المرض، فيما يتوهّم هو.
أول شيء: الحرص على أن تستفيد مِن الوقت، فهذا الوقت أثمن شيءٍ تملكه، رأسمالك الحقيقي، هو أنت، فأنت وقت، فحينما تستهلك ذاتك فيما لا جدوى منه، فأنت لا سمح الله ولا قدَّر، فهو أشد سفاهةً من الذي ينفق ماله جذافاً. طبعاً الشيء الأول الحرص، في شخص يسهر للساعة الثانية فيما لا طائل منه، يمكن أن تسهر حتى الساعة الرابعة في طاعة، في دعوة إلى الله، في عمل صالح، في تمرين إنسان، أما السهر فيما لا طائل منه ؛ في كلامٍ فارغ، وفي غيبةٍ، وفي نميمة، وفي لعبٍ بالنرد، وفي متابعة مسلسلاتٍ لا تنتهي، هذا الذي ينفق الوقت هكذا، هو سفيهٌ، بل أشد سفاهةً مِن الذي ينفق ماله جذافاً.
الآن أول بند: يقتضي أن تنتبه إلى قيمة الوقت.
البند الثاني: ينبغي أن تنظم الوقت، إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل.
في أوقات العبادة، أوقات الجلوس مع الأهل، أوقات العمل، أوقات تربية الأولاد، أوقات طلب العلم، أوقات تعليم العلم، هذا كله يجب أن ينظَّم، والعظماء في المجتمع دائماً ينظِّمون أوقاتهم، في تنظيم دقيق، أما الغافلون يعيشون هكذا، بالتعبير العامي " على التيسير "، ما عنده شيء لا يصير، قاعد مسرور قاعد، ضيع فروض، ضيّع واجبات، ضيّع طلب علم، ضيّع حضور درس علم. فتنظيم الوقت.
أحد الصالحين قال: " أوقات العبد أربعةٌ لا خامس لها، وقت نعمةٍ، ووقت بليّةٍ، ووقت طاعةٍ، ووقت معصية، ولكل وقتٍ من هذه الأوقات عبادة، فإن كنت في طاعة فينبغي أن تشكر الله على أنه سمح له أن تطيعه ". يسَّر لك أن تصلي الفجر، هناك أناسٌ يدخلون بيوتهم بعد الفجر من الملاهي، وهناك إنسان يدخل بيته بعد الفجر من المسجد، وشتان بين هذا وبين هذا، " فإذا كنت في طاعة فينبغي أن تشكر الله على هذه الطاعة، وإن كنت في معصية، لا سمح الله ولا قدر، ينبغي أن تتوب لتوك، وإن كنت في نعمة فينبغي أن تكون شاكراً لها، وإن كنت في بليّة ينبغي أن تكون صابراً ". أنت بين الشكر، وبين الصبر، وبين شهود النعمة، وبين التوبة، أربع أوقات.
الآن أول شيء: الحرص على الوقت.
الشيء الثاني: تنظيم الوقت. وقت لأولادك، وقت لزوجتك، وقت كي يرتاح جسمك، وقت لعملك، وقت لصلواتك، وقت لمسجدك، وقت لإخوانك، طبعاً قد يكون الوقت أسبوعي، جلسة أسبوعية مع بعض الإخوة الكرام، تتذاكر العلم الشريف، زيارة الأقارب، الجمعة مِن الساعة كذا للساعة كذا، اكتب برنامج زمني، شيء ثمين جداً هذا نظام حضارة، نظام رقي، برمج حياتك، سجل جدول أعمالك، اكتب الأشياء التي لابدَّ مِن أن تؤديها، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( اغتنم خمساً قبل خمس ـ من هذه الخمس ـ فراغك قبل شغلك ))
فإذا واحد لا توجد لديه مشكلة صحية، فلديه وقت فراغ، أما لا سمح الله ولا قدّر هو في مشكلة صحيَّة كبيرة، صار كل وقته مع الأطباء، والتخطيط، والتحليل، ومن طبيب لطبيب، ومن مستشفى لمستشفى، انشغل وقته، فاغتنم فراغك قبل شغلك.
يقول بعض الصالحين: " فراغ الوقت من الأشغال نعمةٌ عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة، فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ إلى ممارسة الشهوات، شَوَّشَ الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما في قلبه مِن صفاء ". إذا عندك فراغ استهلكه في طاعة الله، وإلا يستهلك الوقت فيما لا يرضي الله، ويكون نقمةً على صاحبه.
قال بعضهم: " الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غُلمة ". الفراغ للمرأة يوقظ شهوتها، والفراغ للرجل غفلةٌ عن الله شديدة.
كيف نحاسب على الوقت ؟ قال: أول شيء محاسبة النفس، ففي هذا اليوم يا نفس ماذا فعلتِ فيه ؟ هل عدتي مريضاً ؟ هل عاونتِ فقيراً ؟ هل حضرت درس علمٍ ؟ هل أمرتِ بالمعروف ؟ هل نهيتِ عن المنكر ؟ هل ألقيت كلمةً ؟ هل نصحت مسلماً ؟ ماذا فعلتي في هذا الوقت ؟ تحتاج لمحاسبة يومية، أحد أسباب حفظ الوقت محاسبة النفس.
السبب الثاني: تربية النفس على علو الهمة، " إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيها "، المؤمن وقته ثمين، لا يمكن أن ينفقه في سفا سف الأمور، وهناك حديثين للنبي الكريم من أروع ما يكون لنا منهجاً في حياتنا.

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))
( الجامع الصغير)
و..

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
(الأذكار النووية)
(( لا تجسسوا ولا تحسَّسوا ))
( الدر المنثور في التفسير المأثور)
التجسس تتبع الأخبار السيّئة، طلقها، لماذا طلقها ؟ هل يا ترى خانته ؟ لا نعرف، حتماً خانته، ماذا تريد من هذا الموضوع ؟ الأخبار الثانية كم ربحت واشتريت ؟ ماذا تريد بربحه ؟ حشري، تتبع الأخبار السيئة منهيٌ عنها، وكذلك منهيٌ عن تتبُّع الأخبار الحسنة.

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))
( الجامع الصغير)
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
(الأذكار النووية)
ما أنجبوا أولاد يا ترى العيب منه أم منها ؟ لا دخل لك بهذا، فربما يكونا متفقان معاً، و رضيانين ببعضهما، فتجد يدخل في الموضوع: يكون منها، إذا منها، يقول: يأتيك أحسن، انحرمت الولد، وإذا منها: يا خسارتك، كلمات كأن الشيطان يتفوه بها.
قال:

إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع بالدون مَن كان دونَ
* * *
هناك شخص سخيف، يعيش في سفاسف الأمور، في مشكلات الناس، في قضاياهم الجُزْئِيَّة لأنه ما عرف الله عزَّ وجل، كل إنسان تعرف إلى الله تجده مقدس، اهتماماته مقدسة ؛ اهتمامه نشر الحق، اهتمامه خدمة الخلق، اهتمامه إصلاح ذات البَيْن، اهتمامه إسعاد الناس، وكل إنسان كان غافل عن الله اهتماماته دنيَّة، يصير حشري.
أول شيء: من أجل أن نحاسب على الوقت ينبغي أن نحاسب أنفسنا حساب يومي، كيف أمضينا هذا الوقت ؟ أحياناً الإنسان يسهر سهرة فيقول: يا ربي لك الحمد أنطقتني بالحق، تركت أثر طيب.

(( ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا قاموا عن أنتن جيفة ))
( كنز العمال: عن " جابر" )
أما إذا ذكروا الله فيه يقول لك: بالفعل عشنا بجنة، عشنا وكأننا في جنة.
الشيء الثاني: تربية النفس على علو الهمة. ربي نفسك أن تهتم بالقضايا الكبرى، ربي نفسك أن تحمل همَّ المسلمين، فلا تجد إنسان يحمل هم المسلمين إلا كفاه الله همومه الشخصية، هذه نصيحة اقبلوها مني بلا دليل، إن كان همك هم المسلمين كفاك الله همَّك الشخصي، وإن لم تعبأ بالمسلمين، وإن لم تعبأ بعملٍ صالحٍ يرقى بك، أشغلك الله بهموم نفسك.
قال: ينبغي أن تصحب أقواماً يحافظون على أوقاتهم، صحبة هؤلاء الرجال تعينك على الحفاظ على وقتك، فعاشر شخص وقته ثمين، تجد مواعيده دقيقة، كلامه ملآن، علاقاته إيجابية، ليس عنده وقت للعي ـ بالتعبير العامي ـ وقت للكلام الفارغ، وقت للمزاح الرخيص، صاحب إنسان يحافظ على وقته تقتبس منه.
قال: إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم، ولا تصحب الأردى فتردى مع الرديّ.

عن المرء لا تسل وسل عن قر ينه، فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي
* * *
محاسبة النفس، تربية النفس على علو الهمة، صحبة الرجال المحافظين على أوقاتهم.
الآن يجب أن تعرف حال السلف الصالح مع الوقت، فالإمام النووي رحمه الله تعالى عاش أقل مِن خمسين سنة، ترك ( بغية المحتاج ) وهو من أوسع كتب الفقه الشافعي، ترك شرح الإمام مسلم، ترك رياض الصالحين، ترك الأذكار، وكل هذه الكتب فيها بركاتٌ لا يعلمها إلا الله في العالم الإسلامي، فمن أرقى كتب الحديث " رياض الصالحين "، إنسان عاش أقل من خمسين سنة ترك كتب، فلا تجد بيت أو مسجد بأنحاء العالم إلا وينتفع بهذا الكتاب.
الإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، مات بوقت مبكر، ترك كتاب( الأم ) ترك أول كتاب في أصول الفقه، في بعض العلماء أحصوا كتبهم، وقسَّموا صفحات كتبهم على حياتهم، منذ أن ولدوا فكان مجموع ما كتبوا كل يوم تسعين صفحة، فهل تستطيع قراءة تسعين صفحة ؟ تستطيع قراءة فقط، سبحان الله ! الوقت الآن يستهلك أبشع استهلاك، فيلم مدته ثلاث ساعات، هذه هي، وبعد هذا تزوجها، خير إن شاء الله ؟ الناس مشغولون بعقدة الفيلم، فهل ينقصك هموم أساساً، تريد أن تضيف هموم جديدة لك ؟ أنا والله لا أبالغ، لا أرى إنسان أسخف ممن يمضي وقته في شيء كله تمثيل بتمثيل، ثم يضحك على المشاهد دائماً.
فيجب أن تعرف حال السلف الصالح كيف بارك الله في أوقاتهم ؟ وكيف استفادوا من علمهم، وكيف نشروا العلم ؟ والله مرة ألقيت خطبة اقتبستها من كتاب تفسير للإمام القرطبي رحمه الله تعالى، وجدت أنه كان لها قبول حسن جداً في الإخوان الكرام، قلت: سبحان الله ! هذا الإنسان ألَّف كتاب تفسير ومات قبل ألف سنة تقريباً، فكم عالم، وكم خطيب مسجد، وكم إنسان انتفع من هذا التفسير، هذه الصدقة الجارية، اعمل عمل يستمر بعد وفاتك، نشر العلم، وتربية الأولاد، والصدقة الجارية أشياء تستمر بعد الموت.
ذات مرة كنت في لبنان، عدة علماء توفاهم الله عزَّ وجل وأصواتهم في الإذاعات تنشر ذكر الله عزَّ وجل، وفي مغنيين كذلك أغنياتهم لا تزال مستمرة، هم تحت أطباق الثرى، وأغنياتهم الفاجرة منتشرة في كل مكان، وفي قُرَّاء للقرآن الكريم قراءاتهم منتشرة بعد وفاتهم، وفي علماء كبار دروسهم تلقى في كل أنحاء العالم الإسلامي وهم تحت أطباق الثرى.
الحقيقة إذا كنت طموح ابحث عن عملٍ يستمر بعد موتك، إذا كنت طموحاً.
الإمام الغزالي كان يحضر درسه ـ كما يقال ـ أربعمائة عمامة، أي أربعمائة عالم في درس الإمام الغزالي، عندما مات انتهى الدرس، أما كتاب ( الإحياء ) بقي، تأليف القلوب أعمق أثراً وأكثر أمداً، لكن تأليف الكتب لعله أقل أثراً ولكنه أطول أمداً، أنت نوِّع، ألف القلوب وألِّف الكتب، اترك عمل يستمر بعد وفاتك، هذه بطولة، في أعمال تنتهي.
مرة أخ حضر للمسجد وله صوت شجي، فكلَّفته يؤذن، صار في لقاءات أسبوعية، وبعدها توفاه الله عزَّ وجل، فخرجت لتشييع الجنازة، هو كان تلميذ لأحد علماء دمشق، وكان هذا العالم في طليعة المُشَيِّعين، فلما صلى عليه أراد أن يؤبِّنه، فقال: ترحموا على أخوكم أبو فلان كان مؤذِّن. فقط، حكى عليه في أقل من دقيقة، فعن ماذا يستطيع يحكي عنه غير ذلك ؟ يحكي عن بيته ؟ يحكي كم سيارة عنده ؟ لا يحكى، أنا قلت: والله معه حق، فليس من الممكن أن يحكي كلمة أخرى عنه، إلا: كان مؤذن. قلت: الواحد يعمل عمل صالح يحكوا عنه دقيقتان فقط، ممكن يحكوا عنك ربع ساعة، اعمل عمل يُذكر عند الموت، أما مستوى البيت، مستوى المركبة، الدخل، هذه كلها أشياء لا تذكر عند الموت.
معرفة حال السلف الصالح مع الوقت، وكيف كانوا حريصين عليه.
تنويع ما يستغل به الوقت، ذات مرة سألني أخ فقال لي: كيف أدرس ؟ ما هي الطريقة أنه تدرس اثنتي عشرَ ساعة ولا أمل ؟ قلت له: كم كتاب عندك ؟ قال لي: اثني عشر كتاب مثلاً، قلت له: أي كتاب أصعب شيء عليك ؟ قال لي: الرياضيات. قلت له: بعده. قال الفيزياء، وبعده، الكيمياء، وبعده التشريح، وبعدها مثلاً، التاريخ، سلسلهم، فقلت له: ابدأ بأصعب مادة، اقرأ فصل واحد وارتاح عشر دقائق، إذا الواحد حمل كيلو ورفعه مئة مرة يصاب بحالة اسمها الإعياء، إذا حمل نصف كيلو يرفعه مئة مرة ثانية، إذا حمل ربع كيلو يرفعه مئة ثالثة، كلما خفَّ الوزن النشاط يتجدد، قلت له: تقرأ اثني عشرَ ساعة، ابدأ بأصعب مادة وارتح عشر دقائق، عندما ينزل مستوى المادة أنت ترتاح، اقرأ ساعة ثانية، قبل ما تنام اقرأ كتاب تاريخ مثلاً، أو كتاب سهل جداً، هذه الطريقة إذا نوَّعت، أما إذا أخذ كتاب الفيزياء فقط يذهب نصف الوقت ضياع لأنه يمل، وكتاب صعب، هذه نصيحة للطلاب، اقرأ باليوم الواحد المواد كلها، مِن كل مادة فصل، وابدأ بأصعب مادة وانزل للمستوى، كلما تعبت ستأتي مادة سهلة جداً، قبل النوم اقرأ كتاب سهل جداً، قصة مثلاً، في بالشهادات كتاب قصة، قبل النوم اقرأ القصة، فمن أجل أن تستفيد من الوقت كله، كذلك إذا كل الوقت قرآن يمل الإنسان، قرآن، كتاب فقه، زيارة أخ، عيادة مريض، طلب علم، تعليم علم، عمل صالح، خدمة إنسان، فنوِّع، كلما نوعت العمل الصالح صرت أقدر على الاستفادة من الوقت، وأنت كن حكيم نفسك، في إنسان أحياناً يتمنى أن يجلس أكثر، إن للنفس إقبالاً و إدباراً، فإن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحملها على الفرائض.
يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن ما مضى من الوقت لن يعود، ما مضى فات، والمؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
الإمام الحسن البصري يقول: " ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
والإنسان ينبغي أن يتذكَّر ساعة الموت، فأشد شيءٍ على النفس فراق الدنيا، فإن ذَكَر فراق الدنيا حرص على وقته، والنبي علمنا فقال:

(( صلِ صلاة مودِّع ))
( الجامع الصغير)
الآن، مِن علامات حفظ الوقت أن تبتعد عن صحبة مضيِّعي الأوقات، الذي وقته لا قيمة عنده لا تصاحبه، لأنه يعلمك على الكسل، فيقول لك ؛ ماذا حدث ؟ استيقظ متأخر غداً، ماذا سيفعل لك المعلم ؟ قاعدين مبسوطين، علَّمه يسهر، ويستيقظ متأخر ولا يصلي الصبح، ويذهب إلى العمل متأخِّر، لا تصاحب إنسان مضيع للوقت، ليس لك معه مصلحة أبداً، صاحب إنسان جدي، وقته ثمين.
شيءٌ آخر: يجب أن تذكر أنه سوف تسأل عن وقتك يوم القيامة بكل تفصيلاته.. " عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه ".
أحوال السلف الصالح مع الوقت:
الإمام الحسن البصري يقول: " يا ابن آدم إنما أنت بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، يا ابن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك ".
كيف أمضيت هذا الليل ؟ في معصيةٍ أم في طاعة ؟ كيف أمضيت هذا النهار أفي معصيةٍ أم في طاعة ؟ ولعلي لا أبالغ إذا قلت: المؤمن يمضي وقت نزهته في طاعة، في دعوةٍ إلى الله عزَّ وجل.
الإمام ابن مسعود يقول: " ما ندمت على شيءٍ ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي ".
بعضهم قال: " الدنيا ثلاثة أيام ؛ أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلك لا تدركه، وأما اليوم فاعمل فيه ".
أحد إخواننا عمله إنشاء البيوت، قال لي: إنسان اشترى مني بيت في منطقة المصايف، اختار أجمل بيت، أكبر بيت مساحةً، وأجمل موقع، وله إطلالة جميلة جداً، قال لي: بالغ بالكسوة مبالغة، لم يقبل إلا رخام إيطالي، وألمونيوم برونز، ما قبل إلا مطبخ من الدرجة الأولى، مساحات واسعة، ومواد أولية مِن أرقى المواد، بقي سنتين يكسي فيه، وفي النهاية قرر يسكن فيه، وقتها كان يوم خميس، ينقص البيت منظم، فقال له: أريد منظم، قال له: حاضر، طبعاً جاءت بعض السيارات تحمل الأغراض، وهو لم يأتِ بعد، الخميس موعده يسكن، لينام أول ليلة لم يأتِ، الجمعة عطلة، السبت أخبروه والله توفي، قال لي: والله ما دخله، كان يأتي طبعاً يرى الكسوة، أما ما نام فيه ولا ليلة، هذا الشيء يقع كثيراً، الوقت لأنه ليس بيدك، أنت وقت، فكان الأجل قبل أن يستمتع بهذا البيت.
قال: " أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلك لا تدركه، وأما اليوم فلك، فاعمل فيه ". هذا معنى قول الشاعر: " ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها ".
ابن القيِّم يقول: " إضاعة الوقت أشد من الموت ". لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وقد ينقلك إلى الجنة، فإضاعة الوقت أشد من الوقت.
وقال بعضهم: " إن اغتممت بما ينقص مِن مالك، فابكِ على ما ينقص مِن عمرك ".
الآن، بما ننهي به الدرس: بما نستثمر أوقاتنا، وهذا شيء مهم جداً.
قال: أولاً بتعلم كتاب الله وتعليمه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( خياركم من تعلم القرآن وعلمه ))
( الجامع الصغير: عن " سعد " )
هذا أول شيء.
الشيء الثاني: في طلب العلم.. " إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم ".
العلم هو الذي يؤكِّد إنسانيتك، العلم تلبية الحاجة العُليا في الإنسان، الحاجات السفلى أنت والحيوان سواء، أما العلم تلبيةٌ لحاجات الإنسان العُليا، والقيمة التي اعتمدها القرآن قيمة العلم، في قيمة المال، فقال:

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
( سورة القصص: من آية " 76 " )
قال: هذا ذاماً له، أما القيمة التي اعتمدها القرآن هي العلم والعمل، قال:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر: من آية "9" )
فمثل العالم والجاهل كمثل الحيّ والميّت، ليس هناك قيمة أكدها القرآن كقيمة العلم..

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
( سورة المجادلة: من آية " 11" )
طلب العلم، طبعاً طلب العلم النافع، والمسعد، العلم النافع قد يكون في الدنيا ؛ معك اختصاص نادر، له دخل كبير، لكن يأتي مَلَك الموت ينتهي هذا الاختصاص، الذي معه أعلى شهادة وتدر عليه أموالاً طائلة إذا كانت انتهت الشهادة، أما إذا طلبت العلم الشرعي فهو علمٌ نافعٌ ممتعٌ مسعد، أيُّ علمٍ ممتع، لكن هناك علم ممتع غير نافع، وهناك علم نافع غير مُسْعِد، فاطلب العلم الشرعي فهو علم مسعد وممتعٌ ونافع.
ثلاثة، ذكر الله تعالى. كما قال النبي الكريم:

((هل أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقه ويضرب أعناقكم ؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله ))
( الدر المنثور في التفسير المأثور)
فالذكر، فهناك ذكر تعبدي، وذكر تعرفي، وذكر معرفة الأمر والنهي، التلاوة ذكر، التفكر ذكر، ومعرفة الفقه ذكر، والدعوة إلى الله ذكر، وتعريف الناس بالله ذكر، والعمل الصالح ذكر فأوسع نشاط يفعله الإنسان هو ذكر الله عزَّ وجل، لذلك ما مِن ساعةٍ يندم عليه المؤمن يوم القيامة، إلا ساعةٌ مضت لم يذكر الله فيها.
تعلم القرآن وتعليمه، طلب العلم الشرعي، الثالثة ذكر الله تعالى.
أخ من إخواننا هو خطيب مسجد الآن، عنده ابن وضعه بالحضانة، قال لي: مرة استيقظنا متأخرين والوقت ضيق جداً، فلفينا له سند ويش وقال له: كلها بالطريق بابا، ابنه بالحضانة، قال له: يا أبت قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأكل في السوق دناءة ))
( تخريج أحاديث الإحياء)
جميل جداً أن يعرف الطفل الحديث، أو القرآن، يعرف ما ينبغي وما لا ينبغي، فليست هناك قيمة أحسن مِن تعلم العلم، ما في قيمة أعظم من قيمة العلم ولاسيما العلم الشرعي.
الإكثار من النوافل، يمكن أن تنتفع بالوقت بأن تكثر من النوافل لقول النبي صلى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح:

(( لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ))
( الجامع لأحكام القرآن)
لديك وقت، احفظ قرآن، صلِ الضحى، صلِ قيام الليل، وفي عندنا شيء عظيم جداً هو صنعة الأنبياء ؛ الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين والدليل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
( سورة يوسف: من آية " 108 " )
فإن لم تدعو على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، لكن في حدود ما تعلم، ومع من تعرف فقط، هذه الدعوة فرض عين، لا يوجد لديك أولاد أخ، أو بنات أخوات، ليس لك أولاد، جيرانك، أصدقاءك، اتخذ جلسة أسبوعية اقرأ لهم فيها آية واشرحها لهم، أو شرح حديث، حكم فقهي، قصة صحابي، علِّم.
قال: الدعوة إلى الله أيضاً مما يمكن أن يغتني به الوقت.
وزيارة الأقارب وصلة الأرحام أيضاً هذا مما يملأ به وقت المؤمن.
الآن، في عندنا أوقات يومية فارغة، وقت السحر، قبل الفجر، بين المغرب والعشاء مثلاً، يوم الجمعة، عشر أيام ذي الحجة، وبعدها تعلُّم الأشياء النافعة، الآن في أجهزة إن لم يستخدمها الإنسان فهو أميّ، فتعلمها ليكون المسلمون أقوياء، كتعلم الحاسوب مثلاً، أشياء نافعة تنتفع بها، إنجازات، أشياء مباحة وتعين المسلمين على حياتهم تعلمها أيضاً، اللغات مثلاً، واحد يتقن لغة أجنبية، يقدِّم خدمات لأمته كبيرة جداً.
آخر شيء بالدرس: آفاتٌ تقتل الوقت، أول آفة الغفلة، في إنسان إرجائي، كله غداً، حتى إذا واحد راح لبلد غربي يتهموا الإنسان الشرقي، لن أقول مسلم، فالمسلم إنسان عظيم، يتهموا الإنسان الشرقي بثلاث صفات يجمعوها بثلاث حروف ( آ، ب، م ) الآي، إن شاء الله، لكنها غير إسلامية، إذا غير ناوي يدفع يقول لك: إن شاء الله، غير ناوي يأتي على الوقت يقول لك: إن شاء الله آتي، كل إنسان منافق يستخدم إن شاء الله لعدم التنفيذ، و" بي "، بكرة، كله بكرة، و"ميم "، معلش، أي ما صار شيء، متفلِّت، فالتسويف قال الحسن: " إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك ".
أختم هذا الدرس بأبياتٍ ثلاثة:

تزود من التقـوى فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ ؟
فكم من سليمٍ مات من غير علَّةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من فتىً يمسـي ويصبح آمناً وقد نســـجت أكفـانه وهو لا يدري
* * *
إخواننا الكرام... يمكن هذا الموضوع قد عالجته سابقا ولكن ليس بهذا التوسُّع، واللهِ لا أرى موضوع أخطر بحياتنا من الوقت، مَن منا يضمن أن يعيش بعد ساعة ؟
لي صديق زارني فقال لي: أنا أصلي الفجر في الجامع الفلاني، في رجل مِن رواد المسجد عنده دعابة، قال لي: كلَّما خرجنا إلا ما يروي طرفة، هو لطيف، قال لي: البارحة خرجنا سوى معاً من المسجد وروى لنا طرفة، وودعنا بعضنا، لمحته الظهر على موقف أحد السيارات أقسم لي أنه صلَّى عليه العصر، العصر كان في المسجد يصلي عليه، الحياة مثل الخيال، كلنا، كم إنسان بحياتنا مات فجأةً، بلا أسباب إطلاقاً، لكن إنسان ختم عمله للأبد، والله شيء خطير، في عليك حقوق، في تقصيرات، في أشياء ما أنجزتها، بأي لحظة ممكن نغادر الدنيا. مرة أحد إخواننا في خطبة الجمعة قلب ومات، راح مشي رجع محمول، مرة كنت مدعو لمولد بجامع الحنابلة، في لجنة هيأت المولد، سبحان الله !! كان هناك واحد استقبلني استقبال حار جداً، وعانقني، أنا جلست بالاحتفال وجدت أنه في ارتباك بالموضوع، ولم أفهم ما يوجد، الكلمات ألقيت سراعاً، وبعدها بلغني أن هذا الذي استقبلني وقع ميتاً، ذهبنا إلى مستشفى أمية، وهو ممدد على طاولة العملية، منته، قلت: هكذا بثواني ؟!! هذه القصص كثيرة يا إخواننا الكرام، كل واحد منا بأي لحظة ممكن يغادر الدنيا، مهيأ حالك ؟
أنا لي كلمة أقولها: فشيب الشعر أحياناً، الواحد يضطر أن يضع نظارة، يحشي أسنانه، أو يركب بدلة، لا نعرف، فهذه كلها إشارات من الله لطيفة: أن يا عبدي اقترب اللقاء بيننا هل أنت مستعد ؟ قربت، انحنى ظهره، وضعف بصره، وشاب شعره، ووضع نظارة، وغير أسنانه، معه مفاصل، ومعه ديسك، ومعه أسيد أوريك، معنى هذا قربت، فهذه إشاراتٌ لطيفة من الله: أن اللقاء قد اقترب يا عبدي فهل أنت مستعدٌ له ؟

إلى متى أنت باللذات مشـــغولُ وأنت عن كل ما قدمت مسؤولُ
* * *
تعصي الإله وأنت تظـــهر حبه ذاك لعمري في المقال شـنيع
لو كان حـبـك صادقاً لأطعــته إن المحـب لمن يحب يطـيع
* * *
إخواننا الكرام... يجب أن نكون مستعدين للقاء الله، اكتب وصية، اضبط أمورك، أدِّ ما عليك مِن حقوق، انهي علاقاتك، وإلا الحساب عسير، والموقف صعب.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:19 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 031: أخطاء تقع بها أكثر النساء1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-04-02

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الكرام، الدرس اليوم مُوَجَّهٌ إلى نصف المجتمع الآخر ؛ إلى المرأة، فالذي يُعلّم امرأةً يعلّم أُسرةً،
الأم مدرسةٌ إذا أعددْتها أعددْت شعبًا طيّب الأعراق
***
والمقولة: أنّه من علَّم شابًّا علَّم شخصاً واحدًا، ولكن من علَّم فتاةً علّم أُسرةً، هناك مخالفات كثيرة جدًّا يقع بها النساء المسلمات، عن جهلٍ أو عن تقصير مِن قِبلهنّ، أو من قبل أزواجهنّ، وهذه المخالفات مبوّبة ومرتّبة بحسب فروع الدِّين الكبرى، وهذا الذي سأتحدث عنه، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال قلت لأبي أسامة حدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرمّ به، فما من بنْد إلا وعندي مئات بل بضع مئات من الشواهد على أنّ النّسوة اللواتي يسلكن هذا الطريق، يسْلكْنَ طريقًا مسدودًا، فمثلاً نساءٌ مسلمات، زوجات لِمسلمين يرتادون المساجد، ويطلبون العلم، قد يذهبن إلى السَّحرة والمشعوِذين والكهنة !! وكلّ هؤلاء يرتدون مسوح رجال الدّين، و يدعّي أنّه شيخ يفكّ السِّحْر، ويقرّب بينها وبين زوجها، ويجلب السعادة لها، هناك من الدجاجلة والمشعْوذين ما لا سبيل إلى حصْره، اكتُشفت امرأة تذهب إليها الفتاة تعِدُها بزوج مقابل ثلاث مئة ألف، عندها مجموعة شبّان ترسل أحد هؤلاء الشبان فيخطبُ هذه الفتاة، فأوّلاً ترسله و يخطب، فمعناه أن كلامها صحيح والمبلغ أخذتهُ وفْق وَعْدٍ صحيح، ثمّ يختلق الشابّ مشكلةً وتُفسخ هذه الخطبة، وتعود الأمور إلى مجاريها، فلابدّ من الوعي، آلاف المشعوذين والدجاجلة، وكلّهم يرتدون مسوح رجال الدّين، فالقرآن الكريم واضح، قال تعالى:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) ﴾
[ سورة الفلق ]
فالله عز وجل أمرنا أن نستعيذ به، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾
[ سورة الأعراف ]
إذًا اذكر الله عز وجل فذكرهُ يُذهب عنّا الشيطان و شَرّه، فالاستعاذة بالله وذِكْر الله عز وجل وسيلتان قرآنيّتان من عند خالق الكون، وربّنا عز وجل وصف الشيطان بأنّه وسواس خنّاس، لمُجرّد أن تستعيذ بالله عز وجل يخنُس وينتهي، أما حينما يلجأ الناس، ولا سيما النِّسْوة إلى دجاجلةٍ فهذا يعني التماس الخير و الفلاح عند غير الله، والله هناك قصص يندى لها الجبين، هناك حالات من الزنا تتِمّ في مثل هذه الأماكن، وهذه الحالات ينْدى لها الجبين، وأنا لا أتكلّم من فراغ، ولكن من واقع، فأحد الأشخاص الذين أثقُ بهم حدّثني عن قريبه، يرتدي مسوح رجال الدِّين، ويحلّ مشكلات الزوجات، وهو لا يصلّي! ويرتكب الزنا بعشرات النساء من الجاهلات اللواتي يذهبْن إلى هذا الشيخ الكذاب ليفُكّ السِّحر عن ابنتها مثلاً فحين وقع خلاف بين البنت و بين زوجها، فالحلّ أن تذهب أُمّها إلى ساحر، أو إلى رجلٌ يدعي أنّه رجل دين!
نحن المسلمين ديننا دين علمٍ، ودين أدلّة، قال عليه الصلاة والسلام تركتكم على بيضاء نقيّة ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا ضالّ، يجبُ أن تعلموا علم اليقين أنّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يؤخّر البيان عن وقته، لو أنّ هناك طريقة لفكّ السِّحْر، وللتأليف بين الزوجين غير هذه الآيات وتلك الأحاديث لذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، أما هذا الابتداع في حلّ مشكلات الناس الاجتماعيّة والأُسريّة البعيد عن الله عز وجل هو دَجَلٌ في دَجَل.
حدّثني أخٌ كريم، قال لي: يعرف امرأة في سنّ متقدمة، تستخدمُ أساليب الخداع والاحتيال من أجل حلّ مشكلات الزوجات، وهذه المرأة ذكيّة جدًّا فتأخذ مبلغاً ضَخماً بِنِيّة التوفيق بينها وبين زوجها، تأمرها أن تكون نظيفةً، وأن تعتني بأولادها، وأن تتزيَّن لزوجها ! فعلاً تُحَلّ المشكلة بهذا الشكل، فبماذا أمرتها ؟ بما يحبّه الزوج، أمرتها بأشياء أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، لكنّها ابْتزَّتْ مالها وأوْهمتها أنّها عن طريق السّحر والجنّ، تمكنت من تحقيق الوفاق بينها و بين زوجها، و لو أنّ كلّ امرأة طبّقَت منهج رسول الله وطبّقت السنّة، لأحبّها زوجها، ولأحبّها ربّها، ولألقى حبّها في قلب زوجها، إذًا أوّل مشكلة تقع بها نساء المسلمين، وزوجات المسلمين الذين يرتادون المساجد، أن يذهبن إلى السّحرة والمشعوِذين والكهنة، أنا رأيتُ في مصر العجب العجاب، رأيتُ في معظم مساجدها أولياء مدفونين، والناس يطوفون حولهم كأن قبر أحدهم مقام النبي عليه الصلاة والسلام: ويسألونهم الأولاد والرّزْق، وهذا شركٌ بِعَينه، لا يُسأل إلا الله عز وجل، دقِّقوا أيّها الإخوة، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21)﴾
[ سورة الجن ]
والأبلغ من ذلك قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾
[ سورة الأعراف ]
قال تعالى:

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾
هذا كلام ربّنا، فسيّد الخلق، وحبيب الحقّ لا يعلم الغيب، ولو أنّه كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، لا يملك لأمته نفعًا ولا ضرًّا، ولا يملك لنفسه نفعاً و لا ضراً فلأن لا يملك لغيره من باب أولى، أحيانًا يأتيني أخ ويقول لي: أريد عملاً لابني، أقول له: و أنا لم أجد عملاً لابني، فما دمت أضعُفُ عن إيجاد العمل لابني فمن باب أولى أنني لا أستطيع أن أجده لابنك، فهذا منطق سليم.
و الآن هاكم الأدلّة، يقول عليه الصلاة والسلام:

((من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة))
[ رواه أحمد]
عن أبي هريرة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.))
[ رواه مسلم]
فهذه أكبر مخالفة تقع بها الأخوات المسلمات في شأن حلّ مشكلاتهِنَّ الزوجيّة، زوجها لا يحبّها، لتقصيرها، أو لأنها تُطيعه في معصية الله عز وجل، والله عز وجل يقول:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾
[ سورة التحريم ]
لحكمةٍ بالغةٍ بالغة شاء لها الله أن تكون صدّيقة النّساء، زوجة أكبر طاغيَةٍ كافر في الأرض، الذي قال أنا ربّكم الأعلى ! وبكلّ جبروته وقوّته لم يستطع أن يحمِل زوجته على الإيمان به، فالمرأة مستقلّة في دينها عن زوجها، ولن يُعفيَها ربّها إذا قالَت كذا يريد زوجي، لا ! لا طاعة لمخلوق في معصيَة الخالق، هذا منهج الله عز وجل، إذا لم يكن هناك وئام كانت هناك معصية بالبيت، وأشياء لا ترضي الله عز وجل، و إصرار على معصية، وطبعًا من أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس، فالمرأة التي ترضي زوجها بسخط الله عز وجل يسخط عليها ربّنا جلّ جلاله، ويُسخِّطُ عليها زوجها.

و الآن هذه مخالفة ثانية صارخة: عيبٌ ومخالفة خطيرة جدًّا حينما تحزن المرأة، وتنوح، وتضرب وجهها، وتشق جيبها، روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

(("لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" وفي رواية لمسلم "أوْ دَعا أوْ شَقّ.))
[ متفق عليه ]
والله هناك نساء يخرجن وراء الجنازة بقميص النوم إلى الطريق، يلطمْنَ وُجوههنّ نياحةً على أزواجهنّ، هؤلاء النّسوة لا يعرفن الله أبدًا، المؤمن الصادق يرضى بقضاء الله وقدره، فأيّما امرأة ضربَت وجهها، وشقَّتْ جيْبها، وصرخَت بِوَيلها، على أقرب الناس إليها، فقد قامتْ بِعَمل جاهليّ لا يرضي الله عز وجل، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
((لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ))
والله أعرف رجلاً من علماء دمشق، له ابن أخذ دكتوراه في الطبّ، واختصّ في أمراض القلب، ودخل كليّة الشريعة، وصار في الصفّ الثالث، وحفظ كتاب الله تعالى، و أنهى خدمته الإلزاميّة، وخطب فتاةً مؤمنةً، وعُقِد العقد ثمّ توفّي بِحَادث، ذهبتُ لِتَعزية والده العالم الجليل، والله رأيتُ من والده العجب العُجاب، رأيت تماسكًا ورضًا بقضاء الله وقدره، فهذا هو المؤمن، هناك مصائب كبيرة جدًّا، ومع ذلك فالمؤمن يقبلها من الله عز وجل.
ذات مرّةٍ أحد الإخوة الكرام، وَلدَت زوجتهُ بطريقةٍ استثنائيّة ؛ سحب الولد من بطنها بوساطة آلة، فهذه الآلة أثَّرَتْ في دماغ المولود، فصار يضطرب كلّ دقيقة اضطرابًا شديدًا، فأوّل طبيب راجعوه قال: هذا الطّفل مصيره أنّه سيكون أعمى أو مشلولاً أو معتوهاً، الطبيب الثاني قال الكلام نفسه، وكذا الطبيب الثالث، فدخل اليأسُ إلى نفس والده، قلتُ له مرَّةً: هذا الإله العظيم الذي تحبّه، و الذي تعبده، و الذي وهبتهُ كلّ ما تملك: عندما تقرأ في صلاتك كل يوم مرات و مرات، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾
[ سورة الأنعام ]
هذا هو قراره، فينبغي أن ترضى بقراره و تفوض أمر الطفل إليه، وربّنا عز وجل بعد حين شفا هذا الابن وهو في آخر سنة في الجامعة ومتفوّق، مع أنّ ثلاثة أطبّاء من كبار أطباء دمشق أجمعوا على أنّ هذا الابن ينتهي إلى العمى أو الشلل أو العته، فالذي عند الله غير الذي عند العبد، يجبُ أن ترضى بقضاء الله وقدره،
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
((لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ))
و إليكم الحديث الذي رواه الإمام مسلم، فعن أبي مالك الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

(( النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جَرَب ))
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
هذه الصارخةُ النائحةُ، وهذه التي تشدّ شعرها، وتلطم وجهها، وتمزّق جيبها، وتصرخ بِوَيلها، هذه ليْسَت مؤمنةً بالله أبدًا.
يروي التاريخ عن صحابيّة جليلة مات طفلها، وكان زوجها أثناء النهار يعمل في بستانه فلمّا رجع مساء سألها عن ابنها قالت: هو في أهدأ حال، وهيَّأتْ له الطعام و تناول عشاءه، وتزيَّنَتْ له وقضى حاجته منها، وفي الصباح قالتْ له: لو أنّ الجيران أعارونا عارية ثمّ استردّوها أتغضَب ؟ قال: لا. فقالت: هكذا فعل ربّنا بطفلنا ؟ فذهب إلى النبي وأعلمه، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما، ورُزق نتيجة هذه الليلة غلامًا أنجب عشرةً حفاظاً للقرآن الكريم.
هكذا المؤمن يرضى بقضاء الله وقدره، هناك نساء يجزعن لِضُرّ نزلَ بهنّ فتدعو هذه المرأة على نفسها بالموت، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك، فقد ثبت في الصحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.))
[ رواه مسلم]
هناك من يقول: آمين إذا قالت زوجته قصف الله عمري! فلا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم، هذا أيضاً من مخالفات النساء، تجدها لو تعطَّلتْ الغسالة تدعو على نفسها بالموت !
ومن المخالفات في العقيدة، طبعًا هذه ليْسَت في بلادنا، وإنما في بلاد أخرى فكثير من الناس يعتمدون على الخادمة في تربية الأولاد، وهذا خطرٌ كبير، خادمةٌ ليْسَت مسلمة هي التي تربّي الأولاد، تربّيهم على عقيدة فاسدة وعلى سُلوك فاسد وهنّ يترفَّعن عن تربية أولادهنّ، هذه أيضًا مخالفة كبيرة، لا شيء يعوّض الطفل عن أُمّه.
سوف أضرب مثلاً لا أدري مدى تقبّلكم له، لو أنّ امرأة قامَت الليل، وصلَّت وتهجَّدَتْ، وبكتْ في الصلاة، وصلّتْ صلوات كثيرة، إلى أن تعِبَتْ، في الساعة السادسة نعست، فأوَتْ إلى الفراش، وأمرتْ أولادها بالذهاب إلى المدرسة، أحد أولادها في ثيابه خلل، والثاني وضع ( السندويشة ) بين كتبه فأفسدت كتبه، والثالث حذاؤه يحتاج إلى تصليح، هؤلاء الثلاثة لما ذهبوا إلى المدرسة وُبّخوا ! لماذا؟ لأنّ الأم كانتْ نائمة، من أجل صلاتها بالليل !! و لو أنّ أمّاً صلَّتْ الفجر في وقته وهيَّأتْ الطعام لأولادها، وراقبتْ أحذيتهم وألبستهم ومحافظهم، وأكلهم، لو أنّها فعلتْ هكذا لكانت أقرب إلى الله من الأولى، لأنّها عبدَت ربّها فيما أقامها، أقامها أُمًّا، وأوّل عبادةٍ لهذه الأمّ أن تُحسن رعاية زوجها وأولادها.
أيها الإخوة، هذا التقصير في حقّ الزوج والأولاد تقصيرٌ خطير لأنّ هويّة هذه المرأة أمٌّ وزوجةٌ، فإذا قصَّرتْ فيما أقامها الله به فقد وقعتْ في مخالفة كبيرة.
وأكثر النساء تهتمّ إحداهن بكتابة وظائف أولادها، ولا تهتمّ بأداء صلواتهم، يهمّها الوظائف فتحثهم عليها، و ما شأن الصلوات ؟ سيّدنا عمر رضي الله عنه حينما طُعِن وغاب عن الوعي ثمّ أفاق ماذا قال ؟ قال: هل صلّى المسلمون الفجر ؟ إذاً الدين أولاً. يدخل الأب إلى البيت مساءً، يسأل زوجته هل تناول الأولاد الطعام ؟ هل كتبوا الوظائف ؟ ولا يسألها إطلاقًا عن صلاتهم ؟ فهو لا يسأل عن الصلاة، ولكن عن كتابة الوظائف وتناول الطعام، فلذلك عدم العناية بالأولاد والزوج، وإهمال عبادات الأولاد انحرافٌ خطير في تربية الأمّ لأولادها.
وتأخير الصلوات عن وقتها هو مما تقع به معظم النساء المسلمات.
و هذا أمر خطير حقاً. طبعًا فيما يتعلّق باللّباس، فكلّكم يعلم أنّ الثوب المحرّم هو الذي يشفّ ويصف أعضاء الجسد و لون البشرة، أو يصف حجم العورة، فأيّ ثوبٍ يكشف أو يحجّم فهذا ثوبٌ محرَّمٌ أن ترتديه المرأة إلا لزوجها، لأننا نحن نتوهّم أنّ الأخ يجوز، ولكن الشرع يمنع حتى الأخ أن يرى أخته في ثيابٍ متبذّلة، فثياب الخدمة المنزلية لما تحت الركبة، و أن يستر الصدر، وإلى المرفقين، فهذا مما يمكن أن يرى الأخ أخته به، أما أكثر من ذلك فلا يحقّ للأخ أن يرى صدرها أو ذراعها بأكمله، أو ما فوق ركبتها، فهذا كلّه محرّم، ولو أنّه أخوها، فنحن نهمل تنبيه المحارم لآداب الإسلام، لك أن تنظر إليهنّ ؛ أمّك وأختك وابنتك، ولكن لا ينبغي أن ترى منهنّ ما يقلّ عن ثياب الخدمة، وثياب الخدمة معروفة ؛ الصّدر مستور، والثياب لما تحت الركبة، والكم إلى المرفق، أما أكثر من ذلك فهذا من حقّ الزوج وحده، لا من حقّ الأب والأخ.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلّم الشرب في آنية الذّهب والفضّة والأكل في صحافهما فإنّهما للكفرة في الدنيا، ولكم في الآخرة إن شاء الله، العلماء أجازوا الآنية المفضَّضة أي المطليّة بالفضّة، أما إن كانت من الفضّة الخالصة فهناك تحريم ؛ لأنّ الفضة والذّهب عملةٌ ونقدٌ، فإذا استخدما في الصّناعة فعطلنا هذين المعدنين عن مهمتهما، قال لي مرّة شخصٌ: هناك حنفيّة من الذّهب الخالص في بيت أحد المسلمين يساوي ثمنها ثمن بيت، فإذا الواحد عنده ست حنفيّات، فإنّ هذا ما يعادل ستّة بيوت ! لو أسكنتَ شابًّا و عروسه في بيت، واستخدمتَ حنفيّة بيضاء عاديّة كان أولى و أجرك عند الله كبير، فاستخدام آنية الذهب والفضّة منهيّ عنه أيضًا فاحذر.
إنّ هذا الموضوع مهمّ جدًّا و لعل الله ينفع به المسلمين و المسلمات و يسدد به العمل إلى الصواب، و إن شاء الله نتابع الحديث عنه في درسٍ قادم.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:22 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 032: أخطاء تقع بها أكثر النساء2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-04-09

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الكرام:
بدأنا في الدرس الماضي في موضوع بعض المخالفات التي يرتكبها النساء والمتعلّقة بشُؤون حياتهنّ، وقد بيّنتُ لكم في الدرس الماضي أنّ للمرأة دورًا خطيرًا في الأسرة، ذلك إذا كانتْ تعرف ربّها ومنهجه، انعكَسَتْ معرفتها والتِزامها على أسرتها، واعلموا أنت تربية الأولاد من أخطر ما يترتّب على المسلمين ؛ لأنّ قوة الأمّة بهذه الأجيال الصاعدة، فإذا فسدَتْ هلكَتْ الأمّة، وكلّ ما من شأنه تقوية هذه الأجيال الصاعدة هو ذُخْرٌ للأمّة ومستقبلها، والأمَل معقود على المرأة، الزوجة، الأمّ، فالأمّ مدرسةٌ إذا أعددْتها أعددت شعبا طيّب الأعراق، والله أيّها الإخوة ولا أُبالغ، إنّ هناك من النساء المؤمنات الصادقات الملتزمات، قلامةُ ظفر إحداهنّ تعدل عند الله مئة ألف رجل، هذا إن كانت هذه المرأة تعرف ربّها، وتؤدّي حقّها تّجاه زوجها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لها بعد أن سألته:
((انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله ـ يعني الجهاد في سبيل الله ـ فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشارا.))
[ رواه البيهقي ]
والله الذي لا إله إلا هو، لو أنّ امرأةً قالت: أنا أحملُ دكتوراه من أرقى جامعات العالم، وأحمل البورد من أمريكا، وأكريجي من فرنسا، و أل frs من إنجلترا، وكانتْ مهملةً لزوجها وأولادها، فليس لها عند الله شأن لأنّها لمْ تعبد الله فيما أقامها، أقامها أُمًّا وزوجةً، عبادتها الأولى أن تعتني بزوجها وأولادها، بل إنّ أعلى شهادةٍ تحملها المرأة أولادها، إذا دفعَتْ للمجتمع أولادًا عقيدتهم سليمة، وأخلاقهم رصينة، و عاداتهم طيّبة، و في قلوبهم شفقةٌ ورحمة، فهذا أعظم عملٍ تفعله المرأة أن تقدّم للمجتمع عناصر طيّبة، ولعلّ أحدكم يتعامل في حياته اليوميّة مع أناسٍ في قلوبهم رحمة، فهذا من أثر تربية أمّهاتهم، وفي قلوبهم عطْف، وعندهم إنصاف، و أثر تربية الأمّ لا حدود له، ولكن ما قولك في طفلٍ وُجد في الحديقة لقيطاً، هذا الطّفل اللّقيط بماذا يشعر ؟ بكراهية للمجتمع، وفي قلبه قَسْوةٌ لا حدود لها ناقمٌ على المجتمع، ما قولك بمجتمعٍ أربعون بالمئة من أولاده لقَطاء ؟ في بعض بلاد الغرب، أربعون بالمئة من عدد الأطفال لقطاء، هؤلاء حينما يكبرون يتسـلّمون مناصب، قلوبهم خالية من الرحمة لأنّهم لمْ يَسْتقوها من أُمّهاتهم، فالرحمة أيها الإخوة يستقّيها الطّفل الرضيع مع حليب أمّه، أنا لا أقول أسرة غنية، ولكن أُسرة متماسكة، فقد تسكن في غرفة، وقد يأكلون أخشن الطعام، ولكنها أُسرة متماسكة وفيما بين أفرادها حبّ، و الزوج وفيّ، والزوجة مخلصة، والأولاد نشؤوا على محبّة والديهم، بينهم وُدّ وإخلاص، فأوّل ثمرة يقطفها الزوج من وفاقه مع زوجته، وأوّل ثمرة تقطفها الزوجة من وفاقها مع زوجها أولاد أصحّاء نفسيًّا.
إخواننا المعلّمون حينما يرَوْن طفلاً شاذًّا، لو تتبّعوا حياته الخاصّة لوجدوا أنّ أمه مُطلّقة مثلاً، أو بين أمّه وأبيه خلافات لا تنتهي، فلذلك تماسك الأسرة أساس في سلامة صحة أولادهم النفسية قد تسكن أُسرة في بيت متواضع جدًّا، وقد يكون دخلها قليل جدًّا، ومع ذلك فهذه الأسرة متماسكة، وهناك حبّ، و كلام السيّد المسيح رائع: ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، السعادة لا تأتي من بيت ولا من دخْل، ولا من جمال، ولا من مكانة، ولكنّها تأتي من اتّصال بالله عز وجل، ونحن عندنا قانون يغفل عنه الناس، ذلك أنّ آيات القرآن الكريم لها معنى سياقي، ومعنى سباقي، ومعنى لِحاق، أما لو نزعْتَ هذه الآية من مكانها لكان لها معنًى مستقلّ، فهي وحدها منهج، في سورة الطلاق مثلاً قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
[ سورة الطلاق ]
فمعناها السياقي من يتّقِ الله في تطليق زوجته وفق السنّة طلّقها طلقةً واحدة، في طُهرٍ ما مسّها فيه، يجعل الله له مخرجًا إلى إرجاعها، لو أنّه أخطأ بإمكانه أن يسترجعها بكلمة، حتى لو مضَت عِدّتها ولم يسترجعها بإمكانه أن يُرجعها بِعَقدٍ جديد، أما حينما يطلّق امرأته تطليقًا بدْعِيًّا ثلاث طلقات دفعة واحدة، و لم يتّق الله في تطليق زوجته، فلمّا لم يتّق الله في تطليق زوجته لم يجعل الله له مخرجًا إلى إرجاعها، هذا المعنى السياقي.
أما لو نزعْتَ الآية من مكانها، الآية تصبحُ منهجاً، فمن يتّق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجًا من إتلاف المال، ومن يتّق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجًا من عقوق الأولاد، من يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجًا من الشّقاء الزوجي، من يتق الله في بر الوالدين يجعل الله له مخرجًا من عقوق الأولاد، فهذه الآية يُكتب عليها مجلّدات، في سياقها لها معنى، وحينما تنزع من سياقها لها معنى آخر.
وقوله تعالى:

﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
[ سورة المائدة ]
هذا الحديث عن أهل الكتاب، أي لم يُطيعوا الله عز وجل، كأنّ هذه الآية تُشير إلى قانون العداوة والبغضاء، متى نتعادى ؟ و متى يبغض بعضنا بعضًا ؟ متى تنشبُ الخلافات فيما بيـننا ؟ متى نصبح ممزّقين ؟ حينما نخالف جميعًا منهج الله تعالى، هذا قانون، وهذا على مستوى زوجين وأخوين، وعلى مستوي شريكين، وعلى مستوى جارين، حينما يقصّر أحدهما في طاعة الله ينشأ بينهما عداوةٌ وبغضاء لا حدود لها، إذا نظرْت إلى مجتمعٍ شاردٍ عن الله عز وجل، شيءٌ عجيب، في الأسرة الواحدة خلافات، في المدينة الواحدة، في البلد الواحد، وفي القرية، الناس ممزّقون، قال تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾
[ سورة الأنفال ]
إذًا أيها الإخوة الكرام:
المرأة حينما تصلحُ تصْلُح كلّ أسرتها، وأنا من خلال دعوتي المتواضعة إلى الله تعالى عندي عشرات الإخوة الأكارم، بل مئات، سببُ هدايتهم زوجاتُهم، فمن آيات الله الدالة على عظمته هذه الزوجة، قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾
[سورة فصلت ]
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الشورى]
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[ سورة الروم ]
المشكلة أنّ المرأة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانت في مستوى زوجها، زوجٌ يريد أن يخرج إلى عمله، تستوقفهُ زوجته وتقول: يا فلان اتّق الله فينا، نصبرُ على الجوع، ولا نصبر على الحرام، نحن بك إن اسْتَقَمْتَ اسْتقَمْنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا، لسان حال المرأة المعاصرة تضغط على زوجها، غيّر الطّقم، وسِّعْ البيت، واشتر لنا كذا وكذا، فالضّغط اليومي لا يُحتمل فإذا بالزوج دون أن يشعر يتجرّأ على أخذ المال الحرام، و يمدّ يده إلى الحرام، ضغطَتْ عليه حتى أوقعته في الحرام، لذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾
[ سورة التغابن ]
قال بعض العلماء: هذه عداوَة مآل، وليسَت عداوَة حال، هو يحبّها وتحبّه ولكن حينما يتردى في النار يوم القيامة يرى أنّ سبب تردّيه في النار زوجته، عندئذ يراها عدوّةً له، عداوة مآل، هي زوجته وهو يحبّها، ولكن حينما ضغطَتْ عليه حتى حملتْهُ على معصيَة رأى أن سبب هلاكه زوجته.
فيا أيها الإخوة:
قضيّة تعليم المرأة وتفقيهها، وحثّها على طلب العلم، ومعرفة الله عز وجل شيء أساسيّ جدًّا في حياة المسلمين، مرَّةً قلتُ لشاب على وشك الزواج، و قد قال لي: انْصحني ؟ فقلتُ له والله النصيحة ثمنها غالٍ جدًّا، وتحتاج إلى جهد كبير، قال نعطيك، فقلتُ له: لن تسْعَدَ بِزَوجتك - تفاجأ ! - إلا إذا عرّفتها بالله تعالى، وعرّفتها بمنهج الله، وعرّفتها بحقّ الزوج، وسعدتْ بمعرفة الله تعالى، واتّصلَت به، وذاقَتْ طعم القرب منه، عندئذٍ تُسعدك، تُسعدك إذا سعِدَتْ بالله تعالى، أما إن لم تسعد بالله أنّى لها أن تسعدك، بل تُشقيك، العوام يقول في قضيّة "النَّأْ" ـ يعني المناقرة بين الزوجين ـ ! كلّ يوم، وكلّ يوم، شيءٌ لا يُحتمل، فمرّةً اتّفق أحدهم مع زوجته، وقال لها: يوم نعم ويوم لا، أريحيني يومًا فقط، فوافقَتْ، فأصبحَت تقول له في اليوم الذي ما فيه: غدًا "النَّأ" !!
بيوت المسلمين حينما تقوم على هذا الضّغط تغدو قطعة شقاء، صدّقوني أيّها الإخوة ولا أبالغ، مرّةً دخلتُ بيتًا في سفح جبل قاسيون، والبيت متواضع جدًّا، و أرضه ليست مبلطة، الأثاث بساط فقط، لا أعرف بماذا شعرتُ ؟ شعرتُ أنّ هذا البيت قطعة من الجنّة، يبدو أنّ هناك وفاق ووُدّ، ونظافة، ومحبّة، فبيتٌ صغير مع المحبّة يصبح جنّة، أنا أدعوكم إلى العناية بِبُيوتكم، لأنّ الرجل يعاني متاعب خارج البيت، والبيت سكَن له، فإذا وجد ضغطًا بالعمل، ومشاكل لِكَسب المال، وعليه دفع، ولا يوجد قبض، وعليه ديون، هذه كلّها هموم، المفروض أن يأتي الإنسان إلى بيته لِيَستريح، حدّثني طبيب عيون، وما كنتُ أعرف هذه الحقيقة، وهو أنّ الأصبغة التي في شبكيّة العين، تُستهلك في النهار، لأنّ أساس العين أن تقوم بنقل الصورة، تماماً. كنقل الصورة عبر الفضاء، آلة التصوير في الأستديو عبارة عن عدسة أمامها شخص، هذا الشخص عليه إضاءة شديدة جدًّا، صار هذا الشّخص عاكس للضّوء فالمصباح منبع للضّوء، أما نحن الآن فنعكس الضّوء، نرى بعضنا بعضًا بالضّوء المنعكس على وُجوهنا، هذا الإنسان الذي يقف أمام آلة التصوير المعدّة لنقل الصورة عبر الفضاء، ماذا يحصل معه ؟ ملامح هذا الوجه الذي يعكس ضوء المصابيح يدخل إلى العدسة، ومن العدسة إلى لوحة مَطليّة بمادّة نادرة جدًّا، هذه المادّة إذا جاءها أثر ضوئي أطلقَت إلكترون، وكلّما كان الأثر شديدًا، كان الإطلاق كثيفًا، فيتشكّل وجه الرّجل على هذه اللّوحة بحسب الإضاءة، قالوا هناك مدفع إلكتروني يمشي على خطوط يمسحُ هذه الخطوط، ويرّمم هذه اللّوحة، لما رمَّمَها أصبح هذا التيار الذي رمّم هذه اللّوحة التي فقدَت بعض إلكتروناتها من خلال أثر الصورة الضوئي، فهذا التيار المتفاوت الشدّة هو الصورة، تُبثّ عبر الفضاء، وتلتقطها أجهزةٌ معاكسةٌ لآلة التصوير، فترى أنت هذا المذيع مثلاً على الشاشة بآلة معاكسة، هذه العمليّة معقّدة جدًّا، وأنا بسَّطتها جدًّا، لكنّ العين أعقدُ من ذلك، هناك مئة وثلاثون مليون مخروط وعصيّة، هذه لها أصبغة كيماويّة، فإذا جاءها الضّوء فقدَت هذه الأصبغة ألوانها، وينشأ عن فقد هذه الألوان تيار كهربائي ينتقل هذا التيار إلى الدّماغ، وإلى مكان الصورة فيرى الإنسان الأشياء أمامه عن طريق تيار كهربائي، ينتقل من شبكيّة العين إلى مركز الرؤية في الدماغ، المبدأ ذاته على شكل أعقد بكثير، فهذه العصيات والمخاريط مع استهلاك أصبغتها، لابدّ لها من أن ترتاح و أن ترمّم الأصبغة التي فقدتها، فسألت الطبيب اليوم وقلتُ له كيف نعتني بِعُيوننا ؟ و الجواب بعد قليل، قال لي مرّة طبيب يختص بالكلية البوليّة، قلتُ له كيف نعتني بكليتنا ؟ فقال: بشُرب الماء، فالإنسان عليه أن يشرب باليوم اثنتي عشرة كأسًا، عطشان أو غير عطشان هذا موضوع آخر، ولو لم تشعر بحاجة إلى الماء، هذه أكبر صيانة للكليتين، وبالمناسبة الناس يتوهّمون أنّ القلب خطير جدًّا، ولكنّ الكليتين أخطر، ممكن أن يعيش الإنسان بقلبٍ عليل عشرين سنة أو أكثر، دارِهِ تعِشْ به، وأنا أقول طرفة: قلبك وزوجتك ومركبتك دارهن تعش بهن.
فالكليتان لو توقَّفتا عن العمل لتوقّفت الحياة، ولا يوجد حلّ، فالكليتان صيانتهما بِشرب الماء، قلت لهذا الطبيب و العين: كيف نصون أعيُننا ؟ فقال: بالغذاء، لأنّنا في النهار استهلكنا الأصبغة التي في الشبكيّة، وفي الليل لابدّ من أن ترمّم العين ذاتها، بأن تعود الأصبغة إلى نسبها العالية، و ذكر لي فكرة لطيفة ؛ قال فلو أدخلنا إنسانًا إلى مغارة مظلمة، و الضوء معدوم، و الظلامٌ دامس فالإنسان مبرمج، ففي ساعات النهار خارج المغارة، ترميم أصبغة الشبكيّة قليل، وفي ساعات الليل خارج المغارة ترميم أصبغة الشبكيّة عالٍ جدًّا، فأنت مبرمج، فبعض الهواتف لها برنامج نهاري وليلي، فأنت في النهار لك ضربات قلب معيّنة، و لك ضغط معيّن، ولك طرْح للسكريات معيّن ولك استهلاك للفيتامينات معيّن، هناك أكثر من خمسين بندًا و لها وضعُها بالنهار، ووضعها بالليل، ففي الليل تنخفض ضربات القلب، وينخفض ضغط الدمّ، و ينخفض استهلاك السكّر، فهناك برنامج ليلي، وآخر نهاري، وقد عبّروا عنها بساعة الرأس، الإنسان إذا سافر إلى بلد بعيد كأمريكا مثلاً، فهو مبرمج على نهار دمشق، وليل دمشق، فلمّا سافر عشرين ساعة أصبح النهار ليلاً والليل نهاراً، يقضي يومين من دون نوم، لأنّه في الليل تجده مبرمج على نهار دمشق فينام، وتكون ضربات قلبه كثيرة، ونشاطه مركّز، ولا ينام، تعاد برمجة الأجهزة بأمريكا مرة ثانية حتى ينام، وكذا عندما يرجع إلى بلده يقضي يومين من دون نوم، لأنّه لما صار بالشام فهو بالليل، ولكنّه في أمريكا كان بالنهار، والله تجد أشياءَ بالجسم تحار لها العقول لدقّة الخَلْق، فقال هذه العين، لو وضعنا إنساناً بِمَغارة في وقت الليل يرتفع ترميم الأصبغة، وفي النهار يضعف ترميم الأصبغة، و ما هو أكبر عقاب نعاقب به الإنسان؟ أن نجعل له إضاءة شديدة بالليل، دون أن نضربه، ودون أن تفديه، فقط خمسة آلاف شمعة بالليل، الضوء يُعيق ترميم الأصبغة لذلك من أشدّ أنواع العقوبات أن تجعل المصباح متألّقاً جدًّا في الليل، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11)﴾
[ سورة النبأ ]
فالليل يعين على ترميم الأصبغة، فإذا نام شخص والإضاءة عالية فالأصبغة لا ترمّم، هذه الإضاءة العالية تُسهم في ضَعف بصره في وقت مبكِّر، فأنا أنصح، أصحاب البيوت الذين لديهم إضاءة عالية بالليل، الإضاءة ليلاً ينبغي أن تكون إلى أقلّ درجة، كي تترمّم أصبغة العين، فمن أجل الترميم أيضاً تحتاج إلى غذاء معيّن، و هناك فيتامينات، و هناك قاعدة معروفة أنّ الغذاء الجيّد أرخص من الدّواء، فإذا شخص أهمل غذاءه فسيضطرّ إلى أن يمرض، وإذا مرض فسيدْفع ثمن الدواء غالياً، وقد يكون عشرة أضعاف، فإذا أكلت مثلاً خُضارًا رخيصة، كاللّفت والفجل، و البصل، و الفليفلة، فهذه كلّها فيتامينات، فأنت إذا أعرضْت عن أكل هذه الخضار، ستضْطرّ لشراء دواء ثمنه ستّة مئة أو سبع مئة ليرة، و أعود و أكرر فالكلية صيانتها شرب الماء، والعين صيانتها بالغذاء والنوم الكافي والظلام في الليل، ظلمة الليل والنوم الكافي، والعناية بالغذاء، وخلال عدّة دروس ذكرتُ لكم أنّ هناك هرماً للغذاء، فأكبر قاعدة الحبوب، وثاني قاعدة الخضار والفواكه، وأقلّها اللّحوم، فالناس إذا كانوا في بحبوحة أكثروا من أكل اللّحوم، فهل تصدّقون أنّ أمراض القلب والأوعية في بلاد الغرب الغنيّة ثمانية أضعاف البلاد الفقيرة، وهناك أشياء بالطبّ دقيقة، فإذا الإنسان ما مضغَ، يتراجع عظم الفكّ، الآن اشرب عصيراً و كل أكلاً رخواً، فتقل حركةُ الهضم، أعلى نسب بمرض السرطان الكولون موجودة باليابان، لأنّ جلّ أكلهم عصير ومسحوق ومهروس، ومطبوخ، ومن دون جهد، والحقيقة أنّ بذْل الجهد أساسي لصِحّة الإنسان، قال لي مرّة طبيب أن صحّة أجدادنا، وقوّة بنْيتهم الجهد العضلي العالي، ومع هذا الجهد راحة نفسيّة عالية جدًّا، أحد أسباب شيوع المرض في هذا العصر أن الجهد العضلي قلَّ جداً، إذ تجد في كلّ بيت مريضَين أو ثلاثة، مرّة دعاني هذا إلى أن أقول: هذه وجبة ستوك ! عجيب لهذا الأمر فلا يخلو بيت من مريضين أو ثلاثة، ولا توجد بنية قويّة، وهذا يُعزى إلى الكسل العضلي، وإلى الشدّة النفسيّة، أجدادنا والسّلف الصالح كانت لهم راحة نفسيّة، وجهد عضلي عالٍ، فالمركبة الآن مريحة، ولكن تجلبُ أمراض القلب والكبد والكليتين، حدّثني أخ جاء من أمريكا فقال لي: رأيتُ برنامجًا هناك مفادُهُ أنّ ركوب الخيل يدفع عن الإنسان أمراض القلب والكبد والكليتين، وذلك عن طريق الاهتزاز، أما هذا المقعد مريح، والطريق المعبّد، والراحة التامّة هي أحد مشكلات العصر، فكلامنا كله يدور حول أنّ الليل سكَن، والنهار معاش، وأنّ العناية بالعين تحتاج إلى نوم، وإلى ظلام وإلى عناية بالغذاء، وهذا قادنا إلى أنّ البيت المسلم فيه وُدّ، وحبّ، وصحّة نفسيّة، وأنا لا أذكر كلمة عن الغنى والفقر، فقد تكون بأدنى درجة اجتماعيًّا واقتصاديًّا، لكنك بأعلى درجة من السعادة، وقد تكون بأعلى درجة من الشقاء، مع أنك بأعلى درجة من النواحي المالية.
أيها الإخوة:
فالمرأة لها دورٌ خطير جدًّا في تربية الأولاد، المرأة الجاهلة ماذا تقول لزوجها ؟ فلو كانت عقيماً لا تنْجب، والزوج أراد الولد، فرغِبَ أن يتزوَّج امرأةً ثانية كي تنجب له أولادًا، تقول له الأولى ؛ إما أن تطلّقني وإما أن تبقى من دون زوجة ثانية، هذه فيها قليل من الدِّين، و لكن قد تقول له امرأة أخرى: اذْهب وازن ولا تتزوّج !! إلى هذه الدرجة، وهذه كلمات تقولها النساء الجاهلات.
من أخطاء النساء المسلمات عدم العناية بتربية أولادهنّ، لا تنتبه لنفسها تخرج أثناء غيبة زوجها من البيت، ويأتي زوجها وعلى مسْمعٍ من ابنتها تقول له إن سألها: لم أذهب إلى أيّ مكان ! فالبنت ترى أن أمّها تكذب على أبيها، و الطّفل يتشرَّب الكذب من أمّه وأبيه، والنبي علّمنا، إذ كان مرة عليه الصلاة والسلام في بيت أحد أصحابه، فقالت الأمّ لابنها: تعال، هاكَ، تعال خُذ، وبيدها شيء، فقال عليه الصلاة والسلام: ماذا أردت أن تُعطيه ؟ قالت: تمرة، فقال عليه الصلاة والسلام:
((أما إنّك لو لمْ تفعلي لعُدَّتْ عليك كِذبة.))
ذات مرّة حدّثني أخ، و تألّمتُ أشدّ الألم لحَال المسلمين، قال لي: والدتي من بلاد أمريكا الشماليّة، وكانت مع ابنها، أعطتْهُ سكّرة فأكلها، وطلبتْ منه أن يرمي غلاف السكّرة في حاوية تبعد ثلاث مئة متر ! فالنظافة تحتاج إلى تربية، وكذا الصّدق والأمانة والحياء، كلّ هذا يحتاج إلى أمّ منتبهة، فإذا الأمّ كان همّها الزيارات واللّقاءات، والحديث الفارغ، وأولادها في الطرقات فهؤلاء أولاد أيتام، نحن نفهم اليُتم من لا أب ولا أم له، ولكن اليتيم من يجد أمًّا تخلّت، أو أبًا مشغولاً، هذا هو اليتيم الحقيقيّ.
من أخطاء الزوجات طلب الطلاق من غير بأس، وأيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم ترح رائحة الجنّة، أنا أقول لكم هذه الكلمة الدقيقة، الزواج نعمة، فهناك زوج يكفرُ نعمة الزواج، لأتْفه سبب يقسو على زوجته، لأتفه سبب يُرسلها إلى بيت أهلها، مثل هذا الزوج يكفرُ نعمة الزواج وهناك زوجة لأتفه سبب تقول: طلِّقني ! أنا لستُ مبسوطة عندك، وهناك امرأة تتمنّى زوجًا و لو كان دونها بكثير، مرَّةً وقع تحت يدي كتاب مؤلّفته أديبة من أديبات مصر، الكتاب فيه عشرون أو ثلاثون قصّة، لنِساء تفوَّقْن في الدراسة، وفاتهنّ قطار الزواج، فَعِشْنَ آلامًا لا تنتهي، ذلك أنّ توجيه البيت كان غير مهتمّ بالزواج، و يهتم بالدراسة فقط !! نحن مع العلم، ولكن حينما يأتي من نرضى دينه وخُلقه، فيجب أن نزوّجه والأصل الزواج، فحينما تهملُ شأن زواجها، وتسعى إلى نيل مرتبة عالية جدًّا، ثمّ تكتشف أنّ كيان المرأة بِزَواجها، وفي تربية أولادها، وفاتها قطار الزواج، وكانت تحتقر الزواج، وتردّ على الخاطبين بكلمات قاسية، وهي مُعتدّة بدِراستها و بمكانتها الاجتماعيّة فهذه بعد حينٍ تعضّ على أصابعها ندمًا، لذا يجب أن نوجّه البنات إلى أنّ خيرَ ما يضمن مستقبل المرأة أن يتزوّجها شابّ مؤمن، وإلا فإن العزوف عن الزواج بدعةٌ من بدَع المجتمع الإسلاميّ، كِبْر واستعلاء ورغبة بالتفوّق، وعزوف عن الزواج، ولكن حينما تكتشف هذه المرأة أن كيانها و مستقبلها بِزَوجها وأولادها تندم و لات ساعة مندم، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام سئل: من أعظم الناس حقًّا على المرأة ؟ قال: زوجها، قال فمن أعظم النّاس حقّا على الرجل ؟ قال: أمّه، فأعظم امرأة في حياة الإنسان أمّك وأعظم إنسان في حياة امرأة: زوجها.
هناك خطأ من أخطاء الزوجات، وهو أنّه لا سِرَّ بينها وبين زوجها كلّ ما بينها وبين زوجها تعرفه أمها و أختها وخالتها وعمّتها، هذا الزوج مفضوحٌ دائمًا، أيّ شيء يفعله تشيعه عنه، تأتي أختها فتعطيها قائمة، هكذا فعل وكذا وكذا... النبي عليه الصلاة والسلام مدَح المرأة المسلمة وقال: إنّها سِتِّيرة، والمرأة غير المسلمة الفاسقة تجدها فضّاحة، أجل: المسلمة ستِّيرة والله مرّة كان إنسان سويًّا فأصبح له لوثة في عقله، هذا أصبح وضعه بالبـيت خطير، و له زوجة دون العشرين، وبقي بهذه الحال أكثر من سنتين، المفاجأة التي فوجئتُ بها أنّ أهلها لا يعلمون شيئًا، فزوجها أصبح بالبيت مخيفًا، فحِفاظًا على سمعته ومكانته، لم تَبُح لهذا لأحد، والله هناك نساء على مستوى عالٍ من الحكمة، لكن أخريات يطلبن الطلاق من غير بأسٍ فهذه نقيصة للمرأة، لأنّها بهذا تكفر نعمة الزوج، ونشْرُ ما يدور بين الزوجين من أحاديث وخلافات وأسرار طبعاً نقيصة كبيرة، أما الشيء الذي لا يقبل هو ما يجري بينها وبين زوجها في المعاشرة الزوجية، وكأنّ شيطانًا قاربَ شيطانةً على عرض الطريق، هذه التي تفشي سرّ ما بينها وبين زوجها في العلاقة الحميمة، فيبدو للآخرين كأنّ زوجها يقاربها على قارعة الطريق، وقد نبّه النبي عليه الصلاة والسلام على عظم هذه المخالفة.
و من المخالفات أيضًا صيام التطوّع من دون إذْن الزوج، فهذه مخالفة تقع بها بعض النساء في شأن العبادات، يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا يحِلّ لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه.))
فهذا يتعلق بصيام النّفل وليس الفرض، لأنّ في الفرض لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
أيها الإخوة التساهل في اختيار الزوج للفتيات من غير المؤمنين الصادقين هي مشكلة كبيرة، يروون أنّ إنساناً جاءَهُ خاطب لابنته، قال له الأب: يا ابني هل عندك بيت ؟ قال له: نعم، فقال الأب: أريد أوراقه، أبٌ فطِن للدنيا، فأعطاه أوراق البيت، فقال الأب: ماذا تشتغل ؟ قال: عندي معمل، فقال الأب: أريد سجلّه الصناعي فأتى به، ثم قال: هل عندك سيارة ؟ قال: نعم، فقال: أريد أوراقها، ما ترك قضيّة إلا و تأكّد منها، فوافق الأب، وأصبح الشاب خاطبًا لابنته، وصار هذا الرجل يدخل بيته، ومرّة زاره بمحله التّجاري، وقال للحاضرين هذا صهري، فأحد الجلوس اندهشَ ! لماذا ؟ لأنّ ذاك الشاب لم يكن مسلمًا !!! فلما بحث معه الموضوع قال: لقد سألتني عن كلّ شيء إلا عن ديني !! قد تكون القصّة مبالغ بها لكنها تحمل العبرة الكاملة.
مرّةً كنت أمشي ببعض الأسواق، فدعاني أحدهم لدخول متجره، و استشارني في قضيّة، قال لي: هناك شابّ خطب ابنتي، وهو جيّد، شكله مقبول، وله معمل، ووضعه المادّي جيّد جدًّا، ولكن دينه رقيق فماذا أعمل ؟ فقلتُ له: أنت تقرأ القرآن ؟ فقال: نعم، فقلتُ له: إذا انتهيت من التلاوة ماذا تقول ؟ قال: أقول صدق الله العظيم، فقلتُ له: يقول الله عز وجل:

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُم﴾
[ سورة البقرة ]
و انتهت الزيارة و غادرت.
ثمّ بلغني أنّه زوّجه ابنته، وبعد سبعة عشرة يومًا طُلِّقَتْ ! هل نطمعُ بإنسانٍ دُنياه عريضة ودينه رقيق ! هذه مشكلة كبيرة جدًّا، وهذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام فاسمعوه فعن أبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّم:

((إذا خطبَ إليكُمْ من ترضونَ دينهُ وخلقهُ، فزوِّجوهُ. إلاَّ تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ.))
[ رواه الترمذي ]
لأنّ الشاب المؤمن يغنيه الله، أما الشاب الفاسق فمآله إلى الدمار، وهذا الموضوع مهمّ سنُتابع الحديث عنه في درس ثالث وأخير.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:23 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 033 :أخطاء تقع بها أكثر النساء 3
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-04-16

http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الكرام، بما أنّ هذا التشريع الإسلامي من عند الله تعالى، إذاً أيّ نهي في هذا التشريع ينبغي من خلاله أن تلاحظ أنّ هناك مشكلاتٍ كبيرة جداً لا تعدّ ولا تُحصى تنتجُ عن عدم تطبيق هذا المنهج، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.))
[ رواه مسلم ]
لو أجريْتَ إحصاءً لكلّ حالات الزنا في مجتمعٍ ما، لفوجِئْت أنّ تسعين بالمائة ممَّن وقعَ في الزنا، من الرجال أو النساء، لم يكن يخطر في بالهم أن يزنوا، ولكنّ الخلوة جرَّتْ إلى الزنا، فنحن حينما نأخذ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم، بأنّه حق من الله تعالى، وأنّ هذا الذي أنزل التشريع هو الإله الخبير، الخبير بهذه النفوس، عندئذٍ نطبّق أمر الله عز وجل، أحيانًا ولا أُبالغ أيّها الإخوة، أنه في الأسبوع الواحد تأتيني مشكلات عدة، وكل مشكلة بِشَكلٍ صارخٍ نشأتْ من مخالفة منهج الله، لأنّ صاحب المشكلة لم يعبأ بما نهى عنه النبي، ووقع فيه، وكلّ طرفٍ يتمنّى ألا تقع، وقد يُسحق حينما تقع، قد يُسحق نفسيًّا، وقد يفكّر أن ينتحر من شدّة الضّغط النفسي، كيف وقعت منه ؟ وقعت منه لأنّه لم يأخذ بِتَوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الإخوة، عوِّدوا أنفسكم أنّ كلّ مشكلةٍ تظهر أمامكم أرجعوها إلى مخالفة منهج الله، لو طبّقنا كلام الله عز وجل، وطبقنا سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لا يمكن أن تقع مشكلة، وفي هذا المسجد المتواضع خلال دعوة تقترب من رُبع قرن، مئات بل عشرات المئات من الحالات التي وقعَتْ ودمَّرتْ الأُسَر وقعت بِسَبب مخالفة منهج الله، قال: أرأيت الحمو ؟ قال عليه الصلاة والسلام:
(( الحموُ الموت ))
فإذا كان هناك اختلاط، وتكشفّ عورات فالمشكلات حينها تتفجّر في البيوت، والإنسان حريص على أن لا يقع في مشكل، لا أستطيع أن أُفصـّل كثيرًا لكن فهمكم يكفي، ما من مشكلة تسحقُ الأسرة، وتدمّره، لو أنك أرجعتها إلى أسبابها لوجدْتها لعدم تطبيق منهج الله عز وجل.
مرَّةً حدّثني أخٌ يرتاد هذا المسجد، قال لي: أنا ارتكبتُ خطأً كبيرًا جداً بحقّ زوجتي، زوجتهُ تشتري من بائع، بِشَكل غير مقصود قالَتْ له: راعنا نحن جيرانك، لماذا قلبك قاسٍ علينا ؟ فالله ماذا قال ؟

﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾
[ سورة الأحزاب ]
هذا البائع فهِمَ شيئًا آخر ! سألها عن مكان البيت، وبعد قليل طرق الباب فلمّا فتِحَ الباب وضعَ رجله في الباب، الزوجة لم تقْصِد إطلاقًا أن يأتيَها هذا البائع للبيت، ولكن من أجل أنّها ألانتْ له القول، وخضَعَتْ له بالقول فطَمِعَ الذي في قلبه مرض.
هي ترتدي ثيابها الكاملة، اسْتنجدَتْ بأولادها، اذهبوا إلى أبيكم، وقولوا له: في بيتنا رجل، ومحـــلّ زوجها قريب من البيت ذهب أحد أولادها وأخبر أباه، فالزوج أخذه الانفعال فأغلق الباب، وقفله وجاء بالشرطة، وكانتْ الفضيحة، وطلّق امرأته ودمَّر أولاده، كلّ هذا من أجل قولها: لماذا قلبك قاسٍ علينا ؟ راعنا فنحن جيرانك، أرأيتم إلى الجهل ؟
إنسان آخر اكتشف أنّ هناك خيانة في بيته، السّبب هو جاره، كيف عرف جاره زوجته كان جالسًا مع جاره، فقال لها زوجها: تعالي اقْعُدي معنا فهذا مثل أخيك !
ما من مشكلة تدمّر البيت، وتفجع الإنسان إلا بسبب مخالفة لمنهج الله تعالى، والذي له نفَس طويل، وقوّة تحليل، وإدراك علمي، ونظرة واقعيّة، يتأمّل أسباب كلّ مشكلة، فمثلاً إنسان جاره نجّار، وعنده غرف نوم، رأى غرفة لطيفة، قال له: هذه أُريدها، فقال له: نعم، سوف أحمّلها لك إلى بيتك، والقصّة قديمة، فأعطاه عشرة آلاف ليرة، ثمّ بعدها عشرة آلاف، وبقي يُعطيه حتى وجد أنّه أعطاه الكثير، فلمّا سأله عن سعرها، وجد أنّ سعرها ضعف ما أعطاه !! لِمَ لمْ تسألهُ عن سعرها من البداية ؟ ماذا قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم: الجهالة تفضي إلى المنازعة. الآن ائْتني بمليون مشكلة تجاريّة أقول لك: إنّ تسعين بالمائة من هذه المشاكل سببها الجهالة، لا يوجد اتّفاق واضح، كم أدفع ؟ يقول لك: لا يوجد فرق جيبي وجيبك واحد !! ثمّ بعدها يتنازعان، البضاعة متى تأتي ؟ يقول لك: اتْركها على التيسير، كلّ هذا الكلام الضبابي يفجِّر مشكلات، فإذا أردْت ألا تدخل قصر العدل أبدًا، وألا تفقد مالك، وتدخل في خصومات مع الناس، وتريد أن تنام مرتاح البال وضِّح كلّ شيء.
أحيانا يفاجأ الإنسان أنّ كلامًا يقال على زوجته، والعياذ بالله تعالى، وزوجته طاهرةٌ بريئة يكون سافر وكلّف ابن حميه يعني أخاها أن يتفقَّد البيت، وما عرف الجيران أنّه مسافر، وكلّف أخا زوجته أن يأتي إلى البيت ويتفقد أحوالهم، فالجيران عندما يلاحظون دخول شخص إلى بيت جارهم، ولا يعرفون أنه أخو زوجته، ثم جاء في اليوم التالي ومكث ساعة في البيت ثمّ خرج منه، من حقّهم أن يظنّوا ظنّ السوء، فأنا كلّما سمعتُ قصّة أجد في نفسي رغبة لمعرفة السبب، والسبب هو مخالفة شرعيّة.
التقيت مرّة بمدير سُجون القطر، فقدّم لي كتاباً ألّفه هو عن ثلاث وستّين جريمة، أجمل ما في الكتاب، في نهاية كلّ جريمة يكتب: المخالفة الشرعيّة هي التي أدّت إلى هذه الجريمة بعض هذه المخالفات تبرّج زائد، خروج فتاة في ريعان الشباب زوجة شابة تخرج إلى الشرفة بثياب النوم دون أن تنتبه أنّ حولها رجالاً، فكان من أحد الرّجال أن دخل عليها عُنْوةً واغتصبها وطلّقها زوجها فورًا في اليوم التالي، السبب هو جهلها، تريد أن تقف على الشّرفة بثياب غير لائقة، فكان من أحدهم أن كانت شهوته عاليَة جدًّا فصار أعمى، واقْتحَمَ البـيت وفعل ما فعل، ولمّا علِمَ الزوج طلّق امرأته فورًا، قرأتُ هذا الكتاب في ليلةٍ واحدة، أكثر شيء لفت نظري أنّ كلّ جريمة وراءها معصيَة واضحةٌ لمنهج الله عز وجل.
لكن أُحبّ أن ألفتْ نظركم إلى إحدى هذه الجرائم: أم تحملُ طفلاً مريضاً، وهي تكاد تذوب من الألَم، رأتْها امرأةٌ فقالتْ: أنا طبيبة ما القصّة ؟ قالت لها: لربما أصابه التهاب سحايا أو ربو، ثم قالت لها تعالي معي، فأركبتْها معها في السيارة، وأخذتْها إلى مستشفى خاصّ، قالت: أنا طبيبة في هذا المستشفى، اذهبي وائتني بهذا الدواء فورًا، ذهبتْ أمّه لِتشتري الدوام، ولمّا رجعت لم تجدْ طفلها ولا تلك المرأة !! والطفل بيع في لبنان بعشرة آلاف ليرة، فعلتْ هذا مرّتين أو ثلاثة، ثمّ قبِضَ عليها، وهي مسجونة بعدرا.
انتبهوا أيّها الإخوة، البلد فيها أشكال وألوان من الجرائم والمآسي، فكلّما قرأت عن جريمة، وجدت هناك مواقف شيطانية سيّئة جدًّا، ويجب أن تنتبه، على كلٍّ دقِّقوا في هذا الحديث الشريف:

(( المؤمن كيس فطن حذر.))
[ رواه القضاعي]
أردتُ أن تكون هذه مقدّمة، ما من مشكلة تواجه المجتمع، وتسحق الأُسرة وتنهدّ لها النفوس، إلا بسبب مخالفةٍ لأمر الله أو أمر النبي عليه الصلاة والسلام.
عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((أيما امرأة استعطرت، فخرجت، فمرت على قوم فيجدوا ريحها، فهي زانية.))
[ رواه الحاكم ]
كم امرأة في الطريق تتعطَّر ؟ وعِطرها صارخ، ونفّاذ، هكذا قال النبي الكريم:

((أيما امرأة استعطرت، فخرجت، فمرت على قوم فيجدوا ريحها، فهي زانية.))
[ رواه الحاكم ]
هذه مخالفة كبيرة جدًّا تقع بها نساء المسلمين.
كم جريمة وقعتْ في هذه البلدة بسبب رُكوب امرأة وحدها في وقت غير مناسب مع سائق عمومي، بالسنة الواحدة تقع بضع عشرات الجرائم، سائق معه امرأة شابّة ؛ يمكن أن يسرع، ويضلّلها حتى يبتعد بها إلى مكان معزول، فهذه مشكلة كبيرة جدًّا، فلذلك ركوب المرأة مع السائق الأجنبي، والخلوة معه، وعدم التحجّب عنه، وكأنّه من محارمها، فعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم:

(( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها.))
[مُتَّفَقٌ عَلَيه]
كم امرأة وقعَت في مَطَبّ كبير، خلعَتْ ثيابها في مكان لا ينبغي لها أن تخلعها فيه، الْتُقِطَت لها صورة، وهُدِّدَت بهذه الصورة، وابتزَّها صاحب الصورة إلى أن وقعَت في حبائله.
والله قصص كثيرة جدًّا انتهَت بالطلاق، أحدهم اشترى آلة تصوير فيديو، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( طوبى لِمَن وسِعَته السنّة، ولم تسْتهوه البدعة.))
استخدَمَ هذه الآلة لتصويرهما في علاقته مع امرأته، وهي علاقة مشروعة، طبعًا شيء مخزٍ جداً أن يظهر هذا الفيلم خارج بيت الزوجيّة، ثم إن الزوج استأجر فيلمين أو ثلاثة من محلّ، وبالخطأ وضعَ هذا الفيلم في غلاف فيلم مستأجر ولمّا رجّع الأشرطة لصاحبها، أثناء فحص صاحب المحل أشرطته وجد هذا الفيلم، تأمّله فوجده جديداً في محلّه، فأخذ يؤجّره إلى أن وصل هذا الفيلم إلى أخ الزوج ! وافتضح أمر هذين الزوجين واضطرّ أن يبيع بيته ثم انتقل إلى حمص، هذه مشكلة كبيرة جدًّا، طوبى لِمَن وسِعَته السنّة، ولم تسْتهوه البدعة، يبقى المؤمن في راحة، وحرز حريز، وفي حصن حصين، ورافع الرأس دائمًا، عندما يكون مطبِّقًا للسنّة، لا يخشى لومة لائم، لا يوجد من يهدِّده، ولا أحد يبْتزّ منه المال، ولا من يعرض صورته على الملأ.
والله كنت بعُمرة من سنَتَين تقريباً، وجدتُ بالفندق قصة مكتوبة، يقولون فيها: اقرأها وأرجعها غدًا، فلمّا أخذتُها وقرأتها، تأثَّرتُ لها تأثُّرًا بليغاً، فتاة بمصر، من عائلة راقيّة، الأب مدرس والبيت إسلامي، جاءَ اتّصال هاتفي طائش، طبعًا بانزعاج شديد أغلقَتْ سمّاعة الهاتف، أُعيد الاتّصال مرّتين أو ثلاثاً ثمّ جاء شابّ انتظرها أمام البيت، وهي في طريقها إلى المدرسة، أسمعها كلمات حلوة، ويبدو أنّه خبير، وتحمّل صدودًا كثيرة منها، وهو مُصِرّ، إلى أن لانَتْ له، بعد أن لانتْ له اسْتدرجها إلى بيت، وقضى حاجته وصوّرها، فصار يؤجّرها، ثمّ هذه الصُّوَر وصَلت إلى أهلها، هربَتْ من بيت أهلها والنتيجة أنّها في ساعة من ساعات الحقد قتلتهُ وهي الآن في سجن القاهرة، وكتبتْ هذه القصّة التي أساسها نظرة فابتسامة فسلام فموعد ولقاء، كما قال الشاعر.
أنا أتمنّى من الآباء والأمّهات توجيه بناتهنّ، معاذ الله أن تقع هذه المشكلة في بيت مؤمن لكن الوعي ضروري جدًّا، فالإنسان المؤمن يضبط بناته، ويعرّفهنّ بحقائق الرّجال، هناك رجال وُحوش، وذئاب، من كلمة من نظرة يسقط الإنسان، أحيانًا يكون البيت بحاجة إلى ساتر أمام الشّرفة فاجعل هذا الساتر حائلاً ويساعد في ضبط البيت، أنا أتمنّى على كل إنسان الاعتناء عناية بالغة جدًّا ببناته وأولاده، حتى ينام قرير العين.
كثرة الخروج من البيت والذهاب إلى الأسواق أمر لا يليق بالمرأة المسلمة، والله تعالى يقول:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[ سورة الأحزاب ]
فالمرأة مكانها الطبيعي في البيت، أما كلما سألتَ عنها يقولون لك: في الطريق، في السوق، عند صديقاتها، فمثل هذه المرأة لا ترضي الله عز وجل لقول الله تعالى:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[ سورة الأحزاب ]
طبعًا هناك من يقول: هذه الآية لنِساء النبي عليه الصلاة والسلام: نقول له نحن إذا كان نساء النبي قد أُمِرْنَ أن يقررْن في البيوت، فنساء المؤمنين من باب أولى، إذا قلت للمجتهد اُدرس، فللمقصّر ينبغي أن تقول له ادرس ألف مرّة. ومن البلاء أيضاً، ويندرج تحت المخالفات الشرعية:
الاختلاط بالرّجال الأجانب من أقارب المرأة أو أقارب الزوج، أو غيرهم، والتساهل بالمزاح معهم ومُصافحتهم، وإظهار الزينة أمامهم، وعدم التستّر عندهم، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال:

((إياكم والدخول على النساء" قيل: يا رسول اللّه أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت"))
[ متفق عليه ]
لأنّ هذه إنسانة ممكن أن تتكلّم معها وتتكلم معك، وتبتسم بِوَجهها ويبتسم لك، وتمزح معها وتمزح معك، فهناك إذاً كلام، واختلاط، ثم تكون الكارثة.
أيضًا قضيّة ذهاب المرأة إلى الطبيب، يجب أن تختار طبيباً مسلماً ورِعاً يغضّ بصره، لأنّ هناك أطباء لا يعبئون بهذه القيود، وهناك نساء لا يتستَّرن كما ينبغي أمام الطبيب، فقد صارت خلوة، ولا سيما طبيب الأسنان، بكامل زينتها، والطبيب شابّ وهي شابّة، وهناك قُرب شديد بينهما، فهذا أيضًا أحد أسباب الفساد الذي يُصيب نساء المسلمين.
سَفَرَ المرأة من دون محرم، سواءٌ بالسيارة أو بالطائرة، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم.))
[ رواه أحمد]
قرأتُ مرَّةً قصّة ؛ شخص مقيم ببلد خليجي، وهو أصله من مصر، فذهب إلى مصر وخطب فتاة، واعتمد عليها، وعقد العقْد، وغدت تستعِدّ للعرْس وشراء الحاجات، فبعد أن أصبحَت جاهزة أرسل لها تلكس أنّني أنتظرك يوم كذا، كي تأتي وحدها، فجاء الجواب أنّ موعد إقلاع الطائرة يوم كذا والساعة الفلانية، أكون في مطار ( أبو ظبي ) ، هذا التلكس جاء إلى مكتب المدير، يبدو أنّ بعض الموظّفين أعجبه هذا التلكس، ذهب إلى هناك، وقال: لقد أرسلني زوجك كي أستقبلك، وهو مشغول، فأخذها وفعل بها الأفاعيل.
كلّ هذا لأنّها سافرت وحدها، والسفر خلوة، وأنا أقول لكم بشكل أكيد، بِحُكم بعض ما يُرفع إليّ من قضايا، خلال فترة الدعوة، ما من نهيٍ نبوي إلا وله في ذهني أربع أو خمس قصص يشيبُ لِهَولها الوِلدان، بسبب مخالفة النصّ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم.))
[ رواه أحمد]
إهمال غضّ البصر كذلك أحد أسباب الفساد، كما أنّ الرجل مأمورٌ بِغَضّ البصر، المرأة كذلك مأمورةٌ بغضّ البصر، قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾
[ سورة النور ]
ثم إن هذه مسألة جديرة بإثارتها:
قد يغيبُ عن أذهان الناس أنّ للمرأة عورةً على المرأة، تتوهّم بعض النِّسْوة الجاهلات أنّ هذه امرأة مثلها. لا، فهناك عورةٌ للمرأة على المرأة، فإذا كان هناك تكشّف فقد ينشأ من هذا التكشّف شذوذ، وهو موجود، وسببه التكشّف بين النساء، فهذه نقطة قد تغيب عن أذهان معظم الأُسَر، وقد تلتقي امرأة مسلمةٍ بامرأة فاسقةٍ فاجرة شاردةٍ عن منهج الله، ماذا تفعل هذه المرأة الفاسقة ؟ تصفها للرجال، وكأنّهم يروْنها، فالمرأة التي تظهر محاسنها أمام امرأة بعيدة عن الدِّين وفاسقة، هذه أيضًا مشكلة.
عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

((لا تُباشِرِ المرأةُ المَرأةَ فَتَصِفُها لزَوْجِها كأنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا))
[ متفق عليه ]
فهذا أيضًا من مخالفات الشرع، وكذلك الخضوع بالقول، ولينُ الكلام مع الرّجال الأجانب وهذا حرامٌ ويكثر هذا عند الكلام بالهاتف، مما يؤدّي إلى مشكلات لا تنتهي، تعلّم الحق والصواب من القرآن، قال تعالى:

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) ﴾
[ سورة القصص ]
إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، نقطة وانتهى الكلام ! كلام لا يحتاج إلى جواب، وكيف أنّ سيّدنا موسى سأل وقال: ما خطبكما ؟ ما قال: هل من مشكلة فأُعينكم فيها؟ ولم يتوسع في الكلام، يجب أن تختار الكلمة الجادّة البليغة الموجزة، إذا خاطبْتَ المرأة الأجنبيّة، وهي بالتالي ينبغي أن تخاطبك خطابًا جادًّا موجزًا، أما الكلام الليّن كما يجري بالدوائر بين الموظّفين والموظّفات، وينتقل الموضوع إلى موضوعات غريبة جدًّا، ثمّ من خلال هذه الأحاديث تفتضح البيوت، وكذلك امرأة تحدّ على غير زوجها أحياناً، سنة أو ستّة أشهر !! عن عروة عن عائشة عن النَّبِيّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم قَالَ:

((لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث. إلا على زوج.))
أحيانًا يموت أخوها أو أبوها، تجدها سنة كاملة لابسة للأسود، هذه أيضًا من المخالفات الشرعيّة، فلها أن تحزن المرأة على غير زوجها ثلاثة أيّام فقط، أما الزوج فله حكم خاصّ.
أيها الإخوة المشكلة أنّ بيوت المسلمين ينبغي أن تنضبط، والإنسان حينما يضبط بيته تقرّ عينه، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾
[ سورة الفرقان ]
وبعد، فالمشكلة الكبرى هي: كيف أنّ الإسلام أصبح طقوساً ؟ كان منهجاً قويماً فأصبح صوماً وصلاة وحجاً فقط ! أما البيوت فَمُتَفَلِّتة، اختلاط، ولينٌ بالقول، وإطلاق بصر، وغيبة ونميمة، وعدم العمل بقواعد ستر العورة، وخروج على الإسلام خروجاً مذهلاً ومخيفاً.
أقمتُ دروسًا بِمُعدّل خمسة أشرطة عن العورات في الإسلام، موضوعات مهمّة جدًّا، وأنه لا بد من معرفة الأحكام، ولا يوجد بيت يتقيّد بهذه الأحكام، ثم تنشأ فيه مشكلة، وما من مشكلة تنشأ سواء من شذوذ من نحوه، أو تفلّت، أو انحراف إلا بسبب التساهل في كشف العورات، ثم التوسع في هذا الأمر والتمادي.
المرأة المؤمنة تعتزّ بدِينها، ولا تعتزّ بصرعات الأزياء، والمظاهر الفارغة، يهمّها أن تكون إنسانة كاملة لزوجها وأولادها، ما الذي يحدث ؟ لا يحل لها أن تعتني بِمَظهرها إلى درجة مُذهلة إلا أمام زوجها، وهو صاحب الحقّ الأوّل في أن يراها بأبهى زينة، لكنه لا يرى منها إلا ما يسوئه، أما الناس الآخرون، رجال أو نساء يروْن منها ما يسرّهم، أكرر: لكنّ زوجها لا يرى من امرأته إلا ما يسوئه، فهذه نصائح وعظات يجب أن تكون واضحة لدى كلّ البيوت.
طبعًا العمل الذي يفضي إلى معصية محرّم، فعملٌ فيه اختلاط، وتكشّف ولا يرضي الله عز وجل، وخلْوَة مع مدير، وغير ذلك من الأعمال التي تجانب الشرع هي سبب الفساد في الأرض.
هذا الدرس جمعتُ فيه بعض المخالفات التي يمكن أن تقع بها المرأة المقصّرة، ولكن كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته، الرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيّته، أما إذا كان هناك تساهل فإنّه يدفع الثّمن باهظاً.
الحمد لله على أنّ الله عز وجل قد أنعم علينا بِمَنهج قويم، والحقيقة لو أنّ إنسانًا سافر إلى بلاد بعيدة يجد العجب العجاب، ومشكلات لا تنتهي، والفسق والفجور على قارعة الطريق، وهذا كلّه من ضياع الناس، وذكرتُ في خطبة سابقة أنّ هناك ثمانية عشر حديثًا صحيحًا كلّها تحضّ على السكنى بالشام، أما الحديث المخيف، وقد ورد في البخاري،
((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم.))
معنى ذلك أنّ هذه المدينة الطيّبة آخر بلاد الأرض فسادًا فإذا فسدَت فالمشكلة كبيرة جدًّا، ونرجو ألا يتحقق هذا الحديث وألا يترجم إلى واقع.
قال لي أحدهم: ذهبتُ إلى فرنسا ببعثة، وأحببْت أن أتدرّب على التطبيق رأى شابّاً مهمومًا فسأله: قال له: بماذا تفكّر ؟ قال له: أُفكّر أن أقتل أبي ! فقال له: لماذا ؟ فقال: أحبّ فتاةً فأخذها منّي ! هذا مستوى تعامل الآباء مع الأبناء هناك، يروون قصّة نموذجيّة تمثّل واقع المجتمع الغربي، أنّ شابّاً في أمريكا أحبّ فتاةً فاستأذن أباه في الزواج منها، فقال له: لا يا بنيّ إنها أختك وأمّك لا تدري، فلمّا رأى فتاةً ثانية أعجبتهُ، وعرض على أبيه هذا الأمر، فقال له: لا يا بنيّ إنها أختك وأمّك لا تدري، فلمّا أعجبته فتاةٌ ثالثة واستأذن أباه مرّة ثالثة فقال له: لا يا بنيّ إنها أختك وأمّك لا تدري، فلمّا ضجِر الشابّ عرض الأمر على أُمّه، فقالت: خذ أيّهن شئْت فأنت لسْتَ ابنه وهو لا يدري !! هكذا حال الكفار.
مرّة استأذنني شخص وقال لي: أريد الإقامة بأمريكا، فقلتُ له: أنت إذا قمْت وشربت كأس ماء ورجعت هل قمت بعمل شيءٍ ما ؟ فقال: لا، وهل أحد ينتقدك ؟ قال: لا، فقلتُ له: والله الذي لا إله إلا هو الزنا هناك كشربة الماء، أقسمْتُ له وأنا موقن بما أقول، لأنني لمّا كنت بآخر سفرة أحد أفراد الجالية الإسلاميّة تزوّج فتاة أمريكيّة، قعد معها، ثمّ قالت له: عندي موعد، فقال: مع من ؟ فقالتْ: مع صديق، فقال لها: ولكن أنا زوجك، فقالت: كلّ شيء له اعتباره ‍‍!! فذهبتْ وتركته في البيت، وثاني يوم كانت مع صديق ثانٍ، وثالث يوم مع آخر، قالت له: واليوم الرابع لك ! ثمّ طلّقها، هو حدّثني بنفسه، فقال لي: بعد أن تزوج بمسلمة قال لها: الله يحفظك ليّ، لأنّك كلّك لي ! أخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة.))
لأنّه أوّلاً يتطبّع بطــِباعِهِم دون أن يشعر، عش معهم سنتين أو ثلاثاً تقتنع بآرائهم، ومناهجهم، وتُكبِرُ قِيَمَهم، وتنسى أمّتك ودينك، تجد الشيء غير المقبول مقبولاً، بِرَبِّكم في أي بلد إسلامي إذا وزير أقام مؤتمراً صحفياً، قال: أنا شاذّ جنسيًّا ! هل يبقى بالوزارة ؟! مستحيل، لكن ببريطانيا وزير الصحة الحالي، عقد مؤتمراً صحفياً، وقال: أنا شاذّ جنسيًّا !
ملكة بريطانيا التي ماتتْ بحادث عقدت مؤتمرًا صحفيًّا بثَّته إحدى عشرة محطّة فضائيّة، قالت: في يوم كذا زنَتْ بالإسطبل في الوقت الفلاني مع فلان، ومع آخر في يوم كذا، ولمّا ماتت مشى بجنازتها سبعة ملايين شخص، وبكى عليها الكثير من الوزراء.
لمّا اغْتُصِبت خمسة وثلاثون فتاة بالبوسنا ما بكى أحد لمصابهن، أما هذه المجنونة لمّا ماتت كلّهم بكوها ! هذا هو المجتمع الوحشي، بعيد عن القيم، فلمّا النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((إنكم ستجندون أجنادا، جندا بالشام ومصر والعراق واليمن. قلنا: فخر لنا يا رسول الله. قال: عليكم بالشام فإن الله قد تكفل لي بالشام))
[وأخرج البزار]
((إن فـسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام.))
[ رواه أبو داود]
((إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام ! ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.))
[أخرجه الحاكم]
فعليكم بالشام في آخر الزمن، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم.
أنا والله أيها الإخوة حريصٌ حرصًا كبيرًا على أن تظلل بيوتكم السعادة، والبيت المسلم فيه سعادة ولو كان متواضعاً، ولو كان بيتاً بالأُجرة، ولو كان أثاثه قليلاً جدًّا، ولو كان الإنفاق قليلاً، لأنّ أساس السعادة الاتّصال بالله عز وجل، فكلّ زوجين مؤمنين طاهرين مستقيمين، يعطيهما الله عز وجل الاطمئنان ويوفر لهما من السعادة التي لا يحلُم بها أهل الدنيا.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:25 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 034: الوقف
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-05-14
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة... بحثت لكم عن موضوعٍ لهذا الدرس ننتفع به جميعاً، فوفَّقني اللهُ أن يكون هذا الدرس عن الوقف، وثقوا أيها الإخوة أن في هذا الموضوع من الخير ما لا يصدق.
فما أساس هذا الوقف ؟ ما من إنسان في العالم الإسلامي إلا ويقول لك: وزارة الأوقاف، مديرية الأوقاف، الوقف الذَّري، الوقف الخيري، هذه كلمات من أين جاءت ؟
أصل الوقف أيها الإخوة ؛ أن سيدنا عمر رضي الله عنه، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: إن المائة سهمٍ التي بخيبر، لم أصب مالاً قط هو أعجب إلي منها ـ أي أن أنفس مال عندي هذه المائة سهمٍ التي بخيبر ـ وقد أردت أن أتصدق بها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:
(( احبس أصلها وسبِّل ثمرتها))
هذه رواية.
وفي رواية البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بثمرتها ))
الأصل موقوف إلى يوم القيامة للفقراء والمساكين، قال: فتصدق بها عمر، على ألا يباع هذا الوقف، ولا يوهب، ولا يوَرَّث، وتصدق بها على الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي ابن السبيل، وفي سبيل الله والضيف، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، وأن يطعم غير متموِّل ـ أي لا أن يتاجر بها ـ ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار وأشهدهم على ذلك، فاشتهر ذلك.
ومن ثَمَّ أقبل المهاجرون والأنصار على وقف بعض أموالهم، وفي ذلك قال جابر رضي الله عنه: لم أعلم أحداً من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من أمواله صدقةً مؤبَّدةً ـ على التأبيد ـ لا تشترى، ولا توهب، ولا تورَّث، وكان كثيرٌ من الواقفين يكتبون كتاب وقفهم مُصَرِّحين فيه بأنه: كان على سنة عمر بن الخطاب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ))
( مسند أحمد: عن " العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ " )
أيها الإخوة... سيدنا عثمان حبس بئر رومة على المسلمين، اشترى بئرًا غالية جداً، وأوقفها ليشرب منها المسلمون على التأبيد، بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتقل بذلك من السَلَف إلى الخَلَف جيلاً بعد جيل.
وثبت أيضاً أن كلاً من سيدنا أبي بكرٍ رضي الله عنه، وسيدنا علي بن أبي طالب، حبسا شيئاً من أموالهما، وتبعهم مَن أتى بعدهم حيث لم يخلُ عصرٌ من عصور المسلمين، إلا وحبس فيه أناسٌ شيئاً من أموالهم على جهاتٍ خيريةٍ على التأبيد.
أيا الإخوة... يجب أن نعلم علم اليقين أن العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، الإيمان حقيقة إيجابية وليست سلبية، حقيقة متحرِّكة وليست ساكنة، فما إن تستقر في النفس حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها، في صورة عملٍ صالحٍ، فإن لم يتحرَّك المؤمن هذه الحركة الطبيعية، فهذا الإيمان مزيَّف، بل ميت، لأن الإيمان ليس انكماشاً، ولا سلبيةً، ولا انزواءً، وليس مجرد نوايا طيبة لا تُجسد في حركةٍ أو عمل صالح.
إذاً الثمـــرة الأولى للإيمان، العمل الصالح، نضيف: علة وجودك في الأرض، العمل الصالح، المهمة التي أنيطت بك في الأرض، العمل الصالح، ثمن الجنة، العمل الصالح، والأدلة لا تعد ولا تحصى، والشيء الذي يندم عليه الإنسان عند موته هو العمل الصالح، والدليل:

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾
( سورة المؤمنون )
أنت مخلوقٌ للعمل الصالح، بل إن العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله..

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾
( سورة الكهف )
وبعد ؛ فإنّ الطَّموح يختار أعظم الأعمال، مليار مليار مليار مليار عمل صالح، ولكن الطَّموح عاليَ الهمة يختارُ أعلى هذه الأعمال، ما هي أعلى هذه الأعمال ؟ قالوا: كلما اتسعت رُقْعة العمل الصالح، أحياناً دعوتك بقرية، أحياناً بمدينة، أحياناً ببلد كبير، أحياناً ببلاد، أحياناً بقارات، كلما اتسعت رقعة العمل الصالح فشملت أعداداً كبيرةً من البشر، وكلما امتد أمد العمل الصالح، فمن الممكن لإنسان أنْ يؤلف كتابًا ويموت، وهذا الكتاب يتناقله جيلٌ بعد جيل إلى يوم القيامة، وينتفع به مسلمون كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكلما اتسعت رقعة العمل الصالح، وكلما امتد أمده، وتوارثت ثماره أجيالٌ وأجيال، وكلما تغلغل العمل الصالح في كيان الإنسان كله ؛ المادي، والنفسي، والاجتماعي، والروحي، حتى يتحقق به وجود الإنسان ورسالته في الحياة، كان العمل أعظم.
ابحـث عن عمل تكون رقعته واسعة، وأمده طويلاً، وتأثيره عميقًا، فمثلاً: يمكن أن تطعم فقيراً وجبةً، إنه فقير شارد جاهل مخالف للشرع، ورأيته جائعاً فأطعمته وجبة طعام، فممكن أن تطعمه وأن تدله على الله، وأن تُسَلِّكَهُ طريق الإيمان، فإذا بلغ الإيمان مُشاشة قلبه، ودخل إلى أعماق كيانه، فاستقام على أمر الله، واصطلح معه، وأقبل عليه، هذا العمل الصالح أعظم لأنه تغلغل في أعماق الإنسان.
ملايين الأعمال الصالحة تستثير همم المسلمين، واللهِ هناك جمعيات خيرية أنا أقدرها كثيراً، ولكن تنتهي مهمتها بأنها تطعم هذا البطن الجائع وانتهى الأمر، أطعمته ولكنه لم يستقم، ما صدق، ما اتصل بالله، ما عرف الله، إذًا فالعمل الصالح قيمته باتساع رقعته، وامتداد أمده، وعمق تأثيره.
إنّ قيمة العمل تزداد، كيف ؟ تزداد قيمة العمل إذا كَثُرَت المعوّقات في سبيله، هذا العمل دونه عقبة، وذاك العمل أمامه عقبة، وهذا العمل فيه مسؤولية، وذاك العمل متعب، وهذا العمل له مضاعفات، كلما كثرت المعوِّقات في سبيله، تزداد قيمته.
وكلما كثرت الصوارف عنه تزداد قيمته، فشخص معه مبلغ، بين أن ينشئَ به معهدًا شرعيًا، أو ميتًمًا، أو مستوصفًا، وبين أن يأخذ بيتًا بالمصيف ليتمتع فيه، فوجود بيت في المصيف هذا مصرف مغرٍ، فكلما كثرت العقبات وكثرت الصوارف ترتفع قيمة العمل الصالح، ولكن لا شك أنكم على اطلاع بأن هناك علماء توفّاهم الله عز وجل، ولازالت دعوتهم قائمة ومستمرة، وقد كنت في لبنان منذ أيام، واستمعت إلى أحاديث في الإذاعات لعلماء توفاهم الله عز وجل، هم تحت أطباق الثرى، والناس على امتدادهم ينتفعون بعلمهم.
إذاً أنت كإنسان، لابد من أن تغادر هذه الدنيا، ما هو أعظم عملٍ صالح على الإطلاق ؟ هو العمل المستمر بعد الموت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ـ والوقف من الصدقة الجارية ـ وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
( سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
محور درسنا اليوم الصدقة الجارية، أي العمل المستمر بعد وفاة الإنسان، هناك أعمال لا تعد ولا تحصى تنتهي عند الموت، لكن هناك أعمال ولو أنك غادرت الحياة الدنيا، فهي في صحيفتك إلى أبد الآبدين، فابحثوا عن عملٍ لا ينتهي مع الموت، ابحثوا عن عملٍ يستمر بعد الموت.
في حديث آخر للنبي عليه الصلاة والسلام، تضمن تفصيلات لهذه الثلاث قال:
(( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))
( سنن ابن ماجة: عن " أبي هريرة " )
ومن ثمَّ عقَّبتُ بكلمة: هنيئاً لمن كانوا تحت الثرى، والناس مهتدون بهديهم، سعداء بأعمالهم، لقد أصبحوا عظاماً، لكن الناس مهتدون بهديهم سعداء بأعمالهم، ولي كلمة كنت أقولها دائماً نقلتها عن بعض التابعين: " فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر "، كيف ؟ وما هو العمل الشرير الكبير؟ هذا الذي ألقى قنبلةً على هيروشيما، وقتل ثلاثمائة ألف إنسان في أربع ثوانٍ، مضى على العمل خمس وخمسون سنة، أغلب الظن لو أن القنبلة لم تلق وقتها، لماتوا الآن موتًا طبيعيًا، فهذا الشر انتهى، أما هذا الذي أمر بقتل هؤلاء، سيشقى إلى أبد الآبدين بهذا العمل، فصار فاعل الشر شرٌ من الشر.
لكن إنسانًا أسس مساجد، وشيَّد معاهد، وأقام دار أيتام، وبنى مستشفيات، هذه كلها أعمال طيبة، وهذه الأعمال تنتهي مهمتها يوم القيامة، انتهى نفعها، وأساساً انتهى التكليف كله، أما صاحبها فيسعد بهذه الأعمال إلى أبد الآبدين.
أيها الإخوة، أتمنى عليكم أن تبحثوا عن عملٍ صالح لا ينقطع بالموت، يستمر بعد الموت.
الحقيقة أن الوقف من الأعمال التي تستمر بعد الموت، وهو الصدقة الجارية، لكن قد يقول أحدكم: أنا لا مال عندي، وهذا الدرس ليس لي، وهذا الدرس للأغنياء الكبار، الذين بإمكانهم أن يوقفوا أراضيَ أو عقارات أو بيوتًا، ففي بعض الدول الإسلامية مشروع مساهمة بالوقف، يقبل مثلاً مائة ليرة سورية، حتى هناك أطفال في هذه الدولة الإسلامية لهم صدقاتٌ جارية على سبيل الوقف، مشروع خيري، أصدروا أسهمًا، السهم بمائة ليرة، فصار حتى الإنسان صاحب الدخل المحدود، حتى الطفل إذا معه مئة ليرة، جَمَّعها في العيد، يمكن أن يسهم في صدقةٍ جاريةٍ تنفعه بعد الموت، وهذا تشجيع.
وأيضاً استمعت إلى اقتراحات حول استغلال أموال الأوقاف في حل مشكلات المجتمع، شيء لا يصدَّق، من الممكن للوقف وحده أن يحل مئات المشكلات في المجتمعات الإسلامية، سأوافيكم بمَثلٍ من هذه الطموحات إن صح التعبير، مِن هذه الطموحات التي يمكن أن تكون توظيفاً حديثاً للوقف، وقد ذكرت في الخطبة أن الإسلام ليس فيه تحديث، مثلا يقال لك: تحديث القوانين، أي أن القوانين السابقة لا تصلح، فلابد من تعديلها، هذا الشيء ينطبق على القانون، لأن واضع القانون بشر، وهذا الإنسان واضع القانون إما أنّ علمه محدود، أو هو مقيَّد بظروف معينة، فعندما انتهت هذه الظروف فليس هناك معنى لهذا القانون، ونحن الآن في تطوير والحمد لله، هناك قوانين كثيرة تطورت، فممكن أن تقول: تحديث قانون، لأن القانون أصبح غير صالح الآن.
فمثلاً: إذا أساء الإنسان للاقتصاد بثلاثين ألفًا، يواجه محكمة اقتصادية، وقد يواجه حكماً بعشرين سنة سجنا، لكن هذا القانون صدر قبل عشر سنوات، وإنَّ ثلاثين ألفًا الآن ليس لها قيمة، رفعوها إلى ثلاثمائة ألف، عدَّلوه، أي حدَّثوه، فالتحديث للقوانين وارد، أما التحديث للدين فغير وارد، لأن هذا الدين دين الله، ولأن هذا الدين من عند الله، والله عز وجل مطلق، أي كلامه حق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنبي عليه الصلاة والسلام معصوم، معصوم عصمة تجعله لا يخطئ ؛ لا في إقراره، ولا في كلامه، ولا في عمله، إذاً الدين لا يحدَّث، ولكن الدين تطبَّق قواعده الثابتة على حالاتٍ جديدة.
شيء آخر: الدين لا يجدد، لأنه جديد، وإذا أجزنا أن نقول: تجديد الدين، وقد ورد هذا في الحديث الصحيح:
((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لِهذِِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ دِيِنهَا))
( زيادة في الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
فالتجديد بالضبط لا يعني أن تضيف شيئاً، ولا أن تحذف شيئاً، بل يعني أن تنزع عن الدين ما علق به مما ليس منه، مِن خرافات، وشطحات، وهناك سلوك ما ورد عن النبي إطلاقاً، كالعادات التي بالموالد، فيها توسّلات، هذه كلها ما أنزل الله بها من سلطان، فالتجديد أن تنزع عن الدين ما علق به مما ليس منه.
هذه المئذنة التي في صحن هذا المسجد، كان لونها قريباً إلى السواد قبل عشر سنوات، فاخترعت أجهزة تضربها بالرمل، تعيد الحجر إلى لونه الطبيعي، تعيد الحجر الذي تراكمت عليه الغازات والغبار، وغاز أكسيد الفحم، فأصبح لونُ الحجر أسودَ، فحينما تنزع عنه هذا اللون الهجين الذي ليس منه هذا هو التجديد.
فالدين لا يحَدَّث ولا يجدَّد، إن أصررنا على تحديثه فيعني أن نُطبق قواعده الثابتة على حالاتٍ متجددة، أو أن نزيل عنه ما علق به مما ليس منه.
الحقيقة أعظم إيجابية في الوقف أنه يحوِّل قابض الزكاة إلى دافعٍ لها، يحوِّل المستهلك إلى منتج، يحوِّل الذي تحمله إلى إنسانٍ فيحمله معك، كنت تحمله فإذا هو يحمل معك، فالوقف من أهدافه الكبيرة: أن الإنسان هو غاية كل الشرائع، من حيث العنايةُ به، وتوفيرُ حاجاته، وراحته النفسية، وحاجاته المادية فوق كل شيء.
مثلاً ؛ يقولون بالتعبير السياسي: لا كيان بلا أرض، فلو قسنا على هذا التعبير: لا زواج بلا بيت، فكما أنه لا كيان بلا أرض، لا زواج بلا بيت، فإنسان دخله محدود يمكنه أن يأكل طعامً خشنًا، وهو أسعد الناس به، يمكن أن يقتني أثاثًا بسيطًا، ويسعده هذا الأثاث البسيط، ولكن أين يسكن ؟ أين يقيم هذا الزواج؟ لا بد من بيت، لكن صار متاحًا أمام أغنياء المسلمين أن يعملوا عملاً لم يسبقوا إليه، لو أنهم وقفوا بعض أموالهم على إنشاء بيوت، بيوت متواضعة، فهناك بيت تبلغ مساحته الستين متراً، بإمكانك أن تستخدمه خمس سنوات، فإذا أقيمت بيوت صغيرة في أطراف المدينة، وأنشئت وحدات سكنية عالية فهذه تؤوي أُسرًا ناشئة كثيرة، ويتيسّر أمر زواج الشباب والشابات، ويعفُّون.
والآن، إن شاء الله، والأمل كبير جداً، أن يعدَّل قانون الإيجار، أنا رؤيتي أنه إذا عُدِّل هذا القانون تعديلاً جذريًا، فأصبح العقد شريعة المتعاقدين، وكل إنسان عنده بيت، يتمكن من تأجيره إلى الوقت الذي يريد، وبالأجر الذي يريد، ولا يحتاج استرداده لا إلى دعوى، ولا إلى محكمة، ولا إلى تنفيذ، فما دام سجل في المخفر، فيمكن لشرطيٌ بسيط أن يخرج المستأجر من البيت، ونرجو إن شاء الله أنْ يصدر هذا التعديل للقانون في القريب العاجل، معنى ذلك أنك قد تجد أربعمائة ألف بيت في دمشق معروضة للإيجار.
الشباب حاليًا عندهم معنى الزواج أن يتموكّن من شراء بيت، وهذا فوق طاقة الشباب، ولكن إن شاء الله لو أن هذا الأمر تم، فالزواج يعني عند الشاب استئجار بيت، وإذا عُرِض أربعمائة ألف بيتٍ للإيجار فقد تهبط أسعار البيوت إلى النصف أو إلى الربع تقريباً، وقد طُبِّق مثل هذا القانون في بلد آخر، وكان أحد أقربائي هناك، وقال لي: أنا ساكن بفيلا، بالاسم الأجنبي لها، وهي بجدَّة، وأجرتها خمسة وثلاثين ألف ريال، فلما طبق هذا القانون، هبط سعر أجرتها إلى ثمانية آلاف ريال في السنة، من خمسة وثلاثين إلى ثمانية آلاف، فأنا متفائل أنه إذا عُدِّل هذا القانون فقد نجد بيوتاً في دمشق بألفين أو ثلاثة أو أربعة آلاف، وقد يتمكّن الشاب بنصف دخله أنْ يستأجر بيتًا، فصار سبيل الزواج ميسّرًا، والذي عنده بيت على الهيكل يكسوه ويؤجره، فهناك مئتا حرفة متعلِّقة بكسوة البيوت، وكلٌّ منها توفِّر عملا، فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يحقق هذا في القريب العاجل.
على كلٍ، لو فرضنا أنّ أناسًا وقفوا بعض أموالهم لإنشاء بيوت صغيرة، وذات كلفة منخفضة، ويُعْطى هذا البيت بأجر رمزي لأي شاب وشابة متزوجين لخمس سنوات فقط، بعد خمس سنوات يدفع أجرة المثل، أي كم يساوي أجرة هذا البيت ؟ إما أن يخرج منه إلى بيتٍ آخر، أو أن يدفع أجرة المثل معناها فتحنا أبواب الزواج على مصاريعها، فكلما اتسعت أبواب النكاح، ضاقت أبواب السفاح، وكلما كثرت بيوت المتزوجين قلَّت بيوت الدعارة، و..

(( إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير ))
( الجامع لأحكام القرآن )
هذا اقتراح، أن توظَّف بعض أموال الأغنياء في إنشاء بيوتٍ لسُكْنى الشباب أصحاب الدخل المحدود، هذا عمل، فأنت عوِّد نفسك، فلا تعط إنسانًا صدقة يستهلكها في أيام، ويبقى يمدّ يده، لا، بل أغنِه، والعلماء قالوا: الزكاة ينبغي أن تُغني، أن تُغنيه عامًا على مذهب، وطوال العمر على مذهب آخر، وليس معناها أنْ تعطيه كل شهر عشرين ألفًا، ضرب اثني عشر، فيبلغ مئتين وأربعين، ضرب ستين سنة، هذا شيء مضحك، لكن تعطيه أدوات حرفة، تفتح له محلاً صغيرًا، تشتري له ماكينة صوف مثلاً، تعطيه شاحنة صغيرة يبيع عليها، تعطيه أدوات حرفة، هكذا ينبغي أن تُصرف أموال الزكاة، في نقل الإنسان من قابض إلى دافع، من محمول إلى حامل، من سَلْبيٍّ إلى إيجابي.
أحد الأصدقاء ذات مرة عرّفني على شخص، وهو محسن كبير في بلد إسلامي، أسّس في بلده بناء من عشرة طوابق، سبعة طوابق منها لطلبة العلم، فيها معاهد ومكتبات، أما ثلاثة لتعليم طلبة العلم مهناً راقيةً، يكتسبون رزقهم من خلالها، هذا مشروع، هناك الآن حِرَف كثيرة مطلوبة، الكومبيوتر مطلوب، المحاسبة مطلوبة، لو أنّ إنسانًا أسس معهدًا مهنيًا، وقبل به الفقراء من الشباب، وعلَّمهم حرفة، وانطلقوا ليبحثوا عن عملٍ باختصاصهم، هذا أيضاً عمل يمكن أن تستخدم فيه أموال الوقف.
سمعت اليوم كلمة مفادها: تأجير العقارات صناعة الكسالى، إنسان كسول يشتري بيتًا ويؤجره، لم يفعل شيئًا، لم يقدِّم شيئًا، لكنْ هناك مِهَن، القاعدة الأساسية: لا تطعمني سمكةً، علمني كيف أصطاد السمك.
أحياناً طبيب أسنان يتخرج ولا يملك ثمن عيادة، لا يوجد حل، وهذه القضية عويصة جداً، أما لو أمَّنا له عيادة فقد أعنَّاه، ومن ثَمّ يعيننا، أو يتخرج مهندس زراعي، كله طاقة، وحيوية، شاب في أول حياته وليس معه رأسمال، وهناك إنسان آخر معه رأسمال، وليس لديه إمكانية لاستغلاله، ولا ليستثمره، انظر إلى هذين النموذجين، إنسان معه المال ويفتقر إلى اختصاص، وإنسان معه اختصاص يفتقر إلى المال، لو تعاون هذا مع هذا، لأنشآ منشأة نافعة، فيمكننا أن نوظف بعض الأموال لمثل هذه الأعمال.
لعل أحدكم يفهمني خطأ، ليس كلمة الوقف أن تسجله بالأوقاف، لا، أنا لم أقصد هذا أبداً، فاسمع الآن ما يقال: نحن قبل عشر سنوات كان أخ من إخواننا الكرام رئيس جمعية خيرية، وهو محسن توفاه الله عز وجل، قدَّم لنا بيتًا بأحد أرقى أحياء دمشق، وهو بيت غالٍ جداً وواسع، فهذا البيت أسس كمركز تدريب مهني للفتيات، واستقدموا آلات خياطة، وخبيرات في فن الخياطة، وأقاموا دورات للفتيات، الدورة تقريباً ستة أشهر، يعلمون الفتاة أعلى فن للخياطة، الخياطة الحديثة، وبعد ذلك يعطونها ماكينة، ومعدات الخياطة للبيت، ثم يعطونها أقمشة وموديلات، تصنع من هذه الأقمشة ألبسة، يشترونها منها بسعر جيد، فهذه المرأة الفقيرة التي كانت متسولةً أصبحت خياطة في بيتها، وباعت نتاجها بسعر معتدل، وعاشت هي والذين حولها في بحبوحةٍ وكرامة، أرأيت إلى هذا المشروع ؟ أساسه بيت، ورجلٌ وقف هذا البيت ليكون مركز تدريبٍ مهنيٍ للفتيات الفقيرات، فأترك الذهن يتفتَّق عن مشروع ينفع المسلمين.
سمعت في بعض البلاد أن هناك صناديق عديدة، صندوق لرعاية المعاقين، صندوق للثقافة والفكر، صندوق وقفي، شاب عنده طاقات أدبية عالية جداً، أو عنده اتجاه علمي عالٍ، له مؤلف، لكن هذا المؤلَّف نشرُه يكلف مئتي ألف، أو يؤخذ منه بأبخس الأثمان، لو أنشئت دار نشر، فأُوقفت هذه الدار لتشجيع الشباب الملتزم على نشر إنتاجهم العلمي والأدبي والديني، بسعر معقول يشجِّعهم، ويعرض إنتاجهم للناس، ويباع الكتاب تقريباً بكلفته، فهذا صندوق لرعاية الثقافة والفكر.
وهناك صندوق وقفي للقرآن الكريم ؛ للعناية به، وتحفيظه، وقراءاته، وطبعه، وتوزيعه، وكذلك صندوق وقفي للتنمية العلمية، طالب متفوق، هذا قد يكون عالمًا كبيرًا ينفع الأمة، ولكن ليس معه ما ينفق على دراسته، فيختارون الأوائل في الجامعات والمدارس، ويرسلونهم ببعثات ليحصِّلوا أعلى العلوم، لينتفع المسلمون بعلمهم، فهذا أيضاً وقف.
إذًا هذه مجموعة أوقاف نعود لنذكِّر بها.
وقف للثقافة والفكر، وقف للقرآن الكريم، وقف للنشر، وقف للمعاقين، وقف للمحافظة على البيئة، نحن أمام التلوث المخيف، وقف للتوعية المروريَّة، وهناك وقف سمعت عنه اليوم لدفع الأطفال إلى المُطالعة، توزَّع إلى بيوتات المسلمين قصص للطلاب، فيها فكر هادف، فيها قيَم إسلامية، فالطفل يأخذ القصص يقرؤها، فيغدو محبًا للمطالعة، هذا وقف أيضاً، هناك وقف لتوزيع الأشرطة والمحاضرات الدينية.
واللِه لقد أحصيتُ اليـــوم المجالات التي يمكن أن يستخدمها الوقف لنشر الثقافة، وفرص العمل، فوجدتها كثيرة، وهناك وقف سمعت عنه اليوم، لحل الخلافات الزوجية، فهناك خمسمئة وست وثمانون حالة طلاق عادت إلى المصالحة، عن طريق هذا الوقف، لأن فيه خبراء اجتماعيين، ورجال دين، ومن هذا المكتب يتقاضون رواتب ليحلوا مشكل الزواج، سمعت اليوم في هذا المؤتمر نماذج من توظيف الوقف لا تعد ولا تحصى.
هناك وقف صحي لإنشاء مستوصفات، عندنا والحمد لله عدة مراكز في دمشق ؛ مركز الأكرم، ومركز العثمان، ومركز التجارة بالمهاجرين، فحوص دقيقة، أحياناً إيكو، أحياناً مِرٍنان، لأن الصورة غالية، تحليلات، وتصوير أشعة، بثمن رخيص، فممكن بالصحة، ممكن بالتعليم، ممكن بالتوعية، ممكن بالعناية بالمساجد، بالعناية بالبيئة، بتربية الصغار، هذه الأموال حينما توقف لهذه المشاريع العملاقة، صارت صدقة جارية، لم يعد عملك منتهيًا بموتك، لا، لا، فالعمل مستمر.
عندنا كذلك مشكلة القرض، أكثر المحسنين يعزفون عن الإقراض، يقول لك: أطالبه ويطالبني، وألاحقه، وما معي ومعي، ولأنه لا يحب وجع الرأس فلا يقرض، فمن الممكن أن ينشأ صندوق للقرض الحسن، كأنْ يرصد مجموعة من المحسنين بعضاً من أموالهم للقرض فقط، ينشأ لهذا القرض صندوق، وهيئة إدارية تأخذ ضمانات من كل مقترض، رهينة ؛ بيته فرضاً، ورقة طابو، وتقرضه قرضاً حسناً يعينه، طبعاً الأعمال التي تكلمت عنها هي واقعة بشكل فردي محدود، نحن إذا أردناها أن تكون ذات نفع عام نعمِّمها.
حاليًا بدمشق مثلاً عندنا صندوق العافية، هذا أجرى أربعة آلاف عملية، بتسعين مليون ليرة، ومُحسن كريم قدَّم لهذا الصندوق مستشفى مبنى بأكمله، مؤلَّفا من ستة طوابق، ليكون مستشفى لهذا الصندوق، هذا العمل لا ينتهي مع موت صاحبه، هذا على مر الزمان، فكل إنسان دخل هذا المستشفى، وشفي من خلال طبابته وعملياته ومعالجاته، في صحيفة مَن وقف هذا المستشفى.
سمعت عن صندوق آخر، ما كنت أعلم به، هو صندوق المعاقين عندنا في دمشق، المعاق يعطى مبلغ مئتي ألف، كي تكون نواة لرأسمال يعمل به، فهو إنسان يحتاج مثلاً إلى مركبة ذات دفع رباعي، مثلما كتبوا في الإعلان عن السرعة: فإذا أسرع الواحد أكثر من اللزوم تتبدل مركبته من دفع ثنائي إلى دفع رباعي، تسير على أربع عجلات، أي يدفعونه دفعاً، فأحياناً ممكن بوقف من الأوقاف أن تقام أعمال لا تتهي خيريِّتها.
أيضاً سمعت عن صندوق آخر، وهذا قد سمعتم به، وهو صندوق المودة والرحمة لتزويج الشباب، وهو الآن في بداياته، فعندما يفكر المسلمون هذا التفكير ؛ صندوق للزواج، صندوق للصحة، صندوق للوفاق الزوجي، صندوق لتأهيل الشباب الفقراء بمهن راقية، صندوق للقرض الحسن، صندوق لإنشاء البيوت، فهذا يعني أن المسلمين في خير.
شخص ذهب إلى بلد غربي، فوجد على الطريق أدمغة تباع استغرب، معقول !! هذه قصة رمزية، فسأل: كم ثمن هذا الدماغ، دماغ من بلد متقدم ؟ قالوا له: بدولارين، كم ثمن هذا الدماغ ؟ ثلاثة دولارات، دماغ فرنسي، وهذا أربع دولارات، دماغ إنجليزي...إلخ، فرأى أخيرًا دماغًا من هذه الدول النامية ثمنه ألف دولار، وهذا الشخص من هذه الدول، فشعر باعتزاز، قال له: لماذا هذا غالٍ ؟ لأنه لم يشتغل بعد.
عندما يشتغل دماغنا بشكل صحيح، يحبنا الله، وينصرنا الله عز وجل، الدنيا تستقيم بالعدل والكفر، ولا تستقيم بالإيمان والظلم، عندما نعاون بعضنا، نترابط، نتكاتف، نتناصر، نهتم بالفقير، نهتم بالشباب، عندئذٍ لعل الله يرحمنا.
أيها الإخوة... السلف الصالح، جزاهم الله خيراً، كانوا مولعين بالعمل الصالح، فمثلاً: هناك وقف للإناء المكسور، فأيُّ شاب بمحل تجاري، أو بمعمل، أو ابن في بيت والأب ظالم، وانكسر معه إناء، يقدِّم قطعة من الإناء المكسور ويأخذ إناء جديدًا، فقد حُلَّت المشكلة، اسمه وقف الإناء المكسور.
وهناك وقف اسمه: وقف النساء الغاضبات، واحدة لها حماة ظالمة أخرجتها مطرودة من البيت، أين تذهب في حالات كهذه ؟ هذا الوقف يؤويها، وينفق عليها، حتى يلتئم الصدع، وكذلك وقف للحيوانات السائمة، مركز المدينة، مرجة الحشيش، هذا وقف للدواب المريضة، فهي أرض اقتطعت، وأوقفت لوجه الله، كل حيوان مريض يأكل وينام، يرتاح، اسمها مرجة الحشيش، تقول: أنا نازل إلى المرجة، أي إلى مكان وقف للحيوانات السائمة، واللهِ سمعت عن أنواع من الوقف لا تصدق، كلها بنيَّة العمل الصالح.
فمن الممكن لكل إنسان أن يبحث عن عمل لا ينتهي بموته، ممكن لطفل صغير، إذا أعلن عن مشروع خيري وصدر به أسهم، وجاء طفل فاشترى سهما بمئة ليرة، فهذا الطفل الذي عمره خمس سنوات، صار له صدقة جارية إلى أبد الآبدين، فنحن من الممكن لنا أن نعمل أعمالاً صالحة كبيرة، وكما تعلمون الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وكلما كان إيمانُ الإنسان أقوى، كلما تفتق ذهنه عن أعمال صالحة لم تخطر على بال.
سمعت عن بعض الصالحين، كان يتجول بالليل، فإذا رأى شخصًا من الفلاحين جاء بعنب، ولم يُبَع معه، فيشتري العنب منه، فييسر له أموره، ويعود إلى بيته وقد باع بضاعته، وقد يكون عنبًا رديئَا، لكنه يصنع منه خلاً، فقد حلَّ مشكلة هذا الإنسان، اشترى بضاعته، ويسر له أموره، وعاد إلى منزله، فكلما كان الإنسان إيمانه قويًا، يتفتق ذهنه عن عمل لا يخطر على بال، وأنواع الوقف لا تعد ولا تحصى، وليس لها حد أكبر.
كلمة (وقف) للناس موقف منـه، فليس شرطًا أنْ تسجله بشكل رسمي، ممكن أن توقفه أنت لوجه الله من دون أن تسجله، فأحياناً يوقف الإنسانُ مبلغًا للدين، بعض إخواننا خصّص مبلغًا للدين والإقراض يتداول، وهذا ليس له علاقة بالصدقة والزكاة، خصّص مبلغًا معينًا فرضاً مئتي ألف، هذا إنسان طرق بابه يقترض عشرة آلاف أو خمسة آلاف، أو خمسين ألفًا، من إخواننا المؤمنين، الصادقين، المستقيمين، الأوفياء، عندهم ذمة وعهد، فيدينه له، فإذا أرجعه، أعطاه لغيره، فهذا وقف، وليس شرطًا أنْ تسجله، أنت تخاف أنْ تسجله رسميا، والحقيقة هناك ضعفُ ثقةٍ بين الإنسان والجهات الرسمية، أنا لا أقول لك سَجِّله، ولكن أنت أوقف هذا الشيء إلى جهة خيرية مثلاً تديره وتشرف على شؤونه.
فأحياناً شخص يوقف مكتبته، شخص قال لي: عندي كتب، قلت له: ضعها بمكتبة الجامع، كل إنسان قرأ بهذا الكتاب يستفيد، لو أهديتها لإنسان قد يقرؤها وقد لا يقرؤها، أما إذا صارت في المكتبة العامة فإنها تُقرأ، أناسٌ كثيرون يقدمون مكتباتهم الخاصة لمكتبات عامة أو لمساجد، أحياناً إنسان يقدِّم جهازًا، فرضاً كومبيوتر لطلبة العلم، فكل مَن تعلَّم على هذا الجهاز في صحيفة مَن قدَّمه له، فالملاحظ أنّ بعض الأغنياء المحسنين أفقهم ضيق، فهو يعطي متسوِّلا مثلا، أما أن يساهم في تنشئة جيل مؤمن، ويهيِّئ الأسباب لتربية جيل، فهو بعيد عن هذا الجو، يجب أن يعطي فقيرًا، ليطعمه فقط، والفرق واضح بين أن تطعمه وبين أن تهديه، وأن تعرِّفه بالله، وتيسِّر له عملاً يرتزق منه، فهذه أشياء تحتاج إلى فهم أعمق.
فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب، فأنا أقول: كل واحد منكم يجب أن يكون له عمل لا ينتهي مع موته، بل يبقى إلى أبد الآبدين، فإذا دعا الإنسان إلى الله فهذه صدقة جارية، لا تكلفك شيئًا، فإن لم يكن معك مال، ودعوتَ إلى الله وكنتَ سبباً في هداية الخلق، فهذا وقف كذلك، أوقفت علمك، فهذه امرأة عمران ماذا وقفت ؟

﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
( سورة آل عمران: من آية " 35 " )
لا تملك شيئًا، لكنها تملك هذا الجنين الذي في بطنها..

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾
( سورة آل عمران: من آية " 35 " )
فكانت السيدة مريم، ومن السيدة مريم سيدنا المسيح، سيدنا عيسى، فالأم قد توقف، والإنسان أحياناً يوقف اختصاصه، لديه اختصاص أدب إنجليزي أوقفه للحق، فترجم كتبًا ونشرها، والبلاد الغربية بحاجة ماسَّة لكتب مترجمة صحيحة، وهذا الموضوع قد أوسعته وأشبعته شرحًا بشكل وافٍ، ولو أنّ كل واحد منكم حتى الصغير أوقف شيئًا يستمر ثوابه بعد وفاته، فهذا أوقف علمه، هذا أوقف اختصاصه، هذا أوقف حرفته، هذا أوقف بيته، هذا عنده اختصاص معين، والمسلمون بحاجة له، فأوقفه للمسجد لعمَّ الخيرُ الناسَ، فمعنى الوقف أنك حبست الأصل وسبلت الثمرة، أصل الشيء موقوف ولكن منفعته مستمرة إلى يوم القيامة.
فأردت أن يكون هذا الدرس في المجال الذي نعيش فيه هذه الأيام، فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بهذا البحث الفقهي القَيِّم الذي نحن في أمس الحاجة إليه، وبيَّنت لكم كيف أن كيف هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى تحل بهذه الطريقة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:27 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 035: خطورة مبادئ مؤتمر السكان والتنمية على المسلمين .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-09-24
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ اخترت لكم موضوعاً في هذا الدرس المبارك تشتد الحاجة إليه، ذلك أن أكثر البلاد في العالم سوف تسير مسيرات تدعو إلى مناقضة التمييز ضد المرأة، وهذه حلقة من حلقات العولمة العالمية.
العولمة تعني أن يفرض علينا نحن المسلمين نماذج، وأساليب وأنظمة من قبل الأقوياء في غرب أوربا وأمريكا، والحقيقة أنّ سبب هذا كون دول العالم الثالث ولاسيما المسلمين بالذات يتكاثرون، وأن ثمانين بالمئة من ثروات العالم بيد عشرين بالمئة من هؤلاء الأقوياء، هم يعيشون في بحبــوحة يصعب تصورها، الحاجات الثانوية متوافرة عندهم لأقل الأفراد رتبة اجتماعية ودخلاً، والحاجات الأساسية جداً جداً جداً غير متوافرة لمن يعمل ليلاً ونهاراً في دول العالم الثالث، فهناك عشرون بالمئة من سكان العالم يملكون ثمانين بالمئة من ثروات العالم، لكن حينما يزداد عدد سكان العالم الثالث، وهي قوة كبيرة، هذه مقلقة، فابتدعوا مؤتمرًا سمَّوْهُ مؤتمر السكان والتنمية، أقول هذا الكلام لأن الذي سمح الله له أن يتكلم في أمور الدين عليه واجب كبير؛ هو واجب التبيين لئلا يقع المرء ضحية الجهل، أو ضحية التضليل العالمي، فنحن كدول نامية إسلامية يزداد السكان عندنا ازدياداً كبيراً، ولا شك أن القوة البشرية قوة لها وزنها في المعادلات الكبيرة، فلذلك ابتدعوا مؤتمرًا سمَّوْهُ مؤتمر السكان والتنمية، عقد المؤتمر الأول في القاهرة، ولأن القاهرة بلد إسلامي لقي إخفاقاً كبيراً، ذلك أن علماء المسلمين شمروا وفندوا بنود هذا المؤتمر تفنيداً رائعاً.
سمعت مرةً من أحد علماء الأزهر، الشيخ الراحل رحمه الله تعالى "جاد الحق" عاتبه رئيس الوزراء في مصر، وقال له: إنك تتكلم كثيراً عن هذا المؤتمر ؟! قال له: أترضى أن يعقد في قاهرة الأزهر مؤتمر يبيح السحاق واللواط بشكل رسمي، أترضى أن يعقد في قاهرة الأزهر مؤتمر يبيح الممارسات الجنسية بين الأولاد، إناثاً وذكوراً، في بيت الأسرة وتحت سمع آبائهم وأمهاتهم وبصرهم ؟! أترضى أن يُعرف الزواج على أنه عقد بين شخصين لا بين رجل وامرأة ؟! ذكر له بنود هذا المؤتمر فأنكر رئيس الوزارة إنكاراً شديداً، فقال له: أنا أدافع عنك وعن دينك، والحقيقة أنّ المؤتمر في القاهرة لقي إخفاقاً ذريعاً.
عقد مؤتمر آخر في بكين في الصين، أنا أقول هذا الكلام لأن حاليًا ثمَّة حملة إعلامية عالمية تروِّج لهذه البنود، وأخبركم أن كل بلد لا ينصاع لهذه البنود سوف يعاقب، وسوف يتلقى ضغوطاً عالية ؛ اقتصاديةً واجتماعية، وأن كل بلد سيوافق على هذه البنود سيلقى مساعدات عاليةً، على كلٍ المشكلة أنهم يريدوننا أن نكون أسواقاً لهم، هم يزدادون غنًى وثراءً، ونحن نزداد فقراً، هذه حقيقة مرة، يعني أنا لا أريد أن أذكر كل البنود، لكن أنا أطمئنكم أن مؤتمر بكين مؤتمر السكان والتنمية الثاني في بكين أصدر توصيات، مندوبنا ولله الحمد لم يجرؤ على أنْ يوافق على هذه التوصيات، جاءت التوصيات إلى بلدنا بعد حين كي نقرها، كلفت لجنة من أكثر من عشرين عضوًا يمثلون كل الوزارات، وكنت والحمد لله مندوب وزارة الأوقاف، رُفِضت هذه التوصيات بالإجماع على اختلاف اتجاهــــات المندوبين الأعضاء، ومشاربهم، ونزعاتهم، وانتماءاتهم، وهذا من فضل الله علينا، ونحن ما زلنا والحمد لله على الأقل على مستوى الورق والقوانين والأنظمة في نعمة كبيرة، أما الشيء المخيف أن العالم القوي، العالم الغربي يريد أن يعمم انحطاطه وتفكك الأسرة فيه على كل العالم بقوة السلاح، فلذلك من أجل ألاّ تتأثروا بحملة إعلامية شديدة سوف تروج في إذاعات العالم، وفي المحطات الفضائية، فينبغي أن تعلموا علم اليقين أن مؤتمر السكان يستهدف المسلمين بالدرجة الأولى.
من بنود هذا المؤتمر:
أولاً المؤتمر يقرر فصل الزواج عن الإنجاب وعن الجنس، الجنس موضوع، والإنجاب موضوع، والزواج موضوع، ولا علاقة بين هذه الموضوعات الثلاثة إطلاقاً، فيمكن في ظل هذه الأنظمة والقوانين التي وفدت إلينا، والتي لا نرضاها،والحمد لله لم تقر عندنا وهذه بشارة، لكني أغار على بقية العالم الإسلامي.
ومن ضمن هذه البنود أن الزواج عقد بين شخصين، قد يكون عقداً بين رجلين، أو بين امرأتين، أو زواجاً تقليدياً عفناً في نظرهم بين رجل وامرأة.
هذه أول حقيقة، يعني اللواط والسحاق الذي يعاقب عليه الدين بالقتل صار مباحاً، صار مقبولاً، صار شيئاً طبيعياً، قد يستخار صاحبه به، والحقيقة في بلاد الغرب هكذا، يعني أنّ الشاذ مقبول، ويرفع رأسه وله علامة بأذنه، وقد تفاجأ أن الشاذ قد يكون مدير شركة، وقد يكون حاكم ولاية، وقد يكون قاضياً، وقد يكون في بريطانيا وزيراً، في مؤتمر صحفي عُقد في بريطانيا صرح وزير الصحة البريطاني الحالي أنه شاذ، ولم يستحِ بهذا، ولم يخجل، وكأنه شيء طبيعي، أريد أن أضعكم مع الحقائق المذهلة التي يعيشها العالم المنحل، والعالم الغربي عالم منحل حقًّا.
إذاً: الزواج هو عقد بين شخصين، هذه أول حقيقة، نحن ماذا معنا، معنا وحي السماء، معنا منهج الله، معنا منهج الذي خلقنا، معنا منهج الحكيم الخبير، معنا منهج العليم، معنا منهج الذي خلقنا ليسعدنا في جنة عرضها السماوات والأرض، منهج ربنا هو الزواج، هو عقد من أقدس العقود في الأرض.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)﴾
( سورة النساء: 21)
عقد الزواج أقدس عقد على الإطلاق، أما بمنظار العولمة ومؤتمر السكان والتنمية، عقد الزواج عقد بين شخصين، بين رجلين، أو بين امرأتين، أو بين رجل وامرأة، وهذا هو العقد التقليدي ويشار إليه بازدراء، المؤمن لا يأخذ بما يقال، ولا يُخدع به، وإنّ أخطر وسيلة في الحياة حاليًا الإعلام، لأنها تغسل الأدمغة، وتغسل العقول، ومع الإدمان على سماع ما يمليه الغرب علينا في إذاعاته وصحفه وفضائياته قد نتأثر، رُغم أن المسلمين معهم وحي السماء، معهم منهج العليم الحكيم، وقال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر: 14)
هناك حملة كما قلت قبل قليل عالمية لترويج هذه البنود المتعلقة بالزواج والجنس والإنجاب.
أيها الأخوة الكرام:
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
( سورة النساء: 71 )
وقد ورد أنه ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، فأول بند وهو من أبشع البنود أن الزواج عقد بين شخصين، يعني يجب أن يقبل أي مجتمع في العالم الثالث، ولاسيما المجتمعات الإسلامية، أن تقبل في أنظمتها الرسمية والاجتماعية والقيمية أن هناك زواجاً بين شخصين فقط وليكونا بعد ذلك ما يكونان.
البند الثاني: فصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، الإنجاب شيء، والزواج شيء، والجنس شيء، هم يدعون في سبيل توفير المواد الغذائية لسكان الأرض إلى تأخير سن الزواج، إلى سن الأربعين، أو الثلاثين، طيب ماذا يفعل الشاب قبل سن الزواج، له أن يمارس الجنس في بيت أبيــه وأمه وعلى مرأى منهما، ومع من يحب، وينبغي ألا يعترض أحد عليه، لا على مستوى القوانين، ولا على مستوى القيم الاجتماعية، هذا كله موثق، موثق ببنود، لكن صيغت بذكاء خبيث، صيغت صياغةً ربما فهمها السذَّج أنها لصالح المجتمعات، كيف نفصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، يمكن أن تنجب ممن لا تحب، ويمكن أن تمارس الجنس مع من تحب، ويمكن أن تتزوج في النهاية زواج مصلحة ممن تريد.
من هذه البنـــود قالوا: يجب أن تزيل البلدان العوائق القانونية والتنظيمية والاجتماعية، التي تعترض سبيل توفير المعلومات، والرعاية الصحية، والجنسية، والتناسلية، للمراهقين، كما يجب أن تضمن ألا تحد مواقف مقدمي الرعاية الصحية من حصول المراهقين على الخدمات والمعلومات التي يحتاجونها، وفي إنجاز ذلك لا بد للخدمات المقدمة إليهم أن تضمن حقوقهم في الخصوصية والسرية والموافقة الواعية والاحترام.
هل هناك شيء أخطر من هذا ؟! تصور الأسرة الفلانية أب وأم وأولاد في بيت طاهر، في بيت فيه قيم، فيه علم، فيه محبة، وفيه وفاء للوالدين وبرُّهما، هذا النموذج الذي نراه في بيوت المسلمين نموذج مذهل في رقيه وسموه، وكما قلت: إنّ العولمة تعني أن تعمَّم نماذج الحياة في أوربا وأمريكا على العالم كله، فإنسان منحط الأخلاق لا يكتفي أن يكون هو منحط الأخلاق بل، يجب أن يعمم انحطاطه على كل الناس، إنسان جاهل يجب أن يعمم جهله على كل الناس، هذه واحدة.
الشيء الثاني:
شرعية الإجهاض، فما دام هناك اتصال غير شرعي بين المراهقين والمراهقات، في بيوت الآباء والأمهات، ويجب أن يحميهم القانون، وأن تحميهم النظم الاجتماعية، ما دام هناك اتصال فلا بدّ أن يكون هناك حمل، ومع الحمل لا بد من إجهاض آمن، يعني ليس إجهاضًا سِريًّا، بل إجهاض بالمستشفيات الحكومية، إجهاض تحــت سمع الناس وبصرهم، إجهاض عن طريق اختصاصيين، هناك دعوة إلى الإجهاض الآمن، هذا بند ثالث.
البند الأول: عقد زواج بين شخصين.
البند الثاني: فصل الزواج عن الجنس، وعن الإنجاب.
البند الثالث: حرية الإجهاض الآمن.
لأن هناك إجماعًا على مشروعية العلاقات الفاحشة بين الشباب، في بيوت الآباء والأمهات، وبحماية القانون والنظم الاجتماعية والأعراف المستجدة، إذاً لا بد من حمل، والحمل يحتاج إلى إجهاض آمن، هذه رابعة، ولا بد من وقاية من حالات الحمل غير المرغوب فيها، والإجهاض في الشرائع السماوية جريمة قتل، يعاقب عليها الدين، والذي يجهض امرأته من دون عذر صحي بالغ يجب أن يدفع ديةً، لأنه قتل نفساً بغير نفس، وبغير حق.
لذلك الفقرة الثامنة من هذا المؤتمر اللعين ؛ مؤتمر السكان والتنمية تطالب بوضوح بإجراء تغييرات تشريعية، يعني مناطها معالجة ما يسمى بالإجهاض غير الآمن، وهذه الدعوة أو المطالبة ليست موجهة إلــى الحكومات وحسب، بل موجهة إلى الهيئات والمنظمات غير الحكومية على اعتبار أن الإجهاض غير الآمن شاغل رئيسي من شواغل الصحة، والممارسات الجنسية التي تقع خارج نطاق العلاقات الشرعية بين الرجال والنساء أمر تشجع عليه هذه الوثيقة، وتروج له، وطبعاً هذا شيء خطير، يعني لا تتصور كم هي نقية وطاهرة حياة المسلمين، كم هي مقدسة علاقة الآباء بالأبناء، كم هو رائع نظام الأسرة الإسلامي، والله رغم تخلفنا، رغم تقصيرنا في ديننا، فإنّ تشريعنا شيء لا يصدق، امش في الشارع وتجاوز مئة بيت، فكم حالة خيانة زوجية قد تجدها ؟ بنسبة واحد بالمئة، أو اثنين، كلها بيوت محترمة، ومنضبطة، أب وأم وأولاد، همُّ الأب الأول أن يزوج أولاده، وأن ينشئهم تنشئة دينية صالحة، وهمُّ الأم كذلك، فالذي تراه من عناية الآباء والأمهات في بلادنا لتربية أبنائهم التربية الدينة شيء لا يصدق، وأولئك ماذا يريدون ؟ يريدونها غابةَ الخنازير، علاقات إباحية من دون قيد أو شرط، بين الشباب والشابات، وبين الكبار والصغار، من دون قيد، لا قانون، ولا تشريع، والزواج حر، كل النساء مباحات لكل الرجال، هذه الوثيقة، لماذا وقِّتَ هذا الدرس الآن بالذات، هناك حملة إعلامية عالمية، وسوف تسير مسيرات في كل أنحاء العالم من أجل هذه البنود التي ينبغي أن تعلموا أبعادها وخطورتها، أؤكد لكم مرةً ثانية أنّ هذا البلد الطيب بفضل الله ورحمته، وبفضل الله وبحفظه من قبل الله عز وجل لم يُقِرَّ واحداً من هذه البنود، ولم يشارك في هذه المسيرات فيما أعلم وأرجو.
ومن هذه البنود: زواج الجنس الواحد، والمعاشرة من دون زواج، وإليكم هذه الطرفة التي تروى: أن إنسانًا دخل في السلك الخارجي، فأخذوا يعطونه دروساً في أصول العلاقات الاجتماعية، لو كنت في حفل مثلاً وجلست إلى جانبك امرأة فبادرْ واسألها: هل أنت متزوجة ؟ تقول لك: نعم، كم ولد عندك ؟... إلخ، فهذا جلس في حفل سأل امرأة: أمتزوجة أنت ؟ فقالت لا، قال لها: كم ولد عندك ؟ هذه كانت طرفة، أما الآن فليست طرفة حسب القوانين التي يريدها الغرب الخبيث، الذي كان طرفةً يروى كطرفة، لكن هذا لا يروى الآن كطرفة، كحقيقة بحسب هذه البنود، أما عندنا في ديننا العظيم الزواج، والجنس، والإنجاب واحد، في علاقة طاهرة، علاقة واضحة، علاقة شرعية، علاقة أبدية.
الإمام الأوزاعي يرى أن كل زواج ليس على التأبيد هو زنى على التأبيد.
أما أن تكون علاقات جنسية، وزواج، وإنجاب، وكل واحد منها موضوع منفصل عن الآخر، فهذا والعياذ بالله من أخطر ما يكون.
أيها الإخوة الكرام ؛ إنّهم يدَّعون أن الكمَّ البشري عبء، فبلد كمصر فيها ستون مليونًا، هذه الأفواه الجائعة عبء على اقتصاد الأمة، وعلى زراعتها، وعلى ريِّها، وعلى مائها، الجواب ليس كذلك، مثلاً اليابان ليس عندها شيء من المواد الأولية، ولا شيء من ذلك إطلاقاً، وهي من أغنى دول العالم، أجمل ما قرأتُ تعليقٌ أنَّ الكمَّ البشريَّ يكون عبئًا، ويكون ورقةً رابحة، يكون عبئًا إذا بقي جاهلاً وقيدت حركته، أما إذا تعلم وتحرك حركةً حرةً يصبح في ميزان الأرباح، الآن لا تجد معملاً إلا كان بحاجة إلى طاقة بشرية، الإنسان هو أهم شيء في الإنتاج، لكن المطلوب إنسان متعلم، وإنسان حر، أما إذا أبقيناه جاهلاً، وقيدناه، يصبح فمًا يأكل، وإذا لم يتوفر له طعام يسرق، بحاجة إلى شريك، فإن لم يجد بالنطاق الشرعي شريكًا انحرف، لأنه عبء، كائن جاهل مقيد، هو عبء، يريد أن يأكل وأن يقترن بشريكة حياة، إذا لم يكن هذا ميسرًا له بشكل مشروع يبحث عنه بشكل غير مشروع.
فكلما سمعتم عن مؤتمرات السكان يجب أن تعلموا هذه الحقائق أعيدها مرةً أخرى للتذكير، عقد الزواج بين شخصين فقط ذكريين، أو انثيين، أو ذكر وأنثى، وفصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، وحرية الإجهاض، وشيوع النساء لكل الرجال كمجتمع إباحي، فنحن ومعنا وحي السماء، ومعنا منهج فيه تفصيلٌ دقيق في شؤون الزواج والإنجاب، والنفقة والإرضاع وما إلى ذلك، أيعقل أن ندع ما معنا من الوحي لنكون رقمًا من أرقام المجتمعات الغربية، نحن عندهم أرقام، ولسنا أشخاص، فلابد من وعي إيماني، لا بد من وعي تشريعي، لا بد من معرفة قيمة منهج الله عز وجل، نحن نعيش بصحة أسرية جيدة مع ما فيها من أخطاء، وعلى ما فيها من تقصير، وهي في الحقيقة شيء نادر جداً في الحياة الغربية.
ذكرت لكم أن طبيباً من أطباء الأسنان في لوس أنجلوس حدثني هذه القصة، قال عندي مريضة، معها فطور في لثتها، وعجزتُ عن معالجة هذه الفطور، فلما ضيقتُ عليها الخناق، أعلمَتني أنها تعاشر كلباً، فهم يتناقصون لأنهم عزفوا عن الإنجاب، واكتفوا بالكلاب، ومن باب الحقيقة المُرَّة أن الكلاب في هذه البلاد تتمتع بحقوق لا يتمتع بها الإنسان في العالم الثالث، هناك كلاب تُجرَى لأحدها عملية زرع شريان في قلبه، عملية قلب مفتوح لكلب، عملية زرع مفصل، تُكلف عشرة آلاف دولار، طبيب نفساني لكلب معه كآبة، للكلاب مقابر من أجمل الأماكن، مقابر كلها خضراء وورود، وعدد كلاب فرنسا هل تصدقون ؛ ثلاثون مليون كلب ! الكلب له هوية، وله قيد نفوس، وإنسان حكم عليه خمسة وعشرين سنة سجنًا لأنه قتل كلبًا، هناك تفاصيل عن كلاب لا تصدق، ومع ذلك عزفوا عن الإنجاب، وكان بديلهم الكلاب، المسلمون ينجبون ويزدادون، فرأوا في هذه الزيادة خطرًا عليهم، فابتدعوا هذا المؤتمر وسمَّوْه مؤتمر السكان والتنمية، موجه بالدرجة الأولى ضد المسلمين، من أجل أن يبقوا فقراء، وأن يضعف توالدهم، وتأخير الزواج لسن الأربعين، إرواء الميل الجنسي من دون زواج، تلاعب بالعقول والفهوم، هذا كل ما يدعو إليه هذا المؤتمر.
أيها الإخوة الكرام ؛ ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلَّمه، أنا أتمنى أن يكون المؤمن كالصخر، معه الحق، ومعه وحي السماء، وهذا الذي نسمعه من إذاعات الأجانب هو كلام باطل، وأنا أقول بشكل دقيق: الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذا الإنسان صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، إنها الكتاب والسنة، فانطلاقاً من حبنا لذواتنا ينبغي أن نتبع هذه التعليمات.
أيها الإخوة الكرام ؛ روي أن سيدنا خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ في خلافته، يذكر له أنه وجد رجلاً في بعض نواحي العرب يُنكح كما تُنكح المرأة، وأن أبا بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ جمع الناسَ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألهم عن ذلك، فكان أشدهم يومئذٍ قولاً علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، إذْ قال: إن هذا ذنب لم تَعصِ به أمةٌ من الأمم إلا أمةً واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله على أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى سيدنا خالد أن يحرقه بالنار.
لأن هذا العمل خلاف الفطرة، لا خلاف الحكم الشرعي فحسب، بل خلاف الفطرة أيضا.
وشيء آخر في هذه الوثائق أن هذه الوثائق استبعدت كل التشريعات والجوانب الأخلاقية والدينية من كافة برامج التنمية، فكل شيء له علاقة بالدين، وعلاقة بالقيم الاجتماعية مستبعَدٌ من بنود هذه الوثائق، هذه هي الناحية الثانية.
الناحية الثالثة: أن الدول التي تخالف هذا تتعرض لضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية لاعتبارها دول خارجة عن الإجماع العالمي، وأن هناك مساعداتٍ مالية كبيرة، ومساعداتٍ فنية وقروضاً تعطى للدول التي تنفذ هذه التعليمات، وإذا سمعتم كلمة عولمة، فهذه العولمة تعني تعميمَ السلوك الإباحي، وسلوك تفكيك الأسرة ليس (تفكك الأسرة) ، بل تفكيك في تفكك، المقصود تفكيك الأسرة، وهذا هو الذي يعمّم على العالم كله، لكن من باب الطرفة مرة قلت في كلمة ألقيتها أن هذه العولمة على وزن حَيْوَنَة، هذا هو وزنها، العودة إلى سلوك الحيوان، الخنزير لا يستحيي، فيقارب أنثاه أمام بقية الخنازير، فهذا عودة بالإنسان الراقي الذي كرمه الله وشرفه إلى مستوى الحيوان، لا همَّ له إلا بطنه وفرجه.
ذكرت لكم أهم بنود هذه الوثيقة، وفيها بند آخر أنه فرضت سياسة تحديد النسل في ثلاث عشرة دولة من دول العالم الثالث، تسعون بالمئة من هذه الدول إسلامية، يعني القوة البشرية، الكم البشري، قوة في ميزان الأرباح، على أن تُعَلَّم، وعلى أن تطلق يدها، الآن تجد هذه الصناعة نقلت من أمريكا إلى آسيا، لنقص اليد العاملة بأمريكا، يعني دائماً العنصر البشري أساس في الصناعة وفي الإنتاج.
وفي الوثيقة بند آخر: أن تزايد سكان العالم الثالث بعامة، والمسلمون بخاصة، أمر مقلق في تهديد المصالح الغربية، هم يتناقصون، ونحن نتزايد، وهذا مقلق لهم أشد القلق.
أنا أحب أن يكون المسلم واعياً، وألاّ يأخذ المسلم بما يقال له، هناك أخبار تلقى علينا من وسائل إعلام الغرب، مرت على خمسة خبراء نفسيين، من أجل أن تغسل أدمغتنا، وأن نقلدهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:‏
((لَوْ دَخلُوا فِي جُحْرِ ضّبٍّ، لَدَخَلْتُمْ فِيه‏.))
[‏رواه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
نقلدهم تقليداً أعمى.
أيها الإخوة الكرام ؛ ألخص هذا الدرس بهذه الآية:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
( سورة الإسراء: 73 )
نحن معنا وحي السماء، معنا منهج الله عز وجل، معنا الكتاب والسنة، معنا تعليمات الصانع، معنا تشريع الخالق، معنا دستور الإله الحكيم، معنا كتاب رب العالمين، معنا حبل الله المتين، هذا الذي معنا، معنا الشيء الذي لا يخطئ.

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾
( سورة فصلت: 42 )
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
هذا مؤتمر السكان والتنمية، كل ما فيه من بنود يخالف منهج الله عز وجل، وكملخص سريع: الزواج عقد بين شخصين، فصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، حرية الإجهاض، حرية ممارسة كل ألوان النشاط الجنسي خارج الشرعية، تأخير الزواج إلى الأربعين.

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾
﴿وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)﴾
( سورة الإسراء: 73)
وهناك إغراء بمساعدات تُقدّم، مساعدات مالية وفنية، وقروض طويلة الأجر.

﴿وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75) ﴾
( سورة الإسراء: 74ـ 75)
قال علماء التفسير: لقد ربى الله الأمة بعظيمها، ولعل أعظم فتنة على الإطلاق منذ أن بُعث النبي وحتى يوم القيامة أن نبحث عن شيء بديل للوحي، وحي السماء زواج بين رجل وامرأة على نية التأبيد، إنجاب أولاد صالحين، تربية الأولاد، جعل هذا الولد عنصراً طيباً في المجتمع، والأب يحمل رسالة، والأم تحمل رسالة، والعمل للآخرة لجنة عرضها السماوات والأرض، هذا وحي السماء، هم يريدون أشياء أخرى، لا علاقة لها بالآخرة إطلاقاً، وأي جانب ديني أو اجتماعــي، أو قيمي أو خلقي مُنَحّى عن هذه البنود، فإذا سمعتم في الأخبار العالمية بعد الآن مؤتمر السكان والتنمية، إذا سمعتم العولمة يعني حيونة، فانتبهوا لها، إذا سمعتم أن هناك من يعمم خبرات العالم المتقدم الراقي على الدول النامية فافهموا أن العالم الراقي هو العالم المنحل الساقط، إنّ دول العالم النامية عندها بقية من دين، بقية من خلق، بقية من حياء، بقية من خجل، واللهِ بناتُ المسلمين عندهم حياء يفوق مليون ضعف عما عند فتيات الغرب من حياء، على ما نحن عليه من تخلف، ومن ضعف ومن تفكك، نحن بخير كبير إذا ما وازنا أنفسنا مع هؤلاء، فهذا الدرس قد تستغربه قلّةٌ ما، لكن واللهِ أردته أن يكون توعية لكم، فإياكم أن تُؤخذوا بما يقال في الإذاعات العالمية، ونحن والفضل لله عز وجل حتى الآن بخير، وأرجو الله أن يستمر رفضنا لقانون العولمة، ولن تُقرّ هذه البنود عندنا إطلاقاً، ولن نوافق عليها إطلاقاً بإجماع منقطع النظير، ولا زلنا نحن على الورق في التشريعات الشخصية التشريعات الاجتماعية، ولا زلنا وفق الكتاب والسنة، وهذا من فضل الله علينا.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:32 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 036: الصلاة على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-10-08
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة:
موضوع الدرس اليوم الصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بادئة ذي بدء حينما يوجد في كتاب الله، الذي أنزله الله على نبيه والذي تعبدنا بقراءته وفهمه وتدبره والعمل به، حينما تشغل الصلاة على النبي بضعة آيات في كتاب الله، فهذا أمرٌ كبيرٌ جداً، يعني لمجرد أن يذكر هذا في كتاب الله، كتاب الله فيه كليات، والنبي عليه الصلاة والسلام بين من هذه الكليات كل التفاصيل والجزئيات، فحينما يكون الموضوع في كلام الله فهو خطيرٌ جداً، الله جل جلاله يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾
( سورة الأحزاب: 56 )
أنا مضطر أن أقول كلمة باللغة الدارجة، هناك مسلمون كثيرون جداً جداً لا يقبضون هذا الكلام، الله عز وجل يقول لك:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾
الحقيقة الأمر أكبر بكثير من أن يكون كلمات نرددها، بل ألفنا تردادها، بل إن هذه الكلمات كأنها فرغت من مضمونها، فإذا إنسان أشتد غضبه صلِ على النبي، وهذا الكلام لا يعينه شيئاً، أما أن يأتمر المؤمن بأمر الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾
فهذا أمرٌ يحتاج إلى بحثٍ طويل، قبل أن نمضي في الحديث عن فوائد الصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا بد من ذكر حقيقة خطيرة، وهي:
أن المبادئ مهما تكن عظيمةً، لا تعيش إلا بالمثل العليا، مبادئ بلا أشخاص لا قيمة لها، مفهوم الأمانة، يمكن أن تستمع إلى محاضرة رائعة جداً في الحديث عن الأمانة، وعن أبعادها، وعن دقائقها، وعن حدودها، وعن فضائلها، وعن أخطارها، أما حينما تجد إنساناً أميناً تُشدَهْ تؤخذ.
قصة، سمعت سائق سيارة وجد مبلغ بضعة عشر مليون في محفظة، ظل يبحث عن صاحبها عشرين يوم، يحوم حول المكان الذي ركب منه صاحبها، إلى أن عثر عليه، وقدمها له، لكن 18 مليون يحلوا مليون مشكلة، يشتري بيت فخم، وسيارة فخمة، بتاجر فيهن، فهذا السائق، قد تكون قلامة ظفر هذا السائق أفضل عند الله من مئة ألف إنسان لأنه بحث عن صاحب هذا المبلغ، فأنت لا تعجب بالمفهوم النظري للأمانة هكذا أمانة مجردة، مفهوم نظري، كلام، قراءة، معلومات، كتب، أما حينما ترى إنساناً أميناً، لكن صاحب المال ماذا فعل ؟ أخذه فوراً إلى سوق السيارات واشترى له سيارةً جديدة، مباشرة قال عليه الصلاة والسلام:

((‏إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل))
[ رواه الخطيب عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏، وابن عساكر عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها، تصحيح السيوطي: حسن‏ ]
ففرق كبيرٌ جداً بين أن تتعرف إلى مفهوم الأمانة وبين أن ترى بعينك إنساناً أميناً، ما الذي فعله النبي في أصحابه، لأنهم رأوا قرآناً يمشي، تواضع إلى أعلى درجة، إنصاف إلى أعلى درجة، صدق إلى أعلى درجة.

((كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقة وأمانته وعفافه.))
[ ‏رواه أحمد ‏عن أم سلمة ابنة أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم‏ ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق وقد صرح بالسماع‏ ]
هذا النبي الكريم، أنا قناعتي الآن الإسلام الآن لا ينهض بالأفكار المجردة، ولا بالكتب وحدها، الإسلام ينهض بشخص مسلم، صادق أمين، عفيف، متواضع، ورع، مبدئي، يركل مبلغاً ضخماً بقدمه إذا كان فيه شبهة، لا تأخذ بالله لومة لائم، يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول في عنده صدق اعتقادي، لا يقول إلا ما يعتقد، ولا يفعل إلا ما يقول نحن بحاجة ماسة أيها الأخوة إلى مسلم متحرك، لسنا بحاجة إلى كتاب يقرأ، ولا إلى شريط يسمع، نحن بحاجة إلى إنسان أمامك، مسلم والغرب والشرق والعالم كله لا يمكن أن يقنع بالإسلام من خلال الكتب والمحاضرات، يقول لك ائتوني بمجتمع مسلم، وقد طبق الإسلام، وقطف ثماره، حتى نصدقكم، هذه المشكلة، والأزمنة الآن أزمنة تطبيق، والله كل مسلم عنده من المعلومات، ما لو طبق واحد بالألف منها لكان صدّيقاً فالمعلومات غزيرة جداً، أما التطبيق قليل جداً.
إذاً حينما تجد في كتاب الله آيةً تدعوك إلى أن تصلي على النبي فينبغي أن تأخذ هذه الآية منك مأخذاً كبيراً، يعني وجود المثل الأعلى ضروري جداً، بعضهم يقول: ما مهمة النبي عليه الصلاة والسلام ؟ مهمة النبي مهمتان: واحدة كبيرة، والثانية كبيرة جداً جداً جداً، الكبيرة الإبلاغ.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
( سورة المائدة: 67 )
مهمة النبي التبليغ، ولكن أي إنسان ذكي، وعنده ذاكرة قوية وعنده نصوص قوية، وطليق اللسان، يسموه بعلم النفس متحدث لبق يجذب الأخريين، هذا يبلغ، لكن المهمة الكبرى للنبي عليه الصلاة والسلام أنه قدوة.
فلذلك هناك من يعتقد وأنا من هؤلاء أن معرفة سنة النبي القولية فرض عين، ذلك أن الشيء قد يكون فرضاً لأنه سبب لفرضٍ كالوضوء الوضوء فرض، لأن الصلاة لا تتم إلا بالوضوء، لأن الصلاة فرضٌ هذا الفرض العظيم لا يتم إلا بالوضوء، فما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، إذاً حينما قال الله عز وجل:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
( سورة الحشر: 7 )
من لوازم تطبيق هذا الأمر أن تعرف ماذا آتاك الرسول، وعن أي شيءٍ نهاك، هذه واحدة، وحينما قال الله عز وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾
( سورة الأحزاب: 21 )
كيف يكون النبي أسوة لك حسنة إن لم تعرف سيرته، إذاً شهادة الإسلام، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، هذه شهادة التوحيد، وأشهد أن محمد رسول الله، يعني هذا المنهج واقعي، والدليل أن إنساناً طبقه بأكمله وقطف كل ثماره، وأن هذا الكمال الذي ينظره الله من بني البشر، هو كمال في مقدورهم، ومن إمكانهم، لذلك النبي هو هذا الإنسان المثل الأعلى في الكمال.
أنا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، هو أن كل واحد منا في ذهنه شخص كبير، إخوانا التجار، يكون تاجر متوسط، يعرف تاجرين ثلاثة، أرباحهم بالملايين المملينة، مكاتبهم فخمة كثير، اسمهم طيب دائماً هذا التاجر الكبير بذهن التاجر الصغير، مثل أعلى له، إنسان بالجامعة، معيد في الجامعة، في له أستاذ قديم، وله مكانة علمية مرموقة وبحر بالعلم، وأخلاق عالية، فهذا الأستاذ الجامعي بذهنه أستاذه الكبير فالغني بذهنه إنسان أغنى، والقوي بذهنه إنسان أقوى، لذلك قال بعض الأدباء لا بد من شخصية نكونها، وشخصية نتمنى أن نكونها، وشخصية نكره أن نكونها، بحياتك في ثلاث شخصيات، واحدة أنت، والثانية تتمنى أن تكونها، والثالثة تكره أن تكونها، يعني أنت لك واقع وتعجب بإنسان وتحتقر إنسان، أنا قناعتي أن الشخصية التي يجب أن تكون في مخيلة كل مؤمن هو رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا قاعدة أساسية، المؤمن قدوته رسول الله، يقول لك مثلاً قطاع رأس القط من ليلة العرس، هذه آية أما حديث هي، هذا كرم فارغ هذا النبي قال:

((‏ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيما ))
[ رواه بن عساكر عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏، تصحيح السيوطي: صحيح‏ ]
قال:

((‏لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات.))
[رواه أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقاة ]
ما قال لك اضرب كفين بليلة العرس، هذا كلام الجهلة، كلام الذين تربوا على غير منهج الله عز وجل، فأنت دائماً راجع معلوماتك في عندك قواعد، قد تكون قاعدة لواحد منحرف، قد تكون مثل ساقط، من أخذ أمي عمي، شو هذه القاعدة هي، منافق منعاها، حط رأس بين الروس وقول يا قطاع الروس، شو هذا الكلام، إذا الناس هلكة أهلك معهم، إذا انحرفوا أنحرف معهم، راجعوا كل حساباتكم، راجع كل الأقوال التي تعتقد أنها صحيحها، قد تكون غير صحيحها، قد تكون مناقضة للدين، امشي بجنازة ولا تمشي بزواجه، ما هذا، كلام فارغ أفضل شفاعة أن تشفع بين أثنين في نكاح، أفضل شفاعة، حتى بالأثر ورد من مشى بتزوج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة قام ليلها وصام نهارها، هذا كلام مقبول، فراجعوا هناك ركام من أقوال العوام، لا تقف، ولا تثبت، وليست صحيحة، ولا أصل لها، أفكار جاهلية، أفكار شيطانية، أفكار عهود الظلام، عهود القهر، عهود الخوف، عهود النفاق، يجب أن تراجع حساباتك، أنت كمؤمن بطولتك ألا تعتقد إلا بما جاء في الكتاب والسنة، كلام خالق الأكوان، وكلام سيد الأنام، في عندك مقياس، أي كلمة، أي قصة أي حركة تسمعها، في عندك ميزان، هذا الميزان تبني عليه هذا الكلام.
المقدمة اليوم، طبعاً الموضوع عن الصلاة على رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا أنه هذا الأمر عند عوام المسلمين ما له معنى، فرغ من مضمونه، أما هذا الأمر عند كبار المؤمنين له معنى كبير، يعني دور القدوة في حياة المؤمن، كيف إذا دخل النبي بيته، كيف يعامل أهله، كيف يعامل بناته، كيف يعامل أولاده، كيف يعامل جيرانه، كيف يعامل أصحابه، كيف كان متواضعاً، كيف كان رحيماً، كيف كان إذا كان في البيت كواحد من أهل البيت، كان يصغي الإناء للهرة، ويحلب شاته ويخصف نعله، ويرثو ثوبه، وكان في مهنة أهله، كيف كان حليم وكيف كان يخاف الله عز وجل، أرسل غلام بحاجة، عاد متأخراً معه سواك اللهم صل عليه، قال له:

(( والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))
بس ما استخدمه خاف من الله، هذه رحمة النبي، كيف كان يعامل زوجته، يا رسول الله كيف حبك لي، قال لها كعقدة الحبل، شغلة ماكينة، تقول له من حين لآخر، كيف العقدة يا رسول الله، قال على حالها.
زواج الرجل أحد فصول حياته، فصل واحد، في فصل عمله في فصل دينه، في فصل إخوانه، في فصل جامعه، فصول كثيرة، أحد هذه الفصول زواجه، أما زواج المرأة كل فصولها، فإذا خاب أملها أو شعرت بالإحباط، دمرت، لذلك النبي الكريم علمنا أن نتكلم كلاماً يطمئن الزوجة كلام مطمئن، أتحبني ؟ نعم أحبك، هذا كلام لو فرضنا خلاف الواقع، ما في مانع مسموح به، وبالمقابل طبعاً حتى نكون نحن، لو أنه سألها الزوج لزوجته أتحبينني ؟ تقول له نعم، وهل لي أحد غيرك، مثلاً، وقد تكون خلاف ذلك، في هذا الموضوع بالذات لا ينبغي أن تكون صريحاً، لأنه في تدمير إنسان.
إذاً موضوع الصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تتجه لمعرفة هذا الإنسان الكامل، طيب الله عز وجل ندبنا إلى ذلك، قال:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾
( سورة المؤمنون: 69 )
يعني ينبغي أن نعرف رسولنا، بل هناك آية دقيقة جداً:

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
( سورة هود: 120 )
إذا كان قلب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه فلئن نستمع نحن لقصة النبي وإلى شمائل النبي وإلى صفات النبي هذا من باب أولى.
محور الدرس أن تسعى جاهداً لمعرفة هذا الإنسان لأنه سيد الأنام ولأنه المخلوق الأول، أول رتبةً، ولأنه المثل الأعلى، ولأنه القدوة الحسنة، ولأنه بشر، يرضى كما يرضى البشر، ويغض كما يغضب البشر، إياك أن تنزع عنه بشريته، إذا عندئذٍ ليس عظيماً، لو أنه ملك لا يكون قدوة لنا، لأنه يشتهي كما نشتهي، ويخاف مما نخاف، ويرجو ما نرجو، ويحب ما نحب، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، لأنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر وانتصر على نفسه، كان إذاً سيد البشر، هذا الشخص الذي أقسم الله بعمره.

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾
( سورة الحجر: 72)
لعمرك يا محمد، تلاقي واحد عايش ثمانين سنة، الأربعين الآخر من عمره طول الليل يلعب بالطاولة، شيش بيش، لمتى ؟ ماذا بها هذه ؟ في أعمار سخيفة جداً، في أعمار تافهة، في أشخاص ولا مليون شخص يساووا أف، المليون، شخص شهواني، أناني، يحب ذاته، ما في عنده هم يحمله، ما في مبدأ يعترضه، أبداً، إنسان يبحث عن لذته من أي جهة كانت، فرق كبير كبير بين أن يكون الإنسان إنساناً تافهاً أيام يكون الواحد رقم، رقم فقط، ما له معنى إطلاقاً، ما له أي تميز يعني كائن له فم مفتوح يجب أن يأكل، ويجب أن يتزوج، أو أن يزني فقط، له شهوتان شهوة البطن وشهوة الفرج، ولا يبحث عن شيء آخر.
مرة التقيت مع مندوب شركة من هولندا، ذكرت له كلمة عن الله عز وجل قال لي هذه الموضوعات لا تعنيني أبداً، ولا أهتم لها، ولا ألقي لها بالاً، يعنيني في حياتي أشياء ثلاث، امرأة جميلة، وبيت واسع ومركبة فارهة.

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾
( سورة الأنفال: 23)
﴿أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾
( سورة الأنعام: 124 )
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾
( سورة الكهف: 105)
الكافر سبحان الله مهما كان قوي، مهما تألق اسمه، نهايته وخيمة نهايته تافهة، إذاً العبرة من الصلاة على النبي أن تعرف هذا النبي، أن تعرف أخلاقه، أن تعرف شمائله، وأن يكون هو الشخصية الأولى في ذهنك، يعني إذا كان دخل لبيته والطعام لم يجهز بعد، يكسر الباب ؟! ويكسر البلور ؟! يشتم ؟! ماذا يفعل، النبي الكريم يصبر، قال مرة:
غضبت أمكم.
فأنت يكون قدوتك، إذا كنتم في سيران، النبي كان يرتاح ويقعد والناس يخدموه ؟
قال: وعليّ جمع الحطب، قال نكفيك ذلك قال:

(( أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.))
بكل موقف، ببيتك، بعملك، بارتداء ثيابك، بزينتك الظاهرة والباطنة، يجب أن يكون النبي قدوةً لك، هذه معنى الصلاة على النبي الحقيقية، أن تكون مشدوداً لهذا الإنسان العظيم، بالمناسبة لما الله عز وجل قال:

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
( سورة التوبة: 62 )
ضمير مفرد، قواعد اللغة ينبغي أن تكون الآية والله ورسوله أحق أن يرضوهما، اثنان لأنهم، لكن حينما قال الله عز وجل:
﴿ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
أن إرضاء الله عين إرضاء النبي، وإن إرضاء النبي عين إرضاء الله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كالبلور الصافي يشف لك عن حقيقة الله عز وجل، في أشخاص كالبلور المزخرف لا ترى ما وراءه ترى زخارفه، وأنا أقل لكم هذا المثل دقيق جداً العالم الصادق المخلص العامل المطبق ترى من خلاله حقيقة هذا الدين، وكمال سيد المرسلين هو لا يلفتك إلى شخصه، إلى أصول الدين، أما إنسان له مصالح معينة يلفتك إلى شخصه، ولا تشف شخصيته عن حقيقة تعتمل في داخله، الآن في عبارة مستخدمة الشفافية، الإنسان كل ما كان أكثر صفاءً كان أكثر شفافية، تشف شخصيته عن حقيقة هذا الدين فالنبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تحتل معرفته، ومعرفة شمائله، ومعرفة أخلاقه ومعرفة دعوته حيزاً كبيراً في شخصيتنا، والدليل:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
( سورة سبأ: 46 )
يجب أن نقوم مثنى وفرادى، وأن نتفكر في أخلاق هذا النبي وفي دعوته، وفي منهجه، هو المثل الأعلى، بأخلاقه، وسلوكه، وأقواله وصفاته، بعض العلماء أحصوا لفضائل الصلاة على النبي عدداً كبيراً جداً من هذه الفضائل، من هذه أنك إذا صليت على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلسانك وفي قلبك، بقلبك تعظيماً، وبلسانك ذكراً، قال أول فائدة أنها امتثالٌ لأمر الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾
امتثال لأمر الله، طبعاً صلاة الله عز وجل على نبيه صلاة تجلي وتكريم وتنوير، وصلاتنا على النبي صلاة اقتباس وتطهير.

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
( سورة التوبة: 103)
دقق في هذه الآية:

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾
يا محمد:

﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
وهناك أمثلة كثيرة جداً، أنت الآن مؤمن زر أخاً مؤمناً أقوى منك إيماناً، أقرب إلى الله منك، أكثر اعتصاماً بالكتاب والسنة، محباً لرسول الله، مطبقاً لسنته، وقافاً عند الحلال والحرام، زره في بيته كثير فرحت، شعرت براحة، هذا لأنه الأخ له صلة بالنبي الكريم، طيب لو أخذت أخ أكبر منه تشعر بسعادة أكبر.
كان الصحابي الجليل ربيعة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ يخدم النبي، انتهى الوقت، أذن العشاء وصلوا، قال له انصرف إلى بيتك، ينام على عتبة بيت النبي، من شدة محبته له، في قوة جذب.
في شخص الآن له صلة بالله محدودة بتلاقيه يجذبك بحديثه، بقلبه بمؤانسته، بحاله، يجذبك، فكيف سيد الخلق، الحقيقة الصحابة سحروا به طبعاً من باب المجاز، يعني أخذوا بكماله، أخذوا برحمته، أخذوا بتواضعه، يعني محور هذا الدرس يجب أن تكون مأخوذاً بكمال النبي أن يكون النبي في ذهنك، وفي مخيلتك، وفي كل حركة وسكنه تتحركها في الحياة.

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾
صلاة الله على النبي صلاة تجلٍ، وتنوير، ورحمة، وصلاة المؤمن على النبي صلاة اقتباس وتطهير وكلما كنت أقرب إلى النبي كنت أقرب كمالاً، أقرب إلى الكمال.
في بعض الأحاديث تؤكد أنك إذا قدمت في دعائك الصلاة على النبي كان هذا الدعاء أقرب إلى الإجابة، لذلك كل العلماء إذا دعوا يبدؤوا دعائهم بالصلاة على النبي، يعني إذا بدأت دعائك بالصلاة على النبي كان دعائك أقرب إلى الإجابة من ما لو لم تبدأ بالصلاة على النبي، وقد علمنا النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتي سيدنا محمداً الفضيلة والوسيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ورد في بعض الأحاديث أن النبي الكريم يقول:

(( سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة.))
[ رواه أحمد ومسلم وأبو داود و الترمذي والنسائي عن ابن عمر]
أيها الأخوة الكرام:
الناس أيام يلتقوا مع بعضهم، يتحدثوا عن الآلام يتعكروا، في أي مجلس حاول أن تتحدث عن سيد الأنام، يلاقي تعطر المجلس، شعرت براحة، شعرت بحيوية، شعرت بتفاؤل، بذكر الصالحين تتعطر المجالس بذكر محمد تحيى القلوب، يعني حاول بكل جلسة تتحدث بشيء عن رسول الله، عن أخلاقه، عن حلمه، عن تواضعه، عن محبته للخلق، عن رحمته بالحيوان.
رأى ناقة فلما رآها ذرفت عيناها فتقدم منها ومسح زفريها، وقال من صاحب هذه الناقة ؟ قالوا فلان قال ائتوني به، قال لصاحبها أما تخشى الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي إنك تجيعه وتدئبه.
مرة جزع النخلة التي كان يخطب عليها وحينما صنع أصحابه له منبراً حنت إليه، فكان يضع يده عليها إكراماً لها.
وكل ما كنت قريب من الله يصبح عندك شفافية عالية ترى كل ما في الكون تحبه ويحبك، بتلاقي العصفور، وهذه الحيوانات الأليفة تلاقي تحب أن تخدمها، وتطعمها، وتكرمها، وتعالجها، المؤمن صديق الكائنات كلها، متناغم مع كل خلق الله عز وجل.
العبرة من الدرس يا أخوان ليست كلمات يرددها الناس، اللهم صل عليه، لا، العبرة أن تعرف رسول الله، أن تعرف أن هذا الإنسان هو الإنسان الأول، هو الإنسان الذي عرف كيف يربح الحياة الدنيا، كيف أن الله أقسم بعمره، يعني إنسان عاش بالدعوة 23 سنة، ترك علم، يأتي واحد بعد 1500 عام يأخذ خمس ستة أحاديث يأخذ دكتوراه فيهن، طيب أين مقام النبي.

يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت لك العلماء.
***
أميته وسام شرف، لأن وعاءه مطهر من كل ثقافة أرضية.

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾
( سورة النجم: 5)
أميته وسام شرف، أما أميتنا وصمة عار، نحن ما عندنا وحي يعلمنا، فإذا ما تعلمنا عن طريق الكتابة والقراءة نغدو جهلاء، فأميته وحده وسام شرف له لأن الله طهر قلبه من أية ثقافة أرضية.
في شيء آخر:
الصلاة على النبي سبب لقرب العبد منه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرب منه، لأنه شفاف عليه الصلاة والسلام قرب حكمي من الله عز وجل، يعني إذا أحببت النبي فكأنك أحببت الله، وإذا اقتربت من النبي فكأنما اقتربت من الله عز وجل، إذا واحد لا يجد ما ينفق فصلى على النبي الكريم فصلاته تقوم مقام الصدقة بنص حديث رسول الله، الفقير إذا صلى على النبي صلاته تقوم مقام الصدقة، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبب لقضاء الحوائج، وهناك أمثلة كثيرة، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبب لصلاة الله على هذا المؤمن.

((من صل عليّ مرةً صلى الله عليه عشراً.))
والصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة للمصلي وطهارة له.

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة: 103 )
والصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبب للنجاة من أهوال يوم القيامة، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فحواها الحقيقي بمضمونها، ببيان عظمة النبي سبب لطيب المجالس، وطن نفسك، اقرأ كتاب السيرة، اقرأ سيرة النبي، اسمع أشرطة في شمائل النبي ثلاثين شريط، في موضوعات كثيرة عن الصحابة، طبعاً رسول الله يحتل المقام الأول في كل شريط عن الصحابة، تعلم من هذا الإنسان العظيم كيف أحب الله، وكيف ذكر الله، وكيف خشع لله، وكيف أخلص لله، وكيف كان مع الله وكيف كان نهاره في خدمة الخلق، وليله في مناجاة الحق، هكذا إذاً الصلاة على النبي سبب لطيب المجلس، لكن:

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً.))
[عن أبي داود، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنهما ]
والله أيها الأخوة أحياناً الموضوع بالدنيا، والأسعار، وغلاء الأسعار، وماء ما في، وجفاف، وأعداء عم يتحدوا، والناس يقتلون معه حجر واجه رصاص، وصاروخ، ومدفع، والإنسان إذا كان مقطوع عن الله وحش، وحوش، لا في رحمة، ولا في إنصاف، ولا في عدل وغطرسة، وكبرياء، يعني إذا كان الحديث كله بهذا الموضوع الإنسان يكاد لا يستطيع أن يقف على قدميه، يعني الصلاة على النبي، تذكر جهاده، وتذكر صبره.
النبي الكريم نزل بالطائف كذبوه، وسخروا منه، وضربوه بالحجارة، حتى التجأ إلى حائط، فقال:

((يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبة حتى ترضى.))
يعني سيرة النبي تعطيك طاقة كبيرة جداً في التحمل، الحياة كلها متاعب، فيها هموم، فيها قهر أحياناً، فلما قهر في الطائف كان مع الله يعني أروع ما قال النبي الكريم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، في القهر هكذا قال، وفي النصر في فتح مكة دخلها مطأطأ الرأس حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره من شدة تواضعه لله عز وجل.
‏ قال ما تظنون أني فاعل بكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم اذهبوا فأنتم الطلقاء.‏
الله امتحنه بالقهر فصبر، وامتحنه بالنصر فتواضع، وشكر امتحنه بالفقر، أعندكم شيء قالوا لا، قال فإني صائم، امتحنه بالغني لمن هذا الوادي قال لك، قال أتهزئ بي، قال لك والله، قال أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، امتحنه بأن أهل المدينة تكلموا في سمعة زوجته عائشة، وأنها زنت، والله أحدنا لا يحتملها صبر، صبر أربعين يوماً حتى برأها الله عز وجل، الامتحان صعب امتحنه بالخندق، أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، امتحنه.

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) ﴾
( سورة الأحزاب: 11)
يعني أنت لما تقرأ السيرة تلاقي النبي دخل بمضائق صعبة جداً يمكن ما ارتاح يوم، هذه طبيعة الحياة الدنيا، دار ابتلاء، دار صبر، دار جهاد، دار عمل، دار سعي، العوام يقولون سعي، تريد الدنيا سعياً هي سعي، والآخرة دار جزاء، ودار عطاء، ودار تكريم، ودار تشريف فالنبي عليه الصلاة والسلام تطلع إلى الآخرة، ولم يعبأ بالدنيا، قال:

((لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.))
[ أخرجه الترمذي والضياء عن سهل بن سعد]
تجد أنت أحياناً شخص قوي جداً، غني جداً، بثانية صار خبر صار بصندوق، بثانية واحدة.
إذاً: سبب لطيب المجلس، وألا يعود هذا المجلس حسرة على جالسيه يوم القيامة، وتنفي عن العبد صفة البخل يقول عليه الصلاة والسلام:

(( البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَليَّ.))
[أخرجه الترمذي رويناه في كتاب النسائي من رواية الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما ]
مرة صعد المنبر قال آمين ما فهم أصحابه شيئاً، صعد درجة ثانية قال آمين، صعد الثالثة قال آمين، فقالوا علامَ أمنت يا رسول الله قال:

(( جاءني جبريل فقال لي رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى، وجاءني في الثانية فقال رغم أنف عبد أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة ))
معنى بر الوالدين سببٌ كافٍ لدخول الجنة، ثم جاءه في الدرجة الثالثة فقال:

(( رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصلي عليك، فقال آمين.))
ثم إن الصلاة على النبي سبب لنيل رحمة الله عز وجل، يعني كلمة رحمة لما ربنا عز وجل يرد أن يكافئ إنسان يملأ قلبه رحمة تلاقي الإنسان كثير رحيم، متفائل، متوازن، يشعر بقيمته، يشعر أن هذه الدنيا ثمينة، هذه رحمة الله صعب شرحها بالتفصيل لكن آثارها واضحة جداً فمن صل على النبي كانت صلاته سبباً لنيل رحمة الله عز وجل.
الحب كما قال النبي الكريم:

(( إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم ))
لو قسنا الحب على ذلك، الحب بالتحبب، أنت إذا قرأت سيرة النبي، ورأيت تواضعه ورحمته، وكماله أحببته، فإذا قرأت كثيراً عنه عشت معه عشت معه تماماً، إنسان عايش في عام 2000 وحقيقته عايش مع بعثة النبي تصوراته، تخيلاته، طموحاته كلها نابعة من هذا العصر عصر الأبطال، إن الصلاة على النبي متضمنة لذكر الله عز وجل، يعني إذا الله عز وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾
( سورة الأحزاب: 41 )
من لوازم ذكر الله أن تذكر رسول الله، يعني جزء من ذكر الله أن تذكر النبي.
عود على بدء، أنت لا تفهم مبدأ من دون تطبيق لا تفهم مُثل من دون مَثل، لا تفهم كمال من دون إنسان كامل، فنحن نريد كمال واقعي يعني كمال متمثل بأشخاص هو سيد هؤلاء النبي عليه الصلاة والسلام فأنا أتمنى أنه إذا صليت على النبي ما تكون صلاة جوفاء، كصلاة عوام المسلمين، عينه على المرأة وعم يصلي على النبي، ما في التزام، ما في تناسب بين صلاته، وبين عمله، أما المؤمن إذا صلى على النبي كله طاعة لرسول الله، بل إن الله عز وجل لم يقبل دعوة محبته إلا بالدليل والدليل الصلاة على النبي وطاعة رسول الله.

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
( سورة آل عمران: 31 )
يعني أنا لا أنه أصدق مؤمن لم يطلع على سيرة النبي، لا أصدق مؤمن، هذا أعظم إنسان في حياتك، هذا قدوة لك، حركاته، وسكنتاه وغضبه، ورضاه، ووصله، وقطعه منهج لك، فينبغي أن تقرأ سيرة النبي، أو أن تستمع إليها، هو الحقيقة السيرة لها طريقتين إما أن تستمع أو تقرأ سيرة النبي متسلسلة زمنياً، أو أن تأخذها كوحدات عملية، عن طريق شمائله وكلى الطريقين ممتع، فأنت ينبغي أن تحرص على سماع سيرة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو أن تسمع شمائل النبي، أو أن تقرأ عن أصحاب رسول الله ففي سيرته وقصصهم تتمثل علاقتهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، فكلمة اللهم صل عليه يجب أن تكون ذات مضمون عميق جداً، ذات مضمون أن تعرفه، لما النبي قال عليه الصلاة والسلام:

((أدبوا أولادكم على ثلاث خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءة القرآن فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبياء الله وأصفيائه.))
[رواه أبو النصر عبد الكريم بن محمد الشيرازي في فوائده وابن النجار في تاريخه عن علي رضي الله عنه]
معقول تقول لابنك حب النبي يا بني، برضاي عليك حب رسول الله، ما معنى هذا الحديث أدبوا أولادكم على حب نبيكم، يعني بين لهم بكل لقاء، بكل سهرة شمائل النبي، أخلاق النبي، صفات النبي كرم النبي، عفو النبي، حب النبي، أدب النبي، تواضع النبي، حتى يحبوه، النفوس جبلت على حب الكامل، كل إنسان يحب الكمال والجمال.
طبعاً أنا ذكرت شيئاً قليلاً من فضائل الصلاة على النبي ذلك لأنها وردت في آية قرآنية:

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، فلما جاءا النبي عليه الصلاة والسلام، يا أخي أما أنتم فساعة وساعة، أما نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، لذلك المؤمن يحتاج إلى صحبة، ما بكفي يقرأ لوحده، يحتاج إلى من ينهض به إلى الله حاله ويدله على الله مقاله.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:38 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 037: حقوق الإنسان من منظور إسلامي .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-07-15
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام:
هناك كلمات نستمع إليها كثيراً، ولكن لجهل المسلمين بأصول دينهم وبحقيقة منهج ربهم يتعلقون بها، مع أنهم لو رجعوا إلى دينهم وعرفوا حقيقة منهج ربهم لوجدوا أنّ هذا الذي يتردد على ألسنة الناس ليس بشيء أمام الحق الذي منحه الله لهذا الإنسان، فكلمة حقوق الإنسان من كثرة استعمالها، ومن كثرة سوء استخدامها، ومن كثرة ما يُنادَى بها من قِبَل من ينتهكها، فقدت مدلولها، فنحن من خلال هذا الدين العظيم معنا مبادئ، هذا المبادئ تؤكد أعظم حقوق الإنسان، حق الحياة وحق الكرامة وحق العمل وحق المساواة وحق الحرية...
لكن المسلم ضعفت ثقافته بدينه، ضعفت معرفته بدينه، فتعلَّق بكلمات يستمع إليها من حين لآخر ويظنها برّاقة مع أنّ الذين ينادون بحقوق الإنسان، مع أنّ الذين يضغطون على الشعوب بدعوى حقوق الإنسان هم أول من ينتهك حقوق الإنسان، فحينما أراد الغرب أن يضغط على بعض البلاد الإسلامية ليكون فيه ديمقراطية، ثم نجحت الفئة الإسلامية، ألغى الديمقراطية ولا زال هذا البلد يعاني من حروب أهلية نرجو الله سبحانه وتعالى أن تنتهي على خير.
النقطة الأولى الدقيقة جداً أنّ هذه الحقوق لا يضعها البشر ولكنّ الله وحده خالق البشر هو الذي يضعها، أضرب لكم مثلاً بسيطاً ؛ المجتمعات الغربية حقوق الإنسان يُنادى بها، وأكثر القوانين تؤكدها، ولكن حينما تنتشر الدعارة، وتنتشر الإباحية، ويسقط الإنسان، وتُفكَك الأسر، وينهار المجتمع، وتفشو فيه الجريمة، كل هذا من خلال حقوق الإنسان، المرأة لها الحق أن تتعرى، وأن تظهر كما خلقها الله دون أن تُحاسَب، أليس في هذا التعري انتهاك لحقوق الإنسان ؟!!
هذا الشاب الذي بينه وبين الزواج عشرون عاماً، حينما تبرز المرأة أمامه بكل مفاتنها ماذا يفعل بنفسه ؟ إن لم يكن إيمانه قوياً، إن لم يكن له مشرب ديني متين، إن لم يكن خوفه من الله شديداً ماذا يفعل ؟ فتجد المجتمعات التي تؤكد حقوق الإنسان فيها أمراض خطيرة، أنا لا أنسى ما سمعته مرة أنّ أحد رؤساء الجمهوريات في أمريكا يقول أنّ المجتمع الأمريكي مهدد تهديدياً مباشراً من خلال خمس مشكلات ؛ الإنسان أحياناً يستبق الأمور ويفكر إلى أن يتابع الخبر فقد تصورت أنا أنّ التجمع الأوروبي يهدده أو اليابان تهدده ثم فوجئت أنّ هذا المجتمع مهدد من قِبَل تفكك الأسرة، وانهيار القيم، وشيوع المخدرات، وانتشار الجريمة، فأنت حينما تطلق إنساناً ليفعل ما يشاء يفتح ملهى، يفتح نادي ليلي، يفتح بيت دعارة بدعوى حقوق الإنسان، أنت دمرت شباب هذا الوطن، دمرت الإنسان.
الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم ولا أدري لماذا يحضرني هذا المثل، هناك غواصات ذريّة يمكن أن تجوب العالَم كله لمرات عديدة بكمية من اليورانيوم لا تزيد عن إثنين سنتمتراً مكعباً، اليورانيوم يعطي طاقة كبيرة جداً، هذه الكمية الصغيرة تُحرك غواصة عدة سنوات وتجوب بحار الدنيا، هذه الكمية من اليورانيوم لو فجرناها لدمرت كل شيء، فالتفجير سهل، كذلك أودع الله في الإنسان هذه الطاقة الجنسية ورسم لها قواعد صارمة، رسم لها مسارات مُحكمة، فنحن حينما نقول الإنسان حر، والفتاة حرة، والإنسان له أن يكسب المال بأي طريق، نحن بهذا نفجر هذه الطاقة، نفجرها فتدمر نفسها وما حولها.
فالنقطة الأولى في هذا اللقاء الطيب أن حقوق الإنسان لا يضعها الإنسان، يضع نقاطاً ويغفل نقاطاً أخرى، يضع شيئاً يزعجه ويبيح شيئاً يسعده فيما يتوهم، الآن مثلاً هذا المرض الخطير مرض الإيدز الذي يهدد العالم كله، في بعض البلاد في إفريقيا كل ستة أشخاص السابع يعاني من الإيدز، نسب عالية جداً، وهذا المرض مسببه الأول الإنحراف الجنسي ولا سيما الشذوذ، الشيء العجيب أنّ هناك مؤتمرات عُقدت لا حصر لها لمكافحة هذا المرض، مؤتمرات دولية، وهناك أموال تكاد تكون فلكية رُصدت لمكافحة هذا المرض، والطريق الفعّال والقصير والسريع يتعامون عنه، كيف ؟ لو أنّ بلدة تشرب من ماء ملوث، وفتكت فيها الأمراض والأمراض الوبيلة والعِلل والإنتانات و... فالقائمون على هذه المدينة حرصاً منهم على شفاء هؤلاء الناس من هذا المرض أرسلوا بعثات إلى أوروبا وجاؤوا بالأطباء وجاؤوا بالأدوية وأنشأوا مستشفيات وكان بإمكانهم أن يوقفوا الماء الملوث فينتهي هذا المرض، لا تجد في مؤتمر عُقِد من أجل مكافحة مرض الإيدز توصية واحدة بمكافحة الرذيلة، ولا بالحد من حرية الإنسان الجنسية، يقول لك استعمل الواقي، قرأت في بعض مواقع المعلوماتية في بلاد شرق آسيا مهرجانات، هذا الواقي مجسد بتمثال كبير هذا هو الحل، تبقى الإباحية ويبقى الشذوذ وتبقى الإنحرافات الخلقية ولكن استعمل الواقي، والله كأن العالَم في غيبوبة، كأنه في عمى.
والله أيها الإخوة عندنا دين، وعندنا منهج، والله لو تتبعتم فقراته لدُهشتم، وازنا من فترة بين مجموعة طلاب يعيشون في بيئة منحرفة من بين هؤلاء الطلاب طالب أخلاقه عالية جداً، أدب جم، ثم فوجئنا أنّ أهله يخبروننا أنه كان محجوب عن المجتمع المنحرف، محجوب حجباً قوياً من قِبَل والديه ورُبِي تربية إسلامية، فهذه المجتمعات المنحرفة وحدها تُدَمِّر الإنسان بدعوى حقوق الإنسان، قصص لا تُعد ولا تُحصى، أنا لا أريد أن أثني على جهات كافرة، ولكن أقول لكم، هذه الجهات مع أنها تدَّعي حقوق الإنسان، ومع أنها تضغط على الدول الضعيفة بدعوى حقوق الإنسان، إلا أنها والله وهذه قناعتي هي أول من ينتهك حقوق الإنسان.
فحقوق الإنسان لا يحددها الإنسان، لئن سُمِح للإنسان أن يحددها أقرّ ما يوافقه، ولم يُقر ما لم يوافقه، أما حينما يحددها خالق الأكوان قال تعالى:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
( سورة فاطر: الآية 14 )
الآن بعض اللمسات لحقوق الإنسان، نحن في هذا الدين العظيم عندنا خمسة مقاصد كبيرة بحياة الإنسان ؛ المقصد الأول دينه، والمقصد الثاني حياته، والمقصد الثالث عِرضه، والمقصد الرابع عقله، والمقصد الخامس ماله، فهناك خمسة حدود لصيانة الدين والحياة والعِرض والعقل والمال.
من أراد أن يطعن في دين الأمة، من أراد أن يعتدي على مقدسات الأمة، من أراد أن يعتدي على قيم الأمة الثابتة هذا يُحاكَم بقانون الارتداد، وتستمعون أحياناً كيف أنّ بعض الكُتَّاب في بلاد أخرى يحتقرون قواعد الدين، يُشككون في مصداقية القرآن، يصفون القرآن بأنه كلام بشر، يواجهون محاكمات لأنهم يعتدون على أقدس شيء في حياة الأمة دينها، بل إن البلاد الغربية نفسها هناك مُقَدَّسات عندهم، هذه يُحاسَب كل من ينالها بلسانه أو بقلمه، يُحاسَب على ذلك.
فأول نقطة أنّ الدين مصون بحدِّ الارتداد، لك أن تعتقد ما شئت قال تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
( سورة البقرة: الآية 256 )
لك أن تفعل في بيتك ما شئت، لكن ليس لك أن تستخدم قلمك ولا لسانك، ولا قوتك في تحطيم الدين، هذا يتناقض مع حقوق الإنسان، هذا هو حق الارتداد.
الآن حد حفظ الحياة قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾
( سورة البقرة: الآية 179 )
أي هناك دول كثيرة ألغت حكم الإعدام، من باب النظرة الساذجة، ثم رجعت إليه، القتل ـ كما يقول العرب في الجاهلية ـ أنفى للقتل، الآن هناك جرائم في أمريكا وفي أوروبا، إنسان قد يدخل إلى مدرسة ويقتل عشرين إلى ثلاثين طالباً، أو يدخل إلى شركة فيقتل سبعة موظفين، هل من المعقول أن يحمل كل شخص سلاح وهناك أمراض نفسية، وهناك معتوهين، وهناك حاقدين، فحينما تُطلق حرية الإنسان بلا ضابط تنشأ مشكلات كبيرة، أكثر الدول التي ألغت حكم الإعدام عادت إليه الآن، دائماً وأبداً الإنسان أعقد آلة في الكون، فمن الذي يعلم خصائصه ؟ من الذي يعلم ما ينفعه وما يضره ؟ وما يُصلحه وما يُرديه؟ الله وحده قال تعالى:

﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾
الله هو الخبير وقال أيضاً:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) ﴾
( سورة الأنبياء: الآية 7 )
وقال:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾
( سورة الفرقان: الآية 59 )
فالنقطة الثانية حق الحياة محفوظ بحد القتل قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ(179)﴾
مرة دخلت إلى محكمة الجنايات هي إلى جوار نقابة المحامين، كنت على موعد مع أخ كريم فأطللت على هذه القاعة، قاعة محكمة الجنايات فلفت نظري لوحتين كبيرتين وضعت الأولى فوق رأس القاضي يقرؤها المذنبون في قفص الإتهام، ووضعت الثانية فوق رأس المذنبين يقرؤها القاضي، التي فوق رأس المذنبين والتي يقرؤها القاضي قوله تعالى:

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل﴾
( سورة النساء: الآية 58 )
والتي فوق رأس القاضي ويقرؤها المذنبون قوله تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ(179)﴾
فحد القتل حفاظاً على حق الحياة، والقتل أنفى للقتل، عندما نجد مجرماً عاتياً ويُعدَم تنشأ راحة عند الناس جميعاً لا تُقدَّر بثمن، حينما يُقام العدل يكون مريحاً للناس، سمعت أنّ امرأة كانت في مكان فسمعت أنّ شاباً يُعذَّب فانهارت أعصابها وصرخت ودعت، فلما علمت أنّ هذا الشاب زنى بفتاة قاصر ثم قتلها، قالت: سلمت أيديكم، لما علمت الحقيقة ارتاحت، ثم إنّ الله عز وجل جعل حد الارتداد حفاظاً على حرمة الدين، وحد القتل حفاظاً على حق الحياة.
الآن عندنا العِرض وهو أقدس شيء في حياة الإنسان بعد وجوده، والعِرض موضع المدح والذم في الإنسان، والإنسان قد يحتمل كل شيء إلا أن يُنتَهك عِرضه شيء لا يُحتَمل، لذلك جعل الرجم لمن يزني وهو مُحصَن، والجلد لمن يزني وهو غير مُحصَن، وحينما نقول الرجم لمن يزني وهو مُحصَن الحقيقة هذا عقاب للزنى وللفجور، فلا يُقام هذا الحد إلا بأربعة شهود، فالذي يُمكِّن أربعة شهود من أن يروه وهو يزني، أو التي تُمكِّن أربعة شهود من أن يروها وهي تزني هذه ليست زانية فقط بل هي فاجرة، هي تستخف بقيم المجتمع لذلك قال تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾
(سورة المائدة: الآية 33 )
فحد العِرض الرجم للمحصن والجَلد لغير المُحصَن.
ثم إنّ هناك حفاظاً على العقل حد الخمر، أن يُجلد المرء ثمانين جلدة لأنّ أثمن شيء عقل الإنسان، أخبرني بعض الأصدقاء أن هناك احتفالاً وشُرِبت فيه الخمرة، ودارت رؤوس شاربيها، فإذا ببعض الشخصيات المحترمة تنطق بكلمات لا يمكن أن ينطق بها مجرم، بعد أن ضاع العقل تكلم الإنسان أشياء تُعبِّر عن شهوته وعن دناءته، إذاً حد الجلد ثمانين جلدة حفاظاً على العقل الذي أكرمنا الله به، وقد ورد في بعض الأحاديث أنّ الشر كله جُمِع في بيت ثم أُرتج عليه فكان مفتاحه السُكُر.
وهناك قصة تُروى جاءت في بعض الكتب أنّ إنسان خُيِّر بين أن يقتل طفلاً أو أن يزني بامرأة أو أن يشرب خمرة توهم أنّ أهون شيء أن يشرب الخمر، فلما شرب الخمر زنى بالمرأة وقتل الغلام.
قرأت خبراً ذات مرة في الجريدة في محافظة في الشِمال، إنسان دخل إلى بيته سكران فأطلق النار على زوجته وعلى أولاده الخمسة، وهو سكران فلما استيقظ ورأى ما فعل انتحر، فحد الخمرة أن يُجلَد ثمانين جلدة حفاظاً على سلامة العقل.
الاعتداء على المال حدُّه قطع اليد، أي يوجد مشكلتين في العالَم كله الفوضى الجنسية والسرقة، والإسلام ضبط الفوضى الجنسية بالزواج، وضبط السرقة بحد قطع اليد، والإنسان قد يعجب، فهناك بلاد طبَّقت هذا الحد قديماً والآن لم تطبِّقه أو تساهلت في تطبيقه، هذه البلاد حينما كانت تطبِّق هذا الحد قديماً، أي سيارة مكشوفة فيها رواتب محافظة تقطع بضع آلاف الأميال بلا حراسة، إلى عشر سنوات سابقة صرَّاف إلى جنب الحَرَم يدخل ليصلي والأموال الطائلة في صندوق مكشوف، وفي مجتمعات غير متقدمة، متخلفة، لكن حينما يُطبَّق هذا الحد ترى نتائج لا تُصدَّق، فنحن حافظنا على دينه بحد الارتداد، وحافظنا على حياته بحد القصاص والقتل، وحافظنا على عِرضه بحد الرجم والجلد، وحافظنا على عقله بحد الجلد، وحافظنا على ماله بحد قطع اليد، وحينما سئل الإمام الشافعي فيما أذكر، سأله شاعر فقال له:

يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قُطعت في ربع دينار
***
فقال:

عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
أنت عندما تعيش في مجتمع مسلم العِرض مقدس، مرة كنت في أمريكا فسألت لو أننا أخذنا مئة بيت على خط واحد كم بيت فيه خيانة زوجية ؟ والله قالوا لي سبعين بالمئة فما فوق، نحن في بلاد المسلمين نأخذ ألف بيت، قلما نجد بيت أو بيتين فيه خيانة زوجية، وهذه من فضل الله علينا، الأمور مضبوطة بقوة الدين لا بقوة القانون، عظمة الدين أنّ الإنسان يدخل إلى بيته في رمضان في الصيف الصيام سبعة عشر ساعة، الحرارة خمسة وأربعون، يكاد يموت من العطش، يدخل إلى حمامه ويجد صنبور ماء بارد، لا يستطيع ان يضع قطرة ماء في فمه، هذه قوة تأثير الدين، بينما إذا ألغينا الدين، ما الذي يمنع أن تأكل مادة مسرطنة، ما الذي يمنع أن يُغشّ في طعامنا وشرابنا، لو أنّ الغش ما ظهر أو ما ضُبط، ما الذي يمنع ؟ الآن مثلاً هناك أدوية لمكافحة بعض الأمراض، هذه الأدوية مسرطنة، إذا أُكلت الفاكهة قبل شهرين من رش هذه المادة فهي مادة مسرطنة، هذا الإنسان حينما يرش النبات بهذه المادة، ويقطفها قبل شهرين، ويسوقها للأسواق، لو أنّ إيمانه ضعيف، لو ألغينا الدين، ماالذي يمنعه أن يبيعها بأعلى سعر، وأن يسبب مرضاً لكل هؤلاء الآكلين، هل تصدقون أيها الإخوة أنّ موظفاً في مطعم إن كان مصاباً بداء الكبد الوبائي، عندنا ثلاثة أمراض للكبد مميتة أنا أعرف أسرة أحد أولادها أستاذ جامعة في حلب توفي بهذا المرض، أخ آخر يعمل في إصلاح بعض الماكينات توفي أيضاً، أخ ثالث عنده محل توفي، أخ رابع طبيب توفي، امرأة خامسة أخت لهم توفيت، خمسة شباب مع فتاة في ريعان الشباب توفوا بهذا المرض، والمرض بسبب مرض أصاب أمهم، فيكفي أن يكون موظف في مطعم مصاب بهذا المرض أو حامل هذا المرض فإذا دخل إلى بيت الخلاء لم ينظف يديه جيداً يمكن أن يصيب ثلاثمئة إنسان من رواد هذا المطعم بهذا المرض الكبدي الوبائي، لا يمكن أن يُضبط المجتمع إلا بالدين، مستحيل أن يكون لكل إنسان مراقِب، هذا في الليل الذي يعجن العجين لو وجد شيء تشمئز منه النفوس في العجين ولم يلغِ هذه العجنة من يحاسبه، فحينما نُضعِّف الوازع الديني ندفع الثمن باهظاً، أحياناً التموين ضبط إنسان كلما وجد دابة ميتة في الطريق أخذها وجعلها طعاماً للمسافرين، ضبطوا إنسان يبيع لحم كلاب، وآخر يبيع لحم حمير، شخص من سنوات ضُبط يبيع لحم حمير كباب ومشوي وما إلى ذلك، فدخل إلى السجن فضربه شخص هناك ضرباً مبرحاً، قالوا له: لماذا تضربه ؟ فقال لهم: أنا أكلت ما يعادل حماراً من عنده، يبدو أنه كان زبونه سابقاً، ضبطوا معملاً يضع صباغ بلاط في السكاكر، أراد مواد ملونة فلم يجد غير صباغ البلاط فوضعه، والله سمعت من موظف تموين أشياء شهد الله لا يمكن أن تُصدق، شيء فاسد، شيء انتهى مفعوله، حينما نزعزع قيمة الدين في المجتمع لا يمكن أن تُحَلّ مشكلاتنا مستحيل.
مرة أمريكا حرّمت الخمر، قرأت بحث ثلاثة آلاف نشرة، مئتي كتاب، مذكور كم من الجهود بُذلت، بُنيت بواخر لتهريب الخمر لها جداران ثم أُطلق، إذا إنسان منع شيء فهو لا يستطيع، مرة سُئلت في ندوة: ماذا تُفسر التسيُّب في بعض المجتمعات ؟ فقلت لهم: لضعف الوازع الديني، حينما يضع القانون خالق الإنسان تجد انضباط عجيب، وضربت مثلاً هذا الشاهد المشهور الذي أرويه دائماً عندما قال سيدنا عمر لراعي: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله.
أما في البلاد المتقدمة مادياً يضع مثلاً قانون أن السرعة على هذا الطريق مئة وعشرة ميل، القانون بلا مؤيد قانوني لا قيمة له، لا بد من ضبط المخالفين، فاخترعوا أجهزة رادار موضوعة في الطريق، فإذا تجاوز السائق هذه السرعة ضُبِط، الإنسان الذي طُبِّق عليه القانون أيضاً ذكي، فاخترع جهاز وُضِع في السيارة فإذا اقتربت السيارة من مركز رادار يسمع صوتاً، أنا سمعت صوتاً فقلت له: ما هذا الصوت، فقال لي: هنا يوجد رادار أمامك، الآن الطرف الآخر الدولة مضطر أن يخترع جهاز يكتشف أجهزة رادار السيارات، وهكذا نمضي في معركة لا تنتهي، واضع القانون إنسان، واضع القانون ذكي، والمواطن أذكى، وهي معركة لا تنتهي، أما إن كان واضع القانون خالق الإنسان تجده:

﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾
( سورة طه: الآية 7 )
وقال:

﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) ﴾
( سورة الحاقة: الآية 18 )
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
( سورة الحديد: الآية 4 )
مثل أضربه دائماً إنسان جالس في غرفته، والشمس إن كانت الإضاءة شديدة خارج الغرفة لا يرى مَن خارج الغرفة من هو بداخلها، وخرجت جارته بثياب غير محتشمة لنشر الغسيل، تجد مؤمناً جالساً وحده، بإمكانه أن يملأ عينيه من محاسنها دون أن يدري به أحد، تجد مؤمناً يغط بصره وهو في غرفته هذه من آثار قانون ربنا عز وجل، مؤمن وهو في غرفته ولا يستطيع أحد في الأرض أن يضبطه وهو ينظر إليها ومع ذلك يغض بصره، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾
( سورة غافر: الآية 19 )
طبيب يعالج امرأة لو أنه نظر إلى مكان لا تشكو منه من يستطيع أن يضبط نظراته، لا أحد إلا الله، ترى المؤمن يراقب الله عز وجل.
إذاً حد القتل، حد الارتداد، وحد الرجم أو الجلد، وحد جلد شارب الخمر، وحد قطع اليد للسارق هذه حدود تضمن دين الإنسان وحياته، وتضمن سلامة عِرضه وتضمن سلامة عقله وماله، والنقطة الدقيقة دائماً أنّ الله عز وجل حينما أمرك أن تكون صادقاً أمر كل مسلم أن يصدق معك، وحينما أمرك أن تكون أميناً أمر كل مسلم أن يكون أميناً، والله مرة حدثني أخ قال لي: كنت في سفر ومعي أموال كثيرة لشراء حاجات لشركة كبيرة جداً، نسي في مطار استنبول محفظة المال، قال لي: بعد أن قطعت المطار ومشيت ربع ساعة تفقدت المحفظة فلم أجدها ومبلغ ضخم جداً، قال لي: كاد الدم يجف في عروقي، رجعت، يبدو أن رجلاً مسلماً وجد هذه المحفظة فلم يغادر المكان حتى عاد صاحبها وسلمه إياها، أين تجدها هذه ؟
حدثني أخ مقيم في واشنطن قال: سائق سيارة تكسي مسلم وجد محفظة فيها عشرة آلاف دولار فسلمها للشرطة، حاكم الولاية جمع عدة ثانويات وعدة معاهد وأقام حفل تكريمي لهذا السائق لكن قبل أن يقدم هذه الهدية للسائق قال للطلاب الذين أمامه: لو أن أحدكم وجد محفظة فيها عشرة آلاف دولار ماذا يفعل بها ؟ أقسم لي هذا الأخ الكريم وقد حضر الحفل في واشنطن: من دون تردد بصوت واحد نأخذها، فقال الذي يكرم: هذا السائق المسلم قدمها للشرطة لتعود لصاحبها.
أصبحت الأمانة شيء نادر جداً، سمعت قصة في الشام لا أشبع من روايتها سائق وجد في سيارته كيس أسود فيه عشرين مليون ليرة يبدو تحويل أو شيء من هذا بقي يحوم عشرين يوماً حول مكان ركوب هذا الإنسان إلى أن وجد صاحب هذا المبلغ وأداه إليه، وصاحب المبلغ كان على مستوى عالي جداً من الذوق أخذه إلى سوق السيارات و اشترى له سيارة جديدة، وهو سائق على سيارة، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
أين تجدها، عندنا أخ عنده معمل متواضع وعنده مهندس قال لي: دخله سبعة آلاف، قصة قبل حين وجد ثمان مئة ألف بمحفظة وقعت من يدي صاحبها في القدم، بحث عن صاحبها وأداها له.
هذه القيم جاءت من هذا الدين العظيم، مجتمع، يقول لك: يوجد انضباط عالٍ جداً في أمريكا، ولكن انضباط إلكتروني لأن سوقاً كبيراً جداً فيه بضاعة بمئات المليارات خمس موظفين يديرونه على كل صندوق يوجد موظف البضاعة التي لا تدفع ثمنها تصدر صوتاً حين الخروج التسعيرة فيها مادة تتفاعل مع القوس يخرج صوت وهذا الصوت يليه إغلاق الأبواب كلها فجأةً ويؤخذ السارق ويحاسب، من هو الأمين؟ لا يوجد أمين يوجد استقامة إلكترونية أما حينما تنقطع الكهرباء ترتكب مئتا ألف سرقة في ليلة واحدة والقيمة بليونين دولار في نيويورك، هذا مجتمع الردع أما مجتمع الإيمان مجتمع الوازع الداخلي إما أن يعيش المجتمع بوازع داخلي وإما أن يعيش برادع خارجي.
سمعت إنسان جاء إلى الشام وأنا أحب أن أتكلم الإيجابيات أيضاً، يوجد شخص سوداوي لا يتكلم إلا السلبيات قناص يضع يده على الأخطاء فقط، ويوجد إنسان متوازن يتكلم ما لك وما عليك.
جاء إنسان من بلاد كانت تقيم حد قطع اليد للسارق والآن لا يزال العمل بهذا القانون ساري المفعول لكن من دون تشديد وجد في طريق الصالحية ست سبع محلات وقت الظهر أصحابها في المسجد والمحل مفتوح، كرسي مائل، عصاة، أو من دون شيء، فقال: والله يوجد أمانة.
ذهبت إلى الشيخ محي الدين باكراً وجدت بسطات لا تعد ولا تحصى عليها جلايل فقط، يعني يمكن ما يبقى شيء إذا في... هذا وازع داخلي وهذا قوي جداً.
الشيء المؤلم أننا نبحث عن فتات ما عند الغرب غير منتظم، غير كامل وعندنا شيء ثمين جداً في ديننا نحن في غفلة عنه.
أيها الإخوة الكرام:
في حياتنا اليومية يوجد حقائق بسيطة، عندك كومبيوتر أصابه خلل ولك جيران تحبهم كثيراً لهم أعمال بسيطة يبيعون الخضرة مثلاً هل يمكن أن تدفع بهذا الجهاز المعقد إلى أحد أصدقائك البسطاء لإصلاحه ؟ مستحيل، أي إنسان لا يفعل هذا، هذا الجهاز يحتاج إلى خبير أنت أعقد أم هذا الجهاز ؟ أنت أعقد بملايين المرات، والله مرة قرأت كلمة: إن أعظم طائرة صنعها الإنسان حتى الآن، أنا ركبت طائرات فيها أربع مئة راكب يعني كأنك في أرقى مكان على ارتفاع أربعين ألف قدم تجوب قارات العالم في ساعات ومع ذلك، إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر، الطائر يطير ستة وثمانين ساعة بلا توقف، أعظم طائرة تطير عشر ساعات أو أكثر بلا توقف لأن وقودها مئة وخمسين طناً من الوقود تستهلك في ثلاث عشرة ساعة.
تقرأ عن الطائر أشياء العقل لا يصدقها، الطائر يتحرك باستمرار، والطيران حركة ومع الحركة يوجد حرارة وحينما يستنشق الهواء هذا الهواء يصل إلى كل مكان في جسمه أسنانه الرئوية مشعبة في كل جسمه، الطائر يحتاج إلى خفة في الوزن وقدرة عالية في الطاقة، فكل عظام الطائر مفرغة من أجل الوزن الخفيف، تقرأ عن الطائر أشياء عجيبة، الطائر حتى هذه اللحظة لا يعل أحد كيف يهتدي إلى هدفه، يقطع أكثر من سبعة عشر ألف كيلو متر من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال ثم يأتي إلى هدفه بالضبط لا يتأثر لا بالليل ولا بالنهار ولا بقارات ولا بمغناطيسية، حتى الآن كيف يهتدي الطائر... أخذوا طيور ولدت لتوها نقلوها من إنكلترا إلى الهند فإذا كان مبرمجاً على الطيران شمال جنوب نقل الآن إلى الشرق وأعطوه علامات معينة عادت إلى إنكلترا، كيف يهتدي إلى هدفه ؟ لو أخطأ درجة واحدة، يوجد طيور عندنا هنا في بيوت عربية في هذه المنطقة هذه تغادر إلى أقصى الجنوب في الأرض وتعود في الموسم التالي لو أنها انحرفت درجة واحدة لجاءت في مصر أو في العراق تعود إلى بيتها التي غادرته في التمام، أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر.
أنت أعظم مخلوق، الإنسان أعقد مخلوق في الكون، أعقد ما فيه عقله، دماغه مئة وأربعين خلية إستنادية لم تعرف وظيفتها بعد، أربعة عشر مليار خلية قشرية فيها المحاكمة والتذكر، ذاكرة الإنسان لا تزيد عن حجم عدسة فيها سبعين مليار صورة، إنسان عاش ستين سبعين صورة ممكن أن تخزن ذاكرته سبعين مليار صورة، وهذه الصور منظمة في أشياء تحت اليد تأتيك فوراً، في أشياء مخزنة في مكان، أبعد إنسان سافر إلى بلد وأخذ رقم هاتف، هو لا يعود إلى هذا البلد يوضع في مكان بعيد هذا الرقم، أما رقم أصدقائه المقربين حافظه غيباً، حتى هذه الذاكرة، يوجد ذاكرة شمية عشرين مليون نهاية عصبية شمية كل نهاية لها سبعة أهداب كل هدب مغمس بمادة مخاطية تتفاعل مع الرائحة ويتشكل بهذا التفاعل شكل هندسي يشحن إلى الدماغ وهناك يعرض على الذاكرة الشمية على عشرة آلاف ذاكرة شمية إلى أن يتوافق الشكلان مع بعضهما تقول هذه رائحة ياسمين وبثانية تتم العملية.
أعقد مخلوق في الكون هو الإنسان، من الذي ينبغي أن تتبع تعليماته؟ صانعه هو الذي يحدد له حقوقه و واجباته، هو الذي يحدد له مسارات شهواته، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
( سورة القصص: الآية 50 )
إن شاء الله هذا الموضوع له متابعة هناك أدلة في القرآن والسنة على حق الحياة وسلامة البدن كما قلت والعقل، والعرض، والمال، والأهل وهناك حرية الإنسان حق محفوظ له في الكتاب والسنة.
قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.))
( مسلم، أبي داود، أحمد، النسائي )
وحق المساواة، الناس سواسية كأسنان المشط وقال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
( سورة الحجرات: الآية 13 )
وأدلة كثيرة جداً، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
( سورة الحجرات: الآية 13 )
حق التكافل الاجتماعي عن طريق الزكاة وعن طريق الصدقات وزكاة الفطر، وإجبار الأقارب على الإنفاق بحكم شرعي، يوجد أقارب مسلسلون، الأب يجبر، والأخ يجبر، والعم يجبر.
أحكام الديات أيضاً هذه لضمان التكافل الاجتماعي، ثم إن هناك حقوقاً معنوية ككرامته، ممنوع أن تهين إنساناً في حضرته أو تذكر مسالبه في غيبته.
أنا عالجت هذا الموضوع في خطبة إذاعية تحدثت عن حقوق الإنسان بالتفصيل لكن حينما يكثر الحديث عن حقوق الإنسان تريد أن تعرف هذا الدين العظيم، هذا المنهج الإلهي القويم لابد من أن يشتمل على حقوق مؤصلة من عند خالق الأكوان لا من عند إنسان منحرف متناقض.
و الحمد لله رب العالمين.
أنا أسأل آلاف الأسئلة عن مشروعية أعمال كثيرة، أنا عندي جواب موحد لآلاف الأسئلة، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
( سورة المائدة: الآية 2 )
يعني أي مشروع تجاري يعين الناس على الإثم، على معصية، أو على العدوان ينبغي أن لا تكون طرفاً فيه أبداً، أي مشروع تجاري يعين الناس على الإثم أو العدوان ينبغي أن لا تكون طرفاً فيه، فرضاً فندق يوزع الخمر ويقدمها للنزلاء تقام فيه حفلات ماجنة تقام فيه حفلات راقصة قد يقع فيه فحش ومعصية كبيرة، لو أنك اشتريت أسهماً من هذا الفندق هل يجوز ؟
الجواب لا، لأنك اشتريت أسهماً من هذا الفندق أنت تعين على معصية الله، هذه قاعدة.
هل من الممكن أن تؤجر بيتك في اليوم عشرة آلاف وأفخم فندق اليوم بخمسة آلاف ليلة واحدة عشرة آلاف ؟ ما معنى هذا ؟ ليس موضوع نوم موضوع آخر شيء بديهي، إنسان يستأجر بيت عادي جداً في الليلة عشرة آلاف ويقول لك أنا ليس لي علاقة، لا أنت تعرف لماذا تؤجره وتعلم علم اليقين، وهذا نوع من سلوك النعامة.
أنت حينما تسهم بشكل أو بآخر، بمعصية لو فرضنا أقرب شيء مصمم إعلان تظهر المرأة بأجمل ما فيها بمئات الأماكن في دمشق أخي أنا عملي اختصاصي، يجب أن تختار اختصاصاً لا شبهة فيه.
محل يبيع ألبسة رجالية يروق له في رمضان أن يضع إعلانات مع امرأة في ثياب فاضحةٍ جداً، هذا الذي صمم الإعلان ليس له علاقة لا يحاسب عند الله تعالى ؟ الناس صائمون والوقت وقت فضيل وهذا الذي يروج لبضاعته وبضاعته ألبسة رجالية ومع ذلك...
كل عمل يسهم بنشر الفاحشة بإثارة شهوة بوقوع معصية، هذا محرم وهذه الآية قاعدة:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
هنا أخ يريد أن يصنع جهاز يسهل عملية الإجهاض، الإجهاض محرم شرعاً وقانوناً، إذا أنت سهلت الإجهاض وقد يستخدم بشكل واسعٍ جداً طبعاً الإجهاض يتناسب مع الإباحية فأنت ليس لك علاقة بهذه الأجهزة التي تسهل شيئاً محرماً، أخ يقول بأن هناك ألفاظ تطلق دينية ما حكمها الشرعي ؟ لولاك ما خلق الكون مثلاً، النبي خلق ليكون الناس على شاكلته أما أن تخلق الأكوان من أجله هذه شطحة لم ترد لا في القرآن و لا في السنة، هناك أشياء فيها مبالغات.
أخ يقول نذر أن يذبح إذا بيع بيته هل يجوز أن يدفع قيمة الخاروف إلى صندوق العافية ؟ الجواب لا، العلماء أجمعوا على أن توزيع الطعام أفضل من تقديم ثمنه، العلة واضحة، هناك أسر فقيرة جداً لو قدمت لوليها مبلغاً من المال سد به دينه و بقي أولاده جياعاً، أما حينما تقدم لحماً لهذا البيت هذا ينبغي أن يؤكل و اللحم مادة أساسية.
أخ أعجبني اجتهاده في هذا الموضوع، أحياناً تقدم قطعة لحم كيلوان، طبخة واحدة، إنسان يقدم كيلوان لحم مفروم يكفي أحياناً شهر أسرة فقيرة، كل طبخة أوقية أو أوقيتان، أنت يهمك نفع الفقير، أنا أتمنى إذا إنسان أحب أن يقدم لحماً لفقير يقدمه مجروماً مفروماً، معناها ممكن أن تستخدم كيلوان اللحم مرات عديدة تزيد عن خمس مرات، أما حينما يقدم له لحم بعظمه أغلب الظن طبخة واحدة، العبرة الطفل أن يأكل اللحم، اللحم مادة أساسية.
أخ يقول جد الزوج والد الأب، والد الأم حكمه حكم الوالد، أبوك و أب أبيك، و أب أب أبيك مهما علو في حكم والدك، و ابنك و ابن ابنك مهما دنوا في حكم الابن، كل الأحكام الشرعية الآباء مهما علو و الأبناء مهما نزلوا في حكم واحد.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:40 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 038: ما يجري من أحداث في هذا العالم من منظور إسلامي .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-09-16
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
أحياناً ينشأ حدث خطير يُشد الناس إليه فإذا جاؤوا إلى المسجد ينتظرون أن يستمعوا إلى الحكم الشرعي أو إلى وجهة نظر الدين إلى هذا الشيء، لذلك هذا الدرس سأخصصه للأحداث الكبيرة التي عمت الأرض في هذه الأيام.
أول شيء أتمنى أن يكون واضحاً لديكم أن الله جل جلاله لا يمكن أن يكون قرآنه كتاب تاريخ هو كتاب هداية، كتاب التاريخ ينبئك عن أقوام عاشوا وهلكوا وانتهى أمرهم لكن القرآن الكريم إذا أخبرك عن أقوام عاشوا وهلكوا هؤلاء الأقوام نموذج متكرر، الله قدم نموذجاً لذلك حينما تجد التفاصيل ضعيفة في القرآن الكريمة قليلة، قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾
[ سورة الكهف: الآية 83 ]
من هو ؟ ما اسمه ؟ في أي قرن عاش ؟ في أي قارة عاش ؟ هل هو إسكندر المقدوني ؟
حينما يغفل القرآن هذه التفصيلات ليشعرنا أن صاحب هذه القصة ليس معنياً، من المعني؟ النموذج التي تمثله هذه الشخصية. هذه قاعدة أساسية لا يمكن للقرآن الكريم أن يكون كتاب تاريخ لكن في القرآن الكريم نماذج بشرية، وفي القرآن الكريم نماذج للأمم تتكرر لعل من أوضح هذه النماذج قبيلة عاد، وحينما قال الله عز وجل:

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾
[ سورة النجم: الآية 50 ]
فكأن في هذه الآية إشارة أن هناك عاداً الثانية، عاد الأولى ما خصائصها الثابتة ؟ دائماً في كل قرن في كل عصر في كل حقبة نموذج كعاد الأولى يتكرر.
فعاد الأولى وصفها الله عز وجل بأنه لم يخلق مثلها في البلاد إطلاقاً وقد يأتي آت من هذه البلاد ممتلئ إعجاباً، الاقتصاد الجامعات، المواصلات، الأبنية، النظام المحكم، العمل الناجح، التي لم يخلق مثلها في البلاد أي هي متفوقة في شتى الميادين هذه الصفة الأولى، تفوق في العلوم، تفوق في القوى العسكرية وفي الأبنية.
صفة ثانية أصحابها متكبرون متعجرفون، يقولون من أشد منا قوةً في تبجح، غطرسة، كبر، استعلاء، في إحساس أنهم فوق الجميع، وأن مصالحهم فوق الجميع، وأن مصالحهم فوق مصالح الشعوب جميعاً، من أشد منا قوةً، ثم إنهم تفوقوا في العمران تفوقاً يفوق حد الخيال، قال تعالى:

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) ﴾
[ سورة الشعراء: الآية 128-129 ]
تفوق عمراني، وعندهم قوة عسكرية جبارة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
[ سورة الشعراء: الآية 130]
لم يخلق مثلها في البلاد، من أشد منا قوةً ؟ أتبنون في كل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين مستوى الذكاء عندهم مرتفع جداً لأنهم أخذوا أدمغة الشعوب، وقال تعالى:

﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ﴾
[ سورة العنكبوت: الآية 38 ]
ثم يقول الله عز وجل:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾
[ سورة الفجر ]
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
[ سورة الفجر ]
أحياناً لا تجد مكاناً في العالم إلا ويعرض أفلاماً مثيرة إلى درجة غير معقولة إلى درجة أن الإنسان يفقد إنسانيته في كل مكان في العالم من إنتاج مؤسسات للسينما هي القمة في العالم.

﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾
[ سورة الفجر ]
عهد الأولى أي أن هناك عاد الثانية، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)﴾
[ سورة الحاقة ]
وقد سلط الله عليهم الأعاصير، إعصار واحد كلف ثلاثين ملياراً، أرأيت إلى هذه الصفات لكن أيها الإخوة مثل هؤلاء الأقوام لابد من أن يرتفعوا إلى درجة كبيرة جداً ولابد من أن يظهر الله آياته، الذي هو جار في الحياة أن الله يقوي هذا الكافر، يقويه ويقويه ويتبجح ويستعلي ويتغطرس ويقول أنا، يعيش وحده والناس جياع، يأكل وحده والناس جياع، يسكن وحده في أرقى البيوت والناس بلا مأوى، شيء غير معقول ثم يظهر الله آياته، حينما يقوى هذا الكافر يكاد ضعيف الإيمان يقول أين الله ؟ أين أنت يا الله ؟ وحينما يظهر الله آياته يقول الكافر لا إله إلا الله.
الشيء الذي حصل بالخيال لا يقع، قال تعالى:

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[ سورة الأنفال: الآية 17]
لكن النقطة الدقيقة جداً أن الشيء إذا وقع لا أحد يشك في هذا الوقوع الوقوع رآه رأي العين لكن متى نختلف أو في أي موطن نختلف ؟ نحن لا نختلف في وقوع هذا الحدث الحدث سمع الناس به جميعاً ومعظم الناس رأوه رأي العين، رأوه أثناء وقوعه فالناس لا يختلفون في تصديق وقوعه أو عدم التصديق ولكنهم يختلفون في تحليله، تفسيره.
كنت قد ضربت مثلاً أنه حينما تنشأ فرضاً حرب أهلية في بلد مجاور هذه لها تفسيرات كثيرة ولنضرب على ذلك مثل ما جرى عند جيراننا حرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً أكلت الأخضر واليابس ولم ينتصر في النهاية أحد عادوا إلى ما كانوا عليه متعاونين متعايشين، هذا الحدث الذي دام خمسة عشر عاماً كيف يفسر ؟ هناك تفسير دولي أن هذا البلد نما فيه المركز المالي نمواً كبيراً لدرجة أنه نافس مراكز أوربا حطموه الأجانب، هذا تفسير دولي، يوجد تفسير عربي أن هذا البلد كان ساحة صراع عربية، في تفسير طائفي أن هناك حرباً طائفية من عام ألف ثمانمئة وستين، ويوجد تفسير كما يقال تفسير نسواني حكمتها عين، أي تفسير ينبغي أن تأخذ ؟ التفسير القرآني، أنت كمؤمن لا تفسر إلا التفسير القرآني، قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
[ سورة النحل: الآية 112]
أنا كمؤمن معي كتاب، معي وحي من الله التفسير القرآني هو أصوب تفسير، يوجد آية ثانية:

﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام: الآية 65]
من فوقكم الصواعق والصواريخ، ومن تحت أرجلكم الزلازل والألغام قديم وحديث، أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض، أرأيتم إلى هذا، هذا هو التفسير القرآني لما يجري.
نحن كما تكلمنا في درس الجمعة حينما تظن أن الذي وقع ليس بقضاء الله وقدره فهذا سوء ظن بالله، قال تعالى:

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 154]
وإذا أيقنت أن هذا الذي وقع وقع بقضاء الله وقدره ولكن لا حكمة فيه أيضاً أنت وقعت بسوء ظن بالله ينبغي أن تعلم علم اليقين أن هذا الذي وقع وقع بأمر الله وقد سمح الله به لكن بعضهم يقول أيسمح الله بالشر ؟ أيسمح الله بالقتل ؟ الجواب لا لكن يوجد عندنا قاعدة أصولية أن الله أراد ولم يأمر، أراد ولم يرضَ، أليس هناك من يسرق ؟ هل يستطيع إنسان أن يسرق إن لم يسمح الله له أن يسرق، يقول له زل فيزول، يشله فجأةً، يموت فجأة ما سرق السارق إلا وقد سمح الله له أن يسرق لماذا سمح الله له أن يسرق ؟ لأن الإنسان مخير في الأساس بنيته بنية اختيار هويته مخير.
أنت حينما تريد أن تعين موظفاً في صيدلية تمتحنه تأتيه بأدوية تقول له هذه أدوية منوعة ضع كلاً منها في مكانه الصحيح، هنا فيتامينات، هنا مضادات حيوية، هنا أدوية مسكنة، فإذا أمسك دواءً مسكناً ليضعه مع الفيتامينات لو منعته ما امتحنته، تسمح له أن يأخذ هذا الدواء ويضعه بمكان غير صحيح هذا معنى سمح، سمح ولم يأمر، سمح ولم يرضَ، فالشر المطلق لا وجود له في الكون بل إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بالله موجوداً واحداً كاملاً وإما أن تؤمن أن في الكون شراً مطلقاً يعني الشر للشر لكن الله جل جلاله يوظف الشر للخير المطلق.
قريبة لي أرادت أن تكون مدرسةً قدمت طلب طولبت بفحص صدر لها، ذهبت إلى مستشفى عام وفحصت صدرها وفي اليوم التالي أخذت النتيجة أنها مصابة بمرض السل، بكت وبكت وبكت وانعزلت وأوت إلى غرفتها ولم تقابل أحداً وخاف أهلها أن تكون عدوى فامتنعوا عن معاملتها مباشرةً صنعوا لها أدوات خاصة وبعد أسبوعين أو ثلاثة أرادت أن ترجع إلى الله وأن تتوب من ذنوبها وأن تصلي وأن تتحجب، وبعد أن تابت إلى الله واصطلحت معه ذهب أخوها إلى المستشفى ليستطلع ما الذي حدث فإذا بالقائمين على المستشفى يخبرونه أن هذه النتيجة ليست لأختك لكنها بلغت خطأً، هي لإنسانة أخرى، هذا خطأ كبير بالمستشفى لكن ماذا فعل الله به وظفه للخير المطلق كانت توبتها عن هذا الطريق.
سمعت عن مدرسة ذهبت إلى السعودية هي تحمل ليسانس بالرياضيات عينت في منطقة نائية المديرة كلفتها أن تدرس التربية الإسلامية للقسم الثانوي هذا ليس اختصاصها إطلاقاً تفسير وحديث وشرح وعقيدة، قالت لها: هذا ليس اختصاصي أنا اختصاصي رياضيات، قالت لها: إن لم يعجبك هذا التدريس نستغني عن عقدك، فانصاعت، تقول هذه الأخت الكريمة: دخلت إلى الصف العاشر والمادة تربية دينية والآيات من صورة النور متعلقة بالحجاب قرأت فبكيت، القرآن له وهج، له نور.
تخاطب نفسها كم كنت غافلة عن هذا القرآن في الدرس الأول قالت لطالباتها اعذروني افعلوا ما شئتم وأمضت الساعة كلها تبكي على نفسها حينما قرأت هذه الآيات من صورة النور. فحمق المديرة كان سبب هدايتها.
أول نقطة دقيقة ليس في الكون شر مطلق، الشر المطلق لا وجود له في الكون بل إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله هذا تمهيد، كل شيء وقع سمح الله به وقد يكون الموقع غير حكيم وقد يكون مخطئاً وقد يكون مجرماً لكن مادام الله سمح له أن يقع فهو خير، القاعدة لكل واقع حكمة لذلك ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وانتهى الأمر فالمؤمن مستسلم ليتهم لم يفعلوا ذلك أربكونا وأخافونا وعطلوا مصالح المسلمين وأصبح كل مسلم مهدد وهناك حرب مدمرة ستأتي، لا تقل ذلك قل كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لكن الشرح الدقيق لأن كل شيء متعلق بالخير المطلق وبالحكمة المطلقة الإنسان متى يكون غير حكيم ؟ يكون غير حكيم إذا كان جاهلاً.
لي صديق اشترى سيارة حديثة يوجد مصباح أمامه تألق باللون الأحمر وهو مصباح الزيت هذا اللون خطير جداً يعني أن المحرك لا يوجد فيه زيت فلو تابع السير احترق المحرك لو أضاف الزيت ثلاث مئة ليرة، احترق المحرك ثلاثون ألف هو ظنه ضوء تزييني تابع السير ألم يرتكب حماقة كبيرة لماذا ارتكبها ؟ لأنه يجهل حقيقة هذا المصباح.
مزارع عنده بيوت محمية اشترى سماد ذواب من أرقى مستوى تعليمات المهندس الزراعي ضع لتراً في كل برميل، هو طموح يريد غلة مضاعفة فوضع ليترين في كل برميل فاسود المحصول كله كل بيت مئتين ألف عنده ست بيوت خسر مليون ومئتين ألف لأنه ضاعف الكمية أليست هذه حماقة ؟ لماذا وقعت ؟ لجهل المزارع.
أحياناً يأتي ضغط شديد تقول كلاماً لست قانعاً به كما يجري الآن في العالم كله الكل ينافق قد يأتي ضغط لا تستطيع أن ترده تقول كلاماً لست قانعاً به من أين جاءت عدم الحكمة ؟ من الضغط وقد يكون إغراء شديد فتذل قدم الإنسان لأن الإغراء سيطر عليه، هل تصدق هذه الحالات الثلاث على الله عز وجل ممكن ؟ مستحيل إذاً أفعال الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ذلك أن الله عز وجل هذا الذي وقع لو لم يقع لكان الله عز وجل ملوماً، لو أنه وقع على خلاف ما وقع لكان الله ملوماً، لو أن هذا الذي وقع لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، لذلك المؤمن برد وسلام، لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فالمؤمن مستسلم لكن كل أنواع الشر التي تبدو شراً لابد من أن تنتهي إلى الخير.
كنت في مؤتمر وفي نهاية المؤتمر في حفل الختام جرت العادة أن ضيوف المؤتمر الذين يلقون المحاضرات يجلسون على منصة الخطابة مجتمعين وكل واحد منهم يلقي كلمة لا تزيد عن دقيقة، محاضراته ساعات أما الآن دقيقة، مندوب دولة مقهورة قال: والله لقد أصاب شعبي، يقصد الدولة التي هو منها، من الألم والذل والقهر والفقر والبؤس ما لم يصب به المسلمون في شتى أقطارهم في مئة عام وبكى، ثم قال: لكنهم ارتقوا في سلم الإيمان ما لم يرتقوا به في ثلاث مئة عام.
فما كان مني أن قلت: إن خطة الله استوعبت خطة هذه الدولة الماكرة. لا يوجد إلا الله الإنسان يهدد يتوعد يقول سأفعل سأسحق سأستأصل سيكون انتقامي فعالاً ومستمراً وكاسحاً، قل ما شئت أنت عبد هؤلاء العباد لهم رب ولو أن الله أسلمهم لك لا يستحق أن نعبده، لو أن هؤلاء أسلمهم إلى إنسان حاقد قوي يفعل ما يريد لا يستحق الله أن نعبده، قال تعالى:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾
[ سورة هود: الآية 123]
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك، نحن في زمن صعب، في زمن هناك من يدعي الألوهية هؤلاء الغربيون متألهون يعني أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب.
في طرفة وهي في الحقيقة طريفة جداً لي أصدقاء دعاهم صديق لهم إلى مزرعة فالمزرعة في مكان في جنوب دمشق لها باب كبير وعليه قفل كبير ولها حائطان، جاء المدعوون ومعهم طعامهم وفاكهتهم والبطيخ، لم يأتِ صاحب الدعوة فاضطروا أن يصعدوا على هذا السور العالي وتمزقت ثيابهم وقعت البطيخة منهم فانكسرت فلما نزلوا وجدوا أنه لا يوجد جدران مفاجأة كبيرة جداً كل هذا الباب والقفل لا يوجد جدران طبعاً مفارقة حادة، هذا الدرع الصاروخي أين أصبح ؟ أين الذي يتكلم عنه سنة، قال تعالى:

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[ سورة الحشر: الآية 2]
الحقيقة هناك من شاهد مشاهدات أعضاء الكونغرس وجدوا علبة على الدرج تفرقوا وكأنهم أطفال من خوفهم، خوف في فرنسا وبريطانيا وبالشمال والجنوب من علبة من ورقة من تهديد من اتصال هاتفي خوف ملأ قلوب البشر في خمس قارات.
أيها الإخوة الكرام:
يعنينا أن نعرف الله، يعنينا أن نفهم الأحداث فهماً قرآنياً صحيحاً لأن هذه القوى الجبارة لو أنها استمرت جبارة هذا يتناقض مع وجود الله، يكون الله قد ألهها، الناس قبل هذا الحدث لا يرون إلا هي، أنا زرت بلاد المؤمنين الذين هناك تفعل ما تريد هم يؤلهونها، الله موجود، الله عز وجل موجود لا يتخلى عن المؤمنين وهذا محور درس البارحة، لا يمكن أن يتخلى عن المؤمنين، يقول لك انتهى المسلمون في العالم، لا لم ينتهوا لكن ربما ضارة نافعة.
إخواننا الكرام:
لا تنسوا أن الآلام الشديدة التي ترافق الأمراض هي جزء من الشفاء، الآلام الشديدة التي ترافق الأمراض هي جزء من الشفاء وأن الأمراض الخطيرة ليس لها آلام أبداً كالسرطان ليس له آلام يتسلل تسللاً فحينما يقصوا الطرف الآخر يقسو لا يكون منصفاً يكون جاحداً، لا يكون موضوعياً يكون متبلياً، لا يكون عادلاً يكون ظالماً، لا يستمع إلى نصيحة هذا ليس بإمكانه أن يفعل شيئاً:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
[ سورة الزمر: الآية 62]
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾
[ سورة طه ]
إياك أن تتوهم أن الله يغفل، قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
[ سورة إبراهيم: الآية 42]
يعني ذاقوا ما يذوق العالم الثالث وتألموا أشد مما يتألم العالم الثالث والله لا نرضى أن يموت البريء والله، نحن إنسا نيون، سيدنا صلاح الدين عندما فتح القدس لم يسفك دم إنسان واحد، امرأة جاءته ولقد فقدت ابنها وقف ولم يجلس حتى أعادوا لها ابنها، بينما الفرنجة عندما فتحوا القدس ذبحوا سبعين ألف إنسان مسلم في يوم واحد، المؤمن كريم، رحيم، والشيء التالي لا يمكن أن تؤمن بالله إلا إذا كفرت بالكفر، تقول بلاد راقية، حقوق إنسان، مستوى راقي، هذا كله كلام فارغ، هذا الإنسان البعيد عن الله قلبه كالحجر قاسي، ألم تعلموا أن خمسمئة ألف طفل في العراق يموتون كل عام بسبب هذا الحصار، ما جرى بين العراق وإيران ذهب مليون إنسان، ما جرى في الشيشان ثلاثمئة، أربعمئة ألف، ما جرى في البوسنة والهرسك، ما جرى في ألبانية، ما جرى في كوسوفو، ما جرى في الصومال ما جرى في السودان، قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾
[ سورة إبراهيم: الآية 46]
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾
[ سورة إبراهيم: الآية 47]
ولكن....
أيها الإخوة:
سأقول كلاماً خطيراً أبدأه بمثل والمثل معبر جداً، إنسان أنشأ بناء وبنى شرفة وجد في أسفل هذه الشرفة تشققات ماذا يفعل ؟ أيهدمها لعلها جيدة ؟ أيبقيها لعلها فاسدة ؟ إخواننا المهندسون عندهم حل اسمه التحميل يضعون في هذه الشرفة عشرة براميل يملؤونها ماءً فإذا وقعت فلا ردها الله معنى هذا أنها سيئة وإذا صمدت معنى هذا أنها جيدة.
كأن الله جل جلاله في هذه الأيام العصيبة يمتحن المسلمين في العالم كله يمتحنهم بهذا الأسلوب التحميل فإن صمدوا هم إذاً جيدون وإن انهاروا وأشركوا وخافوا ونافقوا وتأمروا على بعضهم عندئذ هؤلاء لا خير فيهم، معنى أنهم سقطوا.
لذلك نحن في دار ابتلاء لا في دار تكريم، أكبر خطأ وقع به المسلمون أنهم عكسوا الأمر هم في دار ابتلاء فجعلوها دار جزاء، هم في دار عمل فجعلوه دار أمل، هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
ماذا بقي علينا ؟ بقي علينا أن نتعاون، أن نعود إلى الله، لأن يوجد خطر حقيقي والله لا خطر موهوم والمؤمن إن لم يتعاطف مع بقية المؤمنين والله يشك في إيمانه، ماذا ينجينا من هذا الخطر ؟ أن نصطلح مع الله، أن نراجع حساباتنا، أن نراجع أوراقنا، أن ننظر في بيوتنا هل هناك معصية؟ هل هناك بنت تخرج بشكل لا يرضي الله ؟ هل هناك زوجة لا تؤدي واجباتها اتجاه الله ؟ هل هناك في الدخل حرام ؟ هل هناك علاقات آثمة في العلاقات العامة ؟ فكل مؤمن عليه أن يضبط نفسه.
يروى أن الخديوي دخل في حرب مع السودان قصة قديمة ذكرتها على المنبر فسأل شيخ الأزهر ماذا أفعل ؟ فقال له: نحن في العادة مثل هذه الأزمات نكلف نخبة من العلماء الصالحين بقراءة كتاب البخاري، قال: افعلوا ذلك، فجاء العلماء وقرأوا البخاري والهزائم تتلاحق، فجاء مرةً غاضباً قال لهم: إما أن هذا الكتاب ليس كتاب البخاري أو إنكم لستم علماء. كلهم خافوا عالم شاب في المؤخرة قال له: أنت السبب، قال له: لماذا ؟ قال: يقول عليه الصلاة والسلام:
((إن لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر يدعو صلحائكم فلا يستجاب لهم ))
فارتعب وخرج من الأزهر والعلماء عنفوا هذا الذي قال هذه الكلمة ولاموه لقد خربت بيوتنا لعلنا نعاقب جميعاً من أجلك بعد حين جاء طلب من القصر يطلب هذا الذي قال هذا الكلام دخل على الخديوي فقال له: أعد على مسامعي هذا الذي قلت لي، قال: أنت السبب قال له: ولما ؟ قال: أليس في القاهرة دور دعارة ودكاكين للخمر، هذه المعاصي والآثام هي سبب تأخر النصر، قال له: ماذا أفعل ؟ هكذا يريد الغرب مني، هذه حضارة، قال له: إذاً أنت تسمح للمنكر ما ذنب شيوخ الأزهر والبخاري ليس لهم ذنب والخطأ منك.
وقد تابعت هذا الموضوع في كتب التاريخ إذا بهذا الخديوي يزيل هذه المنكرات بعدها انتصر، معنى هذا كلمة الحق مهمة جداً.
أيها الإخوة:
لماذا المنافق في الدرك الأسفل من النار ؟ لأنه أخذ ميزات المؤمنين هو عند الله مسلم وتمتع بانحرافات المنحرفين، جمع بين ميزات الإيمان فهو عند الناس مؤمن وتمتع بما يتمتع به الكافر المتفلت فاستحق أن يكون في الدرك الأسفل من النار.
المشكلة كل هؤلاء المسلمون في العالم محسوبون على الله ليسوا نماذج كاملة يوجد كذب، يوجد بهتان، غيبة، نميمة، تفلت، كسب حرام، علاقات آثمة، نفاق، هؤلاء محسوبون على الله وهم ليسوا على ما يرضي الله فكأن الله عز وجل أراد منهم أن يحددوا موقفهم إما أن تصطلحوا معي، إما أن تتوبوا إلى الله عندئذ يتولى الله أن يدافع عنكم وإلا أنتم وشأنكم، أنتم كهذه الأمم الشاردة يصيبكم ما يصيبها هكذا، الأمم الشاردة يأتيها زلازل براكين قهر فقر، هكذا لأن الآية الدقيقة:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾
[ سورة المائدة: الآية 18]
لو أن الله قبل دعواهم لما عذبهم، لو أنه قبل دعواهم لما عذبهم، قال تعالى:

﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[ سورة المائدة: الآية 18]
حينما لا نستقيم على أمر الله لا شأن لنا عند الله أبداً، نحن كهذه الأمم الشاردة يصيبنا ما يصيبها من فقر، قهر، ومن إهانة، أما إذا كنا مع الله يتولى الله أن يدافع عنا ويتولى أن يوفقنا وأن ينصرنا على أعدائنا، فالآن عملية فرز، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 179]
أنت خذ موقف واضح هل أنت ولي لله ؟ مرة أحد الأغنياء بالعصر العباسي غارق في الشرب والنساء والغناء والجواري فطرق بابه صالح ـ ولي ـ خرج غلام له فقال له: قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد، فلما أبلغه الرسالة قال له: من هو ؟ قال: ذهب، تبعه حافياً وهذا بشر الحافي وصار من كبار العلماء.
ما الذي زلزله ؟ هذه الكلمة إن كنت حراً فافعل ما تشاء وإن كنت عبداً فما هكذا تصنع العبيد.
الله لا يريدنا نرتدي ثياباً إسلامية، نتعطر بعطر مشايخ، مسواك في الجيب، وخاتم فضة، ومصحف في جيبنا، ومسبحة، تمر، امرأة سبحان الله، ما هذه التلبسة و والزعبرة؟ الله لا يريدنا أن نفعل أعمالاً ظاهرة وبيوتنا ليست مسلمة لا يوجد فيها انضباط، لا يوجد فيها تربية، يوجد كذب، دجل، خداع، كسب مال حرام، غش، والله الغش الذي يفعله المسلمون يستحقوا عليه عذاب الله، لا يهمهم النفاق والغش حتى يروج بضاعته يجب أن يضع امرأة شبه عارية في التلفاز، مسلم من رواد المساجد هذا النوع مرفوض الآن الله عز وجل عمل أسلوب التحميل يحملنا وإن شاء الله أن يكون التحميل ضمن طاقتنا، الدعاء: ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
يوجد عدو شرس قوي جداً حاقد نحن نحمل الآن يجب أن تحدد هويتك أنت ولي بالمعنى القرآني وليس بمعنى غير القرآني، إنسان رث الهيئة كلام خرافي هذا ولي، لا هذا كلام فارغ، قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾
[ سورة يونس ]
هذا هو الولي مؤمن مستقيم.
فأنت حدد هويتك:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلٍ ))
[ مسلم، الترمذي، أبو داود، أحمد]
موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لما يقتل ولا المقتول لما قتل، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن سكت استباحوا وإن تكلم قتلوه.
يا أيها الإخوة:
نحن في زمن صعب في زمن الفتن:

((عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... قَالَ: الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))
[ مسلم، الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]
لابد من أن نحدد موقفنا مع الله، الدعاء: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في قضائك نافذ في حكمك، أعوذ بنور وجهك التي أشرقت له السماوات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك أو أن تحل بي سخطك ولك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك و أنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
نحن في زمن صعب وفي زمن فرز، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 179]
أرجو الله أن يتمم بخير وأن نعتصم بالله عز وجل وأن نصلح بيوتنا، الله ما كلفك أن تقنع العالم الغربي أن يغير سياسته، هل تستطيع ؟ هل تستطيع أن تقنع العالم الغربي المتغطرس أن يغير سياسته مع المسلمين؟ لا والله لكن ماذا تستطيع أن تفعل ؟ أن تقيم الإسلام في بيتك هذه مملكتك وفي عملك، كل إنسان يعاهد الله أن يكون مسلماً في بيته وفي عمله أديت الذي عليك انتظر أن تأخذ من الله الذي لك، أديت الذي عليك بقي لك أن تأخذ من الله الذي لك أما نحن في زمن صعب، الأحاديث التي وردت عن آخر الزمان مخيفة:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: ما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف))
ويوجد أشد من ذلك.
فيا أيها الإخوة الكرام:
هذا الذي حدث وقع بقضاء الله وقدره وقد أراده الله بمعنى سمح به لأنه فرز للمؤمنين، سوف يكون بعد حين لا يوجد إلا أناس يؤمنون بالدنيا فقط وأناس يؤمنون بالآخرة، حضارة أناس سيطرة على الطبيعة وحضارة المسلمين سيطرة على الذات، محسن ومسيء، منصف وجاحد، أخروي ودنيوي، شيطاني ورباني، لا يوجد غير هذا لأنه قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
[ سورة القصص: الآية 50]
إن لم تكن على الحق فأنت على الباطل قطعاً، أثنينية خطان لا ثالث لهما إن لم تكن على الحق فأنت على الباطل، هذا كلام خطير فالآن لا يعصمنا من أعدائنا إلا أن نكون مع الله، فإذا كان الله معك فمن عليك.
أختم درسي هذا بهذا النص ورد في الأثر:

((ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه وقطعت أسباب السماء بين يديه.))
فلنعتصم بالله ولنحكم علاقتنا بالله ولندع كل شهوة لا ترضي الله ولنأمر بالمعروف ولننهى عن المنكر ولا نجامل ثم لنتقي الله ولنصبر حتى يلغي الله شبحهم و وكسهم الأواكس تلتغى إذا اعتصمنا بالله لأن الله عز وجل قال:

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا﴾
[ سورة آل عمران: الآية 120]
لا صواريخ ولا مروحيات ولا مكر ولا أقمار صناعية ولا تهديدات، إذا كان الله معك فمن عليك، أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون اقتربت من هذا الذي حدث والذي اهتز له العالم ولكن من منظور إيماني، يوجد عدة زوايا رؤية أنا أعنى بزاوية القرآن، طبعاً أي منبر آخر له أن يقول ما يشاء له أن يحلل ما يشاء لكن في بيت الله لا يمكن أن يطرح إلا المنظور الإسلامي.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:42 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 039: فرز المؤمنين في الزمن الصعب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-09-23
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
من دروس التربية الإسلامية لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، فرز المؤمنين في الزمن الصعب.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزنا اتبعاه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
لا زلنا في موضوع ساخنٍ جداً يحير المسلمين، ما الذي يثبت قلب المسلم ؟ قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
( سورة إبراهيم: 27 )
ما القول الثابت ؟ القرآن الكريم، أضرب مثل: لو أن أمةً فيها عدل تام، أقام عليك إنسان قوي جداً دعوى، والقانون معك، وفي اجتهاد لمحكمة النقض لصالحك، والقاضي نزيه، والاجتهاد واضح وثابت ويجب أن يأخذ به، لماذا تنام مطمئناً ؟ لأن هذه الفقرة في القانون لصالحك، والقاضي ينبغي أن يأخذ بها، أنت مطمئن لكلمات لحبر على ورق، والخصم قوي جداً، له حجم كبير، وأنت لاشيء، لكن هذه الكلمات من اجتهاد محكمة النقض لصالحك، والمحامي يعرفها، والقاضي نزيه، والبلد في عدل، سبب الطمأنينة أن هذا الكلام لصالحك، طيب معنى قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
يعني مؤمن مستقيم على أمر الله، متوجهٌ إلى الله، يخاف أن يعصي الله، يقرأ القرآن:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل: 97 )
هذه الآية وحدها تملئ قلبه راحة، وتملئ قلبه سكينة، وتملئ قلبه رضاً، وتملئ قلبه ثقةً بالله عز وجل، لذلك الإيمان شيء خطير جداً أنت إذا كنت مؤمناً حقاً في بقلبك من الأمن ـ الله ـ ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، الخوف يرافق الشرك، أنت خائف بقدر ما أنت مشرك وأنت مطمئن بقدر ما أنت مؤمن، أنا لا أجرؤ، ولا يجرؤ غيري على وجه الأرض أن يقول في الدين كلام من عنده، من أنا ؟ من أنت ؟ حتى تقول في الدين كلاماً من عندك، في الدين هناك مرجعان كبيران الكتاب والسنة، لذلك هذا الأمن الذي يتمتع به المؤمن مهما اشتدت الأمور، مهما كبرت، مهما بدا لغير المؤمن أن النصر محققٌ للكافر، الحقيقة ما في.......، ما قولك ببطل الملاكمة في العالم، أمام طفل صغير عمره أربع سنوات قام صرعه، أيعد هذا وسام شرف له، يعني ممكن أقوى دولة في العالم تهيئ أسلحة إلى أضعف دولة في العالم، وأفقر دولة في العالم وجفاف ثلاث سنوات، ليس هذا نصراً أبداً، إن لم يكن الطرف الآخر نداً لك لا معنى لهذا النصر، هذا نصر الجبناء أساساً، يبدو أن الله عز وجل سيحقق هذه الآية:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
( سورة آل عمران: 179 )
هذا فرعون العصر نحن نسميه فرعون العصر، إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، مقولة كافر، إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، حدد موقفك طيب لو أن الله أراد منا أن نحدد موقفنا، حدد موقفك، أنت محسوب مسلم ما يستغنوا عنك، محسوب مؤمن ولست بمؤمن، مع أهل الدنيا.

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)﴾
( سورة البقرة: 14 )
يعني مسلم عنده عواطف، عنده خلفية إسلامية، عاطفة إسلامية ثقافة إسلامية، اهتمامات إسلامية، أرضية إسلامية، نزعة إسلامية لكن ما هو مسلم، لأن الإسلام منهج، سبحان الله، كيف مسخ الإسلام إلى خمسة عبادات شعائرية، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام عفة الإسلام إنجاز وعد، الإسلام وفاء بالعهد، الإسلام استقامة، الإسلام إنصاف، والله الذي لا إله إلا هو لو قست المسلمين بمقياس الإسلام لما كانوا مسلمين، لا والله، لكن المساجد ممتلئ، العبرة بالمستقيم، الله عز وجل قال:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾
( سورة الكهف: 105 )
عن ثَوْبَانَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
((يُوشِكُ الأُمَمُ أنْ تُدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا تُدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُيرٌ، وَلَكِنّكُم غُنَاءُ كَغُنَاءِ السّيْلِ.))
[ أخرجه أبو داود ]
كنت مرة في مؤتمر إسلامي في أبو ظبي، وفي ندوة حول الجنس ثلاث ساعات بقيت، ورد أسئلة يندى لها الجبين، وكأن اهتمام العالم الإسلامي لا يزيد عن الجنس إطلاقاً، وكان من الممكن أن تلخص كل هذه الندوة بكلمتين، حرم الله شيئين في العلاقة الزوجية والباقي مباح، أما إذا المباح وردت أسئلة يخجل الإنسان إذا كان وحده أن يتصورها، على المحطات الفضائية أعيدت ثلاث مرات هذه الندوة، حتى أن مجلة، مجلة شاردة في مصر يعني تناهض الدين سخرت من هؤلاء المسلمين، يعني العدد الغفير من مليار ومئتين مليون، يعني أنا قلت لكم سابقاً والله لولا أنه يعني أخ كريم داعي كبير خطيب مسجد محترم جداً، يعني من فمه إلى أذني لو أن هذا قاله بفمه وسمعته بإذني مباشرة لا أصدقه، قال لي: كنت ببلد مسلم شرقي أوربا، هو من هناك، قال: اعتليت المنبر، في أمام عشرة آلاف مصلي، أضخم مسجد، وألقيت خطبة رائعة جداً وبكوا الناس من شدة التأثر، من شدة تأثرهم أخرجوا بطحات عرق وشربوها في المسجد، وهم يبكون من هذا الخطيب، هذا نموذج من المسلمين، معاهد تستقبل طلاب من بلاد إسلامية معها الفوتكة في محافظها، أنا متأكد الله جل جلاله، لا يمكن ومن سابع المستحيلات أن يتخلى عن المؤمنين، لكن أين المؤمنين، يبدو أن الله سبحانه وتعالى سيفرز المؤمنين الآن فرز استمعوا إلى قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
أنت انظر الطلاب بالمرحلة الثانوية كلهم يرتدي ثياب تشير إلى أنهم طلاب، طيب من هو المجتهد منهم ؟ من المقصر ؟ من الذي يغيب أيام وأيام ؟ من الذي يرتاد الملاهي والسينمات ؟ من الذي يداوم ؟ من الذي يدرس ؟ لا بد من امتحان، ممكن توهم الناس أنك طالب جيد تسعة أشهر، لكن في يوم في امتحان، صفر أو ناجح، تأكدوا لا يمكن أن يدع الله الناس هكذا، كلنا مسلمين، كلنا مؤمنين كلنا نحب الله عز وجل، يأتي الامتحان، الامتحان قد يكون شدة شديدة، الآن والله في شدة شديدة، والأخبار مخيفة، يعني وحش حاقد وقوي، لا يرى شيئاً أمامه، يتصرف بعنجهية وحمق لا بعده تصرف فنحن من لنا إلا الله.

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
أخوانا الكرام:
ماذا نفعل ؟ الله عز وجل قال:

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60)﴾
( سورة النجم: 59 ـ 60 )
والله ينبغي أن ينتهي هذا الدرس، وأن تبدأ متاعبنا، كيف أصلح ما في بيتي، كيف أضبط زوجتي ؟ كيف أضبط بناتي ؟ كيف أحرر دخلي ؟ كيف اتصل بالله ؟ كيف اخشع في الصلاة ؟ كيف أكون مستجاب الدعوة ؟ كيف أكون من الفالحين ؟ هذا شغل المؤمنين الشاغل وإلا في شدة شديدة، مع أنه ما من شدة إلا وراءها شد إلى الله، وما من محنة إلا وراءها منحة، المحنة وراءها منحة، والشدة وراءها شدة إلى الله، وأنا والله لست متشائماً لا والله، إني متفائل، لكن.

﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾
( سورة الأنفال: 42 )
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذلك لعمري في المقام شـنيـــع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن المحب لمن يـحب يــــطيع
***
أحد التابعين كان يقرأ القرآن فإذا بقوله تعالى، الله عز وجل يصف قرآنه الكريم بأن فيه ذكرنا.

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾
( سورة الأنبياء: 10 )
يعني أنت كنموذج، هذا النموذج مذكور في القرآن، قرأ الآيات التي تتحدث عن الكافرين قال لست هنالك، أنا ما لي كافر الحمد لله، قرأ الآيات التي تتحدث عن المؤمنين، والله لا تنطبق علي قال، أنت إذا قرأت قرآن وفي بالقرآن أوصاف المؤمنين، أليس هناك يعني سؤال وجيه هل هذه الأوصاف تنطبق علي أم لا تنطبق، هذا سؤال مهم جداً، أنا الآن أضعكم أمام آيات عديدة، أقسم بالله العظيم أنني أقرئها وأتلوها مئات المرات، لكن ما كنت أتوقع أن تكون هذه الأحداث الخطيرة التي يمر بها المسلمون هي الشفاء، تقرأ هذه الآيات وكأنها تتنزل الآن، وكأنها تنزلت في هذه الأحداث، وكأنها تتنزل أول مرة، قال من هم المؤمنون ؟ قال:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾
( سورة آل عمران: 173 )
والله العدو يمارس علينا حرب إعلامية تنهد لها الجبال، الجبال تنهد، يعني مكشوفين بالأقمار الصناعية، أي حركة، أي سكنة، حاملات طائرات، 250 طائرة عملاقة، أسلحة جرثومية، أسلحة غازية، قنابل خارقة حارقة، الآن في قنابل إذا في ألف شخص بملجأ كيف نميتهم ؟ والملجأ سمكه متر، أسمنت مسلح، في قنابل أول شيء تخرق هذه المسافة، متى تنفجر بعد خرقها ليموت كل هؤلاء، هذه القنابل خارقة حارقة، في قنابل غازية، في قنابل عنقودية، في قنابل ذكية، في أشعة الليزر تركبها القنبلة تأتي في المدخنة بالضبط، في تفوق بالسلاح لا يصدق، وهذا كله الآن معد للمسلمين، كله معد لهؤلاء المسلمين الذين قالوا ربنا الله.

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة البروج: 8 ـ 9 )
ففي تخويف يفوق حد التصور، سألوا واحد بروسية معمر ما سر هذا العمر المديد ؟ قال لهم لأنني لا أسمع الأخبار أبداً، معه حق والله الأخبار مخيفة.

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾
( سورة آل عمران: 173 )
في هذه الأيام أنت بأمس الحاجة إلى الإيمان، الأمر بيد الله.

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة الزخرف: 84 )
﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة ياسين: 83 )
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة الفرقان: 2 )
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
( سورة هود: 123 )
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾
( سورة السجدة: 4 )
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
( سورة الكهف: 26 )
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾
( سورة الأنعام: 18 )
والله الذي لا إله إلا هو كنت مرة في سفر فدخلت إلى مسجد فإذا لوحة كبيرةٌ جداً في صدر المسجد، فوق المحراب، بأكبر خط بخط خطاط مستواه عالي جداً، والله لما قرأتها اقشعر جلدي.

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح: 10 )
هذه الآية:

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
مرة قرأت آية:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
( سورة الزخرف: 79 )
أنتم خططوا، واتخذوا قرارات، بعضها علني، وبعضها سري.

﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾
أنا ملك الملوك ومالك الملوك قلوب الملوك بيدي فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة والنقمة، فهذا الذي يبدو لك قوياً، أنا أسميه فرعون العصر، فرعون العصر بيد الله، وأعوانه بيد الله وهيئات أركانه بيد الله، وحاملات الطائرات بيد الله، والطائرات بيد الله لكن نقول لهم أنسيتم يوم ألقيتم على نكزاكي وهيروشيما قنبلتين ذريتين فمات خلال ثلاث ثواني ثلاثمئة ألف إنسان، كم ذهب لكم بهذه الأحداث ؟ 6000 كما يقولون، ثلاثمئة ألف ماتوا فوراً.
أيها الأخوة الكرام:
أذكركم بهذه الآية:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) ﴾
يعني بربك لو أن جندي غراً التحق بلواء وكان قائد اللواء آباه، وفي بهذا اللواء رتب من لواء ونازل، فجاء عريف بسبعة هدده، فصار يبكي أليس هذا الجندي فاقد العقل، كل هذه الرتب مهما علت بيد والده، كيف يبكي من تهديد مساعد في الجيش، معنى ذلك هذا جاهل جهل مطبق، أنت إذا كنت مع الله لا ينبغي أن تخاف من غير الله، بعض الأدعية أدعوها دائم يوم الجمعة، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، والله أيها الأخوة والله الذي لا إله إلا هو، لو أنك لم تخف إلا من الله لا يمكن أن يخيفك الله من أحد، دقق، أما إذا لم تخف من الله فيما بينك وبينه أخافك الله من أحقر الناس، بتلاقي شخص محترم له مكانة بالسوق كبيرة، يأتي موظف بقلك أرتعد مفاصلي، في شهرين بعدرا لأنه، شهرين سجن، إذا عم تغش الزبائن، وتعصي الله فيما بينك وبينه، وتملئ عينيك من الحرام وتكذب في البيع والشراء، وتؤذي المسلمين في بيعهم، إذا كان دخل هذا الموظف ينبغي أن تخاف، لكن من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.
دققوا: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) ﴾

الآن إذا واحد موكل محامي من الدرجة الأولى يمشي بالعرض أنا محاميّ فلان، فكيف إذا كان الله هو الذي سيدافع عنك، من أي هذا الكلام ؟ من القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة الحج: 38 )
وأحياناً جلت حكمته، وعلا قدره ينجيك بسبب صغيرٍ جداً، يعني دعوى إسلامية رأس هذه الدعوة رسول الله، أقرب إنسان إليه الصديق كانا في غار ثور، المطاردون وصلوا إلى غار ثور، ما الذي منعهم من الدخول العنكبوت، العنكبوت أنقذ الدعوة الإسلامية كلها، طيب في الخندق:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾
( سورة الأحزاب: 10 ـ 12 )
أيام بقلك طلعت كلها سحبة بسحبة، كلها زعبرة وين النصر، أيام الإنسان يمتحن، الله يريه الكافر قوي يفعل ما يريد، الحقيقة شيء يحير، بتلاقي غارقين بالجنس، غارقين بالربا، غارقين في الانحراف، في اللواط، في السحاق مدينة بأكملها أجمل مدن أمريكا كلها لواط، إنسان فاسق، 75% منها شاذين جنسياً، نساء مع نساء، ورجال مع رجال لذلك أيها الأخوة.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) ﴾
( سورة آل عمران: 173 ـ 174 )
نحن في أمس الحاجة إلى الإيمان، الحقيقة هو من أين يبدأ الضعف، من الداخل، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((نُصِرْتُ بِالرّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))
[ أخرجه النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]
أمته حينما تركت منهجه هزمت بالرعب مسيرة عام، النصر يبدأ من الداخل، أنا أقول لكم دائماً أيها الأخوة: ليس من الخطأ ألا ننتصر من الخطر الشديد أن نهزم من داخلنا، لذلك كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يفرز المؤمنين.

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
كما قلت في بداية هذا الدرس أن فرعون العصر يقول إن لم تكن معنا أنت ضدنا، طيب الإله العظيم لو أنه أراد أن يمتحن المؤمنين، أنت مع من، الله عز وجل:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
( سورة القصص: 50 )
معناها هناك طريقان لا ثلاث لهما، أنت إن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر حتماً، دليل قطعي واضح.

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
لذلك الآية الكريمة:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾
( سورة آل عمران: 173 ـ 175 )
ماذا يفعل الشيطان ؟ ليتك تقرأ الآيات المتعلقة بالشيطان مهمته الأولى، أن يلقي في قلبك الخوف.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
قال أحد كبار العلماء معنى الآية الدقيق يخوف المؤمنين من أولياء طواغيت الكفر.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
الآن الله عز وجل يقول لنا:

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾
كنت أقول سابقاً في قوله تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود: 55 ـ 56 )
إن خفت من الدواب فأنت مشرك، وإن خفت ممن يأخذ بناصية الدواب فأنت مؤمن موحد، يعني أنت في حديقة حيوان، وحوش مخيفة كلها مربوطة بأزمة بيد جهة قوية عادلة، رحيمة، سميعة، بصيرة، أنت إن خفت من الوحش فأنت مشرك، وإن خفت ممن يملك زمام الوحش فأنت مؤمن، أنا علاقتي مع الله عز وجل، نحن في أمس الحاجة إلى هذه المعاني، نحن في أمس الحاجة إلى أن نعود إلى ديننا، أنا درس الجمعة الأول والثاني حول ماذا، حول الذين:

﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾
( سورة الفتح: 6 )
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾
( سورة فصلت: 23 )
أحياناً الإنسان يظن بالله ظن السوء فيهلك، من ظن أن الله لن ينصر رسله والمؤمنين، وأنه يزيل الشرك على التوحيد إزالة مستقرة مستمرة، فقد ظن بالله غير الحق، من ظن أن هذا الذي وقع ليس بقضاء من الله وقدر، فقد ظن ظن السوء، ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية من ظن أن هذا الذي وقع بقضاء من الله وقدر ولكن من دون حكمة، الآن كم واحد يقول لو لم يكن هذا الحدث ما كنا في هذا الخطر، لا، لكل شيئاً حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
يعني يخوف المؤمنين من أوليائه، الله عز وجل يأمرنا، وأمر الله يقتضي الوجوب، في كل آية في كتاب الله.

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾
وأنا لي كلمة أرددها كثيراً، إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك، لكن صدقوا أيها الأخوة أننا في هذه الحياة الدنيا كمسرح في خشبة، خشبة مسرح وفي مقاعد للمشاهدين، إن كنت مستقيماً على أمر الله فلك مقعد مع المشاهدين، ترى عجباً، وإن لم تكن مستقيماً لا بد من أن تجر إلى خشبة المسرح، وأن تؤدب، وأن تغدو قصتك قصة ممتعة، نسأل الله السلامة، يعني في درس سابق ذكرت أيضاً درس الجمعة أنه ليس بين الله وبين عباده وسيط.

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
( سورة البقرة: 219 )
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾
( سورة البقرة: 220 )
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
( سورة البقرة: 222 )
اثنتا عشرة آية تبدأ بـ يسألونك، ويأتي الجواب وبين السؤال والجواب قل، إلا في آية واحدة.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
( سورة البقرة: 186 )
إذا كان لك وقت تناجيه، وقت تطلب حمايته، تطلب أن يدافع عنك، تطلب أن يحميك، والله ما كان يخطر في بالي أن من بعض الأدعية، اللهم إن أعوذ بك من شر ما عملت ـ دقق ـ ومن شر ما لم أعمل أيام يلبسوك تهمة، وأنت بريء منها، إذا الإنسان منحرف، لكن أريد أن أقول شيئاً، والله هو أهم ما في هذا الدرس، أرجو أن تصغوا إلي جيداً والشيء خطير، دائماً في عنا أسباب ظاهرة، وأسباب بعيدة، الزلزال له سبب ظاهر، اضطراب بالقشرة الأرضية، لكن من هو مسبب الأسباب ؟.

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾
( سورة الكهف: 59 )
في بلدة بالمغرب اسمها أغادير، يعني بلد العراة، كلها نوادي عراة، وكلها منطقة سياحة أنشئت من أجل أن تستجلب الأوربيين ليقضوا فيها متعهم الرخيصة وينفقوا أموالهم الطائلة، هذه البلدة أصابها زلزال فاختفت في بضع ثواني، لو قلت الزلزال سببه اضطراب القشرة كلام طيب، بس أنت بقيت في السبب الظاهر، لو تعمقت.

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾
الآن الإنسان أحياناً يكذب بالآخرة، يظلم، يترف، يفسد، في عشر أسباب في إهلاك الأمم من الكتاب والسنة، كل سبب في عدة آيات وعدة أحاديث، أسباب هلاك الأمم، لو أن أمة إسلامية استحقت الهلاك أو التأديب، هذا هو السبب الحقيقي، المباشر، قد تهلك بزلزال، وقد تهلك بفيضان، وقد تهلك بجفاف، وقد تهلك بحرب أهلية، وقد تهلك بعدوان خارجي، الظواهر متعددة، أما السبب الحقيقي واحد.

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) ﴾
( سورة الأنعام: 65 )
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
الصواعق والصواريخ.

﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
الزلازل والألغام.

﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
هذه الحروب الأهلية، إذاً السبب الحقيقي هو أننا وقعنا فيما يوجب هلاكنا، المباشر ما نعرف، قد يكون عدوان داخلي، عدوان خارجي، قد يكون حرب أهلية داخلية، قد يكون زلزال، قد يكون جفاف، قد يكون فيضان، قد يكون صواعق، لكن العبرة لا في الأسباب الظاهرة ولكن في الأسباب الباطنة.
أيها الأخوة:
أقول لكم هذه الحقيقة خطيرة جداً هناك في القرآن والسنة أسباب لهلاك الأمم والشعوب، هذه الأسباب هي الأسباب الحقيقية لما يصيب الناس، أما الأسباب المباشرة تتنوع، تتنوع تنوعاً عجيباً، قد نهلك بالجفاف، كما في بعض البلاد، وقد نهلك بالفيضانات، وقد نهلك بالزلازل، وقد نهلك بمشكلات داخلية، كما يجري في بعض البلاد، وقد نهلك بعدوان خارجي، هذه كلها أسباب ظاهرة، ما السبب الحقيقي ؟ الحقيقي أننا وقعنا في ما يوجب هلاكنا، لذلك من هو الطبيب الناجح ؟ إذا جئت بطبيب وابنك حرارته مرتفعة إعطاء خافض حرارة يكون طبيب ؟ أبداً الحرارة عرض لمرض فإن عالج هذا العرض ليس طبيباً، ينبغي أن يعالج المرض، لذلك أكثر ما نعانيه من المشكلات هي أعراض الإعراض عن الله، لعل الله سبحانه وتعالى بهذه الشدة نعود إليه لكن ينبغي أن تعلم أنكم إذا ظننتم أن هذا الذي حصل شر مطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ولكن شر نسبي، ظاهره مزعج لكن ينتهي إلى خير المسلمين ينبغي أن تتفاءل، يعني كلكم يعلم أن الذي يجري في فلسطين، هذه الشدة التي لا تحتمل، هذا فرعون فلسطين أيضاً، والله أترفع عن ذكر اسمه شهد الله، لأن ذكره يعكر المجلس، هذا شدته سماه تركس، أنا سميته ثوراً هائج مصاب بجنون البقر، شدته وحدت الفلسطينيين، أليس كذلك لم يكون موحدين أبداً، كانوا شطران، شطر يعمل لصالحه وشطر آخر هي ظاهرة شدة باهظة، هدم بيوت، وقتل نساء، وقتل أطفال، لكن أصبح هؤلاء كتلة واحدة، هذه الميزة الكبيرة تحتاج إلى سبب، ذكرت لكم مرات عديدة، أني رأيت ألماس في استنبول حقها 150مليون دولار والألماس أساسه فحم، أحضر فحمة بحجمها كم تبيعها ؟ بسوق الفحم، خذ كيلو فحم واستكبر فحمة كم تبيع هذه الفحمة ؟ طيب الألماس فحم، ما الفرق بين الألماس والفحم ؟ هو الضغط، فكل ما انضغطت أيها المؤمن بصير ألماس، لا تخاف، كل ما انضغطت بصير ألماس، الدنيا لا قيمة لها، الدنيا عرض زائل، يأكل منه البغي والفاجر، الله يعطي الدنيا لمن لا يحب، ويعطيها لمن يحب، إذا ليست مقياساً، ألم يعطِ الملك لفرعون ؟ هل يحبه لا والله، لكنه أعطى الملك لسليمان، هو نبي كريم، ألم يعطِ المال لقارون، هو لا يحبه، أعطى المال لسيدنا عثمان يحبه، ما دام الشيء يعطى لمن يحب لمن لا يحب فليس مقياساً، أبداً فلذلك أيها الأخوة:
البطولة قال لك ألا يتحقق فينا أسباب هلاك الأمم، ألا نظلم، أن نعود إلى الله، أن نتواضع، أن نتحرى الحلال، أن نضبط بيوتنا نضبط أعمالنا، نضبط جوارحنا، أكاد أقول لكم الإسلام مئة ألف بند مسخ الإسلام إلى خمس عبادات شعائرية، يفعل كل شيء، يعني رحلة رحلة عمل إلى بلد كلهم مسلمين، كلهم من أبناء هذه البلدة، الذي فعلوه لا يصدق في هذه البلاد البعيدة الجميلة، لا يصدق، من شرب خمر، ومن زنى، وكلهم يرتادون بعض المساجد، هي النموذج، أتريد أن ينزل نصر الله على هؤلاء، لا والله، والله لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن لما خرج الإسلام من مكة، كيف وصل إلى أطراف الدنيا بالعدل بالأمانة، بالصدق، بالعفة.
كنت مرة في تركيا التقيت مع جريدة زمان لأجراء حديث صحفي قلت لهم أنتم وصلت إلى فينا، قال صح، قلت له في فينا لوحة زيتية مشهورة تصور الجنود المسلمين العثمانيين وهم يشترون العنب من فتيات فينا يغضون أبصارهم، ويعطونهم ثمن العنب، قلت لهم مازحاً حينما غضضتم بصركم عن فتيات الأجنبيات وصلتم إلى فينا، أم حينما بحلقتم عدتم إلى ما كنتم عليه، فالقصة قصة طاعة لله.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب: 71 )
والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:44 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 040: الدروس المستفادة من الأحداث الجارية في العالم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-09-30
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون: إن لله في خلقه آيات ثلاث:
له آيات كونية هي خلقه، وهذه ثابتة واضحة، السير في التفكر في آيات الله الكونية آمن وثابت، ولا مشكلة أبداً وتفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.
وإن لله في خلقه آيات تكوينية، أي أفعاله، زلزال، صواعق براكين، حروب أهلية، اجتياح، تدمير، حروب، هذه أفعاله.
وله في خلقه آيات قرآنية: كلامه، أمر واضح كالشمس، خلقه وأفعاله وكلامه.
تفكروا في خلقه ما شئتم، الطريق سالك وآمن إلى الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، لكن الله جل جلاله أمرنا أن ننظر في أفعاله، لكن ظان ننظر في أفعاله في ضوء أقواله.
الحقيقة التفكر في أفعال الله من دون أن تستنير بأقواله طريق فيه ألغام كثيرة، تجد شعوب كثيرة مقهورة مضطهدة جاهلة، وشعوب غارقة في الآثام والمعاصي والإباحية وكل أنواع الفجور وهي قوية ومستعلية، إن نظرت إلى أفعاله من دون أن تهتدي بأقواله في مطب كبير جداً، النظر في خلقه من دون قيد أو شرط، لكن النظر في أفعاله يحتاج إلى أن تستنير بأقواله، تنظر إلى أفعاله من خلال أقواله، ولأن المسلم يعيش كغيره من الناس، هناك أحداث طبعاً هذا هو الدرس الثالث الذي لم أستطع أن أفك فيه عن الموضوع الساخن الذي حولنا، موضوع مصيري.
قد يأتي قصف يدمر بلداً مسلماً بأكمله، وهناك بلاد إسلامية عديدة جداً معرضون للقصف ومستهدفون، لذلك حتى في هذا الدرس الثالث لم أستطع أن أنفك عن هذا الحدث الضخم الذي ألم بالعالم كله، لكن كما أقول دائماً هناك ألف منبر إعلامي صحيفة مجلة محطة فضائية.... القائمون على هذه المنابر لهم أن يقولوا ما شاؤوا، ولكنك إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله لا يمكن إلا أن تستمع إلى ما في الكتاب والسنة من تفسير لما يجري، هنا مقيدون بمنهج، هنا مقيدون بحكم شرعي، هنا مقيدون بالوحيين الكتاب والسنة، هنا لا نستطيع أن نقول كلمة إلا وفق الكتاب والسنة، لكن لأن هذا الحدث ساخن جداً ولا يعفى أحد من التأثر به، عدو أو صديق، ولأن مستقبله خطير جداً لابد من أن نبقى بهذا الحدث والموضوع الساخن
أيها الأخوة: الإنسان من دون وحي وأنا أقول هذا مراراً كالذي يملك عيناً حادة البصر من دون نور، حكمه حكم الأعمى، والعقل البشري من دون وحي يدمر صاحبه، أول وهم كبير تلاشى أن القوة هي كل شيء وأن القوة هي التي تصنع الحق عند هؤلاء، وأنه ما من حصن لك كأن تكون قوياً، وقد غاب عن هؤلاء الأقوياء ما في القرآن الكريم من تعقيب على هذه المقولة قالت عاد:
﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾
(سورة فصلت)
لمجرد أن تقول أنه ليس هناك من هو أقوى مني، سيريك الله جل جلاله أن قوتك لاشيء أمام قوته، لذلك هذه الآية:

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
(سورة الحشر)
درس لنا، درس لكل مسلم على مستوى فردي، لا تقول أنا متفوق أنا متمكن أنا عندي مال لا تأكله النيران، أنا مركزي قوي جداً في هذه الوظيفة، حينما تقول أنا قوي تقع في مطب كبير، وقد يرتكب الذي يدعي هذه القوة حماقة ما بعدها حماقة، ويرتكب خطأ ما بعده خطأ، الحقيقة الله عز وجل أمرنا أن ننظر في أفعاله، أمرنا أن نتفكر في خلقه.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
(سورة آل عمران)
وأمرنا أن ننظر في أفعاله.

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾
(سورة الأنعام)
الذين كذبوا بالوحي وكذبوا بالدين وآمنوا بالدنيا فقط ونظروا بعين واحدة وعينهم في الحياة الدنيا فقط، هؤلاء كيف أن الله يأتيهم من حيث لم يحتسبوا، وكيف أن الله يقذف في قلوبهم الرعب، القصص التي نسمعها عن انتشار الرعب والزعر في هذه البلاد العقل لا يصدقها طائرة ضخمة جداً متوجهة من لوس أنجلوس إلى كندا فيها راكب يدخن، طلب منه أن يطفئ سيجارته فأبى، فخافوا منه، فرجعت الطائرة بعد أن أمضت ساعتين من الطيران وحلقت إلى جانبها طائرتان عسكريتان خوفاً من أن تتجه إلى جهة، هاتف يأتي إلى مطار فرنسا أنه يوجد قنبلة تغلق أبواب المطار تلغى الرحلات كلها، ساعتان تعطلت فيها حركة الطيران، والله أنا أستمع كل يوم إلى خبر لا يصدق يعيق حركة مطار عشر ساعات، راكب عنده دعابة جاءت المضيفة قال: هل يوجد إرهابي ؟ قالت: لا، قال: أنا إرهابي، وألغيت الرحلة وأخذوه على التحقيق ثلاث ساعات ! قال: أنا أمزح لا يوجد شيء من هذا.
فيا أيها الأخوة: أنا أريد أن أستفيد من هذا الذي وقع، يوجد آيات، والإنسان يقرأ الآيات فلا ينتبه إليها، إياك أن تقول من أشد مني قوة ؟ لا على مستوى جماعي ولا على مستوى فردي ولا على مستوى صاحب حرفة، لأنك تكون أول تاجر تصبح آخر تاجر، أنا أول مدرس تصبح آخر مدرس، أنا أول طبيب، يوجد طبيب تفوق تفوقاً يفوق حد الخيال طبيب نسائي، و ذاع صيته واعتز بعلمه أثناء ولادة أراد أن يقطع المشيمة فقطع الرحم، وقطع الأمعاء، ولولا أنه أسعف هذه المريضة غلى مستشفى أخرى لسحبت منه شهادته، قائد فوج في الحج تفوق تفوقاً كبيراً فقدم له كتاب شكر، أذاع هذا الكتاب في الأوساط الدينية، في العام القادم كان فوجه أسوأ فوج ! إياك أن تقول أنا، الصحابة الكرام وفيهم رسول الله قالوا: لن نغلب من قوة فغلبوا في حنين.

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾
(سورة التوبة)
إذاً أنا أيها الأخوة: أدعوكم إلى التأمل فيما جرى لا في ضوء التحليلات التي تسمعونها، لأن الإعلام الغربي خطير جداً، ورد ذكره في القرآن الكريم، من يذكر الآية ؟ الإعلام الغربي أخطر سلاح بيد الغرب قال تعالى:

﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾
(سورة غافر)
على لسان فرعون، أنت لا تستمع إلى خبر إلا إذا كان مستهدفاً من قبله حتى تتحطم معنويات المسلم حتى يخاف حتى يستسلم حتى يقعد، أنت إعلامك قرآني، فأول شيء من اعتمد على القوة وحدها فقد أخطأ الهدف، يجب أن تعتمد على الله وأن تسعى أن تكون قوياً.

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
(سورة الأنفال)
أما هؤلاء الذين بلغوا ذروة النجاح في القوة لأنهم اغتروا، إذاً قوتهم كانت سبب تدميرهم، لذلك الآن يطرح في الإعلام أن القوة وحدها لا تكفي لابد من أن يكون مع القوة حكمة، ولولا الحكمة مع القوة لكانت القوة مدمرة لصاحبها، أنا أرى أن درس بدر وحنين درسان خطيران في حياة المسلمين، لمجرد أن تقول أنا يتخلى الله عنك، لمجرد أن تقول الله يتولاك الله.

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
(سورة التوبة)
وفي بدر:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
(سورة آل عمران)
أول درس نستفيده أن القوة وحدها لا تكفي، وأنها قد تؤدي إلى الغرور ومع الغرور الحمق.
النبي عليه الصلاة والسلام بالحكمة التي منحها الله إياها حوّل أعدائه إلى أصدقاء، والإنسان من دون حكمة يحول أصدقائه إلى أعداء، وأنا هذا أعده مقياس دقيق، إذا كنت متفوقاً في تحويل كل صديق إلى عدو أنت بعيد عن حكمة الله بعد الأرض عن السماء، وإذا كنت متفوقاً في تحويل العدو إلى صديق فأنت تملك حكمة لا تقدر بثمن.
الشيء الثاني: أنه لا ينفع حذر من قدر هكذا قال عليه الصلاة والسلام مهما كنت محتاطاً مهما غطيت كل الثغرات تغطية تامة، لا ينفع حذر من قدر، ولكن ينفع أن تستعين بالله، فكلما أخذت احتياطات مشددة.
أنا أذكر قصة لا أنساها مضحكة: أخ عنده مزرعة ودعا أصدقائه إليها، فجاؤوا قبله والمزرعة لها باب كبير وشامخ وعليها قفل كبير وحائطان، أين يجلسون ؟ صعدوا فوق الباب وتمزقت ثيابهم، والبطيخة انكسرت، فلما دخلوا إلى المزرعة لم يجدوا لها سوراً، وكان بالإمكان أن يدخلوها من طرف آخر مشياً، فنحن نفكر بهجوم بعيد جداً درع صاروخي، أي صاروخ يأتينا قبل مئات الكيلو مترات تصطاده الصواريخ تنتقل إلكترونيا، فالذي يعتد بقوته قد يؤتى من حيث لا يحتسب، هذا درس بليغ لنا.
لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل، الدرس الثاني إذاً القوة مدمرة من دون حكمة، المقولة التي سمعتها هناك كثيراً أثناء زياراتي أن القوة تصنع الحق.
أنا كنت أقول الحق ما جاء به الوحيان ولكنه يحتاج إلى قوة، الآن يقال وأنا سمعت هذا بأذني أن القوة وحدها لا تكفي، لابد لها من حكمة، فإن لم يكن معها حكمة فهي قوة مدمرة، هذا درس لنا، لماذا أمرنا بدفع الزكاة؟ قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾
(سورة التوبة)
تطهرهم من ماذا ؟ قال: تطهر الفقير من الحقد، والغني من الشح، أنت مستحيل أن تعيش وحدك وأن تأكل وحدك وأن ترتدي أجمل الثياب وحدك، أن تأتي لأولادك بكل ما لذّ وطاب، وأن تتغافل عن من حولك، الفقراء الجائعون المحتاجون، فإن لم تفعل غرست فيهم الحقد، وهذا الحقد سوف يصبح قوة مدمرة، ولا أبالغ إن ما تعانيه البشرية من هؤلاء المحرومين من دون إيمان عميق يمتلئون حقداً، ففي ظلم عام، ألم يقل عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَجَوْرًا ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا ))
(مسند الإمام أحمد)
ألم يقل عليه الصلاة والسلام:

(( موت كعقاس الغنم، لا يدري القاتل لما يقتل ولا المقتول فيما قتل ))
(ورد في الأثر)
ألم يقل عليه الصلاة والسلام:

(( يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.))
(ورد في الأثر)
كم مأساة جرت في العالم ولم يعبأ بها الإعلام الغربي ؟ هل تذكرون برا وندا بإفريقيا ذبح خمسمائة ألف، لكن هم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على ستة آلاف، بجنوب أفريقيا ذبح خمسمائة ألف في يومين، حتى أن مياه النيل أصبحت حمراء ! في الصرب ذبح عشرة آلاف من المدنين ودفنوا في مقابر جماعية، لو ذهبت إلى أن أعدد ما يجري في العالم من مآسي في هوريشيما والنكزاكي تك قتل ثلاثمائة ألف بثلاث ثواني بقنبلتين ذريتين ! أينما ذهبت تجد مذابح حروب... الحرب العالمية الثانية خمسين مليون قتيل، فيوجد مآسي كبيرة، هذا المظلوم لابد من أن يحقد، وإذا حقد لا يملك شيئاً يخاف عليه، هنا قوته.
قصة قديمة: أذكر مرة إنساناً عمل عملاً استشهادياً في الأرض المحتلة وقتل سبعة عشر إسرائيلياً، وكان وقتها وزير الدفاع أنزّه هذا المجلس عن ذكر اسمه، فلما دخل إلى مجلس النيابي عندهم ضجّ النواب و بدأوا يقرعونه فقال كلمة بليغة: ماذا أفعل بإنسان جاء ليموت ؟ القوة أين تكمن أن هذا الذي تهدده أن تقتله هو جاء طواعية، هذا الذي جاء ليموت يهدد أكبر قوة في العالم.
فلذلك أيها الأخوة ك عندما قال سيدنا علي: كاد الفقر أن يكون كفراً، فأنت أيضاً أيها الأخ درس ثاني لا تتمتع بالحياة وحدك وزّع، أطعم من حولك، ألبس من حولك، لا تكن أناني، أنا أعتقد حب الذات والأثرى يجب أن يعيش هذا المجتمع برفاه ما بعده رفاه، الطائرة الخاصة شيء طبيعي جداً، اليخت الخاص طبيعي جداً، مستوى المعيشة يفوق حد الخيال الرقم فلكي، تجد الرجل معه ملايين، كل فرد له سيارة، لا يوجد بيت فوق بيت بكل أمريكا ! كله فلل، والمساحات الخضراء أضعاف مساحة البيوت، و المسابح المدفأة، والمركبات الفارهة، والأسعار الرخيصة، والحاجات الميسورة، إذا كان في الأرض جنة فهي هناك، لكنهم ليسوا إنسانيين، بل هم عنصريون، بمعنى أنهم يمتعون شعبهم فقط على حساب بقية الشعوب، فأنت حينما تأكل وحدك وتسكن وحدك وتتمتع بالحياة وحدك هذا الطرف الآخر سوف يحقد، وليس عنده شيء يخاف عليه، سوف يغدو قنبلة لك، هذا بالعمق، طبعاً لا يعنينِ من فعل هذا قبل أن تأتي التحقيقات، لكن يوجد ظلم عام بالأرض.
إخواننا الكرام: توجد مقولة دقيقة جداً والله سمعتها منذ عشرين سنة: بدأت الحرب بالإنسان وانتهت بالإنسان، ماذا يفعل سلاح نووي تملكه أعظم دولة أمام إنسان إذا أراد أن يموت ؟ فسبب مشكلة لا تنتهي، أنا لا يعنين في هذا الدرس لا أسماء بلاد ولا أسماء شعوب ولا أسماء دول، عنيني حقائق مطلقة، أنا كمسلم رأيت وسمعت حدث كبير بالعالم قد يكون أكبر حدث كان له أثر كبير، يعنيني كيف أفهم هذا الحدث من كتاب الله، لذلك الله عز وجل عادل، يعطي الإنسان قوة، ويعطي الضعيف قوة من نوع آخر.
من التعليقات اللطيفة أن وحيد القرن عندهم قال: أيعقل أن ألقِ صاروخ بلغت كلفته مليوني دولار على خيمة بلغت كلفتها عشرة دولارات ؟ قوة الضعيف لا شيء عنده يخاف عليه، كلها بيوت من اللبن والخيم لا يوجد هدف اضربوا كما شئتم، الضعيف عنده قوة، أحياناً قوته كامنة في ضعفه توجد حكمة إلهية كبيرة جداً، والإنسان المتغطرس يخشى أن يأتي إليه تردد عشرة أيام يخشى، فلذلك بدأت الحرب بالإنسان وانتهت بالإنسان، فمقابل القوى العاتية الجبارة مقابل التفوق التكنولوجي في الأسلحة يوجد إنسان يحب أن يموت في سبيل الله.
أعتقد في عام تسعة وستون كان هناك كتاب للمرحلة الثانوية مقرر كتاب مشهور اسمه معذبو الأرض وكان كتاب درّسناه لإنسان مفكّر إفريقي، محور الكتاب أن العنف لا يلد إلا العنف، وكل إنسان يتاح له أن يؤذي، قبل يومين دخل إنسان إلى البرلمان السويسري وقتل ستة عشر شخصاً، لم يقولوا عنه إرهابي قالوا: عنده مشكلة نفسية ! انحياز لا يحتمل، هذا يعني أي إنسان ممكن أن يؤذي، مهما تحصنت، قد يؤتى الإنسان من مأمنه، فلذلك الحياة تستقيم بالعدل، متى يزول العنف ؟ إذا زال الظلم فقط مهما تحصنت وأخذت احتياطات مشددة، الله عز وجل قد يأتي إلى هذا المتغطرس من مأمنه، يؤتى الحذر من مأمنه.
أنا أقول دائماً أيها الأخوة: الطبيب الناجح إذا رأى ارتفاع حرارة من الخطأ الفادح أن يعطي المريض خافضات للحرارة فقط، يجب أن يبحث عن أصل الداء، أصل الداء يوجد التهاب، ما لم يعالج الالتهاب أن تزيل العرض هذا شيء سطحي جداً، وأنا أو قل لكم الآن: ما يجري في العالم لا يزال بضربة انتقامية، العنف لا يزال بعنف مثله، قتل الأبرياء لا يعالج بقتل أبرياء، بل إن قتل الأبرياء إذا كان علاجاً لقتل أبرياء سيوقع شرخاً في العالم لا حدود له، يجب أن تبحث عن سبب هذا العنف سببه ظلم عام على مستوى الشعوب لا على مستوى الأفراد.
أيها الأخوة: هناك نقطة دقيقة جداً الإنسان لو لم يرتدي ثياباً شكله لا يحتمل، الله عز وجل جملنا بالثياب، يواري السوء سوءاتنا، و الإنسان حينما يكيل بمكيالين لا يحتمل أبداً، لا يحتمل لو أب يعامل ابنته غير ما يعامل زوجة ابنه، البنت مغفور ذنبها، أما الكنه تعامل بقسوة بالغة، يكيل بمكيالين، أحياناً إنسان يعامل ابنه يتمناه أن يكون طبيب يدفع له ملايين الليرات دروس خاصة، لكن إذا عنده صانع يتيم وطلب منه الذهاب قبل ربع ساعة من نهاية الدوام ليلتحق بمدرسة ليلية لا يسمح له، لأنه بنظره عندما يتعلم يخرج عنه، وكل إنسان يكيل بمكيالين ساقط من عين الله بشكل عام، أنا كنت مرة بمحل تجاري في صانع وفي ابن محل أقمشة حمّل الصانع أول توب وثاني توب وثالث توب لم يعد يحتمل قال: لم أعد أستطع، قال له: أنت شاب، ابنه حمل توب واحد قال له: بابا انتبه لظهرك ! كم هذا الموقف بشع ! كل إنسان يكيل بمكيالين تحتقره وتلعنه، والدنيا كلها تلعنه، ينذبح ثلاثمائة ألف بالشيشان يقولون: شأن داخلي، تصبح مشكلة بأندونيسيا يقول: حقوق الإنسان، لماذا هنا حقوق إنسان وهنا شأن داخلي ؟ يعتدي المعتدي نقول للمعتدى عليه اضبط نفسك، والمعتدي ندعمه.
الحقيقة العالم كله يشكو من الكيل بمكيالين، يصبح حدث منطقة تجد الدول كلها تجمعت، يصيب منطقة ثانية كثيراً من المآسي تحت التعتيم الإعلامي فالطرف الشارد عن الله يكيل بمكيالين.
سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، مكيال واحد.

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))
لذلك أيها الأخوة: ازدواج المعايير مشكلة كبيرة جداً، نحن لا يعنينا الأمور الكبيرة، يعنينا أنت بحياتك اليومية في معاملتك لأصهارك وبناتك وأولادك لا تكيل بمكيالين، مكيال واحد مقياس واحد، كلما كلت بمقياس واحد علوت في نظر الناس، وكلما كلت بمقياسين سقطت من عين الله.
وأقول لكم مرة ثانية وهذه والله قناعتي: قتل الأبرياء لا يقبله أحد لكن لا يعالج بقتل أبرياء، والعنف لا يعالج بالعنف، يعالج بالعدل.
الفكرة الثالثة في هذا الدرس دقيقة جداً: الله عز وجل حينما يسمح لهذا الحدث أن يقع بصرف النظر عن مشروعية فاعلية، هذا الذي تحدث عن السيدة عائشة ورماها بالزنى عمله مشروع ؟ أجيبوني ؟ لا، قال:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) ﴾
(سورة النور)
لكن لماذا سمح الله به ؟ لحكمة كبيرة جداً فقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾
(سورة النور)
توجد آيتان، الآية الأولى:

﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾
توحيدياً، والآية الثانية:

﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾
عدلاً معنى ذلك التوحيد لا يلغي العدل، الفكرة دقيقة، مريض جاء للإسعاف والطبيب يقرأ جريدة وأمام ممرضة يغازلها، الآن انتظر فمات المريض، إذا قال المريض مات بأجله يعاقب عليها، هو مات بأجله، لكن التوحيد لا يلغي العدل والمسؤولية، لأن هذا الذي حدث حدث بمشيئة الله وسمح الله به، ليس معنى هذا أن الذين فعلوه مغطون لا هذا موضوع ثاني، سآتيكم بالأدلة، لكن حينما يسمح الله لمثل هذه الأحداث أن تقع الهدف هو الفرز، بهذا الحدث كشف كل شيء، كشف العالم فريقان: حق وباطل، بدر كشف المؤمنون، بالخندق ماذا قال ضعاف الإيمان ؟:
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾
(سورة الأحزاب)
ماذا فعل أقوياء الإيمان ؟ قال:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾
(سورة الأحزاب)
هذا يعني أنه فرز، لذلك:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾
(سورة الأحزاب)
بالخندق فرزوا، وبأحد فرزوا وبحنين فرزوا، وبالهجرة فرزوا، ونحن نفرز كل يوم، حق وباطل، أحياناً جامعوا الأموال قد يأخذون أموال هؤلاء بالباطل فضعاف الإيمان يلجئون للبنوك، ما جرى في هذا البلد من خطأ جسيم من قبل جامعي الأموال كان فرزاً للناس، ضعيف الإيمان قال: البنك أأمن ولم يعبأ بتحريم الله له، فأنا أرى أنه ما من حدث يقع إلا وفيه فرز للمؤمنين، وهذا فيه فرز، نحن جميعنا مؤمنين والحمد لله، رواد المساجد كثر، صار الحادث الذي خاف مما سوى الله مشرك، الذي خاف من الله وحده مؤمن، قال:

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾
(سورة آل عمران)
هذا فرز، من يخاف من الله وحده هذا المؤمن الموحد، من الذي يخاف مما سوى الله، من هذه القوى الجبارة ؟ هذا مشرك.

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) ﴾
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾
(سورة آل عمران)
في الفكرة الثانية موضوع الفرز، مثل هذه الأحداث الكبرى سمح بها من أجل أن يفرز الناس إلى فريقين، دققوا في هذه الآية هذه قالتها عاد الثانية.

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
(سورة فصلت)
ماذا رد الله عليهم ؟ قال:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
وهذه الآية تنطبق انطباقاً تاماً على ما جرى، الإمام الشافعي له كلمة رائعة قال: أنا على حق وخصمي على باطل وقد يكون محقاً، احتمال أي إنسان يتوهم أن الحق معه دائماً وكل من سواه على باطل إنسان أحمق، أصغي للآخرين، قرأت من يومية كلمة أعجبتني: إن أردت أن تعزل إنسان عزل تام حتى يختل توازنه توجد طريقتين أن تضعه في المنفردة هذه واضحة، والطريقة الثانية: أن تحيطه بالمنافقين، كلما قال كلمة صدقوه، هذا عزلته عزل كامل، نوع من أنواع العزل، كل من حولك منافق، كلما قلت كلمة صدقوك لمصلحة يريدونها منك، فهذا عزل عن الحقيقة، لذلك عود نفسك أن تستمع للنقد الجارح، عود نفسك تقبل النقد وتدرس النقد، عود نفسك أن تكون جريء وتتفهم الحقيقة المرة، فكل إنسان لا يسمع إلا ما يحلو له، إنسان معزول منتهٍ.
طبعاً أنا مضطر أن أروي هذه الطرفة لأنها تحل مشكلة كبيرة: العالم الجليل الشيخ نور الدين الحسني معروف كان مع إخوانه في نزهة في الغوطة والبستان مسقي فيه طين، جاء إنسان بعيد عن كل أنواع اللياقة راكب بغل، فيسير سير يرمي بالطين على طرفي الطريق، والشيخ يمشي مع إخوانه وهو من كبار شيوخ الشام، فنبهوه انتبه انتبه لكن اتسخت ملابسه من الأعلى إلى الأسفل، فقام أخ فقتله حتى كاد أن يميته، فشّ قلب الحاضرين كلهم، سأله الشيخ: هل هذا صحيح ؟ ليس مغطى شرعاً ! قال ما أفلح قوم لا سفيه لهم.
لكن آخر فكرة في هذا الدرس وهي من أهم أفكاره قوله تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
(سورة الممتحنة)
الآية واسعة جداً، لو فرضنا دائرة أو مؤسسة فيها مسلم وغير مسلم، المسلم كذب عمل تصريح كاذب أو لم يتقن عمله أو أهمل، والكافر كان منضبط، ماذا فعل المسلم بهذا الكافر ؟ أوهمه أنه على حق، وأن كفره هو الحق، وأن هذا الذي فعله المسلم ينطلق من إسلامه، فحينما تجعل كافر يتشبث بكفره ويعتز به ويرتضيه ويتوهم أنه هو الأصل وأن هذا الدين الذي فعله المسلم دين باطل، يكون الكافر تشبث بكفره بسبب خطا المجرم هذا الموضوع ليس له علاقة بما يجري، له علاقة بأعمالنا اليومية، أتقن عملك، فإذا يوجد إنسان غير مسلم ورآك لا تتقن عملك يعزو عدم الإتقان إلى دينك لا إلى ذاتك، إذا أديت تصريحاً كاذباً وأنت مسلم ووقع هذا التصريح بيد غير مسلم يعزو كذبك إلى إسلامك، فأنت جهدك الكبير ألا تسبب حرجاً للمسلمين وألا تسبب حرجاً لهذا الدين العظيم، وهذا الدعاء الشهير القرآني:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أيها الأخوة: آخر شيء أقوله في هذا الدرس: لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن لكل واقع حكمة، بصرف النظر عن الموقع كان حكيماً أو لم يكن حكيماً، والحكمة التي تستنبط من كل واقع متعلقة بالخير المطلق، والله عز وجل يوظف الشر النسبي إلى الخير المطلق، ونحن نرجو الله سبحانه وتعالى من أعماق قلوبنا أن يحفظ لنا بلادنا، ويحفظ لنا من معنا، وأولادنا وذرياتنا، وأن يحفظ بلاد المسلمين جميعاً من كل سوء وأن يتولى الله سبحانه وتعالى الدفاع عنا كما وعدنا، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن كما قلت: هذا اسمه حادث فرز، الهجرة فرز الخندق فرز حنين فرز أحد فرز، وكل حدث كبير هو فرز بالحقيقة، والله عز وجل يلهمنا الصواب، والفهم الصحيح، نحن هنا في بيت من بيوت الله، ولا ينبغي أن يلقى فيه إلا ما جاء في الوحيين من الكتاب والسنة، والحمد لله رب العالمين.
سؤال: يقول أخ: ما قولك بالمثل الذي لا يخاف من الله خاف منه ؟
جواب: لا شيء فيه، إذا إنسان لا يخاف الله هذا يعني أنه شرير فخذ حذرك منه.
سؤال: أخ يقول: أنا شاب غافل عن الله، وأشكو مرض البعد عن الله فأرجو منك نصيحة تغيرني إلى شاب من أهل الله، وقد كنت بعثت لك عدة أوراق أسألك فيها وأنت لا تجيبني، فأرجو الإجابة.
جواب: بالدين لا يوجد شيء أن تقول كلمتين فتصبح لله، يحتاج إلى إرادة قوية، وإلى متابعة وإلى التزام، لكن لا يوجد عندنا دواء سحري أن يكون غافل شارد مشتت يقول هذا الدعاء فيصبح ولي لا يوجد عندنا كهذا الشيء أبداً، عندنا من يبحث عن الحقيقة فيحضر دروس العلم،يستمع بوعي إلى ما قيل فيها، يطبقها، النبي الكريم كان يقول إذا دخل إلى المسجد: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج منه يقول: اللهم افتح لي أبواب فضلك، جاء إلى بيت الله وتلقى التعليمات من الوحيين الكتاب والسنة وخرج من بيت الله ليعمل بما سمع، فلما الإنسان يؤدي الصلوات أداء متقن، ويغض بصره عن محارم الله، ويغض أذنه عن الغناء، ويضبط لسانه عن كل غيبة ونميمة وعن كلام فاحش ويؤد الحقوق ويكسب المال الحلال دون أن يشعر يجد نفسه مع الله، شيء سهل جداً، الله عز وجل قريب:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾
(سورة الأعراف)
استقم على أمر الله وأحسن إلى خلقه، تجد نفسك مع الله.

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾
(سورة الكهف)
والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:47 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 041: حكمة الله مما يجري من الأحداث .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-10-07
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
كنت أقول لكم دائماً أن كل شيء وقع أراده الله، والمؤمن أحياناً يتساءل ما حكمة الذي وقع ؟ كلما كان إيمانه متيناً أيقن غيباً أن هناك حكمةً لو لم يرها هو موقن بوجودها لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)﴾
[ سورة آل عمران: الآية 26]
لم يقل بيدك الخير والشر، الإنسان لو أنه نظر نظرةً سطحيةً لما حدث في الحادي عشر من شهر أيلول لظن أن هذا الذي حدث أتى على ما يسوء المسلمين ولكن ما الذي يعلمنا أن الذي حدث لصالح المسلمين ؟ أهم فكرة في هذا اللقاء أن الواحد منا هل يخطر له في بال أن يقرأ على ديانة السيخ ؟ شيء لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، هل يتجشم مشقة السفر إلى هناك ؟ هل تسخو نفسه بشراء كتاب ليقرأ عن دينهم ؟ كذلك الإسلام في بلاد الغرب بعيد عن اهتمام الناس جميعاً بل إن هناك كلاماً مغرضاً، الإسلام يصوَر بصورة منفرة جداً، فقضية الدين الإسلامي وقضية القرآن بعيدة عن اهتمام الطرف الآخر بعداً لا حدود له.
جاءتني رسالة من أمريكا وجدتها من الأهمية بمكان أن أقرأها لكم، من خلال قراءتها يتضح لكم عكس ما يتوهمه المسلمون من آثار سلبية لهذا الذي حدث.
كاتب هذه الرسالة طبيب في بوسطن يقول: أكتب هذه الكلمات فجر يوم السبت الموافق للثاني والعشرين من شهر أيلول عام 2001 أي بعد أحد عشر يوماً من جريمة الهجوم على واشنطن ونيويورك، طبعاً لا الإسلام ولا غير الإسلام يوافق على قتل المدنيين، قال: وهي أحد عشر يوماً مشهودة عاشها المسلمون في أمريكا والعالم أجمع وقد أحببت في مقالي هذا أن تشاركونني مشاعري الخاصة التي صاحبت هذه الأيام الأحد عشر يوماً بيوم.
يقول هذا الطبيب وهو داعية من دعاة المسلمين في بوسطن: استيقظت صباح الثلاثاء الحادي عشر من أيلول على رؤية رأيتها قبل صلاة الفجر رأيت جبال جرداء تهتز من حولي كأنها زلزال عظيم وأنا أتلو في منامي قول الله سبحانه وتعالى: وما قدروا الله حق قدره. وذهبت إلى عيادتي وسمعت من أول مريض لي عن الطائرة الأولى التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي، أول مريض أبدأه بالطائرة الأولى التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي، و سمعت بالطائرة الثانية من مريضي الثاني، وبدأ الإعلام الغربي منذ اليوم الأول يلمح بأن هناك أيادي مسلمة وعربية خلف ما حدث، وفي تمام الساعة الثانية عشرة اجتمع أمناء المركز الإسلامي في بوسطن وإدارته ولجانه وإمامه اجتماعاً طارئاً وكنت معهم على الهاتف من عيادتي، يبدو أنه عضو بارز في المركز الإسلامي في بوسطن فكان معهم مجتمعاً من خلال الهاتف من عيادته، وقررنا بالقيام بحملة بالتبرع بالدم لهؤلاء الجرحى والمنكوبين وكونا لجنة للاتصال بالصليب الأحمر الأمريكي والترتيب معهم ودعونا الإعلام لتغطية الحدث واتصلنا بسلطات المدينة والولاية فسارعوا لتسخير رجال الأمن لحماية المركز الإسلامي وممتلكاته وزائريه، يبدو أن هناك هجمةً كما تسمعون شرسةً جداً على كل مسلم أو على كل امرأة محجبة أو على كل مركز إسلامي.
وكان يوماً عصيباً علينا جميعاً، وكنا نتلهف على أية معلومة تبعد التهمة النكراء عن الأيدي المسلمة العربية يتمنون أي دليل يبعد عن المسلمين والعرب هذه التهمة التي كما يتوقعون سوف تجر لهم الويلات، وفي يوم الأربعاء وهذا اليوم الثاني الموافق للثاني عشر من أيلول انهالت علينا الصحف وقنوات التلفاز والمذياع تمطرنا بالأسئلة من كل مكان ودعيت إلى قناتين تلفزيونيتين وعدة صحف محلية ودولية ونحن نحاول أن نثبت إنسانيتنا كبشر وأننا برآء مما حدث.
يقول: نعم إخوتي وأخواتي كنا نحاول أن نثبت إنسانيتنا وفي يوم واحد وجدنا أنفسنا نقف على ثغر مفتوح وينهال علينا الهجوم من كل مكان وقلوبنا تدمع ولسان حالنا يقول: الآن دققوا في هذه الكلمة إن الدعوة إلى الله وإلى الإسلام قد تراجعت خمسين عاماً إلى الوراء في أمريكا والعالم أجمع بسبب ما حدث.
وفي يوم الخميس الموافق للثالث عشر من أيلول اجتمع في الساحة المقابلة لمقر عمدة مدينة بوسطن آلاف الأشخاص وتحدث رؤساء الديانات بما فيهم المسلمون وشرح موقف الإسلام من هذه الجريمة وشاهد الملايين ذلك واستمعوا إلى القرآن الكريم أيضاً وحدث مثل هذا في كل ولايات أمريكا وفي يوم الجمعة دعينا مرةً أخرى للمشاركة في عدة برامج تلفزيونية وقد شاركت في أحد هذه البرامج كما شارك في صلاة الجمعة في المركز الإسلامي للجمعية الإسلامية في بوسطن في خيمة مخصصة هناك شارك رؤساء الكنائس المجاورة وعمدة مدينة كامبردج وساروا مع المسلمين تضامناً معهم حتى مقر عمدة المدينة وشرح الإسلام للحاضرين تحت تغطية إعلامية وتناقلت ذلك وسائل الإعلام.
وفي يوم السبت الموافق للخامس عشر من أيلول ذهبنا إلى أكبر كنيسة في بوسطن تلبية لدعوة رسمية للجمعية الإسلامية في بوسطن لتمثيل الإسلام في دعوة خاصة لأعيان المدينة وقد حضر عمدة المدينة ورؤساء الجامعات وقد زاد عدد الحاضرين على الألف تحت تغطية إعلامية من إحدى قنوات التلفزيون الرئيسة في بوسطن واستقبلنا استقبال السفراء وجلست في أول صف وتحدث كبير القساوسة في خطبته فدافع عن الإسلام كدين سماوي وأعلم الحاضرين بوجودي ممثلاً للجمعية الإسلامية في بوسطن وبعد الانتهاء من المحاضرة وقف بجواري كبير القساوسة وقرأت البيان الرسمي الذي صدر من كبار علماء المسلمين والذي يدين هذا العمل ويشرح موقف الإسلام وبينا مبادئه وتعاليمه السامية ثم قرأت ترجمة آيات من القرآن الكريم باللغة الإنكليزية أولاً ثم رتلتها باللغة العربية وارتفع قول الله تعالى:

﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[ سورة المائدة: الآية 32]
وقوله تعالى:

﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[ سورة الحجرات: الآية 13 ]
وقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
[ سورة المائدة: الآية 8 ]
وكانت لحظات لن أنساها تلك، تلك انقلبت فيها الكنيسة إلى بكاء عند سماع آيات من كلام الله تعالى على الحاضرين وانهالت المشاعر الفياضة علينا فيقول أحدهم لي: أنني لا أفهم العربية ولكن ما نطقت به هو من كلام الله لا شك.
وأخرى تضع في يدي ورقة وهي تغادر الكنيسة باكيةً وتكتب فيها اغفروا لنا ماضينا وحاضرنا و ادع لنا.
وآخر يقف على باب الكنيسة وينظر إلي بعينين دامعتين ويقول: أنتم خير منا.
وطلب كثيرون مني عنوان الجمعية الإسلامية لبوسطن لزيارته والاستماع للمحاضرات الأسبوعية وسماع القرآن يتلى أثناء الصلاة وفي لحظات قليلة أحسست بحكمة الله تعالى تعمل بطريقتها التي لا يدركها أحد ولن تدركها عقولنا المتواضعة وقامت أكبر القنوات التلفزيونية بتغطية الحدث وإجراء مقابلة معي بعدها.
وفي يوم الأحد الموافق للسادس عشر من أيلول قامت الجمعية الإسلامية في بوسطن بتوجيه دعوة مفتوحة في مقر المركز ولم نتوقع أكثر من مئة شخص وكانت مفاجأة لنا أنه قد حضر أكثر من ألف شخص إلى مقر هذه الجمعية من الجيران ومن أساتذة الجامعات ورجال الدين بل حضر كبار القساوسة من الكنائس المجاورة التي دعينا إليها لإلقاء كلمات عن الإسلام وتحدث الجميع تضامناً مع المسلمين وانهالت علينا أسئلة كثيرة تريد أن تعرف ما الإسلام ؟
الآن أيها الإخوة هناك حاجة في العالم كله إلى أن يعرفوا الإسلام فيما يبدو لي والله أعلم مع أن هناك أخباراً سيئة جداً، مع أن هناك خطراً على كل المسلمين لكن فيما يبدو لي أن الدعوة إلى الله قفزت قفزةً نوعية لم تكن لتقفزها في مئة عام قادمة، الإسلام هو شغل العالم الشاغل، العالم كله الآن يوجد حياة مادية أساسها اللؤم، أساسها الغلبة، أساسها القوة، أساسها الاستكبار، أساسها البطش، أساسها الظلم، أساسها النظر إلى مصلحة جهة واحدة على حساب مصالح الشعوب، الطرف الآخر في دين الحق، في الدين الإلهي دين العدل، دين الإنسانية، دين المساواة.
أكاد أقول لكم إن القضية الأولى الآن في العالم هو الإسلام بل إنه بلغني أن الكتب الإسلامية فقدت كلها كلياً من أوربا وأمريكا اشتراها وقد حدثني من أثق به، الأستاذ بسام أسطواني الذي حدثكم قبل أسبوعين حدثني أنه من خلال حرب الخليج أسلم عشرين ألف أمريكي، من الضباط والجنود وقد عين لهم أحد دعاة واشنطن ليكون مرشداً دينياً لهم في الجيش.
الأخبار ليست طيبة التهديد شديد ومصالح المسلمين مهددة في العالم، لكن الأخبار الدعوية طيبة جداً، أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر دينه، أراد أن يدفع الناس إلى معرفة الإسلام، هناك بواعث كثيرة.
نتابع هذه الرسالة:
وفي يوم الأحد السادس عشر من أيلول قامت الجمعية الإسلامية في بوسطن بتوجيه دعوة مفتوحة في مقر المركز ولم نتوقع أكثر من مئة شخص وكانت المفاجأة أنه حضر أكثر من ألف شخص من الجيران ومن أساتذة الجامعات ومن رجال الدين بل حضر كبار القساوسة من الكنائس المجاورة التي دعينا إليها لإلقاء كلمات عن الإسلام وتحدث الجميع تضامناً مع المسلمين و انهالت علينا أسئلة كثيرة تريد أن تعرف عن الإسلام وأن تفهم تعاليمه ولم يكن بين الأسئلة سؤال واحد تهجمي.
هؤلاء الذين حضروا إلى مركز إسلامي في بوسطن وسألوا كثيراً ولم يكن من بين أسئلتهم سؤال واحد تهجمي بل العكس من ذلك فقد رأينا الأعين تدمع وهي تسمع عن الإسلام ومبادئه السامية، ومنهم الكثير الذين لم يسمعوا من قبل عن الإسلام ممن لم يسمعوا عن الإسلام شيئاً ما هو الإسلام ؟ ما هو هذا الدين ؟
أيام إنسان ذكي يقول لك ضربت عصفورين بحجر، خالق الأكوان إذا حقق مليون هدف بحادث واحد كثير ! مليون هدف أدب أناساً وعاقب أناساً وفرز أناساً وامتحن أناساً وظهر من هو الخائف ومن هو المؤمن وظهر من هو الذي مع المسلمين، ومن الذي ضد المسلمين، الله فرز وأدب ونبه وبين ولفت نظر، أنت استسلم لله.
قال: منهم الكثير من لم يسمعوا من قبل عن الإسلام شيئاً لم يسمعوا عن الإسلام إلا من وسائل الإعلام المغرضة.
والله الطرف الآخر أيها الإخوة يشوه سمعة المسلمين لدرجة أنه لا تصدق، المسلم يصورونه مجرم جاهل، وحش فقير، يوجد كثير من الأعمال الفنية تمت في أمريكا المسلم إنسان يقتل ألف شخص ويصلي وهو يصلي يقع المصحف من جيبه، وهذه السيارة التي تركت في مطار بوسطن وفيها مصحف هذا كيد يهودي.
قال: ودعيت مرةً أخرى في نفس اليوم لأشارك في اللقاء الذي عقد في الكنيسة التي شاركت فيها في اليوم السابق وتكرر الحدث وتكرر المشهد وتكررت المشاعر وتكررت رغبة الكثير في زيارة المركز الإسلامي لمعرفة المزيد عن الإسلام وسماع كلمات الله تعالى تتلى على أسماع هؤلاء وتكررت الدعوات التلفزيونية والتغطية الإعلامية والمشاركة يومي الاثنين والثلاثاء فاستضافتنا أكثر من خمس قنوات تلفزيونية، وفي يوم الأربعاء دعينا من قبل عمدة المدينة المجاورة لشرح موقف الإسلام أمام آلاف من سكان المدينة وتلي القرآن على الآلاف وغطى الإعلام كل ذلك، وفي يوم الخميس زار مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن بعثة من ثلاث مئة طالب وطالبة وأساتذة للجامعات في هارفرد وهي من أضخم الجامعات في أمريكا برفقة سفرة الولايات المتحدة في فينا وجلسوا جميعاً على أرض المسجد وامتلأ المكان وشرحنا تعاليم الإسلام الغراء ودفعنا الشبهات التي تثار حوله وقرأت آيات القرآن عليهم مرةً أخرى ودمعت العيون وتأثر الحاضرون وطلب كثير منهم الحضور للمشاركة والاستماع للدروس الأسبوعية التي يعقدها المركز الإسلامي لغير المسلمين ودعيت في اليوم نفسه للمشاركة في برنامج على مستوى أمريكا كلها مع بروفيسور في جامعة هارفرد لمناقشة الحقوق المدنية والإنسانية للمسلمين وشارك في البرنامج أخوة وأخوات لنا كثيرون.
وفي يوم الجمعة الموافق للحادي والعشرين من أيلول شارك المسلمون في اجتماع مغلق وتمت مناقشة إدخال مادة لتعليم الإسلام في المدارس بحثوا موضوع إدخال مادة لتعليم الإسلام في المدارس كمنهج دراسي لتوعية الشعب ومحاربة العنصرية ضد المسلمين والناجمة عن جهل الشعب الأمريكي بالدين الإسلامي وتمت الموافقة والتأييد من حاكمة الولاية وبدأ الخطوات لدراسة كيفية تحقيق هذا الهدف وفي أكبر محطة إخبارية سي ن ن خصصت حيزاً يومياً للتعريف بالإسلام.
قال: وما ذكرت لكم إلا أمثلة لما حدث ويحدث في مدينة بوسطن هذه الأيام ويحدث مثل ذلك في كثير من المدن الأمريكية الأخرى إن الدعوة إلى الله لم تتقهقر ولم تتراجع خمسين عاماً كما كنا نحسب في الأيام الأولى وإنما شهدنا أحد عشر يوماً هي بمثابة أحد عشر عاماً في تاريخ الدعوة إلى الله، وها أنا أكتب إليكم اليوم هذه الكلمات وكلي ثقة أن الإسلام سينتشر إن شاء الله في أمريكا والعالم أجمع خلال الأعوام القادمة.
والشيء الثابت أيها الإخوة أن أسرع الديانات انتشاراً هو دين الإسلام، طبعاً أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ أخوتنا هكذا سمعت أنه بدأ القصف على أفغانستان، قلت لكم الأخبار سيئة جداً لكن ينبغي أن نتوازن يقول عليه الصلاة والسلام:

(( دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب لا ترد ))
فإذا صليتم الفجر أو العشاء أو أي صلاة ادعوا الله أن يحفظ إخوانكم المسلمين في شتى بقاع الأرض، والأمر يحتاج إلى عودة إلى الله، لكن يد الله وحدها تعمل في الخفاء، يد الله فوق أيديهم، خطت الله تستوعب خطتهم، لا يقع شيء في ملك الله إلا بمشيئة الله وهذا درس بليغ إما أن نكون مع الله كما يريد وإما فالأمر عصيب، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 179 ]
قلت في خطبة الجمعة أن أحد كبار قياداتهم هناك قال: سوف نستفيد من هذا الحدث إلى أقصى حد. يعني خطة مرسومة لتكون بعد عشرة أعوام بهذا الذي حدث أتيح لهم أن يبدؤوا بها الآن.
لكن المفروض نحن كمسلمين أن نستفيد من هذا الذي حدث ألف ضعف، كيف نستفيد ؟ لنراجع حساباتنا في البيوت، لنراجع علاقاتنا، لنراجع دخلنا، لنراجع إنفاقنا، لنراجع خروج زوجاتنا وبناتنا، لنراجع الشبهات في حياتنا لأن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يمتحن المؤمنين قال تعالى:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾
[ سورة الأحزاب: الآية 11 ]
وهذا الذي حدث كما قلت في مطلع الدرس لابد من أن يحدث شئنا أم أبينا، هذا الذي حدث حدث بمشيئة الله وبحكمة الله وبقدرة الله وبإذن الله، نحن ما علينا إلا أن يكون هذا الحدث باعثاً لنا إلى طاعة الله.
إخواننا الكرام:
الحياة دار عمل وأنا أؤكد لكم أن معظم المسلمين رأوها دار متعة، دار استجمام، دار طعام، وشراب، ونساء، ونزهات، وبيوت فخمة، هؤلاء المسلمون لم يحملوا هم الدعوة إلى الله كأنهم تخلوا عن هذه الرسالة التي أوكلها الله إليهم، كل واحد منا يعاهد نفسه، يحاول أن يحمل هم المسلمين ويحاول أن يحقق شيئاً لصالحه، يعني لا يوجد إسلام يعدم أو لا يجد حيلة لخدمة المسلمين، يوجد عندنا طلاب علم كثر من شتى بقاع الأرض إذا تبنيت طالب علم إن لم تكن داعية تبنى داعيةً إلى الله فدعوته في صحيفتك.
قلت لكم يوم الجمعة ممكن تقتطع من مصروفك مبلغاً لمساعدة فقير مسلم، لمساعدة مريض لا يجد دواءً يعين يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبما تلقى الله إذاً ؟ كيف نلقى الله بأي عمل نلقى الله الاستماع لا يكفي أن تأتي إلى المسجد وهذا والله عمل عظيم وأن تحضر درس وتجلس على ركبتيك هذا عمل عظيم وهذا العمل مهمته أن يترجم إلى سلوك، أن يترجم إلى خدمة، إلى بذل، إلى تضحية، فنحن الآن ممتحنون والله عز وجل قال:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (58) ﴾
[ سورة الإسراء: الآية 58 ]
ما معنى هذه الآية ؟ يعني لابد من امتحان، لابد من باعث إلى الله عز وجل، نحن الآن أمام باعث كبير جداً أن نتقن صلواتنا، أن نحافظ على أذكارنا، أن نتلو القرآن الكريم، أن نتعاون، أن ننسى كل الخلافات فيما بيننا، أن نتعاون فيما اتفقنا وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أن نكون يداً واحدة صفاً واحداً قلت على المنبر قبل أسبوع الإسلام هو المستهدف لكن ما الذي حدث ؟
قالوا: حرب صليبية فندموا عليها فصاروا يقولون الإسلام دين عالمي الإسلام دين الإحسان، دين المحبة، دين العدل، أصبحوا هم دعاة دون أن يشعروا والناس يستمعون إليهم قممهم في كل تصريح الإسلام دين المحبة، دين العدل، دين قيم، دين إنساني، حتى إنه صرح أحد رؤساء جمهوريتهم سابقاً أن القيم التي جاء بها الإسلام هي نفس القيم السامية التي تؤمن بها أمريكا.
الآن الإسلام يريد مسلمين يرفعون رايته لا يمكن أن تكون داعية إلى الإسلام إلا بخلق قويم، الذي يشد الناس إلى الدين ليس صلاتك ولا صيامك ولا عباداتك هذه بينك وبين الله، الذي يشد الناس إلى الدين معاملتك، أمانتك، صدقك، عفتك، ورعك، إتقان عملك، خدمة الناس جميعاً، هؤلاء يعيشون هناك تبرعوا بدمائهم أمالوا القلوب إليهم وغطوا ذلك إعلامياً ثم تكلموا عن الإسلام.
لا يمكن أن يستمع أحد إليك إلا إذا كنت محسناً، كنت أقول دائماً الإحسان قبل البيان والقدوة قبل الدعوة والتربية لا التعرية، والمضامين لا العناوين والمبادئ لا الأشخاص والأصول قبل الفروع ومخاطبة القلب والعقل معاً.
أنا الذي أتمناه عليكم أن توقنوا جميعاً أن كل واحد منكم ينبغي أن يكون داعيةً إلى الإسلام، طبعاً الدعوة التي هي فرض كفاية هذه إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، ما الدعوة التي هي فرض كفاية ؟ الداعية المتبحر في العلم المتفرغ للدعوة الذي يعلم الدليل التفصيلي ويرد على كل شبهة مثل هذه الدعوة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل ولكن الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم ومع من ؟ تعرف كل واحد منا كم لقاء عنده في الأسبوع ؟ لقاء اجتماعي مع إخوته مع أخواته مع أصهاره مع شركائه مع جيرانه مع زملائه كم لقاء ؟ دعوة نزهة سهرة لقاء عقد قران بأي مناسبة أنت أيها الأخ الكريم ألا تصلي الجمعة ؟ ألم تأخذ من خطبة الخطيب شيئاً ألا يوجد آية شرحها ؟ ألا يوجد حديث ؟ قصة، حكم شرعي، موقف، فكرة، لو أنك أخذت من يوم الجمعة آيةً أو حديثاً وسجلتها وأذعتها في خلال هذا الأسبوع فقط على من تعرف، عليك بخاصة نفسك، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فالزم بيتك وامسك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ))
شراح الحديث فسروا خاصة نفسك بأقربائك وجيرانك وزملائك، ولماذا قال الله عز وجل:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾
[ سورة الشعراء: الآية 214 ]
لأنه لا يوجد قلق ولا خوف، أنت لو أمسكت بيد إنسان في الطريق الآن ودعوته إلى بيت من بيوت الله ألا يخاف منك لكنك إذا أمسكت بيد أخيك واثق بك.
ما حكمة أن الله أمر نبيه الكريم أن يبدأ بعشيرته الأقربين ؟ لا يوجد حواجز، خوف، خشية، قلق، مرفوعة الكلفة يوجد ثقة، لك قريب صهر، جار، ابن، ابن عم، شريك، زميل في العمل، أعطه شريط واسأله وحاول تعطيه شيء مما علمك الله عز وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))
يوجد تجارات بألوف الملايين، الشركات الضخمة في العالم الغربي شيء لا يصدق يقول لك الشركة الفلانية يوجد عندها فائض نقدي ألف مليار دولار لم تجد لها توظيفاً يوجد أموال لا تأكلها النيران يقول لك النبي الكريم:

((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.))
(( وخير لك من حمر النعم. وخير لك من الدنيا وما فيها.))
معنى هذا أنه باب الجنة مفتوح أمامك اسمع الحق وبلغه لا تتمكن أعطه شريط، ادعه إلى مجلس علم، ابحث عن عمل ترقى به إن أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، اخرج من ذاتك، اخرج من ذاتك لخدمة الخلق فإن أسعدت الآخرين فأنت أسعدهم، كل إنسان مقبور بهمومه، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
[ سورة فاطر: الآية 22 ]
مقبور بهمومه بانتمائه الفردي، بهموم العيش أنت إذا شغلك ذكر الله عن مسألته أعطاك فوق ما يعطي السائلين.
عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتني فيما تريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
قال يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك، قال أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي، قال يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.
منهج في الدعوة ذكرهم بآلاء الله، بآياته الدالة على عظمته وذكر الناس بنعماء الله حتى يحبوه، ذكرهم بآلائه حتى يعظموه وذكرهم بنعمه حتى يحبوه وذكرهم ببلائه حتى يخافوه.
الدعوة إلى الله فرض عين بدليلين قطعيين، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[ سورة يوسف: الآية 108 ]
فإن لم تكن داعية إلى الله الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فأنت لست متبعاً للرسول الله، والذي لا يتبع رسول الله لا يحب الله قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 31 ]
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ))
[ مسلم، النسائي، أبو داود ]
والجهاد المتاح لنا جميعاً ما هو ؟ الدعوي والله سماه جهاد كبير لأن الجهاد القتالي أساسه تمهيد للدعوي، أنت لماذا تقاتل في سبيل الله ؟ من أجل أن تنشر دين الله معنى الجهاد القتالي تمهيد للجهاد الدعوي إن أتيح لك أن تجاهد جهاداً دعوياً ولا أحد يمنعك، نحن والحمد لله بخير كبير المساجد مكتظة بالمصلين انظروا ولا أحد يسأل سؤال في هذا الموضوع وهذه نعمة عظمى، هذه والله نعمة لا تعدلها نعمة والله هذه البلدة الطيبة مساجدها، دروس العلم فيها، ليس فيها مناسبة على الإطلاق إلا و فيها كلمة حق.
الآن يوجد عقد قران بالشام من عشرين سنة لا يوجد فيه كلمتين ثلاثة؟ أبداً حتى الآن التعازي و الله من عشر سنوات لا يوجد تعزية لا يوجد فيها كلمتين ثلاثة، معناها المناسبات و الفرح دعوة إلى الله، مناسبات الحزن دعوة إلى الله، المساجد ملآنة، خطب الجمعة متوازنة جداً، عميقة جداً، يوجد وعي الحمد لله، و هناك نوع من التوحد أصبح، و الله من يومين كنت بمكان جالسين عشرون ثلاثون شخصاً و لا أعرف أحداً منهم تكلمت بكلام الكل أقر به، صار هناك شيء هموم مشتركة لم يعد هناك تمزق، هناك هموم واحدة مشتركة، تتكلم و أنت مرتاح.
الآن أيها الإخوة:
تكلمت في الخطبة بكلمة تريد انتفاضة إسلامية أي مراجعة دقيقة، موقف حازم، مع عهد مع الله عز وجل:

إلى متى أنت باللذات مشغول و أنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله و أنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقام بديــع
لو كان حبــك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيــع
***
أحياناً أطّلع على كتاب تفسير، تفسير قيم مات صاحبه من ألف عام، و الله أقول يا رب هذا كتب هذا التفسير و مات، ما من عالم في العالم الإسلامي يقرأ هذا التفسير و ينتفع به و يجعله خطبة إلا في صحيفة هذا المفسر، بصراحة أيها الإخوة ابحث عم عمل يستمر بعد موتك.
كنت مرة بلبنان في إذاعة قرآن كريم سمعت إلى عالم جليل درس متوفى من سنتين ثلاثة، كل يوم له درس، قلت: سبحان الله هو تحت أطباق الثرى لعل لحمه فني و صوته يصدح في كل مكان، فكر بعمل يستمر بعد موتك، كثير هناك دعاة إلى الله صادقون ماتوا لكن دعوتهم مستمرة، كل من دخل معهدهم، كل من سار على منهجهم في صحيفتهم إلى يوم القيامة، اترك أثراً، اترك دعوة، عملاً صالحاً، اهدِ إنساناً، أنت لو فكرت أن تقنع إنساناً بالدين و استقام على يدك، أقنعته، جلست معه، زرته، أكرمته، عاونته حتى التزم، عندما التزم ألزم زوجته بطاعة الله، عندما التزمت زوجته ألزم أولاده، ثم جاء إخوته، أنت هديت واحداً أصبحوا مئة، إذا كل واحد خيرٌ لك من الدنيا و ما فيها ما قولك؟ كل واحد كم شركة يوجد ؟ كم مؤسسة ؟ كم بنك بالعالم معه ألوف ألوف الملايين ؟ إذا أجرى الله على يديك هداية أحد فأنت أغنى الناس، الكافر يعيش ليأكل، الأقل كفراً يأكل ليعيش، أما المؤمن يعيش ليعرف الله، يعيش ليعمل صالحاً، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
[ سورة الأنعام: الآية 132 ]
اسأل نفسك قبل أن تنام ماذا عملت اليوم ؟ ماذا قدمت ؟ قال:

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ))
ممكن، لا يكون معك دخل إضافي أبداً و دخلك أقل من مصروفك، لست مكلفاً أن تنفق:

((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))
أنت عندك أخلاقاً، أحياناً كلمة طيبة، أحيانا دعوة إلى الله، أحياناً أن تعود مريضاً، و الله الحديث الذي لا أحفظ نصه الحرفي لكن أحفظه بالمعنى، الحديث الذي يقول:

(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عُوفِي ))
[ الترمذي، أبو داود، أحمد ]
هذا كلام سيد الرسل هذا كلام في الصحاح، فإذا لك أخ مريض وزرته ودعيت له سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك قال إلا شفاه الله، عود مريض:

((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ فَقَالَ يَا أَبَا حَفْصٍ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَنْقَعَ فِيهَا وَقَدْ اسْتَنْقَعْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الرَّحْمَةِ ))
[ أحمد ]
وفق بين زوجين، الزوجة غير راضية و الزوج كبرت نفسه عليها و صار لهم ثمانية أشهر، ألا يتبرع واحداً ليزور الجهتين و يبيض قلوبهم و يدخل وسيطاً ؟ ألا تريد عملاً صالحاً ؟ كم أسرة الآن فيها شقاق ؟ و الله مئات.
أحياناً أب لا يقوى على تربية ابنه، خذ الابن، عاونه، دله على بيت من بيوت الله، أي يجب أن تستيقظ صباحاً:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))
[ الترمذي ]
يوجد مليون عمل صالح، بيوت الله تحتاج إلى دعم، إلى خدمات، إلى تعليم، علم، ائمر بالمعروف، انه عن المنكر، عُدْ أخاً في الله، زر مريضاً، انصح شارداً، اعن فقيراً، أطعم بائساً، إطعام الطعام عمل طيب، أي من يومين دعيت إلى و اعتذرت عن تلبية الدعوة، و رجل يدعو ألفي شخص إلى طعام نفيس كل سنة من عشرين سنة أي يشعر بلذة يطعم الطعام:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8)﴾
[ سورة الناس: الآية 8 ]
أحياناً يأتيك ضيف من الخارج، قادم من حماة، من حلب، من بيروت أحياناً أي هذا ضيف ضيف البلد كلها، يأتي أخ يأخذه إلى بيته يعشيه و ينيمه عنده هذا عمل عظيم جداً و ليس قليلاً أي الغريب يحب من يكرمه، يحب من يستقبله، لا تكلف نفسك ارفعوا الكلفة:

(( يا عائشة لا تكْلفي للضيف فتمليه ))
كن طبيعياً من دون بروتوكولات، من دون تسلط، أخ لاحظته غريباً يجب أن أعزمه، أعشيه عندي، أنيمه عندي ليلة، أنا أنام حينها على الديوان حينها لا يوجد مانع، إذا لا يوجد عندك شيء تبذله، لا دعوة و لا نصيحة و لا أمر بالمعروف و لا نهي عن المنكر و لا تربية ولد و لا تدريس الفقه و لا تدريس القرآن و لا إنفاق مال و لا إطعام طعام، لماذا أنت تعيش ؟

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
[ سورة النحل: الآية 21 ]
أيها الإخوة الكرام:
ليس مألوفاً أن أقرأ لكم رسالة جاءت من أمريكا لكنني و الله أردت الخير، أردت أن تعلموا أن ما كل شيء وقع يبدو مؤلماً هو في الحقيقة مؤلم، مثلاً عندما حدثنا ربنا عن حادث الإفك قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾
[ سورة النور: الآية 11 ]
الإفك في ظاهره شر، معقول أن يقول الناس عن زوجة رسول الله أنها زانية ؟ معقول ثم يقول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾
[ سورة النور: الآية 11 ]
التوحيد لا يلغي المسؤولية، فهذا الذي حدث مؤلم جداً لكن الله سمح به لحكمة يريدها، عملية فرز، عملية امتحان، عملية ذاق هؤلاء ما نذوق نحن خلال خمسين عاماً، هذه الشعوب تذوق الموت موت الأقارب، هدم البيوت، قتل الأطفال، من عشرين عاماً يذوق العالم الثالث، الآن ذاقوا هم، ذاقوا بعضه، فأرجو الله سبحانه و تعالى كما أنهم سيستفيدوا من هذا الذي حدث لمخططات بعيدة جداً سوف يحققونها لكن نحن و الله أيها الإخوة ادعُ من أعماق أعماق أعماقكم لإخوانكم المسلمين اللهم انصر الإسلام و المسلمين، اللهم أعز الإسلام و المسلمين، اللهم انصر من نصر هذا الدين و اخذل من خذله، اللهم من أراد بالإسلام و المسلمين خيراً فوفقه لكل خير و من أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر و اجعله عبرة لمن اعتبر، اللهم اجعل تدميره في تدبيره، و اجعل الدائرة تدور عليه يا رب العالمين الله اقصمه يا رب العالمين، اللهم انصرنا على أعدائنا و أعدائك يا رب العالمين، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، و صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم و الحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:50 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 042: تحليل لما يجري من أحداث في العالم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-10-14
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام:
لازلنا في دروس متعلقة بما يحدث حولنا لأن المؤمن يحمل هموم المسلمين في شتى بقاع الأرض بل إن علامة إيمانك أن تحمل هم المسلمين، كلمة تركت في نفسي أثراً قالوا هناك في الغرب هذا الذي حدث سنستفيد منه إلى أقصى حد.
لعل خططاً كانوا لا يستطيعون تنفيذها إلا بعد عشرون عاماً بدأوا في تنفيذها الآن لأنه جاء المبرر وجاء الغطاء، ألسنا نحن المسلمين أولى ألف مرة أن نستفيد مما حدث ؟ هذا محور الدرس، إذا كانوا هناك لسبب شيطاني ولمكر خبيث ولحقد دفين عجلوا خططاً كانوا لا يستطيعون تطبيقها إلا بعد عشرون عاماً بدأوا بها الآن لأن هذه الأحداث أعطتهم غطاءً، نحن المسلمين من باب أولى أن ننتفع بما حدث إلى أقصى الحدود.
السؤال إذاً ماذا ينبغي أن نعمل ؟ قبل أن أتكلم حول هذا الموضوع لابد أن أضع حقيقةً بين أيديكم، هذه الحقيقة والله أنا أعاني منها كثيراً، الإنسان المسلم يرسم هدفاً كبيراً في الوضع الراهن لا يمكن تحقيقه فإن لم يحدث يزهد فيما سواه إذاً في النهاية لا يفعل شيئاً، مثلاً أنت لا تقبل إلا أن تكون أكبر تاجر في القطر تريد مئة مليون ومكاتب ومستودعات و مئة موظف وليس معك ولا قرش إذاً لا تعمل شيئاً.
هذه مشكلة المسلمين يضعون أهدافاً مستحيلة فإن لم تطبق هم زاهدون فيما هو بين أيديهم لذلك كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحالة المستعصية ؟ إنسان لا يقنع إلا أن تغير الأمور كلها في أي بلد إسلامي هذا شيء مستحيل لست واقعياً أنت تحلم، هذا خيال كيف عالج النبي هذا الموضوع ؟ قال عليه الصلاة والسلام:
((بلغوا عني ولو آية ))
لست مكلفاً أن تنال دكتوراه في الشريعة ولا أن تكون خريج الأزهر ولا أن تكون فصيح اللسان ولا أن تنطوي على علم غزير، أنت مكلف إن استمعت في الخطبة إلى آية واحدة أن تنقلها لغيرك هذا اسمه الجهاد الدعوي وهذا ما يحتاجه المسلمون، بلغوا عني ولو آية، لست مكلفاً أن تكون من كبار الدعاة ولا من أعلم العلماء أنت مؤمن عادي تحمل شهادة ثانوية لك مجلس علم تحضر خطبة، أكرر لا نقبل إلا تعديل جذري لكل شيء هذا غير واقعي إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكن.
ترى المسلمون إما أن يسلكوا طريق ما فعله النبي أبداً طريق العنف فيسهموا في إرباك الأمر إلى أمد طويل وإما أن يستسلموا لواقعهم السيء فيذوبوا في واقعهم هذا ما أفلح وذاك ما أفلح ما الذي ينبغي أن نفعل ؟ ينبغي أن تطبق توجيه النبي الكريم.
لماذا كان الجهاد الدعوي في القرآن الكريم مفضلاً على الجهاد القتالي؟ لأن الجهاد القتالي تمهيداً للجهاد الدعوي فإذا أمكنك أن تتعلم القرآن وأن تعلمه، إذا أمكنك أن تربي إنساناً وأن تعرفه بالله، إذا أمكنك أن تنطق بكلمة الحق، إن أردت بإحسانك أن تستجلب القلوب إليك بإحسانك بخبرتك بمالك بلطفك بعلمك، لابد من أن تتحرك، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن إلا تعبر عن ذاتها بحركة ليس في عالم المؤمنين مؤمن سكوني لا يتحرك يأكل ويشرب وينام، والله أنا لا أنتقد أحداً معاذ الله وقد يكون هذا الذي أنتقده أفضل مني لكن تجد إنساناً منذ ثلاثين سنة ما قدم شيئاً أبداً، يحضر دروس العلم ما قدم شيئاً، ما يخطر في باله أن يقدم شيئاً، لا شيء من جهده ولا خبرته ولا صنعته، ولا حرفته ولا من ماله ولا يحل مشكلة ولا يعاون أخاً ولا يتبنى داعية إطلاقاً سكوني سلبي، أما يقول لك: الدرس رائع. هذه سمعناها ألف مرة ما قيمة الدرس الرائع إن لم يترجم إلى واقع ؟ ما قيمة المتكلم إن لم يؤثر في المستمعين ؟ لماذا كان عليه الصلاة والسلام كان فعله معجزة في ربع قرن غير وجه الأرض واحد غير وجه الأرض لأنه صدق مع الله، كلنا ضعاف ولكننا بالله أقوياء، بالله نصنع المستحيل، الشيء الذي لا يمكن أن تتصوره يمكن تفعله إذا كنت مع الله.
أحد طلاب العلم تقدم بطلب إلى جامعة الأزهر وجد المناهج صعبة أخذ قراراً أن يدع الدراسة، جالس في البيت رأى نملة صعدت على الحائط وقعت أعادت الكرة وقعت، أعادت الكرة وقعت، عد محاولاتها فكانت ثلاثاً وأربعين محاولة، فهذه النملة علمته درساً لا ينسى.
نحن أول محاولة يوجد صعوبة لا يريد، مرتاح، أي عقبة تظهر، قال أحد كبار العلماء: العبقرية تسع وتسعون عرق وواحد بالمئة إلهام. العبقرية قفزة في المجهول إشراق، يسموه الحدث الإبداعي فكرة تومض، لكن هذه الفكرة التي تومض سبقها جهود جبارة من المحاولات فكأن هذا الوميض وذاك الإشراق ثمنه تلك المحاولات.
لا أنسى هذه القصة أن رجلاً عامياً من صعيد مصر ذهب ابنه إلى جامعة الأزهر وعاد خطيباً هذا الإنسان عمره خمسة وخمسون سنة رأى ابنه يخطب أحب أن يكون عالماً ولكن أين ماذا يقول العوام ؟ عند الكبرة جبة حمرة.
زارني أخ من لبنان قال لي: هنأني، قلت له: خير، قال: نلت الليسانس وأنا في السبعين من عمري. كنت في لبنان قبل شهر فالتقيت به ثانيةً فقال لي: أعرفتني ؟ قلت له: الذي أخذت الليسانس بالسبعين قال: هو أنا.
أخ آخر في الخامسة والخمسين حفظ كتاب الله، طموحه أن يكون إمام مسجد وصار إمام مسجد.
هذا الذي رأى ابنه أصبح إمام مسجد ركب دابته واتجه نحو القاهرة يبحث عن الأزعر وهو قصده الأزهر وهو لا يعرف اسمه أمي قصة طويلة ذكرها لي أحد علماء دمشق وأنا أظن القصة صحيحة وأنا ليس معي دليل آخر إلا أنني سمعتها من فم عالم، هذا تعلم القراءة والكتابة وقرأ القرآن وطلب العلم وما مات إلا شيخ الأزهر مات في السادسة والتسعين، ما دام القلب ينبض يمكن أن تفعل كل شيء.
حدثني أخ قال: دخل إلى إنسان مريض مرضاً لا يحتمل لا يستطيع أن يفعل شيئاً، شلل كامل لا يسمع لا ينطق لكن يحرك رأسه فكتبوا له لوحة فيها الحروف ثمانية وعشرين حرفاً يأتي ابنه يضع المؤشر حرف حرف يشير له على الحرف وهكذا يعبر عن كلمة بهذه الطريقة.
سمعت قصة رويتها لكم كثيراً امرأة أصابها ورم خبيث في دماغها نذرت إن شفاها الله أن تعمل عملاً طيباً ولا تملك من الدنيا شيئاً فشفاها الله وهي تتقن الطبخ فقط وهي فقيرة فأصبحت تطبخ للأسر الغنية وتبيع الطعام بالربح تعالج به الفقير، عالجت ستين إلى سبعين مريضاً بهذه الطريقة، تستطيع أن تفعل كل شيء، كلنا ضعاف، ضعاف إذا اعتمدنا على ذواتنا أقوياء بالله أنت حينما تصدق بالطلب يجري الله على يدك الخير.
درسنا اليوم ماذا ينبغي أن نعمل ؟ حدث الذي حدث والله عز وجل الآن، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 179 ]
هذا الذي حدث يحدث دائماً، قال تعالى:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)﴾
[ سورة الأحزاب:الآية 10-11 ]
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾
[ سورة الأحزاب: الآية 23 ]
فأنا أقول لكم أيها الإخوة:
إن أتيت إلى هذا المسجد وأنا والله أرحب بك وأكبر حضورك وأثمن عملك وأشكرك لأنك حينما تأتي إلى الدرس تشجع الآخرين، لو الدرس فيه اثنين ثلاثة يزهد الناس فيه، إن كان هناك إقبال على الدرس أنت تساهم بشكل أو بآخر بتحبيب الناس في العلم، إذا جاء إنسان أول مرة وجد ازدحاماً وجد إقبالاً يستنتج استنتاجاً أنه يوجد في الدرس شيء ثمين فأنت حضورك ساهم وأنا والله أشكرك ولكن أتمنى أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً، الآن والله يوجد أخطار تتهدد العالم الإسلامي في كل قاراته وكما تعلمون العدو غني وقوي وذكي ولا يرحم ما الذي ينجينا من بطشه ؟ أن نكون مع الله أن نصطلح معه، ذكرت نقطة في خطبة قبل أسابيع أنه هناك سبب لهلاك الأمم الوسائل متنوعة العبرة ألا يكون في حياتنا سبب لهلاكنا، أمة قد تهلك بزلزال ليس له علاقة بالسياسة إطلاقاً، أمة تهلك بالجفاف، أمة تهلك بأن بأس الأمة فيما بينها حرب أهلية، أمة تهلك بعدوان خارجي، أنماط الهلاك لا قيمة لها العبرة أن هناك قراراً عند الله بإهلاك أمة تارةً يرسل عليها من السماء حاصباً تارةً صواعق، تارةً زلازل، تارة صواريخ، تارةً ألغام، تارةً حرب أهلية، تارةً مرض، تارةً جفاف، هذه الأشكال لا قيمة لها العبرة أن هذه الأمة فيها سبب هلاكها ونحن المسلمون محسوبون على الإسلام ونحن مسلمون ونحن نبينا محمد ونحن خير أمة أخرجت للناس ونحن عندنا خاتم الأنبياء هذا كله لا يقدم ولا يؤخر قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[ سورة المائدة: الآية 18 ]
الصحابة بذلوا أرواحهم تركوا أوطانهم وأموالهم تركوا تجارتهم تركوا أهلهم، قال عليه الصلاة والسلام:

(( خفت في الله وما خاف أحد مثلي وأوذيت بالله وما أوذي أحد مثلي، ومضى علي ثلاثون ولم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط إبل ))
مدفوع ثمن هذا الدين كبير جداً، مدفوع ثمن كبير جداً لهذا الدين صحابة كرام نذروا الغالي والرخيص وخرجوا من بلادهم إلى هذه البلاد ففتحوها، نحن ماذا كلفنا ؟ ماذا نفعل ؟ ما الذي نقدمه لهذا الدين ؟ أقل شيء قدم جهاد دعوي ألا تستطيع أن تتولى إنسان بالرعاية أن تتكفله أن تزوره أن تعطيه شريطاً درساً أن تأخذ بيده أن تسهر عنده أن تزوره أن تقنعه أن تجلبه إلى الحق، هذا أعظم عمل لأن الباطل يتنامى والباطل قوي جداً و يتنامى وعنده أساليب عجيبة جداً كل شيء بيده الباطل.
نحن في امتحانين، كان دورنا نحن بالامتحان الصعب امتحان ضعف الإسلام وقوة أعدائه، أعداءه أقوياء جداً لا يوجد تناسب بين من يضرب وبين من يضرب، قوة أعدائنا فرضت علينا ثقافتهم، قوة أعدائنا فرضت علينا أسلحتهم، قوة أعدائنا فرضت علينا إرادتهم، نحن هكذا نجتر آلامنا أو نقول كالعوام السذج ترتيب سيدك هذه كلمة حق أريد بها باطل أنت ماذا تفعل ؟ أنت لا تستطيع أن تمنع قوى البغي عما تفعل ولا تقدر الطرف الآخر أن توجه توجيهاً صحيحاً لكن ألا تقدر أن تكون سيد بيتك ألا تقدر أن تضمن لي بيتك من أن يقع فيه معصية ألا تقدر أن تكون صادقاً في عملك وقافاً عند كتاب الله لا غش ولا تدليس ولا كذب ولا مبالغة ولا احتكار ولا بضاعة محرمة شرعاً ولا علاقة ربوية ألا تقدر، ألا تقدر أن تصلي أنت وأهلك، مليون شيء متاح لكم أن تفعلوه المشكلة أيها الإخوة المؤلمة جداً أن المسلمين تركوا ما كلفوا به وندبوا عن شيء ما كلفوا به، نحن ضعاف لا نملك أن نمنع الأقوياء أن يهاجموا الضعاف ولا نملك أن نمنع الضعاف أن يفعلوا ما فعلوا لا نملك ولكن أملك بيتي وعملي، فحينما أطبق الإسلام في بيتي وعملي قدمت كل شيء.
إنسان لا يستطيع أن يفعل شيئاً غير موجود، لا يوجد إنسان إلا وفي إمكانه أن يفعل شيئاً، كنت أقول الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء ضيف يتنافسوا على ضيافته، أيام يأتي أخ من الشمال من حلب، حمص، لبنان، أين ينام؟ الذي عنده غرفة نوم زائدة وغرفة أولاده زائدة هذا عمل عظيم، لما أنت تستقبل ضيف جاء لله جاء يستمع إلى درس علم يجد أربعة خمسة دعوه هذا عمل، ألا تستطيع أن تجلس مع أولادك تنصحهم ؟ ألا تستطيع أن تزور أختك وتنصحها ؟ أنت اسأل اليوم ماذا فعلت ؟ اليوم كنت في تعزية قلت: كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر، أنا أقول لكم كلاماً قد يكون مزعج هل يوجد إنسان منا يمكن أن يستيقظ كل يوم كالبارحة دائماً ؟ أنا أتحداكم وأنا معكم لا نستطيع يوجد يوم فيه شيء من أين تبدأ لا أحد يعلم تبدأ من الرئة من الدماغ يوجد مغادرة يوجد بوابة الخروج، انظر إلى دقة كلام النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ مَنْ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ شَفَاهُ اللَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ أُخِّرَ يَعْنِي فِي أَجَلِهِ ))
[ الترمذي، أبو داود، أحمد]
معنى هذا يوجد مرض مرض الأجل هذا المرض اسمه بوابة الخروج فإذا كان أخوك مريض بمرض لا علاقة له ببوابة الخروج ووقفت عند رأسه وقلت سبع مرات بسم الله رب العرش العظيم اشفه من مرضه، قال عليه الصلاة والسلام:

((... إلا شفاه الله ))
إذا لك أخ مريض وذهبت وزرته وتعاطفت معه ودعيت له هذا أليس عمل عظيم ؟ عيادة المريض، رعاية يتيم، لك قريبة فقيرة بطرف المدينة.
من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة.
إخواننا الكرام:
كلمة تغيير كلمة براقة يوجد واقع سيء، يوجد واقع للمسلمين سيء، يوجد تمزق، تشرذم، جهل، بدع، خرافات، سذاجة، ضعف، كسل خصومات، تمزقات، هذا واقع المسلمين ألا تستطيع أن تكون في الحد الأدنى قدوةً ما تقع في أخطاء الآخرين بالحد الأدنى، أنا أقول كلاماً متعلقاً بما جرى كيف نستفيد مما جرى ؟ نتحرك كيف نتحرك ؟ نتماسك التماسك مهم جداً، نربي أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة، نعين بعضنا بعضاً.
والله أخ من إخواننا أكبرته إكباراً لا حدود له رغب أن يغير شيئاً في حياته إلى شيء أرقى والفرق مبلغ جيد فزوج به شاب قال له: أمشي حالي، ممكن، رغبت أن تطور حياتك وحياتك السابقة لا بأس بها الفرق زوجت به شاباً، أبواب الخير لا تعد ولا تحصى، بالمناسبة وأنا متأكد مما أقول إن علة وجودك أن تعمل عملاً صالحاً والدليل حينما يأتي ملك الموت لا يقول الإنسان ربي أرجعوني لعلي أكمل البناء أو أبيع البضاعة يقول:

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾
[ سورة المؤمنون ]
علة وجودك العمل الصالح طبعاً بعد أن تؤمن بالله الإيمان الذي يحملك على طاعته وبعد أن تستقيم على أمره ليس أمامك إلا العمل الصالح والعمل الصالح يرفعك وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
مرة دعينا إلى افتتاح مسجد في الصبورة، سبحان الله المسجد الذي أسسه ما أخذ من أحد درهماً بكامل نفقاته، صافحنا عند مدخل المسجد ودعانا إلى طعام الغداء وألقيت كلمات رائعة ثم انصرفنا حيث جئنا، في الطرف الثاني يوجد ملهى هكذا حدثني بعضهم كل أنواع الموبقات في هذا الملهى، الموبقات غير المألوفة في البلد نساء شبه عرايا يقدمن الضيافة قمار، ورقص، وخمور، صاحب الملهى مات بعد أسبوع من افتتاحه. بعد حين لو أن الذي أنشأ هذا المسجد توفاه الله عز وجل كلاهما تحت أطباق الثرى ولكن أحدهم أسس مسجداً والآخر أسس ملهى.
الآن إذاعات القرآن الكريم علماء كبار الآن تحت أطباق الثرى ميتون لكن دروسهم تملأ كل هذه الإذاعات، ويوجد مغنون أيضاً أغانيهم ملء الأسماع كلاهما تحت أطباق الثرى، لذلك بطولتك أيها المؤمن أن يكون لك عمل يستمر بعد موتك، الموت محقق، الموت قرار متخذ بحقنا مع وقف التنفيذ والبرنامج مبرمج كل إنسان.
أخ من إخواننا حدثني هم عدة إخوة أحد هؤلاء الإخوة وضعه كان سيء جداً فالطبيب قال: انتهى خلال ساعتين يموت سلموا الغرفة واكتبوا النعوة، ففعلوا الذي كتب النعوة مات قبل المريض بسنوات، ممكن حينما تبرمج نفسك أن الموت حق ولابد من مغادرة الدنيا ماذا ينزل معك في القبر ؟
قصة لا أنساها حتى الموت، التقيت مع إنسان طيب في معمل صار حديث فدعانا إلى سهرة صار كل خميس سهرة لله نوع من أنواع الدعوة إلى الله، ما شاء الله هو عنده معمل وعنده أذواق عالية جداً في بيته في أثاث بيته في ترتيباته، سياراته، رحلاته إلى أوربا كل فترة، بعد ذلك توفي، اتصل بي ابنه وقال لي: توفي الوالد رحمه الله، فمن واجبي أن أحضر الجنازة وأنا والله لا أزكي على الله أحداً أظنه صالحاً ولكن جاء عالم من علماء دمشق وهو كان تلميذه فأراد أن يؤبنه ويلقي كلمة قبل أن تشيع جنازته وأنا حافظها عن غيب الكلمة، فقال: أخوكم كان مؤذن ترحموا عليه وانتهت الكلمة، أنا صعقت ألا يقال كلمة ثانية، فكرت ماذا يقول ؟ هل يتحدث عن بيته في هذا الوقت، هل يتحدث عن نجاح معمله عن سيارته لا يتكلم، يتكلم ماذا ترك من عمل صالح ؟ كان مؤذن طبعاً مؤذن ليس حرفة هوايةً.
اعمل عملاً يتحدث عنك خمس دقائق تركت أثراً، ربيت ابناً، ربيت ابناً طالب علم شرعي داعية، ربيت بنت، قال عليه الصلاة والسلام:

(( من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة ))
ربيت ابنتين طائعتين مسلمتين منيبتين محبتين لله عز وجل، تبنيت داعية، كثير طلاب العلم سبحان الله هذه البلد مباركة الله يحفظها بجاه الحبيب، والله أنا واثق من حفظ الله لهذه البلد ليس قلقاً أن ينالها أذى مما يخافه بقية المسلمون ولكن لا يكفي أن تقول نحن شام شريف.
إنسان ذهب إلى تركيا من الشام تباركوا به بشكل غير معقول لكن هو بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء قالوا له: اقرأ لنا قرآناً وهو لا يحفظ الفاتحة فغنى لهم أغنية بكوا كثيراً وهم يظنونه قرآناً.
إخواننا الكرام:
كلام فيصلي أنت بالاستقامة تسلم ولكن لا تسعد، بينما بالعمل الصالح تسعد وبالاستقامة تسلم بالعمل الصالح تسعد، أنا أدعوكم كما قال بعض من في الغرب: سوف نستفيد مما حدث إلى أقصى الحدود. أنا أقول لكم وأنتم أيها المؤمنون ينبغي أن تستفيدوا مما حدث إلى أقصى الحدود أن نعود إلى ربنا، أن نبرمج أنفسنا برمجةً أخرى، أن نضع أهدافاً غير الأهداف التي كنا نضعها سابقاً، الهدف الأول إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي. أن نجهد في نشر هذا الدين، في ترسيخ مبادئه في تعزيز قيمه، الكافر متى يحتقر الدين ؟ حينما يرى إنساناً له زي إسلامي ولكنه يكذب، لا يتقن عمله، الآن المشكلة أن الكافر متشبث بكفره لماذا ؟ لأنه يرى المسلم على غير ما ينبغي أن يكون، يراه على غير ما ينبغي أن يكون، يتوهم أن الكفر هو الحق وأن هذا الدين هو الباطل.
الموقف العملي الذي هو رد على ما حدث أن نقوم بانتفاضة وهي عبارة مستعملة الآن استعمال واسع جداً ولكن انتفاضة من نوع آخر انتفاضة دينية، راجع كل معتقداتك راجع كل عاداتك وتقاليدك.
مرة أخ قصة لا أنساها عمرها عشرين سنة، زارني أخ بدرس الأحد وقال لي: أرسلني إليك فلان، فلان صديقي مدير قسم كبير في معمل نسيج ضخم وتوفي رحمه الله بحادث وكان هذا الرجل معاونه كان مدير مصبغة وهذا كان معاونه مهندس قال لي: أنا أستاذ مهندس درست في رومانيا ولي مكانتي ولي خبرتي ودخلي جيد ولكن أنا مصاب بالصرع قال لي: تأتيني هذه النوبة بمكتبي وحولي موظفين ألقى على الأرض وأضطرب مرة في بيتي ومرة في الطريق مرة في سيارة، قال لي: الدنيا كلها سوداء في عيني هل عندك حل ؟ قلت له: يا بني هذه قضية طب وأنا لست طبيباً، قال لي: أريد بالدين هل يوجد حل ؟ أنت رجل دين هل يوجد حل في الدين، وهو أحرجني فتورطت قلت له: أنا يا بني أعتقد أن الله عز وجل حينما قال:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[ سورة النساء: الآية 147]
الله ليس له مصلحة يسوق إلى إنسان شيء مزعج إذا كان عقيدته سليمة وعمله طيب قال لي: هكذا تقول، قلت له: نعم هذه الآية:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[ سورة النساء: الآية 147]
فقال لي: ماذا مطلوب مني أنا ؟ أول مرة أخ يكون عندي في البيت يخرج من جيبه ورقة وقلم وقال لي: اكتب كل شيء أنفذه ولكن الله يشفيني، أنا أحرجني فقلت له: تغض بصرك فكتب غض البصر، فقال لي: أنا ألعب طاولة، فقلت له: ممنوع لعب النرد فكتب، فقال لي: أنا أتكلم مع جارتي وأنظر إليها فقلت له: ممنوع، والله أذكر يا إخوان كتب ثلاثين بنداً، من حرق قلبه ما هذا المرض حطمه تحطيماً بعد ما ذهب أنا ندمت أشد الندم، يوجد معه مرض مستعص والصرع ليس قضية سهلة وهو مرض مستعص الآن، ذهب والأحد الثاني جاء إلى الدرس لكن مبتسم والله قال لي: أول جمعة بحياتي ما جاءتني ولا نوبة لكن صدقه بتطبيق البنود غير طبيعي فقلت: يا رب سلم لو فرضنا انتكس مشكلة جاءت نوبة كان هذا الكلام كله فارغ، ثاني أحد يا رب لك الحمد بيضت وجهي، أذكر أربع أحدات الأحد الخامس ما جاء قلت في نفسي جاءته نوبة، الأحد السادس جاء وقال لي: جاءت نوبة يا أستاذ ولكن أنت ليس لك علاقة فقلت له: لماذا ؟ فقال: لي صديق قديم زرته وجاءت زوجته وجلست معنا وضحكنا وسررنا بالطريق جاءتني نوبة.
هو ساكن في بيت ليس مستقلاً به وهو من حوران وساكن بغرفة في بيت وفيه اختلاط فقال لي: أريد بيت لوحدي والله كان في أزمة سكن يمكن أصعب أزمة مر بها البلد ووجد له بيت بركن الدين بثلاث مئة ليرة مستقل وطابق والله بقدرة قادر، قلت لأخ من إخواننا أجر هذا الشاب بقدرة قادر. رأيته منذ سنتين بحلب أيضاً الله عافاه.
يوجد مبادئ في الإسلام:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[ سورة النساء: الآية 147]
لا يوجد داعي أنتم اصطلحوا مع الله، هذا الحديث والله أنا لا أمله كل ما إنسان شكا لي شيئاً أقول له صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، سيدنا سعد يقول: ثلاثة أنا فيهن رجل ومعنى رجل أي بطل وفي ما سوى ذلك فأنا واحد من الناس يقول من هذه الثلاثة ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، كلام النبي وحي من عند الله فالنبي يروي عن ربه وهذا من أرقى الأحاديث:

(( عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]
الذي عنده مشكلة، عنده أزمة، عنده لا سمح الله مرض، له عدو يخوفه، له شريك صعب، له ظرف معين، فباب الله مفتوح، والدعاء هو العبادة، الله عز وجل ماذا قال ؟

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾
[ سورة الفرقان: الآية 77]
أنت لا تدعو جهةً إلا إذا آمنت بوجودها، لا تدعو جهة إلا إذا آمنت بوجودها ولا تدعو جهةً إلا إذا أيقنت أنها تسمعك ولا تدعو جهةً إذا إلا إذا أيقنت أنها قادرة على تلبية طلبك ولا تدعو جهةً إلا إذا أيقنت أنها تحب أن تلبي طلبك، يعني آمنت بالله موجوداً وسميعاً بصيراً عليماً، إذا تكلمت سميع، تحركت بصير، سكت عليم وآمنت أنه على كل شيء قدير وآمنت أنه يحب أن يرحمك.
أخ من إخواننا في مقتبل العمر صار معه ورم في الرئة ذهبت إلى بيته والله بكيت لا يوجد أمل بالدرجة الخامسة أخذوا خزعات في الشام وفي بريطانيا، يملك بيتاً ممكن أن تعمل له عملية غالية جداً تساوي وقتها ثمن بيته مع أن بيته فخم جاءه إرث وهو موظف، فإذا بهذا المرض يتراجع ذاتياً والقصة من ثمانية عشر سنة والآن هو حي يرزق.
وإذا مرضت فهو يشفين قضية إيمان، اسمحوا لي بكلام لعله قاسٍ قليلاً قال تعالى:

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: الآية 126]
كم مسلم قابض هذه الآية، طبعاً الكل يسكت ويحترم القرآن لكن عملياً هل يرى أن الله قادر أن ينصر الضعيف الذي لا يملك شيئاً على قوي جبار، قادر ولكن تحتاج إلى إيمان، إذا الله عز وجل قال:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[ سورة النحل: الآية 97]
وعد إلهي ليس له علاقة لا بالمكان ولا بالزمان ولا بالظروف ولا بالكساد ولا بأزمة السكن، إله يقول لك:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[ سورة النحل: الآية 97]
مثلاً المرأة كم امرأة تصدق النبي بهذا الحدث:

((اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
كم امرأة مسلمة وكم امرأة مسلمة داعية هذا الحديث تعمل به، تقول لك هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ولكن تعمل به، فرق كبير بين أن تنطق بكلمة مئة ألف وبين أن تملكها النطق سهل، كل مسلم ينطق بكل الأحاديث ويقرأ القرآن لكن فرق كبير بين أن تنطق بهذه الآيات وبهذه الأحاديث وبين أن تعيشها فنحن حينما نؤمن بأن الله هو الفعال وأن الأمر كله بيده وأن يد الله فوق أيديهم وأن الله في السماء إله وفي الأرض إله و أنه:

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾
[ سورة الكهف: الآية 26]
أنت حينما تؤمن أن الله هو الفعال زوال الكون أهون على الله من أن يخيب ظنك، أبداً، لما المسلمون حاربوا الدولتين العظمتين الفرس والروم تقريباً يشبه دولة من العالم الثالث نائية متخلفة لا يوجد فيها شيء تحارب دولة كبريطانيا أو فرنسا أو أمريكا.
سيدنا رسول الله حينما رأى في المسجد عدي بن حاتم وكان ملكاً والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا الأدب قال:

(( عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ))
[ أبو داود ]
فمن شدة أدبه دعاه إلى بيته قال: في الطريق استوقفته امرأة ضعيفة تكلمه في حاجتها فقال: علمت أنه نبي مرسل وليس بملك، هذا موقوف نبي...
سيدنا عمر رآه قد اضطجع على حصير وقد أثرت في خده الشريف فبكى عمر، لما تبكي يا عمر ؟ قال له: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير، قال له:
((يا عمر ألا ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا، يا عمر إنما هي نبوة، يا عمر أفي شك أنت ؟))
قال له: لا والله، النبوة شيء والملك شيء آخر.
فلما وصل إلى بيته ألقى إليه وسادة من أدم محشوة ليفاً قال: اجلس عليها قلت: بل أنت، قال: بل أنت. قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض، هذا ملك ؟ قال: إيه يا عدي بن حاتم، انظر إلى المنطق، قال له: ألم تكن ركوسياً دينك ركوسي، قال له: بلى، قال: أولم تسر في قومك بالمرباع، قال: بلى، قال: فإن هذا لا يحل في دينك، نقاش منطقي، دينك الذي تعتنقه لماذا تخالفه ؟ يوجد تناقض بحياتك.
فعلمت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل، الآن اسمعوا ثلاث جمل من رسول الله وكأنها تنطبق علينا مئةً بالمئة، قال له: يا عدي لعله إنما يمنعك من دخول بهذا الدين ما ترى من حاجتهم. يعني من فقرهم، فقر وجفاف، وكساد، وقلة مياه، وقلق... أليس كذلك يا عدي لعله إنما يمنعك من دخول بهذا الدين ما ترى من حاجتهم، ويم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، أحياناً إنسان يستصغر الفقير ويعظم الغني لفساد في مقاييسه ورب أشعث أغبر ذو طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
مرة زرت إنساناً له عمل مهم جداً الغرفة التي يجلس فيها شرحها يطول جداً أولاً معزولة بالخشب الجميل جداً، لا يوجد ضجيج أبداً، ثانياً الأرض مفروشة بنوع من الفرش نادر جداً لاحظت قطعة من النبات ثمنها فوق العشرة آلاف ليرة نبات جميل، مكتب والله قال لي بالحرف الواحد أنا عملي اسمه ديرتي ورك العمل القذر، إذا كان بضاعة محرمة تبيعها إذا أفلام إباحية تبيعها وأن أقول مثلاً وهو ليس كذلك.
سبحان الله في اليوم التالي أصاب مركبتي خلل ذهبت إلى أخ من إخواننا بطرف دمشق وكان مطر شديد ووحل ولا يوجد مكان في الكراج لسيارتي فأوقفها على الرصيف وتحتها وحل وانبطح تحتها يمكن يلبس أفرول كان لونه أزرقاً عندما اشتراه الله أعلم لكن بعد سنتين ليس له لون يا ترى زيت أم شحم أو وحل لا أعرف، فك القطعة وأصلحها وأتقن إصلاحها وأخذ أجرة معتدلة، فأنا وازنت بين كلمة عملي قذر وبين العمل هذا، قلت والله العمل هذا نظيف هل ترى الوحل والزيت والشحم والمطر والعمل الشاق وغير المريح هذا عمله مريح.
أنت ابحث عن عمل نظيف.

(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم.))
إخواننا الكرام:
ملاحظتان مهمتان بيت عملك وزوجتك ألصق شيء بك، البيت يتغير أما عملك إذا عملك مبني على معصية مشكلة، إذا عملك مبني على إيذاء الناس مشكلة، إذا عملك مبني على تحبيب الناس بشيء من الدنيا مشكلة، أما إذا عملك مئة بالمئة شرعي، إذا كان زوجتك مناسبة وعملك مناسب أنت ملكت طرفي السعادة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بما جرى، أن ننتفع توبة نصوح، أن ننتفع طلب علم أن ننتفع حركة إلى الخير ممكن بالمال، ممكن بالجاه، ممكن بالجهد، ممكن بعضلاتك، ممكن بخبرتك، ممكن بعلمك، ممكن بطلاقة لسانك، لا يوجد إنسان ما عنده شيء أما هذا الشيء دققوا كلام دقيق جداً أنت عندك مال، يوجد فلان عنده طلاقة لسان، إنسان عنده ذكاء، إنسان عنده قوة إقناع، إنسان عنده خبرة، إنسان عنده اختصاص معين مترجم، الآن دققوا هذا الحظ الذي منحك الله إياه يمكن أن يوظف بالحق فأنت أعلى إنسان ويمكن أن يوظف بالباطل فأنت أدنى إنسان ويمكن أن يوظف بما هو مباح لا حق وباطل فأنت خاسر إذا وظفته بغير الحق فأنت خاسر، بالباطل آثم، فبين أن تكون ناجحاً أو خاسراً أو مجرماً، فمالك يرفعك إلى أعلى عليين إذا لم تنفقه في معصية ولكن لم تنفق منه شيئاً جاء من بعدك فأنفقه في طاعة، قالوا: أندم الناس رجلاً دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار، أندم الناس عالم دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار.
لذلك أيها الإخوة أنا ترتعد مفاصلي من أدعية أربعة، الدعاء الأول: اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني، معقول تتعلم آية حديث وعندك طلاقة لسان وتشرح الآية والحديث ويأتي من يستمع إليك وينتفع بها ويسعد بها وأنت لست كذلك.
اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، الله ألم يقل:

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾
[ سورة سبأ: الآية 19]
أن لا يكون الإنسان قصة، عبرة، موعظة.
الدعاء الثالث: اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس فيه أحداً سواك. كلمة حق أريد بها باطل.
والدعاء الرابع: اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك. يمكن أن تلبس ثوباً أبيضاً يوم الجمعة تتعطر مسك وتحمل مسبحة تركواز وتأتي إلى المسجد، أين كنت سهران الخميس ؟ هذه بينك وبين الله، لذلك:

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ؟ جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ ابن ماجه ]
المؤمن الصادق خلوته كجلوته وسريرته كعلانيته وظاهره كباطنه، يوجد توحد لا يوجد ازدواجية أبداً.
يوجد قصة ما أكملتها... قال يا عدي لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجته ويم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه.
المسلمون فقراء أو أفقرنا أصح. ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، كيف تشاهدون الآن هل يوجد أحد معنا؟ مؤتمر العنصرية في جنوب إفريقيا دول أوربا بأكملها قال إذا كتب في التوصيات إسرائيل دولة عنصرية ينسحبون جميعاً من هذا المؤتمر، هي ليس عنصرية الإنسان يكاد أن يخرج من جلده.
ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ويم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة لهم. الثالثة ولعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين دققوا أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، مراكز القوى ليست عند المسلمون، المسلمون ينتظرون التعليمات خائفون، ويم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف. قال: ولقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى كل ذلك.
الله موجود ولا يتخلى عن المؤمنين ولكن ينبغي أن نكون عند حسن ظن الله بنا، والله لو آمنا الإيمان الذي أراده الله لسارت الجبال من أجلنا شيء واضح، شيء بسيط تدخل إلهي مباشر ذكرتها كثيراً في سبعة وعشرين رمضان قبل أربعة أعوام أراد اليهود أن يأخذوا رهائن من جنوب لبنان ليلة القدر فهيئوا طائرتين مروحيتين وفيهما مئة وخمسة وعشرين ضابطاً وكل واحد منهم كلف خمسة ملايين سلاح أبيض صراع ياباني، لغات محلية كومبيوتر أجهزة حديثة هؤلاء الكوماندوس غاليين جداً وقعت الطائرة العليا فوق السفلى ووقعتا فوق مستعمرة في إسرائيل ومنذ أن أسست إسرائيل وحتى الآن لن تمنى إسرائيل بهزيمة كهذه الهزيمة هذه مباشرة من الله عز وجل.
طائرة فيها سبعة وستين عالم جاءها صاروخ منذ يومين، إذا الله تدخل مباشرةً ينهي كل شيء ولكن نحن مهمتنا أن نكون أهلاً كي يتدخل الله لصالحنا. لأنه يوم الأحزاب، الله عز وجل أرسل سيدنا نعيم بن مسعود واحد، قال نعيم يا رسول الله جئتك مسلماً آمرني ماذا أفعل؟ قال أنت واحد ؟ قال له: خذل عنا، بتوفيق عجيب حدث اليهود حديث وحدث قريش حديث أوقعهما فيما بينهما وهبت رياح قلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وكفى الله المؤمنين القتال.
فإذا الله تدخل يحسم الموضوع، فنحن نرجو الله أن نكون أهلاً ليدافع الله عنا ولا منجى من الله إلا بطاعته، لا ملجأ منك إلا إليك.
والحمد لله رب العالمين

سوسن
06-09-2011, 08:52 PM
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 043: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-10-21
http://www.nabulsi.com/brown/ar/images/art/line.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام:
ما من مسلم على وجه الأرض الآن إلا ويتمنى أن يتغير حال المسلمين من التمزق إلى التوحد، من الضعف إلى القوة، من القهر إلى الاعتزاز، هذا الشعور في ضمير كل مسلم على وجه الأرض لا يشك واحد في هذا، ولكن الأمر وصل إلى درجة أن الطريق إلى التغيير ليس واضحاً، كلنا نعتز بتاريخ الصحابة كيف كانوا أعزة ؟ كيف كانوا أقوياء ؟ كيف انتصروا ؟ كيف رفرفت راياتهم في المشرقين و المغربين ؟ ما الذي حصل ؟ الله هو هو والأمر بيد الله دائماً وعوامل القوة بيد الله، عوامل العزة بيد الله، لازلنا في موضوعات تمس شغاف قلب كل مسلم على وجه الأرض.
أيها الإخوة:
لعل محور هذا الدرس كيف يغير الله حالنا إلى حال يرضينا ويسعدنا ويعزنا.
أيها الإخوة:
الآية الدقيقة في سورة الأنفال يقول الله عز وجل:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
هذه الآية أصل كبير في موضوع هذا الدرس:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
طبعاً ينبغي أن نفهم هذه الآية بشمولية كبيرة وبتنوع كبير وباتجاهين اثنين على مستوى أمة وعلى مستوى فرد.
الله عز وجل أنعم على المسلمين بنعمة النصر سابقاً هذه النعمة لماذا تغيرت ؟ قال:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
لابد من أنهم غيروا، حينما كانوا المسلمون في الأندلس وقد فتحوا هذه البلاد البعيد والجميلة والغنية وكانوا قلة العالم، كيف نحن الآن إذا أراد أحدنا أن يفتخر بعلمه يقول لك دارس في أمريكا هذا الطبيب يحمل بورد من أمريكا، هذا يحمل دكتوراه بالتسويق من أمريكا، كان الأوربيون يفتخرون إذا درسوا في إسبانيا، فهذه البلاد كانت منبع حضارة كبير للعالم القديم والحديث.
نعمة فتح هذه البلاد ونعمة إنشاء هذه الحضارة لماذا تغيرت ؟ أليس هناك قانون ؟ طبعاً شاعت الجواري وشاع الغناء وشاع شرب الخمر وشاع الانحراف فلما غيروا غير الله ما بهم، حينما كانوا المسلمون في المشرق يحكمون أطراف الدنيا لماذا جاء عصر الدول المتتابعة وحكمهم المماليك والتتر والمغول وذاقوا ألوان العذاب ؟
أيها الإخوة:
في قراءة التاريخ موعظة كبيرة ذلك أن التاريخ ينطوي على قوانين والله أيها الإخوة من أعماق أعماقي أنا أخاطب أي واحد منكم أخاطب مجموعة، أخاطب واحد على مستوى مؤمن في هذه الأيام يوجد مشكلات، عقبات، طرق مسدودة، أبواب مغلقة، إحباطات، ارجع إلى نفسك أريد أن أضرب مثلاً لعله يوضح الحقيقة، إنسان تلقى ضربة قاسية جداً بعصا هو إنسان عاقل هل يمكن أن يحقد على العصا ؟ خشبة إذا حقد على هذه الخشبة فهو مجنون ينبغي أن يحقد على من ضربه بها أليس كذلك، أنا حينما أرى مشكلة جفاف أحياناً حر لا يحتمل، قهر فقر شدة ذل، أنا حينما أرى مشكلة أسأل من ساقها إلي ؟ يقيناً هو الله، الله كامل، الله عز وجل كماله مطلق، الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ما الذي ينبغي أن يكون هذه الكرة ترد إليه، أنا لا أمكن أن أحكم على العصا لأنها أداة ودققوا في هذه الكلمة: الأقوياء في الأرض عصي بيد الله، أنا لا أحقد على العصا بل أتألم ممن ضربني فإذا كان الضارب المسبب المقدر هو خالق الأكوان الرحمن الرحيم الحكيم العليم العدل معنى ذلك يجب أن أرجع إلى نفسي.
أيها الإخوة:
والله أي واحد منا في شؤون حياته اليومية في علاقاته في عمله، علاقاته بأهله، علاقاته بأولاده، علاقاته بجيرانه، علاقاته بمن حوله إذا حكم هذا القانون: جاءتني إساءة من زيد، زيد بيد الله من سمح له؟ من أعانه ؟ من قدر له أن يؤذيني ؟ من سلطه علي ؟ الله، الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى إذاً هناك مشكلة عندي، لو تتبعت المسلمون في تاريخهم الطويل بعد القرون الثلاثة الأولى النبي عليه الصلاة والسلام شهد لهذه الأمة بثلاثة قرون خيرة لكن بعد هذه الثلاثة بدأ الخط البياني ينزل وينزل قد يصعد قليلاً ثم ينزل وهكذا.
كل ما تعانيه الأمة الإسلامية بعد القرون الثلاثة هناك محاولات للإصلاح، محاولات قديمة ومحاولات متوسطة في العصور المتتابعة ومحاولات حديثة، كل هذه المحاولات تنتظر التغيير من الخارج، ولأن كل هذه المحاولات تنتظر التغيير من الخارج محاولات لا تنجح، التغيير من أين يبدأ ؟ من الداخل كلام واضح كالشمس، كلام منجح ومسعد.
يوجد عندك مشكلات، قهر، ضعف، الأمور معسرة، الأمور غير ميسرة يوجد مشكلة، حينما تفكر أن هذا الإصلاح ينبغي أن يبدأ من الداخل وتعكف على داخلك تصحح عقيدتك توقع حركاتك و سكناتك وفق منهج الله ثم تنتظر من الله أن يغير، أنت غيرت بقي أن يغير الله و زوال الكون والله أهون على الله من أنك إذا غيرت لا يغير أبداً وكل شيء بيد الله كن فيكون والله حول هذه الفكرة هناك قصص لا تعد ولا تحصى منتزعة من واقعنا لكن الذي يحصل دائماً أن التغيير يكون من الأحسن إلى الأسوأ:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
إذا التغيير حول الأسوأ لابد له من أسباب جوهرية، التغيير حول الأسوأ لابد له من أسباب جوهرية، من باب أولى أن التغيير من الأسوأ إلى الأصلح لابد له من أسباب جوهرية لا تنتظر أن يأتي التغيير من الخارج، لا تنتظر أن تحل مشكلاتك وأنت مقيم على مخالفاتك، لا تنتظر أن يبدل الواقع بشكل سحري أبداً الواقع صعب جداً، أنا والله ليس من باب التشاؤم أنا متفائل وقبل درسين ذكرت لكم ماذا حصل في هذه البلاد البعيدة التي ظن الدعاة فيها أن ما حدث سوف يؤخر الدعوة إلى الله خمسين عاماً فكانت النتيجة العكس، كل يوم مضى رفع الدعوة سنةً لأنه شيء في طي الكتمان، شيء معتم عليه، شيء بعيد عن اهتمام الناس قفز فجأةً إلى الساحة، حينما أستمع إلى بعض هذه الأخبار إنك لم تجد في أوربا وأمريكا كتاب إسلامي واحد نفذ كل ما في المكتبات من كتب علن الإسلام نفذت كل ترجمات القرآن نفذت لن تجد كتاباً واحداً.
أيها الإخوة:
الفكرة الأولى أن منطق التغيير، أن قانون التغيير نحن في أمس الحاجة إلى التغيير نريد أن يتغير حال المسلمين تماسك، أن يستحقوا نصر الله حقيقةً وكل واحد منكم قلبه معلق بما سيكون لا يوجد أحد وأنا معكم هذه قضية المسلمين العامة، أنا لا أستطيع حتى الدرس الخامس أن أبتعد عن موضوع الساعة لأنه هو غطى على كل الموضوعات ولا يوجد موضوع آخر يستحق الاهتمام قبل هذا الموضوع ولكن ما الخلاص؟ الخلاص كلام الله عز وجل نحن أمام كلام خالق الكون:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
غير حتى يغير، إذا المسلم ليس مستعداً أن يغير شيء من واقعه ولا من بيته ولا من كسب ماله ولا من إنفاق ماله ولا من تمضية أوقات فراغه ولا من تحسين عباداته، إن لم تغير لا يغير، لذلك قال ابن عباس ما نزل بلاء إلا بمعصية ولا رفع إلا بتوبة.
والفكرة الأخطر الإنسان أحياناً يتوهم الخطر من جهة الله عز وجل عنده آلاف الجهات التي ينبغي أن نخاف منها، ذكرت هذا في خطبة قبل أربعة أسابيع فيما أذكر عن أسباب هلاك الأمم، حينما يوجد في أمة أو في مجتمع أو في أسرة أو في فرد سبب هلاكه لابد من أن يصاب بسوء وقلت وقتها أمة عصت ربها، أمة ظلمت، أمة فجرت، أمة شاع فيها الزنا، أمة شاع فيها الفجور، أمة شاع فيها الربا. الربا والزنا والفجور والنفاق والتفلت هذه أسباب الهلاك، الله عز وجل يوجد عنده ألوان عديدة من العقاب، الشيء الأساسي أن هذه الأمة وجد فيها سبب هلاكها، قد يأتي زلزال وقد يأتي إعصار وقد يأتي بركان وقد يأتي جفاف وقد يأتي قهر وقد تأتي حرب أهلية وقد يأتي عدوان خارجي، أشكال أما السبب أنه وجد في أمة سبب هلاكها، لذلك بالمقابل أي محاولة إصلاحية خارجية عقيمة ولا أدخل في التفاصيل كل مسلم بعيد عن التوحيد يتوهم لو كان كذا لكان كذا، يضع أهداف مستحيلة التطبيق لو أن الله مكننا في الأرض لكنا بحال آخر، يجب أن تكون وأنت مستضعف مطبق لأمر الله، هناك من يتوهم أنه قوله تعالى:
الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، ليس ممكنين، كثير يوجد سلوك غبي جداً أن الإنسان يقذف بالكرة إلى موقع آخر ويرتاح، أنا ليس ممكن يوم يكون وضع كله إسلامي أنا أتحرك هذا كلام غير صحيح كل إنسان قادر على أن يفعل شيئاً ولو في بيته.
والله يا إخوان:
أريد أن أكون واقعياً معكم، كن واقعي ربي أولادك أدي الذي عليك، ربي أولادك فقط، تربية أولادك تربيةً صحيحة سبب لنجاتك، ليكن بيتك إسلامياً، ليكن عملك إسلامياً لا تغش المسلمين لا تكذب عليهم لا تحتال عليهم، بيدك أن تفعل كل شيء وأنت مستضعف، بربكم الجهاد الدعوي أليس متاحاً لكل مسلم أينما كنت ؟ الجهاد الدعوي لم يتوقف أبداً لعل الجهاد القتالي ليس متاحاً في بعض الظروف لكن الجهاد الدعوي الذي وصفه الله عز وجل بأنه جهاد كبير، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾
[ سورة الفرقان: الآية 52]
أليس متاحاً لكل مسلم ؟ ألا تستطيع أن ترعى من حولك ؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:.....عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ))
[ الترمذي، النسائي، ابن ماجه ]
أنا أدعوكم إلى شيء بين أيديكم والله، والله لا أحب أن أكون خيالياً إطلاقاً، بهذا لوضع ونحن والله في نعم لا تعد ولا تحصى والله في هذه البلدة الطيبة يوجد نعم لا تعد ولا تحصى، والله في بلاد إسلامية أخرى إن دخلت المسجد مرةً واحدة حسبت حساباً عسيراً، المساجد ملآنة الدعوة إلى الله على قدم وساق، لك أن تمارس كل عباداتك وأنت في أتم الراحة هذه نعمة لا تعرفونها إلا إذا فقدت، نحن في نعمة كبرى هذه البلدة النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه الصحيحة ندب أن نسكن فيها قال:

((رأيت عمود الإسلام بالشام فعليكم بالشام في آخر الزمان ))
في بعض الأحاديث:

(( الداخل إليها برضائي والخارج منها بسخطي ))
كان في ظروف قبل هذه الظروف يعني الذي معه إقامة أو إقامة خضراء في بلاد بعيدة هذا الذي رضي الله عنه ثم بدا العكس، بدا أن الذي يقيم في بلاد المسلمين هو الذي رضي الله عنه، من يعلم الغيب ؟ ترى الأخ الذي يقيم في بلاد بعيدة عنده اعتزاز بجواز السفر لا حدود له، الآن هذا الجواز لا قيمة له إطلاقاً إذا كانت ملامحه شرق أوسطية الجواز ليس له قيمة أليس كذلك واقع، فالنبي تنبأ أنه في آخر الزمان عليكم بالشام، عليكم أي يوجد ندب أن تقيم في هذا البلد الطيب ولا يوجد بلد إسلامي وليس من قبيل الاعتزاز الشخصي لا والله، لا يوجد بلد إسلامي فيه دروس علم ولا إقبال على الله كهذه البلدة الطيبة مع أن فيها فساداً النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( إذا فسدت الشام فسدت الأرض ))
أي آخر البلاد فساداً بلاد الشام، والله كأنه فسدت، أنا أريد بهذا اللقاء الطيب أن أضع يدي على الجرح على مستوى فردي شأنك مع الله عملك، دخلك، إنفاقك، زواجك، غير ليغير، غير تماماً، أنا حينما ألتقي بأجانب مسلمين أعجب به من زاوية لا يوجد عنده حل وسط مسلم مسلم يطبق الدين تطبيقاً العقل لا يصدقه.
حدثني أخ كان في بريطانيا قال لي: دخلت إلى مسجد لأصلي بالسدة يوجد امرأة بأيام الصيف الحارة يعني ثيابها غير معقولة من شدة رغبتها بالحجاب، هذه نصف تطبيق سددوا وقاربوا بمعنى آخر سبحان الله العوام يفهمون بعض الأحاديث فهم ما أراده النبي، سددوا يعني اضربوا الهدف، قدر ما تستطيعون لا تتشدد، لا تكن متزمتاً، هذا الدين منهج كامل إذا حذفت بعض فقراته لم تقطف ثماره، كل واحد منا يفتح مع الله صفحة جديدة، الله عز وجل جلت حكمته لا يأخذ الطائع بالعاصي مبدئياً ولا تزر وازرة وزر أخرى لا يأخذ الطائع بالعاصي، قال تعالى:

﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ﴾
[ سورة العنكبوت: الآية 40]
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾
[ سورة سبأ: الآية 17]
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)﴾
[ سورة الذاريات ]
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾
[ سورة الذاريات: الآية 36]
نجي وأهلك الباقون، الله عز وجل بكل عصر وبكل مصر وبكل ظرف في استثناء يوجد نجاة لكل مؤمن، قال تعالى:

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾
[ سورة الزمر: الآية 61]
لا تخف كن مع الله ترى الله معك، إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك، من باب العقل من باب الاحتياط من باب أخذ الحذر بأن الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
[ سورة النساء: الآية 71]
لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( المؤمن كيس فطن حذر ))
في هذه الظروف الصعبة وقد تشتد الظروف نسأل الله جل جلاله أن ينجي هذه البلاد من كل سوء من أعماقنا والله، وأنا يغلب على ظني أن الله سينجيها لأنه وعد نبيه:

(( الشام كنانتي))
يعني جعبة سهامي.

(( من أراده بسوء أصبته بسهم منها))
هذه بشارة:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:........إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ....))
[ أبو داود، أحمد ]
يوجد في كتاب الترغيب والترهيب باب كبير فضل السكنة في الشام، نحن نصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ونؤكد أن الله عز وجل لا تزر وازرة وزر أخرى وأن الله ينجي المؤمنين ولكن لابد من أن نأخذ بأسباب النجاة، أسباب النجاة تبدأ من الداخل أنا لا أدخل بتفصيلات، نحن عاصرنا مناهج تغييرية توهمناها في هذا الشيء فلم تفلح، توهمناها في هذا الشيء فلم تفلح كلكم عاصر مناهج تغييرية شمولية، توهمناها في أن نوزع ممتلكاتنا فيما بيننا ما أفلحنا، توهمناها في أن نطلق الحرية للناس في بيعهم وشرائهم ما أفلحنا، توهمناها في أن نكون متحدين ما أفلحنا.
يوجد مناهج مررنا بها خلال خمسين سنة كلها مناهج شمولية للتغيير لم تفلح، لا يمكن أن يحصل التغيير إلا إذا بدأ من الداخل أما إذا بدأ التغيير من الخارج العلة قائمة.
فيا أيها الإخوة:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
هذه آية والثانية التي توافقت معها:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: الآية 53]
كأن الآيتين تواطأتا على التغيير من الأحسن إلى الأسوأ، ولكن من باب أولى وبحسب المفهوم المقابل والمخالف أيضاً التغيير من السيء إلى الحسن يحتاج إلى أسباب وتبدأ من الداخل، الإنسان أحياناً يعمل صلح مع الله يراجع نفسه والإنسان لا شك أنه يعلم علم اليقين أين نقاط ضعفه؟ قال تعالى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[ سورة القيامة ]
كل إنسان يعرف بالضبط موقعه من هذا الدين، يعرف نقاط ضعفه نقاط التفلت، نقاط التقصير، يوجد واجبات لم يؤدها يوجد حقوق لم يؤدها يوجد عبادات مقصر فيها، يوجد مخالفات وقع فيها، فكل واحد منا يعلم مكمن التقصير لكن الشيء الواضح أن هناك تفلت عام على مستوى المسلمين هذا التفلت العام استوجب ما يعانيه المسلمون على مستوى عام.
أحياناً نفكر في إصلاح علمي شمولي،أحياناً نفكر في إصلاح اجتماعي، أحياناً في إصلاح تربوي، أحياناً في إصلاح اقتصادي، أحياناً في إصلاح سياسي ما لم نغير ما بأنفسنا لا يغير الله ما بنا.
أحد قادة الأعداء احتل قلعة في جنوب لبنان قلعة مهمة جداً بعد أن احتلها ذكروه بأن المسلمون بحسب النصوص الواردة سوف ينتصرون على اليهود، فقال: نعم ولكن ليس هؤلاء الذين حولنا، وقال كلمة قاتله الله، قال: حينما تكون صلاة الفجر كصلاة الجمعة ينتصرون علينا.
ترى جامع ضخم يسع عشرة آلاف مصلي زره عند الفجر تجد سبعة، حدثني أخ جاء من أمريكا الذي حدثكم منذ أيام قال لي: أردت أن أصلي الفجر في جامع ثلاثة أشخاص. بينما يمتلئ في الخطبة ولا يتسع بالمصلين، أنا كنت في واشنطن وألقيت درس فجر حضره ثلاثمئة والأمر عادي ما عندهم علم أنني سآتي، دعيت إلى إلقاء درس، لما يكون رواد المسجد في الفجر كرواده يوم الجمعة معنى هذا أن الصلاة شيء أساسي.
حدثني أخ شهد زلزال تركيا قال: والله عقب الزلزال الصلوات الخمسة لا يوجد مكان في الجوامع الحرم ممتلئ كله، الصحن ممتلئ كله بأطراف المسجد على الرصيف الصلوات الخمسة، هل الإنسان بعد قتلة يصلي من دون قتلة، طبعاً بعد الشدة يوجد رجعة إلى الله ولكن بطولتك أن ترجع من دون شدة، شيء واضح جداً المشاريع التغييرية الشمولية إن لم تبدأ من الداخل لم تنجح ولن تنجح.
أسمع أحياناً كلمات تعجبني لا يوجد معجزات نحن جالسين مرتاحين ونقيم على مخالفات كثيرة على تقصيرات كثيرة على كسب مشبوه على علاقات ربوية، على علاقات اجتماعية ليس منضبطة بمنهج الله عز وجل، لا تتوقع أن يأتي طبق من السماء على طبق من ذهب هذه لم يحلم بها أصحاب رسول الله، أي قالوا كلمة لن نغلب من قلة فتخلى الله عنهم في حنين:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾
[ سورة التوبة: الآية 25]
أي كثيراً ما نقول عملنا المشروع الفلاني و استغنينا عن رحمة السماء كلام يقوله كثيرون، كل شخص فكره علماني أي الفكر بعيد عن الطروحات الدينية أي إذا أنشأنا فرضاً إنجازاً نستغني عن رحمة الله عز وجل، من يقدر أن ينزل الأمطار الآن ؟ الجفاف تأديب إلهي، أي كيف ماذا نعمل ؟ انظر إلى الطريق تعرف ماذا تعمل، انطباع سريع، هؤلاء الفتيات في الطريق أليس لهن آباء مسلمون و أمهات مسلمات ؟ هكذا، نحن واقعون تحت غزو ثقافي، النمط الإباحي الغربي عن طريق هذه الصحون عُمِمَ على العالم كله، لكن نحن مسلمون معنا منهج الله معقول امرأة تكشف كل مفاتنها في الطريق لأن صرعة الأزياء في هذا العام هكذا، تطيح بدينها و بسنة نبيها و بتوجيهات خالقها أمام أن نلهث وراء صرعة من صرعات الأزياء هذا واقع المسلمين.
أتمنى أنا أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة و الله أعتقدها من سنوات تزيد عن الثلاثين، أمة انحرفت قيض الله لها قوة طاهرةً هذه القوة ليس في الأرض كلها قوة يمكن أن تزيحها إلا بحالة واحدة أن تعود هذه الأمة مستقيمةً هكذا فتنزاح عنها، إن أردت أن ألخص لك واقع المسلمين من ألف عام هذا واقعهم، انحراف قيض الله لهم قوةً قاهرة ليس في الأرض كلها قوة يمكن أن تزيحها عن صدورهم إلا إذا استقمنا على أمر الله نحن نعاني سبعين عاماً من وجود اليهود طبعاً يؤخرون تقدمنا ونمونا لأن كل طاقاتنا تتجه إلى الدفاع، هذه قوة أما لو أننا عدنا إلى الله عودةً صحيحةً واصطلحنا معه اصطلاحاً تاماً يعني أنا لا أتحدث عن الشكليات إخواننا، الشكليات والله عندنا مظاهر إسلامية صارخة ألقاب ومؤتمرات وثياب إسلامية وعطر إسلامي ومسبحة إسلامية ونزعة إسلامية وفكر إسلامي واتجاه إسلامي وخلفية إسلامية وأرضية إسلامية يوجد عندنا كثير كشكليات عندنا منها الشيء الذي لا يعد ولا يحصى أما الله عز وجل يريد قلوبنا هل هي منيبة إليه ؟ يريد علاقاتنا اذهب إلى قصر العدل هذه الدعاوى بعشرات الألوف كلها بين مسلمين، عدوان.
هل من المعقول سيدنا عمر يتسلم منصب إن صح التعبير وزير عدل سنتين في عهد سيدنا أبي بكر ولا يأتيه متخاصمان.
والله أنا أحياناً من أجل وكالة في قصر العدل الناس الساعة التاسعة يدخلون بكثافة غير معقولة أبداً كلها دعاوى كلها عدوان، البنية التحتية سيئة.
أحد إخواننا اختلف مع أخوه من بلدة حول دمشق، جلست معهم عدة جلسات وكتبنا اتفاقية وقعتها بتوقيعي ووقع الطرفان، أحد الطرفين توفي فدخلوا في المحاكم عشر سنوات ثم أبرزوا للقاضي ورقتي فطلبني للشهادة وهذا واجب ذهبت لأدلي بشهادتي أن هذا الخط خطي وهذا التوقيع توقيعي وهذه الاتفاقية جرت بمعرفتي الرجل استقبلني استقبالاً فيه اهتمام بالغ وكان بأعلى درجة من اللطف والود، طبعاً الوقت كان غير وقت محاكمات بمكتبه، قلت له: هذه الورقة أنا كتبتها وهذا التوقيع توقيعي وهذا الاتفاق جرى بمعرفتي لكن أحببت أن أقول له كلمة قلت له: سيدنا عمر حينما كان وزير عدل في عهد سيدنا أبو بكر بقي سنتين لم يترافع إليه اثنان ماذا قال الله عز وجل:

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[ سورة ص: الآية 24]
من هم الخلطاء ؟ الشركا