الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى شيوخ وعلماء الإسلام > الدكتور محمد راتب النابلسي > المحاضرات المكتوبة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-09-2011, 07:02 AM   #1
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
Q (1) سيرة الصحابيات الجليلات



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك




السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 7-8 : عام الحزن
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-07

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس السابع من سير الصحابيات الجليلات ، ومع السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها زوجة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأولى زمناً ومرتبةً .

عام الحزن :
في الدرس الماضي بينت لكم الأعوام الثلاثة الشديدة التي أتت على المسلمين ، أعوام المقاطعة ، والحصار الاقتصادي ، وكيف ذاق المسلمون ، وعلى رأسهم رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأهل بيته الطيبين ، كيف ذاقوا ألوان الحرمان والجوع والمقاطعة ، وبعد انتهاء أعوام المقاطعة ، جاء عام الحزن .
قبل أن نشرح عن عام الحزن ، إذا كان سيد الخلق ، وحبيب الحق ، إذا كان سيد ولد آدم ، إذا كان صفوة الله من خلقه ، إذا كان خيرة عباد الله ابتلاه الله بالحزن ، فلأن نحزن نحن شيء طبيعي جداً ، هذه الدنيا مركبة هكذا ، هي دار ابتلاء ، دار امتحان ، دار أحزان ، دار أتراح ، وليست دار أفراح ، لأنه من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى .
في هذا العام توفي أبو طالب عم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان أكبر مدافع عنه من الخارج ، وتوفيت السيدة خديجة أكبر داعم له من الداخل ، فانهار الدعم الداخلي ، وانهار الدعم الخارجي ، لذلك سمَّى كُتَّاب السيرة هذا العام الذي توفي فيه أبو طالب عم النبي أكبر داعم له من الخارج ، والذي توفيت فيه السيدة خديجة زوجه الحبيبة إلى قلبه أكبر داعم له من الداخل ، سمى علماء السيرة ، وكتاب السيرة هذا العام الذي مر به النبي عام الحزن .
شيء آخر : إن كان لك قريب تحبه حباً جماً ، ووافته المنية ، ويغلب على ظنك أنه إلى الجنة ، تحزن ، ولكن الذي يخفف من هذا الحزن أنه من أهل الجنة ، أنه انتقل من دار البلاء إلى دار البقاء ، من دار الامتحان إلى دار الاستقرار ، من دار التكليف إلى دار التشريف ، من دار المتاعب إلى دار المسرات ، مما يخفف الحزن على أهل المتوفى أن يكون المتوفى من أهل الجنة ، مؤمناً .
إلا أن الذي ضاعف حزن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عمه أبا طالب مات كافراً ، هذا الذي دعمه أشد الدعم ، طلب إليه أن يلفظ بشفتيه لا إله إلا الله ، فلم يقل ، وكم تمنى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمه الهداية ، وألح عليه ، وهو في سياق الموت لكي يسلم ويقول لا إله إلا الله .

(( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ : يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ : "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... الآيَة َ))
[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]
أخطر شيء في حياة المسلم العقيدة الصحيحة :
أيها الأخوة ، لي وقفة دقيقة جداً عند هذا الموقف ، قال عليه الصلاة والسلام :
((أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))
[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]
فنزل قوله تعالى :
﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(113)﴾
( سورة التوبة )
ماذا نستنبط من هذه الحادثة ؟ عم النبي ، أقرب الناس إليه ، أكبر من دافع عنه ، الذي وقف أمامه كالطود ، الذي تحمل المشاق من أجله لكن تحملها عصبية ، ولم يتحملها اعتقاداً ، تحملها حميةً ، ولم يتحملها عبادةً ، تحملها انحيازاً ، و لم يتحملها طاعةً لله عز وجل ماذا نستنبط إذاً ؟ كم هي العقيدة خطيرة عند الإنسان ، لا يمكن أن تقدم للنبي عليه الصلاة والسلام عملاً أعظم مما قدمه عمه أبو طالب ، ومع ذلك مات كافراً :
﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم ﴾
( سورة التوبة )
إذاً أخطر شيء في حياة المسلم العقيدة الصحيحة ، اعتقد عقيدةً صحيحة ، وكل شيء بعدها يحل أما إن لم تعتقد عقيدة صحيحة ، لو قدمت للنبي كما قدم أبو طالب لا تنجو .

الرسول صلى الله عليه وسلم فقد الدعم الخارجي بموت أبي طالب :
أخوة الإيمان ، حقيقة خطيرة أضعها بين أيديكم ، إن أحداث السيرة من الخطورة حيث إن كل شيء في السيرة له دلالة عظيمة ، ويمكن أن نستنبط منه حقائق كبيرة ، فمن زاغت عقيدته لو كان أقرب الناس إلى نبي ، لو كان أقرب الناس إلى أكبر عالم ، إلى أكبر داعية ، لو كان يلوذ بأقرب الناس إليه .
كان رئيس المنافقين يجلس على يسار النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما توفي طلب قميصه ، وتروي كتب السيرة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألبسه قميصه بيده ، فلما وافته المنية قال : الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفاً ، لا تنفعك قرابتك ، ولا ينفعك عملك ، ولا ينفعك شيء إلا أن تكون صحيح العقيدة بالله ، صحيح العمل وفق مقتضى هذه العقيدة وأنزل الله قوله :

﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)﴾
( سورة التوبة )
ونزل في أبي طالب :
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾
( سورة القصص )
وقال :
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272)﴾
(سورة البقرة )
لست عليهم بجبار .
﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
( سورة الغاشية )
أي أنهم مخيرون ، النبي يدعوهم إلى الحق ، أما هم يستجيبون أو لا يستجيبون ، ويدل قوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))
[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]
يدل هذا على أن شدة الحزن الذي أصاب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاً بسبب موت عمه أبي طالب على الكفر ، وحزن أيضاً على موت أبي طالب لأنه فقد نصرته ، ووقوفه في وجوه المشركين ، فقد الدعم الخارجي ، ومن وفائه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا الذي دعمه مات كافراً ، فكان حزنه عليه شديداً .

الرسول الكريم فقد السند الداخلي بموت السيدة خديجة رضي الله عنها :
قال ابن هشام ، أحد كتاب السيرة : كان أبو طالب للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عضداً وحرزاً في أمره ، ومنعةً ، وناصراً على قومه ، وذلك قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنوات ، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأذى ما لم تكن تطمع في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه التراب وقال عليه الصلاة والسلام : ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب ، ومع ذلك مات على الكفر .
أيها الأخوة ، قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَالَ :

(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه أكبر حقيقة ، تحر العقيدة الصحيحة ، التي إذا مت عليها قبلها الله منك وكان مصيرك الجنة .
الشيء الذي يقصم الظهر أن هذا الذي كان يدعمه خارج البيت مات ، ففقد هذا الدعم ، ومات كافراً ، فتضاعف حزن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أما حينما توفيت السيدة خديجة فقد الدعم الخارجي ، والسند الداخلي ، طبعاً السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها وأرضاها واست رسول الله ، وحاولت أن تخفف من حزنه على عمه أبي طالب ، كما هو حالها وشأنها دائماً في كل ما يعرض له النبي الكريم ، و لكن مواساتها انقطعت بوفاتها هي أيضاً رَضِي اللَّه عَنْها ، إذ وافاها أجلها في بعض الروايات بعد موت أبي طالب بزمن قصير ، وقال بعض كتاب السيرة : بثلاثة أيام ، فحُقَّ لكُتَّاب السيرة أن يسموا هذا العام الذي مر به النبي عامَ الحزن ، بين موت عمه أبي طالب ، وموت زوجته السيدة خديجة ثلاثة أيام .


تتابع الأحزان على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها :
سؤال يهمنا كثيراً : هل يتناقض الألم الشديد على مصاب أليم أصاب المؤمن ، هل يتناقض هذا الألم الشديد مع الصبر ؟ أبداً ، لا يتناقضان ، هذه طبيعة الإنسان ، هذه فطرته ، لا يحاسبك الله عز وجل على حزن ألم بقلبك لوفاة عزيز ، ولكنه يحاسبك على كلمة تتفوه بها تتناقض مع التوحيد ، يحاسبك على كلمة تعبر بها عن ضجرك ، يحاسبك عن كلمة تعبر بها عن شكك برحمة الله عز وجل :
(( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا ، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[ رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه ]
روى الحاكم أن موتها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ، في رواية أخرى بشهرين وخمسة أيام ، والرواية الأولى ثلاثة أيام ، على كلٍ زمن قصير بين وفاة عمه أبي طالب ، ووفاة زوجته السيدة خديجة ، تروي كتب السيرة أن السيدة خديجة توفيت لعشر خلون من رمضان ، وهي في سن خمسة وستين عاماً .
عن حكيم ابن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة ، بعد خروج بني هاشم من الشعب ، ودفنت بالحجون في مكة ، ونزل النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبرها ، ولم تكن صلاة الجنازة قد شرعت بعد ، وتتابعت الأحزان على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاتها رَضِي اللَّه عَنْها ، وعرف العام الذي توفيت فيه كما قلت قبل قليل بعام الحزن ، وأصبح النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عاد إلى بيته عاد مهموماً مكروباً من كثرة ما يلقى من أذى المشركين وكيدهم ، ولا يرى وجه خديجة ، وهي تستقبله بإشراقة وجهها ، وصفائه ، وابتسامته ، يعني حقاً أن الله عز وجل جعل الزوجة الوفية المخلصة سكناً لزوجها ، تصور نبياً عظيماً يواجه صعوبات كالجبال ، إذا دخل إلى بيته استقبال زوجته بابتسامة وديعة ، بكلمة طيبة ، بدعوة إلى الصبر ، بتثبيت ، قدمت عملاً لا يقدر بثمن ، لا تقلل من قيمة زوجتك في البيت ، لا تقلل من قيمة أنها أحياناً تمتص بعض المتاعب ، لا تقلل من قيمة زوجةٍ صالحة تعينك على متاعب الحياة ، النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد ابتسامة الثقة والأمل التي كانت تستقبله بها ، فقد كانت كلمات التثبيت والتبشير التي كانت تبثه بها رَضِي اللَّه عَنْها ذات أثر كبير في نفسه ، الآن انتهت هذه الكلمات .
تروي كتب السيرة أن هذه السيدة العظيمة تبسمت للنبي وهي تجود بنفسها ، تبسمت له وهي تفارق الحياة ، أروع ما كتب عن هذا التبسم قيل : لعلها كانت تبتسم له كي تواسيه بنفسها عن نفسها ، أو لعلها تبسمت حين رأت مقامها وقصرها في الجنة .
روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الزوجة الصالحة تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله :
أخواننا الذين زاروا مكة المكرمة ، ورأوا جبل النور ، إنْ أراد رجل في ريعان شبابه ، قوي البنية ، أن يصل إلى هذا الجبل ، أو إلى هذا المكان يحتاج إلى ثلاث ساعات .
امرأة مسنة تصعد هذا الجبل كله لتقدم للنبي طعامه وشرابه ، كم هذه الخدمة ؟ ماذا نستفيد من هذه القصة ؟ أي أن هذه المرأة التي تحسن تبعل زوجها ، تهيئ له طعامه ، وشرابه ، وثيابه النظيفة ، وأولاده الذين تربيهم تربية صالحة ، هذه المرأة التي تفعل هذا إنها تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله ، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت : بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك ، وأعلم نفسي ـ لك الفداء ـ أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي ، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات ، قواعد بيوتكم ، ومقضى شهواتكم ، وحاملات أولادكم ، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، والحج بعد الحج ، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم ، وغزلنا لكم أثوابكم ، وربينا لكم أموالكم ، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله ؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال : هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه ؟ فقالوا : يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا ؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها : انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله ، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً ))
[ البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ]
آه لو تعلم النساء ما هذا الحديث ، لا ينطق عن الهوى ، إن حسن تبعل المرأة زوجها ، إذا وفرت له جواً هادئاً في البيت ، وفرت له الطعام المريح ، والفراش الوثير ، والثياب النظيفة ، وخدمات كثيرة جداً ، كم لها عند الله من أجر :
(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال : لعلها ابتسمت حينما رأت مقامها في الجنة .

كلما نضج إيمانك اعتقدت أن المرأة مساوية للرجل في حقل الدين :
دلت بعض الأحاديث الشريفة على أن المؤمن عند الاحتضار يبشر بالجنة ، ويكشف له حتى يرى مقعده فيها عند الموت ، المؤمن لأن الله يكرمه ، ويبشره ، ويرى مقامه في الجنة ، ويرى مكانه فيها ، إما أنها ابتسمت تواسيه بنفسها عن نفسها ، أو أنها ابتسمت حينما رأت هذا القصر الذي وعدها الله به في الجنة ، على كلٍ قال :
(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ماذا قالت ؟ يا الله من أية جامعة تخرجت ، هل تحمل دكتوراه في الشريعة ! قالت : هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ، لو أنها قالت : وعليه السلام ، انظر إلى فهمها العالي ، قالت : هو السلام ، مادام هذا السلام جاءها من ربها ، إذاً هو السلام ، لا يصح أن يرد عليه السلام ، هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام .
أنا أعتقد أنه كلما نضج إيمانك اعتقدت أن المرأة مساوية للرجل في حقل الدين ، وقد تسبقه ، ما هذه المرأة ؟ ما هذه الإجابة ؟ منك السلام يا رب ، ومنك السلام ، وعلى جبريل السلام ، في رواية ثانية عند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ :

(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ليس شيئاً قليلاً أن يحبك الله ! شيء لا يستهان به أن تكون أثيراً عند الله ، أن يقرئك الله السلام ، إن الله يقرأ خديجة السلام ، فقالت : إن الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك يا رسول الله السلام ، ورحمة الله وبركاته ، كيف كانت تخاطبه في البيت ؟ تقول له : يا رسول الله ، الآن انظر إلى النساء ، النساء المثقفات لا تخاطب زوجها إلا باسمه المجرد ، وقد يكون زوجها كبيراً ، وعظيماً ، وله شأن كبير ، هذا من سوء الأدب ، أما السيدة خديجة تخاطب زوجها تقول له : يا رسول الله .

الله هو السلام يدل على فقه السيدة خديجة وفهمها وحسن أدبها مع الله تعالى :
قال العلماء : يدل قولها أن الله هو السلام على فقهها ، وفهمها ، وحسن أدبها مع الله تعالى ، فالله سبحانه وتعالى لا يرد عليه بالسلام كما يرد على المخلوقين ، لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، وهو أيضاً دعاء بالسلامة ، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله ، فكأنها قالت : كيف أقول عليه السلام ، والسلام اسمه ، ومنه يطلب ، ومنه يحصل ، فيستفاد من ذلك أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه فقط ، فأثنت عليه سبحانه ، ثم غايرت ما يليق بالله تعالى ، وما يليق بغيره ، فقالت : هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته ، كلمات قليلة لكنها تعبر عن أدب جم ، وعن فهم عميق ، وعن إيمانٍ قوي .
ذكرت بعض الروايات أن السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها رأت جبريل وهو في صورة رجل ، أخرج ابن السني بسنده عن خديجة أنها خرجت تلتمس رسول الله ، بأعلى مكة ومعها غداؤه ، تبحث عن طعام .
يقول الزوج لزوجته ألف مرة أتمنى أن يكون الطعام في هذه الساعة جاهزاً ، لا تبالي ، يأتي إلى البيت لا طعام ، ولا شيء معد جاهز ، فتنشأ الخلافات .
تتبعه بطعامه ، وتبحث عنه ، وتأخذ معها طعامها ، فلقيها جبريل في صورة رجل ، فسألها عن النبي فهابته ، ولما ذكرت ذلك للنبي قال لها : هو جبريل ، وقد أمرني أن أقرأ عليك السلام ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ، ولا نصب .
أيها الأخوة الكرام ، السيدة خديجة ماتت ، ماذا بقي بعد موتها ، بقيت ذكراها رحلت السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عن الدنيا وتركت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في ذروة المعاناة ، لما يلقى من أذى المشركين ، وإعراضهم ، وكيدهم ، وبقيت ذكرى السيدة خديجة في قلبه الشريف حيةً قويةً ، فلم تبرحه حتى آخر يوم في حياته ، كان وفاءه لها عجيباً فلما فتح مكة أين نصب الراية ؟ نصبها عند قبر خديجة ، لماذا ؟ ليؤكد لها بعد موتها أن هذا النصر الذي حققه النبي ، كان بسبب صبرها ، ومعاناتها ، وتثبيتها لقلب النبي ، وما نسي فضلها أبداً .


شدة وفاء النبي للسيدة خديجة و ذكرها دائماً عند أحبّ زوجاته إليه :
ما يلفت النظر أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تشغله الأعمال الجليلة الكبيرة التي تملأ حياته عن تذكر زوجته السيدة خديجة ، الدعوة إلى الله ، تلقي الوحي ، تبليغه للناس، عرضه على القبائل ، الهجرة إلى المدينة ، تأسيس الدولة الإسلامية ، بناء المجتمع المسلم الجديد ، الجهاد في سبيل الله ، الخروج إلى الغزوات ، إرسال السرايا ، بعث البعوث ، إرسال الرسائل والكتب إلى الأمراء والملوك ، استقبال الوفود ، كل هذه الأعمال الجليلة التي نهض بها النبي لم تشغله عن تذكر السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها ، بقيت مع كل هذه الأعمال ذكرى خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عالقة في قلبه الشريف لا تفارقه ، كأنها أصبحت جزءاً منه لا تكاد تنفصل عنه .
الذي يلفت النظر أيضاً أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج بعد وفاتها أمهات المؤمنين ، واجتمع عنده في وقت واحد تسع منهن ، وكن رَضِي اللَّه عَنْهن مع كل ذلك تسع نسوة يتنافسن على خدمته ، ومحبته ، وتوفير راحته ، ومع ذلك لم ينس السيدة خديجة ، هذا الوفاء ، هذا الوفاء الزوجي ، ما من زوج على وجه الأرض أكثر وفاء لزوجته الأولى من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
من مظاهر وفائه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يذكر السيدة خديجة عند أحب زوجاته إليه ، السيدة عائشة ، يعني قيل : إنها حبيبته ، إنها حبيبة رسول الله ، وكانت رَضِي اللَّه عَنْها تغار من كثرة ذكر النبي لها ، طبعاً تعليق سريع ، غيرة المرأة تنبع من تصور وتخيل أن رسول الله يحبها أكثر منها ، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة ، ولنستمع إلى السيدة عائشة رَضِي اللَّه عَنْها ، وهي تعترف بغيرتها من السيدة خديجة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :

(( مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ : إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]
أحياناً الإنسان أمام زوجته الحبيبة الصغيرة التي تعلق قلبه بها كان من الممكن أن يصمت عن ذكر خديجة ، من شدة وفائه لها كان يذكرها عند أحب زوجاته إليه ، والحقيقة قول السيدة عائشة كأن لم يكن في الدنيا غيرها ، حقيقة ، عاش النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع خديجة أنضر سنوات عمره ، أمضى خمساً وعشرين سنة مع السيدة خديجة وحدها .

غيرة السيدة عائشة من السيدة خديجة رضي الله عنها :
والله أيها الأخوة ، أستمع الآن إلى قصص طلاق بعد ثلاثين عاماً عاشت معه زوجته ، على مر الحياة وحلوها ، ثم طلقها ، وأولادها كبار ، لها أولاد ، ولها بنات ، ولها أصهار ، ومع ذلك طلقها لأسباب تافهة ، أهذا هو الوفاء ، ثلاثون عاماً عشت معها ، وبعدها تنتهي هذه الأعوام بالطلاق ، وَاللَّهِ جاءت امرأة في بعض المساجد في دمشق ، وقالت لي : أنا زوجة فلان ، وهي محجبة حجاباً كاملاً ، أنا زوجة فلان ، عشت معه ثلاثين عاماً ، وهو قد طلقني ، معقول !
قال ابن حجر رحمه الله في شرح كلمات السيدة عائشة ، ما غرت على أحد من نساء النبي ، قال : " فيه ثبوت الغيرة ، وأنه ليس مستنكر وقوعها من فاضلات النساء ، فضلاً عمن دونهن ، يعني أيها الزوج لا تتألم كثيراً إذا كانت زوجتك غيورةً ، فالغيرة من صفات النساء ، فليس بمستغرب أن تقع الغيرة من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن ، وأن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها كانت تغار من نساء النبي ، فكانت تغار من السيدة خديجة أكثر غيرة والسبب طبعاً أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكثر من ذكرها كثيراً ، وقولها هلكت قبل أن يتزوجني ، يعني هي لم تعرفها ، ولم تر وجهها ، هلكت قبل أن يتزوجني ، فلو أنها رأتها لكانت غيرتها أشد ، ثمة حالات نادرة أسوقها لكم ، يعني أحياناً تغار منها كثيراً تندفع إلى التعريض فيها ، هذا الشيء الجديد ، فيغضب عليه الصلاة والسلام ، ويرد عن أم المؤمنين عائشة ، يرد عليها ، يذكرها ببعض المناقب والفضائل التي انفردت بها السيدة خديجة ، والتي لا يشاركها فيها غيرها من أمهات المؤمنين ، كلم السيدة عائشة على ما بدر منها ، وتقول معلنةً توبتها وندمها : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بالخير ، شيء واقعي ، السيدة عائشة امرأة غيورة لا تحتمل أن يذكرها النبي دائماً ، لذلك كان النبي يرد عليها ، ويدافع عن السيدة خديجة ، تقول : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا اليوم إلا بالخير ، القصة كاملة رويت في بعض الكتب ، استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على النبي الكريم ، يبدو أن الصوتين متشابهين ، بعد موت خديجة سمع صوتاً يشبه صوت زوجته ، فارتاح لذلك وقال : اللهم هالة ، فغرت فقلت : ما تذكر من عجوز ـ الآن صارت عجوزاً ـ ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين ، يعني ليس في فمها سن ، وكبيرة في السن ، خمسة وستون عاماً .
قال لي أحد الأشخاص : والله ما في فمي سن ، فقلت له : وشعرك ، قال لي : لا شعري طبيعي ، خفت أنْ يكون شعره مستعاراً ، الإنسان بعد سن معين لا بد له من قطع غيار كثيرة ، فقالت له : حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خير منها ، يعني هذه ساعة غيرة شديدة .


ميزات السيدة خديجة كما رآها النبي الكريم :
قالت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش ، حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيراً منها ، فقال لها : إنها كانت وكانت وَكانت ، وكان لي منها الولد ، فسر بعضهم قوله الشريف ، إنها كانت فاضلةً ، وكانت عاقلة ، وكانت ، وكانت ، وكان لي منها الولد ، أما أجمل دفاع عنها فهو مرويٌّ في مسند أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]
انظر إلى ميزاتها ، وفي الحقيقة أروع ما في الأخلاق ألا تنسى فضل الناس عليك ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمع أن الأنصار وجدوا عليه في أنفسهم جمعهم وقال : يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ، جمعهم ، وكان أقوى رجل في الجزيرة ، وكان بإمكانه أن يفعل كما يفعل بعض الأقوياء أن يلغي وجودهم ، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم ، وكان بإمكانه أن يهملهم ، وكان بإمكانه أن يعاتبهم ، وكان بإمكانه أن يذكرهم بفضله عليهم ، فماذا فعل ؟ جمع الأنصار وهو في أعلى درجات القوة ، وذكرهم بفضلهم عليه ، ما هذه الأخلاق ! قال : يا معشر الأنصار أما إنكم لو شئتم لقلتم ولصدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، طريداً فآويناك ، عائلاً فأغنيناك ، يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ، وعالةً فأغناكم الله ، وأعداء فألف بين قلوبكم ، إلى آخر القصة .
(( ... مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]
قالت السيدة عائشة ، هكذا تروي الروايات ، أبدلك الله حديثة السن بكبيرة السن ، فغضب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضباً شديداً فخافت فقالت : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بالخير ، هذه مشكلة نشأت في بيت النبي صاحب ود ووفاء لزوجته السيدة خديجة ، وهي صاحبة غيرة .

من فضائل خديجة أن النبي الكريم قرن بينها وبين السيدة مريم في الخيرية والفضل :
تعليق لطيف ، ما معنى حمراء الشدقين ؛ نسبتها إلى كبر السن ، لأنه من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه ، يغلب على لونه غالباً الحمرة المائلة إلى السمرة ، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين ما في باطن الفم ، فكانت في ذلك عن سقوط أسنانها ، حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللثة وغيرها ، وبهذا قال النووي ، ما معنى حمراء الشدقين ؟ أي لا يوجد أسنان ، ولا يوجد في فمها غير لثة حمراء وباطن الفم أحمر .
يؤكِّد الإمام النووي رحمه الله تعالى أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كلماته كلها يظهر من كلماته حسن العهد ، وحفظ الود ، وحرمة الصاحب ، والمعاشرة ، حياً وميتاً ، أحياناً عندما يموت إنسان يستخف به ، أما عليه الصلاة والسلام فقد كان وفياً لها في حياتها ، وبعد موتها ، كان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذبح شاةً يقول : أرسلوا إلى صديقات خديجة ، قالت : فأغضبته يوماً فقلت : خديجة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني قد رزقت حبها .
من فضائل خديجة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرن بينها وبين السيدة مريم في الخيرية والفضل ، فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ))
[البخاري ومسلم عن علي]
يقصد خير نساء من على الأرض ، ومن تحت السماء ، خديجة بنت خويلد ، ومريم ابنة عمران ، السيدة مريم شهد الله لها بالاصطفاء :
﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾
( سورة آل عمران )
شهد لها بالصديقة ، وهي المرتبة التي تلي مرتبة النبي ، فإذا كان النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد جمع بين السيدة مريم والسيدة خديجة في الفضل ، فمعنى ذلك أن السيدة خديجة في مرتبة الصديقة .

المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف :
شيء آخر :
((خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ : تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]
نستفيد من هذه القصة أن المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف ، وأن الذي حباه الله عز وجل زوجة صالحة فقد أعطاه شيئاً كثيراً ، أعطاه نعمة عظيمة ، أعطاه حسنة الحياة الدنيا .
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾
( سورة البقرة )
قال النبي عليه الصلاة والسلام :
((خَيرُ النساءِ امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْكَ وإذا أمَرْتَها أطاعتكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظتْكَ في نَفْسِها ومالِكَ.))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 07:08 AM   #2
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم-السيدة هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس الدرس 4-4: سيرة السيدة هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-07

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
السيرة-الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ملاحظة هامة :
أيها الأخوة الكرام، لا زِلْنا مع الصحابيَّات الجليلات، مع الدَّرْس الرابع والثلاثين مِن سِيَرِ الصَّحابيَّات الجليلات رِضْوان الله تعالى عنهن أجْمعين، ومع هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ ربيعَةَ بن عَبْد شَمْس، هِنْدِ بنْتِ عُتْبة زوجة أبي سُفْيان، ولها تاريخٌ عريقٌ في عَدَاوَة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
وقَبلَ أنْ أشْرَعَ في الحديث عن هذه الصَّحابيَّة, لا بدَّ مِن مُقَدِّمةٍ ضروريَّة: ذلك أنَّ العداوَةَ في الإسْلام ليْسَتْ مُتَأصِّلَةً، أحْيانًا تَكْرَهُ الرَّجُلَ؛ تَكْرهُ عَمَلَهُ، ولا تَكْرهُ ذاتهُ، وربُّنا جلَّ جلاله يكرهُ عمَلَ الرجل، ولا يَكْرهُ الرجل، بِدَلِيل أنَّهُ بِمُجَرَّد أنْ يلتفِتَ العبْد إلى الله عز وجل اِنْطَوَتْ صفْحةٌ، وفُتِحَتْ صفْحةٌ جديدة .
تَذْكُرون أنَّ عُمَيْر بن وَهْبٍ أتى المدينة لِيَقْتُل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأنَّ ابْنَهُ وَقَعَ أسيرًا، فسقَى سَيْفهُ سُمًّا، وتوجَّهَ نَحْوَ المدينة لِيَقتل النبي عليه الصلاة والسلام، رآهُ عمر فقيَّدَهُ بِحَمَّالَةَ سَيْفِهِ، وساقَهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، هذا عُمَيْر بنُ وَهْبٍ جاءَ يُريدُ شرًّا, والقصَّة معروفةٌ عندكم, كيْفَ أنَّ النبي عليه الصَّلاةُ والسَّلام قال: أطْلِقْهُ يا عُمَرَ؟ ادْنُ مِنِّي يا عُمَيْر، ما الذي جاء بِكَ؟ قال: جِئْتُ أَفُكُّ ابني مِنَ الأسْر، فقال: وهذه السَّيْف التي على عاتِقِك؟ قال: قاتَلَها اللهُ مِن سُيُوفٍ, وهل نَفَعَتْنا يوْمَ بَدْرٍ؟‍ فقال النبي الكريم: ألَمْ تَقُلْ لِصَفْوان ابنِ أُمَيَّة: والله، لوْلا فِتْيَةٌ صِغار، ولَوْلا دُيونٌ لا أُطيقُ سَدادَها، لَذَهَبْتُ وقتَلْتُ محمَّدًا، وأرحْتُكم منه؟ فَوَقَفَ عُمَيْرٌ، وقال: والله إنَّكَ رسول الله، والذي دارَ بيْني وبين صَفْوان لا يَعْلمُهُ أحدٌ إلا الله، وأنتَ رسوله، وأشْهدُ أنَّك رسول الله .
الشاهدُ أنَّ سيِّدنا عمر قال: دخل عُمَيْر على رسول الله، والخنزير أحبُّ إليَّ منه، وخرجَ من عِنْدِهِ، وهو أحبُّ إليَّ مِن بعْضِ أولادي .
هذا هو الإسلام، الإسلام قد تنتقلُ من أشدّ أنواع العَداوة إلى أشدِّ أنواع المحبَّة، التَّفسير : إنّك لا تَكْرهُ فلانًا، ولكن تَكْرهُ عَمَلَهُ، وربّنا عزّ وجل لا يَغْضبُ على العَبْد، بل يغْضبُ مِن عملِهِ ، فإذا صلَّحَ, انتهى كلّ شيءٍ، وهذا أرْوَعُ ما في الإسلام .

إليكم المغزى من هذا الكلام :
قُلْتُ لكم: هذه المرأة التي كانت مِن أشدِّ النِّساء عَدَاوَةً لِرَسول الله، وهي التي قتلَتْ حمزةَ عمَّ النبي عليه الصلاة والسلام بِأَمْرها، وهي التي لاكَتْ كَبدَهُ بِأسْنانها، وليْسَ في تاريخ المسلمين امرأةٌ أشدُّ عَداوةً للنبي عليه الصلاة والسلام مِن هذه المرأة .
والآن سَأُسْمعُكم كيفَ صارَ حالُها؟ هذا يُعْطينا أمَلاً كبيرًا، يُعطيكَ أمَلاً أنَّك إذا أقْبلْتَ على الله تعالى, غَفَرَ الله لك كلَّ ذُنوبك، وهذا يعني أنَّهُ لوْ جئْتَ الله عزّ وجل بمِلء السموات والأرض خطايا, غَفَرَها لك ولا يُبالي، وهذا يعني أنَّك إذا رجَعْت إلى الله عز وجل, نادى مُنادٍ في السموات والأرض أنْ هَنِّئوا فلانًا، فقَدْ اصْطَلَحَ مع الله تعالى، وهذا يعْني أنّ الله عز وجل بِمُجَرَّد أنْ تَتُوبَ إليه, يُقْبِلُ عَلَيْك ويَقْبَلُكَ، وهذا المعنى الدَّقيق الذي أردْتُهُ من هذه القصَّة .


إليكم قصة إسلام هند بنت عتبة :

أسْلمَتْ هنْدُ بنْتُ عُتْبةَ عامَ الفتْح، بعْدَ عشرين عامًا مِن عَداوة مشتعلة، ومِن تآمُر، ومِنْ هِجاءٍ، ومِن حِقْدٍ، ومِن بُغْضٍ لا حدود له لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم، أسْلمَتْ بَعْد إسْلام زوْجِها أبي سفيان، وحينما دَخَلَ النبي عليه الصلاة والسلام مكَّةَ المكرَّمة, قال أبو سفيانَ:
((ما أعْقَلَهُ ! وما أحْكَمَهُ! وما أوْصلَهُ! وما أرْحَمَهُ!))
أسْلمَتْ بَعْد إسْلام زوْجِها أبي سفيان، وبايَعَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على الإسلام، كانتْ ذاتَ عَقْلٍ وافِر، ولكنَّها تأخَّرَتْ في إسلامها إلى إسلام زوْجِهَا،
((يا سَعْدُ لا تُبْغِضِ العَرَبَ فَتُبْغِضُني، قال: وكيفَ نُبْغِضُكَ، وبِكَ هدانا الله تعالى؟ فقال: تُبْغِضُ العربَ فَتُبْغِضُني))
أحيانًا تنتقِلُ العداوةُ مِن إنسانٍ إلى إنسانٍ، فَهِيَ كانت ذاتُ عَقْلٍ وافِر، فَلِمَ لمْ يَهْدِها عَقلُها إلى الإيمان بِرَسُول الله, ولِمَ لمْ يقُدْها ذكاؤُها إلى أنْ تُسارِعَ إلى الإسْلام؟ لماذا تلكَّأتْ؟ لعَلَّها مرتبطَة مع إنسانٍ عَدُوٍّ لِرَسول الله ‍.
الآن نستنبطُ اسْتِنْباطًا دقيقًا: إذا كنتُ في بيئةٍ، وفي مجتمَعٍ يُحارِبُ الدِّين، دون أن تشْعُر تنتَقِلُ إليك هذه العَدْوَة، أنتَ في بيئةٍ لا تُحِبُّ الدِّين، ولذلك مِثْلُ هذه البيئة لا ينبغي أن تبقى فيها، ولا ينبغي أن تُقيمَ معها علاقات، يجِبُ أن تكون في بيئةٍ تُحِبّ الله ورسولهُ، وهذا الذي يقوله الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة رقم الآية: 119]
اِبْحث مع هؤلاء الذين أنت معهم، مَعَ مَنْ تَجْلِس؟ ومعَ مَنْ تسْهر؟ ومع مَنْ تُخالط؟ ومع مَن تتنزَّهُ؟ ومع مَن تتحدَّث؟ ومعَ مَنْ تُحاوِر؟ مَن هوَ صديقُك؟ ومَن هو محِبُّك؟ وما هي العلاقة الحميمة التي تُقيمها معه؟ هذا شيءٌ خطيرٌ جدًّا .
والآن ثَبَتَ في عِلْم النَّفْس: أنَّ سِتِّين بالمئة مِنَ الأَثَرَ, يتَلَقَّاهُ الشاب عن أصْدِقائِهِ، والباقي عن أُمِّه، وعن أبيهِ, وأخْوَتِهِ, لذا قَضِيَّة الصَّداقة خطيرة جدًّا .
فالبيئة تَغْذِيَةٌ هادئة، أنت معَ أهْل الإيمان في تغْذِيَةٍ، مَوْقِفُهم، وحركتهم، وحياؤُهم، وخَجَلُهم، وعِفَّتُهم، صِدْقُهُم، أمانتهم، ومحبَّتُهم لله تعالى، هذه كلُّها تغْذِيَة بطيئة، مِن دون أن تشْعُر ترى أنَّك مُحِبٌّ لله تعالى، ولو جَلَسْت مع أهل الفِسْق والفُجور، تجِدُ تغْذِيةً بطيئة هادئة، تقول: حياتُهم أكثر راحةً مِن حياتنا, حياتهم من دون قُيود، انْشِراح، راحة، قَضِيَّة غضّ البصر نرتاح منها, وكيْفَمَا كان يقبض المال من حرام أو من حلال، ليس عندهم مُشكلة، وكلَّما جلسْتَ معهم اسْتَمْرأْتَ عملهم، إلى أنْ تُصْبِحَ مثلهم، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
قال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[سورة المجادلة الآية: 22]
لذلك أنا أُريد من هذا الدَّرْس: أن تُفكِّرَ مَلِيًّا في هذه العلاقة الحميمة, تُقيمها معَ مَنْ؟ مَنْ هَوِيَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهم، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا .
زارني صديقٌ مُقيمٌ في بلدٍ غَرْبي، شيءٌ غريب! كلّ حديثهُ عن هؤلاء؛ تاريخهم، حروبهم، فضائلهُم، وكأنَّهُ ليْسَ بِمُسْلِم, عاشَ معهم، وقَبلَ قِيَمَهُم، واسْتَمْرأ علاقتهم، أشاد بهم، وأثنى عليهم، مَنْ هَوِيَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهم، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا .
هذا الدَّرس مِحْورُهُ العلاقة الحميمة، أو العلاقة الحميمة مَعَ مَنْ؟ هل لك ولاءٌ مع المؤمنين أم ولاؤُكَ مع غيرهم؟ وهل لك براءٌ مِن المشركين, والمنافقين, وأعداء الدِّين, أم أنَّكَ تُحِبُّهم؟ .
النبي عليه الصلاة والسلام تمنَّى على الله داعِيًا، فقال:

((اللَّهُمَّ لا تجْعل لي خَيْرًا على يدي كافر أو منافق))
لأنَّ هذا الخَيْر الذي أجْراه الله على يدي الكافر أو المنافق, يَدْفعُكَ إلى مَحبَّتِهِ، وإذا أحْببْتَهُ, انتهَيْتَ تعاهَدْ قَلْبَكَ، هذا القلب يَلِينُ لِمَنْ؟ .
هند بنتُ عُتبَة وافِرَةُ العَقل، ولكِنَّها كانتْ مِن أشدِّ النِّساء عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ لماذا؟ لأنَّها مع قَوْمِها، وتعيشُ مع بيْئةٍ تُعادي النبي عليه الصلاة والسلام، وتُناصِبُ النبي العِداء، فلِذلك انتَقَلَ إليها العِداء معَ وَفْرةِ عَقْلها .
يؤكِّدُ هذا: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما الْتقى بِخَالدٍ بن الوليد رضي الله عنه، وقد أعْلَنَ إسْلامهُ، قال له:

((عَجِبْتُ لك يا خالد! أرى لكَ فِكْرًا))
كأنَّ الفِكْر عليه أن يقودكَ إلى الله عز وجل .
هِيَ أمُّ مُعاوِية بن أبي سفيان، الخليفة الأمويّ الأوَّل، أخبارها قبل الإسلام مشهورة, شَهِدَتْ أُحُدًا مع المشركين, وهي التي تآمَرَتْ مع هذا الحبَشِي لِقَتْل سيّدنا حمزة، وهي التي بقرَتْ بطْنهُ، وأخرجَت كبِدَهُ، ولاكَتْهُ بِأَسْنانها، وفعَلَتْ ما فعلَت بِحَمْزة, وكانتْ تُؤلِّبُ على المسلمين، إلى أن جاء الله بالفتح، فأسْلَمَ زوْجُها، وأسْلمَتْ هِيَ .
قال عبدُ الله بن الزبَيْر:

((لمَّا كان يوْمُ الفَتْح, أسْلَمَتْ هنْدُ بنْتُ عُتْبة، ونِساءٌ معها، فأَتْينَ النبي صلى اله عليه وسلّم, وهو بالأبْطَح، فَبايَعْنَهُ, فتكلَّمَتْ هنْدُ, قالَتْ له: يا رسول الله, -فرَحُ المؤمن بِهِداية كافر لا يُصوَّر، إنسانٌ ينتقل فجأةً مِن صفّ أعداء الدِّين إلى المؤمنين .
كنتُ في الحجّ قبل سنوات، وسَمِعتُ أنّ أمريكيًا أسْلمَ، وألْقى محاضرةً في الحج، قال: نحن أمَّةٌ قوِيَّة، بل نحن أقْوى الأمم، ولكنّنا بشرٌ، فإذا أقْنعْتُمونا بإسْلامكم, كانت قوَّتُنا لكم, كلامٌ دقيق جدًّا، نحن مقصرون .
لذا هذه المرأة الذكِيَّة العاقلة والخطيرة، هي الآن تُعْلنُ إسلامها- قالتْ: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظْهر الدِّين الذي اختارهُ لِنَفْسِهِ، لِتَنفعني رحمتكَ، يا محمد, إنَّني امرأة مؤمنة بالله تعالى، مُصدِّقةٌ برَسولِهِ، -وما عرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَن هِيَ؟- ثمّ قالتْ: أنا هند بنتُ عتبة, -المرأة المخيفة، صدِّقوا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فرِحَ بها فرحًا شديدًا، لذا عند النبي أو المؤمن لا يوجد الحقد، هناك حِقْدُ مَبدأ، فَحِينما ينظمّ هذا العدوّ إلى الدِّين, انتهى ذاك الحقد- .
فقال عليه الصلاة والسلام: مرْحبًا بِكِ, -هي التي قتَلَتْ عمَّهُ حمزة, لا حقْد، وصفاء المؤمن لا حدود له، وهو نبيّ هذه الأمَّة- قالتْ: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خِباءٍ أحبُّ إليَّ من أن يذِلُّوا مِن خِبائكَ, -أيْ أتمنَّى أن تذِلُّوا، وأن تُقْهروا- ولقد أصْبحتُ وما على الأرض أهْلُ خِباءٍ أحبّ إليّ أن يَعِزُّوا مِن خبائِكَ, -ما هذه النَّقمة؟ أيْ لا يوجد على وجْه الأرض جماعة, أتمنى إذْلالهم، وقهْرهم، وقتلهم، وتحطيمهم كَقَوْمِك، والآن ليس على وجه الأرض جماعة, أتمنى أن يعِزُّوا، وأن يرتفعوا مثل قوْمك، وهذه هي نقمة المؤمن، انتقل مئة وثمانون درجة- فقال عليه الصلاة والسلام: وزِيادة))

ما معنى وزِيادة؟ أيْ كما تقولين: وزيادة، وهذا حال الذي يعرف الله تعالى.
لذا إذا كان لك عدوّ لدود, دمَّركَ بالتِّجارة، أو دمَّرك بِطَريق آخر، وبعد حينٍ هذا العدو اللّدود, اصْطلحَ مع الله، وأحبَّهُ، إن لم تُحِبَّهُ, فلسْتَ مؤمنًا، وهذا هو الدِّين .
سيّدنا يوسف ماذا فعَلَ أخوتهُ به؟ وضَعُوهُ بالجُبّ لِيَموت، قال تعالى:

﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 92]
قال تعالى:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
لِمَ لمْ يذكر الجبّ؟ لمَّا جاؤوا مسلمين, انتهى الأمر، لك الإمكانية أن تنقلب عداوةً عميقة وحقْد إلى حبّ .
الشيء الذي لا يُصدَّق: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن شِدّة حبِّهِ للخَلْق، أنا أتصوَّر أنَّ أعلى رجل في العالم, يستطيعُ بِحُبِّه الغامر, أن يُحوِّل أعداءهُ الألدَّاء إلى أحباب .
هناك صفوان بن أُميّة، عُمَيْر بن وهب، أبو سفيان, اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء .
أمامة بن آثال, قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال:

((أطْلقوا سراحَهُ، غابَ, وعاد، وقد اغْتسَلَ، أعْلَنَ الشهادة، وأسْلمَ، وقال: والله يا رسول الله، ما كان على وَجه الأرض دينٌ أبغضَ إليّ من دينك، والآن ما على وجه الأرض دينٌ أحبّ إليّ من دينك))
وهناك قصص كثيرة جدًّا .
لمَّا أسْلمَت هند, جعلت تضربُ صنمًا في بيتها بالقُدُّوم، كان أوَّلُ عملها كَسْرُ هذا الصَّنَم، حتى فلَّذَتْهُ فلِذَةً فلذة؛ قطعةً قطعة، وهي تقول: كنَّا منك في غَرَر .
لقد رحمها الله تعالى يوم الفتح الأكبر, كما رحم زوْجها أبا سفيان, الذي ظلَّ طويلاً عَدُوًّا للإسلام، غير أنّ الإسلام دين الرحمة والهداية, فلْننْظر إلى آثاره يوم الفتح .
كان جميع أهل مكة تحت قبضة النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، ولولا أنّ الله تعالى, أرسَلَهُ رحمةً للعالمين, لجدَّ رؤوس أهل مكَّة جميعًا، لأنَّهم ما ادَّخروا وُسْعًا في الصدّ عن سبيل الله، وإطفاء نور الإسلام، ولكنَّهم لم يستطيعوا، وهذا هو الإسلام بِنُورهِ الحق، ورسوله الرحيم .
كانتْ هنْدُ مِن النِّسْوة الأربع اللاتي أهْدرَ النبي عليه الصلاة والسلام دَمَهنّ، ولكنَّهُ صلى الله عليه وسلّم صفح عنها، وعفا عنها، وعما كان منها, حينما جاءتْهُ مسلمةً مؤمنة .


هنيئاً لك هذه البيعة يا هند :
الآن تقفُ هند أمام رسول الله، عندما بايَعَ النِّساء آمنةً مطمئنَّةً، وتسْتوْضِحُهُ في أمور البيعة، ولا تخشى إلا الله تعالى .
روى الطبري: لمَّا فرغ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بَيْعة الرِّجال, بايَعَ النِّساء، واجْتمَعَ إليه نساءٌ من نساء قريش فيهنّ هند بنتُ عتبة، فلمَّا دَنَوْنَ منه لِيُبايِعْنهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((تُبايِعْنني على ألاّ تُشْركْن بالله شيئًا، قالتْ هنْدُ: والله إنَّك تأخذ علينا أمرًا لا تأخذه على الرّجال، وسَيُؤتيكَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: ولا تسْرِقْن، قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ، ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟.
-تَجِدُ المؤمن بعد توبته إلى الله تعالى، يُراجِعُ نفسهُ، ويُحاوِل تسديد كلّ الدّيون السابقة .
لي قريب له محلّ حلويات، قال لي: دخل شابّ, فوضَعَ ظرفًا على الطاولة، ورجع ‍، فتَحْتُهُ، فإذا مكتوب فيه، من عشرين سنة, دخلتُ هذا المحل، وأكلتُ قطعة حلوى، ولم أدفع, حاسبَ نفسهُ لِمُدَّة عشرين سنة، وهذا هو حال المؤمن دائمًا, يُراجعُ نفسهُ- .
قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ, -أيْ الدُّريْهمات- ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان -وكان شاهدًا معها-: أما ما أصبتِ فيما مضى, فأنت منه في حِلّ، عفوْنا عن الماضي، فقال عليه الصلاة والسلام: وإنَّك لَهِنْد بنتُ عتبة؟ فقالَتْ: أنا هند بنت عتبة، -أيْ زوجتهُ- فاعْفُ عما سلف, عفا الله عنك، -أيْ سامِحْها- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تزنين, فقالت: يا رسول الله, وهل تزْني الحُرَّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تقتلن أولادكنّ، فقالت هندُ: قد ربَّيناهم صِغارًا، وقتلْتَهم يومَ بدْرٍ كِبارًا، وهم أعْلم، فضَحِكَ عمر بن الخطَّاب مِن قولها, حتَّى اسْتغربَ! -أيْ بالغَ في الضَّحك- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تأتين بِبُهتانٍ تفْترينَهُ بين أيْديكنّ وأرجلكنّ، فقالت: والله إنَّ اتيان البُهْتانِ لَقَبيح، فقال صلى الله عليه وسلّم: ولا تعصين في معروف، فقالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعصيك في معروف، -وكلمة لا يَعْصينكَ في معروف دقيقة جدًّا، هل في الأرض كلّها إنسان تتوجَّب طاعتهُ كرسُول الله؟ يستحيل، ومع ذلك طاعتُهُ مُقيَّدَة بالمعروف .
فأحد الصحابة الذي أمَّره النبي عليه الصلاة والسلام على جماعةٍ، وكان هذا الصحابيّ ذا دُعابَةٍ، فقال:

((أبْرِموا نارًا عظيمة، فأبْرموها، ثمَّ قال: اقْتَحِموها, ألسْتُ أميركم؟ أليْسَتْ طاعتي طاعة رسول الله؟ فقال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: كيف نقْتحمها، وقد آمنَّا بالله فِرَارًا منها؟ وقال بعضهم: طاعته طاعة رسول الله, فاختلفوا، فعَرَضُوا هذا على النبي عليه الصلاة والسلام: والله لو اقْتحمْتموها لا زِلْتُم فيها إلى يوم القيامة، إنّما طاعة في معروف))
فالعَقْل لا يُعطَّل لو قال: ولا يعصينك في معروف؛ مقيّد، حتى النبي وهو سيّد الخلق .
مثلاً: كان يحبّ اليقطين، فلو أنّ أحدًا ما أحبّ اليقطين, هل هو مُؤاخذ؟ ليس مُؤاخذًا، لأنّ القضيّة شَخصيَّة، والمعصِيَة في معروف، النبي أمر أوامر تعبّديَّة، وأخرى تَشريعِيَّة، فأنت حينما تعصيهِ في أمر تشريعي, فهذه كبيرة جدًّا، أما في المزاج, فأنت لك مِزاج، وهو له مِزاج، ولا يعصينك في معروف، لذلك فرَّق العلماء بين الأمر التشريعي، والأمر التنظيمي، ومعصِيَة الأمر التشريعي غير معصِيَة الأمر التنظيمي، ولا يعصينك في معروف, قال تعالى:

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]
أما لو لبِسْتَ ثِيابًا غير ثياب رسول الله، وحلاقة شعرك غير حلاقة شعر رسول الله، وأكْلُكَ على الطاولة غير أكل النبي عليه الصلاة والسلام، هذه ليْسَت قضايا تشريعيَّة، نعمْ الأكمَل أن تُقلِّدَهُ في كلّ شيء، ولكن الأخطَر أن تعْصيهِ في قضايا تشريعيَّة- .
قالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعْصِيَك في معروف، فقال عليه الصلاة والسلام لِعُمَرَ: بايِعْهُنَّ، واسْتَغْفِر لهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان صلى الله عليه وسلَّم لا يُصافِحُ النِّساء، ولا يمسّ امرأةً لا ذات محرمٍ))

خاتمة القول :

أيها الأخوة، ما ذكرتُ هذا القصَّة؛ قِصَّة هند بنتُ عتبة, إلا لأبيِّنَ لكم عظمة هذا الدِّين، مِنْ أشدِّ حالات الكراهِيَّة، والحِقْد، والعداوةِ, حتَّى الجريمة، لاكَتْ كبِدَ حمزة، إلى أشدِّ حالات الولاء ، والحبّ، والتَّقدير، والتَّعظيم، وهذا هو الإسلام، الإسلام يجبّ ما قبلهُ، ويهْدمُ ما كان قبلهُ, والمسلم فتَحَ مع الله صفْحةً جديدة، لو جئتني بملْء السموات والأرض خطايا, غفرتها لك ولا أُبالي، قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
الآن التطبيق العملي: لو أنّ أحدًا معه ذنب، وهذا الذنب حِجابٌ بينه وبين الله، وخائفٌ أن لا يُغفَرَ له, فلْيذكر أنَّ الله غفر لامرأة, قتَلَت عمَّ النبي، ولاكَتْ كبدهُ بِأسنانها، ولم يعرف التاريخ الإسلامي امرأة أشدَّ حِقْدًا وعداوةً لرسول الله كمثل هذه المرأة, ومع ذلك أسْلمَت وحَسُنَ إسلامها، وقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: مرحبًا بك، وفرِحَ بها فرحًا شديدًا، فالإسلام لا يحوي الحِقْد والعداوة .
هناك روايات يجب أن تُرْكل بالقدم، فالذي يقول: أنّ هناك عداوَة بين خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب في الجاهليّة, لو كانوا كذلك لما كانوا صحابة، وهذه كلّها روايات مفْتَراة، وهي أن أحقادًا كانت بينهما، ولمَّا تولَّى عمر الخلافة، أوَّلُ عملٍ عملهُ؛ عزل سيّدنا خالد, وهذا كذبٌ وبهتان، والصحيح أنّ خالدًا رضي الله عنه, جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال له:

((يا أمير المؤمنين لمَ عَزَلْتني؟ فقال: والله إنِّي لأُحبُّكَ يا أبا سليمان، فقال: لِمَ عَزَلتني؟ فقال: والله إنِّي لأُحِبُّك, وقال مرَّةً ثالثة، فقال: يا ابن الوليد, ما عزلْتُكَ إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ بِكَثْرة ما أبْلَيْتَ في سبيل الله))
الناس عزَوْا النَّصْر لِخالد، وأصبحَ هناك شرْكٌ، فأراد عمر أن يُعَلِّم الناس درسًا لن ينْسَوْه، فعَزَلَ خالدًا رضي الله عنه، وبقِيَ النَّصر مُسْتمرًّا, فمن الذي ينصُر؟ هو ربُّ خالد، قال له :
((يا ابن الوليد, ما عزلْتُكَ إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ بِكَثْرة ما أبْلَيْتَ في سبيل الله))
لذلك هذه القصَّة؛ قصَّة هند بنت عتبة, قصَّة مؤثِّرة, تعني أنَّه لا حِقْد ولا عداوة مستمرَّة في الإسلام، وحينما يؤمن الرجل, انتهى كلّ شيءٍ مضى، وطُوِيَ مِلَفُّه السابق، وفُتِحَ له مِلَفٌّ جديد بعد الاصطلاح مع الله تعالى، فإذا كان هناك أشخاص لاكوا كبد عم النبي، وقتلوه، وقد عفا الله عنهم، فإذا كان الواحد له ذنبٌ, وجاهليّة، وتاب إلى الله توبةً نصوحًا, يجب أن يتفاءل، وهو أنَّ الله تعالى لن يُضَيِّعَهُ .

والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 07:09 AM   #3
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي




السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم- الدرس ( 3 - 4 ) : السيدة صفية عمة النبي عليه الصلاة والسلام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-31

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
مقدمة عامة :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والثلاثين من سير الصحابيات الجليلات، ومع أهل بيت النبي عليه الصلاة و السلام، ومع عمَّته عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، السيدة صفية، وهي صفيةُ بنت عبد المطَّلب بن هاشم القرشية الهاشمية، شقيقة حمزة بن عبد المطَّلب .
أيها الأخوة, من حين لآخر, أجد نفسي مضطراً أن أضع أيديكم على قيمة السيرة، الله جلَّ جلاله بعث الأنبياء بالهدى ودين الحق، ولكن النبي والرسول مهمته أكبر بكثير من مهمة التبليغ، لأن المهمة الكبرى هي القدوة، فحينما يستمع الإنسان إلى فكرة، ولا يراها مطبَّقةً, فلا قيمة لها، ولا تلفت نظرَه، ولا تستجلب انتباهه، إلا إذا كانت هذه الفكرة واقعة، فلذلك كان الأنبياء من بني البشر، والأنبياءُ تجري عليهم كلُّ خصائص البشر، من هنا كانوا سادةَ البشر، من هنا اصطفاهم الله عزوجل، ليكونوا أنبياءه ورسله إلى العالمين، فالإنسان حينما يرى الحقَّ مطبَّقا، حينما يرى المثلَ العليا واقعا يُشدُّ إليها، أما لو استمعت إلى كلمة حول خلق معيَّن، ولم تعِش هذا الخُلقَ، ولم تره مجسَّدا في إنسان, فإنك لن تلتفت إليه، ولن تلقيَ بالاً إليه .
من هنا كانت السيرةُ هي الإسلام المطبَّق، الإسلام فيه منطلقات نظرية، وفيه منطلقات عملية، المنطلقات النظرية مثلا، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 21]
أي أمر الله هو النافذ، وقال تعالى:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
وقال تعالى:
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
[سورة البروج الآية: 16]

لكن تأتي قصةُ سيدنا يوسف، وهي أطول قصة في القرآن الكريم, من أجل أن تجسِّد هذه الحقيقة، فهناك كما يقول الأدباءُ: تعبير مباشر, مركَّز, مكثَّف، وتعبير غير مباشر يعتمد على التصوير، ويعتمد على القصة، ويعتمد على الحوار، فربُّنا عز وجل قال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[سورة يوسف الآية: 111]

القصة هي حقيقة مع البرهان عليها، فسيدنا يوسف أراد أخوته به كيدا، ولكن الله نجَّاه من الجُبِّ, ومن السجن، وجعله عزيزاً، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 21]

يبدو أن تأثير القصة؛ لما فيها من الشخصيات، وحوادث، وحوار، ووصف، وسرد, أبلغُ في النفس من تأثير الحقيقة المجرَّدة، بل إن الإنسان كلما ارتقى, يتأثَّر بالتعبير المباشر, المركَّز, المكثَّف، لكن الخطَّ العريض في المجتمع، وأغلب الناس يتفاعلون مع القصة، لذلك اعتمد القرآنُ الكريم القصَّةَ، فالقصة فيها مغزًى، وفيها فكرة موجزة عبَّرت عنها، فالذي قرأ القصة، ولم يقرأ موعظتها أو مغزاها كأن لم يقرأها، كلمة (عبرة) أنك تعبر من شيء إلى شيء، فحينما تحدَّثنا عن شمائل النبي، وعن سيرته النبي عليه الصلاة و السلام، وعن سير الصحابة الكرام, كان الهدف أن ترى إسلاما مطبَّقا، الإسلام النظري في القرآن الكريم، وفي السنة المطهَّرة، والإسلام العملي المطبَّق في السيرة، وفي سير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، والإنسان لا يصدَّق فكرةً مجرَّدة دون أن يراها مطبقَّة، فإذا طُبِّقت أمامه اندفع إليها، فلذلك أخطر ما يصيب المجتمع الإسلامي أن يفتقد القدوة، كتبٌ، وبحوث، ومجلدات، ودروس، وأشرطة، لكن ينبغي أن يرى المدعو إنسانًا, تتجسَد فيه قيمُ الإسلام، هنا المنطلق من تدريس السيرة، أنت ترى أن هؤلاء الصحابة عاشوا الإسلام، وكنت أقول دائما: إن هناك فرقا كبيرا بين أن تدرك المعنى، وبين أن تعيش المعنى، أضرب على هذا مثلا، حينما تقول:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]

المعنى واضح، وربما لا يحتاج إلى شرح، لكن لمجرَّد أنك مسلم, مستقيم, مؤمن, ولك دخل محدود, ورأيت صديقا لك من أيام الدراسة, قد أصبح غنيًّا كبيرا، وعاش في بحبوحة كبيرة, وسكن أجملَ بيت, وركب أجمل مركبة، وهو لا يعرف اللهَ أبدا, ولا يستقيم على أمره، لمجرَّد أن تقول: هنيئا له على هذه الحياة الناعمة, فأنت لم تعِش هذه الآية, قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]

من أوتيَ القرآن, فرأى أن أحدا أوتي خيرا منه, فقد حقَّر ما عظَّمه اللهُ تعالى، لذلك درس السيرة مهمٌّ جدا، لأنه يعطيكم الحقيقةَ مع البرهان عليها، والإنسان لا ينطلق إلا إذا رأى واقعا يجسِّد قيمة، فهذا المجتمع الفاضل مجتمع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، وقد أكَّد هذه الحقيقة النبيُّ عليه الصلاة و السلام، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم,َ قَالَ:
((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ, تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ, قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
فعهدُ النبي وعهد الصحابة والتابعين هي العهود المثالية التي مرَّت بها البشريةُ .
أيها الأخوة، أنت كأبٍ وكمعلِّم, ينبغي أن تعتمد القصة، لأنها من أنجح الوسائل الفعَّالة في ترسيخ القيم الأخلاقية، لذلك يمكن أن تجلس بين مجموعة من الناس، وتحدِّثهم عن قصص واقعية واضحة المغزى، فهذا درس في التعليم لا يقلُّ أبدا عن درس نظري .

لمحة عن سيرة صفية بنت عبد المطلب :
هذه صفيَّةُ عمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانت في الجاهلية زوجةَ الحارث بن حرب بن أمية أخي أبي سفيان، مات عنها, فتزوَّجها العوَّامُ بن خُويلد، فولدت له الزبير والسائب، وقد شهدا بدرا والخندقَ وغيرهما، واستشهدا باليمامة، أسلمت صفيةُ قديما .
وبالمناسبة: السابق في الإسلام له فضله، والإسلام مرَّ بمراحل صعبة جدا، قاومه المشركون، وقاومه الكفار، ضيَّقوا على الصحابة الكرام، وقاطعوهم، نالوهم بالأذى، ونكَّلوا بهم، والإنسان أن يسلم في هذا الظرف الصعب, فله أجر كبير، أما حينما انتصر الإسلامُ، ودخل الناسُ في دين الله أفواجا، صار الإسلامُ مغنما بعد أن كان مغرما، فكلُّه عند الله بحساب، أنت حينما تسلم في زمن يُحارب فيه الإسلام في بعض الأزمان, حينما تسلم يعلو شأنُك، وتُتاح لك فرصٌ ذهبية، وأحيانا حينما تسلم، وتلتزم, تشعر بحرج شديد، كلُّ حالة لها أجرها، الحساب عند الله دقيق جدا، ليسوا سواء؛ من قبل الفتح كالذي آمن بعد الفتح, هناك بونٌ شاسع بينهما .
فصفية رضي الله عنها, أسلمت قديما، وهاجرت إلى المدينة المنورة، كانت قد بايعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، عاشت كثيرا، وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين، ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة، وهي أول مسلمة قتلت يهوديا، وكانت قد قاتلت يوم أحد رضي الله عنها وأرضاها .
أيها الأخوة, من علامة نضجك: أن تعتقد، وأن ترى, أن المرأة لا تقلُّ عن الرجل، مساوية له تماما، مكلّفة كما هو مكلَّف، مشرَّفة كما هو مشرَّف، تسعد بربها كما يسعد بربه، وإذا قال الله تعالى:

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
[سورة آل عمران الآية: 36]
بمعنى أن لكلٍّ من الطرفين خصائص هي في حقِّه كمالٌ، أما المرأة فهي مشرَّفة، ومكرَّمة، ومساوية للرجل، ولها خصائص تمتاز بها، هي كمال في حق مهمَّتها .
إليكم هذه الصفقة الرابحة التي بايعت بها صفية رسول الله :

أيها الأخوة, لقد بايع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم النساءُ الصحابيات، بايع الصحابيات رسول الله، وقد نقول: يبايع رسولُ الله النساءَ الصحابيات رضوان الله تعالى عليهن، وبايع النبيُّ عليه الصلاة والسلام عمَّته صفيةَ بنت عبد المطلب رضي اللهُ عنها، فكان لبيعتها أثرٌ بارز في حياتها، من طاعة الله تعالى, وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الزوج بالمعروف، وبالحفاظ على النفس، والشرف، والأمانة، وإخلاص في القول, والعمل لله تعالى, المؤمن الصادق باع نفسَه لله، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
والمؤمن الصادق بايع اللهَ عزوجل بأن له الجنة، وبعد أن بايع اللهَ عزوجل, لا يحقُّ له أن يسأل: لِمَ فعل اللهُ معي هكذا؟ المؤمن صدَق ما عاهد اللهَ عليه، وباع نفسَه لله عز وجل، فهو يجعل كلَّ طاقاته وإمكاناته في سبيل الله .
وقفتْ هذه الصحابية الجليلة عمة النبي صلى الله عليه وسلم مواقفَ مشرِّفة، حفظها لها التاريخ، والإنسان يصبح كلمة، إما إنه مشرَّف في التاريخ، أو أنه محتقر، هناك في التاريخ أبطال ، وهناك طغاة، وهناك محسنون، وهناك مسيئون، والإنسان بعدما ينتهي أجلُه, يبقى ذكرا، إما أنه ذكرٌ حسن، وإما أنه ذكر سيء، ونحن الآن في الحياة، والخيارات أمامنا واسعة جدا، لكن بعد أن ينتهيَ الأجلُ, يصبح الخيارُ محدَّدا، فو الذي نفس محمد بيده, ما بعد الدنيا من دار, إلا الجنة أو النار .
مرَّ معي بعضُ الأحاديث الشريفة: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام مرَّ مع أصحابه بقبر، فقال عليه الصلاة و السلام:

((صاحبُ هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفُّلكم أحوج إليهما من كل دنياكم))
أنت الآن ترى الدنيا عظيمة، مؤسسات، شركات أرباح، بيوت، مركبات، نساء، لكن حينما يصبح الإنسان تحت أطباق الثرى، الشيء العظيم ركعتان، الشيء العظيم تلاوة القرآن، الشيء العظيم عمل صالح، الشيء العظيم إنفاق المال، والذي يقوله الإنسان الشارد:
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الفجر الآية: 24-25]

والحقيقة: من هو العاقل؟ هو الذي لا يندم، ومن الذي يندم؟ هو الذي ارتكب خطأ فاحشا ، وخطأ مدمِّرا، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[سورة الزمر الآية: 15]
إنّ أشدَّ أنواع الخسارة, أن تخسر الآخرة، وأشدَّ أنواع الخسارة, أن تخسر نفسك التي خلقها اللهُ للجنة، فأوصلتها إلى النار، وأشدَّ أنواع الخسارة, أن تأتيَ اللهَ يوم القيامة مفلِسا، ليس لك عمل صالح، وإنّ أشدَّ أنواع الربح, أن تكون في طاعة الله .
مرة سمعتُ رجلاً, يلقي كلمةً في عقد قران، شعرتُ شعورا لا يوصف، الكلمة معروفة، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ, فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ, وَشُكْرِكَ, وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
قلت: ما من مرتبة ينالها الإنسانُ أعظم من أن يحبَّه اللهُ، ويحبه رسولُه، وطريقة محبة الله بين أيديكم، طريق مفتوح الأبواب، طريق سالك، وآمن، وسريع، وقصير، لمجرَّد أن تصطلح مع الله، وأن تعقد العزمَ على طاعته, أحبَّك اللهُ، وإذا أحبَّك اللهُ, أحبَّك كلُّ شيء:
يُنادَى له في الكون أنا نحبُّه فيسمع مَن في الكون أمرَ محبِّنا
وإذا أحبك اللهُ, ما فاتك من الدنيا شيءٌ، لذلك أكبر عقاب, يعاقب به الإنسان، قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
أن يحجبك اللهُ عنه، هذا أكبر عقاب، فالسيدة صفية عمَّة النبي عليه الصلاة و السلام، عاشت عمرا، وانتهى العمرُ، الآن بقيت ذكراً، بقيت كلمة طيِّبة عنها، وعملها محفوظ عند الله عز وجل .
قلت مرة كلمة: هناك امرأةٌ قُلامة ظفرها, تساوي ألف رجل، وأنت كمؤمن إذا أخلصتَ لله عز وجل، وأقبلتَ عليه، واصطلحتَ معه، وأطعته، وخدمت عباده, أحبَّك اللهُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ, يَكْرَهُ الْمَوْتَ, وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]

وقفت هذه الصحابية الجليلة عمةُ النبي عليه الصلاة والسلام مواقفَ مشرِّفة حفظها لها التاريخ، كانت انطلاقا من تلك البيعة الصادقة، وبيعة النساء, جاء الخطابُ الإلهي بخصوصها، فقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]

أيها الأخوة, أثبت بيعةَ صفية للنبي عليه الصلاة و السلام ابنُ سعدٍ, فقال:
((أسلمتْ صفيةُ، وبايعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولما جاءت النسوةُ لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كنَّ متلفِّفاتٍ بمرُطِهنَّ بين المغرب والعشاء، فسلَّمن، وانتسبنَ، -أي عرَّفت كلُّ امرأة بنسبها- فرحَّب بهن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: ما حاجتُكنَّ؟ فقلن: يا رسول الله, جئنا نبايعك على الإسلام، فإنا قد صدَّقنا بكَ، وشهدنا أن ما جئت به حق))
فعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا نَسْرِقَ, وَلَا نَزْنِيَ, وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا, وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ, قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ, قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا, هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ, إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ, أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))
[أخرجه النسائي في سننه]

إني لا أصافح النساء، هذه الوقاية، والوقاية خيرٌ من قنطار علاج، إني لا أصافح النساءَ ، قولي لألف امرأة, قولي لامرأة واحدة، وهذا من صفات المؤمن، المصافحة ملامسة، والملامسة لها مضاعفات, لا تُحمَد عقباها، والمؤمن طاهر، وعفيف، والمؤمن يسدُّ مسربين للشيطان, فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ, وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا, فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا, وَاتَّقُوا النِّسَاءَ, فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))
[أخرجه مسلم في سننه]

أحيانا أقول لبعض الأخوة: هناك إنسان يُؤخذ بامرأة، وإنسان يؤخذ بالمال، والمالُ والنساء نقطتا ضعف في شخصية الإنسان، فالمؤمن سدَّ هاتين النقطتين، فهو محصَّن من هاتين النقطتين، لا يخفض رأسَه ذلاًّ، ولكن الذي ضعُف أمام المرأة، ثم اعترف بفعله الفاحشة معها على مستوى العالم كله, صار في الوحل، أليس كذلك؟ امرأة أذلَّته، وجعلته في الوحل، لأنه ضعف أمامها, فسقط من عين الخلق، ومن عين أقرب الناس إليه، والدعاء الشهير، دعاء النبي سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام:
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]

فالإنسان لا يقُل: أنا شخصيتي قويَّة، وأنا لا أتأثَّر، أنا إرادتي قوية، هذا كلام فارغ، الإنسان كما قال الله عز وجل:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 14]

واللهُ سبحانه وتعالى وضع في كيان الرجل حبَّ المرأة، لذلك هناك تنظيمات في الإسلام دقيقة جدا، هذا الميل منظَّم بقناة نظيفة، الشهوات سُلَّمٌ نرقى به إلى ربِّ الأرض والسموات، إذا سارت في قنواتها النظيفة، وكلُّ شهوة أودعها الله في الإنسان, لها قناة نظيفة تسري خلالها، وقد قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة القصص الآية: 50]

المعنى المخالف أن الذي يتَّبع هواه وفقَ هدى الله عزوجل, فلا شيء عليه، وفق هدى الله ، في القناة النظيفة التي سمح اللهُ بها، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]

عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا نَسْرِقَ, وَلَا نَزْنِيَ, وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا, وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ, قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا, هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ, إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ, أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))
[أخرجه النسائي في سننه]

لذلك هناك نقطة مهمة جدا في الموضوع، أكثر الآيات التي نهت عن الزنا, جاءت على هذه الصيغة:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 32]

معنى ذلك: أنه لا بدَّ أن تدعَ بينك وبين هذه المعصية الكبيرة هامشَ أمان، وهامش الأمان ألاّ تخلوَ بامرأة، هامش الأمان ألاّ تملأ عينيك من محاسنها، وهامش الأمان ألاّ تصحب إنسانا منحرفا، وهامش الأمان ألاّ تقرأ أدبا إباحياً، وهامش الأمان ألاّ تتابع عملا فنِّيا مثيرا، هذه كلها هوامش أمان، قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 32]

يبدو أن الزنا يشبه صخرة متمركزةً في قمَّة جبل، مستقرة في مكانها، فإذا دفعتها من مكانها قليلا، لن تستقرَّ إلا في قعر الوادي، حينما تخرق هذا الهامش؛ هامش الأمان, ففي الأعمِّ الأغلب لن تستقرَّ هذه الصخرة التي هي الشهوة إلا في قعر الوادي، قال تعالى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
وكنتُ ضربتُ على ذلك مثلا في الكهرباء: تيار كهربائي ثمانمائة فولت، لنقلِ الطاقة من مكان إلى مكان، هذا التيار فيه قوةُ جذب، فأيّ إنسان يقف أمامه على بعد ستة أمتار يجذبه، ويصبح فحمة سوداء، وزير الكهرباء إن أراد أن يحذِّر الناسَ من هذا التيار يكتب لوحةً: ممنوع مسُّ التيار, أو يكتب: ممنوع الاقتراب من التيار، لو كتب: ممنوع المس، لم يكن للإعلان قيمة إطلاقا، يحترق هذا الذي اقترب، يبدو أن هناك معاصي فيها قوّة جذب كبيرة جدا، من أجل أن تنجو من هذه المعصية, يجب أن تبتعد عنها، ويجب أن تدعَ بينك وبينها هامش أمان، لذلك الشريف من هو؟ الذي يهرب من أسباب الخطيئة .
بايع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأنصارَ، وأخذ عليهم, ألاّ يغششن أزواجهن، وأخذ رسول الله على النساء في بيعتهن, ألاّ يشققن جيبا، ولا يدَّعين ويلا، ولا يخمشن، ولا يقُلن هجرا، هذه المرأة التي تولول، وتشقُّ جيبها، وتلطم وجهها، وتشدُّ شعرها، وتصرخ بويلها، هذه ليس مؤمنة، وهذه التي تغشُّ زوجها، تكذب عليه، أيضا أخذ عليهن العهدَ ألاّ يفعلن هذا .

ماذا نستنبط من أحكام من موقفها يوم البيعة ؟
أيها الأخوة، هناك استنباطات طيِّبة من موقف السيدة صفية رضي الله عنها عمة النبي صلى الله عليه و سلم:
أوَّلا: اشتراكُ المرأة مع الرسول على أساس المساواة التامة في جميع المسؤوليات الدينية التي ينبغي أن ينهض بها المسلم، والمرأة مكلَّفة أن ترعى زوجها، وأولادها، وأن تقيم فرائضها، وأن ترسِّخ دعائم الإسلام في بيتها، كما أن الرجل مكلَّف تماما .
وشيء آخر: كيف كانت بيعةُ النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟ إنما كانت بالكلام فقط، من غير ملامسة، وذلك على خلاف بيعة الرجال، فدلَّ ذلك أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة المرأة الأجنبية عنه، وليس من الضرورة شيوع العرف بمصافحة النساء، هذا ليس ضرورة، أي أن شيوع العرف بمصافحة النساء كما يتوهَّم بعضُ الناس لا يجعل هذا الشيءَ مشروعا، فالعرف ليس له سلطان في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب أو السنة، معصية شاعت بين الناس, لا تقُل: عموم بلوى، المعصية معصية، لا يقلِّل من قيمتها, أنها شاعت بين الناس، والإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، ومن علامة الإيمان الصادق: أن يشعر المؤمن بغربة في آخر الزمان، كل من حوله يصافح، والمرأة تمدُّ يدها لتصافح .
سمعت عن امرأة, زارت بلدَنا, وزيرة دولة غربية، فكان في استقبالها كبارُ موظَّفي الوزارة، أحدُ هؤلاء الموظَّفين لم يصافحها، هناك من انزعج منه جدًّا، ماذا كان لو صافحها؟ هذه الزائرة الضيفة الوزيرة, سألت: هذا الذي لم يصافحني, لِمَ لَم يصافحني؟ أريد أن أراه، قيل لها: اعتذر عن المجيء, قالت: أنا أريد أن أراه، فلما التقت به, قالت له: لِم لَمْ تصافحني؟ قال: لأنني مسلم، وفي ديننا لا يجوز مصافحةُ المرأة الأجنبية، وأنتِ امرأة أجنبية، فماذا كان جوابُها؟ قالت: لو أن المسلمين أمثالك, لكنا تحت حكمكم .
المسلم يجب أن يعتزَّ بإسلامه، وأن يعتزَّ بدينه، وأن يعتزَّ بشرعه، فبيعة النساء ليس فيها ملامسة إطلاقا، كلام، إذًا: لا يجوز ملامسة الرجل بشرة المرأة الأجنبية، وليس من الضرورة شيوعُ العرف بمصافحة النساء، كما يتوهَّم بعضُ الناس، فليس للعرف سلطانٌ في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، إلا إذا كان الحكمُ الشرعي قام على عرف سابق، والشرع أقرَّه على ذلك، والعرف مع وجود نص لا قيمة له إطلاقا، وشيوع المعصية لا يجعلها طاعة، شيوع المعصية لا يجعلها مباحة، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول:

((إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
لكن من هذه البيعة, دلَّ أنه مباح, أن تسمع كلام المرأة الأجنبية, إذا كان كلاما جادًّا، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
إذا كان الكلام جادًّا, قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]

أخواننا الكرام, المؤمن عفيف جدًّا، ألم يقل سيدُنا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
((أَيُّهَا الْمَلِكُ, كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ, نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ, وَنُسِيءُ الْجِوَارَ, يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ, فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ, حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا, نَعْرِفُ نَسَبَهُ, وَصِدْقَهُ, وَأَمَانَتَهُ, وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ, وَنَعْبُدَهُ, وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ, وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ, وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ, وَصِلَةِ الرَّحِمِ, وَحُسْنِ الْجِوَار,ِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ, وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ, وَقَوْلِ الزُّور,ِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ, وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ, وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ, لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ, وَالزَّكَاةِ, وَالصِّيَامِ, قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَام))
[أخرجه أحمد في سننه]

هذه أركان الأخلاق: صدق، وأمانة، وعفاف، صدق في الأقوال، وأمانة في الأفعال، وعفَّة عن النساء، الصفة الصارخة للمؤمن عفَّته عن النساء، غضُّ بصره، ولا يدير حديثا ممتعا مع امرأة لا تحلُّ له، أكثر الناس إذا كانت هناك امرأة في المجلس, يحسِّن كلامه كثيرا، ويستجمع الطُّرف كي يضحكها، وكي يتأمَّل ضحكها، هذا الذي يدير حديثا ليضحك امرأة، ويستجلب قلبَها, خرج عن العفَّة، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
أيضا الرجل لا ينبغي أن يقول كلاما, يلفت نظر المرأة إليه، هذا لا يجوز، أما:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
المرأة مودَتها لمن؟ لزوجها، لأولادها، ولأخوتها، وأخواتها، لأمها، وأبيها، العبارات الحارَّة الحميمة هذه لمحارمها، ولا سيما لزوجها في الدرجة الأولى، أما أن تخضع المرأةُ بالقول لأجنبيّ، فقد خرجت عن قواعد العفة، أما أن ينمِّق الرجل حديثَه أمام امرأة, ليلفت نظرها إليه, فقد خرج عن قواعد العفة، فضبطُ اللسان أحد أركان الاستقامة، لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانُه .
فقد دلَّت أحاديث البيعة التي ذكرناها على أن كلام الأجنبية يباح سماعُه إذا كان جادًّا، وأن صوتها ليس بعورة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، والآية واضحة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]

وقد كان النبيّ عليه الصلاة والسلام قدوةً لنا، أنت تحبُّ ألاّ تتميَّز أبدا، ما يفعله الناسُ تفعله، طيب أين إسلامُك؟ أحد الذي يميِّزك عن بقية الناس, أنك لا تصافح النساء، لا تستحِ، ولا تقل: متوضَّئ، لماذا متوضئ؟
((إني لا أصافح النساء))
[أخرجه النسائي في سننه]
قل لها: إني لا أصافح النساء، ودائما أظهِر إسلامك عزيزا، هناك أشخاصُ يُضطرُّون أن يجلسوا على مائدة فيها مشروب محرَّم، يقول لك: أنا معي قرحة، قل: أنا لا أشرب هذا، أنا مسلم، أظهر دينك، أعزَّ دين الله, يعزَّك اللهُ عز وجل .
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 07:10 AM   #4
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم- السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب- الدرس 1-4: سيرة السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-17

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
لمحة مختصرة عن سيرة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثلاثين من دروس سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عنهن أجمعين، ومع أهل بيت النبي، ومع أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، زوجة الفاروق عمر بن الخطاب .
هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، شقيقة الحسن والحسين، ولدت في حدود سنة ستٍ من الهجرة، رأت النبي صلى الله عليه وسلم جدها، ولم ترو عنه شيئاً، تزوَّجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك سنة سبع عشرة، وكان سبب زواج عمر منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي))
أي سبب زواج هذا الخليفة الراشد هذا الحديث، مع أن فارق السن بينهما كبير، ألح هذا الخليفة الراشد أن يتزوَّج هذه الفتاة التي هي من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إليكم قصة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بالتفصيل :

قصة هذا الزواج هي كما يلي: إن عمر بن الخطاب خطب إلى عليٍ ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل لعمرٍ: ((إن ردَّك فعاوده, -أي بإلحاح- ثم خطبها إلى أبيها علي بن أبي طالب فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: زوِّجْنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، هي عندي مكرمةٌ أشد التكريم، فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوَّجْتكها، فبعثها إليه ببردٍ، فقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك، فقالت ذلك لعمر، فقال عمر: قولي له قد رضيت، رضي الله عنه))
فقصة هذا الزواج قصة اكتساب الشرف، اكتساب السبب، سبب الاتصال بالله عز وجل لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((كل سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يوم القيامة إلا سببي ونسبي))
.
أيها الأخوة, العلماء قالوا:

((جلس عمر إلى المهاجرين في الروضة، وكان يجلس المهاجرون الأولون في روضة مسجد رسول الله, فقال: رفؤني، -العرب كانت تقول للمتزوج: بالرفاء والبنين، العوام يقولون: بالرفاه، هي بالرفاء، والرفاء الوفاق، بالوفاق الزوجي والبنين، وأثمن ما في الزواج الوفاق والبنون- فقال: رفؤني، فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كل سببٍ ونسبٍ وصهرٍ ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري))
وكان لي به عليه الصلاة والسلام النسب والسبب، فأردت أن أجمع إليه الصهر، فرفؤني ، -أي عد هذه مغنماً كبيراً، أنه اتصل نسبه، أو تزوج بنتَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أصبح صهر رسول الله- .
قالوا: تزوجها على مهر أربعين ألفاً، فولدت له زيد بن عمر الأكبر ورقية))

.

ماذا استنبط العلماء من هذه الواقعة ؟
في هذا الخبر كما قال العلماء أحكام عدة، مِن هذه الأحكام: أن يصح زواج الكبير بالصغيرة شرعاً، وأن ذلك حصل بمشهد جمعٍ غفير من كبار المهاجرين، وعلى مسمع الأنصار أيضاً، وأنهم قد أقروه على ذلك، وهذا إجماعٌ منهم على جوازه، وأنه يندب تعدد الزوجات لزيادة الشرف, تعدد الزوجات من هؤلاء الصحابيات الكاملات المتصلات بالنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن يزاد في مهر الصغيرة أضعاف مهر الكبيرة، وأنه يندب إعلام الأصحاب لذلك للدعاء والتبريك، وأنه يجوز للأب أن يزوِّج ابنته الصغيرة، وأن سكوت الصغيرة كسكوت البالغة في اعتبار الرضا به، وأنه يجوز إبرام عقد الزواج بالصورة التي تم فيها بشرط إسماع الشهود على ذلك، كل هذه الأحكام مستنبطة من هذه الواقعة .
الحياة الكريمة التي نالتها أم كلثوم عند زوجها :
أيها الأخوة, حظيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منزلةً عاليةً مرموقة، فلو كان هناك تناقضٌ كبير كما يتوهم الآخرون بين سيدنا علي وسيدنا عمر، لما أمكن أن يتم هذا الزواج، هذا استنباطٌ مهمٌ جداً, بل إن سيدنا علياً كرم الله وجهه سمى أولاده بأسماء الصحابة الكرام؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان .
فسيدنا علي سمى أولاده بأسماء الصحابة الكبار، وهؤلاء الصحابة الكبار تشرفوا بالزواج من بنات سيدنا علي، فبينهما من الود، والاحترام، والحب، والولاء، والبيعة مالا ينكر .
فقد حظيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منزلةً عاليةً مرموقة، فكان ينظر إليها بعين الإجلال والإكرام، فعاشت عنده حياةً طيبةً مباركة، فقد كان يسعى لإسعادها بما يحقق طموح فتوَّتها، وتفتُّح شبابها، وهو البصير بقضايا النساء، فكان رضي الله عنه يرقب نفسه وما يراه واجباً للمرأة على زوجها .
إليكم بعض هذه القضايا التي عالجها عمر بن الخطاب بشأن النساء :

ولقد أُثر عنه وهو خليفة المسلمين بحكمته البالغة دقة معالجته لقضايا الفتيات المتزوجات اللواتي يشتكين من أمورٍ تخصُّ حياتهن الزوجية، فمن ذلك أنه كان يقول لأولياء أمور النساء: ((لا تنكحوا المرأة الرجل الذميم القبيح، فإنهن يحببن لأنفسهم ما تحبون لأنفسكم))
فكما أن الشاب يتمنى فتاة تملأ عينه، كذلك الفتاة تتمنى زوجاً يملأ عينيها، لذلك لا يُبرم عقد الزواج إلا بموافقة الزوجة، فإن قالت: لا، فالعقد باطل، وكلكم يرى في عقود القران، كيف أن موظف المحكمة يذهب ويستمع بأذنه إلى إقرار الفتاة، وهذا حقٌ من حقوق المرأة؟ .
وكان بعض الصحابة يقول:
((إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين امرأتي لي))
وهذا من حقها، فكلام سيدنا عمر:
((لا تنكحوا المرأة الرجل الذميم القبيح، فإنهن يحببن لأنفسهم ما تحبون لأنفسكم))
أي يا أيها الآباء لا تتجاهلوا رأي بناتكم في هذا الخاطب الذي أنتم تريدون أن تجبروا فتياتكم عليه، فسيدنا عمر لحكمةٍ بالغة, كان يخشى على المرأة, حينما تكره زوجها كراهيةً, تجعلها لا تطيق قربه، أن تدفعها هذه الكراهية، وعدم إمكان الحصول على الطلاق إلى الشيء الذي لا يرضي الله عز وجل، والآية الكريمة والتي فيها بعض الحيرة:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾
[سورة النور الآية: 33]

ما مؤمنٍ على وجه الأرض يكره ابنته على الزنا، إلا أن الأب الذي يُعضل ابنته، ويضع العراقيل تلو العراقيل أمام زواجها، أو يضع شروطاً تعجيزية لزواجها، مثل هذا الأب قد يفاجأ إلى أن ابنته, مالت إلى عدم طاعته، أو إلى الانحراف, فكأنه دفعها إلى هذا من دون أن يريد, ومن دون أن يشعر .
يروى أنه رضي الله عنه, كان يطوف بالبيت، فسمع امرأةً, تنشد في الطواف: فمنهن من تسقى بـعذبٍ مبرَّدٍ لقاح فتـلكم عند ذلك قرتي
ومنهن من تسقى بأخضر آجنٍ أجازٍ ولولا خشية الله زنت
فتفرَّس عمر ما تشكوه هذه المرأة، فبعث إلى زوجها فاستنكهه، فإذا هو أبخر الفم, أي عرف السبب, فإنسان دميم له رائحة كريهة، هذا قد يؤذي زوجته، وقد يدفعها إلى أن تفكر بغيره، فلا بد أن يأخذ الإنسان السنة النبوية، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[سورة البقرة الآية: 228]
فكما أنك من حقك أن تطلب من زوجتك شيئاً، هي أيضاً من حقها أن تطلب منك شيئاً .
ومن أشهر ما يؤثر عن عمر رضي الله عنه في تفهُّمه قضايا المرأة، وبالأخص ما يتعلَّق برغباتها، التي فطر الله تعالى النساء عليها، ما روي من أنه كان يطوف ليلةً بالمدينة متفقداً رعيته ، فسمع امرأةً تقول:
فو الله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخـافة ربي والحيـاء يكُفُّني وإكرام بعلي أن تنـال مراكبه
يبدو أن زوجها ابتعد عنها كثيراً، وهي في أشد الحاجة إليه، فلما كان من الغد، استدعاها عمر وسألها:
((أين زوجكِ؟ قالت: بعثت به إلى العراق, لقد سألها من غير أن يشعرها بما سمع منها، وقد أجابته هي بحياءٍ وتصبُّر، ولم تفصح عما في نفسها من شوقٍ عميق لزوجها الغائب عنها، عندئذٍ استدعى عمر نساءً مع ابنته حفصة، فسألهن عن المرأة المتزوجة: كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر))
.
أما بلاد إسلامية طويلة عريضة لا تقبل الموظف عندها إلا بلا زوجته، سنة، أحد عشر شهراً، تحرمه من زوجته، ويحرمونها من زوجها، أكثر دول الخليج هكذا، لا تقبل الموظف مع زوجته، هذا خلاف الفطرة، خلاف حاجة الإنسان إلى زوجة، خلاف حاجة الزوجة إلى زوج، خلاف تشتيت الأسرة، فسيدنا عمر بعد ذلك, أعطى أمراً, ألا يجمَّد الجندي في البعوث أكثر من أربعة أشهر، وبعدها يعود إلى زوجته .
أحياناً الإنسان يجري موازنة ويـتألَّم، في بلاد الكفار الإنسان مسموحٌ له أن يأتي بأمه، وأبيه، وأخوته جميعاً، جمعاً للأسرة، ونحن المسلمين أحياناً نرفض أن نعيِّن موظفاً مع زوجته، وهذه مشكلة كبيرة، من أجل ذلك؛ كان عمر رضي الله عنه يجنِّد في جيوش المسلمين غير المتزوجين، ويدع المتزوجين مع زوجاتهم, ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
والقصة التي تعرفونها جميعاً: يوم كان عمر يتفقد رعيته، وكان معه عبد الرحمن بن عوف، فرأيا قافلةً مقيمةً في ظاهر المدينة، فقال:
((تعال نحرسها، فبكى طفلٌ، فقال عمر لأمه: أرضعيه، فبكى ثانيةً, فقال: أرضعيه، فبكى ثالثة, فقال: يا أمة السوء أرضعيه، قالت: وما شأنك بنا إنني أفطمه، قال: ولماذا؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، فضرب عمر جبهته بيده, وقال: ويحك يا بن الخطاب! كم قتلت من أطفال المسلمين؟))
وعد نفسه قاتلاً، لأنه حمل بعض النساء على أن يفطمن أولادهن قبل الوقت المناسب، كي يكسبن هذا التعويض العائلي عن أولادهن.
وكان رضي الله عنه في هذا المقام كما قال الإمام السرخسي: كان حسن التدبير، والنظر للمسلمين، وكل إنسان الله عز وجل ولاَّه، أحياناً مدير مستشفى، أحياناً مدير دائرة، مديرة مدرسة، حينما يرحم المسلمين يرحمه الله، وحينما يشفق عليهم يرحمه الله، وحينما يعدل بينهم يرحمه الله عز وجل، والإنسان حينما يولى على بضعة رجال، له حسابٌ عند الله خاص .
وكان رضي الله عنه يقول:
((والله ما استفاد رجلٌ فائدة بعد إسلامٍ خيراً من امرأةٍ حسناء, حسنة الخلق, ودودٌ ولود, -أي أن أثمن شيء بعد الإيمان بالله زوجة صالحة- والله ما استفاد رجلٌ فائدةً بعد الشرك بالله شراً من مُرَيَّةٍ, -تصغير امرأة- سيئة الخُلُق، حديدة اللسان، والله إن منهن لغلاماً يفدى منه وغلاماً ما يجدي))
أي أن أفضل شيء للمرء بعد الإيمان زوجة صالحة، وأسوأ شيء للإنسان بعد الشرك امرأةٌ سيئة الخلق حديدة اللسان .
يروى أن ذات مرة جاءت امرأة تشكو سيدنا عمر، يبدو أنه كان منشغلاً عنها، قالت له:
((يا أمير المؤمنين, إن زوجي صوامٌ قوام، -ما انتبه- فقال: بارك الله لكِ بزوجك، صوام في النهار، قوَّام في الليل، -في النهار صائم، وفي الليل قائم، عبادة مستمرة- عنده أحد الصحابة, قال له: يا أمير المؤمنين, إنها تشكو زوجها، لا تمدحه، قال: هكذا فهمت، احكم بينهما))
هذا الصحابي نظر لو أن الرجل عنده أربع نساء كما هو مسموحٌ له، نصيب الواحدة من نسائه يوم كل أربعة أيام، فأمره أن يتفرَّغ له يوماً كل أربعة أيام، أعجب بهذا الحكم، عيَّنه قاضي البصرة، لكن النساء كن عفيفات, صاحبات حياء، بليغات، فصيحات، وتعلَّمن من أسلوب القرآن الكريم, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 29-31]
يدخل تحت هذه الآية: كل أنواع الانحراف, قال تعالى:
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
﴿لامستم النساء﴾
يفهمها كلٌ بحسب خبرته, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 189]
كلمة: تغشاها، كلمة: أو لامستم النساء, قال تعالى:
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 31]
أما هذا الذي يسمي الأشياء بأسمائها، والأفعال بصورها القبيحة، ويقول: لا حياء في الدين، هذا إنسان لم يفهم حقيقة الدين، الدين كله حياء .
ومرةً قلت لكم: إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى فتاةً ترتدي ثياباً شفافة, فقال:
((يا بنيتي, إن هذه الثياب, تصف حجم عظامكِ))
إليكم مضمون هذه الذكريات التي تسترجعنا بها أم كلثوم :

قال:
((كانت لا تنسى ليلةً, طاف فيها, يتفقَّد رعيته، فإذا هو بامرأة في جوف دارها، وحولها صبيان يبكون، وإذا قدر على النار ملأته ماءً، فدنى عمر من الباب, فقال: يا أم, ما هذا؟ لمَ يبك أولادكِ؟ قالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذه القدر التي عليها النار؟ قالت: قد جعلت فيها ماءً أعللهم بها حتى يناموا، -أوهمهم أن فيها شيئاً من دقيق وسمن- فجلس عمر يبكي، ثم جاء إلى دار الصدقة، فأخذ حملاً أو وعاءً، وجعل فيه شيئاً من دقيقٍ، وسمنٍ، وشحمٍ، وتمرٍ، وثيابٍ، ودراهم، ثم قال: يا أسلم, احمل هذا علي، فقلت: يا أمير المؤمنين, أنا أحمله عنك، فقال: لا أنا أحمله، لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة .
-ألم يقل مرةً: ((والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟))
فحمله حتى أتى به منزل المرأة، وأخذ القدر, فجعل فيها شيئاً من دقيق, وشيئاً من شحم وتمر، وجعل يحركه، وينفخ تحت القدر, حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده، ويطعم الصغار, حتى شبعوا، ثم ربط بجانبهم، فلم يزل حتى لعبوا وضحكوا، ثم قال: يا أسلم, أتدري لمَ ربطت بحذائهم؟ أي جلست إلى جانبهم, قلت: لا يا أمير المؤمنين، فكرهت أن أذهب, وأدعهم حتى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي))

هذا الذي يرحم الصغار إنسانٌ عظيم، هؤلاء الصغار أحباب الله، هؤلاء الصغار رجال المستقبل، هؤلاء الصغار إذا ربّوا على الرحمة, رحموا الآخرين، والإنسان إذا ربِّي في بيت صحيح، في بيت سليم، في بيت فيه رحمة، فيه قيَم، حينما يكبر في الأعم الأغلب, يرحم الناس جميعاً، لا يؤذيهم, لا يظلمهم .
وقال أنس بن مالك:
((بينما عمر يعسُّ المدينة، -أي يتحسس أخبار الرعية- إذ مر برحبةٍ من رحابها، فإذا هو بيتٌ من شعرٍ لم يكن بالأمس، فدنا منه, فسمع أنين امرأة, ورأى رجلاً قاعداً ، فدنا منه, فسلم عليه, ثم قال: من الرجل؟ فقال: رجلٌ من أهل البادية، جئت إلى أمير المؤمنين أُصيب من فضله، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟ قال: انطلق يرحمك الله لحاجتك، فقال: عليَّ ذلك، ما هو؟ قال الرجل: امرأةٌ تمخِّض, -أي في طور الطلق- قال عمر: هل عندها أحد ؟ قال: لا .
قال أنس: فانطلق عمر, حتى أتى منزله, فقال لأم كلثوم بنت علي رضي الله عنها: هل لكِ من أجرٍ ساقه الله إليكِ؟ قالت: وما هو؟ قال: امرأةٌ عربية تمخِّض, ليس عندها أحد، قالت أم كلثوم: نعم إن شئت، قال: فخذي معكِ ما يصلح المرأة لولادتها، وجيئيني ببرمةٍ، وشحمٍ، وحبوب، قال: فجاءت به, فقال لها: انطلقي، وحمل البرمة، وهي القدر الذي يطبخ فيها، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت، فقال لها: ادخلي إلى المرأة، وجاء حتى قعد إلى الرجل, فقال له: أوقد لي ناراً، ففعل، فأوقد تحت البرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة, فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين, بشِّر صاحبك بغلام .
فلما سمع الرجل يا أمير المؤمنين, كأنه هابه، فجعل يتنحَّى عنه, فقال له: مكانك كما أنت ، فحمل البرمة, فوضعها على الباب، ثم قال لأم كلثوم: أشبعيها، ففعلت، ثم أخرجت البرمة، ووضعتها على الباب، فقام عمر، وأخذها، ووضعها بين يدي الرجل، فقال: كل فإنك قد سهرت من الليل، ففعل، فقال عمر لامرأته: اخرجي, وقال للرجل: إذا كان غداً, فأتنا نأمر لك بما يصلحك، ففعل الرجل ذلك، فأجازه وأعطاه))
هذه صورة أخرى من صور رحمته رضي الله عنه، وصور حرصه على رعيته .

من مواقف عمر بن الخطاب :

أم كلثوم زوجة عمر, كما تروي الكتب, تهادت مع ملكة الروم بالهدايا، فكان ذلك مشاركةً منها لزوجها خليفة المسلمين, حين كان يتراسل مع ملك الروم هرقل، في توطيد العلاقات الخارجية بين المسلمين والروم, قال الإمام الطبري: ((ترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمر وقاربه، وسأله عن كلمةٍ يجتمع فيها العلم كله، فكتب إليه: أحب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمة كلها، واعتبر الناس بما يليك, تجتمع لك المعرفة كلها .
وكتب إليه ملك الروم، وبعث إليه بقارورة، أن املأ لي هذه القارورة من كل شيء، فملأها عمر ماءً، وكتب إليه: إن هذا كل شيء))
من الدليل:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 30]

بعثت أم كلثوم إلى ملكة الروم بطيبٍ وأحفاشٍ من أحفاش النساء, وأرسلته مع البريد، فلما وصل, جاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها, وقالت: ((هذه هدية امرأة ملك العرب، وبنت نبيهم، ثم كاتبتها، وكافأتها, فأهدت إليها، وكانت فيما أهدت إليها عقدٌ فاخر، فلما انتهى به البريد إلى عمر، أمر بإمساكه، ودعا الصلاة جامعة, فاجتمعوا، فصلى بهم ركعتين, وقال: إنه لا خير في أمرٍ أُبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هديةٍ أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة الروم .
فقال قائلون: هو لها بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمةٍ فتصانع به، ولا تحت يدك فتتقيك .
وقال آخرون: قد كنا نهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتبتاع، ولنصيب ثمناً .
فقال عمر: ولكن الرسول, -أي مراسل البريد- رسول المسلمين, والبريد بريدهم، والمسلمون عظَّموها في صدورهم, -أي لأم كلثوم- فأمر بردها لبيت المال، ورد عليها بقدر نفقتها.
-أي أن هذه الهدية التي جاءت أم كلثوم من امرأة ملك الروم ردتها لبيت مال المسلمين، أخذ الأحوط رضي الله عنه، وهذا هو الورع- فسرَّت أم كلثوم لصنيع عمر))
الذي لم يرضَ أن تسخَّر سلطة الخلافة لأمورٍ شخصية، ما دام البريد بريد المسلمين، والإرسال من قِبَل المسلمين، فلا بدَّ من أن ترد هذه الهدية لبيت مال المسلمين .

إليكم هذا الموقف لعمر بن الخطاب مع أهل بيته :

رأى مرة إبلاً ثمينة, قال: ((لمن هذه الإبل؟ قالوا: إنها لابنك عبد الله، قال: ائتوني به، فلما جاؤوا به, سأله: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت؟ قال عمر لابنه: ويقول الناس: اسقوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، ارعوا هذه الإبل, فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل، وخذ رأس مالك، ورد الباقي لبيت مال المسلمين))
سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ, جمع أهله وخاصته، وقال:
((إني أمرت الناس بكذا، ونهيت الناس عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله لا أوتين بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني))
فصارت القرابة من عمر مصيبة، أي إنسان يلوذ به, إذا وقع فيما نهى عنه الناس, تضاعف له العقوبة، لقرابته من عمر، فصارت القرابة من عمر مصيبة .
مرةً وضع له طعامٌ نفيس، وضع له سنام الجزور أمامه فبكى، وقال:
((بئس الخليفة أنا, إن أكلت أطيبها, وأكل الناس كراديسها))
الخاتمة :
أيها الأخوة, لنا وقفةٌ أخرى مع هذه الصحابية الجليلة، بنت علي بن أبي طالب، بنت السيدة فاطمة، بنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونساء الصحابة قدوةٌ لنسائنا، المرأة صنو الرجل في التكليف، والتشريف، والمسؤولية، مكلفةٌ كما هو مكلَّف، مشرفةٌ كما هو مشرف، مسؤولةٌ كما هو مسؤول، وأيَّة نظرةٍ كما أقول دائماً إلى المرأة غير هذه النظرة، فهي نظرةٌ جاهلية لا تليق بالمسلم .
والإنسان حينما يعتني بأهله، ويربيهم التربية الصحيحة، يسعد بهم, لأنهن يشاركنه في كل قضايا الحياة التي يعانيها .
أرجو الله سبحانه وتعالى, أن يصلح نساءنا جميعاً، وأن يتجهن إلى الله عز وجل الوجهة الصحيحة، المرأة إذا عرفت ربها، وعرفت حق زوجها، وعرفت حق أولادها، فهي امرأة لها من الأجر ما لا يوصف, وما لا يقدر بثمن .
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 07:10 AM   #5
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم- السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب- الدرس 2-4: سيرة السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-24

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
إليكم إعادة الذاكرة لأيام عمر بن الخطاب وبعضاً من مواقفه :
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا مع سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ولا زلنا مع أهل بيت النبيِّ، والحديث في الدرس الماضي كان عن السيدة أمِّ كلثوم كوكبة الإسلام، وزوجة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونتابع في هذا الدرس قصة هذه الصحابية الجليلة .
لقد قضت أمُّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب, زوجةُ عمر بن الخطاب، وأمُّها السيدة فاطمة الزهراء، قضت أغلى حياته، وأحلى أيامها تحت ظلِّ رجل لم يعهد التاريخُ له مثيلا .
وقد حدَّثني أخٌ كريم, قال: في واشنطن أكبر مكتبة في العالَم، لو صففنا رفوفها لأحاطت بالأرض، وفي فناء هذه المكتبة, قُبَّة عليها حضارات الإنسانية، وجزءٌ كبير من حضارات الإنسانية حضارةُ الإسلام ، وسيدنا عمر يمثِّل كهفَ العدالة ، أي هذا الجل له سمعةٌ على مستوى العالَم، لم يعهد التاريخ له مثيلا، لا زوجا، ولا أبًا، ولا قائدا، ولا راعيا للناس .
وقد تحدَّثتُ عنه الكثيرَ في الدرس الماضي، وكيف أنه وُضِع له مرة سنامُ ناقة فبكى، وقال: ((بئس الخليفةُ أنا, إذا أكلتُ أطيبَها، وأكل الناسُ كراديسها)) .
وحينما قرقر بطنُه, قال: ((قرقِرْ أيها البطنُ، أو لا تقرقر، فو اللهِ لن تذوق اللحمَ حتى يشبع منه صبيةُ المسلمين)) .
وحينما قال: ((واللهِ لو تعثَّرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني اللهُ عنها, لِمَ لَم تصلح لها الطريقَ يا عمر؟)) .
وحينما رأى إبلا سمينةً, فإذا هي لابنه عبد الله، قال: ((ائتوني به، فلما جاؤوا به, قال: ما هذه؟ قال: إبلٌ اشتريتُها بمالي، وبعثتُ بها إلى المرعى لتسمن, فماذا فعلتُ؟ قال: ويقول الناسُ: اِرعَوا هذه الإبل, فهي لابن أمير المؤمنين، اُسقوا هذه الإبلَ, فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلُك يا ابن أمير المؤمنين، أعرفتَ لماذا هي سمينة؟ لأنك ابني، بِع هذه الإبل، وخذْ رأسَ مالك، ورُدَّ الباقي لبيت مال المسلمين)) .
هو الذي قال: ((كان إذا أراد إنفاذَ أمرٍ, جمع أهلَه وخاصَّته، وقال: إنني قد أمرتُ الناسَ بكذا, ونهيتهم عن كذا، والناسُ كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايمُ اللهِ لا أوتيَنَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه, إلا ضاعفتُ له العقوبةَ, لمكانه مني)) .
وهو الذي قال وهو يمتحن أحدَ الولاة: ((ماذا تفعل إذا جاءك الناسُ بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يدَه، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدَك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسُدَّ جوعتَهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفَّينا لهم ذلك, تقاضيناهم شكرَها، إن هذه الأيدي, خُلقت لتعمل, فإن لم تجد في الطاعة عملا, التمست في المعصية أعمالا ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية)) .
عملاقُ الإسلام، قال مرة: ((أيها الناس, خمسُ خصال خذوني بهن: لكم عليَّ الحقُّ ألاّ آخذ من أموالكم شيئا إلا بحقِّه، ولا أنفق من هذه الأموال إلا بحقه، و لكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء اللهُ تعالى، ولكم عليَّ ألّا أجمِّركم في البُعوث، فإذا غِبتم في البعوث, فأنا أبو العيال حتى ترجعوا)) .
الحديث عنه يطول، ولا تكفيه جلساتٌ، ونحن في دروس سابقة بفضل الله عزوجل أمضينا فيما ثمانِية دروس، مع هذا الخليفة العظيم الراشد، وهو قدوةٌ لنا جميعا، قال عليه الصلاة و السلام: ((لو كان نبي بعدي لكان عمر)) .
استأذن السيدةَ عائشة في حياته, أن يُدفَن إلى جنب رسول الله، وقبل أن يموت, وصَّى ابنَه: ((مُرَّ بجنازتي أمام بيت السيدة عائشة، واستأذنها ثانية، فلعلها أذِنت لي، وأنا خليفةُ المسلمين، أريد أن تأذن لي، وأنا قد فارقتُ الحياةَ, -طلب أن يستأذنها بعد وفاته، لئلا يكون منصبُه ضاغطا عليها- إن أذنت لك، وأنا في النعش, فادفِنِّ إلى جنب رسول الله)) ورعٌ ما بعده ورع، ورحمةٌ ما بعدها رحمة .
سيدنا الصديق استخلفه، عوتِب: ((استخلفتَ علينا هذا الرجلَ الشديد، فقال سيدنا الصدِّيقُ : أتخوِّفونني بالله؟ واللهِ إذا سألني اللهُ يوم القيامة لِم استخلفتُ عليهم عمرَ؟ لأقولنَّ: يا ربُّ استخلفتُ عليهم أرحمهم، -بشهادة الصدِّيق سيدنا عمر أرحمُ الخلق بالخلق بعد رسول الله- ثم قال: هذا علمي به، فإن بدَّل و غيَّر, فلا علمَ بي بالغيب)) .
أيها الأخوة, حينما يُذكر الصحابةُ الكرام, تتعطَّر المجالسُ لكمالهم، ولأدبهم، ولتواضعهم ، ولعطائهم، ولبذلهم، ولسخائهم، ولثقتهم بالله، وبتحمُّلهم، إنه عملاق الإسلام، وفاروق الإيمان الذي أعزَّ اللهُ به تعالى دينَه، ورسولَه أولاً، ثم أعزَّ الله به الأمةَ ثانيا .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ؛ بِأَبِي جَهْلٍ, أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
طلب النخبة اللهم صلِّ عليه، والنخبة تحمل معك، أما الآخرون فيجب أن تحملهم، وشتَّان بين من يحمل معك، وبين من تحمله، يأتيك لا شهادة، ولا عمل، ولا إتقان، كله كسل، يريد أن تزوِّجه، وتؤمِّن له بيتا، هناك من يأتي ليأخذ فقط، هناك من يأتي ليعطي .
فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ, وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ, فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
قال عمر: ((وإني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني)) .
أيها الأخوة، مرة ذهبتُ إلى مكان تصليح سيارات, وجدتُ أحدَ الأخوة الكرام, يعمل مدرِّسا في مسجدنا، يرتدي الثياب الزرقاءَ، ويعمل في تصليح السيارات، شعرت أن هذا الإنسان كبير عند الله في النهار، ويعمل عملا، ويكسب رزقا، وفي المساء يدرِّس، فهذا الذي يعمل له عند الله شأنٌ كبير .
هذه أمُّ كلثوم, الزوجة الطيِّبة, العاقلة الرشيدة, شهدت حياةَ رجل من عظماء الإسلام خاصةً، ومن كرام البشرية ثانيا، لماذا نساءُ النبي عليهن رضوان الله مُنِعن من الزواج بعد رسول الله من أيِّ رجل؟ قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
لماذا؟ لأن التي عاشت مع رسول الله, لا يمكن أن يعجبها أحدٌ بعده، مستحيل، فكلما كانت المرأة مع رجل عظيم, حينما تقترن برجل آخر لا تحتمل .
أمُّ سلمة لها زوج, كان ملءَ السمع والبصر، رجلٌ بكل معنى الكلمة؛ شجاعة، وكرم، وحكمة، وعقل، ووسامة، مات زوجُها, فعلَّمها النبيُّ دعاءً، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ, وَخَلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا, قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ, قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي, فَقُلْتُهَا: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا, قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
حينما قالت: اخلفني خيرا منها، لم تقتنع بهذا الكلام، لأنها لا ترى خيرا من أبي سلمة، أين الذي هو أحسن منه؟ فإذا بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام يخطبها، طبعا النبيُّ أعلى من أبي سلمة ، لكن واخلفني خيرا منها، ما من إنسان يُصاب بمصيبة و يصبر، ويقول: ((اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ, وَخَلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا)) .
وقد رسم هذا الخليفةُ العظيمُ للدنيا قاطبةً صورةَ الحق، والعدل، والإحسان، له كلمة بعد ألف وأربعمائة عام, عُدَّت من حقوق الإنسان: ((متى استعبدتم الناس, وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)) له إدراك عميق جدا، وسبَّاق، والآن المُلاحظ من هو القويُّ في العالم؟ المنتِج، من هو الضعيف ؟ المستهلِك، ((ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج)) .
ويُضاف على هذه المقولة: وتستخدم من الآلات ما لا تخترع، أنت عندك آلة، وفيها قطعة تعطَّلت، قيمتها الحقيقية عشرُ ليرات، ويقول لك: ثمانية آلاف وخمس مائة، هل لك أن تتكلم كلمة؟ أنت عبدٌ لهم, يسمُّونها: حرب قطع الغيار، نصنع صناعة نبيعها للناس، فيتعلَّقون بنا، والآن كم من ميكروباص بالقطر, وتعمل عشرين ساعة في اليوم، كل قطع الغيار تُستورَد، ندفعها من ثمن قمحنا، وقطننا، ومنتجاتنا, وبأسعار مرتفعة .
اليابان لها سياسة؛ تبيعك السيارةَ رخيصة جدا، وتبيعك القطع بمائة ضعف، أنت تقع في مطبٍّ، رخيصة، اشتريتها، بعد أن تشتري هذه السيارة, تدفع أضعافا مضاعفة ثمن قطع غيارها، هذه حربُ القطع .
فسيدنا عمر, أدرك أن هناك مستهلِكا، وهناك منتِجا، المنتج قويٌّ، والمستهلك ضعيف ، هذه السنوات العشر كان فيها العالَم مقسَّما إلى يمين ويسار، شرق وغرب، شرق يؤمن بالمجموع ، وغربٌ يؤمن بالفرد، هذا التقسيم غير صحيح، التقسيم الحقيقي طبعا المادي، ولا أقول الروحي, المادي منتج ومستهلك، المنتج متحكِم في المستهلك، والمنتج قويٌّ، والمستهلك ضعيف .
أحيانا عندنا عقود إذعان، لا تستطيع أن تسأل عن السعر، يقال لك: أطلقنا على هذه الطائرة مائة صاروخ، كلُّ واحد قيمته سبعمائة وخمسون ألف دولار، أطلقوا خمسًا، وقيَّدوا علينا مائة، طبعا سبعمائة وخمسون مليار, ذهبت من الشرق إلى الغرب, هذه مشكلة، فسيدنا عمر أدرك هذه الحقيقة في وقت مبكِّر جدا .
زار قريةً, فإذا بأصحاب الفعاليات الاقتصادية, ليسوا من المسلمين، فلما عاتبهم على هذا التقصير, وهذا الكسل، قالوا: ((إن الله سخَّرهم لنا، -هذه كلمة مضحِكة وساذجة- فقال هذا الخليفةُ العملاق: كيف بكم إذا أصبحتم عبيدا عندهم؟)) .
والشيء الواضح تماما أن المنتج هو القوي، بل إن هؤلاء الأقوياء لهم مقولة مضحكة؛ مضحكة في ميزان القيم، أما هي فواقعة: ما دمتَ قويَّا فأنت على حق، حقُّهم القوة، هذه شريعة الغاب، شريعة الغاب القويُّ هو المنتصِر .
ماذا قال سيدنا الصدِّيق؟ قال: القويُّ فيكم ضعيف عندي, حتى آخذ الحقَّ منه، والضعيف منكم قويٌّ عندي, حتى آخذ الحقَّ له، هذا الفرق الواضح بين حضارة المسلمين و حضارة الشاردين إن صحَّ التعبيرُ, إن حضارة المسلمين, القوة لصاحب الحق، حضارة الشاردين صاحب الحق هو القويُّ، القوي صاحب الحق، أما عند المسلمين صاحب الحق هو القوي، أبدا .
أهلُ سمرقند, بلغهم أن فتح بلادهم, لم يكن شرعيا، تسلَّل وفدٌ منهم خفيةً عن حاكم سمرقند المسلم إلى باب الخليفة عمر بن عبد العزيز، وعرضوا عليه مشكلتهم، قال: ورقة صغيرة ؛ قصاصة كتب عليها: إلى فلان, اخرُج من سمرقند، واعرض عليهم الإسلامَ أوَّلا، فإن أبوا, فأعرض عليهم الجزية، فإن أبوا فقاتلهم، ظنوا أنه يضحك عليهم بهذه القصاصة، ورقة صغيرة، جيش دخل، وفتح، واستقر، وتمكَّن، وحكم مدينة عظمى محتلة, يخرج منها بورقة, فلما ذهبوا إليه ، وأعطوه هذه القصاصة قبَّلها، وقال: سمعا و طاعة سأخرج، قال: هكذا، قال: إذًا: ابقوا نحن مسلمون، التاريخ الإسلامي شيء لا يُصدَّق .
اليوم أخٌ كريم قال لي: يقرأ عن تاريخ الصحابة, قال لي: شيء لا يُصدَّق، كان تعليقي أن قلت: ولكن الله هو هوَ، إلههم إلهنا، وسننه قائمة، أنت تحرَّك وفقها فقط، الله عزوجل هو هوَ، و ما تغيَّر، نحن وحدنا تغيِّرنا، سنته قائمة .
الآن تصوَّروا، وإن كان شيئا, يبدو لكم مضحِكا؛ تصوَّر دولةً ضعيفة جدا متخلِّفة، بل لا توجد دولة، قبائل رُحَّل في صحراء, ينتشرون على أمريكا بقوتها النووية، والصاروخية، والأقمار الصناعية، والحبة الجرثومية، والقنابل الذكية، وقنابل الشبح، والبوارج في البحار، معقول هؤلاء البدو الرحل الذين في طرف الصحراء, يصبحون أقوى أمة في العالَم، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك .
معقول النبي عليه الصلاة والسلام مُلاحق, مهدورٌ دمُه, مئة ناقة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا ، يتبعه سراقة ليأخذ المائة ناقة، أراد أن يقتله ليأخذ المائة ناقة، غاصت قدما فرسه في الرمل، أول مرة، وثاني مرة، فقال له: يا سراقة, كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟ شيءٌ لا يُصدَّق؛ إنسان ملاحق، ومهدور دمُه، مائة ناقة لمن يأتي به حيا أو ميتا, يعِد سراقة بسواري كسرى، بدوي، أنت ستكون في البيت الأبيض، نفس المسافة، لا تضحكوا، المسافة نفسها بين قبائل في الصحراء, و بالتعبير المعاصر، متخلفة فقيرة، أرضها قاحلة، لا نبات فيها، ماؤها قليل، كل شيء ثمين عندهم، دولتان عظيمتان متربِّعتان على مجد الدنيا, تضمحلاَن في ربع قرن، ويصبح المسلمون سادة الدنيا ، كانوا رعاةَ الغنم, فصاروا رعاة الأمم .

إليكم هذا الخطب الجلل الذي أصاب كبد أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب :
فهذه الزوجة الطيِّبة أمُّ كلثوم, شهدت حياة هذا العملاق الكبير، لكن هذه السعادة لم تدُم إلى أم كلثوم, حيث طالت يدُ الإثم الإجرام حياةَ عمر, فطعنته طعنات قاتلة، هذا الذي طعنه بعد أن طُعن سيدنا عمر، وهو يصلِّي، لما أفاق من غيبوبته، قال: ((هل صلى المسلمون الفجر؟)) الشيء الذي يقلقه صلاة الفجر، هل صلى المسلمون الفجر؟ .
قالت أمُّ كلثوم حينما جاؤوا به إليها: ((واعمراه، وكان معها نسوةٌ, فبكين معها، وارتجَّ البيتُ بالبكاء، قال عمر, ولم يمُت بعد: لو أن لي على الأرض من شيء لافتديتُ به من هول المطلع، -الواحد الآن يعيش، لكن هول المطلع، حينما يواجه الحقيقة العظمى، حينما يواجه الآخرة، حينما يواجه يوم الدينونة، يوم الحساب، يوم يُحاسب الإنسان عن كلمة، وعن نظرة، وعن درهم، قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]

فقال له ابنُ عباس: واللهِ إني لأرجو ألاّ تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 71]

-سيدنا عمر يسأل سيدنا حذيفة, يقول له: ((بربَّك هل اسمي مع المنافقين؟)) من شدة ورعه، ومن شدَّة خوفه من الله عز وجل، ومن شدة محبَّته، ومن شدة تعظيمه لله- قال له ابن عباس: و اللهِ إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 71]
ما علمنا لأمير المؤمنين، وأمين المؤمنين، وسيد المؤمنين، يا أمير المؤمنين, إنك تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسويَّة، فأعجبه قولي, فاستوى جالسا، فقال: أتشهد لي بهذا يا ابن عباس؟ قال: فكففتُ, فضرب على كتفي، فقال: اِشهد، قلتُ: نعم أنا أشهد، ثم توفِّي عمر)) .
الآن هذه وقائع في التاريخ، دقِّقوا كم نحن بعيدون عن هذه الوقائع؟ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ:

((وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ, فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ, يَدْعُونَ, وَيُثْنُونَ, وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ, وَأَنَا فِيهِمْ, قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ, قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي, فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ, فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ, فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ, وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ, وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ, وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

هذا كلام سيدنا علي، فما بالُ المسلمين بعد حين من زمان, يفرِّقون بين الصحابة، سيدنا علي يكنُّ هذا الولاء، وهذا الحبَّ لسيدنا عمر، سيدنا علي حينما توفي أبو بكر، ألقى خطبة تُكتب بماء الذهب, قال: كنتَ أشبهنا برسول الله خَلْقا وخُلقا، كنت معه لما قعدوا، سماك الله في كتابه صدِّيقا، حيث قال:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
هكذا كان الصحابة الكرام، ولاء ما بعده ولاءٌ .
سيدنا علي أعطى ابنته لمن؟ لسيدنا عمر، فإذا كان هناك عداءٌ، وإذا كان هناك حقد, و العياذ بالله, هل يمكن أن تعطيَ ابنتك لإنسان تكرهه؟ مستحيل، سيدنا علي أعطى ابنته أمَّ كلثوم لمن؟ لسيدنا عمر .
معنى ذلك: أن بين الصحابة من الودِّ، والحب، والتعاون ما لا يُصدَّق، وهذا الذي أُضيف على التاريخ، هذا الذي أضيف على تاريخنا, شيءٌ يجب أن يُمحَّص، لا أن يؤخذ على علَّاته، غسَّله ابنُه عبدُ الله، ونزل في قبره ابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف .
وقال ابنُ سعد: ((طُعِن عمرُ يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة، ودُفن يوم الأحد, وكان خلافتُه عشرَ سنين، ودُفن مع النبي صلى الله عليه و سلم)) .
وإذا ذهب الرجلُ إلى المدينة المنوَّرة, يزور رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقف أمام قبر النبي، ويسلِّم على النبي، ويدعو له الدعاءَ المأثور، ثم ينتقل إلى قبر سيدنا الصدِّيق، ثم ينتقل إلى قبر سيدنا عمر، عملاق الإسلام .
بقيت أمُّ كلثوم بعد وفاة زوجها عمر حزينة عليه حزنا شديدا, لا يغيب عن فكرها، تذكره بفضائله، وبإحسانه، وهيبته، وبشدَّته، وليونته، وبعدله، وإنصافه، وكان ابنها زيد يجلس إليها, يهدِّئ من روعها، ويخفَّف من آلامها، ولكنه أحيانا يبكي معها، فتنهمر دموعُه لوعةً على فراق أبيه، عطفا على أمه .


إليكم قصة زواجها من عون بن جعفر بعد وفاة زوجها الأول :
الآن دقِّقوا، وما أن انقضت أيامُ عدَّتها من زوجها الراحل, حتى يفاتحها أبوها عليُّ بن أبي طالب بالزواج، فيسرع أخواها الحسن والحسين, يحذِرانها من أن تجعل أمرها بيد أبيها, لئلا يزوِّجها من أقاربه الأيامى، خشية عليها أن تكون زوجة لرجل دون عمر، فإنها واللهِ لن تجد في الرجال أمثالَ عمر .
فقد ذكر ابنُ الأثير روايةً تاريخية عن الحسن و الحسين ابني علي بن أبي طالب, قال: لما تأيَّمتْ أمُّ كلثوم, ربنا عزوجل قال:

﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
الأيامى جمع أيِّم، والأيم: من لا زوجةَ له، أو من لا زوج لها، أي طرف من دون طرف آخر، بكرا كانت أم ثيِّبا، والأمر أمر ندبٍ:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
بحسب السنة جاءها أبوها, و قد ذكر ابن الأثير عن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب قال: ((لما تأيَّمتْ أمُّ كلثوم من عمر بن الخطاب رضي الله عنهم, دخل عليها الحسن والحسين, إنكِ ممن عرفتِ سيدةُ نساء المسلمين، وبنت سيدتهن، وإنكِ واللهِ إن أمكنتِ عليًّا من تزويجك, ليُنكِحنَّكِ بعضَ أيتامه، ولئن أردتِ أن تصيبي بنفسك مالا عظيما لتصيبنَّه، فو اللهِ ما قاما, حتى طلع عليُّ بن أبي طالب, يتَّكل على عصاه, فجلس فحمد اللهَ، وأثنى عليه، وذكر منزلتهم من رسول الله, -أي الحسن و الحسين- وقال: قد عرفتم منزلتكم عندي يا بني فاطمة، وأثرتكم على سائر ولدي، لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابتكم منه، فقالوا: صدقتَ رحمك الله، وجزاك الله عنا خيرا, قال: أيْ بنيَّة, إن الله عزوجل قد جعل أمركِ بيدكِ، فأنا أحبُّ أن تجعليه بيدي، فقالت: أيْ أبتِ! إني امرأةٌ أرغب فيما يرغب فيه النساءُ، وأحب أن أصيب مما تصيب النساءُ منه، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي، -أي دعني أنا أختار، هذا شيء طبيعي جدا- فقال: لا و اللهِ يا بنيَّتي، ما هذا من رأيك، -هذا ليس منك، هذه تعليمة تغذية.
أحيانا تعرف شخصا معرفة جيدة، يفاجئك بأفكار جديدة، هذه ليس منك، هذه جاءتك تغذية، من أطراف، فشعر هذا الصحابي الجليل, أن هذه الأفكار ليست أفكار أم كلثوم، واللهِ يا بنيتي ما هو إلا رأيُ هذين, الحسن والحسين, هذه ليست منكِ .
أحيانا الابن له رأي، والأب له رأي، والزوجة لها رأي، هناك حبٌّ، ومودَّة، وثقة، لكن ينشأ أحيانا اختلاف وجهات نظر- ثم قام فقال: و اللهِ لا أكلِّم رجلا منهما أو تفعلين، إن لم تسلِّمي أمركِ إليَّ, لا أكلِّم واحدا من هؤلاء -الحسن و الحسين- فأخذا بثيابه, فقالا: اجلِس يا أبي، فو اللهِ ما على هجرانك من صبر، -لا نتحمَّل إن قاطعتنا، هل رأيتَ الودَّ؟ هكذا ينبغي أن تكون الأسرةُ، إذا أعرض الأب عن ابنه, فهذا أكبر عقاب- فأخذا بثيابه فقالا: اجلس يا أبي, فو اللهِ ما على هجرانك من صبر، اجعلي أمركِ بيده، فقالت: قد فعلتُ كما تشاء، قال: فإني قد زوَّجتكِ من عون بن جعفر- ابن سيدنا جعفر، ابن أخيه الذي استُشهِد في مؤتة .
سيدنا جعفر بن أبي طالب أخو سيدنا علي، وهو الذي أمسك الراية، وكان القائدَ الثاني، أمسك الراية بيمينه فقُطعت يمينُه، فأمسكها بشماله فقُطِعت شمالُه، فأمسكها بعضديه، وُجِد في جسمه أكثر من تسعين طعنة، وبكى النبيُّ بكاءً شديدا حينما بلغ نباُ استشهاده، وسمَّاه جعفر ذا الجناحين، هذا ابنُه عونُ بن جعفر- قال: فإني قد زوجتكِ من عون بن جعفر، وإنه لغلام, وبعث لها بأربعة آلاف درهم، وأدخلها عليه)) .
لقد كانت أمنيةُ علي بن أبي طالب أن يزوِّج بناته من أولاد أخيه جعفر بن أبي طالب، من قبل أن يزوِّج أمَّ كلثوم لعمر بن الخطَّاب، وهذا ما قاله حين خطبها عمرُ: ((إني حبستُ بناتي على بني جعفر)) إكراما لوالدهم الشهيد .
الآن تحقَّقت أمنيةُ علي بن أبي طالب، والآن أمُّ كلثوم بعد سيدنا عمر, أصبحت زوجةً لابن سيدنا جعفر اسمُه: عون، و كان لآل جعفر عند الإمام علي مكانة عظيمة، فأولادُ جعفر هو أولاد أخيه، وكانوا قد دخلوا في رعايته بعد استشهاد أبيهم، النبيُّ قال: ((العم والد)) .
أعرف رجلا في أحد أحياء دمشق, تُوُفِّيَ أخوه, ترك له خمس بناتٍ، وهو عنده خمسُ بنات، العمُّ زوَّج بنات أخيه كما زوَّج بناته بالتمام والكمال، الترتيبات نفسها، والإكرام نفسه، الحاجات نفسها، هذا الأصل، ((العم والد)) .
أما الآن مع التفكُّك الأسري, صار العمُّ عدوًّا، العم في الإسلام والد تماما، يُعامل أولادَ أخيه كما لو أنهم أبناؤه، حتى في الميراث, أعطِي ميراث الأب المتوفَّى في حياة أبيه إلى العم، ليكون العمُّ راعيا لأولاد أخيه .
ولحكم هذه القرابة بين أبناء جعفر وعمِّهم علي, كانت تفضيل تزويج أمِّ كلثوم لأكبر أولاد جعفر، كأحسن صنيع يتَّخذ العمُّ تُجاه أبناء أخيه الأيامى عنده، فزوَّجها أبوها بعون بن جعفر فأحبَّته، ومات عنها، أي مات في حياته .

لمحة عن سيرة عون بن جعفر :
أيها الأخوة, وعونُ هذا, ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطَّلب القرشي الهاشمي، والدُه جعفر ذو الجناحين، وُلد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، أمُّه أم أخويه عبد الله و محمد، أسماء بنت عُميس الخطمية، أسلمت قديما، وهاجرت الهجرتين، و كانت مصاحبةً لفاطمة حتى وفاتها، استشهد عونُ بن جعفر بتُستُر، ولا عقِب له بخراسان، مدينة في بلاد فارس، كان في جهاد, فاستُشهد هناك .
قصة زواجها من محمد بن جعفر بعد وفاة زوجها الثاني, ولمحة عن سيرته :
أيها الأخوة, فلما انقضت عدَّتُها, أبقت أمرها بيد أبيها، فزوَّجها أبوها رضي الله عنه بمحمد بن جعفر الثاني، فمات، ومحمد هذا هو ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن ذي الجناحين، القرشي الهاشمي، وهو ابن أخ علي بن أبي طالب، أُمُّه أسماءُ بنت عُمير، وُلد على عهد رسول الله، وكانت ولادتُه بأرض الحبشة، في أثناء الهجرة الأولى، وقدم المدينة طفلا، ولما جاء نعيُ جعفر إلى رسول الله, جاء إلى بيت جعفر، وقال: ((أخرجوا إليَّ أولادَ أخي، فأخرج إليه عبد الله, و محمد, وعون، وضعهم النبيُّ على فخذه, ودعا لهم, وقال: أنا وليُّهم في الدنيا والآخرة، و قال صلى الله عليه وسلم: أما محمد فيشبه عمَّنا أبا طالب)) .
وقيل: ((إنه استشهد بتستر أيضا، ولم يكن له ولدٌ)) .

من هو زوجها الرابع بعد رحيل الثالث, وما هي سيرته؟ واليكم قصة وفاتها :
أيها الأخوة, فلما انقضت عدَّتها من محمد بن جعفر، أبقت أمرها بيد أبيها، ثم زوَّجها أبوها من عبد الله بن جعفر الثالث، فماتت عنده، وعبد الله هذا, هو ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، له صحبة مع رسول الله، وأمُّه أسماء بنت عميس، ولد بأرض الحبشة، وكان أبواه رضي الله عنهما مهاجرين إليها، وقدم مع أبيه إلى المدينة، وتُوفِّي النبيُّ عليه الصلاة و السلام ولعبد الله عشرُ سنين .
كان عبدُ الله كريما, جوادا, حليما, روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أحاديث كثيرة، قال الإمام ابن حجر: ((أخبارُه في الكرَم شهيرة، وكان يقال له: قطبُ السخاء)) .
أيها الأخوة, بعد أن أقامت أمُّ كلثوم الطاهرة الزكية عند الزوج الثالث من أبناء جعفر بن أبي طالب، ألَّم بها المرض، حتى توفَّاها الله تعالى راضيةً مرضيةً، ولم تكن قد ولدت من أزواجها الثلاثة أيَّ ولد، أولادها فقط من سيدنا عمر، وقد صادف يومُ وفاتها يومَ وفاة ابنها زيد بن عمر بن الخطاب، الذي توُفي شابا، ولم يعقب، وصلى عليه وعلى أمه عبدُ الله بن عمر، ودفنهما في المدينة ، وذلك في أوائل دولة معاوية، وذلك في حدود سنة خمسين للهجرة، ورحلت أمُّ كلثوم، وقد عاشت أياما مليئة بالأحداث، سواء التي شهدتها أيامَ خلافة زوجها عمر بن الخطاب، أو التي شهدتها من بعده، وهي زوجة آل جعفر، وعلى الأخص أيام خلافة أبيها علي بن أبي طالب .

خلاصة القول :
أيها الإخوة, هذه نبذة عن حياة هذه الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة، زوَّجها أبوها من محبَّته وتقديره لسيدنا عمر، ثم زوَّجها لأولاد جعفر، وهكذا كان أصحابُ النبي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، على حبٍّ شديد, وعلى وفاء, وإخلاص، أما المسلمون الذين جاؤوا من بعدهم, فهم الذين افتعلوا هذه الخلافات، وهي في الأصل غير موجودة.
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 07:13 AM   #6
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 1-8 : مقدمة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-01

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المرأة لها شأنٌ كبيرٌ عند الله :
أيها الأخوة الكرام ، بعد أن انتهت دروس أسماء الله الحسنى ، انتظرت أسبوعين لأستأنف دروس هذا المسجد الكريم ، كنت في هذه الفترة في حيرةٍ من أمري ؛ ماذا أعطي بعد الأسماء الحسنى ؟
خلصت في النهاية إلى أننا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى موضوعٍ فقهي ، فأردت أن نبدأ بأصل الفقه ، بآيات الأحكام في القرآن الكريم ، ولمَّا كان هذا الدرس متعلِّقاً أيضاً بالسيرة ، أردت أن أجعل من سيرة نساء الصحابة الكرام ؛ نساء النبي أولاً ، وبنات النبي ثانياً ، ونساء الصحابة الكرام أنموذجاً يُحتذى ، فالمرأة نصف المجتمع ، ولا شيء أبلغ في حياتها كالقدوة الصالحة .
لذلك عزمت ـ والله المستعان ـ أن أجعل دروس الإثنين درساً في آيات الأحكام ودرساً في سيرة نساء النبي وبناته والصحابيات الجليلات ، درس سيرة متعلِّق بالنساء فقط ، ودرس فقه متعلِّق بالقرآن ، آيات الأحكام التي هي أصل التشريع ، وأصل كل اجتهادٍ فقهي ، فإن شاء الله نبدأ اليوم بالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .

(( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع ـ من هؤلاء الأربع ـ السيدة خديجة بنت خويلد))
[أخرجه الطبري في تفسيره عن أبي موسى الأشعري]
(( خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ))
[متفق عليه عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أيها الأخوة ، أريد أن أقول لكم أن المرأة لها شأنٌ كبيرٌ عند الله ، وأنه :
﴿ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)﴾
( سورة النجم )
وقال :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (13)﴾
( سورة الحجرات )
لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً أشد وفاءً لزوجته من رسول الله :
أقول مرَّاتٍ كثيرة : الرجل حينما ينظر إلى المرأة نظرةً تنخفض عن مكانته هو ، هذا رجل جاهلي ، يمكن أن تسبق المرأة آلاف الرجال .
(( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع ـ من هؤلاء الأربع ـ السيدة خديجة بنت خويلد))
[أخرجه الطبري في تفسيره عن أبي موسى الأشعري]
ماذا قال عنها النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟ قال :
((آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ))
[أحمد عن السيدة عائشة ]
لذلك السيدة عائشة كانت كلَّما سمعت مديحاً من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عن السيدة خديجة تغار ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
(( اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَالَةَ قَالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا ))
[متفق عليه عن السيدة عائشة ]
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاء ))
[أحمد عن السيدة عائشة ]
كان يكرم صواحب خديجة بعد موتها ، لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً أشد وفاءً لزوجته من رسول الله :
(( قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاء ))
[أحمد عن السيدة عائشة ]
لم يرزقه الله تعالى ولداً ذكراً إلا من السيدة خديجة ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
(( مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ))
[متفق عليه عن السيدة عائشة ]
السيدة خديجة رضي الله عنها أول من آمن بالله ورسوله :
الآن إذا تزوج الإنسان امرأة ، ماتت زوجته الأولى فتزوج ثانية ، يتقرَّب إلى الثانية بذم الأولى :
(( وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ))
[متفق عليه عن السيدة عائشة ]
لا يوجد أروع من الوفاء أيها الأخوة ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام أراده الله أن يكون الزوج الوفي ، آلاف الرجال يتزوَّجون زوجات وهم فقراء ، فإذا اغتنوا تنكَّروا لهذه المرأة التي عاشت معه على الحصير ، تنكَّروا لهذه المرأة التي عاشت معه على الكفاف ، هذه المرأة التي كانت معك ، التي ذاقت قسوة الحياة معك ، يجب أن تذوق حلاوة الحياة معك .
سيدنا عبد الله بن عباس ماذا قال عن السيدة خديجة ؟ قال : " كانت خديجة أول من آمنت بالله ورسوله ... " ، أول امرأةٍ على الإطلاق ، أو الأصح من ذلك ؛ أول إنسانٍ آمن برسول الله السيدة خديجة ، الأسبقية لها قيمة كبيرة جداً ، " كانت خديجة أول من آمنت بالله ورسوله ، وأول من صدَّق محمد صلى الله عليه وسلَّم فيما جاء به عن ربه ، وآزره على أمره " .
صدقوا أيها الأخوة أن المرأة الصالحة يمكن أن تدفع زوجها إلى مراتب العظمة ، أساساً يقولون : ما من عظيمٍ إلا ووراءه امرأة ؛ تواسيه ، تخفِّف عنه ، تُسهم معه في مشكلاته ، تقف وراءه ، تدفعه إلى البطولة ، تخفف عنه أعباء الحياة ، المرأة الصالحة لا تقدَّر بثمن :

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
[النسائي عن عمرو بن العاص ]
مواساة السيدة خديجة للنبي الكريم من تكذيب المشركين له :
قال الله عزَّ وجل :
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(201)﴾
( سورة البقرة )
قال علماء التفسير : " حسنة الدنيا المرأة الصالحة ؛ التي إذا نظرت إليها سرَّتك ، وإذا غبت عنها حفظتك ، وإذا أمرتها أطاعتك " .
كان لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له ، إلا فرَّج الله عنه بها ، أي أنها كانت تواسيه ، فهناك امرأة هي عبءٌ على زوجها ، عبءٌ يضاف على أعبائه ، يُناضل خارج البيت ، يأتي إلى البيت ليجد آلاف المشكلات ، لا يرتاح ، أما المرأة العظيمة الصالحة يدخل الرجل إلى البيت فتنسيه متاعبه خارج البيت ، تخفِّف عنه وليست عبئاً عليه ، كان عليه الصلاة والسلام لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه من ردٍ عليه ، وتكذيبٍ له إلا فرَّج الله عنه بها ؛ تثبته ، وتصدقه ، وتخفِّف عنه ، وتهوِّن عليه ما يلقى من قولٍ ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))
[ الترمذي عن السيدة عائشة ]
يا أيها الآباء ابحث لابنتك عن زوجٍ يليق بها ، يا أيتها الأمهات ابحثن أو اخترن من بين الخاطبين الخاطب الذي يليق بابنتكن ، لأنه إن لم يكن هناك كفاءة فالمشكلة كبيرة .
يقول الإمام الذهبي : " السيدة خديجة هي ممن كمل من النساء ، كانت عاقلةً ، جليلةً ، ديِّنةً ، مصونةً ، كريمة " ، الحقيقة إن رأيت عقلاً راجحاً في المرأة فهذا مما يلفت النظر ، إن رأيت عقلاً راجحاً في امرأةٍ تسعد زوجها ، وفوق إسعاده عقلٌ راجح ، ونظرٌ ثاقب ، فهذا شيءٌ يعدُّ ميزةً كبيرةً جداً .


نبذة عن حياة السيدة خديجة رضي الله عنها :
أيها الأخوة الكرام ، السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، هي خديجة بنت خويلد بن أسدٍ بن عبد العزَّى بن قصي من الذؤابة من قريشٍ نسباً ، وبيتاً ، وحسباً ، وشرفاً ، يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلَّم في الجد الخامس ، وهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي ، أي أن أقرب امرأةٍ إلى النبي السيدة خديجة ، كم كان عمرها حينما تزوجها ؟ كانت في الأربعين وكان هو في الخامسة والعشرين ، ما أكثر الشباب الذين يندبون حظَّهم إذا كانت زوجاتهم تقل عنهم سنتين ، كان هو في الخامسة والعشرين وكانت هي في الأربعين ، أي أنها كانت في سن أمه ، ومع ذلك كانت السيدة خديجة أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم في النسب ، ولم يتزوَّج من ذرية جده قُصي غير السيدة خديجة ، أي أن أقرب امرأة إليه ، وأقربها نسباً إليه السيدة خديجة .
قُدَّر لخديجة أن تتزوج مرتين قبل أن تتشرَّف بزواجها من رسول الله ، أي أنها امرأة متزوجة مرتين ، لكنها لم تطلَّق مرتين ، بل مات عنها زوجاها ، أول زوج مات عنها ، والثاني مات عنها ، والله سبحانه وتعالى ـ دققوا في هذا المعنى ـ جعل زوجة النبي الأولى والتي عاش معها ، كم عاش معها ؟ خمساً وعشرين سنة ، رُبع قرن ، كم بلغت من العمر ؟ بالأربعين ، عاش معها إلى الخامسة والستين ، بدأ معها في الخامسة والعشرين ، وصار في الخمسين ، وهي في الخامسة والستين ، أطول فترة أمضاها النبي مع هذه الزوجة الطاهرة ، وكانت في سن أمه ، وكانت أقرب الزوجات إليه .
إذاً هل كانت مقاييسه جماليَّة ؟ امرأة في سن أمه ، وعاش معها ربع قرن ، وكانت أحب الزوجات إليه وأكرمها عليه ، إذاً الأسباب ليست جمالية ، الأسباب خُلُق ، عقل ، طُهر ، عفاف ، وفاء ، ولاء ، هذه الأسباب ، الأشياء التي تبقى في الخارج لا قيمة لها كثيراً لذلك ورد أنه :

((من تزوج المرأة لجمالها أذلَّه الله))
[موسوعة الدين النصيحة]
كلَّما ارتقت مرتبتك عند الله كان الذين حولك من النُخبة :
سمعت والله البارحة قصة رجلٍ وضع في الوحل ، لأنه آثر الجمال فقط ، ولم يعبأ بشيءٍ آخر ، أول شيء كُتب عليه مبلغٌ فوق الخيال مقدَّماً ومؤخَّراً ، ثاني شيء يوم الدخول لم تكن فتاةً ، ثالث شيء كانت تخونه ، رابع شيء أذلَّته حتى وضعته في الوحل .
((من تزوج المرأة لجمالها أذلَّه الله ـ فالجمال مطلوب ، لكن لجمالها فقط ـ ومن تزوجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً ، فعليك بذات الدين تربت يداك))
[موسوعة الدين النصيحة]
لمجرَّد أن أقول لكم : السيدة خديجة في عمر أم النبي ، وعاش معها ربع قرنٍ ، وكانت أقرب النساء إليه ، وكان وفياً لها أشد الوفاء ، قال : حينما فتح مكة أين نصب راية المسلمين ؟ عند قبر خديجة ، لأنها لم تكحِّل عينيها بالفتح .
دققوا في هذه الفكرة ، عند معظم الناس هذه امرأة لا تفهم شيئاً ، حينما فُتحت مكة ، من هذه المرأة التي كانت مع النبي ؟ تحمَّلت معه المُقاطعة ، والأذى ، والتكذيب ، والتضييق ، والتنكيل ، وكانت تصبِّره ، وتخفف عنه ، وتواسيه ، وتثبِّته ، ولم تكتحل عيناها بفتح مكة ، يوم فتح مكة المكرمة نصب راية المسلمين عند قبر خديجة ، كأنه أراد أن يُعْلِمَها بعد موتها أن ها قد فُتحت مكة التي أخرجتنا ، والتي نكَّلت بأصحابنا ، والتي ائتمرت على قتلنا وإخراجنا .
قال : قُدِّر للسيدة خديجة أن تتزوج مرَّتين قبل أن تتشرف بالزواج من النبي صلى الله عليه وسلَّم ، مات عنها زوجها الأول ، ومات عنها زوجها الثاني ، وانصرفت رضي الله عنها بعد موت زوجها الثاني عن الزواج ، ورفضت أن تتزوَّج أحداً ممن تقدَّم لخطبتها ، وقد تقدَّم لخطبتها رجالٌ كثيرون كلهم من أشراف مكة ، وكانوا حريصين على نكاحها ، قد طلبوها ، وبذلوا لها الأموال ؛ لشرفها ، ولعقلها ، ولنسبها ، ولجمالها رضي الله عنها ، وقد ألهمها الله تعالى أن ترُدَّ خطَّابها جميعاً ، كي تكون زوجةً لسيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم .
بصراحة الإنسان حينما يختار الله له زوجة هذه من اختيار الله له ، هذه هدية الله له ، مكانة النبي العالية اقتضت حكمة الله أن تكون زوجته سيدة نساء العالمين ، هذا من تكريم الله لرسول الله ، فبصراحة إذا إنسان حوله أُناس مستواهم رفيع جداً ، هذا من نِعَم الله عليه ، هذا تكريمٌ له ، وأحياناً يكون حول الإنسان حُثالة ، فكلَّما ارتقت مرتبتك عند الله كان الذين حولك من النُخبة ، وحينما هبطت المرتبة كان الذين حولك من الحُثالة .


أول شركة مضاربة قامت في الجزيرة قبيل الإسلام بين السيدة خديجة وبين رسول الله :
قيل : هذه السيدة رضي الله عنها انصرفت إلى تثمير مالها ، وتنميتها في حرفة التجارة التي اشتهر بها قومها ، قال تعالى :
﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ(1)إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ(2)﴾
( سورة قريش )
رحلة في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام ، ولكونها أنثى ما كانت رضي الله عنها تخرج بمالها مسافرةً ، أي هناك فطرة متغلغلة في الإنسان ، هذه قبل أن تأتي الرسالة المحمدية ، لشرفها ، وكمالها ، وعقلها ما كانت تخرج لتجارةٍ مسافرةً ، ماذا كانت تفعل ؟ تدفع مالها مُضاربةً للرجال ؛ منها المال ، ومن الرجال الجهد ، وأول شركة مضاربة قامت في الجزيرة قبيل الإسلام بين السيدة خديجة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
قال ابن إسحاق : " كانت السيدة خديجة بنت خويلد امرأةً تاجرةً ، ذات شرفٍ ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إيَّاه ، بشيءٍ تجعله لهم ، وكانت قريشٌ قد عُرفت بالتجارة ، هذه الزوجة الطاهرة اشتُهرت بأخلاقها الكريمة " .
ذكرت مرةً في خطبة أن العالِم الجليل ابن قيم الجوزية قال : "الإيمان هو الخُلُق ، فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان " ، الصفة التي ترفعك عند الله الخُلُق الحسن ، الصفة التي ترقى بها ، التي تسمو بها ، التي تعدُّ وسام شرفٍ لك عند خالقك الخُلُق الحسن ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما أثنى على النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
( سورة القلم )
قال : هذه المرأة الجليلة اشتُهرت بأخلاقها الكريمة النبيلة ، قال السهيلي : " خديجة بنت خويلد تسمَّى الطاهرة في الجاهلية والإسلام ، وتسمى أيضاً سيدة نساء قريش ، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة " .
قال الذهبي : " هي ممن كمل من النساء ؛ كانت عاقلةً ، جليلةً ، ديّنةً ، مصونةً ، كريمةً " . الأخلاق ليست لها علاقة بالأزمنة ، الأزمنة حديثة ، فيها أثاث فخم ، فيها مخترعات ، فيها أجهزة في البيت ، فيها مركبات فخمة ، فيها طائرات ، فيها حدائق ، فيها معامل ، فيها هواتف ، الأخلاق لا علاقة لها بالعصور ، في أي عصر يوجد أخلاق ، والأخلاق هو الشيء الذي يلفت النظر في الإنسان .


لابدّ من قواسم مشتركة بين الزوج وزوجته فالنبي لقبه الأمينٌ والسيدة خديجة الطاهرة :
أيها الأخوة في كلامٍ طيبٍ حول السيدة خديجة ، الأمين والطاهرة ؛ الأمين رسول الله ، والطاهرة السيدة خديجة ، والحقيقة ليس في الحياة أروع من أن تكون الزوجة على شاكلتك خُلقاً وديناً ، الذي يمزِّق الإنسان أحياناً أن يكون هو في وادٍ خلقيٍ رفيع ، في وادٍ دينيٍ رفيع ، وزوجته في وادٍ آخر ، هذا مما يُشقي الإنسان ، الإنسان إذا وفِّق إلى زوجةٍ طاهرةٍ ، تقيَّةٍ ، عفيفةٍ وفِّق إلى كل شيء .
الحقيقة أن كل إنسان له شخصيةٌ يكونها ، وشخصيةٌ يتمنى أن يكونها ، وشخصيةٌ يكره أن يكونها ، فلا بد من قواسم مشتركة بين الزوج وزوجته ، هو أمينٌ وهي طاهرة ، وإن الطيور على أشكالها تقع .
نشأ عليه الصلاة والسلام مُتصفاً بكل خُلُقٍ كريم ، مبرَّءاً من كل أمرٍ ذميم ، أدَّبه ربه ، يقول لك : الحياة ربَّته ، معترك الحياة هذَّبه ، له معلِّم جليل ربَّاه ، وتخرَّج من هذه المدرسة الراقية ، كل هذا الكلام في واد وإذا قلنا : إن الله أدَّب النبي ، في مستوى آخر ، كنت أقول دائماً :

(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[الترمذي عن أبي سعيد ]
تدخل إلى مكتبة فيها أعظم المجلدات ، كل هذه المكتبة من تأليف بشر ، أما كتاب الله كلام الله :
(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[الترمذي عن أبي سعيد ]
النبي من علَّمه ؟ الله جل جلاله ، إذاً بين علم النبي وبين علم أعلم علماء الأرض كما بين الله وخلقه تماماً ، لأن الله هو المعلِّم ، أما علماء الأرض علَّمهم بشر .
الشيء الثالث : أكبر مربي في الأرض إذا ربَّى أعلى تربية ، والنبي ربَّاه ربه جل جلاله ، بين أخلاق النبي وأخلاق إنسان مُربى أعلى تربية كما بين الله وخلقه ، إذاً الله جل جلاله علَّمه وأدَّبه ، لذلك قال أحد الشيوخ لبعض تلاميذه : " يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك " ، فالأدب مطلوب ، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب ، أدَّبه ربه سبحانه وتعالى فأحسن تأديبه ، حينما تُسأل السيدة عائشة عن خُلُق النبي كانت تقول :

((كان خلقه القرآن))
[ مسلم عن عائشة ]
حينما يُسأل : ما هذا الأدب الرفيع ؟ يقول :
(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ))
[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر فيما استعملك :
شهد له عليه الصلاة والسلام ربه في القرآن الكريم بكمال الأخلاق فقال :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
( سورة القلم )
شبَّ النبي الكريم والله تعالى يكلأه ، ويحفظه ، ويحوطه من أقذار الجاهليَّة ، والله يوجد في الحياة أحياناً مستنقعات ، مُنزلقات ، بؤَر نتنة ، أماكن لهو قذرة ، علاقات دنيئة ، سقوط مريع ، انهيار خلقي ، إنسان كالدَّابة ، كالخنزير ؛ ويوجد مجتمعات راقية جداً ، بيوت راقية ، مجالس علم راقية ، علاقات إنسانية راقية ، علاقات علمية راقية ، فالإنسان إذا كان في بيئة صالحة ، هذه من نِعَم الله الكُبرى ، لك مسجد ، لك أخوان ، لك جلسة دينية ، إن جلست تتكلَّم عن الله ، تنطق بالحق ، تتحدّث عن القيَم هذه من نعم الله العظمى .
مرَّة كنت في افتتاح المسجد كان بجانبي مدير أوقاف الريف ، قلت له : اشكر الله عزَّ وجل على أن الله أقامك على أمور المساجد ، فهناك من يشرف على دور اللهو ، وهو إنسان ، أنت اليوم تفتتح مسجداً ، وغيرك البارحة افتتح ملهىً ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .
سألني شخص مرة فقال لي : معنى قوله تعالى :

﴿ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ (3)﴾
( سورة النور )
هل هناك حالة امرأة غير زانية ، ونكحها زانٍ ؟ من أوجه تفسيرات هذه الآية أن الإنسان إذا رضي بزوجةٍ زانية فهو في حكم الزاني ، وان المرأة إن رضيت بزوجٍ زانٍ فهي في حكم الزانية ، إذاً هي على شاكلته ، لأنها قبلت به .

حاجة السيدة خديجة إلى رجل صادق أمين لتأتمنه على مالها :
أحياناً الإنسان يرى من ابنه بعض سوء الائتمان ، يقول لك : لا تدقِّق ، معنى هذا أن الأمانة ليست لها قيمة كبيرة عنده ، فأنت ما الذي يزعجك ؟ ما الذي يخرجك من جلدك أحياناً ؟ أن ترى نقيضك ، أما إن رأيت ما يوافقك فلا تكترث كثيراً ، فالمؤمن لا يُعقل أن يقبل بزانية ، والمؤمنة لا يمكن أن تقبل بزانٍ :
﴿ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا (3)﴾
( سورة النور )
أي لا يقبل بها إلا إنسانٌ على شاكلتها ، ولو لم يزنِ ، ما دام قد قبل بها زانيةً فهو في حكم الزاني ، والمرأة إن قبلت زوجاً زانياً ، ولو لم تزن فهي في حكم الزانية ، هذا المعنى واقعي .
سمعت السيدة خديجة رضي الله عنها بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلَّم ؛ من الصدق والأمانة ، وهي امرأةٌ تاجرةٌ تحتاج إلى الرجل الصادق الأمين لتأتمنه على مالها .
يا أخواننا التجار الموظَّف في العمل التجاري يُقبل منه مليون غلطة إلا أن يخون أو أن يسرق :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[ أحمد عن أبي أمامة ]
المؤمن لا يكذب ولا يخون والسرقة خيانة ، لكونها تاجرة سمعت به أميناً ، صادقاً . قال ابن إسحاق : " كانت السيدة خديجة امرأةً تاجرة ذات شرفٍ ومال ، تستأجر الرجال في مالها تضاربهم إياه بشيءٍ تجعله لهم منه ، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ أخواننا الكرام هذا الذي يضع ماله ليستثمره بربحٍ ثابت هذا نوع من الربا ، أما على شيءٍ تجعل لهم منه ، على نسبةٍ وليس على أجرٍ مقطوع ، وإلا صار هذا نوعٌ من الربا ـ فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما بلغها ، من صدق حديثه ، وعِظَمِ أمانته ، وكرم أخلاقه ، بعثت إليه ، وعرضت عليه أن يخرج بمالها إلى الشام تاجراً ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التُجَّار ، مع غلامٍ يقال له ميسرة " .

أنواع الفقر :
النبي عليه الصلاة والسلام نشأ فقيراً ، فهل الفقر وصمة عار ؟ أبداً لعلَّه وسامُ شرف ، فاللهمَّ صلي عليه كان يتيم ، وكان فقير ، كل إنسان افتقر وأخلاقه عالية ، فله في النبي أسوةٌ حسنة ، بل إن بعض الأحاديث الشريفة ـ التي ذكرتها مرَّةً ـ يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن قال له بعض أصحابه : " والله إني أحبُّك " ، قال : " انظر ما تقول " ، قال : "والله إني أحبُّك " ، قال : " انظر ما تقول " ، قال : " والله إني أحبُّك " . فقال عليه الصلاة والسلام :
(( إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شِرك نعليك ))
[ ورد في الأثر]
هذا الحديث يوقع الناس في حيرة ، أي هل الفقر من لوازم الإيمان ؟ الفقر محبَّب للإنسان ، علماءٌ أجلاء فسروا هذا الحديث على النحو التالي : هذا فقر الإنفاق ، فعندنا فقر الكسل ، وهو مذموم ، وعندنا فقر القدر ، وصاحبه معذور ، فيه عاهة تمنعه من العمل ، وعندنا فقر محمود ، وهو فقر الإنفاق ، سيدنا الصديق أعطى كل ماله لرسول الله ، قال :
(( يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ قَالَ : أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَه ))
[الترمذي عن عمر بن الخطاب ]
صار سيدنا الصديق فقيراً ، لكن فقره فقر إنفاق ، لذلك قال تعالى :
﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195)﴾
( سورة البقرة )
الآية التالية لها معنيان ؛ إن لم تنفقوا ، وإن أنفقتم مالكم كلَّه ، والمعنيان رائعان :
الآية التالية لها معنيان :
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195)﴾
( سورة البقرة )
إن لم تنفقوا :
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195)﴾
( سورة البقرة )
إن أنفقتم مالكم كلَّه ، والمعنيان رائعان .
نشأ النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً فقيراً ، توفي أبوه عبد الله وهو جنينٌ في رحم أمه ، لذلك دخلت مرةً إلى ميتم ، قرأت قوله تعالى في مدخل الميتم :

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى(6)﴾
( سورة الضحى )
والله اقشعرَّ جلدي ، أن سيد الخلق ، وحبيب الحق نشأ يتيماً ، اليُتم صعب ، الأخ غير الأب ، الأب يرحم ، الأخ قد يقسو ، فرقٌ كبير بين الأخ وبين الأب :
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى(6)﴾
( سورة الضحى )
خرج النبي صلى الله عليه وسلَّم مع عمه أبي طالب إلى بلاد الشام ، وعمره اثنتا عشرة سنة ، ورآه راهبٌ يقيم في صومعةٍ قرب بُصرى يدعى بَحِيرة ، فتفرَّس به مخايل النبوَّة ، وتأكَّد من فراسته حينما رأى خاتم النبوَّة بين كتفيه الشريفين .

عمل أكثر الأنبياء كان في رعي الغنم لأن فيه وقت فراغ كبير يعطى للإنسان كي يتأمَّل :
سمعت من أستاذ في الجامعة متحقق ، وعالج هذا الموضوع معالجة متأنيَّة ، فوجد أن قصة الراهب بحيرة ليس لها أصل جملةً وتفصيلاً ، بعضهم يقول : من الذي علَّمه ؟ الراهب بحيرة ، على كلٍ هذا لا يعنينا ، ولم يرد فيه نصٌ صحيح .
عمل عليه الصلاة والسلام برعي الغنم ، وصرَّح بذلك لأصحابه بعد بعثته ، مما يدلُّ على شدة تواضعه ، عمل راعيَ غنم ، أنا لا أعتقد أن في الأرض حرفةً أدنى من رعي الغنم ، انظروا إليه ، في البراري ، في الجبال ، في الوهاد ، مع قطيعٍ من الغنم ، أكثر الأنبياء عملوا في رعي الغنم ، ما التوجيه في ذلك ؟ لأن رعي الغنم فيه وقت فراغ كبير يعطى للإنسان كي يتأمَّل ، الحقيقة الإنسان يعدُّ إنساناً إذا كان عنده وقت فراغ ، فكلُّ عملٍ يلغي وقت فراغك خسارةٌ محقَّقة ، كل عملٍ مهما كان دخله كبيراً إذا ألغى وقت فراغك ، هذا العمل خسارةٌ محقَّقة ، لأنه ألغى سرّ وجودك ، ألغى غاية وجودك ، ألغى هويَّتك ، الله عزَّ وجل وصف هؤلاء فقال :

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾
( سورة المدثر )
لو ذهبت إلى شرق الدنيا أو إلى غربها ، لرأيت أن هذه البلاد ورشة عمل ؛ بلا كلل ، ولا ملل ، ولا راحة ، ولا استراحة ، ولا حياة ، ولا روحانيَّات ، ولا اتصال بالله ، ولا يقظة ، غفلة ، عمل مستمر حتى الموت ، العمل جيد لكن لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان ، الإنسان لا يجب أن يكون عبداً للعمل ، أن يكون العمل وسيلةً في خدمته .
سيدنا عمر وهو على المنبر كان يخطب ، قطع الخطبة بلا مبرّر ، وقال : " يا عُمير كنت راعياً ترعى على قراريط لبني مخزوم " ، وأكمل الخطبة ، شيء غريب ، ليس هناك داعٍ لقطع الخطبة ، وهذا الكلام لا علاقة له بالخطبة ، فلما نزل سُئل : " يا أمير المؤمنين لمَ قلت ما قلت ؟ " ، قال : " جاءتني نفسي فقالت لي : أنت أمير المؤمنين ، ليس بينك وبين الله أحد ، أردت أن أعرِّفها حدَّها ـ حجمها ـ " ، قال : " يا ابن الخطاب ، يا عمير كنت راعياً ترعى الإبل على قراريط لأهل مكة " ، قال : " أردت أن أعرِّف نفسي حدَّها " .

(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ . فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
الإنسان لا يولد عظيماً الله عزَّ وجل يمتحنه ويمرِّره بأطوار وأطوار :
تجد إنساناً يستحي من ماضيه ، يعتِّم عليه ، لكنني أرى أن الإنسان إذا ذكر ماضيه المتواضع رأى نعمة الله عليه ، قال لي رجل غني جداً : كنت عندما آكل في بيت أهلي الزعتر أضع قطعة الخبز على صحن الزعتر ، فإذا ضغطت قليلاً أُضرَب من والدي ، لا تضغط كثيراً " ، كان فقيراً إلى هذه الدرجة ، أي إذا ضغط على صحن الزعتر قليلاً معنى هذا في إسراف ، فيُضرب ، ثم صار شخصاً غنياً ، الإنسان إذا اغتنى يجب أن ينظر إلى ماضيه ، وإلى نعمة الله عليه .
رجل يعد في بعض البلاد أول تاجر خضراوات ، قال لي : أنا عندي أربعين أو خمسين براد ـ أسطول ـ ينتقل عبر البلاد لنقل الخضراوات ، عنده برادات تكفي لبلاد بأكملها ، قال لي : كنت عتالاً ، لكن والله ما فاتني فرض صلاة بحياتي ، ولا أعرف الحرام أبداً ، أنا أكبرت فيه تواضعه ، قال لي : " كنت عتَّالاً لكن ما فاتني فرض صلاة في حياتي ، ولا أكلت قرشاً حراماً ، ولا أعرف الحرام " .
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حينما أصبح في الخامسة والعشرين من عمره اتجه إلى العمل بالتجارة كسائر رجال قريش ، تذكر الروايات عن نفسية بنت مُنية قالت : " لمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خمساً وعشرين سنة ، وليس له بمكة اسمٌ إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير ، قال له أبو طالب : يا ابن أخي أنا رجلٌ لا مال لي ، وقد اشتدَّ الزمان علينا ، وألحَّت علينا سيول مُنكرة ، وليست لنا مادةٌ ولا تجارة ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيرها " .
أقف قليلاً هنا ، النبي كان فقيراً ، ليس فقيراً فحسب ، بل أُمر أن يذهب ، أن يسافر ، " يا ابن أخي أنا رجلٌ لا مال لي ، وليست لنا مادةٌ ولا تجارة ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيرها ، فيتجرون لها في مالها ، ويصيبون منافع ، فلو جئتها وعرضت نفسك عليها ، لأسرعت إليك ، وفضَّلتك على غيرك لما بلغها عنك من طهارتك ، وإن كنت أكره أن تأتي الشام ، وأخاف عليك من اليهود ، ولكن لا نجد من ذلك بُدَّاً " ، أي اذهب واطلب منها أن تسافر إلى الشام بتجارةٍ لها .
قال : غلب على النبي الكريم حياؤه وعزة نفسه ، فقال لعمه أبي طالب : " لعلَّها ترسل إليَّ في ذلك ، ثمة إنسان نفسه غالية عليه ، لا يطلب ، لا يلح في الطلب :

((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير .))
[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، فالنبي الكريم غلب عليه حياؤه وعزة نفسه فقال لعمه أبو طالب : " لعلها ترسل إليَّ في ذلك " ، فقال أبو طالب : " أخاف أن تولي غيرك فتطلب الأمر مدبراً " . أي أن تفوتك الفرصة ، فافترقا ، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له ، وقبل ذلك ما كان من صدق حديثه ، وعظم أمانته فقالت : " ما علمت أنه يريد هذا " ، ثم أرسلت إليه فقالت : " إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وكرم أخلاقك " .
في تعليق لطيف : هذا سيد الرسل ، سيد الأنبياء ، وسيد ولد آدم ، وسيكون نبياً عظيماً ؛ طالب عمل ، يستحي أن يطلب هذا العمل ، قال له : أنا أستحي إن أرسلت إلي ، فالإنسان لا يولد عظيماً ، الله عزَّ وجل يمتحنه ، يمرِّره بأطوار وأطوار ، هذا الذي يستحي أن يطلب منها أن يسافر إلى الشام ، وهي ليس عندها علم ، وقال له عمه : " لعلها تطلب غيرك فيفوتك الأمر " ، قالت له : " إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك ، وعِظَمِ أمانتك ، وكرم أخلاقك ، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك " ، يبدو أنها أكبرت فيه أمانته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( الأمانة غنىً ))
[الجامع الصغير عن أنس ]
من عُرض عليه شيء من دون شرط ولا طلب فرده فكأنما رده على الله :
أخواننا الكرام ، عندي قصص والله ، الأمناء يصلون إلى قمم المجد ، إيَّاك أن تخون ، إيَّاك أن تكذب ، لأنه أمينٌ وصادق أعطته ضعف ما تُعطي قومها من الأجر ، ففعل عليه الصلاة والسلام ، ثم لقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك ، فقال : " إن هذا لرزقٌ ساقه الله إليك " ، بالمناسبة هناك أخوان كثر يتأبَّون عن شيء ساقه الله إليهم :
(( إذا فتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه ))
[ من زيادة الجامع الصغير عن السيدة عائشة ]
إنسان عرض عليك مساعدة ، عرض عليك أنْ يغيِّر وضعك ، من وضع إلى وضع ، فثمة شخص يتأبَّى بلا سبب ، كِبر ، لا ، فإذا عرض عليك شيء من دون طلب ، ولا استشرافٍ ، ولا شرطٍ ، فرددته فكأنما رددته على الله ، ماذا قال له أبو طالب ؟ " هذا رزقٌ ساقه الله إليك " ، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام مع غلامها مَيْسَرَة ، وقالت خديجة لميسرة : " لا تعص له أمراً ، ولا تخالف له رأياً " ، لا بد من قائد واحد .
وفي درسٍ قادم إن شاء الله نتحدَّث عن خبر هذه الرحلة التجارية الأولى ، التي تمَّت بين النبي عليه الصلاة والسلام ، وغلام السيدة خديجة ميسرة ، وكيف أن هذه الرحلة كشفت أخلاق النبي الكريم ، وسُمَّي السفر سفراً لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرجال .
أيها الأخوة الكرام ، هذه القصص التي جرت مع سيِّد الخلق هي دروس ، والمواقف مُثُل عُليا ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها .


والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 07:14 AM   #7
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 2-8 : زواجها من النبي صلى الله عليه و سلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-02

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثاني من دروس سير الصحابيَّات الجليلات ، رضوان الله عليهم ، ومع أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .

كان النبي أول شريك مضاربٍ في الإسلام هو بجهده وخديجة بمالها :
وصلنا في الدرس الماضي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع غلام خديجة رضي الله عنها ميسرَة ، وقالت السيدة خديجة لميسرة : " لا تعص له أمراً ولا تخالف له رأياً ".
لو وقفنا عند ميسرة قليلاً ، لا نجد لهذا الاسم ذكرٌ بين الصحابة ، يرجِّح كُتَّاب السيرة أنه توفي قبل البعثة ـ ميسرة غلام خديجة ـ فقد رافق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة التجارية ، إذ كان النبي أول مضاربٍ في الإسلام ؛ هو بجهده وخديجة بمالها .
هذا هو الطريق المشروع لاستثمار المال ، أن يكون هناك إنسانٌ لا يستطيع أن يستثمره لكبر سنه ، أو لبُعده عن جو التجارة ، أو لصغر سنه ، أو لانشغاله ، فيأتي شابٌ في مُقتبل الحياة بأمس الحاجة إلى المال ولا يملكه ، يملك الخبرة ، ولا يملك المال ، فإذا تعاون هذا المال مع تلك الخبرة انتفع الطرفان ، دون أن يكون أحدهما عبئاً على الآخر ، لذلك هذا هو الطريق المشروع لتنمية الأموال ، ولكن الذين أساؤوا استخدام هذا البند من الشرع ، أساؤوا إساءةً كبيرةً جداً وقوَّوا مركز البنوك ، حينما أساؤوا هذا الأسلوب الشرعي النظيف ، الواضح ، المتوازن .
لذلك يعد النبي عليه الصلاة والسلام أول شريكٍ مضاربٍ في الإسلام هو بجهده وخديجة بمالها .
ميسرة حينما سار مع النبي وتتبع تصرفاته ، وأخلاقه ، ومواقفه ، وسَمْتَهُ ، واتصاله بالله عز وجل ، أعجب به أيما إعجاب ، أعجب من حسن معاملته ، أعجب من صدق حديثه ، دُهِشَ بما رأى من خوارق عجيبة .
نحن نسميها للمؤمن كرامات ، فعلماء التوحيد يسمونها للأنبياء معجزات ، أي أنك حينما تقبل على الله ، حينما تخلص له ، حينما يحسن عملك ، حينما تصفو نيَّتك ، حينما تقدِّم كل ما تملك في سبيل الحق ، لا بد أن يريك الله بعض الكرامات ، بعض خرق العادات ، هو إشعارٌ من الله بالقبول ، إشعارٌ من الله بالمحبة .
لذلك عندما يشتد الحر في الهاجرة ، كانت تأتي غمامةٌ تظلل النبي صلى الله عليه وسلم ، وتحجب عنه أشعة الشمس ، لذلك الذين يمدحون النبي عليه الصلاة والسلام ، يصفونه بأنه مظللٌ بالغمام ، هذه من الخوارق التي أكرم الله بها نبيه .


الله هو الحق وهو الذي يظهر فضائل الناس :
تروي الروايات أن راهباً من رهبان الصوامع في بلاد الشام يدعى نسطوراً دنا من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبَّل رأسه ، وقدميه ، وقال له : " أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة " ، لأنه رآه مظللاً بالغمام .
لحكمةٍ أرادها الله ، وبتوفيقٍ من الله عز وجل ، يسَّر الله للنبي هذه التجارة ، وربحها ربحاً وفيراً ، وعاد ميسرة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فحدثها بما رأى .
تعليقي على هذا الموقف أن الإنسان كلما كبُر لا يمدح نفسه ، أو لا يستجدي المديح ، عمله ينطق عنه ، الإنسان إذا كان عند الله كبيراً فهو غنيٌ عن أن يستجدي مديح الآخرين ، غنيٌ عن أن يعرض عضلاته ، وإمكاناته ، وقدراته ، وما توصَّل إليه ، وماذا فعل؟ وكيف عامل الناس ؟ دع الناس تتحدث عنك ، دع الناس يتحدثون عنك لأن الحق أبلج ، والناس لهم عيون ولهم آذان ، ويرون :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا(49)﴾
( سورة النساء )
هل ورد عن النبي أنه مدح أمانته ؟ مدح صدقه ؟ تحدث عن خبرته في التجارة ؟ لا لكن ميسرة رأى كل شيء ونقل كل شيء ، ولأن الله هو الحق ، إذاً هو الذي يظهر فضائل الناس ، يظهرها ألم تقرأ قوله تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا (38)﴾
( سورة الحج )
الإنسان ليجهد أن يضع نفسه في الظل ـ أو في التعبير الحديث في التعتيم ـ إن وضع نفسه في الظل الناس يتحدثون عن فضائله ، لأنهم رأوها رأي العين ، يتحدثون عنها ، أما أنت إذا تحدثت عنها ، كان حديثك عنها ثقيلاً ، قيل : رقصت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها ، اجهد أن تتحدث عن الله ورسوله وأوليائه دون أن تسلِّط الأضواء على نفسك .

أنا ، نحن ، لي ، وعندي ، أربع كلماتٍ مهلكات ورد ذكرها في القرآن الكريم :
في هذه الرحلة ما تكلم النبي كلمةً عن نفسه أبداً ؛ ولكنه كان صادقاً ، أميناً ، عفيفاً ، محباً ، حكيماً ، كل هذه الفضائل رآها ميْسرة ، وأخبر بها خديجة ، هناك أُناسٌ همهم أن يتحدَّثوا عن أنفسهم ، وكما تعلمون ، كلمة أنا ، ونحن ، ولي ، وعندي ، هذه أربع كلماتٍ مهلكات ، أنا ، ونحن ، ولي ، وعندي :
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (12)﴾
( سورة الأعراف )
قالها إبليس فأهلكه الله .
﴿ نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (33)﴾
( سورة النمل )
قالها قوم بلقيس فأهلكهم الله .
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾
( سورة القصص الآية : 78 )
قالها قارون فخسف الله به وبداره الأرض .
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف : من آية " 51 " )
قالها فرعون فأغرقه الله عز وجل ، لا ترَ لك عملاً ، رحمة الله أوسع من عملك من أدعية النبي له الصلاة والسلام :
(( يا رب مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى لي من عملي ))
[الحاكم عن سيدنا جابر]
وبالطبع ميسرة حدَّث سيدته خديجة بما رأى من أحوال النبي العجيبة ، وأخلاقه الكريمة ، وشمائله الرفيعة .

من زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان لأن الإيمان حُسن الخلق :
تذكر بعض الروايات أن السيدة خديجة رأت الغمامة بنفسها ، وهي تظلل النبي صلى الله عليه وسلم عندما رجع إليها ، وكانت جالسةً في غرفة عالية مع بعض نساء قومها .
السيدة خديجة أرادت أن تتثبت من فكرةٍ ترددت في نفسها ، فذهبت إلى ابن عمٍ لها ، فهذا إنسان غير طبيعي ، إنسان ليس له مثيل ، هذه الغمامة ، آيةٌ من آيات الله ، وكأنه إنسان مهيَّأ لشيء كبير ، أرادت أن تتثبت بنفسها فذهبت إلى ابن عمٍ لها يُدعى ورقة بن نوفل وكان قد تنصَّر ، وقرأ كُتب أهل الكتاب ، فذكرت له ما أخبره ميسرة من شأن النبي ، فقال لها : " لئن كان هذا حقاً يا خديجة فإن محمداً لنبيُّ هذه الأمة ، وعرفت أنه كائنٌ لهذه الأمة نبيٌ ينتظر وهذا زمانه " ، أي أن ورقة بن نوفل أبلغ السيدة خديجة ابنة عمه أن لهذا الإنسان كما تذكرين شأناً كبيراً ، ولعله نبي هذه الأمة .
الدلائل التي تسبق البعثة ، سماها علماء السيرة إرهاصات ، الإرهاصات معجزات ، ولكنها قبل البعثة ، كأنها إشارات مبكِّرة إلى أن هذا الإنسان سينتظره شأنٌ كبير .
بالطبع السيدة خديجة رأت من أمانته ، ومن كرمه ، ومن صدقه ، ومن عفَّته ، ومن استقامته ، ومن خوراق العادات الشيء الكثير ، فكان قلبها متعلِّقاً بالنبي ، وقد امتلأ حباً له ، وإعجاباً به عليه الصلاة والسلام ، وكيف لا تحبه وهو أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً ؟

وأحسنُ منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقـت مبرأً مـن كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاءُ
***

أيها الأخوة الكرام ، من زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان ، لأن الإيمان حُسن الخلق ، وما مُدِحَ النبي بمدحٍ أبلغ من قول الله عز وجل :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
( سورة القلم )
هو أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً ، وأنضر الشباب وجهاً ، وأكملهم رجولةً ، ولكن أين السبيل إليه ؟ وما هي الوسيلة التي تقرِّبها منه ؟ كيف تجعله يفكر في الزواج منها ويتقدم لخطبتها ؟ وقد جرت أعراف الناس وتقاليدهم أن تكون المرأة هي المَخطوبة لا الخاطبة ، المطلوبة لا الطالبة ، الآن الآية معكوسة ، هي تبحث عن طريقٍ تصل إليه ، الشيء الذي أدهشها أنها ما لاحظت من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفكِّر في الزواج ، ولم تر منه عليه الصلاة والسلام أي التفاتٍ إلى النساء ، ولم تر بصره يرتفع إلى وجهها ، وهذا شأن العفيف ، فلا يملأ عينيه من محاسن المرأة ، ولا ينظر إلى وجهها ، لك أن تكلِّمها ، ولك أن تخاطبها من دون أن تملأ عينيك منها ، والأنثى تعرف بالضبط من نظرة الرجل ما إذا كان عفيفاً ، أو كان شهوانياً ، أدركت أنه بعيدٌ عن جو النساء ، ولا شك أن المرأة تستشعر هذه الحالة بشكلٍ دقيق .

السيدة خديجة خطبت النبي صلى الله عليه وسلَّم لتتشرف بالزواج منه :
قد دلت بعض الروايات أيها الأخوة أنه ما كان في ذلك الوقت يفكِّر في الزواج إطلاقاً ، لا من خديجة ، ولا من غيرها ، بسبب قِلَّة ما في يديه من المال ؛ وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، فإذا كان الشاب من الشباب الطيبين المؤمنين ، ألا تتزوج ؟ والله لا يوجد معي شيء ، له في هذا النبي أسوةٌ حسنة ، سيد الخلق ، وحبيب الحق لا يوجد معه ، ما دام لا يوجد شيء إذاً لا يفكر في الزواج إطلاقاً ، أحياناً الفقر مع العفة يخلق بطولات ، حتى إنهم قالوا : الحُزن خلاَّق ، أكثر الفضائل لا تظهر مع الغنى ، بل تظهر في الفقر ، شاب في ريْعان الشباب ، وسيم ، وجهه كالبدر ، قوي ، لا سبيل إلى الزواج .
ذكر الزُهري في سيرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة ليتحدث معها ، فلما قام من عندها جاءت امرأةٌ فقالت : خاطباً يا محمد ؟ قال : كلا ، قالت : ولمَ ؟ فو الله ما في قريشٍ امرأةٌ إلا تراك كفئاً لها ، قال لها : كلاَّ ، أما كلمة كلاَّ فقد ملأت قلب السيدة خديجة حزناً ، كلا ، أي لا أريد الزواج .
ثم سمعت من هذه المرأة أن أيَّة امرأةٍ في قريش تراه كفئاً لها ، حتى إن الفقهاء وصلوا إلى أن أي طالب علمٍ شرعي كفءٌ لأية امرأةٍ كائنة من كانت ، في بحث الكفاءة استثناء ، طالب العلم الشرعي ؛ هذا الإنسان المؤمن ، المستقيم ، الذي يخشى الله ، الذي يحب الله ، هذا بأخلاقه الرضيَّة ، وبعلمه ، وباستقامته ، وبحسن خلقه ، هذا كفءٌ لأي امرأة .
لذلك السيدة خديجة حزنت حينما قال : كلا ، وفرحت حينما اطمأنت أن كل امرأةٍ في قريش تتمنى أن يكون محمدٌ زوجاً لها .
اتفقت الروايات على أن السيدة خديجة رضي الله عنها هي التي خطبت النبي .
نحن نوسع الموضوع قليلاً : المؤمن يخطب ود الله عز وجل ، المؤمن لا يعنيه شيءٌ إلا أن يرضى الله عنه ، فهذه امرأةٌ رأت من فضائله ، وكماله ، ونزاهته ، واستقامته ، وأمانته ، وصدقه ، وعفافه الشيء الكثير ، فالآية عكست ، هي التي تخطبه ، تبحث إلى وسيلةٍ إلى قلبه .
قال : اتفقت الروايات على أن السيدة خديجة هي التي خطبت النبي صلى الله عليه وسلَّم لتتشرف بالزواج منه ، وأنها هي التي مهَّدت بإجراءات الخطبة ، وتجاوزت بهذا كل الأعراف والتقاليد التي تجعل الرجل هو الخاطب ، الذي يتقدَّم لخطبة امرأة ، ولها كل العُذر في ذلك ، فمثل النبي تخطبه النساء ، وما من امرأةٍ إلا تتمناه لنفسها زوجاً ، وتبذل كل ما تستطيع لتصبح زوجةً له .


الإنسان إذا عُرِضَ عليه شيء لا يتأبَّى عنه
وهذا تواضع منه :


تعليق متعلق بحياتنا اليومية : الشاب المؤمن إذا تزوَّج ابنتك لن يظلمها ، لن يخونها ، لن يُهملها ، لن يقسو عليها ، زوِّجها لمؤمن ، إن أحبها أكرمها ، وإن لم يحبها لم يظلمها ، الزواج رِق ، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته .
ذكرت بعض الروايات أن السيدة خديجة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرَّحت له برغبتها أن تكون زوجةً له ، هذه رواية ، وذكرت رواياتٌ أخرى أنها أرسلت إليه بعض النساء لكي يتكلَّمن معه في موضوع الخطبة .
بل إنه من الممكن أن نجمع بين هذه الروايات كلها : تحدثت السيدة خديجة مع بعض خاصَّتها من النساء عن أمنيتها ، ورغبتها في أن تصبح زوجةً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الحديث مع صديقتها نفيسة بنت مُنَيَّة ، وطلبت منها أن تساعدها في تحقيق رغبتها ، وقامت بالدور المهم في التمهيد لهذه الخطبة المباركة ، وتحدثت أيضاً لأختها هالة بنت خويلد ، وكلَّفتها بالمهمة نفسها .
أما هالة فذكرت بعض الروايات أنها تحدَّثت مع عمار بن ياسر ، ويبدو أن عمَّاراً الذي قال : مررت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأخت خديجة فنادتني ، فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله ، فقالت : أما لصاحبك هذا من حاجةٍ في تزوِّج خديجة ؟ فقال عمار : فأخبرته ، فقال عليه الصلاة والسلام : بلى .
الإنسان إذا عُرِضَ عليه شيء لا يتأبَّى عنه ، من كمال الأخلاق إذا إنسان عرض عليك خير ؛ عمل ، زواج ، وكان شيء مقبول وجيد ، لا تتكبَّر ، لا تتأبَّى ، هذا تواضع من الإنسان .


الدوافع التي دفعت السيدة خديجة إلى الزواج من النبي محمد :
أما نفيسة فقد روى ابن سعد عنها أنها قالت : " كانت خديجة بنت خويلد امرأةً حازمة جادةً شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذٍ أوسط قريشٍ نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وكل قومِها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ، فأرسلتني " .
تقول نفيسة : فأرسلتني دسيساً إلى محمد ـ كلفتني بمهمة ـ بعد أن رجع من عيرها في الشام فقلت : " يا محمد ما يمنعك من أن تتزوج ؟ " فقال عليه الصلاة والسلام : "ما بيدي ما أتزوج به " ، قلت : " فإن كُفيت ذلك ، ودُعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ " ، قال : "فمن هي ؟ " ، قلت : " خديجة " ، قال : " وكيف لي بذلك ؟ " قالت : " قلت علي " ، قال : " فأنا أفعل إذاً " .
لما علمت رضي الله عنها برغبة النبي صلى الله عليه وسلم بما أُرْسِلَت إليه ، وعرضت نفسها عليه ، وبيَّنت له الدوافع التي دفعتها إلى الزواج به ، فقالت : " يا ابن عم ، إني قد رغبت فيك لقرابتك ، وصفتك في قومك ـ أنت وسطٌ في قومك ، إنسان كامل ـ وأمانتك ، وحسن خُلُقِك ، وصدق حديثك " ، ولم تذكر رضي الله عنها أي دافعٍ آخر ، ولم تذكر ما ترجو من شأنٍ كبير حينما تكون زوجة رسول الله ، لأنها علمت من ابن عمها أن لهذا الإنسان شأنٌ كبير ، هذه أمور غيبية مستقبلية لا يمكن الجزم بها ، يوجد عقل ، الشيء الثابت أنه ذو خلقٍ عظيم ، شمائل رفيعة ، كرم ، استقامة ، صدق حديث ، أمانة .
تحدث النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في موضوع الخطبة ، وزواجه بالسيدة خديجة ، وأخبره بما حدث معه ، فوافق عمه على أن يتقدَّم لخطبتها ، وذهب عمه مع عشرةٍ من وجوه بني هاشم إلى عمها عمرو بن أسد ، فخطبها منه ، فزوجه ، وقال : " هذا الفحل لا يُجْدَعُ أنفه " ، أي لا يرد طلبه .


خُطبة النكاح التي ألقاها عمّ النبي أبو طالب :
الآن تستمعون أيها الأخوة إلى الكلمة التي ألقاها عمه أبو طالب ، هذه يسميها العلماء خُطبة النكاح ، الخِطبة أن تخطب امرأةً ، الخُطبة أن تلقي خُطبة ، هذه خُطبة النكاح ، يقول أبو طالب :
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ، وجعلنا حضنة بيته وسوَّاس حرمه ، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً ، وجعلنا حُكَّام الناس ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله ، لا يوزن به رجلٌ إلا رجح به ؛ شرفاً ، ونُبلاً ، وفضلاً ، وعقلاً ، وإن كان في المال قِلٌ فإن المال ظلٌ زائل ، وأمرٌ حائل ، وعاريةٌ مسترجعة ، وهو والله بعد هذا له نبأٌ عظيم ، وخطرٌ جليل ، وقد خطب إليكم رغبةً في كريمتكم خديجة ، وقد بذل لها من الصداق حكمكم ـ أي ما تريدون ـ عاجله وآجله اثنتا عشر أوقيةً ونَشَّاً ـ النَش من العملة المستعملة وقتها ـ هذه خطبة النكاح .
تحدث عن الخاطب ، عن أخلاقه ، عن نسبه ، عن شرفه ، عن مكانته ، وتحدَّث عن الزوجة المخطوبة ، عن كرمها ، وعن عظيم أخلاقها ، ثم تحدث عن المهر .
هذا المقدار أيها الأخوة مقدار المهر ، يتفق مع ما جاء في الحديث الصحيح ، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأل السيدة عائشة رضي الله عنها :

((كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان صداقه لأزواجه اثنتا عشرة أوقيةً ونَشَّا ـ الأوقية أربعون درهم ، والنَش نصف أوقية ـ ثم قالت : أتدري ما النش ؟ قال : قلت : لا . قالت : نصف أوقية ، فتلك خمسمئة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه))
[مسلم عن إسحاق بن إبراهيم]
استنتاجات من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه بالسيدة خديجة :
أيها الأخوة الكرام الذي يعنينا من هذه السيرة أن نستنبط منها قواعد تعيننا على أن نستقيم على أمر الله وعلى أن نصل إليه ، فمن هذه الاستنتاجات من سيرة السيدة خديجة :
1 ـ الفضيلة التي تنطوي عليها لو لم تذكرها للناس يعرفها الناس :
أولاً : الفضيلة التي تنطوي عليها لو لم تذكرها للناس يعرفها الناس ، أنت لست بحاجةٍ إلى أن تُسَلِّط الأضواء على نفسك ، البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديَّان لا يموت ، النبي عليه الصلاة والسلام ما أُثر عنه أنه مدح نفسه ، ولا ذكر فضائله ، ولا شمائله ، ولا صدقه ، ولا أمانته ، ولكن الناس جميعاً عرفوا كل فضائله ، وعرفوا كل شمائله ، وقدَّروه أعظم تقدير ، لذلك ليس من الحكمة أن تمدح نفسك .
ميسرة رأى كل شيء ، وأنبأ خديجة بكل شيء ، وانتهى الأمر ، والله هو الحق ، ومعنى الحق الذي يظهر الحق ، ويكشف الحقائق ، هذه أول نقطة ، دع الناس يمدحونك ، أنت اصمت .

(( يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرها ، قلت : بلى ، قال : طول الصمت وحسن الخلق ...))
[شعب الإيمان عن أنس]
كان عليه الصلاة والسلام يغلب عليه الصمت ، والفضائل ظاهرة ، والفضل لا يخفى على أحد ، والشمائل الطيبة لا تخفى على أحد ، أما إذا أنت ذكرتها وتباهيت فيها ، شك الناس في إخلاصك ، وفي مكانك عند الله عز وجل .
2 ـ أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح :
ثانياً : أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح ، فالإنسان بحق نفسه قد يكون ضعيف ، فإذا يسَّر الله لك أن تكون سبباً في زواجٍ مبارك ميمون ، هذا عمل طيِّب ، لأن الله عز وجل يقول :
﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (32)﴾
( سورة النور )
أنت يجب أن يكون مسعاك أن تعرِّف شاباً بقريبة لك ، أو قريبة بشاب ، العبرة أن تكون سبب بتأسيس بيت مسلم ، هذه نقطة ثانية .
3 ـ إذا الإنسان عُرِضَ عليه الخير ينبغي ألا يتأبَّى في ذلك :
ثالثاً : إذا الإنسان عُرِضَ عليه خير من دون طلبٍ ولا استشراف نفسٍ ، فرده ، فكأنما ردَّه على الله ، النبي كان أديباً جداً ، أول عرض قال : بلى ، والثاني قال : بلى ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، هناك نفوس مريضة ، تتأبى ، ترفض ، للرفض فقط ، حباً بالرفض ، فإذا الإنسان عُرِضَ عليه الخير ، مخلص ، جيِّد ، ينبغي ألا يتأبَّى في ذلك .
4 ـ النبي ما كان يفكر في الزواج لأنه لا يملك مالاً ولكن الله سبحانه إذا أعطى أدهش :
الشيء الأخير كما قلت قبل قليل أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يفكر في الزواج إطلاقاً ، السبب ليس بين يديه مالٌ يعينه على الزواج ، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الكريم ، وإذا أعطى أدهش ، لذلك : ما شكا أحدٌ ضيق ذات يده إلا قال له النبي : اذهب فتزوج .
(( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هناك أربع استنباطات في هذا الدرس تُستنبط من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه بالسيدة خديجة .

والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 08:07 AM   #8
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 3-8 : بيت النبوة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-03

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من دروس سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهم ، ومع زوجة النبي الأولى السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، وها نحن ننتقل في هذا الدرس إلى بيت النبوَّة .

بيت النبوة قدوةٌ ومثل أعلى لكل بيت :
إنّ بيت النبوة شيءٌ كبير ، لأنه المثل الأعلى لكل بيت ، تقول أحياناً : هذا بيتٌ مسلم ، ترى الإسلام فيه واضحاً ، ترى الأدب ، ترى الحشمة ، ترى الاحترام ، ترى العبادات ، ترى الخير ، ترى التربية ، بيت مسلم ، فرقٌ كبير بين بيت المسلم وبيت غير المسلم ، أعلى هذه البيوت على الإطلاق بيت النبوة فهو قدوةٌ لكل بيت ، مثلٌ أعلى لكل بيت .
سكن النبي صلى الله عليه وسلَّم مع زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها في بيتها ، أحياناً امرأة صالحة عندها بيت يتزوجها رجل ، يأبى أن يسكن في بيتها ، إن كانت صالحةً وقدَّمت لك هذا البيت معونةً لك ، ما الذي يمنع أن تسكن عندها ؟ هذا النبي عليه الصلاة والسلام تزوَّج السيدة خديجة في بيتها فكانا أسعد زوجين ، وأكرم عروسين ، ونالت رضا الله عنها بشرفٍ كرَّمها الله به ، فكانت أم المؤمنين الأولى ، يقول الله عزَّ وجل :

﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (6)﴾
( سورة الأحزاب )
هذه زوجة النبي الأولى ، وهي أم المؤمنين الأولى ، أي أن أعلى مرتبة في المجتمع الإسلامي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ، هي في مقام أمٌ لكل المؤمنين :
﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (6)﴾
( سورة الأحزاب )
عاش النبي معها في بيتها ، وكان بيتاً كسائر البيوت .

النبي عدَّ الغنى المُطغي أحد أكبر المصائب :
تذكرون أيها الأخوة أن سيدنا عمر حينما دخل على النبي صلى الله عليه وسلَّم وقد اضطجع على حصير ، وأثَّر في خدِّه الشريف فبكى عمر ، قال : يا عمر لماذا تبكي ؟ قال : " رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! " ، قال : يا عمر إنها نبوةٌ وليست ملكاً ، أنا لست ملكاً ، هذه النبوة .
(( يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بَلْ نبياً عبداً أجوع يوماً فأصبر وأشبع يوماً فأشكر ))
[مسند أبي حنيفة عن إبراهيم النخعي]
يبدو أن التقشُّف ، والفقر ، والضعف أقرب إلى العبودية ، ليس هناك ما يمنع أن تكون قوياً ، أو أن تكون غنياً ، ولكن القوة مزلقٌ خطير ، والغنى مزلقٌ خطير قلَّما ينجو منه إنسان ، بين كل مئة فقير تجد ثمانين عبيدٌ لله ، لكن بين كل مئة غني لا تجد عشرة عبيدٌ لله ، الغنى مزْلق ، والقوة مزلق ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عدَّ الغنى المُطغي أحد أكبر المصائب .
كان بيتاً كسائر البيوت ، لم يكن كما تُصوره بعض الكتب قصراً كبيراً ، إنما هو بيتٌ صغير ، كلكم سمع مني كثيراً أن بيت النبي صلى الله عليه وسلَّم في المدينة كان صغيراً إلى درجة أنه لا يستطيع أن يصلي وزوجته نائمة ، فكانت تنحرف قليلاً كي يسجد ، ما هذا البيت الصغير وهو سيد العالمين ؟ فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ، فإن قال : أهانه فقد كذب ، وإن قال : أكرمه فقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا .
أيها الأخوة قدَّمت السيدة خديجة للنبي نفسها ، كما قدَّمت له مالها ، وقال بعض المفسِّرين : هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6)وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7)وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
( سورة الضحى )
هذه السيدة الشريفة الغنية نالت شرف أن تكون أم المؤمنين ، زوجة سيد المرسلين ، وأن تقدم له مالها ، وبيتها ، ونفسها .

السيدة خديجة قدَّمت بيتها ومالها ونفسها للنبي الكريم :
أريد أن أعلِّق تعليقاً : إذا كان أخ طالب علم وأخ ثان يعمل ويقدِّم له ، هل تصدقون أن الذي يعمل ، ويقدم له لا يقل عن أجره ؟ الله عادل ، فأخ كريم قال لي : أنا طالب طب ، قلت له : من ينفق عليك ؟ قال : أخي يعمل بحرفة ، وهو الذي ينفق علي ، والله أيها الأخوة رأيت الثاني الذي ينفق على الأول بطلاً .
سمعت عن أحد الأشخاص له ابنٌ وابنة ـ هكذا سمعت ـ الابنة تعمل في الخياطة ، وهي التي أنفقت على أخيها حتى صار طبيباً ، كان من وصية الأب أن يقتسم الأخوان المال بالتساوي ، والله عزَّ وجل أكرم الطبيب بدخل كبير جداً ، فكان يعطي نصفه لأخته ، لأنها سبب نيله هذه الشهادة ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله .
إنسان يعمل ويقدم لطالب علم ، أنا أتصور أن له عند الله أجراً كبيراً ، أن هذا الذي يعمل ، ويقدِّم لطالب العلم لا يقل في الأجر عن طالب العلم .
في أحد الحفلات قام أحد الخطباء وألقى كلمة أعجبتني ، قال : إما أن تكون داعية وإما أن تتبنَّى داعية ، الآن في الشام آلاف طلاب العلم يأتون من أماكن بعيدة ؛ من الشمال ، من الشرق ، من الجنوب ، لو أن رجلاً تبنَّى طالب علم ؛ أنفق عليه ، اعتنى به ، يسَّر له منزلاً ، وعاد إلى بلده عالِماً كبيراً ، داعيةً ، خطيباً ، هل تصدق أن هذا الذي اعتنى به في الشام ، وقدم له المسكن ؛ الطعام والشراب والكساء له الأجر نفسه لهذا الداعية ، إن لم تكن داعيةً فتبنَّ داعياً ، إن لم تكن عالِماً فكن في خدمة عالِمٍ ، في خدمة دعوةٍ ، لا أٌقول في خدمة عالِم بالذات ، كن في خدمة دعوة .
مثلاً هذا المسجد ، هؤلاء الذين بنوه ، وزيَّنوه ، وكسوه ، وفرشوه ، أنتم تأتون إلى مكان لطيف ، جميل ، مهيَّأ ، منظَّف ، كل منا يتوهَّم أن الجنة له ، كل من ساهم في هذا المسجد له مثل أجر الذي تكلف ، الله عزَّ وجل كريم ، هذا بنى ، هذا خطب ، هذا درَّس ، هذا أدار المشروع ، هذا هيَّأ ، عند الناس قد تغيب بعض الحقوق ، أما عند الله سبحانه وتعالى لا يضيع حق أبداً .
ماذا فعلت هذه السيدة ؟ قدَّمت بيتها ومالها ونفسها للنبي ، كم تتصوَّر أجرها ؟ هيَّأت له جواً ، أحياناً تجد كتاب يقول الكاتب في إهدائه : إلى التي هيَّأت لي جو التأليف ، إلى التي حَبَتْنِي بعطفها ، إلى التي هيأت لي كل وسائل النجاح ، إلى زوجتي ، يرى أن هذا المؤلَّف الذي ألَّفه مدينٌ به لزوجته ، ماذا فعلت زوجته ؟ طبخت ، ونظَّفت ، وهيَّأت له الجو الهادئ ، وأطعمت الصغار ، وأبعدتهم عن أبيهم لئلا يُشَوَّش عليه ، يقول لك هذا المؤلَّف لولا زوجتي ما ألَّفته ، أي إنسان قدَّم معونة ؛ هذا نظف المسجد ، هذا هيَّأ الحاجات ، هذا هيأ الكهرباء ، هذا صلَّح أجهزة التدفئة ، كل من ساهم في دعوة له أجرٌ كبير ، نحن أسرة أخواننا الكرام ، افهم هذا المفهوم ، نحن أسرة كل واحد له دوره ، لا أحد أفضل من أحد .


من عرف نفسه ما ضرَّه إن عُرِف أم لم يُعرَف :
امرأة غنية ، النبي عليه الصلاة والسلام في أمس الحاجة إليها ، هو يدعو إلى الله في زمنٍ عصيب ، هيأت له البيت ، هيأت له المال ، هيأت له نفسها ، هيأت له سكناً ، كانت مِعْواناً له ، كانت مسليةً له ، مصبِّرةً ، لا يعلم إلا الله الأجر الذي نالته بهذا العمل ، لا تظن أن أشخاصاً بالواجهة ، ثمة أشخاص هم جنود مجهولون ، تجده جامعاً ، إنسان في الواجهة يتكلَّم ؛ ولكن معه أناس قدَّموا مساعدات كبيرة جداً ، لا أحد يعرفهم ، لكن الله يعرفهم .
والله أيها الأخوة ، أنا تلوت على مسامعكم هذا الخبر كثيراً ، عندما جاء رسول من نهاوند يخبر سيدنا عمر بما جرى في هذه المعركة ، فقال له : " مات خلقٌ كثير " ، قال له : " من هم ؟ " ، قال له : " أنت لا تعرفهم " ، فبكى عمر وقال : " ما ضرَّني أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم " ، أي ومن أنا ؟
إن أخلصت لله وكنت بخدمة الدعوة ، الدعوة تحتاج إليك ؛ هذا نظف المكتبة ، وهذا نظم الدروس ، هذا ألَّف كتاباً ، هذا أعان الفقراء ، هذا لبَّى خدمة الأخوة الكرام ، هذا توسَّط حتى وظَّف هذا الأخ ، هذا هيَّأ زواج أخ ، هذا فرش المسجد ، هذا أنار الكهرباء ، دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد فرآه متألِّقاً قال : " من نوَّره ؟ " ، قالوا : تميم الداري ، فقال له : " نوَّر الله قلبك كما نوَّرت المسجد " ، أثنى عليه النبي ثناءً كبيراً .
ملخَّص هذه التعليقات : إن لم تكن في قمة الدعوة فكن أحد أعوانها ، ليكن لك مساهمة بشكل أو بآخر .
ثمة إخوة ـ أنا والله ممتن لهم من أعماقي ـ ما من مشكلة صحية إلا ويتولونها بالرعاية ، والعملية ، والمستشفى ، والطبيب ، هذا يد يمنى ، هذا بالطب ، هذا بالهندسة ، قضية بالمسجد ، مشكلة ، تهوية ، إضاءة ، تحسين ، توسيع متمكن ، هذا مهندس وضع خبرته في سبيل هذه الدعوة ، هذا طبيب وضع علمه في سبيل هذه الدعوة ، هذا محام وضع خبرته في سبيل هذه الدعوة ، هذا مؤلِّف وضع علمه في سبيل هذه الدعوة ، ليكن لك مساهمة في هذه الدعوة ، وأنت عندئذٍ جنديٌ عند الله ، عُرِفت أو لم تُعرف سيَّان ، نوَّهوا بك أو لم ينوهوا ، أشاروا إليك أو لم يشيروا ، لك مساهمة .
في كثير من الأحيان أنا أعجب بأخ قال لي : أنا أعمل بالكهرباء أي خدمة تريدها أنا جاهز لها ، والله شيء جميل ! أنا عندي مَحافظ أحب أن أقدِّمها لطلاب المعهد ، بارك الله بك ، أنا عندي أحذية ، أنا عندي ملابس صوفية ، إخوة كثر جاؤوا بأشياء كثيرة جداً لطلاب المعهد ، طالب لبس ثوباً ، لبس حذاء ، أخذ محفظة ، ساعة ، إنسان نقلهم بالسيارة من مكان إلى مكان ، إنسان اعتنى بهم في الطعام والشراب ، لا بد لك أن تساهم إن كنت مخلصاً ، عُرفت أو لم تُعرف ، نوَّهوا بك أو لم ينوهوا ، أشاروا أو لم يشيروا ، من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس به ، أنا هذه وقفتي .


إن لم تكن في قمة الدعوة فكن أحد أعوانها :
قدَّمت رضي الله عنها للنبي نفسها ، كما قدَّمت له مالها ، وتفانت في طاعته وخدمته ، وتهيئة كل أسباب السعادة والراحة له ، فكانت بحقٍ الزوجة المثاليَّة الكريمة الصالحة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ))
[كنز العمال عن أسماء بنت يزيد الأنصاري]
كيف إذا كان هذا الزوج نبياً ؟ كيف إذا كان هذا الزوج رسولاً ؟ كيف إذا كان هذا الزوج سيِّد الأنبياء والمرسلين ؛ بل سيد ولد آدم ؟ هنيئاً لها على هذا المقام ، والحقيقة أن الإنسان يُغبَط إذا كان له عمل في الدعوة ، بخدمة دعوة إلى الله خدمة خالصة .
أخ من أخواننا الكرام من الصين ، يأخذ بعض الدروس ويترجمها إلى اللغة الصينيَّة ، والله أنا قرأت مقالةً منها ، مستحيل أن أفهم حرفاً ، كل حرف صيني كلمة ، قال لي : هذه مقالتك ، مجلة كبيرة ، قال لي : نحتاج إلى غلاف ، لأن هذه المجلَّة تُرسل إلى الصين ، والله أكبرتهم ، يأخذون بعض الخطب أو بعض المقالات فيترجمونها إلى اللغة الصينيَّة ، ثم يطبعونها ، وهم بحاجة إلى غلاف ، أخ كريم من روَّاد المسجد يعمل في الطباعة ، قلنا له : نريد غلافاً ، قال : حاضر ، جاء بأجمل غلاف فيه خمسة ألوان ، وقال لي : هديَّة ، ساهم ، فحرفته ساهمت في الدعوة .
لا يوجد مصلحة ولا حرفة إلا ولها مساهم في الدعوة ، أستاذ فيزياء ، فهناك أخ بحاجة لعدد من الدروس ، وهو فقير ، فقال لي : أنا جاهز ، أستاذ إنكليزي ، أستاذ عربي ، أستاذ رياضيات ، هذا بالتعليم ، بالهندسة في مهندسين ؛ توسعة ، تزيين ، حل مشكلات ، مرافق عامَّة ، حُلَّت كل مشاكل المسجد ، أحد الأخوة المهندسين قدَّم كل علمه للمسجد ، أخ طبيب قدَّم كل خبرته للمسجد ، إذا ما كنت داعية كن في خدمة دعوة ، هذه كل القصة ، عُرفت أو لم تعرف ، هذا الذي أعلِّق عليه من قول المؤلِّف : " قدَّمت رضي الله عنها للنبي نفسها ، كما قدمت له مالها ، وتفانت في طاعته وخدمته " .


تولي السيدة خديجة رضي الله عنها خدمة النبي بنفسها :
بصراحة الزوجة أحياناً تتمادى مع زوجها ، السبب هو يعيش معها في بيتٍ واحد وأزهد الناس في العالم أهله وأولاده ، لكن مقام النبي ، زوجته تفانت في طاعته وخدمته ، كل إنسان له مكانة ، ولكن أحياناً تُرفع الكلفة بينه وبين زوجته ، لكن مقام النبي ينبغي أن يكون عالياً جداً ، فمع أنه زوج كانت تتفانى في طاعته وخدمته ، فالآن تجد زوجة عمرها خمس عشرة سنة ، وزوجها عمره ثلاثة وثلاثون عاماً ، تقول له : سعيد ، تناديه باسمه وتتطاول ، والفارق بينهما في السن كبير ، أما زوجات النبي فيخاطبنه بالرسالة : يا رسول الله ، في البيت طبعاً بين الزوجة والزوجة هناك علاقة حميمة ، ومع ذلك مكانته عالية .
والله قال لي أحد الأشخاص : جلست زوجتي على الأريكة ، وهو جالس على الأرض ، وهذا الجهاز الرائي اللعين كان مفتوحاً ، قال لي : ركلتني برجلها أنْ غيِّر القناة ، هذه زوجة ؟ طبعاً طلَّقها .
كانت رضي الله عنها تتولَّى خدمة النبي بنفسها ، أحياناً تجد زوجة تقول لولدها والدك يريد كأس ماء ، اسقِه ، وهي جالسة مرتاحة ، والدك يريد كذا أحضره له ، تعطي أوامر فقط ، لكن أن تقوم الزوجة وتخدم زوجها بنفسها فهذه أعلى درجة من الاحترام .
كانت رضي الله عنها تتولى خدمة النبي بنفسها ، ولا تكلِّف أحداً غيرها بذلك ، معنى هذا أنها تعرف مقامه ، مع أن أكثر من يعمل في الحقل الديني أجهل الناس بمقامه أهله وأولاده ، كأن هناك تقصيراً في حقه ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فزوجته تعرف مقامه العالي .

(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ دققوا الآن قد يقشعر جلدكم ـ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هذا الحديث في صحيح البخاري ، تلقَّت سلاماً من الله ، والذي تسمعونه كثيراً أن جبريل عليه السلام ، جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال : " يا محمد أقرئ صاحبك من الله السلام وبلِّغه إن الله راضٍ عنه ، فهل هو راضٍ عن الله ."

حرص السيدة خديجة على رضا النبي بكل ممكن :
أنت عندما تخدم عباد الله عزَّ وجل ، تتفانى في خدمة العباد ، الله يحبك ، لأن الله وفي ، والله شاكر ، شكور ، فعندما تخدم أنت عباده ، ترحمهم ، تعطف عليهم ، تيسِّر لهم أمورهم ، اسمعوا هذا الحديث :
(( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
إنسان مقطوع ، إنسان مريض ، إنسان بحاجة إلى مساعدة ، عليه دين ، يسَّرت له أموره ، تنام ملء العين لأن الله راضٍ عنك :
(( إذا أراد الله بعبد خيراً صير حوائج الناس إليه ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
إذا أحبه .
(( إن من الناس أناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس أناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
يقول ابن حَجَر رحمه الله تعالى : " كانت السيدة خديجة حريصةً على رضا النبي بكل ممكن " ، والله مرَّة أحد أصدقائي توفيت والدته ، فذهبنا للتعزية ، والده بالثمانين بكى بكاءً مراً ، خففنا عنه مصابه في نهاية التعزية ، قال : والله قُرابة خمسين عاماً وأنا بصحبتها وما نمت ليلةً واحدةً وأنا غاضبٌ عليها ، ولا ليلة ، هذه زوجة ، وزوج آخر يقول لك : ولا ليلة كنت مرتاحاً ، فهذه زوجة ، وهذه زوجة ؟! وشتان بين الزوجتين :
(( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[أحمد عن عبد الرحمن بن عوف]
أسوق هذا الكلام للأخوات المؤمنات : والله الزوجة إذا كانت زوجة مثاليَّة ، أحسنت تبعُّل زوجها وأولادها ، والله قد تجد لها مقاماً عند الله يفوق مئة ألف رجل ، والله ولا أبالغ ، قال :
(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
تربية الأولاد عمل عظيم من أعظم القربات إلى الله عزَّ وجل :
امرأة تعتني بأولادها :
(( أيما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
قعدت على بيت ، عند الجيران ، في استقبال ، الأولاد بالطريق بلا أكل ، شاردين ، ما كتبوا وظائفهم ، بيت خربٌ ، من بيت إلى بيت :
(( أيما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
تربية الأولاد عمل عظيم من أعظم القربات إلى الله عزَّ وجل ، أنا أعرف بيوت هَمُّ المرأة أولادها وزوجها ؛ طعامهم ، وشرابهم ، ودراستهم ، وغرفتهم ، ونظافتهم ، ومستقبلهم ، فامرأة أنجبت خمسة أولاد ربتهم تربية عالية ، ثم توفَّاها الله ، إلى الجنة فوراً ، الأمومة الكاملة تكفي لدخول الجنة فقط ، ما فعلت شيئاً إلا أنها ربَّت أولادها .
طبعاً :

(( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء ـ يخاطب امرأةً مؤمنةً، مسلمةً ، مصليةً ، صائمةً ـ أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ))
[كنز العمال عن أسماء بنت يزيد الأنصاري]
قال : ولم يصدر منها ما يغضبه قط ـ إطلاقاً ـ أنا كلمة أتأثر بها تأثُّراً كبيراً ، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم ، يتحدث عن سيدنا الصديق يقول : " ما ساءني قط ، ولا بكلمة ، ولا بموقف " ،
(( ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر ))
[من مختصر تفسير ابن كثير ]
ما ساءني قط أعطاني ماله وزوجني ابنته فاعرفوا له ذلك ،
(( ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))
[كنز العمال عن أبي الدرداء]
لم يصدر منها ما يغضبه قط ؛ لا كلمة ولا نظرة ، أحياناً يزورك أحدهم ، يقول لك : ما تكلَّمت بشيء ، أحياناً النظرة القاسية ، النظرة الحادة هذه إساءة ، هناك ابتسامة ، وأدب ، وبشاشة ، وتهذيب ، فزوجة متعبة جداً ، سحقت زوجها ؛ كل يوم مشكلة ، كل يوم قضية ، قال لها : أريحيني يوماً فقط ، اتفقوا أن تزعجه يوماً ، وتريحه يوماً ، ويوم الراحة تقول له : غداً سأزعجك ، غداً سأزعجك ، ما ارتاح يوماً منها .

آيات من القرآن الكريم عن مكانة نساء النبي :
أشار ابن حجر رضي الله تعالى عنه إلى ما حدث عندما سألت أمهات المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يوسِّع عليهن بالنفقة ، طالبنه ببعض الرفاهية ، ببعض النفقة الزائدة ؛ بطعام أطيب ، ببيت أوسع ، فغضب عليه الصلاة والسلام ، وهذا حينما قال تعالى :
﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾
( سورة الأحزاب )
وقال :
﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾
( سورة الأحزاب )
وقال :
﴿ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)﴾
( سورة الأحزاب )
السيدة خديجة لم تسأل النبي أبداً أن يوسِّع عليها بالنفقة كما فعلت بقية نسائه :
لمَّا سألت أمهات المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يوسِّع عليهنَّ بالنفقة ، غضب ، واعتزلهنَّ شهراً في غرفةٍ عالية ، حتى أنزل الله تعالى آيتي التخيير :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾
( سورة الأحزاب )
يروى أن السيدة خديجة لم تسأل النبي هذا إطلاقاً ، راضية ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( أعظم النساء بركةً أقلَّهن مهراً ))
[أحاديث الإحياء عن السيدة عائشة]
(( أعظم النساء بركةً أقلَّهن مؤونةً ))
[الجامع الصغير عن السيدة عائشة]
طلباتها خفيفة ، قال لي مهندس : دخلت زوجة صاحب البيت ـ وقد كَلَّف الحمام ثلاثمئة وخمسين ألفاً سيراميك ـ فقالت له : كسِّره كله ، ليس جميلاً ، قال لي : كسَّرناه .
ما علاقة أن سيدنا جبريل بشَّرها ببيتٍ في الجنة ؟ قال : لأنها كانت سيدة بيتٍ أولى في الدنيا ؛ بيت منظَّم ، نظيف ، فيه خدمات عالية ، فيه راحة للزوج ، فيه تصبير ، فيه عناية ، لأنها كانت سيدة بيتٍ مثالية في الدنيا فبشَّرها جبريل عليه السلام ببيتٍ في الجنة ، إذاً حينما بشرها جبريل عليه السلام ببيتٍ في الجنة لا نصب فيه ولا صخب ، لأنها كانت في الدنيا سيدة بيتٍ مثالي لا نصب فيه ولا صخب ، وفَّرت الراحة لرسول الله .


السيدة خديجة رغبت أن تكون زوجة النبي لما ألهمها الله أنه سيكون له شأنٌ كبير :
دعاها إلى الإيمان فأجابت عفواً ، فكانت أول امرأةٍ أسلمت ، ولم تحوجه أن يصخب كما يصخب البعلُ الزوج إذا تغضَّبت عليه حليلته ـ فأكثر الأزواج ينشأ خلاف ، فيغضب منها ، ويرفع صوته ، ويتألَّم ، ويخرج من البيت غاضباً ، قال : لم تحوجه أن يصخب كما يصخب البعل إذا تغضَّبت عليه حليلته ، واحد أراد أن ينصح ، أو أن يفصح عن طباعه لمخطوبته فقال : إن في خُلُقي سوءاً ، قالت له مخطوبته : إنّ أسوأ خلقاً منك من أحوجك لسوء الخُلُق ـ ولا أن ينصب ، بل أزالت عنه كل نصب ، وآنسته من كل وحشة ، وهوَّنت عليه كل مكروه ، وأراحته بمالها من كل كدٍ ونصب .
عبارات دقيقة أعيدها على مسامعكم ، قال السهيمي رحمه الله : دعاها إلى الإيمان فأجابته عفواً ، ولم تحوجه أن يصخب كما يصخب البعل الزوج إذا تغضَّبت عليه حليلته ، ولا أن ينصب بل أزالت عنه كل نصب ، وآنسته من كل وحشة ، وهوَّنت عليه كل مكروه ، وأراحته بمالها من كل كدٍ ونصب ، امتلأ قلبها بحب النبي وتقديره واحترامه ، وهي ترجو أن يكون له شأنٌ كبير .
والله وردت قصة في فتح الباري سأرويها على مسامعكم :

(( كان النبي صلى الله عليه وسلَّم عند أبي طالب ، فاستأذنه أن يتوجَّه إلى خديجة ، فأذن له ، وبعث بعده جاريةً يقال لها نبعة ، فقال لها : انظري ما تقول له خديجة ـ وقت الخطبة ـ فخرجت إلى الباب فأخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها ، ثم قالت : " بأبي أنت وأمي والله ما أفعل هذا لشيء ، ولكن أرجو أن تكون أنت النبي الذي سيُبعث ، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي ، وادع الإله الذي يبعثك لي " ، فقال لها : والله لئن كنت أنا هو فقد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبداً))
[الفاكهي عن أنس]
أي أنها رغبت أن تكون زوجة النبي لما ألهمها الله أنه سيكون له شأنٌ كبير ، وقالت : " إن كنت كذلك فلا تنسَ أن تسأل الله لي أن أكون معك " .
النبي عليه الصلاة والسلام ـ دققوا في هذه العبارة ـ عرف للسيدة خديجة أم المؤمنين حقها ومنزلتها ، أحياناً إنسان يكون فقير يتزوج ، هذه الزوجة تتحمَّل معه ألوان الفقر ، فإذا اغتنى أراد أن يغيِّرها ، نسي الماضي .


النبي الكريم أوفى الأوفياء عرف للسيدة خديجة أم المؤمنين حقَّها ومنزلتها :


عرف النبي صلى الله عليه وسلَّم للسيدة خديجة أم المؤمنين حقَّها ومنزلتها ، وبادلها حباً بحب ، ووفاءً بوفاء ، فلم يتزوج غيرها في حياتها إكراماً لها ، وصان قلبها من الغيرة عليه ، وعاش معها وحدها أكثر مما عاش مع غيرها ، فقد عاش صلى الله عليه وسلَّم بعد أن تزوج السيدة خديجة ثمانيةً وثلاثين عاماً ، انفردت خديجة منها بخمسةٍ وعشرين ، عاش ثمانيةً وثلاثين عاماً ، منها خمسة وعشرون مع خديجة وحدها ، هذا هو الوفاء ، إذا تزوج الرجل امرأة ، وماتت ، وتزوج الثانية ، يقول لك : خلصنا منها ، وأراحنا الله منها ، ليس ثمة وفاء ، كان عليه الصلاة والسلام أوفى الأوفياء ، وبقي على محبتها ، والوفاء لها إلى أن توفَّاه الله تعالى ، وقد صرَّح بحبه لها للسيدة عائشة رضي الله عنها ، وقال لها :
(( إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ))
[مسلم عن السيدة عائشة ]
ما قولك ؟ رزقت ، معنى هذا أن الإنسان إذا كان يحب زوجته هذه نعمة الله ، هذا رزق من الله ، أحياناً يكرهها ، جالسة في وجهه طوال النهار ، لا يحبها ، شيء صعب هذه التي يسكن معها طوال حياته ولا يحبها ، النبي ما عدَّ أنه أحسن اختيارها ، بل :
(( إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ))
[مسلم عن السيدة عائشة ]
بصراحة أيها الأخوة إذا غضَّ الإنسان بصره عن محارم الله يرزق حب زوجته ، اطمئنوا ، إذا غضَّ بصره عن محارم الله يرزق حب زوجته :
(( إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ))
[مسلم عن السيدة عائشة ]
قال : فحبه صلى الله عليه وسلَّم للسيدة خديجة فضيلةٌ تفضَّل الله تعالى بها عليه صلى الله عليه وسلَّم .
إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم نتابع الحديث عن هذه السيدة الأولى التي كانت أول زوجات النبي ، وكانت أحبَّ نسائه إليه ، وقد عرف قدرها وحبها .


والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 08:08 AM   #9
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 4-8 : الإرهاصات قبل البعثة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-04

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع من سيرة صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأسهم أزواجه الطاهرات ، ونتابع الحديث عن السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .

اقترب النبي من الأربعين من عمره وبدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها تلوح في أفق حياته :
مرَّت الأعوام والأعوام على أكرم زوجين ، ويا أيها الأخوة كلما ازداد إيمان الزوجين ، ازدادت سعادتهما ، وكلما ضعف إيمان أحدهما أو كليهما افترقا عن بعضهما ، فالإيمان يجمع ، وضعف الإيمان يفرِّق ، وهذه حقيقة ، فإذا أردت أن تكون زوجاً سعيداً فكن من الله قريباً ، ولتكن الزوجة من الله قريبةً ، هذا يُعين على تمام السعادة الزوجية .
نَعِمَا فيها بأسعد الأوقات وأهنأ الساعات ، ولما اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من الأربعين من عمره الشريف ، بدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها ، تلوح في أفق حياته ، الله عز وجل حكيم ، وربنا عز وجل يربِّي ، فلو أن النبوة جاءت فجأة ، لو جاءه جبريل فجأةً من دون مقدِّمات ، من دون إرهاصات ، ربما لم يحتمل قلب النبي صلى الله عليه وسلم الوحي أول مرة ، ولكن نحن الآن مع مقدمات ، مع تباشير ، مع إرهاصات ، هذه من شأنها أن تمهِّد للوحي الذي هو عمادُ ديننا القويم .

(( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً))
[روى ابن سعدٍ عن برة بن أُبي]
يجب أن تعلموا طبيعة الحياة التي عاشها النبي ، أو يجب أن تعلموا خشونة الحياة التي عاشها النبي ، فكان إذا أراد أن يقضي حاجة لا بد أن يذهب إلى مكانٍ بعيدٍ بعيد حتى لا يراه أحد ، حتى لا يرى بيتاً من أجل قضاء حاجة ، لم تكن الحمَّامات قد عُهدت في البيوت .

من تباشير النبوة :
كان النبي إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً ، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية من أجل أن يقضي حاجته ، قال : فلا يمر بحجرٍ ولا شجرٍ إلا قال له : " السلام عليك يا رسول الله " ، يسمع صوت السلام عليك يا رسول الله ، كان يلتفت عن يمينه وعن شماله ومن خلفه فلا يرى أحداً .
هذه أولى تباشير النبوة ، صوتٌ يلقى في أذنه أن : " السلام عليك يا رسول الله " دون أن يرى أثراً أو أن يرى أحداً ، يؤيِّد هذا ما جاء في الحديث الصحيح :

(( إني لأعرف حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ))
[صحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه]
نسمي هذا شفافية ، فالإنسان كلما اقترب من الله عز وجل رأى ما لا يراه الآخرون ، سمع ما لم يسمعه الآخرون ، أحس بما لم يحسّ به الآخرون ، شعر بما لا يشعر به الآخرون ، هذه الشفافية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :
(( لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ ))
[ابن ماجة عن حنظلة]
كان عليه الصلاة والسلام يخطب على جذع نخلة ، فلما صنع له أصحابه منبراً وانتقل إلى المنبر حن إليه جذع النخلة فكان عليه الصلاة والسلام يضع يده عليها تكريماً لها ، هل عندك هذه الشفافية ؟
دخل إلى بستان أحد الأنصار فرأى جملاً ، فلما رآه الجمل حن ، وذرفت عيناه وصار يبكي ، فدخل عليه الصلاة والسلام ، وأمسك برأس الجمل :

(( أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثاً لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنْ النَّاسِ ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفاً أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ ، قَالَ : فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ : مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ . ))
[أبو داود فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
كأنه يفهم على الحيوان ، كأنه يسمع كلام الحيوان ، كأنه يشعر على الجماد :
(( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن ))
[ورد في الصحيحين عن جابر بن سمرة]
السيدة خديجة رضي الله عنها كانت أقرب الناس إلى النبي روحاً وجسداً :
قالت السيدة خديجة : إن أول بشارات الوحي ، إن أول بدايات الوحي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا سار ما من حجرٍ إلا يقول له : " السلام عليك يا رسول الله ".
لكن سبحان الله الحكمة التي ما بعدها حكمة أن هذه الزوجة آتاها الله من العقل ، ومن النُضج ، ومن بُعد النظر ، ومن سعة الأفق ، ومن قوة القلب الشيء العجيب ، كان عليه الصلاة والسلام يخشى على نفسه ، ما هذا الذي أسمعه ؟! لا يرى أحداً ، فلو سمع أحدٌ صوتاً ولم ير صاحبه يضطرب .
كان عليه الصلاة والسلام حينما تعرض له هذه الحوادث الغريبة الخارقة للعادة ، تثير في نفسه شيئاً من القلق والخوف ، ويصبح محتاجاً إلى شخصٍ يثق به يبثه ما يجده ، فالله عز وجل ماذا قال ؟ قال :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(21)﴾
( سورة الروم )
الإنسان بحاجة ماسة إلى شخص يبثه وجده ، يبثه قلقه ، يبثه تساؤله ، فكان عليه الصلاة والسلام يأتي إلى البيت ، ويحدِّث السيدة خديجة بما يشعر به ، والسيدة خديجة رضي الله عنها كانت أقرب الناس إلى النبي روحاً وجسداً ، فهي أهله ، وسكنه ، وأُنس روحه ونفسه رضي الله عنها ، وقد ذكرت بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قد حدَّثها بما يعتريه .
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ :

(( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ ، قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُ صَادِقاً فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيُّ فَسَأُعَزِّزُهُ وَأَنْصُرُهُ وَأُومِنُ بِهِ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
قالت : "إن الله لا يفعل ذلك بك ، إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم " .

خالق هذا الكون لا يفعل شراً بإنسانٍ صادق وأمين :
أيها الأخوة ، أنا أشعر بحاجةٍ إلى وقفةٍ متأنيةٍ عند هذا النص ، السيدة خديجة هل جاءها وحيٌ ؟ لا ، هل كان الحق معروفاً قبل بعثة النبي ؟ لا ، لكن كيف عرفت أن هذا الذي يصدق الحديث ، ويؤدي الأمانة ، ويقري الضيف ، ويحمل الكل ، أن هذا الإنسان لا بد أن يكرمه الله ، ومستحيلٌ أن يفعل الله به شراً ، ما هذا ؟ من أين جاءت بهذه الحقيقة ؟ من الذي علمها إيَّاها ؟ أين سمعت هذه الحقيقة ؟ من الذي أخبرها بها ؟ قال لها :
(( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم .
الجواب : هذه هي الفطرة ، كل إنسان على وجه الأرض جبله الله جبلةً عالية ، خالق هذا الكون لا يفعل شراً بإنسانٍ صادق ، بإنسانٍ أمين ، بإنسانٍ مُحسن ، بإنسانٍ كريم ، بإنسانٍ مُنصف ، إنك تصل الرحم ، إنك تحمل الكل ، إنك تعين على نوائب الدهر ، إنك صادق ، إنك أمين ، ما كان الله ليفعل بك ذلك ، لكن نحن ماذا نستفيد من هذا النص ؟
هذا النص يهمنا كثيراً ، أي أنك أيها الأخ الكريم إن صدقت مع الناس ، إن كنت أميناً ، إن كنت مُنصفاً ، إن كنت رحيماً ، إن كنت باراً بوالديك ، إن كنت مُحسناً إلى جيرانك، إن كنت كريماً مع من يزورك ، ماذا تنتظر من الله عز وجل ؟
الفطرة تقول : ينبغي أن تنتظر من الله كل خير ، ينبغي أن تنتظر من الله كل نصر ، وكل تأييد ، وكل عطاء ، وكل تكريم ، ربُ محمدٍ ربُنا ، وإلهُ محمدٍ إلهُنا ، والذي خلق محمداً هو الذي خلقنا ، وقوانينه هيَ هي ، سُننه هيَ هي ، فأنت أيضاً أصدق ، وكن أميناً ، وكن نصوحاً ، وكن باراً ، وكن منصفاً ، وكن رحيماً ، وينبغي أن تنتظر من الله كل خير ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الله لن يضيِّعك ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الله لن يخذلك ، لن ينالك بسوء ـ إنك تصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر ، ما كان الله ليفعل بك ذلك ـ هذا كلام السيدة خديجة رضي الله عنها .


لحكمة بالغة كانت السيدة خديجة سكناً للنبي وعوناً له ومثبتاً :
إذاً لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله هذه الزوجة ذات القلب الكبير ، والإدراك العميق ، والصدر الواسع ، وقوة التحمُّل ، كانت سكناً للنبي ، وعوناً له ومثبتاً .
بربكم أيها الأخوة هل تظنون أن هذه المرأة ، بهذه الأخلاق ، وهذا النُضج ، تعد أقل من الرجل ؟ المرأة لها عند الله شأنٌ كبير ، لذلك في بعض الآيات :

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)﴾
( سورة الأحزاب )
لماذا ذكر المؤمنات ، والصائمات ، والمسلمات ، والصادقات ؟ ليبيِّن الله لنا أن المرأة في شأن التكليف مساويةٌ للرجل تماماً ؛ تكليفاً ، وتشريفاً ، ومسؤوليةً .
الحقيقة من أدق كلمات هذه السيدة ، هذا الكلام الذي ينبع من الفطرة ، ما كان الله ليفعل بك ذلك :

(( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، فهل يصح أن نقول : وراء كل رجلٍ عظيمٍ امرأة ؟ هذه مقولة قالها بعض الحكماء ، أحياناً ترى أنها تصدُق على بعض البيوت .

الله لا يخزي من كان أميناً ومخلصاً وورعاً :
الآن انتقلنا إلى مرحلة ثانية ، أول بشائر الوحي ، أول إرهاصات الوحي ، أول تمهيد للوحي ، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى حجراً قال : " السلام عليك يا رسول الله " ، فقط ، يلتفت النبي يمنةً ويسرةً فلا يرى أحداً ، قلق ، وخاف على نفسه أن يكون كاهناً ، عرض هذا على السيدة خديجة قالت له : " لا إنك تفعل كذا وكذا ، وما كان الله يخزيك أبداً " ، وفي الكلام له عدة روايات :
((والله لا يخزيك الله أبداً))
[الزهري عن عائشة]
اسمحوا لي أيها الأخوة أن أقول لكل شاب في مطلع حياته : كن صادقاً ، وكن أميناً ، وكن منصفاً ، وكن محسناً ، وكن ورعاً ، وكن مطيعاً ، والله لن يخزيك أبداً ؛ لا في زواجك ، ولا في عملك ، ولا في مستقبل أيامك ، ولا في صحتك ، الله جل جلاله يقول :
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾
( سورة القلم )
وقال :
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
وقال :
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (61)﴾
( سورة القصص )
بداية نزول الوحي كانت الرؤيا الصادقة :
الآن دخلنا في طورٍ جديد ، ثم ابتدأ الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة ، كما جاء في الحديث الشريف الصحيح عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ :
(( أَوَّلُ مَا ابْتُدِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النُّبُوَّةِ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ أَنْ لَا يَرَى شَيْئاً إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ ]
أحياناً الإنسان لتكريم الله له ، يريه رؤيا صادقة ، رؤيا واضحة ، رؤيا لا تحتاج إلى تفسير ، كلما اتضحت الرؤيا ، وكلما أصبحت واضحة المعالم ، هذه الرؤيا من الله عز وجل ، وهي نوعٌ من الإعلام المباشر ، إذا أراد الله أن يعلمك إعلاماً مباشراً ، إذا أراد الله أن يطمئنك ، إذا أراد الله أن يكرِّمك ، إذا أراد الله أن يُلقي في روعك شيئاً ، ماذا يفعل بك ؟ يريك رؤيا صادقة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ ))
[مالك عن عطاء بن يسار]
قد تكون الرؤيا الصالحة بشارة ، وقد تكون لفت نظرٍ أو تحذير .
كان عليه الصلاة والسلام يسكن إلى هذه السيدة المصون ، ويرتاح لها ، ويطمئن لها ، وكان يبثها بعض أحزانه ، وكان يسألها أحياناً ، كلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا قصَّها على السيدة خديجة رضي الله عنها ، فتثبته وتبشِّره ، تُعَدُّ المرأة أحياناً ركناً من أركان الأسرة ، وأحياناً تعد عبئاً على زوجها.
رأى عليه الصلاة والسلام مرةً في منامه ، أن سقف بيته نزعت منه خشبة ، وأدخل فيه سلمٌ من فِضَّة ، ثم نزل إليه رجلان ، فأراد أن يستغيث فمُنع من الكلام ، فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه ، فأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه ، فأدخل يده في جوفه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجد بردهما ، فأخرج قلبه ، فوضعه على كفه ، فقال لصاحبه : نعم القلب قلب رجلٍ صالح ، فطهَّر قلبه وغسله ، ثم أدخل القلب مكانه ، وردَّ الضلعين ، ثم ارتفعا ، ورفع سُلَّمُهُا ، فإذا السقف كما هو ، هذه رؤيا .


اتصالك بالله هو سبب تطهير قلبك وهذا إرهاصٌ من إرهاصات النبوة :
الله عز وجل يعتني بهذا النبي عنايةً فائقة ، ألم يقل الله عز وجل في بعض الآيات الكريمة :
﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾
( سورة طه)
ألم يقل الله عز وجل :
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (48)﴾
( سورة الطور )
هذه سمَّاها العلماء : إرهاصات ، فحينما يأتي الوحي هناك تمهيد ، والإنسان إذا اتصل بالله عز وجل يطهِّر الله قلبه ، فهذا الشيء المؤمن إذا اتصل بالله اتصالاً عميقاً طهَّر الله قلبه من الحقد ، من الغيرة ، من الكِبر ، من العُجب ، من الأمراض المُهلكة ، فالقلب الطاهر هو أثمن رأس مالٍ يملكه الإنسان ، والدليل قوله تعالى :
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء )
الإنسان أحياناً بإقباله على الله يطهر الله قلبه ، هذا التطهير جاء بشكل مجسَّد ، أن نزل ملكان من سقف الغرفة ، نزعا قلبه ، غسلاه ، وطهراه ، وأعاداه إلى مكانه .
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾
( سورة الأحزاب )
تطهير القلب هكذا يكون ، اتصالك بالله هو سبب تطهير قلبك ، هذا إرهاصٌ من إرهاصات النبوة .

نذكر هنا قول السيدة خديجة ، حينما سمعت هذه الرؤيا التي قصها النبي صلى الله عليه وسلَّم قالت له : " أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيراً " ، هذا خيرٌ فأبشر ، أرأيتم أيها الأخوة إلى التمهيد ، كيف أن الله جل جلاله يمهِّد لهذا النبي الكريم الوحي عن طريق الرؤيا الصادقة ، وعن طريق أن يرى نوراً وصوتاً دون أن يرى شيئاً ، وعن طريق السلام عليه بالرسالة .
شقّ الصدر وتطهير القلب معنىً شريف أراد الله أن يمهد به الوحي الذي سينزل على محمد :

طبعاً شق صدره هو من إرهاصات النبوة ، وقد وردت به أحاديث صحيحة ، أما أن نفهم شقَّ الصدر فهماً آخر ، من أن كل قلبٍ فيه علقةٌ سوداء ، الملكان نزعا هذه العلقة من صدر النبي فصار نبياً ، هذا الفهم أن كل إنسانٍ لو شُقَّ صدره ، ونزعت منه العلقة السوداء ، وهي حظ الشيطان منه ، صار نبياً ، هذا كلام مرفوض ومضحك ، لو صدَّقنا بهذا التفسير ، لما كان من قيمةٍ لهذا النبي ، هو إنسان عادي ، ولكن نُزعت منه هذه العلقة السوداء ، وأي إنسانٍ آخر يقول لك : أنا لو نزعت مني هذه العلقة لكنت نبياً ، هذا تفكير وتحليل ساذج مرفوض ، إلا أن شق الصدر وتطهير القلب معنىً شريف أراد الله أن يمهد به الوحي الذي سينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسيدنا عيسى حينما قال وهو لا يزال صغيراً قال :
﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31)﴾
( سورة مريم )
ماذا نسمي هذا ؟ إن قلنا : هذه معجزة ، المعجزة تكون لنبيٍ أتاه الله رسالةً ، فهو يتحدَّى بها ، أما أن يقول مولودٌ صغيرٌ ولِد لتوِّه :
﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31)﴾
( سورة مريم )
هذا ليس معجزةً ، هو خرقٌ للعادات ، ولكن العلماء ـ علماء العقيدة ـ سمَّوه : إرهاصاً ، أي بشارات مبكِّرة للنبوة ، وهذه الرؤيا أن ملكين نزلا ، وغسلا قلب النبي أيضاً إرهاصٌ من إرهاصات النبوة .

حبب الله تعالى إلى نبيه الكريم في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس :
استمرَّت مرحلة الرؤيا الصادقة ستة أشهر ، وكانت رحمة الله تعالى قد عمَّت هذا البيت الكريم ، لأن هذه الرؤيا الصادقة ـ كما قال علماء السيرة ـ فيها توطئةٌ لنزول الوحي عليه يقظةً ، هذا في المنام ، رأى في المنام كذا ، وقد حبب الله تعالى إليه في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس .
أخواننا الكرام ، لا بد لك من خلوةٍ مع الله ، أن تكون مع الناس دائماً ، هذا يبعدك عن الله عز وجل ، لا بد من خلوةٍ مع الله ، ولا بد من شحنةٍ روحيةٍ مع الله ، فكان عليه الصلاة والسلام يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد ، وكل إنسان بإمكانه أن يصلي الفجر ، وأن يذكر الله ، وأن يتلو القرآن ، وأن يناجي ، وأن يستغفر هذه خلوةٌ مجزأة ، النبي عليه الصلاة والسلام حببت إليه الخلوة مع الله .
ألم يقل أحد العلماء : " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة " ، أي لا بد لك من خلوة مع الله ، لا بد لك من قوتٍ تناجي به ربك .
حدثني أخ كان بالحج ، قال لي : تمنَّيت يوم عرفات أن أخلو بنفسي مع الله ، أنا جالس في الخيمة مع أُناسٍ كثيرين يتحدَّثون في شؤون الدنيا ، فلا بد أن أستمع لهذا أو لذاك ، وكأن هؤلاء الذين كانوا معي كانوا حجاباً بيني وبين الله ، قلت له : لمَ لمْ تذهب إلى خارج الخيمة ، وتجلس في مكان تناجي الله فيه ، وأنت في أشرف أيام حياتك يوم عرفات ؟ فالخلوة تشحنك ، الخلوة تجعلك تتصل بالله عز وجل .


كان أنس النبي بالله شديداً في غار حراء حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان :
إذاً حبب الله تعالى إليه الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس ، والعلماء قالوا : الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس ، فهناك إنسان ليست لديه إمكانية أن يجلس وحده أبداً فهو دائماً مع الناس ؛ يتحدث ، ويستمع ، ويعلِّق ، ويسأل ، ويجيب ، ويلقي بعض الطُرَف أما وحده يمل ، المؤمن يأنس بالله وحده .
كان عليه الصلاة والسلام يخرج إلى غار حراء ، إن شاء الله عز وجل يكرمكم بزيارة بيت الله الحرام حجاً أو عمرةً ، اذهبوا إلى سفح جبل النور ، وانظروا ، الشَّاب الجَلْدُ الرياضي الذي في ريعان شبابه ، لا يستطيع أن يصل إلى غار حراء إلى جبل النور في ظاهر مكة إلا بين ساعتين أو ثلاث من الجُهد الجَهيد ، والطريق هكذا ، جدار ، قلت : سبحان الله كيف كان عليه الصلاة والسلام يصعد إلى هذا الغار ، لو أن الإنسان صعد إلى هذا الغار وجلس وحده والله في وحشة لا تحتمل ، كم كان أنسه بالله عظيماً حتى غلب على وحشة المكان !! فالجبال في الليل ، أن تكون وحيداً في جبل ، شيء مخيف ، يوجد مفاجآت ، تصوّرات ، تخيُّلات ، كم كان أنس النبي بالله شديداً ، حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان ؟!
هناك أخوان صعدوا إلى هناك ، فالإنسان بعد الأربعين أو الخمسين من الصعب عليه أن يذهب إلى غار حراء ، ولو أن هناك طريقاً لكانت القضية سهلة جداً ، وأنا أتمنى أن يكون هناك طريقٌ سهلٌ إلى غار حراء ، لترى المكان الذي نزل على النبي الوحي ، هذا الدين العظيم من هنا بدأ :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
( سورة العلق )
كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، وتزوِّده السيدة خديجة رضي الله عنها بما يحتاج إليه من طعامٍ وشراب ، فإذا نفد زاده ، رجع صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة ، معه طعام وشراب يكفيه أيام معدودات ، يجلس وحده يتأمَّل ، يفكر ، يناجي ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ :
(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا . ))
[متفق عليه عن عَائِشَةَ رضي الله عنها ]
هذا كلام السيدة عائشة تروي عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء.

السيدة خديجة كان يسعدها ما يسعد النبي ويسرها ما يسُره :
احتملت رضي الله عنها بُعد النبي عنها ، فالحقيقة أحياناً هناك زوجات غيورات ، وهناك زوجات لا يحتملن أن يبتعدن عن أزواجهن ، لذلك إذا ابتعد عنهن أزواجهن كن عبئاً عليه ، يضايقنه ، يزعجنه ، السيدة خديجة كان يسعدها ما يسعد النبي ، يسرها ما يسُر النبي ، فإذا كان عليه الصلاة والسلام يسعد بالخلوة بربه فكانت ترضى بذلك ، هي قدوةٌ لكل امرأةٌ مؤمنة ، فأحياناً تكون الزوجة أنانية ، تحب أن يكون زوجها لها وحدها ، ولا تعبأ بعمله الصالح ، ولا بسعيه في سبيل نشر الحق ، لذلك تكون عبئاً عليه ، أما السيدة خديجة هي في خدمته ، فأيَّة امرأةٍ ترضى أن يغيب زوجها عنها أياماً طويلة ، وتبقى وحدها في البيت ، شيءٌ لا يقبل ، لكن السيدة خديجة رضي الله عنها كانت تحتمل بعد النبي عنها ، وكانت تصبر على مفارقته لها ما دام ذلك يعجبه ، واللهِ هذه أخلاق عالية جداً ، الذي يسعده ترضى به ، والمعروف من أحوال المرأة أنها تغضب إذا ما ابتعد زوجها عنها ، تدركها الغيرة عليه ، وتخشى أن يكون إعراضه عنها بسبب كرهه لها ، أو ميله إلى غيرها ، ولكنها رضي الله عنها خالفت جميع النساء في هذا الشأن ، فجوهرها الصافي يختلف عن جوهَرهن رضي الله عنها .
كانت تحبُّ كل ما يحب رسول الله ، وما دام يحب العزلة والخلوة بنفسه فليكن له ما يحب ، كانت فقط تقلق عليه ، وتخشى أن يصيبه مكروه .
ما هذه الأخلاق ؟ هذه زوجة ملء السمع والبصر ، يسعدها ما يسعده ، يرضيها ما يرضيه ، يسرُّها ما يسرُّه .
أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يتأخَّر في العودة إليها ، فترسل غلمانها وخدمها في طلبه والبحث عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد خرجت معه مرةً إلى غار حِراء ، وصحبته هُناك في عزلته وخلوته .
جاء في بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وسلم خرج في بعض المرَّات إلى غار حراء ومعه أهله .


المرأة الصالحة هدية الله تعالى للإنسان المؤمن :
لا زلنا نقترب من الوحي ، بدأنا بهذه الأحجار التي تسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم : " السلام عليك يا رسول الله " . ثم الرؤيا الصادقة ، ثم هذه الخلوة مع الله في غار حراء ، وكلما دنا الموعد الذي قدَّره الحكيم العليم ببدء نزول القرآن الكريم ، زادت هواتف الحق واشتد النور ، وكلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً جديداً ، لجأ إلى السيدة خديجة رضي الله عنها ، فتثبِّته وتبشِّره ، وبهذا ظهرت حكمة الله تعالى عندما قدَّر أن تكون السيدة خديجة زوجةً للنبي .
أي أن من إكرام الله لهذا النبي الكريم أن جعل هذه المرأة العاقلة ، الرشيدة ، الكريمة ، ذات القلب الكبير ، والصدر الواسع ، والأفق الواسع زوجةً لهذا النبي ، الحقيقة أيها الأخوة صدقوني في هذا الكلام ، في الأعم الأغلب المرأة للمؤمن هدية الله إليه ، المرأة الصالحة :

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَة ُ))
[النسائي عن عمرو بن العاص]
التي :
(( إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ))
[الجامع الصغير عن عبد الله بن سلام]
هذه الزوجة هدية الله للإنسان ، لذلك :
(( ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))
[ ورد في الأثر ]
استمر عله الصلاة والسلام يرى الضوء ويسمع الصوت ، حتى جاءه مرةً وعرَّفه جبريل بنفسه دون أن يراه ـ هذه مرحلة رابعة ـ وقال له: " يا محمد أنا جبريل " ، صوت بلا صورة ، لا توجد صورة ، " يا محمد أن جبريل " ، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة وقال لها : " والله خشيت أن يكون هذا أمراً " ، قالت له رضي الله عنها لكي تثبته وتزيل قلقه واضطرابه : " معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك ، إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، ما كان الله ليفعل بك ذلك " .
في ليلةٍ من الليالي أسمعه جبريل صوته مُسَلِّمَاً ، قال : " السلام عليكم " ، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة مسرعاً ، قالت : "ما شأنك ؟ " ، فأخبرها ، فقالت : " أبشر فإن السلام خير " .
لعل هذا كان بعيداً عن معلوماتكم ، لم يأت الوحي فجأةً لأن النبي بشر قد لا يحتمل .


ظهور جبريل للنبي على هيئة إنسان :
أيها الأخوة الكرام ، مرَّت الشهور كان فيها تمهيد للوحي ؛ رؤيا صادقة ، وجاء شهر رمضان المبارك ، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء يتعبد فيه ، وزوَّدته السيدة خديجة رضي الله عنها بما يحتاج إليه من الطعام والماء ، وفي ليلةٍ من ليالي رمضان بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في غار حراء مستغرقاً في تأمُّلاته وأفكاره ، إذا بالنور الذي كان يراه يظهر أمامه في أفق السماء من جهة البيت العتيق ثم يدنو منه ، وكلما اقترب ازداد قوةً وسطوعاً ، ثم بدا له في وسط النور أمين وحي الله تعالى جبريل عليه السلام ظهر جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في هيئة إنسان ، وجاءه يحمل نمطاً من ديباج ، وخيَّم على الكون هدوءٌ عجيب ، وكأنه يُنصت إلى كلمات الله تعالى ، الجبل الشامخ بهامته العالية ، وصخوره ، وذرات ترابه ، وحبات رماله ، والنباتات الصغيرة ، والشجيرات التي تطرز سفوحه ، كلها أنصتت ، وأرهفت سمعها ، حتى النجوم في قُبة السماء ازدادت تألُّقاً وسطوعاً كأنها تدنو من جبل النور ، الذي لفَّه النور من كل جانب ، وحرست السماوات ، ومنعت الشياطين والجان من الاقتراب من السماء الدنيا ، وهاهو جبريل عليه السلام يقف في غار حراء .
كان في البداية : " السلام عليك يا رسول الله " ، بلا صوت وبلا صورة ، بعد ذلك رؤيا صادقة ، ثم ابتعاد عن الناس والخلوة بالله عز وجل ، ثم نور يراه من بعيد ، ثم سلام ؛ " أنا جبريل السلام عليك " ، ثم رأى هذا النور في أفق السماء ، فاقترب شيئاً فشيئاً حتى تشكَّل على صورة إنسانٍ ، كان عليه الصلاة والسلام يراه بعينه يقظةً لا في المنام ، والدليل : ها هو ذا جبريل عليه السلام يقف في غار حراء أمام محمدٍ بن عبد الله الهاشمي القرشي يلقي إليه الرسالة الإلهية الأولى التي يفرق فيها كل أمرٍ حكيم :

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(6)﴾
( سورة الدخان )
اللقاء والاتصال بين الأمينين أمين وحي السماء وأمين وحي الأرض في رمضان :
قال تعالى :
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾
( سورة القدر)
وقال :
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (185)﴾
( سورة البقرة : من آية " 185 " )
سابقاً كان في منام ، أما الآن يقظة ، والدليل أنْ تم هذا اللقاء والاتصال بين الأمينين ؛ أمين وحي السماء جبريل عليه السلام ، وأمين وحي الأرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وضَمَّ الأمين السماوي الأمين الأرضي ليتم الاتصال ، ويسري النور ، ضمه إليه ضمةً شديدة ـ أي أنك لست في منام ، أنت في يقظة ـ ضمه إليه ضمةً شديدة حتى التصق الجسد الأرضي بالجسد النوراني السماوي ، ثم ألقى عليه هذه الكلمة : اقرأ ، ديننا كله علم ، أول كلمة في القرآن اقرأ .

بدء الوحي السماوي إلى الأرض :
قالت عائشة رضي الله عنها في حديث بدء الوحي :
(( حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ))
[الزهري عن عائشة]
أي يجب أن تستخدم علمك في معرفة الله ، اقرأ باسم ربِّك الأكرم ، اقرأ لتعرف ربك الأكرم ، استخدم القوة الإدراكية لتتعرَّف إلى ربك الأكرم ، لماذا ضمني ؟ ليس في المنام في اليقظة ، لئلا يقول أحدهم لعلها رؤيا رآها ، لعله وهمٌ توهمه ، لعله شعورٌ راوده ، لا ، رآه رأي العين ، رأى جبريل عليه السلام رأي العين ، لم يكتف بأن رآه ، لو كان رآه ، هو نور ، شيء غير مادي ، لم يكن ضمه هذه الضمة ، لمّا ضمه صار شيئاً مادياً ، هو في أعلى درجات اليقظة ، وجبريل ضمَّه ، وغطاه حتى بلغ منه الجهد ، وقال له : " اقرأ " ، أول مرة قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : " اقرأ " ، قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : اقرأ ما في الكون من آيات ، اقرأ من أجل أن تعرف الله ، هذا بدء الوحي :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
( سورة العلق )
أرأيتم أيها الأخوة إلى هذا التدرج في إرهاصات النبوة ، وفي الرؤيا الصادقة ، وفي السلام الذي كان يطرحه الحجر والمدر عليه ، ثم في قول جبريل : أنا جبريل ، ثم في قول جبريل : السلام عليك يا محمد ، ثم في رؤية النور في الأفق ، ثم في تجميع هذا النور إلى أن صار على هيئة إنسان ، ثم أمسكه وضمَّه وقال : اقرأ ، الآن بدأ الوحي السماوي إلى الأرض ، بدأت رسالة السماء إلى بني البشر .
وفي درسٍ آخر إن شاء الله نتابع هذا الحدث الخطير الذي هو من أخطر أحداث الدعوة الإسلامية ؛ إنها نزول الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .


والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-09-2011, 08:10 AM   #10
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي





السيرة - سيرة الصحابيات الجليلات - أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد - الدرس 5-8 : مرحلة أول البعثة و إيمانها به
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-05

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن ، ومع قصة السيدة خديجة أم المؤمنين .

السيدة خديجة امرأةٌ كأية امرأة لكنها انتصرت على نفسها :
أيها الأخوة الكرام ، قبل أن نمضي في الحديث عن هذه الصحابيَّة الجليلة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الأولى ، أم المؤمنين ، أقف وقفةً متأنيةً عند حقيقةٍ هي أن الإنسان حينما يقف مواقف بطوليَّة ، والأيام تمضي ، هذه المواقف تبقى خالدة ، نحن بعد ألفٍ وخمسمئةٍ عام نجتمع في هذا المسجد لنذكر مواقف هذه السيدة الجليلة ، ما الذي جعلها تَخْلُد ؟ مواقفها .
ملايين مَلايين النساء أتين إلى هذه الدنيا ، وعشن وقتهن ، وتزوَّجن ، وأنجبن ، وطوتهم الحياة ، ولم يذكرهم أحد ، لماذا نحن نذكر هذه السيدة الجليلة ؟ لأنها وقفت مواقف بطوليَّة ، هذا درسٌ أيها الأخوة ينبغي أن يوضع بين أيدينا ؛ نأكل ، ونشرب ، ونعمل ، ونتزوج ، وننام ، هذا شأن الإنسان في كل مكان ، ولكن الذي يبقي ذكره إلى أبد الآبدين معرفته بالله ، وطاعته له ، وموقفه البطولي .
كلكم يعلم من الدرس السابق أن جبريل حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " اقرأ " ، قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : " اقرأ " ، قال : "ما أنا بقارئ " ، قال :

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
( سورة العلق )
النبي صلى الله عليه وسلَّم بشر ، وبشريَّته هي التي تُعلي مقامه ، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه بشر ، وانتصر على بشريَّته ، وسَمَت نفسه إلى الملأ الأعلى ، هو الذي جعله سيِّد الخلق ، وحبيب الحق ، والسيدة خديجة زوجته امرأةٌ كأية امرأة لكنها انتصرت على نفسها .

الله سبحانه وتعالى لكرامة النبي عنده قيَّض له هذه الزوجة العاقلة الوفية :


بيَّنت لكم في دروسٍ سابقة كيف أن الزوجة ترغب أن تبقى إلى جانب زوجها ، أو أن يبقى زوجها إلى جانبها ، لكن هذه الزوجة الجليلة كان تُسَرُّ بما يُسَرُّ به النبي عليه الصلاة والسلام ، فكان يتركها ، ويخلو بربه الليالي ذوات العدد في غار حراء ، وهي سعيدةٌ بهذا لأنها تعلم علم اليقين أن هذا يسعده .
ذكرت قبلاً أن المرأة إما أن تكون عبئاً على زوجها ، وإما أن تكون في خدمة زوجها ، تكون عبئاً عليه حينما تحمِّله ما لا يطيق ، حينما تسفِّه دعوته ، حينما لا تقدِّر رسالته ، وتكون في خدمة زوجها وشريكته في دعوته إلى الله عزَّ وجل حينما تكون عوناً له في أداء رسالته .
قد ذكرت لكم من قبل أن المرأة لا تسعد زوجها إلا في حالةٍ واحدة ؛ إذا عرف زوجها ربه ، وسعد بقربه ، وعرَّفها بربها ، فسعدت بقربه ، بعدئذٍ تسعده لأنها تعرف حق الزوج ، وتعرف عِظَم الرسالة التي جاءت من أجلها .
بالمناسبة أيها الأخوة ، كل إنسانٍ ذو رسالة ، لأنك من بني البشر :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72)﴾
( سورة الأحزاب )
أي إنسانٍ لمجرَّد أنه إنسان عُرضت عليه الأمانة وقَبِلها ، وحينما قبلها شرَّفه الله عزَّ وجل فجعله المخلوق الأول ، وجعله المخلوق المكرَّم ، وجعله المخلوق المكلَّف ، ما دام قد قَبِلَ حمل الأمانة ، سخَّر الله له الكون تسخير تعريفٍ وتكريم .
الفكرة الأولى في هذا اللقاء ، هناك مَلايين ملايين النساء أتين إلى الدنيا ، وعشن وقتهن ، وتزوجن ، وأنجبن ، وطواهم الردى ، ولم يذكرهن أحد ، لكن المرأة التي عرفت ربها ، وعرفت رسالتها ، وعرفت عِظَم المسؤوليَّة التي أُلقيت عليها ، هذه تكون في خدمة زوجها ، وليست عبئاً عليه ، فلعل الله سبحانه وتعالى لكرامة النبي عنده قيَّض له هذه الزوجة العاقلة الوفية ، التي ندر أن يأتي الزمان بمثلها ، لذلك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

(( خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ تَدْرُونَ مَا هَذَا فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِين ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
الزوج والزوجة متكاملان هذه مشيئة الله عزَّ وجل وهذه هي سنته في خلقه :
أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن جاءه الوحي كان يرتجف من هول ما حدث ، عاد إليها ، الزوجة سكنٌ لزوجها ، الزوج حينما يعود إلى البيت ويجد زوجته في انتظاره ، وفي خدمته ، تخفِّف عنه آلام الحياة ، إنها تؤدِّي رسالتها على أحسن ما يكون ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (21)﴾
( سورة الروم )
تكون الزوجة سكناً لزوجها لأن الرجل يكمِّل نقصه فيها ، ويكون الزوج سكناً لزوجته لأنها تكمِّل نقصها فيه ، هما متكاملان ، وهذه مشيئة الله عزَّ وجل ، وهذه هي سنته في خلقه .
كان عليه الصلاة والسلام يرتجف من هول ما حدث ، عاد إليها وهو يقول :

(( زَمِّلُونِي زمِّلُوني ))
[متفق عليه عن عائشة]
مرَّةً ثانية إن حذفت من رسول الله بشريته ألغيت تفوقه ، وألغيت كماله ، لأنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر ، انتصر على بشريَّته ، فزمَّلته رضي الله عنها ، وقد ورد أيضاً أنها دعته إلى أخذ قسطٍ من الراحة ، فقال لها صلى الله عليه وسلَّم : انقضى عهد النوم يا خديجة .
الآن معظم الناس حينما يأتيهم رزقهم رغداً من كل مكان ، حينما يتمتعون بصحةٍ طيبة ، ومالٍ وفير ، وأولادٍ كثيرين ، وبيتٍ مريح يقول لك : على الدنيا السلام .


النجاح الحقيقي حينما يؤدِّي الإنسان الرسالة التي حمَّله الله إيَّاها :
قلت لكم من قبل أن سيدنا عمر رضي الله عنه أدخل شاعراً اسمه الحُطيئة السجن لأنه هجا رجلاً هو الزبرقان بأهجى بيتٍ قالته العرب ، قال :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
***

أي أن كل إنسان جعل تحقيق أهدافه الماديَّة نهاية المطاف هو إنسان ينطبق عليه هذا البيت :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
***

أي أنت أيها الإنسان على عاتقك رسالةٌ ينبغي أن تعيها ، مثل بسيط : أمةٌ متفلِّتَةٌ تحتاج إلى علمٍ جيد ، أرسلت شاباً في بعثةٍ دراسيَّةٍ إلى بلد غربي ، هذا الشاب أُرسل على حساب أمتِه ليدرس ، ويتعلَّم ، الآن مقيم في بلد أجنبي ، بقدر وعي هذا الشاب يشعر أنه يحمل رسالة ، أتى هنا ليتعلَّم ، وليعود لينفع أمته بعلمه ، فكلَّما عرضت له نزوةٌ أو شهوةٌ يجب أن يذكر رسالته ومهمته ، الشاب الواعي وهو في بلاد الغرب وقد أرسلته أمته ليدرس ، وينال أعلى الدرجات ، وليعود لينفع أمته بعلمه ، يشعر دائماً بهذه المسؤولية ، وتلك الرسالة ، وعِظم هذه المهمة التي أُنيطت به ؛ وكلَّما كان ضعيف الإدراك ، ضعيف الوازع الداخلي كلَّما تفلَّت من تلك المسؤوليَّة ، وعاش لحظته ، وانساق مع شهواته .
أنتم أيها الأخوة وأنا معكم كلَّما ارتقينا شعرنا بعظم رسالتنا ، وكلما ضعفنا تفلَّتنا من هذه الرسالة ، فالإنسان لو حقَّق أهدافه المادية ؛ لو أكل ، وشرب ، وسكن ، وتزوج ، وعمل ، وجاءه دخلٌ كبير لن يحقِّق شيئاً ، النجاح الحقيقي حينما تؤدِّي الرسالة التي حمَّلك الله إيَّاها ، النجاح الحقيقي حينما تحقق قوله تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
( سورة الشمس )
قال : أحاطته برعايتها وعطفها وحنانها ، ولم تبادر إلى سؤاله عمَّا حدث ، وهذا من ذوقها الرفيع ـ أحياناً الإنسان سكوته كمال ، أحياناً حديثه غير الهادف نقص ، أحياناً إن سكت في موقف ، فالسكوت أعلى درجات الكمال ـ بل انتظرت حتى هدأت نفسه الشريفة ، وذهب عنه ما كان يجد من اضطراب ، عندئذٍ سألته ، فقصَّ عليها ما رأى وأخبرها بما سمع وقال لها : " لقد خشيت على نفسي " ، فقالت له رضي الله عنها بكل ما أوتيت من ثقةٍ وحزمٍ : " كلا والله ما يخزيك الله أبداً " ، وفي رواية للبخاري : " كَلاَّ أَبْشِرْ " ، هذا هو الدعم الداخلي ، هذا هو التثبيت ، هذا هو العقل ، " كلا والله ما يخزيك الله أبداً " ، هذا النص له روايات كثيرة:
" إنك تحمل الكَل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر ، وما يخزيك الله أبداً " .

[الزهري عن عائشة]
الكمال البشري حازه النبي في أعلى درجة :
ذكرت لكم في درسٍ سابق أن كل إنسانٍ له عملٌ طيب ينبغي أن يثق بالله عزَّ وجل ، والله لن يخزيه أبداً .
بعض كتَّاب السيرة له تعليقٌ لطيف على هذا الموقف الرائع ، يقول : " لكِ الله يا أم المؤمنين ما أعقلكِ ، وما أحزمكِ ، وما أصدق فراستكِ ، وما أعظم ثقتكِ بربكِ سبحانه ، من في النساء من تقول مثل كلمتكِ هذه ، وتقف من زوجها مثل موقفكِ الكريم هذا ؟! " . هناك نساء كثيرات يُسَفِّهن موقف أزواجهن ، الموقف الكامل ، الموقف المُخلص ، الموقف الذي ينمُّ عن حبٍ لله عزَّ وجل ، وعن إيثارٍ لطاعته ورضوانه ، زوجةٌ جاهلةٌ تسفِّه موقف زوجها ، وتكون عبئاً عليه ، وليست في خدمته .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : " صدَّقته في أول وهلة " ، لذلك قالوا : إن السيدة خديجة هي أول إنسانٍ ـ وكلمة إنسان تشمل الذكور والإناث ـ أول إنسانٍ تؤمن برسول الله تؤمن به نبياً ورسولاً ، قال : وهذا يدل على قوة يقينها ، ووفرة عقلها ، وصحَّة عزمها . الحقيقة أن المرأة جعلها الله عزَّ وجل محبَّبةً للرجال ، ولكن المرأة العاقلة ، المرأة المؤمنة لها مكانةٌ عند ربها وعند زوجها أضعاف مضاعفة ، بل أضعاف لا تعدُّ ولا تحصى .
مرَّةً ثانية : ذكَّرته بعمله الطيب :

(( إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ))
[الزهري عن عائشة]
وفي روايةٍ للإمام البخاري :
(( إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ))
[البخاري عن عائشة]
هذه الخصال التي جمعتها للنبي عليه الصلاة والسلام كمال الإنسان ، فالكمال البشري حازه النبي في أعلى درجة ، السيدة خديجة كما ذكرت في درسٍ سابق لم تكتف رضي الله عنها بهذا ، بل ذهبت مع رسول الله إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، الذي سبق أن حدَّثته عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قبل زواجها منه ، وأخبرها ورقة أنه سيكون في هذه الأمة نبيٌ حان أوان ظهوره كما مرَّ معنا .

المعركة بين الحق والباطل تُعلي قدر أهل الحق وتؤكِّد ثباتهم وصدقهم :
تضيف بعض الروايات أن النبي كان قد ذهب إلى ورقة مع صاحبه أبي بكر قبل هذه المرَّة أيضاً ، ففيها أن النبي قال للسيدة خديجة رضي الله عنها :
(( إني إذا خلوت وحدي أرى ضوءاً ، وأسمع نداءً : يا محمد أنا جبريل ، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمراً ، فقالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل هذا بك ، إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث ))
[الزهري عن عائشة]
لما دخل أبو بكرٍ ذكرت خديجة حديثه لها وقالت : " اذهب مع محمدٍ إلى ورقة بن نوفل فإنه رجل يقرأ الكُتُب فيذكر له ما يسمع " ، فانطلقا ، فقصَّا عليه فقال : إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي : يا محمد أنا جبريل ، فأنطلق هارباً ، قال ورقة : سبوحٌ سَبوح ، وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي يعبد فيها الأوثان ، جبريل أمين الله تعالى على وحيه بينه وبين رسله ، لا تفعل إذا أتاك ، فاثبت حتى تسمع ما يقول ، ثم ائتني فأخبرني " .
إذاً يستنبط أن ورقة بن نوفل كان على علمٍ بأمر النبي عليه الصلاة والسلام وما يحدث له .
أيها الأخوة ، لهذا الرجل الحصيف العاقل الذي يقرأ الكُتُب قولٌ آخر ، قال :
" هذا الناموس الذي نزَّله الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك " . فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ))
[البخاري عن عائشة أم المؤمنين]
قال : " نعم لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عوديَ ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً " ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي .
هناك تعليقٌ لطيف على هذه الرواية : لحكمةٍ أرادها الله جعل الحق والباطل في كل مكان وفي كل زمان ، والمعركة بين الحق والباطل معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّة ، ولولا أهل الباطل لما ارتقى أهل الحق ، إن هذه المعركة بين أهل الحق وأهل الباطل هي التي تُعلي قدر أهل الحق ، وتؤكِّد ثباتهم ، وصدقهم ، وحبهم ، وشوقهم لربهم .
تصور أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام كانوا في مكة ، وليس فيها مشركٌ ولا كافر ، ليس فيها مشكلة ؛ ولا معارضة ، ولا تكذيب ، ولا تسخيف ، ولا تنكيل ، ولا إخراج ، ولا تضييق ، جاء الوحي فسعد به النبي ، ونطق به ، وسعد به أصحابه ، ليس هناك خروج من مكة ، ولا هجرة ، ولا قتال ، ولا بدر ، ولا أُحد ، ولا خندق ، ولا شيء إطلاقاً ، كيف يرقى أصحاب رسول الله ؟ الإنسان لا يرقى إلا حينما يقابل المتاعب ويصبر ، لا يرقى إلا إذا ظهر صدقه ، وظهر ثباته ، هذا ينقلنا إلى موضوعٍ آخر .


الإنسان حينما يلتزم جانب الصواب يدفع ثمن هذه الطاعة حتى يشعر بقيمتها :
لو أن إنسان له دخلٌ كبير من معصية شنيعة ثم تاب من توِّه عن هذه المعصية ، لو أن الله جدلاً أعطاه دخلاً أكبر بمجرَّد أنه قد تاب ، هذا الإنسان الذي تاب لا يشعر بقيمة توبته ، ما نقص عليه شيء ، أما حينما يقل دخله بعد أن تاب إلى الله ، ويدفع ثمن طاعته ، وثمن إيثاره ، هذه المتاعب التي يعانيها هي التي تثمِّن عمله ، هي التي تسمو به عند الله عزَّ وجل ، فالإنسان حينما يلتزم جانب الصواب هناك ما يسمى بثمن هذه الطاعة ، ثمن هذه الطاعة إن لم يدفعه لا يشعر بقيمة هذه الطاعة .
مثلاً أحياناً يلتزم شاب في أسرة ، ويستقيم ، يدع كل سهرةٍ مختلطة ، يدع كل نُزهةٍ مختلطة ، يدع كل وليمةٍ مختلطة ، يدع كل شيءٍ يبعده عن ربه ، يلزم دروس العلم ، يأتي المساجد ، فالظاهر هذا الشاب حُرم هذه الولائم ، وحُرم هذه السهرات ، وحرم هذه النزهات ، وحرم هذه المباهج ، لولا أنه حُرمها لما كان لطاعته معنى .
أيها الأخ الكريم لا تتألَّم حينما تدفع ثمن طاعتك ، أبشر ، واستبشر ، وكن سعيداً إذا دفعت ثمن طاعتك ، يؤكد هذا المعنى قول الله عزَّ وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (28)﴾
( سورة التوبة )
أي أن هؤلاء المؤمنين حينما رفضوا دخول المشركين مكة تنفيذاً لأمر الله عزَّ وجل ؛ قلَّ دخلهم ، وقلَّت رواج سلعهم ، وضاقت عليهم الدنيا قليلاً ، هذا هو ثمن الطاعة ، فإذا دفعوه في المستقبل عوَّضهم الله عزَّ وجل كل شيءٍ فاتهم :
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (28)﴾
( سورة التوبة )
هذا الدرس لنا ، فأنت حينما تلتزم قد تضيع منك فرصٌ كثيرة ، قد يضيع منك أعمالٌ كثيرة ، دخولٌ كثيرة ، هذه إذا ضاعت منك معنى ذلك أنك دفعت ثمن طاعتك ، معنى ذلك أنك ارتقيت بهذا ، أما لو أن كل إنسان آثر الحق ، جاءته الدنيا كأكثر ما تكون مباشرةً ، ما عاد لهذه الطاعة من معنى ، ولا عاد لهذه الطاعة من ثمن .

حال النبي الكريم بعد نزول جبريل بأول آيات القرآن :
أيها الأخوة الكرام ، وبعد أن نزل جبريل بأول آيات القرآن الكريم ، نزولاً كما مرَّ معناه :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾
( سورة العلق )
فتر نزول الوحي بعض الوقت ، كما جاء في حديث السيدة عائشة فقالت :
" ثم فتر الوحي ، ثم أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلَّم قوله الكريم :

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾
( سورة المدثر )
بعد أن ظهر له جبريل بهيئته المَلَكِيَّة ، روى الطبري عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( جاورت بحراء ـ بغار حراء ـ فلما قضيت جواري ـ أي جاورت ربي ، خلوت مع ربي الأيام ذوات العدد ـ هبطت ، فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً ، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً ، أتيت خديجة فقلت : دثروني دَثروني ، وصوبوا عليَّ ماءً بارداً قال : فدثروني وصبوا عليَّ ماءً بارداً فنزلت :
﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾
( سورة المدثر )
وفي روايةٍ ثانية :

((بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زمِّلُوني ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)﴾
( سورة المدثر )
فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ ))

[البخاري عن جابر بن عبد الله]
بعد الظهور الكامل من جبريل عليه السلام عرف النبي الكريم مهمته وتمَّت له النبوة :
الآن مقدماتٌ كثيرة ، وإرهاصاتٌ كثيرة ، ورؤيا صادقة كفلق الصُبح ، ونداءٌ من مجهول : " أنت نبي هذه الأمة يا رسول الله " ، ثم جاء الوحي ، ثم نزل قوله تعالى :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾
( سورة العلق )
ثم رأى النبي جبريل بصورته الكاملة يملأ ما بين السماء والأرض ، ثم استقر عند النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه نبيُّ هذه الأمة وأن الله أرسله ليكون رحمةً مهداة للعالمين .
بعد الظهور الكامل من جبريل عليه السلام ، ظهرت للنبي صلى الله عليه وسلَّم طبيعة المهمة المكلَّف بها ، وعرف صلى الله عليه وسلَّم مهمته ، وتمَّت له النبوة ، واستبانت معالم الرسالة ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6)﴾
( سورة الشرح )
أي أن النبي عليه الصلاة والسلام شرح الله له صدره ، ما الذي كان يقلقه قبل شرح الصدر ؟ يقلقه أنه عرف الله ، ولكن لم يعرف السبيل إلى هداية قومه ، عرف الله ورأى قومه في ضلالٍ مبين ، عرف الله وسمت نفسه ورأى قومه في مستنقعٍ آسن ، عرف الله وأشرقت روحه ، ورأى قومه يتناحرون ، ويأكل بعضهم أموال بعض ، ويعتدي بعضهم على أعراض بعض ، رأى مجتمعه في مستنقعٍ آسن ، ورأى جاهليةً هي حضيض المستوى الذي وصلت إليه البشريَّة .

السيدة خديجة رضي الله عنها أول سبَّاقةً إلى الإسلام :
أيها الأخوة الكرام ، هذه السيدة خديجة رضي الله عنها كانت سبَّاقةً إلى الإسلام . بالمناسبة يقول عليه الصلاة والسلام :
(( ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبو بكر))
[رواه رزين والديلمي بمعناه في مسند الفردوس عن ابن مسعود]
الدعوة إلى الإسلام عامَّة ، ولكن الاستجابة متفاوتة ، فالسيدة خديجة كانت أول سبَّاقة إلى الإسلام ، بادرت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها إلى الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلَّم ، والتصديق بنبوَّته ، فهي سبَّاقة الخلق إلى الإيمان والإسلام رضي الله عنها وأرضاها . واتفق العلماء على هذه الحقيقة :
قال ابن عبد البر : " هي أول من آمن بالله عزَّ وجل ورسوله صلى الله عليه وسلَّم " ، وهذا قول قتادة ، والزُهري ، وعبد الله بن محمد ، وابن إسحاق ، وجماعة .
قالوا : "خديجة أول مَن آمن بالله عزَّ وجل من الرجال والنساء " ، ولم يستثنوا أحداً ، إذاً حينما آمنت برسول الله كانت الإسلام كلَّه .
قال ابن الأثير : " خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين لم يتقدمها رجل ولا امرأة " .
بالمناسبة هذا السبق له قيمة كبيرة جداً ، أحياناً الإنسان حينما يقوى الحق ويظهر ويأخذ مكانه الطبيعي ، ويصبح الحق ذا قوةٍ ظاهرةٍ ، الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، أما حينما يكون الحق ضعيفاً ، يحتاج إلى من يدعمه ، الناس ينصرفون عنه خوفاً على سلامتهم ، أو خوفاً على أموالهم ، لذلك ليسوا سواء ، من آمن قبل الفتح له عند الله مكانة كبيرة ، فهذا الوقت له قيمة كبيرة جداً ، أحياناً يكون الشيء إذا انتسبت إلى هؤلاء كان انتسابك إليهم مغرماً أما حينما يكون انتسابك إليهم مغنماً ليس لك أجر ، فالبطولة لهؤلاء الذين أسلموا وكانوا سبَّاقين في إسلامهم .


أقوال بعض العلماء في السيدة خديجة رضي الله عنها وإسلامها المبكر :
قال محمد بن كعب : " أول من أسلم في هذه الأمة برسول الله خديجة رضي الله عنها " .
قال : اتفق العلماء على هذا ، بينما اختلافهم في أول من أسلم بعدها ، الخلاف لا على أنها أول من أسلمت ، الخلاف أول من أسلم بعدها .
قال ابن هشام في السيرة : " وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدَّقت بما جاءه من الله ، وآزرته على أمره ـ أي أعانته على أمره ـ وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدَّق بما جاء به ، فخفَّف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، لا يسمع شيئاً مما يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك ، إلا فرَّج الله عنه بها ، إذا رجع إليها ؛ تثبِّته ، وتخفِّف عنه ، وتصدِّقه ، وتهوِّن عليه أمر الناس رحمها الله تعالى " .
هذه عبارة لطيفة أعيدها على أسماعكم : " ، وكانت أول من آمن بالله ورسوله ، وصدَّق بما جاء به ، فخفَّف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، لا يسمع شيئاً يكرهه من ردٍ عليه ، وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك ، إلا فرَّج الله عنه بها ، إذا رجع إليها ؛ تثبِّته ، وتخفِّف عنه ، وتصدقه ، وتهوِّن عليه أمر الناس رحمها الله تعالى " .
قال بعضهم : "إن سبب إسلامها السريع هو ما رأته من إرهاصاتٍ ، ومبشراتٍ ، ودلائل مبكِّرة على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام" .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : " ومن مزايا خديجة أنها ما زالت تعظِّم النبي " .
الإنسان أحياناً التعامل اليومي المباشر لا يبقي للإنسان عند أهله هذه المكانة الكبيرة التي يراها الناس له ، أما زوجةٌ هو زوجها ، وقد أنجب منها الأولاد ، وله عندها مكانةٌ عظيمة ، رأته نبياً عظيماً ، والعلاقات الحميمة دائماً تُضْعِف هذه النظرة ـ أي بالمألوف ـ العلاقات الحميمة بين الزوج وزوجته تضعف مكانة الزوج عند زوجته ، هذا شأن معظم الناس ، أما هذه السيدة العظيمة مع أنها زوجته ، وقد رزقه الله منها الولد ، ومع ذلك كانت ترى نبوَّته ، ورسالته ، وكماله ، وكانت لا تعامله على أنه زوجها بقدر ما تعامله على أنه نبيٌ ورسول ، هذا شيء ليس من السهل على المرأة أن تكون فيه .


نصب النبي الراية على قبر خديجة عند فتح مكة إعلاماً لفضلها وسبقها في الإسلام :
كانت تعظِّم النبي ، وتصدق حديثه قبل البعثة وبعدها ، وبعد أن دخلت في دين الإسلام ، علَّمها النبي صلى الله عليه وسلَّم الوضوء والصلاة كما علَّمه جبريل عليه السلام .
قال ابن هشام : " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خديجة فتوضَّأ ليريها كيف الطهور للصلاة ، كما أراه جبريل ، فتوضَّأت كما توضَّأ لها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كما صلَّى به جبريل ، فصلَّت بصلاته ، وهكذا أصبحت خديجة بنت خويلد القُرشيَّة ، الزوجة الأولى للنبي عليه الصلاة والسلام ، وتبوَّأت مقام أم المؤمنين " .
أي أن جبريل علَّم النبي الوضوء ، وعلَّم النبي خديجة الوضوء ، وجبريل صلى برسول الله فتعلم كيف يصلي ، وصلى النبي بالسيدة خديجة فعلَّمها كيف تصلي ، إذاً هذه مكانةٌ عليَّة لا ينبغي أن تكون إلا في أعلى مقام ، والدليل :
عندما فتح الله على النبي صلى الله عليه وسلَّم مكة المكرَّمة ـ هكذا قرأت ـ قال انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة ، وقد ورد معنا قبل درسين أو ثلاثة أنه نصب راية المسلمين عند قبر خديجة ، لأنها رضي الله عنها ما فرحت بالنصر ، توفِّيت قبل أن يفتح الله على نبيِّه مكة ، جاء نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، خديجة رضي الله عنها لم تعش إلى هذا الوقت الذي متَّع الله به النبي صلى الله عليه وسلَّم بالفتح والنصر المبين لذلك أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يشير إلى فضلها في معاونته ، فنصب الراية على قبر خديجة إعلاماً لفضلها وسبقها في الإسلام .


والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:22 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010