الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى كنوز السنّة النبوية > أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم > عون المعبود شرح سنن أبي داود

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-16-2010, 08:13 PM   #1
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-17-2014 (06:54 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
Oo5o.com (11) أول كتاب الخراج والفيء والإمارة



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك


باب ما يلزم الإمام من حق الرعية
بسم الله الرحمن الرحيم

1 - باب ما يلزم الإمام من حق الرعية
2926 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألاَ كُلّكُم رَاعٍ وكُلّكُم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ، فاْلأمِيرُ الّذِي عَلَى النّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمُ، وَالَمْرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالَعبْدُ
ـــــــ
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
بكسر الهمزة الإمرة وقد أمره إذا جعله أميراً. والفيء بالهمزة ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. والخراج ما يحصل من غلة الأرض، ولذلك أطلق على الجزية. كذا في المصباح.
باب ما يلزم الإمام الخ
"ألا" للتنبيه "كلكم راع" قال العلقمي: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه "وكلكم مسئول عن رعيته" أي في الآخرة فإن وفي ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر وإلا طالبه كل أحد منهم بحقه "فالأمير الذي على الناس" مبتدأ "راع عليهم" خبر المبتدأ "على أهل بيته" أي زوجته وغيرها "وهو" أي الرجل "مسئول عنهم" أي عن أهل بيته هل وفاهم حقوقهم من كسوة ونفقة وغيرها كحسن عشرة أولاً "على بيت بعلها" أي زوجها بحسن تدبير المعيشة والأمانة في ماله وغير ذلك "وولده" أي ولد بعلها "وهي مسئولة عنهم" أي عن حق زوجها وأولاده.
وقال الطيبي: الضمير راجع إلى بيت زوجها وولده وغلب العقلاء فيه على غيرهم
(8/104)
رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، فَكُلّكُم راعٍ وكُلّكُم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ".
ـــــــ
"فكلكم راع الخ": قال العلقمي: والفاء في قوله فكلكم جواب شرط محذوف ودخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم فإنه يصدق عليه أنه راع في جوارحه حتى يعمل المأمورات ويتجنب المنهيات. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي.
(8/105)
2 - باب ما جاء في طلب الإمارة
2927 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ الصّبّاحِ الْبَزّازُ أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا يُونُسُ وَ مَنْصُورٌ عن الْحَسَنِ عن عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: يَا عبد الرحمن بنَ سَمُرَةَ "لا تَسألِ الإمَارَةَ فَإنّكَ إذَا أُعْطِيتَهَا عنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ فِيهَا إلَى نَفْسِكَ، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا".
2928 - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ أخبرنا خَالِدٌ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أبي خَالِدٍ عن أخِيهِ عن بِشْرِ بنِ قُرّةَ الْكَلْبِيّ[الكندي] عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى رَضِيَ الله عَنْهُ قال: انْطَلَقْتُ مَعَ رَجُلَيْنِ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَتَشَهّدَ أحَدُهُمَا ثُمّ قال: جِئْنَا لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلِكَ، فقالَ[وقال] الآخر مِثْلَ قَوْلِ صَاحِبِهِ، فقالَ: "إنّ إخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا منْ طَلَبَهُ،
ـــــــ
باب ما جاء في طلب الإمارة
"عن مسألة" أي سؤال "وكلت فيها" أي في الإمارة "إلى نفسك" وفي رواية الشيخين "وكلت إليها" قال في الفتح: بضم الواو وكسر الكاف مخففاً ومشدداً وسكون اللام، ومعنى المخفف أي صرفت إليها ومن وكل إلى نفسه هلك ومنه في الدعاء "ولا تكلني إلى نفسي" ووكل أمره إلى فلان صرفه إليه ووكله بالتشديد استحفظه. ومعنى الحديث أن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه. ويستفاد من هذا أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك. انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مختصراً ومطولاً بنحوه.
"الكلبي" وفي بعض النسخ الكندي. قال في الأطراف: بشر بن قرة ويقال قرة بن بشر الكلبي انتهى، وكذلك في الخلاصة. وقال في التقريب: بشر بن قرة الكلبي، فالظاهر أن الأول هو الصحيح "عن أبي موسى" هو الأشعري "فتشهد" أي خطب "إن أخونكم" أي أكثركم
(8/105)
فَاعْتَذَرَ أبُو مُوسَى إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَقال: لَمْ أعْلَمْ لِمَا جَاءَا لَهُ، فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ حَتّى مَاتَ.
ـــــــ
وأشدكم خيانة "من طلبه": أي العمل "لما جاءا": بصيغة التثنية أي الرجلان "فلم يستعن": أي النبي صلى الله عليه وسلم "حتى مات": أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال المنذري وأورده البخاري في التاريخ الكبير من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه وذكر أن بعضهم رواه عن إسماعيل عن أبيه، وقال ولا يصح فيه عن أبيه. وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيح من حديث أبي موسى قال: "أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري وكلاهما يسأل العمل، وفيه والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما. وفيه لن نستعمل على عملنا من أراده".
قال المهلب: فيه دليل على أن من تعاطي أمراً وسولت له نفسه أنه قائم بذلك الأمر أنه يخذل فيه في أغلب الأحوال، لأن من سأل لإمارة لا يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلاً لها.
وقد قال عليه السلام: "وكل إليها" بمعنى لم يعن على ما تعاطاه، والتعاطي أبداً مقرون بالخذلان وإن من دعي إلى عمل أو أمامة في الدين فقصر نفسه عن تلك المنزلة وهاب أمر الله رزقه الله المعونة. وهذا إنما هو مبني على أنه من تواضع لله رفعه الله.
وقال غيره: وقد اختلف العلماء في طلب الولاية مجرداً هل يجوز أو يمنع، وأما إن كان لرزق يرزقه الله أو لتضييع القائم بها أو خوفه حصولها في غير مستوجبها ونيته في إقامة الحق فيها فذلك جائز له. انتهى كلام المنذري.
(8/106)
3 - باب في الضرير يولى
2929 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الله المَخَرّمِيّ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيّ أخبرنا عِمْرَانُ الْقَطّانُ عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَ ابنَ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى المَدِينَةِ مَرّتَيْنِ".
ـــــــ
باب في الضرير يولى
بصيغة المجهول من التولية أي يجعل والياً وحاكما والضرير الأعمى.
موضع ببغداد. كذا في المغنى "استخلف ابن أم مكتوم": وكان رجلاً أعمى "مرتين"قال
(8/106)
الحافظ بن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في غزواته منها غزوة الأبواء وبواط، وذو العسيرة وخروجه إلى جهينة في طلب كرز بن جابر، وغزوة السويق، وغطفان وأحد، وحمراء الأسد، ونجران، وذات الرقاع، واستخلفه حين سار إلى بدر، ثم رد إليها أبا لبابة، واستخلفه عليها، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر أيضاً في مسيرته إلى حجة الوداع.
قال ابن عبد البر: وأما قول قتادة عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن أم مكتوم على المدينة مرتين فلم يبلغه ما بلغ غيره. قاله الحافظ بن الأثير وابن حجر. قال المنذري: وفي إسناده عمران بن داوود القطان وقد ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه عثمان بن مسلم واستشهد به البخاري، وقال بعضهم إنما ولاه للصلاة بالمدينة دون القضاء، فإن الضرير لا يجوز له أن يقضي، لأنه لا يدرك الأشخاص، ولا يثبت الأعيان، ولا يدري لمن يحكم، وهو مقلد في كل ما يليه من هذه الأمور، والحكم بالتقليد غير جائز. وقد قيل إنه صلى الله عليه وسلم إنما ولاه الإمامة بالمدينة إكراماً له وأخذاً بالأدب فيما عاتبه الله عليه في أمره في قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} وقد روى أن الآية نزلت فيه. وفيه دليل على أن أمامة الضرير غير مكروهة انتهى كلام المنذري.
(8/107)
4 - باب في اتخاذ الوزير
2930 - حدثنا مُوسَى بنُ عَامِرٍ المَريّ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا زُهَيْرُ بنُ مُحَمّدٍ عن عبد الرحمن بنِ الْقَاسِمِ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أرَادَ الله بِالاْءَمِيرِ خَيْراً جَعَلَ لَهُ وَزِيرصِدْقٍ، وَإنْ نَسِيَ ذَكّرَهُ وَإنْ ذَكَرَ أعَانَهُ، وَإذَا أرَادَ الله بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكّرْهُ وَإنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ".
ـــــــ
باب في اتخاذ الوزير
وهو من يؤازر الأمير فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، ومن يلتجيء الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومفزع. قاله في المجمع.
"المري" وفي بعض النسخ المزني وكذلك في الخلاصة "بالأمير" أي بمن يكون أميراً "خيراً" أي في الدنيا والعقبي "وزير صدق" أي صادقاً في النصح له ولرعيته والأظهر أن المراد به وزيراً صالحاً لرواية النسائي جعل له وزيراً صالحاً ولم يرد بالصدق الاختصاص بالقول فقط بل يعم الأقوال والأفعال. قاله العزيزي "ان نسي" إي الأمير حكم الله "ذكره" بالتشديد أي أخبر الأمير به
(8/107)
"وإن ذكر" بالتخفيف أي وإن تذكره الأمير بنفسه "أمانة" أي الوزير الأمير "به" أي بالأمير "غير ذلك" أي شراً "وزير سوء" بفتح السين وضمه قاله القاري. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/108)
5 - باب في العرافة
2931 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ حَرْبٍ عن أبي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بنِ سُلَيْمٍ عن يَحْيَى بنِ جَابِرٍ عن صَالحِ بنِ يَحْيَى بنِ المِقْدَامِ عن جَدّهِ المِقْدَامِ بنِ مَعْدِيكَرِبَ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِهِ، ثُمّ قال: "أفْلَحْتَ يَاقُدَيْمُ إنْ مُتّ وَلَمْ تَكُنْ أمِيراً وَلاَ كَاتِباً وَلاَ عَرِيفاً".
2932 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ أخبرنا غَالِبُ الْقَطّانُ عن رَجُلٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّهُمْ كَانُوا عَلَى مَنْهَلٍ مِنَ المَنَاهِلِ، فَلَمّا بَلَغَهُمْ الإسْلاَمُ جَعَلَ صَاحِبُ الْمَاءِ لِقَوْمِهِ مَائَةً مِنَ الإبْلِ عَلَى أنْ يُسْلِمُوا، فَأسْلَمُوا وَقَسَمَ الإبِلَ بَيْنَهُمْ، وَبَدَا لَهُ أنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ، فَأرْسَلَ ابْنَهُ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ لَهُ: ائْتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْ لَهُ إنّ أبِي يُقْرِئُكَ السّلاَمَ وَإنّهُ جَعَلَ لِقَوْمِهِ مَائَةً مِنَ الإبِلِ عَلَى أنْ يُسْلِمُوا فَأسْلَمُوا وَقَسَمَ
ـــــــ
باب في العرافة
بكسر العين، ومنه العريف وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتَعرّف الأمير منه أحوالهم فعيل بمعنى فاعل والعرافة عمله كذا في النهاية. وفي المصباح: عرافة بالكسر فأنا عارف أي مدبر أمرهم وقائم بسياستهم والجمع عرفاء. قيل العريف يكون على نفير والمنكب يكون على خمسة عرفاء ونحوها ثم الأمير فوق هؤلاء انتهى.
"سليمان بن سليم" بالتصغير "ضرب" أي يديه إظهاراً للشفقة والمحبة وتنبيها له عن حالة الغفلة "على منكبه" الضمير للمقدام "يا قديم" تصغير مقدام بحذف الزوائد وهو تصغير ترخيم "إن مت" بضم الميم وكسرها "ولا كاتباً" أي له "ولا عريفاً" فعيل بمعنى فاعل واحد العرفاء وتقدم معناه. قال القاري: أو ولا معروفاً يعرفك الناس، ففيه إشارة إلى أن الخمول راحة والشهرة آفة انتهى. قلت: والظاهر هو الأول. قال المنذري: صالح بن يحيى قال البخاري فيه نظر، وقال موسى بن هارون الحافظ. لا يعرف صالح ولا أبوه إلا بجده.
"على منهل" هو كل ماء يكون على الطريق، ويقال منهل بني فلان أي مشربهم "وبدا له أن يرتجعها" أي ظهر لصاحب الماء أن يرجع الإبل من قومه "نعم" أي لأبيك حق الرجوع "أو
(8/108)
الإبِلَ بَيْنَهُمْ وَبَدَا لَهُ أنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ فَهُوَ أحَقّ بِهَا أمْ هُمْ، فإنْ قالَ لَكَ نَعَمْ أوْ لاَ، فَقُلْ لَهُ إنّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ عَرِيفُ الْمَاءِ وَإنّهُ يَسْألُكَ أنْ تَجْعَلَ لِي الْعِرَافَةَ بَعْدَهُ. فَأتَاهُ فقال: إنّ أبِي يُقْرِئُكَ السّلاَمَ، فقال: "وَعَلَيْكَ وَعَلَى أبِيكَ السّلاَمُ،" فقال: إنّ أبِي جَعَلَ لِقَوْمِهِ مَائَة مِنَ الإبِلِ عَلَى أنْ يُسْلِمُوا فَأسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلاَمُهُمْ ثُمّ بَدَا لَهُ أنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ فَهُوَ أحَقّ بِهَا أمْ هُمْ، فَقالَ: "إنْ بَدَا لَهُ أنْ يُسْلِمَهَا لَهُمْ فَلْيُسْلِمْهَا، وَإنْ بَدَا لَهُ أنْ يَرْتَجِعَهَا فَهُوَ أحَقّ بِهَا مِنْهُمْ، فإنْ أسْلَمُوا فَلَهُمْ إسْلاَمُهُمْ، وَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُوتِلُوا عَلَى الإسْلاَمِ". وَقال: إنّ أبي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ عَرِيفُ المَاءِ وَإنّهُ يَسْألُكَ أنْ تَجْعَلَ لِيَ الْعِرَافَةَ بَعْدَهُ. فقال: "إنّ الْعِرَافَةَ حَقّ وَلاَ بُدّ لِلنّاسِ مِنَ الْعُرْفَاءِ وَلَكِنّ الْعُرْفَاءَ في النّارِ".
ـــــــ
لا" أي ليس له حق الرجوع "أن يسلمها" أي الإبل "لهم" لقومه المسلمين "فهو" أي عريف الماء الذي قسم الإبل بين قومه "أحق بها" أي بالإبل.
وفيه دليل على صحة رجوع العطايا في مثل ذلك لكن الحديث ليس بقوى "إن العرافة حق" أي عملها حق ليس بباطل لأن فيها مصلحة للناس ورفقاً بهم في أحوالهم وأمورهم لكثرة احتياجهم إليه. والعرافة تدبير أمور القوم والقيام بسياستهم "ولا بد للناس من العرفاء" ليتعرف أحوالهم في ترتيب البعوث والأجناد والعطايا والسهام وغير ذلك "ولكن العرفاء في النار": وهذا قاله تحذيراً من التعرض للرياسة والحرص عليها لما في ذلك من الفتنة وأنه إذا لم يقم بحقها أثم واستحق العقوبة العاجلة والآجلة. كذا في السراج المنير. وفي اللغات: العرفاء في النار أي على خطر وفي ورطة الهلاك والعذاب لتعذر القيام بشرائط ذلك، فعليهم أن يراعوا الحق والصواب. قال المنذري: في إسناده مجاهيل وغالب القطان قد وثقه غير واحد من الأئمة واحتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما. وذكر ابن عدي الحافظ هذا الحديث في كتاب الضعفاء في ترجمة غالب القطان مختصراً. وقال ولغالب غير ما ذكرت وفي حديثه النكرة وقد روى عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله حديث يشهد الله حديث معضل. وقال أيضاً وغالب الضعف على حديثه بين.
(8/109)
6 - باب في اتخاذ الكاتب
2933 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا نُوحُ بنُ قَيْسٍ عن يَزِيد بنِ كَعْبٍ عن عَمْرِو بنِ مَالِكٍ عن أبي الْجَوْزَاءِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "السّجِلّ كَاتِبٌ كَانَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب في اتخاذ الكاتب
"السجل" بكسر السين والجيم وتشديد اللام اسم كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم. قال في المجمع "كطي السجل للكتب" الصحيفة التي فيها الكتاب أو ملك أو كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وقال ابن الأثير: سجل كاتب النبي صلى الله عليه وسلم مجهول انتهى. وفي الإصابة: سجل كاتب النبي صلى الله عليه وسلم أخرج أبو داوود والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قال السجل هو الرجل: زاد ابن مردويه: والسجل هو الرجل بالحبشة. وروى ابن مردويه وابن مندة من طريق حمدان بن سعيد عن ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال "كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له السجل فأنزل الله عز وجل {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قال لا من السجل هو الرجل بالحبشة" ونقل الشعبي وغيره عن ابن عباس ومجاهد السجل الصحيفة انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله.
سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول هذا الحديث موضوع ولا يعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب اسمه السجل قط وليس في الصحابة من اسمه السجل وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم معروفون لم يكن فيهم من يقال له السجل.
قال: والآية مكية ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب بمكة والسجل هو الكتاب المكتوب واللام في قوله (للكتاب) بمعنى على والمعنى {نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ} على ما فيه من الكتاب كقوله {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} وقول الشاعر:
فخر صريعا لليدين وللفم.
أي على اليدين وعلى الفم والله أعلم.
(8/110)
7 - باب في السعاية على الصدقة
2934 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ الأسْبَاطِيّ أخبرنا عَبْدُالرّحِيمِ بنُ سُلَيْمَاَنَ عن
ـــــــ
باب في السعاية على الصدقة
بكسر السين. قال في القاموس: سعي سعاية باشر عمل الصدقات.
(8/110)
مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ عن مَحْمُودِ بنِ لَبِيدٍ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الْعَامِلُ عَلَى الصّدَقَةِ بالْحَقّ كَالْغَازِي في سَبِيلِ الله حَتّى يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ".
2935 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عنْ مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن عبد الرحمن بنِ شِمَاسَةَ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ[قال] "لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ".
2936 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الله الْقَطّانُ عن ابنِ مَغْرَاءَ عن ابنِ إسْحَاقَ قال:الّذِي يَعْشُرُ النّاسَ – يَعْني[قال] صَاحِبُ المَكْسِ".
ـــــــ
"بالحق": متعلق بالعامل أي عملاً بالصدق والثواب وبالإخلاص والاحتساب "كالغازي في سبيل الله": أي في حصول الأجر "حتى يرجع": أي العامل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن.
"عن عبد الرحمَن بن شماسة": بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها مهملة "صاحب مكس" في القاموس: المكس النقص والظلم ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة انتهى. وقال في النهاية: هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار انتهى. وفي شرح السنة: أراد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا مكساً باسم العشر، فأما الساعي الذي يأخذ الصدقة ومن يأخذ من أهل الذمة العشر الذي صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد فيأثم بالتعدي والظلم انتهى. وكذلك في معالم السنن للخطابي والحديث سكت عنه المنذري.
"عن ابن مغراء" هو عبد الرحمَن بن مغراء بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وآخرها راء الكوفي نزيل الري، ومحمد بن عبد الله هو ابن أبي حماد القطان الطرسوسي "الذي يعشر الناس إلخ" أي المراد بصاحب المكس الذي يعشر الناس ويقال عشرت المال عشراً من باب قتل وعشوراً أخذت عشره، وعشرت القوم عشراً من باب ضرب صرت عاشرهم ذكره القاري عن المصابيح ومنه حديث أنس بن سيرين قال لأنس تستعملني على المكس أي على عشور الناس.
(8/111)
8 - باب في الخليفة يستخلف
2937 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ دَاوُدَ بنِ سُفْيَانَ وَ سَلَمَةُ قالا أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ قالَ عُمَرُ: إنّى إنْ لاَ أسْتَخْلِفُ، فإنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإنْ أسْتَخْلِفْ فَإنّ أبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قال: فَوَ الله مَا هُوَ إلاّ أنْ ذَكَرَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَأبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أنّهُ لا يَعْدِلُ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أحَداً وَإنّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ"
ـــــــ
باب في الخليفة يستخلف
والاستخلاف هو تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحداً.
"قال عمر" أي قيل لعمر رضي الله عنه لما أصيب ألا تستخلف خليفة بعدك على الناس، فقال عمر في جوابه "إن لا أستخلف" أي أن أترك الاستخلاف "فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف" أي لم يجعل أحداً بعينه خليفة نصاً "وإن أستخلف" أنا أحداً بالتعيين "فإن أبا بكر قد استخلف" أي جعل عمر خليفة وقت وفاته، فأخذ عمر وسطاً من الأمرين فلم يترك التعيين بمرة ولا فعله منصوصاً فيه على الشخص المستخلف وجعل الأمر في ذلك شوري بين من قطع لهم بالجنة، وأبقي النظر للمسلمين في تعيين من اتفق عليه رأى الجماعة الذين جعلت الشوري فيهم. قاله القسطلاني: قال النووي: حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضره مقدمات الموت وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر. وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لانسان إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شوري بين جماعة كما فعل عمر بالستة، وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل انتهى "قال" أي ابن عمر ما هو أي عمر "إلا أن ذكر" أي عمر "رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر": أي قصة عدم الاستخلاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصة الاستخلاف عن أبي بكر رضي الله عنه "لا يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً": قال في القاموس: عدل فلاناً بفلان سوى بينهما انتهى "وإنه": أي عمر "غير مستخلف" أحداً كما لم يستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي.
(8/112)
9 - باب ما جاء في البيعة
2938 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَار عن ابنِ عُمَرَ قال: كُنّا نُبَايِعُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ وَيُلَقّنّا[ويلقننا] فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ[استطعت].
2939 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حدّثَني مَالِكٌ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ: "أنّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنْ بَيْعَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم النّسَاءَ قالَتْ: مَا مَسّ النّبيّ[رسول الله] صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ امْرَأةً[بيد امرأة-يد امرأة] قَطّ إلاّ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا، فَإذَا أخَذَ عَلَيْهَا فَأعْطَتْهُ قال "اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ".
2940 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ يَزيدَ قال حدثنا
ـــــــ
باب ما جاء في البيعة
"على السمع والطاعة" أي على أن نسمع أوامره ونواهيه ونطيعه في ذلك "ويلقنا" بالإدغام، وفي بعض النسخ يلقننا بالفك "فيما استطعتم" وفي بعض النسخ فيما استطعت بالإفراد، وكذلك في صحيح مسلم. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ فيما استطعت أي قل فيما استطعت، وهذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته يلقنهم أن يقول أحدهم فيما استطعت لئلا يدخل في عموم بيعته مالا يطيق انتهى قال الخطابي: فيه دليل على أن حكم الاكراه ساقط عنه غير لازم له لأنه ليس مما يستطاع دفعه. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وأخرجه الترمذي والنسائي.
"إلا أن يأخذ عليها" العهد والميثاق. وقال النووي: هذا الاستثناء متقطع وتقدير الكلام ما مس امرأة قط لكن يأخذ عليها البيعة بالكلام فإذا أخذها بالكلام قال اذهبي فقد بايعتك، وهذا التقدير مصرح به في الرواية الأخرى ولا بد منه "فإذا أخذ عليها" العهد "فأعطته" أي أعطت المرأة الميثاق للنبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية البخاري عن عائشة قالت "كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية {لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} قالت وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا امرأة يملكها انتهى.
وقال النووي: فيه دليل على أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس
(8/113)
سَعِيدُ بنُ أبي أيّوبَ أخبرنا أبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدٍ عن جَدّهِ عَبْدِ الله بنِ هِشَامٍ، قال: وَكَانَ قَدْ أدْرَكَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَتْ بِهِ أُمّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَتْ: يَارَسُولَ الله بَايِعْهُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هُوَ صَغِيرٌ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ".
ـــــــ
بعورة، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبيب. وقصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها مما لا توجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"أخبرنا أبو عقيل" بفتح العين وكسر القاف "زهرة بن معبد" بوزن جعفر بدل من أبو عقيل "عبد الله بن هشام" بدل من جده "وكان" أي عبد الله "زينب" بدل من أمه "بنت حميد" بالتصغير "بايعه" بكسر التحتية وسكون العين "هو" أي عبد الله "صغير" أي لا تلزمه البيعة قاله القسطلاني. وزاد في رواية البخاري "ودعا له" قال المنذري: وأخرجه البخاري.
(8/114)
10 - باب في أرزاق العمال
2941 - حدثنا زَيْدُ بنُ أخْرَمَ أبُو طَالِبٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ عن عَبْدِالْوَارِثِ بنِ سَعِيدٍ عن حُسَيْنٍ المُعَلّمِ عن عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقاً فَمَا أخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ".
2942 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا لَيْثٌ عن بُكَيْرُ بنُ عَبْدِ الله بنِ الأشَجّ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن ابنِ السّاعِدِيّ قال: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصّدَقَةِ، فَلَمّا فَرَغْتُ
ـــــــ
(باب في أرزاق العمال)
جمع عامل.
"من استعملناه" أي جعلناه عاملاً "على عمل" أي من أعمال الولاية والامارة "فرزقناه" أي فأعطيناه "رزقا" أي مقداراً معيناً "فما أخذ بعد ذلك" جزاء الشرط وما موصولة والعائد محذوف وقوله "فهو غلول" خبره فيء بالفاء لتضمنه معنى الشرط. والغلول بضمتين الخيانة في الغنيمة وفي مال الفيء والحديث سكت عنه المنذري.
"استعملني" أي جعلني عاملاً "يعمالة" يضم العين ما يأخذه العامل من الأجرة "ما
(8/114)
أمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ: إنّمَا عَمِلْتُ لله، قالَ[فقال] خُذْ ما أُعْطِيتَ فإنّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَعَمّلَنِي.
2943 - حدثنا مُوسَى بنُ مَرْوَانَ الرّقّيّ أخبرنا المُعَافَى أخبرنا الأوْزَاعِيّ عن الْحَارِث بنِ يَزيدَ عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن المُسْتَوْرِدِ بنِ شَدّادٍ قال سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلاً فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِماً، فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَناً". قال قال أبُو بَكْرٍ: أُخْبِرْتُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن اتّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالّ أوْ سَارِقٌ".
ـــــــ
أعطيت": بصيغة المجهول "فإني قد عملت": أي عملاً من أعمال الامارة "فعملني": بتشديد الميم أي أعطاني العمالة. قال الخطابي: فيه بيان جواز أخذ العامل الأجرة بقدر مثل عمله فيما يتولاه من الإمر. وقد سمي الله تعالى للعاملين سهماً في الصدقة فقال "والعاملين عليها": فرأى العلماء أن يعطوا على قدر عنائهم وسعيهم انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي أتم منه وهو أحد الأحاديث التي اجتمع في إسنادها أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض.
"من كان لنا عاملاً فليكتسب إلخ": أي يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من مال بيت المال قدر مهر زوجة ونفقتها وكسوتها، وكذلك ما لا بد منه من غير إسراف وتنعم، فإن أخذ أكثر ما يحتاج إليه ضرورة فهو حرام عليه. ذكره القاري نقلاً عن المظهر. وقال الخطابي: هذا يتأول على وجهين أحدهما أنه إنما أباح اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجرة مثله وليس له أن يرتفق بشيء سواها، والوجه الآخر أن للعامل السكني والخدمة فإن لم يكن له مسكن ولا خادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله ويكتري له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله انتهى "قال": أي المستورد "قال أبو بكر": يشبه أن يكون أبا بكر الصديق رضي الله عنه "أخبرت": بصيغة المتكلم المجهول. وأورد أحمد في مسنده هذا الحديث من عدة طرق وليس فيه هذه الجملة أي قال أبو بكر، فروى من طريق الحارث بن يزيد عن عبد الرحمَن بن جبير قال سمعت المستورد بن شداد يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "من ولى لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج أو ليس له خادم فلتخذ خادماً أو ليست له دابة فليتخذ دابة ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال انتهى. وفي رواية له "فهو غال أو سارق" انتهى "غير ذلك": أي غير ما ذكر "فهو غال": بتشديد اللام أي خائن. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/115)
11- باب في هدايا العمال
2944 - حدثنا ابنُ السّرْحِ وَ ابنُ أبي خَلَفٍ لَفْظُهُ قالا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ عن أبي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنَ الأزْدِ يُقَالُ لَهُ ابنُ اللّتْبِيّةِ. قال ابنُ السّرْحِ: ابنُ الأُتْبِيّةِ، عَلَى الصّدَقَةِ فَجَاءَ فقالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ وَقال: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم وِهَذَا أُهْدِيَ لِي، ألاّ[هلا] جَلَسَ في بَيْتِ أُمّهِ أوْ أبِيهِ فَيَنْظُرَ أيُهْدَى لَهُ[إليه] أمْ لاَ، لاَ يَأْتِي أحَدٌ مِنْكُمْ[أحدكم] بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلاّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إن كَانَ بَعِيراً فَلَهُ رُغَاءٌ أوْ بَقَرَةً فَلَهَا خُوَارٌ أوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى رَأيْنَا عُفْرَةَ إبْطَيْهِ ثُمّ قال: اللّهُمّ هَلْ بَلّغْتُ، اللّهُمّ هَلْ بَلّغْتُ".
ـــــــ
باب في هدايا العمال
هدايا جمع هدية "لفظه" أي لفظ الحديث لفظ ابن أبي خلف لا لفظ ابن السرح "ابن اللتبية" بضم اللام وإسكان التاء نسبة إلى بني لتب قبيلة معروفة قاله النووي. وقال الحافظ: اسم ابن اللتبية عبد الله واللتبية أمه لم نقف على اسمها "قال ابن السرح ابن الأتبية" أي بالهمزة مكان اللام "على الصدقة" متعلق بإستعمل "نبعثه" أي على العمل "إلا" حرف تحضيض وفي بعض النسخ هلا "بشي من ذلك" أي من مال الصدقة يحوزه لنفسه "إن كان" أي الشيء الذي أتى به حازه لنفسه "فله رغاء" بضم الراء وتخفيف المعجمة مع المد هو صوت البعير "خوار" بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو هو صوت البقرة "تيعر" على وزن تسمع وتضرب أي تصيح وتصوت صوتاً شديداً "عفرة إبطيه" بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء أي بياضهما المشوب بالسمرة "ثم قال اللهم هل بلغت" بتشديد اللام والمراد بلغت حكم الله إليكم امتثالاً لقوله تعالى له "بلغ" وإشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الأمم هل بلغهم أنبياؤهم ما أرسلوا به إليهم. قاله الحافظ. وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول لأنه خان في ولايته وأمانته. قال الخطابي: في قوله "ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدي إليه أم لا" دليل على أن كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور، ويدخل في ذلك القرض يجر المنفعة، والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا أجرة، والدابة المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عوض انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
(8/116)
12 - باب في غلول الصدقة
2945 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مُطَرّفٍ عن أبي الْجَهْمِ عن أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيّ قالَ: بَعَثَنِي النّبيّ[رسول الله] صلى الله عليه وسلم سَاعِياً ثُمّ قال "انْطَلِقْ أبَا مَسْعُودٍ وَلاَ أُلْفِيَنّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِن إبِلِ الصّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ". قالَ إذاً لاَ أنْطَلِقُ قالَ "إذاً لاَ أُكْرِهُكَ".
ـــــــ
باب في غلول الصدقة
أي الخيانة فيها. والغلول الخيانة في المغنم. وكل من خان في شيء خفية فقد غل قاله في المجمع.
"أبا مسعود" أي يا أبا مسعود لألفينك بضم الهمزة وكسر الفاء أي لا أجدن "تجيء" حال من الضمير المنصوب "وعلى ظهرك بعير" فاعل الظرف وهو حال من ضمير تجيء "قال" أي أبو مسعود "لا أنطلق" أي على العمل "قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أكرهك" أي على العمل والحديث سكت عنه المنذري.
(8/117)
13 - باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية والحجبة عنهم
2946 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ عبد الرحمن الدّمَشْقِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ قالَ حدّثني ابنُ أبي مَرْيَمَ أنّ الْقَاسِمَ بنَ مُخَيْمَرَةَ أخْبَرَهُ أنّ أبَا مَرْيَمَ الأزْدِيّ أخبَرَهُ قالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ قالَ مَا أنْعَمَنَا بِكَ أبَا فُلاَنُ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ فَقُلْتُ: حَدِيثاً سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ وَلاّهُ الله عَزّوَجَلّ شَيْئاً مِنْ أمْرِ[أمور] المُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ الله عَنْهُ دُونَ
ـــــــ
باب فيما يلزم الإمام الخ
"أن القاسم بن مخيمرة" بالمعجمة مصغراً "قال" وفي بعض النسخ فقال "ما أنعمنا بك" قال في فتح الودود: صيغة تعجب والمقصود إظهار الفرح والسرور بقدومه انتهى. وقال في المجمع: أي ما الذي أنعمك إلينا واقدمك علينا، يقال ذلك لمن يفرح بلقائه أي ما الذي أفرحنا وأسرنا وأقرأ عيننا بلقائك ورؤيتك "فاحتجب دون حاجتهم" أي امتنع من الخروج أو من الإمضاء عند احتياجهم إليه "وخلتهم" بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام الحاجة الشديدة.
(8/117)
حَاجَتِهِ وَخَلّتِهِ وَفَقْرِهِ" قالَ فَجَعَلَ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النّاسِ.
2947 - حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بنِ مُنَبّهٍ قالَ هَذَا مَا حَدّثَنَا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أُوتِيتكُم مِنْ شَيْءٍ وَمَا أمْنَعُكُمُوهُ إنْ أنَا إلاّ خَازِنٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ".
2948 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ سَلَمَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن مُحَمّدِ بن عَمْرِو بن عَطَاءٍ عن مَالِكِ بنِ أوْسٍ بنِ الْحَدَثَانِ قالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ يَوْماً الْفَيْءَ فقالَ مَا أنَا بِأحَقّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ وَمَا أحَدٌ مِنّا بِأحَقّ بِهِ مِنْ أحَدٍ إلاّ أنّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ الله عَزّوَجَلّ وَقَسْمِ رَسُولِهِ[رسول الله] صلى الله عليه وسلم فَالرّجُلُ وَقَدِمُهُ وَالرّجُلُ وَبَلاَءُهُ وَالرّجُلُ وَعِيَالُهُ وَالرّجُلُ وَحَاجَتُهُ".
ـــــــ
والمعنى منع أرباب الحوائج أن يدخلوا عليه ويعرضوا حوائجهم، قيل الحاجة الفقر والخلة متقارب المعنى كرر للتأكيد "احتجب الله عنه دون حاجته وخلقه وفقره": أي أبعده ومنعه عما يبتغيه من الأمور الدينية أو الدنيوية فلا يجد سبيلاً إلى حاجة من حاجاته الضرورية. وقال القاضي: المراد باحتجاب الله عنه أن لا يجيب دعوته ويخيب آماله كذا في المرقاة "فجعل": أي معاوية. قال المنذري: وأخرجه الترمذي. وقيل إن أبا مريم هذا هو عمرو بن مرة الجهني. وقد أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن مرة وقال غريب. وقال وعمرو بن مرة يكني أبا مريم ثم أخرجه من حديث أبي مريم كما أخرجه أبو داوود.
"ما أوتيكم" مضارع مرفوع ومفعوله الثاني "من شيء" مجرور بمن الزائدة أي ما أعطيكم شيئاً "وما أمنعكموه" بل المعطي والمانع هو الله تعالى "إن" نافية أي ما "أضع" أي كل شيء من المنع والعطاء "حيث أمرت" على بناء المجهول أي حيث أمرني الله. قاله حين قسم الأموال لئلا يقع شيء في قلوب أصحابه من أجل التفاضل في القسمة. والحديث سكت عنه المنذري.
"ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم": فيه دليل على أن الإمام كسائر الناس لا فضل له على غيره في تقديم ولا توفير نصيب قاله الشوكاني "إلا أنا على منازلنا من كتاب الله": أي لكن نحن على منازلنا ومراتبنا المبينة من كتاب الله كقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} الآيات الثلاث، وقوله سبحانه {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} الآية وغيرهما من الآيات الدالة على تفاوت منازل المسلمين قاله القاري "وقسم رسوله": بالجر عطف على كتاب الله أي ومن قسمه
(8/118)
مما كان يسلكه صلى الله عليه وسلم من مراعاة التمييز بين أهل بدر وأصحاب بيعة الرضوان وذوي المشاهد الذين شهدوا الحروب، وبين المعيل وغيره المشار إليه بقوله "فالرجل" بالرفع، وكذا قوله "وقدمه" بكسر القاف أي سبقه في الإسلام.
قيل تقدير الكلام فالرجل يقسم له ويراعي قدمه في القسم، أو الرجل ونصيبه على ما يقتضيه قدمه، أو الرجل وقدمه يعتبران في الاستحقاق وقبول التفاضل كقولهم الرجل وضيعته، وكذا قوله "والرجل وبلاؤه" أي شجاعته وجبانه الذي ابتلى به في سبيل الله، والمراد مشقته وسعيه "والرجل وعياله" أي ممن يمونه "والرجل وحاجته": أي مقدار حاجته.
قال التوربشتي: كان رأي عمر رضي الله عنه أن الفيء لا يخمس وأن جملته لعامة المسلمين يصرف في مصالحهم لامزية لأحد منهم على آخر في أصل الاستحقاق وإنما التفاوت في التفاضل بحسب اختلاف المراتب والمنازل، وذلك إما بتنصيص الله تعالى على استحقاقهم كالمذكورين في الآية خصوصاً منهم من كان من المهاجرين والأنصار لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} أو بتقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفضيله إما لسبق إسلامه، وإما بحسن بلائه. وإما لشدة احتياجه وكثرة عياله انتهى قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام فيه.
(8/119)
باب في قسم الفيء
...
14 - باب في قسم الفي
2949 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدٍ بنُ أبي الزّرْقَاءِ أخبرني[أخبرنا] أبي أخبرنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ عنْ زَيْدِ بن أسْلَمَ: أنّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فقالَ حَاجَتُكَ يَا أبَا عبد الرحمن فقالَ عَطَاءُ المُحَرّرِينَ فَإنّي رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أوّلَ ما جَاءَهُ شَيْءٌ بَدَأ بالمُحَرّرِينَ.
ـــــــ
باب في قسم الفي
بفتح القاف وسكون السين أي تقسيم الفيء. والفيء هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. وأصل الفيء الرجوع كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم.
"فقال": أي معاوية "حاجتك" بالنصب أي ذكر حاجتك ما هي "يا أبا عبد الرحمَن" كنية عبد الله بن عمر "عطاء المحررين" جمع محرر وهو الذي صار حراً بعد أن كان عبداً. وفي ذلك دليل على ثبوت نصيب لهم في الأموال التي تأتي إلى الأئمة. كذا في النيل "أول ما جاءه شيء" قال الطيبي: أول منصوب ظرف لقوله "بدأ" وهو المفعول الثاني لرأيت "بالمحررين"
(8/119)
2950 - حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيّ أخبرنا عِيسَى أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن الْقَاسِمِ بنِ عَبّاسِ عن عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ[نيار] عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَزٌ فَقَسَمَهَا لِلْحُرّةِ وَالامَةِ" قالَتْ عَائِشَةُ كَانَ أبِي رَضِيَ الله عنْهُ يَقْسِمُ لِلْحُرّ وَالْعَبْدِ.
2951 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ ح. وَحدثنا ابنُ المُصَفّى قالَ حدثنا أبُو المُغِيرَةِ جَمِيعاً عنْ صَفْوَانَ بنِ عَمْرٍو عن عبد الرحمن بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن أبِيهِ عن عَوْفِ بن مَالِكٍ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ في يَومِهِ فَأَعْطَى الآهِلَ حَظّيْنِ وَأعْطَى الْعَزَبَ[الأعزب]حَظّا زَادَا ابنُ المُصَفّى فَدُعِينَا وَكُنْتُ أُدْعَى قَبْلَ عَمّارٍ فَدُعِيتُ فَأعْطَانِي حَظّيْنِ وَكانَ لِي أهْلٌ ثُمّ دُعِيَ بَعْدِي عَمّارُ بنُ يَاسِرٍ فَأُعْطِيَ حَظّا وَاحِداً".
ـــــــ
قال الخطابي: يريد بالمحررين المعتقين، وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم وإنما يدخلون تبعاً في جملة مواليهم انتهى. قال القاضي الشوكاني: فيه استحباب البداءة بهم وتقديمهم عند القسمة على غيرهم: انتهى. وقال بعض العلماء: المراد بالمحررين المكاتبون. والحديث سكت عنه المنذري.
"أتى" بضم الهمزة "بظبية" بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة. في النهاية، هي جراب صغير عليه شعر وقيل هي شبه الخريطة والكيس "فيها خرز" بفتح الخاء المعجمة والراء فزاي. في القاموس: الخرزة محركة الجوهر وما ينتظم "للحرة والأمة" خص النساء لأن الخرز من شأن النساء لا أنه حق لهن خاصة، ولهذا كان أبو بكر يقسمها للحر والعبد وقيل معنى كان أبي يقسم أي الفيء ولا خصوص للخرز قاله في فتح الودود "يقسم للحر والعبد" قال القاري: أي يعطي كل واحد من الحر والعبد بقدر حاجته من الفيء، والظاهر أن يكون المراد من العهد والأمة المعتوقين أو المكاتبين إذا المملوك لا يملك ونفقته على مالكه لا على بيت المال انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"فأعطى الآهل": بالمد وكسر الهاء أي المتأهل الذي له زوجة، قال في النيل: وفيه دليل على أنه ينبغي أن يكون العطاء على مقدار أتباع الرجل الذي يلزم نفقتهم من النساء وغيرهن إذا غير الزوجة مثلها في الاحتياج إلى المؤنة "حظين": أي نصيبين "وأعطى العزب": بفتحتين من لا زوجة له قاله في فتح الودود. وفي بعض النسخ "الاعزب" وهما بمعنى واحد. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/120)
15 - باب في أرزاق الذرية
2952 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن جَعْفَرٍ عن أبِيهِ عن جَابِرِ بن عَبْدِ الله قالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أنَا أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أوْ ضَيَاعاً فَإلَيّ وَعَلَيّ".
2953 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عن عَدِيّ بنِ ثَابِتٍ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلاّ فَإلَيْنَا".
2954 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِرِ بن عَبْدِ الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: "أنَا أوْلَى بِكُلّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ فَأيّمَا رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ دَيْناً فَإلَيّ وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ".
ـــــــ
باب في أرزاق الذرية
"أنا أولى بالمؤمنين" أي أحق بهم وأقرب إليهم. وقيل معنى الأولوية النصرة والتولية أي أنا أتولى أمورهم بعد وفاتهم وأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا. كذا في فتح الودود "فلأهله" أي فهو لورثته "ومن ترك ديناً أو ضياعاً" بفتح المعجمة بعدها تحتية.
قال الخطابي: الضياع اسم لكل ما هو يغرض أن يضيع إن لم يتعهد كالذرية الصغار والأطفال والزمني الذين لا يقومون بكل أنفسهم وسائر من يدخل في معناهم "فإليّ وعليّ" قال الخطابي: هذا فيمن ترك ديناً لا وفاء له في ماله فإنه يقضي دينه من الفيء، فأما من ترك وفاء فإن دينه يقضي عنه ثم بقية ماله بعد ذلك مقسوم بين ورثته انتهى قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"ومن ترك كلا" بفتح الكاف وتشديد اللام أصله الثقل، والمراد ها هنا العيال. قاله الحافظ "فإلينا": أي نصرهم ومؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم.
"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه إلخ" قال النووي: معناه أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئاً، وإن خلف عيالاً محتاجين ضائعين فعليّ نفقتهم ومؤنتهم. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/121)
16 - باب متى يفرض للرجل في المقاتلة
[باب متى يعرض الرجل في المقاتلة ويثقل من العيال]
2955 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا عُبَيْدُ الله أخبرنِي نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عُرِضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابنْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً فَأجَازَهُ".
ـــــــ
باب متى يفرض للرجل
أصل الفرض القطع أي متى يقطع له العطاء ويقرر رزقه في المقاتلة بكسر التاء أي في المقاتلين والتاء باعتبار الجماعة.
"عرضه" بصيغة المجهول والضمير المرفوع لابن عمر رضي الله عنه والمنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم ولفظ مسلم عن ابن عمر قال "عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" قال نافع فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ خليفة فحدثته هذا الحديث فقال إن هذا الحدّ بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال انتهى "فأجازه": قال النووي: المراد جعله رجلاً له حكم الرجال المقاتلين انتهى. قال القاري: وقيل كتب الجائزة له وهي رزق الغزاة. قال في شرح السنة: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا إذا استكمل الغلام أو الجارية خمس عشرة سنة كان بالغاً، وبه قال الشافعي وأحمد وغيرهما، وإذا احتلم واحد منهما قبل بلوغه هذا المبلغ بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغه، وكذلك إذا حاضت الجارية بعد تسع سنين ولا حيض ولا احتلام قبل بلوغ التسع انتهى. والحديث دليل على أن الصبي إذا بلغ خمس عشرة سنة دخل في زمرة المقاتلة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
(8/122)
17 - باب في كراهية الافتراض في آخر الزمان
2956 - حدثنا ابنُ أبي الحَوَارِي أخبرنا سُلَيْمُ بنُ مُطَيْرٍ شَيْخٌ مِنْ أهْلِ وَادِي
ـــــــ
باب في كراهية الافتراض في آخر الزمان
والفرض بالفاء وهو العطية الموسومة، يقال ما أصبت منه فرضاً وفرضت الرجل وأفرضته
(8/122)
الْقُرَى قالَ: "حَدّثني أبي مُطَيْرٌ أنّهُ خَرَجَ حَاجّا حَتّى إذَا كَانَ بالسّوَيْدَاءِ إذَا أنَا بِرَجُلٍ قَدْ جَاءَ كَأنّهُ يَطْلُبُ دَوَاءً أوْ حُضَضاً وَقَالَ أخبرني مَنْ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَعِظُ النّاسَ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، فَقالَ: "يَا أيّهَا النّاسُ خُذُوا الْعَطَاءَ مَا كَانَ عَطَاءً، فَإذَا تَجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى المُلْكِ وَكَانَ عَنْ دِينِ أحَدِكُمْ فَدَعُوهُ".
ـــــــ
إذا أعطيته وقد فرضت له في العطاء وفرضت له في الديوان، كذا في الصحاح. وفي القاموس: افترض الجند أخذوا عطاياهم.
"سليم بن مطير" بالتصغير فيهما. قاله العلقمي "شيخ من أهل وادي القرى" قال العلقمي موضع بين المدينة والشام. قال أبو حاتم: هو أعرابي محله الصدق وروى له أبو داوود هذا الحديث فقط. وقال الحافظ هو لين الحديث "أبي مطير" بدل من أبي "أنه" أي مطير "بالسويداء" بضم السين المهملة وفتح الواو وعلى لفظ التصغير اسم موضع ويأتي ذكره في كلام المنذري "إذا أنا برجل" قال العلقمي هو ذو الزوائد "أو حضضاً" قال في النهاية يروي بضم الضاد الأولى وفتحها، وقيل هو بظاءين، وقيل بضاد ثم ظاء وهو دواء معروف، وقيل إنه يعقد من أبوال الإبل، وقيل هو عقّار منه مكي ومنه هندي وهو عصارة شجر معروف له ثمر كالفلفل وتسمى ثمرته الحضض انتهى "يأمرهم وينهاهم" أي يأمرهم بأوامر الله تعالى وينهاهم عما حرم الله تعالى "خذوا العطاء" من السلطان أي الشيء المعطى من جهته "ما كان" أي مادام في الزمن الذي يكون "عطاء" أي عطاء الملوك فيه عطاء لله تعالى ليس فيه غرض من الأغراض الدنيوية التي فيها فساد دين الآخذ. ومن هذا قول أبي الدرداء الأحنف بن قيس: خذ العطاء ما كان محله، فإذا كان أثمان دينكم فدعوه "فإذا تجاحفت": بفتح الجيم والحاء والفاء المخففات أي تنازعت قريش على الملك، من قولهم تجاحفت القوم في القتال إذا تناول بعضهم بعضاً السيوف، يريد إذا رأيت قريشاً تخاصموا على الملك وتقاتلوا عليه، وهو أن يقول كل وأحد منهم أنا أحق بالملك أو بالخلافة منك وتنازعوا في ذلك قاله العلقمي "وكان": العطاء "عن دين أحدكم": أي العطاء الذي يعطيه الملك عوضاً عن دينكم بأن يعطيه العطاء ويحمله على فعل ما لا يحل فعله في الشرع من قتال من لا يحل له قتاله، وفعل ما لا يجوز فعله في دينه "فدعوه": أي اتركوا أخذه لحمله على اقتحام الحرام فأفاد أن عطاء السلطان إذا لم يكن كذلك يحل أخذه وعن الشعبي عن ابن مسعود قال لا يزال العطاء بأهل العطاء حتى يدخلهم النار أي يحملهم إعطاء الملك وإحسانه إليهم على ارتكاب الحرام لا أن العطاء في نفسه حرام قال الغزالي: وقد اختلفوا في هذا العطاء من مال السلطان فقال كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أن
(8/123)
قَالَ أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ المُبَارَكِ عنْ مُحَمّدِ بنِ يَسَارٍ عن سُلَيْمِ بن مُطَيْرٍ.
2957 - حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا سُلَيْمُ بنُ مُطَيْرٍ مِنْ أهْلِ وَادِي الْقُرَى عن أبِيهِ أنّهُ حَدّثَهُ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في حَجّةِ الْوَدَاعِ أمَرَ النّاسَ وَنَهَاهُمْ، ثُمّ قالَ "اللّهُمّ هَلْ بَلّغْتُ"؟ قالُوا اللّهُمّ نَعَمْ، ثُمّ قال: "إذَا تَجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى المُلْكِ فِيمَا بَيْنَهَا وَعَادَ الْعَطَاءُ[وعاد العطاء رشى أو كان العطاء رشى] أوْ كَانَ رُشى[رشوة] فَدَعُوهُ" فَقِيلَ مَنْ هّذَا قَالُوا هَذَا ذُو الزّوَائِدِ صَاحِبُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
يأخذه. وقال آخرون لا يحل له أن يأخذ مالم يتحقق أنه حلال. وقد احتج من جوز الأخذ منه إذا كان فيه حرام وحلال إذا لم يتحقق أن عمل المأخوذ حرام بما روى عن جماعة من الصحابة أنهم أدركوا الظلمة وأخذوا من أموالهم، وأخذ كثير من التابعين، وأخذ الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار دفعة واحدة. قال وأخذ مالك من الخلفاء أموالاً جمة وإنما ترك العطاء منهم تورعا خوفاً على دينه. قال وأغلب أموال السلاطين حرام في هذه الأعصار والحلال في أيديهم معدوم، أو عزيز انتهى. قال ابن رسلان بعد أن ذكر ما تقدم: وهذا في زمانه رحمه الله فكيف بمالهم اليوم وكان السلاطين في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين يستميلون قلوب العلماء حريصين على قبولهم عطاياهم، ويبعثون اليهم من غير سؤال ولا إقبال: بل كانوا يتقلدون المنة لهم ويفرحون به، وكانوا يأخذون منهم ويفرقونه ولا يطيعونهم في أغراضهم انتهى. قال المنذري: والسويداء هذه عن ليلتين من المدينة نحو الشام والسويداء أيضاً بلدة مشهورة قرب حران وقد دخلتها وسمعت بها والسويداء أيضاً من قرى حوران من أعمال دمشق انتهى.
"أنه حدثه" أي مطير حدث سليما وقوله إنه حدثه كذا أورده في الأطراف ثم قال ورأيت في نسخة في حديث هشام عن سليم عن أبيه قال سمعت رجلاً وهو الصواب انتهى. أي بحذف جملة أنه حدثه، وكذا أورده بن الأثير في أسد الغابة من طريق أبي داوود بهذا الإسناد ولم يذكرها "اللهم هل بلغت" بتشديد اللام أي حكم الله تعالى "وعاد العطاء رشى أو كان العطاء رشى": الشك من الراوي. ورشى بضم الراء وفتح الشين المعجمة جمع رشوة. قال الخطابي: هو أن يصرف عن المستحقين ويعطي من له الجاه والمنزلة انتهى. وفي بعض الروايات "وصار العطاء رشا عن دينكم" والمعنى أي صار العطاء الذي يعطيه الملك منهم رشا عن دينكم أي مجاوزاً لدين أحدكم مباعداً له بأن يعطي العطاء حملاً لكم على مالا يحل شرعاً. وهذا الحديث رواه الطبراني من معاد وزاد فيه "ولستم بتاركيه يمنعكم الفقر والحاجة"
(8/124)
انتهى "ذو الزوائد" الجهني له صحبة عداده في المدنيين ذكره الترمذي في الصحابة وروى الطبري في التهذيب عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف قال أول من صلى رجل من أصحاب صلى الله عليه وسلم يقال له ذو الزوائد انتهى. قال المنذري: ذو الزوائد له صحبة ويعرف اسمه وهو معدود في أهل المدينة.
(8/125)
18 - باب في تدوين العطاء
2958 - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا إبْرَاهِيمُ يَعْني ابنَ سَعْدٍ أخبرنا[حدثنا] ابنُ شِهَابٍ عن عَبْدِ الله بن كَعْبِ بن مَالِكٍ الأنْصَارِيّ أنّ جَيْشاً مِنَ الأنْصَارِ كَانُوا بِأرْضِ فَارِسَ مَعَ أمِيرِهِمْ، وَكَانَ عُمَرُ يُعْقِبُ الْجُيُوشَ في كُلّ عامٍ، فَشُغِلَ عَنْهُمْ عُمَرُ، فَلَمّا مَرّ الأجَلُ قَفَلَ أهْلُ ذَلِكَ الثّغْرِ، فَاشْتَدّ عَلَيْهِمْ وَتَوَاعَدَهُم[وأوعدهم]-
ـــــــ
باب في تدوين العطاء
قال في القاموس: الديوان وبفتح مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه عمر رضي الله عنه جمعه دواوين ودياوين وقد دونه.
"وكان عمر يعقب الجيوش في كل عام": قال الخطابي: الإعقاب أن يبعث الإمام في أثر المقيمين في الثغر جيشاً يقيمون مكانهم وينصرف أولئك، فإنه إذا طالت عليهم الغيبة والغربة تضرروا به وأضر ذلك بأهليهم، وقد قال عمر رضي الله عنه في بعض كلامه "لا تجمروا الجيوش فتفتنوهم" يريد لا تطيلوا حبسهم في الثغور انتهى "فشغل عنهم": أي عن ذلك الجيش المقيمين "عمر": فلم يبعث جيشاً آخر مكانهم ولم يطلبهم. قال في فتح الودود: لعل شغله كان بجهة تدوين العطايا ونحوه، فلذلك ذكر المصنف رحمه الله هذا الحديث في الباب والله تعالى أعلم. قلت: بل قوله "يعقب الجيوش في كل عام" هو موضع ترجمة الباب لأن بعث الجيوش المتأخرة وطلب الجيوش المتقدمة لا يكون إلا بأن أسماءهم كانت محفوظة في الدفاتر لأجل ترتيبهم للغزو، ورد بعض الجيوش مكان بعض وتبديل بعضهم من بعض، ولأجل العطاء والفرض "فلما مر": أي مضى "الأجل": المعين لهم "قفل": أي رجع "أهل ذلك الثغر": يعني ذلك الجيش. والثغر بفتح مثلثة وسكون معجمة هو موضع يكون حداً فاصلاً بين بلاد المسلمين والكفار وهو موضع المخافة من أطراف البلاد "فاشتد عليهم": الخوف لكونهم جاءوا بغير الإذن "وتواعدهم": كذا في أكثر النسخ، يقال تواعدوا تواعدوا، واتعدوا اتعاداً أي وعد بعضهم بعضاً. والمعنى
(8/125)
[وواعدهم]وَهُمْ أصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالُوا: يَاعُمَرُ إنّكَ غَفَلْتَ عَنّا وَتَرَكْتَ فِينَا الّذِي أمَرَ بِهِ رَسُولُ الله[النبي] صلى الله عليه وسلم مِنْ أعْقَابِ بَعْضِ الْغَزِيّةِ بَعْضاً.
2959 - حدثنا مَحمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ عَائِذٍ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ حَدّثني فِيمَا حَدّثَهُ ابنٌ لِعَدِيّ بنِ عَدِيّ الْكِنْدِيّ: أنّ عُمَرَ بنَ عَبْدِالعَزِيزِ كَتَبَ: أنّ مَنْ سَألَ عنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ فَهُوَ مَا حَكَمَ فِيهِ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ، فَرَآهُ المُؤْمِنُونَ عَدْلا مُوَافِقاً لِقَوْلِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "جَعَلَ الله الْحَقّ عَلى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ"، فَرَضَ الأعْطِيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَقَدَ لأَهْلِ الأدْيَانَ ذِمّةً بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ لَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ وَلاَ مغْنَمٍ.
ـــــــ
أي وعدهم عمر رضي الله عنه بالنكال والعقوبة. وفي بعضها واعدهم من باب المفاعلة يقال واعد رجل رجلاً أي وعد كل منهما الآخر وفي بعضها أوعدهم من باب الأفعال، وهذا هو الظاهر لأن الإيعاد بمعنى التهديد وهو المراد ههنا كما لا يخفي، يقال أوعده إيعاداً تهدده أوعدني بالسجن أي تهددني بالسجن "الذي أمر به": أي الأمر الذي أمر به "من إعقاب بعض الغزية بعضاً" بيان للذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم إرسال بعض في عقب بعض والحديث سكت عنه المنذري.
"حدثني فيما حدثه: يقول عيسى إن إبناً لعدي حدثني بهذا الحديث في جملة الأحاديث التي حدث بها "أن عمر بن عبد العزيز" أي ابن مروان بن الحكم ابن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين ولي إمرة المدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين من الرابعة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة ومدة خلافته سنتان ونصف، كذا في التقريب "كتب": في الآفاق إلى عماله "أن من سأل عن مواضع الفيء" أي عمن يعطي الفيء وعلى من ينفق ويصرف في أي محل "فهو" أي موضع الفيء ومحله "فرآه": أي ذلك الحكم "عدلاً" أي حقاً "جعل الله الحق" أي أظهره ووضعه "على لسان عمر وقلبه": قال الطيبي: ضمن جعل معنى أجري فعداه بعلي وفيه معنى ظهور الحق واستعلائه على لسانه. وفي وضع الجعل موضع أجري إشعار بأن ذلك كان خلقياً ثابتاً مستقراً "فرض الأعطية" جمع عطاء "للمسلمين" هو محل الترجمة لأن إعطاء الفرض للمسلمين لا يكون من غير تدوين الكتاب "وعقد لأهل الأديان" كاليهود والنصارى والمجوسي وغير ذلك من أهل الشرك "ذمة" أي عهداً وأماناً، فليس على المسلم أن ينقض عليه عهده "بما فرض" بصيغة المجهول وهو متعلق بقوله عقد "من الجزية" وهي عبارة عن المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمة وهي فعلة
(8/126)
2960 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ إسْحَاقَ عنْ مَكْحُولٍ عن غُضَيْفٍ بنِ الْحَارِثِ عنْ أبي ذَرّ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الله تعالى وَضَعَ الْحَقّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ".
ـــــــ
من الجزاء كأنها جزت عن قتله "لم يضرب": عمر "فيها": في الجزية "بخمس ولا مغنم": فيه دليل على عدم وجوب الخمس في الجزية وفي ذلك خلاف معروف في الفقه. وفي الهداية والبناية وفتح القدير من كتب الأئمة الحنفية وما أوجف المسلمون عليه من أموال أهل الحرب بغير قتال يصرف في مصالح المسلمين كما يصرف الخراج والجزية كعمارة الرباطات والقناطر والجسور وسد الثغور وكرى الأنهار العظام التي لا ملك لأحد فيها كجيحون والفرات ودجلة، وإلى أرزاق القضاة والمحتسبين والمعلمين وأرزاق المقاتلة، وحفظ الطريق من اللصوص وقطاع الطريق. قالوا وما أوجف المسلمون عليه هو مثل الأراضي التي أجلوا أهلها عنها ومثل الجزية ولا خمس في ذلك. ومذهب الشافعي أن كل مال أخذ من الكفار بلا قتال عن خوف أو أخذ منهم للكف عنهم يخمس، وما أخذ من غير خوف كالجزية وعشر التجارة ومال من مات ولا وارث له ففي القديم لا يخمس، وهو قول مالك وفي الجديد يخمس، ولأحمد في العيء روايتان الظاهر منهما لا يخمس، ثم هذا الخمس عند الشافعي يصرف إلى ما يصرف إليه خمس الغنيمة عنده. قال ابن الهمام: واستدل صاحب الهداية بعمله صلى الله عليه وسلم، فإنه أخذ الجزية من مجوس هجر ونصارى نجران وفرض الجزية على أهل اليمن على كل حالم ديناراً، ولم ينقل قط من ذلك أنه خمسه بل كان بين جماعة المسلمين ولو كان لنقله ولو بطريق ضعيف على ما قضت به العادة، ومخالفة ما قضت به العادة باطلة فوقوعه باطل، وقد ورد فيه خلافه وإن كان فيه ضعف، ثم أورد رواية عمر بن عبد العزيز هذه انتهى. قال المنذري: فيه رواية مجهول، وعمر بن عبد العزيز لم يدرك عمر ابن الخطاب، والمرفوع منه مرسل الافتراض بالفاء الفرض وهو ما يقطع من العطاء انتهى كلام المنذري.
"عن غضيف" بالضاد المعجمة مصغراً ويقال بالطاء المهملة يكنى أبا أسماء حمصي مختلف في صحبته "يقول" أي عمر "به" أي بالحق، أو التقدير يقول الحق بسبب ذلك الوضع، والجملة استئناف بيان أو حال عيان قاله القاري. قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه.
(8/127)
باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال
...
19 - باب في صفايا رسول لله صلى الله عليه وسلم من الأموال
2961 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ وَ مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ المَعْنَى قالا أخبرنا بِشْرُ بنُ عُمَرَ الزّهْرَانِيّ قال حدّثني مَالِكُ بنُ أنَسٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن مَالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الْحَدَثَانِ قال: أرْسَلَ إلَيّ عُمَرُ حِينَ تَعَالَ النّهَارُ فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِساً على سَرِيرٍ[سريره] مُفْضِياً إلى رُمَالِهِ، فقالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: يَامَالُ إنّهُ قَدْ دَفّ أهْلِ أبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ وَإنّي قَدْ أمَرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ فأقْسِمْ فِيهِمْ. قُلْتُ: لَوْ أمَرْتَ غَيْرِي بِذَلِكَ، فَقَالَ: خُذْهُ، فَجَاءَهُ يَرْفَأُ، فقال: يَا أمِيرَ المُؤْمِنَينَ هَلْ لَكَ في عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ
ـــــــ
باب في صفايا رسول لله صلى الله عليه وسلم من الأموال
جمع صفية قال في المجمع: الصفي ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه من الغنيمة قبل القسمة والصفية مثله وجمعه الصفايا.
قال الطيبي: الصفي مخصوص به صلى الله عليه وسلم وليس لواحد من الأئمة بعده. انتهى.
وفي الهداية الصفي شيء كان عليه السلام يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع أو سيف أو جارية وسقط بموته صلى الله عليه وسلم لأنه عليه السلام كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده.
قال العيني: ولهذا لم يأخذه الحلفاء الراشدين انتهى.
"عن مالك بن أوس" بفتح الهمزة وسكون الواو "ابن الحدثان" بفتح الحاء والدال المهملتين "تعالى النهار" أي ارتفع "مفضياً إلى إلى رماله" بكسر الراء وقد تضم وهو ما ينسج من سعف النخل يعني ليس بينه وبين رماله شيء، والإفضال إلى الشيء لا يكون بحائل. قال هذا لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش أو غيره أي أن عمر قاعد عليه من غير فراش "يا مال" بكسر اللام على اللغة المشهورة أي يا مالك على الترخيم ويجوز الضم على أنه صار إسماً مستقلاً فيعرب إعراب المنادى المفرد "إنه" أي الشأن "قد دف أهل أبيات" قال الحافظ أي ورد جماعة بأهليهم شيئاً بعد شيء يسيرون قليلاً قليلاً، والدفيف السير اللين وكأنهم كانوا قد أصابهم جدب في بلادهم فانتجبوا المدينة انتهى، وقيل معناه أقبلوا مسرعين، والدف المشي بسرعة "لو أمرت غيري بذلك" أي لكان خيراً، ولعله قال ذلك تحرجاً من قبول الأمانة "فقال خذه" لم يبين أنه أخذه أم لا، والظاهر أنه أخذه لعزم عمر عليه "يرفأ" بفتح المثناة تحت وإسكان الراء وبالفاء غير مهموز، هكذا ذكر الجمهور، ومنهم من همزه. قاله النووي وهو علم حاجب عمر رضي الله عنه "هل لك في عثمان إلخ": أي هل لك رغبة في دخولهم "فقال
(8/128)
وَعبد الرحمن بنِ عَوْفٍ وَالزّبَيْرِ بنِ الْعَوّامِ وَسَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ؟ قال: نَعَمْ، فَأذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، ثُمّ جَاءَهُ يَرْفَأُ فقال: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ في الْعَبّاسِ وَعَلِيَ؟ قال: نَعَمْ، فَأذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. قال الْعَبّاسُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا - يَعْنِي عَلِيّا - فقال بَعْضُهُمْ: أجَلْ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَارْحَمْهُمَا. قال مَالِكُ بنُ أوْسٍ: خُيّلَ إلَيّ أنّهُمَا قَدّمَا أُولَئِكَ النّفَرَ لِذَلِكَ، فقالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: اتّئِدَا، ثُمّ أقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرّهْطِ فقال: أنْشُدُكُم ب الله الّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السّمَاءُ وَالأرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: " لاَ نُورَثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟" قالُوا: نَعَمْ، ثُمّ أقْبَلَ عَلَى عَلِيَ وَالْعَبّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا فقال: أنْشُدُكُمَا ب الله الّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السّمَاءُ والأرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ نُورَثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ،" فقالا: نَعَمْ. قال: فإنّ الله خَصّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بِخَاصّةٍ لَمْ يَخُصّ بِهَا أحَداً مِنَ النّاسِ، فَقال الله تَعَالَى: {وَمَا أفَاءَ الله عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنّ الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشَاءُ وَ الله عَلى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فَكَانَ[وكان] الله تعالى أفَاءَ عَلى رَسُولِهِ بَنِي النّضِيرِ، فَوَ الله ما اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُم وَلا أخَذَهَا دُونَكُم، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُأْخُذُ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ أوْ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أهْلِهِ سَنَةً وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ المَالِ. ثُمّ أقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ
ـــــــ
بعضهم": أي عثمان وأصحابه "وأرحمهما": من الإراحة "خيل": بصيغة المجهول من باب التفعيل "أنهما": أي العباس وعلياً "قدماً": من التقديم "أولئك النفر": أي عثمان وأصحابه "أتئدا": امر من التؤدة أي اصبرا وأمهلا ولا تعجلا "أنشدكم بالله": بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألكم بالله لا "نورث": بفتح الراء أي لا يرثنا أحد "ما تركنا صدقة": بالرفع خبر المبتدأ الذي هو ما موصولة وتركنا صلته والعائد محذوف أي الذي تركناه صدقة "فإن الله خص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ": قال النووي: ذكر القاضي في معنى هذا احتمالين أحدهما تحليل الغنيمة له ولأمته، والثاني تخصيصه بالفيء إما كله أو بعضه على اختلاف العلماء. قال وهذا الثاني أظهر لاستشهاد عمر على هذا بالآية انتهى {مَا أَفَاءَ اللَّهُ} أي رد {فَمَا أَوْجَفْتُمْ} أي أسرعتم أو جف دابته حثها على السير {مِنْ خَيْل} من زائدة {وَلا رِكَابٍ} أي إبل أي لم تقاسوا فيه مشقة "ما استأثر بها": الاستئثار الأنفراد بالشيء. والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما فضل نفسه الكريمة عليكم في نصيبه من الفيء "أو نفقته ونفقة أهله سنة": أو للشك من الراوي "أسوة المال" أي يجعل ما بقي من نفقة أهله مساوياً للمال الآخر الذي يصرف لوجه الله. قال في النهاية: قد تكرر ذكر الأسوة
(8/129)
الرّهْطِ فقال: أنْشُدُكُمْ ب الله الّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ بِإِذْنِهِ السّماءُ وَالأرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قالُوا: نَعَمْ. ثُمّ أقْبَلَ عَلَى الْعَبّاسِ وَعَلِيَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا فقال: أنْشُدُكُمَا ب الله الّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السّمَاءُ وَالأرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قالا: نَعَمْ، فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قال أبُو بَكْرٍ: أنَا وَلِيّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَجِئْتَ أنْتَ وَهَذَا إلَى أبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، تَطْلُبُ أنْتَ مِيرَاثَكَ مِن ابنِ أخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأتِهِ مِنْ أبِيهَا، فقال أبُو بَكْرٍ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا نُورَثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ"، وَ الله يَعْلَمُ أنهُ صَادِقٌ[لصادق] بآرّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقّ، فَوَلِيَها أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا تُوُفّيَ قُلْتُ: أنا وَلِيّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَوَلِيّ أبي بَكْرٍ فَوَلِيتُهَا ما شَاءَ الله أنْ ألِيهَا فَجِئْتَ أنْتَ وَهَذَا وَأنْتُمَا جَمِيعٌ وَأمْرُكُمَا وَاحِدٌ فَسَألْتُمانِيهَا، فَقُلْتُ إنْ شِئْتُمَا أنْ أدْفَعَهَا إلَيْكُمَا، عَلَى أنّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ الله أنْ تَلِيَاهَا بالّذِي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَلِيهَا فَأخَذْتُمَاهَا مِنّي على ذَلِكَ ثُمّ جِئْتُمَانِي لاِءَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَ الله لاَ أقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ فَإنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدّاهَا إلَيّ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: إنّمَا سَألاَهُ أنْ يَكُونَ يُصَيّرُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لاَ أنّهُمَا جَهَلاَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ "لاَ نُورَثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" فَإنّهُمَا كَانَا لاَ يَطْلُبَانِ إلاّ الصّوَابِ، فقالَ عُمَرُ لاَ أُوقِعُ عَلَيْهِ اسْمَ الْقَسَمِ أدَعُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
ـــــــ
والمواساة وهي بكسر الهمزة وضمها القدوة، والمواساة المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصله الهمزة فقبلت واواً تخفيفاً ومن القلب أن المشتركين واسونا على الصلح وعلى الأصل في الصديق آساني بنفسه وماله انتهى. ومنه الحديث أسوة الغرماء أي أنهم مساوون ومشاركون في المال الموجود للمفلس. ولفظ البخاري ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله وهذا أصرح في المراد، أي يجعله في السلاح والكراع ومصالح المؤمنين "فجئت أنت وهذا": يعني علياً رضي الله عنه "من ابن أخيك": يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم "ميراث امرأته": أي فاطمة رضي الله عنها "والله يعلم أنه": أي أبا بكر "بار": بتشديد الراء فقلت إن شئتما أن أدفعها إليكما" جواب إن محذوف أي دفعتها "على أن عليكما عهد الله إلخ": أي لتتصرفا فيها وتنتفعا منها بقدر حقكما كما تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على جهة التمليك إذ هي صدقة محرمة التمليك بعده صلى الله عليه وسلم. قاله القسطلاني.
"قال أبو داوود إنما سألاه أن يكون يصيره بينهما نصفين إلخ": هذا جواب عما استشكل
(8/130)
2962 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ قالَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن مَالِكِ بنِ أوْس بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَ: وَهُمَا يَعْنِي عَلِيّا وَالْعَبّاسَ يَخْتَصِمَانَ فِيمَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أمْوَالِ بَنِي النّضِيرِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: أرَادَ أنْ لاَ يُوقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قَسْمٍ.
2963 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ وَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ المَعْنَى أنّ سُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ أخْبَرَهُمْ عنْ عَمْرِو بن دِينَارٍ عن الزّهْرِيّ عن مَالِكِ بنِ أوْسِ بن الْحَدَثَانِ عن عُمَرَ قال: كَانَتْ أمْوَالُ بَنِي النّضِيرِ مِمّا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِمّا لَمْ يُوجِفَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ
ـــــــ
في هذه القصة من أن العباس وعلياً تردد إلى الخليفتين وطلباً الميراث مع قوله صلى الله عليه وسلم "لا نورث ما تركناه فهو صدقة" وتقرير عمر رضي الله عنه عليهما إنهما يعلمان ذلك. وحاصل الجواب إنهما إنما سألاه أن يقسمه بينهما نصفين لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فقال عمر لا أوقع عليه اسم القسم أدعه أي أتركه على ما هو عليه، وإنما كره أن يوقع عليه اسم القسم لئلا يظن لذلك مع تطاول الأزمان أنه ميراث وأنهما ورثاه لا سيما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان فيلتبس ذلك ويظن أنهم تملكوا ذلك. قال الحافظ: في الحديث إشكال شديد وهو أن أصل القصة صريح في أن العباس وعلياً قد علما بأنه صلى الله عليه وسلم قال "لا نورث" فإن كانا سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكر، وإن كانا سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه من عمر والذي يظهر والله أعلم أنهما اعتقدا أن عموم قوله "لا نورث" مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض وأما مخاصمة علي وعباس بعد ذلك ثانياً عند عمر فقال إسماعيل القاضي: لم يكن في الميراث إنما تنازعا في ولاية الصدقة وفي صرفها كيف تصرف، كذا قال، لكن في رواية النسائي ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث انتهى كلام الحافظ ملخصاً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مطولاً ومختصراً. قال أبو داوود أراد أن لا يوقع عليها اسم قسم، وفي لفظ البخاري أنا أكفيكماها.
"أراد": أي عمر رضي الله عنه "أن لا يوقع عليه" أي على ما أفاء الله على رسوله الله صلى الله عليه وسلم "اسم قسم" أي قسمة فإن القسمة إنما يقع في الملك.
"مما أفاء الله على رسوله" من بيانية أو تبعيضية أي والحال أنها من جملة ما أفاء الله على رسوله "مما لم يوجف" خبر كانت "كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصاً" قال النووي: هذا يؤيد مذهب
(8/131)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-16-2010, 08:14 PM   #2
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-17-2014 (06:54 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



وَلاَ رِكَابٍ كَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَالِصاً يُنْفِقُ عَلَى أهْلِ بَيْتِهِ قالَ ابنُ عَبْدَةَ: يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ فَمَا بَقِيَ جَعَلَ في الْكُرَاعِ وَعُدّةٍ في سَبِيلِ الله. قالَ ابنُ عَبْدَةَ: فِي الْكُرَاعِ وَالسّلاَحِ.
2964 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ أنْبأنَا أيّوبُ عن الزّهْرِيّ قالَ: قَالَ عُمَرُ: {وَمَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}. قالَ
ـــــــ
الجمهور أنه لا خمس في الفيء، ومذهب الشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له من الفيء أربعة أخماسه وخمس خمس الباقي فكان له أحد وعشرون سهماً من خمسة وعشرين والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل انتهى "على أهل بيته": أي نسائه وبناته "قال ابن عبدة": هو أحمد "في الكراع": بضم الكاف أي الخيل "وعدة": بالضم والتشديد. قال في المصباح: العدة بالضم الاستعداد والتأهب، والعدة ما أعدته من مال أو سلاح أو غير ذلك والجمع عدد مثل غرفة وغرف انتهى.
قال الحافظ: واختلف العلماء في مصرف الفيء، فقال مالك: الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطي الإمام أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب اجتهاده وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء فقالوا الخمس موضوع فيما عينه الله تعالى من الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع في تصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة، واحتجوا بقول عمر فكانت هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الفيء يخمس وأن أربعة أخماسه للنبي صلى الله عليه وسلم وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة، وتأول قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة انتهى مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"قال عمر": في هذه الآية الكريمة {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} أي ما رد الله على رسوله {مِنْهُمْ} أي من يهود بني النضير {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} يعني أوضعتم وهو سرعة السير {مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} يعني الإبل التي تحمل القوم، وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم كما فعل بغنائم خيبر، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أنها لم يوجف المسلمون عليها خيلاً ولا ركاباً ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة، وإنما كانوا يعني بني النضير على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشياً، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جمل. وتمام الآية {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} من أعدائه {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
(8/132)
الزّهْرِيّ قال عُمَرُ: هَذِهِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَاصّةً، قُرَى عُرَيْنَةَ فَدَكَ وَكَذَا وَكَذَا {مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ الْقُرَى فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السّبِيلِ} وَلِلْفُقَرَاءِ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأمْوَالِهِمْ، وَالّذِينَ تَبَوّؤُا الدّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَالذِينَ جَاؤُا مِنْ بَعْدِهِمْ. فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآية النّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنَ
ـــــــ
قَدِيرٌ} أي فهي له خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعظ الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. كذا في تفسير الخازن "قرى عرينة" بإضافة قرى إلى عرينة، وهو بدل من قوله هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعرينة بالنون بعد الياء التحتانية تصغير عرنة موضع به قرى كأنه بنواحي الشام كذا في المراصد "فدك": بحذف الواو العاطفة أي وفدك وهو بالتحريك وآخره كاف قرية بالحجاز بينها وبين المدينة بومان وقيل ثلاثة أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم صلحاً فيها عين فوارة ونخل. كذا في المراصد "وكذا وكذا": أي مثل أموال قريظة والنضير "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى": يعني من أموال كفار أهل القرى.
قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} يعني بني هاشم وبني عبد المطلب {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيل} وتمام الآية {كَيْ لا يَكُونَ} الفيء {دُولَةً} والدولة اسم الشيء الذي يتداوله القوم بينهم {بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} يعني بين الرؤساء والأقوياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع ثم يصطفى بعده ما شاء، فجعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما أمره به "وللفقراء الذين": يشير إلى قوله تعالى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} يعني فلهم الحق من الفيء {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ} يعني الأنصار توطنوا الدار وهي المدينة واتخذوها سكن {مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني أنهم أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين. والمعنى والذين تبوؤا الدار من قبل المهاجرين وقد آمنوا وتمام الآية {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يعني فلهم الحق من الفيء {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} يعني من بعد المهاجرين والأنصار وهم التابعون لهم إلى يوم القيامة وتمام الآية {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} "فاستوعبت هذه الآية" أي {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} وأحاطت عامة
(8/133)
المُسْلِمِينَ إلاّ لَهُ فِيهَا حَقّ. قال أيّوبُ أوْ قال حَظّ، إلاّ بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أرِقّائِكُم".
2965 - حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ أخبرنا حَاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ ح وَأخبرنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ قال أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ ح. وأخبرنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ قال أنْبأنَا[حدثنا] صَفْوَانُ بنُ عِيسَى، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ كُلّهُمْ عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن الزّهْرِيّ عن مَالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الْحَدَثَانِ قال: كَانَ فِيمَا احْتَجّ بِهِ عُمَرُ أنّهُ قال: كَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاَثُ صَفَايَا: بَنُو النّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَفَدَكَ، فَأمّا بَنُو النّضِيرِ فَكَانَتْ حُبساً لِنَوَائِبِهِ وَأمّا فَدَكُ فَكَانَتْ حُبْساً لأَبْنَاءِ السّبِيلِ وَأمّا خَيْبَرُ فَجَزّأهَا
ـــــــ
المسلمين "قال أيوب" السختياني "أو قال حظ": مكان قوله حق "إلا بعض من تملكون من أرقائكم" جمع رقيق أي إلا عبيدكم وإماثكم فإنهم ليس لهم حق من هذا الفيء لأنهم تحت سيدهم وفي ملكهم. والحاصل أن عمر بن الخطاب رأى أن الفيء لا يخمس بل مصرف جميعه واحد ولجميع المسلمين فيه حق وقرأ عمر {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} حتى بلغ {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} إلى قوله {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة قال وما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذ الفيء حق إلا ما ملكت إيمانكم" قال المنذري: وهذا منقطع الزهري لم يسمع من عمر.
"كلهم": أي حاتم بن إسماعيل وعبد العزيز بن محمد وصفوان بن عيسى كلهم يروي عن أسامة ابن زيد "كان فيما احتج به عمر": أي استدل به على أن الفيء لا يقسم وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروا عليه "ثلاث صفايا": بالإضافة وهي جمع صفية وهي ما يصطفي ويختار. قال الخطابي: الصفي ما يصطفيه الإمام عن أرض الغنيمة من شيء قبل أن يقسم من عبد أو جارية أو فرس أو سيف أو غيرها. وكان صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بذلك مع الخمس له خاصة وليس ذلك لواحد من الإئمة بعده. قالت عائشة رضي الله عنها "كانت صفية من الصفي أي من صفي المغنم كذا في المرقاة "بنو النضير": أي أراضيهم "وخيبر وفدك": بفتحتين بلد بينه وبين المدينة ثلاث مراحل. قاله القسطلاني. وفي القاموس: فدك محركة قرية بخيبر. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم اختار لنفسه هذه المواضع الثلاثة "فأما بنو النضير": أي الأموال الحاصلة من عقارهم "فكانت حبساً": بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة أي محبوسة "لنوائبه": أي لحوائجه وحوادثه من الضيفان والرسل وغير ذلك من السلاح والكراع. قال الطيبي: هي جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوائج "لأبناء السبيل": قال ابن الملك: يحتمل أن
(8/134)
رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أجْزَاءٍ: جُزْأيْنِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَجُزْءًا نَفَقَةَ أهْلِهِ[لأهله] فَمَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ.
2966 - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيّ أخبرنا الّليْثُ بنُ سَعْدٍ عن عَقِيلِ بنِ خَالِدٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ عن عَائِشَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهَا أخْبَرَتْهُ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أرْسَلَتْ إلَى أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ تَسْألُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِمّا أفَاءَ الله عَلَيْهِ بالمَدِينَةِ وَفَدَكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فقالَ أبُو بَكْرٍ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ نُورِثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" ، إنّمَا يَأْكلُ آلُ مُحَمّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ، وَإنّي وَ الله لاَ أُغَيّرُ شَيْئاً مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عن حَالِهَا الّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا[الذي كانت عليها] في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلأَعْمَلَنّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأبَى أبُو بَكْرٍ أنْ يَدْفَعَ إلى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئاً.
2967 - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيّ أخبرنا أبِي أخبرنا شُعَيْبُ ابنُ أبي حَمْزَةَ عن الزّهْرِيّ قال حدّثَنِي عُرْوَةُ بنُ الزّبَيْرِ أنّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخْبَرَتْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قال: وَفَاطَمَةُ حِينَئِذٍ تَطْلُبُ صَدَقَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الّتِي بالمَدِينَةِ وَفَدَكَ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ. قالَتْ عَائِشَةُ فقالَ أبُو بَكْرٍ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ نُورَثُ ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ وَإنّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمّدٍ في هَذَا المَالِ" - يَعْنِي مالَ الله - لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَزِيدُوا عَلَى المَأْكَلِ.
ـــــــ
يكون معناه أنها كانت موقوفة لأبناء السبيل أو معدة لوقت حاجتهم إليها وقفاً شرعياً "فجزأها": بتشديد الزاي بعدها همز أي قسمها. والحديث سكت عنه المنذري.
"أرسلت إلى أبي بكر الصديق" أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم "بالمدينة" أي من أموال بني النضير كالنخل وكانت قريبة من المدينة "لا نورث" وفي حديث الزبير عند النسائي "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" قال النووي: والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم فيهلك الظان وينفر الناس عنهم انتهى "ما تركنا صدقة" أي الذي تركناه فهو صدقة "من هذا المال" أشار به إلى المال الذي يحصل من خمس خيبر وفي الرواية الآتية في هذا المال يعني مال الله قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"وفدك" بالصرف وعدمه "ليس لهم" أي لاَل محمد صلى الله عليه وسلم "على
(8/135)
2968 - حدثنا حَجّاجُ بنُ أبي يَعْقُوبَ حدّثَنِي يَعْقُوبُ - يَعْني ابنَ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حدّثني أبِي عن صَالِحٍ عن ابنِ شِهَابٍ أخبرني عُرْوَةُ أنّ عَائِشَةَ أخْبَرَتْهُ بِهَذَا الحَدِيثِ قال فِيهِ: فَأبَى أبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقال: لَسْتُ تَارِكاً شَيْئاً كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْمَلُ بِهِ إلاّ عَمِلْتُ بِهِ إنّي أخْشَى إنْ تَرَكْتُ شَيْئاً مِنْ أمْرِهِ أنْ أزِيغَ، فَأمّا صَدَقَتُهُ بالمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إلى عَلِيَ وَعَبّاسٍ، فَغَلَبَهُ عَلِيّ عَلَيْهَا. وَأمّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأمْسَكَهُمَا عُمَرُ وَقال: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الّتِي تَعْرُوهُ وَنَوائِبِهِ وَأمْرُهُمَا إلى مَنْ وَلِيَ الأمْرَ. قال: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إلى الْيَوْمِ.
2969 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا ابنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ في قَوْلِهِ: {فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} قال: صَالَحَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أهْلَ فَدَكَ وَقُرًى قَدْ سَمّاهَا لاَ أحْفَظُهَا وَهُوَ مُحَاصِرٌ قَوْماً آخَرِينَ فَأرْسَلُوا إلَيْهِ بالصّلْحِ، قال: {فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يَقُولُ بِغَيْرِ قِتَالٍ. قال الزّهْرِيّ: وَكَانَتْ بَنُو النّضِيرِ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
المآكل": بفتح الميم والمد وكسر الكاف جمع مأكل مصدر ميمي يقال أكل الطعام أكلاً ومأكلاً والحديث سكت عنه المنذري.
"فأبى أبو بكر": أي أنكر وامتنع "عليها": أي على فاطمة رضي الله عنها "إن تركت": إن شرطية "أن أزيغ": بفتح الهمزة وكسر الزاي وبعد التحتية غين معجمة أي أن أميل عن الحق إلى غيره "فأمسكها عمر": أي لم يدفعهما لغيره وبين سبب ذلك "لحقوقه التي تعروه": أي التي تنزله قال الخطابي: أي تغشاه وتنتابه، يقال: عراني ضيف أي نزل بي "ونوائبه": أي حوادثه التي تصيبه "وأمرهما إلى من ولي الأمر": أي بعد النبي صلى الله عليه وسلم "قال": أي الزهري حين حدث هذا الحديث "فهما": أي خيبر وفدك "على ذلك": أي يتصرف فيهما من ولي الأمر. والحديث سكت عنه المنذري.
"أخبرنا ابن ثور": هو محمد بن ثور "وقرى": جمع قرية "قد سماها": أي تلك القرى، والظاهر أن فاعل سمي هو الزهري والقائل معمر "وهو": أي النبي صلى الله عليه وسلم "محاصر": بكسر الصاد "قوماً آخرين": يعني بقية أهل خيبر كذا في فتح الباري "فأرسلوا": أي القوم المحاصرون "إليه": أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "يقول بغير قتال": تفسير لقوله فما أوجفتم إلخ من بعض الرواة "عنوة": أي قهراً
(8/136)
خَالِصاً لَمْ يَفْتَحُوهَا عَنْوَةً افْتَتَحُوهَا عَلَى صُلْحٍ فَقَسَمَهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المُهَاجِرِينَ لَمْ يُعْطِ الأنْصَارَ مِنْهَا شَيْئاً إلاّ رَجُلَيْنِ كَانَتْ بِهِمَا حَاجَةٌ.
2970 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ الْجَرّاحِ أخبرنا جَرِيرٌ عن المُغِيرَةِ قال جَمَعَ عُمَرُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فقالَ: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَهُ فَدَكُ فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ وَيُزَوّجُ مِنْهَا أيّمَهُمْ وَإنّ فَاطِمَةَ سَألَتْهُ أنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأبَى فَكَانَتْ كَذَلِكَ في حَيَاةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمّا أنْ وُلّيَ أبُو بَكْرٍ عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ حَتّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمّا أنْ وُلّيَ عُمَرُ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلاَ حَتّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمّ أقْطَعَهَا مَرْوَانُ ثُمّ صَارَتْ لِعُمَرَ بنِ
ـــــــ
وغلبة "افتتحوها على صلح": تفسير لما قبله قال النووي في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في الأحاديث قال: صارت إليه بثلاثة حقوق أحدها: ما وهب له صلى الله عليه وسلم، وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط في بني النضير وما أعطاه الأنصار من أرضهم وهو ما لا يبلغه الماء وكان هذا ملكاً له صلى الله عليه وسلم الثاني: حقه من الفيء من أرض بني النضير وحين أجلاهم كانت له خاصة لأنها لم يوجف المسلمون بخير ولا ركاب، وأما منقولات أموال بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح كما صالحهم ثم قسم صلى الله عليه وسلم الباقي بين المسلمين وكانت الأرض لنفسه ويخرجها في نوائب المسلمين وكذلك نصف أرض فدك صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها وكان خالصاً له، وكذلك ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر الوطيخ والسلالم أخذهما صلحاً. الثالث: سهمه من خمس خيبر وما افتتح فيها عنوة، فكانت هذه كلها ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لا حق فيها لأحد غيره. لكنه صلى الله عليه وسلم كان لا يستأثر بها بل ينفقها على أهله والمسلمين والمصالح العامة، وكل هذه الصدقات محرمات التملك بعده انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"حين استخلف" بصيغة المجهول أي جعل خليفة "كانت له فدك": أي خاصة "ويعود منها على صغير بني هاشم": أي يحسن منها على صغارهم مرة بعد أخرى. والمعنى أنه كلما فرغ نفقتهم رجع عليهم وعاد إليهم بنفقة أخرى. قاله القاري "أيمهم": بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة. قال في القاموس: أيم ككيس من لا زوج لها بكراً أو ثيباً ومن لا امرأة له "حتى مضى لسبيله": كناية عن وفاته صلى الله عليه وسلم "فلما أن ولى": بضم فتشديد مكسور أي تولى. قاله القاري "ثم أقطعها مروان": أي في زمن عثمان رضي الله عنه. والمعنى جعلها قطيعة لنفسه وتوابعه،
(8/137)
عَبْدِالعَزِيزِ قالَ عُمَرُ: يَعْنِي ابنَ عَبْدِالعَزِيزِ فَرَأيْتُ أمْراً مَنَعَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ لَيْسَ لِي بِحَقَ، وَإنّي أُشْهِدُكُمْ أنّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ يَعْنِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وُلّيَ عُمَرُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ الْخِلاَفَةَ وَغَلّتُهُ أرْبَعُونَ ألْفَ دِينَارٍ وَتُوُفّيَ وَغَلّتُهُ أرْبَعُمَائَةِ دِينَارٍ وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ أقَلّ.
2971 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ الْفُضَيْلِ عنْ الْوَلِيدِ بنِ جُمَيْعٍ عن أبي الطّفَيْلِ قالَ: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ إلَى أبي بَكْرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثِهَا مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ فقالَ أبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الله إذَا أطْعَمَ نَبِيّا طُعْمَةً فَهِيَ لِلّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ".
2972 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ يَقْتَسِمُ[تقتسم- تقسم] وَرَثَتِي دِيناراً ما تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ".
ـــــــ
والقطيعة الطائفة من أرض الخراج يقطعها السلطان من يريد. ومروان هو مروان بن الحكم جد عمر بن عبد العزيز "ثم صارت": أي الولاية أو فدك "لعمر بن عبد العزيز": وضع موضع لي ملتفتاً ليشعر بأن نفسه غير راضية بهذا "ليس لي بحق": أي ليس لأحد فيها استحقاق ولو كان خليفة فضلاً عن غيره "أني قد رددتها": أي فدك "قال أبو داوود ولي عمر بن عبد العزيز الخ": هذه العبارة لم توجد في بعض النسخ. قال المنذري: قال بعضهم إنما أقطعها مروان في زمان عثمان رضي الله عنه، وكان ذلك مما عابوه وتعلقوا به عليه، وكان تأويله في ذلك والله أعلم ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله "إذا أطعم الله نبياً طعمة فهي للذي يقوم من بعده" ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها وينفق على عياله قوت سنة ويصرف الباقي مصرف الفيء. فاستغني عنها عثمان بماله فجعلها لأقاربه ووصل بها أرحامهم، وهو مذهب الحسن وقتادة أن هذه الأموال جعلها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم طعمة ثم هي لمن ولى بعده. انتهى كلام المنذري.
"طعمة": بضم الطاء وسكون العين أي مأكلة، والمراد الفيء ونحوه. قاله العزيزي "فهي للذي يقوم من بعده": أي بالخلافة أي يعمل فيها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل لا أنها تكون له ملكاً. قاله العزيزي. قال المنذري: في إسناده الوليد بن جميع وقد أخرج له مسلم، وفيه مقال.
"لا يقتسم": من الاقتسام من باب الافتعال ولا نافية وليست ناهية وفي بعض النسخ لا
(8/138)
قَالَ أبُو دَاوُدَ: مُؤْنَةَ عَامِلِي يَعْني أكَرَةَ الأرْضِ.
2973 - حدثنا عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ أخبرنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عنْ أبي الْبَخْتَرِيّ قال سَمِعْتُ حَدِيثاً مِنْ رَجُلٍ فَأعْجَبَنِي فَقُلْتُ اكْتُبْهُ لِي، فَأتَى بِهِ مَكْتُوباً مُذَبّراً دَخَلَ الْعَبّاسُ وَعَلِيّ عَلَى عُمَرَ وَعِنْدَهُ طَلْحَةُ وَالزّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعبد الرحمن وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ، فَقالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَالزّبَيْرِ وَعبد الرحمن وَسَعْدٍ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "كُلّ مَالِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةٌ إلاّ ما أطْعَمَهُ أهْلَهُ وَكَسَاهُمْ إنّا لاَنُورَثُ"؟ قالُوا بَلَى، قالَ فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أهْلِهِ وَيَتَصَدّقُ بِفَضْلِهِ ثُمّ تُوفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَوَلِيَهَا أبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ يَصْنَعُ الّذِي كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ ذَكَرَ شَيْئاً مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بنِ أوْسِ.
2974 - حدثنا الْقَعْنَبِيّ عنْ مَالِكٍ عنْ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ أنّهَا قَالَتْ:
ـــــــ
تقتسم وفي بعضها لا تقسم "ديناراً": التقييد بالدينار من باب التنبيه بالأدني على الأعلى "نسائي": أي أمهات المؤمنين "ومؤنة عاملي": قال الحافظ: اختلف في المراد بقوله عاملي فقيل الخليفة بعده وهذا هو المعتمد، وقيل يريد بذلك العامل على النخل، وبه جزم الطبري وابن بطال، وقيل المراد به خادمه، وقيل العامل على الصدقة، وقيل العامل فيها كالأجير "قال أبو داوود الخ": ليست هذه العبارة في أكثر النسخ "يعني أكرة الأرض": أي المراد بقوله عاملي أكرة الأرض. قال في الصراح: أكرة بفتحتين كشاورزان كأنه جمع آكر في التقدير وواحدها أكار. وفي القاموس: الأكر والتأكر حفر الأرض ومنه الأكار للحراث جمعه أكرة كأنه جمع آكر في التقدير والمواكرة المخابرة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"من رجل": قال في التقريب لعله مالك بن أوس بن الحدثان "مكتوباً مذبراً": أي مكتوباً منقوطاً ليسهل قراءته ففي القاموس: الذبر الكتابة يَذْبُرُ ويَذْبِرُ كالتذبير والنقط وفيه في مادة النقط نَقَطَ الحرف ونَقّطَهُ أعجمه أو المعنى مكتوباً سهل القراءة. قال في القاموس: كتاب ذبر ككتف سهل القراءة "ينفق من ماله على أهله ويتصدق بفضله": هذا لا يعارض حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة على شعير لأنه يجمع بينهما بأنه كان يدخر لأهله قوت سنتهم ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيء منه فيخرجه فيحتاج إلى أن يعوض من يأخذ منها عوضه فلذلك استدان. ذكره الحافظ. قال المنذري: في إسناده رجل مجهول، غير أن له شواهد صحيحة.
(8/139)
"إنّ أزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أرَدْنَ أنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بنَ عَفّانَ إلَى أبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ فَيَسْألْنَهُ ثَمَنُهُنّ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَتْ لَهُنّ عَائِشَةُ ألَيْسَ قَدْ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "لاَ نُورَثُ؟ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ".
2975 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ أخبرنا حَاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ عن ابنِ شِهَابٍ بِإسْنَادِهِ نَحْوَهُ: قُلْتُ ألاَ تَتّقِينَ الله؟ ألَمْ تَسْمَعْنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَإنّمَا هَذَا المَالُ لاَِلِ مُحَمّدٍ لِنَائِبَتِهِمْ وَلِضَيْفِهِمْ فَإذَا مُتّ فَهُوَ إلَى مَنْ وَلِيَ الأمْرَ مِنْ بَعْدِي".
ـــــــ
"فيسأله ثمنهن": وفي رواية مسلم: "فيسألنه ميراثهن" ومعنى الروايتين واحد لأن ميراث الزوجات الثمن إن كان للميت ولد قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"لنائبتهم": أي ما ينوب الإنسان من الحوادث والمهمات. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/140)
20 - باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى
2976 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ أخبرنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيَ عنْ عَبْدِ الله بن المُبَارَكِ عنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عن الزّهْرِيّ قال أخبرني سَعِيدُ بنُ المُسَيّبِ قال أخبرني جُبَيْرُ بنُ مُطْعَمٍ: أنّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ بنُ عَفّانَ يُكَلّمَانِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا قَسَمَ مِنَ الْخُمُسِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطّلِبِ، فَقُلْتُ يَارَسُولَ الله قَسَمْتَ لاِخْوَانِنَا بَنِي المُطّلِبِ وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئاً وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْكَ وَاحِدَةٌ. فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "إنّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ." قال جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلاَ لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنْ
ـــــــ
باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى
"أنه جاء هو": أي جبير بن مطعم "يكلمان": حال "فقلت يا رسول الله": القائل هو جبير "وقرابتنا وقرابتهم": أي قرابة بني عبد المطلب "منك واحدة": لأنه صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وعثمان من بني عبد شمس وجبير بن مطعم من بني نوفل وعبد شمس ونوفل وهاشم ومطلب سواء الجميع بنو عبد مناف، وعبد مناف هو الجد الرابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء
(8/140)
ذَلِكَ الْخُمُسِ كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطّلِبِ. قالَ وكَانَ أبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غَيْرَ أنّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُعْطِيهِمْ. قالَ فَكَانَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ.
2977 - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ حدثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قالَ أخْبَرَنِي يُونُسُ عن الزّهْرِيّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قالَ أخبرنا جُبَيْرُ بن مُطْعِمٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلاَ لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنَ الخُمُسِ شَيْئاً كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطّلِبِ. قالَ وَكَانَ أبو بَكْرٍ يَقْسِمُ الُخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غَيرَ أنّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَمَا كَانَ يُعْطِيهِمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنا.
2978 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا هُشَيْمٌ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن
ـــــــ
واحد": أي كشيء واحد بأن كانوا متوافقين متحابين متعاونين فلم تكن بينهم مخالفة في الجاهلية ولا في الإسلام. وفي شرح السنة: أراد الحلف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية وذلك أن قريشاً وبني كنانة حالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "غير أنه لم يكن يعطي قربي رسول الله صلى الله عليه وسلم": قال في فتح الودود: فلعله رضي الله عنه رآهم أغنياء في وقته ورأى غيرهم أحوج إليه منهم فصرف في أحوج المصارف وأحقها انتهى. وفي الحديث حجة للشافعي ومن وافقه أن سهم ذوي القربى لبني هاشم والمطلب خاصة دون بقية قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من قريش قاله الحافظ. قاله الخطابي: وفي الحديث دليل على ثبوت سهم ذي القربى لأن عثمان وجبيراً إنما طلباه بالقرابة وقد عمل فيه الخلفاء بعد عمر رضي الله عنه وعثمان رضي الله عنه. وجاء في هذه الرواية أن أبا بكر لم يقسم لهم وقد جاء في غير هذه الرواية عن علي أن أبا بكر قسم لهم وقد رواه أبو داوود فدل ذلك على ثبوت حقهم.
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الشافعي: حقهم ثابت وكذلك قال مالك بن أنس. وقال أصحاب الرأي: لا حق لذي القربى وقسموا الخمس في ثلاثة أصناف انتهى مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه مختصراً.
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل الخ": واعلم أن الآية دلت
(8/141)
سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قال أخبرني جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ قال: "لَمّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى في بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطّلِبِ وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلَ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَانْطَلَقْتُ أنَا وَعُثْمَانُ بنُ عَفّانَ حَتّى أتَيْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: يَارَسُولَ الله هَؤُلاَءِ بَنُو هَاشِمٍ لاَ نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الّذِي وَضَعَكَ الله بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إخْوَانِنَا بَنِي المُطّلِبِ أعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ؟ فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنَا وَبَنُو المُطّلِبِ لاَ نَفْتَرِقُ في جَاهِلِيّةٍ وَلاَ إسْلاَمٍ وَإنّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ صلى الله عليه وسلم".
2979 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ الْعِجْلِيّ أخبرنا وَكِيعٌ عن الْحَسَنِ بنِ صَالِحٍ عن السّدّيّ في ذِي الْقُرْبَى قال: هُمْ بَنُو عَبْدِالمُطّلِبِ.
ـــــــ
على استحقاق قربي النبي صلى الله عليه وسلم وهي متحققة في بني عبد شمس وبني نوفل واختلفت الشافعية في سبب إخراجهم، فقيل العلة القرابة مع النصرة، فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها وقيل سبب الاستحقاق القرابة ووجد في بني عبد شمس ونوفل مانع ولكنهم انحازوا عن بني هاشم وحاربوهم وقيل إن القربى عام خصصته السنة. قاله في النيل: والحديث سكت عنه المنذري.
"وضع": أي قسم "لا ننكر": أي نحن "فضلهم": أي وإن كنا متساوين في النسب "للموضع": أي لأجل الموضع "الذي وضعك الله به": أي بالموضع "منهم": أي من بني هاشم خاصة من بيننا فإنهم صاروا أفضل منا لكونهم أقرب إليك منا، لأن جدك وجدهم واحد وهو هاشم وإن كان جدهم وجدنا واحداً وهو عبد مناف "فما بال إخواننا": أي ما حالهم "بني المطلب": عطف بيان لإخواننا "وقرابتنا واحدة": وفي رواية الشافعي على ما في المشكاة: وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة. قال القاري: وإنما قرابتنا أي بنو نوفل ومنهم جبير، وبنو عبد شمس ومنهم عثمان، وقرابتهم يعني بني المطلب واحدة أي متحدة لأن أباهم أخو هاشم وآباؤنا كذلك "أنا": بالتخفيف "وشبك بين أصابعه": أي أدخل أصابع إحدى يديه بين أصابع يده الأخرى. والمعنى كما أن بعض هذه الأصابع داخلة في بعض كذلك بنو هاشم وبنو المطلب كانوا متوافقين مختلطين في الكفر والإسلام، وأما غيرهم من أقاربنا فلم يكن موافقاً لبني هاشم والحديث سكت عنه المنذري.
"عن السدي": هو إسماعيل بن عبد الرحمَن، والسدي نسبة إلى سدة مسجد الكوفة كان
(8/142)
2980 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ أنْبأنَا[حدثنا] يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ هُرْمُزَ: أنّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيّ حِينَ حَجّ في فِتْنَةِ ابنِ الزّبَيْرِ أرْسَلَ إلى ابنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى وَيَقُولُ: لِمَنْ تَرَاهُ؟ قال ابنُ عَبّاسٍ: لِقُرْبَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَسَمَهُ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَرْضاً رَأيْنَاهُ دُونَ حَقّنَا فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ وَأبَيْنَا أنْ نَقْبَلَهُ.
2981 - حدثنا عَبّاسُ بنُ عَبْدِالْعَظِيمِ أخبرنا يَحْيَى بنُ أبي بُكَيْرٍ أخبرنا أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيّ عن مُطَرّفٍ عن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلَى قال سَمِعْتُ عَلِيّا يَقُولُ: وَلاّنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خُمُسَ الْخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَحَيَاةَ أبي بَكْرٍ وَحَيَاةَ عُمَرَ، فَأُتِيَ بِمَالٍ فَدَعَانِي فقالَ خُذْهُ، فَقُلْتُ: لاَ أُرِيدُهُ، فقالَ خُذْهُ فَأنْتُمْ أحَقّ بِهِ، قُلْتُ: قد اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ، فَجَعَلَهُ في بَيْتِ المَالِ.
ـــــــ
يبيع بها المقانع "في ذو القربى": أي في تفسير قوله تعالى {وَلِذِي الْقُرْبَى} في آية الخمس والحديث سكت عنه المنذري.
"أنبأنا يزيد بن هرمز": بضم الهاء وسكون الراء وضم الميم بعدها زاي "أن نجدة": بفتح النون وسكون الجيم هو رئيس الخوارج "الحروري": بفتح فضم نسبة إلى حروراء وهي قرية بالكوفة "رأيناه دون حقنا فرددناه عليه": قال في فتح الودود: لعله مبني على أن عمر رآهم مصارف وابن عباس رآهم مستحقين لخمس الخمس كما قال الشافعي رحمه الله فقال بناء على ذلك إنه عرض دون حقهم والله أعلم انتهى. والفرق بين المصرف والمستحق أن المصرف من يجوز الصرف إليه والمستحق من كان حقه ثابتاً فيستحق المطالبة والتقاضي بخلاف المصرف فإنه لا يستحق المطالبة إذا لم يعط "وأبينا أن نقبله": زاد في رواية النسائي "كان الذي عرض عليهم أن يعين ناكحهم ويقضي عن غلامهم ويعطي فقيرهم وأبى أن يزيدهم على ذلك" قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"فأتى": بصيغة المجهول والضمير لعمر رضي الله عنه "فقال": أي عمر رضي الله عنه "خذه": أي المال "استغنينا عنه": هذا دليل على موافقة علي رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه على أن ذوي القربى مصارف للخمس لا مستحقوه كما لا يخفي. وكذا في فتح الودود. قال المنذري في إسناده أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان، وقيل ابن عبد الله بن ماهان قد وثقه ابن المديني وابن معين ونقل عنهما خلاف ذلك وتكلم فيه غير واحد.
(8/143)
2982 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا أبنُ نُمَيْرٍ أخبرنا هَاشِمُ بنُ الْبَرِيدِ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ مَيْمُونٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلَى قال سَمِعْتُ عَلِيّا يَقُولُ: اجْتَمَعْتُ أنَا وَالْعَبّاسُ وَفَاطِمَةُ وَزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله إنْ رَأيْتَ أنْ تُوَلّيَنِي حَقّنَا مِنْ هَذَا الْخُمُسِ في كِتَابِ الله عَزّوَجَلّ فَأقْسِمْهُ حَيَاتَكَ كَيْلاَ يُنَازِعُنِي أحَدٌ بَعْدَكَ، فَافْعَلْ، قالَ فَفَعَلَ ذَلِكَ. قال: فَقَسَمْتُهُ حَيَاةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمّ وَلاّنِيهِ أبُو بَكْرٍ، حَتّى إذَا كَانَتْ آخِرُ سَنَةٍ مِنْ سِنِيّ عُمَرَ فَإنّهُ أتَاهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَعَزَلَ حَقّنَا، ثُمّ أرْسَلَ إلَيّ فَقُلْتُ بِنَا عَنْهُ الْعَامَ غِنًى وَبالمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِمْ، فَرَدّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمّ لَمْ يَدْعُنِي إلَيْهِ أحَدٌ بَعْدَ عُمَرَ، فَلَقِيتُ الْعَبّاسَ بَعْدَ ما خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فقالَ: يَاعَلِيّ حَرّمْتَنَا الْغَدَاةَ شَيْئاً لاَ يُرَدّ عَلَيْنَا أبَداً، وَكَانَ رَجُلاً دَاهِياً.
2983 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ أخبرنا يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عَبْدُ الله بنُ الْحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيّ: أنّ عَبْدِالمُطّلِبِ بنَ رَبِيعَةَ بنِ الْحَارِثِ بنِ عَبْدَالمُطّلِبِ أخْبَرَهُ أنّ أبَاهُ رَبِيعَةَ بنَ الْحَارِثِ وَعَبّاسَ بنَ عَبْدِالمُطّلِبِ قالا لِعَبْدِالمُطّلِبِ بِنِ رَبِيعَةَ وَلِلْفَضْلِ بنِ عَبّاسٍ: ائْتِيَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُولاَ لَهُ: يَارَسُولَ الله قَدْ بَلَغْنَا مِنَ السّنّ ما تَرَى وَأحْبَبْنَا أنْ نَتَزَوّجَ وَأنْتَ يَارَسُولَ الله أبَرّ النّاسِ وَأوْصَلُهُمْ وَلَيْسَ عِنْدَ أبَوَيْنَا ما يُصْدِقَانِ عَنّا، فَاسْتَعْمَلْنَا يَارَسُولَ الله
ـــــــ
"مال كثير": من فتوح البلدان "فعزل": عمر رضي الله عنه أي استخرج من ذلك الجمع "حقنا": من خمس الخمس ووضعه على حده لأن يعطينا "فقلت بنا عنه العام غني": بنا متعلق بقوله غني اُي لا حاجة لنا إليه في هذا العام "وبالمسلمين": متعلق بحاجة "لم يدعني إليه": أي المال وهو خمس الخمس "حرمتنا": أي جعلتنا محرومين من المال الذي لا يرد علينا أبداً لأن المال لا يعطيه أحد لمستحقيه بطيب نفسه وليس كل رجل مثل عمر في إعطاء المال "وكان رجلاً داهياً": أي فظناً ذا رأى في الأمور. قال المنذري: في إسناده حسين بن ميمون الخندقي. قال أبو حاتم الرازي: ليس بقوى الحديث يكتب حديثه. وقال علي بن المديني: ليس بمعروف. وذكر له البخاري في تاريخه الكبير هذا الحديث وقال: وهو حديث لم يتابع عليه.
"أن أباه": أي أبا عبد المطلب "ربيعة بن الحارث": بدل من أباه "وأوصلهم": اسم تفضيل
(8/144)
عَلَى الصّدَقَاتِ فَلْنُؤَدّ إلَيْكَ مَا يُؤدّي الْعُمّالُ وَلْنُصِبْ ما كَانَ فِيهَا مِنْ مِرْفَقٍ. فَأتَى عَلِيّ بنُ أبي طَالِبٍ وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فقالَ لَنَا: إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَ الله لاَ يَسْتَعْمِلُ أحَداً مِنْكُمْ عَلَى الصّدَقَةِ،" فَقالَ لَهُ رَبِيعَةُ: هَذَا مِنْ أمْرِكَ، قَدْ نِلْتُ صِهْرَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ نَحْسُدْكَ عَلَيْهِ، فَألْقَى عَلِيّ رِدَاءَهُ ثُمّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ فقالَ: أنا أبُو حَسَنَ الْقَرْمُ وَ الله لاَ أرِيمُ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْكُمَا أبْنَاءَكُمَا بِحَوْرِ[بجواب] ما بَعَثْتُمَا بِهِ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم. قال عَبْدُ المُطّلِبِ: فانْطَلَقْتُ أنَا وَالْفَضْلُ حتّى نُوَافِقَ صَلاَةَ الظّهْرِ قَدْ قامَتْ، فَصَلّيْنَا مَعَ النّاسِ، ثُمّ أسْرَعْتُ أنا وَالْفَضْلُ إلي بَابِ حُجْرَةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُمْنا بالْبَابٍ حتّى أتى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فأَخَذَ بِأُذُنِي وَأُذُنِ الْفَضْلِ ثُمّ قالَ: أخْرِجَا ما تُصَرّرَانِ، ثُمّ دَخَلَ فأَذِنَ لِي وَلْلِفَضْلِ فَدَخَلْنا فَتَوَا كَلْنَا الْكَلاَمَ قَلِيلاً، ثُمّ كَلّمْتُهُ أو كَلّمَهُ الْفَضْلُ - قَدْ شَكّ في ذَلِكَ عَبْدُ الله - قال كَلّمهُ بالّذِي
ـــــــ
من الصلة "ما يصدقان": من أصدق أي ما يؤديان به المهر "ولنصب": من الإصابة "ما كان": ما موصولة وهي اسم كان "فيها": أي في الصدقة "من مرفق": بكسر الميم وفتحها أي من منفعة وهو بيان لما الموصولة. ومرفق هو من الأمر ما انتفعت به واستعنت، به ومنه {يهييء لكم من أمركم مرفقاً} والمعنى والله أعلم أنا نؤدي إليك ما يحصل من رأس أموال الصدقات وأما أجرة العمالة وما يحصل للمصدقين من غير أموال الصدقة وغير ذلك من المنافع فهو لنا "هذا من امرك": في رواية الطبراني أن "هذا من حسدك" "قد نلت": من النيل بمعنى يافتن "أنا أبو حسن القرم": بتنوين حسن وأما القرم فالبراء الساكنة مرفوع وهو السيد وأصله فحل الإبل. قاله النووي. قال الخطابي: هو في أكثر الروايات بالواو وكذلك رواه لنا ابن داسة بالواو وهذا لا معنى له وإنما هو القوم بالراء، وأصل القرم في الكلام فحل الإبل، ومنه قيل للرئيس قرم، يريد بذلك أنه المتقدم في الرأي والمعرفة بالأمور فهو فيهم بمنزلة القرم في الإبل "لا أريم": أي لا أبرح ولا أفارق مكاني "بحور ما بعثتما به": بفتح الحاء المهملة وسكون الواو أي بجواب المسألة التي بعثتما فيها وبرجوعها وأصل الحوار الرجوع، يقال كلمه فما أحار جواباً أي مارد جواباً قاله الخطابي وفي بعض النسخ "بجواب ما بعثتما به" "ما تصرران": بضم التاء وفتح الصاد وكسر الراء وبعدها راء أخرى ومعناه تجمعانه في صدوركما من الكلام وكل شيء جمعته فقد صررته قاله النووي. قال الخطابي أي ما تكتمان وما تضمران من الكلام، وأضله من الصر وهو الشد والإحكام "فتواكلنا الكلام": أي وكَلَ كل منا الكلام إلى صاحبه يريد أن يبتدىء الكلام صاحبه
(8/145)
أمَرَنا بهِ أبَوَانا، فَسَكَتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَاعَةً وَرَفَعَ بَصَرَهُ قِبَلَ سَقْفِ الْبَيْتِ حتّى طَالَ عَلَيْنا أنُه لا يَرجِعُ إلَيْنا شَيْئاً حتّى رأيْنا زَيْنَبَ تَلْمَعُ مِنْ وَراءِ الْحِجَابِ بِيَدِهَا، تُرِيدُ أنْ لا تَعْجَلاَ[لاتعجل أو] وأنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في أمْرِنَا، ثمّ خَفّضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ فقالَ لَنَا: إنّ هذِهِ الصّدَقَةَ إنّمَا هيَ أوْسَاخُ النّاسِ وَإنّها لاَ تَحِلّ لِمُحَمّدٍ وَلاَ لاَلِ مُحمّدٍ، ادْعُوا لِي نَوْفَلَ بنَ الْحَارِثِ فَدُعِيَ لَهُ نَوْفَلُ بنُ الْحَارِثِ، فَقالَ يَا نوْفَلُ أَنْكِحْ عَبْدَالمُطّلِبِ فَأَنْكَحَنِي نَوْفَلُ ثُمّ قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ادْعُوَا لِي مَحْمِيّةَ[محمئة] بنَ جَزْءَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَهُ عَلَى اْلأخْمَاسِ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِمَحْمِيّةَ[لمحمئة] "أنْكِحِ الْفَضْلَ" فَأَنْكَحَهُ، ثُمّ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "قُمْ فَأَصْدِقْ عَنْهُما مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وكَذَا لَمْ يُسَمّهُ لِي عَبْدُ الله بن الْحَارِثِ".
2984 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَنْبَسَةُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا يونُسُ عن ابْنِ شِهَابِ قالَ أخبرني عَلِيّ بنُ حُسَيْنٍ أَنّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيَ أخْبَرهُ أَنّ عَلِيّ بنَ أَبِي طَالِبٍ قالَ كَانَ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَعْطَانِي شَارِفاً مِنَ الخُمُسِ يَوْمَئِذٍ فَلَمّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِي بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَعَدْتُ رَجُلاً
ـــــــ
دونه "قبل سقف البيت": بكسر القاف وفتح الموحدة أي نحوه "تلمع": بضم التاء وإسكان اللام وكسر الميم ويجوز فتح التاء والميم يقال ألمع ولمع إذ أشار بثوبه أو بيده. قاله النووي "في أمرنا": أي مصروف ومتوجه إلى رد جوابك بحيث تنال إلى مرادك فلا تعجل. ونسبت زينب رضي الله عنها أمر الفضل إلى نفسها تلطفا معه "إنما هي أوساخ الناس": أي أنهما تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} كغسالة الأوساخ "ادعوا إلى محمية بن جزء": قال النووي: محمية وبميم مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم ميم أخرى مكسورة ثم ياء مخففة وجزء بجيم مفتوحة ثم راي ساكنة ثم همزة هذا هو الأصح انتهى "من الخمس": يحتمل أن يريد من سهم ذوي القربى من الخمس لأنهما من ذوي القربى، ويحتمل أن يريد من سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس. قاله النووي قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"أخبرني علي بن الحسين": هو الملقب بزين العابدين "شارف": أي مسنة من النوق "يومئذ": أي يوم بدر. ولفظ البخاري في المغازي "وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ" قال القسطلاني: ظاهره أنه كان يوم بدر "أن أبتني بفاطمة": أي أدخل بها،
(8/146)
صَوّاغاً مِنْ بَنِي قَيْنُقاعُ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعَيِ فَنَأَتِي بِإذْخِرَ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصّوّاغِينَ فَأَسْتَعينَ بِهِ في وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيّ مَتَاعاً مِنَ الأقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحْبالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ اْلأنْصَارِ أقْبَلْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإذَا بِشَارِ فَيّ قَدِ اجْتُبّتْ أسْنِمَتُهُمَا وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُما وَأُخِذ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ المَنْظَرِ فَقُلْتُ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قالُوا فَعَلَهُ حَمْزَةُ بن عَبْدِالمُطّلِبِ وَهُوَ في هذَا الْبَيْتِ في شَرْبٍ مِنَ اْلْانْصَارِ غَنّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقالَتْ في غَنَائِهَا:
*أَلاَ يَا حَمْزُ لِلشّرُفِ[ذا الشرف] النّواءُ*
ـــــــ
والبناء الدخول بالزوجة وأصله أنهم كانوا من أراد ذلك بنيت له قبة فيها بأهله "صواغاً": بفتح الصاد المهملة وتشديد الواو لم يسم "من بني قينقاع": بفتح القافين وضم النون وقد تفتح وتكسر غير منصرف ويجوز صرفه قبيلة من اليهود. وفي القاموس: شعب من اليهود كانوا بالمدينة "بإذخر": بكسر الهمزة وسكون ذال وكسر خاء معجمتين نبت عريض الأوراق يحرقه الحداد بدل الحطب والفحم "من الأقتاب": جمع قتب. قال في الصراح: قتب بالتحريك بالان خرد. وقال في المجمع هو للجمل كالآكاف لغيره "والغرائر": جمع غرارة وهي ما يوضع فيها الشيء من التبن وغيره "والحبال": جمع حبل "وشارفاي": مبتدأ خبره "مناخان": أي مبروكان "أقبلت": وفي رواية للبخاري "فرجعت" "حين جمعت ما جمعت": أي من الأقتاب وغيرها "قد اجتبت": بضم الهمزة بصيغة المجهول من الاجتباب أي قطعت "أسنمتهما": جمع سنام "وبقرت": بضم الموحدة وكسر القاف أي شقت "خواصرهما": جمع خاصرة في الصراح خاصرة تهي كاه "فلم أملك عيني": أي من البكاء "ذلك المنظر": بفتح الميم والظاء، وإنما بكى علي رضي الله عنه خوفاً من تقصيره في حق فاطمة رضي الله عنها أو في تأخير الابتناء بها لا لمجرد فوات الناقتين. قاله القسطلاني "في شرب": بفتح الشين المعجمة وسكون الراء جماعة يجتمعون على شرب الخمر اسم جمع عند سيبويه، وجمع شارب عند الأخفش "قينة": بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون هي الجارية المغنية "وأصحابه": بالنصب عطف على المنصوب في غنته "ألا يا حمز": ترخيم وهو بفتح الزاي ويجوز ضمها "للشرف": بضمتين جمع شارف "النواء": بكسر النون والمد مخففاً جمع ناوية وهي الناقة السمينة وبقيته وهن معقلات بالفناء:
ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشرب ... وقديداً من طبيخ أو شواء
(8/147)
فَوَثَبَ إلَى السّيْفِ فَاجْتَبّ أسْنِمَتَهُما وَبَقَرَ خَوَاصْرَهُمَا، فَأَخَذ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. قالَ عَلِيّ: فَانْطَلَقْتُ حَتّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ، فَعَرَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الّذِي لَقِيتُ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "مَا لَكَ؟" قالَ قُلْتُ يَارَسُولَ الله ما رَأيْتُ كَالْيَوْمِ، عَدَا حَمْزَةُ عَلى نَاقَتَيّ فَاجْتَبّ أسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا وَهَاهُوَ ذَا في بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ، فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِرِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ، ثُمّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَاتّبَعْتُهُ أنَا وَزَيْدُ بن حَارِثَةَ حَتّى جَاءَ الْبَيْتَ الّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَإذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإذَا حَمْزَةُ ثَمِلٌ مُحْمَرّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ صَعّدَ النّظْرَ فَنَظَرَ إلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمّ صَعّدَ النّظَرَ فَنَظَرَ إلَى سُرّتِهِ، ثُمّ صَعّدَ النّظَرَ فَنَظَرَ إلَى وَجْهِهِ، ثُمّ قالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أنْتُمْ إلاّ عَبِيدٌ لأِبِي؟ فَعَرَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ ثَمِلٌ[قد ثمل] فَنَكَصَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ.
2985 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ وَهْبٍ حدّثَنِي عَيّاشُ بنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيّ عن الْفَضْلِ بنِ الْحَسَنِ الضّمْرِيّ أنّ أُمّ الْحَكَمِ أوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَيْ الزّبَيْرِ بنِ عَبْدِالمُطّلِبِ حَدّثَتْهُ عنْ إحْدَاهُمَا أَنّهَا قَالَتْ: أصَابَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَبْياً
ـــــــ
"فوثب": أي قام بسرعة "حتى أدخل": بالرفع والنصب ورجح ابن مالك النصب وعبر بصيغة المضارعة مبالغة في استحضار صورة الحال وإلا فكان الأصل أن يقول حتى دخلت "الذي لقيت": أي من فعل حمزة "عدا حمزة": أي ظلم "ها": للتنبيه "فطفق": أي شرع "ثمل": بفتح المثلثة وكسر الميم أي سكران "ثم صعد": بفتح الصاد والعين المشددة المهملتين أي رفع هل أنتم إلا عبيد لأبي قيل أراد أن أباه عبد المطلب جد للنبي صلى الله عليه وسلم ولعلي أيضاً، والجديد عنى سيداً. وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم. كذا في فتح الباري "فنكص": أي رجع "القهقري": هو المشي إلى خلف وكأنه فعل ذلك خشية أن يزداد عبثه في حال سكره فينتقل من القول إلى الفعل فأراد أن يكون مايقع منه بم أي منه ليدفعه إن وقع منه شيء ومطابقة الحديث للترجمة في قوله أعطاني شارفاً من الخمس. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"أن أم الحكم أو ضباعة إلخ ": شك من الراوي في أن أم الحكم بنت الزبير حدثت
(8/148)
فَذَهَبْتُ أنَا وَأُخْتِي وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَشَكَوْنَا إلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَسَألْنَاهُ أنْ يَأْمُرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنَ السّبْيِ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "سَبَقَكُنّ يَتَامَى بَدْرٍ، وَلَكِنْ سَأدُلّكُنّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنّ مِنْ ذَلِكَ تُكَبّرْنَ الله عَلَى إثْرِ كُلّ صَلاَةٍ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ تَكْبِيرَةً وَثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ تَسْبِيحَةً وَثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ تَحْمِيدَةً وَلاَ إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
قالَ عَيّاشٌ وَهُمَا ابْنَتَا عَمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
2986 - حدثنا يَحْيَى بنُ خَلْفٍ أخبرنا عَبْدُالأعْلَى عن سَعِيدٍ يَعْني الْجَرِيرِيّ عنْ أبي الْوَرْدِ عن ابن أعْبُدٍ قالَ قالَ لِي عَلِيّ: ألاَ أُحَدّثُكَ عَنّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ مِنْ أحَبّ أهْلِهِ إلَيْهِ؟ قُلْتُ بَلَى. قالَ إنّهَا جَرّتْ بالرّحَى حَتّى أثّرَ في يَدِهَا وَاسْتَقَتْ بالْقِرْبَةِ حَتّى أثّرَ في نَحْرِهَا وَكَنَسَتِ الْبَيْتَ حَتّى اغْبَرّتْ ثِيَابُهَا. فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم خَدَمٌ فَقُلْتُ لَوْ أتَيْتِ أبَاكِ فَسَألْتِيهِ خَادِماً، فَأتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدّاثاً فَرَجَعَتْ فَأتَاهَا مِنَ الْغَدِ فقالَ " مَا كَانَ حَاجَتُكِ؟" فَسَكَتَتْ، فَقُلْتُ أنَا أُحَدّثُكَ يَارَسُولَ الله،
ـــــــ
الفضل بن الحسن ضباعة بنت الزبير أو أن ضباعة حدثته عن أم الحكم "يتامى بدر": أي من قتل آباؤهم يوم بدر "ساد لكن ماهو خير لكن إلخ": قال الكرماني: فإن قلت لا شك أن للتسبيح ونحوه ثواباً عظيماً لكن كيف يكون خيراً بالنسبة إلى مطلوبها وهو الاستخدام؟ قلت: لعل الله تعالى يعطي المسبح قوة يقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم عليه أو يسهل الأمور عليه بحيث يكون فعل ذلك بنفسه أسهل عليه من أمر الخادم بذلك أو معناه أن نفع التسبيح في الآخرة ونفع الخادم في الدنيا و الآخرة خير وأبقى. كذا مرقاة في الصعود "قال عياش" هو ابن عقبة الحضرمي "وهما" أي أم الحكم وضياعة "ابنتا عن النبي صلى الله عليه وسلم" هو زبير بن عبد المطلب. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن ابن أعبد": بفتح الهمزة وضم الموحدة بينهما عين مهملة ساكنة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل واسمه على "وكانت" أي فاطمة رضي الله عنها من أحب أهله عليه أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم "جرت بالرحلى": الجر الجذب والمراد من الجر بالرحى إدارتها "واستقت" من الاستقاء وهو بالفارسية مشك "في نحرها" أي أعلى صدرها "وكنست البيت" في الصراح كنس خانة روفتن من باب نصر "حداثاً" أي رجالاً يتحدثون وهو جمع شاذ "فأتاها" أي أتى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت فاطمة رضي الله عنها "فقلت": القائل هو علي رضي الله عنه "فتستخدمك" أي تطلب منك
(8/149)
جَرّتِ بالرّحَى حَتّى أثّرَتْ في يَدِهَا، وَحَمَلَتْ بالْقِرْبَةِ حَتّى أثّرَتْ في نَحْرِهَا، فَلَمّا أنْ جَاءَكَ الْخَدَمُ أمَرْتُهَا أنْ تَأْتِيكَ فَتَسْتَخْدِمَكَ خَادِماً يَقِيهَا حَرّ مَا هِيَ فِيهِ. قال َ "اتّقى الله يَافَاطِمَةُ وَأدّي فَرِيضَةً رَبّكِ وَاعْمَلِي عَمَلَ أهْلِكَ، فَإذَا أخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَسَبّحِي ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، وَاحْمِدِي ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ وَكَبّرِي أرْبَعاً وَثَلاَثِينَ فَتِلْكَ مَائَةٌ فَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ،" قَالَتْ رَضِيتُ عنِ الله وَعَنْ رَسُولِهِ.
ـــــــ
"خادماً" هو يطلق على العبد وعلى الجارية "يقيها" من الوقاية والجملة صفة لخادماً "حر ما هي فيه" أي مشقة الأعمال التي فيها فاطمة. فالضمير المؤنث المرفوع لفاطمة رضي الله عنها. والضمير المجرور لما الموصولة.
قال الحافظ في فتح الباري: قال القاضي إسماعيل: هذا الحديث يدل على أن للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى لأن الأربعة الأخماس استحقاق الغانمين، والذي يختص بالإمام هو الخمس، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ابنته وأعز الناس عليه من أقربية وصرفه إلى غيرهم.
وقال الطبري نحوه: لو كان سهم ذوي القربى قسماً مفروضاً لأخدم ابنته ولم يكن ليدع شيئاً اختاره الله تعالى لها وأمتن به على ذوي القربى. وكذا قال الطحاوي وزاد وإن أبا بكر وعمر أخذا بذلك وقسما جميع الخمس ولم يجعلا لذوي القربى منه حقاً مخصوصاً به، بل بحسب ما يرى الإمام، وكذلك فعل علي رضي الله عنه.
قال الحافظ في الاستدلال بحديث على هذا نظر لأنه يحتمل أن يكون ذلك من القيء، وأما خمس الخمس من الغنيمة فقد روى أبو داوود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: "قلت: يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس" الحديث.
وله من وجه آخر عنه: "ولاّني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعة حياته" الحديث، فيحتمل أن تكون قصة فاطمة وقعت قبل فرض الخمس والله أعلم وهو بعيد لأن قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية نزلت في غزوة بدر، وثبت أن الصحابة أخرجوا الخمس من أول غنيمة غنموها من المشركين، فيحتمل أن حصة خمس الخمس وهو حق ذوي القربى من الفيء المذكور لم يبلغ قدر الرأس الذي طلبته فاطمة، فكان حقها من ذلك يسيراً جداً يلزم منه أن لو أعطاها الرأس أثر في حق بقية المستحقين ممن ذكر. وأطال الحافظ الكلام فيه والله أعلم.
قال المنذري: ابن أعبد اسمه عليّ، وقال علي بن المديني ليس بمعروف ولا أعرف له
(8/150)
2987 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدِ المَرْوَزِيّ حدثنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عَلِيّ بن حُسَيْنٍ بِهَذِهِ الْقِصّةِ قال: وَلَمْ يُخْدِمْهَا.
2988 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا عَنْبَسَهُ بنُ عَبْدِالْوَاحِدِ الْقُرَشِيّ قالَ أبو جَعْفَرٍ يَعْنِي ابنَ عِيسَى كُنّا نَقُولُ إنّهُ مِنَ الأبْدَالِ قَبْلَ أنْ نَسْمَعَ أنّ الأبْدَالَ مِنَ المَوَالِي
ـــــــ
غير هذا. هذا آخر كلامه، وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه هذا الحديث بنحوه وسيجيء إن شاء الله تعالى في كتاب الأدب من كتابنا هذا.
"ولم يخدمها": من الإخدام أي لم يعطها خادماً.
"كنا نقول إنه": أي عنبسة بن عبد الواحد "من الأبدال" في الجامع الصغير للإمام السيوطي برواية الطبراني في معجمه الكبير عن عبادة بن الصامت: "الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم تقوم الأرض وبهم تمرطون وبهم تنصرون" قال المناوي في شرح الجامع الصغير بإسناد صحيح. والأبدال جمع بدل بفتحتين ووجه تسميتهم بالأبدال أنه كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلاً كما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بإسناد صحيح كما قال العزيزي في شرح الجامع الصغير للسيوطي وكذا المناوي في شرحه بلفظ: "الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلاً قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن كلمات رجل أبدل الله مكانه رجلاً" "قبل أن نسمع أن الأبدال من الموالي" في الجامع الصغير برواية الحاكم في كتاب السكنى والألقاب عن عطاء مرسلاً: "الأبدال من الموالي" قال المناوي تمامه: "ولا يبغض الموالي إلا منافق" ومن علامتهم أيضاً أنهم لا يولد لهم وأنهم لا يلعنون شيئاً.
قال المناوي: وهو حديث منكر انتهى. والمعنى أنا كنا نعد عنبسة بن الواحد القرشي من الأبدال لأنه كان من العابدين والذاكرين وعباد الله الصالحين قبل أن نسمع في ذلك الباب شيئاً، فلما سمعنا أن الأبدال يكون من الموالي أي من السادات الأشراف تحقق لي أنه من الأبدال لأنه عابد أموي قرشي فأي شيء أعظم منه لسيادته وشرافته. وفي معناه تأويل آخر يقول محمد بن عيسى إنا نعده من الأبدال لزهده وعبادته لكن لما سمعنا أن الأبدال يكون من الموالي أي بمعنى العبد رجعنا عن ذلك القول وعلمنا أن شرط الأبدال أن يكون من الموالي. وعنبسة ليس من الموالي هو قرشي من أولاد سعيد بن العاص الأموي، وهذا تأويل ضعيف.
وقد ورد في الأبدال غير ما ذكر، أخرج الطبراني عن عوف بن مالك الأبدال في أهل
(8/151)
قالَ حدّثني الدّخِيلُ بنُ إيَاسِ بنِ نُوحٍ بنِ مَجّاعَةَ عَنْ هِلاَلِ بنِ سِرَاجِ بن مُجّاعَةَ عن أبِيهِ عن جَدّهِ مُجّاعَةَ: أنّهُ أتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَطْلُبُ دِيَةَ أخِيهِ قَتَلَتْهُ بَنُو سَدُوسٍ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم "لَوْ كُنْتُ جَاعِلاً لِمشْرِكٍ دِيَةً جَعَلْتُ[جعلتها] لأَخِيكَ، وَلَكِنْ سَأُعْطِيكَ مِنْهُ عُقْبَى، فَكَتَبَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ مِنْ أوّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَنِي ذُهْلٍ فَأخَذَ طَائِفَةً مِنْهَا وَأسْلَمَتْ بَنُو ذُهْلٍ فَطَلَبَهَا بَعْدُ مُجّاعَةُ إلَى أبي بَكْرٍ وَأتَاهُ بِكِتَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ لَهُ أبو بَكْرٍ بَاثْنَيْ عَشَرَ ألْفِ صَاعٍ مِنْ صَدَقَةِ الْيَمَامَةِ أرْبَعَةِ آلافٍ بُرّ، وَأرْبَعَةِ آلافِ شَعِيرٍ، وَأرْبَعَةِ آلافِ تَمْرٍ[أربعة آلاف برا وأربعة الاف شعيراوأربعة آلاف تمرا] وَكَانَ في كِتَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِمُجّاعةَ: بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ لِمُجّاعَةَ بن مِرَارَةَ مِنْ بَنِي سُلْمَى إنّي أعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الإبِلِ مِنْ أوّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَنِي ذُهْلٍ عُقْبَةَ مِنْ أخِيهِ".
ـــــــ
الشام وبهم ينصرون وبهم يرزقون" قال المناوي: إسناده حسن وأخرج أحمد في مسنده عن علي: "الأبدال بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب" قال المناوي: إسناده حسن.
وقد جاء في هذا عدة أخبار منها ما هو ضعيف وما هو موضوع، وللصوفية في هذا الباب كلام طويل لكن ليس عليه دليل ولا برهان بل هو من التخيلات المخصة والله أعلم.
"حدثني الدفيل" بفتح أوله وكسر المعجمة مسقور من السادسة "عن جده مجاعة" بضم الميم وتشديد الجيم "ولكن سأعطيك منه عقبي" قال الخطابي: معنى العقبى العوض، ويشبه أن يكون أعطاه ذلك تألفاً له أو لمن وراءه من قومه على الإسلام والله أعلم. انتهى "عقبة من أخيه" أي عوضاً منه.
قال المنذري: قيل مجاعة هذا لم يرو عنه غير ابنه سراج بن مجاعة وهو بضم الميم وتشديد الجيم وفتحها وخففها بعضهم وبعد الألف عين مهملة وتاء تأنيث، وسلمى بضم السين المهملة وسكون اللام في بني حنيفة، وسدوس هذا بفتح السين وضم الدال المهملتين وواو ساكنة وسين مهملة في بكر بن وائل، وسدوس بالفتح أيضاً سدوس بن دارم في تميم. وقال ابن حبيب: كل سدوس فس العرب فهو مفتوح السين إلا سدوس بن أصبغ.
(8/152)
واعلم أن المؤلف ما أورد في هذا الكتاب، أي باب قسم الخمس أحاديث تستوعب جميع أحكامه فأذكر إن شاء الله تعالى كلاماً مشبعاً في آخر الباب الآتي ولا أبالي إن تكرر بعض المطالب.
(8/153)
21 - باب ما جاء في سهم الصفي
2989 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن مُطَرّفٍ عن عَامِرٍ الشّعْنَبِيّ قال: "كَانَ لِلنّبيّ صلى الله عليه وسلم سَهْمٌ يُدْعَى الصّفِيّ إنْ شَاءَ عَبْداً وَإنْ شَاءَ أمةً، وَإنْ شَاءَ فَرَساً يَخْتَارَهُ قَبْلَ الْخُمُسِ".
2990 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ وَ أزْهَرُ قالا أخبرنا ابنُ عَوْنٍ قال: سَألْتُ مُحَمّداً عن سَهْمِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالصّفِيّ، قال: "كَانَ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمٍ مَعَ المُسْلِمِينَ وَإنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَالصّفِيّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسٌ مِنَ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلّ شَيْءٍ".
2991 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ السّلَمِيّ أخبرنا عُمَرُ يَعني ابنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ عن سَعِيدٍ - يَعْني ابنَ بَشِيرٍ - عن قَتَادَةَ قال: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ
ـــــــ
باب ما جاء في سهم الصفي
تقدم معنى الصفى، فإن قلت: ما الفرق بين الباب الأول أي باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال وبين هذا الباب؟ قلت: الأول في إثبات الصفايا والثاني في بيان سهم الصفى والله أعلم.
"يدعى": بصيغة المجهول والضمير للسهم "الصفى" بالنصب والمعنى يسمى ذلك السهم باسم الصفى "إن شاء" أي النبي صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: هذا مرسل انتهى. وفي النيل رجاله ثقات.
"سألت محمداً": أي ابن سيرين "وإن لم يشهد" أي وإن لم يحضر الوقعا "رأس" أي عبد أو أمة أو فرس كما في الحديث السابق "من الخمس" ظاهر، أن الصفى يكون من الخمس، وظاهره ما سبق أنه من تمام الغنيمة قبل الخمس إلا أن يقال معنى قبل الخمس قبل أن يقسم الخمس فيرجع إلى هذا الحديث كذا في فتح الودود. قال المنذري: وهذا أيضاً مرسل انتهى. وفي النيل رجاله ثقات.
(8/153)
صَافٍ[صافي] يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ[شاءه] فَكَانَتْ صَفِيّةُ مِنْ ذَلِكَ السّهْمِ، وَكَانَ إذَا لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَلَمْ يُخَيّرْ.
2992 - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو أَحْمَدَ أنْبأنَا سُفْيَانُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ: كَانَتْ صَفِيّةُ مِنَ الصّفِيّ.
2993 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ عبد الرحمن الزّهْرِيّ عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: "قَدِمْنَا خَيْبَرَ فَلَمّا فَتَحَ الله تعالى الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيّة بِنْتِ حُيَيّ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوساً، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتّى بَلَغْنَا سُدّ الصّهْبَاءِ حَلّتْ فَبَنَى بِهَا".
2994 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن عَبْدِالعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال: صَارَتْ صَفِيّةُ لِدَحْيَةَ الْكَلْبِيّ ثُمّ صَارَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
2995 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ خَلاّدٍ الْبَاهِلِيّ أخبرنا بَهْزُ بنُ أسَدٍ أخبرنا حَمّادٌ أنْبأنَا ثَابِتٌ عن أنَسٍ قال: "وَقَعَ في سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْعَةِ
ـــــــ
"فكانت صفية" أي بنت حي زوج النبي صلى الله عليه وسلم "من ذلك السهم" أي السهم الصافي. قال المنذري: وهذا أيضاً مرسل.
"كانت صفية من الصفى": أي من السهم الذي يدعى بالصفى.
قال النووي: الصحيح أن هذا اسمها قبل السبي، وقيل كان اسمها زينب فسميت بعد السبي والاصطفاء صفية. والحديث سكت عنه المنذري.
وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح.
"فلما فتح الله تعالى الحصن" واسم الحصن القموص، وفي رواية البخاري "فلما فتح الله عليه" أي على النبي صلى الله عليه وسلم "ذكر له" أي للنبي صلى الله عليه وسلم "وقد قتل زوجها" اسمه كنانة بن الربيع "فاصطفاها" أي اختارها "سد الصبياء" بضم السين المهملة وتشديد الدال اسم موضع "حلت" أي طهرت من الحيض قاله الحافظ "فبنى بها" أي دخل بها.
"لدحية": بفتح الدال وكسرها وسكون المهملة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.
(8/154)
أرْؤُسٍ ثُمّ دَفَعَهَا إلَى أُمّ سُلَيْمٍ تَصْنَعُهَا وَتُهَيّئُهَا. قال حَمّادٌ: وَأحْسِبُهُ قال وَتَعْتَدّ في بَيْتِهَا صَفِيّة ابْنَةُ حُيَيَ".
2996 - حدثنا دَاوُدُ بنُ مُعَاذٍ حدثنا عَبْدالْوَارِثِ ح. وحدثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ المعنى قالَ أخبرنا ابنُ عُلَيّةَ عن عَبْدِالعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنَسِ قال: جُمِعَ السّبْيُ - يَعني بِخَيْبَرَ فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقال: يَارَسُولَ الله أعْطِني جَارِيَةً مِنَ السّبْيِ، قال: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً، فَأخَذَ صَفِيّةَ ابْنَةَ حُيَيَ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ، يَارَسُولَ الله أعْطَيْتَ دِحْيَةَ. قال يَعْقُوبُ: صَفِيّةَ ابْنَةَ حُيَيَ سَيّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنّضِيرِ - ثُمّ اتّفَقَا - ما تَصْلُحُ إلاّ لَكَ، قال: ادْعُوهُ بِهَا، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السّبْيِ غَيْرَهَا" ، وَإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعْتَقَهَا وَتَزَوّجَهَا.
ـــــــ
"إلى أم سليم": هي أم أنس رضي الله عنه "تصنعها": أي تصلحها وتزينها "وتعقد": أي صفية. وإطلاق العدة عليها مجاز عن الاستبراء. قاله الحافظ فمعنى تعتد تستبرىء لأنها كانت مسبية يجب استبراؤها "في بيتها": أي في بيت أم سليم "صفية ابنة حي": أي وتلك الجارية هي صفية بنت حي، وليس قوله صفية بنت حي فاعلاً لقوله تعتد بلى هو خبر مبتدأ محذوف. ففي رواية مسلم وأحسبه قال وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حي. قال المنذري وأخرجه مسلم مطولاً.
"جمع السبى": بصيغة المجهول "قال يعقوب إلخ": هو ابن إبراهيم والحاصل أن يعقوب زاد في روايته بعد قوله أعطيت دحية لفظ "صفية ابنة حي سيدة قريظة والنضير" وأما داوود بن معاذ فلم يزد في روايته هذه الألفاظ بل قال أعطيت دحية ما تصلح إلا لك إلخ ثم اتفقا أي داوود بن معاذ ويعقوب "إدعوه": أي دحية "بها": أي بصفية "خذ جارية من السبى غيرها": أي غير صفية.
وأما ما وقع في الرواية السابقة من أنه صلى الله عليه وسلم إشتراها بسبعة أرؤس فلعل المراد أنه عوضه عنها بذلك المقدار. وإطلاق الشراء على العوض على سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها جارية أخرى فلم تطب نفسه فأعطاه من جملة السبى زيادة على ذلك.
قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية قبل القسمة والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع. كذا في النيل والفتح. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
(8/155)
2997 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا قُرّةُ قال سَمِعْتُ يَزِيدَ بنَ عَبْدِ الله قال: "كُنّا بالمِرْبَدِ فَجَاءَ رَجُلٌ أشْعَثُ الرّأْسِ بِيَدِهِ قِطْعَةُ أدِيمٍ أحْمَرَ فَقُلْنَا: كَأنّكَ مِنْ أهْلِ الْبَادِيَةِ؟ قال[فقال] أجَلْ. قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الأدِيمَ الّتي في يَدِكَ، فَنَاوَلَنَاها، فَقَرَأْنَا مَا فِيهَا[فقرأناها] فَإذَا فِيِهَا: "مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله إلَى بَنِي زُهَيْرِ بنِ أُقَيْشَ، إنّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أن لاَ إلَه إلاّ الله وَأنّ مُحَمّداً رَسُولُ الله وَأقَمْتُمْ الصّلاَةَ وَآتَيْتُم الزّكَاةَ وَأدّيْتُم الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ وَسَهْمَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَسَهْمَ الصّفِيّ أنْتُمْ آمِنُونَ بِأمانِ الله وَرَسُولِهِ، فقلْنَا: مَنْ كَتَبَ لَكَ هَذَا الْكِتَابَ؟ قال: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
"كنا بالمربد": بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة اسم موضع "قطعة أديم": في القاموس: الأديم الجلد أو أحمرة أو مدبوغة "ناولنا": أمر من المناولة أي أعطنا "فقرأنا ما فيها": أي قرأنا ما كتب في "إنكم إن شهدتم إلخ ": إن شرطية وجزاؤها قوله الآتي أنتم آمنون إلخ "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الخطابي: أما سهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان سهم له كسهم رجل ممن يشهد الوقعة حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أوغاب عنها، وأما الصفى فهو ما يصطفيه من عرض الغنيمة من شيء قبل أن يخمس عبد أو جارية أو فرس أو سيف أو غيرها، كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بذلك مع الخمس الذي له خاصة انتهى. قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله وسمي الرجل النمر بن تولب الشاعر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال إنه ما مدح أحداً ولا هجاً أحداً وكان جواداً لا يكاد يمسك شيئاً، وأدرك الإسلام وهو كبير. والمربد محلة بالبصرة من أشهر محالها وأطيبها انتهى.
وفي النيل: ورجاله رجال الصحيح، ويزيد بن عبد الله المذكور هو ابن شخير انتهى. وهذه الروايات كلها تدل على إستحقاق الإمام للصفى
وقال بعض السلف: لا يستحق الإمام السهم الذي يقال له الصفى واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا، وأخذ وبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم". أخرجه أبو داوود وغيره كما تقدم. قال ذلك البعض. وأما اصطفاؤه صلى الله عليه وسلم سيفة ذو الفقار من غنائم بدر فقد قيل إن الغنائم كانت له يومئذ خاصة فنسخ الحكم بالتخميس.
وأما صفية بنت حي فهي من خيبر ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم للغانمين منها إلا البعض، فكان حكمها حكم ذلك البعض الذي لم يقسم على أنه قد روى أنها وقعت في سهم دحية الكلبي فاشتراها منه النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة ارؤس.
(8/156)
قلت: حديث يزيد بن عبد الله فيه دليل واضح على ابطال ما ذهب إليه قان فيه وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم الصفي. وقالت عائشة وهي أعلم الناس "كانت صفية من الصفى" وأما قوله صلى الله عليه وسلم "ولا يحل لي من غنائمكم" فخص منه الصفى والله أعلم.
فائدة: ثم اعلم رحمك الله تعالى وإياي أن قسمة الغنائم على ما فصلها الله تعالى وبينها بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ} الآية واختلف العلماء هل الغنيمة والفىء اسمان لمسمى واحد أم يختلفان في التسمية، فقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر المسلمون عليه من أموال المشركين فأخذوه عنوة، وأما الأرض فهي فىء وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون من مال الكفار عنوة بقتال وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن شهد الوقعة. والفىء ما صولحوا عليه بغير قتال وليس فيه خمس فهو لمن سمى الله وقيل الغنيمة ما أخذ من أموال الكفار عنوة عن قهر وغلبة. والفىء ما لم يوجف عليه نحيل ولا ركاب كالعشور والجزية وأموال الصلح والمهاذنة. وقيل إن الفىء والغنيمة معناهما واحد وهما اسمان لشيء واحد. والصحيح أنهما يختلفان فالفىء ما أخذ من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والغنيمة ما أخذ من أموالهم على سبيل القهر والغلبة بإيجاف خيل عليه وركاب فذكر الله تعالى في هذه الآية حكم الغنيمة فقال{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} يعني من أي شيء كان حتى الخيط والمخيط: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} وقد ذكرأ كثر المفسرين أن قوله "لله" افتتاح كلام على سبيل التبرك، وإنما أضافه لنفسه تعالى لأنه هو الحاكم فيه فيقسمه كيف شاء، وليس المراد منه أن سهماً منه لله مفرداً، وهذا قول الحسن وقتاده وعطاء والنخعي قالوا سهم الله وسهم رسوله واحد. والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لمن قاتل عليها والخمس الباقي لخمسة أصناف كما ذكر الله عز وجل للرسول ولذي القربى واليتامى وابن السبيل. وقال أبو العالية: يقسم خمس الخمس على ستة أسهم سهم لله عز وجل. والقول الأول أصح، أي أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان له في حياته واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام، وهذا قول الشافعي وأحمد. وروى الأعمش عن ابراهيم قال: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. وقال قتادة هو للخليفة. وقال أبو حنيفة: سهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته مردود في الخمس فيقسم الخمس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقوله تعالى: {وَلِذِي الْقُرْبَى} يعني أن سهما من خمس الخمس لذوي القربى وهم أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلفوا
(8/157)
فيهم فقال قوم هم جميع قريش، وقال قوم هم الذين لا تحل لهم الصدقة. وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم. وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيىء وإن كانوا إخوة، ويدل عليه حديث جبير بن مطعم وعثمان بن عفان وقد تقدم.
واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم أم لا، فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت فيعطي فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول مالك والشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أنه غير ثابت قالوا سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم ذوى القربى مردود في الخمس فيقسم في خمس الغنيمة على ثلاثة أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل فيصرف إلى فقراء ذوى القربى مع هذه الأصناف دون أغنيائهم. وحجة مالك وغيره أن الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوى القربى وكذا الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعطون ذوى القربى ولا يفضلون فقيراً على غني لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وكذا الخلفاء بعده كانوا يعطونه. وقوله تعالى: {وَالْيَتَامَى} جمع يتيم يعني ويعطي من خمس الخمس لليتامى، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم الذي لا أب له فيعطى مع الحاجة إليه. وقوله {وَالْمَسَاكِينِ} وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وقوله {وَابْنَ السَّبِيلِ} وهو المسافر عن ماله فيعطى من خمس الخمس مع الحاجة إليه فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماسها الباقية بين الغانيمن الذين شهدوا الوقعة وحازوا الغنيمة فيعطى للفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، ويعطي الراجل سهماً واحداً، وهذا قول أكثر أهل العلم، ويرضح للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول. ومن قتل من المسلمين مشركاً في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة. ويجوز للامام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب يخصهم به من بين سائر الجيش ثم يجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة.
واختلف العلماء في أن النفل من أين يعطى فقال قوم من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن المسيب، وبه قال الشافعي. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم" أخرجه النسائي وغيره وقال قوم هو من الأربعة الأخماس بعد افراز الخمس كسهام الغزاة، وهو قول أحمد واسحاق. وذهب قوم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل التخميس كالسلب للقاتل. وأما الفىء وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب بأن صالحهم على
(8/158)
مال يؤدونه، وكذلك الجزية وما أخذ من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة أو بموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له،فهذا كله فىء. ومال الفىء كان خالصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة حياته. وقال عمر إن الله تعالى قد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفىء بشيء لم يخص به أحداً غيره ثم قرأ عمر: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} الأية، فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة وكان ينفق على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال ثم ما بقى يجعله مجعل مال الله تعالى في الكراع والسلاح.
واختلف أهل العلم في مصرف الفىء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم هو للأئمة بعده، وللشافعي فيه قولان أحدهما أنه للمقاتلة الذين أثبتت أسماؤهم في ديوان الجهاد لأنهم هم القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في إرهاب العدو والثاني أنه لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم ثم بالأهم فالأهم من المصالح.
واختلف أهل العلم في تخميس الفىء، فذهب الشافعي إلى أنه يخمس وخمسه لأهل الخمس من الغنيمة على خمسة أسهم وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح. وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل يصرف جميعه مصرفاً واحداً ولجميع المسلمين فيه حق والله أعلم.
(8/159)
22 - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة
2998 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أنّ الْحَكَمَ بنَ نَافِعٍ حَدّثَهُمْ قال أنْبأنَا شُعَيْبٌ عن الزّهْرِيّ عن عبد الرحمن بنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أبِيهِ، وَكَانَ أحَدَ الثّلاَثَةِ الّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ: وَكَانَ كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ يَهْجُو النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَيُحَرّضُ عَلَيْهِ
ـــــــ
باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة
"عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب": قال الحافظ المزي في الأطراف: حديث قتل كعب بن الأشرف بطولة أخرجه أبو داوود في الخراج عن محمد بن يحيى بن فارس عن الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه إلا أنه وقع في رواية القاضي أبي عمر الهاشمي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم "وكان أحد الثلاثة": ظاهرة أن عبد الله والد عبد الرحمن أحد الثلاثة الذين تيب عليهم وليس كذلك بل هو كعب جد عبد الرحمن كما يظهر لك من كلام المنذري على هذا الحديث "وكان كعب بن الأشرف": أي اليهودي وكان عربياً وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فخالف بني النضير فشرف فيهم وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق
(8/159)
كُفّارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وَأهْلُهَا أخْلاَطٌ مِنْهُمْ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأوْثَانَ وَالْيَهُودَ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابِهِ، فَأمَرَ الله عَزّوَجَلّ نَبِيّهُ صلى الله عليه وسلم بالصّبْرِ وَالْعَفْوِ فَفِيهِمْ أنْزَلَ الله: {وَلَتَسْمَعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآية فَلَمّا أبِي كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ أنْ يَنْزِعَ عن أذَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ أنْ يَبْعَثَ رَهْطاً يَقْتُلُونَهُ، فَبَعَثَ مُحَمّدَ بنَ مَسْلَمَةَ، وَذَكَرَ قَصّةَ قَتْلِهِ، فَلَمّا قَتَلُوهُ فَزِعَتْ الْيَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ، فَغَدَوْا عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: طُرِقَ صَاحِبُنَا فَقُتِلَ فَذَكَرَ لَهُمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذِي كَانَ يَقُولُ وَدَعَاهُمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلَى أنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَاباً يَنْتَهُونَ إلَى مَا فِيهِ. فَكَتَبَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَامّةً صَحِيفَةً.
ـــــــ
فولدت له كعباً وكان طويلاً جسيماً ذا بطن وهامة كذا في الفتح "وأهلها": أي أهل المدينة وساكنوها "أخلاط": بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة أي أنواع "واليهود": أي ومنهم اليهود "وكانوا يؤذون": أي المشركون واليهود {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب} : أي اليهود والنصارى. وتمام الأية {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} أي العرب {أَذىً كَثِيراً} من السب والطعن والتشبيب بنسائكم {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها. كذا في تفسير الجلالين "فلما أبى": أي امتنع "أن ينزع": أي ينتهى. ففي القاموس: نزع عن الأمور انتهى عنها "عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم": أي إيذائه "فلما قتلوه فزعت": بالفاء والزاى أي خافت "طرق": بصيغة المجهول "صاحبنا": هو كعب بن الأشرف المؤذى أي دخل عليه ناس ليلا "فقتل": وقد سبق بيان كيفية قتله في كتاب الجهاد "الذي كان يقول": أي كعب بن الأشرف من الهجاء والأذى "ودعاهم": أي دعا النبي صلى الله عليه وسلم المشركين واليهود "إلى أن يكتب": النبي صلى الله عليه وسلم "كتاباً": مشتملاً على العهد والميثاق "ينتهون": أولئك الأشرار عن السب والأذى "إلى ما فيه": من العهد والميثاق "بين المسلمين عامة": حال المسلمين، أي بين المسلمين جميعاً بحيث لا يفوت منه بعض "صحيفة": مفعول كتب أي كتب صحيفة.
والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود والمشركين إن أنتم تنتهون عن السب والأذى فلا يتعرض لكم المسلمون ولا يقتلوكم فكتب كتاب العهد والميثاف بين الفريقين. ثم لما فتح الله تعالى خيبر سنة ست خربت اليهود وضعفت قوتهم، ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته من جزيرة العرب. قال المنذري: قوله عن أبيه فيه نظر، فإن أباه عبد الله بن كعب ليست له صحبة ولا هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ويكون الحديث على هذا مرسلاً ويحتمل أن يكون
(8/160)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-16-2010, 08:17 PM   #3
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-17-2014 (06:54 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



3999 - حدثنا مُصَرّفُ بنُ عَمْرٍو الأيَامِيّ أخبرنا يُونُسُ يَعْنِي ابنَ بَكِيرٍ قال أخبرنا مُحَمّدُ بن إسْحَاقَ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بنُ أبي مُحَمّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بن ثَابِتٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ وَ عِكْرِمَةُ عن ابن عَبّاسٍ قال: لَمّا أصَابَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُرَيْشاً يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدِمَ المَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فقالَ: "يَامَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُم مِثْلُ مَا أصَابَ قُرَيْشاً" ، قالُوا يَامُحَمّدُ لاَ يَغُرّنّكَ مِنْ نَفْسِكَ أنّكَ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ إنّكَ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وَأنّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: {قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} قَرَأ مُصَرّفٌ إلى قَوْلِهِ: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ الله} بِبَدْرٍ {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}.
3000 - حدثنا مُصَرّفٌ بنُ عَمْرٍو أخبرنا يُونُسُ قال ابنُ إسْحَاقَ حدّثَني مَوْلَى لِزَيْدِ بن ثَابِتٍ قال حدّثَتْنِي بِنْتُ مُحَيّصَةَ عنْ أبِيهَا مُحَيّصَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ
ـــــــ
أراد بأبيه جده وهو كعب بن مالك، وقد سمع عبد الرحمن من جده كعب بن مالك فيكون الحديث على هذا مسنداً، وكعب هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم. وقد وقع مثل هذا في الأسانيد في غير موضع يقول فيه عن أبيه وهو يريد به الجد والله عز وجل أعلم.
وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي حديث قتل كعب بن الأشرف أتم من هذا، وقد تقدم في كتاب الجهاد.
"كانوا أغماراً": جمع غمر بالضم الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور لا يعرفون القتال: بيان وتفسير لأغماراً {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي من اليهود {سَتُغْلَبُونَ} أي في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك. وتمام الآية مشروحاً هكذا {وَتُحْشَرُونَ} أي في الآخرة {إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} أي الفراش هي {قَدْ كَانَ لَكُمْ} آية أي عبرة، وذكر الفعل للفصل {فِي فِئَتَيْنِ} أي فرقتين {الْتَقَتَا} أي يوم للقتال {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي طاعته وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ} أي الكفار {مِثْلَيْهِمْ} أي المسلمين أكثر منهم كانوا نحو ألف {رَأْيَ الْعَيْنِ} أي رؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم الله مع قلتهم "قرأ مصرف": هو ابن عمرو الايامي "ببدر": هذا اللفظ ليس من القرآن بل زاده بعض الرواة لبيان موضع القتال. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه.
(8/161)
ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ" فَوَثَبَ مُحَيّصَةُ[هو وحويصة بضم ففتح ثم ياء مشددة مكسورة أو مخففة ساكنة وجهان مشهوران فيهماأشهرهما التشديد] عَلَى شَبِيبَةَ رَجُلٍ مِنْ تُجّارِ يَهُودَ كَانَ يُلاَبِسُهُمْ فَقَتَلَهُ وَكَانَ حُوَيّصَةُ إذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ وَكَانَ أسَنّ مِن مُحَيّصَةَ فَلَمّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيْصَةُ يَضْرِبَهُ وَيَقُولُ أيْ[يا] عَدُوّ الله أمَا وَ الله لَرُبّ شَحْمٍ في بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ".
3001 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّهُ قالَ: بَيْنَا نَحْنُ في المَسْجِدِ إذْ خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ
"انْطَلِقُوا إلَى يَهُودَ" فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتى جِئْنَاهُمْ فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَنَادَاهُمْ فقالَ "يَامَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا تَسْلَمُوا". فَقَالُوا قَدْ بَلّغْتَ يَا أبَا الْقَاسِمِ، فقالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أسْلِمُوا تَسْلَمُوا". فقَالُوا قَدْ بَلّغْتَ يَا أبَا الْقَاسِم، فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "ذَلِكَ أُرِيدُ" ، ثُمّ قَالَهَا الثّالِثَةَ "اعْلَموا أنّمَا الأرْضُ لله وَرَسُولِهِ[ولرسوله] وَإنّي أُرِيدُ أنْ أُجْلِيَكُم مِنْ هَذِهِ الأرْضِ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئاً فَلْيَبِعْهُ وَإلاّ فَاعْلَمُوا أنّمَا الأرْضُ لله وَرَسُولِهِ[لرسوله]".
ـــــــ
"فوثب": من الوثوب وهو الطفر لطفر برجستن "محيصة": بضم الميم وفتح المهملة وتشديد التحتانية وقد تسكن هو ابن مسعود بن كعب الخزرجي المدني صحابي معروف "رجل": بالجر بدل شبيبة "من تجار يهود": جمع تاجر، وفي نسخة الخطابي "من فجار يهود" بالفاء مكان التاء، وكذا في نسخة للمنذري "يلابسهم": أي يخالطهم "فقتله": أي محيصة شبيبة "وكان حويصة": بضم المهملة وفتح الواو "إذ ذاك لم يسلم": وكان كافراً "وكان أسن": أي أكبر سناً "يضربه": أي محيصة "ويقول": الظاهر أن القاتل حويصة لكونه غير مسلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"إلى يهود": غير منصرف "أسلموا": أمر من الإسلام "تسلموا": بفتح اللام من السلامة جواب الأمر أي تنجوا من الذل في الدنيا والعذاب في العقبي "قد بلغت": بتشديد اللام "ذلك أريد": أي التبليغ واعترافكم. قال الحافظ: أي أن اعترفتم أنني بلغتكم سقط عني الحرج "إنما الأرض لله ولرسوله": قال الداوودي: لله افتتاح كلام ولرسوله حقيقة لأنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب. كذا قال، والظاهر ما قال غيره إن المراد الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه القائم بتنفيذ أوامره. قاله الحافظ "أن أجليكم": من الإجلاء أي
(8/162)
أخرجكم "فمن وجد منكم بماله": أي بدل ماله فالباء للبدلية، والمعنى من صادف بدل ماله الذي لا يمكنه حمله. وقيل الباء بمعنى من، والمعنى من وجد منكم من ماله شيئاً مما لا يتيسر نقله كالعقار والأشجار. وقيل الباء بمعنى في.
قال الحافظ: والظاهر أن اليهود المذكورين بقايا تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة لأنه إنما جاء بعد فتح خيبر. وقد أقر صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض واستمروا إلى أن أجلاهم عمر، ولا يصح أن يقال أنهم بنو النضير لتقدم ذلك على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث إنه كان معه صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
(8/163)
23 - باب في خبر النضير
3002 - حدثنا مُحَمّدُ بن دَاوُدَ بن سُفَيَانَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا[أنبأنا] مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عبد الرحمن بنِ كَعْبٍ بن مَالِكٍ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إلَى ابْنِ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأَوْثَانَ مِنَ الأوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ بالمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إنّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا وَإنّا نُقْسِمُ ب الله لَتُقَاتِلُنّهُ أوْ لَتُخْرِجُنّهُ أوْ لَنَسِيرَنّ إلَيْكُمْ بَأجْمَعِنَا حَتّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُم، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الأوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ [رَسُولُ الله] صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُمْ فَقالَ "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ المَبَالِغَ مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بأكْثَرَ مِمّا تُرِيدُونَ أنْ تَكِيدُوا بِهِ أنْفُسَكُم تُرِيدُونَ أنْ
ـــــــ
باب في خبر النضير
والنضير كأمير حي من يهود خيبر من آل هارون أو موسى عليهما السلام وقد دخلوا في العرب، كانت منازلهم وبني قريظة خارج المدينة في حدائق وآطام وغزوة بني النضير مشهورة. قال الزهري: كانت على ستة أشهر من وقعة أحد كذا في تاج العروس، وفي شرح المواهب: قبيلة كبيرة من اليهود دخلوا في العرب.
"إنكم آويتم صاحبنا": أي أنزلتموه في المنازل. وهدا تفسير وبيان لما كتب قريش إلى ابن أبى وغيره، والمراد بصاحبنا النبي صلى الله عليه وسلم "حتى نقتل مقاتلتكم": بكسر التاء أي المقاتلين منكم "ونستبيح نساءكم": أي نسبى وننهب "المبالغ": بفتح الميم جمع مبلغ هو حد الشيء ونهايته، والمبالغ أي الغايات "ما كانت": أي قريش، وما نافية "تكيدكم" من كاد إذا مكر به وخدعه. قاله
(8/163)
تُقَاتِلُوا أبْنَاءَكُم وَإخْوَانَكُم،" فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تَفَرّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إلى الْيَهُودِ: إنّكُم أهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإنّكُمْ لَتُقَاتِلُنّ صَاحِبَنَا أوْ لَنَفْعَلَنّ كَذَا وَكَذَا وَلاَ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُم شَيْءٌ وَهِيَ الْخَلاَخِيلُ. فَلَمّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أجْمَعَتْ [اجْتَمَعَتْ] بَنُو النّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأرْسَلُوا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُخْرُجْ إلَيْنَا في ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِكَ وَلْيَخْرُجْ مِنّا ثَلاَثُونَ حَبْراً حَتى نَلْتَقِي بِمَكَانِ المَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ فَإنْ صَدّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنّا بِكَ فَقَصّ خَبَرَهُمْ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ فقالَ لَهُمْ: "إنّكُمْ وَ الله لاَ تَأْمَنُونَ عِنْدِي إلاّ بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ،" فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ عَهْداً، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمّ غَدَا الْغَدُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بالكَتَائِبِ وَتَرَكَ بَنِي النّضِير وَدَعَاهُمْ إلى أنْ يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَغَدَا عَلَى بَنِي النّضِيرِ بالْكَتَائِبِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلاَءِ فجَلَتْ بَنُو النّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا مَا أقَلّتْ الإبِلُ مِنْ أمْتِعَتِهِمْ وَأبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبَهَا، فَكَانَ نَخْلُ بَنِي النّضِيرِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَاصّةً أعْطَاهُ الله إيّاهَا وَخَصّهُ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}
ـــــــ
في المجمع. والمعنى أي ما تضركم وما تخدعكم وما تمكر بكم "بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم": لأنكم إن قاتلتمونا ففينا أبناؤكم وإخوانكم الذين أسلموا فتقاتلونهم أيضاً ويقاتلونكم فيكون الضرر أكثر من أن تقاتلكم قريش "تفرقوا": ورجعوا عن عزم القتال "إنكم أهل الحلقة": بفتح وسكون. قال الخطابي: يريد بالحلقة السلاح، وقيل أراد بها الذروع لأنها حلق مسلسلة "وبين خَدَمِ نسائكم" أي خلا خيلهن واحدتها خَدَمَة "وهي" أي الخدم "الخلاخيل":جمع خلخال، وهذا التفسير من بعض الرواة "فلما بلغ كتابهم": أي كتاب قريش إلى يهود المدينة وغيرها "النبي صلى الله عليه وسلم": بنصب ياء النبي أي في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومقاتلتهم معه "حبراً": أي عالماً "بمكان المصنف": بفتح الميم الموضع الوسط "فقص خبرهم": أي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بخبرهم "بالكتائب": أي الجيوش المجتمعة واحدتها كتيبة ومنه الكتاب، ومعناه الحروف المضمومة بعضها إلى بعض. قاله الخطابي "والله لا تأمنون": من أمن كسمع "ثم غدا الغد" أي سار في أول نهار الغد "على الجلاء": أي الخروج من المدينة وهو الخروج من البلاد "ما أقلت": من الإقلال أي حملت ورفعت "من أمتعتهم": جمع متاع. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/164)
يَقُولُ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَأعْطَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَقَسَمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ كَانَا ذَوِي حَاجَةٍ لَمْ يُقْسِمْ لاِءَحَدٍ مِنَ الأنْصَارِ غَيْرِهُمَا، وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الّتِي في أيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا.
3003 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بن فَارِسَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ يَهُودَ النّضِيرِ[يهود بني النضير] وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأجْلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَنِي النّضِيرِ وَأقَرّ قُرَيْظَةَ وَمَنّ عَلَيْهِمْ حَتّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ وَأوْلاَدَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلاّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَآمَنَهُمْ[فأمنهم] وَأسْلَمُوا وَأجْلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَهُودَ المَدِينَةِ كُلّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ الله بن سَلاَمٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلّ يَهُودِيَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
ـــــــ
"فآمنهم": أي أعطاهم الأمان "بني قينقاع": هو بالنصب على البدلية ونون قينقاع مثلثة والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرجوا من المدينة. قاله الحافظ: وفي هذا دليل على أن المعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربياً وجرت عليه أحكام أهل الحرب، وللامام سبى من أراد منهم، وله المن على من أراد. وفيه أنه إذا من عليه ثم ظهر منه محاربة انتقض عهده، وإنما ينفع المن فيما مضى لا فيما يستقبل، وكانت قريظة في أمان ثم حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم ونقضوا العهد، وظاهروا قريشاً على قتال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق في غزوة الأحزاب سنة خمس على الصحيح. وذكر موسى بن عقبة في المغازي قال: خرج حيى بن أخطب بعد بني النضير إلى مكة يحرض المشركين على حربه صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحرضهم على قتاله على أن لهم نصف تمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه وخرج أبو سفيان بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب انتهى. وفي شرح المواهب: وكان من حديث هذه الغزوة أن نقرأ من يهود منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وحيى وكنانة النضيريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان خرجوا من خيبر حتى قدموا على قريش مكة وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤا غطفان فدعوهم إلى حربه صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم
(8/165)
على ذلك واجتمعوا معهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في فزارة والحارث بن عوف المرى في بني مرة في عشرة آلاف والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك انتهى مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
(8/166)
24 - باب ما جاء في حكم أرض خيبر
3004 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بن أبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أبِي أخبرنا حَمّادُ بن سَلَمَةَ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ قالَ أحْسِبُهُ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَاتَلَ أهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى الأرْضِ وَالنّخْلِ[على النخل والأرض] وَألْجَأهُمْ إلَى قَصْرِهِمْ فَصَالَحُوهُ عَلَى أنّ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الصّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أنْ لاَ يَكْتُمُوا وَلاَ يَغَيّبُوا شَيْئاً فَإنْ فَعَلُوا فَلاَ ذِمّةَ لَهُمْ وَلاَ عَهْدَ، فَغَيّبُوا مَسْكاً لِحُيَيّ بن أخْطَبَ وَقَدْ كَانَ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بَنِي النّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتْ النّضِيرُ فِيهِ
ـــــــ
باب ما جاء في حكم أرض خيبر
بمعجمة وتحتانية وموحدة بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام. قال ابن إسحاق: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر. كذا في فتح الباري.
"وألجأهم": أي أضطرهم "الصفراء": أي الذهب "والبيضاء": أي الفضة "والحلقة": أي السلاح والدروع "ولهم ما حملت ركابهم": أي جمالهم من أمتعتهم لا الأراضي والبساتين "فغيبوا مسكا": بفتح الميم وسكون المهملة. قال في القاموس المسك الجلد أو خاص بالسخلة الجمع مسوك. قال الخطابي: مسك حبي بن أخطب ذخيرة من صامت وحلى كانت تدعى مسك الجمل ذكروا أنها قومت عشرة آلاف دينار، وكانت لا تزف امرأة إلا استعاروا لها ذلك الحلى، وكان شارطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يكتموا شيئاً من الصفراء والبيضاء فكتموه ونقضوا العهد وظهر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أمره فيهم ما كان انتهى "لحي": بضم الحاء المهملة تصغير حي "وقد كان قتل": بصيغة المجهول أي حيى بن أخطب "احتمله": أي المسك "معه": وكان من مال بني النضير فحمله حيى لما أجلى عن المدينة "يوم بني النضير": أي زمن إخراجهم من المدينة "حين أجلوت النضير": أي من المدينة وهو بدل من قوله يوم بني النضير، وهو في سنة أربع. قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر لما روى عقيل بن خالد ومعمر عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. قال الحافظ:
(8/166)
حُلِيّهُمْ. وقالَ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِسَعْيَةَ "أيْنَ مَسْكُ حُيَيّ بنِ أخْطَبَ؟" قالَ أذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ
ـــــــ
وعند عبد الرزاق في مصنفه عن عروة: ثم كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال الا الحلقة، فأنزل الله فيهم "سبح الله": إلى قوله "لأول الحشر": وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، فكان جلاؤهم أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام، وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة وصححه، انتهى. وقوله تعالى {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : أي عاونوا الأحزاب وهم قريظة {مِنْ صَيَاصِيهِمْ}: أي حصونهم، نزلت في شأن بني قريظة فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب وهي بعد بني النضير بلا ريب وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رؤسهم حيى بن أخطب وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان. وعند ابن سعد أنهم حين هموا بغدره صلى الله عليه وسلم وأعلمه الله بذلك، ونهض سريعاً إلى المدينة بعث إليهم محمد بن مسلمة الأنصاري أن اخرجوا من بلدي المدينة لأن مساكنهم من أعمالها فكأنها منها فلا تساكنوني بها، وقد هممتم به من الغدر وقد أجّلْتُكم عشرا، فمن رئى منكم بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون، واكتروا من أناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيى فيما قاله ابن أبي فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لن نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فأظهر صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمون بتكبيره وسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أصحابه فحاصرهم صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم ثم أجلاهم عن المدينة وحملوا النساء والصبيان وتحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير، فلحقوا أكثرهم بخيبر منهم حيى بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وذهب طائفة منهم إلى الشام كما في سيرة الشامية.
ولا ينافيه قول البيضاوي لحق أكثرهم بالشام لجواز أن الأكثر نزلو أولا بخيبر ثم خرج منهم جماعة إلى الشام، لكن في مغازي ابن اسحاق فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار إلى خيبر سلام وكنانة وحيى.
وفي تاريخ الخميس. ذهب بعضهم إلى الشام ولحق أهل بيتين وهم آل أبي الحقيق وآل حيى بخيبر قاله الزرقاني في شرح المواهب.
(8/167)
وَالنّفَقَاتُ، فَوَجَدُوا المَسْكَ فَقُتِلَ ابن أبي الْحُقَيْقِ، وَسُبِيَ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأرَادَ أنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا يَامُحَمّدُ، دَعْنَا نَعْمَلُ في هَذِهِ الأرْضِ، وَلَنَا الشّطْرُ مَا بَدَا لَكَ وَلَكُمْ الشّطْرُ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعْطِي كُلّ امْرَأةٍ مِن نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْقاً من شَعِيرٍ.
3005 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَعْقُوبُ بن إبْرَاهِيمَ أخبرنا أبِي عنْ ابنِ إسْحَاقَ قالَ حدّثَني نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عن عَبْدِ الله بن عُمَرَ أنّ عُمَرَ قالَ: يَا أيّهَا النّاسُ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أنْ نُخْرِجَهُمْ إذَا شِئْنَا[شاء]، وَمَن كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ فَإنّي مُخْرِجُ يَهُودَ فَأخْرَجَهُمْ.
3006 - حدثنا سُلَيْمَانُ بن دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ اللّيْثِي عن نَافِعٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قالَ: "لَمّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَألَتْ يَهُودُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُقِرّهُمْ عَلَى أنْ يَعْمَلُوا عَلَى النّصْفِ مِمّا خَرَجَ مِنْهَا، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُقِرّكُم فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا" فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ التّمْرُ يُقْسَمُ عَلَى السّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ وَيَأْخُذُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْخُمُسَ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أطْعَمَ
ـــــــ
"فيه": أي في المسك وهو خبر مقدم لقوله حليهم "لسعية": بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة بعدها تحتية هو عم حيى بن أخطب "فقتل ابن أبي الحقيق": بمهملة وقافين مصغراً وهو رأس يهود خيبر. وفي رواية البخاري ابني أبي الحقيق بتثنية لفظ ابن. قال في النيل: إنما قتلهما لعدم وفائهم بما شرطه عليهم لقوله في أول الحديث "فان فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد" "دعنا": أي اتركنا "ولنا الشطر": أي لنا نصف ما يخرج منها "ثمانين وسقا": الوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"ومن كان له مال فليلحق به": أي من كان له بستان أو زرع بخيبر في أيدي اليهود فليأخذه منهم ويحفظه. كذا في فتح الودود "فأخرجهم": أي أخرج عمر رضي الله عنه يهود. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن يقرهم": من باب الإفعال أي يسكنهم بخيبر "مما خرج منها": أي من أرض خيبر "وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر الخ": قال النووي: هذا يدل على أن خيبر فتحت عنوة لأن السهمان كانت للغانمين. وقوله يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس أي يدفعه إلى
(8/168)
كُلّ امْرَأةٍ مِن أزْوَاجِهِ مِنَ الْخُمُسِ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْراً وَعِشْرِينَ وَسْقاً مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمّا أرَادَ عُمَرُ إخْرَاجَ الْيَهُودِ أرْسَلَ إلَى أزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهُنّ مَنْ أحَبّ[أحبت] مِنْكُنّ أنْ أقْسِمَ لَهَا نَخْلاً بِخَرْصِهَا مِائَةَ وَسْقٍ، فَيَكُونُ لَهَا أصْلُهَا وَأرْضُهَا وَمَاؤُهَا، وَمِنَ الزّرْعِ مَزْرَعَةُ خَرْصٍ عِشْرِينَ وَسْقاً فَعَلْنَا، وَمَنْ أحَبّ أنْ نَعْزِلَ الّذِي لَهَا في الْخُمُسِ كَمَا هُوَ فَعَلْنَا.
3007 - حدثنا دَاوُدَ بنُ مُعَاذٍ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ ح. وَأخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ وَ زِيَادُ بنُ أيّوبَ أنّ إسْمَاعِيلَ بنَ إبْرَاهِيمَ حَدّثَهُمْ عنْ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَزَا خَيْبَرَ فَأصَبْنَاهَا عَنْوَةً فَجَمَعَ السّبْيَ.
3008 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ المُؤَذّنُ أخبرنا أسَدُ بنُ مُوسَى أخبرنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا حَدّثَني سُفْيَانُ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بِشَيْرٍ بنِ يَسَارٍ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ قالَ: قَسَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفاً لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفاً بَيْنَ المُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً.
ـــــــ
مستحقه وهم خمسة الأصناف المذكورة في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} : فيأخذه لنفسه خمساً واحداً من الخمس ويصرف الأخماس الباقية من الخمس إلى الأصناف الأربعة الباقين انتهى. وقوله سهمان بضم السين وسكون الهاء.
قال في النهاية: سمي كل نصيب سهماً ويجمع السهم على أسهم وسهام وسهمان انتهى "مائة وسق تمراً": وفي الرواية المتقدمة "ثمانين وسقاً من تمر" قال في فتح الودود: لعل بعضهم قال بالتخمين والتقريب فحصل منه الخلاف في التعبير والا فالحديث من صحابي واحد انتهى "فعلنا": جواب من. وفي رواية لمسلم "فلما ولى عمر قسم خيبر خير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن الأرض والماء أو يضمن لهن الأوساق كل عام فاختلفن فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام فكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض والماء" قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"فأصبناها": أي خيبر "عنوة": أي قهراً وغلبة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي أتم منه.
"عن بشير": بالتصغير "عن سهل بن ابي حثمة": بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة "نصفاً لنوائية": جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل من المهمات والحوادث.
(8/169)
3009 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيّ أخبرنا أبُو خَالِدٍ - يَعْني سُلَيْمَانَ - عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ قال: لَمّا أفَاءَ الله عَلَى نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتّةٍ وَثَلاَثِينَ سَهْماً جَمَعَ كُلّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ، فَعَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ
ـــــــ
قال الخطابي: فيه من الفقه أن الأرض إذا غنمت قسمت كما يقسم المتاع والخرثي لا فرق بينها وبين غيرها من الأموال.
والظاهر من أمر خيبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتحها عنوة فإذا كانت عنوة فهي مغنومة، وإذا صارت غنيمة فإنما حصته من الغنيمة خمس الخمس وهو سهمه الذي سماه الله تعالى في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} : فكيف يكون له النصف منها أجمع حتى يصرفه في حوائجه ونوائبه على ظاهر ما جاء في الحديث. قلت: وإنما يشكل هذا على من لا يتتبع طرق الأخبار المروية في فتوح خيبر حتى يجمعها ويرتبها، فمن فعل ذلك يبين صحة هذه القسمة من حيث لا يشكل معناه.
وبيان ذلك أن خيبر كانت لها قرى وضياع خارجة عنها منها الوطيحة والكتيبة والشق والنطاة والسلاليم وغيرها من الأسماء، فكان بعضها مغنوماً وهو ما غلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سبيلها القسم، وكان بعضها باقياًلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان خاصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث أراه الله تعالى من حاجته ونوائبه ومصالح المسلمين، فنظروا إلى مبلغ ذلك كله فاستوت القسمة فيها على النصف والنصف، وقد بين ذلك الزهري انتهى: أي حيث قال أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً وبيانه سيأتي "على ثمانية عشر سهماً": وهي نصف ستة وثلاثين سهماً وهي القسمة الحاصلة من تقسيم خيبر.
والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ستة وثلاثين سهماً فعزل نصفها أعني ثمانية عشر سهماً لنوائبه وحاجته وقسم الباقي وهو ستة عشر سهماً بين المسلمين. والحديث سكت عنه المنذري.
"لما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر": أي أعطاها من غير حرب ولا جهاد "جمع كل سهم مائة سهم": يعني أعطى لكل مائة رجل سهماً.قاله القارى.
قال الحافظ ابن القيم: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمان مائة سهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين وعزل
(8/170)
الْوَطِيحَةَ وَالْكُتَيْبَةَ وَمَا أحِيزَ مَعَهُمَا، وَعَزَلَ نِصْفَ الآخر فَقَسَمَهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الشّقّ
ـــــــ
النصف الآخر وهو ألف وثمان مائة سهم لنوائبه وما نزل به من أمور المسلمين. وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمه من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب عنها وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان معهم مائتا فارس لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمان مائة سهم، ولم يغب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله فقسم له صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها وقسم للفارس ثلاثة سهام وللراجل سهماً وكانوا ألفاً وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، وهذا هو الصحيح. قال البيهقي: أن خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحاً، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين وعزل ما فتح صلحاً لنوائبه وما يحتاج إليه من أمور المسلمين انتهى.
قال شمس الدين ابن القيم: وهذا بناء منه على أن أصل الشافعي أنه يجب قسم الأرض المفتحة عنوة كما تقسم الغنائم، فلما لم يجد قسم الشطر من خيبر قال أنه فتح صلحاً.
ومن تأمل السير والمغازي حق التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استولى على أرضها كلها بالسيف كلها عنوة، ولو شيء منها فتح صلحاً لم يجليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا نحن أعلم بالأرض منكم دعونا نكون فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها، وهذا صريح جداً في أنها إنما فتحت عنوة. وقد حصل بين اليهود والمسلمين من الحرب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم، ولكنهم لما ألجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي ذكر أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم ويحلوا من الأرض، فهذا كان الصلح ولم يقع بينهم صلح أن شيئاً من أرض خيبر لليهود ولا جرى ذلك البثة، ولو كان كذلك لم يقل نقركم ما شئنا، فكيف يقرهم على أرضهم ما شاء أولا، وكان عمر أجلاهم كلهم من الارض ولم يصالحهم أيضاً على أن الأرض للمسلمين وعليها خراج يؤخذ منهم لم يقع فإنه لم يضرب على خيبر خراجاً البتة. فالصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عنوة والإمام مخير في أرض العنوة بين قسمها ووقفها، وقسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها انتهى. ويجيء بعض الكلام في آخر الباب.
"الوطيحة": بفتح الواو وكسر الطاء فتحتية ساكنة فحاء مهملة حصن من حصون خيبر. قاله ابن الأثير، وزاد في المراصد سمي بالوطيح بن مازن رجل من ثمود وكان الوطيح أعظم حصون خيبر وأحصنها وآخرها فتحاً هو والسلالم "والكتيبة": بالمثناة الفوقية بعد الكاف مصغر.
(8/171)
وَالنّطَاةَ وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَيمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا.
3010 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ بنِ الأسْوَدِ أنّ يَحْيَى بنَ آدَمَ حَدّثَهُمْ عن أبي
ـــــــ
قال في النهاية: الكتيبة مصغرة اسم لبعض قرى خيبر انتهى. وفي المراصد: الكتيبة بالفتح ثم الكسر بلفظ القطعة من الجيش حصن من حصون خيبر وهي في كتاب الأموال لأبي عبيد بالثاء المثلثة انتهى "وما أحيز معهما": أي ماضم وجمع معهما من توابعهما "الشق": قال في المراصد: بالفتح ويروي بالكسر من حصون خيبر انتهى.
وقال الزرقاني: بفتح الشين المعجمة وكسرها. قال البكري: والفتح أعرف عند أهل اللغة وبالقاف المشددة ويشتمل على حصون كثيرة "والنطاة": بالفتح وآخره هاء اسم الأرض خيبر، وقيل حصن بخيبر، وقيل عين بها تسقي بعض نخيل قراها. كذا في المراصد.
وقال الزرقاني: هي بوزن حصاة اسم لثلاثة حصون: حصن الصعب وحصن ناعم وحصن قلة وهو قلعة الزبير قاله الشامي وقصة فتح هذة الحصون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس علياً رضي الله عنه درعه الحديد وأعطاه الراية ووجهه إلى الحصن، فلما انتهى علي رضي الله عنه إلى باب الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض ففتح الله ذلك الحصن الذي هو حصن ناعم، وهو أول حصن فتح من حصون النطاة على يده رضي الله عنه وكان من سلم يهود حصن ناعم انتقل إلى حصن الصعب من حصون النطاة، ففتح الله حصن الصعب قبل ما غابت الشمس من ذلك اليوم.
ولما فتح ذلك الحصن تحول من سلم من أهله إلى حصن قلة، وهو حصن بقلة جبل، ويعبر عن هذا بقلعة الزبير، وهو الذي صار في سهم الزبير بعد ذلك وهو آخر حصون النطاة.
فحصون النطاة ثلاثة، حصن ناعم، وحصن الصعب، وحصن قلة. ثم صار المسلمون إلى حصار حصون الشق فكان أول حصن بدأ به من حصني الشق حصن أبي فقاتل أهله قتالاً شديداً وهرب من كان فيه، ولحق بحصن يقال له حصن البريء وهو الحصن الثاني من حصني الشق. فحصون الشق اثنان حصن أبي وحصن البريء.
ثم إن المسلمين لما أخذوا حصون النطاة وحصون الشق انهزم من سلم من يهود تلك الحصون إلى حصون الكتيبة وهي ثلاثة حصون القموص والوطيح وسلالم، وكان أعظم حصون خيبر القموص، وانتهى المسلمون إلى حصار الوطيح وحصن سلالم ويقال له السلاليم وهو حصن بني الحقيق آخر حصون خيبر ومكثوا على حصارها أربعة عشر يوماً فلم يخرج أحد منهماوسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على حقن دماء المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون
(8/172)
شِهَابٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرٍ بنِ يَسَارٍ أنّهُ سَمِعَ نَفَراً مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قال: فَكَانَ النّصْفُ سِهَامَ المُسْلِمِينَ وَسَهْمَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَزَلَ النّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا يَنُوبُهُ مِنَ الأُمُورِ وَالنّوَائِبِ.
3011 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلَيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأنْصَارِ عن رِجَالٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتّةٍ وَثَلاَثِينَ سَهْماً جَمَعَ كُلّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ، فَكَانَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ النّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النّصْفَ الْبَاقِي لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالأُمُورِ وَنَوَائِبِ النّاسِ.
3012 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا سُلَيْمَانُ - يَعني ابنَ بِلاَلٍ - عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا أفَاءَ الله عَلَيْهِ خَيْبَرَ قَسَمَهَا سِتّةً وَثَلاَثِينَ سَهْماً جَمْعاً[جمع] فَعَزَلَ لِلْمُسْلِمِينَ الشّطْرَ
ـــــــ
من خيبر وأرضها بذراريهم فصالحهم على ذلك انتهى ملخصاً محرراً من إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون. قال المنذري: والحديث مرسل.
"عن بشير بن يسار أنه سمع نفراً": والحديث سكت عنه المنذري.
"لما ظهر": أي غلب على خيبر "من الوفود": جمع وفد.
قال في المجمع: الوفد: قوم يجتمعون ويردون البلاد الواحد وافد، وكذا من يقصد الأمراء من يقصد الأمراء بالزيارة أو الاسترفاد والانتجاع. والحديث سكت عنه المنذري.
"جمعاً": كذا في النسخ أي جميعاً حال من الضمير المنصوب في قسمها أي قسم خيبر جميعاً وفي بعض النسخ جمع مكان جمعاً بالبناء على الضم وإنما بني لكونه مقطوعاً عن الإضافة إذ أصله جمعها أي جميعها أي جمع خيبر وإنما بنى على الحركة ليعلم أن لها عرقاً في الإعراب وإنما بنى على الضم جبراً بأقوى الحركات لما لحقها من الوهن بحذف المحتاج إليه أعني المضاف إليه لأنه دال على معنى نسبي لا يتم إلا بغيره، وإنما لم يبن جمعاً لأن التنوين فيه عوض عن المضاف اليه، فكأن المضاف اليه ثابت بثبوت عوضه. وفي نسخة المنذري. مجمع بدل جمعاً وهو أيضاً كالجمع فيما ذكر من كونه بمعنى الجميع وكونه مبنياً على الضم بما سلف. كذا أفاده بعض الأماجد والله أعلم "فعزل للمسلمين الشطر": أي المصنف "يجمع كل
(8/173)
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً، يَجْمَعُ كُلّ سَهْمٍ مِائَةً النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِ أحَدِهِمْ وَعَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً وَهُوَ الشّطْرُ لِنَوائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أمْرِ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ وَالْكُتَيْبَةَ وَالسّلاَلِمَ وَتَوَابِعَهَا، فَلَمّا صَارَتْ الأمْوَالُ بِيَدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا، فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْيَهُودَ فَعَامَلَهُمْ.
3013 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا مُجَمّعُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ مُجَمّعِ بنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيّ قال سَمِعْتُ أبي يَعْقُوبَ بنَ مُجَمّعِ يَذْكُرُ لِي عن عَمّهِ عبد الرحمن بنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيّ عن عَمّهِ مُجَمّعِ بنِ جَارِيَةَ الأنْصَارِيّ وَكَانَ أحَدُ الْقُرّاءِ الّذِينَ قَرَأُوا الْقُرْآنَ قال: "قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً وَكَانَ الْجَيْشُ ألْفاً وَخَمْسَمِائَةِ، فِيهم ثَلاَثَمِائَةِ فَارِسٌ، فَأعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأعْطَى الرّاجِلَ سَهْماً.
ـــــــ
سهم مائة": أي يعطي لكل مائة رجل سهماً "والسلالم": بضم السين وبعد الألف لام مكسورة، وقيل بفتحها ويقال فيه السلاليم حصن من حصون خيبر كان من أحصنها وهو حصن بني الحقيق "يكفونهم عملها": بتعهدها بالسقي والقيام عليها بما يتعلق بها. قال المنذري هذا مرسل:
"عن عمه مجمع": بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة وبالعين المهملة "ابن جارية": بالجيم والتحتية "قسمت خيبر": أي غنائمها وأراضيها "فأعطى الفارس": أي صاحب الفرس مع فرسه "وأعطى الراجل": بالألف أي الماشي. قال في المرقاة والمعنى أعطى لكل مائة من الفوارس سهمين فبقي اثنا عشر سهماً فيكون لكل مائة من الرجالة سهم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
قال ابن الملك: وهذا مستقيم على قول من يقول لكل فارس سهمان لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفاً ومائتين ولهم اثني عشر سهماً لكل مائة سهم وللفرسان ستة أسهم لكل مائة سهمان فالمجموع ثمانية عشر سهماً. وأما على قول من قال للفارس ثلاثة أسهم فمشكل لأن سهام الفرسان تسعة وسهام الرجالة اثنا عشر، فالمجموع أحد وعشرون سهماً انتهى كلام القارىء وقد تقدم هذا الحديث في باب من أسهم له سهماً من كتاب الجهاد وقال هناك أبو داوود:
(8/174)
3014 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيَ الْعِجْلِيّ أخبرنا يَحْيَى - يَعْني ابنَ آدَمَ - أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ وَ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ وَبَعْضِ وَلَدِ مُحَمّدِ بنِ مَسْلَمَةَ قالُوا: "بَقِيَتْ بَقِيّةٌ مِنْ أهْلِ خَيْبَرَ، فَتَحَصّنُوا فَسَألُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَيُسَيّرَهُمْ فَفَعَلَ فَسَمِعَ بَذَلِكَ أهْلُ فَدَكَ فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَاصّةً، لاِءَنّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ.
3015 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ عن جُوَيْرِيّةَ عن مَالِكٍ عن الزّهْرِيّ: أنّ سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ أخْبَرَهُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَقُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكِينٍ وَأنَا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكُم ابنُ وَهْبٍ
ـــــــ
وحديث أبي معاوبة أصح والعمل عليه وأرى الوهم في حديث مجمع أي قال ثلاث مائة فارس وكانوا مائتي فارس انتهى. وتقدم شرح هذا القول والحديث سكت عنه المنذري.
"فتحصنوا": أي دخلوا في الحصن "أن يحقن": من باب نصر أي يمنع الدماء من الإهراق "ويسيرهم": من بلده أخرجه وأجلاه "أهل فدك": بفتح الفاء والدال المهملة بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة. قال مالك في الموطأ والزرقاني في شرحه: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك. فأما يهود خيبر فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء: وأما يهود فدك فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالحهم لما أوقع بأهل خيبر على نصف الثمر ونصف الأرض بطلبهم ذلك فأقرهم على ذلك ولم يأتهم. قال محمد بن اسحاق: فكانت له خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فقوم لهم عمر نصف الثمر ونصف الأرض قيمة من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب ثم أعطاهم القيمة وأجلاهم منها "لأنه لم يوجف عليها": من أوجف دابته إيجافاً إذا حثها. قال المنذري: هذا مرسل.
"افتتح بعض خيبر عنوة": أي قهراً وغلبة. قال المنذري: هذا مرسل "وفيها": في الكتيبة "صلح": أيضاً. فأكثر الكتيبة فتحت غلبة وبعضها صلحاً "وهي أربعون ألف عذق": كفلس أي نخلة.
قال الخطابي: العذق النخل مفتوح العين والعذق بكسرها الكناسة انتهى.
قال المنذري: وهذا أيضاً مرسل.
(8/175)
قال حدّثني مَالِكٌ عنْ ابنِ شِهَابِ: أنّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحاً، وَالْكُتَيْبَةُ أكْثَرُهَا عَنْوَةً وَفِيهَا صُلْحٌ. قُلْتُ لِمَالِكٍ وَمَا الْكُتَيْبَةُ؟ قالَ أرْضُ خَيْبَرَ وَهِيَ أرْبَعُونَ ألْفَ عَذْقٍ.
3016 - حدثنا ابن السّرْحِ أخبرنا ابن وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال: بَلَغَنِي أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ وَنَزَلَ من نَزَلَ مِنْ أهْلِهَا عَلَى الْجَلاَءِ بَعْدَ الْقِتَالِ.
ـــــــ
"ونزل من نزل أهلها على الجلاء": أي على الخروج من الوطن. قال المنذري: وهذا أيضاً مرسل.
ثم اعلم أنه اختلف في فتح خيبر هل كان عنوة كما قال أنس رضي الله عنه وابن شهاب في رواية يونس عنه أو صلحاً أو بضمها صلحاً والباقي عنوة كما رواه مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة. قال حافظ المغرب ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوباً عليها بخلاف فداك، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم جميع أرضها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب وهم أهل الحديبية.
ولم يختلف أحد العلماء أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا هل تقسم الأرض إذا غنمت البلاد أو توقف فقال الكوفيون: الامام مخير بين قسمتها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق. وقال الشافعي: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار. وذهب مالك إلى إيقافها اتباعاً لعمر لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة عما فعل عمر في جماعة من الصحابة من أيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين كما سيأتي عن عمر أنه قال ألا قسمتها سهماناً كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهماناً وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قال ابن اسحاق. وأما من قال إن خيبر كان بعضها صلحاً وبعضها عنوة فقد وهم وغلط وإنما دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما وهما الوطيح والسلالم في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك صلح ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية كضرب من الصلح ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضها حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها.
(8/176)
3017 - حدثنا ابن السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ: خَمّسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ، ثُمّ قَسّمَ سَائِرَهَا عَلَى مَنْ شَهِدَهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا مِن أهْلِ الْحُدَيْبِيّةِ.
3018 - حدثنا أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرحمن عنْ مَالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ
ـــــــ
وربما شبه على من قال إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر نصفين نصفاً له ونصفاً للمسلمين.
قال ابن عبد البر: ولو صح هذا لكان معناه أن النصف له مع سائر ما وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهماً فوقع السهم للنبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه في ثمانية عشر سهماً، ووقع سائر الناس في باقيها وكلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر. وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحاً ولو كانت صلحاً لملكها أهلها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن اسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب. انتهى كلام عبد ابن البر رحمه الله.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل وألجأهم إلى القصر فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا.. الحديث وفي آخره: فسبى ذراريهم ونساءهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا وأراد أن يجليهم فقالوا دعنا في هذه الأرض نصلحها.. الحديث أخرجه أبو داوود. فعلى هذا كان قد وقع الصلح ثم حدث النقص منهم فزال أثر الصلح ثم من عليهم بترك القتل وأبقاهم عمالاً بالأرض ليس لهم فيها ملك، ولذلك أجلاهم عمر، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها انتهى.
"خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم": فيه دليل على أن خيبر قسمت بعداً خذ الخمس قال ابن القيم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم نصف أرض خيبر خاصة ولو كان حكمها حكم الغنيمة لقسمها كلها بعد الخمس "ثم قسم سائرها": أي باقيها "من أهل الحديبية": قال موسى بن عقبة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليله أو قريباً منها ثم خرج غازياً إلى خيبر، وكان الله عز وجل وعده أياها وهو بالحديبية، وكانت الحديبية في السنة السابعة وقال محمد بن اسحاق بإسناده إلى مسور بن محرمة إن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله تعالى فيها خيبر {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} : خيبر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى
(8/177)
عن أبِيهِ عنْ عُمَرَ قال: لَوْلاَ آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلاّ قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ.
ـــــــ
سار إلى خيبر في المحرم انتهى. قال المنذري: هذا مرسل.
"لولا آخر المسلمين": أي لو قسمت كل قرية على الفاتحين لها لما بقي شيء لمن يجيء بعدهم من المسلمين "ما فتحت": بصيغة المتكلم ""إلا قسمتها": أي بين الغانمين، لكن النظر لاَخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل اجعلها وقفاً على المسلمين ومذهب الشافعية في الأرض المفتوحة عنوة أنه يلزم قسمتها إلا أن يرضي بوقفيتها من غنمها. وعن مالك تصير وقفاً بنفس الفتح. وعن أبي حنيفة بتخير الامام بين قسمتها ووقفتها قاله القسطلاني. وتقدم آنفاً الكلام فيه أيضاً. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/178)
25 - باب ما جاء في خبر مكة
3019 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ
ـــــــ
باب ما جاء في خبر مكة
وكان فتح مكة شرفها الله تعالى من الفتح الأعظم من بقية الفتوحات قبله كخيبر وفدك والحديبية، وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة. وأما فتحها فهو عنوة وقهراً على القول الصحيح، ولم يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح فأشكل على كل طائفة من العلماء الجمع بين فتحها عنوة وترك قسمتها فقالت طائفة لأنها دار المناسك وهي وقف على المسلمين كلهم وهم فيها سواء فلا يمكن قسمتها، ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها ومنهم من جوز بيع رباعها ومنع إجارتها. والشافعي رحمه الله لما يجمع بين العنوة وبين عدم القسمة قال إنها فتحت صلحاً فلذلك لم تقسم، قال: ولو فتحت عنوة لكانت غنيمة فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول، ولم ير منع بيع رباع مكة وإجارتها، واحتج بأنها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب، وأضافها الله تعالى إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب داراً من صفوان بن أمية، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أين تنزل غداً في دارك بمكة فقال وهل ترك لنا عقيل من رباع فكان عقيل ورث أبا طالب.
فلما كان أصله رحمه الله أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب قسمتها، وأن مكة تملك وتباع دورها ورباعها، ولم تقسم لم يجد بداً من كونها فتحت صلحاً. لكن من تأمل
(8/178)
رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبّاسُ بنُ عَبْدِالمُطّلِبِ بِأبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ فَأسْلَمَ بِمَرّ الظّهْرَانِ، فقالَ لَهُ الْعَبّاسُ: يَارَسُولَ الله إنّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ هَذَا الْفَخْرَ، فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئاً؟ قال: نَعَمْ "مَنْ دَخَلَ دَارَ أبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ".
ـــــــ
الأحاديث الصحيحة وجدها كلها دالة على قول جمهور العلماء وأنها فتحت عنوة. ثم اختلفوا لأي شيء لم يقسمها، فقالت طائفة لأنها دار النسك ومحل العبادة، فهي وقف من الله تعالى على عبادة المسلمين، وقالت طائفة الإمام مخير في الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ولم يقسم مكة فدل على جواز الأمرين.
قالوا والأرض لا تدخل في الغنائم والمأمور بقسمتها بل الغنائم هي الحيوان والمنقول لأن الله تعالى لم يحل الغنائم لأمة غير هذه الأمة وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ - إلى قوله - يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} : وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ}: فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمام مخير فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك، وعمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجاً مستمراً في رقبتها تكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة. وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث. كذا في زاد المعاد.
"عام الفتح": ظرف لقوله جاءه "فأسلم": أي أبو سفيان "بمر الظهران": بفتح الميم وشدة الراء وفتح المعجمة وإسكان الهاء وبالراء والنون موضع بقرب مكة "فقال له": أي للنبي صلى الله عليه وسلم "يحب هذا الفخر": أي يحب هذا الفخر الذي يفتخرون به من أمور الدنيا.
وعند ابن أبي شيبة فقال أبو بكر يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب السماع يعني الشرف فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقال وما تسع دار. زاد ابن عقبة ومن دخل دار حكيم فهو آمن وهي من أسفل مكة، ودار أبي سفيان بأعلاها، ومن دخل المسجد فهو آمن، قال وما يسع المسجد قال: ومن أغلق بابه فهو آمن. قال أبو سفيان هذه واسعة انتهى. كذا في شرح المواهب "من دخل دار أبي سفيان إلخ": استدل به الشافعي وموافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها لأن أصل الإضافة إلى الآدميين يقتضي ذلك وما سوى ذلك مجاز، وفيه تأليف لأبي سفيان وإظهار لشرفه قاله النوري والحديث سكت عنه المنذري.
(8/179)
3020 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَمْرٍو الرّازِيّ أخبرنا سَلَمَةُ - يَعْني ابنَ الْفَضْلِ - عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الْعَبّاسِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَعْبَدٍ عن بَعْضِ أهْلِهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "لَمّا نَزَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَرّ[مر] الظّهْرَانِ قالَ الْعَبّاسُ قُلْتُ: وَ الله لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إنّهُ لَهَلاَكُ قُرَيْشٍ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: لَعَلّي أجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي أهْلَ مَكّةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيَخْرُجُوا إلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ فَإنّي لأَسِيرُ إذْ سَمِعْتُ كَلاَمَ أبي سُفْيَانَ وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، فَقُلْتُ: يَا أبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، فقالَ أبُو الْفَضْلِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قال مَالَكَ فِدَاكَ أبِي وَأُمّي؟ قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالنّاسُ، قال: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قال: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبُهُ، فَلَمّا أصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"عنوة": أي قهراً وغلبة "قبل أن يأتوه": أي أهل مكة، والضمير المنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم "فيستأمنوه": أي يطلبوا منه الأمان "إنه لهلاك قريش": جواب الشرط "أجد ذا حاجة": في الأمور خرج لإنجاحها "الأسير": بصيغة المتكلم أي أسير في الطريق وأدور لكي أجد من يخبر أهل مكة بحال خروج النبي صلى الله عليه وسلم وترغيبهم لأجل طلب الأمان "وبديل":بالتصغير "يا أبا حنظلة: كنية أبي سفيان "فعرف": أي أبو سفيان "فقال أبو الفضل": هو كنية العباس أي فقال لي أبو سفيان أنت أبو الفضل "والناس": أي المسلمون "فركب": أي أبو سفيان "ورجع صاحبه": هو بديل بن ورقاء "فلما أصبح غدوت به": وتمام القصة كما في زاد المعاد فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال قلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلاً يا عمر فوالله لو كان من رجل بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا، قال مهلاً يا عباس والله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب، لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبح فأتني به،" فذهبت فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله"؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك لقد ظننت أن لو كان مع الله إلهاً غيره لقد أغنى شيئاً بعد، قال ويحك "يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله"؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئاً، فقال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فأسلم وشهد
(8/180)
فَأسْلَمَ. قُلْتُ[فقلت] يَارَسُولَ الله إنّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ هَذَا الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئاً، قال: "نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ". قال: فَتَفَرّقَ النّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإلَى المَسْجِدِ.
3021 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ عَبْدِالْكَرِيمِ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ عَقِيلِ بنِ مَعْقِلٍ عن أبِيهِ عن وَهْبِ بنِ مُنَبّهٍ قال: سَألْتُ جَابِراً: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئاً؟ قال: لاَ.
3022 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا سَلاّمُ بنُ مِسْكِينَ أخبرنا ثَابِتٌ الْبُنَانِيّ عن عَبْدِ الله بنِ رَبَاحٍ الأنْصَارِي عن أبي هُرَيْرَةَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا دَخَلَ مَكّةَ سَرّحَ الزّبَيْرِ بِنَ الْعَوّامِ وَأبَا عُبَيْدَةَ بنَ الْجَرّاحِ وَخَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْخَيْلِ، وَقَال: "يَا أبَا
ـــــــ
شهادة الحق "إلى دورهم": جمع دار "وإلى المسجد": أي المسجد الحرام. واستدل بهذا الحديث من قال إن مكة فتحت صلحاً لا عنوة.
وقد اختلف العلماء فيه فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء وأهل السير فتحت عنوة وقال الشافعي فتحت صلحاً وادعى الماذري أن الشافعي انفرد بهذا القول وإن شئت الوقوف على تفاصيل دلائل الفريقين فعليك بفتح الباري للحافظ قال المنذري: في إسناده مجهول.
"أخبرنا إبراهيم بن عقيل": بفتح العين وكسر القاف "هل غنموا يوم الفتح": أي فتح مكة. والحديث سكت عنه المنذري.
"سرح": بتشديد الراء من التفعيل أي أرسل وجعل "على الخيل": أي ركاب الخيل وهو الفرسان على المجاز ومنه قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} : أي بفرسانك ومشاتك.
ولفظ مسلم "فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الْحُسّر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة".
وفي لفظ له: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمني، وجعل الزبير على المجنبة، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي".
(8/181)
هُرَيْرَةَ اهْتِفْ بالأنْصَارِ، قال: اسْلُكُوا هَذَا الطّرِيقَ فَلاَ يَشْرُفَنّ لَكُم أحَدٌ إلاّ أنَمْتُمُوهُ،"
ـــــــ
وقوله والمجنبتين بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة، قال في النهاية مجنبة الجيش هي التي في الميمنة والميسرة، وقيل الكتيبة تأخذ إحدى ناحية الطريق والأول أصح كذا في شرح المواهب. والحسر بضم الحاء وتشديد الشين المهملتين أي الرجالة الذين لا دروع لهم. والبياذقة هم الرجاله وهو فارسي: عرب قاله النووي.
وقال الحلبي: وجعل صلى الله عليه وسلم الزبير على إحدى المجنبتين أي وهما الكتيبتان تأخذ إحداهما اليمين والأخرى اليسار والقلب بينهما وخالد أعلى الأخرى، وأبا عبيد على الرجالة، وقد أخذوا بطن الوادي، ولعل ذلك كان قبل الدخول إلى مكة لما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير راية وأمره أن يغرزها بالحجون لا يبرح في ذلك المحل، وفي ذلك المحل بنى مسجد يقال له مسجد الراية انتهى. وفي شرح المواهب قال عروة: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من أعلى مكة من كداء بالفتح والمد، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كدى بالضم والقصر. قال الحافظ: ومرسل عروة هذا مخالف للأحاديث الصحيحة المسندة في البخاري أن خالداً دخل من أسفل مكة أي الذي هو كدى بالقصر والنبي صلى الله عليه وسلم دخل من أعلاها أي الذي هو بالمد، وبه جزم ابن إسحاق وموسى بن عقبة فلا شك في رجحانه.
قال الحافظ: وقد ساق دخول خالد والزبير موسى بن عقبة سياقاً واضحة فقال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء أي بالفتح والمد بأعلى مكة وأمره أن يركز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة "اهتف بالأنصار": أي صح بالأنصار ولا يأتني إلا أنصاري فأطافوا به كما عند مسلم.
وفي رواية له "أدع لي الأنصار فدعوتهم فجاءوا يهرولون" وحكمة تخصيصهم عدم قرابتهم لقريش فلا تأخذهم بهم رأفة "اسلكوا هذا الطريق": أي طريق أعلى مكة لأن خالد بن الوليد ومن معه أخذوا أسفل من بطن الوادي، وأخذ هو صلى الله عليه وسلم ومن معه أعلى مكة.
ولفظ مسلم "وقال يا معشر الأنصار هل ترون أو باش قريش؟ قالوا نعم، قال انظروا إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً" "فلا يشرفن" : من أشرف أي لا يطلع عليكم "أحد" من أتباع قريش ممن قدمهم فإنهم قَدّموا أتباعاً وقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وان
(8/182)
فَنَادَى مُنَادِي[مناد]: لاَ قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دَخَلَ دَاراً فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ ألْقَى السّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ"، وَعَمَدَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَغَصّ بِهِمْ،
ـــــــ
أصيبوا أعطينا الذي سئلنا كما عند مسلم. والمعنى أن قريشاً جمعاً جموعاً من قبائل شتى وقالوا نقدم أتباعنا إلى قتال المسلمين ومقابلتهم فإن كان للأتباع شيء من الفتح أو حصول المال كنا شريكهم في ذلك، وإن أصيبوا هؤلاء بالقتل والأخذ والذله أعطينا المسلمين الذي سئلنا من الخراج أو العهد أو غير ذلك "إلا أنمتموه": من أنام أي قتلتموه. وقد عمل بذلك الصحابة. ففي مسلم "فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه" وفي لفظ له "فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحداً إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً.
قال النووي: قوله إلا أناموه أي ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه فوقع إلى الأرض أو يكون بمعنى أسكنوه بالقتل كالنائم يقال نامت الريح سكنت، وضربه حتى سكن أي مات، ونامت الشاة أو غيرها ماتت. قال الفراء: النائمة الميتة انتهى.
قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين ما جاء من تأمينة لهم أن التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما جاهروا به واستعدوا للحرب انتفى التأمين "فنادى منادى": وفي بعض النسخ مناد بحذف الياء وهو الظاهر "لا قريش بعد اليوم": وهذا صريح في أنهم أثخنوا فيهم القتل بكثرة فهو مؤيد لرواية الطبراني أن خالداً قتل منهم سبعين "من ألقى السلاح فهو آمن": فألقى الناس سلاحهم وغلقوا أبوابهم "وعمد": من باب الضرب أي قصد "صناديد قريش": أي أشرافهم وأعضادهم ورؤساؤهم والواحد صنديد "فغص بهم" أي امتلأ البيت بهم وازدحموا حتى صاروا كأنهم احتبسوا.
قال الخطابي: قوله "لا يشرفن لكم أحد إلا أنمتوه" دليل على أنه إنما عقد لهم الأمان على شرط أن يكفوا عن القتال وأن يلقوا السلاح، فإن تعرضوا له أو لأصحابه زال الأمان وحلت دماؤهم. وجملة الأمر في قصة فتح مكة أنه لم يكن أمراً منبرماً في أول ما بذل لهم الأمان ولكنه كان أمراً مظنوناً متردداً بين أن يقبلوا الأمان ويمضوا على الصلح وبين أن يحاربوا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم أهبة القتال ودخل مكة وعلى رأسه المغفر إذ لم يكن من أمرهم على يقين ولا من وفائهم على ثقة، فلذلك عرض الالتباس في أمرها والله أعلم.
وقد اختلف الناس في ملك دور مكة ورباعها وكراء بيوتها، فروى عن عمر رضي الله عنه أنه ابتاع دار السجن بأربعة آلاف درهم وأباح طاؤس وعمرو بن دينار بيع رباع مكة وكراء
(8/183)
وَطَافَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَصَلّى خَلْفَ المَقَامِ، ثُمّ أخَذَ بِجَنْبَتِي الْبَابِ، فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الإسْلاَمِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ سَألَهُ رَجُلٌ قال مَكّةَ عَنْوَةٌ هِيَ؟ قال: أيش يَضُرّكَ ما كَانَتْ، قال: فَصُلْحٌ، قال: لاَ".
ـــــــ
منازلها، وإليه ذهب الشافعي. وقالت طائفة: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها انتهى مختصراً "بجنبتي الباب" الجنبة الناحية أي بناحيتي الباب. قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه مطولاً.
(8/184)
26 - باب ما جاء في خبر الطائف
3023 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ عَبْدِالْكَرِيمِ - حدثني إبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابنَ عَقِيلِ بنِ مُنَبّهٍ عن أبِيهِ عن وَهْبٍ قالَ: سَألْتُ جَابِراً عنْ شَأْنِ
ـــــــ
باب ما جاء في خبر الطائف
هو بلد كبير مشهور كثير الأعناب والنخيل على ثلاث مراحل أو ثنتين من مكة من جهة المشرق.
"عقيل بن منبه": هو عقيل بن معقل بن منبه كذا نسبه في الأطراف والتقريب "عن شأن ثقيف": أي عن حالهم وثقيف أبو قبيلة من هوازن واسمه قسى بن منبه بن بكر بن هوازن. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في شوال سنة ثمان حين خرج من حنين وحبس الغنائم بالجعرانة. وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم الطائف وأغلقها عليهم بعد أن دخلوا فيه ما يصلحهم من القوت لسنة وتهيؤا للقتال فدنا خالد فدار بالحصن فنادى بأعلى صوته ينزل إليّ أحدكم أكلمه وهو آمن حتى يرجع، فلم ينزل واحد منهم وقالوا لا نفارق ديننا، وأشرفت ثقيف وأقاموا رماتهم وهم مائة فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر يوماً أو أكثر من ذلك، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة عظيمة شديدة، ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف ذلك العام لئلا يستأصلوا أهله قتلاً. روى الواقدي عن أبي هريرة لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار النبي صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية فقال يا نوفل ما ترى في المقام عليهم؟ قال يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق ثم إن خولة بنت حكيم أي امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله
(8/184)
ثَقِيفٍ إذْ بَايَعَتْ؟ قال: اشْتَرَطَتْ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ لاَ صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلاَ جِهَادَ، وَأنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يَقُولُ: "سَيَتَصَدّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إذَا أسْلَمُوا".
3024 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَلِيّ بنِ سُوَيْدٍ - يَعْني ابنَ مَنْجُوفٍ - أخبرنا أبُو دَاوُدَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن عُثْمَانَ بنِ أبي الْعَاصِ: أنّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْزَلَهُمْ المَسْجِدَ لِيَكُونَ أرَقّ لِقُلُوبِهِمْ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أنْ لاَ يُحْشَرُوا وَلاَ يُعْشَرُوا وَلاَ يُجَبّوا، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَكُم أنْ لاَ تُحْشَرُوا وَلاَ تُعْشَرُوا، وَلاَ خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ".
ـــــــ
أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان أو حلى الفارعة بنت عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فقال صلى الله عليه وسلم "وإن كان لا يؤذن لنا في ثقيف يا خولة،" فذكرته لعمر فقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته قال "قلته" قال أو ما أذنت فيهم؟ فقال "لا،" قال أفلا أؤذن الناس بالرحيل؟ قال "بلى"، فأذن عمر بالرحيل، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وترك محاصرته وعزم على السفر قيل له يا رسول الله أدع على ثقيف فقد أحرقتنا نبالهم، فقال "اللهم أهد ثقيفاً إلى الإسلام وآت بهم مسلمين". كذا في شرح المواهب من مواضع شتى. وروى الترمذي وحسنه عن جابر قال "قالوا يا رسول الله أحرقنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال "اللهم اهد ثقيفاً وآت بهم" وعند البيهقي عن عروة "ودعا صلى الله عليه وسلم حين ركب قافلاً فقال "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم" "إذا بايعت": أي قبيلة ثقيف "أن لا صدقة عليها ولا جهاد": مفعول اشترطت "سيتصدقون": أي ثقيف. والحديث سكت عنه المنذري.
"يعني ابن منجوف": بنون ساكنة ثم جيم وآخره فاء "أن وفد ثقيف لما قدموا": في شرح المواهب: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف بعد قدومه صلى الله عليه وسلم من تبوك في رمضان كما قال ابن سعيد وابن إسحاق، وقال بعضهم في شعبان سنة تسع. وأما خروجه من المدينة إلى تبوك فكان يوم الخميس في رجب سنة تسع اتفاقاً انتهى "ليكون": أي ذلك الإنزال "أرق لقلوبهم": أرق هاهنا اسم التفضيل من أرقّه إرقاقاً بمعنى ألانه إلانة وهو عند سيبوية قياس من باب أفعل مع كونه ذا زيادة، ويؤيده كثرة السماع كقولهم هو أعطاهم للدينار وأولاهم للمعروف، وهو عند غيره سماع مع كثرته قاله الرضى في شرح الكافية. فالمعنى أي ليكون إنزالهم المسجد أكثر وأشد إلانة وترقيقاً لقلوبهم بسبب رؤيتهم حال المسلمين وخشوعهم وخضوعهم واجتماعهم في صلواتهم وفي عباداتهم لربهم والله أعلم "أن لا يحشروا": بصيغة المجهول أي لا يندبون إلى
(8/185)
الغزو ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل لا يحشرون إلى عامل الزكاة بل يأخذ صدقاتهم في أماكنهم كذا في المجمع.
وقال الخطابي: معناه الحشر في الجهاد والنفير له "ولا يعشروا": بصيغة المجهول أي لا يؤخذ عشر أموالهم، وقيل أرادوا الصدقة الواجبة قاله في المجمع "ولا يجبوا": بالجيم وشدة الموحدة.
قال في المجمع في مادة جبو: وفي حديث ثقيف "ولا يجبوا" أصل التجبية أن يقوم قيام الراكع، وقيل أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم وقيل السجود وأرادوا أن لا يصلوا، والأول أنسب لقوله لا خير الخ وأريد به الصلاة مجازا انتهى.
قال الخطابي: قوله "لا يجبوا" أي لا يصلوا، وأصل التجبية أن يكب الإنسان على مقدمه ويرفع مؤخره. قال ويشبه أن يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة لأنهما لم يكونا واجبين في العاجل لأن الصدقة إنما تجب نجول الحول، والجهاد إنما يجب بحضور العدو، وأما الصلاة فهي واجبة في كل يوم وليلة في أوقاتها المؤقتة فلم يجز أن يشترطوا تركها. وقد سئل جابر بن عبد الله عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا. وفي الحديث من العلم أن الكافر يجوز له دخول المسجد لحاجة له فيه أو لحاجة المسلم إليه انتهى. قال المنذري: وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص.
(8/186)
27 - باب ما جاء في حكم أرض اليمن
3025 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن أبي أُسَامَةَ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن
ـــــــ
باب ما جاء في حكم أرض اليمن
هل هي خراجية أو عشرية فثبت بحديث الباب أنها عشرية وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: الأراضي العشرية هي التي ليست بأرض خراج وهي أربعة أنواع، أحدها: أرض أسلم أهلها عليها فهم مالكون لها كالمدينة والطائف واليمن والبحرين وكذلك مكة إلا أنها فتحت عنوة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ عليهم فلم يعرض لهم في أنفسهم ولم يغنم أموالهم.
والنوع الثاني: كل أرض أخذت عنوة ثم إن الإمام لم ير أن يجعلها فيئاً موقوفاً، ولكنه رأى أن يجعلها فخمسها فقسم أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها خاصة كفعل
(8/186)
عَامِرِ بنِ شَهْرٍ قال: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَت لِي هَمْدَانُ: هَلْ أنْتَ آتٍ هَذَا الرّجُلَ وَمُرْتَادٍ لَنَا، فَإنْ رَضِيتَ لَنَا شَيْئاً قَبِلْنَاهُ، وَإنْ كَرِهْتَ شَيْئاً كَرِهْنَاهُ. قُلْتُ: نَعَمْ، فَجِئْتُ
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فهي أيضاً ملكهم ليس فيها غير العشر، وكذلك الثغور كلها إذ قسمت بين الذين افتتحوها خاصة وعزل عنها الخمس لمن سمى الله.
والنوع الثالث: كل أرض عارية لا رب لها ولا عامر أقطعها الإمام رجلاً إقطاعاً من جزيرة العرب أو غيرها، كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده فيما أقطعوا من بلاد اليمن واليمامة والبصرة وما أشبهها.
والنوع الرابع: كل أرض ميتة استخرجها رجل من المسلمين فأحياها بالنبات والماء، فهذه الأرضون التي جاءت فيها السنة بالعشر أو نصف العشر وكلها موجودة في الأحاديث، فما أخرج الله من هذه فهو صدقة إذا بلغ خمسة أوسق فصاعداً كزكاة الماشية والصامت يوضع في الأصناف الثمانية المذكورين في سورة براءة خاصة دون غيرهم من الناس، وما سوى هذه من البلاد فلا تخلوا من أن تكون أرض عنوة صيرت فيئاً كأرض السواد والجبال والأهواز وفارس وكرمان وأصبهان والري وأرض الشام سوى مدنها ومصر والمغرب أو يكون أرض صلح مثل نجران وايلة وادرج ودومة الجندل وفدك وما أشبهها ما صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلحاً أو فعلته الأئمة بعده وكبلاد الجزيرة وبعض أرمينية وكثير من كور خراسان، فهذان النوعان من الأرضين الصلح والعنوة التي تصير فيئاً يكونان عاماً للناس في الأعطية وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور المسلمين انتهى.
وقال في موضع آخر: الأرض المفتحة ثلاثة أنواع، أحدها الأراضي التي أسلم عليها أهلها فهي لهم ملك وهي أرض عشر لا شيء عليهم غيره، وأرض افتتحت صلحاً على خراج معلوم فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه وأرض أخذت عنوة فهي مما اختلف فيها فقيل سبيلها سبيل الغنيمة تخمس ويقسم فيكون أربعة أخماسها بين الغانمين والخمس الباقي لمن سمى الله تعالى، وقيل النظر فيها للإمام إن شاء جعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها، وإن شاء جعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا كما فعل عمر بالسواد انتهى كلامه محرراً. كذا في نصب الراية للإمام الزيلعي.
"عن عامر بن شهر": الهمداني وسكن الكوفة وكان أحد عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي ظهر نبوته "فقالت لي همدان": بفتح الهاء وسكون الميم وبعدها دال مهملة قبيلة باليمن "هل أنت آت": اسم فاعل من أتى يأتي "هذا الرجل": أي النبي صلى الله عليه وسلم "ومرتاد"
(8/187)
حَتّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرَضِيتُ أمْرَهُ وَأسْلَمَ قَوْمِي وَكَتَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذَا الْكِتَابَ إلَى عُمَيْرِ ذِي مَرّانِ. قال: وَبَعَثَ مَالِكَ بنَ مِرَارَةَ الرّهَاوِيّ إلَى اليَمَنِ جَمِيعاً فَأسْلَمَ عَكّ ذُو خَيْوَانٍ، قال فَقِيلَ لِعَكَ: انْطَلِقْ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَخُذْ مِنْهُ الأمَانَ
ـــــــ
أي طالب. في القاموس: الرود الطلب كالرياد والارتياد. وأخرجه أبو يعلى مطولاً ولفظه حدثنا إبراهم بن سعيد الجوهري حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشعبي عن عامر بن شهر قال كانت همدان قد تحصنت في جبل يقال له الحقل من الجيش قد منعهم الله به حتى جاء أهل فارس فلم يزالوا محاربين حتى. هم القوم الحرب وطال عليهم الأمر وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لي همدان يا عامر بن شهر أنك كنت نديماً للملوك مذ كنت فهل أنت آت هذا الرجل ومرتاد لنا فإن رضيت لنا شيئاً فعلناه وإن كرهت شيئاً كرهناه، قلت نعم، وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست عنده فجاء رهط فقالوا يا رسول الله أوصنا فقال "أوصيكم بتقوى الله أن تسمعوا من قول قريش وتدعوا فعلهم" فاجتزأت بذلك والله من مسألته ورضيت أمره، ثم بدا لي أن أرجع إلى قومي حتى أمر بالنجاشي وكان للنبي صلى الله عليه وسلم صديقاً، فمررت به قال فرجعت وأسلم قومي "وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب": لم يسق الراوي الحديث بتمامه ولم يذكر الكتاب وإني سأذكره "إلى عمير": بضم العين "ذي مران": الهمداني لقب عمير وهو جد مجالد بن سعيد الهمداني. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: عمير ذو مران من الصحابة وكذا ذكره في الصحابة ابن الأثير والذهبي. وأخرج الطبراني بسنده إلى مجالد بن سعيد بن عمير ذي مران عن أبيه عن جده عمير قال جاءنا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى عمير ذي مران ومن أسلم من همدان، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإننا بلغنا إسلامكم مقدمنا من أرض الروم فأبشروا فإن الله تعالى قد هداكم بهداية وإنكم إذا شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقمتم الصلاة وأديتم الزكاة فإن لكم ذمة الله وذمة رسوله على دمائكم وأموالكم وعلى أرض القوم الذين أسلمتم عليها سهلها وجبالها غير مظلومين ولا مضيق عليها، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإن مالك بن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب وأدى الأمانة وبلغ الرسالة فآمرك به خيراً فإنه منظور إليه في قومه". وكذا أخرجه ابن عبد البر وغيره "وبعث": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "مالك بن مرارة": بكسر الميم وفتح الراء "الرهاوي": بفتح الراء كذا ضبطه عبد الغني وابن ماكولا صحابي سكن الشام. قال الذهبي له صحبة وحديث "إلى اليمن جميعاً": أي إلى جميع أهل اليمن "عك": بفتح العين وتشديد الكاف "ذو خيوان": بالخاء المعجمة لقب عك الهمداني فكتب له "أي
(8/188)
عَلَى قَرْيَتِكَ وَمالِكَ، فَقَدِمَ فَكَتَبَ لَهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِعَكّ ذِي خَيْوَانَ إنْ كَانَ صَادِقاً في أرْضِهِ وَمَالِهِ وَرَقِيقِهِ فَلَهُ الأمَانُ وَذِمّةُ الله وَذِمّةُ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله،" وَكَتَبَ خَالِدُ بنُ سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ.
3026 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيّ وَ هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أنّ عَبْدَ الله بنَ الزّبَيْرِ حَدّثَهُمْ قال أخبرنا فَرَجُ بنُ سَعِيدٍ حدّثني عَمّي ثَابِتُ بنُ سَعِيدٍ عن أبِيهِ سَعِيدٍ - يَعني ابنَ أبْيَضَ-[ثابت بن سعيد- يعني ابن أبيض عن أبيه سعيد بن أبيض] عن جَدّهِ أبْيَضَ بنِ حَمّالٍ: أنّهُ كَلّمَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصّدَقَةِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ فقالَ: "يَا أخَا سَبَاءِ
ـــــــ
لعك": أي أمر بالكتابة والكاتب هو خالد بن سعيد كما في آخر الحديث. ولفظ البزار من طريق مجالد عن الشعبي عن عامر بن شهر قال أسلم عك ذو خيوان فقيل لعك انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ منه الأمان على من قبلك ومالك وكانت له قرية بها رقيق، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن مالك بن مرارة الرهاوي قدم علينا يدعو إلى الإسلام فأسلمنا ولي أرض بها رقيق فاكتب لي كتاباً فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر كما عند المؤلف. قال المنذري: في إسناده مجالد وهو ابن سعيد وفيه مقال، وعامر بن شهر له صحبة وعداده فيأهل الكوفة ولم يرو عنه غير الشعبي انتهى.
"أن عبد الله بن الزبير": الحميدي المكي "أخبرنا فرج بن سعيد": بن علقمة بن سعيد بن أبيض بن حمال. هكذا في سنن ابن ماجه في باب اقطاع الأنهار والعيون وكذا في أطراف المزي والتقريب والخلاصة "حدثني عمي ثابت ابن سعيد": بن أبيض بن حمال كذا في سنن ماجه. وقوله عمى فيه تجوز فإن ثابتاً هو عم أبيه سعيد وليس ثابت عماً لفرج بن سعيد والله أعلم "عن أبيه": الضمير يرجع إلى ثابت "عن جده": أي جد ثابت "أبيض بن حمال": بدل من جده ولفظ بن ماجه عن أبيه سعيد عن أبيه أبيض بن حمال وحمال بالحاء المهملة وتشديد الميم هو المأربي السبائي "أنه": أي أبيض "كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة": أي في زكاة العشر أن لا تؤخذ منه "حين وفد عليه": أي ورد عليه وفداً "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم "يا أخا سباء": بالمد وفي بعض
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال عبد الحق لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم لأن سعيدا لم يرو عنه فيما أرى إلا ثابت وثابت مثله في الضعف يعني هذا الحديث من رواية ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال عن أبيه عن جده.
(8/189)
[سبإ] لاَ بُدّ مِنَ صَدَقَةٍ، فقَالَ: إنّمَا زَرَعْنَا الْقُطْنَ يَارَسُولَ الله وَقَدْ تَبَدّدَتْ سَبَاءُ[سبأ] وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاّ قَلِيلٌ بِمَأرِبَ، فَصَالَحَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى سَبْعِينَ حُلّةٍ بَزَ مِنْ قِيمَةِ وَفَاءِ بَزّ المَعَافِرِ كُلّ سَنَةٍ عَمّنْ بَقِيَ مِنْ سباء [سَبَإِ] بِمَأرِبَ، فَلَمْ يَزَالُوا يُؤَدّونَهَا حَتّى قُبِضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَإنّ الْعُمّالَ انْتَفَضُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا صَالَحَ أبْيَضُ بنُ حَمّالٍ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الْحُلُلِ السّبْعِينَ، فَرَدّ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ عَلَى مَا وَضَعَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى مَاتَ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا مَاتَ أبُو بَكْرٍ انْتَقَضَ ذَلِكَ وَصَارَتْ عَلَى الصّدَقَةِ.
ـــــــ
النسخ سبأ بالهمز بغير المد. وفي القاموس: سبأ كجبل ويمنع بلقيس ولقب ابن يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس يجمع قبائل اليمن عامة "لا بد من صدقة": العشر "وقد تبددت": أي تفرقت "ولم يبق منهم": أي من أهل سبأ "بمأرب": في القاموس مأرب كمنزل موضع باليمن انتهى وفي المراصد: مأرب بهمزة ساكنة وكسر الراء والباء الموحدة وهو بلاد الأزد باليمن وقيل هو اسم قصر كان لهم، وقيل هو اسم لملك سبأ وهي كورة بين حضرموت وصنعاء انتهى "سبعين حلة بز": حلة بضم الحاء واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسعى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد كذا في النهاية. وبز بفتح الباء وتشديد الزاء الثياب. وقيل ضرب من الثياب كذا في اللسان "من قيمة وقاء بز المعافر": قال في المراصد: معافر بفتح أوله وثانيه وكسر الفاء وآخره راء مهملة وهو اسم قبيلة باليمن لهم مخلاف تنسب إليه الثياب المعافرية.
وقال الأصمعي: ثوب معافر غير منسوب ومن نسبه فهو عنده خطأ، وقد جاء في الرجز الفصيح منسوباً انتهى. وفي النهاية المعافري هي برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن والميم زائدة انتهى. وقال الجوهري. معافر بفتح الميم حي من همدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لأنه جاء على مثال مالا ينصرف من الجمع وإليهم تنسب الثياب المعافرية، تقول ثوب معافري فتصرفه لأنك أدخلت عليه ياء النسبة ولم تكن في الواحد انتهى "يؤدونها": أي الحلل "انتقضوا": ذلك الصلح والعهد "فرد ذلك أبو بكر": وروى الطبراني أن أبيض وفد على أبي بكر لما انتقض عليه عمال اليمن فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة ثم انتقض ذلك بعد أبي بكر وصار إلى الصدقة انتهى "وصارت على الصدقة": أي على العشر أو نصف العشر كما لعامة المسلمين في أراضيهم والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/190)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-16-2010, 08:17 PM   #4
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-17-2014 (06:54 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



3999 - حدثنا مُصَرّفُ بنُ عَمْرٍو الأيَامِيّ أخبرنا يُونُسُ يَعْنِي ابنَ بَكِيرٍ قال أخبرنا مُحَمّدُ بن إسْحَاقَ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بنُ أبي مُحَمّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بن ثَابِتٍ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ وَ عِكْرِمَةُ عن ابن عَبّاسٍ قال: لَمّا أصَابَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُرَيْشاً يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدِمَ المَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فقالَ: "يَامَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُم مِثْلُ مَا أصَابَ قُرَيْشاً" ، قالُوا يَامُحَمّدُ لاَ يَغُرّنّكَ مِنْ نَفْسِكَ أنّكَ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ إنّكَ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وَأنّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأنْزَلَ الله تَعَالَى: {قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} قَرَأ مُصَرّفٌ إلى قَوْلِهِ: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ الله} بِبَدْرٍ {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}.
3000 - حدثنا مُصَرّفٌ بنُ عَمْرٍو أخبرنا يُونُسُ قال ابنُ إسْحَاقَ حدّثَني مَوْلَى لِزَيْدِ بن ثَابِتٍ قال حدّثَتْنِي بِنْتُ مُحَيّصَةَ عنْ أبِيهَا مُحَيّصَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ
ـــــــ
أراد بأبيه جده وهو كعب بن مالك، وقد سمع عبد الرحمن من جده كعب بن مالك فيكون الحديث على هذا مسنداً، وكعب هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم. وقد وقع مثل هذا في الأسانيد في غير موضع يقول فيه عن أبيه وهو يريد به الجد والله عز وجل أعلم.
وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي حديث قتل كعب بن الأشرف أتم من هذا، وقد تقدم في كتاب الجهاد.
"كانوا أغماراً": جمع غمر بالضم الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور لا يعرفون القتال: بيان وتفسير لأغماراً {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي من اليهود {سَتُغْلَبُونَ} أي في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك. وتمام الآية مشروحاً هكذا {وَتُحْشَرُونَ} أي في الآخرة {إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} أي الفراش هي {قَدْ كَانَ لَكُمْ} آية أي عبرة، وذكر الفعل للفصل {فِي فِئَتَيْنِ} أي فرقتين {الْتَقَتَا} أي يوم للقتال {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي طاعته وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ} أي الكفار {مِثْلَيْهِمْ} أي المسلمين أكثر منهم كانوا نحو ألف {رَأْيَ الْعَيْنِ} أي رؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم الله مع قلتهم "قرأ مصرف": هو ابن عمرو الايامي "ببدر": هذا اللفظ ليس من القرآن بل زاده بعض الرواة لبيان موضع القتال. قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه.
(8/161)
ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ" فَوَثَبَ مُحَيّصَةُ[هو وحويصة بضم ففتح ثم ياء مشددة مكسورة أو مخففة ساكنة وجهان مشهوران فيهماأشهرهما التشديد] عَلَى شَبِيبَةَ رَجُلٍ مِنْ تُجّارِ يَهُودَ كَانَ يُلاَبِسُهُمْ فَقَتَلَهُ وَكَانَ حُوَيّصَةُ إذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ وَكَانَ أسَنّ مِن مُحَيّصَةَ فَلَمّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيْصَةُ يَضْرِبَهُ وَيَقُولُ أيْ[يا] عَدُوّ الله أمَا وَ الله لَرُبّ شَحْمٍ في بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ".
3001 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللّيْثُ عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ عن أبِيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّهُ قالَ: بَيْنَا نَحْنُ في المَسْجِدِ إذْ خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ
"انْطَلِقُوا إلَى يَهُودَ" فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتى جِئْنَاهُمْ فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَنَادَاهُمْ فقالَ "يَامَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا تَسْلَمُوا". فَقَالُوا قَدْ بَلّغْتَ يَا أبَا الْقَاسِمِ، فقالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أسْلِمُوا تَسْلَمُوا". فقَالُوا قَدْ بَلّغْتَ يَا أبَا الْقَاسِم، فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "ذَلِكَ أُرِيدُ" ، ثُمّ قَالَهَا الثّالِثَةَ "اعْلَموا أنّمَا الأرْضُ لله وَرَسُولِهِ[ولرسوله] وَإنّي أُرِيدُ أنْ أُجْلِيَكُم مِنْ هَذِهِ الأرْضِ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئاً فَلْيَبِعْهُ وَإلاّ فَاعْلَمُوا أنّمَا الأرْضُ لله وَرَسُولِهِ[لرسوله]".
ـــــــ
"فوثب": من الوثوب وهو الطفر لطفر برجستن "محيصة": بضم الميم وفتح المهملة وتشديد التحتانية وقد تسكن هو ابن مسعود بن كعب الخزرجي المدني صحابي معروف "رجل": بالجر بدل شبيبة "من تجار يهود": جمع تاجر، وفي نسخة الخطابي "من فجار يهود" بالفاء مكان التاء، وكذا في نسخة للمنذري "يلابسهم": أي يخالطهم "فقتله": أي محيصة شبيبة "وكان حويصة": بضم المهملة وفتح الواو "إذ ذاك لم يسلم": وكان كافراً "وكان أسن": أي أكبر سناً "يضربه": أي محيصة "ويقول": الظاهر أن القاتل حويصة لكونه غير مسلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"إلى يهود": غير منصرف "أسلموا": أمر من الإسلام "تسلموا": بفتح اللام من السلامة جواب الأمر أي تنجوا من الذل في الدنيا والعذاب في العقبي "قد بلغت": بتشديد اللام "ذلك أريد": أي التبليغ واعترافكم. قال الحافظ: أي أن اعترفتم أنني بلغتكم سقط عني الحرج "إنما الأرض لله ولرسوله": قال الداوودي: لله افتتاح كلام ولرسوله حقيقة لأنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب. كذا قال، والظاهر ما قال غيره إن المراد الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه القائم بتنفيذ أوامره. قاله الحافظ "أن أجليكم": من الإجلاء أي
(8/162)
أخرجكم "فمن وجد منكم بماله": أي بدل ماله فالباء للبدلية، والمعنى من صادف بدل ماله الذي لا يمكنه حمله. وقيل الباء بمعنى من، والمعنى من وجد منكم من ماله شيئاً مما لا يتيسر نقله كالعقار والأشجار. وقيل الباء بمعنى في.
قال الحافظ: والظاهر أن اليهود المذكورين بقايا تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة لأنه إنما جاء بعد فتح خيبر. وقد أقر صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض واستمروا إلى أن أجلاهم عمر، ولا يصح أن يقال أنهم بنو النضير لتقدم ذلك على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث إنه كان معه صلى الله عليه وسلم. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
(8/163)
23 - باب في خبر النضير
3002 - حدثنا مُحَمّدُ بن دَاوُدَ بن سُفَيَانَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا[أنبأنا] مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن عبد الرحمن بنِ كَعْبٍ بن مَالِكٍ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إلَى ابْنِ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأَوْثَانَ مِنَ الأوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ بالمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إنّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا وَإنّا نُقْسِمُ ب الله لَتُقَاتِلُنّهُ أوْ لَتُخْرِجُنّهُ أوْ لَنَسِيرَنّ إلَيْكُمْ بَأجْمَعِنَا حَتّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُم، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الأوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ [رَسُولُ الله] صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُمْ فَقالَ "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ المَبَالِغَ مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بأكْثَرَ مِمّا تُرِيدُونَ أنْ تَكِيدُوا بِهِ أنْفُسَكُم تُرِيدُونَ أنْ
ـــــــ
باب في خبر النضير
والنضير كأمير حي من يهود خيبر من آل هارون أو موسى عليهما السلام وقد دخلوا في العرب، كانت منازلهم وبني قريظة خارج المدينة في حدائق وآطام وغزوة بني النضير مشهورة. قال الزهري: كانت على ستة أشهر من وقعة أحد كذا في تاج العروس، وفي شرح المواهب: قبيلة كبيرة من اليهود دخلوا في العرب.
"إنكم آويتم صاحبنا": أي أنزلتموه في المنازل. وهدا تفسير وبيان لما كتب قريش إلى ابن أبى وغيره، والمراد بصاحبنا النبي صلى الله عليه وسلم "حتى نقتل مقاتلتكم": بكسر التاء أي المقاتلين منكم "ونستبيح نساءكم": أي نسبى وننهب "المبالغ": بفتح الميم جمع مبلغ هو حد الشيء ونهايته، والمبالغ أي الغايات "ما كانت": أي قريش، وما نافية "تكيدكم" من كاد إذا مكر به وخدعه. قاله
(8/163)
تُقَاتِلُوا أبْنَاءَكُم وَإخْوَانَكُم،" فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تَفَرّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إلى الْيَهُودِ: إنّكُم أهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإنّكُمْ لَتُقَاتِلُنّ صَاحِبَنَا أوْ لَنَفْعَلَنّ كَذَا وَكَذَا وَلاَ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُم شَيْءٌ وَهِيَ الْخَلاَخِيلُ. فَلَمّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أجْمَعَتْ [اجْتَمَعَتْ] بَنُو النّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأرْسَلُوا إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أُخْرُجْ إلَيْنَا في ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِكَ وَلْيَخْرُجْ مِنّا ثَلاَثُونَ حَبْراً حَتى نَلْتَقِي بِمَكَانِ المَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ فَإنْ صَدّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنّا بِكَ فَقَصّ خَبَرَهُمْ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ فقالَ لَهُمْ: "إنّكُمْ وَ الله لاَ تَأْمَنُونَ عِنْدِي إلاّ بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ،" فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ عَهْداً، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمّ غَدَا الْغَدُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بالكَتَائِبِ وَتَرَكَ بَنِي النّضِير وَدَعَاهُمْ إلى أنْ يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَغَدَا عَلَى بَنِي النّضِيرِ بالْكَتَائِبِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلاَءِ فجَلَتْ بَنُو النّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا مَا أقَلّتْ الإبِلُ مِنْ أمْتِعَتِهِمْ وَأبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبَهَا، فَكَانَ نَخْلُ بَنِي النّضِيرِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَاصّةً أعْطَاهُ الله إيّاهَا وَخَصّهُ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}
ـــــــ
في المجمع. والمعنى أي ما تضركم وما تخدعكم وما تمكر بكم "بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم": لأنكم إن قاتلتمونا ففينا أبناؤكم وإخوانكم الذين أسلموا فتقاتلونهم أيضاً ويقاتلونكم فيكون الضرر أكثر من أن تقاتلكم قريش "تفرقوا": ورجعوا عن عزم القتال "إنكم أهل الحلقة": بفتح وسكون. قال الخطابي: يريد بالحلقة السلاح، وقيل أراد بها الذروع لأنها حلق مسلسلة "وبين خَدَمِ نسائكم" أي خلا خيلهن واحدتها خَدَمَة "وهي" أي الخدم "الخلاخيل":جمع خلخال، وهذا التفسير من بعض الرواة "فلما بلغ كتابهم": أي كتاب قريش إلى يهود المدينة وغيرها "النبي صلى الله عليه وسلم": بنصب ياء النبي أي في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومقاتلتهم معه "حبراً": أي عالماً "بمكان المصنف": بفتح الميم الموضع الوسط "فقص خبرهم": أي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بخبرهم "بالكتائب": أي الجيوش المجتمعة واحدتها كتيبة ومنه الكتاب، ومعناه الحروف المضمومة بعضها إلى بعض. قاله الخطابي "والله لا تأمنون": من أمن كسمع "ثم غدا الغد" أي سار في أول نهار الغد "على الجلاء": أي الخروج من المدينة وهو الخروج من البلاد "ما أقلت": من الإقلال أي حملت ورفعت "من أمتعتهم": جمع متاع. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/164)
يَقُولُ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَأعْطَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَقَسَمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ كَانَا ذَوِي حَاجَةٍ لَمْ يُقْسِمْ لاِءَحَدٍ مِنَ الأنْصَارِ غَيْرِهُمَا، وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الّتِي في أيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا.
3003 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بن فَارِسَ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أنْبأنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ يَهُودَ النّضِيرِ[يهود بني النضير] وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأجْلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَنِي النّضِيرِ وَأقَرّ قُرَيْظَةَ وَمَنّ عَلَيْهِمْ حَتّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ وَأوْلاَدَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلاّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَآمَنَهُمْ[فأمنهم] وَأسْلَمُوا وَأجْلَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَهُودَ المَدِينَةِ كُلّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ الله بن سَلاَمٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلّ يَهُودِيَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
ـــــــ
"فآمنهم": أي أعطاهم الأمان "بني قينقاع": هو بالنصب على البدلية ونون قينقاع مثلثة والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرجوا من المدينة. قاله الحافظ: وفي هذا دليل على أن المعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربياً وجرت عليه أحكام أهل الحرب، وللامام سبى من أراد منهم، وله المن على من أراد. وفيه أنه إذا من عليه ثم ظهر منه محاربة انتقض عهده، وإنما ينفع المن فيما مضى لا فيما يستقبل، وكانت قريظة في أمان ثم حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم ونقضوا العهد، وظاهروا قريشاً على قتال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق في غزوة الأحزاب سنة خمس على الصحيح. وذكر موسى بن عقبة في المغازي قال: خرج حيى بن أخطب بعد بني النضير إلى مكة يحرض المشركين على حربه صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحرضهم على قتاله على أن لهم نصف تمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه وخرج أبو سفيان بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب انتهى. وفي شرح المواهب: وكان من حديث هذه الغزوة أن نقرأ من يهود منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وحيى وكنانة النضيريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان خرجوا من خيبر حتى قدموا على قريش مكة وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤا غطفان فدعوهم إلى حربه صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم
(8/165)
على ذلك واجتمعوا معهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في فزارة والحارث بن عوف المرى في بني مرة في عشرة آلاف والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك انتهى مختصراً. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
(8/166)
24 - باب ما جاء في حكم أرض خيبر
3004 - حدثنا هَارُونُ بنُ زَيْدِ بن أبي الزّرْقَاءِ أخبرنا أبِي أخبرنا حَمّادُ بن سَلَمَةَ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ قالَ أحْسِبُهُ عن نَافِعٍ عن ابن عُمَرَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَاتَلَ أهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى الأرْضِ وَالنّخْلِ[على النخل والأرض] وَألْجَأهُمْ إلَى قَصْرِهِمْ فَصَالَحُوهُ عَلَى أنّ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الصّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أنْ لاَ يَكْتُمُوا وَلاَ يَغَيّبُوا شَيْئاً فَإنْ فَعَلُوا فَلاَ ذِمّةَ لَهُمْ وَلاَ عَهْدَ، فَغَيّبُوا مَسْكاً لِحُيَيّ بن أخْطَبَ وَقَدْ كَانَ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بَنِي النّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتْ النّضِيرُ فِيهِ
ـــــــ
باب ما جاء في حكم أرض خيبر
بمعجمة وتحتانية وموحدة بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام. قال ابن إسحاق: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر. كذا في فتح الباري.
"وألجأهم": أي أضطرهم "الصفراء": أي الذهب "والبيضاء": أي الفضة "والحلقة": أي السلاح والدروع "ولهم ما حملت ركابهم": أي جمالهم من أمتعتهم لا الأراضي والبساتين "فغيبوا مسكا": بفتح الميم وسكون المهملة. قال في القاموس المسك الجلد أو خاص بالسخلة الجمع مسوك. قال الخطابي: مسك حبي بن أخطب ذخيرة من صامت وحلى كانت تدعى مسك الجمل ذكروا أنها قومت عشرة آلاف دينار، وكانت لا تزف امرأة إلا استعاروا لها ذلك الحلى، وكان شارطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يكتموا شيئاً من الصفراء والبيضاء فكتموه ونقضوا العهد وظهر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أمره فيهم ما كان انتهى "لحي": بضم الحاء المهملة تصغير حي "وقد كان قتل": بصيغة المجهول أي حيى بن أخطب "احتمله": أي المسك "معه": وكان من مال بني النضير فحمله حيى لما أجلى عن المدينة "يوم بني النضير": أي زمن إخراجهم من المدينة "حين أجلوت النضير": أي من المدينة وهو بدل من قوله يوم بني النضير، وهو في سنة أربع. قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر لما روى عقيل بن خالد ومعمر عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. قال الحافظ:
(8/166)
حُلِيّهُمْ. وقالَ فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لِسَعْيَةَ "أيْنَ مَسْكُ حُيَيّ بنِ أخْطَبَ؟" قالَ أذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ
ـــــــ
وعند عبد الرزاق في مصنفه عن عروة: ثم كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال الا الحلقة، فأنزل الله فيهم "سبح الله": إلى قوله "لأول الحشر": وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، فكان جلاؤهم أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام، وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة وصححه، انتهى. وقوله تعالى {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : أي عاونوا الأحزاب وهم قريظة {مِنْ صَيَاصِيهِمْ}: أي حصونهم، نزلت في شأن بني قريظة فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب وهي بعد بني النضير بلا ريب وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رؤسهم حيى بن أخطب وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان. وعند ابن سعد أنهم حين هموا بغدره صلى الله عليه وسلم وأعلمه الله بذلك، ونهض سريعاً إلى المدينة بعث إليهم محمد بن مسلمة الأنصاري أن اخرجوا من بلدي المدينة لأن مساكنهم من أعمالها فكأنها منها فلا تساكنوني بها، وقد هممتم به من الغدر وقد أجّلْتُكم عشرا، فمن رئى منكم بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون، واكتروا من أناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيى فيما قاله ابن أبي فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لن نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فأظهر صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمون بتكبيره وسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أصحابه فحاصرهم صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم ثم أجلاهم عن المدينة وحملوا النساء والصبيان وتحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير، فلحقوا أكثرهم بخيبر منهم حيى بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وذهب طائفة منهم إلى الشام كما في سيرة الشامية.
ولا ينافيه قول البيضاوي لحق أكثرهم بالشام لجواز أن الأكثر نزلو أولا بخيبر ثم خرج منهم جماعة إلى الشام، لكن في مغازي ابن اسحاق فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار إلى خيبر سلام وكنانة وحيى.
وفي تاريخ الخميس. ذهب بعضهم إلى الشام ولحق أهل بيتين وهم آل أبي الحقيق وآل حيى بخيبر قاله الزرقاني في شرح المواهب.
(8/167)
وَالنّفَقَاتُ، فَوَجَدُوا المَسْكَ فَقُتِلَ ابن أبي الْحُقَيْقِ، وَسُبِيَ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأرَادَ أنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا يَامُحَمّدُ، دَعْنَا نَعْمَلُ في هَذِهِ الأرْضِ، وَلَنَا الشّطْرُ مَا بَدَا لَكَ وَلَكُمْ الشّطْرُ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعْطِي كُلّ امْرَأةٍ مِن نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْقاً من شَعِيرٍ.
3005 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَعْقُوبُ بن إبْرَاهِيمَ أخبرنا أبِي عنْ ابنِ إسْحَاقَ قالَ حدّثَني نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عن عَبْدِ الله بن عُمَرَ أنّ عُمَرَ قالَ: يَا أيّهَا النّاسُ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أنْ نُخْرِجَهُمْ إذَا شِئْنَا[شاء]، وَمَن كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ فَإنّي مُخْرِجُ يَهُودَ فَأخْرَجَهُمْ.
3006 - حدثنا سُلَيْمَانُ بن دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ اللّيْثِي عن نَافِعٍ عن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ قالَ: "لَمّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَألَتْ يَهُودُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُقِرّهُمْ عَلَى أنْ يَعْمَلُوا عَلَى النّصْفِ مِمّا خَرَجَ مِنْهَا، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُقِرّكُم فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا" فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ التّمْرُ يُقْسَمُ عَلَى السّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ وَيَأْخُذُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْخُمُسَ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أطْعَمَ
ـــــــ
"فيه": أي في المسك وهو خبر مقدم لقوله حليهم "لسعية": بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة بعدها تحتية هو عم حيى بن أخطب "فقتل ابن أبي الحقيق": بمهملة وقافين مصغراً وهو رأس يهود خيبر. وفي رواية البخاري ابني أبي الحقيق بتثنية لفظ ابن. قال في النيل: إنما قتلهما لعدم وفائهم بما شرطه عليهم لقوله في أول الحديث "فان فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد" "دعنا": أي اتركنا "ولنا الشطر": أي لنا نصف ما يخرج منها "ثمانين وسقا": الوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث سكت عنه المنذري.
"ومن كان له مال فليلحق به": أي من كان له بستان أو زرع بخيبر في أيدي اليهود فليأخذه منهم ويحفظه. كذا في فتح الودود "فأخرجهم": أي أخرج عمر رضي الله عنه يهود. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن يقرهم": من باب الإفعال أي يسكنهم بخيبر "مما خرج منها": أي من أرض خيبر "وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر الخ": قال النووي: هذا يدل على أن خيبر فتحت عنوة لأن السهمان كانت للغانمين. وقوله يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس أي يدفعه إلى
(8/168)
كُلّ امْرَأةٍ مِن أزْوَاجِهِ مِنَ الْخُمُسِ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْراً وَعِشْرِينَ وَسْقاً مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمّا أرَادَ عُمَرُ إخْرَاجَ الْيَهُودِ أرْسَلَ إلَى أزْوَاجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ لَهُنّ مَنْ أحَبّ[أحبت] مِنْكُنّ أنْ أقْسِمَ لَهَا نَخْلاً بِخَرْصِهَا مِائَةَ وَسْقٍ، فَيَكُونُ لَهَا أصْلُهَا وَأرْضُهَا وَمَاؤُهَا، وَمِنَ الزّرْعِ مَزْرَعَةُ خَرْصٍ عِشْرِينَ وَسْقاً فَعَلْنَا، وَمَنْ أحَبّ أنْ نَعْزِلَ الّذِي لَهَا في الْخُمُسِ كَمَا هُوَ فَعَلْنَا.
3007 - حدثنا دَاوُدَ بنُ مُعَاذٍ أخبرنا عَبْدُالْوَارِثِ ح. وَأخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ وَ زِيَادُ بنُ أيّوبَ أنّ إسْمَاعِيلَ بنَ إبْرَاهِيمَ حَدّثَهُمْ عنْ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَزَا خَيْبَرَ فَأصَبْنَاهَا عَنْوَةً فَجَمَعَ السّبْيَ.
3008 - حدثنا الرّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ المُؤَذّنُ أخبرنا أسَدُ بنُ مُوسَى أخبرنا يَحْيَى بنُ زَكَرِيّا حَدّثَني سُفْيَانُ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بِشَيْرٍ بنِ يَسَارٍ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ قالَ: قَسَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفاً لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفاً بَيْنَ المُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً.
ـــــــ
مستحقه وهم خمسة الأصناف المذكورة في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} : فيأخذه لنفسه خمساً واحداً من الخمس ويصرف الأخماس الباقية من الخمس إلى الأصناف الأربعة الباقين انتهى. وقوله سهمان بضم السين وسكون الهاء.
قال في النهاية: سمي كل نصيب سهماً ويجمع السهم على أسهم وسهام وسهمان انتهى "مائة وسق تمراً": وفي الرواية المتقدمة "ثمانين وسقاً من تمر" قال في فتح الودود: لعل بعضهم قال بالتخمين والتقريب فحصل منه الخلاف في التعبير والا فالحديث من صحابي واحد انتهى "فعلنا": جواب من. وفي رواية لمسلم "فلما ولى عمر قسم خيبر خير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن الأرض والماء أو يضمن لهن الأوساق كل عام فاختلفن فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام فكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض والماء" قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"فأصبناها": أي خيبر "عنوة": أي قهراً وغلبة. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي أتم منه.
"عن بشير": بالتصغير "عن سهل بن ابي حثمة": بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة "نصفاً لنوائية": جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل من المهمات والحوادث.
(8/169)
3009 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيّ أخبرنا أبُو خَالِدٍ - يَعْني سُلَيْمَانَ - عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ قال: لَمّا أفَاءَ الله عَلَى نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتّةٍ وَثَلاَثِينَ سَهْماً جَمَعَ كُلّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ، فَعَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ
ـــــــ
قال الخطابي: فيه من الفقه أن الأرض إذا غنمت قسمت كما يقسم المتاع والخرثي لا فرق بينها وبين غيرها من الأموال.
والظاهر من أمر خيبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتحها عنوة فإذا كانت عنوة فهي مغنومة، وإذا صارت غنيمة فإنما حصته من الغنيمة خمس الخمس وهو سهمه الذي سماه الله تعالى في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} : فكيف يكون له النصف منها أجمع حتى يصرفه في حوائجه ونوائبه على ظاهر ما جاء في الحديث. قلت: وإنما يشكل هذا على من لا يتتبع طرق الأخبار المروية في فتوح خيبر حتى يجمعها ويرتبها، فمن فعل ذلك يبين صحة هذه القسمة من حيث لا يشكل معناه.
وبيان ذلك أن خيبر كانت لها قرى وضياع خارجة عنها منها الوطيحة والكتيبة والشق والنطاة والسلاليم وغيرها من الأسماء، فكان بعضها مغنوماً وهو ما غلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سبيلها القسم، وكان بعضها باقياًلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان خاصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث أراه الله تعالى من حاجته ونوائبه ومصالح المسلمين، فنظروا إلى مبلغ ذلك كله فاستوت القسمة فيها على النصف والنصف، وقد بين ذلك الزهري انتهى: أي حيث قال أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً وبيانه سيأتي "على ثمانية عشر سهماً": وهي نصف ستة وثلاثين سهماً وهي القسمة الحاصلة من تقسيم خيبر.
والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ستة وثلاثين سهماً فعزل نصفها أعني ثمانية عشر سهماً لنوائبه وحاجته وقسم الباقي وهو ستة عشر سهماً بين المسلمين. والحديث سكت عنه المنذري.
"لما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر": أي أعطاها من غير حرب ولا جهاد "جمع كل سهم مائة سهم": يعني أعطى لكل مائة رجل سهماً.قاله القارى.
قال الحافظ ابن القيم: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمان مائة سهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين وعزل
(8/170)
الْوَطِيحَةَ وَالْكُتَيْبَةَ وَمَا أحِيزَ مَعَهُمَا، وَعَزَلَ نِصْفَ الآخر فَقَسَمَهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الشّقّ
ـــــــ
النصف الآخر وهو ألف وثمان مائة سهم لنوائبه وما نزل به من أمور المسلمين. وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمه من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب عنها وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان معهم مائتا فارس لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمان مائة سهم، ولم يغب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله فقسم له صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها وقسم للفارس ثلاثة سهام وللراجل سهماً وكانوا ألفاً وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، وهذا هو الصحيح. قال البيهقي: أن خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحاً، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين وعزل ما فتح صلحاً لنوائبه وما يحتاج إليه من أمور المسلمين انتهى.
قال شمس الدين ابن القيم: وهذا بناء منه على أن أصل الشافعي أنه يجب قسم الأرض المفتحة عنوة كما تقسم الغنائم، فلما لم يجد قسم الشطر من خيبر قال أنه فتح صلحاً.
ومن تأمل السير والمغازي حق التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استولى على أرضها كلها بالسيف كلها عنوة، ولو شيء منها فتح صلحاً لم يجليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا نحن أعلم بالأرض منكم دعونا نكون فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها، وهذا صريح جداً في أنها إنما فتحت عنوة. وقد حصل بين اليهود والمسلمين من الحرب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم، ولكنهم لما ألجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي ذكر أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم ويحلوا من الأرض، فهذا كان الصلح ولم يقع بينهم صلح أن شيئاً من أرض خيبر لليهود ولا جرى ذلك البثة، ولو كان كذلك لم يقل نقركم ما شئنا، فكيف يقرهم على أرضهم ما شاء أولا، وكان عمر أجلاهم كلهم من الارض ولم يصالحهم أيضاً على أن الأرض للمسلمين وعليها خراج يؤخذ منهم لم يقع فإنه لم يضرب على خيبر خراجاً البتة. فالصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عنوة والإمام مخير في أرض العنوة بين قسمها ووقفها، وقسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها انتهى. ويجيء بعض الكلام في آخر الباب.
"الوطيحة": بفتح الواو وكسر الطاء فتحتية ساكنة فحاء مهملة حصن من حصون خيبر. قاله ابن الأثير، وزاد في المراصد سمي بالوطيح بن مازن رجل من ثمود وكان الوطيح أعظم حصون خيبر وأحصنها وآخرها فتحاً هو والسلالم "والكتيبة": بالمثناة الفوقية بعد الكاف مصغر.
(8/171)
وَالنّطَاةَ وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَيمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا.
3010 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ بنِ الأسْوَدِ أنّ يَحْيَى بنَ آدَمَ حَدّثَهُمْ عن أبي
ـــــــ
قال في النهاية: الكتيبة مصغرة اسم لبعض قرى خيبر انتهى. وفي المراصد: الكتيبة بالفتح ثم الكسر بلفظ القطعة من الجيش حصن من حصون خيبر وهي في كتاب الأموال لأبي عبيد بالثاء المثلثة انتهى "وما أحيز معهما": أي ماضم وجمع معهما من توابعهما "الشق": قال في المراصد: بالفتح ويروي بالكسر من حصون خيبر انتهى.
وقال الزرقاني: بفتح الشين المعجمة وكسرها. قال البكري: والفتح أعرف عند أهل اللغة وبالقاف المشددة ويشتمل على حصون كثيرة "والنطاة": بالفتح وآخره هاء اسم الأرض خيبر، وقيل حصن بخيبر، وقيل عين بها تسقي بعض نخيل قراها. كذا في المراصد.
وقال الزرقاني: هي بوزن حصاة اسم لثلاثة حصون: حصن الصعب وحصن ناعم وحصن قلة وهو قلعة الزبير قاله الشامي وقصة فتح هذة الحصون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس علياً رضي الله عنه درعه الحديد وأعطاه الراية ووجهه إلى الحصن، فلما انتهى علي رضي الله عنه إلى باب الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض ففتح الله ذلك الحصن الذي هو حصن ناعم، وهو أول حصن فتح من حصون النطاة على يده رضي الله عنه وكان من سلم يهود حصن ناعم انتقل إلى حصن الصعب من حصون النطاة، ففتح الله حصن الصعب قبل ما غابت الشمس من ذلك اليوم.
ولما فتح ذلك الحصن تحول من سلم من أهله إلى حصن قلة، وهو حصن بقلة جبل، ويعبر عن هذا بقلعة الزبير، وهو الذي صار في سهم الزبير بعد ذلك وهو آخر حصون النطاة.
فحصون النطاة ثلاثة، حصن ناعم، وحصن الصعب، وحصن قلة. ثم صار المسلمون إلى حصار حصون الشق فكان أول حصن بدأ به من حصني الشق حصن أبي فقاتل أهله قتالاً شديداً وهرب من كان فيه، ولحق بحصن يقال له حصن البريء وهو الحصن الثاني من حصني الشق. فحصون الشق اثنان حصن أبي وحصن البريء.
ثم إن المسلمين لما أخذوا حصون النطاة وحصون الشق انهزم من سلم من يهود تلك الحصون إلى حصون الكتيبة وهي ثلاثة حصون القموص والوطيح وسلالم، وكان أعظم حصون خيبر القموص، وانتهى المسلمون إلى حصار الوطيح وحصن سلالم ويقال له السلاليم وهو حصن بني الحقيق آخر حصون خيبر ومكثوا على حصارها أربعة عشر يوماً فلم يخرج أحد منهماوسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على حقن دماء المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون
(8/172)
شِهَابٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرٍ بنِ يَسَارٍ أنّهُ سَمِعَ نَفَراً مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قال: فَكَانَ النّصْفُ سِهَامَ المُسْلِمِينَ وَسَهْمَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَزَلَ النّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا يَنُوبُهُ مِنَ الأُمُورِ وَالنّوَائِبِ.
3011 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلَيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأنْصَارِ عن رِجَالٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتّةٍ وَثَلاَثِينَ سَهْماً جَمَعَ كُلّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ، فَكَانَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ النّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النّصْفَ الْبَاقِي لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالأُمُورِ وَنَوَائِبِ النّاسِ.
3012 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا سُلَيْمَانُ - يَعني ابنَ بِلاَلٍ - عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمّا أفَاءَ الله عَلَيْهِ خَيْبَرَ قَسَمَهَا سِتّةً وَثَلاَثِينَ سَهْماً جَمْعاً[جمع] فَعَزَلَ لِلْمُسْلِمِينَ الشّطْرَ
ـــــــ
من خيبر وأرضها بذراريهم فصالحهم على ذلك انتهى ملخصاً محرراً من إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون. قال المنذري: والحديث مرسل.
"عن بشير بن يسار أنه سمع نفراً": والحديث سكت عنه المنذري.
"لما ظهر": أي غلب على خيبر "من الوفود": جمع وفد.
قال في المجمع: الوفد: قوم يجتمعون ويردون البلاد الواحد وافد، وكذا من يقصد الأمراء من يقصد الأمراء بالزيارة أو الاسترفاد والانتجاع. والحديث سكت عنه المنذري.
"جمعاً": كذا في النسخ أي جميعاً حال من الضمير المنصوب في قسمها أي قسم خيبر جميعاً وفي بعض النسخ جمع مكان جمعاً بالبناء على الضم وإنما بني لكونه مقطوعاً عن الإضافة إذ أصله جمعها أي جميعها أي جمع خيبر وإنما بنى على الحركة ليعلم أن لها عرقاً في الإعراب وإنما بنى على الضم جبراً بأقوى الحركات لما لحقها من الوهن بحذف المحتاج إليه أعني المضاف إليه لأنه دال على معنى نسبي لا يتم إلا بغيره، وإنما لم يبن جمعاً لأن التنوين فيه عوض عن المضاف اليه، فكأن المضاف اليه ثابت بثبوت عوضه. وفي نسخة المنذري. مجمع بدل جمعاً وهو أيضاً كالجمع فيما ذكر من كونه بمعنى الجميع وكونه مبنياً على الضم بما سلف. كذا أفاده بعض الأماجد والله أعلم "فعزل للمسلمين الشطر": أي المصنف "يجمع كل
(8/173)
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً، يَجْمَعُ كُلّ سَهْمٍ مِائَةً النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِ أحَدِهِمْ وَعَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً وَهُوَ الشّطْرُ لِنَوائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أمْرِ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ وَالْكُتَيْبَةَ وَالسّلاَلِمَ وَتَوَابِعَهَا، فَلَمّا صَارَتْ الأمْوَالُ بِيَدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا، فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْيَهُودَ فَعَامَلَهُمْ.
3013 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا مُجَمّعُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ مُجَمّعِ بنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيّ قال سَمِعْتُ أبي يَعْقُوبَ بنَ مُجَمّعِ يَذْكُرُ لِي عن عَمّهِ عبد الرحمن بنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيّ عن عَمّهِ مُجَمّعِ بنِ جَارِيَةَ الأنْصَارِيّ وَكَانَ أحَدُ الْقُرّاءِ الّذِينَ قَرَأُوا الْقُرْآنَ قال: "قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْماً وَكَانَ الْجَيْشُ ألْفاً وَخَمْسَمِائَةِ، فِيهم ثَلاَثَمِائَةِ فَارِسٌ، فَأعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأعْطَى الرّاجِلَ سَهْماً.
ـــــــ
سهم مائة": أي يعطي لكل مائة رجل سهماً "والسلالم": بضم السين وبعد الألف لام مكسورة، وقيل بفتحها ويقال فيه السلاليم حصن من حصون خيبر كان من أحصنها وهو حصن بني الحقيق "يكفونهم عملها": بتعهدها بالسقي والقيام عليها بما يتعلق بها. قال المنذري هذا مرسل:
"عن عمه مجمع": بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة وبالعين المهملة "ابن جارية": بالجيم والتحتية "قسمت خيبر": أي غنائمها وأراضيها "فأعطى الفارس": أي صاحب الفرس مع فرسه "وأعطى الراجل": بالألف أي الماشي. قال في المرقاة والمعنى أعطى لكل مائة من الفوارس سهمين فبقي اثنا عشر سهماً فيكون لكل مائة من الرجالة سهم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
قال ابن الملك: وهذا مستقيم على قول من يقول لكل فارس سهمان لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفاً ومائتين ولهم اثني عشر سهماً لكل مائة سهم وللفرسان ستة أسهم لكل مائة سهمان فالمجموع ثمانية عشر سهماً. وأما على قول من قال للفارس ثلاثة أسهم فمشكل لأن سهام الفرسان تسعة وسهام الرجالة اثنا عشر، فالمجموع أحد وعشرون سهماً انتهى كلام القارىء وقد تقدم هذا الحديث في باب من أسهم له سهماً من كتاب الجهاد وقال هناك أبو داوود:
(8/174)
3014 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيَ الْعِجْلِيّ أخبرنا يَحْيَى - يَعْني ابنَ آدَمَ - أخبرنا ابنُ أبي زَائِدَةَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ وَ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ وَبَعْضِ وَلَدِ مُحَمّدِ بنِ مَسْلَمَةَ قالُوا: "بَقِيَتْ بَقِيّةٌ مِنْ أهْلِ خَيْبَرَ، فَتَحَصّنُوا فَسَألُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَيُسَيّرَهُمْ فَفَعَلَ فَسَمِعَ بَذَلِكَ أهْلُ فَدَكَ فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم خَاصّةً، لاِءَنّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ.
3015 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسٍ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدٍ عن جُوَيْرِيّةَ عن مَالِكٍ عن الزّهْرِيّ: أنّ سَعِيدَ بنَ المُسَيّبِ أخْبَرَهُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَقُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكِينٍ وَأنَا شَاهِدٌ: أَخْبَرَكُم ابنُ وَهْبٍ
ـــــــ
وحديث أبي معاوبة أصح والعمل عليه وأرى الوهم في حديث مجمع أي قال ثلاث مائة فارس وكانوا مائتي فارس انتهى. وتقدم شرح هذا القول والحديث سكت عنه المنذري.
"فتحصنوا": أي دخلوا في الحصن "أن يحقن": من باب نصر أي يمنع الدماء من الإهراق "ويسيرهم": من بلده أخرجه وأجلاه "أهل فدك": بفتح الفاء والدال المهملة بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة. قال مالك في الموطأ والزرقاني في شرحه: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك. فأما يهود خيبر فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء: وأما يهود فدك فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالحهم لما أوقع بأهل خيبر على نصف الثمر ونصف الأرض بطلبهم ذلك فأقرهم على ذلك ولم يأتهم. قال محمد بن اسحاق: فكانت له خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فقوم لهم عمر نصف الثمر ونصف الأرض قيمة من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب ثم أعطاهم القيمة وأجلاهم منها "لأنه لم يوجف عليها": من أوجف دابته إيجافاً إذا حثها. قال المنذري: هذا مرسل.
"افتتح بعض خيبر عنوة": أي قهراً وغلبة. قال المنذري: هذا مرسل "وفيها": في الكتيبة "صلح": أيضاً. فأكثر الكتيبة فتحت غلبة وبعضها صلحاً "وهي أربعون ألف عذق": كفلس أي نخلة.
قال الخطابي: العذق النخل مفتوح العين والعذق بكسرها الكناسة انتهى.
قال المنذري: وهذا أيضاً مرسل.
(8/175)
قال حدّثني مَالِكٌ عنْ ابنِ شِهَابِ: أنّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحاً، وَالْكُتَيْبَةُ أكْثَرُهَا عَنْوَةً وَفِيهَا صُلْحٌ. قُلْتُ لِمَالِكٍ وَمَا الْكُتَيْبَةُ؟ قالَ أرْضُ خَيْبَرَ وَهِيَ أرْبَعُونَ ألْفَ عَذْقٍ.
3016 - حدثنا ابن السّرْحِ أخبرنا ابن وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ قال: بَلَغَنِي أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ وَنَزَلَ من نَزَلَ مِنْ أهْلِهَا عَلَى الْجَلاَءِ بَعْدَ الْقِتَالِ.
ـــــــ
"ونزل من نزل أهلها على الجلاء": أي على الخروج من الوطن. قال المنذري: وهذا أيضاً مرسل.
ثم اعلم أنه اختلف في فتح خيبر هل كان عنوة كما قال أنس رضي الله عنه وابن شهاب في رواية يونس عنه أو صلحاً أو بضمها صلحاً والباقي عنوة كما رواه مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة. قال حافظ المغرب ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوباً عليها بخلاف فداك، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم جميع أرضها على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب وهم أهل الحديبية.
ولم يختلف أحد العلماء أن أرض خيبر مقسومة وإنما اختلفوا هل تقسم الأرض إذا غنمت البلاد أو توقف فقال الكوفيون: الامام مخير بين قسمتها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق. وقال الشافعي: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار. وذهب مالك إلى إيقافها اتباعاً لعمر لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة عما فعل عمر في جماعة من الصحابة من أيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين كما سيأتي عن عمر أنه قال ألا قسمتها سهماناً كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهماناً وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قال ابن اسحاق. وأما من قال إن خيبر كان بعضها صلحاً وبعضها عنوة فقد وهم وغلط وإنما دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما وهما الوطيح والسلالم في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك صلح ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية كضرب من الصلح ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضها حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها.
(8/176)
3017 - حدثنا ابن السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ قالَ: خَمّسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ، ثُمّ قَسّمَ سَائِرَهَا عَلَى مَنْ شَهِدَهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا مِن أهْلِ الْحُدَيْبِيّةِ.
3018 - حدثنا أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ أخبرنا عبد الرحمن عنْ مَالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ
ـــــــ
وربما شبه على من قال إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر نصفين نصفاً له ونصفاً للمسلمين.
قال ابن عبد البر: ولو صح هذا لكان معناه أن النصف له مع سائر ما وقع في ذلك النصف معه لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهماً فوقع السهم للنبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه في ثمانية عشر سهماً، ووقع سائر الناس في باقيها وكلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر. وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحاً ولو كانت صلحاً لملكها أهلها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن اسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب. انتهى كلام عبد ابن البر رحمه الله.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل وألجأهم إلى القصر فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيبوا.. الحديث وفي آخره: فسبى ذراريهم ونساءهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا وأراد أن يجليهم فقالوا دعنا في هذه الأرض نصلحها.. الحديث أخرجه أبو داوود. فعلى هذا كان قد وقع الصلح ثم حدث النقص منهم فزال أثر الصلح ثم من عليهم بترك القتل وأبقاهم عمالاً بالأرض ليس لهم فيها ملك، ولذلك أجلاهم عمر، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها انتهى.
"خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم": فيه دليل على أن خيبر قسمت بعداً خذ الخمس قال ابن القيم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم نصف أرض خيبر خاصة ولو كان حكمها حكم الغنيمة لقسمها كلها بعد الخمس "ثم قسم سائرها": أي باقيها "من أهل الحديبية": قال موسى بن عقبة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليله أو قريباً منها ثم خرج غازياً إلى خيبر، وكان الله عز وجل وعده أياها وهو بالحديبية، وكانت الحديبية في السنة السابعة وقال محمد بن اسحاق بإسناده إلى مسور بن محرمة إن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله تعالى فيها خيبر {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} : خيبر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى
(8/177)
عن أبِيهِ عنْ عُمَرَ قال: لَوْلاَ آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلاّ قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ.
ـــــــ
سار إلى خيبر في المحرم انتهى. قال المنذري: هذا مرسل.
"لولا آخر المسلمين": أي لو قسمت كل قرية على الفاتحين لها لما بقي شيء لمن يجيء بعدهم من المسلمين "ما فتحت": بصيغة المتكلم ""إلا قسمتها": أي بين الغانمين، لكن النظر لاَخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل اجعلها وقفاً على المسلمين ومذهب الشافعية في الأرض المفتوحة عنوة أنه يلزم قسمتها إلا أن يرضي بوقفيتها من غنمها. وعن مالك تصير وقفاً بنفس الفتح. وعن أبي حنيفة بتخير الامام بين قسمتها ووقفتها قاله القسطلاني. وتقدم آنفاً الكلام فيه أيضاً. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/178)
25 - باب ما جاء في خبر مكة
3019 - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا يَحْيَى بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ إدْرِيسَ عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ
ـــــــ
باب ما جاء في خبر مكة
وكان فتح مكة شرفها الله تعالى من الفتح الأعظم من بقية الفتوحات قبله كخيبر وفدك والحديبية، وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة. وأما فتحها فهو عنوة وقهراً على القول الصحيح، ولم يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح فأشكل على كل طائفة من العلماء الجمع بين فتحها عنوة وترك قسمتها فقالت طائفة لأنها دار المناسك وهي وقف على المسلمين كلهم وهم فيها سواء فلا يمكن قسمتها، ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها ومنهم من جوز بيع رباعها ومنع إجارتها. والشافعي رحمه الله لما يجمع بين العنوة وبين عدم القسمة قال إنها فتحت صلحاً فلذلك لم تقسم، قال: ولو فتحت عنوة لكانت غنيمة فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول، ولم ير منع بيع رباع مكة وإجارتها، واحتج بأنها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب، وأضافها الله تعالى إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب داراً من صفوان بن أمية، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أين تنزل غداً في دارك بمكة فقال وهل ترك لنا عقيل من رباع فكان عقيل ورث أبا طالب.
فلما كان أصله رحمه الله أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب قسمتها، وأن مكة تملك وتباع دورها ورباعها، ولم تقسم لم يجد بداً من كونها فتحت صلحاً. لكن من تأمل
(8/178)
رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبّاسُ بنُ عَبْدِالمُطّلِبِ بِأبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ فَأسْلَمَ بِمَرّ الظّهْرَانِ، فقالَ لَهُ الْعَبّاسُ: يَارَسُولَ الله إنّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ هَذَا الْفَخْرَ، فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئاً؟ قال: نَعَمْ "مَنْ دَخَلَ دَارَ أبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ".
ـــــــ
الأحاديث الصحيحة وجدها كلها دالة على قول جمهور العلماء وأنها فتحت عنوة. ثم اختلفوا لأي شيء لم يقسمها، فقالت طائفة لأنها دار النسك ومحل العبادة، فهي وقف من الله تعالى على عبادة المسلمين، وقالت طائفة الإمام مخير في الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ولم يقسم مكة فدل على جواز الأمرين.
قالوا والأرض لا تدخل في الغنائم والمأمور بقسمتها بل الغنائم هي الحيوان والمنقول لأن الله تعالى لم يحل الغنائم لأمة غير هذه الأمة وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ - إلى قوله - يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} : وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ}: فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمام مخير فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك، وعمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجاً مستمراً في رقبتها تكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة. وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث. كذا في زاد المعاد.
"عام الفتح": ظرف لقوله جاءه "فأسلم": أي أبو سفيان "بمر الظهران": بفتح الميم وشدة الراء وفتح المعجمة وإسكان الهاء وبالراء والنون موضع بقرب مكة "فقال له": أي للنبي صلى الله عليه وسلم "يحب هذا الفخر": أي يحب هذا الفخر الذي يفتخرون به من أمور الدنيا.
وعند ابن أبي شيبة فقال أبو بكر يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب السماع يعني الشرف فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقال وما تسع دار. زاد ابن عقبة ومن دخل دار حكيم فهو آمن وهي من أسفل مكة، ودار أبي سفيان بأعلاها، ومن دخل المسجد فهو آمن، قال وما يسع المسجد قال: ومن أغلق بابه فهو آمن. قال أبو سفيان هذه واسعة انتهى. كذا في شرح المواهب "من دخل دار أبي سفيان إلخ": استدل به الشافعي وموافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها لأن أصل الإضافة إلى الآدميين يقتضي ذلك وما سوى ذلك مجاز، وفيه تأليف لأبي سفيان وإظهار لشرفه قاله النوري والحديث سكت عنه المنذري.
(8/179)
3020 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ عَمْرٍو الرّازِيّ أخبرنا سَلَمَةُ - يَعْني ابنَ الْفَضْلِ - عن مُحَمّدِ بنِ إسْحَاقَ عن الْعَبّاسِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَعْبَدٍ عن بَعْضِ أهْلِهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: "لَمّا نَزَلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَرّ[مر] الظّهْرَانِ قالَ الْعَبّاسُ قُلْتُ: وَ الله لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إنّهُ لَهَلاَكُ قُرَيْشٍ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: لَعَلّي أجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي أهْلَ مَكّةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيَخْرُجُوا إلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ فَإنّي لأَسِيرُ إذْ سَمِعْتُ كَلاَمَ أبي سُفْيَانَ وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، فَقُلْتُ: يَا أبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، فقالَ أبُو الْفَضْلِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قال مَالَكَ فِدَاكَ أبِي وَأُمّي؟ قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالنّاسُ، قال: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قال: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبُهُ، فَلَمّا أصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم
ـــــــ
"عنوة": أي قهراً وغلبة "قبل أن يأتوه": أي أهل مكة، والضمير المنصوب للنبي صلى الله عليه وسلم "فيستأمنوه": أي يطلبوا منه الأمان "إنه لهلاك قريش": جواب الشرط "أجد ذا حاجة": في الأمور خرج لإنجاحها "الأسير": بصيغة المتكلم أي أسير في الطريق وأدور لكي أجد من يخبر أهل مكة بحال خروج النبي صلى الله عليه وسلم وترغيبهم لأجل طلب الأمان "وبديل":بالتصغير "يا أبا حنظلة: كنية أبي سفيان "فعرف": أي أبو سفيان "فقال أبو الفضل": هو كنية العباس أي فقال لي أبو سفيان أنت أبو الفضل "والناس": أي المسلمون "فركب": أي أبو سفيان "ورجع صاحبه": هو بديل بن ورقاء "فلما أصبح غدوت به": وتمام القصة كما في زاد المعاد فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال قلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلاً يا عمر فوالله لو كان من رجل بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا، قال مهلاً يا عباس والله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب، لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبح فأتني به،" فذهبت فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله"؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك لقد ظننت أن لو كان مع الله إلهاً غيره لقد أغنى شيئاً بعد، قال ويحك "يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله"؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئاً، فقال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فأسلم وشهد
(8/180)
فَأسْلَمَ. قُلْتُ[فقلت] يَارَسُولَ الله إنّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ هَذَا الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئاً، قال: "نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ". قال: فَتَفَرّقَ النّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإلَى المَسْجِدِ.
3021 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ عَبْدِالْكَرِيمِ أخبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ عَقِيلِ بنِ مَعْقِلٍ عن أبِيهِ عن وَهْبِ بنِ مُنَبّهٍ قال: سَألْتُ جَابِراً: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئاً؟ قال: لاَ.
3022 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنا سَلاّمُ بنُ مِسْكِينَ أخبرنا ثَابِتٌ الْبُنَانِيّ عن عَبْدِ الله بنِ رَبَاحٍ الأنْصَارِي عن أبي هُرَيْرَةَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا دَخَلَ مَكّةَ سَرّحَ الزّبَيْرِ بِنَ الْعَوّامِ وَأبَا عُبَيْدَةَ بنَ الْجَرّاحِ وَخَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْخَيْلِ، وَقَال: "يَا أبَا
ـــــــ
شهادة الحق "إلى دورهم": جمع دار "وإلى المسجد": أي المسجد الحرام. واستدل بهذا الحديث من قال إن مكة فتحت صلحاً لا عنوة.
وقد اختلف العلماء فيه فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء وأهل السير فتحت عنوة وقال الشافعي فتحت صلحاً وادعى الماذري أن الشافعي انفرد بهذا القول وإن شئت الوقوف على تفاصيل دلائل الفريقين فعليك بفتح الباري للحافظ قال المنذري: في إسناده مجهول.
"أخبرنا إبراهيم بن عقيل": بفتح العين وكسر القاف "هل غنموا يوم الفتح": أي فتح مكة. والحديث سكت عنه المنذري.
"سرح": بتشديد الراء من التفعيل أي أرسل وجعل "على الخيل": أي ركاب الخيل وهو الفرسان على المجاز ومنه قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} : أي بفرسانك ومشاتك.
ولفظ مسلم "فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الْحُسّر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة".
وفي لفظ له: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمني، وجعل الزبير على المجنبة، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي".
(8/181)
هُرَيْرَةَ اهْتِفْ بالأنْصَارِ، قال: اسْلُكُوا هَذَا الطّرِيقَ فَلاَ يَشْرُفَنّ لَكُم أحَدٌ إلاّ أنَمْتُمُوهُ،"
ـــــــ
وقوله والمجنبتين بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة، قال في النهاية مجنبة الجيش هي التي في الميمنة والميسرة، وقيل الكتيبة تأخذ إحدى ناحية الطريق والأول أصح كذا في شرح المواهب. والحسر بضم الحاء وتشديد الشين المهملتين أي الرجالة الذين لا دروع لهم. والبياذقة هم الرجاله وهو فارسي: عرب قاله النووي.
وقال الحلبي: وجعل صلى الله عليه وسلم الزبير على إحدى المجنبتين أي وهما الكتيبتان تأخذ إحداهما اليمين والأخرى اليسار والقلب بينهما وخالد أعلى الأخرى، وأبا عبيد على الرجالة، وقد أخذوا بطن الوادي، ولعل ذلك كان قبل الدخول إلى مكة لما سيأتي أنه صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير راية وأمره أن يغرزها بالحجون لا يبرح في ذلك المحل، وفي ذلك المحل بنى مسجد يقال له مسجد الراية انتهى. وفي شرح المواهب قال عروة: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من أعلى مكة من كداء بالفتح والمد، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كدى بالضم والقصر. قال الحافظ: ومرسل عروة هذا مخالف للأحاديث الصحيحة المسندة في البخاري أن خالداً دخل من أسفل مكة أي الذي هو كدى بالقصر والنبي صلى الله عليه وسلم دخل من أعلاها أي الذي هو بالمد، وبه جزم ابن إسحاق وموسى بن عقبة فلا شك في رجحانه.
قال الحافظ: وقد ساق دخول خالد والزبير موسى بن عقبة سياقاً واضحة فقال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء أي بالفتح والمد بأعلى مكة وأمره أن يركز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة "اهتف بالأنصار": أي صح بالأنصار ولا يأتني إلا أنصاري فأطافوا به كما عند مسلم.
وفي رواية له "أدع لي الأنصار فدعوتهم فجاءوا يهرولون" وحكمة تخصيصهم عدم قرابتهم لقريش فلا تأخذهم بهم رأفة "اسلكوا هذا الطريق": أي طريق أعلى مكة لأن خالد بن الوليد ومن معه أخذوا أسفل من بطن الوادي، وأخذ هو صلى الله عليه وسلم ومن معه أعلى مكة.
ولفظ مسلم "وقال يا معشر الأنصار هل ترون أو باش قريش؟ قالوا نعم، قال انظروا إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً" "فلا يشرفن" : من أشرف أي لا يطلع عليكم "أحد" من أتباع قريش ممن قدمهم فإنهم قَدّموا أتباعاً وقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وان
(8/182)
فَنَادَى مُنَادِي[مناد]: لاَ قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دَخَلَ دَاراً فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ ألْقَى السّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ"، وَعَمَدَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَغَصّ بِهِمْ،
ـــــــ
أصيبوا أعطينا الذي سئلنا كما عند مسلم. والمعنى أن قريشاً جمعاً جموعاً من قبائل شتى وقالوا نقدم أتباعنا إلى قتال المسلمين ومقابلتهم فإن كان للأتباع شيء من الفتح أو حصول المال كنا شريكهم في ذلك، وإن أصيبوا هؤلاء بالقتل والأخذ والذله أعطينا المسلمين الذي سئلنا من الخراج أو العهد أو غير ذلك "إلا أنمتموه": من أنام أي قتلتموه. وقد عمل بذلك الصحابة. ففي مسلم "فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه" وفي لفظ له "فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحداً إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً.
قال النووي: قوله إلا أناموه أي ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه فوقع إلى الأرض أو يكون بمعنى أسكنوه بالقتل كالنائم يقال نامت الريح سكنت، وضربه حتى سكن أي مات، ونامت الشاة أو غيرها ماتت. قال الفراء: النائمة الميتة انتهى.
قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين ما جاء من تأمينة لهم أن التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما جاهروا به واستعدوا للحرب انتفى التأمين "فنادى منادى": وفي بعض النسخ مناد بحذف الياء وهو الظاهر "لا قريش بعد اليوم": وهذا صريح في أنهم أثخنوا فيهم القتل بكثرة فهو مؤيد لرواية الطبراني أن خالداً قتل منهم سبعين "من ألقى السلاح فهو آمن": فألقى الناس سلاحهم وغلقوا أبوابهم "وعمد": من باب الضرب أي قصد "صناديد قريش": أي أشرافهم وأعضادهم ورؤساؤهم والواحد صنديد "فغص بهم" أي امتلأ البيت بهم وازدحموا حتى صاروا كأنهم احتبسوا.
قال الخطابي: قوله "لا يشرفن لكم أحد إلا أنمتوه" دليل على أنه إنما عقد لهم الأمان على شرط أن يكفوا عن القتال وأن يلقوا السلاح، فإن تعرضوا له أو لأصحابه زال الأمان وحلت دماؤهم. وجملة الأمر في قصة فتح مكة أنه لم يكن أمراً منبرماً في أول ما بذل لهم الأمان ولكنه كان أمراً مظنوناً متردداً بين أن يقبلوا الأمان ويمضوا على الصلح وبين أن يحاربوا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم أهبة القتال ودخل مكة وعلى رأسه المغفر إذ لم يكن من أمرهم على يقين ولا من وفائهم على ثقة، فلذلك عرض الالتباس في أمرها والله أعلم.
وقد اختلف الناس في ملك دور مكة ورباعها وكراء بيوتها، فروى عن عمر رضي الله عنه أنه ابتاع دار السجن بأربعة آلاف درهم وأباح طاؤس وعمرو بن دينار بيع رباع مكة وكراء
(8/183)
وَطَافَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَصَلّى خَلْفَ المَقَامِ، ثُمّ أخَذَ بِجَنْبَتِي الْبَابِ، فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الإسْلاَمِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ سَألَهُ رَجُلٌ قال مَكّةَ عَنْوَةٌ هِيَ؟ قال: أيش يَضُرّكَ ما كَانَتْ، قال: فَصُلْحٌ، قال: لاَ".
ـــــــ
منازلها، وإليه ذهب الشافعي. وقالت طائفة: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها انتهى مختصراً "بجنبتي الباب" الجنبة الناحية أي بناحيتي الباب. قال المنذري: وأخرجه مسلم بنحوه مطولاً.
(8/184)
26 - باب ما جاء في خبر الطائف
3023 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ الصّبّاحِ أخبرنا إسْمَاعِيلُ - يَعْني ابنَ عَبْدِالْكَرِيمِ - حدثني إبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابنَ عَقِيلِ بنِ مُنَبّهٍ عن أبِيهِ عن وَهْبٍ قالَ: سَألْتُ جَابِراً عنْ شَأْنِ
ـــــــ
باب ما جاء في خبر الطائف
هو بلد كبير مشهور كثير الأعناب والنخيل على ثلاث مراحل أو ثنتين من مكة من جهة المشرق.
"عقيل بن منبه": هو عقيل بن معقل بن منبه كذا نسبه في الأطراف والتقريب "عن شأن ثقيف": أي عن حالهم وثقيف أبو قبيلة من هوازن واسمه قسى بن منبه بن بكر بن هوازن. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في شوال سنة ثمان حين خرج من حنين وحبس الغنائم بالجعرانة. وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم الطائف وأغلقها عليهم بعد أن دخلوا فيه ما يصلحهم من القوت لسنة وتهيؤا للقتال فدنا خالد فدار بالحصن فنادى بأعلى صوته ينزل إليّ أحدكم أكلمه وهو آمن حتى يرجع، فلم ينزل واحد منهم وقالوا لا نفارق ديننا، وأشرفت ثقيف وأقاموا رماتهم وهم مائة فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر يوماً أو أكثر من ذلك، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة عظيمة شديدة، ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف ذلك العام لئلا يستأصلوا أهله قتلاً. روى الواقدي عن أبي هريرة لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار النبي صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية فقال يا نوفل ما ترى في المقام عليهم؟ قال يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك.
قال ابن إسحاق ثم إن خولة بنت حكيم أي امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله
(8/184)
ثَقِيفٍ إذْ بَايَعَتْ؟ قال: اشْتَرَطَتْ عَلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ لاَ صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلاَ جِهَادَ، وَأنّهُ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يَقُولُ: "سَيَتَصَدّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إذَا أسْلَمُوا".
3024 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَلِيّ بنِ سُوَيْدٍ - يَعْني ابنَ مَنْجُوفٍ - أخبرنا أبُو دَاوُدَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن عُثْمَانَ بنِ أبي الْعَاصِ: أنّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْزَلَهُمْ المَسْجِدَ لِيَكُونَ أرَقّ لِقُلُوبِهِمْ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أنْ لاَ يُحْشَرُوا وَلاَ يُعْشَرُوا وَلاَ يُجَبّوا، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَكُم أنْ لاَ تُحْشَرُوا وَلاَ تُعْشَرُوا، وَلاَ خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ".
ـــــــ
أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان أو حلى الفارعة بنت عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فقال صلى الله عليه وسلم "وإن كان لا يؤذن لنا في ثقيف يا خولة،" فذكرته لعمر فقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته قال "قلته" قال أو ما أذنت فيهم؟ فقال "لا،" قال أفلا أؤذن الناس بالرحيل؟ قال "بلى"، فأذن عمر بالرحيل، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وترك محاصرته وعزم على السفر قيل له يا رسول الله أدع على ثقيف فقد أحرقتنا نبالهم، فقال "اللهم أهد ثقيفاً إلى الإسلام وآت بهم مسلمين". كذا في شرح المواهب من مواضع شتى. وروى الترمذي وحسنه عن جابر قال "قالوا يا رسول الله أحرقنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال "اللهم اهد ثقيفاً وآت بهم" وعند البيهقي عن عروة "ودعا صلى الله عليه وسلم حين ركب قافلاً فقال "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم" "إذا بايعت": أي قبيلة ثقيف "أن لا صدقة عليها ولا جهاد": مفعول اشترطت "سيتصدقون": أي ثقيف. والحديث سكت عنه المنذري.
"يعني ابن منجوف": بنون ساكنة ثم جيم وآخره فاء "أن وفد ثقيف لما قدموا": في شرح المواهب: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف بعد قدومه صلى الله عليه وسلم من تبوك في رمضان كما قال ابن سعيد وابن إسحاق، وقال بعضهم في شعبان سنة تسع. وأما خروجه من المدينة إلى تبوك فكان يوم الخميس في رجب سنة تسع اتفاقاً انتهى "ليكون": أي ذلك الإنزال "أرق لقلوبهم": أرق هاهنا اسم التفضيل من أرقّه إرقاقاً بمعنى ألانه إلانة وهو عند سيبوية قياس من باب أفعل مع كونه ذا زيادة، ويؤيده كثرة السماع كقولهم هو أعطاهم للدينار وأولاهم للمعروف، وهو عند غيره سماع مع كثرته قاله الرضى في شرح الكافية. فالمعنى أي ليكون إنزالهم المسجد أكثر وأشد إلانة وترقيقاً لقلوبهم بسبب رؤيتهم حال المسلمين وخشوعهم وخضوعهم واجتماعهم في صلواتهم وفي عباداتهم لربهم والله أعلم "أن لا يحشروا": بصيغة المجهول أي لا يندبون إلى
(8/185)
الغزو ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل لا يحشرون إلى عامل الزكاة بل يأخذ صدقاتهم في أماكنهم كذا في المجمع.
وقال الخطابي: معناه الحشر في الجهاد والنفير له "ولا يعشروا": بصيغة المجهول أي لا يؤخذ عشر أموالهم، وقيل أرادوا الصدقة الواجبة قاله في المجمع "ولا يجبوا": بالجيم وشدة الموحدة.
قال في المجمع في مادة جبو: وفي حديث ثقيف "ولا يجبوا" أصل التجبية أن يقوم قيام الراكع، وقيل أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم وقيل السجود وأرادوا أن لا يصلوا، والأول أنسب لقوله لا خير الخ وأريد به الصلاة مجازا انتهى.
قال الخطابي: قوله "لا يجبوا" أي لا يصلوا، وأصل التجبية أن يكب الإنسان على مقدمه ويرفع مؤخره. قال ويشبه أن يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة لأنهما لم يكونا واجبين في العاجل لأن الصدقة إنما تجب نجول الحول، والجهاد إنما يجب بحضور العدو، وأما الصلاة فهي واجبة في كل يوم وليلة في أوقاتها المؤقتة فلم يجز أن يشترطوا تركها. وقد سئل جابر بن عبد الله عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا. وفي الحديث من العلم أن الكافر يجوز له دخول المسجد لحاجة له فيه أو لحاجة المسلم إليه انتهى. قال المنذري: وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص.
(8/186)
27 - باب ما جاء في حكم أرض اليمن
3025 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ عن أبي أُسَامَةَ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن
ـــــــ
باب ما جاء في حكم أرض اليمن
هل هي خراجية أو عشرية فثبت بحديث الباب أنها عشرية وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: الأراضي العشرية هي التي ليست بأرض خراج وهي أربعة أنواع، أحدها: أرض أسلم أهلها عليها فهم مالكون لها كالمدينة والطائف واليمن والبحرين وكذلك مكة إلا أنها فتحت عنوة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ عليهم فلم يعرض لهم في أنفسهم ولم يغنم أموالهم.
والنوع الثاني: كل أرض أخذت عنوة ثم إن الإمام لم ير أن يجعلها فيئاً موقوفاً، ولكنه رأى أن يجعلها فخمسها فقسم أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها خاصة كفعل
(8/186)
عَامِرِ بنِ شَهْرٍ قال: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَت لِي هَمْدَانُ: هَلْ أنْتَ آتٍ هَذَا الرّجُلَ وَمُرْتَادٍ لَنَا، فَإنْ رَضِيتَ لَنَا شَيْئاً قَبِلْنَاهُ، وَإنْ كَرِهْتَ شَيْئاً كَرِهْنَاهُ. قُلْتُ: نَعَمْ، فَجِئْتُ
ـــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فهي أيضاً ملكهم ليس فيها غير العشر، وكذلك الثغور كلها إذ قسمت بين الذين افتتحوها خاصة وعزل عنها الخمس لمن سمى الله.
والنوع الثالث: كل أرض عارية لا رب لها ولا عامر أقطعها الإمام رجلاً إقطاعاً من جزيرة العرب أو غيرها، كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده فيما أقطعوا من بلاد اليمن واليمامة والبصرة وما أشبهها.
والنوع الرابع: كل أرض ميتة استخرجها رجل من المسلمين فأحياها بالنبات والماء، فهذه الأرضون التي جاءت فيها السنة بالعشر أو نصف العشر وكلها موجودة في الأحاديث، فما أخرج الله من هذه فهو صدقة إذا بلغ خمسة أوسق فصاعداً كزكاة الماشية والصامت يوضع في الأصناف الثمانية المذكورين في سورة براءة خاصة دون غيرهم من الناس، وما سوى هذه من البلاد فلا تخلوا من أن تكون أرض عنوة صيرت فيئاً كأرض السواد والجبال والأهواز وفارس وكرمان وأصبهان والري وأرض الشام سوى مدنها ومصر والمغرب أو يكون أرض صلح مثل نجران وايلة وادرج ودومة الجندل وفدك وما أشبهها ما صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلحاً أو فعلته الأئمة بعده وكبلاد الجزيرة وبعض أرمينية وكثير من كور خراسان، فهذان النوعان من الأرضين الصلح والعنوة التي تصير فيئاً يكونان عاماً للناس في الأعطية وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور المسلمين انتهى.
وقال في موضع آخر: الأرض المفتحة ثلاثة أنواع، أحدها الأراضي التي أسلم عليها أهلها فهي لهم ملك وهي أرض عشر لا شيء عليهم غيره، وأرض افتتحت صلحاً على خراج معلوم فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه وأرض أخذت عنوة فهي مما اختلف فيها فقيل سبيلها سبيل الغنيمة تخمس ويقسم فيكون أربعة أخماسها بين الغانمين والخمس الباقي لمن سمى الله تعالى، وقيل النظر فيها للإمام إن شاء جعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها، وإن شاء جعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا كما فعل عمر بالسواد انتهى كلامه محرراً. كذا في نصب الراية للإمام الزيلعي.
"عن عامر بن شهر": الهمداني وسكن الكوفة وكان أحد عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي ظهر نبوته "فقالت لي همدان": بفتح الهاء وسكون الميم وبعدها دال مهملة قبيلة باليمن "هل أنت آت": اسم فاعل من أتى يأتي "هذا الرجل": أي النبي صلى الله عليه وسلم "ومرتاد"
(8/187)
حَتّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرَضِيتُ أمْرَهُ وَأسْلَمَ قَوْمِي وَكَتَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَذَا الْكِتَابَ إلَى عُمَيْرِ ذِي مَرّانِ. قال: وَبَعَثَ مَالِكَ بنَ مِرَارَةَ الرّهَاوِيّ إلَى اليَمَنِ جَمِيعاً فَأسْلَمَ عَكّ ذُو خَيْوَانٍ، قال فَقِيلَ لِعَكَ: انْطَلِقْ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَخُذْ مِنْهُ الأمَانَ
ـــــــ
أي طالب. في القاموس: الرود الطلب كالرياد والارتياد. وأخرجه أبو يعلى مطولاً ولفظه حدثنا إبراهم بن سعيد الجوهري حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشعبي عن عامر بن شهر قال كانت همدان قد تحصنت في جبل يقال له الحقل من الجيش قد منعهم الله به حتى جاء أهل فارس فلم يزالوا محاربين حتى. هم القوم الحرب وطال عليهم الأمر وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لي همدان يا عامر بن شهر أنك كنت نديماً للملوك مذ كنت فهل أنت آت هذا الرجل ومرتاد لنا فإن رضيت لنا شيئاً فعلناه وإن كرهت شيئاً كرهناه، قلت نعم، وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست عنده فجاء رهط فقالوا يا رسول الله أوصنا فقال "أوصيكم بتقوى الله أن تسمعوا من قول قريش وتدعوا فعلهم" فاجتزأت بذلك والله من مسألته ورضيت أمره، ثم بدا لي أن أرجع إلى قومي حتى أمر بالنجاشي وكان للنبي صلى الله عليه وسلم صديقاً، فمررت به قال فرجعت وأسلم قومي "وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب": لم يسق الراوي الحديث بتمامه ولم يذكر الكتاب وإني سأذكره "إلى عمير": بضم العين "ذي مران": الهمداني لقب عمير وهو جد مجالد بن سعيد الهمداني. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: عمير ذو مران من الصحابة وكذا ذكره في الصحابة ابن الأثير والذهبي. وأخرج الطبراني بسنده إلى مجالد بن سعيد بن عمير ذي مران عن أبيه عن جده عمير قال جاءنا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى عمير ذي مران ومن أسلم من همدان، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإننا بلغنا إسلامكم مقدمنا من أرض الروم فأبشروا فإن الله تعالى قد هداكم بهداية وإنكم إذا شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقمتم الصلاة وأديتم الزكاة فإن لكم ذمة الله وذمة رسوله على دمائكم وأموالكم وعلى أرض القوم الذين أسلمتم عليها سهلها وجبالها غير مظلومين ولا مضيق عليها، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإن مالك بن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب وأدى الأمانة وبلغ الرسالة فآمرك به خيراً فإنه منظور إليه في قومه". وكذا أخرجه ابن عبد البر وغيره "وبعث": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "مالك بن مرارة": بكسر الميم وفتح الراء "الرهاوي": بفتح الراء كذا ضبطه عبد الغني وابن ماكولا صحابي سكن الشام. قال الذهبي له صحبة وحديث "إلى اليمن جميعاً": أي إلى جميع أهل اليمن "عك": بفتح العين وتشديد الكاف "ذو خيوان": بالخاء المعجمة لقب عك الهمداني فكتب له "أي
(8/188)
عَلَى قَرْيَتِكَ وَمالِكَ، فَقَدِمَ فَكَتَبَ لَهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: "بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِعَكّ ذِي خَيْوَانَ إنْ كَانَ صَادِقاً في أرْضِهِ وَمَالِهِ وَرَقِيقِهِ فَلَهُ الأمَانُ وَذِمّةُ الله وَذِمّةُ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله،" وَكَتَبَ خَالِدُ بنُ سَعِيدِ بنِ الْعَاصِ.
3026 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيّ وَ هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أنّ عَبْدَ الله بنَ الزّبَيْرِ حَدّثَهُمْ قال أخبرنا فَرَجُ بنُ سَعِيدٍ حدّثني عَمّي ثَابِتُ بنُ سَعِيدٍ عن أبِيهِ سَعِيدٍ - يَعني ابنَ أبْيَضَ-[ثابت بن سعيد- يعني ابن أبيض عن أبيه سعيد بن أبيض] عن جَدّهِ أبْيَضَ بنِ حَمّالٍ: أنّهُ كَلّمَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصّدَقَةِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ فقالَ: "يَا أخَا سَبَاءِ
ـــــــ
لعك": أي أمر بالكتابة والكاتب هو خالد بن سعيد كما في آخر الحديث. ولفظ البزار من طريق مجالد عن الشعبي عن عامر بن شهر قال أسلم عك ذو خيوان فقيل لعك انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ منه الأمان على من قبلك ومالك وكانت له قرية بها رقيق، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن مالك بن مرارة الرهاوي قدم علينا يدعو إلى الإسلام فأسلمنا ولي أرض بها رقيق فاكتب لي كتاباً فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر كما عند المؤلف. قال المنذري: في إسناده مجالد وهو ابن سعيد وفيه مقال، وعامر بن شهر له صحبة وعداده فيأهل الكوفة ولم يرو عنه غير الشعبي انتهى.
"أن عبد الله بن الزبير": الحميدي المكي "أخبرنا فرج بن سعيد": بن علقمة بن سعيد بن أبيض بن حمال. هكذا في سنن ابن ماجه في باب اقطاع الأنهار والعيون وكذا في أطراف المزي والتقريب والخلاصة "حدثني عمي ثابت ابن سعيد": بن أبيض بن حمال كذا في سنن ماجه. وقوله عمى فيه تجوز فإن ثابتاً هو عم أبيه سعيد وليس ثابت عماً لفرج بن سعيد والله أعلم "عن أبيه": الضمير يرجع إلى ثابت "عن جده": أي جد ثابت "أبيض بن حمال": بدل من جده ولفظ بن ماجه عن أبيه سعيد عن أبيه أبيض بن حمال وحمال بالحاء المهملة وتشديد الميم هو المأربي السبائي "أنه": أي أبيض "كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة": أي في زكاة العشر أن لا تؤخذ منه "حين وفد عليه": أي ورد عليه وفداً "فقال": النبي صلى الله عليه وسلم "يا أخا سباء": بالمد وفي بعض
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال عبد الحق لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم لأن سعيدا لم يرو عنه فيما أرى إلا ثابت وثابت مثله في الضعف يعني هذا الحديث من رواية ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال عن أبيه عن جده.
(8/189)
[سبإ] لاَ بُدّ مِنَ صَدَقَةٍ، فقَالَ: إنّمَا زَرَعْنَا الْقُطْنَ يَارَسُولَ الله وَقَدْ تَبَدّدَتْ سَبَاءُ[سبأ] وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاّ قَلِيلٌ بِمَأرِبَ، فَصَالَحَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى سَبْعِينَ حُلّةٍ بَزَ مِنْ قِيمَةِ وَفَاءِ بَزّ المَعَافِرِ كُلّ سَنَةٍ عَمّنْ بَقِيَ مِنْ سباء [سَبَإِ] بِمَأرِبَ، فَلَمْ يَزَالُوا يُؤَدّونَهَا حَتّى قُبِضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَإنّ الْعُمّالَ انْتَفَضُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا صَالَحَ أبْيَضُ بنُ حَمّالٍ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الْحُلُلِ السّبْعِينَ، فَرَدّ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ عَلَى مَا وَضَعَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى مَاتَ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا مَاتَ أبُو بَكْرٍ انْتَقَضَ ذَلِكَ وَصَارَتْ عَلَى الصّدَقَةِ.
ـــــــ
النسخ سبأ بالهمز بغير المد. وفي القاموس: سبأ كجبل ويمنع بلقيس ولقب ابن يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس يجمع قبائل اليمن عامة "لا بد من صدقة": العشر "وقد تبددت": أي تفرقت "ولم يبق منهم": أي من أهل سبأ "بمأرب": في القاموس مأرب كمنزل موضع باليمن انتهى وفي المراصد: مأرب بهمزة ساكنة وكسر الراء والباء الموحدة وهو بلاد الأزد باليمن وقيل هو اسم قصر كان لهم، وقيل هو اسم لملك سبأ وهي كورة بين حضرموت وصنعاء انتهى "سبعين حلة بز": حلة بضم الحاء واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسعى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد كذا في النهاية. وبز بفتح الباء وتشديد الزاء الثياب. وقيل ضرب من الثياب كذا في اللسان "من قيمة وقاء بز المعافر": قال في المراصد: معافر بفتح أوله وثانيه وكسر الفاء وآخره راء مهملة وهو اسم قبيلة باليمن لهم مخلاف تنسب إليه الثياب المعافرية.
وقال الأصمعي: ثوب معافر غير منسوب ومن نسبه فهو عنده خطأ، وقد جاء في الرجز الفصيح منسوباً انتهى. وفي النهاية المعافري هي برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن والميم زائدة انتهى. وقال الجوهري. معافر بفتح الميم حي من همدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لأنه جاء على مثال مالا ينصرف من الجمع وإليهم تنسب الثياب المعافرية، تقول ثوب معافري فتصرفه لأنك أدخلت عليه ياء النسبة ولم تكن في الواحد انتهى "يؤدونها": أي الحلل "انتقضوا": ذلك الصلح والعهد "فرد ذلك أبو بكر": وروى الطبراني أن أبيض وفد على أبي بكر لما انتقض عليه عمال اليمن فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة ثم انتقض ذلك بعد أبي بكر وصار إلى الصدقة انتهى "وصارت على الصدقة": أي على العشر أو نصف العشر كما لعامة المسلمين في أراضيهم والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/190)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-16-2010, 08:19 PM   #5
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-17-2014 (06:54 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



28 - باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب
3027 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن سُلَيْمَانَ الأحْوَلِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أوْصَى بِثَلاَثَةٍ فَقالَ: "أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوٍ مَا[بنحو مما] كُنْتُ أجِيزُهُمْ".
قالَ ابنُ عَبّاسٍ: وَسَكَتَ عن الثّالِثَةِ أوْ قال[قالها] فَأُنْسِيتُهَا. وَقال الحُمَيْدِيّ عن سُفْيَانَ قال سُلَيْمَانُ: لاَ أدْرِي أذَكَرَ سَعِيدٌ الثّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا أوْ سَكَتَ عَنْهَا.
ـــــــ
باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب
في النهاية الجزيرة اسم موضع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض. قاله أبو عبيدة. وقال الأصمعي. من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جده وساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً. قال الأزهري: سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات انتهى. وقال مالك بن أنس: أراد بجزيرة العرب المدينة نفسها وإذا أطلقت الجزيرة في الحديث ولم تضف إلى العرب فإنما يراد بها ما بين دجلة والفرات انتهى. وفي القاموس: جزيرة العرب من أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات.
"أخرجوا المشركين": ظاهره أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً "وأجيزوا": من الإجازة بالزاي إعطاء الأمير "الوفد": هم الذين يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد أو رسالة وغيرها والمعنى أعطوهم مدة إقامتهم ما يحتاجون إليه. قال التوربشتي: وإنما أخرج ذلك بالوصية عن عموم المصالح لما فيه من المصلحة العظمى، وذلك أن الوافد سفير قومه وإذا لم يكرم رجع إليهم بما ينفرد دونهم رغبة القوم في الطاعة والدخول في الإسلام فإنه سفيرهم، ففي ترغيبهم وبالعكس. ثم إن الوافد. إنما يفد على الأمام فيجب رعايته من مال الله الذي أقيم لمصالح العباد وإضاعته تفضي إلى الدناءة التي أجار الله عنها أهل الإسلام "قال ابن عباس وسكت": أي النبي صلى الله عليه وسلم "أو قال": أي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الثالثة "فأنسيتها": بصيغة المتكلم المجهول من الإنساء "وقال الحميدي عن سفيان قال سليمان لا أدري أذكر سعيد الخ": وعلى هذه الرواية فاعل سكت هو ابن عباس رضي الله عنه، وأما على رواية سعيد بن منصور عن سفيان المتقدمة ففاعل سكت هو النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الظاهر.
(8/191)
3028 - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا أبُو عَاصِمٍ وَ عَبْدُالرّزّاقِ قالا أنْبأنَا ابنُ جُرَيْجٍ أنْبأنَا [أخبرني]أبُو الزّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: أخْبَرَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاأخْرِجَنّ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلاَ أتْرُكُ فِيهَا إلاّ مُسْلِماً".
3029 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا أبُو أَحْمَدَ مُحَمّدُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ عنْ عُمَرَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ، وَالأوّلُ أتَمّ.
3030 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا جَرِيرٌ عن قَابُوسَ بنِ أبي ظَبْيَانَ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاس قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَكُونُ قِبْلَتَانِ في بَلَدٍ وَاحِدٍ".
3031 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عُمَرُ - يَعني ابنَ عَبْدِالْوَاحِدِ – قالَ: قالَ
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم مطولاً والثالثة قيل هي تجهيز أسامة، وقيل يحتمل أنها قوله صلى الله عليه وسلم "لا تتخذوا قبري وثنا" وفي الموطأ ما يشير إلى ذلك.
"لأخرجن اليهود والنصاري": أي لأن عشت إلى قابل كما في رواية مسلم قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
"والأول أتم": أي الحديث، الأول الذي قبل هذا أتم من هذا.
"لا تكون قبلتان في بلد واحد": قال في فتح الودود: الظاهر أنه نفى بمعنى النهي، والمراد نهى المؤمن عن الإقامة بأرض الكفر ونهى الحكام عن أن يمكنوا أهل الذمة من إظهار شعار الكفر في بلاد المسلمين، وفيل المراد إخراج أهل الكتاب من أرض العرب فقط وهو بعيد لا يناسبه عموم البلد والله تعالى أعلم انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وذكر أنه روى مرسلاً.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين القيم رحمه الله:
وهو من رواية قابوس بن أبي ظبيان عن ابن عباس وثقة ابن معين مرة وضعفه مرة وضعفه غيره وحدث عنه يحيى بن سعيد.
(8/192)
سَعِيدٌ - يَعني ابنَ عَبْدِالعَزِيزِ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إلَى أقْصَى الْيَمَنِ إلَى تُخُومِ الْعِرَاقِ إلَى الْبَحْرِ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: قُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكِينَ وَأنَا شَاهِدٌ أخْبَرَكَ أشْهَبُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ قال قال مَالِكٌ: عُمَرُ أجْلَى أهْلِ نَجْرَانَ وَلَمْ يَجْلُوا مِنَ تَيْمَاءَ لأَنّهَا لَيْسَتْ مِنْ بِلاَدِ الْعَرَبِ، فَأمّا الْوَادِي فَإنّي أرَى أنّما لَمْ يُجْلَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْيَهُودِ أنّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا مِنْ أرْضِ الْعَرَبِ.
ـــــــ
"جزيرة العرب": مبتدأ تقدم تفسير جزيرة العرب وقال في مراصد الاطلاع: قد اختلف في تحديدها، وإنما سميت جزيرة لإحاطة البحار بها من جوانبها والأنهار وذلك لأن الفرات من جهة شرقها، وبحر البصرة وعبادان ثم البحر من ذلك الموضع في جنوبيها إلى عدن ثم انعطف مغرباً إلى جدة وساحل مكة والجار ساحل المدينة ثم إلى أيلة حتى صار إلى القلزم من أرض مصر ثم صار إلى بحر الروم من جهة الشمال فأتى على سواحل الأردن وسواحل حمص ودمشق وقنسرين حتى خالط الناحية التي أقبلت منها الفرات، فدخل في هذه الحدود الشامات كلها إلا أنها جزء قليل بالنسبة إلى بقيتها إذ هي منها في طولها كالجزء منه، وهو عرض الشامات من الجزيرة إلى البحر، وذلك يسير بالنسبة إلى بقية الجزيرة الذي هو منها إلى بحر حضرموت فالشام ساحل من سواحلها، فنزلت العرب هذه الجزيرة وتوالدوا فيها. وقد روى مسند إلى ابن عباس أن الجزيرة قسمت خمسة أقسام تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن انتهى كلامه "ما بين الوادي": أي وادي القرى وهو خبر المبتدأ. قال في المراصد: وادي القرى واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى انتهى "إلى تخوم العراق": أي حدوده ومعالمه. قال في القاموس: التخوم بالضم الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود "عمر": مبتدأ "أجلى": خبر المبتدأ أي أخرج أهل نجران بالنون والجيم موضع بين الشام والحجاز واليمن قال في المراصد نجران بالفتح ثم السكون وآخره نون وهو عدة مواضع منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة وبها كان خبر الأخدود وكان فيها أساقفة مقيمين منهم السيد والعاقب الذين جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابهما، ودعاهم إلى المباهلة وبقوا بها حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه انتهى مختصراً "ولم يجلوا": وفي بعض النسخ لم يحل بالإفراد "من تيماء": كحمراء بتقديم الفوقية على التحتية من أمهات القرى على البحر وهي بلاد طي ومنها يخرج إلى الشام وقيل غير ذلك. قاله في فتح الودود "أنهم": أي الصحابة "لم يروها": أي الوادي. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/193)
3032 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال قال مَالِكٌ: وَقَدْ أجْلَى عُمَرُ يَهُودَ نَجْرَانِ وَفَدَكَ.
ـــــــ
"وفدك": بالتحريك قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة أفاء الله تعالى على رسوله صلحاً. فيها عين فوارة ونخل. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/194)
29- باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة
3033 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا سُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ عن أبِيهِ
ـــــــ
باب في إيقاف أرض السواد
قال في المراصد: السواد يزاد به رستاق من رساتيق العراق وضياعها التي افتقحها المسلمون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمى سواداً لحضرته بالنخل والزرع. وحد السواد قال أبو عبيد من حديثه الموصل طولاً إلى عبادان ومن عذيب القادسية إلى حلوان عرضاً، فيكون طوله مائة وستون فرسخاً، فطوله أكثر من طول العراق، فطول العراق ثمانون فرسخاً ويقصر عن طول السواد خمسة وثلاثون فرسخاً.
قال صاحب المراصد: وهذا التفاوت كأنه غلط ولعله أن يكون بينهما خمسون فرسخاً أو أكثر. وعرض العراق هو عرض السواد لا يختلف وذلك ثمانون فرسخاً انتهى. "وأرض العنوة": أي إيقاف الأرض التي أخذت قهراً لا صلحاً يقال عنا يعنو عنوه إذا أخذ الشيىء قهراً.
قال الحافظ ابن القيم: إن الأرض لا تدخل في الغنائم والإمام مخير فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك، وعمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجاً مستمراً في رقبتها تكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث. وقد نص الإمام أحمد على أنها يجوز أن يجعل صداقاً، والوقف لا يجوز أن يكون مهراً لأن الوقف إنما امتنع بيعه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته والمقاتلة حقهم في خراج الأرض فمن اشتراها صارت عنده خراجية كما كانت عند البائع سواء فلا يبطل حق أحد المسلمين بهذا البيع كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق انتهى مختصراً. قلت: قد اختلف في الأرض التي يفتتحها المسلمون عنوة.
(8/194)
عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا، وَمَنَعَتِ
ـــــــ
قال ابن المنذر: ذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الغانمين الذين افتتحوا أرض السواد وأن الحكم في أرض العنوة أن تقسم كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.
وذهب مالك إلى أن الأرض المغنومة لا تقسم بل تكون وقفاً يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر، وغير ذلك من سبيل الخير إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض.
وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال من طريق أبي أسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد، فشاور في ذلك فقال له علي: دعه يكون مادة للمسلمين فتركه.
وأخرجه أيضاً من طريق عبد الله بن أبي قيس أن عمر أراد قسمة الأرض فقال له معاذ إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم يبيدون فيصير إلى الرجل الواحد أو المرأة، ويأتي قوم يسدون من الإسلام مسداً ولا يجدون شيئاً فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم فاقتضى رأى عمر تأخير قسم الأرض وضرب الخراج عليها للغانمين ولمن يجىء بعدهم انتهى.
"منعت العراق": أي أهلها. قال النووي: في معناه قولان مشهوران أحدهما لإسلامهم فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وجد. والثاني وهو الأشهر أن معناه أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان فيمنعون حصول ذلك للمسلمين. وقد روى مسلم عن جابر قال "يوشك أهل العراق أن لا يجىء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا من أين ذلك؟ قال من قبل العجم يمنعون ذلك" وذكر في منع الروم ذلك بالشام مثله، وهذا قد وجد في زماننا في العراق. وقيل لأنهم يرتدون في آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها. وقيل معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج انتهى.
قال في النيل: وهذا الحديث من أعلام النبوة لإخباره صلى الله عليه وسلم بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج ثم بطلان ذلك إما بتغلبهم وهو أصح التأويلين، وفي البخاري ما يدل عليه، ولفظ المنع يرشد إلى ذلك، وإما بإسلامهم انتهى "قفيزها": مكيال معروف لأهل العراق.
قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف وهو خمس كيلجات قاله النووي
(8/195)
الشّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبّهَا وَدِينَارَهَا، ثُمّ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ".
قالَهَا زُهَيْرٌ ثَلاَثَ مَرّاتٍ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أبي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
ـــــــ
"مديها": المدى كقفل مكيال لأهل الشام يقال إنه يسع خمسة عشر أو أربعة عشر مكوكاً. قاله الخطابي "إردبها": بالراء والدال المهملتين بعدهما موحدة.
قال في القاموس: الإردب كقرشب مكيال ضخم بمصر يضم أربعة وعشرون صاعاً انتهى "ثم عدتم من حيث بدأتم": أي رجعتم إلى الكفر بعد الإسلام. وقال في مجمع البحار: وحديث "عدتم من حيث بدأتم" هو في معنى حديث "بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ" "قالها": أي كلمة ثم عدتم من حيث بدأتم.
قال الخطابي: معنى الحديث والله أعلم أن ذلك كائن وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين ويوضع عليها الخراج شيئاً مقدراً بالمكاييل والأوزان وأنها ستمنع في آخر الزمان، وخرج الأمر في ذلك على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان ذلك ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأرض السواد فوضع على كل جريب عامر أو غامر درهماً وقفيزاً، وقد روى فيه اختلاف في مقدار ما وضعه عليها وفيها مستدل لمن ذهب إلى أن وجوب الخراج لا ينفى وجوب العشر وذلك أن العشر إنما يؤخذ بالقفران والخراج نقداً إما دراهم وإما دنانير انتهى.
وفي الهداية: وعمر رضي الله عنه حين فتح السواد وضع الخراج عليها بمحضر من الصحابة، ووضع على مصر حين افتتحها عمرو بن العاص، وكذا اجتمعت الصحابة على وضع الخراج على الشام انتهى. وروى الإمام أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده إلى إبراهيم التيمى قال: لما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر اقسمه بيننا فإنا فتحناه عنوة، قال فأبي وقال ما لمن جاء بعدكم من المسلمين، قال فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج. وروى ابن أبي شيبة في مصنفة في أواخر الزكاة حدثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي قال "وضع عمر على أهل السواد على كل جريب أرض يبلغه الماء عامر أو غامر درهماً وقفيزاً من طعام، وعلى البساتين على كل جريب عشرة دراهم وعشرة أقفزة من طعام، وعلى الرطاب على كل جريب أرض خمسة دراهم وخمسة أقفزة من طعام، وعلى الكروم على كل جريب أرض عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ولم يضع على النخل شيئاً جعله تبعاً للأرض" انتهى.
وأخرج ابن سعد في الطبقات أن عمر بن العاص افتتح مصر عنوة واستباح ما فيها وعزل
(8/196)
منه مغانم المسلمين، ثم صالح بعد على وضع الجزية في رقابهم ووضع الخراج على أرضهم،ثم كتب إلى عمر بن الخطاب.
وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن الحارث قال: كان عمرو بن العاص يبعث لجزية أهل مصر وخراجها إلى عمر بن الخطاب كل سنة بعد حبس ما يحتاج إليه انتهى مختصراً.
وقال شمس الدين ابن القيم: وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على أن الأرض ليست داخلة في الغنائم، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإن بلالا وأصحابه لما طلبوا من عمر رضي الله عنه أن يقسم بينهم الأرض التي فتحوها عنوة وهي الشام وما حولها وقالوا له خذ خمسها واقسمها، فقال عمر هذا في غير المال ولكن أحبسه فيما يجرى عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفنى بلالاً وذويه، ثم وافق سائر الصحابة عمر رضي الله عنه، وكذلك جرى في فتوح مصر والعراق وأرض فارس وسائر البلاد التي فتحت عنوة لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة، ولا يصح أن يقال إنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم فإنهم قد نازعوه في ذلك وهو يأبى عليهم ودعا على بلال وأصحابه. وكان الذي رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قسمت لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة أو صبي صغير والمقاتلة لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظم الفساد وأكبره وهذا هو الذي خاف عمر رضي الله عنه فوفقه الله تعالى لترك قسمة الأرض وجعلها وقفاً على المقاتلة تجرى عليهم فيها حتى يغزوا منها آخر المسلمين، وظهرت بركة رأيه ويمنه على الإسلام وأهله ووافقه جمهور الأئمة انتهى كلامه.
وأما وجه استدلال المؤلف الإمام بهذا الحديث على ما ترجم من إيقاف سواد الأرض فبأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن الصحابة يفتتحون تلك البلاد ويضعون الخراج على أرضهم ويقفونها على المقاتلة والمجاهدين، ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرره وحكاه لهم، لكن المؤلف لم يجزم على أن إيقافها أمر لازم بل تبويبه كأنه على طريق الاستفهام، أي ما ذا يفعل بأرض العنوة يوقف على المقاتلة أو يقسم للغانمين، وما حكم إيقاف أرض السواد، فقد علمت وجه الاستدلال بالحديث الأول من حديثي الباب.
وأما الحديث الثاني ففيه التصريح بأن الأرض المغنومة تكون للغانمين وحكمها حكم سائر الأموال التي تغنم. فطريق الجمع ما ذهب إليه مالك بن أنس وتقدم قوله. قال المنذري: وأخرجه مسلم أي في كتاب الفتن من الصحيح.
(8/197)
3034 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُالرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمّامِ بن مُنَبّهٍ قالَ هَذَا مَا حَدّثَنَا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أيّمَا قَرْيَةٍ أتَيْتُمُوهَا وَأقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُم فِيهَا وَأيّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ فَإنّ خُمُسَهَا لله وَرَسُولِهِ ثُمّ هِيَ لَكُم".
ـــــــ
"أيما قرية أتيتموها إلخ" قال القاضي عياض في شرح مسلم: يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى هي التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب بل أجلى عنها أهلها وصالحوا فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطاء كما تقرر في الفىء، ويكون المراد بالثانية ما أخذت عنوة فيكون غنيمة يخرج منها الخمس والباقي للغانمين، وهو معنى قوله هي لكم أي باقيها وقد احتج به من لم يوجب الخمس في الفىء. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قبل الشافعي قال بالخمسين في الفيء. كذا في السبيل. قال المنذري: وأخرجه مسلم.
قال الخطابي: فيه دليل على أن أرض العنوة حكمها حكم سائر الأموال التي تغنم وأن خمسها لأهل الخمس، وأربعة أخماسها للغانمين. وقال غيره: يحتمل أن يكون الأول في الفىء مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أجلى عنه أهله وصالحوا عليه، فيكون حقهم فيها أي قسمهم في العطاء، ويكون المراد بالثاني ما فيه الخمس ما أخذ عنوة انتهى كلام المنذري مختصراً.
"فسهمكم فيها" أي حقكم من العطاء كما يصرف الفىء لا كما يصرف الغنيمة. قاله السندي "عصت الله ورسوله" أي أخذتموها عنوة "ثم هي" أي القرية لكم.
(8/198)
30 - باب في أخذ الجزية
3035 - حدثنا الْعَبّاسُ بنُ عَبْدِالْعَظِيمِ أخبرنا سَهْلُ بنُ مُحَمّدٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ أبي زَائِدَةَ عن مُحَمّدِ بن إسْحَاقَ عن عَاصِمِ بن عُمَرَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ وعنْ
ـــــــ
باب في أخذ الجزية
بكسر الجيم وهي مال مأخوذ من أهل الذمة لإسكاننا إياهم في دارنا أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم أو لكفنا عن قتالهم. قاله القسطلاني.
(8/198)
عُثْمَانَ بنِ أبي سُلَيْمَانَ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوْهُ فَأتُوهُ بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ.
3036 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن مُعَاذٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا وَجّهَهُ إلَى الْيَمَنِ أمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلّ حَالِمٍ يَعْنِي مُحْتَلِماً دِينَاراً أوْ عِدْلَهُ مِنَ المَعَافِرِي[المعافر] ثِيَابٌ[ثيابا] تَكُونُ بالْيَمَنِ".
ـــــــ
"عن عثمان بن أبي سليمان" بن جبير بن مطعم. والحديث أخرجه أبو داوود متصلاً عن طريق عاصم بن عمر عن أنس، ومرسلاً من طريق عاصم عن عثمان. قاله المزي "إلى أكيدر دومة" بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية فدال مكسورة مهملة فراء ابن عبد الملك الكندي اسم ملك دومة بضم الدال وقد يفتح بلد أو قلعة من بلاد الشام قريب تبوك أضيف إليها كما أضيف زيد إلى الخيل وكان نصرانياً. قاله القارى "فأخذوه" أي أكيدر، والضمير المرفوع لخالد وأصحابه الذين بعثوا معه، وفي بعض النسخ فأخذ بالإفراد "فأتوه به" أي أتوا بأكيدر عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم نهاهم عن قتله وقال ابعثوه إلي فبعثوه إليه صلى الله عليه وسلم. قاله في فتح الودود "فحقن له دمه": أي وهبه قال في المغرب: حقن دمه إذا منعه أن يسفك، وذلك إذا حل به القتل فأنقذه.
قال الخطابي: أكيدر دومة رجل من العرب يقال إنه غسان. ففي هذا من أمره دلالة على جواز أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم. وكان أبو يوسف يذهب إلى أن الجزية لا تؤخذ من عربي. وقال مالك والأوزاعي والشافعي العربي والعجمي في ذلك سواء. والحديث سكت عنه المنذري.
"لما وجهه" أي أرسله "من كل حالم" أي بالغ "يعني محتلماً" تفسير من أحد الرواة "أو عدله" أي مثله.
قال في مختصر النهاية: العدل بالكسر والفتح المثل، وقيل بالفتح ما عادله من جنسه وبالكسر ماليس من جنسه وقيل بالعكس "من المعافرى" بفتح الميم والعين المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء نسبة إلى معافر علم قبيلة من همدان وإليهم تنسب الثياب المعافرية "ثياب" هذا تفسير المعافرى من بعض الرواة أي هي ثياب، وفي بعض النسخ ثياباً بالنصب بتقدير يعني.
قال الخطابي: في قوله من كل حالم دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكران دون الإناث لأن الحالم عبارة عن الرجل فلا وجوب لها على النساء ولا على المجانين والصبيان.
(8/199)
3037 - حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا الأعْمَشُ عن إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ عن مُعَاذٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
3038 - حدثنا الْعَبّاسُ بنُ عَبْدِالْعَظِيمِ حَدّثَني[حدثنا] عبد الرحمن بنُ هَانِىءِ أبُو نَعِيمِ النّخعِيّ أخبرنا[أنبأنا] شَرِيكٌ عن إبْرَاهِيمَ بنِ مُهَاجِرٍ عن زِيَادِ بن حُدَيْرٍ قالَ قالَ عَلِيّ: لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ لأَقْتُلَنّ المُقَاتِلَةَ وَلاَءَسْبِيَنّ الذّرّيّةَ فَإنّي كَتَبْتُ
ـــــــ
وفيه بيان أنها واجبة على الجميع من العرب والعجم للعموم. وفيه بيان أن الدينار مقبول من جماعتهم أغنيائهم وأوساطهم سواء في ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فأمره بقتالهم ثم أمره بالكف عنهم إذا أعطوا ديناراً، وجعل بذل الدينار حاقناً لدمائهم، فكل من أعطاه فقد حقن دمه. وإلى هذا ذهب الشافعي فقال إنما هو على كل محتلم من الرجال الأحرار دون العبيد.
وقال أصحاب الرأي وأحمد: يوضع على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهماً وأربعة وعشرون واثنا عشر. وقال أحمد: على قدر ما يطيقون، قيل له فيزاد في هذا اليوم وينقص؟ قال نعم على قدر طاقتهم وعلى قدر مايرى الإمام. وقد علق الشافعي القول في إلزام الفقير الجزية انتهى.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف في الإمارة حدثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر بن الخطاب في الجزية على رؤوس الرجال على الغني ثمانية وأربعين درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهما.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي نضرة أن عمر وضع الجزية على أهل الذمة فيما فتح من البلاد، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهما انتهى مختصراً.
وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال عن حارثة بن مضرب عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين وإثني عشر انتهى. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وأن المرسل أصح.
"عن زياد بن حدير" بالحاء المهملة مصغراً "لئن بقيت" وطال عمري "لنصارى بني تغلب" أي لقتالهم "فإني كتبت الكتاب" أي كتاب العهد الذي كان "بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم"
(8/200)
الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أنْ لاَ يُنَصّرُوا أبْنَاءَهُمْ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَبَلَغَنِي عن أحْمَدَ أنّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إنْكَاراً شَدِيداً.[وهو عند بعض الناس شبه المتروك وأنكروا هذا الحديث على عبد الرحمن بن هانئ].
ـــــــ
فنقضوا المعاهدة "على" متعلق بكتبت "أن لا ينصروا أبناءهم" أي لا يجعلون أبناءهم نصارى، ولا يعلمون أبناءهم دين النصارى. ويؤيد هذا المعنى ما يأتي من الروايات "قال أبو داوود هذا حديث منكر" أي رفع هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكونه من حديث علي رضي الله عنه منكر. والمعروف من فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً عليه.
فأخرج ابن أبي شيبة في آخر كتاب الزكاة: حدثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن السفاح بن مطر عن داوود بن كردوس عن عمر بن الخطاب أنه صالح نصارى بني تغلب على أن تضعف عليهم الزكاة مرتين، وعلى أن لا ينصروا صغيراً وعلى أن لا يكرهوا على دين غيرهم. قال داوود: ليست لهم ذمة قد نصروا.
وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال من طريق السفاح عن النعمان بن زرعة أنه سأل عمر بن الخطاب وكلمه في نصارى بني تغلب قال وكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يأخذ منهم الجزية فتفرقوا في البلاد، فقال النعمان بن زرعة لعمر يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواشي، قال فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن تضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم أن لا ينصروا أولادهم انتهى.
وأخرج الإمام أبو أحمد حميد بن زنجويه في كتاب الأموال بلفظ أن عمر أراد أن يأخذ من نصارى بني تغلب الجزية فتفرقوا في البلاد.
وأخرج البيهقي عن عبادة بن النعمان في حديث طويل أن عمر لما صالحهم يعني نصارى بني تغلب على تضعيف الصدقة قالوا نحن عرب لا يؤدي ما يؤدي العجم ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض، يعنون الصدقة، فقال عمر رضي الله عنه لا هذه فرض المسلمين! قالوا زد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، ففعل فتراضى هو وهم على تضعيف الصدقة عليهم. وفي بعض طرقه سموها ما شئتم.
وروى أيضاً من حديث داوود بن كردوس قال: صالح عمر رضي الله عنه بني تغلب على أن يضاعف عليهم الصدقة ولا يمنعوا فيها أحداً أن يسلم ولا أن ينصروا أولادهم انتهى "قال أبو
(8/201)
قالَ أبُو عَلِيّ: وَلَمْ يَقْرَأْهُ أبُو دَاوُدَ في الْعَرْضَةِ الثّانِيَةِ.
3039 - حدثنا مُصَرّفُ بنُ عَمْرٍو الْيَامِيّ أخبرنا يُونُسُ يَعْنِي ابنَ بُكَيْرٍ أخبرنا أسْبَاطُ بن نَصْرٍ الْهَمْدَانِيّ عن إسْمَاعِيلَ بنِ عبد الرحمن الْقُرَشِيّ عن ابنَ عَبّاسٍ قالَ: "صَالَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أهْلَ نَجْرَانَ عَلَى ألْفَي حُلّةٍ. النّصْفُ في صَفَرٍ وَالنّصْفُ في رَجَبٍ يُؤَدّونَهَا إلَى المُسْلِمِينَ وَعَارِيَةَ ثَلاَثِينَ دِرْعاً وَثَلاَثِينَ فَرَساً وَثَلاَثِينَ بَعِيراً وَثَلاَثِينَ مِنْ كُلْ صِنْفٍ مِنْ أصْنَافِ السّلاَحِ يَغْزُونَ بِهَا وَالمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتّى يَرُدّوهَا عَلَيْهِمْ إنْ كَانَ بالْيَمَنِ كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ[أوغدرة] عَلَى أنْ لاَ تُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ، وَلاَ يُخْرَجَ لَهُمْ قَسّ، وَلاَ يُفْتَنُوا عن دِينِهِمْ، مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثاً، أوْ يَأْكُلُوا الرّبَا".
ـــــــ
على" هواللؤلؤي. قال المنذري: بعد نقل كلام أبي داوود على هذا الحديث. وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي وشريك بن عبد الله النخعي وقد تكلم فيهما غير واحد من الأئمة وفيه أيضاً عبد الرحمن بن هاني النخعي، قال الامام أحمد ليس بشيء، وقال ابن معين كذلك.
"على ألفى حلة" تثينة ألف "وعارية" مجرور ومعطوف على ألفى حلة مضاف إلى ما بعده "والمسلمون ضامنون": قال في فتح الودود: أي وضع عليهم أنهم يعطون السلاح المذكور عارية والمسلمون يردون تلك العارية عليهم لكن إعارة السلاح إن كان باليمن كيد أي حرب ولذا أنث صفته، فقال ذات غدر انتهى.
والحاصل أن أهل اليمن إن نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين ووقع القتال بينهم، فيؤخذ من أهل نجران هذا السلاح المذكور عارية لأجل قتال الغادرين من أهل اليمن "كيد ذات غدر" قال الخطابي: الكيد الحرب ومنه ما جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في بعض مغازيه فلم يلق كيداً أي حرباً انتهى. وفي بعض النسخ كيداً وغدرة "على أن لا تهدم": بصيغة المجهول "بيعة" بالكسر معبد النصارى "قس" بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها هو رئيس النصارى في العلم "ولا يفتنوا" بصيغة المجهول "ما لم يحدثوا" من باب الإفعال.
قال القاضي الشوكاني: هذا المال الذي وقعت عليه المصالحة هو في الحقيقة جزية ولكن ما كان مأخوذاً على هذه الصفة يختص بذوى الشوكة فيؤخذ ذلك المقدار من أموالهم ولا يضر به الإمام على رؤوسهم انتهى.
(8/202)
قال إسْمَاعِيلُ: فَقَدْ أكَلُوا الرّبَا.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: إذَا أنْقَضُوا بَعْضَ ما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أحْدَثُوا.
ـــــــ
قال الخطابي: في هذا دليل على أن للامام أن يزيد وينقص قيما يقع عليه الصلح من دينار أو أكثر على قدر طاقتهم ووقوع الرضى منهم، وفيه دليل على أن العارية مضمونة انتهى.
قال المنذري: وفي سماع السدى "هو إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي" من عبد الله بن عباس نظر، وإنما قيل إنه رآه ورأى ابن عمر وسمع من أنس ابن مالك رضي الله عنهم.
(8/203)
31 - باب في أخذ الجزية من المجوس
3040 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيّ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ بِلاَلٍ عن عِمْرَانَ الْقَطّانِ عن أبِي جَمْرَةَ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: إنّ أهْلَ فَارِسَ لَمّا مَاتَ نَبِيّهُمْ كَتَبَ لَهُمْ إبْلِيسُ المَجُوسِيّةَ.
ـــــــ
باب في أخذ الجزية من المجوس
أي عبده النار.
"عن أبي جمرة": بالجيم والراء هو نصر بن عمران "كتب لهم إبليس المجوسية": أي جعل إبليس المجوسية مكان دين نبيهم فصاروا مجوساً بإغواء إبليس لهم بعد أن كانوا على دين نبيهم.
ثم اعلم أنه قال الشافعي: الجزية تقبل من أهل الكتاب ولا تؤخذ عن أهل الأوثان، لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
قال البيهقي في الخلافيات: لا يقبل الجزية من أهل الأوثان. قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ثم استثنى أهل الكتاب بقوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} انتهى.
وقال أكثر الأئمة: تخصيص أهل الكتاب بأداء الجزية لا ينفى الحكم عن غيرهم وأن الوثني العربي والوثني العجمي لا يتحتم قتلهما بل يجوز استرقاقهما فلم يتناولهما قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.
(8/203)
3041 - حدثنا مُسْدَدٌ بنُ مُسَرْهَدٍ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ سَمِعَ بَجَالَةَ
ـــــــ
وأما المجوس فقال بعض الأئمة منهم الشافعي إنه من أهل الكتاب، ويدل عليه أثر ابن عباس الذي في الباب وكذا أثر علي رضي الله عنه عند الشافعي في مسنده، وكذا أثر زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عوف عند ابن أبي عاصم لكن سندهما ضعيف.
وبوب البيهقي في السنن الكبرى فقال: باب المجوس أهل الكتاب والجزية تؤخذ منهم، ثم أورد أثر علي رضي الله عنه هذا.
ومنهم من ذهب إلى أن المجوس ليس من أهل الكتاب، واستدل بما رواه مالك في الموطأ والبزار في مسنده من جهته أن عمر ذكر المجوسي فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد شرح الموطأ في قوله عليه السلام في المجوس "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" يعني في الجزية دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب، وعلى ذلك جمهور الفقهاء.
وقد روى عن الشافعي أنهم كانوا أهل الكتاب فبدلوا، وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روى عن علي وجه فيه ضعف يدور على أبي سعيد البقال، ثم ذكر أثر علي رضي الله عنه ثم قال وأكثر أهل يأبون ذلك ولا يصححون هذا الأثر، والحجة لهم قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} يعني اليهود والنصارى وقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ}.
وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ} فدل على أن أهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل اليهود والنصارى لا غير.
وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريح قال: قلت لعطاء: المجوس أهل كتاب؟ قال لا.
وقال أيضاً: أنبأنا معمر قال سمعت الزهري سئل أتؤخذ الجزية ممن ليس من أهل الكتاب؟ قال نعم، أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل البحرين، وعمر من أهل السواد، وعثمان من بربر. انتهى والحديث سكت عنه المنذري.
"سمع": أي عمرو "بجالة": بفتح الموحدة وتخفيف الجيم تابعي شهير وهو ابن عبدة
(8/204)
يُحَدّثُ عَمْرَو بنَ أوْسٍ وَ أبَا الشّعْثَاءِ قال: كُنْتُ كَاتِباً لِجَزْءِ بنِ مُعَاوِيَةَ عَمّ الأحْنَفِ بن قَيْسٍ إذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اقْتُلُوا كُلّ سَاحِرٍ وَفَرّقُوا بَيْنَ كُلّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ، وَانْهُوهُمْ عن الزّمْزَمَةِ، فَقَتَلْنَا في يَوْمٍ ثَلاَثَةَ سَوَاحِرَ وَفَرّقْنَا بَيْنَ كلّ رَجُلٍ مِنَ المَجُوسِ وَحَرِيمِهِ في كِتَابِ الله تَعَالَى، وَصَنَعَ طَعَاماً كَثِيراً فَدَعَاهُمْ فَعَرَضَ السّيْفَ عَلَى فَخِذِهِ، فَأكَلُوا وَلَمْ يُزَمْزِمُوا وَألْقَوْا وَقْرَ بَغْلٍ أوْ بَغْلَتَيْنِ مِنَ الْوَرِقِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عبد الرحمن بنُ عَوْفٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ.
ـــــــ
"يحدث" أي بحالة "عمرو بن أوس" بالنصب مفعول "وأبا الشعتاء": عطف على عمرو بن أوس.
وفي رواية البخاري قال أي عمرو بن دينار كنت جالساً مع جابر "هو أبو الشعثاء" بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة. والمقصود أن بجالة لم يقصد عمرو بن دينار بالتحديث، وإنما حدث غيره فسمعه هو، وهذا وجه من وجوه التحمل بالإتفاق، وإنما اختلفوا هل يسوغ أن يقول حدثنا والجمهور على الجواز ومنع منه النسائي وطائفة قليلة. قاله الحافظ في الفتح "قال": أي بجالة "لجزء بن معاوية": بفتح الجيم وسكون الزاى بعدها همزة هكذا يقوله المحدثون، وضبطه أهل النسب بكسر الزاى بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة قاله في الفتح وهو تميمى تابعي كان والى عمر رضي الله عنه بالأهواز "عم الأحتف" بدل من جزء "قبل موته": أي موت عمر "بسنة": سنة اثنتين وعشرين "فرقوا": أي في النكاح "بين كل ذي محرم من المجوس": أمرهم بمنع المجوس الذمى عن نكاح المحرم كالأخت والأم والبنت لأنه شعار مخالف للاسلام فلا يمكنون منه وإن كان من دينهم. قاله القاري.
وقال الخطابي: أن أمر عمر بالتفرقة بين الزوجين المراد منه أن يمنعوا من إظهاره للمسلمين والإشارة به في مجالسهم التي يجتمعون فيه الملاك، كما يشترط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم ولا يفشوا عقائدهم "وانهوهم عن الزمزمة": بزائين معجمتين هي كلام يقولونه عند أكلهم بصوت خفي "وحريمه": أي محرمه "وصنع": أي جزء بن معاوية "فدعاهم" أي المجوس "وألقوا": أي بين يدي جزء "وقر بغل أو بغلين من الورق": أي الفضة.
قال في النهاية: الوقر بكسر الواو الحمل وأكثر ما يستعمل في حمل البغل والحمار، يريد حمل بغل أو بغلين أخلة "أخلة جمع خلال ما تخلل به الأسنان" من الفضة كانوا يأكلون بها الطعام فأعطوها ليمكنوا بها من عادتهم في الزمزمة انتهى "من مجوس هجر": بفتحتين قاعدة أرض البحرين، كذا في المغنى.
(8/205)
3042 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ مِسْكِينَ اليَمَامِيّ أخبرنا يَحْيَى بنُ حَسّانَ أخبرنا هُشَيْمٌ أنْبأنَا دَاوُدَ بنُ أبِي هِنْدٍ عن قُشَيْرِ بنِ عَمْرٍو عن بَجَالَةَ بنِ عَبْدَةَ عنْ ابنِ عَبّاسٍ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأُسْبَذِيّينَ مِنْ أهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَهُمْ مَجُوسُ أهْلِ هَجَرَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَمَكَثَ عِنْدَهُ ثُمّ خَرَجَ فَسَألْتُهُ [فَسَألَهُ] مَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ فِيكُمْ؟ قالَ شَرّ. قُلْتُ مَهْ قالَ الإسْلاَمُ أوْ الْقَتْلُ.
قالَ وَقالَ عبد الرحمن بنُ عَوْفٍ قَبِلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ.
قالَ ابنُ عَبّاسٍ: فَأخَذَ[وأخذ] النّاسُ بِقَوْلِ عبد الرحمن وَتَرَكُوا مَا سَمِعْتُ أنَا مِنَ الأسْبَذِيّ.
ـــــــ
وقال الطيبى: اسم بلد باليمن يلي البحرين واستعماله على التذكير والصرف انتهى. وفي القاموس: قد يؤنث ويمنع. وفي شرح السنة: أجمعوا على أخذ الجزية من المجوس وذهب أكثرهم إلى أنهم ليسوا من أهل الكتاب وإنما أخذت الجزية منهم بالسنة كما أخذت من اليهود والنصارى بالكتاب وقيل هم من أهل الكتاب. وروى عن علي كرم الله وجهه قال: كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي مختصراً.
"عن قشير" بالقاف والشين المعجمة مصغراً "من الأسبذيين" بالموحدة والذال المعجمة. قال في النهاية في مادة أسبذانة: كتب لعباد الله الأسبذين هم ملوك عمان بالبحرين الكلمة فارسية معناها عبدة الفرس لأنهم كانوا يعبدون فرساً فيما قيل واسم الفرس بالفارسية أسهب انتهى.
وقال في مادة سبذ: جاء رجل من الأسبذيين إلى النبي صلى الله عليه وسلم هم قوم من المجوس لهم ذكر في حديث الجزية، قيل كانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين الواحد أسبذى والجمع الأسابذة انتهى. وفي تاج العروس: أسبذ كأحمد بلد بهجر بالجدين، وقيل قرية بها، والأسابذ ناس من الفرس نزلوا بها. وقال الخشني: أسبذ اسم رجل بالفارسية منهم المنذر بن ساوى الأسبذي صحابي انتهى.
وقال بعض العلماء: سبذ على وزن حطب، والأسبذ بسكون السين والله أعلم "فمكث": أي الرجل الأسبذي "عنده": أي عند النبي صلى الله عليه وسلم "شر" أي هو شر "مه" أي اكفف. قال في النهاية: مَهْ اسم مبني على السكون بمعنى اسكت انتهى "وتركوا ما سمعت" قال في السبل:
(8/206)
لأن رواية عبد الرحمن موصولة وصحيحة ورواية ابن عباس هي عن مجوسي لا تقبل اتفاقاً انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/207)
32 - باب في التشديد في جباية الجزية
3043 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ: أنّ هِشَامَ بن حَكِيمِ بنِ حِزَامِ وَجَدَ رَجُلاً وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمّسُ نَاساً مِنَ الْقِبْطِ في أدَاءِ الْجِزْيَةِ فقالَ مَا هَذَا؟ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الله عَزّوَجَلّ يُعَذّبُ الّذِينَ يُعَذّبُونَ النّاسَ في الدّنْيَا".
ـــــــ
باب في التشديد في جباية الجزية
أي جمعها وأخذها.
"وهو على حمص" في القاموس حمْصٌ كورة بالشام أهلها يمانيون وفيه وحمص بلد بالأندلس أي كان هو أميراً عليه "بشمس" في القاموس: التشميس بسط الشيء في الشمس "من القبط" وهو أصل مصر "ما هذا" أي ما هذا التعذيب. قال الحافظ المزي في الاطراف: الحديث أخرجه مسلم في الأدب، وأبو داوود في الجزية، والنسائي في السير انتهى. قال المنذري: وأخرجه.
ـــــــ
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقال عبد الحق في إسناده اختلاف ولا أعلمه من طريق يحتج به.
(8/207)
33 - باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارة[بالتجارات]
3044 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا عَطَاءُ بنُ السّائِبِ عن حَرْبِ بنِ عُبَيْدِ الله عن جَدّهِ أبِي أُمّهِ عن أبِيهِ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّمَا العُشُورُ
ـــــــ
باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارة
قال في القاموس: عَشَرهم يَعْشِرهم عشراً وعشوراً وعشرهم أخذ عشر أموالهم.
"أبي أمه" تفسير جده أي جده الذي يروي عنه ليس هو جده الصحيح بل هو جده الفاسد
(8/207)
34 - باب في الذمي [الذي] يسلم في بعض السنة هل عليه جزية
3051 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ الْجَرّاحِ عن جَرِيرٍ عن قَابُوسَ عن أبِيهِ عن ابنِ عَبّاسٍ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ".
ـــــــ
باب في الذمي الخ
وفي بعض النسخ الذي مكان الذمي. وقوله في بعض السنة أي في بعض الحول.
"عن قابوس": هو ابن أبي ظبيان "ليس على مسلم جزية" : قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين أحدهما أن معنى الجزية الخراج، فلو أن يهودياً أسلم فكان في يده أرض صولح عليها وضعت عن رقبته الجزية وعن أرضه الخراج، وهو قول سفيان الثوري والشافعي. قال سفيان
(8/211)
3052 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ كَثِيرٍ قالَ: سُئِلَ سُفْيَانُ يَعْنِي عن تَفْسِيرِ هَذَا فَقَالَ إذَا أسْلَمَ فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
ـــــــ
وإن كانت الأرض مما أخذت عنوة ثم أسلم صاحبها وضعت عنه الجزية وأقر على أرضه الخراج.
والوجه الآخر: أن الذمي إذا أسلم وقدم بعض الحول لم يطالب بحصة ما مضى من السنة كما لا يطالب المسلم بالصدقة إذا باع الماشية قبل مضي الحول لأنها حق تجب باستكمال الحول انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي، وذكر أنه روى عن أبي ظبيان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وذكر أبو داوود أن سفيان يعني الثوري سئل عن تفسير هذا فقال إذا أسلم فلا جزية عليه ظبيان بفتح الظاء المعجمة وقيل بكسرها وبعد الظاء باء موحدة وياء آخر الحروف مفتوحة وبعد الألف نون. وقابوس ابن أبي ظبيان لا يحتج بحديثه.
(8/212)
35 - باب في الإمام يقبل هدايا المشركين
3053 - حدثنا أبُو تَوْبَةَ الرّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابنَ سَلاّمٍ عنْ زَيْدٍ أنّهُ سَمِعَ أبَا سَلاّمٍ قالَ حدّثَني عَبْدُ الله الْهَوْزَنِيّ قالَ: لَقِيتُ بِلاَلاً مُؤَذّنَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِحَلَبَ، فَقُلْتُ يَابِلاَلُ حَدّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أنَا الّذِي ألِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ الله تعالى حَتّى[إلى أن] تُوُفّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ إذَا أتَاهُ الإنْسَانُ مُسْلِماً فَرَآهُ عَارِياً يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ حَتّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فقالَ: يَابِلاَلُ إنّ عِنْدِي سَعَةً فَلاَ تَسْتَقْرِضْ مِنْ أحَدٍ إلاّ مِنّي، فَفَعَلْتُ، فَلَمّا أنْ كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ تَوَضّأْتُ ثُمّ قُمْتُ لاِؤَذّنَ بالصّلاَةِ فَإذَا المُشْرِكُ قَدْ أقْبَلَ في عِصَابَةٍ مِنَ التّجّارِ، فَلَمّا أنْ رَآنِي قال: يَاحَبَشِيّ، قُلْتُ: يَالَبّاهُ،
ـــــــ
باب في الإمام يقبل الخ
"بحلب" بفتح الحاء المهملة واللام اسم بلدة "أنا الذي ألى" بصيغة المتكلم من الولاية أي أتولى "ذلك" أي أمر النفقة "منه": أي من النبي صلى الله عليه وسلم "فإذا المشرك" أي ذلك المشرك الذي قال لبلال لا تستقرض من أحد إلا منى "في عصابة" أي جماعة "يا لباه" أي لبيك "فتجهمني"
(8/212)
فَتَجَهّمَنِي وَقالَ لِي قَوْلاً غَلِيظاً وَقالَ لِي: أتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشّهْرِ؟ قال قُلْتُ: قَرِيبٌ، قال: إنّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أرْبَعٌ فَآخُذُكَ بِالّذِي عَلَيْكَ فَأرُدّكَ تَرْعَى الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأخَذَ[فأجد] في نَفْسِي مَا يُأْخُذُ في أنْفُسِ النّاسِ حَتّى إذَا صَلّيْتُ الْعَتَمَةَ رَجَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى أهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْه، فَأذِنَ لِي، قُلْتُ[فقلت] يَارَسُولَ الله بِأبِي أنْتَ وَأُمّي إنّ المُشْرِكَ الّذِي كُنْتُ أتَدَيّنُ مِنْهُ قالَ لِي كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِي عَنّي وَلاَ عِنْدِي وَهُوَ فَاضِحِي فأْذَنْ لِي أنْ آبِقَ[فآبق] إلَى بَعْضِ هَؤُلاَءِ الأحْيَاءِ الّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا حَتّى يَرْزُقَ الله تعالى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم مَا يَقْضِي عَنّي، فَخَرَجْتُ حَتّى إذَا أتَيْتُ مَنْزِلِي فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَنَعْلِي وَمِجَنّي عِنْدَ رَأْسِي حَتّى إذَا انْشَقّ عَمُودُ الصّبْحِ الأَوّلِ أرَدْتُ أنْ أنْطَلِقَ فَإذَا إنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: يَابِلاَلُ أجِبْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقْتُ حَتّى أتَيْتُهُ فَإذَا أرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٍ عَلَيْهِنّ أحْمَالُهُنّ، فَاسْتَأْذَنْتُ، فقالَ لِي
ـــــــ
أي تلقاني بوجه كريه. قال في القاموس: جهمه كمنعه وسمعه استقبله بوجه كريه كتجهمه "فاخذك بالذي عليك" أي آخذك على رأس الشهر في مقابلة ما عليك من المال، وأتخذك عبداً في مقابلة ذلك المال. قاله في الفتح الودود "فأخذ في نفسي": أي من الهم "العتمة": أي العشاء "كنت أتدين منه": أي آخذ الدين منه "وهو فاضحي": اسم فاعل مضاف إلى ياء المتكلم. قال في القاموس: فضحه كمنعه كشف مساويه "أن آبق": أي أذهب وأفر "إلى بعض هؤلاء الأحياء": جمع حي بمعنى قبيلة "ما يقضي عني": أي الدين "جرابي": بكسر الجيم وعاء من إهاب الشاء ونحوه وقراب السيف "ومجني": المجن بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون الترس "حتى إذا انشق": أي انصدع وطلع.
قال في النهاية: ومنه الحديث "فلما شق الفجران أمر بإقامة الصلاة" يقال شق الفجر وانشق إذا طلع كأنه شق موضع طلوعه وخرج منه انتهى "عمود الصبح الأول": أي العمود المستطيل المرتفع في السماء وهو الصبح الكاذب دون الفجر الأحمر المنتشر في أفق السماء فإنه الصبح الصادق والمستطير. فبين الصبحين ساعة لطيفة فإنه يظهر الأول وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهوراً بيناً. فالفجر الذي يتعلق به الأحكام هو الفجر الثاني فيدخل وقت الصوم ووقت صلاة الصبح بطلوع الفجر واستنارته وإضاءته وهو انصداع الفجر الثاني المعترض بالضياء في أقصى المشرق ذاهباً من القبلة إلى دبرها حتى يرتفع فيعم الأفق وينتشر على رؤوس الجبال والقصور المشيدة. والمعنى أني أردت أن أسير في الصبح الكاذب لكيلاً يعرفني أحد لظلمة
(8/213)
رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أبْشِرْ فَقَدْ جَاءَكَ الله تعالى بِقَضَائِكَ، ثُمّ قال: ألَمْ تَرَ الرّكَائِبَ المُنَاخَاتِ الأرْبَعِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فقال: "إنّ لَكَ رِقَابَهُنّ وَمَا عَلَيْهِنّ، فَإنّ عَلَيْهِنّ كِسْوَةً وَطَعاماً أهْدَاهُنّ إلَيّ عَظِيمُ فَدَكَ، فَاقْبِضْهُنّ وَاقْضِ دَيْنَكَ،" فَفَعَلْتُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمّ انْطَلَقْتُ إلَى المَسْجِدِ فَإذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ في المَسْجِدِ، فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ فقالَ: "مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟" قُلْتُ: قَدْ قَضَى الله تعالى كُلّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ. قال: "أفَضَلَ شَيْءٌ؟" قُلْتُ: نَعَمْ. قال: "انْظُرْ أنْ تُرِيحُنِي مِنْهُ فَإنّي لَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أحَدٍ مِنْ أهْلِي حَتّى تُرِيحُنِي مِنْهُ،" فَلَمّا صَلّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْعَتَمَةَ دَعَانِي فقال: "مَا فَعَلَ الّذِي قِبَلَكَ؟" قال قُلْتُ: هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أحَدُ، فَبَاتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في المَسْجِدَ وَقَصّ الْحَدِيثَ، حَتّى إذَا صَلّى الْعَتَمَةَ - يَعني مِنَ الْغَدِ - دَعَانِي قالَ: "مَا فَعَلَ الّذِي قِبَلَكَ؟" قال قُلْتُ: قَدْ أرَاحَكَ الله مِنْهُ يَارَسُولَ الله، "فَكَبّرَ وَحَمِدَ الله شَفَقاً مِنْ أنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ، ثُمّ اتّبَعْتُهُ حَتّى إذَا جَاءَ أزْوَاجَهُ فَسَلّمَ عَلَى امْرَأةٍ امْرَأةٍ حَتّى أتى مَبِيتَهُ. فَهَذَا الّذِي سَألْتَنِي عَنْهُ".
3054 - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُحَمّدٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بِمَعْنَى إسْنَادِ أبي تَوْبَةَ وَحَدِيثِهِ قال عِنْدَ قَوْلِهِ: مَا يَقْضِي عَنّي، فَسَكَتَ عَنّي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَاغْتَمَزْتُهَا.
3055 - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا أبُو دَاوُدَ أخبرنا عِمْرانُ عن قَتَادَةَ عن
ـــــــ
آخر الليل والله أعلم "ركائب" جمع ركوبه وهو ما يركب عليه من كل دابة "بقضائك" أي ما تقضي به الدين "ما فعل ما قبلك" أي ما حال ما عندك من المال هل قضي الدين أم لا "قال انظر" أي اسع في إراحتي منه وانظر في أسبابه "حتى تريحني منه" أي تفرغ قلبي منه بأن تنفقه.
على مصارفه "شفقا" أي خوفا "وعنده ذلك" أي ذلك المال "فهذا الذي سألتني عنه" المخاطب هو عبد الله الهوزني الذي سأل بلالا عن نفقته صلى الله عليه وسلم والحديث يدل على جواز قبول الهدية من المشرك، ويعارضه حديث عياض بن حمار الآتي، وسيأتي وجه الجمع بينهما.
والحديث سكت عنه المنذري. وفي النيل رجال اسناده ثقات.
"فاغتمزتها" أي ما ارتضيت تلك الحالة وكرهتها وثقلت علي. كذا في فتح الودود.
(8/214)
يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الله بنِ الشّخّيرِ عن عِيَاضِ بنِ حَمارٍ قال: أهْدَيْتُ إلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَاقَةً فقالَ: "أسْلَمْتَ؟" قُلْتُ لاَ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم "إنّي نُهِيتُ عن زَبْدِ المُشْرِكِينَ".
ـــــــ
"إني نهيت عن زبد المشركين" بفتح الزاي وسكون الموحدة العطاء والرفده قال الخطابي: في رد هديته وجهان أحدهما أن يغيظه برد الهدية فيمتغص منه فيحمله ذلك على الاسلام، والآخر أن للهدية موضعاً من القلب، وقد روي "تهادوا تحابوا" ولا يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يميل بقلبه إلى مشرك فرد الهدية قطعاً لسبب الميل. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية النجاشي وليس ذلك بخلاف لقوله: نهيت عن زبد المشركين" لأنه رجل من أهل الكتاب ليس بمشرك، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب ونكاحهم، وذلك خلاف حكم أهل الشرك انتهى.
وقد ذكر وجوه أخر للجمع بين الأحاديث القاضية لجواز قبول الهدية وبين حديث عياض بن حمار، وإن شئت الوقوف عليها فعليك بالفتح والنيل. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح.
(8/215)
36 - باب في إقطاع الأرضين
3056 - حدثنا عَمْرُو بن مَرْزُوقٍ أخبرنا شُعْبَةُ عن سِمَاكٍ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ عنْ أبِيهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقْطَعَهُ أرْضاً بِحَضْرَمُوتَ.
3057 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا جَامِعُ بنُ مَطَرٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَائِلٍ بِإسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
3058 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ عنْ فِطْرٍ قال حدثني أبي عنْ
ـــــــ
باب في إقطاع الأرضين
أي إعطائها. قال القاضي: الإقطاع تعيين قطعة من الأرض لغيره ذكره القاري.
"أقطعه" أي أعطى وائلا "بحضرموت" اسم بلد باليمن غير منصرف بالتركيب والعلمية وهو بفتح الحاء المهملة والراء والميم وسكون الضاد المعجمة. وفي القاموس: بضم الميم بلد وقبيلة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، وزاد في رواية "وبعث معه معاوية ليقطعها إياه".
(8/215)
عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ قالَ: "خَطّ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دَاراً بالمَدِينَةِ بِقَوْسٍ[بقوسه] وَقالَ أزِيدُكَ أزِيدُكَ.
3059 - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبد الرحمن عنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: أنّ النّبيّ[رسول الله] صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ بِلاَلَ بنَ الْحَارِثِ المُزَنّي مَعَادِنَ الْقَبَلِيّةِ وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ فَتِلْكَ المَعَادِنُ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا إلاّ الزّكَاةُ إلى الْيَوْمِ.
3060 - حدثنا الْعَبّاسُ بنُ مُحَمّدٍ بن حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ قال الْعَبّاسُ أخبرنا حُسَيْنُ
ـــــــ
"بقوس" أي جعله آلة الخط "وقال أزيدك أزيدك" قال في الفتح الودود: يحتمل أنه استفهام أي أيكفيك هذا القدر أم أزيدك فيه، ويحتمل أنه خبر بمعنى قد زدتك أي فلا تطلب الزيادة انتهى. وقال شيخ شيخنا مولانا محمد اسحاق رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون معناه أني أزيدك بعد هذا أما الآن فخذ هذا القدر. والحديث سكت عنه المنذري.
"معادن القبلية": قال في المجمع: هي منسوبة إلى قبل بفتح القاف والباء وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل هو بكسر قاف ثم لام مفتوحة ثم باء انتهى. وفي النهاية نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء، وهذا هو المحفوظ في الحديث. وفي كتاب الأمكنة: القلبة بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء انتهى "وهي من ناحية الفرع" بضم فاء وسكون راء موضع بين الحرمين.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: الفرع بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلي وعياض في المشارق. وقال في كتابه التنبيهات: هكذا قيده الناس وكذا رويناه. وحكى عبد الحق عن الأحول اسكان الراء ولم يذكره غيره انتهى. فاقتصار صاحب النهاية والنووي في تهذيبه على الاسكان مرجوح. قال في الروض: بضمتين من ناحية المدينة "لا يؤخذ منها إلا الزكاة" أي لا الخمس، فدل ذلك على وجوب زكاة المعدن.
قال مالك أرى والله أعلم أن لا يؤخذ من المعادن مما يخرج منها شيء حتى يبلغ ما يخرج منها قدر عشرين ديناراً عيناً أي ذهباً وقدر مائتي درهم فضة وهي خمس أواق، وبهذا قال جماعة وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: المعدن كالركاز وفيه الخمس يؤخذ من قليله وكثيره. والحديث المذكور مرسل عند جميع رواة الموطأ، ووصله البزار من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة عن الحارث ابن بلال بن الحارث المزني عن أبيه. وأبو داوود من طريق ثور بن يزيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس قاله الزرقاني.
(8/216)
[الحسين] بن مُحَمّدٍ قال أنْبأنَا أبُو أُوَيْسٍ قال حدثني كَثِيرُ بنُ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو بنِ عَوْفٍ المُزَنيّ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ بِلاَلَ بنَ الْحَارِثِ المُزَنّي مَعَادِنَ الْقَبَلِيّةِ جَلْسِيّهَا وَغَوْرِيّهَا.
وَقالَ غَيْرُ الْعَبّاسِ: جَلَسَهَا وَغَوْرَهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقّ مُسْلِم وَكَتَبَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا مَا أعْطَى مُحَمّدٌ رَسُولُ الله بِلاَلَ بنَ حَارِثِ المُزَنِيّ أعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيّةِ جَلْسِيّهَا وَغَوْرِيّهَا.
وقالَ غَيْرُهُ: "جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقّ مُسْلِمٍ".
قالَ أبُو أُوَيْسٍ وَحَدّثني ثَوْرُ بنُ زَيْدٍ مَوْلَى بَنِي الدّيْلِ بنِ بَكْرِ بن كِنَانَةَ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبّاس مِثْلَهُ.
3061 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ النّضْرِ قالَ سَمِعْتُ الْحُنَيْنِيّ قال: قَرَأْتُهُ غَيْرَ مَرّةٍ يَعْنِي كِتَابَ قَطِيعَةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
ـــــــ
وقال المنذري: هذا مرسل، وهكذا رواه مالك في الموطأ مرسلا ولفظه عن غير واحد من علمائهم.
وقال أبو عمر: هكذا في الموطأ عند جميع الرواة مرسلا ولم يختلف فيه عن مالك وذكر أن الدراوردي رواه عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه. وقال أيضاً وإسناد ربيعة فيه صالح حسن.
"جلسيها" بفتح الجيم وسكون اللام نسبة إلى جلس بمعنى المرتفع. وقوله غوريها بفتح الغين وسكون الواو نسبة إلى غور بمعنى المنخفض، والمراد أعطاها ما ارتفع منها وما انخفض، والأقرب ترك النسبة. قاله في الفتح الودود "قال غير العباس جلسها وغورها" أي قال غيره بترك النسمة وهو الظاهر والجلس بفتح الجيم وسكون اللام بمعنى النجد أي المرتفع من الأرض والغور بفتح الغين المعجمة وسكون الواو ما انخفض من الأرض "من قدس" بضم القاف وسكون الدال المهملة بعدها سين مهملة وهو جبل عظيم بنجد كما في القاموس، وقيل الموضع المرتفع الذي يصلح للزرع كما في النهاية والحديث سكت عنه المنذري.
"الحنيني" بضم المهملة وبالنون مصغراً هو إسحاق بن إبراهيم "يعني كتاب قطيعة
(8/217)
قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَحدثنا غَيْرُ وَاحِدٍ عن حُسَيْنِ بنِ مُحَمّدٍ: قالَ أنْبأنَا أبُو أُوَيْسٍ قال حدّثنِي كَثِيرُ بنُ عَبْدِ الله عن أبِيهِ عن جَدّهِ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ بِلاَلَ بن حَارِثٍ المُزَنِيّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيّةِ جَلْسِيّهَا وَغَوْرِيّهَا. قالَ ابنُ النّضْرِ وَجَرْسَهَا[جرسيها] وَذَاتَ النّصُبِ. ثُمّ اتّفَقَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِ بِلاَلَ بنَ الْحَارِثِ حَقّ مُسْلِمٍ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا مَا أعْطَى رَسُولُ الله بِلاَلَ بنَ الْحَارِثِ المُزَنِيّ أعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيّةِ جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقّ مُسْلِمٍ".
قالَ أبُو أُوَيْسٍ وَحدّثَنِي ثَوْرُ بنُ زَيْدٍ عن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبّاسٍ عنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.
زَادَ ابن النّضْرِ: وَكَتَبَ أُبَيّ بنُ كَعْبٍ.
3062 - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِيّ وَ مُحَمّدُ بنُ المُتَوَكّلَ الْعَسْقَلاَنِيّ المَعْنى وَاحِدٌ أنّ مُحَمّدَ بنَ يَحْيَى بنِ قَيْسٍ الْمَازِنيّ حَدّثَهُمْ قال أخبرني أبِي عن ثُمَامَةَ بنِ شُرَاحِيلَ عن سُمَيّ بن قَيْس عنْ شَمِيْرٍ قالَ ابنُ المُتَوَكّلِ ابنِ عَبْدِالمَدَانِ عن أبْيَضَ بنِ حَمّالٍ: أنّهُ وَفَدَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَاسْتَقْطَعَهُ المِلْحَ.
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم" القطيعة قطعة أرض يقطعها الإمام لأحد "وجرسها وذات النصب" قال في فتح الودود: ضبط بفتح جيم وسكون الراء. والنصب بضمتين وما اطلعت على تعيين المراد بذلك. نعم الذي يظهر أنهما قسمان من الأرض انتهى.
قلت: قال في المجمع: ذات النصب موضع على أربعة برد من المدينة. وقال فيه في مادة جرس: الجرسة التي "أي الأرض التي" تصوت إذا حركت وقلبت انتهى والله تعالى أعلم "ثم اتفقا" أي إسحاق بن إبراهيم الحنيني وحسين بن محمد "زاد ابن النضر" هو محمد شيخ أبي داوود "وكتب": هذا كتاب القطيعة "اُبيّ بن كعب": أي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال المنذري: قال أبو عمرو وهو غريب من حديث ابن عباس ليس يرويه عن أبي أويس هكذا في الأصل أي عن أبي أويس عن ثور ويشبه أن يكون ليس يرويه غير أبي عن ثور والله أعلم عن ثور هذا آخر كلامه. كثير ابن عبد الله بن عوف المزني لا يحتج بحديثه، وأبو أويس عبد الله بن عبد الله أخرج له مسلم في الشواهد وضعفه غير واحد.
"المأربي" نسبه إلى مأرب كمنزل بلدة باليمن "عن شميز" كعظيم "قال ابن المتوكل بن
(8/218)
قالَ ابنُ المُتَوَكّلِ: الّذِي بِمَأْرِبَ فَقَطَعَهُ لَهُ، فَلَمّا أنْ وَلّى قالَ رَجُلٌ مِنَ الْمَجْلِسِ: أتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ إنّمَا قَطَعْتَ لَهُ المَاءَ الْعِدّ. قالَ فَانْتَزَعَ مِنْهُ. قالَ وَسَألَهُ عَمّا يُحْمَى مِنَ الأرَاكِ؟ قال مَا لَمْ تَنَلْهُ خِفَافٌ. وَقال ابنُ المُتَوَكّلِ: أخْفَافُ الإبِلِ.
ـــــــ
عبد المدان" أي قال محمد بن المتوكل في روايته عن شمير بن عبد المدان، وأما قتيبة فقال في روايته عن شمير فقط بغير نسبته إلى أبيه "عن أبيض بن حمال" بالمهملة وتشديد الميم له صحبة وكان اسمه اسود وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض. قال القاري "أنه وفد" قال السبكي: وفد عليه بالمدينة وقيل بل لقيه في حجة الوداع. قاله في مرقاة الصعود "فاستقطعه الملح" أي معدن الملح أي سأله أن يقطعه إياه "قال ابن المتوكل الذي بمأرب" أي قال في روايته فاستقطعه الملح الذي بمأرب، ومأرب موضع باليمن غير مصروف "فقطعه": الملح "له" أي لأبيض "ولي" أي أدبر "قال رجل" وهو الأقرع بن حابس على ما ذكره الطيبي وقيل أنه العباس بن مرداس "الماء العد" بكسر العين وتشديد الدال المهملتين أي الدائم الذي لا ينقطع.
قال في القاموس: الماء الذي له مادة لا تنقطع كماء العين. والمقصود أن الملح الذي قطعت له هو كالماء العد في حصوله من غير عمل وكد "فانتزع": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الملح "منه": أي من أبيض.
قال القاري: ومن ذلك علم أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة كالملح والنفط والفيروزج والكبريت ونحوها وما كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كد وصنعة لا يجوز إقطاعها، بل الناس فيها شركاء كالكلأ ومياه الأودية، وأن الحاكم إذا حكم ثم ظهر أن الحق في خلافه ينقض حكمه ويرجع عنه انتهى.
وقال السيوطي في مرقاة الصعود: قال القاضي أبو الطيب وغيره: إنما أقطعه على ظاهر ما سمعه منه كمن استفتى في مسألة فصورت له على خلاف ما هي عليه فأفتى فبان له أنها بخلافه فأفتى بما ظهر له ثانياً فلا يكون مخطئاً، وذلك الحكم ترتب على حجة الخصم فتبين خلافها وليس ذلك من الخطأ في شيء.
قال السبكي: يحتمل أن إنشاء تحريم إقطاع المعادن الظاهرة إنما كان لما رده النبي صلى الله عليه وسلم ويكون إقطاعه قبل ذلك إما جائزاً وإما على حكم الأصل أو يكون الإقطاع كان مشروطاً بصفة، ويرشد إليه قوله في بعض الروايات "فلا آذن" فإنه يتبين أنه على خلاف الصفة المشروطة في الإقطاع. وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم استقاله، والظاهر أن استقالته تطييب لقلبه تكرماً منه صلى الله عليه وسلم.
(8/219)
3063 - حدثنا هَارُونُ بن عَبْدِ الله قال قالَ مُحَمّدُ بن الْحَسَنِ المَخْزُومِي: "مَا لَمْ تَنَلْهُ أخْفَافُ الإبِلِ - يَعْني أنّ الإبِلَ تَأْكُلُ مُنْتَهَى رُؤُوسِهَا، وَيُحْمَى مَا فَوْقَهُ".
ـــــــ
وفي معجم الطبراني: أن أبيض قال قد أقلته منه على أن تجعله منى صدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هو منك صدقة،" فهذا من النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في مكارم الأخلاق انتهى "عما يحمى": على بناء المفعول "من الأراك": بيان لما هو القطعة من الأرض على ما في القاموس، ولعل المراد منه الأرض التي فيها الأراك. قال المظهر: المراد من الحمي هنا الإحياء إذ الحمى المتعارف لا يجوز لأحد أن يخصه. قاله القاري.
وقال في فتح الودود: الأراك الذي يحمي كأنه قال أيّ الأراك يجوز أن يحمي يا رسول الله انتهى. وفي النيل: وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مخصباً استعوى كلباً على مكان عال فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه. والحمى هو المكان المحمي وهو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع من الإحياء في ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ وترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها. وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الأئمة إقطاع المعادن، والمراد بالإقطاع جعل بعض الأراضي الموات مختصة ببعض الأشخاص سواء كان ذلك معدناً أو أرضاً فيصير ذلك البعض أولى به من غيره، ولكن بشرط أن يكون من الموات التي لا يختص بها أحد.
قال ابن التين: إنه إنما يسمى إقطاعاً إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. وقد يكون الإقطاع تمليكاً وغير تمليك، وعلى الثاني إقطاعه صلى الله عليه وسلم الدور بالمدينة انتهى.
"قال": أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما لم تنله": بفتح النون أي لم تصله "أخفاف الإبل": أي ما كان بمعزل من المراعي والعمارات. وفيه دليل على أن الإحياء لا يجوز بقرب العمارة لاحتياج البلد إليه لمرعى مواشيهم وإليه أشار بقوله: "ما لم تنله أخفاف الإبل" أي ليكن الإحياء في موضع بعيد لا تصل إليه الإبل السارحة. وفي الفائق: قيل الأخفاف مسان الإبل.
قال الأصمعي: الخف الجمل المسن، والمعنى أن يا قرب من المرعى لا يحمي بل يترك لمسان الإبل وما في معناها من الضعاف التي لا تقوى على الإمعان في طلب المرعى. كذا في المرقاة. قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي حسن غريب هذا آخر كلامه، وفي إسناده محمد بن يحيى بن قيس السبأي المأربي. قال ابن عدي: أحاديثه
(8/220)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-16-2010, 08:21 PM   #6
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-17-2014 (06:54 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



3064 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيّ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ الزّبَيْرِ أخبرنا فَرَجٌ بنُ سَعِيدٍ قال حَدّثَني عَمّي ثَابِتُ بنُ سَعِيدٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن أبْيَضَ بنِ حَمّالٍ: أنّهُ سَألَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْ حِمَى الأرَاكِ، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ حِمَى في الأرَاكِ" ، فَقَالَ: أرَاكَةً في حِظَارِي، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ حِمَى في الأرَاكِ"، قالَ فَرَجٌ يَعْني بِحِظَارِي الأرْضَ الّتِي فِيهَا الزّرْعُ المُحَاطُ عَلَيْهَا.
3065 - حدثنا عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ أبُو حَفْصٍ قالَ أخبرنا الْفِرْيَابِيّ قالَ أخبرنا أبَانُ قالَ عُمَرُ وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ أبي حَازِمٍ قالَ حَدّثَني عُثْمَانُ بنُ أبي حَازِمٍ عن أبِيهِ عن جَدّهِ عن صَخْرٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَزَا ثَقِيفاً، فَلَمّا أنْ سَمِعَ ذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ في خَيْلٍ يُمِدّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم قَدِ انْصَرَفَ وَلَمْ يَفْتَحْ، فَجَعَلَ صَخْرٌ حِينَئِذٍ عَهْدَ الله وَذِمّتَهُ أَنْ لاَ يُفَارِقَ هَذَا الْقَصْرَ حَتّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُفَارِقْهُمْ
ـــــــ
مظلمة منكرة، وذكر أبو داوود عن محمد بن الحسن المخزومي قال: ما لم تنله أخفاف الإبل يعني أن الإبل تأكل منتهى رؤسها ويحمي ما فوقه. وذكر الخطابي وجهاً آخر وهو أنه إنما يحمي من الأراك ما بعد من حضرة العمارة فلا تبلغه الإبل الرائحة. إذا أرسلت في الرعي انتهى كلام المنذري.
"يعني أن الإبل تأكل الخ": حاصله أن ذاك هو ما لم تنله أفواهها حال مشيها على أخفافها. كذا في فتح الودود.
"عن حمى الأراك" الأراك شجر معروف يتخذ منه السواك ويقال له بالفارسية درخت بيلو "أراكة في حظاري" أراد الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة ويفتح الحاء وتكسر، وكانت تلك الأراكة في أرض أحياها فلم يملكها وملك الأرض دونها إذ كانت مرعى للسارحة. قاله في المجمع، وكذا قال الخطابي في المعالم وزاد: فأما الأراكة إذا نبت في ملك رجل فإنه محمى لصاحبه غير محظور عليه تملكه والتصرف فيه، فلا فرق بينه وبين سائر الشجر الذي يتخذه الناس في أراضيهم والله أعلم انتهى "قال فرج": هو ابن سعيد. والحديث سكت عنه المنذري.
"قال عمر" أي ابن الخطاب أبو حفص المذكور "وهو" أي أبان "غزا ثقيفاً" أي في غزوة الطائف في شوال سنة ثمان "يمد" من الإمداد أي يعين "عهد الله" بالنصب مفعول جعل "هذا القصر" أي قصر ثقيف "فلم يفارقهم" أي لم يفارق صخر ثقيفاً "فدعا لأحمس عشر دعوات"
(8/221)
حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إلَيْهِ صَخْرٌ: أمّا بَعْدُ فَإنّ ثَقِيفاً قَدْ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِكَ يَارَسُولَ الله وَأنَا مُقْبِلٌ إلَيْهِمْ وَهُمْ في خَيْلٍ، فَأمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالصّلاَةِ جَامِعَةً، فَدَعَا لأَحْمَسَ عَشَرَ دَعَوَاتٍ: "اللّهُمّ بَارِكْ لأِحْمَسَ في خَيْلِهَا وَرِجَالِهَا، وَأتَاهُ الْقَوْمُ، فَتَكَلّمَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ فقالَ: يَانَبِيّ الله إنّ صَخْراً أخَذَ عَمّتِي وَدَخَلَتْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ المُسْلِمُونَ، فَدَعَاهُ فقالَ: يَاصَخْرُ إنّ الْقَوْمَ إذَا أسْلَمُوا[قدأسلموا] أحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ فَادْفَعْ إلى المُغِيرَةِ عَمّتَهُ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ وَسَألَ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم مَا[ماء] لِبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ هَرَبُوا عنْ الإسْلاَمِ وَتَرَكُوا ذَلِكَ الْمَاءَ، فقالَ: يَانَبيّ الله أنْزِلْنِيهِ أنَا وَقَوْمِي، قال: نَعَمْ، فَأنْزَلَهُ، وَأسْلَمَ [فأسلم]- يَعْني السّلَمِيّينَ، فَأتَوْا صَخْراً فَسَألُوهُ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ المَاءَ، فَأبُوا[فأبى] فَأتَوْا نَبيّ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَانَبيّ الله أسْلَمْنَا وَأتَيْنَا صَخْراً لِيَدْفَعَ إلَيْنَا مَاءَنَا فَأبَى عَلَيْنَا، فَدَعَاهُ[فأتاه] فقال: يَاصَخْرُ إنّ الْقَوْمَ إذَا أسْلَمُوا أحْرَزُوا
ـــــــ
وكان صخر أحمسياً "في خيلها" أي في فرسان أحمس وهو ركاب الخيل كما في قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أي بفرسانك ومشاتك "ورجالها" بكسر الراء وبفتح الجيم جمع الراجل وهو من ليس له ظهر يركبه بخلاف الفارس كما في قوله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} "وأتاه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "القوم" أي قوم ثقيف "فتكلم المغيرة بن شعبة" وهو ثقفي "ودخلت فيما دخل فيه المسلمون" أي دخلت في الإسلام "وسأل" أي صخر "ما لبني سليم" كذا في بعض النسخ وفي بعضها بالهمزة وهو الظاهر "فأبو الخ" يعني صخراً وقومه أي امتنعوا من دفع الماء إليهم قال الخطابي يشبه أن يكون أمره برده الماء عليهم إنما هو على معنى استطابة النفس عنه ولذلك كان يظهر في وجهه أثر الحياء، والأصل أن الكافر إذا هرب عن ماله فإنه يكون فيئاً فإذا صار فيئاً وقد ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعله لصخر فإنه لا ينتقل ملكه عنه إليهم بإسلامهم فيما بعد، ولكنه استطاب نفس صخر عنه ثم رده عليهم تألفاً لهم على الإسلام وترغيباً لهم في الدين والله أعلم. وأما رد المرأة فقد يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً كما فعل ذلك في سبي هوازن بعد أن استطاب أنفس الغانمين عنها، وقد يحتمل أن يكون الأمر فيها بخلاف ذلك لأن القوم إنما نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان السبى والمال والدماء موقوفة على ما يريه الله عز وجل فيهم، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد المرأة وأن لا تسبى انتهى.
قال المنذري: صخر هذا هو أبو حازم صخر بن العيلة وهو بفتح العين المهملة وسكون
(8/222)
أمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، فَادْفَعْ إلى الْقَوْمِ مَاءَهُمْ، قال: نَعَمْ يَانَبيّ الله، فَرَأيْتُ وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَتَغَيّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً حَيَاءَ مِنْ أخْذِهِ الْجَارِيَةَ وَأخْذِهِ الْمَاءَ".
3066 - حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أنْبأنَا ابنُ وَهْبٍ حَدّثني سَبْرَةُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ الرّبِيعِ الْجُهَنِيّ عن أبِيهِ عن جَدّهِ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ تَحْتَ دَوْمَةٍ فَأقَامَ ثَلاَثاً ثُمّ خَرَجَ إلَى تَبُوكَ وَإنّ جُهَيْنَةَ لَحِقُوهُ بالرّحْبَةِ فقالَ لَهُمْ: "مَنْ أهْلُ ذِي المَرْوَةِ؟" فقالُوا: بَنُو رِفَاعَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ، فقالَ: "قَدْ أقْطَعْتُهَا لِبَنِي رِفَاعَةَ،" فَاقْتَسَمُوهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أمْسَكَ فَعَمِلَ. ثُمّ سَألْتُ أبَاهُ عَبْدَالعَزِيزِ عنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدّثَني بِبَعْضِهِ وَلَمْ يُحَدّثْني بِهِ كُلّهِ.
3067 - حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ أخبرنا يَحْيَى - يَعْنِي ابنَ آدَمَ - أخبرنا أبُو بَكْرِ بنِ
ـــــــ
الياء آخر الحروف بعدها لام مفتوحة وتاء تأنيث البجلي الأحمسى عداده في الكوفيين له صحبة، والعيلة اسم أمه.
وقال أبو القاسم البغوي: وليس لصخر بن العيلة غير هذا الحديث فيما أعلم هذا آخر كلامه. وفي إسناده أبان بن عبد الله بن أبي حازم وقد وثقه يحيى بن معين.
وقال الإمام أحمد صدوق صالح الحديث.
وقال ابن عدي: وأرجو أنه لا بأس به.
وقال أبو حاتم بن حبان البستي: وكان ممن فحش خطؤه وانفرد بالمناكير.
"حدثني سبرة" بفتح أوله وسكون الموحدة "في موضع المسجد" أي من بلاد جهينة "تحت دومة".
قال في القاموس: الدوم شجر المقل والنبق وضخام الشجر انتهى "وإن جهينة" بالتصغير قبيلة "لحقوه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "بالرحبة": أي الأرض الواسعة "من أهل ذي المروة" أي أيهم من سكان ذي المروة.
قال في المراصد: ذو المروة قرية بوادي القرى. قال ووادي القرى وزاد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى انتهى "فقال" النبي صلى الله عليه وسلم "قد أقطعتها": أي قرية ذي المروة "ثم سألت" الظاهر أن هذا مقول وهب "أباه" أي أبا سبرة "عبد العزيز" بدل من أباه. والحديث سكت عنه المنذري.
(8/223)
عَيّاشٍ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ: أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ الزّبَيْرَ نَخْلاً.
3068 - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ وَ مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ - المَعنى وَاحِدٌ - قالا أخبرنا عَبْدُ الله بنُ حَسّانَ الْعَنْبَرِيّ قال حدّثَتْنِي جَدّتَايَ صَفِيّةُ وَ دُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ، وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَتْ جَدّةَ أبِيهِمَا، أنّهَا أخْبَرَتْهُمَا قَالَتْ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ، تَقَدّمَ صَاحِبِي - تَعْني حُرَيْثَ بنَ حَسّانَ وَافِدَ بَكْرِ بنِ وَائِلٍ - فَبَايَعَهُ عَلَى الإسْلاَمِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ، ثُمّ قالَ: يَارَسُولَ الله اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ بالدّهْنَاءِ أنْ لاَ يُجَاوِزْهَا إلَيْنَا مِنْهُمْ أحَدٌ إلاّ مُسَافِرٌ أوْ مُجَاوِزٌ[مجاور] فقالَ اكْتُبْ لَهُ يَاغُلاَمُ بالدّهْنَاءِ، فَلَمّا رَأيْتُهُ قَدْ أمَرَ لَهُ بِهَا شُخِصَ بِي وَهِيَ وَطَنِي وَدَارِي، فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله إنّهُ لَمْ يَسْألْكَ السّوِيّةَ مِنَ الأرْضِ إذْ سَألَكَ إنّمَا هَذِهِ الدّهْنَاءُ عِنْدَكَ مُقَيّدُ
ـــــــ
"أقطع الزبير نخلا" قال الخطابي: النخل مال ظاهر العين ظاهر النفع كالمعادن الظاهرة فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي هو سهمه والله أعلم. وكان أبو إسحاق المروزي يتأول إقطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المهاجرين الدور على معنى العارية انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"ودحيبة" بمهملة وموحدة مصغرة العنبرية مقيوله من الثالثة "كانتا ربيبتي قيلة" بالتحتانية الساكنة صحابية لها حديث طويل. كذا في التقريب "وكانت" أي قيلة: أي جدة "أبيهما" الضمير لصفية ودحيبة "أنها" أي قيلة "صحابي" يعني رفيقي "فبايعه" أي النبي صلى الله عليه وسلم "عليه وعلى قومه" الضمير فيهما لحريث "بالدهناء موضع معروف ببلاد تميم"
قال في المراصد: بالفتح ثم السكون ونون وألف ممدودة وهي من ديار بني تميم وهي من أكثر بلاد الله كلأ مع قلة أعداد مياه انتهى "لا يجاوزها" أي الدهناء يعني بالتصرف عليها "إلا مسافر أو مجاوز" يعني لا بد من مجاوزتهما لكن لا تصرفا بل مروراً "فقال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "أكتب له" أي الحريث "فلما رأيته" هذا مقول قيلة "قد أمر له" أي لحريث "بها" أي بالدهناء "شخص بي" على بناء المفعول يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه كذا في فتح الودود "وهي" أي الدهناء "السوية من الأرض" سواء الشيء وسطه وأرض سواء سهلة أي مستوية يقال مكان سواء أي متوسط بين المكانين كذا في الصحاح والنهاية.
(8/224)
الْجَمَلِ ومَرْعَى الْغَنَمِ وَنِسَاءُ بَنِي تَمِيمٍ وَأبْنَاؤُهَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ أمْسِكْ يَاغُلاَمُ صَدَقَتِ المِسْكِينَةُ المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ يَسَعَهُمْ المَاء وَالشّجَرُ، وَيَتَعَاوَنِونَ[ويتعاونان] عَلَى الْفَتّانِ.
3069 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ بَشّارٍ حدثني[حدثنا] عَبْدُالحَمِيدِ بنُ عَبْدِالْوَاحِدِ حدثتني أُمّ جَنُوبٍ بِنْتُ نُمَيْلَةَ عن أُمّهَا سُوَيْدَةَ بِنْتَ جَابِرٍ عن أُمّهَا عَقِيلَةَ بِنْتِ أسْمَرَ بن مُضَرّسٍ عن أبِيهَا أسْمَرَ بنَ مُضَرّسٍ قال: "أتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَتْهُ فَقَالَ "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا[ماء] لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ". قالَ فَخَرَجَ النّاسُ يَتَعَادَوْنَ يُتَخَاطّوْنَ.
ـــــــ
والمعنى أن حريثاً لم يسألك الأرض المتوسطة بين الأنفع وغير الأنفع بل إنما سألك الدهناء وهي أرض جيدة ومرعى الجمل ولا يستغنى عن الدهناء لمن سكن فيها لشدة احتياجه إليها فكيف تقطعها لحريث خاصة، وإنما فيها منفعة عامة لسكانها "مقيد الجمل" على وزن اسم المفعول أي مرعى الجمل ومسرحة فهو لا يبرح منه ولا يتجاوزه في طلب المرعى فكأنه مقيد هناك. وفيه من الفقه أن المرعى فكأنه مقيد هناك. وفيه من الفقه أن المرعى لا يجوز اقتطاعه وأن الكلأ بمنزلة الماء لا يمنع. قاله الخطابي "المسكينة": هي قيلة "يسعهم الماء والشجر" وفي بعض النسخ يسعهما بصيغة التثنية.
قال الخطابي: يأمرهما بحسن المجاورة وينهاهما عن سوء المشاركة "يتعاونون على الفتان" يروى بالفتح مبالغة من الفتنة وبضم الفاء جمع فاتن.
قال الخطابي:يقال معناه الشيطان الذي يفتن الناس عن دينهم ويضلهم، ويروى الفتان بضم الفاء وهو جماعة الفاتن كما يقال كاهن وكهان.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي مختصراً، وقال حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان.
"أم جنوب بنت نميلة" قال الحافظ: لا يعرف حالها من السابعة انتهى.
قال ابن الأثير: نميلة بضم النون "عن أمها" الضمير يرجع إلى أم جنوب "سويدة بنت جابر" بدل من أمها.
قال في التقريب: لا تعرف من السادسة "عقيلة": بفتح العين مكبراً قاله ابن الأثير "أسمر بن مضرس" بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة صحابي "إلى
(8/225)
3070 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل حدثنا حَمّادُ بنُ خَالِدٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عَمَرَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ الزّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ فَأجْرَى فَرَسَهُ حَتّى قامَ ثُمّ رَمَى بِسَوْطِهِ فَقَالَ اعْطُوهُ منْ حَيْثُ بَلَغَ الشوْطُ".
ـــــــ
ما لم يسبقه" الضمير المنصوب لمن وما موصولة أي من الماء والكلأ والحطب وغيرها من المباحات. وفي بعض النسخ ماء "فهو له" أي ما أخذ صار ملكاً دون ما بقي في ذلك الموضع فإنه لا يملكه "يتعادون" أي يسرعون، والمعاداة الإسراع بالسير "يتخاطون" أي كل منهم يسبق صاحبه في الخط وإعلام ماله بعلامة. كذا في فتح الودود.
وقال في النيل: المراد بقوله يتخاطون يعملون على الأرض علامات بالخطوط وهي تسمى الخطط واحدتها خطة بكسر الخاء. وأصل الفعل يتخاططون فأدغمت الطاء في الطاء انتهى.
قال في النهاية: الخطط جمع خطة بالكسر وهي الأرض يختطها الانسان لنفسه بأن يُعَلّم عليها علامة ويخط عليها خطاً ليُعْلم أنه قد احتازها انتهى.
قال المنذري: غريب، وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم بهذا الإسناد حديثاً غير هذا.
"حضر فرسه" بضم المهملة وسكون معجمة أي عدوها، ونصبه على حذف مضاف أي قدر ما تعد وعدوة واحدة "حتى قام" أي وقف فرسه ولم يقدر أن يمشي "ثم رمى" أي الزبير "بسوطه" الباء زائدة أي حذفه "فقال": أي النبي صلى الله عليه وسلم "أعطوه" أمر من الإعطاء. وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الأئمة إقطاع المعادن والأراضي وتخصيص بعض دون بعض بذلك إذا كان فيه مصلحة.
قال المنذري: في إسناده عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وفيه مقال، وهو أخو عبيد الله بن عمر العمري.
(8/226)
37 - باب في إحياء الموات
3071 - حدثنا مُحَمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا عَبْدُالوَهّابِ أخبرنا أيّوبُ عن هِشَامِ بنِ
ـــــــ
باب في إحياء الموات
بفتح الميم هو أرض لم تزرع ولم تعمر ولا جرى عليها ملك أحد، وإحياؤها مباشرة عمارتها وتأثير شيء فيها. قاله في المجمع.
(8/226)
عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ عنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "منْ أحْيَى أرْضاَ مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمِ حَقّ".
3072 - حدثنا هَنّادُ بنُ السّرِيّ أخبرنا عَبْدَةُ عن مُحَمّدٍ يَعْنِي ابن إسْحَاقَ عنْ
ـــــــ
"من أحيا أرضاً ميتة" الأرض الميتة هي التي لم تعمر، شبهت عمارتها بالحياة وتعطيلها بالموت. قال الزرقاني: ميتة بالتشديد. قال العراقي. ولا يقال بالتخفيف لأنه إذا خفف تحذف منه تاء التأنيث. والميتة والموات والموتان بفتح الميم والواو التي لم تعمر سميت بذلك تشبيهاً لها بالميتة التي لا ينتفع بها لعدم الانتفاع بها بزرع أو غرس أو بناء أو نحوها انتهى.
قال الخطابي: إحياء الموات إنما يكون محفره وتحجيره وإجراء الماء إليه ونحوها من وجوه العمارة فمن فعل ذلك فقد ملك به الأرض سواء كان ذلك بإذن السلطان أو بغير إذنه، وذلك أن هذه كلمة شرط وجزاء، فهو غير مقصور على عين دون عين ولا على زمان دون زمان، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة: لا يملكها بالإحياء حتى يأذن له السلطان في ذلك، وخالفه صاحباه فقالا بقول عامة الفقهاء انتهى "ليس لعرق ظالم": قال الخطابي: هو أن يغرس الرجل في غير أرضه بغير إذن صاحبها أو يبنى في أرض غيره بغير إذنه فإنه يؤمر بقلعه إلا أن يرضى صاحب الأرض بتركه انتهى. وفي النهاية: هو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرساً غصباً ليستوجب به الأرض. والرواية لعرق بالتنوين وهو على حذف المضاف أي لذي عرق ظالم فجعل العرق نفسه ظالماً والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق وإن روى عرق بالإضافة فيكون الظالم صاحب العرق والحق للعرق انتهى. وفي شرح الموطأ فالظالم صاحب العرق وهو الغارس لأنه تصرف في ملك الغير انتهى. والعرق بكسر العين وسكون الراء. وقال في المجمع: والعرق أحد عروق الشجرة وروى بتنوينه بمعنى لذي عرق ظالم، وظالم صفة عرق مجازاً أو صفة ذي حقيقة وإن روى عرق بالإضافة يكون الظالم صاحب العرق والحق للعرق أي مجازاً انتهى "حق" أي في الإبقاء فيها. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن غريب وذكر أن بعضهم رواه مرسلا، وأخرجه النسائي أيضاً مرسلاً، وأخرج الترمذي من حديث وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحيى أرضاً ميتة فهي له" وقال حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي بهذا الإسناد ولفظه: "من أحيى أرضاً ميتة فله فيها أجر وما أكلت العوافي منها فهو صدقة".
(8/227)
يَحْيَى بنِ عُرْوَةَ عن أبِيهِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أحْيَا أرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ". وَذَكَرَ مِثْلَهُ قالَ: فَلَقَدْ خَبّرَني الّذِي حَدّثني هَذَا الْحَدِيثَ أنّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم غَرَسَ أحَدُهُمَا نَخْلاً في أرْضِ الآخر فَقَضَى لِصَاحِبِ الأرْضِ بِأرْضِهِ وَأمَرَ صَاحِبَ النّخْلِ أنْ يَخْرُجَ نَخْلَهُ مِنْهَا. قالَ فَلَقَدْ رَأيْتُهَا إنّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ وَإنّهَا لَنَخْلٌ عُمّ حَتّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا.
3073 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الدّارَمِيّ أخبرنا وَهْبٌ عن أبِيهِ عن ابنِ إسْحَاقَ بِإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إلاّ أنّهُ قالَ عِنْدَ قَوْلِهِ مَكَانَ الّذِي حدثني هَذَا: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَأكْثَرُ ظَنّي أنّهُ أبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ فَأنَا رَأيْتُ الرّجُلَ يَضْرِبُ في أُصُولِ النّخْلِ.
3074 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةَ الآمُلِيّ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عُثْمَانَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ أنْبأنَا نَافِعُ بنُ عُمَرَ عن ابن أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُرْوَةَ قالَ: "أشْهَدُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى أنّ الأرْضَ أرْضُ الله، وَالْعِبَادَ عِبَادُ الله، وَمَنْ أحْيَى مَوَاتاً فَهُوَ أحَقّ بِهَا[به]" جَاءَنَا بِهَذَا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذِينَ جَاءُوا بالصّلَوَاتِ عَنْهُ.
ـــــــ
"وذكر مثله" أي مثل الحديث السابق "قال" أي عروة "فلقد خبرني" من باب التفعيل "غرس" الغرس بالفتح نشاندن درخت من باب ضرب "فقضى" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لتضرب" بصيغة المجهول "أصولها" أي أصول النخل "بالفؤس" جمع فأس وهو بالفارسية تبر "لنخل عم" بضم عين مهملة وتشديد ميم. قال الخطابي: أي طوال واحدها عميم ورجل عميم إذا كان تام الخلق انتهى. وقال في المجمع: أي تامة في طولها والتفافها جمع عميمة.
"مكان الذي حدثني" أي في موضع لفظ الذي حدثني المذكور في الرواية السابقة "هذا" أي هذا الكلام الآتي. والحاصل أنه كان في الرواية السابقة لفظ فلقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين الخ. وفي رواية وهب عن أبيه عن ابن إسحاق هذه عوض ذلك اللفظ لفظ فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري أن رجلين إلخ. "فأنا رأيت الرجل": يعني صاحب النخل.
"فهو أحق منها": أي بالموات. وفي بعض النسخ به، وتأنيث الضمير باعتبار أن المراد به الأرض الميتة وتذكيره باعتبار لفظه "الذين جاءوا بالصلوات": فاعل جاءنا "عنه" أي عن النبي صلى الله عليه وسلم: والحديث سكت عنه المنذري.
(8/228)
3075 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحَمّدُ بنُ بِشْرٍ أخبرنا سَعِيدُ عنْ قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أحَاطَ حَائِطاً عَلَى أرْضٍ فَهِيَ لَهُ".
3076 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرٍو بنِ السّرْحِ أنْبأنَا ابن وَهْبٍ أخبرني مَالِكٌ. قالَ هِشَامٌ: الْعِرْقُ الظّالِمُ أنْ يَغْرِسَ الرّجُلُ في أرْضِ غَيْرِهِ، فَيَسْتَحِقّهُا بِذَلِكَ. قال مَالِكٌ: وَالْعِرْقَ الظّالِمُ كُلّ مَا أُخِذَ وَاحْتُفِرَ وَغُرِسَ بِغَيْرِ حَقَ.
ـــــــ
"من أحاط حائطاً" أي جعل وأدار حائطاً أي جداراً "على أرض" أي حول أرض موات "فهي" أي فصارت تلك الأرض المحوطة "له" أي ملكاً له أي ما دام فيه كمن سبق إلى مباح. قال التوربشتي: يستدل به من يرى التمليك بالتحجير، ولا يقوم به حجة، لأن التمليك إنما هو بالإحياء وتحجير الأرض وإحاطته بالحائط ليس من الإحياء في شيء، ثم إن في قوله على أرض مفتقر إلى البيان إذ ليس كل أرض تملك بالإحياء. قال الطيبي رحمه الله: كنى به بياناً قوله أحاط فإنه يدل على أنه بنى حائطاً مانعاً محيطا بما يتوسطه من الأشياء نحو أن يبني حائطاً لحظيرة غنم أو زريبة للدواب. قال النووي رحمه الله: إذا أراد زريبة للدواب أو حظيرة يجفف فيها الثمار أو يجمع فيها الحطب والحشيش اشترط التحويط، ولا يكفي نصب سعف وأحجار من غير بناء. كذا في المرقاة. قال المنذري: قد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة.
"قال هشام": وهو ابن عروة "العرق الظالم أن يغرس إلخ": أي معنى قوله العرق الظالم هو أن يغرس إلخ "ما أخذ": بصيغة المجهول وكذا ما بعده "واحتفر": الاحتفار زمين كندن "وغرس" في القاموس: غرس الشجر يغرسه أثبته في الأرض كأغرسه. قال الزرقاني: تحت قول مالك: وظاهر هذا أن الرواية بالتنوين، وبه جزم في تهذيب الأسماء واللغات فقال: واختار مالك والشافعي تنوين عرق، وذكر نصه هذا ونص الشافعي بنحوه، وبالتنوين جزم الأزهري وابن فارس وغيرهما، وبالغ الخطابي فغلط من رواه بالإضافة وليس كما قال، فقد ثبتت ووجهها ظاهر فلا يكون غلطا، فالحديث يروى بالوجهين. وقال القاضي عياض: أصل العرق الظالم في الغرس يغرسه في الأرض غير ربها ليستوجبها به، وكذلك ما أشبهه من بناء أو استنباط ماء أو استخراج معدن، سميت عرقا لشبهها في الإحياء بعرق الغرس. وفي المنتقى قال عروة وربيعة: العروق أربعة عرقان ظاهران البناء والغرس، وعرقان باطنان المياه والمعادن، فليس للظالم في ذلك حق في بقاء أو انتفاع، فمن فعل ذلك في ملك غيره ظلما فلربه أن يأمره بقلعه
(8/229)
3077 - حدثنا سَهْلُ بنُ بَكّارٍ أخبرنا وُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ عن عَمْرِو بن يَحْيَى عن الْعَبّاسِ السّاعِدِيّ يَعْنِي ابنَ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عن أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ قالَ: غَزَوْتُ معَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَبُوكَ[تبوكا] فَلَمّا أتَى وَادِي الْقُرَى إذَا امْرَأةٌ في حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصْحَابِهِ "اخْرُصُوا" ، فَخَرَصَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَشْرَةَ أوْسُقٍ، فقالَ لِلْمَرْأةِ "أحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا"، فَأتَيْنَا تَبُوكَ[تبوكا] فَأهْدَى مَلِكُ أيْلَةَ إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدَةً وَكَتَبَ لَهُ يَعْنِي بِبَحْرِهِ. قالَ فَلَمّا أتَيْنَا وَادِي الْقُرَى قالَ لِلْمَرْأةِ "كَمْ كَانَ فِي حَدِيقَتِكِ؟" قالَتْ عَشْرَةَ أوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّي مُتَعَجّلٌ إلَى المَدِينَةِ فَمَنْ أرَادَ أنْ يَتَعَجّلْ مَعِي فَلْيَتَعَجّلْ".
ـــــــ
أو يخرجه منه ويدفع إليه قيمته مقلوعاً ومالا قيمة له بقي لصاحب الأرض على حاله بلا عوض انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"تبوك" بفتح الفوقية وضم الموحدة آخره كاف بينها وبين المدينة أربع عشر مرحلة من طرف الشام غير منصرف. وفي بعض النسخ تبوكا بالصرف، وكانت تلك الغزوة في رجب سنة تسع "وادي القرى" بضم القاف مدينة قديمة بين المدينة والشام "اخرصوا" بضم الراء والخرص حزر كردن ميوه بردرخت وكشت برزمين. وعند مسلم فخرصنا "أحصى" بفتح الهمزة من الإحصاء وهو العد أي احفظي قدر "ما يخرج منها": كيلا "فأهدى" يوحنا بن روبة "ملك أيلة" بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية بعدها لام مفتوحة بلدة قديمة بساحل البحر "وكساه": أي النبي صلى الله عليه وسلم "بردة": الضمير المنصوب عائد على ملك أيلة وهو المكسوء والضمير المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم "وكتب" النبي صلى الله عليه وسلم "له" أي لملك أيلة "ببحره" بباء موحدة وحاء مهملة ساكنة. وفي رواية البخاري ببحرهم أي بأرضهم وبلدهم، والمراد أهل بحرهم لأنهم كانوا سكانا بساحل البحر. والمعنى أنه أقره عليهم بما التزمه من الجزية. ولفظ الكتاب كما ذكره محمد بن إسحاق بعد البسملة هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا بن روبة وأهل أيلة أساقفتهم وسائرهم في البر والبحر لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوه ماء يردونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كم كان في حديقتك": أي ثمرها. ولمسلم "فسأل المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها" "عشرة أوسق": بنصب عشرة على نزع الخافض أي بمقدار عشرة أوسق "خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم": مصدر منصوب بدل من عشرة أو عطف بيان لها "فليتعجل"
(8/230)
3078 - حدثنا عَبْدُالْوَاحِدِ بنُ غِيَاثٍ أخبرنا عَبْدُالْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا الأعْمَشُ عن جَامِعِ بنِ شَدّادٍ عنْ كُلْثُوم عنْ زَيْنَبَ أنّهَا كَانَتْ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ امْرَأةُ عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ وَنِسَاءٌ مِنْ المُهَاجِرَاتِ وَهُنّ يَشْتَكِينَ مَنَازِلُهُنّ أنها تَضِيقُ عَلَيْهِنّ وَيُخْرَجْنَ مِنْهَا "فَأمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ تُوَرّثَ دُورَ المُهَاجِرِينَ النّسَاءُ" فَمَاتَ عَبْدُ الله بن مَسْعُودٍ فَوَرَثَتْهُ امْرَأَتُه دَاراً بالمَدِينَةِ.
ـــــــ
وفي فوائد للحافظ أبي علي بن خزيمة أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غراب لأنها أقرب إلى المدينة وترك الأخرى. قال في الفتح: ففيه بيان قوله إني متعجل إلى المدينة أي إني سالك الطريق القريبة فمن أراد فليأت معي يعني ممن له إقتدار على ذلك دون بقية الجيش. كذا في إرشاد السارى شرح البخاري للقسطلاني وأوسق بضم السين جمع وسق وهو ستون صاعاً. قال المزي في الأطراف. والحديث أخرجه البخاري في الزكاة والحج والمغازي وفي فضل الأنصار ببعضه، ومسلم في فضل النبي صلى الله عليه وسلم والحج. وأما مطابقة الحديث من الباب فيشبه أن يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر المرأة على حديقتها ولم ينتزع عنها لأن من أحيى مواتا فهو أحق به، فالمرأة أحيت الأرض بغرس النخل والأشجار فثبت لها الحق والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"أنها كانت تفلى" في القاموس: فلى رأسه بحثه عن القمل "أنها تضيق عليهن ويخرجن" بصيغة المجهول "منها" أي من النازل.
قال في فتح الودود: إذا مات زوج واحدة فالدار يأخذها الورثة وتخرج المرأة وهي غريبة في دار الغربة فلا تجد مكاناً آخر فتتعب لذلك انتهى "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تورث" بصيغة المجهول بشدة الراء من باب التفعيل "دور المهاجرين": جمع دار مفعول تورث "النساء" نائب الفاعل أي نساء المهاجرين فلا تخرج نساء المهاجرين من دار أزواجهم بعد موتهم بل تسكن فيها على سبيل التوريث والتمليك.
قال الخطابي: وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة فتأوّلوها على وجهين:
أحدهما: أنه إنما كان أقطعهم العرصة ليبنوا فيها الدور، فعلى هذا الوجه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العرصة.
(8/231)
والوجه الآخر: أنهم إنما أقطعوا الدور عارية، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي، وعلى هذا الوجه لا يصح الملك فيها، وذلك أن الميراث لا يجري إلا في ما كان الموروث مالكاً له، وقد وضعه أبو داوود في باب إحياء الموات.
وقد يحتمل أن يكونوا إنما أحيوا تلك البقاع بالبناء فيها إذ كانت غير مملوكة لأحد قبل والله أعلم.
وقد يكون نوع من الإقطاع إرفاقاً من غير تمليك، وذلك كالقاعد في الأسواق والمنازل في الأسفار فإنما يرتفق بها ولا تملك، فأما توريثه الدور لنساء المهاجرين خصوصاً فيشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصهن بالدور لأنهن بالمدينة، غرائب لا عشيرة لهن بها، فخاز لهن الدور لما رأى من المصلحة في ذلك.
وفيه وجه آخر وهو أن تكون تلك الدور في أيديهن مدة حياتهن على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك كما كانت دور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحجره في أيدي نسائه بعده لا على سبيل الميراث، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "نحن لا نورث ما تركناه صدقة" انتهى كلام الخطابي. والحديث سكت عنه المنذري.
وحكى صاحب الفتح عن ابن التين أنه إنما يسمى إقطاعاً إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. قال وقد يكون الإقطاع تمليكاً وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه صلى الله عليه وسلم الدرو بالمدينة.
قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه الشافعي مرسلا ووصله الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أقطع الدور يعني أنزل المهاجرين في دور الأنصار برضاهم انتهى.
(8/232)
38 - باب ما جاء في الدخول في أرض الخراج
3079 - حدثنا هَارُونُ بنُ مُحَمّدِ بن بَكّارِ بن بِلاَلٍ أنْبأنَا مُحَمّدُ بنُ عِيسَى يَعْنِي ابن سُمَيْعٍ قالَ أخبرنا زَيْدُ بنُ وَاقِدٍ حَدّثَني أبو عَبْدِ الله عنْ مُعَاذٍ أنّهُ قالَ: "مَنْ عَقَدَ الْجِزْيَةَ في عُنُقِهِ فَقَدْ بَرِىءَ مِمّا عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم".
ـــــــ
باب ما جاء في الدخول في أرض الخراج
"عن معاذ" هو ابن جبل رضي الله عنه "من عقد الجزية الخ" أي إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر لزمه خراجها، والخراج قسم من الجزية فصار كأنه عقد الجزية في عنقه، ولا
(8/232)
3080 - حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيّ أخبرنا بَقِيّةُ حَدّثَني عُمَارَةُ بنُ أبي الشّعْثَاءِ حَدّثَني سِنَانُ بنُ قَيْسٍ حَدّثَنِي شَبِيبُ بنُ نُعَيْمٍ حَدّثني يَزِيدُ بنُ خُمَيْرٍ حَدّثني أبُو الدّرْدَاءِ قالَ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أخَذَ أرْضاً بِجِزْيَتِهَا فَقَدْ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، ومَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ في عُنُقِهِ فَقَدْ وَلّى الإسْلاَمَ ظَهْرَهُ". قالَ فَسَمِعَ مِنّى
ـــــــ
شك أن إلزام الجزية ليس من طريق السنة، فلعل ذلك هو المعنى بالبراءة. كذا في فتح الودود.
قال المنذري: أبو عبد الله لم ينسب انتهى. قال المزي: وهو الأشعري انتهى. قلت: هو الأشعري الدمشقي روى عنه أبو صالح الأشعري، وثقة ابن حبان، وقال أبو زرعة لم أجد أسماه انتهى. وقال بعضهم إن اسمه مسلم.
"يزيد بن خمير" بالخاء المعجمة مصغراً "بجزيتها" أي بخراجها لأن الخراج يلزم بشراء الأرض الخراجية. قال الخطابي: معنى الجزية ها هنا الخراج. ودلالة الحديث أن المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر فإن الخراج لا يسقط عنه، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي إلا أنهم لم يروا فيما أخرجت من حب عشراً، وقالوا لا يجتمع الخراج والعشر. وقال عامة أهل العلم: العشر عليه أوجب فيما أخرجته الأرض من الحب إذا بلغ خمسة أوسق انتهى.
والخراج عند الشافعي على وجهين:
أحدهما: جزية، والآخر كراء وأجرة، فإذا فتحت الأرض صلحاً على أن أرضها لأهلها فما وضع عليها من خراج فمجراه مجرى الجزية التي تؤخذ من رؤسهم، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج كما يسقط ما على رقبته من الجزية ولزمه العشر فيما أخرجت أرضه، وإن كان الفتح إنما وقع على أن الأرض للمسلمين ويؤدوا في كل سنة عنها شيئاً والأرض للمسلمين وما يؤخذ منهم عنها فهو أجرة الأرض سواء من أسلم منهم أو أقام على كفره فعليه إذا ما اشترط عليه، ومن باع منهم شيئاً من تلك الأرضين فبيعه باطل لأنه باع ما لا يملكه، وهذا سبيل أرض السواد عنده انتهى "فقد استقال هجرته": أي أقرب ذلك من استقالة الهجرة، وذلك أن المسلم إذا أخذ الأرض الخراجية من الذمي بيعاً أو إجارة مثلا يلزمه خراج تلك الأرض ويكون قائماً مقام الذمي في الأداء وراجعاً إلى تلك الأرض بعد أن كان تاركاً لها فيكون كالمستقل بهجرته لأن الهجرة عبارة عن ترك أراضي الكفر "صغار كافر": بفتح الصاد المهملة أي ذله وهو أنه "ظهره": الضمير لمن.
(8/233)
خَالِدُ بنُ مَعْدَانَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي أشَبِيبٌ حَدّثَكَ فَقُلْتُ[قلت] نَعَمْ، قالَ فَإذَا
ـــــــ
والمعنى: أي قرب من أن يولي ظهره إلى الإسلام وذلك لأن الكافر ذليل بأداء الخراج وإذا أخذ المسلم تلك الأرض منه رجع الذل إليه فيكون كما لو نزع الذل من عنقه ثم جعله في عنق نفسه، والإسلام عزيز والكفر ذليل، وإذا اختار المسلم الذل فقد ولي ظهره الإسلام.
قال الشيخ العلامة الإردبيلي في الأزهار شرح المصابيح: الحديث فيه نهى عن شري أرض الخراج من الذمي وغيره لما فيه من المذلة والمؤمن لا يذل نفسه وكذا الاستيجار.
وقال العلماء: والأرض الخراجية أنواع: أحدها: أن يفتح الإمام بلدة قهراً ويقسمها بين الغانمين ثم يعوضهم ثمنها ويقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجاً كما فعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق.
والثاني: أن يفتح الإمام بلدة صلحاً على أن تكون الأراضي لنا ويسكنها الكفار بالخراج، فالأرض فيء والخراج أجرة لا يسقط بإسلامهم.
والثالث: أن يفتحها صلحاً على أن تكون الأراضي لهم ويسكنونها بالخراج، فهذا الخراج جزية فيسقط بإسلامهم، والحديث عند العلماء مشروح بهذا النوع ولم يختص به انتهى.
وفي الهداية: وقد صح أن الصحابة رضي الله عنهم اشتروا أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها انتهى.
قال البيهقي في المعرفة: وكان لابن مسعود ولخباب بن الأرت ولحسين بن علي ولشريح أرض الخراج. ثم روى بإسناده عن عتبة بن فرقد السلمي أنه قال لعمر بن الخطاب إني اشتريت أرضاً من أرض السواد، فقال عمر أنت فيها مثل صاحبها.
ثم أخرج من طريق قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال أسلمت امرأة من أهل بهز الملك، فكتب عمر بن الخطاب: إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها فخلوا بينها وبين أرضها وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم.
ولفظ عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن دهقانة من أهل بهز الملك أسلمت، فقال عمر ادفعوا إليها أرضها يؤدي عنها الخراج وأخرجا أيضاً عن زبير بن عدي أن دهقاناً أسلم على عهد علي فقال علي إن أقمت في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك، وإن تحولت عنها فنحن أحق بها. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر وعلي أنهما قالا: إذا أسلم وله
(8/234)
قَدِمْتَ فَسَلْهُ فَلْيَكْتُبْ إلَيّ بالْحَدِيثِ[بهذا الحديث] قالَ فَكَتَبَهُ لَهُ فَلَمّا قَدِمْتُ سَألَنِي خَالِدُ بن مَعْدَانَ الْقِرْطَاسَ، فَأعْطَيْتُهُ. فَلَمّا قَرَأهُ تَرَكَ مَا في يَدَيْهِ مِنَ الأرْضِ[الأرضين[ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ.
قَالَ أبُو دَاوُدَ: هَذَا يَزِيدُ بنُ خُمَيْرٍ الْيَزَنِيّ لَيْسَ هُوَ صَاحِبُ شُعْبَةَ.
ـــــــ
أرض وضعنا عنه الجزية وأخذنا خراجها انتهى "قال" أي سنان بن قيس "فإذا قدمت" أي إلى شبيب "فسله" أي سل شبيباً عن هذا الحديث "فليكتب" أي شبيب "فكتب له" أي فكتب شبيب الحديث لخالد "فلما قدمت" أي إلى خالد "القرطاس" أي المكتوب "هذا يزيد بن خمير الخ" حاصلة أن يزيد بن خمير رجلان أحدهما اليزني بفتح التحتانية والزاي ثم نون الراوي عن أبي الدرداء، والثاني الهمداني الزبادي صاحب شعبة، فالمذكور في الإسناد هو الأول لا الثاني.
قال المنذري: في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال.
(8/235)
39 - باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل
3081 - حدثنا ابنُ السّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عن ابنِ عَبّاسٍ عن الصّعْبِ بنِ جَثّامَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ حِمَى إلاّ لله وَلِرَسُولِهِ". قالَ ابنُ شِهَابٍ وَبَلَغَنِي أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَمَى النّقِيعَ.
ـــــــ
باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل
"عن الصعب بن جثامة" بفتح الجيم وتشديد المثلثة "لا حمي" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم المفتوحة بمعنى المحمي، وهو مكان يحمي من الناس والماشية ليكثر كلؤه "إلا لله ولرسوله" قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين:
أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والآخر: معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخليفة خاصة.
قال في الفتح: وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألة قولين والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ انتهى. ومن أصحاب الشافعي من ألحق بالخليفة ولاة الأقاليم.
(8/235)
3082 - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُحَمّدٍ عن عبد الرحمن بن الْحَارِثِ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله عن عَبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ عن الصّعْبِ بن جَثّامَةَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَمَى النّقِيعَ وَقَالَ لاَ حِمَى إلاّ لله عَزّوَجَلّ".
ـــــــ
قال الحافظ: ومحل الجواز مطلقاً أن لا يضر بكافة المسلمين انتهى. كذا في النيل. وقال في النهاية: قيل كان الشريف في الجاهلية إذا أنزل أرضاً في حيّه استعوى كلباً فحمى مَدَى عُوَاء الكلب لا يشركه فيه غيره وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله تعالى ورسوله أي إلا يحمي للخيل التي ترصد للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر بن الخطاب النقيع لِنعَم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله انتهى "حمى النقيع": قال في مرقاة الصمود: هو بالنون موضع قريب من المدينة كان يستنقع فيه الماء أي يجتمع انتهى. والحديث سكت عنه المنذري.
"لا حمى إلا للهعز وجل": تقدم شرحه، وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز الإحياء معارضة ومنشأ هذا الظن عدم الفرق بينهما وهو فاسد، فإن الحمى أخص من الإحياء مطلقاً.
قال ابن الجوزي: ليس بين الحديثين معارضة فالحمى المنهى عنه ما يحمي من الموات الكثيرة العشب لنفسه خاصة كفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة فافترقا. قال وإنما تعد أرض الحمى مواتاً لكونها لم يتقدم فيها ملك لأحد لكنها تشبه العامرة لما فيها من المنفعة العامة. كذا في النيل. قال المنذري: وأخرجه النسائي ولم يذكر النقيع.
(8/236)
40 - باب ما جاء في الركاز وما فيه
3083 - حدثنا مُسْدَدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ وَ أبي
ـــــــ
باب ما جاء في الركاز وما فيه
ليس في بعض النسخ لفظ وما فيه.
(8/236)
سَلَمَةَ سَمِعَا أبَا هُرَيْرَةَ يُحَدّثُ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "في الرّكَازِ الْخُمُسُ".
ـــــــ
"في الركاز الخمس" كذا أورده أبو داوود مختصراً، وقد جاء هذا الحديث مطولا بلفظ "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي المال المدفون مأخوذ من الركز يقال ركزه يركزه إذا دفنه فهو مركوز، وهذا متفق عليه.
قال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز، واحتج لهم بقول العرب أركز الرجل إذا أصاب ركاز أو هي قطع من الذهب تخرج من المعادن، وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا لا يقال للمعدن ركاز، واحتجوا بما وقع في حديث أبي هريرة من التفرقة بينهما بالعطف، فدل ذلك على المغايرة. وخص الشافعي الركاز بالذهب والفضة.
وقال الجمهور لا يختص واختاره ابن المنذر، كذا في النيل وتفصيله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المعدن جبار وفي الركاز الخمس" عطف الركاز على المعدن وفرق بينهما في الحكم فعلم منه أن المعدن ليس بركاز عند النبي صلى الله عليه وسلم بل هما شيئان متغائران، ولو كان المعدن ركازاً عنده لقال المعدن جبار وفيه الخمس، ولما لم يقل ذلك ظهر أنه غيره لأن العطف يدل على المغايرة. قال الحافظ ابن حجر، والحجة للجمهور التفرقة من النبي صلى الله عليه وسلم بين المعدن والركاز بواو العطف فصح أنه غيره.
وقال الخطابي: الركاز على وجهين، فالمال الذي يوجد مدفوناً لا يعلم له مالك ركاز لأن صاحبه قد كان ركزه في الأرض أي أثبته فيها، والوجه الثاني أن الركاز عروق الذهب والفضة فتستخرج بالعلاج، ركزها الله في الأرض ركزاً والعرب تقول أركز المعدن إذا أنال الركاز، والحديث إنما جاء في النوع الأول منهما وهو الكنز الجاهلي على ما فسر الحسن، وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة نيله. والأصل أن ما خفت مؤنته كثر مقدار الواجب فيه، وما كثرت مؤنته قل مقدار الواجب فيه، كالعشر فيما يسقى بالأنهار ونصف العشر فيما سقى بالدواليب انتهى.
وقد اعترض الإمام الحجة البخاري في صحيحه على الإمام القدوة أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه كيف ترك المنطوق من الشارع وأدخل المعدن في الركاز وحكم بأخذ الخمس، مع أن الشارع مصرح بخلافه وتعامل السلف يكفي لتعيين مراده.
(8/237)
و قيل من قبل الحنفية إن التناول اللغوي يساعده، يقال له إن التناول اللغوي لم يثبت عند أهل الحجاز كما سلف قول الخطابي.
وقال ابن الأثير: عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض وعند أهل العراق المعادن تحتملهما اللغة لأن كلا منهما مركوز في الأرض أي ثابت، يقال ركزه يركزه ركزاً إذا دفنه وأركز الرجل إذا وجد الركاز، والحديث إنما جاء في التفسير الأول وهو الكنز الجاهلي، وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه انتهى.
وقال الحافظ الهروى في الغريب: اختلف أهل العراق وأهل الحجاز في تفسيره، قال أهل العراق هو المعادن، وقال أهل الحجاز هو كنوز أهل الجاهلية وكل محتمل في اللغة انتهى.
وقال الزركشي في التنقيح: الركاز هو المال العادي المدفون في الجاهلية انتهى وقال الجوهري في الصحاح: الركاز دفين أهل الجاهلية كأنه ركز في الأرض ركزاً وفي الحديث "في الركاز الخمس" تقول منه أركز الرجل إذا وجده انتهى.
وفي المصباح: الركاز المال المدفون في الجاهلية، فعال بمعنى مفعول كالبساط بمعنى المبسوط والكتاب بمعنى المكتوب، ويقال هو المعدن وأركز الرجل اركازاً وجد ركازاً انتهى.
فظهر من كل ذلك أن التناول اللغوي لا يصح عند أهل الحجاز لأنهم لا يطلقون الركاز على المعادن ولا شبهه أن النبي الحجازي صلى الله عليه وسلم تكلم بلغة أهل الحجاز وأراد به ما يريدون منه، ولذا قال أهل الحديث إنه هو المراد عند الشارع، وصرح أهل اللغة أنه هو المراد في الحديث لكونه لغة أهل الحجاز، ولذا اقتصر الجوهري والزركشي على تفسير أهل الحجاز، ولذا مرّض أيضاً صاحب المصباح التفسير الثاني لأنه لا يوافق لغة أهل الحجاز فمن استدل بعد ذلك بالتناول اللغوي فقد أخطأ.
ولو سلم التناول اللغوي وأغمض النظر عن جميع ذلك فالتناول اللغوي لا يستلزم التناول في حكم شرعي إذا نطق الشارع بالتفرقة بينهما. وتفصيل الكلام في رفع الالتباس عن بعض الناس فليرجع إليه.
قال الحافظ: واختلفوا في مصرفه فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: مصرفه مصرف خمس الفيء وهو اختيار المزني.
(8/238)
3084 - حدثنا يَحْيَى بنُ أيّوبَ[حدثنا يحيي بن معين] أخبرنا عَبّادُ بنُ الْعَوّامِ عن هِشَامٍ عن الْحَسَنِ قال: الرّكَازُ الْكَنْزُ الْعَادِي.
3085 - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ أخبرنا ابنُ أبي فَدِيكٍ أخبرنا الزّمْعِيّ عن عَمّتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ عَبْدِ الله بنِ وَهْبٍ عن أُمّهَا كَرِيمَةَ بِنْتِ المِقْدَادِ عن ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزّبَيْرِ بنِ عَبْدِالمُطّلِبِ بنِ هَاشِمٍ أنّهَا أخْبَرَتْهَا قالَتْ: ذَهَبَ المِقْدَادُ لِحَاجَتِهِ بِبَقِيعِ الْخَبْخَبَةِ فَإذَا جُرَذٌ يُخْرِجُ مِنْ جُحْرٍ دِينَاراً ثُمّ لَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ دِيناراً دِيناراً حَتّى أخْرَجَ سَبَعَةَ عَشَرَ دِينَاراً ثُمّ أخْرَجَ خِرْقَةً حَمْرَاءَ يَعْني فِيهَا دِينارٌ – فَكَانَتْ[فصارت] ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِيناراً فَذَهَبَ بِهَا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ وَقالَ لَهُ خُذْ صَدَقَتَهَا، فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ هَوَيْتَ إلى الْجُحْرِ؟" قالَ: لاَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا".
ـــــــ
وقال الشافعي في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة. وعن أحمد روايتان، واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول بل يجب إخراج الخمس في الحال انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً انتهى.
"عن الحسن قال الركاز الكنز العادي" أي الجاهلي، ويقال لكل قديم عادي ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم. وتفسير الحسن هذا ليس في رواية اللؤلؤي. وقال المزي في الأطراف: قول الحسن أخرجه أبو داوود في الخراج عن يحيى بن معين عن عباد بن العوام عن هشام بن حسان الفردوسي وهو في رواية ابن داسة.
"قريبة" بالقاف مصغراً مقبولة "عن ضباعة" قال في المغنى: بضم المعجمة وخفة الموحدة وبعين مهملة هي بنت الزبير ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم "ببقيع الخبخبة": بفتح الخائين المعجمتين وسكون الباء الأولى موضع بنواحي المدينة، كذا في النهاية "فإذا جرذ" بضم الجيم وفتح الراء المهملة وبالذال المعجمة نوع من الفأر، وقيل الذكر الكبير من الفأر "من حجر" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة أي ثقبة "هل هويت إلى الحجر" كذا في أكثر النسخ. وفي نسخة الخطابي: "هل أهويت" من باب الافعال وهو الظاهر.
قال في المجمع: وهل أهويت إلى الجحر أي مدت إليه يدك يعني لو فعله صار ركازاً لأنه يكون قد أخذه بشيء من فعله فيجب فيه الخمس، وإنما جعله في حكم اللقطة لما لم يباشر الجحر انتهى.
(8/239)
ورواية ابن ماجه "لعلك اتبعت يدك في الجحر" "بارك الله لك فيها": قال الخطابي: هذا لا يدل على أنه جعلها له في الحال ولكنه محمول على بيان الأمر في اللقطة التي إذا عرفت سنة فلم تعرف كانت لاَخذها انتهى.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وثقه يحيى بن معين، وقال ابن عدي وهو عندي لا بأس به، وقال النسائي ليس بالقوي.
(8/240)
41 - باب نبش القبور العادية يكون فيها المال
3086 - حدثنا يَحْيَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ أخبرنا أبِي قال سَمِعْتُ مُحَمّدَ بنَ إسْحَاقَ يُحَدّثُ عن إسْمَاعِيلَ بنِ أُمَيّةَ عن بِجَيْرِ بنِ أبي بُجَيْرٍ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إلَى الطّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هَذَا قَبْرُ أبي رِغَالٍ، وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمّا خَرَجَ أصَابَتْهُ النّقْمَةُ الّتِي أصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا المَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أنّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ، إنْ أنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ". فَابْتَدَرَهُ النّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ.
ـــــــ
باب نبش القبور العادية الخ
معنى العادية القديمة، ومن عادتهم أنهم ينسبون الشيء القديم إلى عاد قوم هود عليه السلام والنبش ابراز المستور وكشف الشيء عن الشيء ومنه النباش.
"عن بجير" بجيم مصغراً "ابن أبي بجير" بالتصغير قال الحافظ مجهول "هذا قبر أبي رغال" قال في القاموس: أبو رغال ككتاب في سنن أبي داوود ودلائل النبوة وغيرهما عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة الحديث. وقول الجوهري: كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في الطريق غير جيد وكذا قول ابن سيدة: كان عبد الشعيب وكان عشاواً جائراً انتهى كلام صاحب القاموس "يدفع عنه" أي العقوبة "فلما خرج" أي عن الحرم "أصابته النقمة" بكسر النون أي العقوبة "وآية ذلك" أي علامته "أنه" أي الشأن "دفن معه غصن" لعل المراد منه قطعة من ذهب كالغصن قاله في فتح الودود وفي شرح المواهب غصن بضم المعجمة واحد الأغصان وهي أطراف الشجر، والمراد به هنا قضيب من ذهب كان يتوكأ عليه وكان نحو نيف وعشرين رطلا فيما قيل.
(8/240)
قال الخطابي: هذا سبيله سبيل الركاز لأنه مال من دفن الجاهلية لا يعلم مالكه، وكان أبو رغال من بقية قوم أهلكهم الله عز وجل ولم يبق لهم نسل ولا عقب فصارحكم ذلك المال حكم الركاز، وفيه دليل على جواز نبش قبور المشركين إذا كان فيهم إرب أو نفع لمسلم وأن ليست حرمتهم كحرمة المسلمين والله تعالى أعلم انتهى كلام الخطابي.
وفي تاج العروس شرح القاموس قال ابن المكرم: ورأيت في هامش الصحاح أبو رغال اسمه زيد بن مخلف عبد كان لصالح النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مصدقاً وأنه أتى قوماً ليس لهم لبن إلا شاة واحدة ولهم صبي قد ماتت أمه فهم يعاجونه بلبن تلك الشاة يعني يغذونه، فأبى أن يأخذ غيرها، فقالوا دعها نحايي بها هذا الصبي فأبى، فيقال إنه نزلت قارعة من السماء، ويقال بل قتله رب الشاة، فلما فقده صالح صلى الله عليه وسلم قام في الموسم ينشد الناس فأخبر بصنيعه فلعنه فقبره بين مكة والطائف يرجمه الناس انتهى.
وفي إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون: ومر صلى الله عليه وسلم بقبر فقال أبي رغال وهو أبو ثقيف أي وكان من ثمود قوم صالح وقد أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان ثم دفن فيه بعد أن كان بالحرم ولم تصبه تلك النقمة، فلما خرج من الحرم إلى المكان المذكور أصابته النقمة.
وفي العرائس عن مجاهد قيل له هل بقي من قوم لوط أحد؟ قال لا إلا رجل - بقي أربعين يوماً وكان بالحرم فجاءه حجر ليصيبه في الحرم فقام إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر ارجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم الله تعالى فرجع فوقف خارجاً من الحرم أربعين يوماً بين السماء والأرض حتى قضى الرجل حاجته وخرج من الحرم إلى هذا المحل أصابه الحجر فقتله فدفن فيه انتهى.
وفي لسان العرب: أبو رغال كنية وقيل كان رجلاً عشاراً في الزمن الأول جائزاً فقبره يرجم إلى اليوم وقبره بين مكة والطائف، وكان عبداً لشعيب عليه السلام. قال جرير إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغال انتهى.
وفي جامع الأصول: يضرب به المثل في الظلم والشؤم وهو الذي يرجم الحاج قبره إلى الآن انتهى.
وفي سنن الترمذي أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعن نساءك أو لأرجمنك قبرك كما رجم قبر أبي رغال والله أعلم بالصواب. والحديث سكت عنه المنذري. هذا آخر كتاب الخراج والإمارة



 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وكيع بن الجراح سوسن أعلام السنة النبوية 0 03-01-2010 05:29 PM
فلاش-ابو عبيد الجراح ليكن قلبك كاللؤلؤه... كنز الناشئين 0 01-29-2010 12:30 PM
كتاب الخراج والإمارة والفىء سوسن سنن أبي داود 0 01-14-2010 10:42 AM


الساعة الآن 06:21 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010