الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى كنوز السنّة النبوية > أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم > عون المعبود شرح سنن أبي داود

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-17-2010, 01:04 PM   #1
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-19-2014 (07:36 PM)
 المشاركات : 30,013 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
Oo5o.com (11) كتاب الملاحم



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك


باب ما يذكر في قرن المائة
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الملاحم :

4282- حدثنا سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِيّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني سَعِيدُ بنُ أبِي أيّوبَ عن شَرَاحِيلَ بنِ يَزِيدَ المَعَافِرِيّ عن أبِي عَلْقَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ فِيمَا أعْلَمُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ الله يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأمّةِ عَلَى رَأْسِ كُلّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدّدُ لَها دِينَهَا" .
ـــــــ
"أول كتاب الملاحم"
بفتح الميم وكسر الحاء، جمع الملحمة، وهي المقتلة، أو هي الواقعة العظيمة. وفي النهاية: هي الحرب وموضع القتال، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها، كاشتباك لحمة الثوب بالسدى. وقيل: هي من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها.
"باب ما يذكر في قرن المائة"
"ابن وهب" هو عبد الله بن وهب. قال الحافظ في توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس: أخرجه أبو داوود في السنن عن أبي الربيع سليمان بن داوود المهري وأخرجه الحسن بن سفيان في المسند عن حرملة بن يحيى وعن عمرو بن سواد جميعاً، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن الأصم عن الربيع بن سليمان المؤذن، وأخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل من رواية عمرو بن سواد وحرملة وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي ابن وهب كلهم عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد. قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب ولا عن ابن يزيد غير هؤلاء الثلاثة.قال الحافظ: ورواية عثمان بن صالح المذكورة سابقاً ورواية الأصم وأبي الربيع ترد عليه، فهم ستة أنفس رووه عن ابن وهب. انتهى. وأخرجه البيهقي أيضاً في المعرفة من طريق عمرو بن سواد السرحي وحرملة وأحمد بن عبد الرحمن كلهم عن ابن وهب "فيما أعلم" الظاهر أن قائله أبو علقمة يقول في علمي أن أبا هريرة حدثني هذا الحديث مرفوعاً لا موقوفاً عليه "إن الله يبعث لهذه الأمة" أي أمة الإجابة، ويحتمل أمة

...................................
ـــــــ
الدعوة قاله القارىء "على رأس كل مائة سنة" أي انتهائه أو ابتدائه إذا قل العلم والسنة وكثر الجهل والبدعة. قاله القارىء. وقال المناوي في مقدمة فتح القدير: واختلف في رأس المائة هل يعتبر من المولد النبوي أو البعثة أو الهجرة أو الوفاة ولو قيل بأقربية الثاني لم يبعد، لكن صنيع السبكي وغيره مصرح بأن المراد الثالث انتهى "من يجدد" مفعول يبعث "لها" أي لهذه الأمة "دينها" أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم.
قالوا: ولا يكون إلا عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطلة. قاله المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير.
وقال العلقمي في شرحه. معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما.
"تنبيه" اعلم أن المراد من رأس المائة في هذا الحديث آخرها. قال في مجمع البحار: والمراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور. انتهى.
وقال الطيبي: المراد بالبعث من انقضت المائة وهو حي عالم يشار إليه. كذا في مقدمة فتح القدير للمناوي وخلاصة الأثر للمحبي.
وقال السيوطي في قصيدته في المجددين:
والشرط في ذلك أن يمضي المائة ... وهو على حياته بين الفئة
يشار بالعلم إلى مقامه ... وينشر السنة في كلامه
وقال في مرقاة الصعود نقلاً عن ابن الأثير: وإنما المراد بالمذكور من انقضت المائة وهو حي معلوم مشهور مشار إليه. انتهى.
والديلي الواضح على أن المراد برأس المائة هو آخرها لا أولها أن الزهري وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة المتقدمين والمتأخرين اتفقوا على أن من المجددين على رأس المائة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وعلى رأس المائة الثانية الإمام الشافعي رحمه الله، وقد توفي عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة ومدة خلافته سنتان ونصف، وتوفي الشافعي سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة.
قال الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس قال أبو بكر البزار: سمعت عبد الملك ابن عبد الحميد الميموني يقول: كنت عند أحمد بن حنبل فجرى ذكر الشافعي فرأيت أحمد يرفعه وقال روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى يقيض في رأس كل مائة سنة من يعلم الناس دينهم" قال: فكان عمر بن عبد العزيز في رأس المائة الأولى وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى.
(11/260)
..................................
ـــــــ
وقال أحمد: أيضاً فيما أخرجه البيهقي من طريق أبي بكر المروزي قال قال أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً قلت فيها بقول الشافعي لأنه إمام عالم من قريش.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علماً". وذكر في الخبر إن الله يقيض في رأس كل مائة سنة من يعلم الناس دينهم" قال أحمد: فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي.
ومن طريق أبي سعيد الفريابي قال قال أحمد بن حنبل: إن الله يقيض للناس في كل رأس مائة سنة من يعلم الناس السنن وينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي.
وبهذا الإسناد إلى أبي إسماعيل الهروي أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا أبو إسحاق القراب حدثنا أبو يحيى الساجي بني جعفر ابن محمد بن ياسين حدثنا أبو بكر بن الحسن حدثنا حميد بن زنجويه سمعت أحمد بن حنبل يقول يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم" وإني نظرت في مائة سنة فإذا هو رجل من آل رسول الله وهو عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية فإذا هو محمد بن إدريس الشافعي.
وقال ابن عدي: سمعت محمد بن علي بن الحسين يقول: سمعت أصحابنا يقولون: كان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي الثانية محمد بن إدريس الشافعي.
وقد سبق أحمد من تابعه إلى عد عمر بن عبد العزيز في المائة الأولى الزهرى فأخرج الحاكم من طريق أحمد بن عبد العزيز بن وهب عقب روايته عن عمه عن سعيد بن أبي أيوب للحديث المذكور، قال ابن أخي ابن وهب قال عمى عن يونس عن الزهري أنه قال: فلما كان في رأس المائة من الله على هذه الأمة بعمر بن عبد العزيز.
قال الحافظ بن حجر: وهذا يشعر بأن الحديث كان مشهوراً في ذلك العصر ففيه تقوية للسند المذكور مع أنه قوي لثقة رجاله. قال وقال الحاكم: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول غير مرة: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريح يقول: أبشر أيها القاضي فإن الله من على المسلمين بعمر بن عبد العزيز على رأس المائة فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله على رأس المائتين بالشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة، من الله على رأس الثلاثمائة بك. انتهى.
قلت: فلو لم يكن المراد من رأس المائة آخرها بل كان المراد أولها لما عدوا عمر بن
(11/261)
...................................
ـــــــ
عبد العزيز من المجددين على رأس المائة الأولى، ولا الإمام الشافعي على رأس المائة الثانية، لأنه لم يكن ولادة عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى فضلاً عن أن يكون مجدداً عليه، وكذلك لم يكن ولادة الشافعي على رأس المائة الثانية، فكيف يصح كونه مجدداً عليه.
فإن قلت: الظاهر من رأس المائة من حيث اللغة هو أولها لا آخرها، فكيف يراد آخرها؟ قلت: كلا بل جاء في اللغة رأس الشيء بمعنى آخره أيضاً.
قال في تاج العروس: رأس الشيء طرفه، وقيل آخره. انتهى.
قلت: وعليه حديث ابن عمر: "أريتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" أخرجه الشيخان، فإنه لا مرية في أن المراد من رأس المائة في هذا الحديث هو آخر المائة.
قال الحافظ في فتح الباري في تفسير رأس مائة سنة: أي عند انتهاء مائة سنة. انتهى. وقال الطيبي: الرأس مجاز عن آخر السنة وتسميته رأساً باعتبار أنه مبدأ لسنة أخرى. انتهى.
وعليه حديث أنس بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة. الحديث أخرجه الترمذي في الشمائل. قال في مجمع البحار: توفاه على رأس ستين، أي آخره. ورأس أية آخرها. انتهى.
وفيه نقلاً عن الكرماني، وقيل إنه "أي أبو الطفيل" مات سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالته. انتهى. فإذن ظهر حق الظهور أن المراد من رأس كل مائة آخر كل مائة.
ثم اعلم أن ابن الأثير والطيبي وغيرهما زعموا أن المجدد هو الذي انقضت المائة وهو حي معلوم مشهور مشار إليه فجعلوا حياة المجدد وبقاءه بعد انقضاء المائة شرطاً له، فعلى هذا من كان على رأس المائة، أي آخرها، ووجد فيه جميع أوصاف المجدد، إلا أنه لم يبق بعد انقضاء المائة بل توفي على رأس المائة الموجودة قبل المائة الآتية بخمسة أيام مثلاً لا يكون مجدداً، لكن لم يظهر لي على هذا الاشتراط دليل. وما قال بعض السادات الأعاظم إن قيد الرأس اتفاقي، وإن المراد أن الله تعالى يبعث في كل مائة، سواء كان في أول المائة أو وسطها أو آخرها، واختاره ليس بظاهر، بل الظاهر أن القيد احترازي، ولذلك لم يُعد كثير من الأكابر الذين كانوا في وسط المائة من المجددين وإن كان أفضل من المجدد الذي كان على رأس المائة. ففي مرقاة الصعود: قد يكون في أثناء المائة من هو أفضل من المجدد على رأسها.
نعم لو ثبت كون قيد الرأس اتفاقياً بدليل صحيح لكان دائرة المجددية أوسع ولدخل كثير من الإكابر المشهورين المستجمعين لصفات المجددية في المجددين، كالإمام أحمد بن حنبل
(11/262)
...................................
ـــــــ
ومحمد بن إسماعيل البخاري ومالك بن أنس ومسلم النيسابوري وأبي داوود السجستاني وغيرهم من أئمة الهدى.
وقال المناوي في مقدمة فتح القدير تحت قوله على رأس كل مائة سنة: أي أوله، ورأس الشيء أعلاه، ورأس الشهر أوله. ثم قال بعد ذلك: وهنا تنبيه ينبغي التفطن له وهو أن كل من تكلم على حديث: إن الله يبعث إنما يقرره بناء على أن المبعوث على رأس القرن يكون موته على رأسه، وأنت خبير بأن المتبادر من الحديث إنما هو هو أن البعث وهو الإرسال يكون على رأس القرن أي أوله، ومعنى إرسال العالم تأهله للتصدي لنفع الأنام وانتصابه لنشر الأحكام وموته على رأس القرن أخذ لا بعث، فتدبر.
ثم رأيت الطيبي قال: المراد بالبعث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور مشار إليه. وقال الكرماني: قد كان قبيل كل مائة أيضاً من يصحح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد من انقضت المدة وهو حي عالم مشار إليه.
ولما كان ربما يتوهم متوهم من تخصيص البعث برأس القرن أن العالم بالحجة لا يوجد إلا عنده أردف ذلك بما يبين أنه قد يكون في أثناء المائة من هو كذلك، بل قد يكون أفضل من المبعوث على الرأس، وأن تخصيص الرأس إنما هو لكونه مظنة انخرام علمائه غالباً، وظهور البدع، وخروج الدجالين. انتهى كلامه.
"تنبيه آخر" قد عرفت مما سبق أن المراد من التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات.
قال في مجالس الأبرار: والمراد من تجديد الدين للأمة إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وقال فيه: ولا يعلم ذلك المجدد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه، إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة قاصراً للسنة، قامعاً للبدعة، وأن يعم علمه أهل زمانه، وإنما كان بالتحديد على رأس كل مائة سنة لانخرام العلماء فيه غالباً، واندراس السنن وظهور البدع، فيحتاج حينئذ إلى تجديد الدين، فيأتي الله تعالى من الخلق بعوض من السلف إما واحداً أو متعدداً انتهى. وقال القارىء في المرقاة: أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم ويعز أهله ويقمع البدعة ويكسر أهلها. انتهى.
فظهر أن المجدد لا يكون إلا من كان عالماً بالعلوم الدينية ومع ذلك من كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار إحياء السنن ونشرها ونصر صاحبها وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها
(11/263)
...................................
ـــــــ
وكسر أهلها باللسان أو تصنيف الكتب والتدريس أو غير ذلك ومن لا يكون كذلك لا يكون مجدداً البتة وإن كان عالماً بالعلوم مشهوراً بين الناس، مرجعاً لهم.
فالعجب كل العجب من صاحب جامع الأصول أنه عد أبا جعفر الإمامي الشيعي والمرتضى أخا الرضا الإمامي الشيعي من المجددين حيث قال الحديث إشارة إلى جماعة من الأكابر: على رأس كل مائة، ففي رأس الأولى عمر بن عبد العزيز، إلى أن قال: وعلى الثالثة تقتدر وأبو جعفر الطحاوي الحنفي وأبو جعفر الإمامي وأبو الحسن الأشعري والنسائي، وعلى الرابعة: القادر بالله وأبو حامد الإسفرائيني وأبو بكر محمد الخوارزمي الحنفي والمرتضى أخو الرضا الإمامي... إلخ.
وقد ذكره العلامة محمد طاهر في مجمع البحار ولم يتعرض بذكر مسامحته ولم ينبه على خطائه. ولا شبهة في أن عدهما من المجددين خطأ فاحش وغلط بين لأن علماء الشيعة وإن وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد وبلغوا أقصى مراتب من أنواع العلوم واشتهروا غاية الاشتهار، لكنهم لا يستأهلون المجددية. كيف وهم يخربون الدين فكيف يجددون، ويميتون السنن فكيف يحيونها، ويروجون البدع فكيف يمحونها، وليسوا إلا من الغالين المبطلين الجاهلين، وجل صناعتهم التحريف والانتحال والتأويل، لا تجديد الدين ولا إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة. هداهم الله تعالى إلى سواء السبيل.
"تنبيه آخر" واعلم أنه لا يلزم أن يكون على رأس كل مائة سنة مجدد واحد فقط، بل يمكن أن يكون أكثر من واحد.
قال الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس: حمل بعض الأئمة من في الحديث على أكثر من الواحد، وهو ممكن بالنسبة للفظ الحديث الذي سقته، وكذا لفظه عند من أشرت إلى أنه أخرجه لكن الرواية عن أحمد تقدمت بلفظ رجل وهو أصرح في رواية الواحد من الرواية التي جاءت بلفظ من لصلاحية من للواحد وما فوقه، ولكن الذي يتعين في من تأخر الحمل على أكثر من الواحد، لأن في الحديث إشارة إلى أن المجدد المذكور يكون تجديده عاماً في جميع أهل ذلك العصر. وهذا ممكن في حق عمر بن عبد العزيز جداً ثم الشافعي، أما من جاء بعد ذلك فلا يعدم من يشاركه في ذلك. انتهى.
وقال في فتح الباري: وهو "أي حمل الحديث على أكثر من واحد" متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها. ومن ثم أطلق أحمد أنهم
(11/264)
...................................
ـــــــ
كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. انتهى.
تنبيه آخر: اعلم أنهم قد بينوا أسماء المجددين الماضين، وقد صنف السيوطي في ذلك أرجوزة سماها "تحفة المهتدين بأخبار المجددين" فنحن نذكرها ها هنا، وهذه هي:
الحمد الله العظيم المنة ... المانح الفضل لأهل السنة
ثم الصلاة والسلام نلتمس ... على نبي لا يندرس
لقد أتى في خبر مشتهر ... رواه كل حافظ معتبر
بأنه في رأس كل مائة ... يبعث ربنا لهذى الأمة
منا عليها عالماً يجدد ... دين الهدى لأنه مجتهد
فكان عند المائة الأولى عمر ... خليفة العدل بإجماع وقر
والشافعي كان عند الثانية ... لما له من العلوم السامية
وابن سريج ثالث الأئمة ... والأشعري عدة من أمه
والباقلاني رابع أو سهل أو ... الاسفراني خلف قد حكوا
والخامس الحبر هو الغزالي ... وعده ما فيه من جدال
والسادس الفخر الإمام الرازي ... والرافعي مثله يوازي
والسابع الراقي إلى المراقي ... ابن دقيق العميد باتفاق
والثامن الحبر هو البلقيني أو ... حافظ الأنام زين الدين
والشرط في ذلك أن تمضي المائة ... وهو على حياته بين الفئة
يشار بالعلم إلى مقامه ... وينصر السنة في كلامه
وأن يكون جامعاً لكل فن ... وأن يعم علمه أهل الزمن
وأن يكون في حديث قد روى ... من أهل بيت المصطفى وقد قوى
وكونه فرداً هو المشهور ... قد نطق الحديث والجمهور
وهذه تاسعة المئين قد ... أتت ولا يخلف ما الهادي وعد
وقد رجوت أنني المجدد ... فيها ففضل الله ليس يجحد
وآخر المئين فيما يأتي ... عيسى نبي الله ذو الآيات
يجدد الدين لهذى الأمة ... وفي الصلاة بعضنا قدامه
مقرراً لشرعنا ويحكم ... بحكمنا إذ في السماء يعلم
وبعده لم يبق من مجدد ... ويرفع القرآن مثل ما بدى
(11/265)
...................................
ـــــــ
وتكثر الأشرار والإضاعة ... من رفعه إلى قيام الساعة
وأحمد الله على ما علما ... وما جلا من الخفا وأنعما
مصلياً على نبي الرحمة ... والآل مع أصحابه المكرمة
انتهت الأرجوزة.
قلت: وقد عد من المجددين على رأسه المائة الأولى: ابن شهاب الزهري والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومحمد الباقر وعلى رأس المائة الثانية: يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل، وعلى رأس الثالثة: النسائي صاحب السنن، وعلى رأس الرابعة: الحاكم صاحب المستدرك والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وعلى رأس التاسعة السيوطي كما ادعاه، وعلى رأس العاشرة شمس الدين بن شهاب الدين الرملي. قال المحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر في ترجمته: ذهب جماعة من العلماء إلى أنه مجدد القرن العاشر. انتهى.
ومن المجددين على رأس الحادية عشر: إبراهيم بن حسن الكردي الكوراني خاتمة المحققين عمدة المسندين نزيل المدينة.
وعلى رأس الثانية عشر: الشيخ صالح بن محمد بن نوح الفلاني نزيل المدينة والسيد المرتضى الحسيني الزبيدي.
وعلى رأس الثالثة عشر: شيخنا العلامة النبيل والفهامة الجليل نبراس العلماء الأعلام سامي المجد الأثيل والمقام ذو القدر المحمود والفخر المشهور حسن الاسم والصفات رب الفضائل والمكرمات المحدث الفقيه المفسر التقي الورع النبيه الشيخ الأكمل الأسعد السيد الأجل الأمجد رحلة الآفاق شيخ العرب والعجم بالاتفاق صاحب كمالات الباطن والظاهر ملحق الأصاغر بالأكابر شيخنا وبركتنا السيد نذير حسين، جعله الله تعالى ممن يؤتى أجره مرتين، ولا زالت أنوار معارفه مدى الأيام لامعة، وشموس عوارفه في فلك المعالي ساطعة، وحماه الله من حوادث الأزمان ونكباتها، وأعز محله في الجنان بأعلى درجاتها. وشيخنا العلامة البدر المنير الفهامة العمدة النحرير ذو المناقب الجليلة والمحامد الشريفة المدقق الكامل والبحر الذي ليس له في سعة النظر من ساحل جمال العلماء الصالحين شيخ الإسلام والمسلمين المحدث المتقن المتبحر الفطن القاضي حسين بن محمد الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني، أدام الله بركاته علينا. والعلامة الأجل المحدث الفاضل الأكمل جامع العلوم الغزيرة ذو التصانيف الكثيرة النواب صديق الحسن خان البوفالي القنوجي، تغمده الله بغفرانه وأدخله بحبوحة جنانه.
(11/266)
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ شُرَيْحٍ الإسْكَنْدَرَانِيّ، لَمْ يَجُزْ بِهِ شَرَاحِيلَ.
ـــــــ
هذا هو ظني في هؤلاء الأكابر الثلاثة أنهم من المجددين على رأس المائة الثالثة عشر، والله تعالى أعلم وعلمه أتم.
وحديث أبي هريرة سكت عنه المنذري، وقال السيوطي في مرقاة الصعود: اتفق الحفاظ على تصحيحه، منهم الحاكم في المستدرك والبيهقي في المدخل. وممن نص على صحته من المتأخرين: الحافظ ابن حجر. انتهى.
وقال العلقمي في شرح الجامع الصغير قال شيخنا: اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح. وممن نص على صحته من المتأخرين: أبو الفضل العراقي وابن حجر ومن المتقدمين: الحاكم في المستدرك والبيهقي في المدخل. انتهى.
وقال المناوي في فتح القدير: أخرجه أبو داوود في الملاحم والحاكم في الفتن وصححه، والبيهقي في كتاب المعرفة، كلهم عن أبي هريرة. قال الزين العراقي وغيره: سنده صحيح. انتهى.
"رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني" عن شراحيل بن يزيد المعافري "لم يجز به شراحيل" أي لم يجاوز بهذا الحديث على شراحيل، فعبد الرحمن قد أعضل هذا الحديث وأسقط أبا علقمة وأبا هريرة. والحديث المعضل هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي.
قال المنذري: وعبد الرحمن بن شريح الإسكنداري ثقة اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه وقد عضله. انتهى. والحاصل أن الحديث مروي من وجهين، من وجه متصل ومن وجه معضل. وأما قول أبي علقمة فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المنذري: الراوي لم يجزم برفعه. انتهى. قلت: نعم ولكن ذلك لا يقال من قبل الرأي، إنما هو من شأن النبوة، فتعين كونه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
(11/267)
2- باب ما يذكر من ملاحم الروم :
4283- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ أخبرنا الأوْزَاعِيّ عن حَسّانَ بنِ
ـــــــ
"باب ما يذكر من ملاحم الروم"
قال في مراصد الاطلاع: الروم جيل معروف في بلاد واسعة تضاف إليهم فيقال بلاد الروم، ومشارق بلادهم وشمالهم الترك والروس والخزري [الخزري بالتحريك وآخره راء بلاد
(11/267)
عَطِيّةَ قالَ: مَالَ مَكْحُولٌ وَابنُ أبي زَكَرِيّا إلَى خَالِدِ عنِ مَعْدَانَ وَمِلْتُ مَعَهُمْ فَحَدّثَنَا عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن الْهُدْنَةِ قالَ قالَ جُبَيْرٌ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى مِخْبَرٍ - رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْنَاهُ فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عن الْهُدْنَةِ، فقالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ "سَتُصَالِحُونَ الرّومَ صُلْحاً آمِناً، فَتَغْزُونَ أنْتُمْ وَهُمْ عَدُوّا مِنْ وَرَائِكُم، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ ثُمّ تَرْجِعُونَ حَتّى تَنْزِلُوا بِمَرْجِ ذِي تُلولٍ فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ النّصْرَانِيّةِ الصّلِيبَ
ـــــــ
الترك كذا في المراصد] وجنوبهم الشام والإسكندرية ومغاربهم البحر والأندلس، وكانت الرقة والشامات كلها تعد في حدودهم أيام الأكاسرة، وكانت أنطاكية دار ملكهم إلى أن نفاهم المسلمون إلى أقصى بلادهم انتهى.
"مال مكحول وابن أبي زكريا إلى خالد بن معدان" أي ذهبا إليه "وملت معهم" الظاهر معهما كما في رواية ابن ماجه أي ذهبت أنا أيضاً إليه "فحدثنا" الضمير المرفوع لخالد "عن الهدنة" بضم هاء وسكون دال مهملة الصلح "قال" أي خالد "إلى ذي مخبر" بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة ابن أبي النجاشي خادم النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه جبير بن نفير وغيره يعد في الشاميين ذكره مؤلف المشكاة وفي التهذيب، ويقال بالميم بدل الموحدة انتهى. قلت: كذلك في ابن ماجه بالميم بدل الموحدة ووقع في بعض النسخ أو قال: ذي مخمر الشك من أبي داوود يعني شك أبو داوود المؤلف في أنه قال: ذي مخبر بالموحدة أو قال: ذي مخمر بالميم بدل الموحدة "فسأله جبير عن الهدنة" أي الهدنة التي تكون بين المسلمين وبين الروم كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة فيغدرون بكم" رواه ابن ماجه فاللام في الهدنة للعهد أو بحذف الزوائد "آمناً" أي ذا أمن فالصيغة للنسبة أو جعل آمناً للنسبة المجازية "فتغزون أنتم" أي فتقاتلون أيها المسلمون "وهم" أي الروم المصالحون معكم "عدواً من ورائكم" أي من خلفكم.
وقال السندي في حاشية ابن ماجه: أي عدواً آخرين بالمشاركة والاجتماع بسبب الصلح الذي بينكم وبينهم، أو أنتم تغزون عدوكم وهم يغزون عدوهم بالانفراد انتهى.
قلت: الاحتمال الأول هو الظاهر "فتنصرون" بصيغة المجهول "وتغنمون" بصيغة المعلوم أي الأموال "وتسلمون" من السلامة أي تسلمون من القتل والجرح في القتال "ثم ترجعون" أي من عدوكم "حتى تنزلوا" أي أنتم وأهل الروم "بمرج" بفتح فسكون وآخره جيم أي الموضع الذي ترعى فيه الدواب قاله السندي.
(11/268)
فَيَقُولُ غَلَبَ الصّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَدُقّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ" .
4284- حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانيّ قالَ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قالَ أخبرنا أبُو عَمْرٍو عن حَسّانَ بنِ عَطِيّةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ فِيهِ: "وَيَثُورُ المُسْلِمُونَ إلَى أسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتُلُونَ [فيقتتلون] فيُكْرِمُ الله تِلْكَ الْعِصَابَةَ بالشّهَادَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: إلاّ أنّ الْوَلِيدَ جَعَلَ الحدِيثَ عن جُبَيْرٍ عن ذِي مِخْبَرٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ رَوْحٌ وَيَحْيَى بنُ حَمْزَةَ وَبِشْرُ بنُ بَكْرٍ عن الأوْزَاعِيّ كَمَا قالَ عِيسَى.
ـــــــ
وفي النهاية أرض واسعة ذات نبات كثيرة "ذي تلول" بضم التاء جمع تل بفتحها وهو موضع مرتفع قاله القاري.
وقال السندي كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل انتهى. قلت: هذا هو الظاهر في معنى التل "من أهل النصرانية" وهم الأروام حينئذ قاله القارىء "الصليب" بالنصب مفعول يرفع وهو خشبة مربعة يدعون أن عيسى عليه السلام صلب على خشبة كانت على تلك الصورة "فيقول" أي الرجل منهم "غلب الصليب" أي دين النصارى قصداً لإبطال الصلح أو لمجرد الالأفتخار وإيقاع المسلمين في الغيظ "فيدقه" أي فيكسر المسلم الصليب "تغدر الروم" بكسر الدال أي تنقض العهد "وتجمع" أي رجالهم ويجتمعون "للملحمة" أي للحرب.
"ويثور" الثور الهيجان والوثب "إلى أسلحتهم" جمع سلاح أي يعدون ويقومون مسرعين إلى أسلحتهم "فيقتلون" وفي بعض النسخ فيقتتلون أي معهم "تلك العصابة" أي جماعة المسلمين.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه وقد تقدم في الجهاد انتهى.
وقال القارىء نقلاً عن ميرك: ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح.
(11/269)
3- باب في أمارات الملاحم :
4285- حدثنا عَبّاسُ الْعَنْبَرِيّ أخبرنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِمِ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ
ـــــــ
"باب في أمارات الملاحم"
جمع أمارة بوزن علامة وبمعناه.
(11/269)
ثَابِتِ بن ثَوْبَانَ عن أبِيهِ عن مَكْحُولٍ عن جُبَيْرٍ بنِ نُفَيْرٍ عن مَالِكٍ بنِ يُخَامِرَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عُمْرَانُ بَيْتِ المَقْدسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ المَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيّةِ، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِينِيّةَ خُرُوجُ الدّجّالِ، ثُمّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فِخِذِ الّذِي حَدّثَهُ أوْ مَنْكِبِهِ [منكبيه] ثمّ قالَ: إنّ هَذَا لَحَقٌ كَمَا أنّكَ هَهُنَا، أوْ كَمَا أنّكَ قَاعِدٌ - يَعْنِي مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ" .
ـــــــ
"عن مالك بن يخامر" بضم أوله وفتح الخاء المعجمة وكسر الميم صاحب معاذ مخضرم ويقال له صحبة "عمران بيت المقدس" بالتخفيف والتشديد وعمرانه بضم العين وسكون الميم أي عمارته بكثرة الرجال والعقار والمال "خراب يثرب" بفتح تحتية وسكون مثلثة وكسر راء اسم المدينة المشرفة أي سبب خراب المدينة.
وقال القارىء: أي وقت خراب المدينة. قيل لأن عمرانه باستيلاء الكفار.
وقال الأردبيلي في الأزهار: قال بعض الشارحين المراد بعمران بيت المقدس عمرانه بعد خرابه فإنه يخرب في آخر الزمان ثم يعمره الكفار، والأصح أن المراد بالعمران الكمال في العمارة أي عمران بيت المقدس كاملاً مجاوزاً عن الحد وقت خراب يثرب، فإن بيت المقدس لا يخرب "وخراب يثرب خروج الملحمة" أي ظهور الحرب العظيم.
قال ابن مالك: بين أهل الشام والروم، والظاهر أنه يكون بين تاتار والشام.
قال القارىء: الأظهر هو الأول "وخروج الملحمة إلخ" قال القارىء نقلاً عن الأشرف: لما كان بيت المقدس باستيلاء الكفار عليه وكثرة عمارتهم فيها أمارة مستعقبة بخراب يثرب وهو أمارة مستعقبة بخروج الملحمة وهو أمارة مستعقبة بفتح قسطنطينية، وهو أمارة مستعقبة بخروج الدجال، جعل النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد عين ما بعده وعبر به عنه.
قال: وخلاصته أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده وإن وقع هناك مهملة انتهى "ثم ضرب" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "على فخذ الذي حدثه" هو معاذ رضي الله عنه "أو منكبه" شك من الراوي "ثم قال" صلى الله عليه وسلم "إن هذا" أي ما ذكر في الحديث من أخبار عمر أن بيت المقدس سبب خراب المدينة إلخ "لحق" أي يقيني لا شك في وقوعه وتحققه "كما أنك" يا معاذ "ههنا أو كما أنك قاعد " شك من الراوي، والمعنى تحقق الأخبار المذكور في الحديث قطعى يقيني كما أن جلوسك ههنا قطعى ويقيني "يعني معاذ بن جبل" يعني الخطاب لمعاذ بن جبل.
قال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وكان رجلاً صالحاً وثقه بعضهم وتكلم فيه غير واحد.
(11/270)
4- باب في تواتر الملاحم :
4286- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدِ النّفَيْلِيّ أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن أبِي بَكْرٍ بنِ أبي مَرْيَمَ عن الْوَلِيدِ بنِ سُفْيَانَ الْغَسّانِيّ عن يَزِيدَ بنِ قُطَيْبِ السّكُونِيّ عن أبي بَحْرِيّةَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَلْحَمَةُ الْكُبْرَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيّةِ وَخُرُوجُ الدّجّالِ في سَبْعَةِ أشْهُرٍ" .
4287- حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيّ أخبرنا بَقِيّةُ عن بَحِيرٍ عن خَالِدٍ عن ابنِ أبِي بِلاَلٍ عن عَبْدِ الله بنِ بُسْرٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ المَدِينَةِ سِتّ سِنِينَ، وَيَخْرُجُ المَسِيحُ الدّجّالُ في السّابِعَةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا أصَحّ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى.
ـــــــ
"باب في تواتر الملاحم"
"عن يزيد بن قطيب" بفتح الطاء مصغراً وثقه ابن حبان "عن أبي بحرية" بتشديد التحتانية اسمه عبد الله بن قيس "الملحمة الكبرى" أي الحرب العظيم "في سبعة أشهر" أي يكون ذلك كله في سبعة أشهر.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. في إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو أبو بكر بن عبد الله أبي مريم الغساني الشامي قيل اسمه بكير وقيل اسمه كنيته، وقيل بكر وقيل عبد السلام ولا يحتج بحديثه.
"بين الملحمة وفتح المدينة" أي القسطنطينية قاله السندي وغيره "ست سنين ويخرج المسيح الدجال في السابعة" أي في السنة السابعة، وهذا مشكل مخالف للحديث السابق. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير تحت الحديث السابق: قال شيخنا وفي حديث أحمد وأبي داوود وابن ماجه عن عبد الله بن بسر بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين. قال ابن كثير: هذا مشكل اللهم إلا أن يكون بين أول الملحمة وآخرها ست سنين ويكون بين آخرها وفتح المدينة وهي القسطنطينية مدة قريبة يكون ذلك مع خروج الدجال في سبعة أشهر انتهى. "قال أبو داوود: هذا" أي هذا الحديث يعني حديث بحير عن خالد عن عبد الله بن أبي بلال عن عبد الله بن بسر "أصح من حديث عيسى" يعني ابن يونس يريد الحديث الذي قبل هذا قاله المنذري.
(11/271)
..................................
ـــــــ
قال في فتح الودود: هذا إشارة إلى جواب ما يقال بين الحديثين تناف فأشار إلى أن الثاني إسناداً فلا يعارضه الأول انتهى.
وقال القارىء: ففيه "أي في قول أبي داوود، هذا أصح" دلالة على أن التعارض ثابت والجمع ممتنع، والأصح هو المرجح، وحاصله أن بين الملحمة العظمى وبين خروج الدجال سبع سنين أصح من سبعة أشهر انتهى.
قال المنذري: في إسناده هذا بقية بن الوليد وفيه مقال، وقد تقدم الكلام عليه وبسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها راء مهملة، ولعبد الله هذا صحبة ولأخته الصماء صحبة ولأبيهم بسر صحبة، وعبد الله آخر من توفى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام انتهى.
(11/272)
5- باب في تداعي الأمم على الإسلام :
4288- حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إِبراهِيمَ الدّمَشْقِيّ أخبرنا بِشْرُ بنُ بَكْرٍ أخبرنا ابنُ جَابِرٍ حدّثني أبُو عَبْدِ السّلاَمِ عن ثَوْبَانَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ الأُمَمُ أنْ تُدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا تُدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟
ـــــــ
"باب في تداعي الأمم على الإسلام"
التداعي الاجتماع ودعاء البعض بعضاً، والمراد من الأمم فرق الكفر والضلالة "يوشك الأمم" أي يقرب فرق الكفر وأمم الضلالة "أن تتداعي عليكم" بحذف إحدى التائين أي تداعي بأن يدعو بعضهم بعضاً لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال "كما تداعى الأكلة" ضبط في بعض النسخ الصحيحة بفتحتين بوزن طلبة وهو جمع آكل، وقال في المجمع نقلاً عن المفاتيح في شرح المصابيح ويوري الأكلة بفتحتين أيضاً جمع آكل انتهى، وقال فيه قبيل هذا: ورواية أبي داوود، لنا الآكلة بوزن فاعله.
وقال القاري: في المرقاة الآكلة بالمد وهي الرواية على نعت الفئة والجماعة أو نحو ذلك كذا روى لنا عن كتاب أبي داوود، وهذا الحديث من أفراده ذكره الطيبي رحمه الله. ولو روى الأكلة بفتحتين على أنه جمع آكل اسم فاعل لكان له وجه وجيه انتهى.
قلت: قد روى بفتحتين أيضاً كما عرفت، والمعنى كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضاً "إلى قصعتها" الضمير للأكلة أي التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفوا، صفواً كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم قاله القارىء قال في المجمع أي يقرب أن فرق الكفر وأمم الضلالة أن تداعى عليكم أي يدعو بعضهم بعضاً إلى الاجتماع لقتالكم وكسر شوكتكم ليغلبوا على ما ملكتموها من الديار، كما أن الفئة الآكلة
(11/272)
قالَ: بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُيرٌ، وَلَكِنّكُم غُنَاءُ كَغُنَاءِ السّيْلِ، وَلَيَنْزِ عَنّ الله مِنْ صُدُورِ عَدُوكُمْ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنّ الله في قُلُوبِكُم الَوَهْنَ، فقالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله وَمَا الْوَهْنُ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ" .
ـــــــ
يتداعى بعضهم بعضاً إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع فيأكلونها صفواً من غير تعب انتهى "ومن قلة" خبر مبتدأ محذوف وقوله "نحن يومئذ" مبتدأ وخبر صفة لها أي أن ذلك التداعي لأجل قلة نحن عليها يومئذ "كثير" أي عدداً وقليل مدداً "ولكنكم عثاء كغثاء السيل" بالضم والمد وبالتشديد أيضاً ما يحمله السيل من زبد ووسخ شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم "ولينزعن" أي ليخرجن "المهابة" أي الخوف والرعب "وليقذفن" بفتح الياء أي وليرمين الله "الوهن" أي الضعف، وكأنه أراد بالوهن ما يوجبه ولذلك فسره بحب الدنيا وكراهة الموت قاله القارىء "وما الوهن" أي ما يوجبه وما سببه.
قال الطيبي رحمه الله: سؤال عن نوع الوهن أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن "قال حب الدنيا وكراهية الموت" وهما متلازمان فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين، ونسأل الله العافية.
قال المنذري: أبو عبد السلام هذا هو صالح بن رستم الهاشمي الدمشقي سئل عنه أبو جاتم فقال: مجهول لا نعرفه.
(11/273)
6- باب في المعقل من الملاحم :
4289- حدثنا هِشَامُ بنُ عَمّارٍ حدّثني يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ أخبرنا ابنُ جَابِرٍ قالَ حدّثني زَيْدُ بنُ أرْطَاةَ قالَ سَمِعْتُ جُبَيْرَ بنَ نُفَيْرٍ يُحَدّثُ عن أبي الدّرْدَاءِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنّ فُسْطَاطَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ المَلْحَمَةِ بالْغُوطَةِ إلَى جَانِبِ مَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشّامِ" .
ـــــــ
"باب في المعقل من الملاحم"
المعقل بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف والمراد منه الملجأ الذي يتحصن المسلمون ويلتجئون إليه "إن فسطاط المسلمين" بضم الفاء وسكون السين المهملة وطائين مهملتين بينهما ألف أي حصن المسلمين الذي يتخصنون به وأصله الخيمة "يوم الملحمة" أي المقتلة العظمى في الفتن الآتية "بالغوطة" بضم الغين المعجمة موضع بالشام كثير الماء والشجر كائن "إلى جانب مدينة يقال لها دمشق" بكسر الدال المهملة وفتح الميم وسميت بذلك
(11/273)
قالَ أَبُو دَاوُدَ: حُدّثْتُ عن ابنِ وَهْبٍ قالَ حدّثني جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ المُسْلِمُونَ أنْ يُحَاصِرُوا إلَى المَدِينَةِ حَتّى يَكُونَ أبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلاَحٌ" .
4290- حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ عن عَنْبَسَةَ عن يُونُسَ عن الزّهْرِيّ قالَ: وَسَلاَحُ قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ.
ـــــــ
لأن دمشاق بن نمرود بن كنعان هو الذي بناها فسميت باسمه وكان آمن بإبراهيم عليه الصلاة والسلام وسار معه وكان أبوه نمرود دفعه إليه لما رأى له من الآيات.
قاله العزيزي "من خير مدائن الشام" بسكون الهمز ويجوز تسهيله كالرأس قال المناوي: بل هي خيرها وبعض الأفضل قد يكون أفضل انتهى.
قال العلقمي: وهذا الحديث يدل على فضيلة دمشق وعلى فضيلة سكانها في آخر الزمان وأنها حصن من الفتن، ومن فضائلها أنه دخلتها عشرة آلاف عين رأت صلى الله عليه وسلم كما أفاده ابن عساكر، ودخله النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها في غزوة تبوك وفي ليلة الإسراء. كذا في شرح الجامع الصغير للعزيزي قال القارىء: وله طرق، وقد روى مرسلاً عن جبير بن نفير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقال يحى بن معين وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال: يحيى ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقه بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم "معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق" "حدثت" بصيغة المجهول المتكلم.
قال المنذري: قال فيه أبو داوود، حدثت عن ابن وهب وهي رواية عن مجهول وقد تقدم في الجزء السادس والعشرين.
(11/274)
7- باب ارتفاع الفتنة في الملاحم :
4291- حدثنا عَبْدُ الْوَهّابِ بنُ نَجْدَةَ قالَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ ح. وحدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ الله قالَ أخبرنا الْحَسَنُ بنُ سَوّارٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أخبرنا سُلَيْمانُ بنُ سُلَيْمٍ عن يَحْيَى بنِ جَابِرٍ الطّائِيّ قالَ هَارُونُ في حَدِيثِهِ عن عَوْفٍ بنِ مَالِكٍ قال
ـــــــ
"باب ارتفاع الفتنة في الملاحم"
حاصله أن الفتنة بين المسلمين والقتال فيما بينهم يرتفع إذا كان القتال مع الكفار فالمراد
(11/274)
قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَجْمَعَ الله عَلَى هَذِهِ الأُمّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفاً مِنْهَا وَسَيْفَاً مِنْ عَدُوّهَا" .
ـــــــ
بالفتنة قتال بعض المسلمين مع بعضهم وبالملاحم قتال المسلمين مع الكفار "على هذه الأمة" أي أمة الإجابة "سيفاً" بدل مما قبله "منها" أي من هذه الأمة في قتال بعضهم لبعض في أيام الفتن والملاحم وكل باغ من البغاة "وسيفاً من عدوها" أي الكفار الذين يقاتلونهم في الجهاد، فمن خصائص هذه الأمة ورحمة الله تعالى لها أن لا يجتمع قتال كفار ومسلمين في وقت واحد بل إما كفار وإما مسلمين، ولو كانوا في وقت في قتال مسلمين ووقع قتال كفار رجع المسلمون عن القتال واجتمعوا على قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا.
قال المناوي: يعني أن السيفين لا يجتمعان فيؤدي إلى استئصالهم لكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط الله عليهم العدو وكف بأسهم عن أنفسهم وقيل معناه محاربتهم إما معهم أو مع الكفار انتهى.
قال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال وقد تقدم الكلام عليه، ومن الحفاظ من فرق بين حديثه عن الشاميين وحديثه عن غيرهم فصحح حديثه عن الشاميين وهذا الحديث شامي الإسناد.
(11/275)
8- باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة :
4292- حدثنا عِيسَى بنُ مُحمّدٍ الرّمَلِيّ قال أخبرنا ضَمْرَةُ عن السّيْبَانيّ عن أبي سُكَيْنَةَ - رَجُلٍ مِنَ المُحَرّرِينَ - عن رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُم، وَاتْرُكُوا التّرْكَ مَا تَرَكُوكُم" .
ـــــــ
"باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة"
التهييج الإثارة والترك بضم فسكون جيل من الناس والجمع الأتراك والواحد تركي كرومي والحبشة بالتحريك جيل من السودان معروف والواحد حبشي والحبش بن كوش بن حام بن نوح وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر قاله المناوي.
"عن السيباني" بفتح المهملة والموحدة بينهما تحتانية وسيبان بطن من حمير أبو زرعة الحمصي وثقه أحمد ودحيم كذا في الخلاصة "عن أبي سكينة" بسين وكاف ونون مصغراً كذا ضبطه العلامة محمد ظاهر في المغنى "من المحررين" أي المعتقين "دعوا الحبشة" أي اتركوا التعرض لابتدائهم بالقتال "ما ودعكم" بتخفيف الدال أي ما تركوكم. قال الطيبي رحمه الله قيل قال ما يستعملون الماضي من ودع إلا ما روى في بعض الأشعار بقوله:
(11/275)
.............................
ـــــــ
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
ويحتمل أن يكون الحديث ما وادعكم أي سالموكم فسقطت الألف من قلم بعض الرواة قال: ولا افتقار إلى هذا مع ورودوه في التنزيل في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ} قرىء بالتخفيف كذا في شرح الجامع الصغير للعلقمي "واتركوا الترك ما تركوكم" أي مدة تركهم لكم فلا تتعرضوا لهم إلا إن تعرضوا لكم.
قال الخطابي: إن الجمع بين قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} وبين هذا الحديث أن الآية مطلقة والحديث مقيد فيحمل المطلق على المقيد ويجعل الحديث مخصصاً لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة ومع ذلك أخذ منهم الجزية لقوله صلى الله عليه وسلم "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" قال الطيبي رحمه الله: ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام. وأما تخصيص الحبشة والترك بالترك والودع فلأن بلاد الحبشة وغيره بين المسلمين وبينهم مهامه وقفار فلم يكلف المسلمين دخول ديارهم لكثرة التعب وعظمة المشقة وأما الترك فبأسهم شديد وبلادهم باردة والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول البلاد، فلهذين السرين خصصهم، وأما إذا دخلوا بلاد المسلمين قهراً والعياذ بالله فلا يجوز لأحدهم ترك القتال لأن الجهاد في هذه الحالة فرض عين وفي الأولى فرض كفاية ذكره القارىء. وقال: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى حيث قال: "ما تركوكم" انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي أتم منه. وأبو سكينة هذا روى حديثه يحيى بن أبي عمرو السيباني ولم أجد من رواه غيره ولا من سماه.
(11/276)
9- باب في قتال الترك :
4293- حدثنا قُتَيْبَةُ قال أخبرنا يَعْقُوبُ - يَعني الإسْكَنْدَرَانِيّ - عن سُهَيْلٍ - يَعني ابنَ أبي صَالِحٍ - عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لاَ تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ التّرْكَ قَوْماً وُجُوهُهُمْ كَالمَجَانّ المُطَرّقَةِ يَلْبَسُونَ الشّعْرَ" .
ـــــــ
"باب في قتال الترك"
"قوماً" بدل من الترك وفي بعض النسخ قوم بالرفع أي هم قوم "وجوههم كالمجان" بفتح الميم وتشديد النون جمع المحن بكسر الميم وهو الترس "المطرقة" بضم الميم وفتح الراء المخففة المجلدة طبقاً فوق طبق، وقيل هي التي ألبست طراقاً أي جلداً يغشاها، وقيل هي اسم مفعول من الإطراق وهو جعل الطراق بكسر الطاء أي الجلد على وجه الترس ذكره القاري.
(11/276)
4294- حدثنا قُتَيْبَةُ وَ ابنُ السّرْحِ وَغَيْرُهُمَا قالُوا أخبرنا سُفْيَانُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن أَبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً. قالَ ابنُ السّرْح إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَقُومُ السّاَعَةُ حَتّى تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُم الشّعْرُ، وَلا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُقَاتلُوا قَوْماً صِغَارَ الأعْيُنِ ذُلْفَ الأنُوفِ كَأَنّ وُجُوهَهُم المَجَانّ المُطَرّقَةُ" .
ـــــــ
وقال النووي: المطرقة بإسكان الطاء وتخفيف الراء هذا الفصيح المشهور في الرواية وفي كتب اللغة والغريب، وحكى فتح الطاء وتشديد الراء والمعروف الأول. قال ومعناه تشبيه وجوه الترك في عرضها ونتوء وجناتها بالترسة المطرقة انتهى.
وقال القارىء: شبه وجوههم بالترس لتبسطها وتدويرها وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها انتهى "يلبسون الشعر" زاد في رواية مسلم ويمشون في الشعر.
قال النووي: معناه ينتعلون الشعر كما صرح به في الرواية الأخرى نعالهم الشعر. وقد وجدوا في زماننا هكذا انتهى. قلت: رواية مسلم بلفظ يلبسون الشعرويمشون في الشعر تدل دلالة واضحة على أنه يكون لباسهم أيضاً من الشعر كما أن نعالهم تكون من الشعر وهو الظاهر لما في بلادهم من ثلج عظيم لا يكون في غيرها على ما قال ابن دحية وغيره. قال المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي.
"عن أبي هريرة رواية" أي مرفوعاً "قال ابن السرح إن النبي صلى الله عليه وسلم قال" مقصود المؤلف بيان ما وقع في رواية قتيبة وابن السرح من الاختلاف وهو أنه وقع في رواية قتيبة عن أبي هريرة رواية: لا تقوم الساعة إلخ، ووقع في رواية ابن السرح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة إلخ "نعالهم الشعر" بفتحتين وسكون العين. قال القرطبي في التذكرة: يصنعون من شعر حبالاً ويصنعون من الحبال نعالاً كما يصنعون منها ثياباً. هذا ظاهرة أو أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها صارت كاللباس لوصولها إلى أرجلهم كالنعال، والأول أظهر.
قال السيوطي: بل هو المتعين، فإنهم بالبلاد الباردة الثلجية لا ينفعهم إلا ذلك. وقال القارىء: أي من جلود مشعرة غير مدبوغة "ذلف الأنوف" بضم الذال وإسكان اللام جمع أذلف كأحمر وحمر ومعناه فطس الأنوف قصارها مع انبطاح، وقيل هو غلظ في أرنبة الأنف، وقيل تطامن فيها وكله متقارب قاله النووي. وفي مجمع الذلف بالحركة قصر الأنف وانبطاحه، وقيل ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته، وروى بالمهملة أيضاً انتهى.
قال النووي: في شرح مسلم وهذه كلها معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها صلى الله عليه وسلم فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين انتهى مختصراً.
(11/277)
4295- حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ التّنّيسِيّ أخبرنا خَلاّدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا بَشِيرُ بنُ المُهَاجِرِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حَدِيثِ: "يُقَاتِلُكُم قَوْمٌ صِغَارُ الأعْيُنِ" - يَعني التّرْكُ – قالَ" "تَسُوقُونَهُمْ ثَلاَثَ مِرَارٍ حَتّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فأمّا في السّيَاقَةِ الأولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَأَمّا في الثّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْض، وَأَمّا الثّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ" .
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
"في حديث يقاتلكم" قال القارىء: ظاهره أن يكون بالإضافة لكنه في جميع النسخ بالتنوين وفك الإضافة فالوجه أن قوله: يقاتلكم خبر مبتدأ محذوف أي هو يقاتلكم الخ والجملة صفة حديث، والمعنى في حديث هو أن ذلك الحديث يقاتلكم "يعني الترك" تفسير من الراوي وهو الصحابي أو التابعي "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "تسوقونهم" من السوق أي يصيرون مغلوبين مقهورين منهزمين بحيث أنكم تسوقونهم "ثلاث مرار" أي من السوق "حتى تلحقوهم" من الإلحاق أي توصلوهم آخراً "بجزيرة العرب" قيل هي اسم لبلاد العرب سميت بذلك لإحاطة البحار والأنهار بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات وقال مالك: هي الحجاز واليمامة واليمن وما لم يبلغه ملك فارس والروم ذكره الطيبي رحمه الله وتبعه ابن الملك "فينجو" أي يخلص "من هرب منهم" أي من الترك "ويهلك بعض" إما بنفسه أو بأخذه وإهلاكه وهو الظاهر "فيصطلمون" بصيغة المجهول أي يحصدون بالسيف ويستأصلون من الصلم وهو القطع المستأصل.
واعلم أن هذا الحديث يدل صراحة على أن المسلمين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين يسوقون الترك ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففي السياق الأولى ينجو من هرب من الترك، وفي الثانية ينجو بعض منهم ويهلك بعض، وفي الثالثة يستأصلون. وأخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده وسياقه مخالف لسياق أبي داوود، مخالفة ظاهرة فإن سياق أحمد يدل صراحة وعلى رأس أن الترك هم الذين يسوقون المسلمين ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففي السياقة الأولى ينجو من هرب من المسلمين، وفي الثانية ينجو بعض منهم ويهلك بعض، وفي الثالثة يستأصلون كلهم. قال أحمد فس مسنده: حدثنا أبو نعيم حدثنا بشير بن مهاجر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه صغار الأعين كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار حتى يلحقونهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولى فينجو من هرب منهم وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلون كلهم من بقي منهم. قالوا يا نبي الله من هم؟ قال: هم
(11/278)
...................................
ـــــــ
الترك". قال: وأما الذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين" قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك للحرب مما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء من أمراء الترك. قال القرطبي: إسناده صحيح.
فانظر إلى سياق أحمد كيف خالف سياق أبي داوود، مخالفة بينة لا يظهر وجه الجمع بينهما. وبوب القرطبي في التذكرة بلفظ باب في سياقة الترك للمسلمين وسياقة المسلمين لهم ثم أورد فيه رواية أحمد ورواية أبي داوود، المذكورتين وإني لست أدري ما مراده من تبويبه بهذا اللفظ إن أراد به الجمع بين روايتي أبي داوود وأحمد بأنهما محمولان على زمانين مختلفين، ففي زمان يكون سياقة النزل للمسلمين، وفي زمان آخر آخر يكون سياقه المسلمين لهم، فهذا بعيد جداً كما لا يخفى على المتأمل، وإن أراد غير هذا فالله تعالى أعلم بما أراد.
وعندي أن الصواب هي رواية أحمد وأما رواية أبي داوود فالظاهر أنه قد وقع الوهم فيه من بعض الرواة، ويؤيده ما في رواية أحمد من أنه بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك للهرب مما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء من أمراء الترك، ويؤيده أيضاً أنه وقع الشك لبعض رواة أبي داوود، ولذا قال في آخر الحديث أو كما قال.
ويؤيده أيضاً أنه وقعت الحوادث على نحو ما ورد في رواية أحمد فقد قال القرطبي في التذكرة: والحديث الأول أي حديث أحمد على خروجهم وقتالهم المسلمين وقتلهم، وقد وقع على نحو ما أخبر صلى الله عليه وسلم فخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصهم إلا الله يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، فخرج منهم في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وست مائة جيش من الترك يقال له الططر عظم في قتله الخطب والخطر، وقضى له في قتل النفوس المؤمنة الوطر فقتلوا ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان، ومحوا رسوم ملك بني ساسان، وخربوا مدينة نشاور وأطلقوا فيها النيران، وحاد عنهم من أهل خوارزم كل إنسان، ولم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات والكهفان حتى وصلوا إليها وقتلوا وسبوا وخربوا البنيان، وأطلقوا الماء على المدينة من نهر جيحان فغرق منها مباني الدار والأركان، ثم وصلوا إلى بلاد نهشان فخربوا مدينة الري وقزوين ومدينة أردبيل ومدينة مراغة كرسي بلاد آذربيجان وغير ذلك، واستأصلوا ساقة من هذه البلاد من العلماء والأعيان واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان ودور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن وأنزل عليهم مواد التأييد والإحسان فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلد الفرسان واجتمع فيها مائة ألف إنسان، وأبرز الططر القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم، فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمى، ففروا منهم فرار
(11/279)
أو كما قال....................................
ـــــــ
الشيطان في يوم بدر وله حصاص، ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن من الهلاك خلاص، وواصلوا السير بالسير إلى أن صعدوا جبل أربد فقتلوا جميع من فيه من صلحاء المسلمين، وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وكانت استطالتهم على ثلثي بلاد المشرق الأعلى، وقتلوا من الخلائق ما لا يحصى، وقتلوا في العراق الثاني عدة يبعد أن تحصى، وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع كما جاء في الحديث المنذر بخروجهم، إلى أن قال: وقطعوا السبيل وأخافوها، وجاسوا خلال الديار وطافوها، وملأوا قلوب المسلمين رعباً وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحباً، ولا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث، وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الأخيرة منها.
قال القرطبي: فقد كملت بحمد الله خرجاتهم، ولم يبق قتلتهم وقتالهم، فخرجوا عن العراق الثاني والأول كما ذكرنا وخرجوا من هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد، وقتلوا جميع من فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، واستباحوا جميع من فيها من المسلمين، وعبروا الفلاة إلى حلب وقتلوا جميع من فيها، وخربوا إلى أن تركوها خالية، ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام، وفلقوا بسيوفهم الروؤس والهام، ودخل رعبهم الديار المصرية، ولم يبق إلا اللحوق بالديار الأخروية، فخرج إليهم من مصر الملك المظفر الملقب بظفر رضي الله عنه بجميع من معه من العساكر، وقد بلغت القلوب الحناجر إلى أن التقى بهم بعين جالوت، فكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فقتل منهم جمع كثير وعدد غزير وارتحلوا عن الشام من ساعتهم، ورجع جميعه كما كان للإسلام، وعدوا الفرات منهزمين، ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان ولا حين، وراحوا خائبين وخاسئين مدحورين أذلاء صاغرين، إنتهى كلام القرطبي بإختصار.
وقال الإمام ابن الأثير في الكامل: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن ميلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها انتهى.
وقال الذهبي: وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها انتهى.
"أو كما قال" أي قال غير هذا اللفظ، فهذا يدل على أن الراوي لم يضبط لفظ الحديث ولذا رجحت رواية أحمد. والحديث سكت عنه المنذري.
(11/280)
10- باب في ذكر البصرة :
4296- حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فَارِسَ أخبرنا عَبْدُ الصّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حدّثني أبي أخبرنا سَعِيدُ بنُ جُمْهَانَ قالَ أخبرنا مُسْلِمُ بنُ أبِي بَكْرَةَ قالَ سَمِعْتُ أبي يُحَدّثُ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَنْزِلُ النّاسُ مِنْ أُمّتِي بِغَائِطٍ يُسَمّونَهُ الْبَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ دَجْلَةَ يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يُكْثُرُ أهْلُهَا وَتَكُونُ مِنْ أمْصَارِ المُهَاجِرِينَ" .
قال ابنُ يَحْيَى قال أبُو مَعْمَرٍ: وَتَكُونُ مِنْ أمْصَارِ المُسْلِمِينَ، فإذَا كَانَ في آخِرِ الزّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الأعْيُنِ حَتّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطّ النّهْرِ،
ـــــــ
"باب في ذكر البصرة"
"سعيد بن جمهان" بضم الجيم الأسلمي أبو حفص البصري وثقه ابن معين وأبو داوود وابن حبان، وقال أبو حاتم: شيخ لا يحتج به وقال النسائي: ليس به بأس "بغائط" الغائط المطمئن الواسع من الأرض "يسمونه البصرة" قال في القاموس: البصرة بلدة معروفة ويكسر ويحرك ويكسر الصاد أو هو معرب بس راه أي كثير الطرق "عند نهر" بفتح الهاء ويسكن "دجله" بكسر الدال وبفتح نهر بغداد "جسر" أي قنطرة ومعبر "يكثر أهلها" أي أهل البصرة. قال القارى في المرقاة في حاشية الشفاء للحلبي: البصرة مثلث الباء والفتح أفصح بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر رضي الله عنه ولم يعبد الصنم قط على ظهرها والنسبة إليها بالكسر والفتح. قال بعض والكسر في النسبة أفصح من الفتح قال ولعله لمجاورة كسر الراء "وتكون" أي البصرة " من أمصار المهاجرين" هذا لفظ محمد بن يحيى عن عبد الصمد، وروى محمد بن يحيى عن أبي معمر من أمصار المسلمين، وإليه أشار أبو داوود بقوله قال ابن يحيى إلخ قال الأشراف: أراد صلى الله عليه وسلم بهذه المدينة السلام بغداد، فإن الدجلة هي الشط وجسرها في وسطها لا في وسط البصرة وإنما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم ببصرة لأن في بغداد موضعاً خارجياً منه قريباً من بابه يدعى باب البصرة فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بغداد باسم بعضها أو على حذف المضاف كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الهيئة ولا كان مصراً من الأمصار في عهده صلى الله عليه وسلم، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "ويكون من أمصار المسلمين" بلفظ الاستقبال بل كان في عهده قرى متفرقة بعد ما خرجت مدائن كسرى منسوبة إلى البصرة محسوبة من أعمالها. هذا وإن أحداً لم يسمع في زماننا بدخول الترك البصرة قط على سبيل القتال والحرب. ومعنى الحديث أن بعضاً من أمتي ينزلزن عند دجلة ويتوطنون ثمة ويصير ذلك الموضع مصراً من أمصار المسلمين وهو بغداد ذكره القاري.
"فإذا كان" أي الأمر والحال فاسمه مضمر "جاء بنو قنطوراء" بفتح القاف وسكون النون
(11/281)
فَيَتَفَرّقُ أهْلُهَا ثَلاَثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ يَأْخذونَ أذْنَابَ الْبَقَرِ وَالْبَرّيّةِ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لأنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيّهُمْ خْلَفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمْ الشّهَداءُ.
4297- حدثنا عَبْدُ الله بنُ الصّبّاحِ أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصّمَدِ قالَ أخبرنا مُوسَى الْحَنّاطُ لا أعْلَمُهُ إلاّ ذَكَرَهُ عن مُوسَى بنِ أنَسٍ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لَه: "يَا أنَس إنّ النّاسَ يُمَصّرُونَ أمْصَاراً، وَإنّ مِصْراً مِنهَا يُقَالُ لَها الْبَصْرَةُ أو الْبُصَيْرَةُ فإنْ أنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أوْ دَخَلْتَهَا فإيّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكِلاَءَهَا وَسُوقَهَا وَبَابَ
ـــــــ
ممدوداً كذا ضبط، وقال القارىء: مقصوراً وقد يمد أي يجيئون ليقاتلوا أهل بغداد، وقال بلفظ جاء دون يجيء إيذاناً بوقوعه فكأنه قد وقع وبنو قنطوراء اسم أبي الترك، وقيل اسم جارية كانت للخليل عليه الصلاة والسلام ولدت له أولاداً جاء من نسلهم الترك وفيه نظر، فإن الترك من أولاد يافث بن نوح وهو قبل الخليل بكثير، كذا ذكره بعضهم، ويمكن دفعه بأن الجارية كانت من أولاد يافث: أو المراد بالجارية بنت منسوبة للخليل لكونها من بنات أولاده وقد تزوجها واحد من أولاد يافث فأتت بأبي هذا الجيل فيرتفع الإشكال انتهى "عراض الوجوه" بدل أو عطف بيان "على شط النهر" أي على جانب النهر قال في المصباح: الشط جانب النهر وجانب الوادي "ثلاث فرق" بكسر ففتح جمع فرقة "يأخذون أذناب البقر" أي أن فرقة يعرضون عن المقاتلة هرباً منها وطلباً لخلاص أنفسهم ومواشيهم ويحملون على البقر فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها أو يعرضون عن المقاتلة ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشاسعة فيهلكون "وفرقة يأخذون لأنفسهم" أي يطلبون أو يقبلون من بني قنطوراء "فرقة يجعلون ذراريهم" أي أولادهم الصغار والنساء "ويقاتلونهم وهم الشهداء" أي الكاملون قال القارىء: وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم فإنه وقع كما أخبر وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ست وخمسين وست مائة انتهى. قال المنذري: في إسناده سعيد بن جمهان وثقة يحيى بن معين وأبو داوود السجستاني وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به "الحناط" بالمهملة وهو موسى بن أبي عيسى "يمصرون أمصاراً" أي تخذون بلاداً والتمصير اتخاذ المصر "وإن مصراً منها" أي من الأمصار "فإن أنت مررت بها أو دخلتها" أو للتنويع لا للشك "فإياك وسباخها " أي فاحذر سباخها وهو بكسر السين جمع سبخة بفتح فكسر أي أرض ذات ملح. وقال الطيبي: هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر "وكلاءها" ككتاب موضع بالبصرة قاله في فتح الودود. وقال القارىء: بفتح الكاف وتشديد اللام ممدوداً موضع بالبصرة انتهى.
قال الحافظ بن الأثير في النهاية: الكلاء بالتشديد والمد الموضع الذي تربط فيه السفن
(11/282)
أمّرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فإنّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَدْفٌ وَرَجْفٌ وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ" .
4298- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ صَالِحٍ بنِ دِرْهَمٍ قالَ سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: "انْطَلَقْنَا حَاجّينَ فإذَا رَجُلٌ فقالَ لَنَا: إلَى جَنْبِكُم قَرْيَةٌ يُقَالُ لَها الأُبُلّةُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قالَ: مَنْ يَضْمَنْ لِي مِنْكُم أنْ يُصَلّيَ لِي في مَسْجِدِ الْعَشّارِ رَكْعَتَيْنِ
ـــــــ
ومنه سوق الكلاء بالبصرة انتهى "وسوقها" إما لحصول الغفلة فيها أو لكثرة اللغو بها أو فساد العقود ونحوها "وباب أمرائها" أي لكثرة الظلم الواقع بها "وعليك بضواحيها" جمع الضاحية وهي الناحية البارزة للشمس، وقيل المراد بها جبالها، وهذا أمر بالعزلة، فالمعنى الزم نواحيها "فإنه يكون بها" أي بالمواضع المذكورة "خسف" أي ذهاب في الأرض وغيبوبة فيها "وقذف" أي ريح شديدة باردة أو قذف الأرض الموتى بعد دفنها أو رمى أهلها بالحجارة بأن تمطر عليهم قاله القارىء قلت: الظاهر المناسب ههنا هو المعنى الأخير كما لا يخفى "ورجف" أي زلزلة شديدة "وقوم" أي فيها قوم "يبيتون" أي طيبين "يصبحون قردة وخنازير" قال الطيبي: المراد به المسخ وعبر عنه بما هو أشنع انتهى. وقيل في هذا إشارة إلى أن بها قدرية لأن الخسف والمسخ إنما يكون في هذه الأمة للمكذبين بالقدر.
قال السيوطي: في مرقاة الصعود هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات من غير الطريق الذي أخرجه منها المصنف وغفل عن هذا الطريق، وقد تعقبه فيما كتبته على كتابه.
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي يعلى الموصلي أخبرنا عمار بن زوبى أخبرنا النضر بن أنس عن أبيه عن جده عن أنس وتعلق فيه بعمار بن زوبى وهو متهم وهم كما قال لكنه لم يتفرد به عمار بل له سند آخر عند إبي داوود، رجاله كلهم رجال الصحيح، وليس به إلا عدم الجزم باتصاله لقول عبد العزيز فيه لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس، ولكن هذا يقتضي غلبة الظن به وذلك كاف في أمثاله انتهى.
قال المنذري: لم يجزم الرواي به قال لا أعلمه إلا ذكرة عن موسى بن أنس.
"أخبرنا إبراهيم بن صالح بن درهم" بكسر الدال الباهلي أبو محمد البصري فيه ضعف وأبوه صالح بن درهم وثقه بن معين قاله الحافظ في التقريب "حاجين" أي مريدين الحج " فإذا رجل" أي واقف والمراد به أبو هريرة "إلى جنبكم قرية" بحذف الاستفهام "يقال لها الأبلة" بضم الهمزة وتشديد اللام البلد المعروف قرب البصرة من جانبها البحري. كذا في النهاية وهي أحد المنتزهات الأربع وهي أقدم من البصرة ذكره القارىء. "من يضمن" استفهام
(11/283)
أوْ أرْبَعاً وَيَقُولَ هَذِهِ لأبي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ خَلِيلِي أبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ الله يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا المَسْجِدُ مِمّا يَلِي النّهْرَ.
ـــــــ
للالتماس والسؤال والمعنى من يتقبل ويتكفل "لي" أي لأجلي "أن يصلي لي" أي بنيتي "في مسجد العشار" بفتح العين المهملة وتشديد الشين مسجد مشهور يتبرك بالصلاة فيه ذكره ميرك "ركعتين أو أربعاً" أي أربع ركعات أو للتنويع أو بمعنى بل "ويقول" أي عند النية أو بعد فراغ الصلاة "هذه" أي الصلاة أو ثوابها "للأبي هريرة" فإن قيل: الصلاة عبادة بدنية ولا تقبل النيابة فما معنى قول أبي هريرة؟ قلنا: يحتمل أن يكون هذا مذهب أبي هريرة قاس الصلاة على الحج وإن كان في الحج شائبة مالية، ويحتمل أن يكون معناه ثواب هذه الصلاة لأبي هريرة، فإن ذلك جوزه بعضهم. كذا ذكره الطيبي رحمه الله.
قال القاري: وقال علماؤنا الأصل في الحج عن الغير أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره من الأموات والأحياء حجاً أو صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها كتلاوة القرآن والأذكار، فإذا فعل شيئاً من هذا وجعل ثوابه لغيره جاز ويصل إليه عند أهل السنة والجماعة انتهى. قلت: قد حقق هذا البحث في موضعه وليس هذا موضعه "إبا القاسم" بدل أو عطف بيان "لا يقوم" أي من القبور أو في المرتبة "مع شهداء بدر غيرهم" ولم يعرف أنهم من شهداء هذه الأمة أو من الأمم السابقة قاله القارىء "هذا المسجد مما يلي النهر" أي نهر الفرات. قال المنذري: إبراهيم بن صالح بن درهم ذكره البخاري في التاريخ الكبير وذكر له هذا الحديث وقال لا يتابع عليه وذكره أبو جعفر العقيلي وقال فيه إبراهيم هذا وأبوه ليسا بمشهورين والحديث غير محفوظ وذكر الدارقطني أن إبراهيم هذا ضعيف.
(11/284)
11- باب ذكر الحبشة :
4299- حدثنا الْقَاسِمُ بنُ أحْمَدَ الْبَغْدَادِيّ أخبرنا أبُو عَامِرٍ عن زُهَيْرِ بنِ مُحمّدٍ عن مُوسَى بنِ جُبَيْرٍ عن أبي أمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حَنِيفٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو عن
ـــــــ
"باب ذكر الحبشة"
"موسى بن جبير" هكذا في أكثر النسخ. وكذا في أطراف المزي وفي بعض الأصول
(11/284)
النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُم فإنّهُ لا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إلاّ ذُو السّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ" .
ـــــــ
محمد بن جبير والله أعلم "اتركوا الحبشة" بالتحريك جيل من السودان معروف "ما تركوكم" أي مدة دوام تركهم لكم لما يخاف من شرهم إليه بقوله "فإنه لا يستخرج كنز الكعبة" أي المال المدفون فيها "إلا" عبد حبشي لقبه "ذو السويقتين" بالتصغير تثنية سويقة أي هو دقيقهما جداً والحبشة وإن كان شأنهم دقة السوق لكن هذا متميز بمزيد من ذلك يعرف به. وقال النووي: هما تصغير ساقي الإنسان لرقتهما وهي صفة سوق السودان غالباً، ولا يعارض هذا قوله تعالى: {حَرَماً آمِناً} لأن معناه آمناً إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقيل يخص منه قصة ذي السويقتين. قال القاضي: القول الأول أظهر انتهى. وقال السيوطي: ذكر الحليمي وغيره أن ظهور ذي السويقتين في وقت عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بعد هلاك يأجوج ومأجوج فيبعث عيسى إليه طليعة ما بين السبعمائة إلى ثمان مائة فبينما هم يسيرون إليه إذ بعث الله ريحاً يمانية طيبة فتقبض فيها روح كل مؤمن انتهى. قلت: لا بد لهذا من سند صحيح وإلا فالله تعالى أعلم بوقت خروجه.
قال المنذري: وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" .
(11/285)
12- باب أمارات الساعة :
4300- حدثنا مُؤَمّلُ بنُ هِشَامٍ حدّثني إِسْمَاعِيلُ عن أبي حَيّانَ التّيْمِيّ عن أبي زُرْعَةَ قالَ: جَاءَ نَفَرٌ إلَى مَرْوَانَ بالمَدِينَةِ فَسَمِعُوهُ يُحَدّثُ في الآيات أنّ أوّلَها الدّجّالُ.
ـــــــ
"باب أمارات الساعة"
جمع أمارة كعلامة وزنا ومعنى أي علامات القيامة.
"عن أبي زرعة" قال المنذري: هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي واسمه هرم، ويقال عمرو ويقال عبد الرحمن، ويقال عبيد الله. وقال الحافظ في التقريب: أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل اسمه هرم، وقيل عمرو، وقيل عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وقيل جرير ثقة من الثالثة "إلى مروان" هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين ومات سنة خمس في رمضان لا يثبت به صحبه "فسموه" أي مروان "في الآيات" أي علامات القيامة "قال" أي أبو زرعة
(11/285)
قالَ: فَانْصَرَفْتُ إلَى عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو فَحَدّثْتُهُ، فقالَ عَبْدُ الله: لَمْ يُقَلْ شَيْئاً، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ أوّلَ الآيات خُرُوجاً طُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أو الدّابّةُ عَلَى النّاسِ ضُحًى فأَيّتُهُمَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتُهَا فالأُخْرَى عَلَى أثَرِهَا" .
قالَ عَبْدُ الله: وكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، وَأَظُنّ أوّلَهُمَا خُرُوجاً طُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
ـــــــ
"فحدثته" أي ذكرت له ما حدث مروان من أول الآيات الدجال "فقال عبد الله" بن عمرو "لم يقل" أي مروان "شيئاً" أي لم يقل شيئاً يعتبر به ويعتد. وقال في فتح الودود: يريد أن ما قاله باطل لا أصل له لكن نقل البيهقي عن الحليمي أن أول الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وذلك لأن الكفار يسلمون في زمان عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة فلو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزل عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم أيام عيسى، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحداً، ولذلك أول بعضهم هذا الحديث بأن الآيات إما أمارات دالة على قرب القيامة وعلى وجودها ومن الأول الدجال ونحوه، ومن الثاني طلوع الشمس ونحوه فأولية طلوع الشمس إنما هي بالنسبة إلى القسم الثاني "إن أول الآيات خروجاً أي" ظهوراً ضحى بالتنوين أي وقت ارتفاع النهار قال العلقمي قال ابن كثير: أي أول الآيات التي ليست مألوفة وإن كان الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج كل ذلك أمور مألوفة لأنهم بشر مشاهدتهم وأمثالهم مألوفة فإن خروج الدابة على شكل غريب غير مألوف ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري العادات وذلك أول الآيات الأرضية كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية إنتهى "وقال القرطبي في التذكرة" روى ابن الزبير أنها جمعت من كل حيوان، فرأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إبل، وعنقها عنق النعامة وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنى عشر ذراعاً. ذكره الثعلبي والماوردي وغيرهما ذكره العزيزي "فأيتهما" بشدة الثناة التحتية "فالأخرى على أثرها" بفتحتين وبكسر فسكون أي تحصل عقبها "قال عبد الله" أي ابن عمرو "وكان يقرأ الكتب" جملة حالية وقائلها أبو زرعة أي والحال أن عبد الله بن عمرو كان يقرأ الكتب أي التوراة ونحوها من الكتب السماوية فالظاهر أن ما قاله عبد الله يكون مكتوباً فيها أو مستنبطاً منها "وأظن أولهما خروجاً إلخ" مقوله قال: قال المنذري: وأخرجه مسلم وابن ماجه قصة مروان.
(11/286)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-17-2010, 01:05 PM   #2
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-19-2014 (07:36 PM)
 المشاركات : 30,013 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



4301- حدثنا مُسَدّدٌ وَ هَنّادٌ المَعْنَى قالَ مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأَحْوَصِ قالَ أخبرنا فُرَاتٌ الْقَزّازُ عن عَامِرِ بنِ واثِلَةَ، وقالَ هَنّادٌ عن أبي الطّفَيْلِ عن حُذَيْفَةَ بنِ أسِيدٍ الْغِفَارِيّ قالَ: كُنّا قُعُوداً نَتَحَدّثُ في ظِلّ غْرْفَةٍ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْنا السّاعَةَ فارْتَفَعَتْ أصْواتُنَا، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ تَكُونَ، أوْ لَنْ تَقُومَ السّاعَةُ حَتّى تَكُونَ قَبْلَها عَشْرُ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدّابّةِ، وَخُرُوجُ يَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدّجّالِ، وَعِيسَى بنِ مَرْيَمَ، وَالدّخَانُ، وَثَلاَثُ خُسُوفٍ: خَسْفٍ
ـــــــ
"عامر بن واثلة" الكنائي الليثي أبو الطفيل ولد عام أحد وهو آخر من مات من جميع الصحابة على الإطلاق رضي الله تعالى عنهم "عن أبي الطفيل" هو عامر بن واثلة أي قال مسدد في روايته عن عامر بن واثلة.
وقال: هناد عن أبي الطفيل "عن حذيفة بن أبي أسيد" بفتح الهمزة وكسر السين "الغفاري" بكسر الغين المعجمة نسبة إلى قبيلة منهم أبو ذر "في ظل غرفة" بالضم العلية قاله في القاموس. وفي الفارسية برواره أي بالإخانة بركناه بام "لرسول الله صلى الله عليه وسلم" صفة لغرفة أي غرفة كائنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لمسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن تحتها نتحدث "فذكرنا الساعة" أي أمر القيامة واحتمال قيامها في كل ساعة "لن تكون أو لن تقوم" شك من الراوي "طلوع الشمس من مغربها" قال السيوطي قال الكرماني: فإن قلت: إن أهل الهيئة بينوا أن الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه. قلت: قواعدهم منقوضة ومقدماتهم ممنوعة وإن سلمنا صحتها فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدل النهار بحيث يصير المشرق مغرباً وعكسه انتهى. وروى البخاري في تاريخه وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: إذا أراد الله أن يطلع الشمس من معربها أدارها بالقطب فجعل مشرقها مغربها ومغربها مشرقها. قلت: إنا نشاهد كل يوم الفلك دائراً بقدرته تعالى من المشرق للمغرب فإذا قال: له كم مقهقراً دورانك من المغرب للمشرق كما قال ذلك بعكسه، فكان فأي مانع يمنعه عند كل مؤمن وقد قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فسبحان الله تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً انتهى، قلت: ما ذكر الكرماني من عدم الامتناع في انطباق منطقة البروج على المعدل بحيث يصير المشرق مغرباً وعكسه ففيه نظر قد بينه العلامة الألوسي في تفسيره روح المعاني تحت آية: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} الآية "وخروج الدابة" وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} الآية قال المفسرون: هي دابة عظيمة تخرج من صدع في الصفا. وعن ابن عمرو بن العاص أنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال قاله النووي "وعيسى ابن مريم"
(11/287)
بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٍ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٍ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبَ، وَآخِرُ ذَلِكَ تخرج نارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ قَعْرٍ [قعرة] عَدَنٍ، تَسُوقُ النّاسَ إلَى المَحْشَرِ" .
ـــــــ
أي خروج عيسى عليه السلام وهو نزوله من السماء، وفيه رد على من أنكر نزول عيسى بن مريم وهذا المنكر ضال مضل وسيأتي بحثه.
وقد سألني بعض الملاحدة هل جاء التصريح في الحديث بأن عيسى بن مريم عليه السلام تولد من غير أب؟ قلت: نعم أخرج عبد بن حميد الكشي في مسنده أنبأنا عبيد الله بن موسى قال: أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحق عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي" فذكر الحديث.
وفيه قال النجاشي: لجعفر ما يقول صاحبك في ابن مريم؟قال: يقول فيه قول الله عزّ وجلّ وهو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر. قال: فتناول النجاشي عوداً من الأرض وقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه. "أمكثوا في أرضي ما شئتم" الحديث. قلت: هذا حديث إسناده صحيح والله أعلم.
"والدخان" قال الطيبي رحمه الله: هو الذي ذكر في قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} وذلك كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.
وقال النووي في شرح مسلم تحت هذا الحديث: هذا الحديث يؤيد قول من قال إن الدخان يأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام وأنه لم يأت بعد وإنما يكون قريباً من قيام الساعة وقال ابن مسعود: إنما هو عبارة عما نال قريشاً من القحط حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان وقد وافق ابن مسعود جماعة وقال بالقول الآخر حذيفة وابن عمر والحسن، ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار انتهى.
وقال القرطبي في التذكرة قال ابن دحية: والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وتكون، فأما التي كانت فهي التي كانوا يرون فيها كهيئة الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من الأشراط والعلامات ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} فيكشف عنهم ثم يعودون لقرب الساعة. وقل ابن مسعود رضي الله عنه لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من تفسيره، وقد جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه.
(11/288)
...................................
ـــــــ
قال القرطبي: وقد روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهما دخانان. قال مجاهد: كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول هما دخانان قد أمضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض انتهى.
"وثلاث خسوف" قال ابن الملك: قد وجد الخسف في مواضع لكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائداً على ما وجد كأن يكون أعظم مكاناً وقدراً "خسف" بالجر على أنه بدل مما قبله وبالرفع على تقدير أحدها أو منها "وآخر ذلك" أي ما ذكر من الآيات "من قعر عدن" أي أقصى أرضها وهو غير منصرف وقيل منصرف باعتبار البقعة والموضع، ففي المشارق عدن مدينة مشهورة باليمن وفي القاموس عدن محركة جزيرة باليمن "تسوق" أي تطرد النار "إلى المحشر" بفتح الشين ويكسر أي إلى المجمع والمواقف، قيل المراد من المحشر أرض الشام إذ صح في الخبر أن الحشر يكون في أرض الشام لكن الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها قاله القاري.
وقد قيل إن أول الآيات الدخان ثم خروج الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله لم يكن الإيمان مقبولاً من الكفار، فالواو لمطلق الجمع فلا يرد أن نزوله قبل طلوعها ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الآيات.
وقال في فتح الودود: قيل أول الآيات الخسوفات ثم خروج الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم الريح التي تقبض عندها أرواح أهل الإيمان، فعند ذلك تخرج الشمس من مغربها ثم تخرج دابة الأرض ثم يأتي الدخان. قال صاحب فتح الودود: والأقرب في مثله التوقف والتفويض إلى عالمه انتهى. قلت: ذكر القرطبي في تذكرته مثل هذا الترتيب إلا أنه جعل الدجال مكان الدخان.
وذكر البيهقي عن الحاكم مثل ترتيب القرطبي وجعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس من مغربها فالظاهر بل المتعين هو ما قال صاحب فتح الودود: من أن الأقرب في مثله هو التوقف والتفويض إلى عالمه، وإني أسرد كلام القرطبي بعينه لتكميل الفائدة.
قال القرطبي في التذكرة في كشف أحوال الموتى وأمور الآخرة: باب العشر الآيات التي تكون قبل الساعة وبيان قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} روى عن حذيفة أنه قال: "كنا جلوساً بالمدينة في ظل حائط وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة فأشرف علينا فقال ما يجلسكم؟ فقلنا: نتحدث قال: فيماذا؟ فقلنا: عن الساعة، فقال: إنكم لا ترون الساعة حتى ترون
(11/289)
...................................
ـــــــ
قبلها عشر آيات: أولها طلوع الشمس من مغربها ثم الدخان ثم الدجال ثم الدابة ثم ثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، ويكون آخر ذلك نار تخرج من اليمن من قعرة لا تدع أحداً خلفها إلا تسوقه إلى المحشر" ذكره القتيبي في عيون الأخبار له، وخرجه مسلم بمعناه وعن حذيفة قال: "إطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة ويأجوج ومأجوج وخروج عيسى بن مريم وثلاث خسوفات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا" أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن.
وفي رواية: الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم وثلاث خسوفات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
وفي البخاري عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول إشراط الساعة نا تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" .
وفي مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً منها" وفي حديث حذيفة مرفوعاً "ثم قال: صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى حبشي الحديث" .
قال القرطبي: جاءت هذه الآيات في هذه الأحاديث مجموعة غير مرتبة ما عدا حديث حذيفة المذكور أولاً، فإن الترتيب فيه بثم وليس الأمر كذلك على ما سنبينه، وقد جاء ترتيبها من حديث حذيفة أيضاً قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن في أسفل منه فاطلع إلينا فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تروا عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس".
وقال بعض الرواة في العاشرة نزول عيسى بن مريم، وقال بعضهم وريح تلقي الناس في البحر أخرجه مسلم.
فأول الآيات على ما في هذه الرواية الخسوفات الثلاث، وقد وقع بعضها في زمن
(11/290)
...................................
ـــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن وهب وذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنه وقع بعراق العجم زلازل وخسوفات هلك بسببها خلق كثير.
قال القرطبي: وقد وقع ذلك عندنا بشرق الأندلس فيما سمعناه من بعض مشائخنا.
ووقع هذا الحديث دابة الأرض قبل يأجوج ومأجوج وليس كذلك فإن أول الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام ثم خروج يأجوج ومأجوج، فإذا قتلهم الله بالنغف في أعناقهم وقبض الله تعالى نبيه عيسى عليه السلام وخلت الأرض منه وتطاولت الأيام على الناس وذهب معظم دين الإسلام أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى بينه وبينهم حجة عليهم ثم قبضه الله تعالى، فيخرج الله تعالى لهم دابة الأرض فتميز المؤمن من الكافر ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا وينزعوا عن ما هم فيه من الفسوق والعصيان، ثم تغيب الدابة عنهم ويمهلون فإذا أصروا على طغيانهم وعصيانهم طلعت الشمس من مغربها ولم يقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة وأزيل الخطاب والتكليف عنهم ثم كان قيام الساعة على أثر ذلك قريباً لأن الله تعالى قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زماناً طويلاً.
وأما الدخان فروى من حديث حذيفة أن من أشراط الساعة دخاناً يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث في الأرض أربعين يوماً، فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من أنفه وعينيه وأذنيه ودبرة انتهى كلام القرطبي.
قلت: حديث حذيفة بن أسيد إسناده صحيح ورجاله رجال ثقات الصحيحين. مسدد بن مسرهد البصري أخرج عنه الأئمة الستة، غير مسلم وابن ماجه وقال فيه ابن معين ثقه ثقه.
وأما هناد بن السري فأخرج عنه مسلم وأصحاب السنن ووثقه النسائي.
وأما أبو الأحوص فهو سلام بن سليم الحافظ أخرج له الأئمة الستة، قال فيه ابن معين ثقه متقن.
وأما فرات البصري القزاز فأخرج له الأئمة الستة ووثقه النسائي، وأما عامر بن واثلة أبو الطفيل فصحابي أخرج له الأئمة الستة. وأما حذيفة بن أسيد أبو سريحة فصحابي أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. والحديث أخرجه مسلم بقوله حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر المكي قالوا: أخبرنا سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: "اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة
(11/291)
...................................
ـــــــ
وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم الحديث . ثم قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أخبرنا شعبة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل عن أبي سريحة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم في غرفة فذكر الحديث".
قال شعبة: وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أحدهما: في العاشرة نزول عيسى بن مريم، وقال الآخر: ريح تلقي الناس في البحر.
وحدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا شعبة عن فرات قال: سمعت أبا الطفيل عن أبي سريحة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة" فذكر الحديث.
قال شعبة: وحدثني رجل هذا الحديث عن أبي الطفيل عن أبي سريحة ولم يرفعه قال أحد هذين الرجلين: نزول عيسى بن مريم، وقال الآخر: ريح تلقيهم في البحر.
وحدثناه محمد بن مثنى أخبرنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي أخبرنا شعبة عن فرات قال: سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة قال: كنا نتحدث فأشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث معاذ وابن جعفر. وقال ابن مثنى: أخبرنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله أخبرنا شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة بنحوه قال: والعاشرة نزول عيسى بن مريم.
قال شعبة: ولم يرفعه عبد العزيز انتهى من صحيح مسلم.
وإسناده فرات القزاز مما استدركه الإمام الدارقطني وقال: ولم يرفعه غير فرات عن أبي الطفيل من وجه صحيح. قال: ورواه عبد العزيز بن رفيع وعبد الملك بن ميسرة موقوفاً. كلام الدارقطني.
وقد ذكر الإمام الحجة مسلم رواية ابن رفيع موقوفة كما قال الدارقطني: ولكن لا يقدح هذا في رفع الحديث، فإن فرات القزاز ثقه متقن متفق على توثيقه فزيادته مقبولة.
وروى عن الفرات سفيان بن عينية وأبو الأحوص وهما إمامان حافظان ثقتان، وذكر في حديثهما عن الفرات ذكر نزول عيسى بن مريم عليه السلام متصلاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وفي لفظ مسلم موضع نزول عيسى بن مريم عليه السلام وريح تلقي الناس في البحر وأخرجه هكذا من كلام حذيفة موقوفاً لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ الترمذي والعاشرة إما ريح تطرحهم في البحر وإما نزول
(11/292)
4302- حدثنا أَحْمَدُ بنُ أبي شُعَيْبٍ الْحَرّانِيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ الْفُضَيْلِ عن عُمَارَةَ عن أبي زُرْعَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فإذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} . الآية".
ـــــــ
عيسى بن مريم ولفظ النسائي يخرج من قعر عدن أبين وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ودال مهملة.
"ورآها" أي الشمس طالعة من مغربها "آمن من عليها" أي من على الأرض وهي وإن لم تكن مذكورة في الحديث لكنه يفهم من السياق فذاك حين {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} الجملة صفة نفس {أَوْ} نفساً لم تكن {كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} طاعة أي لا تنفعها توبتها كما في الحديث، كذا في تفسير الجلالين. وقال الشيخ سليمان: الجمل قوله: {لا يَنْفَعُ نَفْساً} أي نفساً كافرة أو مؤمنة عاصية، ويكون قوله: {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ} راجعاً للأولى، وقوله: {أَوْ كَسَبَتْ} راجعاً للثانية، ويكون التقدير لا ينفع نفساً إيمانها ولا توبتها من المعاصي ففي الكلام حذف دل عليه قوله أو كسبت ويكون فاعل لا ينفع أمران حذف منهما واحد وقد أشار الشارح للحذف بقوله أي لا تفعها توبتها وقال قوله: {نَفْساً} لم تكن كسبت إلخ أشار بهذا إلى أنه معطوف على المنفى وظاهر الآية يدل للمعتزلة القائلين بأن الإيمان المجرد عن الطاعة لا ينفع صاحبه وذلك لأن قوله لا ينفع نفساً إيمانهم لم تكن كسبت فيه خيراً صريح في ذلك، ورد بأن في الآية حذفاً كما تقدم تقديره فمبنى الشبهة أن الفاعل واحد هو المذكور فقط ومبنى ردها على أنه متعدد المذكور مقدر انتهى. قلت: لا شك في أن ظاهر الآية يدل على ما ذهب إليه المعتزلة وقد أطال الكلام في تأويل الآية والجواب عن المعتزلة [ذكره] العلامة الألوسي في تفسيره روح المعاني. وقد بسط العلامة القاضي الشوكاني رحمه الله في الجواب عن التأويلات في تفسيره فتح القدير فعليك بمطالعتهما لينجلي لك الحق. وقال في جامع البيان {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} عطف على آمنت أي لا ينفع الكافر إيمانه في ذلك الحين ولا الفاسق الذي ما كسب خيراً في إيمانه توبته فحاصله أنه من باب اللف التقديري أي لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها في الإيمان إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه أي لا ينفعهم تلهفهم على ترك الإيمان بالكتاب ولا على ترك العمل بما فيه انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه انتهى.
(11/293)
13- باب حسر الفرات عن كنز :
4303- حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيّ حدّثني عُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ السّكْونيّ أخبرنا عُبَيْدُ الله عن خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن حْفْصِ بنِ عَاصِمٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ الْفُرَاتُ أنْ يَحْسِرَ عن كَنْزِ مِنْ ذَهَبٍ، فَمنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً" .
4304- حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ الْكِندِيّ حدّثني عُقْبَةُ - يعْني ابنَ خَالِدٍ - حدّثني عُبَيْدِ الله عن أبي الزّنَادِ عن الأعْرَجِ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ، إلاّ أنّهُ قالَ: "يَحْسِرُ عنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ" .
ـــــــ
"باب حسر الفرات عن كنز"
الفرات كغراب النهر المشهور وهو بالتاء ويقال: يجوز بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكبوت والعنكبوه ذكر الحافظ.
والحسر الأنكشاف.
"يوشك" بكسر الشين أي يقرب "أن يحسر" بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه والحاء والسين مهملتان "أي ينكشف "فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً" هذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن وعلى هذا فيجوز أن يكون دنانير ويجوز أن يكون قطعاً ويجوز أن يكون تبراً، والذي يظهر أن النهي عن أخذه لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه، فقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ "يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس فيقتل من كل مائة تسعة وتسعين ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو" وأخرج مسلم أيضاً عن أبي بن كعب قال: "لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوشك أن ينحسر الفرات عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله قال: فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون" هذا تلخيص ما قال الحافظ في الفتح. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
"إلا أنه قال يحسر عن جبل من ذهب" يعني أن عبيد الله روى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثل حديثه السابق إلا أن في هذه الرواية وقع لفظ عن جبل من ذهب وكان في الرواية السابقة لفظ عن كنز من ذهب.
قال الحافظ: تسميته كنزاً باعتبار حاله قبل أن ينكشف وتسميته جبلاً للإشارة إلى كثرته
(11/294)
.............................
ـــــــ
انتهى. وقال القارىء: الظاهر أن القضية متحدة والرواية متعددة فالمعنى عن كنز عظيم مقدار جبل من ذهب ويحتمل أن يكون هذا غير الأول ويكون الجبل معدناً من ذهب انتهى. قلت: هذا الاحتمال غير ظاهر والظاهر هو الأول بل هو المتعين. قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي وقال المزي في الأطراف: حديث "يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب" أخرجه البخاري في الفتن ومسلم فيه وأبو داوود في الملاحم، والترمذي في صفة الجنة وقال: حسن صحيح انتهى.
(11/295)
باب خروج الدجال
...
عَلَيْهِ السّلاَمُ - نَبِيّ، وَإنّهُ نَازِلٌ فإذَا رَأَيْتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ، رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ مُمْصّرَتَيْنِ كَأَنّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيُقَاتِلُ النّاسَ عَلَى الإسْلاَمَ فَيَدُقّ
ـــــــ
قلت: وعلى هذا يجتمع أيضاً رواية عشر آيات مع من روى ثلاث آيات كما أخرجه الترمذي.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي النسائي، فلفظ مسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال" وفي لفظ "من آخر الكهف " وفي لفظ "من أول الكهف" .
"يعني عيسى عليه السلام" هذا تفسير للضمير المجرور في بينه من بعض الرواة "نبي" اسم مؤخر لليس.
قال السيوطي في مرقاة الصعود: أو الحديث عند أحمد: "الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم. لم يكن بيني وبينه نبي" انتهى.
وأخرج أبو داوود في باب التخيير بين الأنبياء من كتاب السنة عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبي" .
و "إنه" أي عيسى عليه السلام "نازل" وأخرج أبو داوود الطيالسي في مسنده: حدثنا هشام عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يمكث عيسى في الأرض بعد ما ينزل أربعون سنة ثم يموت ويصلي عليه المسلمين ويدفنوه" .
وهذا حديث إسناده قوي. أبو داوود الطيالسي هو سليمان بن داوود البصري قال عبد الرحمن بن مهدي: هو أصدق الناس، وقال أحمد: ثقه، وقال وكيع: جبل العلم وشيخه هشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي أمير المؤمنين في الحديث قال العجلي: ثقه ثبت أخرج له الأئمة الستة، وقتادة بن دعامة البصري ثقة ثبت أحد الأئمة الأعلام أخرج له الأئمة الستة، وأما عبد الرحمن بن آدم فهو من رجال مسلم ووثقه ابن حبان. والله أعلم.
قال القرطبي في التذكر: ذهب قوم إلى أن بنزول عيسى عليه السلام يرتفع التكاليف، لئلا يكون رسولاً إلى أهل ذلك الزمان، يأمرهم عن الله وينهام، وهذا مردود لقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} وقوله صلى الله عليه وسلم "لا نبي بعدي" وغير ذلك من الأخبار، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى عليه السلام ينزل نبياً بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما أخبر صلى الله عليه وسلم حيث قال لعمر: "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي" فعيسى عليه السلام إنما ينزل مقرراً لهذه الشريعة مجدداً لها، إذ هي آخر الشرائع
(11/205)
15- باب في خبر الجساسة :
4315- حدثنا النّفَيْلِيّ أخبرنا عُثْمانُ بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أخبرنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أخّرَ الْعِشَاءَ الآخرة ذَاتَ لَيْلَةٍ، ثُمّ خَرَجَ فقالَ: إنّهُ حَبَسَنِي حَدِيثٌ كَانْ يُحَدّثُنِيهِ تَمِيمٌ الدّارِيّ عن رَجُلٍ كَانَ في جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فإذَا أنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرّ شَعْرَهَا. قالَ: مَا [من] أنْتِ؟ قالَتْ: أنَا الْجَسّاسَةُ، اذْهَبْ إلَى ذَلِكَ الْقَصْرِ، فأَتَيْتُهُ فإذَا رَجُلٌ يَجُرّ شَعْرَهُ مُسْلَسَلٌ في الأغْلاَلِ يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السّمَاء وَالأرْضِ، فَقُلْتُ: مَنْ أنْتَ؟ فقالَ: أنَا الدّجّالُ، خَرَجَ
ـــــــ
"باب في خبر الجساسة"
هي بفتح الجيم فتشديد المهملة الأولى قيل سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال قاله النووي.
"العشاء الآخرة" أي صلاة العشاء "إنه" أى الشأن "حبسني" أى منعني من الخروج "عن رجل" أى عن حال رجل وهو الدجال "تجر شعرها" صفة لامرأة وهو كناية عن طول شعرها "قالت" أى تلك المرأة "أنا الجساسة" وفي الحديث الآتي فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشعر قالوا ويلك ما أنت؟ قال أنا الجساسة. قيل في الجمع بينهما يحتمل أن للدجال جساستين إحداهما دابة والثانية امرأة و يحتمل أن ا لجساسة كانت شيطانة تمثلث تارة في صورة دابة وأخرى في صورة امرأة، وللشيطان التشكل في أى تشكل أراد. ويحتمل أن تسمى المرأة دابة مجازاً كما في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} ولفظ مسلم " فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر قالوا ويلك ما أنت قالت أنا الجساسة انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه خبركم بالأشواق" قال لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة، وسيجىء هذا اللفظ في الحديث الآتي "مسلسل" صفة ثانية لرجل أى مقيد بالسلاسل "في الأغلال" أى معها "ينزو" بسكون النون وضم الزاى أى يثب وثوبا "فيما بين السماء والأرض" قال في فتح الودود متعلق بقوله ينزا او بمسلسل انتهى قال القارى:
(11/315)
[أخرج] نَبيّ الأُمّيّينَ بَعْدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: أطَاعُوهُ أمْ عَصَوْهُ؟ قُلْتُ: بَلْ أطَاعُوهُ قالَ: ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ" .
4316- حدثنا حَجّاحُ بنُ أبي يَعْقُوبَ أخبرنا عَبْدُ الصّمَدِ أخبرنا أبِي قالَ سَمِعْتُ حُسَيْنَ المُعَلّمَ قالَ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ أخبرنا عَامِرُ بن شَرَاحِيلَ الشّعْبِيّ عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: "سَمِعْتُ مُنَادِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُنَادِي: أنّ الصّلاَةَ جامِعَةٌ فَخَرَجْتُ فَصَلّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَلمّا قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الصّلاَةَ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، قالَ: لِيَلْزَمْ كُلّ إنْسَانٍ مُصَلاّهُ، ثُمّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: إنّي مَا جَمَعْتُكُمْ لِرُهْبَةٍ وَلا رَغْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ أنّ تَمِيماً
ـــــــ
أبعد من قال أنه متعلق بمسلسل "خرج" بحذف حرف الاستفهام وفي بعض النسخ أخرج بذكره "نبي الأميين" أى العرب. قال ابن الملك في شرح المشارق: أراد الدجال بالأميين العرب لأنهم لا يكتبون ولا يقرؤون غالباً "بعد" مبنى على الضم "قال ذاك خير لهم" قال الطيب: رحمه الله المشار إليه ما يفهم من قوله وأطاعوه. قال التوربشتي رحمه الله هذا القول قول من عرف الحق والمخذول من البعد من الله بمكان لم ير له فيه مساهم فما وجه قوله هذا، قلنا يحتمل أنه أراد به الخير في الدنيا أى طاعتهم له خير لهم فإنهم إن خالفوا اجتاحهم واستأصلهم، ويحتمل أنه من باب الصرفة صرفه الله تعالى عن الطعن فيه والتكبر عليه وتفوه بما ذكر عنه كالمغلوب عليه والمأخوذ عليه فلا يستطيع أن يتكلم بغيره تأييداً لنبيه صلى الله عليه وسلم والفضل ما شهدت به الأعداء انتهى.
قال المنذري: في إسناده عثمان بن عبد الرحمن القرشي مولاه الحراني المعروف بالطرائفي، قيل له ذلك لأنه كان يتبع طرائف الحديث. قال ابن نمير كذاب وقال ابو عروبة عنده عجائب. وقال ابن حبان البستي لا يجوز عندى الاحتجاج بروايته كلها على حال من الأحوال. وقال اسحاق بن منصور ثقة. وقال أبو حاتم الرازي صدوق. وأنكر على البخارى إدخال اسمه في كتاب الضعفاء وقال يحول منه انتهى قلت: وأخرجه مسلم من طرق كثير ليس فيها عثمان بن عبد الرحمن.
"جلس على المنبر" فيه دلالة على جواز وعظ الواعظ الناس جالسا على المنبر. وأما الخطبة يوم الجمعة فلا بد للخطيب أن يخطبها قائما "وهو يضحك" أى يتبسم ضاحكا على عادته الشريفة "ليلزم" بفتح الزاى "كل إنسان مصلاه" أى موضع صلاته فلا يتغير ولا يتقدم ولا يتأخر "لرهبة" أى لخوف من عدو "ولا رغبة" أى ولا لأمر مرغوب فيه من عطاء كغنيمة "إن
(11/316)
الدّارِيّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأسْلَمَ وَحدّثني حَدِيثاً وَافَقَ الّذِي حَدّثْتُكُمْ عن الدّجَالِ، حدّثني أنّهُ رَكِبَ في سَفِينَةٍ بَحْرِيّةٍ مَعَ ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، فَلَعِبَ بِهم المَوْجُ شَهْراً في الْبَحْرِ وَأرْفَئُوا إلَى جَزِيرَةٍ حِينَ مَغْرِبِ الشّمْسِ فَجَلَسُوا في أقْرُبِ السّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابّةٌ أهْلَبُ كَثِيرَةُ الشّعْرِ. قالُوا: وَيْلَكِ ما أنْتِ؟ قالَتْ: أنَا الْجَسّاسَةُ، انْطَلِقُوا إلَى هَذَا الرّجُلِ في هَذا الدّيْرِ فإنّهُ إلَى خَبَرِكُمْ
ـــــــ
تميما الداري" أى لأن كما في رواية مسلم وهو منسوب إلى جد له اسمه الدار "وافق الذي حدثتكم" أى طابق الحديث الذي حدثتكم "حدثني" قال النووي: هذا معدود في معاقب تميم لأن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه هذه القصة، وفيه رواية الفاضل عن المفضول ورواية المتبوع عن تابعه، وفيه قبول خبر الواحد "في سفينة بحرية" أى لا برية احترازا عن الإبل فإنها تسمى سفينة البر وقيل أى مركبا كبيرا بحريا لا زورقا صغيراً نهرياً قاله القارى "من لخم" بفتح لام وسكون خاء معجمة مصروف وقد لا يصرف قبيلة معروفة وكذا قوله "وجذام" بضم الجيم "فلعب بهم الموج" أى دار بهم، واللعب في الأصل ما لا فائدة فيه من فعل أول قول فاستعير لصد الأمواج السفن عن صوب المقصد وتحويلها يمينا وشمالا "وأرفأوا" أى قربوا السفينة قال الأصمعي أرفأت السفينة أفئها إرفاء، وبعضهم يقول أرفيها بالياء على الإبدال، وهذا مرفأ السفن أى الموضع الذي تشد إليه وتوقف عنده كذا في المرقاة "فجلسوا" أى بعدما تحولوا من المركب الكبير "في أقرب السفينة" بفتح الهمزة وضم الراء جمع قارب بكسر الراء وفتحه أشهر وأكثر وحكى ضمها وهو جمع على غير قياس والقياس قوارب.
قال النووي رحمه الله: أقرب السفينة هو بضم الراء جمع قارب بكسر الراء وفتحها وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة كالجنيبة يتصرف فيها ركاب السفينة لقضاء حوائجهم "فدخلوا الجزيرة" اللام للعهد أى في الجزيرة التي هناك "دابة أهلب" والهلب الشعر، وقيل ما غلظ من الشعر، وقيل ما كثر من شعر الذنب وإنما ذكره لأن الدابة يطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ} كذا قالوا والأظهر أنه بتأويل الحيوان قاله القارى.
قال النووى: الأهلب غليظ الشعر كثيره انتهى "كثيرة الشعر" صفة لما قبله وعطف بيان زاد في رواية مسلم "لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر" "قالوا ويلك" هي كلمة تجرى من غير قصد إلى معناه وقد ترد للتعجب وللتفجع.
قال القارى: خاطبوها مخاطبة المتعجب المتفجع "أنا الجساسة" سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال "في هذا الدير" بفتح الدال وسكون التحتية أى دير النصارى، ففي المغرب صومعة الراهب، والمراد هنا القصر كما في الرواية الآتية في آخر الباب "فإنه" أى
(11/317)
باْلأشْوَاقِ. قالَ: لَمّا سَمّتْ لَنَا رَجُلاً فَرِقْنَا مِنْهَا أنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فانْطَلَقْنَا سِرَاعاً حَتّى دَخَلْنَا الدّيْرَ فإذَا فِيهِ أعْظَمُ إنْسَانٍ رأيْنَاهُ قَطّ وَأشَدّهُ وَثَاقاً مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَسَأَلَهُمْ عن نَخْلِ بَيْسَانَ وَعن عَيْنٍ زُغَرَ وَعن النّبيّ الأُمّيّ. قالَ: إنّي أنَا المَسِيحُ وَإِنّهُ يُوشَكُ أنْ يُؤَذَنَ لِي في الْخُرُوجِ. قالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "وَإنّهُ في بَحْرِ الشّامِ أوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لاَ بَلْ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ مَا هُوَ مَرّتَيْنِ، وَأوْمَأَ بِيَدِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ. قالَتْ: حَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم" وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
ـــــــ
الرجل الذى في الدير "إلى خبركم" متعلق بقوله "بالأشواق" بفتح الهمزة جمع شوق أى كثير الشوق وعظيم الاشتياق، والباء للالصاق.
قال التوربشتى رحمه الله. أى شديد نزاع النفس إلى ما عندكم من الخبر، حتى كأن الأشواق ملصقة به أو كأنه مهتم بها "لما سمت" أى ذكرت ووصفت "فرقنا" بكسر الراء أى خفنا "منها" أى من الدابة "أن تكون شيطانة" أى كراهة أن تكون شيطانة.
وقال الطيبي رحمه الله: أن تكون شيطانة بدل من الضمير المجرور "سراعاً" أي حال كوننا مسرعين "أعظم إنسان" أي أكبره جثة أو أهيبة هيئة "رأيناه" صفة إنسان احتراز عن من لم يروه، ولما كان هذا الكلام في معنى ما رأيناه مثله صح قوله "قط" الذي يختص بنفي الماضي وهو بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح اللغات "خلقاً" تمييز أعظم "وأشده" أي أقوى إنسان "وثاقاً" بفتح الواو وبكسر أي قيداً من السلاسل والأغلال "مجموعة" بالرفع أي مضمومة "فذكر" أي الرواي "الحديث" بطوله وقد اختصره أبو داوود، وذكره مسلم بطوله وإن شئت الاطلاع على ما حذفه أبو داوود فارجع إلى صحيح مسلم "وسألهم" الضمير المرفوع لأعظم إنسان الذي كان في الدير "عن نخل بيسان" بفتح موحدة وسكون تحتية وهي قرية بالشام ذكره الطيبي رحمه الله قريبة من الأردن ذكره ابن الملك. زاد في رواية مسلم هل تثمر قلنا نعم قال أما إنها توشك أن لا تثمر "وعن عين زغر" بزاي فغين معجمتين فراء كزفر بلدة بالشام قليلة النبات، قيل عدم صرفه للتعريف والتأنيث لأنه في الأصل اسم امرأة ثم نقل، يعني ليس تأنيثه باعتبار البلدة والبقعة فإنه قد يذكر مثله ويصرف باعتبار البلد والمكان وقال النووي رحمه الله هي بلدة في الجانب القبلي من الشام انتهى. وزاد في رواية مسلم هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها "قال إني أنا المسيح" زاد في رواية مسلم "الدجال" وسمي به لأن عينه الواحدة ممسوحة وفي تسميته وجوه أخر "وإنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو" قال القرطبي: في التذكرة هو شك أو ظن منه صلى الله عليه وسلم أو قصد الإبهام على السامع ثم نفى ذلك وأضرب عنه بالتحقيق فقال لابل من
(11/318)
4317- حدثنا مُحمّدُ بنُ صُدْرَانَ أخبرنا المُعْتَمِرُ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عن مُجَالِدٍ بنِ سَعِيدٍ عن عَامِرٍ قالَ: أخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صَلّى الظّهْرَ ثُمّ صَعِدَ المِنْبَرَ وكَانَ لا يَصْعَدُ عَلَيْهِ إلاّ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ. ثُمّ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصّةَ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: ابنُ صُدْرَانَ بَصْرِيّ غَرَقَ في الْبَحْرِ مَعَ ابنِ مِسْوِرٍ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ غَيْرُهُ.
4318 - حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأعْلَى أخبرنا ابنُ فُضَيْلٍ عن الْوَلِيدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ جُمَيْعٍ عن أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عن جَابِرٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ: " إنّهُ بَيْنَمَا أُنَاسٌ يَسِيرُونَ في الْبَحْرِ فَنَفَدَ طَعَامُهُمْ فَرُفِعَتْ لَهُمْ
ـــــــ
قبل المشرق ثم أكد ذلك بما الزائدة والتكرار اللفظي، فما زائدة لا نافية فاعلم ذلك انتهى. وقال النووي في شرح مسلم. قال القاضي: لفظة "ما هو" زائدة صلة للكلام ليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهات المشرق انتهى.
وفي فتح الودود: قيل هذا شك أو ظن منه عليه السلام أو قصد الإبهام على السامع، ثم نفى ذلك وأضرب عنه فقال لا بل من قبل المشرق، ثم أكد ذلك بقوله ما هو وما زائدة لا نافية، والمراد إثبات أنه في جهة المشرق. قيل: يجوز أن تكون موصولة أي الذي هو فيه المشرق.
قلت: ويحتمل أنها نافية أي ما هو إلا فيه والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى "مرتين" ولفظ مسلم ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو وأومىء بيده "وأومأ" أي أشار صلى الله عليه وسلم "قالت" أي فاطمة بنت قيس.
قال المنذري: وأخرجه مسلم.
"محمد بن صدران" هو محمد بن إبراهيم بن صدران بضم المهملة والسكون وقد ينسب لجده صدوق من العاشرة "عن عامر" هو الشعبي قاله المنذري "لم يسلم" أي ما نجى "منهم" أي المغرقين معه "غيره" أي غير ابن صدران.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه. ومجالد بن سعيد فيه مقال، وقد تقدم الكلام عليه وأخرجه الترمذي من حديث قتادة بن دعامة عن الشعبي بنحوه وفي ألفاظه اختلاف وقال حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي وقد رواه غير واحد.انتهى كلام المنذري.
"عن أبي سلمة بن عبد الرحمن" بن عوف الزهري المدني ثقة "عن جابر" هو ابن عبد الله قاله المنذري "فنفد طعامهم" أي نفى ولم يبق "فرفعت لهم الجزيرة" بصيغة المجهول
(11/319)
جَزِيرَةٌ، فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْخُبْزَ فَلَقِيَتْهُمْ الْجَسّاسَةُ. فقُلْتُ لأبِي سَلَمَةَ: وَمَا الْجَسّاسَةُ؟ قال: امْرَأَةٌ تَجُرّ شَعْرَ جِلْدِهَا وَرَأْسِهَا. قالَتْ: في هَذَا الْقَصْرِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَسَأَلَ عن نَخْلِ بَيْسَانَ وَعن عَيْنِ زُغَرَ. قال: هُوَ المَسِيحُ؟ فقال لِي ابنُ أبي سَلَمَةَ: إنّ في هَذَا الْحَدِيثِ شَيْئاً مَا حَفِظْتُهُ. قال: شَهِدَ جَابِرِ أنّهُ هُوَ ابنُ صَائِدٍ. قلْتُ: فإنّهُ قَدْ مَاتَ. قال: وَإنْ مَاتَ. قلْتُ: فإنّهُ قَدْ أسْلَمَ. قال: وَإنْ أسْلَمَ. قلْتُ: فإنّهُ قَدْ دَخَلَ المَدِينَةَ. قال: وَإنْ دَخَلَ المَدِينَةَ" .
ـــــــ
والمعنى ظهرت لهم "فخرجوا" أي إلى تلك الجزيرة "الخبز" بالخاء والزاي وبينهما موحدة. وفي بعض النسخ الخبر بالخاء والراء بينهما موحدة "فقلت لأبي سلمة" قائله وليد بن عبد الله "في هذا القصر" وقد عبر به في الرواية المتقدمة بالدير "فقال لي ابن أبي سلمة" هو عمر بن أبي سلمة ابن عبد الرحمن وهو يروي عن أبيه أبي سلمة، والقائل لهذه المقولة هو الوليد "قال" أي أبو سلمة بن عبد الرحمن "شهد جابر" ابن عبد الله رضي الله عنه "أنه" أي الدجال "قال وإن دخل المدينة" .
قال السيوطي رحمه الله في مرقاة الصعود: يعني عدم دخوله إياها إنما هو بعد خروجه.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: قال بعض العلماء: كان بعض الصحابة يظن أن ابن صياد هو الدجال الأكبر الموعود آخر الزمان وليس به وإنما هو دجال صغير قطعاً لحديث فاطمة بنت قيس.
وقال البيهقي في خبر فاطمة أن الدجال الأكبر غير ابن الصياد ولكنه أحد الدجاجلة الكذابين الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، فكأن من جزموا بأنه ابن الصياد لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جداً فكيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به صلى الله عليه وسلم ويسائله أن يكون بآخرها شيخاً مسجوناً في جزيرة من جزائر البحر موثقاً بالحديد يستفهم في خبره صلى الله عليه وسلم هل خرج أم لا، فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع.
وأما قول عمر فلعله كان قبل سماعه قصة تميم فلما لم يعد لحلفه المذكور وأما جابر فشهد حلفه عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستصحب ما كان اطلع عليه عمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
قال المنذري: في إسناده الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري الكوفي احتج به مسلم في صحيحه. وقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: ليس به بأس.
وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدثنا عن الوليد بن جميع، فلما كان قبل وفاته بقليل حدثنا عنه.
(11/320)
....................................
ـــــــ
وقال محمد بن حبان البستي: ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الثقات فلما تحقق ذلك منه بطل الاحتجاج به. وذكره أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء.
وقال ابن عدي الجرجاني: وللوليد بن جميع أحاديث. وروى عن أبي سلمة عن جابر، ومنهم من يقول عنه عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري حديث الجساسة بطوله، ولا يرويه غير الوليد بن جميع. هذا خبر ابن صائد انتهى.
قلت: ابن فضيل هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي وثقة يحيى بن معين وقال النسائي: ليس به بأس. وقال علي بن المديني: كان ثقة ثبتاً في الحديث. وأما شيخه الوليد بن عبد الله بن جميع فقال أحمد وأبو داوود: ليس به بأس. وقال ابن معين: والعجلي ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدثنا عنه. فلما كان قبل موته بقليل حدثنا عنه. وذكره ابن حبان في الثقات وذكره أيضاً في الضعفاء. وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال ابن سعد: كان ثقة له أحاديث. وقال البزار: احتملوا حديثه وكان فيه تشيع. وقال العقيلي: في حديثه اضطراب. وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. كذا في التهذيب للحافظ ابن حجر رحمه الله. وفي التقريب صدوق يهم ورمى بالتشيع انتهى.
(11/321)
16- باب خبر ابن الصائد [الصياد] :
4319- حدثنا أبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بنُ أصْرَمَ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ بِابْنِ صَائِدٍ في نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ فِيهِمْ
ـــــــ
"باب خبر ابن الصائد"
وفي بعض النسخ ابن صياد.
قال النووي: قال العلماء وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره. ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة.
قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحى بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر رضي الله عنه إن يكن هو فلن تستطيع قتله.
وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض انتهى.
(11/321)
عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ وَهُوَ غُلاَمٌ. فلَمْ يَشْعُرْ حَتّى ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمّ قالَ: أتَشْهَدُ أنّي رَسُولُ الله؟ قالَ: فَنَظَرَ إلَيْهِ ابنُ صَائِدٍ [صائد] فقالَ: أشْهَدُ أنّكَ رَسُولُ الأُمّيّينَ، ثُمّ قالَ ابنُ صَيّادٍ [صائد] لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم: أتَشْهَدُ أنّي رَسُولُ الله؟ فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: آمَنْتُ بالله وَرُسُلِهِ. ثُمّ قالَ لَهُ
ـــــــ
قلت: قد أطنب الحافظ ابن حجر الكلام في أن ابن الصياد هو الدجال أو غيره في كتاب الاعتصام في باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة الخ، فإن شئت الوقوف عليه فأرجح إليه.
"وهو" أي ابن صائد والواو للحال "يلعب مع الغلمان" جمع الغلام " عند أطم بني مغالة" قال النووي: المغالة بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة.
قال القاضي: وبنو مغالة كل ما كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأصم بضم الهمزة والطاء هو الحصن جمعه آطام انتهى.
وقال القارىء: بفتح الميم وبضم العين المعجمة ونقل بالضم والمهملة وهو قبيلة والأطم القصر وكل حصن مبني بحجارة وكل بيت مربع مسطح الجمع آطام وأطوم كذا في القاموس.
وقال النووي رحمه الله: المشهور مقالة بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة انتهى "فلم يشعر" بضم العين أي لم يدر ابن الصياد، وروه صلى الله عليه وسلم به وإتيانه لإنه النبي صلى الله عليه وسلم جاءه على غفلة منه "ظهره" أي ظهر ابن صياد "بيده" أي الكريمة "ثم قال" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقال" أي ابن صياد "إنك رسول الأميين" قال القاضي: يريد بهم العرب لأن أكثرهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون.
وما ذكره وإن كان حقاً من قبل المنطوق لكنه يشعر بباطل من حيث المفهوم وهو أنه مخصوص بالعرب غير مبعوث إلى المعجم كما زعمه بعض اليهود وهو إن قصد به ذلك فهو من جملة ما يلقى إليه الكاذب الذي يأتيه وهو شيطانه انتهى. كذا في المرقاة "ثم قال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم أتشهد أني رسول الله" زاد في رواية مسلم والبخاري فرفضه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال النووي: أي ترك سؤاله الإسلام ليأسه منه حينئذ ثم شرع في سؤاله عما يرى. وفي المشكاة فرصه بتشديد الصاد المهملة. قال القارىء: أي ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض انتهى "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله ورسله". فإن قيل كيف لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه ادعى بحضرته النبوة؟ فالجواب من وجهين أحدهما أنه كان غير بالغ والثاني أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم.
وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني. قال والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود وحلفائهم وذلك أنه بعد مقدمة المدينة كتب بينه
(11/322)
النّبيّ صلى الله عليه وسلم: مَا يَأْتِيكَ؟ قالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وكَاذِبٌ، فقالَ لَهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: خُلّطَ عَلَيْكَ الأمْرُ، ثُمّ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنّي قَدْ خَبّأْتُ لَكَ خَبِيئَةً، وَخَبّأَ لَهُ يَوْمَ تَأْتِي السّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ. قالَ ابنُ صَيّادٍ: هُوَ الدّخّ. فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُو قَدَرَكَ. فقالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله ائْذَنْ لِي فأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنْ يَكُنْ فَلَنْ
ـــــــ
وبين اليهود كتاباً وصالحهم فيه على أن لا يهاجموا ويتركوا أمرهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلاً في جملتهم، وكان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الغيب فامتحنه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليروزه أمره ويخير شأنه، فلما كلمه علم أنه مبطل وأنه من جملة السحرة أو الكهنة أو ممن يأتيه رئي من الجن أو يتعاهده شيطان فيلقى على لسانه بعض ما يتكلم مختصراً.
"ما يأتيك" أي من أخبار الغيب ونحوه "قال" أي ابن صياد "صادق" أي خبر صادق "وكاذب" أي خبر كاذب.
قال القاري: وقيل حاصل السؤال أن الذي يأتيك ما يقول لك، ومجمل الجواب أنه يحدثني بشيء قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً "خلط عليك الأمر" بصيغة المجهول مشدداً للمبالغة والتكثير ويجوز تخفيفه أي شبه عليك الأمر أي الكذب بالصدق.
قال النووي رحمه الله: أي ما يأتيك به الشيطان مخلط.
قال الخطابي: معناه أنه كان له تارات يصيب في بعضها ويخطيء في بعضها فذلك التبس عليه الأمر "قد خبأت لك" أي أضمرت لك في نفسي "خبيئة" أي كلمة مضمرة لتخبرني بها "هو الدخ" قال النووي: هو بضم الدال وتشديد الخاء وهي لغة في الدخان، والجمهور على أن المراد بالدخ هنا الدخان وأنها لغة فيه، وخالفهم الخطابي وقال لا معنى للدخان هنا لأنه ليس مما يخبأ في كف أو كم كما قال إلا أن يكون معنى خبأت أضمرت لك اسم الدخان فيجوز، والصحيح المشهور أنه صلى الله عليه وسلم أضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} .
قال القاضي: وأصح الأقوال أنه لم يهتد من الآية التي أضمرها النبي صلى الله عليه وسلم إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان. إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب انتهى "اخسأ" بفتح السين وسكون الهمزة كلمة تستعمل عند طرد الكلب من الخسوء وهو زجر الكلب "فلن تعدو" بضم الدال أي فلن تجاوز "قدرك" أي القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء قاله النووي: وقال الطيبي: أي لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة فتقول أتشهد أني رسول الله انتهى "إن يكن" أي
(11/323)
تُسَلّطَ عَلَيْهِ - يَعني الدّجّالَ - وَإنْ لا يَكُنْ هُوَ فَلاَ خَيْرَ في قَتْلِهِ" .
4320- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا يَعْقُوبُ - يَعني ابنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ - عن مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ قالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: وَالله مَا أشُكّ أنّ المَسِيحَ الدّجّالَ ابنُ صَيّادٍ.
4321- حدثنا ابنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا شُعْبَةُ عن سَعْدِ بنِ إِبراهِيمَ عن مُحمّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قالَ: "رَأَيْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَحْلِفُ بالله أنّ ابنَ الصَيّادِ [الصائد] الدّجّالُ. فَقُلْتُ: تَحْلِفُ بالله؟ فقالَ: إنّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ بالله تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلَمْ يَنْكِرْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم" .
ـــــــ
إن يكن هذا دجالاً "فلن تسلط عليه" بصيغة المجهول أي لا تقدر "يعني الدجال" هذا تفسير للضمير المجرور في قوله عليه من بعض الرواة "وإن لا يكن هو" ليس في بعض النسخ لفظ هو، وهو خبر كان واسمه مستكن فيه وكان حقه إن يكنه فوضع المرفوع المنفصل موضع المنصوب المتصل عكس قولهم لولاه، ويحتمل أن يكون تأكيداً للمستكن والخبر محذوفاً على تقديران لا يكن هو الدجال " فلا خير في قتله" أي لكونه صغيراً أو ذمياً أو كون كلامه محتملاً فيه أقوال وقد تقدم أن الخطابي رحمه الله جزم بالقول الثاني. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وليس في حديثهم خبأ له {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} والإسناد الذي خرج به أبو داوود رجاله ثقات.
"ما أشك" أي لا أتردد "أن المسيح الدجال بن صياد" أي هو هو. والحديث سكت عنه المنذري.
"أن ابن الصياد الدجال" أي أن ابن الصياد هو الدجال "فقلت تحلف بالله" أي أتحلف بالله مع أنه أمر مظنون غير مجزوم به "على ذلك" أي على أن ابن الصياد الدجال "فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي ولو لم يكن مقطوعاً لأنكره أي ولم يجز اليمين على ما يغلب به الظن لما سكت عنه. قيل لعل عمر أراد بذلك أن ابن الصياد من الدجالين الذين يخرجون فيدعون النبوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تردد حيث قال إن يكن هو وإن لم يكن هو، ولكن فيه أن الظاهر المتبادر من إطلاق الدجال هو الفرد الأكمل، فالوجه حمل يمينه على الجواز عند غلبة الظن والله تعالى أعلم قاله القاري.
وقال النووي: استدل به جماعة على جواز اليمين بالظن وأن لا يشترط فيها اليقين. قال البيهقي في كتابه البعث والنشور: اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافاً كثيراً هل هو
(11/324)
4322- حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا عُبَيْدُ الله - يَعْني ابنَ مُوسَى - قالَ أخبرنا شَيْبَانُ عن الأعْمَشِ عن سَالِمٍ عن جَابِرٍ قالَ: فَقَدْنَا ابنَ صَيّادٍ [صائد] يَوْمَ الْحَرّةِ.
4323- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ أخبرنا عبْدُ الْعَزِيزِ - يَعني ابنَ مُحمّدٍ - عن الْعَلاَء عن أبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ ثَلاَثُونَ دَجّالاً [دجالون] كُلّهُمْ يَزْعُمُ أنّهُ رَسُولُ الله تَعَالَى" .
ـــــــ
الدجال، قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن وليس هو كما قال. وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها، قال وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لقول عمر، فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم. هذا كلام البيهقي. وقد اختار أنه غيره انتهى كلام النووي. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم.
"سالم" هو ابن أبي الجعد "جابر" هو ابن عبد الله "فقدنا ابن صياد يوم الحرة" هو يوم غلبة يزيد بن معاوية على أهل المدينة وحاربته إياهم، وهذا يخالف ما في رواية جابر المتقدمة من أنه قد مات. قال القارىء نقلاً عن الطيبي: قيل هذا يخالف رواية من روى أنه مات بالمدينة وليس بمخالف قال وهو مخالف إذ يلزم من فقده المحتمل موته بها وبغيرها وكذا بقاؤه في الدنيا إلى حين خروجه عدم جزم موته بالمدينة انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح بعد ذكر أثر جابر هذا: وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة وأنهم صلوا عليه وكشفوا عن وجهه: وأثر جابر رضي الله عنه سكت عنه المنذري وصحح الحافظ ابن حجر في الفتح.
"حتى يخرج" أي يظهر "ثلاثون دجالاً" من الدجل وهو التلبيس وهو كثير المكر والتلبيس. قال السيوطي: في مرقاة الصعود في رواية البخاري قريب من ثلاثين فجاء ههنا على طريق جبر الكسر. ولأحمد من حديث حذيفة بسند جيد سبعة وعشرون منهم أربعة نسوة كلهم يزعم أنه رسول الله. زاد أحمد "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" وزاد أيضاً "آخرهم الأعور الدجال" وللطبراني "سبعون كذاباً" وسنده ضعيف. قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذاباً فقط لكن يدعو إلى الضلالة من غير ادعاء النبوة انتهى وهذا القدر نقل السيوطي من عبارة الحافظ ابن
(11/325)
4324- حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أبي أخبرنا مُحمّدٌ - يَعني ابنَ عَمْرِو عن أبي سَلَمَةَ عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ ثَلاَثُونَ كَذّاباً دَجّالاً [دجالا كذابا] كُلّهُمْ يَكْذِبُ عَلَى الله وَعَلى رَسُولِهِ" .
4325- حدثنا عَبْدُ الله بنُ الْجَرّاحِ عن جَرِيرٍ عن مُغِيرَةَ عن إِبراهِيمَ قالَ: قالَ عَبِيدَةُ السّلْمَانِيّ بِهَذا الْخَبرِ قالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَقُلْتُ لَهُ: أتَرَى هَذَا مِنْهُمْ - يَعني المُخْتَارَ؟ قالَ [فقال] عَبِيدَةُ: أمَا إنّهُ مِنَ الرّءُوسِ.
ـــــــ
حجر وفي فتح الباري بعد هذا كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أن في حديث علي عند أحمد فقال علي لعبد الله بن الكواء وإنك لمنهم، وابن الكواء لم يدع النبوة وإنما كان يغلو في الرفض انتهى. قلت: وكذا رئيس الفرقة النيجيرية الذي خرج من كول من إقليم الهند كان دجالاً من الدجاجلة، وكذا الدجال القادياني الكذاب الأشر الذي عمت فتنته وكثرت بليته، فإنهما من الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم "كلهم يزعم أنه رسول الله" قال الحافظ: هذا ظاهر في أن كلا منهم يدعي النبوة، وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الماضي "وإني خاتم النبيين" انتهى. وأراد بالحديث الماضي حديث أحمد المذكور. والحديث سكت عنه المنذري.
"أخبرنا محمد يعني ابن عمرو" هو ابن علقمة الليثي قاله المنذري "كلهم يكذب على الله وعلى رسوله" أي يتحدث بالأحاديث الموضوعة الكاذبة كما في رواية لمسلم "يكن في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم" الحديث. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن إبراهيم" هو ابن يزيد النخعي قاله المنذري "فقلت" قائله إبراهيم "له" أي لعبيدة "هذا" يعني المختار الثقفي "منهم" أي من الدجالين الكذابين "أما" بالتخفيف حرف التنبيه "إنه" أي المختار "من الرؤوس" أي من رؤوس الدجالين وكبارهم. قال النووي: وقد وجد من هؤلاء خلق كثيرون في الأعصار وأهلكهم الله تعالى وقلع آثارهم، وكذلك يفعل بمن بقي منهم انتهى.
قال المنذري: وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين" وفي رواية قال جابر "فاحذروهم".
(11/326)
17- باب الأمر والنهي :
4326- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمّدٍ النّفَيْلِيّ أخبرنا يُونُسُ بنُ رَائِدٍ عن عَلِيّ بنِ بَذِيمَةَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أوّلَ مَا دَخَلَ النّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ الرّجُلُ يَلْقَى الرّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتّقِ الله وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فإنّهُ لا يَحِلّ لَكَ ثم يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ [ولا] يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمّ قالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - إلَى قَوْلِهِ - فَاسِقُونَ} ، ثُمّ قالَ: كَلاّ والله لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عن المُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنّ عَلَى يَدَيِ الظّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنّهُ عَلَى الْحَقّ أطْراً، وَلَتَقْصُرُنّهُ عَلَى الْحَقّ قَصْراً" .
ـــــــ
"باب الأمر والنهي"
"عن علي بن بذيمة" بفتح الموحدة وكسر المعجمة الخفيفة بعدها تحتانية ساكنة الجزرى ثقة رمى بالتشيع "عن أبي عبيدة" هو ابن عبد الله بن مسعود قاله المنذري "فلا يمنعه ذلك" أي ما رآه من ذلك أمس "أن يكون أكيله وشريبه وقعيده" أي من يكون أكيله وشربيه وقعيده، والكل على وزن فعيل بمعنى فاعل، هو من يصاحبك في الإكل والشرب والقعود "ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" يقال ضرب اللبن بعضه ببعض أي خلطه. ذكره الراغب وقال ابن الملك رحمه الله الباء السببية أي سود الله قلب من لم يعص بشؤم من عصى فصارت قلوب جميعهم قاسية بعيدة عن قبول الحق والخير أو الرحمة بسبب المعاصي ومخالطة بعضهم بعضاً انتهى. قال القارىء: وقوله قلب من لم يعص ليس على إطلاقه لأن مؤاكلتهم ومشاربتهم من غير إكراه وإلجاء بعد عدم انتهائهم عن معاصيهم معصية ظاهرة، لأن مقتضى البغض في الله أن يبعدوا عنهم ويهاجروهم انتهى قلت: ما قال القارىء حق صراح {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلخ هذه الآية في آخر سورة المائدة "ثم قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "بالمعروف" المعروف ما عرف في الشرع يعني أمر معروف بين الناس يعرفونه ولا ينكرونه إذا رأوه، والمنكر أمر لا يعرف في الشرع بل منكر ينكره من رآه كالشخص الذي لا يعرفه الناس وينكرونه إذا رأوه "ولتأطرنه على الحق أطرأ" قال الخطابي: أي لتردنه على الحق، وأصل الأطر العطف والتثني. وقال في النهاية وتأطروه على الحق أطراً تعطفوه عليه "ولتقصرنه على الحق قصراً" أي لتحبسنه عليه وتلزمنه إياه، كذا في مرقاة الصعود. وفي النهاية يقال قصرت نفسي على الشيء إذا حبستها عليه وألزمتها إياه، ومنه الحديث وليقصرنه على الحق قصراً.
(11/327)
4327- حدثنا خَلَفُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا أبُو شِهَابٍ الْحَنّاطُ عن الْعَلاَءِ بنِ المُسَيّبِ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمٍ عن أبي عُبَيْدَةَ عن ابنِ مَسْعُودٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْوِهِ. زَادَ: " أوْ لَيَضْرِبَنّ الله بِقُلُوبِ بَعْضِكُم عَلَى بَعْضٍ، ثُمّ لَيَلْعَنَنّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ المحَارِبيّ عن الْعَلاَءِ بنِ المسَيّبِ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمٍ الأفْطَسِ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ الله. وَرَوَاهُ خَالِدٌ الطّحّانُ عن الْعَلاَء عن عَمْرِو بنِ مُرّةً عن أبي عُبَيْدَةَ.
4328- حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ ح. وحدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قالَ أنبأنا هُشَيْمٌ المَعْنى عن إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسِ قالَ قالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ أنْ حَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ: "ياأيّهَا النّاسُ إنّكم تَقْرَأُونَ هَذِهِ الآية وَتَضَعُونَهَا عَلَى غْيَرِ مَوَاضِعِهَا: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قالَ عن خَالِدٍ: وَإنّا سَمِعْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ
ـــــــ
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب، وذكر أن بعضهم رواه عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وأخرجه ابن ماجه أيضاً مرسلاً وقد تقدم أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه فهو منقطع.
"أخبرنا أبو شهاب الحناط" اسمه عبد ربه بن نافع الكناني وهو الأصغر وثقه ابن معين. قال النسائي: ليس بالقوي "زاد" أي سالم بعد قوله ولتقصرنه على الحق قصراً "أو ليضربن الله" أي ليخلطن "بقلوب بعضكم على بعض" الباء زائدة لتأكيد التعدية "ثم ليلعننكم" أي الله "كما لعنهم" أي بني إسرائيل على كفرهم ومعاصيهم. والمعنى أن أحد الأمرين واقع قطعاً "رواه المحاربي عن العلاء ابن المسيب إلخ" حاصله أن المحاربي خالف أبا شهاب الحناط لأنه ذكر بين العلاء بن المسيب وسالم عبد الله بن عمرو بن مرة مكان عمرو بن مرة، وخالفهما خالد الطحان لأنه لم يذكر سالماً.
"قال أبو بكر" أي الصديق رضي الله عنه "تقرؤون هذه الآية" أي {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} "وتضعونها" أي الآية "على غير مواضعها" بأن تجرونها على عمومها وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقاً وليس كذلك {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} انتصب أنفسكم بعليكم وهو من أسماء الأفعال أي الزموا إصلاح أنفسكم {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال النووي: وأما قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية فليس مخالفاً لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في
(11/328)
النّاسَ إذَا رَأوُا الظّالِمَ فلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمّهُم الله بِعِقَابِ. وَقال عَمْرٌو عن هُشَيْمٍ: وَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهمِ بالمَعَاصِي ثُمّ يَقْدِرُونَ عَلَى أنْ يُغَيّرُوا ثُمّ لا يُغَيّرُوا إلاّ يُوشِكُ أنْ يَعُمّهُمُ الله مِنْهُ بِعِقَابِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ كَمَا قالَ خَالِدٌ أبُو أُسَامَةَ وَجَمَاعَةٌ. قالَ شُعْبَةُ فِيهِ: مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلْ فيهِمْ بالمَعَاصِي هُمْ أكْثَرُ مِمّنْ يَعْمَلُهُ.
4329- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ أخبرنا أبُو إسْحَاقَ أظُنّهُ عن ابنِ جَرِيرٍ قال سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ في قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بالمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أنْ يُغَيّرُ واعَلَيْهِ فَلاَ يُغَيّرُوا إلاّ أصَابَهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ يَمُوتُوا" .
ـــــــ
معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وإذا كان كذلك فما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه "قال عن خالد" أي قال وهب بن بقية عن خالد عن إسماعيل عن قيس عن أبي بكر رضي الله عنه وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول إلخ فمقوله القول هو قوله وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول إلخ.
وخالد هذا هو الطحان قاله المنذري "فلم يأخذوا على يديه" أي لم يمنعوه عن ظلمه مع القدرة على منعه "أن يعمهم الله بعقاب" أي بنوع من العذاب "وقال عمرو" أي ابن عون في روايته "عن هشيم" عن إسماعيل عن قيس عن ابي بكر، ومقوله القول هو قوله وإني سمعت إلخ "يعمل فيهم" بصيغة المجهول والجار والمجرور نائب الفاعل "قال أبو داوود ورواه كما قال خالد أبو أسامة وجماعة" أي روى هذا الحديث أبو أسامة وجماعة مثل رواية خالد "هم أكثر ممن يعمله" صفة قوم أي إذا كان الذين لا يعملون المعاصي أكثر من الذين يعملونها فلم يمنعوهم عنها عمهم العذاب قاله القاري.
وقال العزيزي: لأن من لم يعمل إذ كانوا أكثر من يعمل كانوا قادرين على تغيير المنكر غالباً فتركهم له رضي به انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
"عن جرير" هو ابن عبد الله البجلي قاله المنذري "يعمل" بفتح الياء صفة ثانية لرجل أو حال منه أي يفعل "يقدرون" أي القوم "على أن يغيروا عليه" أي على الرجل باليد أو اللسان فإنه لا مانع من إنكار الجنان.
(11/329)
4330- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ وَ هَنّادُ بنُ السّرِيّ قالا أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعَمشِ عن إِسْمَاعِيلَ بنِ رَجَاء عن أبِيهِ عن أبي سَعِيدٍ، وعنْ قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مُنْكَراً فَاسْتَطَاعَ أنْ يُغَيّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ. وَقَطَعَ هَنّادٌ بَقِيّةَ الْحَدِيثِ، وَفّاهُ ابنُ الْعَلاَء: فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ" .
ـــــــ
قال المنذري: وابن جرير هذا لم يسم وقد روى المنذر بن جرير عن أبيه أحاديث واحتج به مسلم.
"وعن قيس بن مسلم" معطوف على إسماعيل معناه رواه الأعمش عن إسماعيل وعن قيس قاله النووي في كتاب الأيمان من شرح مسلم "من رأى" أي من علم "منكراً" أي في غيره من المؤمنين وفي "منكم" كما في رواية مسلم إشعار بأنه من فروض الكفاية والمنكر ما أنكره الشرع "فليغيره بيده" أي بأن يمنعه بالفعل بأن يكسر الآلات ويربق الخمر ويرد المغصوب إلى مالكه "وقطع هناد بقية الحديث" أي لم يذكرها بل اقتصر على القدر المذكور "وفاه ابن العلاء" أي ذكره وافياً تاماً "فإن لم يستطع" أي التغيير باليد وإزالته بالفعل لكون فاعله أقوى منه "فبلسانه" أي فليغيره بالقول وتلاوة ما أنزل الله من الوعيد عليه وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة "فبقلبه" بأن لا يرضى به وينكر في باطنه على متعاطيه فيكون تغييراً معنوياً إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير. وقيل: التقدير فلينكره بقلبه لأن التغيير لا يتصور بالقلب فيكون التركيب من باب علفتها تبناً وماءاً بارداً "وذلك" أي الأنكار بالقلب "أضعف الإيمان" قال النووي: أي أقله ثمرة. وقال المناوي: أضعف الإيمان أي خصاله، فالمراد به الإسلام أو آثاره وثمراته. وقال القارىء: أو ذلك الشخص المنكر بالقلب فقط أضعف أهل الإيمان، فإنه لو كان قوياً صلباً في الدين لما اكتفى به، يؤيده الحديث المشهور "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" انتهى. قلت: وعلى هذا فالمشار إليه من رأى والحديث الذي ذكره القارىء سيأتي في هذا الباب.
قال النووي في شرح مسلم: ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو. قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين. والذي عليه الأمر والنهي لا القبول، ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه بل عليه الأمر وإن
(11/330)
4331- حدثنا أبُو الرّبِيعِ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيّ أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن عُتْبَةَ بنِ أبِي حَكِيمٍ قال حدّثني عمْرُو بنُ جَارِيَةَ اللّخْمِيّ قال حدّثني أبُو أُمَيّةَ الشعباني قالَ: "سَأَلْتُ أبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ فقُلْتُ: يَا أبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تقُولُ في هَذِهِ الآية {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} قالَ: أمَا وَالله لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيراً، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بالمَعْرُوفِ وَتَنَاهُوْا [انهوا] عن المُنْكَرِ، حَتّى إذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً وَهَوًى مُتّبَعاً
ـــــــ
كان مخلاً بما يأمر به والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر وينبغي للاَمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الأمام الشافعي رضي الله عنه "من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه" قال وهذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جداً، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله تعالى أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته ولا يهاب من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} وقال: ولا يتاركه أيضاً لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقاً، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من يسعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه وعدوه من سعى في ذهاب دينه أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه انتهى ملخصاً.
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً ومطولاً وقد تقدم في كتاب الصلاة.
"كيف تقول في هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} " أي ما معنى هذه الآية وما تقول فيه فإن ظاهرها يدل على أنه لا حاجة إلى الأمر والنهي، بل على كل مسلم إصلاح نفسه "أما" بالتخفيف حرف التنبيه "بل ائتمروا" أي امتثلوا "بالمعروف" أي ومنه الأمر بالمعروف "وتناهوا عن المنكر" أي انتهوا واجتنبوا عنه، ومنه الامتناع عن نهيه أو الائتمار بمعنى التأمر كالاختصام بمعنى التخاصم، ويأيده التناهي، والمعنى ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف وتنه طائفة منكم طائفة عن المنكر. وقال الطيبي: قوله بل ائتمروا إضراب عن مقدر أي سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت أما نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على ظاهر الآية فقال عليه الصلاة والسلام لا
(11/331)
وَدُنْيَا مؤْثَرَةً وَإعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ - يَعني - بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامّ، فإنّ مِنْ وَرَائِكُم أيَامَ الصّبْرِ، الصّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلَ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ. وَزَادَنِي غَيْرُهُ قالَ: يَا رَسُولَ الله أجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ. قالَ: أجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُم" .
ـــــــ
تتركوا بل ائتمروا بالمعروف إلخ "حتى إذا رأيت" الخطاب عام لكل مسلم "شحاً مطاعاً" أي بخلا مطاعاً بأن أطاعته نفسك وطاوعه غيرك قاله القارىء. وفي النهاية: هو أشد البخل، وقيل البخل مع الحرص، وقيل البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل البخل بالمال والشح بالمال والمعروف "وهوى متبعاً" بصيغة المفعول أي وهوى للنفس متبوعاً وطريق الهدى مدفوعاً والحاصل أن كلا يتبع هواه "ودنيا" بالتنوين كذا ضبط في بعض النسخ بالقلم. وقال القارىء: في شرح المشكاة بالقصر، وفي نسخة بالتنوين قال وهي عبارة عن المال والجاه في الدار الدنية "مؤثرة" أي مختارة على أمور الدين "وإعجاب كل ذي رأي برأيه" أي من غير نظر إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة وترك الاقتداء بالصحابة والتابعين. والإعجاب بكسر الهمزة هو وجدان الشيء حسناً ورؤيته مستحسناً بحيث يصير صاحبه به معجباً وعن قبول كلام الغير مجنباً وإن كان قبيحاً في نفس الأمر "فعليك يعني بنفسك" كأن في الحديث لفظ فعليك فقط فزاد بعض الرواة يعني بنفسك إيضاحاً لقوله فعليك أي يريد صلى الله عليه وسلم بقوله فعليك فعليك بنفسك، وفي رواية الترمذي فعليك نفسك "ودع عنك العوام" أي واترك عامة الناس الخارجين عن طريق الخواص "فإن من ورائكم" أي خلفكم "أيام الصبر " أي أياماً لا طريق لكم فيها إلا الصبر أو أياماً يحمد فيها الصبر وهو الحبس على خلاف النفس "الصبر فيه" كذا في عامة النسخ التي في أيدينا وفي نسخة فيهن وهو الظاهر وأما تذكير الضمير كما في عامة النسخ فلا يستقيم إلا أن يأول أيام الصبر بوقت الصبر. واعلم أنه وقع في بعض النسخ "فإن من ورائكم أيام الصبر فيه مثل قبض على الجمر" قال في فتح الودود: قوله "فإن من ورائكم أيام" هكذا هو في بعض النسخ وفي بعضها أياماً بالنصب وهو الظاهر والأول محمول على مساحمة أهل الحديث فإنهم كثيراً ما يكتبون المنصوب بصورة المرفوع أو على لغة من يرفع اسم إن أو على حذف ضمير الشأن والله تعالى أعلم انتهى "مثل قبض على الجمر" يعني يلحقه المشقة بالصبر كمشقة الصابر على قبض الجمر بيده "يعملون مثل عمله" أي في غير زمانه "وزادني غيره" وفي رواية الترمذي قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة "قال يا رسول الله أجر خمسين" بتقدير الاستفهام "منهم" قال القارىء فيه تأويلان أحدهما أن يكون أجر كل واحد منهم على تقدير أنه غير مبتلى ولم يضاعف أجره، وثانيهما أن يراد أجر خمسين منهم أجمعين لم يبتلوا ببلائه انتهى "قال أجر خمسين منكم" قال في فتح الودود: هذا في الأعمال التي يشق فعلها في تلك الأيام لا
(11/332)
4332- حدثنا الْقَعْنَبِيّ أنّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بنَ أبي حَازِمٍ حَدّثَهُمْ عن أبِيهِ عن عُمَارَةَ بنِ عَمْرٍو عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "كَيْفَ بِكُمْ
ـــــــ
مطلقاً وقد جاء "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ولأن الصحابي أفضل من غيره مطلقاً انتهى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه بل هو مبني على قاعدتين إحداهما أن الأعمال تشرف بثمراتها، والثانية أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس لقوله عليه السلام: "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي" يريد المنفردين عن أهل زمانهم إذا تقرر ذلك فنقول الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله عليه السلام لخالد بن الوليد رضي الله عنه " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" أي مد الحنطة والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال عليه السلام "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المعين وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك قال عليه السلام: "يكون القابض كالقابض على الجمر" لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة فكذلك المتأخر في حفظ دينه وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر فعلى هذا ينزل الحديث انتهى. كذا في مرقاة الصعود.
قال المنذري الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وأبو ثعلبة اسمه جرثوم وأبو أمية يحمد. هذا آخر كلامه. وفي اسم أبي ثعلبة اختلاف كثير قيل جرثومة، وقيل جرهم، وقيل عمرو، وقيل لاش، وقيل لاشو، وقيل غير ذلك، وفي اسم أبيه اختلاف قيل ناشر وناشب وجرهم، وقيل غير ذلك وفي حديث الترمذي قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة وذكر ما تقدم.
وعتبة هذا هو العباس بن عتبة بن أبي حكيم الهمداني الشامي وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد. ويحمد بضم الياء آخر الحروف وسكون الحاء المهملة وبعدها ميم مكسورة ودال مهملة هكذا قيده الأمير أبو نصر وغيره، وقيده بعضهم بفتح الياء، والخشني منسوب إلى خشن بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين وياء آخر الحروف ساكنة ونون وهو خشين بن نمر بن وبرة بطن من قضاعة وعامتهم بالشام وفي فزارة أيضاً خشين.
(11/333)
وَبِزَمَانَ، أوْ يُوشِكُ أنْ يَأْتِي زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ، فقالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ الله، فقالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ وَتُقْلِبُونَ عَلَى أمْرِ خَاصّتِكُم، وَتَذَرُونَ أمْرَ عَامّتِكُم" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رُوِيَ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
4333- حدثنا هارُونُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنِ أخبرنا يُونُسُ بنُ أبي إسْحَاقَ عن هِلاَلِ بنِ خَبّابٍ أبي الْعَلاَءِ قالَ حدّثني عِكْرِمَةُ قالَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ قالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ فقالَ: إذَا رَأَيْتُمُ النّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفّتْ أمانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ. قالَ فَقُمْتُ إلَيْهِ فقُلْتُ: كَيْفَ أفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي الله فِدَاكَ؟ قالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَخُذْ بِمَا تَعْرِفْ وَدَعْ مَا تُفَكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأمْرِ خَاصّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أمْرَ الْعَامّةِ" .
ـــــــ
"أو يوشك أن يأتي زمان" شك من الراوي "يغربل الناس" أي يذهب خيارهم ويبقى أراذلهم كأنه نقى بالغربال كذا في المجمع "فيه" أي في ذلك الزمان "غربلة" مفعول مطلق "تبقى حثاله" بمثلثة كغرابة "من الناس" أي أرذالهم قاله السيوطي.
وفي المرقاة للقارىء بضم الحاء وبالثاء المثلثة وهي ما سقط من قشر الشعير والأرز والتمر والرديء من كل شيء "قد مرجت" أي اختلطت وفسدت.
قال القارىء بفتح الميم وكسر الراء أي فسدت "عهودهم وأمانتهم" أي لا يكون أمرهم مستقيماً بل يكون كل واحد في كل لحظة على طبع وعلى عهد ينقضون العهود ويخون الأمانات "واختلفوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه" أي يمزج بعضهم ببعض وتلبس أمر دينهم فلا يعرف الأمين من الخائن ولا البر من الفاجر كذا في المجمع "فقالوا كيف بنا يا رسول الله" أي فما نفعل عند ذلك وبم تأمرنا "ما تعرفون" أي ما تعرفون كونه حقاً "وتذرون" أي تتركون "ما تنكرون" أي ما تنكرون أنه حق.
قال المنذري: وأخرجه النسائي.
"عن هلال بن خباب" بمعجمة وموحدتين "مرجت عهودهم" تقدم شرحه في الحديث السابق "وخفت" بتشديد الفاء أي قلت "وأملك" أمر من الأملاك بمعنى الشد والإحكام أي أمسك "عليك لسانك" ولا تتكلم في أحوال الناس كيلا يؤذوك "وعليك بأمر خاصة نفسك ودع
(11/334)
4334- حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيّ أخبرنا يَزِيدُ - يَعني ابنَ هَارُونُ أنبأنا إسْرَائِيلُ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جُحَادَةَ عن عَطِيّةَ الْعَوْفِيّ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أمِيرٍ جَائِرٍ" .
4335- حدثنا مُحمّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا أبُو بَكْرٍ أخبرنا مُغِيرَةُ بنُ زِيَادٍ المُوصِلِيّ عن عَدِيّ بنِ عَدِيّ عن الْعُرْسِ بنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذَا عُمِلَتِ
ـــــــ
عنك أمر العامة" أي الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم، وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار.
قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده هلال بن حباب أبو العلاء وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين. وقال أبو حاتم الرازي: ثقه صدوق وكان يقال تغير قبل موته من كبر السن. زقال ابن حبان: لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد وقال أبو جعفر العقيل: كوفي في حديثه وهم وتغير بآخره وذكر له هذا الحديث وحباب بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى. انتهى كلام المنذري.
"أفضل الجهاد" أي من أفضله بدليل رواية الترمذي إن أعظم الجهاد "كلمة عدل" وفي رواية لابن ماجه كلمة حق، والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظ أو ما في معناه ككتابه ونحوها "عند سلطان جائر" أي ظالم إنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان متردداً بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل الخوف قاله الخطابي وغيره "أو أمير جائر" الظاهر أنه شك من الراوي.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. وعطية العوفي لا يحتج بحديثه.
"عن العرس" بضم العين وسكون الراء المهملتين وسين مهملة "بن عميرة" بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون الياء وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث قاله المنذري.
وقال المناوي وعميرة: أمه واسم أبيه قيس. وقال العلقمي العرس هذا والعرس بن قيس وهما صحابيان انتهى.
وقال الذهبي في التجريد: عرس بن عميرة الكندي أخو عدي روى عنه ابن أخيه عدي بن عدي وغيره، وعرس بن قيس بن سعيد بن الأرقم الكندي صحابي. انتهى. "الكندي"
(11/335)
الْخَطِيئَةُ في الأرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فكَرِهَهَا، وقالَ مَرّةً أنْكَرَهَا، كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا" .
4336- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قالَ أخبرنا أبُو شِهَابٍ عن مُغِيرَةَ بنِ زِيَادٍ عن عَدِيّ بنِ عَدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ قال: "مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا" .
4337- حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالا أخبرنا شُعْبَةُ - وَهَذَا لْفَظُهُ - عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن أبي الْبَخْتِريّ قالَ أخبرَني مَنْ سَمِعَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وقال سُلَيْمَانُ قال حدّثني رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَنْ يَهْلِكَ النّاسُ حَتّى يَعْذِرُوا أوْ يُعْذِرُوا مِنْ أنْفُسِهِمْ" .
ـــــــ
بكسر الكاف وسكون النون لقب ثور بن عفير أبو حي من اليمن "إذا عملت" بالبناء للمفعول "الخطيئة" أي المعصية "من شهدها" أي حضرها "فكرهها" أي بقلبه "كمن غاب عنها" أي في عدم لحوق الإثم له وهذا في عجز عن إزالتها بيده ولسانه، والأفضل أن يضيف إلى القلب اللسان فيقول اللهم هذا منكر لا أرتضيه قاله العزيزي "ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" أي في المشاركة في الإثم وإن بعدت المسافة بينهما. والحديث سكت عنه المنذري.
"عن عدي بن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال المنذري: وهذا مرسل عدي بن عدي هو ابن عميرة بن أخي العرس تابعي. وفي الحديث الأول والثاني المغيرة بن زياد أبو هاشم الموصلي قال الإمام أحمد: ضعيف الحديث كل حديث رفعه المغيرة فهو منكر، والمغيرة بن زياد مضطرب الحديث قال البخاري قال وكيع وكان ثقة، وقال غيره في حديثه اضطراب وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان لا يحتج بحديثه. وقال النسائي والدارقطني ليس بالقوي. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء فسمعت أبي يقول يحل اسمه من كتاب الضعفاء، واختلف فيه قول يحيى بن معين والعرس بضم العين وسكون الراء المهملتين وسين مهملة أيضاً. وعميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث. انتهى كلام المنذري.
"حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" قال السيوطي: وأخرج ابن جرير الطبري في تفسيره من طريق عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم قيل لعبد الله كيف ذلك فقرأ هذه الآية: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} انتهى "لن يهلك الناس حتى يعذروا" بفتح التحتية
(11/336)
...........................
ـــــــ
وكسر الذال المعجمة "أو يعذروا من أنفسهم" بضم التحتية من باب الأفعال أو للشك، أي قال صلى الله عليه وسلم: حتى يعذروا من أنفسهم أو قال حتى يعذروا من أنفسهم.
قال الخطابي: فسره أبو عبيد في كتابه وحكى عن أبي عبيدة أنه قال معنى يعذروا أي تكثر ذنوبهم وعيوبهم. قال وفيه لغتان يقال أعذر الرجل إعذاراً إذ صار ذا عيب وفساد. قال وكان بعضهم يقول عذر يعذر بمعناه ولم يعرفه الأصمعي. قال أبو عبيدة: وقد يكون بعذر بفتح الياء بمعنى يكون لمن يعذرهم العذر في ذلك.
وقال في النهاية: يقال أعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها يعني وأخرجه أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبون العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر كأنهم قاموا بعذرهم في ذلك، ويروى بفتح الياء من عذرته وهو بمعناه، وحقيقة عذرت محوت الإساءة وطمستها انتهى.
وقال في فتح الودود المشهور أنه بضم الياء من أعذر فقيل معناه حتى يكثر ذنوبهم من أعذر إذا صار ذا عيب وقيل معناه حتى لم يبق لهم عذر بإظهار الحق لهم وتركهم العمل به بلا عذر ومانع من أعذر إذا زال عذره، فكأنهم أزالوا عذرهم وأقاموا الحجة لمن يعذرهم حيث تركوا العمل بالحق بعد ظهوره، وقيل عذره إذا جعله معذوراً في العقاب، وإليه يشير تفسير الصحابي فإنه جاء هذا الحديث عن ابن مسعود فقيل له كيف يكون ذلك فقرأ هذه الآية: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} انتهى والحديث سكت عنه المنذري.
(11/337)
18- باب قيام الساعة :
4338- حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ قالَ أخبرَني سَالِمُ بنُ عَبْدِ الله وَ أبُو بَكْرِ بنُ سُلَيْمانَ أنّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ قالَ: "صَلّى بِنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاَةَ الْعِشَاءِ في آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلمّا سَلّمَ قَامَ فقالَ: أَرَأَيْتُمْ [أرأيتكم] لَيْلَتَكُم هَذِهِ، فإنّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سنةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ
ـــــــ
"باب قيام الساعة"
أي الساعة الكبرى، هل يكون بعد هذه المدة المذكورة في أحاديث الباب.
"في آخر حياته" قبل موته بشهر كما في حديث جابر عند مسلم "أرأيتم" وفي بعض النسخ أرأيتكم أي أخبروني وهو من إطلاق السبب على المسبب لأن مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة أي قد رأيتم ذلك فأخبروني "ليلتكم" أي شأن ليلتكم "هذه" هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة وتاء أرأيتكم فاعل والكاف حرف خطاب لا محل لها من الإعراب ولا تستعمل إلا في الإستخبار عن حالة عجيبة
(11/337)
الأرْضِ أحَدٌ. قالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النّاسُ في مَقَالَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تِلكَ فِيمَا يَتَحَدّثُونَ عنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ عن مِائَةِ سَنَةٍ، وَإنّمَا قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَبْقَى مِمّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ، يُرِيدُ أنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ" .
ـــــــ
وليلتكم بالنصب مفعول ثان لأخبروني قاله القسطلاني "فإن على رأس مائة سنة" أي عند انتهاء مائة سنة كذا في الفتح. وقال السندي واسم إن ضمير الشأن: وللبخاري فإن رأس انتهى "منها" أي تلك الليلة "لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" قال النووي في شرح مسلم: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمره قبل ذلك أو كثر، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة. قال وفيه احتراز من الملائكة. وقد احتج بهذا الحديث من شذ من المحدثين فقال بموت خضر عليه السلام والجمهور على حياته لإمكان أنه كان على البحر لا على الأرض. وقيل هذا على سبيل الغالب.
وقال النووي في تهذيب الأسماء: واختلفوا في حياة الخضر ونبوته فقال الأكثرون من العلماء هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحاكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يحصر وأشهر من أن يذكر. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك قال وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين انتهى.
قلت: ما قاله النووي من أن حياة الخضر قول الجمهور ليس بصحيح، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في الإصابة فقال اعتنى بعض المتأخرين بجمع الحكايات المأثورة عن الصالحين وغيرهم ممن بعد الثالث مائة فما بلغت العشرين مع ما في أسانيد بعضها من يضعف لكثرة أغلاطه أو إيهامه بالكذب كأبي عبد الرحمن السلمي وأبي الحسن بن جهضم.
وقال السهيلي قال البخاري: وطائفة من أهل الحديث مات الخضر قبل انقضاء مائة سنة من الهجرة. قال ونصر شيخنا أبو بكر بن العربي هذا لقوله صلى الله عليه وسلم "على رأس مائة سنة لا يبقى على الأرض ممن هو عليها أحد" يريد ممن كان حياً حين هذه المقالة انتهى.
وقال أبو الخطاب بن دحية: ولا يثبت اجتماع الخضر مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى عليه السلام كما قصه الله تعالى من خبره، وجميع ما ورد في حياته لا يصح منها شيء باتفاق أهل النقل. وأما ما جاء من المشائخ فهو مما يتعجب منه كيف يجوز لعاقل أن يلقى شخصاً لا يعرفه فيقول له أنا فلان فيصدقه انتهى.
(11/338)
...................................
ـــــــ
ونقل أبو بكر النقاش في تفسيره عن علي بن موسى الرضا وعن محمد بن إسماعيل البخاري أن الخضر مات وأن البخاري سئل عن حياة الخضر فأنكر ذلك واستدل بحديث ابن عمر المذكور وهو عمدة من تمسك بأنه مات وأنكر أن يكون باقياً.
وقال أبو حيان في تفسيره الجمهور على أنه مات. ونقل عن ابن أبي الفضل المرسي أن الخضر صاحب موسى مات لأنه لو كان حياً لزمه المجىء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به واتباعه، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي" .
ونقل أبو الحسن بن مبارك عن إبراهيم الحربي أن الخضر مات وبذلك جزم ابن المنادى. وذكر ابن الجوزي عن أبي يعلى بن العراء الحنبلي قال سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات فقال نعم. قال وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي وكان يحتج بأنه لو كان حياً لجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ بن حجر ومنهم أبو الفضل بن ناصر والقاضي أبو بكر بن العربي وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش ومنهم ابن الجوزي واستدل بما أخرجه أحمد عن الشعبي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني "قال فإذا كان هذا في حق موسى فكيف لم يتبعه الخضر أن لو كان حياً فيصلي معه الجمعة والجماعة ويجاهد تحت رايته كما ثبت أن عيسى عليه السلام يصلي خلف إمام هذه الأمة.
وقال أبو الحسين بن المنادى بحثت عن تعمير الخضر وهل هو باق أم لا فإذا أكثر المغفلين مغترون بأنه باق من أجل ما روى في ذلك. قال والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية والسند إلى أهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم وما عدا ذلك من الأخبار كلها واهية لا يخلو حالها من أحد الأمرين إما أن تكون أدخلت على الثقات استغفالاً أو يكون بعضهم تعمد ذلك.
وفي تفسير الأصبهاني روى عن الحسن أنه كان يذهب إلى أن الخضر مات انتهى كلام الحافظ من الإصابة مختصراً. وقد أطال الحافظ الكلام في ذلك فأجاد وأحسن والله أعلم.
"فوهل الناس" بفتح الواو والهاء ويجوز كسرها أي غلطوا وذهب وهمهم إلى خلاف الصواب في تأويل "مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي في حديثه "تلك" وهي قوله فإن على رأس مائة سنة منها إلخ "فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث عن مائة سنة" ولفظ البخاري في باب السمر في الفقه والخير بعد صلاة العشاء من كتاب الصلاة في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون في هذه الأحاديث عن مائة سنة.
قال العيني في شرح البخاري: أي حيث تؤولونها بهذه التأويلات التي كانت مشهورة
(11/339)
...................................
ـــــــ
بينهم مشارا إليها عندهم في معنى المراد عن مائة سنة مثل أن المراد بها انقراض العالم بالكلية ونحوه، لأن بعضهم كان يقول إن الساعة تقوم عند انقضاء مائة سنة كما روى ذلك الطبراني وغيره من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه ورد عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وغرض ابن عمر رضي الله عنه أن الناس ما فهموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه المقالة وحملوها على محامل كلها باطل، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك وهو القرن الذي كان هو فيه بأن تنقضي أهاليه ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكلية، وكذلك وقع بالاستقراء فكان آخر من ضبط عمره ممن كان موجوداً حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتاً، وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إعلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعمار أمته ليست تطول كأعمار من تقدم من الأمم السالفة ليجتهدوا في العمل انتهى "يريد" أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله مائة سنة "أن ينخرم" أي ينقطع "ذلك القرن" الذي هو فيه فلا يبقى أحد ممن كان موجداً حال تلك المقالة.
قال في النهاية: القرن أهل زمن، وانخرامه ذهابه وانقضاؤه انتهى.
وقال العلامة العيني: والقرن بفتح القاف كل طبقة مقترنين في وقت ومنه قيل لأهل كل مدة أو طبقة بعث فيها نبي قرن.
قلت: السنون أو كثرت انتهى.
وأخرج مسلم من حديث جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألون عن الساعة، وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة" هذه رواية أبي الزبير عنه.
وفي رواية أبي نضرة عنه قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك "ما من نفس" وزاد في آخره "وهي حية يومئذ" وأخرجه الترمذي من طريق أبي سفيان عن جابر نحو رواية أبي الزبير.
وأخرج مسلم من أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" .
وأخرج الشيخان عن عائشة قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الساعة فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم أي قيامتكم وهي الساعة الصغرى والمراد موت جميعهم.
قال القاضي عياض: أراد بالساعة انقراض القرن الذين هم من عدادهم، ولذلك أضاف إليهم.
(11/340)
4339- حدثنا مُوسَى بنُ سَهْلٍ أخبرنا حَجّاجُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ حدّثني مُعَاوِيَةَ بنُ صَالِحٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ جُبَيْرٍ عن أبِيهِ عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَعْجِزَ الله هَذِهِ الأمّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمِ" .
4340- حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا أبُو المُغِيرَةِ أخبرنا صَفْوَانُ عن شُرَيْحٍ بنِ عُبَيْدِ عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ: "إنّي لأرْجُو أنْ لا تَعْجَزَ أُمّتِي عِنْدَ رَبّهَا أنْ يُؤَخّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ. قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ" .
آخر كتاب الملاحم
ـــــــ
وقال بعضهم أراد موت كل واحد منهم والله أعلم.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
"لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم" قال المناوي: تمامه عند الطبراني من حديث المقدام يعني خمس مائة سنة ويأتي شرحه مفصلاً في الحديث الذي بعده. والحديث سكت عن المنذري.
"إني لأرجو" أي أؤمل "أن لا تعجز" بفتح المثناة الفوقية وكسر الجيم من عجز عن الشيء عجزاً كضرب ضرباً "أمتي" أي أغنياؤها عن الصبر على الوقوف للحساب "عند ربها" في الموقف "أن" بفتح الهمزة وسكون النون "يؤخرهم" أي بتأخيرهم عن لحاق فقراء أمتي السابقين إلى الجنة "نصف يوم" من أيام الآخرة "قيل لسعد" بن أبي وقاص "وكم نصف يوم" وفي بعض النسخ وكم نصف ذلك اليوم "قال" سعد "خمس مائة سنة" إنما فسر الراوي نصف اليوم بخمس مائة نظراً إلى قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} وقوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} .
واعلم أنه هكذا شَرَحَ هذا الحديث العلقميّ وغيره من شراح الجامع الصغير فالحديث على هذا محمول على أمر القيامة. وقال المناوي: وقيل المعنى إني لأرجو أن يكون لأمتي عند الله مكانة الله يمهلهم من زماني هذا إلى انتهاء خمس مائة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى قيام الساعة. وقد شرحه على القارىء في المرقاة شرح المشكاة هكذا "إني لأرجو أن لا تعجز أمتي" بكسر الجيم ويجوز ضمها وهو مفعول أرجو أي أرجو عدم عجز أمتي "عند ربها" من كمال قربها "أن يؤخرهم نصف يوم" يوم بدل من أن لا تعجز، واختاره ابن الملك أو متعلق به بحذف عن كما اقتصر عليه الطيبي، ثم قال وعدم العجز هنا كناية عن التمكن من القربة
(11/341)
...................................
ـــــــ
والمكانة عند الله تعالى، مثال ذلك قول المقرب عند السلطان إني لا أعجز أن يوليني الملك كذا وكذا يعني به أن لي عنده مكانة وقربة يحصل بها كل ما أرجوه عنده، فالمعنى إني أرجو أن يكون لأمتي عند الله مكانة ومنزلة يمهلهم من زماني هذا إلى انتهاء خمس مائة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى قيام الساعة انتهى.
والحديث على هذا محمول على قرب الساعة، وعلى هذا حمله أبو داوود، ولذلك أورده في هذا الباب، وعلى هذا حمله صاحب المصابيح أيضاً، ولذلك أورده في باب قرب الساعة واختاره الطيبي رحمه الله وزيف المعنى الأول، واختار الداوودي المعنى الأول ورد على المعنى الثاني.
قال العلقمي في شرح الجامع الصغير: تمسك الطبري بهذا الحديث على أنه بقي من الدنيا بعد هجرة المصطفى نصف يوم وهو خمس مائة سنة، قال: وتقوم الساعة ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير الباري ولم يبين وجهه، ورد عليه الداوودي قال: وقت الساعة لا يعلمه إلا الله، ويكفي في الرد عليه أن الأمر بخلاف قوله فقد مضت خمس مائة سنة وثلاث مائة، وحديث أبي داوود ليس صريحاً في أنها لا تؤخر أكثر من ذلك والله أعلم كما قال تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} يعني من عددكم فإن هذا اليوم الذي هو كألف سنة بالنسبة إلى الكفار قليل وأن مقداره عليهم خمسين ألف سنة وإنه ليخفف عن من اختاره الله تعالى حتى يصير كمقدار ركعتي الفجر المسنونة انتهى من شرح السنن لابن رسلان.
قال شيخنا قال السهيلي: ليس في هذا الحديث ما ينفي الزيادة على خمس مائة قال وقد جاء بيان ذلك في ما رواه جعفر بن عبد الواحد إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم.وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: في تاريخه هذا التحديد بهذه الأمة لا ينفي ما يزيد عليها إن صح رفع الحديث، فأما ما يورده كثير من العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤلف تحت الأرض فليس له أصل ولا ذكر في كتب الحديث. وقال الحافظ بن حجر: قد حمل بعض شراح المصابيح حديث لن يعجز الله هذه الأمة في نصف يوم على حال يوم القيامة وريفه الطيبي فأصاب. قال وأما زيادة جعفر فهي موضوعة لأنها لا تعرف إلا من جهته وهو مشهور بوضع الحديث، وقد كذبه الأئمة مع أنه لم يسق سنده بذلك، فالعجب من السهيلي كيف سكت عنه مع معرفته بحاله انتهى كلام العلقمي.
قلت: قال الطيبي: على ما ذكره القارىء وقد وهم بعضهم ونزل الحديث على أمر القايمة وحمل اليوم على يوم المحشر، فهب أنه غفل عما حققناه ونبهنا عليه فهلا انتبه لمكان الحديث وأنه في أي باب من أبواب الكتاب، فإنه مكتوب في باب قرب الساعة فأين هو منه انتهى. قال
(11/342)
...................................
ـــــــ
القارى: ولعله صلى الله عليه وسلم أراد بالخمس مائة أن يكون بعد الألف السابع فإن اليوم نحن في سابع سنة من الألف الثامن، وفيه إشارة إلى أنه لا يتعدى عن الخمس مائة فيوافق حديث عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فالكسر الزائد يلغى ونهايته إلى النصف وأما ما بعده فيعد ألفاً ثامناً بإلغاء الكسر الناقص، وقيل أراد بقاء دينه ونظام ملته في الدنيا مدة خمس مائة سنة فقوله أن يؤخرهم أي عن أن يؤخرهم الله سالمين عن العيوب من ارتكاب الذنوب والشدائد الناشئة من الكروب. انتهى كلامه. وتقدم كلام الشيخ ولي الله المحدث الدهلوي ما يتعلق بهذا الحديث في شرح حديث "لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة" والحديث سكت عنه المنذري. وقال المناوي: سنده جيد.
آخر كتاب الملاحم
تم بحمد الله - الجزء الحادي عشر
ويليه الجزء الثاني عشر وأوله



 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب الملاحم سوسن سنن أبي داود 0 01-14-2010 12:10 PM


الساعة الآن 02:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010