الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى شيوخ وعلماء الإسلام > الدكتور محمد راتب النابلسي > المحاضرات المكتوبة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2011, 09:20 PM   #1
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
Q (1) احكام فقهية عامة



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك


الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس الدرس ( 22 - 25 ) : الوفاء بالعقود ، سورة المائدة : الآية "5"
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-15
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني والعشرين من دروس آيات الأحكام وآية اليوم من سورة المائدة وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) ﴾
أوفى ووفى، الأولى رباعية والثانية رباعية، إلا أن الأولى مخفف والثانية مشددة، والتي هي مشدة أبلغ من المخفف، ومن أوفى بعهده من الله، وإبراهيم الذي وفى، وقد وردت هذه الكلمات في القرآن الكريم، المشددة فيها معنى المبالغة، قال تعالى:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾
(سورة الأعراف 102)
المقصرون كم مرة عاهدوا الله عز وجل ثم نقضوا عهدهم، الحجاج في بيت الله الحرام كلهم عند الحجر الأسود يقولون عهداً لله على طاعته، إذا عادوا إلى بلادهم غيروا وبدلوا وكأن عهداً لم يكن بينهم وبين الله، لذلك حينما تقرأ هذه الآية:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(37)﴾
(سورة النجم)
تشعر أن هذه النبي كان وفياً لعهد الله، وفى ما عليه، طبعاً وفى مجازاً، أما أن توفي حق الله تعالى بالكمال والتمام فهذا من المستحيلات، لكن توفيه نسبية، من الذين وفوا نسبياً سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
بالمناسبة أنت حينما تعاهد خالق الكون على الطاعة ينبغي أن يكون هذا العهد في السراء والضراء، في المنشط والمكره، في ضيق الدنيا وفي بحبوحتها، في المرض والصحة، في الغنى والفقر، قبل الزواج وبعد الزواج، هذا هو العهد، لا تعاهد إنساناً بل تعاهد خالق الأكوان، لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾
(سورة الأحزاب)
أجمل ما في المؤمن ثباته على المبدأ، والله يا عم لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه، من الخلق الرفيع الثبات على المبدأ، ثابت لا يغير ولا يبدل ولا يعدل ولا يتكاسل ولا يتوانى.
المبالغة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
العقود جمع مفرده عقد، أما العقد شيء آخر، دقة اللغة، عَقد وعِقد، مَنصِب ومنصَب، مسافة كبيرة جداً، بَر وبِر وبُر، البَر اليابسة والبُر القمح والبِر الإحسان، خَلْق خَلِق خُلق، الخُلق الأخلاق والخَلِق البالي والخَلْق البنية، كان تام الخلق والخُلق عليه الصلاة والسلام، قَدَمَ قَدُمَ قَدِمَ، كل شيء له معنى حركة تغير المعنى رأساً على عقب، العقود جمع عقد، العِقْد الحلي الذي تلبسه المرأة، العَقْد في الأصل الربط واللغة انطلقت من معاني مادية إلى المعاني المجازية، فالعَقد في الأساس الربط ومنها العقدة، والسيدة عائشة رضي الله عنها كانت تسأل النبي عليه الصلاة والسلام كيف حبك لي ؟ يقول لها: كعقدة الحبل، عقدة لا تنفك تسأله من حين إلى آخر كيف العقدة، يقول على حالها.
عقدت البيع لفلان، ربطت هذا الوديع بالعقد الأكيد لفلان، عقد بيع ربط المبيع بالذي اشترى، واليمين التي تنعقد للمستقبل تسمى عقداً لأم الحالف ربط نفسه بالمحلوف في المستقبل، قال والله لأفعلن كذا وكذا، قيد نفسه بعمل يفعله في المستقبل، فهذه اليمين تسمى عقداً لأنها ارتباط، ما معنى قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
المعنى الأول: أوفوا بالعقود التي بينكم وبين الله، أنت عبد وقد عاهدت الله في عالم الأزل على أن تأتي إلى الدنيا وأن تعبده فعبادة الله عقد بينك وبينه، لهذا يقول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا، من مقتضيات إيمانكم أو توفوا بالعقود التي بينكم وبين ربكم، أي واحد منا لأنه إنسان مسلم مؤمن مرتبط بعقد مع الله أن يطيعه وأن يعبده وأن يتعرف إليه وأن يزكي نفسه وأن يجعلها صالحة لعطائه يوم القيامة، فإذا قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
يعني أوفوا بالعقود التي بينكم وبين الله، وكل إنسان عاهد الله عز وجل حينما عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، في عقد سبحان الله الإنسان حينما يوفي ما عليه لله عز وجل يشعر براحة، يشعر بقيمته الإنسانية يشعر أنه في عين الله كبير، ولأن تسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن تسقط من عين الله، وقد تخرق العهد الذي بينك وبين الله ولا يطلع أحد على ذلك إلا الله، العبرة أنت العبرة أن تكون عظيماً أمام نفسك لا أن تكون حقيراً أمام نفسك، عبر عنه علماء النفس بالانهيار الداخلي، الإنسان قد يكون ذكياً وقد يكون طليق اللسان وقد يكون عنده قوة إقناع كبيرة وقد يخرق الستر بينه وبين الله، قد يخون أمانة الله، قد يخون عهد الله ولا أحد يطلع إلا أن إطلاعه على ذاته بحد ذاته يسقطه من عين ذاته، والإنسان حينما يكون منهاراً داخلياً لا يستطيع أن يكون ناجحاً في العلاقات الخارجية، يعني أهم شيء في حياة الإنسان إن صح التعبير الصمود الداخلي متماسك، فقير ليس مشكلة، ضعيف ليس مشكلة، قد تكون ضعيفاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً لكنك مطيعاً لله عز وجل وأنت في نظر الله كبير، وأنت عند الله لك مقام كبير، أما يمكن أن تكون في أعلى مقام عند الناس ولكن عند الله صغار.

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)﴾
(سورة الكهف)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)﴾
(سورة غافر)
الله يمقتهم، لو سألتموني ما هو أعلى شعور إنساني يسعد الإنسان ؟ أن يشعر أنه في طاعة الله أو في رضوان الله أو في عين الله، هذا الشعور لا يقدر بثمن، خالق الكون يقول لك أنك بأعيننا.
يروى أن سيدنا جبريل جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: قل لصاحبك أن الله راضي عن أبي بكر فهل هو راض عن الله، الله عز وجل كما أنك تخطب وده فهو يخطب ودك، كما أنك تشكره يشكرك، كما أنك وفي له فهو وفي لك، في مودة أعلى في المجتمع البشري من تكون على صلة متينة جداً بالملك هذه أعلى ميزة ينالها إنسان في مجتمع أما أن تكون لك علاقة طيبة، أن تكون العلاقة بينك وبين الله عامرة شيء لا يقدر بثمن هذا هو المقام الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مؤمن.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)﴾
(سورة مريم)
هذا الود لما أنا يواددني إنسان يبتسم في وجهي، يصافحني في حرارة، يزورني وأحياناً يكرمني يدعوني إلى تناول طعام هذا إذا أردت أن تخطب ود إنسان تفعل ذلك، أما إذا أراد الله أن يودك ماذا يفعل ظ تيسير الأمور من مودة الله عز وجل، أن يملأ قلبك غناً من مودة الله،أن يلهمك الصواب من مودة الله، أن يؤتيك الحكمة من مودة الله، أن يسعدك في بيتك من مودة الله عز وجل، أن يكثر الذين يحبونك من مودة الله.

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾
(سورة الأحزاب)
لذلك المعنى الأول للعقود أدوا الفرائض وأدوا الواجبات وأدوا المندوبات والتزموا بأدائها.

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103)﴾
(سورة النساء)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)﴾
(سورة البقرة)
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
(سورة البقرة 196)
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)﴾
(سورة المعارج)
العبادات التي ألزمنا الله بها يجب أن نؤديها، وفي أدائها توفيت لهذه العقود، هذا أول معنى.
المعنى الثاني: العقود التي تقع بينك وبين الآخرين، أنت وقعت عقداً لا تنكل بهذا العقد، ألزمت نفسك بشيء لا تقصر، عاهدت الآخرين على أن تفعل كذا وكذا لا تنقض عهدك مع الآخرين، المسلمون على شروطهم.
حدثني أخ كريم عنده بيت بمساكن دمر عرضه للبيع جاءه بعض الأشخاص جاءه شاب ساومه على البيت فاتفقا على أن يبيعه إياه بمئتين وتسعين ألف، قال له لنكتب العقد قال ليس هناك حاجة ائت بالمبلغ وسأسطر لك التنازل، في اليوم التالي جاء من يدفع في هذا البيت ثلاثمة وخمساً وعشرين ألف، بلغ الشاري الأول هذا العرض الجديد، يوم السبت حسب الموعد جاء ومعه المبلغ دخل عليه قال له جاهز المبلغ قال جاهز كتب له عقد تنازل ووقعه فدهش، معقول إنسان يدفع له زيادة ولا يتحرك حركة وينفذ العقد الأقل، بعد ما وقع العقد وصار التنازل قال له هل صحيح أن هناك دفع مبلغ أكبر ؟ قال نعم، ولكن لا أبيع ديني بخمسة وثلاثين ألف، بعد فترة رتبوا على مالك البيت سبعة وعشرين ألف زيادة فالشاري ماذا فعل ؟ دفع المبلغ ولم يخبر صاحب البيت وهو على صاحب البيت، هذه علاقة إيمانية، لو كانت علاقتنا فيما بيننا إيمانية لكان حالنا غير هذا الحال، دعاوى القضاء لا تعد ولا تحصى، العلاقات بين الناي ساءت، أما لو أن هناك علاقات إيجابية ووفاء بالعقد، يقال الآن في أزمة سكن، هذا خلط بل أزمة إسكان، مئات بل مئات الألوف من البيوت المغلقة التي لا تؤجر السبب: المستأجر لو أعطاك وعداً أن يخرج لا يخرج تملك البيت، الناس فقدوا المصداقية، الإنسان حينما يفقد المصداقية انتهى.
حدثني رجل قال: طالبان على مقعد الدراسة بعد حين طويل صار الأول من تجار البناء المشهورين والثاني بقي في عمل متواضع عنده بقالية متواضعة، فلما أراد الثاني الزواج ليس هناك بيت، ذهب إلى صديقه تاجر البناء قال له أنا عندي بيوت للبيع لا للإيجار فقال له عهد الله لأن أجرتني بيتاً من بيوتك وجاء من يشتريها أخليها لك في يومين، هذا الصديق رقّ قلبه للصديق الثاني وأجره بيت قبو في أبي رمانة، سكن فيه أربع أو خمس سنوات ليس هناك بيع، جاء فجأة من يشتري هذا البيت والأسعار تضاعفت، فصادق صاحب البيت إلى صديقه المستأجر وطرق بابه وقال له أنت عاهدتني أن تخرج من البيت في يومين حينما يجئ من يشتري هذا البيت والآن جاء من يشتريه، معك ستة أشهر، قال له أنا على عهدي، بعد يومين طرق باب صاحب البيت صديقه قال هذه المفاتيح جزاك الله خيراً الصديق صعق في أزمة سكن مستحكمة، الآن في شيء اسمه عقد سياحي يعني في أمل أن تأخذ بيت لستة أشهر وقتها ما في، هذا ما صدق لعله يمزح، فركب مركبته واتجه إلى البيت فتح البيت لا شيء فيه ومنظف كل شيء كامل جاهز للسكن، لما أغلق الباب وذهب فتح باب الجيران بربك كم أخذ المستأجر منك فروغاً، قال لم يأخذ مني شيئاً هو عاهدني أن يعطيني البيت وأعطاني إياه وما أخذ مني شيئاً، قالوا والله باع كل أثاث بيته بثمن بخس والآن في فندق في الشام رخيص، فهذا الصديق سأل عن الفندق وذهب إليه قال له: والله لترجع إلى البيت ولأبيعك إياه بسعر يوم سكنته وكل ما دفع من أجرة من ثمن البيت وأثاث البيت عليّ والله هكذا شخص يلغي قانون الإيجار كله.
قال لي أخ أعرنا إنسان بيت ليدهن بيته أسبوع هذه السنة الخامسة عشر وهم في المحاكم ن المسلمون عند شروطهم، أحياناً يقول لي أخ يكبر في عيني يقول أنا مستعد أن اسكن في خيمة وما أنقض عهدي مع صاحب البيت، أخ كان من إخواننا في مرتبة عالية جداً ساكن جانب جامع النابلسي انتهت خدمته وهو موظف في الجيش، طرق على صاحب البيت وقال هذا المفتاح جزاك الله عني خيراً، صعق الرجل ولم يصدق.
أنا أقول لكم من سابع المستحيلات إن إنسان يوفي عهد الله في علاقته مع الآخرين وأن يبقى في الدرجة البعيدة إلا في المقدمة، وما من إنسان خرج من بيته وفاءاً لعهد الله إلا وأسكنه الله أفضل البيوت، في أخ آخر قال لي أنا ساكن في بيت، هذا الكلام في الأزمات المستحكمة لا يمكن أن تجد بيت للسكن ولا في سنة، ساكن في بيت صاحبة البيت قالت له إن أردت البيت يجب أن تخرج منه، قال لها أنا حاضر، ففي وقت عصيب جداً قالت له أريد البيت ووقع عقد تنازل لأربعة أشهر وأصبح بلا بيت، بعد حين دعانا إلى بيت اشتراه أفضل من البيت الأول بمئات المرات، وتوفيق الله عز وجل لا يصدق، وانتقل إلى بيت أكبر وأجمل دعيت إليه، سألته عن قصته فقال: والله صاحبت البيت لها بنت عانس جاءها خاطب فليس عنده بيت قالت لأمها يا أمي قولي لفلان أن يعطينا البيت لعلي أتزوج به فاستجاب المستأجر وخرج، تقول ذهبت هذه الفتاة للعمرة طوال الطريق تدعو لهذا المستأجر أن يهبه الله بيتاً خيراً من البيت المستأجر، وهذا الذي حصل، أنت تعامل مع الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
المسلمون عند شروطهم، لا تخاف لتن تضيع، الله لن يضيعك، لا تعتمد على مادة في القانون، في القبر ليس هناك قانوناً بل شرع، لا تستند على مادة تقول أنا محمي الحامي هو الله، أعرف رجلاً اغتصب بيت وفي عنده بيت أصغر من بيته، بطريقة معقدة جداً وكل محامي ووصل إلى حكم لصالحه بطريق غير مشروع، عندئذ اضطرت صاحبت البيت المسكينة أن تبيعه البيت بثلث ثمنه، وقع عقد، ثلاثين يوماً كان تحت أطباق الثرى.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
والله أيها الأخوة لو هذه الآية وحدها طبقها المسلمون لكانت حياتهم غير هذه الحياة، يقول كل الطرق مسدودة ما في زواج لأنه لا يوجد بيوت، البيوت موجودة لكن ليس هناك وفاء بالعقود، ولكن إذا وجد الوفاء بالعقود تحل مشكلات كل الشباب.
يعني أنا اخترت هذه الآية: لو أوفينا بالعقود لكنا في حال غير هذا الحال، كلما ضاقت سبل الزواج اتسعت سبل الزنى، يقال أغلقوا عشرين بيت دعارة بالحي الفلاني في يوم واحد، طرق الزواج كلها مغلقة لأنها تحتاج إلى بيوت، إذاً طرق الدعارة أصبحت مفتوحة، قال عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
(سنن ابن ماجة 1957)
اسمعوا الحديث: ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ما في دين ما في عهد، صلي ما شئت وصم وتمسح بمظاهر الدين ما شئت لست مؤمناً لا ورب الكعبة إذا نقضت عهدك مع من عاهدت.
إذاً العقود التي بينك وبين الله، والعقود التي بينك وبين الناس ينبغي أن تؤديها لتكون مؤمناً وإلا فلست بمؤمن.
الآن لو وسعنا هذا الموضوع، عقد أدبي وعدت ابنك بدراجة هذا وعد والوعد عقد ووعد الحر دين فأنت يجب أن تنفذ ما وعدته أو اقتصد في طرح الوعود، عود نفسك الشيء الذي لا تستطيع أن تفي به لا تعد، أيام تجد شخصاً يلعب بالمبادئ يكون عنده موظف يقول له أريد أن أشارك كلمة قالها ونسيها، هذا الموظف عاش في أحلام غداً أصبح شريكه وينزل اسمي على لوحة ويبني على ذلك آمال، لكن صاحب المحل تكلم هذه الكلمة ولا يعني منها شي، حينما يصاب هذا الموظف بخيبة أمل مع صاحب المحل، وصاحب المحل يصلي وبالمسجد، أحياناً يكفر الإنسان الجاهل بالدين من خلال نقض عهد لإنسان يتمسح بالدين قضية العقود قضية مقدسة، ودائماً وأبداً ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.
أحد أصحاب رسول الله في أثناء الهجرة قبضوا عليه ليقتلوه، فقال عهداً لله إن أطلقتموني لن أحاربكم أبداً، أطلقوا سراحه سرّ به النبي، بعد فترة هناك غزوة هذا الصحابي من شدة فرحه بالجهاد انضم لهذه الغزوة، قال له المبي ارجع ألم تعاهدهم ألا تقاتلهم فرجع عقد منعه أن يقاتل معه لأنه عاهدهم.
قلت مرة هذه المبادئ التي جاء بها الإسلام هي سبب انتشار الإسلام في الخافقين انتشار الإسلام في أطراف الدنيا، وصول الإسلام إلى الصين وإلى أسباني وإلى مشارف باريس وإلى وسط أوربا، في لوحة في متحف بينا تمثل الجندي العثماني بقيادة محمد الفاتح لما وصلوا إلى مشارف بينا، هذه اللوحة تصور جنود عثمانيين يشترون العنب من فتيات نمساويات يدفع لها الثمن ويغض بصره عنها، لما غضوا بصرهم وصلوا إلى بينا فلما نظروا غزوا في عقر دارهم، قال عليه الصلاة والسلام:

(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ))
(صحيح البخاري 419)
ويوم تخلت أمته عن سنته وخالفتها هزمت بالرعب مسيرة عام.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
من مقتضيات إيمانك أن تفي بالعقد الضي بينك وبين الله، ومن مقتضيات إيمانك أن تفي بالعقد الذي بينك وبين الناس، فهذا العقد مقدس، طيب أقدس عقد على الإطلاق ؟ هو العقد الزوجي.

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا(21)﴾
(سورة النساء)
هذا العقد الذي يبيح للزوج أن يرى من زوجتها ما لا يراه أبوها ولا ولدها، عقد مقدس، فهذا الذي يستهين بهذا العقد حتى يشتري سيارة يعمل عقد زواج صوري اسم عقد زواج سيارة، مرة فترة منع بيع السيارة إلا بشروط قاسية جداً بين الأقارب، فصار هناك شيء اسمه عقد زواج سيارة حتى يبيع السيارة يتزوجها وبعدها يطلقها، وحتى يذهب إلى الحج ننشئ عقد زواج شكلي نلعب بدين الله لنحج في غياب المحرم، تعقد عقد على زوج صورة فهو زوجها، وكم من زواج شكلي أصبح حقيقياً في الحج، هذا أقدس عقد ينبغي أن يكون مصوناً ومقدساً من اللعب والعبث.
يا أيها الأخوة... لا تصخو نفسي من أن أخرج من هذه الآيات، لأن هذه الدين كله بعهدك، دينك بالوفاء، دينك أن تكون عند الكلمة التي تكلمت بها، والإنسان حتى في علاقاته المادية من هو التاجر الذي يحقق نجاحاً كبيراً ؟ هو التاجر الصادق الذي لا يخلف وعده، يعني ورد في بعض الأحاديث أن خير الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا باعوا لم يطروا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا.
والله الأسواق تشهد حماقات وإخلاف للعهود ونقض للوعود وتدليس وكذب وتزوير ما لا سبيل إلى وصفه، لذلك السوق سوء، غش وكذب، قلت لكم مرة دلال يريد أن يبيع بيت يصلي إلى الشمال في الليل حتى أوهم الشاري أن البيت قبلي وهو شمالي، البيت عالي خمس طوابق يتكلم بقصة عند كل ميدة لا يحس الشاري بالارتفاع، لو صعد البيت بشكل مستمر لا يتحمل، تجد تدليس وكذب وغش واحتيال، هذه حالة المسلمين في أيام تأخرهم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: اسمه عقد زواج سيارة حتى يبيع السيارة يتزوجها وبعدها يطلقها، وحتى يذهب إلى الحج ننشئ عقد زواج شكلي نلعب بدين الله لنحج في غياب المحرم، تعقد عقد على زوج صورة فهو زوجها، وكم من زواج شكلي أصبح حقيقياً في الحج، هذا أقدس عقد ينبغي أن يكون مصوناً ومقدساً من اللعب والعبث.
يا أيها الأخوة... لا تصخو نفسي من أن أخرج من هذه الآيات، لأن هذه الدين كله بعهدك، دينك بالوفاء، دينك أن تكون عند الكلمة التي تكلمت بها، والإنسان حتى في علاقاته المادية من هو التاجر الذي يحقق نجاحاً كبيراً ؟ هو التاجر الصادق الذي لا يخلف وعده، يعني ورد في بعض الأحاديث أن خير الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا باعوا لم يطروا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا.
والله الأسواق تشهد حماقات وإخلاف للعهود ونقض للوعود وتدليس وكذب وتزوير ما لا سبيل إلى وصفه، لذلك السوق سوء، غش وكذب، قلت لكم مرة دلال يريد أن يبيع بيت يصلي إلى الشمال في الليل حتى أوهم الشاري أن البيت قبلي وهو شمالي، البيت عالي خمس طوابق يتكلم بقصة عند كل ميدة لا يحس الشاري بالارتفاع، لو صعد البيت بشكل مستمر لا يتحمل، تجد تدليس وكذب وغش واحتيال، هذه حالة المسلمين في أيام تأخرهم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة:

((أَصْحَابِي، فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ))
(صحيح البخاري 6097)
يعني أنت مؤمن فأنت في عقد مع الله أن تطيعه، والحديث معروف لديكم لما أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم ورائه معاذ فقال له:
((هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

(صحيح البخاري 5510)
يعني والعياذ بالله ما يمضي أسبوع إلا ويصلني ست أو سبع قصص أن صانع خان معلمه فسرق، ما في أمانة ولا ذمة، الإنسان لما يأكل مالاً حراماً انتهى، لما يخون انتهى، يقول عليه الصلاة والسلام:
((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
(مسند أحمد 21149)
إذا خان أو كذب ما عاد مؤمناً انتهى كمؤمن، فيا أيها الأخوة الكرام... إذا عقدت عقداً أو شراكة أو وعدت ابنك أو جارك، هذا حال المسلمين هان أمر الله عليهم فهانوا عليه، نقضوا عهودهم وإذا نقضوا عهدهم مع الله دقق الحديث الصحيح الذي يعد من دلائل نبوة النبي: (
(إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ))
(سنن ابن ماجة 4009)
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:22 PM   #2
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 20 - 25 ) : الولاء والبراء ، سورة آل عمران : الآية 28
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-05-11
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام... مع الدرس العشرين من دروس الأحكام، والآية اليوم قوله تعالى :

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
(سورة آل عمران)
أخطر شيء في حياة المؤمن ما يسمى بالولاء والبراء، فحينما يوالي الكافرين يجر إلى دينهم أو إلى أخلاقهم أو إلى تصوراتهم أو إلى سلوكهم، فهذه آية خطيرة جداً، بعد الإيمان بالله لا بدّ أن تراجع كل العلاقات السابقة، كل العلاقات الاجتماعية يجب أن تدرس وأن تصنف وأن تراجع وفق مناهج الدين، لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي، علاقات العمل لا شيء عليها، أي علاقة مع أي إنسان إن لم تؤذ أحداً ولم تدفع ثمن هذه العلاقة من دينك لا شيء عليها، أما أي علاقة يكون ثمنها على حساب دينك فهذه علاقة خطيرة، آية اليوم:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
بعد أن بين الله جلّ جلاله أنه واهب الملك ونازع الملك، المعز والمذل، القادر على كل شيء، بعد أن بين لك أنه وحده العزيز الحكيم ولا منجى ولا ملجئ لك منه إلا إليه قدم لك هذا التوجيه وهذا الأمر:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
نبه الله المؤمنين إلى أن لا ينبغي لهم أن يوالوا أعدائه، كيف توالي عدو الله ؟ كيف تميل معه ؟ كيف تقف إلى جانبه ؟ كيف تحبه وهو لا يحب الله ؟ كيف تحترمه وهو يعصي الله ؟ كيف تمنحه ودك وهو يجافي دين الله عز وجل ؟
فقضية خطيرة جداً أن توالي أعداء الله، العلاقات علاقات العمل هذا موضوع آخر أي إنسان كنت تحت إمرته تقوم بواجبك خير قيام وتحترمه بحكم منصبه هذا شيء آخر، حديثنا ليس عن علاقات العمل التي لا تؤثر في دين الإنسان، حديثنا عن الولاء عن الحب الداخلي عن الولاء النفسي، عن العلاقات الحميمة التي تجعل من هذين الإنسانين يشتبكان نفسياً، يؤثر كل منهما بالآخر، فالعلاقات الحميمة علاقات خطيرة والآية عن هذه العلاقات.
إذاً لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله، أو أن يستظهروا بهم، أن يستعينوا بهم أن يتكلوا عليهم، أن يعتدوا بهم، أن يفتخروا بهم، وهذا منزلق خطير للمؤمنين، قد يكون لمؤمن قريب من أهل الدنيا من الأقوياء من الأغنياء من المتفلتين لمجرد أن تعتز به وأن تتكأ عليه وأن تجعله مع الاحتياطي الذي يدعمك في وقت الشدة فقد نقص إيمانك، وقد نقص دينك لأن الله عز وجل يقول:
لا
تستظهر به ولا تعتمد عليه ولا تفخر به ولا تركن إليه، قال تعالى:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين
(سورة هود )
ولحكمة بالغة بالغة ولأسلوب تربوي رفيع ربنا جلّ جلاله حينما يرى مؤمناً يعتز بغير المؤمن ويركن إليه يفتخر به يغيب ظنه به، يلهم هذا القوي أن يتخلى عنه، أو أن يقف موقفاً منكراً منه تأديباً من الله له، ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.
قال بعض علماء التفسير: نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين يوالون رجالاً من أهل الكتاب فقال لهم بعض أصحاب رسول الله اجتنبوا هؤلاء واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة فنزل قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)

وقيل نزلت في عبادة بن الصامت فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال له عبادة: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله قوله:
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
وللنبي عليه الصلاة والسلام مقولة شهيرة: لا نستعين بمشرك على مشرك.
والمسلمون ماداموا يعلقون الآمال على الكفار، ماداموا ينتظرون من الكفار أن ينصفوهم، ماداموا ينتظرون الفرج والمدد وتحريك الأمور من غير المسلمين فقد ضلّوا سواء السبيل.
الآن السؤال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية ؟ هو ينهاهم أم ينفي عنهم ؟ قال علماء التفسير يصح الوجهان، يصح أن تكون الآية على النحو التالي إن الله ينهى المؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وقد يقول قائل وقد تصح نافية يعني شأن المؤمنين لا يتخذوا الكافرين أولياء، قال بعضهم هذه أبلغ كقوله تعالى:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾
(سورة البقرة)
لم يقل يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكم، شأن الوالدة أن ترضع ابنها، قال تعالى ولا يزنون نفى الله عن المؤمنين الزنى هذا ابلغ من أن ينهاهم فيقول لا تزنوا هذا شأنهم، النهي في تصور المخالفة، لو أنك قلت لابنك اشتر بهذه الدراهم لبناً وإياك أن تأخذ من هذا المبلغ شيئاً وكان خالي الذهن من أن يأخذ فلما نهيت أصبح في باله أن يأخذ، قال النهي عن الشيء فيه تصور وقوعه، لذلك الآيات التي تخبر ولا تنهى أبلغ، يعني ومن دخله كان آمناً يعني اجعلوه آمناً، الطيبون للطيبات يعني ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، آيات كثيرة جاءت في أسلوب الخبر وهي في الحقيقة أسلوب الإنشاء، هي في الحقيقة أمر أو نهي، هجاء على صيغة الخبر قال هذا أبلغ، يا بني إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة، لام يكن يخطر في باله أن يتأخر فلما جاء النهي تصور النهي،أما إذا قلت له ليس عندي ولد يأتي بعد الساعة التاسعة إطلاقاً هذا خبر يفيد النهي لكن يمنع تصور العكس.
لذلك قال بعض المفسرين: لا يتخذ المؤمنون هذه لا نافية، يعني ليس من شأن المؤمنين أن يتخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين.
أما الأولياء فهي جمع ولي، من هو الولي في اللغة وفي هذه الآية ؟ الناصر والمعين، لا تستعن بمشرك، لا تأخذ برأي مشرك، لا تصتنصح مشرك، يعطيك الخلط والشرك وحب الدنيا والمعصية، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
(سورة الكهف)
إياك أن تطع من أغلفنا قلبه عن ذكرنا، لا تستنصر بهم أي المشركين، لا تستعن بهم، لا تركن إليهم، لا تعبأ بالقرابة التي بينك وبينهم، أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً.

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
سورة المجادلة)
لا قرابة ولا زمالة ولا جوار ولا معرفة سابقة مادام كافراً.. مادام منكر منهج الله عز وجل لا يعبأ بكل تعليمات الله عز وجل هذا ينبغي أن تحدد علاقتك معه علاقة عمل علاقة سلام، أما سهرات ونزهات وعلاقات وشراكات هذه علاقات حميمة لا يتضرر منها إلا المؤمن كأس ماء نظيف وكأس ماء قذر اخلطهما من الذي يتضرر ؟ كأس الماء النظيف فقط أما الكأس الثاني لا يتأذى.
إنسان يرتدي ثوب كله أقذار وشحم وزيت أسود فإذا عانق إنسان يرتدي ثوب أبيض ناصع من الذي يتأذى ؟ صاحب الثوب الأبيض أما ذال فلا يتأثر، غير المؤمن مستعد أن يسمعك أقبح نكتة وأحقر نكتة، أنت تستحي وهو مرتاح، هو يريد أن يستفزك، تعليقاته لاسعة ونظراته وقحة ووصفه قذر، وعلاقاته مصلحية، فليس لك مصلحة أن تقيم علاقة ودّ بينك وبين كافر فإن فعلت فهذه علامة خطيرة جداً، ومن يتولهم فإنه منهم، لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، في آية ولو كانوا أبائهم أو أبنائهم، لذلك أخوك المؤمن أقرب إليك من أي إنسان كائناً من كان.
قال لأن العلاقة بين المؤمنين والكفار إذا استحكمت وتمتن ربما استحسنت أعمالهم عش مع أهل الدنيا شيئاً فشيئاً تقنع بأعمالهم تقول هم فرحين نحن متزمتين، شيئاً فشيئاً تستمرق معاصيهم وتقنع بانحرافهم، لأن الإنسان ابن بيئته، أخطر شيء البيئة فإذا اختار بيئة صالحة ارتقى بها، وإذا اختار بيئة سيئة هبط بها، لذلك الإنسان حينما يعيش كل يوم وراء أعمال فنية ساقطة فيها انحرافات لو أدمن عليها صار هذا العمل طبيعي عنده، إذا عاش يومياً يتابع المسلسلات والخيانات وعلاقات آثمة كلها وأساليب ملتوية والذكاء موظف في الشر والإنسان أناني مصلحته فوق كل شيء، وهذا البطل الذي يعطى كل أسباب الرفعة يشرب الخمر ولبا يعبأ بحلال أو حرام، فالإنسان حينما يعيش هذه الأجواء كل يوم يرى أن هذه الأجواء طبيعية، يعني كيف يمكن أن تقنع ابنتك بالدين وبالعفة وبالطهارة إذا مدمنة على مسلسلات ملخصها أن الفتاة تفعل ما تشاء وتلتقي مع من تشاء وتقيم علاقة مع من تشاء، ولا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يحاسبها، إذا كان هذا هو النموذج فكيف تطلب من ابنتك أن تكون منضبطة، أن تكون صاحبة حياء، أن تكون عفيفة أن تكون وفية، فمشكلة كبيرة جداً، لا بدّ أن يعيش المؤمن مع المؤمنين لا بدّ من أن يعيش قيمه، لا بدّ من أنه يعيش سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط، مجتمع تعظيم حرامات الله، إن عشت مع هذا المجتمع كنت منهم لأن المرء مع من أحب، وهو القوم لا يشقى بهم جليسهم، والصاحب ساحب.
إخواننا الكرام... هذا المعنى خطير، لذلك وردت فيه آيات كثيرة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾
(سورة آل عمران 118)
لا يكون لك إنسان قريب منك جداً غير مستقيم، هذا يثبط عزيمتك، يوغر صدرك، يقلل من أعمالك الصالحة، يغريك بالدنيا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

(سورة المجادلة 22)
مستحيل أن تمحنه ودك، هو يحارب الله ورسوله، يسفه دين الله، يزدري الأنبياء والمرسلين وتقول فلان لبق ناضج فكره مفتوح أخلاقي تمدحه، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق أما إذا واليته فلست مؤمناً، إذا مدحته أغضب الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
(سورة المائدة 51)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
(سورة الممتحنة 1)
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
(سورة التوبة 71)
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
(سورة التوبة 67)
إلا أن الآية دقيقة جداً في الاستثناء الذي سياتي بعد قليل قال تعالى:

﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾
إلا أداة استثناء، والمعنى بالضبط لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة حينما تتقون منهم ما ينبغي أن يتقى، فلو أن هذا الطرف قوي وجاحد وتوعد بالقتل أو بسلب المال كله يتقي أن يهدر دمه رخيصاً، ويتقى أن يؤخذ ماله كله

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾
يعني لا تتخذوهم أولياء في أي حالة إلا في حالة واحدة حينما تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى كالقتل وسلب المال كله عندئذ أنتم معذورون، يعني أحياناً تجامله لكي لا يظن أنك متديناً تجامله لكي لا يأخذ عنك فكرة أنك محافظ مع التقاليد، أما حينما يصل الأمر إلى القتل أو إلى أخذ المال كله وفي أخذ المال كله هلاك الإنسان هذه حالة واحدة ونادرة فيها استثناء.
أي إلا أن تتقوا شيئاً يتقى في الأصل، أخذ عنك فكرة سيئة وماذا يحصل، أخذ عنك فكرة أنك صاحب دين وماذا يحصل، أما إلا أن تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى من إيذاء لا يحتمل أو قتل أو سلب للمال، قال كالقتل أو سلب المال كله، أما هنا الآية:

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾
أحيانا ًالله عز وجل يسوق لهذا الإنسان معالجة عن طريق أحد الأشخاص، أما أحياناً يتولى الله سبحانه وتعالى بنفسه معالجة الإنسان، تأتي الأحداث من فعل الله مباشرة، قال هذا الذنب أن توالي الكفار وأن تمحنهم ودك وأن تقيم معهم علاقات حميمة وأن تثني عليهم وأن تحبهم إذا أعطوك أو منحوك أو رفعوا قدرك، أن تصبح مدافعاً عنهم أن تتعامى عن أخطائهم أن تبرز محاسنهم أن توقع الناس في حيرة، قال هذه حالة تستوجب أن يعاقب الله صاحبه مباشرة.

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾

قال هذا تهديد عظيم مشعر بأن هذا العمل من أسوء الأعمال ومن أقبحها ومن أبعدها عن روح الإيمان، يعني يحذركم الله عقاباً يتولاه بنفسه لا عن طريق الإنسان، يعني يحذركم الله عقاباً لا يرفعه عنكم أحد، وإذا أراد الله بقوم سوءاً لا مردّ له.

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
ولم يقل وإليه المصير بل قال وإلى الله المصير وذكر لفظ الجلالة تعظيماً لله عز وجل، مصيرك إلى الله فكيف توالي أعدائه، مصيرك إلى الله فكيف تمحضهم ودك، كيف تعينهم على المؤمنين، أقول لكم هذه الكلمة أي مؤمن يعين كافراً على مؤمن ليس فيه من الإيمان ولا ذرة.

﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
سيعاقبكم، وعنده نار إلى أبد الآبدين، فالإظهار إظهار لفظ الجلالة لتربية الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين.
طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام ردّ مشرك ذات جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع رسول الله يوم بدر، فقال: ارجع فلن أستعين بمشرك.
إلا أن المحافظة على النفس والعرض والمال مطلوب في الحالات النادرة جداً لك أن تتقي منهم ما ينبغي أن يتقى، إلا أن العلماء فصلوا قال: العداوة مردها إلى سببين اثنين: عداوة أساسها الاختلاف في الدين، وعداوة أساسها الأغراض الدنيوية كمال والمتاع والإمارة، إذا الموضوع دنيوي فيه حكم، وإذا الموضوع ديني فيه حكم، إذا كان العدو يحارب دينك ولم يسمح لك أن تؤدي فرائضك ولا أن تحفظ نسائك فلا بدّ من أن تهاجر ومن لم يهاجر وقع في إثم كبير إذا كان العداء دينياً والعدو قوي ومنعك من أن تصلي أو من أن تحجب امرأتك أو من أن تقيم شعائر الله فالدين أولى يجب أن تفر بدينك، ويجب أن تعبد الله في أرض وأنت مرتاح، الآية الكريمة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾
(سورة النساء)
شيء مخيف، إلا:

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98)﴾
إذا منعت أن تصلي، منعت أن تقوم بشعائر دينك، منعت أن تكون مستقلاً في بيتك هذا حصل في أسبانيا، حصل في بعض البلاد قديما، يعني لا يستطيع مسلم أن يصلي ولا أن يغلق بابه إذا ضبط يغتسل يوم الجمعة يقتل، إذا ضبط في العيد يصنع حلويات يقتل، فحينما تمنع أن تمارس شعائر دينك لا بدّ أن تبحث عن مكان تعبد الله فيه وإلا فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيراً.
الاستثناء النساء والأطفال هؤلاء لا يستطيعون الهجرة فهؤلاء معفو عنهم ولهم رخصة.
إخواننا الكرام... كل شيء له ثمن أما الدين واقعي، الدين لكل الناس، ففي حد أدنى وحد أعلى، إليكم هذه القصة: مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم، فتركه، طبعاً السيف فوق رأسه، وقال للثاني: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: لا، قال إني أصم ما سمعت قالها ثلاثاً فضرب عنقه، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئاً له، وأما الآخر الذي قال أشهد أنك رسول الله لمسيلمة فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه.
سيدنا عمار بن ياسر مجبر على أن يقول كلمة في حق النبي فقالها فنجى، فجاء إلى النبي خائفاً فقال له: كيف قلبك ؟ قال، مطمئن، فقال: وإن عادوا فعد لا عليك.
أما سيدنا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك ومالك، قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي ومالي وعافيتي عندي ويصاب رسول الله بشوكة فصلبوه.
الإسلام في حد أدنى وحد أعلى، الأدنى معذور رخصة، انظر كلام النبي ما أجمله أما الأول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه، كلاهما ناج، لكن واحد بمكانة أعلى من الآخر، أما من كانت عداوته مع العدو القوي على مال أو دنيا أو أمارة اختلف العلماء في وجوب الهجرة فقال بعضهم تجب لقوله تعالى:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
(سورة البقرة 195)
وبدليل النهي عن إضاعة المال من قتل دون ماله فهو شهيد، وقال آخرون لا تجب لأنها مصلحة دنيوية، ولا يعود على من تركها نقصان في الدين، يعني أنت ساكن في بلد أخذ منك شيء لكن دينك لم يتأثر، مادام الدين سليم ليس هناك مشكلة، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال الحمد لله ثلاثاً الحمد لله إذ لم تكن في ديني والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها.
الآن في نقطة دقيقة جداً ينبغي أن أقولها لكم وهي: مدارات الناس بإظهار المحبة والود والموافقة ولم تؤدي إلى ضرر الغير كما أنها لا تخالف أصول الدين هذه شيء فيها، هذه من الحكمة، لك جار غير مسلم تلقي عليه تحية الصباح أو المساء، المسلم لطيف ودود مؤنس ليس فيه مشكلة أبداً مادام أنك لم تجامله، لكن المجاملة والمداراة إذا أدت إلى إيقاع الأذى بمسلم لا تجوز إطلاقاً، أما إذا ليس فيها أي مشكلة فليس منها مانع، وهذه ليست التي نهى الله عنها الله نهى عن أن تؤذي المسلم، نهى أن تنجذب إلى الكفار، أن تسلك سلوكهم، أن تحبهم، فينقلك حبك لهم إلى معصية هذا الذي نهى الله عنه.
يعني ملخص الدرس لعبة شدّ الحبل، إذا أمكن أن تشدهم ليس هناك مانع اجلس معهم، إذا أمكنك أن تشدهم إلى الله، أن تقنعهم بالدين، أن تحببهم بالإسلام اجلس، أما إذا خشيت أن يسحبوك إلى ما هم فيه، أن يسحبوك إلى سهرة مختلطة إلى منكرات، أن يقنعوك أن هذا الإسلام لا يصلح لهذا الزمان وليس معك حجة قوية إياك أن تجلس معهم.
أما إذا كانت هذه المودة، لأنه ومن أعان ظالماً ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيس من رحمة الله، ومن أعان ظالماً سلطه الله عليه أول ضحايا من أعانه، فإذا كانت المودة أدت إلى إيقاع الأذى بالناس لا يجوز، أدت إلى أن تنجر إليهم لا يجوز، أما لا أوقعت أذى بأحد وأنت في حصن حصين وأنت قوي وأقوى منهم بحجتك وبنائك النفسي ليس هناك مانع كن لطيفاً، أطلق وجهك تجاههم.
أيها الأخوة الكرام... هذه آية من أدق الآيات في حياة الناس، الولاء والبراء يجب أن توالي المؤمنين وأن تتبرأ من الكفار و المنحرفين، من أجل أن يسلم دينك يجب أن تحيط نفسك ببيئة مسلمة، بيئة مؤمنة، لا بدّ لك من مرجع ديني، لا بدّ لك من منهل تستقي منه، لا بدّ لك من مسجد تأوي إليه، لا بدّ لك من تغذية دورية في العلم والخلق، هذا الذي ينبغي أن نكون عليه، ولن نستطيع أن تفلت من مغريات الحياة الدنيا إلا إذا عشنا مجتمعاً نقياً صافياً يعني واحد مسلم وزوجته محجبة وبيته إسلامي منشأ نزهة في مقهى، المقهى ليس لك غناء وطاولة ونساء كاسيات عاريات، هذا المكان ليس لك، لا تختلط لأن لك مكانك الخاص، لك سهراتك الخاصة، لك حفلاتك الخاصة، لا يصح أن المؤمن ينشأ عرس غناء ورقص، نحن العرس الإسلامي له ترتيب آخر، في كلمة في مديح لرسول الله، لا تقلد الكفار وتنجذب إليهم فيسحبوك وبعد حين تقنع بما هم عليه، إذا قنعت بما هم عليه كما قال عليه الصلاة والسلام من علامات آخر الزمان يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
يعني أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا، أن نكون معهم في حفلاتهم، في اختلاطهم في متعهم، في ما يستهونه، في مسلسلاتهم، هذه كلها قيم منحطة، أما أنت بما أنك مؤمن قيمك الصحابة، المرأة قدوتها وقيمها الصحابيات الجليلات، أنت قيمتك القرآن والسنة وتاريخ الصحابة الكرام، وليس الممثلين والممثلات، ليس هؤلاء الذين ينبغي أن تقتدي بهم، فلا بدّ أن تكون بعيداً عن كل بؤرة نتنة، عن كل بؤرة سيئة، هذا هو مضمون الآية:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:23 PM   #3
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 21 - 25 ): الأمانة ، سورة النساء : الآية 58
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-05-25
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الواحد والعشرين من دروس آيات الأحكام والآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)﴾
(سورة النساء 58)
أيها الأخوة الكرام... هذه الآية أصل في موضوع الأمانة، الأمانة شيء وضع بين يديك وأنت مخير إما أن تحسن وإما أن تسيء، شيء وضع بين يديك إما أن تعطيه حقه أو ألا تعطيه حقه، هذه حقيقة أساسية في الأمانة.
العلماء قالوا: الأمانة ثلاثة أنواع: أمانة متعلقة بالإنسان، وأمانة متعلقة بالله عز وجل، وأمانة متعلقة بالآخرين، يعني أمانة هي حق الله، وأمانة هي حق نفسك، وأمانة هي حق الآخرين، لنبدأ بالأمانة المتعلقة بحق نفسك.
أول شيء الله عز وجل جعل نفسك التي بين جنبيك جعلها أمانة بين يديك، فإما أن تعرفها بربها وتحملها على طاعتها وعلى التقرب من الله عز وجل فتسعدها في الدنيا والآخرة، الأمانة كما يفهمها الناس تعني إنسان وضع عندك مبلغ من المال ثم جاءك بعد حين وطالبك بالمبلغ، هذا فرع صغير من فروع الأمانة أودع عندك مال، لكن مفهومات الأمانة واسعة جداً لدرجة أنها تشمل الحياة كلها، لذلك جاء قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات﴾
الأمانات جمع، معنى ذلك نفسك أمانة، ابنك الذي أناطه الله بك أمانة، ابنتك التي جعلك الله عليها قيماً أمانة، حرفتك التي ترتزق منها أمانة فإما أن تنصح المسلمين وإما ألا تنصحهم، طبك أمانة، هندستك أمانة تدريسك أمانة، أي عمل على الإطلاق أمانة، بل إن الطرف الآخر يعد هو الأمانة، فالطالب بين يدي معلمه أمانة إما أن تعلمه وإما ألا تعلمه إما أن تهذبه وإما ألا تهذبه، إما أن ترفق به وإما أن تقسو عليه، إما أن تثني عليه فترفع معنوياته وإما أن تحطمه، الطالب أمانة، الموكل عند المحامي أمانة، المريض عند الطبيب أمانة، الجندي عند قائده أمانة، الشاري عند البائع أمانة إما أن تغشه وإما أن تنصحه وقد تنصحه بالبضاعة وتغشه بالثمن، المواطن الذي يقف أمام الموظف يسأله أن يوقع له هذه المعاملة أمانة إما أن توقعه له ببساطة وإما أن تضع له العراقيل حتى تبتز ماله.
شيء غريب هذه الآية الكريمة:
من أوسع الآيات التي تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، الأمانة الكبرى نفسك التي بين جنبيك.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
(سورة الشمس)
الأمانة التي تليها أهلك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾
(سورة التحريم 6)
زوجتك أمانة قد تسعدك ولا تؤدي لها حقها، حقها عليك أن تأخذ بيدها إلى الله هي تسعدك تطبخ لك وتنظف لك بيتك وتربي أولادك ترى كل شيء على أكمل ما يكون ولكنك لم تدلها على الله، لم تعبأ برقت دينها، لم تمحضها النصيحة.
فأيها الأخوة... والله الذي لا إله إلا هو كلمة أمانة لو عرفناها على حقيقتها لارتعدت مفاصلنا، الله عز وجل سيسأل كل إنسان عما استودع عنده من أمانة، إذاً شيء أودع عندك وأنت مخير لك أن تحسن ولك أن تسيء، لك أن تنصف ولك أن تظلم، لك أن تعطي ولك أن تمنع، صدقوني أيها الأخوة ما من حرفة على وجه الأرض إلا وتنطوي تحت هذه الآية، أنت بإمكانك أن تبيع دواء قد انتهى وقته دون أن يشعر هذا الذي اشتراه وهو صغير أو امرأة لا تقرأ ولا تكتب، مكتوب باللغة الأجنبية نهايته سنة سبع وتسعين ونحن بالثمانية والتسعون ولا تدقق، فهذا المرأة التي جاءت إلى الصيدلي أمانة إما أن يؤدي الأمانة إلى أهلها فينصحها ويعطيها الدواء الصحيح أو أن يغشها.
إذاً كملخص لهذه المقدمة الأمانة شيء وضع بين يديك وأنت مخير بإمكانك أن تفعل كل شيء تحسن أو تسيء، تعطي الحق أو تبخس الحق، تنصح أو لا تنصح، تصدق أو لا تصدق، فإذا فهمنا الأمانة بهذا المفهوم الواسع الأمانة تدور مع الإنسان أينما اتجه، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾
(سورة الأحزاب)
من أوجه تفسيرات الآية أن الأمانة نفسك التي بين جنبيك، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
(سورة الشمس)
تزكي نفسك بأن توصلها بالله، تزكي نفسك بأن تحملها على تطبيق منهج الله تزكي نفسك بأن تتقن عباداتك، تتلو كتاب الله، تؤدي الصلوات الخمس كما أراد الله، تصوم رمضان كما أراد الله، تحج البيت كما أراد الله، بهذه الطريقة تؤدي حق نفسك كأمانة بين يديك.
الآن من حولك، من حولك أمانة في عنقك، هناك أب يحسن تربية أولاده وأب يضيع، الذي ترك ابنه هملاً والذي أطلق لابنته العنان والذي لم يرع أسرته هذا ضيع الأمانة الأبوة مسؤولية والزوجة أمانة عند الزوج والأولاد أمانة عند الأب، انتقلنا من نفسك التي بين جنبيك إلى أهلك الذين حولك إلى حرفتك التي ترتزق منها هي أمانة، وما أوسع المفارقات في الحرف، فبينما ينمو الغش على قدم وساق وبينما يكون النصح بشكل مدهش.
يعني البارحة أخ من إخواننا المحامين قال لي إذا جاءك موكل وتعلم أنت علم اليقين أن دعواه خاسرة لأنه ليس معه وثيقة إطلاقاً، والقانون لا يقبل إلا بوثيقة والدعوى خاسرة لو تسلمها أكبر محامي، فلم مجرد أن تقول أنا أربحها لك وأعطني دفعة مقدمة فقد خان هذا المحامي الأمانة.
والمريض الذي يأتي إلى الطبيب لمجرد أن يعلم الطبيب أن هناك طبيب أقدر على معالجة المريض منه ويبقيه عنده ولا يدله على من هو أقدر منه في المعالجة فقد خان الأمانة وسع الموضوع، وسع في الحرف كلها، في التجارة والصناعة والزراعة، هذا الذي يشتري منك هذه الفاكهة أو هذه الخضرة هو منك، قد تعطي هذا النبات الهرمون المسرطن تنمو الحبة نمواً رائعاً وتعطي لوناً رائعاً تبيعها بسعر مرتفع ولكن على حساب صحة الناس.
يعني الموضوع واسع جداً قد تنشئ معمل للثلج فنوع المياه التي تستعملها أمانة إما أن تستعمل مياه نظيفة أو مياه أبار ملوثة، فإذا استعمل هذا الثلج في الشرابات انتقلت هذه الجراثيم إلى الناس، والله الذي لا إله إلا هو أكاد أقول لكم ما من حركة ولا سكنة ولا من موقف في الحياة إلا ويتصل بهذه الآية، نفسك أمانة يجب أن تعرفها بالله، نفسك أمانة يجب أن تحملها على طاعة الله، نفسك أمانة ينبغي أن تزكيها، نفسك أمان يجب أن تصتبغ بصبغة الله، نفسك أمانة يجب أن تعرفها بسرّ وجودها وغاية وجودها، وزوجتك أمانة، وأولادك أمانة، أولاد أخوك أمانة، وجيرانك أمانة، وإخوتك أمانة انصحهم، وزملائك في العمل أمانة لا تعبأ بانحرافهم بل دلهم على الله بلطف ورقة، ثم حرفتك أمانة.

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
(سورة القيامة)
لذلك الآيات التي وردت في الحديث عن الأمانة والحض على أدائها كثيرة، قال تعالى الآية ذكرتها قبل قليل:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾
(سورة المؤمنون)

والآية الأخرى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)﴾
(سورة الأنفال)
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ألا لا إيمان لمن لا أمانة له.
يعني ذكرت البارحة مع بعض الأطباء أحياناً طبيب ناشئ يعين في قضاء في ناحية طبيب شرعي، وتأتيه قضية إذا كتب الوفاة طبيعية يأخذ خمسة ملايين ليرة، وإذا كتب الوفاة جنائية لا يأخذ شيئاً إلا أن علمه أمانة، فلو كتب خلاف الواقع خان الأمانة، دققوا بأي كلمة وأي حركة تخون الأمانة ولاسيما في غش البضاعة وفي الإعلان عنها وفي تزويد مواصفاتها، وفي معاملة الناس، قال له افتح البطن وأخرج له السرطان وخذ خمسة وعشرين ألف وإن كان ميئوس من شفائه سرطان من الدرجة الخامسة ومنتهي وليس هناك أمل من الشفاء، هذا خان الأمانة، كلفت المريض بعشرة تحاليل وأنت بحاجة إلى واحد والتسعة مناصفة بينك وبين المحلل خنت الأمانة، حتى في المساحات ركبت منجور مسح المنجور أمانة، حتى الحسابات، حتى في الحسومات، كل شيء أمانة.
أنا بطريقي أنا أفكر في تعريف جامع مانع للأمانة، وجدت شيئاً وضع تحت تصرفك، أنيط أمره إليك وأنت مخير ومعك منهج، رأيت هذه العناصر تجمع كل أنواع الأمانة، شيء وضع بين يديك وأطلقت يدك فيه ومعك منهج من خالق الكون وأنت مخير فإما أن ترعى هذا الشيء أو لا ترعاه، إما أن تصدق أو لا تصدق، تحسن أو لا تحسن تنصح أو لا تنصح، تعتني أو لا تعتني.
أحياناً الطبيب على عجل من أمره لا يسأل المريض على نوع الحساسية يعطيه دواء يسبب صدمة فيموت يقول انتهى أجله، لا هذا الكلام خطأ، هذا الإنسان يحاسب، لو دخلنا في هذا الموضوع لوجدنا أن هذه الآية تدور مع الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته إنسان جاء من السعودية بسيارته في طريق البر احتاج أن يغير زيت علبة السرعة وقف في محطة، صاحب المحطة أمر طفل أن يغير الزيت، الطفل لم يحكم إغلاق الفتحة، على طول الطريق سال هذا الزيت واحترقت هذه العلبة، الحرارة خمس وخمسون تحت أشعة الشمس وقفت السيارة، خرج صاحب السيارة وفتح غطاء المحرك ما فهم، خروجين والثالث ضربة شمس ومات، وقعت هذه الحادثة، هذا الذي جاءك يطلب منك تغيير الزيت هذا أمانة عندك أنت كلفت طفلاً أن يغير له الزيت لعل الطفل قادر على فتح الغطاء وصب الزيت أم إحكام الإغلاق هذا يجب أن يتم بيدك أنت لأنه أمانة.
أيها الأخوة... إذا حاسبنا أنفسنا حساباً عسيراً كان حسابنا يوم القيامة يسيراً لي صديق عنده بنت صغيرة يعني شيء لا يصدق بما آتاها الله من جمال وفطنة وذكاء وهي في الصف الثالث، هي تمشي في الطريق صحن من هذه الصحون تفلت من مكانه وقع على الأرض وجاء فوق رأسها فقتلها، جيء بهذا الذي ركب الصحن فوجد أن الصحن له أربعة براغي ركب منها اثنين فقط، طبعاً موضوع الصحن شيء ثان ليس لنا دخل به، أما قصر في واجبه في تركيب هذا الصحن فقتل طفلة.
لذلك الأمانة واسعة جداً، لو فهمنا هذه الآية فهماً صحيحاً والله الذي لا إله إلا هو لارتعدت مفاصلنا، كل إنسان يحاسب عما أنيط به، قبل أن تطلع إلى وضع المسلمين في العالم وقبل أن تنزعج وتثور وتغضب أنت أديت الأمانة فيما يخصك، أديت الأمانة في عملك أديت الأمانة في أسرتك، كم من طفل شارد لم يجد أباً رحيماً ولا أما رءوماً ولا عناية ولا تثقيف ولا اهتما بالتلابية والمنزل مضطرب والطعام غير موجود، الأب شارد والأم شاردة ضيعوا الأمانة، فابدأ أنت إنسان لك أمانة نفسك أمانة، زوجتك أمانة ابن أمانة، ابنتك أمانة جارك أمانة، لك أخ أمانة، لك أخت أمانة، لك عمة أمانة، لك خالة أمانة، حرفتك أمانة زبونك أمانة، المريض أمانة، الموكل أمانة، الطالب مع المعلم أمانة، المواطن أمام طاولتك أمانة ممكن أن تضع له عراقيل، ممكن أن تقول تعال غداً وهو من حلب سيضطر إلى أن ينام في فندق وأن يضع مبلغ ضخم أقله مئة ليرة، تعالى غداً وأن تشرب فنجان القهوة مع صديقك جاء فطالبك بتوقيع المعاملة فأفسد عليك الحديث، تعال غداً هذا أمانة.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
(سورة الحجر)
أحياناً نضع مبيضات للمواد الغذائية مواد كيماوية مؤذية ضارة، أما حينما تنصع هذه المادة الغذائية يرتفع سعرها ولا نعبأ بصحة الناس، ولاسيما الذين يعملون في المواد الغذائية هي أمان من أعظم الأمانات، عظمة الدين في الوازع، والقانون في الرادع، القانون خارجي، كنت في أمريكا قبل فترة راكب سيارة وجدت أصوات، قلت ما هذا الصوت ظ قال هذا يشعرني أن بعد مسافة في جهاز رادار، يسير بسرعة كبيرة لما سمع الصوت خفف من سرعته وسار حسب القانون، معناها المدنية الحديثة والقوانين قائمة على الردع الخارجي فلما انقطعت الكهرباء في نيونبورك مرة تمت في ليلة واحدة مئتي ألف سرقة، فلما اضطرب حبل الأمن في سان فرانسيسكو أو في لوس أنجلوس مرة الخسارة ثلاثين مليار، فالنظام الغربي أساسه الردع، القاعات مراقبة تشتري حاجة إن لم تدفع ثمنها تخرج من المخرج في قوس اللصاقة التي عليها تتفاعل مع القوس تصدر صوت مزعج معناه أنك لم تدفع ثمنها الكل يدفع لكن لا فضل لهم في هذا الدفع انتهت الأمانة.
أما النظام الإسلامي قائم على الوازع، قال بعني هذه الشاة وخذ ثمنها قال ليست لي، قال قل لصاحبها مات أو أكلها الذئب، قال والله إني لأشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله، الفكرة الدقيقة يقول عليه الصلاة والسلام: ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.
الإيمان يعني أن تؤدي الأمانة مطلقاً، والدين يعني الوفاء بالعهد، والإيمان يعني أداء الأمانة بمعناها المطلق الواسع، وقال عليه الصلاة والسلام:

((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ))
يعني الكلمة التي لا تفارق الإنسان قل دقيقة هي الأمانة، أديت حق هذا الإنسان أديت حق هذا الطالب، أديت حق هذا المريض، أديت حق هذا الموكل، أديت حق هذا المواطن، أديت حق هذا الجندي، أديت حق أولادك، أديت حق زوجتك، أديت حق نفسك إذاً شيء وضع بين يديك وأنيط أمره إليك، أطلقت يدك في تصريفه، معك منهج إلهي وأنت مخير فإما أن تؤدي هذه الأمانة وإما ألا تؤديها، لذلك الذي يعتمر ويذهب إلى زيارة النبي عليه الصلاة والسلام ويقف أمام قبره الشريف يقول أشهد أنك بلغ الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة وجاهدت في الله حق الجهاد وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
النقطة الدقيقة أيضاً هو أن النبي عليه الصلاة والسلام حمل أيضاً أمانة التبليغ والعلماء حملوا أمانة التبيين والولاة حملوا أمانة الرعاية، سيدنا عمر كان يتجول في المدينة مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما رأيا قافلة قد اتخذت طرف المدينة طرفاً لها، قال له تعال نحرس هذه القافلة،فبكى طفل في خيمة من الخيام فقام وعمر وذهب إلى أم الغلام وقال أرضعيه، فأرضعته فسكت ثم بكى ثانية فقال أرضعيه فأرضعته فسكت، ثم بكى ثانية فغضب عمر وقال يا أمتن السوء أرضعيه، عندئذ غضبت وقالت ما شأنك بنا إنني أفطمه قال ولما ؟ قالت لأن عمر ولا تعرفه أنه عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، يعني التعويض يستحق هذا الابن التعويض بعد الفطام فأنا أفطمه كي أخذ التعويض، فما كان من هذا الخليفة العملاق إلا أن ضرب جبهته وقال: ويحك يا ابن الخطاب كم فقتلت من أطفال المسلمين، رأى نفسه أساء للأطفال الصغار يفطمون قبل أوانهم كي تأخذ أمهم العطاء، ولما ذهب كي يصلي بأصحابه ما سمعوا قراءته من شدة بكائه، كان يقول يا ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أما ردتها فأعزيها.
ولما سأل أحد الولاة ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو قاتل، قال اقطع يده قال إذاً جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر حرفتهم، إذا وفينا لهم ذلك تقاضيناه شكرها إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته رأته يبكي في مصلاه قالت له ما لك تبكي ؟ قال دعيني وشأني، ألحت عليه، قال نظرت في الفقير والعاجز والأرملة والمسكين وذو العيال الكثير ولبن السبيل وغيرهم فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم هو رسول الله فلذلك أبكي.
كل واحد مظلوم في ذمة من ظلمه، وكل واحد مهضوم حقه في ذمة من هضم حقه، وكل إنسان يعاني من مشكلة كبيرة، وكل إنسان قادر على أن يحل هذه المشكلة ففي ذمته، فلذلك الإنسان لما يقف بين يدي الله عز وجل يسأله الله عز وجل، شيء مخيف بإمكانك أن تحق الحق ولم تحقه، بإمكانك أن تنصف فلاناً وما أنصفته، بإمكانك أن ترحم فلاناً وما رحمته، بإمكانك أن تزيل هذا المنكر ما أزلته، في تقصير كبير في الإنسان، لذلك والله الذي لا إله إلا هو لو علم الناس ما ينتظرهم من حساب دقيق لانخلع قلبهم، ألم يقل الله عز وجل:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
ألم يقل الله عز وجل:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
(سورة الزلزلة)
أمثلة كثيرة لا تنتهي في كل شيء، في كل حرفة، في كل صناعة، في كل زراعة، الفران إذا عنده موظفين لا يعتنون بالنظافة لو واحد دخل للخلاء ولم يغسل يديه وعجن بهما العجين ماذا فعل هذا الفران ؟ لو في حشرات تدخل مع الطحين وتخبز، أمانة هذا الإنسان أمانة عندك، لذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
جمع، أد الأمانة، واحد صباحاً قال أنا أرسلت إليك من درعا مريض حكمني هل تستطيع أن تدعه ؟ لا تقدر الله يحاسبك، ساقه لك حتى ذهب إلى مستوصف وتلقى العلاج حتى يرتاح الإنسان، الذي عنده حساسية أو عنده ضمير حي إن صح التعبير أو عنده خوف من الله الكلام الأدق لا يستطيع أن يهمل واجباته أبداً.

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة الحياة وتشهد به العقول، ولا بدّ للمجتمع الإسلامي أن يحكم فيه بالعدل كي يأمن الضعيف سطوة القوي، ماذا قال سيدنا الصديق ؟ قال إن القوي ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه، وإن الضعيف قوي عندي حتى أخذ الحق له العدل كما يروى في الكتب أن حجر عبد الله خمسين عاماً ووضعه الله في أس كنيف يعني بمرحاض، قال يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف، قال تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، يعني هذا المكان اشرف لك ألف مرة من أن تكون في مجلس قاض ظالم.
عدل ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً، والله أحياناً يأتيه طالب يشتكي على طالب يضرب الطالبين معاً ويطردهما، ماذا فعل المعلم ؟ كان بحق هذين الطالبين مجرماً أين العدل ؟ طالب مظلوم مرجعه معلمه اشتكى ضرب الاثنين وارتاح، تكون معلم وتحاسب، تكون مديرة دائرة واحد مقربه وواحد مبعده، واحد إجازات وواحد ما في إجازة، واحد تعويضات وواحد ما في تعويض لأسباب لا ترضي الله عز وجل، كل إنسان سوف يحاسب.

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
ويقول الله أيضاً:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
(سورة النحل 90)
وهذه الآية لطيفة جداً يعني إذا في قضية لا يتسع لها العدل يسعها الإحسان أحياناً أخ يشتكي يقول ليس له عندي شيء، أنا المحضر آخذه من المحافظة خالي، وهذه الدكان يجب أن تهدم، قلت له معك الحق لكن الله يأمرك بالإحسان، إنسان عنده المحل وليس عنده غيره صار في الطريق، كما أنت مأمور بالعدل مأمور بالإحسان، لذلك الله عز وجل ذكر العدل في أماكن كثيرة قال:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾

(سورة الأنعام )
أيامك في حوادث السير، أيام في بعض المخالفات تأتي شهادة تنقذ الموقف راكب سيارة وصار حادث والسائق بريء دعيت إلى الشهادة ليس عندي وقت، أ،ت إذا قدمت الشهادة الحقيقية أنصفت السائق وأنقذته من ورطة كبيرة جداً، فالشهادة واجبة، قال تعالى:

﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾
(سورة البقرة 282)
﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
(سورة ص 26)
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
(سورة المائدة 8)
يروى أن رجلاً يهودياً اشتكى على سيدنا علي لسيدنا عمر، فقال عمر: قم يا أبا الحسن وقف إلى جانب الرجل، فوقف وحكم سيدنا عمر بالعدل وانتهى المجلس، سيدنا علي تغير وجهه وقال: أوجدت عليّ ؟ قال: نعم، قال لمَ لم تقل لي يا علي وقلت با أبا الحسن.
القاضي شريح، سيدنا علي فقد درعاً غالياً جداً وجده عند يهودي فرفع الشكوى وهو أمير المؤمنين، رفع الأمر إلى القاضي شريح، وقف سيدنا علي وهو أمير المؤمنين أمام هذا الخصم، قال له أمعك بينة ؟ قال الحسن والحسين، قال لا تقبل شهادة الابن لأبيه قال النبي بشرهما بالجنة، لا تقبل شهادة الابن لأبيه مرفوضة.
سمعت قصة لكنها مؤثرة جداً إنسان موظف ساكن في بيت رفع الأجرة مرتين وثلاثة وأربعة حتى بلغت نصف دخله، لكن صاحبة البيت تريد أن تطرده من البيت ليس عنده طريق آخر، فسألت محامي فأرشدوها إذا أثبتي أنه فاسق فاجر يعني السلوك المنحرف يخليه من البيت، فقدمت دعوى إلى القاضي أنه كان يكشف عورته أمام جارته، دعوة فجور والرجل مستقيم ويغض بصره وملتزم، فالقاضي سألها من عندك من الشهود فقالت ابنتي قال لا تقبل شهادة البنت لأمها، قالت عندنا طالبة في البيت تسكن نأتيك بها، فعرضوا عليها الأمر فقالت أنا أشهد معكم، فأكرموها إكرام وأطعموها الطعام يعني قدموا لها خدمات خلال الشهر، فلما جاء يوم الدعوة جيء بهذه الطالبة سألها القاضي، فقالت والله يا سيدي هذا الإنسان لو رآني عن بعد مئة متر لغض بصره، وما لمحته في حياتي يطلق بصره في امرأة وهو من أرقى الناس، هذه الطالبة ذكية جداً، لو رفضت لجاءوا بمن يشهد شهادة كاذبة فقالت أنا اشهد وفي نيتها أن تشهد بالحق والدعوى سقطت فوراً.
يعني شهادة حق لا تقدر بمثن، الحق الله هو الحق، لذلك العلماء قالوا ليس بين المظلوم وبين الله حجاب، اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فليس بينه وبين الله حجاب وإياك أن تظلم لأن الظلم مرتعه وخيم، والإنسان في الدنيا قبل الآخرة يعجل له العقاب إذا كان ظالماً، عقوق الوالدين والجور يعجل لهما العقاب في الدنيا قبل الآخرة.

((الأمة في خير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت))
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إن الله أهلك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ))
هذا هو الإسلام، وقرأت أن سيدنا عمر أقام الحد على أحد أولاده، وقال له حينما تلقى وجه ربك قل لرسول الله إن أبي أقام عليّ الحد، وسيدنا عمر كان إذا أراد أن ينفذ أمر دعا أهله وخاصة أمره وقال إني أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله لأوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، قال العلماء: فصارت القرابة من عمر مصيبة.
رأى مرة إبلاً سمينة في الطريق قال: لمن هذه الإبل ؟ قالوا هي لابنك عبد الله فغضب وقال ائتوني به، فلما جاؤوا به قال: لمن هذه الإبل ؟ قال: لي، ماذا فعلت اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت وأين الخطأ والمعصية، قال له: ويقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأس مالك وردّ الباقي إلى بيت مال المسلمين.
مرة اشتهى اللحم فخاطب بطنه قائلاً: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المؤمنين.
مرة جاءته هدية من عامله على أذربيجان وهو في المدينة وأذربيجان في الإتحاد السوفيتي سابقاً قبل أن يتفكك، فتح الهدية طعام نفيس وضع لقمة في فهمه ثم استدرك، فقال يا هذا أكا عندكم عامة المسلمين من هذا الطعام ؟ قال: لا هذا طعام الخاصة، فلفظها من فمه ووبخ الوالي وقال: كيف يعنيك أمر المسلمين إ، لم تأكل مما يأكلون، وقال أعطوها لفقراء المدينة فحرام على بطن عمر أن يأكل طعاماً لا يأكله فقراء المدينة.
وضع أمامه لحم من جذور وقدمت له قطعة من سنام الجذور وهي أطيب ما في الجذور، فبكى وقال بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها.
ومرة سأله أحد الولاة قال: إن أنساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم لست أقدر على استرجاعه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت ؟ قال: يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر، وهل أنا لك حصن من عذاب الله، وهل رضائي عنك ينجي كمن سخط الله أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من ألقى الله بدمائهم.
العدل، يعني قرأت مرة في أعقاب الرب العالمية الثانية وقف زعيم رئيس وزارة في بريطانيا وسأل وزرائه واحداً واحداً، وزير الصناعة كيف المعامل عندك يا مستر فلان قال له كلها مخربة، سأل وزير الزراعة كيف المحاصيل قال ليس عناك محاصيل الأرض محترقة، سأل وزير الخزانة كيف الخزانة عندك قال لا يوجد شيئاً، بلاد منهارة بعد حرب، فسأل وزير العدل عنده كيف العدل عندك قال بخير، فقال له كلنا إذاً بخير، هذه قيمة كبيرة العدل، الله هو العدل، يعني أروع ما في الحياة قال أطفال يقفون في المدينة مر سيدنا عمر فتفرقوا إلا واحدً بقي واقفاً بأدب، قال له يا غلام لمَ لم ترهب مع من هرب ؟ قال أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك والطريق يسعني ويسعك، البريء يجب ألا يخاف، والمذنب ينبغي أن يخاف، بهذا ترقى الأمة.
أيها الأخوة الكرام... كملخص للدرس:
الأمانة لها مفهوم موسع جداً، شيء بين يديك أمره أنيط لك أنت محكم فيه معك منهج إلهي وأنت حر فيما تفعل، فإما ن تؤدي حقه وإما ألا تؤدي حقه، وهذه الأمانة تبدأ بأمانة الله له أوامر وله نواهي هل أديت الأوامر وهل انتهيت عن النواهي، ليس الولي الذي يمشي على الماء ولا الذي يطير في السماء ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، ثم هذه النفس التي جعلها الله بين جنبيك أمانة في يديك هل زكيتها أم دنستها.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
(سورة الشمس)
ثم الزوجة والأولاد، ثم حرفتك، ثم أهلك الأباعد، ثم كل حركة وسكنة وأنت مخير ومعك منهج هل أديت الأمانة في أي موضوع، إذاً ما من موضوع إلا ويدور مع الأمانة.

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
فأدي الأمانة واحكم بالعدل تدخل الجنة بسلام.

والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:24 PM   #4
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 23 - 25 ) : رحمة الله عند الاستماع للقرآن ، الأعراف 204
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-29
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، و أرنا الحق حقًّا و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث و العشرين من دروس آيات الأحكام، و الآية اليوم قوله تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
إن قرأتَ أنت القرآنَ موضوعٌ آخر، تقرأه أنت، و لقراءة آدابٌ كثيرةٌ مكانها غيرُ هذا الدرس، الآن إن استمعتَ إلى القرآن، و إذا قرئ من قِبَل غيرِك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
أما لعلكم ترحمون، رحمةُ الله كلمةٌ جامعة مانعةٌ لعطاء الله، و عطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان إلى سعادته النفسية، و إلى سعادته الأبدية، فإذا آتاك حكمةً، فالحكمةُ التي آتاك اللهُ إياها فاستخدمتها في كل خير، هي من رحمة الله، إذا آتاك حكمة لقول الله عزوجل:

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة]
و إذا آتاك صبرا، فالصبرُ من نعم الله الكبرى، أي الواحد له محلٌّ تجاري، و عنده موظَّف اختلف معه فطردَه، فلما طرده اشتكى عليه و دلَّ على مستودعاتٍ فيها بضاعة لها إشكال، صودِرت هذه البضاعة و كُلِّف بضريبة باهظة جدًّا، جعلته يقتل هذا الموظَّف، فحُكِم ثلاثين سنةً في السجن، و لو أنه صبر فإن المالَ يعود، لا تعلم مقدارَ نعمة الصبر الإنسان بالصبر يتلقَّى قضاءَ الله و قدره بالرضا، فإذا رضيتَ عن الله عزوجل آثارُ المصيبة سريعًا ما تزول، و تنساها و تصبح ذكرى، فإذا اللهُ عزوجل آتاك الصبرَ، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل]
الإنسان أحيانا لضعف الصبر ينتهي و ينهار، آلاف الحالات، مرضٌ عُضال مرض خبيث تلقَّاه الإنسانُ بالإيمان و الرضا بقضاء الله و قدره، شُفِيَ الإنسانُ من هذا المرض و إنسان ثانٍ بلَّغه الطبيبَ المرضَ و قال له: معك أربعة أشهر، في اليوم الثاني مات، وما تمكَّن أن يصبر، فإذا اللهُ عزوجل آتاك الصبرَ، و إذا آتاك الحكمةَ، إذا آتاك الرضا فأنت أسعدُ الناس، إذا آتاك الشعورَ بالأمن، لعلكم ترحمون أعطاك الشعورَ بالأمن، أعطاك الرضا عن الله أعطاك الصبر، و أعطاك الحكمةَ، أعطاك راحةَ البال، قال تعالى:

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾
[سورة محمد]
أعطاك مكانةً عاليةً في المجتمع، ألقى حبَّ الناس في قلبك، ألقى حبَّك في قلوب الناس، هذه من رحمة الله عزوجل، و رحمة الله عظيمة جدًّا كلمة لإنسان محترَم له منصبٌ رفيع، و له مكانةٌ، عطاؤه سليم، الملِك إذا أراد أن يعطيَ هديَّةً فماذا يقدِّم ؟ ملك، أقلُّ شيء بيت، و أقلُّ شيء مركبة فاخرة، فلذلك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
دقِّق، واحد جمع، و أكثرُ الناس يكسبون أرزاقا، أما الواحد تجاوز مرحلةَ كسب الرزق، إلى مرحلة الجمع، و بين الناس و بين الطبقة الغنية، هناك عدَّة عبارات، فلان حجمُه مئتا مليون، و فلان حجمه ثمانمائة مليون، هناك عبارة أخرى، فلان يحكي بخمسمائة مليون أي هذا تجاوز مرحلة الرزق و كسب الرزق، و دخل في مرحلة الجمع ماذا قال الله عزوجل:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾
[سورة الزخرف]
رحمة الله، أن تكون أثيرا عند الله، أن يكون لك مقعد صدق عند مليك مقتدر، أن يهبك اللهُ الحكمة، أن يهبك الصبرَ، أن يهبك صلاح البال، انزِل ؛ أن يهبك أولادا صالحين الابنُ الصالح - و اللهِ ايها الإخوة لو وُزِن ذهبًا فهو أغلى، الابن الصالح قرَّةُ عين والده، لك ابن سمعته طيَّبة، و أخلاقه عالية، بارٌ في خدمتك، الابن الصالح أضخم من أكبر ثروة في العالم لعلكم ترحمون، أنا أتمنى أيَّةُ آيةٍ في كتاب الله فيها كلمة رحمة، أن تعرف ما معنى كلمة رحمة، قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)﴾
[سورة آل عمران]
و قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾
[سورة الأعراف]
و اللهُ إذا أعطى أدهش، يمكن أن تُدعى إلى طعام عشاء، تُدعى إلى حفل، إلى عقد قران، و تُقدَّم لك الضيافات الفاخرة جدا، أما أحيانا تُدعى إلى بيت الله، على الأرض، كرسي مُريح لا يوجد، كأس من الشاي لا يوجد، كان عليه الصلاة و السلام إذا دخل المسجد
((عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ ))
[رواه مسلم]
إذا الإنسانُ وهبه اللهُ سعادة زوجية، هذه من رحمة الله، السعادة الزوجية، إذا وهبه امرأةً صالحة تسرُّه إن نظر إليه، تحفظه إن غاب عنها، و تطيعه إن أمرها، هذه من رحمة الله هناك نِعمٌ لا يعرفها كثيرٌ من الناس، الإنسان يخرج من بيته إلى عمله مطمئنًّا أشدّ الطمأنينة إلى أن زوجته طاهرة عفيفة، هذه الطمأنينة من نعمة الله الكبرى، ما هي كلم

﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
يهبك زواجا سعيدا و يهبك أولادا أبرارا، و يهبك رزقا حلالا ن كم مصلحة مبنية على الحرام، فتح ملهى، قال لي: في خمس و أربعين يوما أرباحه ثمانية ملايين ليرة مبلغ ضخم، و لكن، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
[سورة يس]
كلُّ معصية في هذا الملهى، و كل انحراف و كل فسق و كل فجور، و الأغرب من ذلك يموت صاحبُ الملهى و يبقى الملهى مستمرا إلى أمد طويل، و كل شيء جرى في هذا الملهى في صحيفة الذي بناه، الميت روحه ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المالَ مما حلَّ حرُم، فأنفقتُه في حِلِّه و في غير حلِّه، فالهناءُ لكم و التبعةُ عليَّ " شيء كبير.
بدأتُ بكلمة:

﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
و لو أن أحدكم أيها الإخوة قرأ القرآنَ و تتبَّع آيات الرحمة، شيء رائع جدا، تجدها في الصلاة، و تجدها في تلاوة القرآن، و تجدها في دخول مساجد الله، و تنجدها في الإحسان، قال تعالى:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾
[سورة الأعراف]
و حبَّذا لو تُتُبِّعت هذه الآيات و أخذنا جدولا بها، رحمةُ الله عزوجل العطاءُ المطلقُ يبدأ من الجسم، صحة، يمرُّ في الأسرة، زواجٌ ناجح و يصل إلى الأولاد، أولادٌ أبرارٌ، إلى السمعة، و إلى المكانة، إلى الأمن، الشعورُ بالأمن لا يُقدَّر بثمن، قال تعالى:

﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾
[سورة قريش]
الخطّ البياني صاعد، و لو جاء الموتُ، الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام، أما الخط البياني صاعد، و أجمل دعاء: اللهم اجعل نعم الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة ألا يا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة
لي صديق له والدٌ، هذا الوالد من أثرياء هذه البلدة الكبار، دخلتُ مرة إلى بيته ما شاء الله، أربعمائة متر، فيه زينة، و فيه أجنحة شرقية و أجنحة غربية، تكييف و تدفئة و تُحف، الفاز ثمنه بالملايين فاز كبير صيني، أثاث بيته من أرقى مستوى، يأتيه بالطائرة بالبريد الجوي، تُوفي، في أيام مطيرة جدًّا واشتُري له قبرٌ، و الجنازة و صلت إلى القبر فُتح القبرُ مياه سوداء في القبر، الأسيقة انفجرت و تداخلت مع القبر، سئل ابنُه ماذا نفعل ؟ قال: ضعوه، وُضع هذا في قبر و المياه سوداء تجري فيه، يقول مديرُ معمله وهو يحضر معنا أحيانا، قال لي: أسبوع بأكمله ما تناولت لقمةً من الطعام، من شدة فرقه، أُيُعقل أن فلانا معلَّمه هنا يُدفن، الدعاء الرائع:اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة: ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٌ عارية يوم القيامة ألا يا رُبَّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة " أما المؤمن، نرجو اللهَ سبحانه و تعالى أن يكرمنا اللهُ جميعا فيجعل نعمنا في الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة، كلمة:

﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
قال تعالى:

﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾
[سورة الأعراف]
و قال تعالى:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾
[سورة الزخرف]
قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
إذا قرأ القرآنَ قارئٌ غيرُكم فاستمعوا له، أي لا يجوز أن تتكلم و القرآن يُتلى، أحيانا تستمع إلى القرآن في المذياع، و حديث و سؤال و جواب ومناقشة وخصومة، و القرآن يُتلى، هذا خلاف هذه الآية، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾
[سورة الأعراف]
يجب أن تستمع للقرآن، الواحد استمع فسكت، شارد في القضية الفلانية و الفلانية و الدنيا الفلانية، و البضاعة الفلانية، و اللقاء الفلاني، و الدعوة الفلانية، و القرآنُ يُتلى، أنت استمعت و لكنك لم تنصت الإنصات هو التدبُّر،و الاستماع هو الصمت، فالاستماع أن تصمت و أما الإنصاتُ أن تُعمِل عقلك في آيات الله، مهمَّتان ؛ أن تسكت و أن تفكِّر، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
قال: هذه الآية وردت عامَّة في وجوب الاستماع و الإنصات عند قراءة القرآن مطلقة، عندنا قاعدة أصولية: المطلق على إطلاقه، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
في تعزية، في عيد مولد، في عيد قِران، بالمذياع، أنت جالس ابنُك يقرأ القرآنَ:

﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾
[سورة الأعراف]
الزوجة جالسة و زوجها يقرأ القرآن، في كل الأحوال و في كل الأوقات و في كل الظروف و في كل الهيئات و في كل الأشكال، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
الآن إذا قرئ القرآن في الصلاة، أنت مؤتمٌّ، و الإمام يقرأ، لا يجز أن تفكِّر في شيء غير القرآن الذي يُتلى، سألني واحدٌ و قال لي: أنا أفكِّر في عظمة الله، قلت له: هذا غلط، أنت في صلاة و الإمام يقرأ القرآن، يجب أن تفكِّر في الذي يقرأه، صار هناك انتظام، و لو كنت تفكِّر في عظمة الله، عظمة الله مكانها وقتٌ آخر، أما أنت في صلاة فحالُ المؤمن في الصلاة أنه إذا قرأ الإمام القرآن عليه أن يستمع و أن ينصت، لعله يُرحم، إلا أن استماع المؤتمِّ بإمام موضمع خلافيٌّ بين العلماء، و سأضع بين أيديكم وجوهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن، هل نقرأ مع الإمام ؟ هل نصمت مطلقا في الصلاة السرِّية و الجهرية ؟ أم أن نقرأ مطلقا في الصلاة السرية و الجهرية ؟ أم أن ننصت في الجهرية و نقرأ في السرية ؟
اختلف العلماءُ في الحكم إذا كان الناسُ خلف الإمام، هل يجب عليهم الاستماع و الإنصات، و يسقط عنهم فرضُ القراءة، أم لا يجب عليهم بل عليهم أن يقرأوا، سواء في ذلك جهرية الإمام أو سريَّته ؟
ذهب الأحنافُ إلى أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقا، لا في صلاةٍ جهرية و لا في صلاة سرية، و اللهِ في الصلاة الجهرية الحقُّ معهم، و شيء منطقي و قوي، إمام فصيح يقرأ القرآن بصوت جهوري و بأحكام رائعة، يختار آيات جميلة، ما معنى أن تقرأ معه أنت ؟ النبيُّ عليه الصلاة و السلام سمع بعضَ أصحابه يقرأ معه القرآن

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[رواه الترمذي]
أما أن تقف وراء الإمام في صلاة العصر لا تفعل شيئا أبدا، الإنسان يجد نفسه محرَجا، هكذا، لعلك وقفتَ خلف رسول الله و أنت صامت الدموع تنهمر، هذا رسول الله، و لكن أنت تصلي خلف إمام غير رسول الله، لعل الإمام أبا حنيفة أنه حال المقتدي من حال الإمام إلا أن الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن يصمت و أن لا يقرأ القرآن إذا كان خلف الإمام، لا في صلاة جهرية و لا في صلاة سرية وضعُه أن يقف صامتا.
هناك جماعة أخرى ذهبوا إلى أن المأمومَ يقرأ إذا أسرَّ الإمام و لا يقرأ إذا جهر الإمامُ، وهو قولُ عروة بن الزبير و القاسم بن محمد و الزهري و الإمام مالك، المذهب المالكي مذهب معتدل، و مذهب قريب من الفطرة، أنت وراء الإمام في صلاة سرية تقرأ، وراء الإمام في صلاة جهرية لا تقرأ، الأحناف لا تقرأ لا في صلاة سرية و لا في صلاة جهرية، المالكية تضصمت في الصلاة الجهرية و تقرأ في الصلاة السرية.
و ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المأموم يجب أن يقرأ مطلقا أكان في صلاة سرية أم في صلاة جهرية، لذلك أحيانا تُفاجأ أنه إلى جانبك إنسان مذهبه شافعي، الإمام يقرأ الفاتحة و هو يقرأ معه الفاتحة أنا أميل في هذا الموضوع للمذهب المالكي.
أيها الإخوة ؛ على كلٍّ يعنينا:

﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ﴾
[سورة الأعراف]
النص الشهير: إن فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه " لو دخلت إلى مكتبة فيها مائة ألف كتاب، القرآن الكريم وحده في كفَّة و المائة ألف كتاب في كفة ثانية المائة ألف كتاب من تأليف بني البشر، و القرآن الكريم كلام خالق البشر، و فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لا يوجد كتابٌ بشكل مطلق إلا و فيه بعض الأخطاء، لأن العصمة للأنبياء، والله عزوجل حقٌّ مطلق، أما ما سوى الأنبياء يصيب و يخطئ، لا يوجد كتاب ليس فيه خطأ، مهما بدا لك الكتاب رائعا، هناك كتاب من أشهر الكتب أُلِّف في العصور القديمة كان مؤلَّف الكتاب يتوهَّم أن الإنسان إذا أكل أكلا حارًّا يصعد بخارُ الطعام إلى دماغه كأن المعدة مفتوحة و الجوف فارغ و الدماغ فوق و صعد البخار إلى فوق، كتاب محترم جدًّا لا يوجد كتاب على الإطلاق تقرأه إلا و فيه بعض الخلل إلا كلام الله عزوجل، لا يأتيه الباطل فموقف الإنسان من كلام الله موقف كبير، أحيانا القرآن فيه أصول العلوم كلها، مرة قال لي واحد، أو أنا قلت له: هل تصدِّق أن آداب الضيافة كلها في سطر واحد في كتاب الله، قال لي أين، قلت له: في قصة أيضا، سيدنا إبراهيم حينما جاءه الضيوف قال:

﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾
[سورة الذاريات]
راغ ؛ انسلَّ خفية، هناك إنسان يأتيه ضيوفٌ يصنع لك عشاءً، يستحي الضيف، لا شكرا، أنا من عادتي لا أتعشَّى، و هو من عادته أن يتعشَّى على طول، الضيف لا يُسأل، سيدنا غبراهيم راغ إلى أهله انسلَّ خفية، و ما سأله، قال تعالى:

﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)﴾
[سورة هود]
سرعةُ تقديم الطعام، اثنان، عدم سؤال الضيف، و سرعة تقديم الطعام قال تعالى:

﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)﴾
[سورة هود]
أكلٌ طيِّبٌ، الآن أنا شاهدتُ في بعض الضيافات وُضع الطعام ووُضعت الفاكهة الحلويات، و صاحب البيت مشغول بحديث معيَّن، و الأكل بقي ساعة و ما قال صاحب البيت للضيوف: تفضَّلوا، الضيف مستحيل أن يمدَّ يده مباشرة من عنده، لا يستطيع، وقد يكون جائعا: قال تعالى:

﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾
[سورة الذاريات]
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)﴾
[سورة هود]
قدَّم الطعام سريعا، قال تعالى:

﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)﴾
شيء نفيس، قال تعالى:

﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾
[سورة الذاريات]
أحيانا يضع لك صحن السلاطة أمامك و صحن اللحم بعيد عنك، و الطاولة كبيرة أنت تأكل السلاطة:

﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾
[سورة الذاريات]
توزيعُ الطعام على المائدة فيه آدابٌ، أحيانا تجتمع الأطباقُ الفاخرةُ في جهة، و الأطباقُ غيرُ الفاخرة بجهة أخرى، و الناسُ جالسون في الأطراف، و الطبقُ يتوزَّع، طبقٌ هنا و طبقٌ هنا، و هكذا أو أمام الضيف إبريق ماء كبير و كؤوس و خبز أمامه، ليس محل للأكل، قال تعالى:

﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)﴾
[سورة الذاريات]
ما سأل و جاء بالطعام سريعا، و كان الطعام طيبا و قرَّبه إلى الضيف و دعاه إلى أن يأكل، هذا كلام الله عزوجل، فأنت لما تقرأ القرآن قواعد و قوانين، قال تعالى:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
[سورة هود]
هناك عالم من علماء البلاغة وضع عشر احتمالات لهذه الآية ؛ أي احتمال آخر ليست قرآنا، مثلا، لو قال: الدواب على اله رزقها، ليس قرآنا، اختل القصر، ما من دابة غير " الدواب على الله رزقها، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، أنا دخلت إلى صفٍّ، قلت طلابُ الصف لهم عندي مكافأة، الطلاب الحاضرون أمامي، و هناك واحد غائب له مكافأة بالنص لا، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا و له عندي مكافأة، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع، مريض أو غائب أو مطرود له مكافأة، انظر: ما من دابة، نملة سمراء على صخرة صمَّاء في ليلة ظلماء لها عند الله رزق، وعَلٌ يعيش في رؤوس جبال هيمالايا له عند الله رزق، سمكة في أعماق المحيطات، لها عند الله رزق، قال تعالى:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
[سورة هود]
إذًا لما حذفنا " من " هذا الكلام ليس قرآنا، و حذفنا " ما " " إلا" النفي و الاستثناء ألغينا القصر، الدواب كلها اللهُ يرزقها، ليست قرآنا، الله يرزقها أو لا يرزقها، ليس هناك إلزام أما على تفيد الإلزام:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
[سورة هود]
فعلى تفيد الإلزام، "دابة تنكير شمول، فلو جاءت معرَّفة اختلَّ المعنى الدابة منكَّرة تنكير شمول، و من لاستغراق أفراد النوع ن و ما للاستثناء و القصر، و على تفيد الإلزام،

﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[سورة هود]
مستقرها أين هي و مستودع طعامها أين هو، أنت في الشام مثلا، هناك في سرغايا بستان تفاح، الشجرة الرابعة الغصن الخامس خمس تفاحات على الغصن، هذه لك، مثلا، أما طريقة وصول هذا التفاح إليك باختيارك، قد يأكل الإنسان هذه التفاحات ضيافة و قد يأكلها شراءً قد يأكلها هدية، و قد يأكلها سرقة، وقد يأكلها احتيالا، و قد يأكلها تسوُّلا، تسوُّل أو سرقة و هدية أو شراء أو ضيافة، طريقة انتقال هذا الطعام لك باختيارك، أما فهو لك، قال تعالى:

﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[سورة هود]
صدِّقوني أيها الإخوة قد تُمضي عشرين سنة و أربعين سنة ن و خمسين سنة، و هذا القرآن لا تنقضي عجائبُه، و كل حرف فيه قانون و كل حرف فيه قاعدة، و كل حرف فيه دستور، و كل حرف فيه سنة شيء دقيق جدا، لذلك قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾
[سورة الأعراف]
أنا أقول لكم: لا شيء في حياة إنسان ؛ أيِّ إنسان يعلو على أن يفهم كلام الله، لأن كلام الله منهج لهذا الإنسان، واحد يكره زوجته، ماذا يفعل يطلِّقها ؟ هناك التوجيه، النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال،
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))
[رواه مسلم]
هذا توجيه النبي، أنا أقول لكم هذه الكلمة: إذا الإنسان ألزم نفسه أن يقرأ كل يوم بضع صفحات من كتاب الله، إذا عنده فراغ وهو متقاعد يقرأ جزءا، وإذا عنده أعمال كثيفة جدا يقرأ خمس صفحات الحدَّ الأدنى، صدِّقوني لا يمكن إلا وأن تجد فيما تقرأ حلًّا لمشكلة، إجابة عن سؤال، وتوجيه لعمل جيِّد، دائما أنت مع الحقيقة المطلقة، فالإنسان إذا ابتعد عن كتاب الله ابتعد عن توجيه الخالق و عن توجيه الصانع ابتعد عن الحقيقة المطلقة، مثلا ؛ له جار غنيٌّ تفلُّت و كفر و فسق و فجور و استعلاء و غطرسة و كبرياء، هو من بيته إلى المسجد و غضُّ بصر و استقامة و ليس معه مال، دخلُه محدود، و ساعة عطلة يختلُّ توازن المؤمن يا رب هذا لا يعرف شيئا اسمه صلاح، و كفر و فجور و عنده أموال لا تأكلها النيران، وهذا المستقيم لا يجد قوت يومه اقرأ القرآن، قال تعالى:
ألا ترضى عن الله ؟ قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
[سورة الأنعام]
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾
[سورة آل عمران]
و قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
[سورة إبراهيم]
لا ترتاح، ترتاح راحة كبيرة، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
[سورة النحل]
و قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
[سورة الجاثية]
كل آية أيها الإخوة ؛ شفاء للنفس، و أساسا القرآنُ شفاءٌ للناس، و اللهُ عزوجل سمَّى القرآن شفاء، شفاء لما في الصدور، و سمى العسل شفاء الأبدان، عندك شفاءان ؛ القرآن و العسل، للجسم العسل، للنفس القرآن الكريم، قال تعالى

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾
[سورة الإسراء]
قال تعالى:

﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)﴾
[سورة التوبة]
و اللهِ شيء جميل، واحد يمشي في الطريق وجد مساحات وطرقات و حدائق وأمامه السيارت كلها سوداء، ييأس، لا: قال تعالى:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء]
لا تكفي هذه الآية

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾
[سورة النساء]
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾
[سورة التوبة]
لا ترضي هذه الآية.
و اللهِ أيها الإخوة ؛ لا يمكن أن يبقى عندك مرضٌ نفسي ولا ضيق و لا خوف و لا قلق و لا تشاؤم و لا سوداوية، كل هذه الأمراض النفسية تتلاشى إذا قرأتَ القرآن، إذا قرأته حق قراءته، وتلوته حقَّ تلاوته و حق التلاوة أن تتلوه تلاوة صحيحة، وأن تفهمه و أن تتدبَّره و أن تطبِّقه اقرأْ وافهم و طبِّق.
أيها الإخوة أختم هذا الدرس بالعودة إلى منطلقه، وهو أن الإنسان إذا استمع إلى القرآن أو إذا سمع القرآنَ يُتلى بشكل مطلق في أيِّ مكان و في أي زمان، وحتى داخل الصلاة عليه أن يستمع و أن ينصت، و الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن ينصت، رأيُ الصحابة الكرام ؛ ابنُ مسعود و سعد و جابر و ابن عباس و أبو الدرداء و أبو سعيد و زيد بن ثابت و أنس، كلُّ هؤلاء الصحابة الكرام ذمُّوا من قرأ خلف الإمام، فقد روى عبدُ الرحمن بن أبي ليلى عن عليٍّ كرم الله وجهه أنه قال:" من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة " و عن زيد بن ثابت قال:"من قرأ خلف الإمام مُلِئ فمُه ترابا " و روي عنه أنه:" من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له " أي لا صلاة كاملة له، و قال الشعبي:" أدركت سبعين بدريًّا كلُّهم يمنعون المقتدي من القراءة خلف الإمام "
وهناك أخبار كثيرةٌ عن رسول الله تؤكِّد هذا، بعض الرجال صلى خلف رسول الله و قرأ القرآن، فنزلت هذه الآيةُ:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
و في حديث آخر أن النبي عليه الصلاة و السلام،
((عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ))
[رواه البخاري]
و أُخرِج عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال،
((عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))
[رواه ابن ماجه]
قراءة الإمام قراءة للمؤتمِّ، والإمام الشافعي يحتج بحديث
((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ))
[رواه البخاري]
التوفيق بين المذهبين أن قراءة الإمام هي قراءة للمؤتمِّ، فالمؤتم قرأ الفاتحة من خلا الإمام.
و في حديث عن النبي عليه الصلاة و السلام:

((عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))
[رواه ابن ماجه]
روايات كثيرة، أما المالكية كما قلت فمذهبهم مذهب معتدل، فالمؤتم ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية، و ينبغي أن ينصت في الصلاة الجهرية، و رجل قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عليه الصلاة السلام:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[رواه الترمذي]
فهذه الآية من آيات الأحكام، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)﴾
[سورة الأعراف]
يجب أن تسكت، هذا الاستماع، و يجب أن تتدبَّر، وهذا هو الفهم، و يجب أن تطبِّق، فإذا استمعتَ و فهمتَ و طبَّقتَ فقد تلوتَ القرآن حقَّ تلاوته.

والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:26 PM   #5
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 24 - 25 ) :أنواع الناس ، سورة الأنفال : الآيات 72 - 75
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-13
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، و أرنا الحق حقًّا و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الرابع و العشرين من دروس آيات الأحكام، و الآية اليوم

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)﴾

[سورة الأنفال]
أيها الإخوة، من خللا هذه الآيات يتبدَّى أن المؤمنين أربعةُ أصناف صنف آمن و هاجر، و صنف آوى و نصر، و صنف آمن و لم يهاجر و صنف آمن و هاجر بعد الفتح آمن و هاجر بعد الحديبية، أي هاجر في وقت متأخِّر، كأن هذه الأصناف الأربعة نماذج بشرية إيمانية متكرِّرة، الفئة الأولى آمنت وضحَّت بمكان إقامتها وضحَّت بجذورها و ضحَّت بكيانها و تركت كلَّ شيء في سبيل الله، فئة أخرى متمكِّنة في ديارهم و في بيوتهم،معهم أموالهم استقبلوا هؤلاء المهاجرين آووا و نصروا.
لو أردنا أن نبحث اليومَ عن مثل هؤلاء، أحيانا طالب علم جاء من أماكن بعيدة لا أحد له في الشام، و لا بيت له، و لا عمل له، إنسان من سكان هذه البلدة الطيِّبة متمكِّن و قوي له بيت و له محلٌّ، وله إمكانات، فالأول جاء إلى هنا في سبيل الله، جاء ليطلب العلمَ، أو جاء ليفرَّ بدينه، صار هناك اضطهاد ديني، صار هناك تطهير عرقي،صار هناك قتل على الهوية، إنسان فرَّ بدينه أو إنسان جاء ليطلب العلم و إنسان مؤمن متمكِّن في بلده، في بيته و له دخل، و له محلٌّ و له إمكانات، و له عمل، فهذان الصنفان متكاملان، آمن و هاجر و آوى و نصر، و هذان النموذجان مستمران إلى يوم القيامة، فإما، تؤمن و تهاجر، و إما أن تؤوي و تنصر.
أعجبتني كلمةٌ قالها أحدُهم، قال: إن لم تكن داعية تبنَّ داعيا، أي تبنَّ طالبَ علم هو الآن طالب علم، هو الآن لا أحد يعرفه، الآن هو خامل الذِّكر، لكن بعد حين سيغدو علَما من أعلام الأمة، فغن لم تكن داعية أعِن داعية، أكرم طالبَ علم، أسكِنه في بيت، قدِّم له بعض المساعدات، كأن هذين النموذجين يحتاجهما الإسلامُ في كل وقت،إنسان آمن و هاجر، و إنسان آوى و نصر، فالصنف الأول المهاجرون أصحابُ الهجرة الأولى قبل لغزوة بدرٍ، و بالمناسبة دائما السَّبقُ له مكانة كبيرة في الإسلام، أحيانا، أنا دائما أحبُّ أن أنقل الحقائق إلى واقعنا، دعوةٌ عمرها ربعُ قرنٍ، هؤلاء الأوائل الذين حضروا و استجابوا و لم يكن معهم أحد يُعدُّون على أصابع اليدِ، هؤلاء لهم مكانة كبيرة جدًّا، لأنهم من السابقين، أحيانا الدعوة تكبُر و يزداد عددُ أفرادها فيغدو الانضمامُ إليها مفخرة، أما في وقت كان عبئا، لذلك ليسوا سواء من آمن من قبلا الفتح و هاجر، هذا الذي آمن و هاجر،هذا كان مضطهدا، كان خائفا، ضحَّى بالغالي و الرخيص، و النفس و النفيس، أما بعدما قوِيَ الإسلام أصبح الدخولُ إليه مغنما أحيانا يكون الدخول في الإسلام مغرما، و أحيانا يصبح الدخولُ في الإسلام مغنما فالإنسان البطل هو الذي يؤمن في الوقت المناسب، و هذا ينقلنا إلى حقيقة، لماذا كان الأنبياءُ في أول دعوتهم ضِعافا ؟ النبيُّ كان ضعيفا كان يمرُّ على عمَّار بن ياسر و هو يُعذَّب و يُجلد، لا يستطيع أن يفعل شيئا، يقول:

((صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ))
سيد الأمو ضعيف رجل كافر مشرك منحرف ينكِّل بالمسلمين، و يعذِّبهم و لا يستطيع النبيُّ و كلُّ أصحابه أن يفعلوا شيئا، لو أن الأنبياءُ كانوا أقوياء لدخل الناسُ في دين الله أفواجا، لا عن قناعة و لا عن محبَّة لله ن و لا عن تعبُّد و لكنهم دخلوا خوفا أو طمعا، إذا القويُّ أعطى أمرا يطيعه كثيرون بعضهم يطيعه خوفا من بطشه، و بعضهم يطيعه طمعا في ما عنده، و كلا الطاعتين لا قيمة لهما، أما الضعيف إذا دعاك إلى الحق و كأنه قبولُ هذا الحق عبء عليك، و مخاطرة بمصالحك، و اقتلاعا من جذورك، هذه البطولة، ثمن باهظ.
أنا أقول لكم أيها الإخوة، نحن نقطف ثمارَ الدين، تخرج من بيتك ترتدي ثيابك و تمشي في الطريق، و تدخل المسجد، ما أحد يقول لك كلمة، لا أحد يسألك، هذه نعمة لا تُقدَّر بثمن، أن تدخل بيتَ الله وأنت آمن، و أن تستمع إلى درس العلم وأنت آمن، و تذهب بعد الدرس لتنام و أنت آمن، لكن في بلاد إسلامية لا تستطيع أن تدخل المسجد، هذه حقيقة فالصحابة الكرام دفعوا الثمنَ، و نحن قطفنا الثمرة، الصحابة الكرام خاطروا بأرواحهم اُقتُلعوا من جذورهم، وضحُّوا بمصالحهم، و نحن ننعم بانتصاراتهم هذه بلاد الرومان، فتحوها و بذلوا الغالي و الرخيص، ابنُ عم النبي سيدنا جعفر، قُطعت يدُه اليمنى فأمسك الراية بيده اليسرى قطعت اليسرى فأمسك الرايةَ بعضديه، ثم قُتِل، لهم خمسة أولاد، زارهم النبيُّ بعد أن وصله نبأُ استشهاده، أمُّهم طيَّبتهم و عطَّرتهم و دهنتهم، و هيأت الخبز و الطعام، تنتظر زوجها جعفر جعفر استُشهد، تولى النبيُّ صلى الله عليه و سلم بنفسه إبلاغهم هذا النبأ المحزِن، تخفيفا من مُصابه الصحابة الكرام دفعوا الثمن، و نحن قطفنا الثمرة، ما العبء الذي تحمله إذا استقمتَ على أمر الله ؟ إذا قلتَ: لا إله إلا الله، فهذا الصنف الأول.
و الصنف الثاني هؤلاء الصحابة الأنصارُ،عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ

((قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ))
[رواه البخاري]
لا يوجد موقف أروعُ من طالب علم و أخ مقيم أكرمه قدَّم له بعض المساعدات، و أسكنه في بيت، و أعانه على صعوبة الحياة، لطلب العلم، لذلك بالمناسبة، إنفاق المال لا يكون في مكان أصوب منه من إنفاقه على طلبة العلم الشرعي المخلصين، هذا يدرس ليعود خطيبا، و ليعود داعية، و ليعود مديرَ معهد شرعي، فأنا أقول لكم نماذج إيمانية مستمرة، الذي أمن وهاجر و الذي آوى و نصر، الذين هاجروا مبكِّرا هم الأكمل و الأفضل عند الله عزوجل.
أيها الإخوة ؛ الصنف الثاني الأنصار، قال عليه الصلاة و السلام لما وجدوا عليه في أنفسهم، عَنْ أَنَسٍ قَالَ

((لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فَغَضِبَتْ الْأَنْصَارُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ))
[رواه البخاري]
حينما فتح مكة خافوا أن يبقى فيها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ
((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا قَالَ فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ قَالَ وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ قَالُوا وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ ))
[رواه مسلم]
هذا هو الوفاء، و كان عليه الصلاة و السلام يقول، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ
((مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِم))
[رواه البخاري]
و أنا و اللهِ أتمنى أن أرى دائما إنسانا سافر ليطلب العلم، و إنسان حضنه، و أكرمه و لا أكتم أن هذه البلدة الطيبة، و هذا من فضل الله علينا لها سمعةٌ طيبة جدا في إكرام طلاب العلم، بل إن طلاب العلم الشرعي يؤثرونها على بلاد أخرى أكثر شهرةً منها، لكن هنا يجدون الدفء و العلم الصحيح
و الروحانية العالية، و الإكرام البالغ، و هذه حقيقة.
أيها الإخوة ؛ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
[سورة الأنفال]
هذه صفة للمؤمنين، أي بعضهم يعين بعضا، بعضهم ينصح بعضا، و بعضهم يكرم بعضا، و بعضهم يأخذ بيد بعضه الآخر، تعاون و تناصح و تباذل و تزاور، و تضحية و إيثار، بعضهم أولياء بعض، الآية التي ذكرتها قبل قليل، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾
[سورة الأنفال]
جهاد المال إنفاقُه أو تركه، واحد له بيت بمكة، و له محلّق و له أملاك و له أراضي، تركها، هذا لم ينفق، و لكنه ترك، هذا جهاد سلبي الذي يضحِّي بمصالحه جاهد بماله في سبيل الله، أحد الصحابة في أثناء الهجرة أُلقي القبضُ عليه ليعيدوه إلى مكة، قال: خذوا كل مالي و اتركوني، أين مالك ؟ دلَّهم عليه، في المكان الفلاني، في بيته، خبَّأه في مكان، دلَّهم عليه ليأخذوه كلَّه، و نجا بجلده إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال له النبيُّ " ربح البيعُ أبا يحيى " تجارة، و قد ربحت التجارةُ، حينما تقدِّم كلَّ مالك و تنال رضا ربِّك فأنت أكبر رابح، فجهاد المال تركُه أحيانا، جهاد المال إنفاقه، قال تعالى: أولئك

﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
[سورة الأنفال]
هذا لا يعني أن في المؤمنين، و هذا يتناقض أن يكون المؤمنون متعادين متباغضين الأصل أن يكونوا متعاونين، متباذلين متناصحين، الأثر القدسي.

((عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ اللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))
[رواه أحمد]
أجمل ما في حياة المؤمنين، هذا الحبُّ الذي بينهم هذا الودُّ الذي بينهم هذا التعاون الذي بينهم، هذا الإيثار الذي بينهم الحياة قاسية، و الحياة أحيانا متعِبة، و الحياة أحيانا مشحونة بالمتاعب و المصائب و الهموم و الأحزان، و لحكمة بالغة بالغة شاءها اللهُ كذلك، ما الذي يخفِّف من شدَّتها و قسوتها ؟ هذه الأخوَّة الصادقة بين المؤمنين، لذلك أغلى شيء في الحياة أخٌ في الله، الشيء الذي يلفت النظر، قال: إنهم آمنوا:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾
[سورة الأنفال]
لم يأخذوا موقفا، وما ضحَّى، آثر مصالحه على آخرته، آمن، قال: و اللهِ هذا الإنسان رسول، و لا ينطق عن الهوى، و الذي ينطق به هو القرآن، هو كلام الرحمن، لكن - و هذا نموذج موجود - مصلحته فوق إيمانه، تجارته فوق طلبه للعلم دائما مشغول، و إذا نشأ معه وقتٌ فارغ، من حين إلى آخر يأتي، الأصل مصلحته، أما المؤمن الأصل مسجده، الأصل طلبه للعلم، الأصل آخرته، الأصل رضوان ربِّه لذلك يضحِّي وهو يأخذ الثمنَ أضعافا مضاعفة، و الذين آمنوا

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال]
كنتُ ذكرت سابقا، إنسان معه مرض جلدي علاجه الوحيد التعرُّض للشمس فقال مرة وهو في بيت قبيء مظلم، قال: الشمس ساطعة خير إن شاء الله، قال: الشمس في رابعة النهار، مشرقة ن أشِّعتها ممتازة، أشعتها مفيدة، هذا الكلام لا ينفعك ما لم تخرج إلى أشعة الشمس.
ألقيتُ كلمة اليوم في احتفال بعيد المولد، قلت: إنسان لا يقرأ و لا يكتب، و له قريب يحمل أعلى شهادة و علمية، كلما جلس: قريبي معه دكتوراه، قريبي معه دكتوراه دولة قريبي له مؤلفات، هذا الكلام لو تحكيه ألف سنة أنت تبقى في مكانك و هو في مكانه، لو حدَّثتنا عن أخيك أو عن قريبك المتعلم العالم المؤلِّف، و أنت أنت، لا ترقى إلا إذا سلكت طريقه، نحن في عيد المولد، نجتمه و نسمع نشيدا في مديح رسول الله، نستمع إلى كلمات رائعة في أخلاق رسول الله، جميل رسول الله صلى الله عليه و سلم له مكانة عند الله لا يزيدها مدحُك إطلاقا مهما مدحته هو حيث هو، و لا يحتاج إلى مديحك، بالمناسبة لو أنك فعلت العكس لا يتأثَّر إطلاقا، احتل عند الله مكانة عالية، احتل أعلى مقام، وصل إلى سدرة المنتهى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، رأى من آيات ربه الكبرى، أنا أقول لكم كلاما دقيقا الآن: عندنا احتفال وراء احتفال وراء احتفال ن شيء رائع جدا، جميل جدا أ نحتفل، لكن الأجمل منه أن نسلك طريق النبي، و أن نقتفيَ أثره، فهذا الذي يثني على قريبه و على شهاداته و على مؤلَّفاته، هو لا يقرأ و لا يكتب هوهو، و قريبه في عليائه.
ذكرت شيئا ثانيا مفيدا أن يُذكر هنا الآن، إنسان زار قبرَ النبي عليه الصلاة و السلام، و صلى في محراب النبي، و بكى بكاءً شديدا،جميل جدا، ضربت هذا لمثل، لو أستاذ عالم كبير عنده مئتا مؤلَّف، و يحمل أربع أو خمس دكتورات، له مكانة في سماء العلم، لا تضاهيها مكانة و له مكتب فخم، و عنده حاجب، و الحاجب أميٌّ، ففي أثناء غيابه جاء هذا الحاجب و جلس على مقعده وراء مكتبه، ما الذي حصل؟ هل صار عالما ؟ هو هو، و سيده هو هو، أن لو أن ذها الحاجب أخذ ابتدائية، وثيقة إتمام مرحلة، ثم أخذ إعدادية، ثم أخذ شهادة ثانوية، ثم دخل الجامعة سار في طريق سيده، فالذي يرقى بك لا أن تمدح، الذي يرقى بك أن تسلك، هذه أهمُّ نقطة في هذه المناسبة، الذي يرقى بك أن تسلك لا أن تمدح، امدح ما شئت هو هو، لا يزيده مدحُك شيئا، و لا ينقص من قدره ذمُّك شيئا، و مرة قلت كلمة: أنت معك كيلو معدن معدن كلمة عامية، إذا أوهمتنا أنها ذهب و صدَّقناك وهي معدن خسيس أنت الخاسر الأول، نحن جميعا صدَّقنان أن هذا الكيلو ذهب، عيار أربعة و عشرين، لو معك كيلو ذهب و نحن توهَّمنا أنه معدن خسيس أنت الرابح الأول، فخيرُك منك، و شرُّك منك.
هنا حكم شرعي ؛ قال تعالى:

﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾
[سورة الأنفال]
أي إذا استطعت أن تعين إخوانك المضطهدين الذين لم يهاجروا لا مانع قال تعالى:

﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)﴾
[سورة الأنفال]
إلا إذا كانت هناك معاهدة، و من بنود هذه المعاهدة عدم التدخل في شؤون الطرف الثاني، هذا شيء له حكمة، أما الشيء الخطير، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
[سورة الأنفال]
المؤمنون بعضهم أولياء بعض، و لكن يتعاونون على الإيمان، أما هؤلاء يتعاونون على العدوان، و فرقٌ كبير بين تعاون أهل الشرك و الكفر، و بين تعاون أهل الإيمان يتعاونون على الخير على إحقاق الحق، و على نصرة الضعيف، و على إزالة المنكر، و على حلِّ مشكلات الناس، لكن الكفار يتعاونون على شيء آخر، على إطفاء نور الله، على الطعن في الحق، على إضعاف المسلمين، على نهب ثرواتهم، على إبقاءهم في جهل شديد، تجهيل و تجويع و تعذيب، هذا الذي يفعله الكفار، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾
[سورة الأنفال]
أي إذا أنتم ما آويتم و ما نصرتم و ما آمنتم و هاجرتم، و ما آمنتم و جاهدتم، وما كنتم أولياء لبعضكم بعضا، إن لم تحقِّقوا هذا التعاون، و هذا التآلف و هذا التناصر، هذا التبادل و هذا التناصح.

﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾
[سورة الأنفال]
الكافر إذا قوي - و العياذ بالله - يحرق الأخضر و اليابس، يهلك الحرث و النسل لا يبقي و لا يذر، و هذا ترونه بأمِّ عينكم شعوب تموت من الجوع، عشرون مليون رأس غنم يُطلق عليها الرصاص في أستراليا، و تُدفن ليبقى سعرُ اللحم مرتفعا، و شعوب تتمنى لقمة طعام، شعوب تعاني من مجاعات، و عشرون مليون رأس غنم يطلق عليها الرصاص و تُدفن ليبقى السعرُ مرتفعا، كُتل من الزبدة تعادل أهرامات مصر تُلقى في البحر، ليبقى سعر الزبدة مرتفعا السوق المشتركة، و الشعوب جلد على عظم، و الصور ترونها، جلد على عظم فقط، فإذا الكافر استلم زمام الأمور في العالَم، فهو وحش لا يرحم، و يعيش وحده على أنقاض الناس أما المؤمن، سيدنا صلاح الدين فتح القدس كان رحيما، أما لما فُتحت من قِبَل الفرنجة سبعون ألف قتيل ذُبحوا في يومين، حقيقة ثابتة في التاريخ، فلذلك:

﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾
[سورة الأنفال]
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾
[سورة الأنفال]
هذه الآية التالية لها هدف، هدفها أن الذي لا يؤمن و لا يهاجر و لا يجاهد الجهاد الدعوي، جهاد الإنفاق، و لا يؤوي و لا ينصر، هذا ليس مؤمنا، ذكرت أن دائرة كبيرة جدا كل من قال: في الكون خالق دخل في هذه الدائرة، و لكن هذا لا ينجو، ضمن هذه الدائرة الكبيرة جدا دائرة ثانية، كل من دخل الدائرة الثانية، هذا إيمانه منجِّي، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله هو الإيمان المنجِّي، هذا الإيمان يمكن أن ينجِّي صاحبَه من الهلاك، في وسط هذه الدائرة نقطةٌ هي النبوة، فكل إنسان قال: لهذا الكون خالقٌ دخل في الدائرة الكبرى، هذا خاضع للمعالجات و المصائب و الشدائد، أما إذا وصلت إلى الدائرة الثانية إلى دائرة أن إيمانه حمله على طاعة الله الآن صار هناك وضعٌ جديدٌ، هذا وضعٌ مُريحٌ، الدائرة الثالثة دائرة النبوة التي فيها عصمة عن كل خطأ في القول أو في العمل.
الآن هناك ناسٌ ضعاف، لما الناسُ كلهم دخلوا في دين الله أفواجا دخلوا، فيه مغانم الإسلام، كان مغارم فصار مغانم، لما صار مغانم دخل الناسُ في دين الله أفواجا، هذا قانون ثابت، قال تعالى

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)﴾
[سورة الأنفال]
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:28 PM   #6
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 25 - 25 ) : معاملة المشركين ، سورة التوبة الآية 6)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-27
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، و أرنا الحق حقًّا و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الخامس و العشرين من دروس آيات الأحكام، و الآية اليوم من سورة التوبة، و هي قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُحَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)﴾
[سورة التوبة]
أول حقيقة هو أنه من مات و لم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثلة من نفاق، و أعلى أنواع الجهاد الجهاد الدعوي، وهذا متاح لكل مسلم في كل بلاد المسلمين، أعلى جهاد الجهاد الجهاد الدعوي، و هذا متاح لكل مسلم، و لا شكَّ أنكم تعلمون علم اليقين أن الدعوة إلى الله فرضُ عين، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
[سورة يوسف]
و لا شك أنكم تعلمون علم اليقين أن التواصي بالحق أحد أركان النجاة قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
[سورة العصر]
الحقيقة الثانية ؛ هؤلاء الإخوة المؤمنون في المساجد، هؤلاء طرف واحد، كلنا طرف واحد، بطولتنا أن تدخل من الطرف الآخر إلى حيِّز المؤمنين عناصر جديدة، هنا، لا أنسى مرة كنا في أحد المساجد في احتفال بعيد المولد، و قام أحد الخطباء و ألقى كلمة قيِّمة، ثم قام خطيب آخر وعقَّب على الأول فقال: كلُّنا طرف واحد، المهم الطرف الأخر هؤلاء عباد لله شردوا أو غابت عنهم الحقائق، أو وصلهم الإسلامُ مشوَّها، مهمة المسلم أن يوضِّح الحقيقة، و أن يجليَ الأمر و أن يصحِّح الغلط، فلذلك خطورة الدعوة أنها ينبغي أن لا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام، ينبغي أن تتَّجه للطرف الآخر، هؤلاء عباد لله، و اللهث عزوجل حريص على هدايتهم، فإذا خاطبتهم بالعقل إذا كنت صادقا، و إذا كنت واضحا، و إذا كانت معك الحجَّة القوية، ينضمُّ إليك، و توسَّعت دائرة المسلمين، جاء واحد من أمريكا عند الحج و حجَّ بيت الله الحرام، و في أيام منى ألقى محاضرة وصلني بعضُ فقراتها محاضرة رائعة، قال: نحن أقوى قوة في العالم، لكننا بشر، فإذا أقنعتمونا بإسلامكم كنا كنا بجانبكم، و كانت قوتُنا لكم، هذا الطرف الآخر إنسان له عقل، و عنده عاطفة، و عنده فطرة، و عنده متطلَّبات و عنده أساسيات و عنده حاجات أساسية،فإذا وُفِّق المسلمُ لمخاطبته بمنطق سليم و حجة قوية و بدليل ناصع، و كان مخلصا و كان موفَّقا في عمله، هذا الإنسان أصبح مؤمنا، و أصبح منضمًّا إلى صفوف المؤمنين، فلذلك درسنا اليوم هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾
[سورة التوبة]
الآن كيف يستجيرك ؟ يطلب العلم، يريد أن يفهم عن الإسلام شيئا و يريد أن يفهم عن هذا الكتاب شيئا، فكل إنسان يتجفجف و يتقلًّص و ينكمش، لا يحتمل أن يجلس مع إنسان شارد، مع إنسان من الطرف الآخر، هذا ليس فقيها في الدين، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾
[سورة التوبة]
هناك نقطة دقيقة جدا، لمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق، و للإشارة إلى أنه ليس الغرضُ من فرض الجهاد سفكُ الدماء، إنما المهمُّ أن تأخذ بيد هؤلاء إلى الإيمان، هذا هو المطلوب، لذلك الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين، من يمنعك أن تفهم كلام الله ؟ من يمنعك أن تحدَّث أخًا صديقا زائرا زميلا جارا عن هذه الآية من يمنعك أن تتخلَّق بأخلاق الإسلام ؟ من يمنعك أن تكون مخلصا للآخرين ؟ شيء بيدك، فهذه الآية على خلاف ما يفهمها معظمُ الناس أن هذا مشرك، هذا إنسان، انتماءه لإنسانيته أقوى من أيِّ انتماء فأنت إذا أيقظت عقله و تلطفت معه و كنت ليِّنا معه جمعت الحسنيين، يقول الله عزوجل:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة]
من هم الطرف الآخر بالنسبة للمؤمنين ؟ الكفار، المؤمن من الذي يبغض ؟ الكافر على الرغم من هذا الشنآن البغضاء ينبغي أن لا يحملكم بغضُكم للطرف الآخر أن تكونوا عادلين معهم، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة]
إذا كنت مكلَّفا أن تكون منصفا مع مسلم، فأنت مكلَّف أن تكون منصفا مع غير المسلم ألفَ مرة، لأنك إذا أخطأت مع مسلم عزا الخطأ إليك أما إذا أخطأت مع كافر عزا الخطأ إلى دينك، لذلك أنت على ثغرة من ثُغر الإسلام فلا يُؤتين من قِبَلك.
ورد أنه جاء رجل إلى سيدنا عليٍّ كرم الله وجهه، هذا الرجل من المشركين فأتى محمدا صلى الله عليه و سلم بعد انقضاء الأجل لسماع كلام الله، فسيدنا علي سأل النبيَ عليه الصلاة و السلام ماذا نفعل ؟ قال: اقرأ قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة]
يُستنبط من هذه الآية أمور:
أولا: قد يكون هذا المستجير طالبا لسماع القرآن، هناك مسلمون لا يحبِّبون أن تعطي مصحفا لغير المسلمين، لعل هذا المستجير يطلب سماع القرآن، أو يطلب سماعَ أدلة على أحقِّية الإسلام، إما أن يطلب سماعَ القرآن، أو أن يطلب سماعَ أدلة على أحقية الإسلام، و أنا سمعت من شخص أثق بإيمانه أن عشرين ألف بريطاني أعلنوا إسلامهم بسبب قراءة كتاب سلمان رشدي، طبعا لا لأنهم قرأوا الكتاب، بسبب هذا الكتاب، لأنهم وجدوا في الكتاب تزويرا لا يُحتمَل، لا يُعقل أن يكون نبيُّ المسلمين بهذا المستوى، فبحثوا عن مصادر صحيحة لهذا الدين فلما قرأوا أسلموا، و ذكرت لكم كثيرا أن الإنسان أحيانا بمناسبات عديدة يكون عقله منفتحا معه منطق، و معه حجة، و معه دليل، أخلاقه دمثة، هذا عنصر جذب، و مرة ثانية و ثالثة نحن جميعا طرف واحد، بطولتنا أن نقنع الطرف الآخر، بلغني أن طالبا جامعيا متمسِّكا بدينه له أبٌ يؤمن بأنه لا إله، أي ملحد، والده أستاذ جامعي و له زملاء على شاكلته، ففي مناسبة عيد المولد أقام هذا الابنُ حفلا في البيت، و توسَّل إلى أبيه أن يحضر هذا الحفل هو و زملاءه الابن برجاءٍ حارٍّ و الأبُ استجاب لابنه و دعا زملاءه، و هذا الابن دعا عددا من علماء دمشق الكبار، و كلَّفهم بإلقاء بعض الكلمات عن أحقِّية هذا الدين، و عن أحقية هذا القرآن، و الذي حصل أن عددا من هؤلاء استجاب و انضمَّ إلى صف المؤمنين، طبعا دعوة ذكية جدا، و لي قريب جاءه مولودٌ، و اقترحتُ عليه أن يقيم حفلا، بدل ان يأتي هؤلاء ليهنِّئوه، و يقدموا الهدايا و أحاديث في شؤون تافهة، اقترحت عليه أن يقيم حفلا بمناسبة عيد المولد و أن يدعو من يثق بعلمه و يلقي كلمة أقسم بلي بالله، و أنا ألقيت هذه الكلمة أنه في الأسبوع القادم ثلاث من الحاضرين جاءوا من أقصى مكان في دمشق لحضور خطبة الجمعة في النابلسي.
درسنا اليوم هذه مهمته، عليك بالطرف الآخر، الطرف الآخر عبد لله، و اللهُ يحبه و يحرص على إيمانهم، و على توبتهم، فكلما كنت ذكيا، و كلما كنت حصيفا، و كلما كنت أخلاقيا، و كلما كنت واعيا، و كلما كنت واضحا، كلما كانت حجَّتك أقوى استطعت أن تكسب الطرف الآخر.
أنا أذكر أخًا من إخواننا قدَّم إجازة إلى المدير العام لستة أيام، قال له: لا يوجد مجال، عندنا ازدحام عمل، قال له: هذه استهلكتها، قال له: كيف تستهلكها ؟ قال: استهلكتها في صلاة الظهر، يحضر كل يوم ربع ساعة صلاة و درس صغير، فجمَّعهم فكانت ستة أيام فقدم إجازة شُده هذا المدير، أقسم لي بالله - و أن لا أعرفه - في الدرس القادم حضر درس الجمعة، لفت نظره هذا الموظَّف، الموظف ورِع، صلاة الظهر مع ربع ساعة درس جمَّعها فصاروا ستة أيام، قدَّم فيها إجازة فالاستقامة تلفت النظر، و ذكرت لكم سابقا قول النبي عليه الصلاة و السلام: استقيموا يُستقم بكم " الموقف العفيف دعوة، و الموقف الأخلاقي دعوة، و الصدق دعوة، و الأمانة دعوة، هذه دعوة صارخة و لو لم تنبت ببنت شفة.
قال تعالى:

﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة]
بعض العلماء قال: حتى يسمع جميع كلام الله، و قيل: حتى يسمع بعض صور القرآن الكريم، واحد سألك فصار لزاما عليك أن تجيبه.
حينما قال الله عزوجل:

﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾
[سورة التوبة]
يجب أن يكون مطمئنا مرتاحا، هناك من يحاوره بهدوء من دون ضغط هناك من يفهِّمه، و لو طال به الأمدُ، حتى يسمع كلام الله، في رأي حتى يسمع كلام الله كله، يأتي طلاّبٌ أجانب أحيانا يجلسون و يحضرون الدروس، شيء جيِّد جدا، يجب أن تعدَّهم ضيوفا، أن تحترمهم و أن تؤمِّنهم.
يُؤخذ من هذه الآية، هناك استنباط ثالث عند الفقهاء الحنفية أنه إذا دخل دارَ الإسلام رجلٌ مستجير لغرض شرعي، كسماع كلام الله أو دخل بأمان التجارة وجب تأمينه، بحيث يكون محروسا من نفسه و ماله إلى أن يبلغ دارَه التي يأمن فيها، ممكن أن يمكث حتى يسمع كلام الله كله، و يمكن أن يطلب أدلةً على أحقية الدين، و يجب أن يكون آمنا في بلاد المسلمين و لا يخفى عليكم أن هذه البلدة - و الحمد لله - يقصدها طلابق كثيرون من أنحاء العالم، لِما يرون من رعاية طلاب العلم رعاية فائقة، و الحمد لله.
يؤخذ من هذه الآية التي أُدرجت في آيات الأحكام أنه يجوز تأمينُ الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام أحيانا الإنسان يكون في حرب مع المسلمين، يجوز أن يكون غيرَ مقتنع فينضمُّ إلى المسلمين، ليفهم الإسلام، حتى لو كان حربيا يجب أن تكون يقظا معه، لكن لا بدَّ من أن تسمعه كلام الله و أن تؤمِّنه، الآن يُعبَّر عن هذا باللجوء السياسي، في العصر الحديث، و لكن هنا اللجوء ديني، سمعت طُرفة أنه لما قرَّروا إحراقَ البقر في بيرطانيا، إحراق البقر المصاب بالجنون بسبب أنهم أطعموها طحين اللحم طحين لحم الجيف، و طبعا لحم الميتة محرَّم، فلما أطعموه للبقر جُنَّ البقر، و كان هذا الجنون من جنون البشر، سمعت طرفة أنه في بلاد في شرق آسيا يعبدون البقر أعطوا بقر بريطانيا حقَّ اللجوء الديني، لأنهم يعبدون البقر فلا بدَّ من أن يعطوهم حقَّ اللجوء الديني إلى بلاد الهند، لكن هذا الخطأ الكبير في إطعام البقر طحين اللحم سبَّب خسارة ثلاث و ثلاثين مليار جنيه إسترليني و لا بدَّ من إحراق ثلاثة عشر مليون بقرة، و أول إنتاج في بريطانيا إنتاج لحوم البقر، إذًا جوازُ تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، هذا استنباط أول.
الاستنباط الثاني ؛ يجب تعليمُ كل من التمس منا أن نعلِّمه شيئا من أمور الدين إنسان طلب أن يتعلم، لذلك لا يمكن أن يؤخذ على التعليم الديني أجر، لأنه فريضة، إلى أي مكان تذهب لا بد لك من مبلغ يكون في جيبك، إلى طبيب، إلى محامي، إلى مهندس، إلى خبير، إلى مستشار، لكنك تدخل إلى بيوت الله لتأخذ كل أنواع العلوم الدينية بلا مقابل، قال: و يجب على الإمام أن يحفظ هذا المستجير و أن يمنع الناسَ من أن ينالوه بشيء من الأذى، لأن هذا هو المقصود.
الآن ماذا يحصل ؟ يحصل أن شابا يذهب إلى بلد و يأتي بزوجة هناك أهل يرفضون هذه المرأة الأجنبية رفضا كليا، و يسيئون معاملتها هؤلاء ماذا يفعلون، هي امرأة ليست مسلمة، رأت من المسلمين قسوة و رفض، و في بعض الأحيان كانوا يضربونهم ضربا مبرَّحا، لأنها ليست مسلمة، هذا جهل كبير، هذه التي أتت إلى بلاد المسلمين هي تمتحن هؤلاء المسلمين، تنظر ماذا يفعلون معها، فإذا وجدت منهم الرِّقة و العطف، و بالمناسبة سيدنا زيد بن حارثة كان عند النبي عليه الصلاة و السلام، فلما علم أبوه أنه عند النبي جاء و معه مالٌ كثير أبوه و عمه، قيل للنبي الكريم: اطلُب ما تشاء فداءً لهذا الغلام، قال: أنا لا آخذ منكم شيئا خيِّروه، فلما سألوه قال: و اللهِ لا أرضى، أريد أن أبقى عند النبي، عند محمد، لم تكن قد جاءته البعثة بعد، فقال: ويحك يا زيد، أتؤثر هذا الرجل على أبيك و عمك و أمك ؟ قال: لقد رأيت منه ما أنساني أبي و أمي "، هكذا الإيمان، فإذا الواحد مثلا معه زوجة غير مسلمة وجدت لطفا و مودة و احتراما، طبعا تُسلم،الدخولُ في الإسلام ليس صعبا، و لكنه يحتاج إلى أدب و إلى معاملة لطيفة يقولون أن أهل سمرقند بلغهم أن هناك خطأ في فتح بلادهم، فتح البلاد ينبغي أن يتدرج بالخطوات التالية:
أولا: يُعرض عليهم الإسلام، فإن قبلوه فلا حرب، و إن لم يقبلوه تُعرض عليهم الجزية، فإن دفعوها فلا حرب، فإن أبوا أن يدفعوها يُحاربون، يبدو أن سمرقند فُتحت بغير هذا التدرج، حوربت مباشرة و فُتحت، ذهب وفد سرًّا من أهالي سمرقند إلى مركز الخلافة في دمشق لعند سيدنا عمر بن عبد العزيز، أعلموه بالأمر، فأرسل معهم قصاصة ورق إلى قائد الجيش هناك:" اخرُج من سمرقند، و اعرِض عليهم الإسلام، فإن أبوا فاعرض عليهم الجزية فإن أبوا فحاربهم " قصاصة ورق، أيُعقل أن يخرج من جيش من بلدة كبيرة بقصاصة ورق بين مصدِّق و مكذِّب فلما عرضوا عليه هذا الكتاب و أعطى الأوامر لينسحب، فلما رأوهم بهذه الأخلاق قالوا: ابقوا نحن راضون بكم، و اُلغي الموضوع الإسلام فيه قواعد دقيقة صارمة.
قال: يجب على الإمام أن يبلِّغه مأمنه بعد قضاء حاجته، طبعا هذه الآية لها نصٌّ و لها مفهوم، لها معنى دقيق، و لها معنى واسع، المعنى الواسع، أي إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئا يجب أن تعرِّفه، و أن تطمأنه، هناك أخ من يومين أرسل لي صفحة من قصة نادرة، شاب سوري ذهب إلى بريطانيا، استأجر غرفة في بيت، صاحبة هذا البيت يبدو أنها محافظة على دينها، قالت له: يا بني لا أسمح لك أن تشرب الخمرَ و لا أن تأتي بالفتيات لهذا البيت، قال لها: أنا هكذا بالأساس، هو شاب مسلم، فعاش عندها أربع سنوات رأت منه العجب باستقامته و عفَّته، وصدقه و أمانته، حتى أنها أرادت أن تزور أهله في الصيف، فجاءت إلى الشام في الصيف، و أُكرمت إكراما شديدا، وعادت، فلما أنهى دراسته ذهب أخوه إلى بريطانيا فدلَّه على البيت، و لما علمت أنه أخوه رحَّبت به و سكن عندها أربع سنوات أخرى، و انتهت الدراسة و عاد الشابان إلى دمشق، بعد سبع أو ثمان سنوات تأتي رسالة من السفارة البريطانية لهذا البيت، أن هناك أمر هام فقابلونا، ذهبا إلى السفارة، فإذا بهذه المرأة قد وافتها المنيةُ، و قبل أن توافيها أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين، و المبلغ ضخم جدا هذان الشابان اشتريا مزرعة، أعتقد نحو صيدنايا السهل، مزرعة كبيرة مزروعة زيتون و كتبا على مدخل هذه المزرعة: هذه المزرعة انتاجها وقفٌ للمحسنة البريطانية فلانة، و يبدو أن السفارة علمت بذلك فجاء السفير بنفسه و زار هذه المزرعة، كذلك الطرف الثاني فيه وفاء فهذه المزرعة كل إنتاجها يُنفق على روح هذه المحسنة طبعا القضية تحتاج إلى تفصيل و لا حكام شرعية لسنا في صددها الآن و لكن يعنيني من هذه القصة أن شابين مسلمين و لأنهما كانا مستقيمين عفيفين صادقين نشأ تعاون، و أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين، أنا كنتُ في الحج مرة رأيت رجلا هيئته هيئة من أوروبا، سألت عنه فقالوا: إنه ألماني غربي، هذا سبب إسلامه أنه سكن عنده طالب سوري، و عنده فتاة جميلة جدا، حاول صاحب هذا البيت والد هذه الفتاة جاهدا أن يرى هذا الشاب ينظر إلى ابنته، دون جدوى، كان يغضُ بصره، فجلس و حاوره حوارا طويلا فأسلم على يديه، و صار مسلما، إنسان إذا استقام صار داعية، الدعوة سهلة جدا كن صادقا و كن أخلاقيا، عندك بيض عندي، جديد، لا و الله ليس جديدا، عند جاري عنده جديد، من يفعل هذا الآن ؟ كانوا السلف الصالح إذا باع استفتح وجاءه زبون، يقول له: أنا استفتحت، زر جاري، اشتر من عند جاري أنا استفتحت.
أيها الإخوة ؛ هذه الآية:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)﴾
[سورة التوبة]
هنا استنباط ثان، يا تُرى حتى يسمع كلام الله فقط ؟ نسمعه الكلام فقط أم يحتاج هذا الكلام إلى شرح، إلى تبيين، و الحقيقة يمكن أن يسمع كلام الله بمسجِّلة و بشريط، من قارئ و بصوت شجيٍّ، العبرة أن نشرح هذا الكلام، ففضلُ المفسِّر كبير جدا، أنت أمام آية قد تفهمها فهما غير صحيح، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾
[سورة السجدة]
على ظاهر الآية المعنى منفِّرٌ، اللهُ عزوجل قادرٌ أن يهدي الناس جميعا و لكن لم يشأ ذلك، و لو شئنا، والمعنى الدقيق أننا لو شئنا أن نلغي اختياركم، و أن نجبركم على شيء ما لما أجبرناكم إلا على الهدى،أنتم مخيِّرون، تقتضي أمانةُ التكليف أن تكونوا مخيَّرين، معنى الجبر معنى نقيض، و معنًى مزعِج، و معنى يشب اضطراب في العقيدة أما معنى التخيير شيء آخر، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الإنسان]
بالمعنى الظاهري غير العميق أن مشيئة الإنسان مربوطة بمشيئة الله عزوجل، فهذا الإنسان إن لم يشأ الله له الهدى لا يهتدي، هي على ظاهرها تحتاج إلى شرح، لولا أن شاء الله لكم لما شئتم، و مشيئتكم من فضل الله عزوجل، فالمعنى معنى شكر و ليس معنى جبر، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾
[سورة الشمس]
ليس معنى ألهمها، أنه خلق فيها الفجور، لا، فطرها فطرة عالية بحيث إذا فجرت تعلم أنها فجرت، معنى رائع جدا، فأنت بحاجة إلى تأويل هذا الكتاب، و لماذا كان في الكتاب آيات تحتاج إلى تأويل ؟ ليتلقَّى الناسُ العلم عن المعلِّمين، من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال فهو ينتقل من محال إلى محال، و كلمة يسمع كلام الله المقصود حتى يسمع تأويله، و حتى يسمع تفسيره، حتى يسمع توضيحه و تبيينه، فالبطولة في التفسير و في التأويل و الشرح، و في التعليق.
هناك ملاحظة ثانية، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾
[سورة التوبة]
ليس شرطا أن يكون مشركا بالمعنى الضيق للكلمة، أن يعبد بوذا مثلا لا ن الشرط واسع جدا، و له معنى واسع جدا، إنسان معتمد على ماله ينبغي أن تبيِّن له أنه من اعتمد على ماله ضل، وإنسان معتمد على قوته يجب أن تبيِّن له أنه من اعتمد على قوته زلَّ يجب أن تبين له أنه إذا اعتمدت على سوى الله فقد أشركت، حتى لو اعتمدت على ذاكرتك، قد تفقد الذاكرة لا ضمان أبدا، الضمان حفظ الله لك، و الإنسان تحت ألطاف الله عزوجل، و لشدة تعقيد الإنسان، تعقيد خلقه بمعنى إعجاز الله في خلقه، الله عزوجل خلق خلقا معجِزا، جسم الإنسان فيه آيات باهرات، فهذا الخلق المعجز الذي خلقه الله عزوجل يحتاج إلى فهم دقيق فالإنسان فيه عقل، و فيه فطرة، فالشرك أن تعتمد على ما سوى الله، فأنت بيِّن، و الدين كلُّه توحيد، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد و ليس شرطا أن يكون غير مسلم، قد يكون مسلما واقعا في شرك الخفي اعتمد على ماله، واحد قال مرة كلمة، قال: المال يحلُّ كل مشكلة، و الدراهم مراهم، الله بعث له مشكلة لا تُحل بالمال أبدا فالإنسان تحت ألطاف الله عزوجل، و الإنسان شروط معقدة جدا تجعله سليما، إذا اختلَّ شرط واحد، نسب دقيقة جدا، نسب في الدم نسب في الهرمونات، نسبل في الفيتامينات، إذا اختلَّت نسبة تصبح حياته جحيما فالإنسان أحيانا يشرك وهو لا يشعر، فلا بد أن تبيِّن له، و دائما الآيات لها معنى ضيِّق و لها معنى واسع، و أوضح مَثلٍ قولُه تعالى "

﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾
[سورة يوسف]
في قصة سيدنا يوسف، كل شيء يسير فهو سيارة، فالجمل سيارة، و الدابة سيارة والقافلة سيارة فالمعنى الضيق هذه المركبة المبنية على محرك انفجاري، وقود سائل أما السيارة بالمعنى الواسع فهو كل شيء يسير، هذا معنى الشرك هنا قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾
[سورة التوبة]
إنسان خائف من جهة قوية، أو معتمد على قوته أو معتمد على ماله معتمد على ما سوى الله عزوجل، هذا مشرك، يجب أن تبيِّن له، بهذا التوسيع للآية صار كلُّ إنسان عنده ضعف في الإيمان، و عنده إشراك سأل بيِّن، أنت مكلَّف أن تصبر لا عليه، هناك كثير من الدعاة ضيِّقو الخلق فإذا سألته سؤالا: من خلق الله ؟ يكفِّرك و يخرجك، هو سؤال طُرح عليك لا بد له من جواب، فكل إنسان يضيق ذرعا بسؤال قد يجده محرِجا، هذا ليس عالما، لا بد من أن يتَّسع صدرُه لأيِّ سؤال.
قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)﴾
[سورة التوبة]
الإنسان ليس عارا أن لا يعلم و لكن العار أن يبقى جاهلا، ليس عارا أن يجهل، و لكن العار أن يبقى جاهلا، و ليس العار أن يخطأ، و لكن العار أن يبقى مخطئا، و الإنسان يتنامى، و أما الشرك بالله عزوجل فهو على العلل، لو قرأت القرآن كله تجد كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم، قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[سورة التوبة]
القرآن كله ملخَّصه، قال تعالى:

﴿ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[سورة الكهف]
و قال تعالى

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
هذه فحوى دعوة الأنبياء جميعا، لذلك الإيمان بالله فقط قد لا ينجي، إبليس قال:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾
[سورة ص]
أما الإيمان بال إله إلا الله، و الدليل قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
[سورة محمد]
ما قال: فقل، أما قول النبي عليه الصلاة و السلام في بعض الأحاديث: من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله " الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله ليس إيمانا منجِّيا، و لا قيمة له و لا يُعبأ به، قال تعالى

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
أما كلمة " إنْ " قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾
[سورة التوبة]
إن تفيد احتمال الوقوع، أي هذا المشرك قد يأتي و قد لا يأتي، لو استخدمنا إذا، قال تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
[سورة النصر]
إذا تفيد تحقُّق الوقوع، بينما تفيد احتمال الوقوع، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
[سورة الحجرات]
إن جاءكم، يأتيكم أو لا يأتيكم، قال تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾
[سورة النصر]
لا بد من أن يأتي نصر الله، لأن إذا تفيد تحقق الوقوع، هنا " قال تعالى:

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾
[سورة التوبة]
أجره، أمر، و لك أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هنا الاستجارة قد تكون علمية، هنا يسأل السائل، العالم أمانة علمه أن يبيِّن للناس، و لا يكتم علمه عن أحد فكل إنسان طلب منك الإجابة عن سؤال يجب أن تجيب، و هذه أمانة العلم، و العالم الذي لا يجيب أو يترفَّع عن الإجابة خان أمانة العلم،

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة]
يسمعه مقروءا قراءة صحيحة، و يسمعه مفسَّرا، أقوى من ذلك حتى يراه مطبَّقا.
الآن هناك مشكلة، الطرف الآخر لا يصدِّقون أيَّ فكر ما لم يروا واقعا يطبِّق هذا الفكر، لا يصدِّقون أيَّ فكر ما لم يروا واقعا يطبِّق هذا الفكر، إنسان مثلا أتى بنظرية في البناء نادرة، بناء بلا حديد،كلام على ورق مكتوب، فلا بد من أن يبني بناء وفق هذه النظرية، فإن نجح البناءُ نجحت النظرية، هذا كلام دقيق، أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في مجتمع و إن لم يقطف المجتمعُ ثمارها هذه الدعوة لا تنجح لذلك الطرف الآخر عنده حجة قوية، أنه أروني مجتمعا طُبِّق فيه الإسلام، و حُلَّت كلّ مشكلاته، بالعكس المجتمعات الإسلامية فيها مشكلات كثيرة جدا، بسبب وجود تخلُّفيْن في هذه المجتمعات، تخلف عن روح العصر، و تخلُّف عن قواعد الدين،تخلف ديني و حضاري بآنٍ واحد، فالأمور غير واضحة، متشابكة فلذلك قال تعالى:

﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة]
حتى يسمعه و يفهمه و يتدبَّره و حتى يراه مطبَّقا، أحيانا موقف خطأ يلغي ألف محاضرة، و الدليل واضح، إنسان ألقى على ابنه عشرات المحاضرات في الصدق، لو طُرق الباب، و قال: بابا، فلان فقال له: قل له ليس هنا، هذه تهدم ألف محاضرة، ألف محاضرة تُهدَم بهذه الكلمة، الموقف العملي أبلغ من الموقف النظري، لذلك يتعلَّمون بعيونهم، لا بآذانهم.
إخواننا الكرام ؛ هناك مشكلة في هذا المسجد مشكلة الإذاعة، أخٌ كريم جزاه الله خيرا جاءني من طرف المسجد و قال لي لم نسمع شيئا و الأخوات المؤمنات في السُّدة لا يسمعن شيئا، و مرة جلس إمام المسجد هنا و قال لي: لم أسمع شيئا، و الأجهزة مكلفة تسعون ألف و خطيب المسجد قال: هل تسمعون حتى ندفع الأموال، فقالوا: سمعنا، دفعوا المال، فالأجهزة غير صحيحة، فلا بدَّ أن ننتقل إلى جامع النابلسي لأسبوعين فقط، ريثما تتم إصلاحها، و كثير من الإخوة تركوا الدرس لأنه لا يسمع شيئا، ما استفدنا شيئا، و مبالغ مدفوعة كبيرة جدا على هذه الأجهزة، و غير صحيحة، غشٌّ حتى في المساجد، فإن شاء الله نحن نقيم الدرس القادم في النابلسي، أسبوعان فقط ريثما نعطي الإخوة الكرام فرصة لتصليح الأجهزة، و أنا سمعت الشكوى منذ شهر، الغمام جلس هنا و قال لي: لم أسمع شيئا، و إخواننا هناك لم يسمعوا شيئا و فوق السدة لم يسمعوا شيئا، غير معقول، الإنسان إذا لم يسمع لا يتمُّ الدرس، لا داعي، أنا ألاحظ انصرافا عن الدرس، السبب هو الصوت و بذلنا محاولات، و ما نجحت الآن، إن شاء الله في هذين الأسبوعين تصلح، فإذًا درسنا القادم لأسبوعين فقط إن شاء الله، و سيكون إعلان في جامع النابلسي، درس الإثنين في جامع النابلسي لمدة أسبوعين أو ثلاثة ريثما تُصلَّح الأجهزة هنا تصليحا جيدا.


والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:29 PM   #7
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 16 - 25 ) : آية الرضاع ، الآية 223 سورة البقرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-12-15
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون: مع الدرس السادس عشر من آيات الأحكام والآية اليوم آية الرضاع قال الله تعالى:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)﴾

( سورة البقرة)
الوالدات جمع والدة، والوالدون جمع والد، لكن التي تلد هي المرأة، فلم سمي زوجها والداً ؟ قال بعض العلماء: روعي في إطلاق كلمة والد على الأب أنه وزوجته أصلٌ في إنجاب المولود، فالوالدان الأب والأم، هذا اسمه في اللغة التغليب، الشمسان الشمس، والقمر القمران الشمس، والقمر، الأسودان التمر، واللبن، في اللغة العربية طريقة اسمها التغليب، لو دخل تسع وتسعين إمرأة ورجل نقول: دخل الطلاب، تسع وتسعين طالب وطالبة، فالوالدان يعني الوالد والوالدة، أي الرجل والمرأة، الأب والأم،
﴿والوالدات يرضعن أبنائهن حولين كاملين﴾
الحولين السنتين، من حال الشيء إذ انقلب، والحول كما قال الراغب في كتابه: (كلمات القرآن):السنة اعتبارها بانقلابها، ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها، إن أرادا فصالاً أي فطاماً، عن تشاور عن استشارة واتفاق، أن تسترضعوا أن تطلبوا الإرضاع، أيها الإخوة: في هذه الآيات لطائف بلاغية، وأحكام فقهية، فاللطيفة البلاغية الأولى: أن الله سبحانه وتعالى يقول
﴿الوالدات يرضعنّ أولادهنّ﴾
هذه صياغة خبرية لكن هذه الصياغة تفيد الأمر، يعني يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن قال العلماء: إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً،يعني شأن الوالدة:أنها ترضع وليدها، ولا تسمى الوالدة والدة إن استنكفت عن إرضاع ولدها، فهذا أمر جاء على صيغة الخبر،
﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾
أي يأيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، هذه الآية يشبهها ومن دخله كان آمناً، تعني يا أيها المؤمنون اجعلوه آمناً أمراً تكليفياً وليس أمراً تكوينياً، هناك آية ثالثة مشابهة:

﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾
(سورة النور)
أي اجعلوا الطيبين للطيبات، واجعلوا الطيبات للطيبين، هذا أمر تكليفي وليس أمر تكويني، لو أنك فهمت الآية على أنها أمر تكويني لوجدت زوجاً صالحاً عنده زوجة شريرة،فإذا كان الأمر تكويني فهذا الشيء مستحيل أن يكون، لو أن الأمر تكويني كيف تنشأ فتنة في بيت الله الحرام وتنشأ ضحيتها مئات الألوف قبل عدة أعوام ؟ ومن دخله كان آمناً ! أي اجعلوه آمناً واحرصوا أن يكون الطيبات للطيبين، والوالدات يرضعن أولادهن، أي أرضعن أولادكم هذه نماذج، الطيبون للطيبات ومن دخله كان آمناً والوالدات يرضعن أولادهن، الصياغة خبرية، أي أمر تكويني، أما الحقيقة الأمر إنشائي، أمر تكليفي، أرضعن أولادكن وينبغي أن يكون الطيبون للطيبات واحرصوا على أن يكون بيت الله الحرام آمناً، هذا هو المعنى.
اللطيفة الثانية في هذه الآية: قال تعالى:

﴿وعلى المولود له﴾
لو أن الله عزوجل قال
﴿على الوالد مثل ذلك وعلى الوالد رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾
لما قال الله عزوجل وعلى المولود له ؟ المرأة هي التي تنجب هي التي تلد ولكن الولد ينسب لأبيه، استنباطاً من قوله تعالى ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ الشيء الكامل في الرضاعة هي أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين، لكن للتأكيد على أن يبقى على ثدي أمه حولين كاملين: جاءت كلمة كاملين هذا من باب التأكيد، بالمناسبة أخ كريم أمضى في أميركا ثلاثين عاماً وهو يحمل أعلى شهادة في الطب قرأ دراسة جادة، عميقة، دقيقة، حول حليب الأم ووجد أن حليب الأم له أثر كبير وخطير في نمو الدماغ وفي القدرات العقلية، وقد أجريت روائج للذكاء في أكثر شعوب العالم فكانت دولة من دول المحيط الهادي إحدى جزر الباسفيك نتائج امتحان أطفالها كان في المقام الأول، وأميركا كان ترتيبها في الدرجة السابعة عشرة من حيث ذكاء الأطفال، الشيء الذي لا يصدق أن هذه الجزيرة ليس فيها إرضاع صناعي إطلاقاً الأطفال جميعاً يرضعون من أثداء أمهاتهم، الآن حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل المقام لا يسمح بالتفاصيل لكن بعض اللقطات: حليب الأم يتبدل في أثناء الرضعة الواحدة، وهذا فوق طاقة البشر لو فحصنا نسب الدسم إلى الماء في أول الرضاع أي المصة الأولى وحللنا نسب الدسم إلى الماء مع المقارنة بالمصة الأخيرة لوجدنا اختلاف عشرين بالمائة تقريباً ماء ودسم، عشرين بالمائة الماء يزيد عن الدسم في نهاية الرضعة عشرين بالمائة الدسم يزيد عن الماء هل بإمكان إنسان مهما علا شأنه ومهما دق علمه ومهما تملك من أدوات التحليل أن يغير تركيب الحليب في أثناء الرضعة الواحدة ؟ حليب الأم فيه مناعة الأم، فكل ما في دمها من مناعات ومن طاقات ينتقل إلى وليدها حليب الأم يهضم في غضون أقل من ساعة بينما حليب القوارير يحتاج إلى ثلاث ساعات، حليب الأم يؤخذ معقماً، ولا يحتاج للتعقيم، ويكون بارد في الصيف ودافىء في الشتاء، جاهزية قسوة، حليب الأم فيه مواد تمنع التصاق الجراثيم على الأمعاء، حليب الأم في أوله فيه مادة مذيبة الطفل الصغير بعد ولادته لئلا تلتصق الأمعاء بعضها ببعض هناك مادة شحمية سوداء تملأ الأمعاء أثناء الولادة، ففي أكثر من عشرين ساعة ثدي الأم يفرز مادة صمغية تذيب الشحم الأسود من أجل أن يكون الطريق سالكاً هذا كله كم تقدير الله عز وجل، جميع معامل حليب الأطفال في العالم ملزمة أن تكتب على عبواتها لاشيء يعادل حليب الأم، مهما رأيت في الأسواق من علب حليب للأطفال ومهما قرأت على لصاقاتها من نسب ومقادير وتعليلات ومن توافقات لا شيء يعدل حليب الأم، وأحد أسباب سرطان الثدي عند النساء امتناع المرأة عن الإرضاع، حليب الأم شيء لا يصدق من مكوناته وخصائصه وتعقيمه وجاهزيته وحرارته ومناعة الأم ومضادات الجراثيم الذي يحويها وأكثر الأولاد الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً يصابون بإنتانات معوية وهو من أكثر أمراض الأطفال الإنتانات المعوية فلذلك المؤمن يطبق منهج الله عزوجل، ولاسيما في هذا التصميم الرائع أن الطفل يجب أن يرضع من ثدي أمه،
﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾
كثيرات جداً النساء اللواتي من أجل الحفاظ على شبابهن يمتنعن عن إرضاع أولادهن هؤلاء النسوة معرضات أكثر من غيرهن إلى سرطان الثدي كأنه عقاب لأنها إمتنعت عن تغذية طفلها بحليبها، بالمناسبة هذا الحليب حساس جداً فالهزات النفسية والشدة النفسية التي تصيب الأم قد تفقدها حليبها، لذلك الزوج الشاب إذا أنجبت له زوجته ينبغي أن يحيطها بكل رعاية وبكل عناية واسترخاء حفاظاً على هذا الحليب الذي لا يقدر بثمن، والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة
اللطيفة الثالثة:

﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ﴾
أحياناً إذا حصل فراق بين الزوجين ويوجد طفل رضيع المرأة المطلقة تمتنع عن إرضاع ابنها كيداً لزوجها والزوج أحياناً يأخذ ابن امرأته المطلقة من بين يديها ليؤلمها، فهذا لا يجوز.
﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾
أحياناً
تطلق المرأة ويأتيها خاطب جديد والخاطب لا بقبل الولد فينبغي على الزوج المطلق ألا يؤذي زوجته التي خطبت وتزوجت بإلزامها أن ترضع هذا الولد، وإذا تعلقت به تعلقاً شديداً لا ينبغي للزوج أن يحرمها منه وإذا أرادت أن تغيظ زوجها بأن تدع له هذا الطفل الرضيع وليس في إمكانه أن يرضعه فقد عصت ربها، إنها آية دقيقة.
فالعداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء لكن قبل أن تطلق عد للمليون، بالحقيقة الطلاق أبغض الحلال إلى الله لأنه كسر المرأة طلاقها، كيف أن عقد الزواج أقدس عقد، أما الفصل بين الزوجين له آثار سلبية جداً على الأولاد، فالابن يتمزق،هذه أمه وهذا أبيه فإذا انحاز إلى أمه غضب أبوه وبالعكس، فالمعلمون يعرفون هذه الحقيقة تجد طفل غير متوازن شرس عنيف مهمل مقصر، لو بحثت في أمره لوجدت أمه مطلقة فاقد الحنان فاقد الركن الركين فتربية الأولاد مسؤولية كبيرة، وأتمنى من كل زوجين إن أنجبا ولداً واحداً أن يضعا حظوظهما تحت أقدامهما من أجل أولادهما الأب الراقي الذي يرجو الله والدار الآخرة لو حصل مشكلة مع زوجته مادام هناك أولاد فمن الجريمة أن تحقق مصالحك على حساب أولادك، إمرأة كانت أو رجلاً قال بعض العلماء: إضافة الولد إلى كل منهما

﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾
هذا الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم، قال: ليستعطف قلبهما، فهذا الطفل طفلكما أنتما الاثنين، فلا ينبغي من أجل عداوة بينكما أن تسحقاه، واللطيفة الخامسة: في قوله تعالى:
﴿إن تسترضعوا أولادكم﴾
التفات من الغيبة إلى الخطاب، كلكم يعلم أن في اللغة ثلاثة أساليب: أسلوب الغائب والمتكلم والمخاطب، القرآن الكريم فيه أسلوب اسمه الإلتفات الحديث والوالدات غائب، يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف كل هذا الكلام غائب فجأة وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم أصبح الكلام خطاب الإلتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاط،أصبح الكلام على أسلوب الغائب فجأة على أسلوب المخاطب، الأحكام الشرعية: من هم هؤلاء الوالدات اللواتي ينبغي أن يرضعن أولادهن حولين كاملين ؟ هما النساء المطلقات أم الزوجات؟العلماء قالوا: هن المطلقات ودليل هؤلاء بأن النفقة واجبة على الزوج المطلق وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فهذه النفقة الواجبة تكون عند الطلاق أما في أثناء بيت الزوجية من الطبيعي أن ينفق على زوجته وهي ترضع ابنها، فسياق الآيات رأى بعض العلماء أنها تعني المطلقات، وقال بعضهم: إنها تعني الزوجات والدليل أن المرأة التي ترضع ابنها بعد طلاقها ليس على زوجها الكسوة لها عليه النفقة فقط فالكسوة تعني أنها عنده أما الرأي الثالث وهو الأرجح أن المراد بالوالدات العموم جميع الوالدات سواءً كن متزوجات مع أزواجهن أو مطلقات فأية أم لها طفل في سن الرضاع، زوجة كانت أو مطلقة عليها أن ترضع ابنها، الآن قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها، قال بعض العلماء: أنه على الأم إرضاع ولدها لظاهر قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن فهو أمر في سورة الخبر هذا مذهب مالك، الرضاع واجب على الأم في حال الزوجية وهو حق عليها أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها،سيدنا موسى قال: وحرمنا عليه المراضع قال العلماء: تحريم منع لا تحريم تكليف، منأجل أن يعيد أمه إليه حرم عليه كل المراضع وجاءت أخته تراقبه عن بعد وقد أشارت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينه ولا تحزن لذلك قالوا: هناك أمران ونهيان وبشارتان وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعي، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، أمران، ولا تخافي ولا تحزني، نهيان، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، بشارتان، قال: المرأة إذا كانت عند زوجها يجب عليها في المذهب المالكي أن ترضع ولدها، ويوجد حالة ثانية: إذا لم يقبل الصبي ثدي غير أمه يجب على أمه أن ترضعه وجوباً، ولو كانت مطلقة أو إذا فقد الأب، أما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها والرضاع على الزوج، امرأة طلقت طلاقاً باتاً بينونة كبرى ليس عليها وجوباً الإرضاع أما جوازاً يجوز أن ترضع، فعليه أن يستأجر مرضعة اسمها ظئر إلا أن تشاء هي إرضاعه فهي أحق بذلك، وها أجرة المثل، بمذهب الإمام مالك: يجب على الأم إرضاع ولدها إن كانت عند الأب أو امتنع ابنها عن التقام أي ثدي آخر، أو كان الأب مفقوداً، أما إذا طلقت المرأة طلاقاً بائناً ليس عليها الإرضاع وجوباً ولكن على الزوج أن يؤمن مرضعة، فإن طلبت الأم أن ترضع ابنها فهي أولى به ولكن لها نفقة وأجر المثل.أما جمهور الفقهاء: فقد ذهبوا إلى أن هذا الأمر أمر ندب كقوله تعالى: ﴿وأنكِحوا الأيام منكم والصالحين من عبادكم وإيمائكم﴾ فعل أمر، وكلكم يعلم أن هناك أمر وجوب، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة،هناك أمر ندب أنكحوا الأيامى منكم وهناك أمر تهديد من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وفي أمر إباحة وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأسود من الخيط الأبيض من الفجر الجمهور قال: هذا أمر ندب،الدليل عند الجمهور أن الله عزوجل قال:
﴿وإن تعاثرتم فسترضع له أخرى﴾
.الله عزوجل ألم يكن يعلم أنه سيكون حليب مجفف للأطفال وقوارير خاصة ؟ لما هذه الآيات مادام العالم كله يرضع إرضاع صناعي،فلم هذه الأحكام ؟هنا الاستنباط الخطير لا يجوز أن يرضع الطفل إلا من ثدي أمه أو إمرأة أخرى لئن البوم شاسع جداً بين حليب الأم أو المرضعة وبين القوارير،فحليب البقر فيه مواد بروتينية خمس أمثال ما يحتمل جهاز الطفل الهضمي، لذلك هناك آفات قلبية ووعائية، تنشأ مع هذا الطفل حينما يكبر بسبب الإرضاع الصناعي، فالله عزوجل يعلم السر وأخفاه وما سيكون الآن العالم كله حليب قوارير وخفيفة الوزن ومعقمة وكل شيء جاهز، لم يقول الله عزوجل
﴿وإن تعاثرتم فسترضع له أخرى﴾
معنى ذلك في أي وقت لابد أن يرضع الابن من إمرأة، أمه أو مرضعة، الآن موضوع الإرضاع يحرم كما يحرم النسب أي نسب يحرم؟قال:الجمهور أن الرضاع التي يتعلق به حكم التحريم ويجري به مجرى النسب بقوله عليه الصلاة والسلام:
((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب هو ما كان في الحولين))
فأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به لا يتمى بعد الاحتلام رجل عمره ثمانون عاماً يقول: أنا يتيم، اليتيم من كان دون الحلم، وأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به الإرضاع الذي يحرم والذي يجري مجرى النسب والذي ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب،هو ما كان في الحولين))
وتستدل بقوله عزوجل:
﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾
واستدلوا أيضاً بما روي عن أبن عباس رضي الله عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لإرضاع إلا ما كان في الحولين))
أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى أن مدة الرضاع المحرم سنتان ونصف، بقول الله عزوجل:
﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾
الحكم الرابع:كيف تقدر نفقة المرضع ؟ ملاحظة الصفات الخاصة بالنساء لا تذكر بل تؤنث، تقول: إمرأة طالق وامرأة مرضع وإمرأة ثيب وإمرأة بكر وإمرأة حائض، كلها صفات مذكرة، لأن التأنيث والتذكير نحتاجه إذا كان هناك صفة يشترك بها النساء والرجال نقول: عامل وعاملة، معلم ومعلمة....أما إمرأة طالق لا يوجد رجل مطلق، امرأة حائض ثيب، بكر،...إلا أن هناك لفتة بلاغية: لو قلت: إمرأة حاملة، أو قلت: إمرأة حامل،هل بينهما فرق ؟ أيهما أصح ؟ إذا قلنا حاملة على ظهرها، أما حامل في بطنها، فالحمل على الظهر قاسم مشترك بين الذكور والإناث، وهذا يسهل التفريق، إمرأة مرضعة، وإمرأة مرضع، يوجد كلمة مرضعة
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم،يوم﴾
ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت،وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى لكن عذاب الله شديد﴾ المرأة المرضعة هي إمرأة تضع ولدها على صدرها، لأن الرجل أيضاً بإمكانه أن يضع طفلاً على صدره، أما المرأة المرضع: هي المرأة التي في طور الإرضاع،قد تكون هي في الشام وابنها في بيروت، بعد قليل تسافر إلى بيروت كي ترضعه، وهي في الشام اسمها إمرأة مرضع، هي في طور الإرضاع، أما إذا وضعت ابنها على صدرها صارت مرضعاً ومرضعةً، فالآية الكريمة: "يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وابنها على صدرها وهي في طور الإرضاع تلقيه من شدة الخوف، والله سمعت عن أسرة من بعض البلاد وقع زلزال ومن شدة الخوف حملت الكيس فيه أحذية مكان ابنها، وخرجت مسرعة وكل ظنها أنه ابنها، هذه القصة ذكرتني بهذه الآية ولما أصبحت في عرض الطريق تذكرت أن ابنها في البيت "يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى لكن عذاب الله شديد" قال: النفقة تكون على قدرة حال الأب، من السعة والضيق لقوله تعالى: "لا تكلف نفس إلا وسعها "وقد دل على هذا أيضاً قوله تعالى:

﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ﴾
والنفقة على الأب وجوباً، لقوله تعالى:
﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾
ملخص الأحكام: أن الأم أحق بإرضاع ولدها في الحولين، وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه،والحكم الثاني: أن الذي يلزم الأب في فترة الرضاع إنما هو عامان، وعلى الوارث مثل ذلك: تفسيرات كثيرة أوجهها: أن الذي يرث هذا الطفل هو المكلف بالإنفاق عليه، لقاعدة أصولية
﴿الغرم بالغنم﴾
أحياناً طفل يولد قد يرث ملايين، فإذا مات بعد ساعة تنتقل هذه الملايين إلى ورثته، إخوته الكبار أحياناً أو أمه أو أبوه، وعلى الوارث مثل ذلك، الغرم بالغنم، الذي يرث هذا الغلام هو مكلف في إرضاعه، بعضهم قال: المراد بالوارث هو وارث الأب، وبعضهم قال: المراد بالوارث هو الباقي، من والي الولد بعد وفاة الآخر أقرباء الأم أو أقرباء الأب، هؤلاء هم الورثة، أما أرجح الأقوال: وارث الطفل هو المكلف على إرضاعه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضح لديكم أن الله عزوجل لا يغيب عنه شيء حينما قال:
﴿وإن تعاثرتم فسترضعوا له﴾
أخرى "فلابد بمنهج الله وبعلم الله ولسلامة الطفل ولسلامة الأم من أن ترضعه إمرأة، أماً كانت أو مرضعة أما الإرضاع الذي يفعله معظم الناس اليوم هذا له مضاعفات، والذي قرأته بمصادر موثوقة أنه يسبب آفات وعائية قلبية في المستقبل ويضعف القدرات العقلية، حدثني طبيب أن جزيرة في بريطانية ولنفرض فيها خمسة ألاف فحص أهل الجزيرة واحداً واحداً من حيث الضغط فكان الجميع بخير السبب هؤلاء لا يأكلون الملح والإنسان يأخذ حاجته من الملح من التفاحة إذا أراد الجسم يأخذ حاجته من الملح من أي شيء يأكله، أكثر الأغذية فيها كلور الصوديوم، أما استعمال الملح بشكل كثيف هذه عادة غذائية سيئة وكلما تقدم العلم تجده يقترب من المنهج الإلهي ومن أصل الفطرة هو أكمل الكمال، أن تكون وفق الفطرة، فهذا درس للشباب إذا تزوجتم إن شاء الله لا تفكر إطلاقاً إلا بالإرضاع الطبيعي، وهيىء للزوجة الجو المريح والحالة النفسية المريحة لأن هناك انعكاسات سلبية على المرضع ، هذه بعض الحكم من ذلك. حينما كنا في الجامعة حدثنا أستاذ الصحة النفسية قال: هناك تجارب أجريت لو أن أُماً أرضعت ولدها بقسوة، هناك تجارب تحتاج بعض الوقت فبعد 12عشرين عاماً يتابعوها بحث بجامعة فالطلاب يتابعون البحث لمدة ثلاث أعوام في فريق عمل آخر يتابعه لبعد سنوات محددة ففي تجارب أجريت على أطفال أرضعوا بعنف، وأطفال أرضعوا برقة وحنان،فكان هذا واضح في سلوكهم المستقبلي،الطفل العنيف مربى تربية قاسية ومحروم من الرحمة والعطف من قلب كبير،لذلك حتى الإرضاع الأم ترضع ابنها، بين أن ترضعه بحنان وبترميم وبرحمة وتضمه وتقبله كثيراً، والآن من أغرب ما قرأت كتاب يبحث في علم نفس الجنين: أن الأم إذا كانت نادمة على هذا الحمل يعذبها الطفل في بطنها كثيراً، وأن الأم المدخنة يتأثر جنينها كثيراً بالدخان، وقد نسيت من هذا الكتاب ما قرأته لكن يوجد به شيء عجيب: بل إن الأم التي تقرأ القرآن يسكن جنينها، فالتربية تبدأ والطفل في بطن أمه، إذا وجد الفرح بهذا المولود هذا ينعكس عليه تراه حملاً خفيفاً الله عزوجل قال: وحملت حملاً خفيفاً ويوجد حمل ثقيل جداً ومتعب لا تنام أمه الليل، إذا كانت كارهة لهذا المولود هذا الجنين يتعبها كثيراً، فعندما نستقبل المولود كأنه هدية من الله عزوجل الأم والأب سعيدين هذا يهيئ جو نفسي للمولود وهو في بطن أمه،الصلاة والتلاوة تنعكسان على الجنين الدخان والشدة النفسية تنعكس على الجنين، وهناك أبحاث كثيرة جداً لا أذكرها كلها، أنا قرأت عن طفل ليس له دماغ دماغه سائل، أي الإدراك معدوم تماماً عاش شهر أو شهرين يبكي بكاء مراً فإذا دخلت أمه عليه سكت، هذا الطفل لا درك ما حوله فكيف لا نعرف ‍؟أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحقيق الفطرة، فالإنسان أحياناً يطبق منهج الله عزوجل ينعكس هذا على أسرته سعادة وتوفيق وطمأنينة.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارضى عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:30 PM   #8
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 17 - 25 ): الحج - سورة آل عمران 96 - 97
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-03-09
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس السابع عشر من آيات الأحكام، وآية اليوم آية الحج وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾
( سورة آل عمران )
أيها الإخوة الكرام... بين يدي هذه الآية الحج رحلةٌ إلى الله، الله جل جلاله في كل مكان وفي كل زمان، ولكن شاءت حكمته أن يتخذ في الأرض بيتاً، ليكون الذي يأتيه معبراً عن أن تلبية دعوة الله لزيارة بيته، أغلى عنده من بيته وأولاده وعمله وماله.
لأن الحج أيها الإخوة عبادةٌ متميزة فيها تفرغٌ وتفريغ، تؤدي الصلاة وأنت في بلدك تصوم وأنت في بلدك، تؤدي الزكاة وأنت في بلدك، إلا الحج فلا يؤدى إلا في مكانٍ مخصوص وفي وقتٍ مخصوص، لابد من أن تترك بيتك، وزوجتك، وأولادك، وعملك، وكل المظاهر الدنيوية التي تحيط نفسك بها، لابد من أن تخلع كل الأقنعة التي تشوه الإنسان.
فالحج أيها الإخوة في العمق من أرقى العبادات، بل هو عبادة العمر، الصلاة شحنة روحية تشحن بها في اليوم خمس مرات، وكأن هذه الشحنة تكفيك للفرض الثاني، ولكن صلاة الجمعة شحنةٌ أسبوعية، وكأن هذه الشحنة الروحية تكفيك في الأسبوع القادم، ورمضان شحنةٌ سنوية، وكأن هذه الشحنة تكفيك لرمضان القادم، لكن عبادة العمر، الشحنة التي ينبغي أن تؤدى في العمر مرة واحدة، والتي يمكن أن تلقي الله بها، هي شحنة الحج.
الإنسان أيها الإخوة ينمو، ينمو في جسمه، ينمو في ماله، ينمو في علمه، ينمو في أتباعه، ينمو في مكانته، هذا النمو يزداد ويزداد إلى أن يأتي ملك الموت لينتزع منه كل شيءٍ حصَّله في ثانية واحدة، فلا زوجة ولا ولد، ولا عمل ولا مال، ولا مكانة ولا مُتَع إنما هي مساحةٌ ضيقة يحشر فيها الإنسان عند موته، فهذه هي الرحلة الأخيرة، وسيشيع إلى مثواه الأخير، بيوتنا مثوىً موقَّت، لابد من يومٍ جميعاً نخرج من البيت بشكلٍ أفقي ولا نعود، مغادرة بلا عودة، هذه الرحلة الأخيرة جعل الله الحج رحلةً قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة.
انظر إلى حجاج بيت الله الحرام، مهما علا شأنك، مهما كثر مالك، لابد من إزارٍ ورداء ترتديهما، ولابد من أن تطوف مع عامة المسلمين، فليست هناك مرتبة أبداً، ممكن تحجز أكبر فندق، ممكن تكلفك الحجة خمسمئة ألف، ولكن لابد من أن تطوف حول الكعبة مع عامة المسلمين، ولا بد من أن تقف في عرفات، ولابد من أن تعاني الازدحام، ولابد من أن تخلع عنك كل أقنعة الدنيا.
الإنسان في الدنيا يرتدي ثياب تتناسب مع مكانته، ومع أذواقه، ومع دخله، فالثياب جزء من الدنيا، والإنسان أحياناً يتعطَّر، ويغتسل، ويقلِّم، ويحلق، هذا نعيم الدنيا، ولكنك في الحج لا تستطيع لا أن تتعطر، ولا أن تقلِّم، ولا أن تحلق، ولا أن ترتدي بدلةً أنيقةً، بل إنك إن حججت بيت الله الحرام وارتديت ثياب الإحرام عرفت نعمة الثياب المخيطة، عرفت ما معنى أنك ترتدي ثوباً مخيطاً محيطاً، لا مخيط ولا محيط في الحج، إذاً أراد الله عز وجل أن تنزع عنك الأقنعة التي تشوِّه حقيقة الإنسان ورسالته في الحياة، رحلةٌ قبل الأخيرة.
شيءٌ آخر ـ سبحان الله ـ هل في الأرض إنسان يدعوك إلى بيته دون أن يعطيك شيئاً، دون أن يقدِّم لك شيئاً، إلهٌ عظيم يدعوك إلى زيارة بيته في مكة المكرمة، فالعطاء يتناسب مع الداعي، إذا دعاك ملك لتناول طعام الغداء، ماذا ستأكل ؟ فلافل ؟ مستحيل، لابد من أن تأكل أثمن الطعام، وأطيب الطعام، إذا قدم لك ملكٌ هدية، ماذا يقدم لك ؟ قلم رصاص أم بيت ؟ فهو بيت الله في بلدك..

(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر))
ورد في الأحاديث القدسية أن:

(( إن عبدا أصححت له جسمه ووسعت عليه في رزقه لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم ))
( من كنز العمال: عن " أبي هريرة " )
لذلك..

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾
( سورة البقرة: من آية " 125 " )
معنى مثابةً ؟ مثابة مصدر ميمي من ثاب، ثاب بمعنى رجع، وشاءت حكمة الله البالغة أن يكون هذا البيت في منطقة حارة، وفي منطقة لا نبات فيها، الجمال هناك صفر صحراء، جبال سوداء، جو حار، ازدحام لا يحتمل، ومع ذلك إن ذهبت إلى هذه البلاد ملبياً دعوة الله عز وجل تقول: " لبيك اللهم لبيك " يتجلى الله على قلبك تجلياً تنسى الدنيا وما فيها ولا شيء تتمناه وأنت هناك إلا ألا تكون هذه الزيارة الأخيرة، يا رب لا تجعل هذه الزيارة آخر عهدي بالبيت، لشدة السرور، لشدة السعادة التي تنتاب زوَّار بيت الله الحرام، يتمنون ألا يخرجوا من بيوتهم إلا لزيارة الحرمين الشريفين.
معنى ذلك الله عز وجل جَمَّد كل عوامل السرور المادية، جمَّدها وأعطاك عامل آخر روحي، أما لو كان بيت الله الحرام في مكان جميل، في منطقة خضراء، في نسيم عليل في مناظر جميلة، على مدى العام، وذهب الحاج إلى هناك واستمتع بهذه المناظر، وبهذا الطعام الطيب، وبهذه النسمات العليلة تختلط الأمور، يا ترى كان سعيداً بوسائل السعادة المادية ؛ أم كان سعيداً بقربه من الله ؟
الحقيقة الحج قرب من الله، هو الله معك في كل مكان، أما حينما تذهب إليه في بيته الحرام تدفع الثمن باهظاً.
إنسان مقيم بأمريكا، يقطع ثلاثين ساعة طيران ليصل إلى بيت الله الحرام يدفع مبالغ طائلة ليطوف حول الكعبة ويقول: لبيك اللهم لبيك. فالله عز وجل جعلك بهذه الفريضة تدفع الثمن باهظاً، والعطاء على قدر الثمن، وتقريب للأمثلة:
لو أن طالب والده أستاذ رياضيات، أعطاه درس رياضيات، لأن الدرس بلا ثمن والأستاذ أبوه، القضية سهلة، لا يهتم كما لو عمل طوال الصيف عمل شاق، وجمع مبلغ من المال، ثم هو يدفع للأستاذ كل درس ألف ليرة، فتجده كتلة اهتمام، كل الانتباه.
الحج مدفوع ثمنه باهظ، طبعاً في ثمن مادي، وفي ثمن معنوي، الإنسان قد يجمع لسنواتٍ طويلة جداً نفقات الحج، قد يدفع ثمن آخر ؛ ازدحام، حر، فمن أجل أن يلبي دعوة الله عز وجل، فلذلك الوقوف بعرفة مكان حار، شخص جاء من الهند، من باكستان، من الصين من أمريكا، من أوروبا، من بلاد الشام ليجلس بين ملايين مملينة والحر لا يحتلم ويناجي ربه دافع الثمن، لابد من أن يأتي عطاءٌ يقابل هذا الثمن، كأن الله أراد أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، في قرب ثمنه قليل، أراد الله أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، فلذلك هذه عبادة العمر قال تعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)﴾
الإنسان حسي، الإنسان له جسم، له دم، له لحم، له أعصاب، لأنه حسي، لحكمةٍ بالغةٍ جعل الله له بيتاً في مكة، قال تعال إلي، تعال حتى أريحك من هموم الدنيا، تعال كي تذوق طعم القرب مني، تعال كي تشعر بسر وجودك وغاية وجودك.
شكلياً، ويعود الحاج كما ذهب، أما أنا أقول لكم والله الذي لا إله إلا هو، كما ورد:

﴿ من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ﴾
ما معنى المغفرة ؟ عمر بكامله، تشعر أنك عدت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك تشعر كأنك ولدت من جديد، تشعر كأنه ليس هناك شيءٌ تحاسب عليه، انتهى كل شيء.

﴿" من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ﴾
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
فالحج صلح مع الله، وتسوية حسابات، وطي صفحات الماضي كلها، هذا الحج المبرور، ليس له جزاءٌ إلا الجنة، فلذلك ادعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام.
الملاحظة التي تؤلمني أحياناً قبل أن نبدأ الحديث عن آيات الحج، هو أن الحج كأنه للمتقدمين في العمر، تجد إنسان بالثمانين، وخمسة سبعين، سبعين، ستين، فالحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية، في سعي، وفي طواف، في سفر، وفي حر، فلما الإنسان يؤخر الحج إلى وقت يصبح عاجزاً عن أداء مناسك الحج، لا يعد حكيماً، أما ما كنت أغبط أحداً في الحج إلا الشباب ؛ يطوفون بصحةٍ عالية، يسعون، يمشون إلى عرفات مشياً على أقدامهم، صعوبات الانتقال والازدحام وحجز الأماكن، شاب يذهب إلى عرفات مشياً، في هناك طريق مكيف إلى هناك، ويعود مشياً، فأتمنى أن الإنسان إذا أراد أن يحج وهو فريضة أن يبكِّر لا أن يؤخر، كلما بكر قطف ثمار الحج يانعة، وأن الحج فريضة.
أَوَّلَ بَيْتٍ: أي أول بيت للعبادة، فالبيت الحرام أول المساجد على وجه الأرض.
وُضِعَ لِلنَّاسِ: أي جُعل متعبداً لهم.
و..
بِبَكَّةَ: اسم لمكة، وقيل: سميت هكذا لأنها تَبُكذُ أعناق الجبابرة. جعل الله هذه البلدة آمنةً.
وأما..
مُبَارَكًا: هناك بركة حسية، وبركة معنوية، ولا تعرف البركة الحسية إلا إذا ذهبت إلى هناك، كل شيءٍ في العالم يجلب إلى مكة وإلى المدينة، ترى أشياء تحير العقول، الله عز وجل وصف هذا في القرآن الكريم:

﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
( سورة القصص: من آية " 57 " )
والبركة المعنوية أن الناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها يتوجهون لهذه البقعة المقدسة، وأنا أقول لكم هذه الحقيقة: إنك إن كنت في بيت الله الحرام لا يمكن أن تشعر أنك في السعودية أبداً، لا تشعر أنك في بلد، هذا بيت الله، ضمن بيت الله الحرام، وضمن المسجد النبوي لا تشعر إلا أنك مع الله ورسوله فقط، إن خرجت، تشعر أنك في بلد إسلامي، وفي له رموز، أما ضمن الحرمين لا تشعر إلا أنك مع الله ومع رسوله، هذه البركة المعنوية.
وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ: أي هدايةً لهم،.
و..
وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا: هذه آية محيِّرة، هذه ليست أمراً تكوينياً ولكنها أمرٌ تكليفي وفرقٌ كبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي، لو قلنا: أنها أمر تكويني، فقد حدث في هذا البيت قتل في عام ألف وأربعمئة للهجرة، وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني لا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوب ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية هذا أمر تكويني، لا أمر تكليفي.
مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا هل هو أمر تكويني أم تكليفي ؟ هو أمر تكليفي أي اجعلوه آمناً يأمرنا الله عز وجل أن نجعله آمناً، يأمرنا أن نشدد في توفير الأمن للحجاج، لذلك الحاج أحياناً يجد في هذه الديار يقظة عالية المستوى، لا يتألم أبداً بالعكس يرتاح، هذه اليقظة العالية جداً لصالح من؟ لصالح الحجاج، يجب أن تطوف وأنت متطمئن، وأن تسعى وأنت مطمئن، وأن تجلس في البيت وأن مطمئن.
وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا: أي يجب أن يكون آمناً، فرق كبير بين أمرٍ تكويني وأمر تكليفي.
هناك رأي لبعض العلماء: أنه من دخله دخولاً صحيحاً كان آمناً يوم القيامة من عذاب الله، وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني لا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوب ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية هذا أمر تكويني، لا أمر تكليفي.
مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا هل هو أمر تكويني أم تكليفي ؟ هو أمر تكليفي أي اجعلوه آمناً يأمرنا الله عز وجل أن نجعله آمناً، يأمرنا أن نشدد في توفير الأمن للحجاج، لذلك الحاج أحياناً يجد في هذه الديار يقظة عالية المستوى، لا يتألم أبداً بالعكس يرتاح، هذه اليقظة العالية جداً لصالح من؟ لصالح الحجاج، يجب أن تطوف وأنت متطمئن، وأن تسعى وأنت مطمئن، وأن تجلس في البيت وأن مطمئن.
وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا: أي يجب أن يكون آمناً، فرق كبير بين أمرٍ تكويني وأمر تكليفي.
هناك رأي لبعض العلماء: أنه من دخله دخولاً صحيحاً كان آمناً يوم القيامة من عذاب الله، وهذا المعنى أيضاً مقبول، والقرآن حمَّال أوجه.
أما كلمة:
مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا: السبيل هو إمكان الوصول إلى هذا البيت، فلابد من أن يكون معك مال، ولابد من راحلة، ولابد من أمن الطريق، ولابد من موافقة السلطان، فقد تجد إنسان أحياناً يضجر يقول: ما سمحوا لي. إذا لم يسمحوا لك لست مستطيع وانتهى الأمر، أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد، وأن تملك الراحلة، وأن يكون الطريق آمناً، وأن يسمح لك السلطان، فإذا السلطان لم يسمح لك، فأنت لست مستطيعاً، إن لم تملك الزاد والراحلة، والعلماء قالوا: الزاد والراحلة وأجرة المبيت في مكة والمدينة، الله ما أراد الحجاج أن يناموا في الطرقات، ما أراد أن يشوه الإسلام، الإنسان الحاج إنسان متميز، إنسان يؤدي عبادة عالية أما أن ترى مئات الألوف ينامون في الطرقات فوق بعضهم، والعورات مكشوفة، هذا ليس من فقه الحج في شيء.
لست مستطيع إطلاقاً إن لم تملك الزاد والراحلة والطعام والشراب والإقامة في مكة والمدينة في بيوت، لا تعد مستطيعاً.
لذلك أنا يعجبني أن بعض البلاد الإسلامية لا تسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام إلا بعد أن يتوافر له حد أدنى من المال يمكنه من أن يجلس في أماكن جيدة، وأن يركب مركبات جيدة، وأن يأكل طعام جيد، وأن يؤدي المناسك وهو مرتاح، وهذا شيء يرفع الرأس، وهذا إنسان مسلم، هذا سفير المسلمين، ثم إنه فوق ذلك لا يسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام في بعض هذه البلاد، في أقصى جنوب آسيا، إلا إذا أدى امتحاناً نظرياً وعملياً، أما وهو في مكة يسألك: أين قبر رسول الله ؟ حاج بمكةـ أعوذ بالله ـ فهل القبر بمكة موجود ؟
أو يرتكب بعض المحظورات بسذاجةٍ وبجهلٍ كبير، هذا شيء غير معقول.
أو إنسان يقف في الكعبة يوم عرفات، والله الحج مريح، لا يوجد فيه أحد، نعمة.
أو نسيان عرفات، يطوف حول الكعبة في يوم عرفة، ويقول لك: ما في ازدحام الناس، والناس كلها، الآن كانوا يطوفون. هذا جهل كبير.
واحد حج في بلد إسلامي، ويحتل مركز مرموق، يسأل: كيف كان الحج ؟ فيجيب والله الحج جيد، والحمد لله الأمور كلها ميسرة، ولكن كنت أتمنى أن يكون الحج على مدار العام أيسر للازدحام، أريح على مدار العام. هذا لم يفهم أين الله واضعه، في جهل كبير حتى عند بعض المثقفين في جهل كبير.
فلذلك أنا أتمنى أن لا يحج بيت الله الحرام إلا من كان يملك إقامةً وأداءً للمناسك بكرامةٍ عالية، وإلا من يتقن مناسك الحج، وحِكَم الحج، ويؤدي امتحاناً نظرياً وعملياً حتى يكون هناك سفيراً للمسلمين.
هناك لطائف في هذه الآية...
اللطيفة الأولى: هو أن الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج وجعله قبلةً لأهل التوحيد، أي أينما ذهبت في العالم يجب أن تتجه إلى الكعبة، هذا عملية توحيد دين التوحيد ودين الوحدة، أينما ذهبت ؛ إلى كندا، إلى أقصى الشرق، إلى اليابان لابد من أن تبحث عن جهة الكعبة.
والكعبة كما قال بعض العلماء: تكون في المتوسط الهندسي للقارات الخمس، لو رسمت القارات الخمس على مستوى، وأخذت نقاطها المتباعدة أقصى النقاط، مددت محاور الشيء المذهل أن مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي، الوسط الهندسي معناه تقاطع المحاور لو جئت بمربع ووصلت بين زواياه الأربع بخطوط، مكان تقاطع المحورين هو الوسط الهندسي لو جئت بمستطيل ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط محورية، مكان التقاطع هو الوسط الهندسي، فمكة المكرمة في الوسط الهندسي الرياضي للقارات الخمس، هذه لطيفةٌ أولى.
وهذا البيت بني ولكن بتوجيهٍ من الله عز وجل، الآمر هو الله، والمنفِّذ هو الخليل سيدنا إبراهيم، والمبلِّغ هو جبريل، والمساعد هو سيدنا إسماعيل، هل هناك بناء أشرف من هذا البناء ؟ الأمر بالبناء هو الله، والمنفذ أبو الأنبياء، والمبلغ جبريل، والمساعد مساعد المهندس سيدنا إسماعيل، والأمن الذي في هذا البيت استجابةٌ لدعوة إبراهيم..

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 126 " )
فهذه الثروات الباطنية في هذه البلاد ليست لأصحابها إنما هي لخدمة الحجاج وتشعر أنت هناك توفير الحاجات يفوق حد الخيال، كل شيء تتمناه تجده أمامك، هذا الشيء بسبب في وفرة، في مخزون، في ثروات باطنية في هذه البلاد، يقولون: هذه البلاد فيها أكبر احتياطي نفط في العالم.

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)﴾
( سورة البقرة )
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾
( سورة العنكبوت: من آية " 67 " )
ي بالآية لطيفة رائعة جداً وهي قوله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾
هو سياق الآية: ومن لم يحج قال:

﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾
فالذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام.

(( مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ))
( من سنن الترمذي: عن " علي " )
أن يموت غير مسلم، كافراً، لذلك العلماء قالوا: من الكفر أن تكون مستطيعاً أن تحج ولا تحج بيت الله الحرام، من الكفر والدليل:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ﴾
وقد يقول أحدكم: لماذا يقول الله عز وجل:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾
الحقيقة الذي يفهم أحياناً من هذه الآية أن بالحج في نقلة، لو أن إنسان شارد، فقد أقسم لي رجل قال لي: أنا ملحد. له زوجة لا تنجب فتصورت أنها إذا حجَّت بيت الله الحرام لعل الله يرزقها ولداً، فأصرَّت عليه أن يحج معها ليكون محرماً لها ـ لأنه زوجها ـ فقال لي: أنا أؤدي المناسك ولا أصلي، وقد أديتها وأنا جنب أحياناً، لكن في النهاية وأنا هناك تبت إلى الله وعدت مؤمناً.
قصدي من هذا الكلام أنه من المستحيل أن تصل إلى هناك دون أن تتأثر، في تجلي خاص، أحياناً الإنسان يصلي في بلده وكأنه يسبح بعكس اتجاه النهر، أما هناك تصلي وكأنك تسبح باتجاه النهر.
رجل آخر حدثني: له زوجة معها مرض عضال، وتمنت عليه أن يحج معها فأول طواف، وثان طواف ولا شيء، وهو قد حجز بفندق خمسة نجوم، والحجز غير موجود هو معود على السفر المريح والتنظيمات قال لي: ضجرت ضجراً شديداً وقررت أن أعود إلى الشام دون أن أتابع الحج. توسلت له بكل ما تملك، فبقي.
قال لي: ثاني يوم أو ثالث يوم بدأ الطواف، وثاني طواف انعقد الاتصال بالله عز وجل، بكى بكاءً شديداً، وعاد إلى الشام إنسان آخر مئة بالمئة.
أنا أضرب هذه الأمثلة الحادة، لا يوجد إنسان يذهب إلى هناك إلا ويذوق من الله طعم القرب، وكم من إنسان منكر ذهب إلى هناك فآمن بالله، إذا ذهب إنسان منكر يؤمن، إذا ذهب مؤمن يرتقي، إذا ذهب مرتقي يزداد رقياً، في قفزة نوعية بالحج، على طول في صعود.
ومرة ثانية أقول لكم: مستحيل، مستحيل أن تقصد بيت الله الحرام بنيةٍ مخلصة وألا تذوق من طعم القرب الذي تذوب النفوس له. والله بعرفات يتجلى الله على عباده تجلياً ينسيهم كل متاعب الدنيا، والجو حار، وهذه المفارقة العجيبة، فالإنسان يسر بهذا الجو اللطيف، يسر بعدم الازدحام، يسر بالمناظر الخلابة، أما أن تسر إلى أعلى درجة تعرفها في حياتك، وأنت في مكان لا تتوافر فيه أي شرط من شروط السرور ؟!! معناها سرور روحي، الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية، هناك سرور روحي محض، ومن ذاق عرف، والذي حج بإخلاص يعرف هذه الحقيقة.
قال العلامة أبو السعود: وضع ومن كفر، قال:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ﴾
وضعت كلمة وَمَنْ كَفَرَ موضع من لم يحج.

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ﴾
أي ومن لم يحج، وضعت كلمة: وَمَنْ كَفَرَ في موضع ومن لم يحج تأكيداً لوجوبه، وتشديداً على تاركه، لذلك من مات ولم يحج كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا))


( من سنن الدارمي: عن " أبي أمامة " )
يموت غير مسلم لأنه كفر، في عندنا كفر شمولي، وفي عندنا كفر جزئي، الكفر الجزئي أن تنكر أمراً إلهياً، أو ألا تعبأ بأمر إلهي، أو ألا تستجيب لأمر إلهي.
قال علماء البلاغة في هذه الآية.
في عندنا بالتركيب اللغوي، صيغة إنشاء وصيغة خبر، أحياناً يأتي الخبر ليدل على الإنشاء فمثلاً قال تعالى:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾
( سورة البقرة: من آية " 233 " )
هذا خبر، لكن الله جل جلاله يقول: يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن. فقال: أبلغ صيغة في الأمر أن تأتي على شكل خبر، لأن الأمر يقتضي عدم التنفيذ، مثلاً لو قلت لابنك: اذهب إلى السوق واشتري طعاماً وإياك أن تتأخر. معناها فكر أنه ممكن أن يتأخر، لما نهيته عن التأخر قفز إلى ذهنه أنه يمكن أن يتأخر، صار التأخر محتمل، إياك أن تأخذ من المال شيئاً لنفسك، نبهه، أما حينما يأتي الابن البار، يذهب إلى السوق وينفذ أمر والده، ما أعطاه احتمال تصور العكس، فأحياناً يأتي الأمر على شكل خبر..

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 233 " )
أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، الله عز وجل نهى عن الزنا، كيف نهى عن الزنا ؟ بالخبر، قال:

﴿وَلا يَزْنُونَ﴾
( سورة القرقان: من آية " 68 " )
أي أن شأن المؤمن أنه لا يزني، لا يوجد ولا تزني. لا أريد أن أزني. أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر.

﴿وَلا يَزْنُونَ﴾
( سورة القرقان: من آية " 68 " )
مثلاً:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾
( سورة النور: من آية " 26 " )
أيضاً هذا أمر جاء على صيغة الخبر، أي يا أيها الأولياء احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات، لا تزوج بنتك لإنسان غني لكنه جاهل، وبنتك ديِّنة، وصالحة، وتحفظ كتاب الله، احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات هذا أمر جاء على صيغة خبر.

﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً﴾
أمر جاء على صيغة الخبر.

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
( سورة البقرة: من آية " 233 " )
أمر جاء على صيغة الخبر، وأيضاً جاءت هذه الآية:

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾
أمر جاء على صيغة الخبر أو النهي، والتركيب الاسمي دائماً يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والا نقاطع، دخل، دخل فلان إلى المسجد، هذه دخل مرة واحدة، والفعل انتهى، وانتهى الدخول، التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي يدل على الثبات والاستمرار، فالآية جاءت أمراً ونهياً على صيغة الخبر وجاءت بالتركيب الاسمي، ثم جاءت على مستوى التعميم..

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾
هذا تعميم، أي إنسان إذا ذهب إلى بيت الله الحرام لابد من أن يقطف الثمار والإبهام ثم التبيين.
العلماء قالوا: حكم حج الفقير والعبد، لا يجب على الفقير الحج لعدم الاستطاعة ليس مكلف أن يتدين، أو الغني ليس مكلف أن يرشي لكي يحج، عبادة تبدأ بمعصية، معقول ؟! ليس مكلف، سُمح لك الحمد لله، ما سُمح لك، لست مستطيع، الفقير ليس مكلفاً أن يتسوَّل ليحج ولا أن يستجدي، ولا أن يبذل ماء وجهه، لأن هذا الحج فرضٌ على المستطيع، ولكن لو أن فقيراً حج إلى بيت الله الحرام، هذا الحج الذي حجه الفقير يسقط عنه الفرض، وكأنه حجه غنياً هذا هو الحكم الفقهي بالإجماع.
أما موضوع المَحْرَم للمرأة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

﴿ لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ﴾
( من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " )
لذلك المرأة يضاف إلى استطاعتها شرطٌ جديد وهو وجود المحرم، والله الآن والذي يؤلم جداً أن هناك من يعقد زواجاً صورياً، من أجل أن تحج بيت الله الحرام، أقدس عقد في الوجود عقد الزواج يتخذ ذريعة لأن تذهب امرأةٌ إلى الحج، وكأنها أفقه من الفقهاء، الله ما كلفك بالحج، هناك من يعقد زواج صوري، ولهذا الزواج متاعب كثيرة جداً.
واحد عقد عقد على امرأة كي تحج معه بيت الله الحرام لأنه صار زوجاً لها، وجد أنها غنية، فلم يطلقها بعد الحج، قال: لعلها تموت وأرثها. تنشأ مشكلات، وكم من زواجٍ صوري انتهى إلى الدخول في المدينة، صار في دخول، ولا يوجد تناسب أبداً، هذا شيء من أخطاء المسلمين الفاحشة، أنه لكي نتوصل إلى حج بيت الله الحرام نجري زواجاً صورياً، أو نعصي الإله، أو نفعل شيء لا يرضي الله عز وجل، هذا كله ممنوع.
فالمرأة إن لم يكن معها محرم فليست مستطيعة الحج، هذا طبعاً باتفاق العلماء، في اجتهاد للشافعية:
إذا كان في جمع غفير مأمون فقط لحج الفريضة. الآن هناك من يحججن بيت الله الحرام حجة نفلٍ من دون محرم، فإذا فتوى للإمام الشافعي أو للسادة الشافعية، لأداء حجة الفريضة فقط، مع وجود جمعٍ غفير من النساء اللواتي يؤمن السفر معهن. وهذه حالة محدودة جداً، أما امرأة تسافر للحج من دون محرم، والحج ليس فرضاً بل نفلاً، هذا شيء مخالف لما قاله العلماء جميعاً.
الآن استنباط آخر قال: إذا كان الإسلام لم يسمح للمرأة أن تسافر لأداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم، والحج أحد أركان الإسلام كما نعلم، وهو فريضة، فكيف يسمح الناس لبناتهم بالسفر إلى بلادٍ بعيد، أو إلى بلادٍ أجنبية، بحجة الدراسة وطلب العلم، وليس معهن محرم ؟
والله إنسان لولا أنه قال لي هو بنفسه أنا ما أصدق، قال لي: والله أنا كنت أعمل في المملكة، وزوجتي أرسلتها مع سائق إلى الشام، سيارة تكسي مع سائق، هو وهي وحدهما في الطريق، معقول هذا الكلام؟! كم هناك من جهل، فقواعد الشرع ضمان لسلامتك وليست قيداً لحريتك، فإذا كان المرأة ممنوع أن تذهب إلى أداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم فلأن يكون هذا محرماً عليها في السفر العادي من باب أولى، لأداء فريضة ممنوع تذهب.
طبعاً الحج مرة واحدة، الفريضة، أما النفل أكثر من مرة، إلا أنه إذا الإنسان كان عليه واجبات وقصر فيها، لولي أمر المسلمين أن يمنع حجة نفلٍ أدت إلى ترك واجب، فإذا ابن في سن الزواج، ويخشى عليه أن تزل قدمه، والأب يحج كل سنة، نقول له: حج حجة الفرض وزوج ابنك، هذا أولى أولى ألف مرة.
حتى أن الإمام ابن المبارك كان في طريقه إلى الحج، فوقع نظره على فتاةٍ صغيرة تنقب في القمامة، حتى رأت طائراً ميتاً، حملته وركضت إلى بيت، تبعها فإذا أسرةٌ فقيرة لا تملك ما تأكل إلا هذا الطائر الميت، فدفع لها بنفقة الحج وعاد إلى بلده، ورأى هذا الإمام العظيم أن إسعاف هذه الأسرة أولى من أداء حجه.
الآن كم إنسان يحج كل سنة مرة ؟ كل سنة يحج، وفي عليه واجبات كثيرة جداً مقصر فيها، وكم إنسان يرتكب معصية لكي يحج، وكم إنسان يعمل عقد زواج صوري لكي يحج، وكم إنسان يرشي لكي يحج، هذا كله لا يجوز، هذه أرقى عبادة لا تؤدى إلا خالصة لوجه الله تعالى.
أما تكرار الحج كما قلت في مطلع الدرس:

((إن عبدا أصححت له جسمه ووسعت عليه في رزقه لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم ))
( من كنز العمال: عن " أبي هريرة " )
فممكن إذا الإنسان ميسور، والإنسان أدى ما عليه من واجبات، زوج أولاده، ما في مشكلة وميسور، أن يحج كل خمسة أعوام، هذا ممكن، أما الآن نستنبط أيضاً أن كل حجة تحجها أرقى من التي سبقتها، إذا واحد حج مرتين أو ثلاثة، كل حجة تكون أرقى وأعمق وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها، فالميسور والمستطيع إذا حج أكثر من مرة ما في مانع.
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:31 PM   #9
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 18 - 25 ) : الحج والعمرة ـ الاستنباطات الفقهية من الحج
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-03-23
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثامن عشر من دروس آيات الأحكام، ولأننا على مشارف فريضة الحج، فاخترت لكم الآيات المتعلِّقة بالحج، والتي يستنبط منها الأحكام الشرعيَّة قال تعالى:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾
( سورة البقرة )
أيها الإخوة الكرام... الاستنباطات الفقهيَّة من هذه الآية كثيرةٌ جداً، فمن هذه الاستنباطات:
الهدي في هذه الآية يطلق على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المُعتمر، هديةً منه لأهل الحرم، أصل الهدي من الهديَّة، هؤلاء الذين يعكفون على تيسير مناسك الحج للحجاج هديتك لهم هذا الهدي الذي هو قوام حياتهم، هذا أصل الهدي.
من غير سببٍ موجب، نحن في عندنا هدي جبر، وعندنا هدي شكر، وعندنا هدي جزاء، وعندنا هدي إحصار..

﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾
أي من أحرم بعمرةٍ ثم تحلل إلى وقت الحج فأحرم، هذا عليه هدي تمتعٍ، أي هدي جبر نقصٍ، أما من حج مفرداً، حجَّ فقط وبقي محرماً إلى يوم عرفة هذا لا شيء عليه، أما إذا حج قارناً، أي أنه أحرم بعمرةٍ، وبقي محرماً إلى أن أحرم بحجٍ، هذا عليه هديٌ، لكنه هدي شكرٍ لا هدي جبرٍ، أن الله آتاه قوة، وآتاه جَلَد، أعطاه قوة على تحمُّل هذه العبادة، فعليه شكرٌ لله عزَّ وجل هدي شكرٍ، أما الذي تمتع من العمرة إلى الحج عليه هدي جبرٍ، أما الذي أُحصر أي منعه مرضٌ، أو منعه عدوٌ، أو منعه أمرٌ قاهر عن أن يتابع الحج عليه هدي إحصار، أما الذي يقع في بعض محظورات الإحرام، لو دخل الحرم بثيابه خطأً، عليه هديٌ، لو ترك واجباً من واجبات الحج، عليه هديٌ..
صار في عندنا أربع أنواع للهدي ؛ هدي جبر للمتمتع، وهدي شكر للقارن، وهدي إحصار، وهدي جزاء.
والهدي اسمٌ على مسمى، هديةٌ يقدمها الحاج إلى أهل الحرم.
إخواننا الكرام... لا أنسى هذه الكلمة التي قالها بعض العلماء:
" الشريعة رحمةٌ كلها، الشريعة عدلٌ كلها، الشريعة مصلحةٌ كلها، الشريعة حكمةٌ كلها ـ لأنها من عند الخالق ـ أية قضيةٍ خرجت من الحكمة إلى خلافها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة ".
فإلى عدة سنوات كان يأتي إلى بيت الله الحرام عدد كبير يقترب من مليون، مليونين هؤلاء يذبحون الخراف التي لها ثمن باهظ، يلقونها في العراء، يذبح ويلقي، أدَّى النُسُك، فهذه الغنمة لحم، والجو حار جداً تتفسَّخ خلال ساعات، أقسم لي أحد الإخوة الكرام وهو يسكن في منطقة قريبة من منى، أن رائحة اللحوم المتفسِّخة لا تغادر هذه المنطقة ولا في ثلاثة أشهر تصور مليون غنمة ذُبِحَت وأُلقيت في العراء، أهذا هو النُسك؟ أهذا هو أمر الله عزَّ وجل ؟ أهذه هي الشريعة ؟ لا والله، الهدي هديةٌ تقدمها إلى أهل الحرام، هدية يجب أن تصل إلى البطون يجب أن تؤكل، يجب أن يأخذها الفقراء، إذاً كل منسكٌ ينبغي أن يكون حكيماً لصالح الأمة مبنياً على العدل.
قرأت مرَّة خبر في جريدة أنه تمَّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في أستراليا ودُفِنَت في باطن الأرض، للحفاظ على أسعار الغنم في العالم، ألا تشعر أن هؤلاء متوحشون ؟ متوحشون، كم أمة تموت من الجوع ؟ الصومال، السودان، بنجلادش، هذه الدول الفقيرة التي تموت من الجوع، عشرين مليون غنمة يطلق عليها النار، وتُدفن للحفاظ على أسعار اللحم العالية.
لكن مليون غنمة تُذبح وتُلقى في العراء، يجب أن يصل هذا الهدي إلى محله، يجب أن يصل إلى بطون الفقراء، فالحالج الذي يذبح ويلقي هذا ليس حاجاً، ولا فقيهاً، ولم يعرف مناسك الحج، الآن أُلغي هذا، لن تستطيع أن تذبح إلا في المسلخ، والمسلخ يذبح، ويبرِّد ويرسلها إلى فقراء المسلمين في العالم، فهذا معقول، الآن شيء مقبول أن هذا اللحم انتهى إلى بطون الجياع.
أما معنى قوله تعالى:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
أتموا..أي إذا بدأت ينبغي أن تتابع، ليست قضية مزاجيَّة، والله أنا الحج لم يعجبني سأرجع، هذه بالحج ليست واردة إطلاقاً..

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
فريضة مقدَّسة جداً، إن بدأت عليك أن تتم.
وقال بعض العلماء: " إتمام الحج والعمرة أن تأتي بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما ظاهراً بأداء المناسك، وباطناً بالإخلاص لله تعالى من غير رياءٍ ولا سمعة ". كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(( اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا وَلا سُمْعَةَ))


( من سنن ابن ماجة: عن " أنس بن مالك " )
أحياناً الإنسان يحج فتجد الزينات، والسجاد، عراضات، إطلاق رصاص، احتفالات، ولائم، صار اسمه الحاج..

((اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا وَلا سُمْعَةَ))
( من سنن ابن ماجة: عن " أنس بن مالك " )
والحج كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْعَجُّ وَالثَّجُّ ))
( من سنن الترمذي: عن " أبي بكر " )
كذلك تقصي الرفاه غير المعقول بالحج يتناقض مع مناسك الحج، واحد حجز فندق من ذوات النجوم الخمسة، في أيام الحج ليتمتَّع، ليترفَّه، فكافأه الله على هذا ـ طبعاً ليس حراماً أن تحجز هذا الفندق، أنا لا أقول هذا حرام ـ لكن تقصي الرفاه بأنه تاه عن هذا الفندق ثلاثة أيام في منى، ولم يهتدي إليه، الحج أساسه العج والثج، الحج رحلةٌ قبل الأخيرة، الحج أن تخلع كل مظاهر الدنيا، كل مظاهر الزينة، أن تؤدي المناسك متقنةً ظاهراً، ومخلصةً باطناً . قال بعض العلماء:

إذا حججت بمالٍ أصله سُحُتٌ فما حججت ولكن حجَّت العيرُ
لا يقبل الله إلا كل خالصةٍ ما ..كل من حج بيت الله مبرورُ

* * *

فما معنى قوله تعالى:
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾
تلك عشرةٌ المعنى واضح، أما كاملة، قال: هذا يقاس على قوله تعالى:

﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾
( سورة الحج )
ولكن أين محلها في الأساس ؟ هي في الصدور، تحصيل حاصل، قال: هذا من أساليب التوكيد في القرآن الكريم..

﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾
( سورة الأنعام: من آية " 38 " )
هذا من أساليب التوكيد..

﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾
( سورة الأحزاب: من آية " 4 " )
القول أين يتم ؟ لو قلنا: تلك عشرةٌ. أحياناً يستخدم العدد للتكثير، فإن أردنا العدد بمعاناه الحسابي..

﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾
يقول لك: دفعت المبلغ بالتمام والكمال، إذا نقدته عشر ليرات ذهبية بالتمام والكمال بالتمام عشرة، بالضبط، وبالكمال أي كلها جديدة، حروفها حادة، بالتمام والكمال، هذا معنى قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾
( سورة المائدة : من آية " 3 " )
أما الاستنباط الخامس:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
( سورة البقرة: من آية " 199 " )
أي ممكن يكون تمايز في أي مكان في العالم، في فندق خمس نجوم، وفي فندق أربع نجوم، وفي ثلاث نجوم، ونجمتين، ونجمة، وفي فندق نجومه مطموسة ـ من الدرجة العاشرة ـ وفي مكان لا يحتمل أن ينام فيه حيوان أحياناً، مبيت، في مراتب، والمركبات مراتب ؛ في مركبة خشنة متعبة، في مركبة فخمة جداً، والبيوت مراتب، وكل شيء بالحياة مراتب، إلا مناسك الحج فهي لا تؤدَّى إلا في مكانٍ واحد.
مهما كنت غنياً لابدَّ من أن تطوف حول الكعبة ضمن الزحام، مهما كنت غنياً لابدَّ من أن تسعى بيت الصفا والمروة مع عامة الناس، ملك، غير ملك، غني، قوي، أي إنسان مناسك الحج توحِّد المسلمين، وفي مكان آخر يتوحَّد المسلمون فيه، هو بيت الله، أنت خارج المسجد في مدير عام، في معاون مدير، في موظَّف كبير، في رئيس دائرة، في حاجب، أما يوم الجمعة يقدر الحاجب أن يجلس في الصف الأول إذا جاء مبكراً، والمدير العام قد لا يتاح لا أن يجلس إلا في آخر صف إذا جاء متأخراً.
بيت الله، هذه من عظمة هذا الشرع، يجوز أن تشعر أنك أقل من فلان خارج المسجد ؛ بالدائرة، بالمستشفى، بالمدرسة، بالمعمل، بالحي، بيت فخم، وواحد ساكن في ملحق، بيت أربعمئة متر، وشخص بالقبو، في تفاوت، أما بالمسجد ما في تفاوت، يوم الجمعة في خطبة الجمعة، أو في الصلوات الخمس، أو في دروس علم تشعر أنك تساوي أي إنسان مهما علا، هنا مراتب دنيا لا توجد.
لذلك كان عليه الصلاة والسلام جالس مع أصحابه، وعن يمينه غلامٌ صغير وعن يساره كبار الصحابة، فجئ بضيافة، فحسب السنة بدأوا بالنبي ثم من على يمين النبي، الذي على يمينه طفل صغير والذي على يساره كبار الصحابة، قال له:

(( يَا غُلامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ))
( من صحيح البخاري: عن " سهل بن سعد " )
طفل صغير، هذا الإسلام عدل مُطلق، مراتب ما في، أجمل ما في الإسلام أنه بالمسجد وبالحج لا توجد مراتب، الإنسان أحياناً يرتدي ثياب يقول لك: البدلة ثمنها ثمانين ألف. ممكن يرتدي ثياب غالية جداً، أما في الحج منشفتين لا يوجد غيرهما، في منشفة كونبونا في السوق اسألوا لنا هل يوجد ؟ كله مناشف، منشفة بيضاء، هذا من عظمة الإسلام..

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
أنت مع الناس، لذلك إخواننا إذا أتيح لكم أن تحجوا أو أن تعتمروا، إيَّاك ثم إياك ثم إياك أن تذهب إلى هناك وأنت ناظر إلى مكانتك، إلى رتبتك، إلى ما على كتفك، إلى ما على صدرك، إلى ما في جيبك، إياك هناك أنت عبدٌ لله.
أنا حجزت مرَّات عديدة، هنا في دمشق أو الإنسان في بلده لو كان في المطار مثلاً ينتظر إنسان، مهما كان مُتعب، هل رأيتم في مطار دمشق إنسان يجلس على الأرض من تعبه ؟ من أجل مكانته. هناك في الحج شيء طبيعي جداً مهما كنت عليَّ المقام تجلس على الأرض.
إذا في سيارة عامة قلنا لواحد: تأخذ عشرة آلاف وتركب على السطح، على ظهر السيارة، أو باص نقل داخلي هكذا في المدينة، خمسة آلاف واطلع اركب فوق، لا يقبل، شيء طبيعي جداً، كبار الشخصيات بعرفات نصف تحت ونصف على سطح المركبة.
الحج تواضع، الحج خضوع لله، الحج عبوديَّة، هذه كلها أقنعة، نحن تقنَّعنا فيها ؛ أنا اسمي كذا، وهذا فبل اسمه يضع: د. وهذا قبله عميد، هذه كلها أقنعة مزيَّفة، أنا حجمي المالي كذا، أنا ثيابي من المحل الفلاني، أنا ثيابي كلها مستوردة، أنا سيارتي مئتي وثمانين، أو ستمئة مثلاً، هذا كله هناك ملغي، خلِّي الدنيا في بلدك وتعال عبداً لله عزَّ وجل، هذا كله من معاني:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾

أنت والفقير سواء.
من عظمة هذا القرآن الكريم..

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
جاء الحج ثلاثة مرات، الأول: أن الحج، أي زمان الحج أشهرٌ معلومات، واحد حج من بلد عربي، والله وكما سمعت يحتل منصب رفيع في وزارة، قريب من معاون الوزير، وهو في العودة يحدث زميله قال له: والله شيء مرتَّب الحج، أي أنه في عناية فائقة، في خدمات عالية وشيء جميل، ولكن والله أنا ألومهم هؤلاء السعوديين. قال له: لماذا ؟ قال له: لو عملوه على مدار السنة والله أريح، في ازدحام. هذا لا يفقه من الحج شيئاً، لو جعلوه على مدار السنة، الله ماذا يقول ؟

﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾
في مكان مخصَّص، وفي زمان مخصَّص، وفي نُسُك مخصَّص، الحج عبادةٌ بدنيةٌ ماليةٌ شعائريَّة، تؤدَّى في مكان مخصوص وفي زمان مخصوص، وعلى هيئةٍ خاصَّة.
فأول كلمة حج أي زمان الحج..

﴿الحج أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾
أي من دخل في مناسك الحج.
كلمة حج الثانية لها معنى ثاني..

﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
آخر كلمة تعني في زمان الحج وفي مكان الحج، يقولون بالبلاغة: في عندنا شيء اسمه الاستخدام. أنا أقول لإنسان عنده بستان فيها نبع ماء، وله ابن، أقول له: أقرَّ الله عين الأمير وأجرى له ماءها، وكفاه الله شرَّها. أقرَّ الله عين الأمير أي عين قلبه، كفاه الله شرها أي عين الحسود، أجرى له ماءها أي عين الماء، فالاستخدام أن نستخدم كلمة ثم نستخدمها ثانيةً بمعنى آخر من معانيها، ونستخدمها ثالثةً بمعنى ثالث، هذا من أروع ما في البيان العربي..

﴿الْحَجَّ﴾
زمان الحج..

﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾
نُسك الحج..

﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
أي في أيام الحج وفي أمكنة الحج، هذا أيضاً استنباط لطيف بالآية الكريمة.
بعض الأحكام الشرعيَّة: العمرة بين أن تكون واجباً لقول الله عزَّ وجل:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
وبين أن تكون سُنَّةً، على كلٍ الحج دعوى والعمرة زيارة، كلام دقيق، ما دام الحج في وقت مخصوص فهو دعوى، أنت تقيم وليمة يوم الخميس الساعة الثانية، هذه دعوى تدعو إليها من تشاء، أما كل إنسان بإمكانه أن يزورك في بيتك متى يشاء، الزيارة على مدار السنة أما الحج في أوقات محددة، فالحج دعوى، والعمرة زيارة، ومن معاني الدعوى أن تقول: لبيك اللهم لبيك.
إلا أن الإنسان إذا حج عدة مرات فالأولى أن يكتفي بالعمرة، ليتيح المجال لمن لم يحج أن يحج البيت، لأن هناك درجة من الازدحام تؤذي الحجاج جميعاً، وكأنها تصرفهم عن مناسك الحج لشدة الازدحام.
الشيء الثاني: الإحصار، فالإحصار الإنسان أحياناً تنشأ معه مشكلة، أو مرض خطير، ماذا يفعل ؟ الله قال:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾
قال: الإحصار ـ عند السادة الأحناف ـ يكون من كل حابسٍ يحبس الحاج عن البيت ؛ من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلال راحلةٍ، أو موت محرمٍ في الطريق.
إنسان مثلاً حبسه عن البيت عدو، صار في مشكلة أمنية بديار الحج، أو مرض خطير، أو خوف، أو ضاعت كل أمواله فلم يستطع أن يكمل، أو ضلَّت راحلته، أو زوجةٌ مات زوجها في الطريق لا تستطيع أن تُكمل، هذا اسمه إحصار.
من بعض المذاهب لا إحصار إلا من حصر العدو، أما عند الأحناف الاحصار موسَّع، كما قلت قبل قليل: من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلال راحلةٍ أو موت محرم الزوجة.
المحصر يذبح الهدي ويحلِق، وبهذا قد تحلَّل، لذلك بعضهم يحتاطون في نيَّة الحج وفي التلبية يقول: لبيك بحجٍ إلى بيتك الحرام، أو حيثما حبسني حابس. تنشأ أحياناً مشكلة كبيرة في الصحة، فربنا عزَّ وجل شرعه حكيم، وفيه رحمةٌ للعالمين.
ذكرت قبل قليل في أول الدرس: أن هناك حج مفرد وهو ما يفعله أكثر الحجاج السوريين، يحرم بالحج فقط، أما كل إنسان حينما تمضي أيام الحج ـ أي حينما يمضي اليوم الرابع من العيد ـ بإمكانه أن يأتي بعمرة ويبقى مفرداً ولا شيء عليه، المُفرد ليس عليه هديٌ الهدي على المتمتع، وعلى القارن، وعلى من ارتكب إحدى محظورات الإحرام، والهدي على من أُحصر، أما المفرد لا شيء عليه، إلا أن المفرد بإمكانه أن يأتي بعمرةٍ بعد انقضاء أيام الحج ولا شيء عليه.
نحن في عندنا إنسان آفاقي، وإنسان أهله حاضروا المسجد الحرام، في عندنا المواقيت ؛ ميقات أهل الشام، ميقات أهل العراق، ميقات أهل اليمن، هذه الميقات تشكل شكل اسمه الحرم، من كان داخل الحرم يحرم من بيته، هذا من أهل الحرم، من كان آفاقي، أي مكان إقامته خارج منطقة الحرم هذا الذي يحرم من الحرم، من مداخل الحرم، لبيت الله الحرام.
إذا إنسان ميسور وأراد أن يتمتع فهناك شروط، أول شرط. طبعاً المتمتع يحرم بعمرة، ويأتي إلى بيت الله الحرام، فيطوف البيت سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة ويصلي ركعتين، ويحلق، ويتحلَّل، الآن ليس محرماً، قد يقبع في مكة يومين، ثلاثة، خمسة عشرة بحسب مجيئه للحج، فهذه الأيام يمضيها بثيابه العاديَّة، ويغتسل، يتعطَّر، يقلِّم أظافره يحلق لأنه متمتع.
اليوم الثامن من ذي الحجَّة يحرم من بيته، من فندقه، من مكان إقامته وينطلق، هذا جاء بعمرة، وتمتَّع، وجاء بحجة، هذا اسمه متمتِّع، من أجل أن يُقبل تمتعه هنا شروط، من هذه الشروط تقديم العمرة على الحج، فلو حجَّ ثم اعتمر لا يكون متمتِّعاً.
ومن هذه الشروط أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، أشهر الحج شوال، ذو القعدة ذو الحجَّة.
من شروط التمتع أن يحج في تلك السنة..

﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾

أي في سفر واحد عمرة وحج.
الشرط الرابع: ألا يكون من أهل مكة لقوله تعالى:

((ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ))
( سورة البقرة: من آية " 196 " )
الخامس: أن يحرم بالحج من مكة، فإذا عاد إلى الميقات فأحرم لا يلزمه دم ما عاد متمتع، لو أحرم أن يحرم من مكة، أحرم من مكة صار متمع، لو عاد إلى منطقة الحرم إلى بدايتها وأحرم، صار حاج ما عاد متمع.
طبعاً هناك سؤال هو: هل يجوز أن نحرم للحج قبل أشهر الحج ؟ هذا سؤال أحياناً يكون غير منطقي، قال لي أخ: من يومين أذاعوا بمحطة فضائية أنه لا يقبل الهدي إلا إذا سقته معك من بلدك. فنظرت أنا فيه مستغرباً. فقال لي: ما قولك ؟ قلت له: والله جرب خذ معك جمل في الطائرة، تحتاج لعشرة مقاعد، فهل يعطون الجمل بطاقة طائرة ؟ الطريق إلى الحج حصراً بالطائرة، لازم تسوق معك غنمة أو شاة أو جمل من الشام، وأنت تصرف، إذا قدرت على ذلك فهي نعمة، تكون طبقت السنة تماماً، في شيء غير منطقي، هناك تبدلات، الأحكام تتبدل مع تبدل الظروف، هذا شيء غير طبيعي.
وقف خطيب على منبر ـ الله يصلحه ـ قال: كل إنسان يصرف مئة ليرة أربع خمسة وعشرينات أكل الربا، لأن الله قال: يداً بيد وسوءً بسواء، فاستنبط أن المئة صاروا أربعة، صار في فضل، وقع بالربا.
هكذا عقليات متحجرة، هكذا تفكير متزمت ينفر الناس من الدين، بالبديهة بعض الدول الأجنبية في عندهم بالقضاء شيء اسمه محلفين، يأتون بخمسين شخص من الطريق، مثلاً شخص عادي قد يكون جاهل، أمي، سمَّان، بيَّاع، متجوِّل، شخص، يأتون بهم وتسمعهم وقائع الجريمة، تجد في فطرة بالإنسان سليمة، هؤلاء الجهلاء الأميون، غير المتعمِّقين، ما درسوا حقوق، ولا يوجد عندهم أي خبرة بالقضاء، والله الأصابع تشير إلى فلان، أن فلان مجرم، هؤلاء اسمهم محلفون، هؤلاء على الفطرة، هؤلاء يمثلون الضمير البشري.
قل لواحد: أنا ذبحت غنمة، وألقيتها بالطريق، والحرارة ستة وخمسين، وأنا أديت الحمد لله منسك الحج. هل هذا الدين دين الله هذا ؟ تتلف مال ثمين جداً الناس في أمس الحاجة له تتلفه وتجعله يسبب تلوث البيئة وأنت حاج ؟ لا والله أنت ما فهمت شيء بالحج.
فأحياناً تنشأ ظروف، أريد أن أقبل الحجر، معقول أعمل معركة هذا بكوعي، وهذا أدفعه بصدري حتى أصل إلى الحجر ؟!! مرة كان لي تعليق مضحك قلت لهم: تصوروا أب حوله ثمانية أولاد، في عنده ابن شرس، فأحب هذا الابن الشرس يكسب رضا والده، مسك أول أخ ضربه على وجهه دفعه جانباً، أمسك بالثاني وركله بقدمه، أمسك الثالث خبطه على وجهه حتى تفرقوا، وجاء ليقبل يد والده، قال: تضرب أنت وهذا التقبيل. والله هكذا أرى أناساً عند الحجر وحوش، معقول ؟ أنت جئت من بلاد بعيدة دافع مئات الألوف، من أجل سنة تضحي بفريضة تؤذي الحجاج ؟.
مرة أحد إخواننا العلماء جزاه الله الخير ـ من باب الدعابة ـ قال لي: أنا مذهبي شافعي، فدخلت لكي أطوف، فبالطبع في نساء، وبشكل خطأ امرأةٌ مست يدها يدي ـ فكيف يطلع من الطواف، والآن الوضوء خارج الحرم تحتاج ساعة، أو ساعتين تطلع توضأ وترجع قال: تقلدت الإمام الحنفي، وأنا أطوف انتقلت من شافعي لحنفي، جاء واحد زنجي داس على رجلي أدماها، الدم سال، انتهى الطواف صار في دم سائل قلدت المالكي أيضاً. قال لي: بدأت شافعي، صرت حنفي، انتهيت الكي، فكذلك هذه الاجتهادات نعمة كبيرة.
في أشخاص.. أنا ذات مرة كنت في البعثة، فجاءت امرأة من ريف دمشق تسأل أحد العلماء: أنها هي جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة ماذا تفعل ؟ فما نظر لوضعها قال لها عليك بدنة. أي أن تذبح جمل، ثمنه مئة ألف. فبركت مثل الجمل، هذه الحجة تنتظرها من ثلاثين سنة، كل ما تملك جمعت لهذه الحجة هذا الحكم الشرعي ؟ عند الأحناف عليها جمل دبح بدنة، عند الشوافعة عليها أن تغدو أميرة الحج، ينتظروها، سبعة أيام تطهر وتطوف وتأتي عند الإمام مالك تطوف البيت ولا شيء عليها.
تصور إنسانة بالحج معها ملايين، وسألتنا نقول لها: عليكِ بدنة ادفعي مئة ألف للفقراء وأطعميهم، فلا مانع. إنسانة لها ابن مقيم بجدة وزوجها تاجر نقول لها: انتظروا، ماذا حدث ! اجلسي عند ابنك سبع أيام وبعد أن تنتهي تطوف بالبيت. واحدة منتوفة ملحقة بفوج لا أحد ينتظرها ليس معها قرش زيادة عن نفقة الحج نقول لها: طوفي ولا شيء عليكِ.
انظر إلى الإسلام وعظمته، يسع كل الحالات ؛ يسع حال امرأة فقيرة، يسع حال امرأة غنية، يسع حال إنسان ليس ملتزم بعمل، حر، تاجر ليس عليه دوام.
مثلاً في أربع ملايين حاج، لو أرادوا أن ينفروا من المزدلفة في وقت واحد كانوا ماتوا دهساً، عند الإمام مالك لك أن تنطلق من مزدلفة بعد العشاء، والله هذا شيء سهل، عند الإمام الشافعي بعد الثانية اثنا عشر، عند أبي حنيفة بعد الفجر، الأربع ملايين توزعوا على ثلاثة، فصار مليون بمليون بمليون، شيء جميل، تنوع الاجتهادات يغطي كل الحالات بالإنسان في ثوابت ومتغيِّرات ؛ بالثوابت الأحاكم قطعية، بالمتغيرات الأحكام ظنية.
فأنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن أنقل لكم هذه الحقيقة، في وقت الشدة يجب أن تأخذ بالأسهل، وفي الرخاء يجب أن تأخذ بالأحوط، فالنبي اللهم صلي عليه رجم الجمرات وكان معه قل ألفين حاج، إذا صار بدلاً من الألفين مليونين، والمكان واحد، يجب أن يكون الإنسان عنده حكمة، أنا ثلاثة مرات حجيت ومعي زوجتي مثلاً، تعرفوا عصارة الغسالة !! يطلع واحد مُصَفَّح من الازدحام، فأي إقبال، وأي بكاء واحد ينسحق سحق، وإذا رأى امرأته تنسحق بين الرجال فهل يعرف يتجه لله عز وجل ؟ أنا بالليل رجمت، بالليل في متر فاضي بينك وبين الذي يقف بجانبك، متر بمتر، تبكي، تبتهل، تدعو، في ناس نصيين ؛ لازم يرجم بعد الزوال محرقة مقتلة.
فبالظروف الصعبة يجب أن تختار الأسهل، بالرخاء تختار الأحوط، خذها قاعدة وأنا أرى أنه لا ينبغي أن يكون الإفتاء في الحج على مذهب واحد، ممنوع، أرى، وأصر وأتمنى أن يكون في بعثة الحج أربع مفتيين ؛ مفتي حنفي، شافعي، مالكي، حنبلي، الحنبلي أهون شيء، لكن عند العوام الحنبلي أصعب شيء، يقول له: هل ستسوقها حنبلية ؟ ما الحنبلية الإمام الحنبلي كان أورع الناس لنفسه، وكان أسهل الفتاوى فتاويه، فهو شديد على نفسه، في شخص لنفسه يأخذ كل الرُخص، إذا سئل يعطي أصعب شيء، هذا موقف غير صحيح.
الحكم التاسع: محرَّمات الإحرام ؛ الجماع ودواعيه، من لمس، شهوة، تقبيل إفحاش في الكلام... إلخ، في جهل يا إخوان، في جهل كبير، أنا والله أربأ بإخواننا الحجاج أن يقعوا في هذا الجهل، حدثني أحد رؤساء الأفواج: واحد قبَّل زوجته أمام الناس بالحج. هل أنت حاج ؟ أنت تريد ملهى، لا تريد حج.
في شخص بمكة يقول لك: أين قبر النبي ؟ هنا لا يوجد قبر النبي قبر النبي بالمدينة قال له وهو بالكعبة: أخي أين القبلة ؟ قال له: هذه الكعبة. فقال له: أنا أقول لك القبلة وليس الكعبة، فأين القبلة ؟ قال له: هذه الكعبة. جهل مطبق.
بلغني أن بعض الدول الإسلامية أنه لا يمكن أن تحج قبل ما تدخل دورة ستة أشهر نظري وعملي، تجد هذا الحاج من شرق آسيا يمثل بلده أعلى تمثيل، أدب، يعرف كل المناسك نظافة، أماكن راقية، سيارات مكيفة، تجده يقعد حيث انتهى به المجلس، لكن نحن أصحاب الرسالة، نحن الوسطاء بين الله وخلقه، إلينا جاءت الرسالة، ونحن الغلط من عندنا، والفوضى من عندنا، والنوم بالطرقات، ويقول له: أين قبر النبي وهو بمكة ؟ واحد ناوي نيته بالحج أن الله يبعث له ولد، فالتقى مع زوجته بعرفات، فربما أتاه ولد مثلاً، شيء مخيف أخطاء فاحشة.
والله مرة من باب الطرفة أنا كنت موكل بفحص رؤساء الأفواج، رأيت رئيس فوج لم يعجبني، قلت له: إذا كان امرأة مسنة عمرها ثمانين سنة، ما تمكنت أن تهرول بين الميلين الأخضرين، ماذا عليها ؟ تأمَّل، وتأمل، وتأمل وقال لي: والله بطل حجها يا أستاذ. قلت له لماذا ؟ قال لي: لأن هذه الهرولة ركن من أركان الحج. هذا سوف يدل مئة حاج بالحج فهو يكون رئيس فوج، في جهل مطبق، علاجه العلم، تفقهوا قبل أن تحجوا، جميل جداً تكون فقيه بالحج، لطيف.
من أجل سنة نضحي بفريضة، من أجل سنة نرتكب كل الأعمال القبيحة، فتصور هكذا صف جامعي، صف رابع رياضيات، ثلاثة عشر طالب فيه وكل الأساتذة دكاترة كبار دخلوا إلى الصف حوالي ستين سبعين واحد أميين، من الأزاعر وقعدوا معهم، فما بقى في محاضرة ولا بقى في فهم ولا بقى شيء، انتهى العلم، في كثير ناس هنا منحرفين بالحج فالإنسان يجب أن يكون دقيق، أنت تمثل بلدك، الحقيقة أنا أريد أقول لكم كلمة: الحاج سفير ة بلده.
تجده حاج يرفع اسم بلده إلى الأوج ؛ وحاج يضع سمعة بلده في الوحل من تصرفاته والله في بعض البلاد الإسلامية عندهم لطف ورقة بالغة، وفي أناس غير ذلك.
الشيء المؤلم ـ ما دام صار في مباسطة بيننا ـ أن هؤلاء ثلاثمئة راكب إلى هذه الطائرة، الطلعة، القتل على الطلعة، لك محل على البطاقة، بطاقة صعود عليها محل لا يتغير لو وقفت بهدوء، وطلعنا بانتظام، أنت حاج تجعل موظف يسمعك كلمة قاسية، أنت ضيف الله ضيف الرحمان، لك مكانتك، فالإنسان بقدر ما يحترم نفسه فالناس يحترموه، فهذه مشكلة.
والله أنا ذهبت لبلاد سافرت من فترة إليها، إذا في موظف عند العامود يجب أن يقف الشخص الثاني هنا عندي، في خط أحمر، لكي يحكي معه براحة، لا يوجد أحد عنده، في خط أحمر، واحد عند الموظف، وأول واحد ثاني بعد ثلاثة أمتار أو أربعة أمتار هنا تقف والكل منضبطين، هذا الشيء نظام، والنظام حضارة، النظام رقي، أتمنى إذا كان الله أكرمنا بالحج الواحد يكون لطيف، ظله خفيف.

(( تفقهوا قبل أن تحجوا ))
طبعاً من محرمات الإحرام اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي، والمخاصمة والمجادلة.
مرة بهذه الخيام، خيام مفرقة، بعرفات يزيدون الفوارق فتصير صلاة جماعة كاملة فواحد يزيل واحد الحاجز بين خيمتين لتصير صلاة جماعة، لأنه في خطبة، فواحد من الحجيج سب بالدين من رواد عرفات لماذا أزلتوا الحاجز ؟ فأنت لماذا جئت إلى هنا ؟ هذه مثل جامعة الحج، تعد جامعة راقية جداً، أرقى عبادة، وفي أناس يذهبون إلى الحج بشكل غير معقول قال عليه الصلاة والسلام:

(( من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )
آخر شيء بهذا الدرس قال:

((من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ))
فأنت هل تعرف ما في بالحج ؟ في الحج فرصة كي تصطلح مع الله، فرصة كي تمحى عنك كل الذنوب، فرصة قد تبدأ بها مع الله بصفحة جديدة، فلا شيء، رجعت كيوم ولدتك أمك، الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن نكون قدوة للآخرين، وإذا الإنسان حج، فالحج يحتاج إلى إعداد كثير، إلى تفقُّه، إلى علم، إلى أخلاق راقية جداً، طبعاً أنا ذكرت أمثلة حادة جداً يجب أن تسامحوني، ذكرت أمثلة حادة جداً، أما في والله حجاج كبار ومهذبين، وأتقياء، وخاشعين، طبعاً الحالات النادرة هي صارخة لكن لا تعني أن الحجاج هكذا لكن في حالات من هذه الحالات.


والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
قديم 05-15-2011, 09:32 PM   #10
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 09-27-2014 (11:23 AM)
 المشاركات : 30,015 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس الدرس ( 19 - 25 ) : الصلاة على النبي ، سورة الأحزاب : الآية 56
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-04-27
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام... مع الدرس العشرين من دروس الأحكام، والآية اليوم قوله تعالى :

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
(سورة آل عمران)
أخطر شيء في حياة المؤمن ما يسمى بالولاء والبراء، فحينما يوالي الكافرين يجر إلى دينهم أو إلى أخلاقهم أو إلى تصوراتهم أو إلى سلوكهم، فهذه آية خطيرة جداً، بعد الإيمان بالله لا بدّ أن تراجع كل العلاقات السابقة، كل العلاقات الاجتماعية يجب أن تدرس وأن تصنف وأن تراجع وفق مناهج الدين، لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي، علاقات العمل لا شيء عليها، أي علاقة مع أي إنسان إن لم تؤذ أحداً ولم تدفع ثمن هذه العلاقة من دينك لا شيء عليها، أما أي علاقة يكون ثمنها على حساب دينك فهذه علاقة خطيرة، آية اليوم:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
بعد أن بين الله جلّ جلاله أنه واهب الملك ونازع الملك، المعز والمذل، القادر على كل شيء، بعد أن بين لك أنه وحده العزيز الحكيم ولا منجى ولا ملجئ لك منه إلا إليه قدم لك هذا التوجيه وهذا الأمر:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
نبه الله المؤمنين إلى أن لا ينبغي لهم أن يوالوا أعدائه، كيف توالي عدو الله ؟ كيف تميل معه ؟ كيف تقف إلى جانبه ؟ كيف تحبه وهو لا يحب الله ؟ كيف تحترمه وهو يعصي الله ؟ كيف تمنحه ودك وهو يجافي دين الله عز وجل ؟
فقضية خطيرة جداً أن توالي أعداء الله، العلاقات علاقات العمل هذا موضوع آخر أي إنسان كنت تحت إمرته تقوم بواجبك خير قيام وتحترمه بحكم منصبه هذا شيء آخر، حديثنا ليس عن علاقات العمل التي لا تؤثر في دين الإنسان، حديثنا عن الولاء عن الحب الداخلي عن الولاء النفسي، عن العلاقات الحميمة التي تجعل من هذين الإنسانين يشتبكان نفسياً، يؤثر كل منهما بالآخر، فالعلاقات الحميمة علاقات خطيرة والآية عن هذه العلاقات.
إذاً لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله، أو أن يستظهروا بهم، أن يستعينوا بهم أن يتكلوا عليهم، أن يعتدوا بهم، أن يفتخروا بهم، وهذا منزلق خطير للمؤمنين، قد يكون لمؤمن قريب من أهل الدنيا من الأقوياء من الأغنياء من المتفلتين لمجرد أن تعتز به وأن تتكأ عليه وأن تجعله مع الاحتياطي الذي يدعمك في وقت الشدة فقد نقص إيمانك، وقد نقص دينك لأن الله عز وجل يقول:
لا
تستظهر به ولا تعتمد عليه ولا تفخر به ولا تركن إليه، قال تعالى:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين
(سورة هود )
ولحكمة بالغة بالغة ولأسلوب تربوي رفيع ربنا جلّ جلاله حينما يرى مؤمناً يعتز بغير المؤمن ويركن إليه يفتخر به يغيب ظنه به، يلهم هذا القوي أن يتخلى عنه، أو أن يقف موقفاً منكراً منه تأديباً من الله له، ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.
قال بعض علماء التفسير: نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين يوالون رجالاً من أهل الكتاب فقال لهم بعض أصحاب رسول الله اجتنبوا هؤلاء واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة فنزل قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)

وقيل نزلت في عبادة بن الصامت فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال له عبادة: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله قوله:
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
وللنبي عليه الصلاة والسلام مقولة شهيرة: لا نستعين بمشرك على مشرك.
والمسلمون ماداموا يعلقون الآمال على الكفار، ماداموا ينتظرون من الكفار أن ينصفوهم، ماداموا ينتظرون الفرج والمدد وتحريك الأمور من غير المسلمين فقد ضلّوا سواء السبيل.
الآن السؤال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية ؟ هو ينهاهم أم ينفي عنهم ؟ قال علماء التفسير يصح الوجهان، يصح أن تكون الآية على النحو التالي إن الله ينهى المؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وقد يقول قائل وقد تصح نافية يعني شأن المؤمنين لا يتخذوا الكافرين أولياء، قال بعضهم هذه أبلغ كقوله تعالى:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾
(سورة البقرة)
لم يقل يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكم، شأن الوالدة أن ترضع ابنها، قال تعالى ولا يزنون نفى الله عن المؤمنين الزنى هذا ابلغ من أن ينهاهم فيقول لا تزنوا هذا شأنهم، النهي في تصور المخالفة، لو أنك قلت لابنك اشتر بهذه الدراهم لبناً وإياك أن تأخذ من هذا المبلغ شيئاً وكان خالي الذهن من أن يأخذ فلما نهيت أصبح في باله أن يأخذ، قال النهي عن الشيء فيه تصور وقوعه، لذلك الآيات التي تخبر ولا تنهى أبلغ، يعني ومن دخله كان آمناً يعني اجعلوه آمناً، الطيبون للطيبات يعني ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، آيات كثيرة جاءت في أسلوب الخبر وهي في الحقيقة أسلوب الإنشاء، هي في الحقيقة أمر أو نهي، هجاء على صيغة الخبر قال هذا أبلغ، يا بني إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة، لام يكن يخطر في باله أن يتأخر فلما جاء النهي تصور النهي،أما إذا قلت له ليس عندي ولد يأتي بعد الساعة التاسعة إطلاقاً هذا خبر يفيد النهي لكن يمنع تصور العكس.
لذلك قال بعض المفسرين: لا يتخذ المؤمنون هذه لا نافية، يعني ليس من شأن المؤمنين أن يتخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين.
أما الأولياء فهي جمع ولي، من هو الولي في اللغة وفي هذه الآية ؟ الناصر والمعين، لا تستعن بمشرك، لا تأخذ برأي مشرك، لا تصتنصح مشرك، يعطيك الخلط والشرك وحب الدنيا والمعصية، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
(سورة الكهف)
إياك أن تطع من أغلفنا قلبه عن ذكرنا، لا تستنصر بهم أي المشركين، لا تستعن بهم، لا تركن إليهم، لا تعبأ بالقرابة التي بينك وبينهم، أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً.

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
سورة المجادلة)
لا قرابة ولا زمالة ولا جوار ولا معرفة سابقة مادام كافراً.. مادام منكر منهج الله عز وجل لا يعبأ بكل تعليمات الله عز وجل هذا ينبغي أن تحدد علاقتك معه علاقة عمل علاقة سلام، أما سهرات ونزهات وعلاقات وشراكات هذه علاقات حميمة لا يتضرر منها إلا المؤمن كأس ماء نظيف وكأس ماء قذر اخلطهما من الذي يتضرر ؟ كأس الماء النظيف فقط أما الكأس الثاني لا يتأذى.
إنسان يرتدي ثوب كله أقذار وشحم وزيت أسود فإذا عانق إنسان يرتدي ثوب أبيض ناصع من الذي يتأذى ؟ صاحب الثوب الأبيض أما ذال فلا يتأثر، غير المؤمن مستعد أن يسمعك أقبح نكتة وأحقر نكتة، أنت تستحي وهو مرتاح، هو يريد أن يستفزك، تعليقاته لاسعة ونظراته وقحة ووصفه قذر، وعلاقاته مصلحية، فليس لك مصلحة أن تقيم علاقة ودّ بينك وبين كافر فإن فعلت فهذه علامة خطيرة جداً، ومن يتولهم فإنه منهم، لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، في آية ولو كانوا أبائهم أو أبنائهم، لذلك أخوك المؤمن أقرب إليك من أي إنسان كائناً من كان.
قال لأن العلاقة بين المؤمنين والكفار إذا استحكمت وتمتن ربما استحسنت أعمالهم عش مع أهل الدنيا شيئاً فشيئاً تقنع بأعمالهم تقول هم فرحين نحن متزمتين، شيئاً فشيئاً تستمرق معاصيهم وتقنع بانحرافهم، لأن الإنسان ابن بيئته، أخطر شيء البيئة فإذا اختار بيئة صالحة ارتقى بها، وإذا اختار بيئة سيئة هبط بها، لذلك الإنسان حينما يعيش كل يوم وراء أعمال فنية ساقطة فيها انحرافات لو أدمن عليها صار هذا العمل طبيعي عنده، إذا عاش يومياً يتابع المسلسلات والخيانات وعلاقات آثمة كلها وأساليب ملتوية والذكاء موظف في الشر والإنسان أناني مصلحته فوق كل شيء، وهذا البطل الذي يعطى كل أسباب الرفعة يشرب الخمر ولبا يعبأ بحلال أو حرام، فالإنسان حينما يعيش هذه الأجواء كل يوم يرى أن هذه الأجواء طبيعية، يعني كيف يمكن أن تقنع ابنتك بالدين وبالعفة وبالطهارة إذا مدمنة على مسلسلات ملخصها أن الفتاة تفعل ما تشاء وتلتقي مع من تشاء وتقيم علاقة مع من تشاء، ولا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يحاسبها، إذا كان هذا هو النموذج فكيف تطلب من ابنتك أن تكون منضبطة، أن تكون صاحبة حياء، أن تكون عفيفة أن تكون وفية، فمشكلة كبيرة جداً، لا بدّ أن يعيش المؤمن مع المؤمنين لا بدّ من أن يعيش قيمه، لا بدّ من أنه يعيش سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط، مجتمع تعظيم حرامات الله، إن عشت مع هذا المجتمع كنت منهم لأن المرء مع من أحب، وهو القوم لا يشقى بهم جليسهم، والصاحب ساحب.
إخواننا الكرام... هذا المعنى خطير، لذلك وردت فيه آيات كثيرة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾
(سورة آل عمران 118)
لا يكون لك إنسان قريب منك جداً غير مستقيم، هذا يثبط عزيمتك، يوغر صدرك، يقلل من أعمالك الصالحة، يغريك بالدنيا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

(سورة المجادلة 22)
مستحيل أن تمحنه ودك، هو يحارب الله ورسوله، يسفه دين الله، يزدري الأنبياء والمرسلين وتقول فلان لبق ناضج فكره مفتوح أخلاقي تمدحه، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق أما إذا واليته فلست مؤمناً، إذا مدحته أغضب الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
(سورة المائدة 51)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
(سورة الممتحنة 1)
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
(سورة التوبة 71)
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
(سورة التوبة 67)
إلا أن الآية دقيقة جداً في الاستثناء الذي سياتي بعد قليل قال تعالى:

﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾
إلا أداة استثناء، والمعنى بالضبط لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة حينما تتقون منهم ما ينبغي أن يتقى، فلو أن هذا الطرف قوي وجاحد وتوعد بالقتل أو بسلب المال كله يتقي أن يهدر دمه رخيصاً، ويتقى أن يؤخذ ماله كله

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾
يعني لا تتخذوهم أولياء في أي حالة إلا في حالة واحدة حينما تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى كالقتل وسلب المال كله عندئذ أنتم معذورون، يعني أحياناً تجامله لكي لا يظن أنك متديناً تجامله لكي لا يأخذ عنك فكرة أنك محافظ مع التقاليد، أما حينما يصل الأمر إلى القتل أو إلى أخذ المال كله وفي أخذ المال كله هلاك الإنسان هذه حالة واحدة ونادرة فيها استثناء.
أي إلا أن تتقوا شيئاً يتقى في الأصل، أخذ عنك فكرة سيئة وماذا يحصل، أخذ عنك فكرة أنك صاحب دين وماذا يحصل، أما إلا أن تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى من إيذاء لا يحتمل أو قتل أو سلب للمال، قال كالقتل أو سلب المال كله، أما هنا الآية:

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾
أحيانا ًالله عز وجل يسوق لهذا الإنسان معالجة عن طريق أحد الأشخاص، أما أحياناً يتولى الله سبحانه وتعالى بنفسه معالجة الإنسان، تأتي الأحداث من فعل الله مباشرة، قال هذا الذنب أن توالي الكفار وأن تمحنهم ودك وأن تقيم معهم علاقات حميمة وأن تثني عليهم وأن تحبهم إذا أعطوك أو منحوك أو رفعوا قدرك، أن تصبح مدافعاً عنهم أن تتعامى عن أخطائهم أن تبرز محاسنهم أن توقع الناس في حيرة، قال هذه حالة تستوجب أن يعاقب الله صاحبه مباشرة.

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾

قال هذا تهديد عظيم مشعر بأن هذا العمل من أسوء الأعمال ومن أقبحها ومن أبعدها عن روح الإيمان، يعني يحذركم الله عقاباً يتولاه بنفسه لا عن طريق الإنسان، يعني يحذركم الله عقاباً لا يرفعه عنكم أحد، وإذا أراد الله بقوم سوءاً لا مردّ له.

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
ولم يقل وإليه المصير بل قال وإلى الله المصير وذكر لفظ الجلالة تعظيماً لله عز وجل، مصيرك إلى الله فكيف توالي أعدائه، مصيرك إلى الله فكيف تمحضهم ودك، كيف تعينهم على المؤمنين، أقول لكم هذه الكلمة أي مؤمن يعين كافراً على مؤمن ليس فيه من الإيمان ولا ذرة.

﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
سيعاقبكم، وعنده نار إلى أبد الآبدين، فالإظهار إظهار لفظ الجلالة لتربية الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين.
طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام ردّ مشرك ذات جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع رسول الله يوم بدر، فقال: ارجع فلن أستعين بمشرك.
إلا أن المحافظة على النفس والعرض والمال مطلوب في الحالات النادرة جداً لك أن تتقي منهم ما ينبغي أن يتقى، إلا أن العلماء فصلوا قال: العداوة مردها إلى سببين اثنين: عداوة أساسها الاختلاف في الدين، وعداوة أساسها الأغراض الدنيوية كمال والمتاع والإمارة، إذا الموضوع دنيوي فيه حكم، وإذا الموضوع ديني فيه حكم، إذا كان العدو يحارب دينك ولم يسمح لك أن تؤدي فرائضك ولا أن تحفظ نسائك فلا بدّ من أن تهاجر ومن لم يهاجر وقع في إثم كبير إذا كان العداء دينياً والعدو قوي ومنعك من أن تصلي أو من أن تحجب امرأتك أو من أن تقيم شعائر الله فالدين أولى يجب أن تفر بدينك، ويجب أن تعبد الله في أرض وأنت مرتاح، الآية الكريمة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾
(سورة النساء)
شيء مخيف، إلا:

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98)﴾
إذا منعت أن تصلي، منعت أن تقوم بشعائر دينك، منعت أن تكون مستقلاً في بيتك هذا حصل في أسبانيا، حصل في بعض البلاد قديما، يعني لا يستطيع مسلم أن يصلي ولا أن يغلق بابه إذا ضبط يغتسل يوم الجمعة يقتل، إذا ضبط في العيد يصنع حلويات يقتل، فحينما تمنع أن تمارس شعائر دينك لا بدّ أن تبحث عن مكان تعبد الله فيه وإلا فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيراً.
الاستثناء النساء والأطفال هؤلاء لا يستطيعون الهجرة فهؤلاء معفو عنهم ولهم رخصة.
إخواننا الكرام... كل شيء له ثمن أما الدين واقعي، الدين لكل الناس، ففي حد أدنى وحد أعلى، إليكم هذه القصة: مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم، فتركه، طبعاً السيف فوق رأسه، وقال للثاني: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: لا، قال إني أصم ما سمعت قالها ثلاثاً فضرب عنقه، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئاً له، وأما الآخر الذي قال أشهد أنك رسول الله لمسيلمة فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه.
سيدنا عمار بن ياسر مجبر على أن يقول كلمة في حق النبي فقالها فنجى، فجاء إلى النبي خائفاً فقال له: كيف قلبك ؟ قال، مطمئن، فقال: وإن عادوا فعد لا عليك.
أما سيدنا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك ومالك، قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي ومالي وعافيتي عندي ويصاب رسول الله بشوكة فصلبوه.
الإسلام في حد أدنى وحد أعلى، الأدنى معذور رخصة، انظر كلام النبي ما أجمله أما الأول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه، كلاهما ناج، لكن واحد بمكانة أعلى من الآخر، أما من كانت عداوته مع العدو القوي على مال أو دنيا أو أمارة اختلف العلماء في وجوب الهجرة فقال بعضهم تجب لقوله تعالى:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
(سورة البقرة 195)
وبدليل النهي عن إضاعة المال من قتل دون ماله فهو شهيد، وقال آخرون لا تجب لأنها مصلحة دنيوية، ولا يعود على من تركها نقصان في الدين، يعني أنت ساكن في بلد أخذ منك شيء لكن دينك لم يتأثر، مادام الدين سليم ليس هناك مشكلة، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال الحمد لله ثلاثاً الحمد لله إذ لم تكن في ديني والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها.
الآن في نقطة دقيقة جداً ينبغي أن أقولها لكم وهي: مدارات الناس بإظهار المحبة والود والموافقة ولم تؤدي إلى ضرر الغير كما أنها لا تخالف أصول الدين هذه شيء فيها، هذه من الحكمة، لك جار غير مسلم تلقي عليه تحية الصباح أو المساء، المسلم لطيف ودود مؤنس ليس فيه مشكلة أبداً مادام أنك لم تجامله، لكن المجاملة والمداراة إذا أدت إلى إيقاع الأذى بمسلم لا تجوز إطلاقاً، أما إذا ليس فيها أي مشكلة فليس منها مانع، وهذه ليست التي نهى الله عنها الله نهى عن أن تؤذي المسلم، نهى أن تنجذب إلى الكفار، أن تسلك سلوكهم، أن تحبهم، فينقلك حبك لهم إلى معصية هذا الذي نهى الله عنه.
يعني ملخص الدرس لعبة شدّ الحبل، إذا أمكن أن تشدهم ليس هناك مانع اجلس معهم، إذا أمكنك أن تشدهم إلى الله، أن تقنعهم بالدين، أن تحببهم بالإسلام اجلس، أما إذا خشيت أن يسحبوك إلى ما هم فيه، أن يسحبوك إلى سهرة مختلطة إلى منكرات، أن يقنعوك أن هذا الإسلام لا يصلح لهذا الزمان وليس معك حجة قوية إياك أن تجلس معهم.
أما إذا كانت هذه المودة، لأنه ومن أعان ظالماً ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيس من رحمة الله، ومن أعان ظالماً سلطه الله عليه أول ضحايا من أعانه، فإذا كانت المودة أدت إلى إيقاع الأذى بالناس لا يجوز، أدت إلى أن تنجر إليهم لا يجوز، أما لا أوقعت أذى بأحد وأنت في حصن حصين وأنت قوي وأقوى منهم بحجتك وبنائك النفسي ليس هناك مانع كن لطيفاً، أطلق وجهك تجاههم.
أيها الأخوة الكرام... هذه آية من أدق الآيات في حياة الناس، الولاء والبراء يجب أن توالي المؤمنين وأن تتبرأ من الكفار و المنحرفين، من أجل أن يسلم دينك يجب أن تحيط نفسك ببيئة مسلمة، بيئة مؤمنة، لا بدّ لك من مرجع ديني، لا بدّ لك من منهل تستقي منه، لا بدّ لك من مسجد تأوي إليه، لا بدّ لك من تغذية دورية في العلم والخلق، هذا الذي ينبغي أن نكون عليه، ولن نستطيع أن تفلت من مغريات الحياة الدنيا إلا إذا عشنا مجتمعاً نقياً صافياً يعني واحد مسلم وزوجته محجبة وبيته إسلامي منشأ نزهة في مقهى، المقهى ليس لك غناء وطاولة ونساء كاسيات عاريات، هذا المكان ليس لك، لا تختلط لأن لك مكانك الخاص، لك سهراتك الخاصة، لك حفلاتك الخاصة، لا يصح أن المؤمن ينشأ عرس غناء ورقص، نحن العرس الإسلامي له ترتيب آخر، في كلمة في مديح لرسول الله، لا تقلد الكفار وتنجذب إليهم فيسحبوك وبعد حين تقنع بما هم عليه، إذا قنعت بما هم عليه كما قال عليه الصلاة والسلام من علامات آخر الزمان يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
يعني أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا، أن نكون معهم في حفلاتهم، في اختلاطهم في متعهم، في ما يستهونه، في مسلسلاتهم، هذه كلها قيم منحطة، أما أنت بما أنك مؤمن قيمك الصحابة، المرأة قدوتها وقيمها الصحابيات الجليلات، أنت قيمتك القرآن والسنة وتاريخ الصحابة الكرام، وليس الممثلين والممثلات، ليس هؤلاء الذين ينبغي أن تقتدي بهم، فلا بدّ أن تكون بعيداً عن كل بؤرة نتنة، عن كل بؤرة سيئة، هذا هو مضمون الآية:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾
والحمد لله رب العالمين


 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:54 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010