الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى كنوز القرآن الكريم > كنز القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-02-2011, 05:30 AM   #1
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 11-15-2014 (02:00 PM)
 المشاركات : 30,028 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
1 (21) أسس تربية الأولاد في القرآن الكريم



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك



أسس تربية الأولاد في القرآن الكريم


من القضايا التي تؤرق الآباء اليوم تربية الأبناء، فكم من أب أوأم تعب بحثا عن منهج سليم يربي به أولاده، فتراه ينتقل من قناة لأخرى جريا وراء البرامج المختصة في الموضوع،


وقد يقرأ كتابات في علوم التربية، ويحادث من يعرف بهذا الخصوص يعرض عليه مشاكله مع أبناءه التي تضنيه وتقلق راحته، ويجرب هذه الطريقة وتلك ويضع في المحك هذه النظرية وتلك، وكثيرا ما تظهر التجربة أن هذه الآراء لا تفي بالغرض، فيزداد التوتر وتكبر الحيرة ويلح السؤال ما العمل وما المخرج؟

وعجبي للمسلم كيف يوقع نفسه في هذه الورطة ويدخلها في دوامة هذه الحيرة، وهويقرأ كتاب ربه يخاطبه سبحانه قائلا:(("إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (95)."))[1] .

وعجبي للمسلم يقول بعد قراءة هذه الآية، نعم القرآن يهدي للتي هي أقوم ولكن ليس هناك تفاصيل وتوضيحات لمشكلتي أنا، مع علمه أن هذا القرآن أيضا جاء ونزل تبيانا لكل شيء نعم لكل شيء : (("وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)[2]"))

وهي حقيقة أدركها سلف هذه الأمة، فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (أُنزل في القرآن كل علم، وكل شيء قد بيّن لنا في القرآن)[3]، وهذا الإمام الجليل الشافعي رحمه الله تعالى يقول: (ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها)[4]. وقال بمكة مرّة رحمه الله تعالى: (سلوني عمّا شئتم أخبرْكم عنه من كتاب الله).

فما بال المتأخرين من هذه الأمة، إلا من رحم ربك، نسوا هذه البديهية من الدين؟

يجيبنا المفكر الإسلامي وحيد الدين خان في كتيبه الثمين " نحوتدوين جديد للعلوم الإسلامية" حيث يقول: ((إن القرآن هوالمصدر الذي يحتوي على كل العلوم الأساسية للدين والمطلوب (تبئين) هذه الأمور الأساسية لتبسيط فهمها لعامة الناس. وكانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا واضحا لهذا التبئين. ولكن تبئين القرآن وتفصيله تحول في العصور المتأخرة من أسلوب بسيط إلى أسلوب فني. وكانت النتيجة أن ظهر إلى الوجود دين جديد معقد مواز بدلا من الدين المحمدي البسيط الفطري[5]...))

علينا إذن أن نجدد العلاقة مع كتاب الله عز وجل، فنجعله مرجعنا الأول والأساس في كل أمورنا، ويترتب على هذا القول تلقائيا أن سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تابعة لهذا المرجع لأنها التطبيق العملي في أعلى مستويات السمووالكمال لكلام الله عز وجل، فليس أحد أعدل ولا أخشى لله ولا أعرف بالله من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. هذه قاعدة جوهرية وأساسية علينا أن ندركها جيدا ونستوعبها.

وتظهر الحاجة اليوم إلى بدل الجهد في ربط المسلمين من جديد بكتاب الله عز وجل وذلك بتعليمهم آداب التعامل مع كلام الله وتمكينهم من أدوات التدبر والفهم السليم لآيات الذكر الحكيم.

وهذه المحاولة التي نسعى من خلالها اكتشاف أسس تربية الأولاد في القرآن الكريم، هي لبنة صغيرة في هذا الاتجاه.

إن المتدبر في كتاب الله عز وجل يجد من الجواهر والنفائس في هذا الباب ما ينير العقل والقلب، فالرحلة في ثنايا الآيات الكريمة توضح الرؤياوتنير البصيرة،فتسكن النفس ويطمئن القلب.

وأدعوك أخي القارئ مرافقتي في هذه الرحلة المباركة بين دفتي الكتاب المبين نتلمس هذه الأسس في تربية الأولاد وذلك عبر محطات متدرجة تفضي كل واحدة لأختها.

ولا تنتظر أيها القارئ الكريم أن نحدثك بطريقة: إذا قال لك ولدك كذا فقل له كذا أوإذا فعل كذا فتصرف هكذا، وإذا كانت المشكلة كذا فحلها كذا، لا يا سيدي لا تنتظر ذلك من هذه السطور، ومع ذلك لا تنصرف عن القراءة لأن ذلك سيتيح لك بإذن الله النظر من زاوية مغايرة لما يعترضك أوقد يعترضك من صعوبات في تربية أولادك.

دعني في البداية أوضح أن المقصود بكلمة أسس، فهي جمع أساس، وأساس الشيء : ((" هوأصله ومبتدأه، والأُسُّ والأَساس: أَصل البناء والأَصْلُ: أَسفل كل شيء" ))[6] ، إذن نحن نبحث في مرتكزات وأصول التربية التي تقوم عليها، لأنه لا يتصور أن يكون هناك بناء من غير أصل ولا أساس ولا أن يكون علومن غير أسفل.

ما نبحث عنه إذن هوتلك الأرضية التي يبدأ منها ويقف عليها كل مسلم نعم كل مسلم وهويربي أولاده، وهذه الأرضية هي مشتركة بين كل المسلمين رغم تنوعهم واختلافهم فهي الخيط الرفيع الذي يوحدهم. إن القرآن الكريم لا يهدف أن يصوغ الناس في قالب واحد وصورة واحدة ونمط واحد، فإن ترك سبحانه وتعالى الحرية لبني البشر ولم يقهرهم على دين واحد ((" ولوشاء الله لجعل الناس أمـة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، ...)) ، أفلا يتصور الاختلاف والتنوع بين عباده المؤمنين بدينه الذي ارتضاه عز وجل لهم ؟

بلى ولكنه في نفس الوقت يرشدهم للأساس والأرضية السليمة التي تكون المنطلق للجميع، وهذا ما يشكل الوحدة لدى المسلمين رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم وأعرافهم. وكأنك أمام مجرة من الكواكب المنيرة تسبح في تناغم عجيب من غير تصادم ولا تنافر لأن المقصد واحد.



I. الهدف العام :

((" ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِزْقٍِِِ ومَا أُريدُ أن يطعمون(57) إن الله وهوالرزاق ذوالقوة المتين(58).")) سورة الذاريات

إن القرآن الكريم يذكرنا بالهدف الذي من أجله خلق الله عز وجل الجن والإنس، إنها العبادة، فهوسبحانه غني عن الخلق كلهم لا يريد منهم رزقا، فهوتعالى الرزاق.

هذا الهدف ينبغي أن يكون واضحا ثابتا في سويداء قلب كل مسلم، والمربي المسلم هوأولى الناس بأن يتمثل هذا الهدف فيصوغ حياته كلها انطلاقا منه.

العبادة، عبادة الله عز وجل، إذن هي هدف التربية وغايتها ابتداءً وانتهاءً.

وقد رتب سبحانه وتعالى على القيام بهذه المهمة جزاءا، جنة أونارا، ويوم الجزاء يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، بل يود أحدهم لويفتدي ب بنيه وصاحبته وأخيه بل من في الأرض ثم ينجيه، واقرأ إن شئت قوله تعالى:

((" فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)")) سورة عبس

(("يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَويَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) ")) سورة المعارج

والرحلة أيها المسلم قصيرة مهما بدت لك طويلة، ولتدرك قصر المسافة لك في النبات عبرة، الذي تتكرر دورة حياته أمامك فترى الماء يلج الأرض فتنشقق فيخرج منها النبات ليخضر ثم ليصفر فيكون حطاما، كذلك هي حياتنا، ويبقى العمل الصالح والولد الصالح يدعولك، وخير من كلامي هذا اقرأ قول رب العزة سبحانه وتعالى يقول:

((" وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا(45)الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (48)"))سورة الكهف

قال بن كثير في تفسير هذه الآيات : (("وقوله : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا " كقوله : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب الآية وقال تعالى : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم " أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم ولهذا قال " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا " قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . رواه الإمام أحمد حدثنا أبوعبد الله المقري حدثنا حيوة حدثنا أبوعقيل أنه سمع الحارت مولى عثمان رضي الله عنه يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال " من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات " قالوا هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . تفرد به وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ."))[7]

واعلم أيها المسلم أن عبادتك لله لا تنقطع حتى بعد موتك وذلك بفضل ذرية صالحة تدعولك، واقرأ معي هذا الحديث الشريف يرويه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه قال : ((" حدثنا ‏ ‏يحيى بن أيوب ‏ ‏وقتيبة يعني ابن سعيد ‏ ‏وابن حجر ‏‏قالوا حدثنا ‏ ‏إسماعيل هوابن جعفر ‏ ‏عن ‏ ‏العلاء ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏أبيهريرة ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏إذامات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أوعلم ينتفع به أوولد صالحيدعوله."))، لهذا يريد المسلم الذرية.

وليربح المسلم هذا الدعاء بعد أن يوارى التراب، دونه معاناة ومكابدة لكن هينة بإذن الله لما في ذلك من الأجر والتواب.

ولذلك دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربهفقال ((" رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ(100)"))

ودعا نبي الله زكرياء عليه الصلاة والسلام ربه : (("هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38))).



II. ((" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ...)) :

((" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49) أَويُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) ")) سورة الشورى .

سبحانه، الأمر كله له وبين يديه، لا معقب لحكمه فهوالحكيم الخبير، فأن تتزوج لا يعني أن يكون لك أولاد، لذا فلا ينبغي لك أيها المسلم أن يغيب عنك ولوللحظة، أن الأولاد الذين هم تحت يدك إنما هم منحة ربانية لا فضل لك ولا يد لك فيها، وإلا فانظر حولك، فهذان الزوجان ينتظران منذ مدة ولم يرزقا بعد بالولد، أتراك خيرا منهم، لا.

ثم أنت لك الذكور والإناث، وهؤلاء ليس لهم غير الأولاد ويتمنون بنتا لكن حرموها،

وهؤلاء ليس لهم غير البنات وينتظرون ولدا واحدا ولكن لم يرزقوه،

وهذا الذي أخبر أنه عقيم تراه كيف حاله؟

وانظر وتأمل معي يرحمك الله حياة صفوة الخلق، أنبياء الله عليهم أفضل الصلوات وأزكى السلام: (("قال إسحاق : نزلت في الأنبياء , ثم عمت . " يهب لمن يشاء إناثا " يعني لوطا عليه السلام , لم يولد له ذكر وإنما ولد له ابنتان . " ويهب لمن يشاء الذكور " يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور . " أويزوجهم ذكرانا وإناثا " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولد له أربعة بنين وأربع بنات . " ويجعل من يشاء عقيما " يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام ;"))[8]

فسبحان الذي خلق آدم عليه الصلاة والسلام من تراب دون أب أوأم،

(( "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ(28)")) سورة الحجر

وسبحان الذي خلق حواء من آدم عليه الصلاة والسلام دون أنثى،

((" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)")) سورة النساء

وسبحان الذي خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى دون ذكر،

((" قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48)")) سورة آل عمران

وسبحانه خلق باقي البشر من ذكر وأنثى ثم هم ينتشرون،

((" َاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)")) سورة فاطر

سبحانه إنه عليم قدير، سبحانه لا اعتراض على حكمه فهوالعدل سبحانه، ((" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"))

من هذا التسليم الجميل لأمر الله تعالى تبدأ حكايتك مع أولادك.

III. ((" فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا..."))

وتبدأ الرحلة ويجمع الله بين اثنين، فيأذن الله تعالى بالحمل فيبتهجا وينتظرا هذا القادم السعيد، وتتحرك الأماني من جديد منهم من يرغب في الذكر ومنهم من يود أن يكون المولود أنثى.

وأنت أيها القارئ الكريم هل سجدت لله شكرا بعد سماع الخبر السعيد؟

نعم هل سجدت له سبحانه فهوالمعطي وهوالخالق الباري المصور، آه، لعل هذه فاتتك، إن فاتتك فقد حُرِمت موقفا من مواقف العبادة ولحظة من لحظات الأنس والقرب من الله الحميد.

هل رفعت يديك لله فقلت يا رب اختر لي فإنك تعلم ولا أعلم هل قلت يا رب رضني بما وهبت لي لا اعتراض على ما اخترت ؟.

إن لم تفعل فقد حُرِمت ساعة من ساعات المناجاة بين يدي الحنان المنان.

أم تراك وقعت فيما تحدثت عنه هذه الآيات الكريمات قال عز من قائل :((" هُوالَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192) ")). سورة آل عمران

واحسرتاه على العباد، ينسون حرارة الدعاء، فيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون،

واحسرتاه ما أسرع ما نسوا ما عاهدوا الله عليه ((لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)).

وتأمل معي يرحمك الله كيف أن الشارع أرشدنا بإعلان التوحيد في أذن المولود بالأذان والإقامة، وهي لحظة كثيرا ما نغفل عن أهميتها بالنسبة للوالد ونظنُّها إنما جعلت للمولود فقط، والواقع أن الوالد أحوج لهذا الإعلان من المولود الذي يولد على الفطرة.

(("حدثنا ‏ ‏مسدد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى ‏ ‏عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏عاصم بن عبيد الله‏ ‏عن ‏ ‏عبيد الله بن أبي رافع ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال ‏رأيت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أذن في أذن ‏ ‏الحسن بنعلي ‏ ‏حين ولدته ‏ ‏فاطمة ‏ ‏بالصلاة."))[9]

((" (بالصلاة ) : أي بأذان الصلاة وهومتعلق بأذن والمعنى أذن بمثل أذانالصلاة وهذا يدل على سنية الأذان في أذن المولود . وفي شرح السنة روي أن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه كان يؤذن في اليمنى ويقيم في اليسرى إذا ولد الصبي كذا فيالمرقاة . قلت : قال الحافظ في التلخيص : لم أره عنه مسندا وقد روي مرفوعاأخرجه ابن السني من حديث الحسين بلفظ " من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقامفي اليسرى لم تضرهأم الصبيانوأم الصبيان هي التابعة منالجن"))[10].



IV. (("..قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ..")):

وتبدأ المسؤولية، نعم هكذا يدرك المسلم ما ينتظره من أول يوم يضع بين يديه هذا المولود الجديد ويقبله، إنها أعطية من الله وتكليف، ألم يجعل صلى الله عليه وسلم الرجل في أهلهراعمسئولا عنرعيته والمرأة في بيت زوجها راعية مسئولة عن رعيتها،ففي حديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه حيث قال نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة("حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ليث ‏ ‏ح ‏ ‏وحدثنا ‏‏محمد بن رمح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الليث ‏ ‏عن ‏ ‏نافع ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عمر عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنه قال ‏ ‏ألا كلكمراعوكلكم مسئول عن رعيته فالأمير الذي على الناسراعوهومسئول عن رعيته والرجلراععلىأهل بيته وهومسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم والعبدراععلى مال سيده وهومسئول عنه ألا فكلكمراعوكلكم مسئول عن رعيته.")).

وإنها لمسؤولية وأية مسؤولية، إننا نتسلم هذه الهبة على الفطرة وعلينا حفظها ورعايتها، إنك ولا شك تحفظ حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يخبرنا فيه أن كل مولود يولد على الفطرة، في كتابه الصحيح قال الإمام مسلم رحمه الله : (( "حدثنا ‏ ‏حاجب بن الوليد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن حرب ‏ ‏عن ‏‏الزبيدي ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏أخبرني ‏ ‏سعيد بن المسيب ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏أنهكان يقول قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ما منمولود إلايولد على الفطرةفأبواه يهودانه وينصرانهويمجسانه كما ‏ ‏تنتج ‏ ‏البهيمة بهيمة ‏ ‏جمعاء ‏ ‏هل تحسون فيها من ‏ ‏جدعاء ثم ‏ ‏يقول ‏ ‏أبوهريرة ‏ ‏واقرءوا إن شئتم ‏((فطرةالله التي ‏ ‏فطر ‏ ‏الناس عليها لا تبديل لخلق الله))")).

إننا نعبد الله في هذه الدنيا وإنا ملاقوه يوم القيامة لتجزى كل نفس بما كسبت، فإما جنة ونعيم مقيم وإلا نار وعذاب أليم، لذلك على المسلم أن يعلم أن هذا المولود الذي يحتضنه ويرفرف قلبه بحبه مطلوب منه أن يجنبه الهلاك ويقيه نارا وأي نار وقودها الناس والحجارة، أفمن الحب أن يرمي بفلذة من كبده في النار؟

واقرأ معي عافاني الله وإياك هذا المشهد الرهيب لتعلم خطورة الموقف :

((" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرون(6)")) سورة التحريم

وجاء في تفسير هذه الآية :

(( " قال سفيان الثوري عن منصور عن رجل عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " يقول أدبوهم وعلموهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " قوا أنفسكم وأهليكم نارا" يقول اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار . وقال مجاهد " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " قال اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله وقال قتادة تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها وهكذا قال الضحاك ومقاتل حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه .))[11]

((" القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { قوا أنفسكم } يقول : علموا بعضكم بعضا ما تقون به من تعلمونه النار , وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله , واعملوا بطاعة الله . وقوله : { وأهليكم نارا } يقول : وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار . وبنحوالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 26693 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن رجل , عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } قال : علموهم , وأدبوهم . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن سفيان , عن منصور , عن رجل , عن علي { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } يقول : أدبوهم , علموهم * -حدثني الحسين بن يزيد الطحان , قال : ثنا سعيد بن خثيم , عن محمد بن خالد الضبي , عن الحكم , عن علي بمثله . 26694 - حدثني علي , قال : ثنا أبوصالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } يقول : اعملوا بطاعة الله , واتقوا معاصي الله , ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار . 26695 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبوعاصم , قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث , قال : ثنا الحسن , قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قال : اتقوا الله , وأوصوا أهليكم بتقوى الله. 26696 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة { قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } قال : قال يقيهم أن يأمرهم بطاعة الله , وينهاهم عن معصيته , وأن يقوم عليه بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه , فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها , وزجرتهم عنها . * -حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن ثور , عن معمر , عن قتادة , في قوله { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قال : مروهم بطاعة الله , وانهوهم عن معصيته.))[12]

V. (("وَاعْلَمُواْ (..)"))

إن هذه المسؤولية تقتضي اليقظة والاستعانة الدائمة بالله عز وجل، فلا تنسينك الفرحة أنك في دار ابتلاء، وكما أن الأولاد قد يكونوا لك مطية للجنة فقد يشغلونك عنها فتهلك، وعليه فاعلم يرحمني وإياك الله:

أ‌. أنهم فتنة :

نعم فتنة، فحبهم قد يدفعك أن تعصي ربك وتفرط في دينك وتخون الله ورسوله كما حصل مع الصحابي الجليل أبي لبابة رضي الله عنه، لما طلبه بنوقريظة ليستشيروه فيما عرضه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن عياله وماله كانوا عندهم أشار، مجرد إشارة، بيده إلى حلقه بالذبح إن هم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تمت الإشارة لهذا في: * تفسير الجلالين :((" ونزل في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر وقد بعثه صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكمه فاستشاروه فأشار إليهم أنه الذبح لأن عياله وماله فيهم "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول و" لا "تخونوا أماناتكم" ما ائتمنتم عليه من الدين وغيره)).

*وفي التفسير الوجيز للواحدي :(("يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بترك فرائضه { والرسول } بترك سنته { وتخونوا } أي : ولا تخونوا { أماناتكم } وهي كل ما ائتمن الله عليها العباد وكل أحدمؤتمن على ما افترض الله عليه { وأنتم تعلمون } أنها أمانة من غير شبهة وقيل : نزلتهذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول اللهصلى الله عليهوسلمإلى قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم فقالوا له : ما ترى لنا ؟أننزل على حكم سعد فينا ؟ فأشار أبولبابة إلى حلقة أنه الذبح فلا تفعلوا وكانت منهخيانة لله ورسوله")).

*وفي تفسير البيضاوي :((" يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } بتعطيل الفرائض والسنن أوبأنتضمروا خلاف ما تظهرون ن أوبالغلول في المغانم وروي : [ أنهحاصر بني قريظة إحدىوعشرين ليلة فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بين النضير على سعد بن معاذ فأبواوقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم فبعثهإليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار إلى حلقه أنه الذبح "))

((" واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأنهم سبب الوقوع في الإثم أوالعقاب أومحنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة { وأنالله عنده أجر عظيم } لمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم فأنيطوا هممكم بمايؤديكم إليه")).



نعم قد يحملك حب أبنائك أن تعصى الله فتسرق وتنهب وتتعامل بالربا كل ذلك قد تستبيحه بدعوى أنك تريد إطعام وكسوة بنيك وتنسى أن الرزق بيد الله وما عليك إلا أن تجمل في الطلب، وأنت إن فعلت ذلك علم من فعلك الأولاد جواز وشرعية ما تقوم به من بغي وتعد لحرمات الله، ثم مهما وعظت بعدها فأنّا يسمعوا لك وقد شاهدوا فعلك يناقض مقالك، وعليه اسمع لهذا النداء الحق واعمل به : ((" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27)وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)" ))سورة الأنفال

قال الإمام بن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات : (("وقوله " واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة " أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أوتشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم " وقال " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " الآية وقوله " وأن الله عنده أجر عظيم " أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد فإنه قد يوجد منهم عدووأكثرهم لا يغني عنك شيئا والله سبحانه هوالمتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة . وفي الأثر يقول الله تعالى " يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء " وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " . بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين " . "))[13]

ب‌. أن منهم عدو:

نعم عدووكذلك قال ربنا عز وجل : ((" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(15)فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)" ))سورة التغابن

جاء في تفسير بن كثير بخصوص هذه الآيات : (("يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد إن منهم من هوعدوالزوج والولد بمعنى أنه يلتهى به عن العمل الصالح كقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " ولهذا قال تعالى هاهنا " فاحذروهم" قال ابن زيد يعني على دينكم وقال مجاهد " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم " قال يحمل الرجل على قطيعة الرحم أومعصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف الصيدلاني حدثنا الفريابي حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " قال فهؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية " وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم " وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن الفريابي وهومحمد بن يوسف به وقال حسن صحيح ورواه ابن جرير والطبراني من حديث إسرائيل به وروى من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه وهكذا قال عكرمة مولاه سواء ."))[14]

نعم قد يفوتك ويفوت أبناءك معك أيضا خير كثير، واعلم أنه بصلاحك وتقواك يفوز أبناءك ، فلا ينسينك حب الأولاد ذكر الله ، وإلا كنت من الخاسرين.



ت‌. أنهم قد يلهون عن ذكر الله

إنهم يراقبونك، إنهم ينظرون لك، إن أفعالك أمامهم أهم وأوقع في قلوبهم وعقولهم من أقوالك، إنك وأنت تشاهد التلفاز ثم تسمع صوت الآذان فتهرول للمسجد تعلمهم أن أهم أمرهم الصلاة، أما إذا واصلت المشاهدة ونسيت ذكر الله فلا تلومنّهم بعدها إن صنعوا ما صنعت وتراجعت الصلاة في سلم أولوياتهم، وذلك لعمري حصاد مخالفة أمر الله حيث يقول: ((" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)" ))سورة المنافقون

قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: (("القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { لا تلهكم أموالكم } يقول : لا توجب لكم أموالكم { ولا أولادكم } اللهو{ عن ذكر الله } وهومن ألهيته عن كذا وكذا , فلها هويلهولهوا ; ومنه قول امرئ القيس : ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول وقيل : عني بذكر الله جل ثناؤه في هذا الموضع : الصلوات الخمس . ذكر من قال ذلك : 26483 -حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن أبي سنان , عن ثابت , عن الضحاك { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } قال : الصلوات الخمس . "))

وانظر صنيع نبيك محمد عليه الصلاة والسلام فيما يرويه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه قال : ((" حدثنا ‏ ‏آدم ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏الحكم ‏‏عن ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏عن ‏ ‏الأسود ‏ ‏قال سألت ‏ ‏عائشةماكان النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يصنع في بيته قالت كان ‏ ‏يكون في مهنة أهله ‏‏تعنيخدمة أهله‏ ‏فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. "))

ث‌. ثم إنهم لا يقربونك عند الله زلفا إلا إذا :

وإن أنت نسيت ذكر الله، وارتكبت من أجلهم الموبقات أتظن أنهم مغنون عنك من الله شيئا، أوأنهم مقربوك لله، إنما هي أعمالك الصالحة، وإن كان الأمر كذلك ففيما الغرور بكثرة المال والولد؟

(("وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35)قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36)وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)")) سورة سبأ

جاء في تفسير هذه الآيات عند بن كثير رحمه الله: (("قال تعالى : " وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى " أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم . قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا كثير حدثنا جعفر حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " ورواه مسلم وابن ماجه من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به . ولهذا قال الله تعالى : " إلا من آمن وعمل صالحا " أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح" فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا " أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف" وهم في الغرفات آمنون " أي في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي حدثنا القاسم وعلي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها " فقال أعرابي لمن هي ؟ قال صلى الله عليه وسلم " لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام " . "))[15]

ج‌. إنهم لن ينفعوك يوم القيامة :

ويوم القيامة، لا أرحام ولا أولاد، إنما هوالعمل، نعم العمل الصالح هوالذي يجمع الأب مع بنيه في رضوان الله.

((" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (1)إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوتَكْفُرُونَ (2)لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(3)قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)" ))سورة الممتحنة

قال بن كثير رحمه الله: (("وقوله تعالى" لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير " أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءا ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ولوكان قريبا إلى نبي من الأنبياء . قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي ؟ قال " في النار" فلما قفى دعاه فقال " إن أبي وأباك في النار" ورواه مسلم وأبوداود من حديث حماد بن سلمة به . "))[16]

إذا علمت واستوعبت أيها المسلم هذا كله، تكون قد صححت علاقتك بأولادك ووضعتهم في مكانتهم السوية منك، عندها أحبهم كما تريد ولاعبهم كما يحلولك وأكرمهم بما فتح الله عليك من حلال طيب، تصنع كل ذلك وغايتك أن يكونوا رفقاءك في الجنة، وعندها سترى من أمرك معهم وأمرهم معك عجبا.

سيكون غضبك منهم إن كذبوا أوتهاونوا في الصلاة، وستكون فرحتك بهم إن صدقوا ولزموا طاعة الله، فالمصيبة في الدين غدت عندك أشد وأعظم من نقطة الصفر في مادة من مواد دراستهم.

وسيدرك الأولاد هذا منك، وسيعلم الله صدق توجهك وحاشاه أن يخذلك فيهم، وسترى من كرمه تعالى ما تقر به العين ويطيب به القلب.





VI. ((" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُويَعِظُهُ ..."))

علمنا أن الأولاد مسؤولية وهم نعمة تكليف وليسوا مادة للتباهي والتفاخر، يبقى علينا أن نعرف مضمون الرسالة التي علينا نقلها لأولادنا، أوبمعنى ثان ما هي مضامين التربية المطلوب منا تنشئتهم عليها ؟ هل سأسأل عن ابني الذي لم يصبح طبيبا أومهندسا ؟ أم سوف أسال عن ابني الذي لم يصبح مؤمنا صالحا مصلحا ؟

أسئلة غريبة أليس كذلك ؟ ولكن تمهل أيها الأب تمهلي أيتها الأم ولا تعجلا واصبرا حتى نقرأ هذه الآيات الكريمة والتي تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى مضمون التربية التي ينبغي علينا أن نربي عليها أولادنا، وسوف نلاحظ أننا تخلينا في كثير من الأحيان على رسالتنا الجوهرية وانشغلنا بأمور ليست من مسؤولياتنا ولا من اختصاصنا.

فمن مسؤوليتنا ومن واجبنا تجاه أولادنا :

أ‌. تربيتهم على التوحيد :

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] ((" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُويَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)")) .

(("يقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده وهولقمان بن عنقاء بن سدون واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر وأنه آتاه الحكمة وهويوصي ولده الذي هوأشفق الناس عليه وأحبهم إليه فهوحقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ثم قال محذرا له " إن الشرك لظلم عظيم " أي هوأعظم الظلم قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : لما نزلت " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله " إنه ليس بذلك ألا تسمع لقول لقمان : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " ورواه مسلم من حديث الأعمش به ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين كما قال تعالى " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا أياه وبالوالدين إحسانا " وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن ."))[17]

واقرأ معي يرحمك الله هذا الحديث النبوي الجميل، وتأمل معي كيف كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يغرس في قلوب النشئ توحيد الباري عز وجل، وكيف كان ينبههم ويعلمهم أن حفظ الله للعبد إنما يستحقه من حفظ حدوده سبحانه :

(("حدثنا ‏ ‏أحمد بن محمد بن موسى ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏عبد الله بنالمبارك ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ليث بن سعد ‏ ‏وابن لهيعة ‏ ‏عن ‏ ‏قيس بن الحجاج ‏ ‏قال ‏ ‏ح‏ ‏وحدثنا ‏ ‏عبد الله بن عبد الرحمن ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏أبوالوليد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ليث بنسعد ‏ ‏حدثني ‏ ‏قيس بن الحجاج ‏ ‏المعنى واحد ‏ ‏عن ‏ ‏حنش الصنعاني ‏ ‏عن ‏ ‏ابنعباس ‏ ‏قال: كنت خلف رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏يوما فقاليا غلام‏ ‏إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظكاحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمةلواجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولواجتمعوا علىأن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ‏ ‏رفعت الأقلام ‏ ‏وجفت الصحف"[18].))

(("حدثنا ‏ ‏عبد الله بن يزيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏كهمس بن الحسن ‏ ‏عن ‏‏الحجاج بن الفرافصة ‏ ‏قال ‏ ‏أبوعبد الرحمن ‏ ‏هو‏ ‏عبد الله بن يزيد ‏ ‏وأناقد رأيته في طريق فسلم علي وأنا صبي ‏ ‏رفعه إلى ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏أوأسنده إلى ‏‏ابن عباس ‏ ‏قال وحدثني ‏ ‏همام بن يحيى أبوعبد الله ‏ ‏صاحب ‏ ‏البصري ‏ ‏أسندهإلى ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏وحدثني ‏ ‏عبد الله بن لهيعة ‏ ‏ونافع بن يزيد ‏ ‏المصريان ‏‏عن ‏ ‏قيس بن الحجاج ‏ ‏عن ‏ ‏حنش الصنعاني ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏ولا أحفظ حديثبعضهم عن بعض ‏ ‏أنه قال كنت ‏ ‏رديف ‏ ‏النبي ‏ ‏صلىالله عليه وسلم ‏ ‏فقاليا غلام‏ ‏أويا ‏ ‏غليم ‏ ‏ألاأعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت بلى فقال ‏ ‏احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامكتعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن باللهقد جف القلم بما هو‏ ‏كائن ‏ ‏فلوأن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لميكتبه الله عليك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لميقدروا عليه واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأنالفرج مع الكرب ‏ ‏وأن مع العسر يسرا.[19]))

ب‌. تربيتهم على البر بالوالدين :

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] ((" وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)")).

((" وقال ههنا " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن " قال مجاهد مشقة وهن الولد وقال قتادة جهدا على جهد وقال عطاء الخراساني ضعفا على ضعف وقوله " وفصاله في عامين " أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين كما قال تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه قال في الآية الأخرى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارا ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه كما قال تعالى " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ولهذا قال " أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير " أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء"))[20]

وتأمل معي يرحمك الله هذه اللفة العجيبة، الأب يوصي ابنه بالله حتى لا يشرك به والله يوصي ابن عبده أن يبر بوالديه، فأنت توصي بتوحيد الله والله يوصي ويأمر ببرك.

بل تأمل كرم المولى سبحانه يوصي بالمعروف حتى للمشركين من الآباء، واقرأ الآية الموالية لتعلم ذلك:

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)

((" وقوله " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " أي إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا أي محسنا إليهما " واتبع سبيل من أناب إلي " يعني المؤمنين " ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " قال الطبراني في كتاب العشرة حدثنا أبوعبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند أن سعد بن مالك قال أنزلت في هذه الآية " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما" الآية قال كنت رجلا برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه فقلت لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوما وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما آخر وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل فأصبحت قد اشتد جهدها فلما رأيت ذلك قلت يا أمه : تعلمين والله لوكانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي فأكلت ."))[21]

ت‌. تربيتهم على مراقبة الله :

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] ((" َا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوفِي السَّمَاوَاتِ أَوفِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)."))

((" هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس ويقتدوا بها فقال " يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل " أي إن المظلمة أوالخطيئة لوكانت مثقال حبة خردل وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة وجوز على هذا رفع مثقال والأول أولى وقوله عز وجل " يأت بها الله " أي أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط وجازى عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قال تعالى " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " الآية وقال تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " ولوكانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء أوغائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض فإن الله يأتي بها لأنه لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . ولهذا قال تعالى " إن الله لطيف خبير" أي لطيف العلم فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت " خبير " بدبيب النمل في الليل البهيم وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله " فتكن في صخرة " أنها صخرة تحت الأرضين السبع وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة إن صح ذلك ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرووغيرهم وهذا والله أعلم كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لوكانت داخل صخرة فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه . كما قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لوأن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان " .))[22]

هذه معاني جليلة ينبغي أن تزرع في قلوب الأطفال، ليستشعروا إحاطة الله بكل شيء فيراقبوا الله في أقوالهم وأفعالهم، فليس بمقدورك أيها الأب أيتها الأم أن تراقب ابنك في كل شاذة، هذا ضرب من المستحيل، ولكن لأن المعبود هوالله ينبغي ربط الطفل به سبحانه.

ويا ليث أهل الفنون يعنوننا في هذا الأمر بإبداعاتهم التي تبث هذه المعاني في الناشئة وتحببها لهم عن طريق نماذج من الأعمال الفنية الهادفة.

ث‌. تربيتهم على الصلاة والأمر بالمعروف:

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] ((" يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)."))

((" القول في تأويل قوله تعالى : { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل لقمان لابنه { يا بني أقم الصلاة } بحدودها { وأمر بالمعروف } يقول : وأمر الناس بطاعة الله , وإتباع أمره { وانه عن المنكر } يقول : وانه الناس عن معاصي الله ومواقعة محارمه { واصبر على ما أصابك } يقول : واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالمعروف , ونهيتهم عن المنكر , ولا يصدنك عن ذلك ما نالك منهم { إن ذلك من عزم الأمور } يقول : إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزما منه . وبنحوما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 21411 - حدثني حجاج , عن ابن جريج , في قوله : { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } قال : اصبر على ما أصابك من الأذى في ذلك { إن ذلك من عزم الأمور } قال : إن ذلك مما عزم الله عليه من الأمور , يقول : مما أمر الله به من الأمور ."))[23]

من منا يحث أولاده على الصلاة ويتابعهم متابعة جادة وصارمة؟ وكيف يكون موقفنا إن تهاون أبنائنا في دراستهم، أ يكون في نفس الحدة أوأكثر منه أوأقل إن هم ضيعوا الصلاة ؟

ثم من منا يدفع ابنه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعلمه آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبصره بأدوات ذلك وفنونه؟

ج‌. تربيتهم على التواضع وخفض الجناح :

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] (("وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)."))

((" وقوله " ولا تصعر خدك للناس " يقول لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أوكلموك احتقارا منك لهم واستكبارا عليهم ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم كما جاء في الحديث " ولوأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة والمخيلة لا يحبها الله " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله " ولا تصعر خدك للناس " يقول لا تتكبر فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك وكذا روى العوفي وعكرمة عنه وقال مالك عن زيد بن أسلم " ولا تصعر خدك للناس " لا تتكلم وأنت معرض وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم وقال إبراهيم النخعي يعني بذلك التشديق في الكلام . والصواب القول الأول قال ابن جرير : وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أورءوسها حتى تفلت أعناقها عن رءوسها فشبه به الرجل المتكبر ومنه قول عمروبن حيي التغلبي : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوما وقال أبوطالب في شعره : وكنا قديما لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الرءوس نقيمها وقوله " ولا تمش في الأرض مرحا " . أي خيلاء متكبرا جبارا عنيدا لا تفعل ذلك يبغضك الله ولهذا قال" إن الله لا يحب كل مختال فخور " أي مختال معجب في نفسه فخور أي على غيره وقال تعالى " ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه وقال الحافظ أبوالقاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال : ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدد فيه فقال " إن الله لا يحب كل مختال فخور " فقال رجل من القوم والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها ويعجبني شراك نعلي وعلاقة سوطي فقال " ليس ذلك الكبر إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس " ورواه من طريق أخرى بمثله وفيه قصة طويلة ومقتل ثابت ووصيته بعد موته ."))[24]

وهل يرمي الناس في النار غير الكبر، ألم يكن الكبر أول ما عُصِي الله به، ثم هل يتعلم متكبر؟ إنك ترشد وتربي ابنك إذن إلى ما يبعده عن النار أولا وعن الجهل وعن الظلم ، وتربيه على حسن العشرة للخلق فيحترمهم ويحسن لهم، وتأمل معي يرحمك الله أي خدمة وأي خير تكون قد قدمت لمجتمعك بتخريجك مثل هذا الإنسان السمح المتواضع، وتصور معي يرحمك الله هذه الدعوات بالرحمة والتواب تصلك وابنك يمشي في الناس بمثل هذا الخلق.

ح‌. تربيتهم على القصد في المشي والكلام :

[IMG]file:///C:/DOCUME~1/Ahmad/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG] وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) "))

((" واقصد في مشيك " أي امش مشيا مقتصدا ليس بالبطيء المتثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلا وسطا بين بين . وقوله " واغضض من صوتك " أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ولهذا قال " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " وقال مجاهد وغير واحد إن أقبح الأصوات لصوت الحمير أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه ومع هذا هوبغيض إلى الله وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " وقال النسائي عند تفسير هذه الآية حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا " وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به وفي بعض الألفاظ بالليل فالله أعلم."))[25]

وتأمل معي يرحمك الله جملة الأخلاق التي أوصى بها لقمان ابنه، تجدها أخلاق الإيجابية والفاعلية مع الذات ومع المحيط، فهي تشمل:

التوحيد لله الخالق، وهل يعرف الإنسان ذاته من غير معرفة مولاه،

والبر بالوالدين، وهل يعلومعدن المرء إن أنكر فضل والديه عليه،

والصلاة، وهل يقوى أحد على إتمام المسير بمعزل عن عون الله،

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل تنجوسفينة المجتمع من غير الحث على الخير والوقوف في وجه الشر والفساد،

وترك الكبر والمفاخرة، وهل يتعلم متكبر مفاخر،

والقصد في المشي، وهل يقصد إلا من حدد وأدرك هدفه،

وخفض الصوت، وهل يقوى على ذلك إلا من قويت حجته ورسغ إيمانه بما يتلفظ به.

ثم قل لي بربك هل تطمع في خير من هذا الخلق ينشا عليه ابنك فيوردك المعالي في الدنيا والجنان في الآخرة. إذا أدركت هذا فلا تلتفت بعدها للمعوقات ولا تشغل بالك بما تكفل الله به لك وللخلق كلهم.



VII. ((" لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ..."))

هذه هي الرسالة وهذا هومضمون التربية الذي ستسأل عنه غدا بين يدي ربك فانظر هل غرستها في قلب وعقل ولدك. واقرأ معي يرحمك الله هذا التوجيه الرباني لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم: ((" وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) "))سورة طه

(( يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم فإنما هوزهرة زائلة ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور وقال مجاهد أزواجا منهم يعني الأغنياء فقد آتاك خيرا مما آتاهم كما قال في الآية الأخرى " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك " وكذا ما ادخره الله تعالى لرسوله في الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف كما قال تعالى " ولسوف يعطيك ربك فترضى " ولهذا قال " ورزق ربك خير وأبقى " وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهم فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ واهية معلقة فابتدرت عينا عمر بالبكاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما يبكيك يا عمر ؟ " فقال يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه فقال " أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا " فكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله ولم يدخر لنفسه شيئا لغد قال ابن أبي حاتم أنبأنا يونس أخبرني ابن وهب أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا " قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال " بركات الأرض " وقال قتادة والسدي : زهرة الحياة الدنيا يعني زينة الحياة الدنيا وقال قتادة " لنفتنهم فيه " لنبتليهم .))[26]

(("وقوله " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها كما قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ وكان له ساعة من الليل يصلي فيها فربما لم يقم فنقول لا يقوم الليلة كما كان يقوم وكان إذا استيقظ أقام يعني أهله وقال وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها وقوله لا نسألك رزقا نحن نرزقك يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب كما قال تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " وقال تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني " إلى قوله " إن الله هوالرزاق ذوالقوة المتين " ولهذا قال " لا نسألك رزقا نحن نرزقك " وقال الثوري لا نسألك رزقا أي لا نكلفك الطلب وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبوسعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفا فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ " ولا تمدن عينيك - إلى قوله - نحن نرزقك " ثم يقول الصلاة الصلاة رحمكم الله وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطراني حدثنا سيار حدثنا جعفر عن ثابت قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله " يا أهلاه صلوا صلوا " قال ثابت وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله تعالى يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك " وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول " من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك " وروي أيضا من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة " وقوله " والعاقبة للتقوى " أي وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة وهي الجنة لمن اتقى الله وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب " ."))[27]

حدثنا ‏ ‏أحمد بن محمد بن موسى ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏عبد الله بنالمبارك ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ليث بن سعد ‏ ‏وابن لهيعة ‏‏عن ‏ ‏قيس بن الحجاج ‏ ‏قال ‏ ‏ح‏ ‏وحدثنا ‏ ‏عبد الله بن عبد الرحمن ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏أبوالوليد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ليث بنسعد ‏ ‏حدثني ‏ ‏قيس بن الحجاج ‏ ‏المعنى واحد ‏ ‏عن ‏ ‏حنش الصنعاني ‏ ‏عن ‏ ‏ابنعباس ‏ ‏قال: كنت خلف رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏يوما فقاليا غلام‏ ‏إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظكاحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمةلواجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولواجتمعوا علىأن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ‏ ‏رفعت الأقلام ‏ ‏وجفت الصحف. رواه الإمام الترميذي

إذا وعيت هذا سهل عليك أن تدرك أنها ذرية بعضها من بعض،((" إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

فهذا الرسول الكريم من ذاك الرسول الكريم عليهم صلوات الله وسلامه، كذلك كان إسماعيل صلى الله عليه وسلم: ((" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54)وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)" سورة مريم))، لقدكان ابنا بارا من الصابرين بإذن الله، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة.

وقل لي بربك هل يضيع الله من حفظ الله، أم يحفظه سبحانه جزاء حفظه حدود الله؟



VIII. ((" وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ ..."))

اقرأ معي يرحمك الله هذه الآيات الكريمة من سورة الكهف، واستحضر معي هذه الدروس والعبر التي تعلمها نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام من ذلك العبد الصالح الذي أتاه الله رحمة وعلما قال تعالى : (" فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65)قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا )67)وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (75) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76)فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوشِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78)أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)"))سورة الكهف

أمَا وقد قرأت هذه الآيات الكريمة، فاعلم يرحمك الله هذه القاعدة الذهبية : إن أمورك كلها تجري بعلم الله، تحت سمعه وبصره سبحانه فهوالسميع البصير، وهي لذلك تجري بإذنه ووفق حكمته فهوالعلي الحكيم، وكثيرة هي الأمور التي تمر بنا ونعيشها ولا ندرك حكمتها ومعناه بل إن من هذه الأمور ما يكون صادما لعقولنا (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا)، فلا تنس أن للكون ربا يدبره ولا يهمله. فما دورنا إذن نحن وكيف نؤثر في هذه الأحداث ؟ سؤال وجيه والجواب في غاية السهولة : فدورنا أن نعبد الله ولذلك خلقنا ونؤثر في الأحداث بالطاعة.

تأمل معي يرحمك الله هذين الأبوين المؤمنين كيف عصمهما الله بفضل إيمانها من طغيان وكفر ابنهما وأبدلهما ربهما خيرا منه وأرحم.

وتأمل معي يرحمك الله هذين اليتيمين في قرية بخيل أهلها أبوا أن يضيفوا موسى عليه الصلاة والسلام ومعلمه الرجل الصالح، ولتدرك بخل أهل هذه القرية انظر كيف ان موسى عليه السلام وهوالنبي طلب من الرجل الصالح ألا يقيم الجدار إلا بأجر، رغم أنه عليه الصلاة والسلام لم يصنع ذلك وهوفي أشد ما يكون للأجر حينما وجد امرأتين تذودان لا تسقيان حتى يسقى الناس فسقا لهما وتولى إلى الظل وسأل ربه ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير).

وقد أدركت الآن قسوة أهل هذه القرية وبخلهم أتأمن على ذريتك بينهم؟

فما هوالتأمين الذي ينفع في هذه الحالة؟ إنه صلاح أبيهما (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)

وتأمل معي يهدني وإياك الله قوله تعالى (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) نعم أراد ربك ورحمة من ربك بينما في الحالتين الأوليين قال (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا). اعلم إذن أن صلاحك وطاعتك لمولاك تنفع أولادك وتحميهم (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) وانظر كيف أراد سبحانه بنفسه وبرحمته أن يحفظ كنز اليتيمين بصلاح أبيهما.

وتعال معي الآن، ننظر في هذا المثال السامق، للأب الأمة والأم المؤمنة بالله المستسلمة له وللإبن الصابر لحكم الله البار بوالديه



IX. ((سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ))

نعم سلام على ابراهيم، وهل اختبر في طاعة الله أحد، كما اختبر ابراهيم عليه الصلاة والسلام ؟

إنه خليل الرحمان، وهل نال هذه الخلة إلا بالتسليم المطلق لله، حتى لم يعد في القلب من شاغل عن الله، فجاء ربه بقلب سليم.

فانظركيف سعى للهداية عند الهادي ((" وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)

وانظر كيف سأل الذرية من الوهاب : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100)

وانظر كرم الله واستجابته لعبده : فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)

ثم انظر عظم هذا الابتلاء وهل يقوى عليه أحد : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى

وتأمل جميل الاستجابة من الابن : قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ

وانظر هذا الخضوع وهذا الاستسلام لأمر الله (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)

وانظر إلى رحمة اللهوكرم الله:وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)إِنَّ هَذَا لَهُوالْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108)سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110)إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)" ))سورة ص

اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين، آمين.

ولكن هل تمت الحكاية، فمن وراء هذا الابن المؤمن البار؟ الم يتركه أبوه بواد غير ذي زرع ؟ فمن كفله ورباه على هذا الاستسلام لله؟ من هنا نبدأ الحكاية .

إن هذا الموقف الإيماني لهذا الإبن البار كان نتيجة لتربية إيمانية تلقاها الوليد من أمه المؤمنة، فمعلوم أن ابراهيم عليه الصلاة والسلام ترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام وكان يتعهد هما بالزيارة بين فترات طوال، ولنقرأ القصة كما أوردها الإمام البخاري رحمه الله بباب أحاديث الأنبياء.



X. ((" فقالت له أالله الذي أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لايضيعنا..."))



قال الإمام البخاري رحمه الله : ((وحدثني ‏ ‏عبد الله بن محمد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الرزاق ‏ ‏أخبرنا‏ ‏معمر ‏ ‏عن ‏ ‏أيوب السختياني ‏ ‏وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ‏ ‏يزيدأحدهما على الآخر ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد بن جبير ‏ ‏قال ‏ ‏ابن عباس أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل ‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏اتخذت منطقا ‏‏لتعفي ‏ ‏أثرها على ‏ ‏سارة ‏ ‏ثم جاء بها ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏وبابنها ‏ ‏إسماعيل ‏‏وهي ترضعه حتى وضعهما عند ‏ ‏البيت ‏ ‏عند دوحة فوق ‏ ‏زمزم ‏ ‏في أعلى المسجدوليس ‏ ‏بمكة ‏ ‏يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمروسقاء فيه ماء ثم ‏ ‏قفى ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏منطلقا فتبعته ‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏فقالت يا ‏‏إبراهيم ‏ ‏أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء فقالت له ذلكمرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له أالله الذي أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لايضيعنا ثم رجعت فانطلق ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏حتى إذا كان عند ‏ ‏الثنية ‏ ‏حيث لا يرونهاستقبل بوجهه ‏ ‏البيت ‏ ‏ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال رب‏((إنيأسكنت من ذريتيبواد غير ذي زرععند ‏ ‏بيتك المحرم ‏ ‏حتىبلغ ‏ ‏يشكرون)) .....)

تأمل معي يرحمك الله كيف يستجيب هذا النبي الكريم لله بثقة تامة في حكمة الله وحسن تدبيره، فيضع زوجه هاجر وابنه هذا الذي أعطيّه وهوشيخ كبير في مكان ليس به إنس ولا جن كما قالت أم إسماعيل عليهما السلام.

ثم تأمل كيف أن هذا النبي الكريم يتركهما وينصرف عنهما فلا يلتفت رغم نداء هاجر له، أي رجل هذا أي مؤمن هذا؟

وانظر متى يقف وماذا يوقفه إنه سؤال أالله أمرك بهذا، حينه قال نعم ولم يزد على ذلك،

وانظر هذه المؤمنة المستسلمة كيف تجيب قالت إذن لايضيعناوكذلك كان لم يضيعها الله،

وبعد أن يتوارى النبي الكريم عن حبيبيه تبدأ المناجاة ويبدأ الدعاء، وقل لي بربك ألا يستجيب الله لم استجاب له ونفذ أمره؟

وتبدأ رحلة هاجر المؤمنة مع ابنها الصغير في هذا المكان الموحش يقول ابن عباس رضي الله عنهما في نفس الحديث الذي يرويه البخاري :

(( وجعلت ‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏ترضع ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏وتشرب من ذلكالماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أوقال ‏‏يتلبط ‏ ‏فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت ‏ ‏الصفا ‏ ‏أقرب جبل في الأرض يليهافقامت عليه ثم استقبلت ‏ ‏الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من ‏ ‏الصفا ‏‏حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الواديثم أتت ‏ ‏المروة ‏ ‏فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مراتقال ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فذلك سعي الناس بينهما فلماأشرفت على ‏ ‏المروة ‏ ‏سمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالتقد أسمعت إن كان عندك ‏ ‏غواث ‏ ‏فإذا هي بالملك عند موضع ‏ ‏زمزم ‏ ‏فبحث ‏ ‏بعقبه‏ ‏أوقال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت ‏ ‏تحوضه ‏ ‏وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف منالماء في سقائها وهويفور بعد ما تغرف قال ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏قال النبي ‏ ‏صلى اللهعليه وسلم ‏ ‏يرحم الله ‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏لوتركت ‏ ‏زمزم ‏ ‏أوقال لولم تغرف منالماء لكانت ‏ ‏زمزم ‏ ‏عينا معينا قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها المَلَك لاتخافوا ‏ ‏الضيعة ‏ ‏فإن ها هنا ‏ ‏بيت الله ‏ ‏يبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لايضيع أهله ... ))

لم يضيع الله الأم ورضيعها وأجرى زمزم ماء عذبا، وجاءتها البشرى أن الله لا يضيع جيران بيته، وبعد الماء جاء الأُنس والرفقة فحضرت جرهم فنزلوا بجوارهم، يقول في ذلك بان عباس رضي الله عنهما في نفس الحديث :

(( وكان ‏ ‏البيت ‏ ‏مرتفعا من الأرض ‏ ‏كالرابية ‏ ‏تأتيه السيول فتأخذ عنيمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من ‏ ‏جرهم ‏ ‏أوأهل بيت من ‏ ‏جرهم ‏‏مقبلين من طريق ‏ ‏كداء ‏ ‏فنزلوا في أسفل ‏ ‏مكة ‏ ‏فرأوا طائرا ‏ ‏عائفا ‏‏فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا ‏‏جريا ‏ ‏أوجريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا قال ‏ ‏وأمإسماعيل ‏ ‏عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك فقالت نعم ولكن لا حق لكم فيالماء قالوا نعم قال ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فألفى ذلك‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏وهي تحب الإنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانبها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلماأدرك زوجوه امرأة منهم ...))

وتأمل معي يرحمك الله نوعية الرفقة والجوار الذي اختاره الله لمن أطاعه، هؤلاء قبيلة تحضر عند امرأة لوحدها تملك النفيس في الصحراء إنه الماء، فيستأذنون نعم يستأذنون ولا يبغون فتأذن لهم بل وتشترط عليهم أن الماء ليس لهم فيوافقون، أي امرأة هذه؟ وأي شجاعة في الحق هذه ؟ الماء لله وفي بيت الله ولابد أن يبقى متاح لكل عباد الله الزائرين بيته.

نِعم الأم المربية ونعم الأصهار علموا الغلام وزوجوه.

وتموت الأم بعد أن أعدت مؤمنا مطيعا لله وابنا بارا بأبيه الشيخ، وانقرأ بقية الحكاية كما يرويها ابن عباس رضي الله عنهما :

(( ... وماتت ‏ ‏أم إسماعيل ‏ ‏فجاء ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏بعدما تزوج ‏‏إسماعيل ‏ ‏يطالع تركته فلم يجد ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغيلنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه قال فإذاجاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏كأنهآنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد قالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرتهوسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرني أنأقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلكفطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجدهفدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهموهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فماشرابكم قالت الماء قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ‏ ‏صلى الله عليهوسلم ‏ ‏ولم يكن لهم يومئذ حب ولوكان لهم دعا لهم فيه قال فهما لا يخلوعليهما أحدبغير ‏ ‏مكة ‏ ‏إلا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبتعتبة بابه فلما جاء ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسنالهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قالفأوصاك بشيء قالت نعم هويقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبيوأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك ‏ ‏وإسماعيل ‏‏يبري ‏ ‏نبلا له تحت دوحة قريبا من ‏ ‏زمزم ‏ ‏فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنعالوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال يا ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏إن الله أمرني بأمر قالفاصنع ما أمرك ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاوأشار إلى ‏ ‏أكمة ‏ ‏مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من ‏ ‏البيت ‏‏فجعل ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏يأتي بالحجارة ‏ ‏وإبراهيم ‏ ‏يبني حتى إذا ارتفع البناء جاءبهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهويبني ‏ ‏وإسماعيل ‏ ‏يناوله الحجارة وهما يقولان((ربناتقبل منا إنك أنت السميع العليم ‏)) قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول ‏ ‏البيت ‏ ‏وهما يقولان: ((ربناتقبل منا إنك أنت السميع العليم))."))[28]



إن هذا الحديث الشريف يجعلنا نقف على أمر في غاية الأهمية وهودور الأم الخطير في ترسيخ التربية السليمة لدى الأبناء، ولإن قدم لنا الحديث الشريف نموذج الأم المؤمنة وثمرة إيمانها في ابنها، فإنه يحضرنا ولا شك هنا مثال زوجة نوح عليه السلام وثمرة كفرها في ابنها الذي أراد الاحتماء بالجبل فكان من المغرقين.

وبعد فهذه أسس تربية الأولاد كما هي مبثوثة في كتاب الله عز وجل، ولعل القاعدة الذهبية والجوهرة الثمينة التي تشير لها كل المقدمات السابقة أن لا تربية صالحة من غير مرب صالح.

أن تحرص على تربية أولادك التربية السليمة التي يرضاها الله ليس له معنى إن أهملت تربية نفسك، (( واتقوا الله ويعلمكم الله)) الأمر والمعادلة كما تقرره هذه الآية الكريمة غاية في السهولة اتق الله يعلمك الله واتق الله يجعل لك مخرجا.

سألت ذات مرة شيخا كفيفا جليلا، أخذت بيده بعد الصلاة بالمسجد لأساعده على الوصول لبيته ، سألته أن يدعوالله لي بصلاح أولادي، فتوقف هنيهة وقال ألا زال والديك حيان قلت نعم فقال لي أي بني إن غطاء أولادك عند والديك فأكرمهما يكرم الله في أولادك .



والدعاء لا تنس أبدا الدعاء ولا تنس شروط الإجابة واعلم أن الله لا يخلف وعده ولا يخذل عبده المطيع أبدا أبدا، وتحضرني اللحظة حكاية امرأة بحينا، لها ثلاث أولاد اختبرها الله فيهم، فكان الناس ينقلون لها وترى من أعمالهم السيئة ما يقتل القلب كمدا وحسرة، ولكن الله هداها لدعائه والإلحاح في ذلك ومن كثرة وقوفها على باب الكريم كانت كلما أرادت الصلاة فعوض أن تكبر للدخول في الصلاة بتكبيرة الإحرام الله أكبر، كانت تقول اللهم أهد أولادي، وهداهم الله لها وأصبح برهم بها مضرب الأمثال.

فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحي القلوب بعد غفلتها، سبحانه.


 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:22 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010