الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى كنوز السنّة النبوية > أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم > العرف الشذي شرح سنن الترمذي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-15-2010, 11:06 AM   #11
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 219
قال الشافعي : من صلى منفرداً ثم وجد الجماعة يعيد الصلوات الخمسة ، ثم تقع الأولى فرضاً والثانية نفلاً ، وقيل بالعكس ، وقيل : يفوض الأمر إلى الله تعالى ، ولا يقول أحد بنية النافلة في المرة الثانية ، وأما إعادة الخمسة عندهم فلأن هذه الصلاة من ذوات الأسباب عندهم ، وقال مالك بن أنس لا يعيد المغرب والفجر ، وقال أبو حنيفة : لا يعيد إلا الظهر والعشاء .
قوله : ( مسجد الخيف ) أي بمنى لا خيف بني كنانة ، وأما الجواب عن حديث الباب فمن وجوه الطحاوي أنه يطلب الأوقات التي تصح فيها النافلة ، ثم أن يقال : إنه يلزم تخصيص السبب من الحكم على مذهبكم ، فإن الحديث ورد في صلاة الفجر ، والحال أنه غير جائز كما في كتب الأصول ، فنقول أولاً : إنه قال تقي الدين السبكي : إن النص الذي فيه الحكم طرداً أو عكساً يجوز فيه تخصيص المورد من النص كما في قصة ابن وليدة زمعة ، قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < الولد للفراش ، للعاهر الحجر > هو إما
ج1ص230
إثبات للملزوم أو نفي له على المذهبين ، ونقول ثانياً : إن في حديث الباب انتقالاً إلى شيء آخر ورد ما زعموه وزعمهم مذكور في كتاب الآثار ص ( 22 ) كما فيما سبق من قصة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وابن عباس فإنه إذا استرخت مفاصله الخ فإن المورد النبي وليس ذلك حكمه فإن فيه انتقالاً إلى شيء آخر ، وأيضاً في كتاب الآثار ، وأمالي أبي يوسف كما في البدائع ، والمبسوط : أن الحديث في صلاة الظهر .

(1/251)
قوله : ( وإذا صلى الرجل المغرب اه ) في قول للشوافع : تصح النافلة وتراً ، ولم يذهب أحد إلى هذا ، ولا دليل لهم على هذا ، كما صرح به أبو عمرو بن الصلاح في الطبقات الشافعية بأنه لا دليل للشافعية على هذا ، وأقول في حديث الباب : إنه مضطرب ، فإن في حديث الباب أنها واقعة الفجر ، وفي بعض الروايات أنها واقعة الظهر ، كما في كتاب الآثار لمحمد بن حسن ص ( 22 ) باب من صلى الفريضة ، وأخرجه مرسلاً ، وألفاظ حديث الباب ، وحديث كتاب الآثار متقاربة ، ومرسل كتاب الآثار وصله في مسند أبي حنيفة للحارثي بذكر جابر بن الأسود ، وهو جابر بن يزيد الأسود ، ولكن الحارثي متكلم فيه ، وهو مع هذا حافظ كما صرح به ابن حجر ، وهو شيخ الحافظ ابن منده الأصبهاني ، وأقول : إن الحارثي حافظ بلا ريب ، لكن تصانيفه غير منقودة ، وقد استمر الحافظ ابن حجر في تهذيبه عن الحارثي في تعيين راوٍ مبهم ، فالحاصل أنه عندي من رواة الحسان ، ولنا ما في كتاب الآثار من أثر ابن عمر : < لا يعيد الفجر والمغرب > وأقول : يضم إليه العصر أيضاً ، لما في سنن الدارقطني بسند قوي : أن ابن عمر دخل المسجد النبوي ، ولم يدخل في جماعة العصر بل جلس على البلاط ، فقيل له؟ فأجاب بما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < لا تصلوا في يوم مرتين > وفي عقود الجواهر للزبيدي
ج1ص231

(1/252)
أيضاً لفظ الظهر ، وكذلك في البناية ، وكذلك في البدائع عن أمالي أبي يوسف ، وأقول أيضاً إن الحافظ أبا الحجاج المزي الشافعي قال في التهذيب : إن محجناً صاحب واقعة الفجر ، وكذلك قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : إنها واقعة محجن بن أبي محجن الديلي واقعة الفجر ، فهذه النقول تدل على أن صاحب الواقعة محجن بن أبي محجن الديلي ، ويخالفه بعض الروايات فإن أبا داود ص ( 85 ) أخرج الروايتين رواية يزيد بن عامر وجعله صاحب الواقعة والرواية ، وجعله قصة رجل واحد ، ورواية يزيد بن الأسود ، وفيها واقعة رجلين مع تقارب ألفاظهما ، وفيه : < وهذه مكتوبة > أي الصلاة الأولى مكتوبة لا الثانية ، وعندي نُقُولٌ كثيرة دالة على أن يزيد بن الأسود ، ويزيد بن عامر واحد ، منها أن الذهبي ذكر في التجريد يزيد بن الأسود ، وذكر فيه قصة حنين ، ثم ذكر يزيد بن عامر ، وذكر تحته تلك القصة بعينها فدل كلامه على الوحدة وإن لم يصرح بالوحدة ، وأيضاً ذكر ابن سعد أبا حاجز كنيته ابن الأسود ، وذكر الحافظ في التهذيب أبا حاجز كنيته بن عامر ، فعلمت الوحدة ثم ما في أبي داود مروي بسند نوح بن صعصعة ، وتكلم فيه النووي في الخلاصة وضعفه ، أقول : قد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، فلا بد من كونه من رواة الحسان ، ورواية أبي داود أخرجها الدارقطني في السنن الكبرى سنداً ومتناً ، وأيضاً عندي مروية بطرق أخر ، فإذا ثبت وحدة يزيد بن عامر ، ويزيد بن الأسود ، فأقول : إن صاحب الواقعة هو محجن ، ومعه رجل آخر لا يزيد بن عامر ، ولي على هذه الدعوى قرائن منها أن في حديث الباب تصريح بأنه كان يصلي خلفه ، وقد ثبت اتحادهما ، وفي معاني الآثار ص ( 216 ) شك الراوي بين الفجر والظهر ، وفي مسند أحمد بسند جيد جزم بواقعة الظهر ، وأذكر بعض أوهام الكبار ، منها : وذكر مجد الدين ابن تيمية جد الحافظ ابن تيمية في المنتقى محجن بن أدرع ، وهذا غلط قطعاً ، فإن ابن أدرع صحابي آخر ،

(1/253)
وكذلك ذكر السيوطي في الجامع الكبير محجن بن أدرع وهو أيضاً غلط ، وقال الحافظ في الإصابة : إن البخاري روى في الأدب المفرد عن محجن بن أبي محجن ، وإني تتبعت الأدب المفرد فما وجدت فيه ، نعم أخرج رواية ابن أدرع ، هذا ما حصل لي الآن ، في هذا الحديث كلاماً فالحديث صار مضطرباً .
ثم أقول : إن حكم الإعادة ليس إلا في ثلاثة أحاديث :
أحدها : حديث أئمة الجور السابق ، وغرض الشارع فيه محافظة وقت الصلاة لا حكم الإعادة فلا يكون في الخمسة ، كما ثبت من سنن أبي داود .
وثانيها : في حديث الباب ، والغرض منه تحصيل الجماعة لنفسه لا حكم الإعادة .
وثالثها : حديث الباب اللاحق < أيكم يتجر على هذا > إلخ ، والغرض منه تحصيل الجماعة للغير ، فتقصر المواضع الثلاثة على مواردها وليعمل بالتشريع العام الكلي : < لا تصلوا صلاة في يوم مرتين > أخرجه الطحاوي ، والنسائي ، وأبو داود وابن السكن وغيرهم ، وتمسك الشافعية بحديث معاذ ، وأجابوا عن التشريع العام بأنه فيما ينوي الصلاتين فرضاً ، أقول : إنه لا إيماء إليه في الحديث ، وأيضاً
ج1ص232
في قصة معاذ إعادة الصلاة المؤداة بالجماعة مرة بجماعة أخرى ، ولا يقول أحد بهذا إلا الشوافع ، ونقول : إن حديث < لا تصلوا صلاة اه > ينسخ حديث معاذ ، وقال الحافظ : إن قصة الباب قصة حجة الوداع ، وناسخة لحديث : < لا تصلوا صلاة > إلخ ، أقول : إن مورد الباب وجدان الجماعة بعد ما صلى منفرداً ، وتعذر الجواب على الشافعية عن حديث : < لا تصلوا صلاة > ، وأشكل عليهم .
*2*باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة
باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة

(1/254)
- الحديث رقم: 164
من فاتته الجماعة في المسجد فيصلي ثمة منفرداً ، أو يأتي بيته ويجمع ، وإما يذهب إلى مسجد آخر ، ويستحب هذا ، ثم الجماعة الثانية بتكرار الأذان والإقامة تكره تحريماً ، وأما بدون التكرار فعند أبي حنيفة تكره وهو ظاهر الرواية ، كما في رد المختار ، وفي رواية شاذة عن أبي يوسف : لابأس بتبديل الهيأة بتبديل المصلى ، وعن أبي حنيفة : لا بأس إذا كان الرجال نحو ثلاثة وحمل مولانا رشيد أحمد رحمه الله ما روي عن أبي يوسف من : < لا بأس > على الكراهة تنزيهاً ، ويكون لفظ : < لا بأس > دالاً على أنه خلاف الأولى ، وقلما يدل على الاستحباب ، وقريب من مذهب أبي حنيفة مذهب مالك كما في المدونة ومذهب الشافعي رحمه الله موافقنا على ما ذكر الترمذي مذهبه ، وفي رد المحتار أن علماء المذاهب الأربعة أجمعوا على كراهة الجماعة الثانية ، ولو بدون تكرار الأذان والإقامة في مكة سنة 551 خمسمائة وإحدى وخمسين ، وليعلم أن حكم الكراهة منحصر على داخل المسجد لا خارجه ولو بذراع ، وقد صنف مولانا الگنگوهي رحمه الله رسالة في مسألة الباب ، وأتى فيه بحديث : < أنه عليه الصلاة والسلام دخل المسجد ، وقد صلي فيه ، فذهب إلى بيته وجمع أهله ، وصلى بالجماعة > ولو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهة ، لما ترك فضل المسجد النبوي ، أخرجه في معجم الطبراني الأوسط والكبير ، وقال الحافظ نور الدين الهيثمي : إن رجال السند ثقات محسنة ، أقول : إن في سنده معاوية بن يحيى من رجال التهذيب ، متكلم فيه ، وتمسك القائلون بالجواز بأثر أنس بن مالك < أنه دخل المسجد فأذَّن وأقام وصلى بالجماعة الثانية > أقول : إن في مصنف ابن أبي شيبة تصريحاً بأن أنساً توسط في الصف كما يتوسط إمامُ النسوان ، وهو مكروه اتفاقاً ، وفي سند آخر في مصنف ابن أبي شيبة : < أنه تقدم في الصف > فتعارض الروايتان ، وأما واقعة الباب فليست بحجة علينا ، فإن المختلف فيه إذا كان الإمام

(1/255)
والمقتدي مفترضين ، وفي حديث الباب كان المقتدي متنفلاً ، ولنا حديث ابن عمر : < لا تصلوا صلاة في يوم مرتين > أخرجه الطحاوي ، والنسائي وغيرهما .
قوله : ( جاء رجل ) هو أبو بكر الصديق .
ج1ص233
قوله : ( يتجر على هذا الخ ) في رواية أي رجل يتصدق على هذا ، وفي حديث الباب تضمين التصدق أي يتجر متصدقاً على هذا .
*2*باب ما جاء فضل العشاء والفجر في جماعة
باب ما جاء فضل العشاء والفجر في جماعة

(1/256)
- الحديث رقم: 221
إن قيل : إن الثواب يزداد بازدياد المشقة ، والمشقة في قيام الليل زائدة كما في نهاية ابن أثير حديث : < أفضل الأعمال أخمرها > أي أشقها ، يقال : إن المأخوذ في الصلاة بالجماعة الثواب الأصلي والفضلي ، وفي قيام الليل المأخوذ الثواب الأصلي ، واعلم أن الثواب الأصلي ثواب العمل بقدره والفضلي هو الزائد بضابطة أن الحسنة بعشر أمثالها ، والجواب المذكور ذكره القرطبي شارح مسلم ، وسيأتي جواب آخر في فضل سورة الإخلاص على ما قال ابن تيمية ، وأما القرينة على جواب القرطبي فهو أن صلاة الفجر والعشاء بالجماعة مأخوذة تحقيقاً ، فيؤخذ الثواب الأصلي والفضلي ، والمأخوذ في صلاة الليل مقدر فيؤخذ ثوابها الأصلي .
ج1ص234
قوله : ( فلا تخفروا الله . . الخ ) فإن قيل : كيف يتحقق التخفير من العباد؟ ونقول : إن أفعال الباري وقدرته تُرى في دار الدنيا مستورة تحت الأسباب .
*2*باب ما جاء في فضل الصف الأول
باب ما جاء في فضل الصف الأول

(1/257)
- الحديث رقم: 224
اختلفوا في تفسير الصف الأول ، قيل : هم الأولون دخولاً المسجد ، وقيل : الصف الأول هم المتصلون بالإمام ، والمختار هو الثاني ، وإن كان للأولين دخولاً أيضاً ثواباً ، لكن مصداق الصف الأول هم المتصلون بالإمام ، ثم اختلفوا في أن الصف الأول هو الصف التام ، أو الصف الذي يكون في المقصورة والمحراب الكبير ، والمختار هو الأول أي البالغ من جدار إلى جدار .
ج1ص235
قوله : ( وشرها آخرها ) قال الأحناف : إن خير الصفوف في صلاة الجنازة آخرها ، والغرض التحريض على صلاة الجنازة كيلا يتخلفون على أنها فرض كفاية ، وأما علة حديث الباب من شرها آخرها أن النساء كن يحضرن المساجد ، وأما الأحناف فجوزوا حضور العجائز ثم منعهن أرباب الفتيا لفساد الزمان .
*2*باب ما جاء في إقامة الصفوف
باب ما جاء في إقامة الصفوف

(1/258)
- الحديث رقم: 227
تسوية الصفوف واجبة على الإمام كما في الدر المختار ، وتركها مكروه تحريماً ، وقال ابن حزم بفرضيتها ، والاعتبار في التسوية الكعاب ، وأما ما في البخاري من إلزاق الكعب بالكعب فزعمه بعض الناس أنه على الحقيقة ، والحال أنه من مبالغة الراوي ، والحق عدم التوقيت في هذا بل الأنسب ما يكون أقرب إلى الخشوع وفي النسائي : < أن رجلاً من السلف كان يصف بين قدميه > أي يلزق بين كعبيه ، وفي السنن ، وكذلك في الوفاء : قال أنس لرجل : أتعلم لم هذه الخشبة في الجدار؟ فإنه عليه الصلاة والسلام كان يضع عليها يده الشريفة ويسوى الصفوف ، وكان رجل في عهد عمر وعثمان يمر في الصفوف ، ويقول : سووا صفوفكم ، وإن كان صف بعض معدل ، وبعض غير معدل فظني أن رجال ذلك الصف والذين خلفه آثمون ، فإنه كان عليهم الترصيص لا على الذين قدامهم ، والله أعلم
ج1ص236
وعلمه أتم ، ومن رأى فرجة في الصف يجوز له الدخول فيها ، ولو تحظى الرقاب كما هو مصرح في كتب الفقه .
قوله : ( ليخالفن الله بين وجوهكم ) قيل : المراد البغض ، وقيل المراد : المسخ صورة ، ثم قيل : إن المسخ مرفوع عن هذه الأمة المرحومة ، فأجيب بأن المرفوع هو المسخ العام ، ويجوز مسخ البعض .
قوله : ( من تمام الصلاة اه ) التمام يتعلق بالأجزاء ، والكمال يتعلق بالصفات .
( ف ) تسويةُ الصفوف مؤثرةٌ في رفع الحقد والشَّحناء من بينِ الصُّدور .
*2*باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى
باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنُهى

(1/259)
- الحديث رقم: 228
الأحلام جمع حِلم بالكسر ، أو جمع حُلُم بالضم ، وقرينة الأول قرينة النهى أي العقول .
قوله : ( فتختلف قلوبكم . . إلخ ) هذا دال على أن المراد في الحديث السابق الحِقد .
قوله : ( هيشات الأسواق اه ) قيل : إنه كلام مستأنف ، ونهى عن الذهاب إلى الأسواق بلا
ج1ص237
ضرورة ، وقيل : إن الكلام يتعلق بالسابق ، والنهي عن رفع الصوت في المسجد ، وقال الملا علي القارى : إن الجهر بالذكر في المسجد حرام . هكذا في المرقاة ، وكذا ثبت النهي في أثر ، وأما الكروري صاحب البزازية فأجاز رفع الصوت بالذكر ، وكذا في الخيرية إلا أنهما لم يذكرا قيد المسجد ، وفي المنع عن الكلام في المسجد حديث في الطريقة المحمدية ، وأثر عن عمر .
*2*باب ما جاء في كراهية الصف بين السواري
باب ما جاء في كراهية الصف بين السواري

(1/260)
- الحديث رقم: 229
حكم القائم بين عضادتي المسجد حكم القائم بين الساريتين ، وفي معراج الدراية لقوام الدين الكاكي عن أبي حنيفة : يكره للإمام أن يقوم بين الساريتين ، وهذا صادق على من يقوم بين العضادتين أيضاً ، وأما المقتدي فلم أرَ له في كتبنا إلا ما ذكر ابن سيد الناس اليعمري كما في نيل الأوطار نسبة كراهته إلى الأحناف ، وأما المفرد فلا كراهة له عند أحد فإنه عليه الصلاة والسلام < صلّى في بيت الله بين العمودين > كما في البخاري ، وفي مجمع الزوائد لنور الدين الهيثميب عن ابن مسعود : < إذا كان رجلاً أو ثلاثة بين الساريتين يجوز القيام بينهما فإنه صار كالصف > .
ج1ص238
*2*باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده
باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده

(1/261)
- الحديث رقم: 230
مذهب أبي حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله ومالك رحمه الله كراهة القيام خلف الصف وحده ، وقال أحمد : ببطلان الصلاة ، وسبيل هذا الرجل عندنا أن يجر رجلاً من الصف بالإشارة ، وأفتى أرباب الفتوى بعدم الإشارة للجر لقلة العلم وفساد الزمان ، وأما دليل أصل المذهب من الجَرّ فما رواه أبو داود في مراسيله ، وقال الحافظ في فتح الباري : إن البخاري موافق لأحمد في جزء القراءة .
قوله : ( أن يعيد الصلاة ) الإعادة عند أحمد لبطلان الصلاة ، وعندنا لأداء الصلاة بالكراهة تحريماً ، ولا يقال : إن هذا إعادة الصلاة بل هذه الصلاة لتكميل الصلاة الأولى ، حتى لا يجوز لأحد أن يقتدى بهذا الرجل ، وأما إعادة الصلاة المقرونة بالكراهة التحريمية ، فظاهر الهداية أن كل صلاة مؤداة على الكراهة تحريماً سبيلها الإعادة سواء كانت الكراهة داخلة أو خارجة ، فإنه ذكر المسألة تحت الصلاة على التصاوير وهذه الكراهة خارجة ، وتردد في هذا ابن عابدين بأن الجماعة واجبة ، ومن صلى منفرداً لم أجد رواية أن يعيد في الجماعة ، وأما إعادتها منفرداً فلا فائدة فيه ، أقول : إن المنفرد لا يعيد بل يستغفر ، ثم إعادة الصلاة المؤداة بالكراهة تحريماً قيل : واجبة ، اختاره السرخسي ، وصاحب الهداية ، وابن الهمام ، وقيل : إنها مستحبة ، ثم اختلفوا في أن الوجوب والاستحباب داخل الوقت أو خارجه ، فذهب ذاهب إلى هذا ، وذاهب إلى ذاك ، وقال صاحب البحر : تجب في داخل الوقت ، ويستحب في خارجه ، وقال ابن عابدين جمع صاحب البحر بين القولين ، فإن القائلين بالوجوب قائلون به داخل الوقت وخارجه ، وكذلك القائلون بالاستحباب .
ج1ص239

(1/262)
قوله : ( وروى ) حديث حصين إلى قد أدرك وابصة هو أخذ زياد ابن أبي الجعد يد هلال وقيامه به على وابصة الشيخ ، فاختلف أهل الحديث في هذا فقال بعضه حديث عمرو بن مرة عن هلال بن يساف عن عمر بن أرشد الآتي عن وابصة أصح ، وقال بعضهم : حديث حصين عن هلال بن يساف عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة أصح وهو المذكور سابقاً ، قال أبو عيسى : هذا المذكور سابقاً أصح من حديث عمرو بن مرة ، لأنه أي عمرو بن مرة قد روى من غير حديث هلال بن يساف عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة متعلق بروى حدثنا محمد بن بشار إلى عن وابصة هذا حديث زياد بن أبي الجعد غير حديث هلال بن يساف عنه حدثنا محمد بن بشار إلى أن رجلاً هذا الحديث الذي صححه البعض الأول ، وقال : إن حديث عمرو بن مرة إلخ ، فحديث زياد بن أبي الجعد من طريقين عمرو بن مرة وطريق هلال بن يساف ، وأما حديث عمرو بن راشد فمن طريق واحد وهو طريق عمرو بن مرة ، فالحديث الذي بطريقين أصح من الذي بطريق واحد .
ج1ص240
*2*باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل
باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل

(1/263)
- الحديث رقم: 232
مذهب الشيخين أن يكون قدما المقتدي حذاء قدمي الإمام ، وقال محمد : يتأخر المقتدي بشيء وعلى هذا العمل ، حديث الباب طويل أخرجه البخاري في صحيحه ، وفيه : < أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وميمونة كانا نائمين على طول الوسادة وابن عباس على عرضها ، وكان ابن عباس غير محتلم > .
قوله : ( ذات ليلة ) في الرضي أن موصوف ذات مقدّر ، أي مدة ذات إلخ ، وفعله عليه الصلاة والسلام يدل على أن يدفع المكروه اللاحق في خلال الصلاة في خلالها ، وفي كتبنا من سقطت عمامته يجوز له أن يضعها على رأسه بيد واحدة ، وفي شرح ابن الملك أيضاً تصريح جواز دفع المكروه في الصلاة .
تنبيه واعلم أن الفتوى قد يكون على الأقوى دليلاً ، وقد يكون على الأرفق بالناس ، وقد يكون على الموافق بعرف بلدة ، وقد يكون على الأوفق بالحديث ، وقد يكون على الموافق لإمام من الأئمة المجتهدين .
*2*باب ما جاء فى الرجل يصلي مع الرجلين
باب ما جاء فى الرجل يصلي مع الرجلين

(1/264)
- الحديث رقم: 233
المرأة الواحدة لا تدخل في صف الرجال ، ويدل حديث الباب على أن يدخل الصبي الواحد في
ج1ص241
صف الرجال وهو مذهبنا ، وإذا كانا اثنين فصاعداً فيطلب الحكم من حديث : < ليليني أولو الأحلام والنهى منكم > السابق ، مذهب الطرفين أن الرجلين يتأخران عن الإمام ، ونسب إلى أبي يوسف مثل ما في هذا الباب عن ابن مسعود ، كما في الدر المختار : إذا كانا رجلين يكره لهما القيام مع الإمام تنزيهاً ، وإذا كانوا ثلاثة فيكره تحريماً .
( ف ) الحديث الساكت عن العذر لا يحمل على المعذور بدون ضيق .
قوله : ( وقد روي عن ابن مسعود ) قال بعض السفهاء : كما لم يبلغ ابن مسعود مسألة تأخير المقتدين ، ومسألة نسخ التطبيق في الركوع ، كذلك لعله لم يبلغه مسألة رفع اليدين لأنه كان قصير القد ، أقول : إن هذا القول من غاية الجهل ، ولا يصدر إلا ممن تم عليه الجهل ، فإن رفع اليدين يعمل في يوم وليلة مائة مرة بل أزيد ، فهل يقول العاقل بما قاله السفهاء؟ وأما ما في حديث الباب فيقع قليلاً ولعله تأسى فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في واقعة له قد مضت له معه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا يجعله سنة ، وأما التطبيق فمروي عن علي أيضاً بسند حسن بإقرار الحافظ ، فلعلهما حملا النسخ على الرخصة في تلخيص الحبير : < إذا قام الرجل بالصلاة في الصحراء يقوم معه ملكان يميناً وشمالاً ، وإذا أذن أيضاً فيصفون خلفه > .
قوله : ( إسماعيل ) هما اثنان عبدي وهو ثقة ، ومكي وهو المذكور هاهنا وهو ساقط ، وقد وثقه المصنف في موضع .
ج1ص242
*2*باب ما جاء في من أحق بالإمامة
باب ما جاء في من أحق بالإمامة

(1/265)
- الحديث رقم: 235
الإمامة على قسمين صغرى وكبرى ، والكبرى تولي أمور المسلمين أي الخلافة ، واشترطوا لها أن يكون قرشياً ، وعن أبي حنيفة كما في التحرير المختار ، واختار إمام الحرمين عدم اشتراطه .
والإمامة الصغرى كون الرجل ضامناً لصلاة من يقتدى خلفه ، وكان الإمام الصغير والكبير واحداً في السلف ثم افترقا آخر الزمان ، وحديث الباب لم يخرجه البخاري إلا أنه أخذ المسألة ، ومذهب أبي حنيفة : أن الأعلم مقدم ، ثم الأقرأ ، وعن أبي يوسف رواية عكس هذا ، وعند الشوافع قولان ، والمشهور عندهم تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة ، واحتج صاحب الهداية بحديث الباب الظاهر أنا مجيبون عنه لا مستدلون به ، وليعلم أن < أقرأ > الحديث غير < أقرأ > العرف فلا يكون حديث الباب وغيره متعلقاً بما في الفقه ، والأقرء في عرف الحديث هو الحافظ المقدار الزائد للقرآن ، وفي العرف هو عالم
ج1ص243

(1/266)
التجويد ، وفي حديث قصة بير معونة وغزوة يمامة استعمل لفظ القراء على ما قلت من عرف الحديث ، وأورد ابن الهمام على صاحب الهداية إيرادين أحدهما : أنه لو كان إقراء السلف أعلم أيضاً كما قلت ، يلزم تقديم من كان حافظاً لزيادة مقدار القرآن ، ويعلم علم الكتاب ، ولا يعلم الفقه إلا القدر الضروري على من هو متبحر في الفقه ، وعالم قدر القرآن الضروري ، والحال أنه خلاف تصريحات الفقهاء ، أقول : إن إيراد الشيخ مندفع بالنظر إلى أحوال الصحابة ، والإيراد الثاني على صاحب الهداية : إن قوله خلاف نص الحديث فإن نص الحديث بالفرق بين الأعلم والأقرأ ، ويلزم التساوي بينهما على ما قلت ، أقول : إن إيراد الشيخ مندفع فإنه مناقشة لفظية ، فإنه مع التساوي في القراءة يكون أحدهم أعلم بالسنة ولم يدَّعِ صاحب الهداية انحصار العلم في الأقرأ ، فإن السلف كانوا يتعلمون القرآن ومسائل الحديث أيضاً واستدل ابن الهمام على المسألة من تلقائه ، وكنت متردداً فيه حتى أن وجدت إليه إيماء البخاري ، والاستدلال بأنه عليه الصلاة والسلام أخبر < أقرؤكم أبي بن كعب > ومع ذلك جعل الصدِّيق الأكبر إماماً لكونه أعلمهم ، لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام خطب يوماً وقال : < إن الله خير عبداً بين الدنيا والآخرة فاختار العبد الآخرة > فبكى أبو بكر الصديق فتعجبنا من بكائه ، ثم علمنا أن ذلك العبد هو النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فعلمنا أن أعلمنا أبو بكر الصديق ، وأشار البخاري إلى هذا ، ثم إن قيل : كيف اعتبر الفقهاء الحسن أيضاً مرجح التقديم للإمامة؟ نقول : إن الشريعة بوَّب على أن يُقدَّم ذو وقار والجميل أيضاً ذو وقار ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يرسل دحية الكلبي إلى الملوك لأنه كان جميلاً وذا وقار .

(1/267)
قوله : ( ولا يؤم الرجل في سلطانه ) السلطان مصدر أو صيغة صفة ، وهاهنا مصدر ، قال الفقهاء : لو كان الزائر أحق بالإمامة فعلى إمام الحيِّ أن يقدمه ، وأما الزائر فلا يتقدم بنفسه بدون الإذن ، وشبيه هذا ما في الحديث : < لا تمنعو إماء الله من المساجد > وحث النساء على الصلوات في قعر البيت لا في المسجد ، فإن مثل هذه الأمور يتقوم بالطرفين ، فيأمر الشارع الطرفين بما يليق كل واحد منهما .
مسألة .
أقول : يجوز الاقتداء خلف المخالف من المذاهب الأربعة مطلقاً بدون كراهة وهو الظاهر ، ونقل ابن الهمام عن شيخه الشيخ سراج الدين قارئ الهداية ، أن عدم جواز الاقتداء خلف المخالف ليس بمروي عن المتقدمين ، وكذا ذكره الشاه عبد العزيز في فتاواه ، واعترض ابن الهمام بما في الجامع الصغير في مسألة تحري القبلة ، أقول : إن مبنى ما في الجامع الصغير ليس على ما زعم الشيخ
ج1ص244
ابن الهمام ، فإنه خلاف المتابعة في داخل الصلاة ، وأما الفتاوى ففي بعضها صحة الصلاة ، وإن لم يتحرز الإمام عن الخلافيات ، وفي بعضها صحة الصلاة بشرط أن يتجنب الخلافيات ، وفي بعض كتب المذهبين عدم جواز الاقتداء بمشاهدة ما يرى المقتدى من نواقض الوضوء في الإمام ، مثل أن يرى المقتدي الشافعي مس المرأة والذكر من الإمام الحنفي ، وتصح الصلاة لو لم يشاهدها ، ولا يكلف بالسؤال عن الإمام ، أقول : قد اجتمع السلف عملاً على مسألة جواز الاقتداء بلا خلاف وتقييد فإنهم كانوا مختلفين في الفروع وكانوا يقتدون خلف كل منهم بلا نكير ، وسؤال من أنك توافقني في الفروع أم لا؟ ثم قالت جماعة من أرباب الفتيا : إن العبرة في الخلافيات لرأي الإمام ، وقيل : لرأي المقتدي ، والمتحقق ما حررت آنفاً ، وليس خروجاً عن المذهب بل هو المذهب .
قوله : ( إلا بإذنه ) قيل : إنه يتعلق بجملتين ، وقيل بواحدة .

(1/268)
( واقعة ) : في تاريخ ابن خلكان أن الدامغاني الحنفي مر بمسجد الأستاذ أبي إسحاق الشيرازي عند المغرب ، فحان وقت الصلاة فدخل المسجد ، فأشار الأستاذ إلى المؤذن أن لا يرجع في الأذان ، فقدم الدامغاني على الصلاة فصلى بهم الدامغاني صلاة الشافعية .
*2*باب ما جاء إذا أم أحدكم فليخفف
باب ما جاء إذا أم أحدكم فليخفف

(1/269)
- الحديث رقم: 236
ظهور التخفيف إنما يكون في القراءة لا في الركوع والسجود ، وتعديل الأركان كما هو معلوم من فعل صاحب الشريعة ، وأما ختم القرآن مرة في رمضان فلا يترك وإن كسل القوم .
ج1ص245
*2*باب ماجاء في تحريم الصلاة وتحليلها
باب ماجاء في تحريم الصلاة وتحليلها

(1/270)
- الحديث رقم: 238
حديث الباب ليس بقوي ، فإن أبا سفيان متكلم فيه ولو كان صحيحاً لأفادنا في وجوب ضم السورة ، وأما ما مر من حديث علي فكان قوياً ، ولكنه خال عن هذه القطعة ، وأما ما في الهداية : من أحدث بعد التشهد فقد أجزأت صلاته ، فالمراد صلاته مشتملة على أداء الأركان فإنه مصرح في كتبنا أن يتوضأ ويسلم واجباً ، ربما يطلق لفظ الصحة على ما يكون مشتملاً على الكراهة تحريماً ، وفي كتب المذاهب الأربعة أن الساجد قبل الإمام مرتكب الحرام ، وصحت صلاته وأجزأت .
ج1ص246
*2*باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير
باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير

(1/271)
- الحديث رقم: 239
ذكر الطحاوي السنة أن يمد أصابع يديه ، ويستقبل بها القبلة ، ويوجه الكف إلى القبلة ، ولا يضم كل الضم ، ولا يفرج كل التفريج ، ثم قال الشافعي : يرفع يديه إلى أذنيه ، وفي رواية أن يرفع يديه إلى منكبيه ، وكلامه في مصر جامع لهما ، وهو المختار عند الأحناف ، أي يكون الكف حذاء المنكب والأصابع حذاء الأذنين .
ج1ص247
*2*باب ما جاء في فضل التكبيرة الأولى
باب ما جاء في فضل التكبيرة الأولى

(1/272)
- الحديث رقم: 241
عند أبي حنيفة واجد الركعة الأولى واجد فضل التحريمة ، أي فضل التحريمة ممتد إلى الركوع ، وقال علماء المذاهب الأربعة : من أدرك الركوع أدرك الركعة ، خلاف الضُّبعي تلميذ ابن خزيمة ، وتقي الدين السبكي ، وقال الحافظ : ما نسب إلى ابن خزيمة ما وجدته في صحيحه ، أقول : إنه كان منسوباً إلى تلميذه فاختلط على البعض ، ونسبوه إلى ابن خزيمة أيضاً ، وكان يقول الشوكاني أولاً مثل قول الضُّبعي ، ثم رجع عنه في فتاواه .
قوله : ( من صلى أربعين يوماً ) اشتهر بين العوام : من صلى أربعين يوماً بالجماعة يعتاد الصلاة ، لعلهم أخذوا من هذا الحديث ولكنه ضعيف .
قوله : ( عن أنس موقوفاً ) أقول : لا مدخل للعقل في ذكر البراءتين ، فلا بد من كونه مرفوعاً حكماً .
ج1ص248
*2*باب ما يقول عند افتتاح الصلاة
باب ما يقول عند افتتاح الصلاة

(1/273)
- الحديث رقم: 242
قال الثلاثة باستحباب الذكر قبل الفاتحة ، وقال مالك بن أنس بعدم استحبابه ، وثبت كثير من صيغ الثناء يجوز كلها في المذاهب ، واختار الشافعية ما في الصحيحين ، ومختار الأحناف والحنابلة كما صرح به أحمد : < سبحانك اللهم وبحمدك > إلخ موقوفاً على عمر أخرجه مسلم ص ( 172 ) ، ولنا مرفوع أيضاً أخرجه في كتاب الدعوات ، وأخرجه الزيلعي أيضاً بسند صحيح في كتاب ، وفيه سؤال أهل كوفةٍ عمر فعلمهم بالفعل وأجهر به ليتعلموا ، وأما المرفوع الذي أخرجه الزيلعي من كتاب الدعوات للطبراني ففي التخريج سهو الكاتب ، فإنه كتب زحموية بالزاي المعجمة بدل رحموية بالراء المهملة ، وثبت الأذكار منه عليه الصلاة والسلام في ستة مواضع عقب تكبيرة التحريمة ، والركوع والاعتدال منه ، والسجود ، وبين السجدتين ، وقبل السلام ، كذا في المواهب ، وكان يدعو أيضاً في القنوت ، وإذا مر بآية رحمة وآية عذاب .
تنبيه ضروري : في الحلية للمحقق ابن أمير الحاج أن الأذكار الواردة في الأحاديث جائزة عندنا في النافلة والمكتوبة بشرط أن لا يثقل على الناس ، وأما عامة مصنفينا أهملوها ويزعم الناظر عدم تعرض الأحناف إلى الأذكار ، وأما ما ذكروا من الإتيان بالأذكار في النافلة فمداره على تثقيل القوم .
قوله : ( سبحانك اللهم وبحمدك . . إلخ ) عندي اختصار من الجملتين ؛ أي من سبحت سبحانك ، وحمدت الله حمداً فلا تكون واو ( وبحمدك ) زائدة وقال العلماء : إن بحمدك حال وسبحانك مصدر سبح مجرداً ، لا كما قال بعض المناطقة فإنهم عارون عن اللغة .
قوله : ( همزه الخ ) همزه وسواسه ، ونفخه كبره ، ونفثه السحر أو الشعر ، وليُعلم أن حسنَ الشعر وقبحَه بحسن ما فيه وقبحِه ، ولكن أكثر الأشعار تكون قبيحة فذمته الشريعة ، وثبت الأشعار عن
ج1ص249

(1/274)
الشافعي ، والشيخ عبد القادر القرشي نسب شعرين إلى أبي حنيفة ، وكذلك إلى البخاري ، وأما أحمد ومالك فلم أجد عنهما ، وقد ثبت سماعه الأشعار مائة شعر من قصيدة أمية بن أبي الصلت .
قوله : ( وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد ) أقول : يمكن تحسين حديث أبي سعيد فإن النسائي ص ( 143 ) أخرجه .
*2*باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

(1/275)
- الحديث رقم: 244
التسمية من القرآن عند أبي حنيفة وليست جزء سورة ، وفي رواية عنه أنها جزء الفاتحة ، وعند الشوافع جزء الفاتحة قطعاً ، وفي جزئيتها لسائر السور قولان ، وعند مالك إنما هي نازلة للفصل بين السورتين ، وقال الأحناف : يخفي ببسم الله ، وقال الشوافع : يجهر به ، ومالك وأحمد موافقان لنا ، وصنف الدارقطني رسالة في هذا ، وحكي لما بلغ الدارقطني مصر استحلفه مالكي هل أتيت في الرسالة بحديث صحيح؟ قال الدارقطني : لا ، كذا نقله ابن تيمية ، وزعم البعض أن مدار الجهر وتركه جزئية الفاتحة وعدمها ، أقول : إنه خطأ ، فإن بعض القائلين بالجزئية قائلون بالإسرار ، وقد ثبت الآثار في
ج1ص250

(1/276)
جهر بسم الله ولم يصح مرفوع ، وتعرض بعض المتأخرين إلى إثبات المرفوعات ، مثل السيوطي في الإتقان ، ولكن كلها معلولة ، وقال الزيلعي : وجه إكثار الرويات في الجهر إدخال الروافض في المسألة وهم الملاعنة وضاعون ، أقول : وإن لم يصح مرفوع سنداً ولكنه لا بد من ثبوته من صاحب الشريعة ، وإلا فكيف قال به الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، نعم استمراره عليه الصلاة والسلام على الإخفاء ، ونقول كان الجهر للتعليم أي تعليم ثبوت التسمية في الصلاة لا لتعليم الجهر بالتسمية كذا في الهداية ، وفي كتاب الآثار أن عمر جهر بالتسمية لتعليم أهل كوفة ، فنقول : إن جهره عليه الصلاة والسلام كان للتعليم كما قال الشافعي رحمه الله في حديث التكبير على ختم الصلاة أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه للتعليم ، ولم يقل أحد بسنية الجهر بالذكر بعد الصلاة إلا ابن حزم الأندلسي ، وقد ثبت الجهر في مواضع للتعليم ، مثل ما روى السيوطي أنه عليه الصلاة والسلام جهر بالقراءة في صلاة الظهر ، وقال في آخرها : < إنما جهرت لتعلموا > ولكني لم أجد سنده ، ولا يلزم سجدة السهو بجهر ما يخافت أو عكسه عند الشافعي رحمه الله ، وله آثار في مصنف ابن أبي شيبة ، ويلزم سجدة السهو عند أبي حنيفة وله أيضاً آثار ، وكذلك ثبت جهر عمر بالثناء للتعليم كما في كتاب الآثار وقد ثبت جهر آية في الظهر والعصر للتعليم كما في مسلم ، وأما تسبيح الركوع فلم تكن حاجة إلى الجهر فإنه لما نزل : < سبح اسم ربك العظيم > قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < اجعلوها في الركوع > وقد ثبت جهر الدعاء في القومة كما في سنن ابن ماجه ص ( 163 ) ، وما أتى الحافظ بدليل مذهبه مرفوعاً إلا ما في النسائي ص ( 144 ) عن أبي هريرة أنه فعل أشياء كثيرة وجهر ببسم الله أيضاً ، وقال : إنا أشبه منكم بصلاة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونقول ربما يعقل الصحابي أشياء كثيرة ، ثم يقول :

(1/277)
هكذا وجدت من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أن بعض الأشياء لا تكون مرفوعة بل من اجتهاده .
قوله : ( عن ابن عبد اللّه الخ ) هاهنا راو مبهم استمد الحافظ في تعيينه بمسند الحارثي ، وقال : إنه يزيد بن عبد اللّه بن مغفل ، وأخرج النسائي ص ( 144 ) حديث ابن عبد اللّه وفيه أيضاً مبهم .
( واقعة ) : في الأشباه والنظائر في النحو ، أن العلماء كانوا مجتمعين في حضرة السلطان برسباتي لختم البخاري ، فأخذوا في مسألة الباب ، وقالوا : إن المثبت المشتمل على زيادة الجزء مقدم على
ج1ص251
النافي المشتمل على قلة الجزء ونقصانه ، وكان السلطان يستفتي ابن الهمام لتورعه ، فاستفتاه فكتب الشيخ رسالة في الجواب قبل ختمههم البخاري ، وأرسلها بحضرة السلطان .
مسألة : قراءة التسمية في ابتداء كل ركعة سنة عندنا ، وفي رواية واجبة وقال ابن وهبان في نظمه :
~ ولو لم يبسمل ساهياً كل ركعة ... فيسجد إذ إيجابها قال الأكثر
وعندي أن الأكثرين إلى السنية ، ولعله أراد بالأكثر سائر الأئمة من الشافعي وأحمد ومالك ، واختار الوجوب الشيخ السيد محمد الآلوسي في تفسيره روح المعاني ، وفي رواية عن محمد استحباب التسمية بين السور والفاتحة ، وقال الشيخان : بجوازها وإباحتها .
*2*باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين
باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين

(1/278)
- الحديث رقم: 246
ظاهر حديث الباب يؤيد الأحناف والحنابلة والموالك ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله : إن ( الحمد لله رب العالمين ) اسم سورة الفاتحة والتسمية جزء الفاتحة ، فتدرج في الفاتحة ، قال الزيلعي :
ج1ص252
إن اسم السورة ( الحمد الله رب العالمين ) ، ولنا ما في مسلم : < قسمت الصلاة بيني وبين عبدي > ، وفي سنن أبي داود : < كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يفرق بين السور ، فنزلت التسمية > فعلم عدم كونها من الفاتحة ، فإنها نزلت مؤخرة عن بعض القرآن ، وقال شمس الدين الجزري : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، والتسمية جزء باعتبار بعض الأحرف ، فيكون قوله جامعاً بين جميع المذاهب ، وقد يختلف الحكم باختلاف الأحرف كما في الدر المختار : أن في قوله تعالى تشديداً وتخفيفاً اختلافاً في محل السجدة ، وبالاختلاف يختلف الحكم ، ولعله كذلك الاختلاف في وحدة السجدة في سورة الحج وتثنيتها ، والله أعلم .
قوله : ( وقال الشافعي الخ ) أقول : كيف يقال بمثل هذا وقد وقع تصريح نفي الجهر ببسم الله في مسلم ص ( 172 ) والنسائي ص ( 144 ) في رواية الباب؟
( حكاية ) : في بعض الكتب كالخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان رحمه الله : دخل الشافعي بغداد وصلى ركعتين عند قبر أبي حنيفة ولم يجهر بالتسمية ، فقيل : ولم تركت؟ قال : أدباً لصاحب هذا القبر وقد صح هذا النقل ، وقال الشافعية : لم يترك رفع اليدين ، نقول : لعله كان عنده جهر التسمية غيرأكيد خلاف رفع اليدين .
*2*باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب

(1/279)
- الحديث رقم: 247
ههنا مسألتان : مسألة حكم الفاتحة فقال أبو حنيفة بوجوبها ، وقال الثلاثة بركنيتها ، وفي رواية للمالكية وجوب الفاتحة كما في العيني ، ونقل الوزير ابن هبيرة الحنبلي رواية عدم ركنيتها في الأشراف ، بمذاهب الأشراف ، ورأيت مكتوباً عليه الإفصاح ، ولكنه غلط الكاتب فإن الإفصاح عن معاني الصحاح كتاب آخر للوزير ابن هبيرة ، ولابن منذر أيضاً إشراف .
ج1ص253
والمسألة الثانية : قراءة الفاتحة خلف الإمام ، والمذكورة هاهنا الأولى ، وأما الثانية فمذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك والجمهور نفي القراءة خلف الإمام في الجهرية ، واختلفوا في السرية ، قيل : سنة ، وقيل : مستحبة ، وقيل : مباحة ، وقال الشافعي بوجوبها في السرية والجهرية ، وكان قول الشافعي : القديم عدم وجوبها في الجهرية ، وقوله الجديد وجوبها كما قال المزني في مختصره ، بلغنا من بعض أصحابنا أن الشافعي قال كذا ، وقال الشافعية : إن ذلك المبلغ هو ربيع بن سليمان تلميذ الشافعي ، ولم يذكر الشافعي رحمه الله وجوبها في الجهرية في كتاب الأم ، وأما المتقدمون مثل صاحب المذهب فيذكرون القولين ، وأما المتأخرون فلا يذكرون إلا الجديد .

(1/280)
قوله : ( لا صلاة لمن لم يقرأ ) حديث الباب أخرجه أرباب الصحيحين لا القصة المذكورة ، أقول : إن حديث الباب ليس في حق الجماعة ، بل في حق الجماعة حديث : < من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له > وحديث < إذا قرأ فانصتوا > إلخ ، وقال بعض الأحناف : إن النفي في < لا صلاة > نفي الكمال وعندي أنه مدخول فيه فإن الفاتحة واجبة عندنا ، ويلزم على هذا نفي الوجوب ، فإن ظني الدلالة والثبوت لا يوجب الوجوب كما صرح به الأصوليون ، والحق أن يبحث في ظنية الثبوت لا الدلالة ولم يتعرض صاحب الهداية ص ( 97 ) إلى الدلالة أصلاً ، وأقول : إن تقدير لا صلاة كاملة أيضاً غير فصيح عندي ، قال حذاق النحاة : إنه يكفي في التقدير رائحة المقدر لا أن يقدر في العبارة والنظم ، وقالوا : إن متعلق الجار ، وكذلك عامل الحال المستنبط من الإشارة أو التنبيه عامل معنوي ، وزعمه القاصرون ، ذكره في نظم العبارة ، وإني لا أقول بالتقدير فيما يتلفظ في نوعه ، فلا أقول بالتقدير في الظرف المستقر ، نعم أقول بتقدير المبتدأ والخبر ، وقال الرضي : من قال : زيد كائن في الدار خرج من لغة العرب ، فلا أقول بتقدير الكمال ، نعم قد أقول بنفي الكمال إلا أنه بنفي الكمال في المصداق
ج1ص254
أي تنزيل الناقص منزلة المعدوم ، واستعمال ما هو للمعدوم في الناقص لا في الدلالة والكلام كما قال صحابي : ما أجزء منا أحد من أجزء فلان في قتل قزمان المشركين في غزوة خيبر كما في الصحيحين .

(1/281)
دقيقة : واعلم أن الباء الداخلة على < بفاتحة الكتاب > في حديث الباب ليست إلا للتعدية فإن القراءة ونحوها من المسح والوتر كان متعدياً بنفسه في اللغة ، ثم إذا نقل إلى الشريعة صار لازماً ، فعندي بالباء كما قال العلماء في { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] أنه إما لازم وإما متعدٍ ، وكذلك أقول في باء { وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ } [ المائدة : 6 ] ولم ينبه الأصوليون على هذه الضابطة ، ونبه عليها الزمخشري في المفصل ، وكذلك أشار إليها في الكشاف في آية : { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَة } [ مريم : 25 ] أي افعلي فعل الهز ، وكذلك أشار سيبويه حين قال : إن المزيد يدخل على المجرد ، مثل : قبرته وأقبرته ، ومعنى أقبرته أدخلته في القبر ، وكذلك أقول في أتتني صحيفة فلان فقرأت بها ، خلافَ ، ما قال ابن هشام في المغني ، معناه قرأت تبركاً بها ، وأقول : الباء عندي للتعدية ، وقال الطيبي في شرح المشكاة بتضمين الابتداء في حديث الباب ، أي لا صلاة لمن لم يبدأ بفاتحة الكتاب ، وهذا يفيدنا في وجوب ضم السورة ، وعن مالك رحمه الله أيضاً وجوب ضم السورة كما في الهداية ص ( 94 ) ، ولكني لم أرض بما قال الطيبي ، وإن قيل : لقد تواتر العمل بقراءة الفاتحة فتكون فرضاً لثبوتها بالقطع ، نقول : إن التواتر عملاً في الإتيان بها لا على كونها ركناً كما ثبت التواتر عملاً في بعض المستحبات .
*2*باب ماجاء في التأمين
باب ماجاء في التأمين

(1/282)
- الحديث رقم: 248
قال مالك : يؤمن المقتدي فقط سراً وهكذا مروي عن أبي حنيفة في موطأ محمد ص ( 105 ) ، والرواية الثانية عن أبي حنيفة وهو مختار صاحبيه أن يأتي به الإمام والمقتدى سراً ، والقول الجديد للشافعي : أن يجهر الإمام ويسر القوم ، وفي القديم جهرهما به ، وبه قال أحمد بن حنبل ، ولم أجد تصريح الجهر عن الموالك ، بل صرح في المدونة بالإخفاء ، وأما السلف الصالحون فإلى الطرفين ،
ج1ص255
والأكثر هو الإخفاء عند السلف ، ذكره في الجوهر النقي ص ( 132 ج1 ) عن ابن جرير الطبري ، فكان هو السنة ، والجهر جائز غير سنة ، قيل : المراد مد الألف لارفع الصوت ، والحال أن رفع الصوت مصرح في الصحاح .

(1/283)
قوله : ( وفي الباب الخ ) رواية علي أخرجها ابن ماجه ، ورواية أبي هريرة أخرجها الدارقطني في سننه وحسنها ، وأخرجها في علله وأعلها ، وأخرجها في النسائي ص ( 144 ) ، وحديث الباب لم يخرجه أرباب الصحيحين للتأثر عن اختلاف شعبة وسفيان ، ورجح المحدثون حديث سفيان ، وقالوا : أخطأ شعبة في مواضع منها ، أنه قال أبو العنبس ، وإنما هو ابن العنبس ، فقال الأحناف : قد قال سفيان أيضاً أبو العنبس في أبي داود ص ( 141 ) ، فلعل العنبس اسم الجد والحفيد ، وأما ما قيل عن ذكر أبي السكن فلعله أبو السكن أبو العنبس ، وأما ما قيل من ذكر علقمة ففي مسند أبي داود الطيالسي ، قال شعبة : سمعت الحديث عن علقمة عن وائل ، ثم سمعت من وائل بلا واسطة علقمة فلم يبق البحث إلا في رفع الصوت وخفضه ، وقال ابن الهمام جامعاً بين الحديثين : إن الرفع كان في ذاته والخفض بالنسبة ، وهذا عين مذهب الشافعي ، وزعم البعض أن الشيخ يجعل الحديث للأحناف ، والحال أن تلميذه المحقق بن أمير الحاج صرح بأنه جمع بما يوافق الشافعية ، وفي مجمع الزوائد لنور الدين الهيثمي ، وظاهر يؤيد الشافعية ، وهو : < أن اليهود ما حسدوا مثل حسدهم على ثلاثة أشياء ، رد السلام ، وآمين ، وإقامة الصفوف > وهذا الحديث في واقعة بيت عائشة من مسند معاذ ، وهو عن عائشة أيضاً مع اضطراب ، وفيه علي بن عاصم متكلم فيه ، ونقول : إن في السنن الكبرى : < أن اليهود يسجدون على قول ربنا لك الحمد > والحال أنه لا يقول أحد بجهره ، فما هو جوابكم هاهنا فهو جوابنا ثمة فما دل على الجهر ، وأيضاً نقول : وقع في الخصائص الكبرى للسيوطي بطريق حارث بن أبي أسامة < أعطى أمتي آمين ، ولم يعط من قبلهم إلا موسى عليه الصلاة والسلام حين دعا وأمَّن أخوه هارون > ، فلعل اليهود علموا من الجهر ، في خارج الصلاة مثل تأمين هارون فلا يثبت الجهر به
ج1ص256

(1/284)
في داخل الصلاة ، وأيضاً نقول : إن جهره عليه الصلاة والسلام كان للتعليم لما في أبي داود ص ( 142 ) : ( حتى يسمع من يليه من الصف الأول ) بطريق بشر بن رافع ، وهو متكلم فيه ، وقد ثبت الجهر بالأدعية للتعليم لما روينا في ما سبق ، كيف لا وقد صرح وائل بنفسه : ( ما أراه إلا ليعلمنا ) إلخ ، أخرجه أبو بشر الدولابي في كتاب الأسماء والكنى بسند يحيى بن سلمة بن كهيل ، وهو مختلف فيه ، وثقه الحاكم في المستدرك ، ولكنه متساهل في حق الرواة في مستدركه ، ووثقه ابن حبان فإنه ذكره في كتاب الثقات ، ولكنه ذكره في كتاب الضعفاء أيضاً ، فتحيرت من هذا وربما يذكر راوياً في الكتابين ، فقيل : إنه يسهو عن ذكره في الكتاب الأول ، وإني رأيت في كتاب الضعفاء تحت ترجمة إبراهيم بن طهمان أن هذا له دخل في الضعاف والثقات ، فذكرته في الكتابين فذهب ما أبرئ قلبي ، ما وقع عند ابن خزيمة ، فإنه لما تكلم على مسألة وضع الركبتين بعد اليدين على الأرض نقل حديث تقديم الركبتين بسند جيد ثم ذكر ناسخه ، وقال : إن الأول منسوخ ، وقد وقع يحيى بن مسلمة بن كهيل في سند الناسخ ، وضعف حديث سفيان بن قطان المغربي ، ذكره الزيلعي في التخريج ، ولكن الجمهور يصححون حديث سفيان ويضعفون حديث شعبة ، وقد صححهما القاضي عياض ، وقد نقل العيني تصحيح بعض أئمة الحديث ، ولكنه لم يسمّهم ، وقال ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار : إن الحديثين صحيحان ، واختار الإخفاء ، فإن جمهور السلف إلى الإخفاء وأما بعد تسليم المحدثين فكيف الجمع بينهما؟ ولعله يكون مثل ما قال الشيخ ابن الهمام ، ويؤيدنا ما في أبي داود من مجيء وائل بحضرته مرتين فلعله جهر للتعليم ، ويدل على التعليم ما في معجم الطبراني عن وائل أنه عليه الصلاة والسلام أمَّن ثلاث مرات ، وقال الحافظ كما في شرح المواهب : تثليث آمين بتثليث الواقعة لا أنه أمَّن ثلاثاً في واقعة واحدة ، كما زعمه بعض الناس الجاهلون ، فدل على

(1/285)
التعليم ، وفي معجم الطبراني زيادة : ( اللهم اغفر لي ) قبل آمين والله أعلم ، وفي سنن الدارقطني قال عبد الرحمن بن مهدي : أشد شيء في حديث سفيان أن رجلاً وجه سفيان إلى نفسه ، وتكلم معه في أثناء الحديث فما أدركت ما قال سفيان كل الإدراك ، ولنا أن مذهب سفيان إخفاء آمين مع أنه يروي جهره ، ومر ابن تيمية وابن القيم على مسألة الباب فقالا : إن الاختلاف في اختيار المباح ورجحا الجهر في بعض المواضع ، فعلم أن الخلاف ليس بشديد .
قوله : ( حديث سفيان ) في هذا أصح ما أتوا بالمتابعات لسفيان : مع أنه موجود في النسائي
ج1ص257
ص ( 147 ) وفي مسنده عبد الجبار بن وائل ، لكنه لم يسمع من أبيه ، نعم صحيح للمتابعة بلا ريب فإنه سمع عن أخيه علقمة فإنه يروي عن أخيه علقمة لرفع اليدين ، ووضع اليدين عند الصدور واعتمدوا عليه .
قوله : ( العلاء بن صالح ) هذا ضعيف ، وذكر بعض الناقلين علي بن صالح وهو ثقة ، ولكن الصحيح علاء بن صالح ، ولنا ما روى ابن جرير الطبري عمل جمهور الصحابة ، ولنا ما في معاني الآثار ص120 عمل علي وعمر ، وفي سنده أبو سعيد بن مرزبان البقال ، وهو متكلم فيه ، وفي البعض أبو سعد بدل أبو سعيد وما في الطحاوي أخرجه ابن جرير الطبري وصححه وحسن الترمذي أبا سعيد في بعض المواضع ، وأخذ عنه في دية الذمى ص ( 68 ) ، وقال في العلل الكبرى : قال البخاري : إنه متقارب الحديث فعلم توثيقه من البخاري ، ويذكر جرح البخاري أيضاً ، في كتب الجرح والتعديل ، والأكثرون يجرحون والبعض يوثقونه ، وقد ثبت الإخفاء عن ابن مسعود وبسند صحيح والظاهر عندي من جانب الأحناف تسليم صحة حديث سفيان ، وتوفيق لفظ شعبة معه ، والتمسك في المسألة بعمل جمهور الصحابة ، وحمل حديث سفيان على التعليم .
*2*باب ما جاء في فضل التأمين
باب ما جاء في فضل التأمين

(1/286)
- الحديث رقم: 250
حديث الباب أخرجه مسلم والبخاري ، وتمسك البخاري بحديث الباب على جهر آمين ، ووجه التمسك أن الشريعة أحالت تأمين المقتدي على تأمين الإمام فلا يعلم تأمين الإمام إلا بجهره ، ويكون التأمينان مشاكلتين ، نقول : في الصفحة اللاحقة في البخاري : ( إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ولا يقول أحد بجهر : ( ربنا ولك الحمد ) ، فلا يجب التشاكل ، ولا يستنبط جهر الإمام أيضاً فإن تأمينه يعلم بقوله : < ولا الضالين > كما في الحديث : ( إذا قال الإمام < ولا الضالين > فقولوا : آمين ) ، وأجاب الموالك عن حديث الباب بأن معنى : < إذا أمن الإمام > إلخ إذا بلغ آمين ، كما يقال : أنْجَدَ أي بلغ النجد ، وأشأم أي بلغ الشام ، وأعرق أي بلغ العراق ، وظني أن اختلاف
ج1ص258
الروايتين عن أبي حنيفة في تأمين الإمام للاختلاف في لفظ الحديثين ، ولنا حديث السكتتين فإن السكتة بعد < ولا الضالين > لقول : آمين ، فعلم إخفاء تأمين الإمام ، وأقر في حجة الله البالغة : بأن حديث السكتتين لعله على ما قيل من إخفاء آمين ، وحمل الشافعية حديث : < إذا قال الإمام : < ولا الضالين > ، فقولوا : آمين > على حديث الباب ، وحمل الموالك حديث الباب على ذلك الحديث ، وظني أن الحديثين محمولان على ظاهرهما ، فحديث : < إذا أمَّن الإمام > في ذكر نفس فضيلة التأمين لا في بيان صفة الجهر أو الإخفاء ، وحديث : < وإذا قال : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) في بيان المسألة الفقهية ، وتعليم الصفة ، وكذلك روي عن أبي حنيفة من اختلاف الروايتين ، وفي معجم الطبراني عن سمرة بن جندب : < إذا قال الإمام : < ولا الضالين > قولوا : آمين يجبكم الله > .

(1/287)
قوله : ( إذا أمن الإمام ) قيل : إن الحديث عبارة في تأمين المأموم ، وإشارة في تأمين الإمام ، واختلفوا في عبارة النص وإشارته ، قال صدر الشريعة : إن العبارة ما سيق له الكلام ، والإشارة غيره ، وقال ابن الهمام : المنطوق في العبارة كله عبارة النص سبق له أو لا .

( ف ) استنبط أبو عمر بن عبد البر نفي القراءة خلف الإمام من حديث الباب ، بأن حديث يدل على أن المقتدي منتظر لتأمين الإمام والمنتظر لا يكون إلا صامتاً ، ولا يكون قارئاً ، وأقول : يؤيده ما في بعض الروايات : < إذا أمَّن القارئ فأمنوا > أخرجه مسلم والبخاري في كتاب الدعوات ، ويشكل على الشوافع من سُبق ولَحِق في خلال فاتحة الإمام ، فإذا قرأ المقتدي فإما أن يؤمن مع الإمام ثم يأتي بباقي الفاتحة فيكون عكس الموضوع ، فإن الوضع أن يكون آمين خاتم الفاتحة ، لما في أبي داود < أن آمين طابع الفاتحة > . وإما أن يؤمن حين ختمه فيلزم خلاف حد الباب ، فإنه يدل على أن الفضل في المعية أي توافق آمين المقتدي والإمام والملائكة ، والاحتمال الأول مذكور في المنهاج ، أي يؤمن مع الإمام ثم يأتي بباقي الفاتحة ، وقال الغزالي : يأتي المقتدى بالفاتحة حين يثني الإمام ، والحال أن نص الحديث دال على أن الثناء للإمام والمقتدي والمنفرد وأما أصل مذهبهم فهو أن يأتي بها إذا سكت الإمام بعد < ولا الضالين > قبل آمين ، وينتظر الإمام فاتحة المقتدى ثم يؤمِّنوا جميعاً ، والحال أن هذه السكتة الطويلة لا أصل لها من الشريعة الغراء ، فإن السكتة قصيرة بحيث إن اختلف الصحابيان في وجودها ، وأيضاً نص الحديث أن هذه السكتة كانت ليتراد وإليه نَفَسُه ، ويقولون : إنها لفاتحة المقتدى ،
ج1ص259

(1/288)
وغاية المسألة لهم ما في أبي داود ص ( 126 ) من أثر مكحول وسعيد بن جبير ولكنه تطرق فيه اجتهاد ابن جبير والسكتات عند الشافعية أربعة ، وأومأ عماد الدين بن كثير في تفسيره أن < آمين > قائم مقام فاتحة الإمام ، فدل على نفي الفاتحة للمقتدي ويلزم على ما قال ابن كثير وجوب آمين للمقتدي لكونه مقام الفاتحة ، ولكنه لم يقل أحد بوجوب آمين إلا الظاهري ، فالحاصل أن قول القراءة خلف الإمام في الجهرية يوجب إشكالات كثيرة .
( ف ) آمين قيل : عربي ، وقيل : عبراني ، ومعناه : استجب أو افعل ، وفي كافي النسفي : أن آمين معرب همين الفارسي ، والله أعلم وعلمه أتم .
*2*باب ما جاء في السكتتين في الصلاة
باب ما جاء في السكتتين في الصلاة

(1/289)
- الحديث رقم: 251
اختلف الصحابيان في السكتة الثانية لقصرها ، السكتات في كتب الحنفية ثلاثة : بعد التحريمة ، وبعد ( ولا الضّالين ) ، وبعد ختم القراءة ، وعند الشافعية أربعة : بعد التحريمة ، وبعد ( ولا الضالين ) . وبعد آمين ، قبل ضم السورة ، وبعد ختم القراءة ، والحق أن الثالثة لا يليق بأن يعتد بها ، وإلا لزم كثير من السكتات في حديث أم سلمة .
قوله : ( إذا قرأ : ولا الضالين ) قيل : هذا تفسير لما قبله ، وقيل : سكتة ثالثة ، قال البيهقي : إن الإنصات في آية { فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } [ الأعراف : 204 ] إلخ بمعنى الإخفاء ، فلا تنفي الآية القراءة مثل السكتة هاهنا فإن السكتة بمعنى الإخفاء فإنه يسكن ويقرأ في نفسه في سكتة الثناء ، أقول : بين السكتة والإنصات فرق لا سيما إذا اجتمع الاستماع والإنصات وسيأتي التفصيل .
ج1ص260
*2*باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة
باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة

(1/290)
- الحديث رقم: 252
خلافاً لمالك فإنه يقول بإرسال اليدين خلاف الثلاثة ، ومذهب أبي حنيفة في وضع اليدين وضعهما تحت السرة ، ومذهب الشافعي تحت الصدر فوق السرة ، وخيّر أحمد في الوضع بأنه يضعهما حيث شاء من تحت الصدر أو عند الصدر أو تحت السرة ، وكذلك خير ابن المنذر ، وقال : لا نص في المسألة ، وأما الأحاديث ففي حديث وائل في صحيح ابن خزيمة : < فوق الصدر > وفي مسند البزار : < عند الصدر > ، وفي مصنف ابن أبي شيبة : < تحت السرة > فالحديث واحد ، واختلف الألفاظ ، وأما في تحت السرة فلنا أثر علي في سنن أبي داود بسند ضعيف ، وفي نسخة لأبي داود مرفوع أيضاً ، وأما في ابن خزيمة ففي سنده مؤمل بن إسماعيل ، واختلط في آخر عمره ، وصححه الحافظ في بلوغ المرام ، والعجب من عدم التفاته إلى اختلاطه في الآخرة واختلاف الألفاظ ، وأيضاً في سند : ( فوق السرة ) عاصم بن كليب وضعفوه في حديث : < ترك رفع اليدين > ، ووثقوه في حديث < فوق السرة > وأقول : إني رأيت نسختين ؛ مصنف ابن أبي شيبة فما وجدت لفظ تحت السرة فيهما ، وقال الشيخ حيات السَّنْدهي : ما وجدته في مصنف ابن أبي شيبة قال الشيخ قائم السَّنْدهي وجدته في النسختين ، وقال أبو الطيب السَّنْدهي : وجدته في نسخة في خزانة كتب الشيخ عبد القادر ، وأول من نبّه على كونه في مصنف ابن أبي شيبة هو العلامة قاسم بن قطلوبغا فلا بد من ثبوته في مصنف ابن أبي شيبة فإن العلامة حافظ الحديث ، وله خدمة في علم الحديث فإنه رتب إرشاد أبي يعلى ، وذكر الثقات الذين سوى رواة الستة ، وأفرد زوائد الدارقطني وحكم عليها ، وخرّج على مسند أبي حنيفة للمقري ، وكتب التخريج على الاختيار في الفقه وغيرها من الخدمات ، والصحيح أن فوق السرة وتحتها وعند الصدر ألفاظ متقاربة وليس ببون بعيد .
ج1ص261
*2*باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجود
باب ما جاء في التكبير عند الركوع والسجود

(1/291)
- الحديث رقم: 253
ويفهم من الطحاوي التكبير عند الرفع من الركوع ، وكذلك في الكنز على جر الرفع في تكبير الركوع والرفع منه ، وعندي لا بد من أن يكون في المذهب لكونه في الطحاوي ، وتأول البعض في كلام الطحاوي ، والظاهر عندي حمله وإبقاءه على الظاهر ، ولعل غرض المصنف من هذا الباب الرد على ما ارتكبه أمراء بني أمية فإنهم تركوا تكبير الخفض ، كما قال ابن تيمية : إنهم تركوه ، ويدل على تركه ما في أبي داود ص ( 129 ) ، وضعفه الحافظ في تلخيص الحبير ، وحسنه في الإصابة ، وقيل : مراده أن لا يطول التكبير ولا يمده إلى أن يبلغ التكبير إلى السجود ، وذكر في النهاية أن لفظ الحديث < فكان لا يتم > بالتاء وأخرجه الطحاوي ص ( 130 ) أيضاً ، وقيل : إنه خلاف مشاهير الأحاديث الواردة في صفة الصلاة والله أعلم .
ج1ص262
*2*باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع
باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع

(1/292)
- الحديث رقم: 255
قال الشافعي رحمه الله وأحمد رحمه الله برفع اليدين ، وقال أبو حنيفة بالترك ، وعن مالك الترك واختاره الموالك ، وفي رواية الرفع ، وأما الحديث فقد ثبت فيه رفع اليدين بين السجدتين ، أيضاً كما في النسائي ص ( 177 ) ، ولم يختره الشافعي ، وصح الرفع عند القيام إلى الثالثة أيضاً وما قالوا ، وفي سنن النسائي ص ( 177 ) ، ما يدل على الرفع عند الرفع من الركوع والانحناء إلى السجود ، ولم يتوجه إليه أحد وظني أن المراد منه أنه يرفع اليدين مرة عند الانتصاب من الركوع ، ومرة عند الهُوي إلى السجود لا أن يجمع ، وله أصل من الأحاديث أيضاً ، وفي الترمذي ص ( 40 ) أنه عليه الصلاة والسلام رفع اليدين بعد السجدتين ، وزعمه الخطابي على ظاهره ، والجمهور على أن المراد من السجدتين الركعتان ، ورد النووي في الخلاصة على الخطابي بأنه مصرح في بعض الطرق بعد الركعتين ، فلو أخذ قول الخطابي في رواية النسائي ص ( 177 ) أيصح إلا أنه ليس مذهب أحد وقال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد : إن الإمام مالكاً رجح الترك لأنه جرى عليه تعامل السلف من أهل المدينة ، وروى أبو عمر في التمهيد روايتين عن مالك ، ونقل علاء الدين عبارة أبي عمر في الجوهر النقي ص ( 136 ) اختار الترك على رواية ابن القاسم ، وإني في هذا متردد فإنه ذكر الحافظ عبارة أبي عمر في الفتح ص ( 182 ) وهو خلاف ما في الجوهر النقي ، وذكر الزرقاني شارح الموطأ عن أبي عمر عن ابن عبد الحكم لم أجد الترك عن مالك ، إلا ما روى ابن قاسم عنه وأخذ الرفع ، وظاهر الزرقاني أن اختيار الرفع عن ابن عبد الحكم مخالفهما ما في الزرقاني ، وذكر الزبيدي في شرح الإحياء أيضاً خلاف ما في الجوهر . والفتح ، والله أعلم .

(1/293)
واعلم أن رفع اليدين غير مأخوذ به ، وعندنا لم يصرح بالكراهة إلا بعضهم ، وقد ثبت الرفع والترك تواتراً ، لا يمكن لأحد إنكار أحدهما ، ولكن تواتر العمل لا تواتر الإسناد ، وأما ما قال الطحاوي من النسخ فليس هو النسخ المتعارف عنده الذي ذكرته سابقاً ، فإذا ثبت الترك والرفع متواتراً عملاً فالاحتمالات ثلاثة ، ترجيح الرفع أو الترك أو التخيير وذهب ذاهب إلى الأول ، وذاهب إلى الثاني ، وذاهب إلى الثالث ، وأما المرفوعات ففي بعضها ذكر الرفع ، وفي بعضها ذكر الترك ، وبعضها ساكتة ، فإذا تمسكنا بما فيه ذكر الترك ، فيقل عدد أحاديثنا ، ويكثر عدد أحاديثهم وإذا تمسكنا بالساكتات أيضاً ، فإنهم يذكرون جميع صفة الصلاة مع المستحبات ولا يذكرون رفع اليدين إلا في الاستفتاح فتبادر تلك الأحاديث لنا فيكثر عدد أحاديثنا من عدد أحاديثهم ، وأكثر الناس عن هذا غافلون .
ج1ص263
( ف ) إذا قال الترمذي وبه عمل غير واحد من السلف فلا حاجة لنا إلى إثبات السند بشرط أن يكون ذلك الأمر بحيث لا يخفى عند الناس ، ويكون كثير الوقوع ، والرفع والترك يعمل بهما في يوم وليلة أكثر من مائة مرة ، فكيف يخفى على أحد الناس؟
قوله : ( حتى يحاذى منكبيه ) إلخ عندنا يجعل اليدين حذاء المنكبين ، والأصابع إلى الأذنين ، وكلام الشافعي في مصر موافق لنا .
قوله : ( كان لا يرفع بين السجدتين ) كيف يقال وقد ثبت رفع اليدين بين السجدتين في النسائي ص ( 177 ) ومر عليه الحافظ وقال : أصح ما وقفت على الرفع بين السجدتين رواية النسائي؟ والحافظ صنيعه على النقد في كتاب النسائي جزئياً جزئياً ، وقد صرح ابن عدي الجرجاني وابن منده وغيرهما بأن النسائي كله صحيح فلا يحتاج إلى النقد .

(1/294)
قوله : ( وفي الباب عن علي الخ ) ثبت عن علي وعمر ترك رفع اليدين ، ولعل المصنف أخذ ما روي في مسلم عن علي صلاة الليل ، وأما عن عمر فلعله أوحى إلى ما في تخريج الزيلعي عن ابن عمر عن عمر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأعله المحدثون ، وقالوا : الصحيح عن ابن عمر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا شيء عن عمر سوى هذا ، وصح عن أنس موقوفاً في الدارقطني ، وصح عن أبي هريرة وعمله
ج1ص264
الرفع مرة والترك مرة ، ولينظر إلى ما في موطأ ص ( 90 ) عن أبي هريرة فإنه دال على أنه لم يرفع إلا المرة الأولى ، ورواية أبي موسى رواها البخاري في جزء رفع اليدين تعليقاً وهي صحيحة ، ورواية جابر بن عبد اللّه غير محفوظة ، ورواية عمير الليثي لا تصلح أن تعرض لكونها قريبة إلى الموضوعات .

(1/295)
قوله : ( ولم يثبت حديث ابن مسعود الخ ) قال ابن دقيق العيد : إن عدم قبول ابن المبارك لا يقدح لثبوته عند غيره من المحدثين ، وصححه ابن قطان المغربي في < كتاب الوهم والإيهام > وكذلك صححه ابن حزم الأندلسي ، ونقل الحافظ تصحيح الدارقطني حديث الترك في الدراية ، وذكر تعليله في تلخيص الحبير ، فكنت متردداً في هذا ، حتى رأيت في البدر المنير لبدر الدين الزركشي أن الدارقطني صححه في موضع ، وأعله في موضع ونقل الزركشي تصحيح ثلاثة المذكورين وقال ابن دقيق العيد : كيف يعلل ابن المبارك حديث ابن مسعود والحال أنه يدور على عاصم بن كليب وهو من رواة مسلم؟ وقال حنفي فاضل : إن حديث ابن مسعود مروي بالمضمونين الرفع الفعلي والرفع القولي ، وتغليط ابن المبارك للمضمون الثاني ، والمضمونان رواهما الطحاوي ص ( 132 ) بسند صحيح ، وقال ذلك الفاضل : كيف وقد روى ابن المبارك فعل ابن مسعود؟ أي المضمون الأول في النسائي ص ( 168 ) ، وتعرض البخاري إلى تعليل حديث الترك في جزء رفع اليدين ، ولكنه علل قطعة لم يرفع يديه إلا في أول مرة ، وأقول لا يمكن تعليله ، ولعل منشأه أن سفيان بن عيينة يقول : إني سمعت حديث براء بن عازب عن يزيد بن أبي زياد مرة ، ولم يذكر لفظ : ولم يعد ثم أتيته فسمعته مرة أخرى ، وقال : ولم يعد ، وفي غير نسخة اللؤلؤي لأبي داود ، وقال ابن عينية : لعل يزيد لقن فقيل والتلقين : أن يروي الشيخ ، ويقول الآخر : هذا اللفظ أيضاً في روايتك ، فيقول الشيخ نعم ، والتلقين علامة الضعف فسرى إلى الأذهان أن لفظ ( لم يعد ) في رواية ابن مسعود أيضاً خطأ ، ورواية ابن مسعود في بعض طرقها ( ولم يعد ) في بعضها : ( لم يرفع يديه إلا في أول مرة ) .
ج1ص265

(1/296)
قوله : ( حدثنا هناد الخ ) هذا هو الذي تعرض البخاري إلى الكلام فيه ، والحال أنه على شرط مسلم ، وصححه الثلاثة المذكورون ، والسيوطي في اللآلي المصنوعة ، ولم يقل الحافظ بشيء ولكنه يلزم الحافظ تصحيحه ، فإنه رد في تلك الصفحة على من قال بوجوب الرفع بحديث ابن مسعود ولنا ما في الطحاوي ص ( 134 ) بسند قوي عن ابن أبي داود عن أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش إلخ قال : ما رأيت فقيهاً قط يرفع يديه في غير تكبير التحريمة ، ولنا كبار الصحابة مثل علي وعمر أخرجه في معاني الآثار ص ( 134 ) وحسن الحافظ إسناده في الدراية ، وعمل ابن مسعود ولم يثبت منه إلا الترك كما في الطحاوي ص ( 133 ) ، وعمل ابن عمر وهو راوي الرفع رواه في معاني الآثار ص ( 133 ) بسند قوي ، وقيل في مسنده أبو بكر بن عياش ، واختلط في آخر عمره ، ونقول : إنه من رجال الصحيحين ، وأخذ عنه أحمد بن يونس قبل الاختلاط ، وأخرج عنه البخاري في أكثر من عشرين موضعاً ، ولنا عمل ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند حسن ، وعمل أبي هريرة الرفع مرة والترك أخرى ذكره في استذكار أبي عمر ، وعمل التابعين وتبعهم أخرجه الطحاوي ص ( 134 ) ، ولنا حديث آخر مرفوع عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام لا يرفع يديه إلا في أول مرة في خلافيات البيهقي ، ونقله الزيلعي في التخريج ، وقال الحاكم : إنه موضوع ، وأقول رجاله المذكورون في التخريج ثقات ، ولم أطلع على أول إسناده لكن عادتهم أنهم يأخذون في التعليق من الذي هو مخرج فلعل إسناده قوي ، ولو كان فيه ضعيف لما أخذ منه لأن المشهور عن ابن عمر الرفع ، ولما ثبت فعل ابن عمر الترك فلا يمكن تعليله أيضاً ، ولنا حديث آخر مرسل عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير وعباد تابعي ، قال : لم يرفع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا في أول مرة ، ومر عليه الحافظ في الدراية ، وقال : ولينظر في إسناده ، وإني رأيت السند وبدا لي أن في نصب

(1/297)
الراية سهو الكاتب ، فإنه كتب محمد أبي يحيى وهو غير مشهور ، والحق أنه محمد بن أبي يحيى ، وهو ثقة فصار السند صحيحاً ، ووجوه كونه سهو الكاتب محفوظة عندي أخذتها من كتب الرجال ، والمسألة لم تكن لأن يطول فيها ، وذكرت ببعض الطول لفساد الناس والقاصرين كما قال علي : العلم نكتة كثر الجاهلون .
قوله : ( وفي الباب عن براء بن عازب الخ ) أخرجه أبو داود ، وتكلم فيه ، وقال الحافظ : أعل أبو داود حديث ابن مسعود وكذا صاحب المشكاة ، والحال أن أبا داود تكلم في حديث البراء لا حديث ابن مسعود ، وقد ذكر نحو ما قال أبو عمر في التمهيد فلينظر .
ج1ص266
*2*باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع
باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع

(1/298)
- الحديث رقم: 258
كان أولاً حكم التطبيق في الركوع ، ثم أمر بوضع اليدين على الركبتين ، والتطبيق قيل : هو وضع اليدين وهما مضمومتان بين الركبتين مع التشبيك ، وعندي بغير تشبيك ، فإنه نهى الشارع عن التشبيك في حال الذهاب إلى الصلاة ، فكيف يجوزها في داخل الصلاة؟ وفي بعض الكتب أن التطبيق كان لحكم التوراة ، وفي البخاري : أنه عليه الصلاة والسلام كان يعمل بما في التوراة قبل نزول القرآن ، وما في بعض الكتب من أنه كان لحكم التوراة وجدته روي عن عائشة أيضاً ، وأما عمل ابن مسعود بالتطبيق بعد نسخه أيضاً فلعله كان زعم ابن مسعود عدم نسخه بل زعمه عزيمة ، والنسخ رخصة ، ومثل ابن مسعود عن علي فكيف طعن جهلة الأمة على ابن مسعود؟
ج1ص267
*2*باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود
باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود

(1/299)
- الحديث رقم: 261
المشهور في مذهبنا سنية ثلاث تسبيحات ، ويدل ما في شرح مختصر الطحاوي للاسبيجابي على فرضية ثلاث تسبيحات في رواية ، ونسب إلى نوح ابن أبي مريم وجوبها ، وأطنب المحقق بن أمير الحاج ، وقال : ينبغي وجوبها واختار بعض مشائخنا الوجوب في بعض المسائل ، مثل اختيار ابن الهمام وجوب صيغة : الله أكبر ، واختار ابن وهبان وجوب التسمية في كل ركعة كما قال في منظومه :
~ ولو لم يبسمل ساهياً كل ركعة ... فيسجد إذ إيجابها قال أكثر
وظني أن المراد من الأكثر ليس مشائخنا بل الأئمة الآخرون ، واختار ابن همام تعديل الأركان وجوباً ، وكان سنة في المواضع الأربعة ، في تخريج الجرجاني واجباً في الركوع والسجود ، وفي تخريج الكرخي ، فقال ابن الهمام بلزوم السجدة بترك التعديل .
واعلم أن المشهور في مذهبنا فرضية ما يصدق عليه الركوع ، وهو الانحناء ووجوب المكث قدر تسبيحة وسنية ثلاث تسبيحات ، وعند الشافعية وجوب تعديل الأركان بحيث تنقطع الحركة ، والمحقق فرضية التعديل بحيث تنقطع الحركة ، فلا خلاف في المذهبين ، ونسب إلى أبي يوسف فرضية التعديل
ج1ص268
خلاف الطرفين ، والحال أن الطحاوي ص ( 136 ) . لم يذكر الخلاف بينهم ، وكذلك صرح العيني في شرح الهداية بأن الطحاوي لم يذكر الخلاف بينهم .
( ف ) في كتاب الصلاة لأحمد بن حنبل انحناء الرأس في القيام وكذلك في كتبنا ، وفي تفسير ابن كثير ص ( 273 ج1 ) أنه مذهب الشافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة ، وقال مالك : يجعل وجهة قدامه ، وفي صحيح ابن حبان عن عائشة الرص بين العقبين في السجدة أي ضمهما ، وأكثر الناس عن هذا غافلون .
*2*باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع والسجود
باب ما جاء في النهي عن القراءة في الركوع والسجود

(1/300)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:07 AM   #12
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 264
في البحر يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود تحريماً ، وأقول : لا يلزم بهذا سجدة السهو ، فإن عدم القراءة وإن كان واجباً لكنه يبحث أنه من واجبات الصلاة أو غيرها كما قال صاحب البحر
ج1ص269
ص ( 33ج2 ) بوجوب الترتيب بين السور ، ثم قال بعدم وجوب السجدة من سوء الترتيب ، فإنه من واجبات التلاوة لا من واجبات الصلاة ، وتعرضوا إلى بيان نهي القراءة في الركوع والسجود ، فقيل : إن الركوع والسجود حالة العبدية المحضة ، والقرآن صفة الباري وكلامه ، فلا يليق بحالة العبدية المحضة ، ولا يقال للباري : راكع وساجد ، ويقال : قائم وقيوم وقيام ، ويمكن أن يقال : إن قراءة القرآن تكون للاستماع ولا يمكن الاستماع في الركوع والسجود ، فإن كل واحد يسبح بنفسه ، وذكر السيوطي في الدر المنثور رواية وعندي سندها ، ثم ذكر بعدها قول أبي عمرو بن الصلاح : إن الملائكة ممنوعون عن القرآن إلا الفاتحة ، وعلى هذا تأتي الملائكة لاستماع القرآن من الناس ، وفي الركوع يسبحون بأنفسهم ، وأقول : إن المتبادر من القرآن هو قول أبي عمرو بن الصلاح ، فإن المنسوب إلى الملائكة في القرآن التسبيحات والتهليلات لا القرآن ، وفي جمع الجوامع : إن الملائكة تضع أفواههم على قراءة القرآن لتدخل الألفاظ في بطونهم ، إلا أن في جمع الجوامع الأحاديث الرطبة واليابسة .
قوله : ( القسي ) قيل قسّ قرية من قرى مصر ، وقيل : معرب قز ( ابريشم خام ) فأبدل الزاي سيناً كما في التصريف ، فإذا كان من القز فمشار النهي لعله لون أو غيره .
*2*باب ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
باب ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
(1/301)
- الحديث رقم: 265
التفصيل في تعديل الأركان مر آنفاً ، وكبار مشائخنا يأمرون بإعادة صلاة تارك التعديل ، وفي البدائع عن أبي حنيفة : من ترك التعديل أخشى عليه أن لا تجوز صلاته .
قوله : ( الأنصاري البدري ) قيل : إنه ليس من أصحاب بدر بل من المقيمين من موضع بدر وقال البخاري : إنه ممن شهد غزوة بدر .
ج1ص270
*2*باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
(1/302)
- الحديث رقم: 266
واعلم أن المفهوم من صنيع مسلم أنه واقعة صلاة الليل ، وفي رواية الترمذي في كتاب الدعوات ص179 تصريح أنها واقعة المكتوبة ، وصرح ابن حبان والشافعي بأنها واقعة المكتوبة ، وقال الحافظ في بلوغ المرام : إن في مسلم أنها واقعة الليل ، والحال أن الدال عليه ليس إلا صنيع مسلم ، ثم ظني أن الواقعة واقعة صلاة الليل ، فإن مثل هذا الدعاء الطويل لم يكن إلا في صلاة الليل وكذلك رواية علي أيضاً قرينة على هذا ، فإن الواقف على صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل هو علي رضي الله عنه كما يدل بعض الروايات ، وهما قطعتان أو حديثان اختلطا .
قوله : ( ملأ السموات والأرض الخ ) قال الشيخ الأكبر : إن السموات السبع مركبة من العناصر الأربعة ، والفلك الثامن والتاسع من العنصر الخامس ، وجعل العرش والكرسي فلكاً عاشراً والحادي عشر ، وقال : إن السموات كنصف الدائرة ، وقال علماء الشريعة : إن السماء والفلك متغايرانُ الفلك هو المدار الزوائد ( ص ( 35 ) ج1/ مطبوعة بهند ) ، وقالوا : إن الكواكب سيارة بأنفسها ، وقال أبو بكر بن العربي المالكي : إن الذي نراه فوقنا ليس سماء بل السماء لا نراه ، واعلم أن المراد من الملأ في حديث الباب القدر لا الامتلاء ، فإن السماوات وإن كانت مجوفة ولكن الأرضين السبع مستوية ومسطحه .
ج1ص271
( ف ) في رواية صحيحة عن ابن مسعود أن بين العرش والكرسي بحراً مسافته خمسمائة سنة ، وهذا معنى قوله تعالى { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } [ هود : 7 ] والله أعلم وعلمه أتم .
*2*باب منه آخر
باب منه آخر
(1/303)
- الحديث رقم: 267
المشهور من مذهب أبي حنيفة أن يكتفي الإمام على التسميع ، والمقتدي على التحميد ، واستدل عليه صاحب الهداية بأن الحديث يدل على القسمة ، والقسمة تخالف الشركة ، وعند الصاحبين : يجمع الإمام بينهما ويكتفي المقتدي على التحميد ، وهكذا في رواية عن أبي حنيفة اختارها الحلواني السندموفي ، ومحمد بن فضل ، والنسفي الكبير ، وروى الترمذي عن الشافعي الجمع بينهما لهما . وما روي عن أبي حنيفة يؤيده ما في الصحيحين عن أبي هريرة ، وأكثر عدد الصحيحين يدل على القسمة ولا ضير علينا ، وتأول فيه الشافعية بأنه لا يدل على نفي الجميع بل المقصود فيه ذكر الترتيب بين قول الإمام والمأموم .
قوله : ( ربنا لك الحمد الخ ) في هذا الدعاء أربعة أوجه : بالواو أو بدونها ، وباللهم أو بدونه وأنكر ابن القيم رواية اللهم والواو جمعاً ، وقال النووي : بثبوت أربعة أوجه في الروايات ، وما ذكر الأسانيد وسند ما أنكر عليه ابن قيم موجود في السنن الكبرى : أن ربنا لك الحمد ، أي هذا الدعاء من خصائص هذه الأمة .
ج1ص272
*2*باب ما جاء في وضع اليدين قبل الركبتين في السجود
باب ما جاء في وضع اليدين قبل الركبتين في السجود
(1/304)
- الحديث رقم: 268
في الهداية أنه يضع الأقرب إلى الأرض أولاً ثم وثم والنهوض عكسه ، وهو مذهب الشافعية والحنابل ، وقال مالك بوضع اليدين قبل الركبتين على الأرض ، وللطرفين حديثان ، والخلاف في السنية .
قوله : ( رواه شريك ) وهو ابن عبد اللّه النخعي هو شريك القاضي من رواة مسلم .
*2*باب منه آخر
باب منه آخر
(1/305)
- الحديث رقم: 269
حديث لم يخرجه المصنف بطوله . وفي بعض الروايات : < وليضع يديه قبل ركبتيه > وفي < يعمد أحدكم > إلخ إنكار ، وتوجه العلماء إلى حديث الباب من وجهين :
ج1ص273
أحدهما : أنه يخالف ما مر في الباب السابق .
والثاني : أن صدر الأول يغائر عجزه ، فقال قائل للتطبيق بين الجملتين : إن ركبتي الحيوانات تكونان في اليدين أي في الرجلين المقدمتين فلا خلاف بين الصدر والعجز ، وقال صاحب القاموس راداً على هذا القائل : لم نعلم هذا في لغة العرب ، وأقول : قد صرح صاحب الصحاح بأن الركبتين في اليدين ، والعرقوبين في الرجلين ، ذكره تحت لفظ العرقوب عن الأصمعي ، وكذا في الفرق بين الفرق من علوم العرب في مقابلة الباطنية ، ثم قال ابن قيم في زاد المعاد : إن الراوي قلب في الرواية قطعاً ، وأصل الرواية هذا : < وليضع ركبتيه قبل يديه > فارتفع الاعتراضان ، وأقول : بأن مراد الحديث أن يضع قبل ركبتيه ، وهذا للمعذور ، ولا يبرك بروك الجمل ، وهو أن يخفض نصفه الأعلى ويرفع نصفه الأسفل ، فحاصل المعنى أن المعذور يقدم يديه قبل ركبتيه ، ولا يرفع عجيزته من نصفه الأعلى بل يخفضهما معاً ، وعلى هذا لا نتعرض إلى ركبتي الجمل من كونهما في اليدين أو الرجلين ، بل نتكلم في البروك وهو جعل الأسفل مرتفعاً والأعلى منخفضاً ، ويحتمل أن يقال : وليضع يديه قبل ركبتيه ، أي وليضع يديه على ركبتيه أي قبل أن يضع ركبتيه على الأرض ، وأما ما قال ابن قيم : من قلب الراوي فله قرينة مما رواه في معاني الآثار ص ( 150 ) عن أبي هريرة إلا أن إسناده ضعيف .
*2*باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف
باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف
(1/306)
- الحديث رقم: 270
حقيقة السجدة على مذهب أبي حنيفة وضع الجبهة ، ويشترط وضع أحد الرجلين فإن وضع الجبهة بدون إحدى الرجلين متعذر ، وله ما في حديث < سجد وجهي > فإنه أسند السجدة إلى الوجه . وقال أبو حنيفة : لو سجد على الأنف وعلى الجبهة يجزئه ، وقال صاحباه والجمهور : لا يجوز
ج1ص274
الاكتفاء على الأنف ، وذكر في الدر المختار رجوع أبي حنيفة إلى قول صاحبيه ، ومشهور مذهبنا سنية السجدة على الأعضاء السبعة ، واختار ابن همام ، الوجوب ولزوم السجدة بتركها .
قوله : ( حذو منكبيه ) هذا للشافعي ، ولنا أيضاً حديث صحيح أخرجه الطحاوي .
ج1ص275
*2*باب ما جاء في التجافي في السجود
باب ما جاء في التجافي في السجود
(1/307)
- الحديث رقم: 274
التجافي سماه الحديث التجمنة ، وحديث الباب أخرجه أحمد في مسنده بطوله .
قوله : ( عفرتي ) العفرة : البياض غير ناصع ، اختلف علماء السير في كون الأشعار في إبطيه ، ورواياتهم لا تكون منقودة مثل روايات المحدثين ، ورواية عفرتي إبطيه عليه الصلاة والسلام ، لعلها كانت عند كونه عليه الصلاة والسلام مرتدياً ، والله أعلم
*2*باب ما جاء في الاعتدال في السجود
باب ما جاء في الاعتدال في السجود
(1/308)
- الحديث رقم: 275
قالوا : إن مصداق الاعتدال في السجود كون السجدة على الهيأة المسنونة ، أي رفع العجيزة وتطويل السجود والتجافي ، كنت متردداً في هذا ، فإن ظاهر لفظ الاعتدال هو تعديل الأركان ، وكذلك قال ابن دقيق العيد ، حتى أن رأيت رواية في المعجم الطبراني دالة على أن في الهيأة المسنونة تقع السجدة على الأعضاء السبعة فإنه لو لم يتجاف مثلاً لا تقع السجدة على اليدين ، فهذه شافية للتردد ، ثم وجدت في شرح الترمذي لابن سيد الناس اليعمري موافقاً لما قلت في المرفوع في المعجم .
ج1ص276
قوله : ( افتراش الكلب إلخ ) نهي الشريعة عن اختيار هيأة سبع حيوانات في الصلاة ، منها افتراش السبع ، وتدبيح الحمار ، وإقعاء الكلب ، والتفات الثعلب ، وبروك الجمل ، ونقر الديك ، وعقبة الشيطان .
*2*باب ما جاء في نصب القدمين ووضع اليدين
باب ما جاء في نصب القدمين ووضع اليدين
(1/309)
- الحديث رقم: 277
في غنية المستحلي للجملي شرح المنية : من حَرَفَ أصابع رجليه عن القبلة في السجود تفسد صلاته ، والموافق للقواعد أنه مكروه تحريماً ، ولا تفسد الصلاة .
قوله : ( مرسل ) كان القياس كتابة مرسل بالألف أي مرسلاً كما هو مقتضى حالة النصب ، وقال
ج1ص277
السيوطي : وجدت المتقدمين يكتبون المنصوب بلا ألف على لغة ربيعة ، إلا أنهم يشكلون النصب ، والمرسل في اصطلاح أصول الحديث ترك الصحابي ، وفي اصطلاح أصول الفقه ترك الراوي في أي موضع كان ، ومرسل مصطلح أصول الحديث حجة عند الجمهور ، ولكن الأقوى المتصل كما قال الطحاوي ، لا كما قال صاحب الحسامي .
*2*باب ما جاء في إقامة الصلب إذا رفع رأسه من الركوع إلخ
باب ما جاء في إقامة الصلب إذا رفع رأسه من الركوع إلخ
واقعة الباب واقعة المكتوبة .
(1/310)
- الحديث رقم: 279
قوله : ( قريب من السواء ) في البخاري استثناء القيام والقعود أي التشهد ، وفي حديث الباب مبالغة الراوي ، وقيل : إن المراد التناسب لا التقارب ، وظني أن غرض الراوي التقارب .
*2*باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام في الركوع والسجود
باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام في الركوع والسجود
(1/311)
- الحديث رقم: 281
المبادرة مكروهة تحريماً فيكون تركها واجباً ، قال علماء المذاهب الثلاثة من الشوافع والموالك والحنابلة : إن المبادر صار مرتكب الحرام وصحت صلاته ، وهذا يدل على اجتماع الكراهة تحريماً والصحة عندهم خلاف ابن تيمية .
ج1ص278
قوله : ( وهو غير كذوب ) غرضه نفي الكذب من الرأس ، وإن كان صيغة المبالغة ، وأن قيل إن الصحابة كلهم عدول ، فكيف اهتم بشأن هذا الصحابي؟ ولم ذكر عدم كذبه؟ يقال : مثل هذه المحاورة تكون لداعية مقام .
قوله : ( حتى يسجد رسول الله إلخ ) هذا حين بدن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكبر سنه ، اختار أبو حنيفة أن يعقب المقتدي ، واختار صاحباه التراخي .
*2*باب ما جاء في كراهية الإقعاء بين السجدتين
باب ما جاء في كراهية الإقعاء بين السجدتين
(1/312)
- الحديث رقم: 282
للإقعاء تفسيران : أحدهما أن ينصب الركبتين ويضع الإلية على الأرض ، بشرط وضع اليدين على الأرض هذا تفسير الطحاوي ، ويساعده اللغة وهذا مكروه تحريماً ، والثاني أن يجلس على عقبيه في الجلسة ، وهذا تفسير الكرخي وهذا مكروه تنزيهاً ، وقال النووي تبعاً للبيهقي : إن الإقعاء بالمعنى الثاني سنة على ما قال ابن عباس ، وذكر الشيخ ابن الهمام عبارة النووي ولم يرد عليه بشيء ، وصنف العلامة قاسم بن قطلوبغا رسالة سماها < الأسوس في سنة الجلوس > وقال : لم يذهب أحد من الأربعة إلى سنية ما قال النووي ، وأتى بالعبارات وحديث الباب ليس بذلك القوي ، وهو مشتمل على التفسيرين ، وقيل : الإقعاء هو الانحناء إلى القدام .
قوله : ( حارث الأعور ) هو تابعي وليس بكذاب ، لما قال الذهبي في خارج التهذيب : إن التابعين
ج1ص279
ليس فيهم كذاب ، نعم بعضهم سيء الحفظ ، وضعف الترمذي حديث الباب ، وعندي بسند آخر صحيح بهذا اللفظ .
*2*باب الرخصة في الإقعاء
باب الرخصة في الإقعاء
روي جفاءً بالرجِل والمشهور جفاءً بالرَجل والجفاء البلادة لا الفهيم .
(1/313)
- الحديث رقم: 283
قوله : ( سنة بينكم ) هذا مسكة النووي ، ولنا ما في موطأ مالك ص ( 30 ) عن ابن عمر تصريح أنه ليس بسنة ، ومن المعلوم عند المحدثين أن زيادة الاعتماد في نقل السنة على ابن عمر ، فإن ابن عباس ربما يقول باجتهاده ورأيه ويعبره بالسنة ، ويمكن التأويل في كلام ابن عباس بحمله على مورد من موارد الكلام ، ولنا ما في مسند أحمد بسند قوي : < نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التورك والإقعاء > وهذا يفيدنا خاصة في اختيار الافتراش في القعدة الثانية وقال أحمد بعد رواية الحديث : وليس العمل على هذا ، فوالله أعلم ما أراد بذلك تعليلاً ، أو عدم اختياره فقهاً .
*2*باب ما يقول بين السجدتين
باب ما يقول بين السجدتين
(1/314)
- الحديث رقم: 284
قال أحمد بفرضية دعاء اللهم اغفر لي إلخ بين السجدتين ، وقال القاضي ثناء الله رحمه الله
ج1ص280
الپافي پتي باستحباب الدعاء خروجاً عن الخلاف ، ونعم ما قال القاضي المرحوم لا سيما في هذا العصر ، فإن تحفظ الجلسة متعذر بدون تعيين الدعاء فيها .
*2*باب ما جاء في الاعتماد في السجود
باب ما جاء في الاعتماد في السجود
(1/315)
- الحديث رقم: 286
الاعتماد على نوعين ، أحدهما : أن يضع الذراعين على الفخذين في السجدة عند العذر ، وهو مراد الترمذي ، والثاني : أن يعتمد على الأرض حين القيام إلى الثانية ، وهذا معمول الشافعية ، وقالوا : إنه سنة ولم أجد لهم ما يدل على السنية ، ونقول بالاعتماد على الركبتين عند القيام إلى الثالثة ، وأشار أبو داود ص ( 143 ) إلى مختار الأحناف في شرح الحديث بأن الحديث يدل على مختارنا ، ونسب الشوكاني إلى أبي داود والترمذي شيئاً في حاشية أبي داود ص ( 131 ) باب صفة السجود ، ولم أَجد ما نسب إليهما فاتركه .
قوله : ( هذا حديث لا نعرفه ) الرجال كلهم ثقات .
ج1ص281
*2*باب ما جاء كيف النهوض من السجود
باب ما جاء كيف النهوض من السجود
(1/316)
- الحديث رقم: 287
الغرض هاهنا ذكر جلسة الاستراحة ، وهذه سنة عند الشافعي ، ومذهب أبي حنيفة ومالك والجمهور والمشهور عن أحمد تركها ، ونقل المحدثون عن أحمد : إن أكثر الأحاديث على تركها ، وليس مراد قول أحمد أنها نافية ، بل شبيه ما قلت : إن أكثر أحاديث في ترك رفع اليدين أي أكثرها ساكتة ، مع ذكر أكثر السنن والمستحباب في أحاديث صفة الصلاة ، وفي فتح الباري رجوع أحمد إلى جلسة الاستراحة ، ونقله ابن قيم في الزاد ، ورجح الترك من جانبه وظني أن أحمد لم يرجع ، وفي البحر عن الحلواني أن الخلاف في الأفضلية لا في الجواز ، فلو أتى بها الحنفي أو تركها الشافعي لابأس وذكر مثل قول الحلواني في شرح الفرائد السنية للكواكبي ، وفي الكبير : من أتى بجلسة الاستراحة يلزمه سجدة السهو ، وأقول : لعله أراد ما خرج عن القدر المسنون ، وأما أدلتنا على تركها ، فما أخرجه في فتح القدير والجوهر النقي ، وقد أقر الحافظ وغيره بأن حديث مسيء الصلاة خال عنها ، وذكرها بعض الرواة في حديث مسيء الصلاة ، فأشار البخاري إلى تعليله في كتاب الاستيذان ، ولعل البخاري قائل بمختارنا ، فإنه بوب بباب من قال إلخ ، وعندي أنه إذا بوب بهذا التعبير لا يختار ذلك المذكور ، وبوب الطحاوي على جلسة الاستراحة ، وحملنا على حالة العذر والمراد بها الحاجة .
ج1ص282
*2*باب ما جاء في التشهد
باب ما جاء في التشهد
(1/317)
- الحديث رقم: 289
ثبت كثير من صيغ التشهد ، والأشهر وهو أصح ما في الباب بإقرار المحدثين تشهد ابن مسعود ، وهو مختار الأحناف ، واختار مالك تشهد الفاروق الأعظم ، واختار الشافعي تشهد ابن عباس ، وفي عامة كتبنا جواز كل من التشهدات ، وقال صاحب البحر باحثاً من جانبيه : ينبغي وجوب تشهد ابن مسعود ، وتشهد ابن مسعود مروي بستين طرقاً ذكره البزار ، وأخرجه محمد في كتاب الآثار ، قال محمد : أخذ أبو حنيفة بيدي وعلمني تشهد ابن مسعود ، قال : أخذ حماد بيدي وعلمني تشهد ابن مسعود ، قال أخذ إبراهيم النخعي بيدي وعلمني تشهد ابن مسعود وصله إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قوله : ( التحيات ) أي العبادات القولية .
(1/318)
و ( الصلوات ) أي الفعلية . ( الطيبات ) أي المالية ، وذكر بعض الأحناف قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ليلة الإسراء : < التحيات لله > إلخ ، قال الله تعالى : السلام عليك أيها النبي إلخ ، قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < السلام علينا وعلى عباد : الله ، إلخ ، ولكني لم أجد سند هذه الرواية ، وذكره في الروض الأنف ، وفي البخاري عن ابن مسعود : كنا نقول بالخطاب في حياته عليه الصلاة والسلام ، وبالغيبة بعد الوفات ، وقال السبكي في شرح المنهاج : كان جمهور الصحابة يقولون بالخطاب في الحالين خلاف ابن مسعود وتبعه ، وأقول : إن ألفاظ الخطاب في لسان العرب لاستحضار المخاطب تخييلاً ، ولا يجب علم المخاطب ، كما يقال : واجبلاه واويلاه يا زيداه للميت ، فعلى هذا لا يدار الخطاب على حالة الحياة ، وفي المفصل : المنادى ما يدخل عليه لفظ النداء ، واعلم أنه عليه الصلاة والسلام من قال : السلام عليك وهو يزعم أنه عليه الصلاة والسلام يعلم كلامه فارتكب الأمر غير الجائز ، وعلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطلاعي لا كلي فإن علم الله تعالى غير متناه وعلمه متناه ، كما يدل كثير من الآيات والأحاديث على هذا ، وأكفر الفقهاء من قال : علم الغيب لغير الله تعالى .
ج1ص283
*2*باب ما جاء أنه يخفي التشهد
باب ما جاء أنه يخفي التشهد
(1/319)
- الحديث رقم: 291
يخفي التشهد عند الكل ، ولا يجب سجدة السهو عندنا بجهره فإن وجوب السجدة في جهر ما لا يخافت أو عكسه في القراءة لا في التشهد
ج1ص284
*2*باب ما جاء كيف الجلوس في التشهد؟
باب ما جاء كيف الجلوس في التشهد؟
(1/320)
- الحديث رقم: 292
قال أبو حنيفة بالافتراش في القعدتين ، وقال مالك بالتورك فيهما ، وهو نصب اليمنى أو إسقاطها وإخراج اليسرى إلى الجانب الأيمن ، والجلوس على الأرض ، وقال الشافعي بالافتراش في الأولى والتورك في الثانية ، وقال أحمد بالتورك في القعدة التي بعدها سلام ، وتمسك الشوافع بحديث الباب ، وسيأتي مفصله بتصريح مرادهم ، وصرح ابن جرير الطبري بالتخيير في الطرق الأربعة ، وسيأتي تفصيل الأدلة عن قريب .
ج1ص285
*2*باب ما جاء في الإشارة في التشهد
باب ما جاء في الإشارة في التشهد
(1/321)
- الحديث رقم: 294
أي الإشارة بالمسبحة في التشهد ، ثبت الإشارة بصفات ثلاثة :
إحداهما : ما في أمالي أبي يوسف ، ورواية وائل في مسلم أي : يعقد الوسطى والإبهام ويضم الخنصر والبنصر ويشير بالسبابة .
والثانية : ما في الصحيحين وموطأ محمد ص ( 108 ) عن ابن عمر .
والثالثة : ما في ابن ماجه عن ابن الزبير .
والإشارة سنة باتفاق أئمتنا الثلاثة ، فإنه ذكر محمد في موطأه ص ( 108 ) ، وقال وبه أخذ أبو حنيفة ، وكذلك روى الحديث أبو يوسف في أماليه ، وزعم بعض المصنفين نفيها لعدم ذكرها في ظاهر الرواية ، وهذا الوهم فاسد وأطنب ملا علي القاري في رسائله وأكثر الروايات ، وقال في بعض رسائله : لولا حديث < ظنوا بالمؤمنين خيراً > لأكفرت صاحب الكيدانية ، ولا نعلم صاحب الكيدانية أنه معتبر أو غيره ، وقال صاحب الدر المختار : يشير باسطاً أصابعه ، ورد عليه صاحب رد المحتار وقال : لم أجد ما نسب صاحب الدر إلى البرهان ، وكتب ابن عابدين الشامي رسالة في هذا وقال الشيخ السرهندي المجدد رحمه الله تعالى : إن الحديث مضطرب فيه ، وقال : والعجب من ابن الهمام أنه لم يقل بالاضطراب ، بين الأحاديث ولا اضطراب ، فإن الحديث مروي عن كثير من الصحابة ، والغرض من الكل رفع المسبحة وضم باقيتها كما قال ابن قيم في الزاد ، وقال صاحب القاموس في سفر السعادة : إن الأحاديث تبلغ عدداً كثيراً ، وأقول : إن الأحاديث ثلاثة ، نعم طرقها كثيرة .
(1/322)
وأما موضع الإشارة : فقال الشافعية : يرفعها على كلمة أشهد ، ويضع على الإثبات ، ويضم الأصابع من ابتداء التشهد ، ويقول الحلواني : يضم حين الرفع وهو على كلمة لا النفي ويخفضها على الإثبات ، ثم لا يبسط الأصابع لعدم ثبوته ، كما قال الملا علي قاري في بعض رسائله : وأما المرفوع في موضع الرفع ووضعه فلم أجده ولا الموقوف ، ولعل لعمل أهل المذهبين مسكة ، وأما هذا الموضع المذكور؟ منا فقول الحلواني وليس من الأئمة ، وقال مولانا المرحوم الگنگوهي : لا يضعها كل
ج1ص286
الوضع ، وهناك حديث يخبر الراوي فيه بأنه عليه الصلاة والسلام أمال شيئاً ولم يضع ، ودل كلام الطحاوي في ضمن التورك والافتراش أنه لا يضع ، إلى الآخر ، وقال : إن ظاهر رفعها وهو يدعو أنه رفعها إلى الدعاء ، والدعاء يكون في الأخير ، وأقول : إن مسألة الطحاوي صحيحة ، ولكن استنباطه فيه نظر ، فإن الدعاء في عرف الشريعة وهو ذكر الله تعالى فيطلق الدعاء على التشهد أيضاً ، وبعض ألفاظ مصنف ابن أبي شيبة موميةً إلى أن رفعها ليس من ابتداء التشهد ، وفي الروايات أن في الرفع إشارة إلى توحيد الباري عزّ برهانه .
( ف ) في وتر البحر عن المبسوط : أن الدعاء على أربعة أنحاء :
دعاء التضرع : وهو برفع اليدين ، ويجعل ظهريهما إلى الأرض ، والكفين أي باطنهما إلى السماء .
ودعاء الابتهال : بمحض القلب .
ودعاء التوحيد : بأصبع واحدة .
ودعاء آخر يجعل فيه باطن الكفين إلى وجهه وظهرهما إلى السماء ، وفي بعض كتبنا أن هذه الأنحاء الأربعة عن محمد بن الحنفية .
*2*باب ما جاء في التسليم في الصلاة
باب ما جاء في التسليم في الصلاة
(1/323)
- الحديث رقم: 295
مذهب الثلاثة التسليمتان وقال مالك : يسلم الإمام واحدة تلقاء الوجه ويسلم المأموم ثلاث تسليمات يميناً وشمالاً وتلقاء الوجه لجواب الإمام ، تمسك المالكية بحديث عائشة اللاحق ، وتكلم الطحاوي والترمذي في سنده وقال متأولونا : إنه عليه الصلاة والسلام بدء السلام من تلقاء وجهه ومده إلى الجانب الأيمن ، وأقول : عندي حديثان صحيحان لمذهب مالك : ما استدل به أحد :
أحدهما : ما في سنن أبي داود ص160 باب الوتر قال أبو عمر المالكي كما ذكره الزرقاني : إن الخلفاء الأربعة روي عنهم التسليمة الواحدة .
ج1ص287
وثانيهما : ما أخرجه النسائي في سننه ص ( 99 ) عمل ابن عمر ثم رفعه باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر المغرب والعشاء ، ولمالك حديث آخر أخذته من تاريخ ابن معين ولكني لم أجد سنده ، والمشهور في مذهبنا وجوب التسليمتين ، وفي رواية شاذة وجوب أحدهما وسنية الثانية كما في فتح القدير ، ولعل المختار هي الشاذة ، والمذكور لنا مسكة في التسليمة الواحدة للإمام قبل سجدة السهو ، وكان اعترض علينا لا ثبوت التسليمة الواحدة .
ج1ص288
*2*باب ما جاء أن حذف السلام سنة
باب ما جاء أن حذف السلام سنة
أي يقف في الآخر ولا يمد الألف .
(1/324)
- الحديث رقم: 297
قوله : ( قرة بن عبد الرحمن إلخ ) هذا هو راو : < كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله > إلخ عن أبي هريرة وهذا الراوي متكلم فيه ، وضعفه الأكثر وحسنه الشيخ تاج الدين السبكي تلميذ الذهبي في الطبقات الشافعية ، وحسنه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح شيخ النووي ، وقرة بن عبد الرحمن قد يسمى بقرة بن حَيُوِيُل أيضاً ، وأما حديث < كل أمر ذي بال > إلخ ففي بعض طرقه لفظ < بسم الله > وفي بعضها < الحمد لله > وفي بعضها < بذكر الله > والحديث واحد والغرض من جميع الألفاظ هو ذكر الله تعالى ، والحديث لا يبلغ مرتبة الحسن إلا باللهم .
قوله : ( جزم ) وفي المقاصد الحسنة نقل السخاوي من السروجي الحنفي رواية حذم بالحاء المهملة بدل المعجمة ، والذال بدل الزاي .
*2*باب ما يقول إذا سلم من الصلاة
باب ما يقول إذا سلم من الصلاة
(1/325)
- الحديث رقم: 298
في فتح القدير : إن السنة في الصلاة التي بعدها سنن أن لا يجلس بعد السلام إلا قدر : < اللهم أنت السلام > ومنك السلام إلخ ، ومثل هذا الدعاء ، وكذلك صح عن عائشة رضي الله عنها ، ثم قال
ج1ص289
الشيخ : إن عادته عليه الصلاة والسلام أداء السنن في بيته ، والسنة بعد الصلاة الجلوس قدر هذا الدعاء ، وقد ثبت أدعية طويلة بعد الصلاة فكيف وجد الصحابة الأدعية الطويلة من النبي ؟ فأجاب بأن طرق معرفة الأذكار كثيرة ، وأقول : قد ثبت رواية الصحابة الأذكار الخفية منه ، فما كان سبيل المعرفة في الأذكار الخفية هو السبيل بعينه هاهنا ، ثم ذكر عن الحلواني : لو أتى بالأذكار الكثيرة بعد الفريضة قبل السنن لا بأس ، وقال بعد هذا : إن قول الحلواني لا يخالفني فإن لا بأس يدل على أنه خلاف الأولى وهو مرامي ، والأدعية بعد الفريضة قبل السنن ثبتت كثيرة ، ولكن لا يجمعها بل يأتي بأيتها شاء .
قوله : ( لا شريك له ) أقول : الأولى الوقف على كلمة له .
قوله : ( الرحبي ) الرحبة بفتح الحاء فناء المسجد ، وبسكونها بلدة أو قرية ، وقال صاحب القاموس إن : الرحبة بسكون الحاء إذا نسب إليها يقال : الرحبي بفتح الحاء .
ج1ص290
*2*باب ما جاء في الانصراف عن يمينه وعن شماله
باب ما جاء في الانصراف عن يمينه وعن شماله
(1/326)
- الحديث رقم: 301
ليس مراده إلا ما قال الكبار ، وقد شرح الحديث قول علي مفسراً ، وكذلك قرينة على هذا الشرح في أبي داود ص ( 149 ) عن عبد اللّه فشرح الحديث أن السنة إما استقبال القوم بالوجه أو الذهاب إلى الحاجة أو البيت ، ويأخذ الذهاب عن جانب يمينه أو يساره ، وقد بوب البخاري على هذا المراد ، وقال الطيبي في مراد الحديث : كان يُقبل على الناس إذا لم يرد الخروج بوجهه من جانب يمينه الخ حاشية أبي داود ص ( 149 ) ، فالسنة ما ذكرت وفي ظاهر الرواية قال محمد : يستقبل الإمام قومه بشرط أن لا يكون تجاه وجهه مصلي يصلي ، وأقول : لو كان المصلي خلف الصف الأول لا يدخل تحت قول محمد ، وأما شرط الاستقبال زيادة المقتدين على عشرة رجال فلا تعويل عليه ، واعلم أنه يستثنى من استقبال القوم قدر عشر كلمات توحيد كما صح في صلاة الصبح وصلاة المغرب أيضاً .
*2*باب ما جاء في وصف للصلاة
باب ما جاء في وصف للصلاة
(1/327)
- الحديث رقم: 302
حديث الباب حديث مسيء الصلاة ، ورواه أبو هريرة ورفاعة بن رافع أخو صاحب الواقعة خلاد بن رافع والأخوان بدريان ، وفي هذا الحديث ذكر ذخيرة من أحكام الصلاة كما يظهر على من يتتبع في جميع طرق الحديث .
ج1ص291
قوله : ( فأخف صلاته الخ ) أي في تعديل الأركان ، وأما تخفيف القراءة فثابت عنه عليه الصلاة والسلام أيضاً وكانت صلاته في المسجد كما في المستدرك بعد أن فرغ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ص ( 243 ) ، وتمسك الحجازيون بحديث الباب على ركنية تعديل الأركان بأنه عليه الصلاة والسلام قال : < إنك لم تصل > ، وتمسك العراقيون به على وجوب تعديل الأركان بقوله عليه الصلاة والسلام : < وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك > الخ ، ولي في حديث الباب إشكال ، وهو : أنه كيف يسكت صاحب الشريعة على فعل المكروه تحريماً والحرام الصريح؟ قال صاحب البحر : إن ارتكاب المكروه تحريماً صغير ، وقال العلامة في التلويح : إنه قد يكون كبيرة أيضاً والحق إلى العلامة ، وفي المتون أن المكروه تحريماً أقرب إلى حرام ، ونص محمد على أن كل مكروه حرام ، فرجل الباب مرتكب الحرام عند جمهور الأئمة ، ومرتكب المكروه تحريماً عندنا ، فما أجاب العلماء إلا بأن سكوته عليه الصلاة والسلام كان للتعزير وهذا بعيد لا يقبله اللبيب ، وأيضاً هذا إنما يصح على تقدير عدم إساءة من يصلى بالكراهة أو بالحرام ويريد أنه يصلي بالصحة بعده ثانياً في الوقت ، ولم أجد النقل فيه هذا وينظر أن الرجل الذي ارتكب المكروه تحريماً هل يحرز شيء ثواب أم لا؟ فذكر في النهر أنه لا ثواب له أصلاً في قول ، وشيء ثواب في قول ، وأما الشافعية فلهم في وجدان الثواب أقوال أربعة ذكرها في جمع الجوامع وأقول : إنه لا يحرز الثواب في صوم الأيام الخمسة ، ويحرز شيء ثواب لو عرض الكراهة في الصوم سوى كراهة الأيام الخمسة ، ولو ارتكب المكروه تحريماً يحرز شيء ثواب في
(1/328)
الصلاة ، ودل كثير من مسائل صاحب المذهب أبي حنيفة على ما حررت من وجدانه شيء ثواب ، قال أبو حنيفة : من شرع الصوم في الأيام الخمسة لا يجب عليه القضاء ، ولو شرع الصلاة في الأوقات المكروهة يجب عليه قضاؤها بإفسادها ، وأشكل وجه الفرق بين الصوم والصلاة على كثير من العلماء
ج1ص292
وقال أبو بكر الحنفي رحمه الله في وجه الفرق : إن كراهة الصوم في الأيام الخمسة مجمعة عليها خلاف كراهة الصلاة في الأوقات الخمسة ، وقال أيضاً : إن تحريمة الصلاة قول فيكون نذراً حكماً ويدل على هذا المسائل الثمانية لأبي حنيفة بخلاف الصوم فإنه لا نذر فيه حكماً واتفقوا على لزوم النذر فتفرقا ، هذا يشفي ما في الصدور ، وأما ما قال العلامة في التلويح لا يشفي ، وكذلك تدل بعض أمور الشارع على إحراز ثواب قليل ، فعلى هذا سكوته عليه الصلاة والسلام لا يكون بعيداً ، وأيضاً كان الرجل غير عالم بالمسألة فلا يأثم ، هذا ما اتفق .
(1/329)
وحديث الباب يدل على مرتبة الواجب وتفصيل مرتبة الواجب ، مر سابقاً ، وحاصل مرتبة الواجب أن الواجب نشأ من الظنية فعلمنا ، بما هو ظني الثبوت ، وعامل الخصم معاملة القطع فخرج الواجب من صورة الدليل ، وأما حقيقة الواجب فلا يتعرض إليه الأصوليون بل ينحون من صورة الدليل ، فقال الشيخ : لما كان مدار الواجب في حقه عليه الصلاة والسلام فإن الظن عنه متعذر أقول : إن حقيقة الواجب التكميل كالسنن إنها مكملات إلا أن للتكميل مراتب أعلى وأدنى ، ومرتبة التكميل في الواجب أيضاً وأشار بعض العلماء إلى التكميل كما قال في الاختيار شرح المختار أن النوافل والسنن تكون مكملات للفرائض في الحشر ، كالواجب إنه مكمل للفرض واعلم أن ما استدل الأحناف على وجوب تعديل الأركان بحديث الباب أورد عليه الخصم بأن حكم الانتقاص ليس براجع إلى تعديل الأركان بل إلى المجموع من المذكور ، في الجملة نقول : دل الأحاديث على بقاء شيء مع ترك التعديل مثل حديث سرقة الصلاة في أبي داود ، وحديث < كجائع يأكل تمرة أو تمرتين > فإن هذا الحكم راجع إلى ترك التعديل ، والبحث بقدر الضرورة مر ابتداءاً وذكر ابن تيمية أن تركيب الصلاة عند الأئمة الثلاثة من الفرائض والسنن والواجبات ، وعند الشافعي من الفرائض والسنن ، ثم ذكر حديث الباب فإذا سلم الوجوب عند الحنابلة فكيف يرد على الأحناف على مرتبة الواجب؟ وليعلم أن الخلاف
ج1ص293
في واجب الشيء لا الشيء الواجب ، وواجب الشيء ليس إلا في الصلاة والحج ، وأما الشيء الواجب ففي كل شيء .
( ف ) ما ثبت بالقاطع لا يثبت أركانه وشروطه بالظني ، وما ثبت بالظني يجوز إثبات أركانه وشروطه بالظني كصلاة الاستسقاء وغيرها .
(1/330)
قوله : ( ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ) اعلم أن أمر الشارع يحمل على ما هو مرضي عنده بحيث يكون جامع الفرائض والواجبات والسنن ، وأيضاً لا فرق في العمل بين الفرض والواجب عندنا ، وقال الحافظ : إن هذه القطعة في ضم السورة كما في أبي داود ص ( 132 ) < ثم اقرأ بأم القرآن > و < ما شاء الله أن تقرأ > في حديث رفاعة ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام < وإلا فاحمد الله > . . إلخ ففي حق المعذور عندنا وعند الشافعية وغيرهم ، والمسألة للمعذور هكذا عند الكل .
قوله : ( وافعل ذلك في صلاتك كلها . . الخ ) اختار ابن همام والشيخ العيني وجوب الفاتحة في الأخريين ، والمشهور في المذهب سنية القراءة في الأخريين ، وأما مختار العيني والشيخ فمروي عن حسن بن زياد عن أبي حنيفة وتمسك العيني والشيخ بحديث الباب بأنه أمر الشارع وسيما ما أخرجه أحمد في مسنده : < وافعل ذلك في كل ركعة > ، ولكني متردد في هذا فإن المحقق ابن أمير الحاج خالف شيخه ، وقال : ثبت عن جماعة من الصحابة ترك القراءة في الأخريين ، ولم يذكر إلا اسم علي وابن مسعود ، وأثر علي أخرجه العيني في العمدة بسند حسن : < أن علياً يسبح في الأخريين > وأثر ابن مسعود في مصنف ابن أبي شيبة المتبادر عن أثرهما الترك وإن كان مجال التأويل ، ثم ذكر في موضع أن في القراءة خمسة مذاهب مذهب الحسن البصري السنية ، ولا يقول بوجوب الفاتحة ، وفي مذهب الوجوب في الركعتين وهو مشهور مذهبنا ، ورواية عن مالك وأما المشهور عن مالك فالفرضية في الثلاثة ، وفي رواية عن مالك الوجوب أي الفرضية في أربع ركعات ، ومذهب آخر خامس ، ونحمل حديث الباب على مشهور مذهبنا على السنية لا الوجوب .
ج1ص294
(1/331)
قوله : ( فتخ أصابعه ) أي عطفها ، وأصل الفتخ بسط الطائر جناحيه مائلاً إلى الأرض للجلوس ، حديث الباب للشافعية أخرجه البخاري بطريق عطاء ، وعلله الطحاوي بأن في البخاري محمد عن أبي حميد ولكنه ليس له سماع فيكون الحديث منقطعاً ، ووجه عدم السماع أن في الحديث ذكر أن أبا قتادة أيضاً كان في المجلس ومات أبو قتادة في عهد علي ، وصلى عليه علي ، وولد محمد بن عمرو بن عطاء بعد عهد علي ، وتعقب الحافظ على الطحاوي ، والحال أن ابن قطان المغربي وابن دقيق العيد موافقون له في تعليل الحديث كما ذكر الزيلعي في التخريج إلا أن في التخريج حذف العبارة من الناسخ ، ثم قال الطحاوي : إن الراوي ساقط من البين هو عباس بن سهل ، فأجاب الحافظ في الفتح بأن في موت أبي قتادة قولين ، قيل : مات في عهد علي ، وقيل : بعد عهد علي ، وأقول : كيف يقول الحافظ بهذا؟ والحال أنه صحح في تلخيص الحبير في الجنائز موت أبي قتادة في عهد علي وصلاته عليه ، وأجاب الحافظ ثانياً بأنه لعل ذكر أبي قتادة وهم ، ولكن الحاضرين الآخرين كافون للمسكة والاحتجاج ، واعلم أنه روى أبو حميد صفة الصلاة مرتين مرة في عهد علي قولاً ورواه
ج1ص295
عباس بن سهل ، ثم رواها بعده فعلاً ، وكان محمد في هذه الواقعة وأبو قتادة في الأول ، ويتأول في قول محمد : سمعت أبا حميد ، أي سمعت كلامه وإن كان بالواسطة ، كما يقال في الهندية ( مين فلال كي سني ) .
قوله : ( ثم يهوي إلى الأرض ساجداً ) قال الزيدية : يرفع اليدين عند الهوي إلى السجود ، وقال الشافعية : يرفع عند الانتصاب أو حال الانتصاب الكامل في حديث الباب ذكر جلسة الاستراحة ، ولنا الحديث القولي في قصة خلاد بن رافع ، وهو ظاهره نفي جلسة الاستراحة .
(1/332)
قوله : ( من السجدتين ) أي الركعتين ، وإليه جمهور العلماء ، وحمل الخطابي السجدتين على ظاهرهما في معالم السنن ، وحديث الباب دليل الشافعية في التورك ، ولأحدٍ أن يقول : إن التورك يصدق على افتراشنا أيضاً لغة كما في القاموس وغيره ، ولكن الحق أن تغيير الراوي التعبير في القعدتين يدل على توركهم ، وعارض الأحناف الشافعية بما في مسلم ص194 عن عائشة ذكر الافتراش في القعدتين ، ويمكن لهم أن في التورك أيضاً فرش اليسرى ونصب اليمنى لكن تبادر الحديث عن اتحاد التعبير في القعدتين للأحناف .
(1/333)
تنبيه : يصدق الافتراش على التورك والتورك على الافتراش لغة ، وإذا كان بينهما تصادق فالفارق هو الجلوس على الأرض على مذهبهم ، والجلوس على الرجل اليسرى على مذهبنا ، فلنا ما في النسائي ص ( 173 ) عن عبد اللّه بن عمر وإن قيل : ما في النسائي في القعدة الأولى ، وكلامنا في الثانية ، فنقول : بناءً على الروايتين أخرجهما مالك في موطأه ، أحدهما في ص ( 30 ) عن عبد اللّه بن دينار أنه سمع عبد اللّه بن عمر وصلى إلى جنبه رجل ، فلما جلس الرجل في أربع تربع وثنى رجليه ، فلما انصرف عبد اللّه عاب ذلك عليه فإنك تفعل . . إلخ ، وظني أن الرجل الذي تربع هو ابن دينار نفسه فدل هذه الرواية على تربع ابن عمر في الرابعة ، ولعله كان تربع في الثانية أيضاً فإن العذر فيهما ، والرواية الثانية في موطأ مالك ص ( 31 ) عن عبيد اللّه بن عمر أنه أخبره أنه كان يرى عبد اللّه بن عمر تربع في الصلاة إذا جلس قال ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد اللّه بن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثنى رجلك اليسرى ، فقلت له : إلخ ، فانسحب حكم الافتراش على القعدتين ، وهذه الرواية رواية النسائي فخرج مرامنا من النظر إلى ما في موطأ مالك من الحديثين وما في النسائي . ثم اعلم أن المذكور في موطأ سند الرواية الثانية من عبيد اللّه مصغراً غلط والصحيح عن عبد اللّه مكبراً لما في النسائي ص ( 173 ) عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر ، فإذاً ثبت افتراشنا بحديث النسائي ، وتوركهم بحديث الباب فوجه الترجيح لنا إطلاق ابن عمر لفظ السنة على الافتراش ، والخلاف في المختار لا في الجواز ، وقال الحافظ : إن للشافعية ما في موطأ مالك ص ( 130 ) أن
ج1ص296
(1/334)
القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمني ، وثنى رجله اليسرى ، وجلس على وركه الأيسر ، ولم يجلس على قدمه إلخ ، نقول : إن فعله ابن عمر لكنه أطلق لفظ السنة على افتراشنا ، وأما الجواز فلا ننكره أيضاً ، وبعد هذا قوي استدلالنا بما في مسلم عن عائشة ، وقال النووي : إنه للأحناف ، ولكنه لم يخرجه البخاري لأنه لم يثبت عنده سماع أبي الجواز عن عائشة ، ولكن المعاصرة كافية عند الجمهور ومسلم خلاف البخاري ، وحديث مسلم أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه سنداً ومتناً ، وظاهرها يخالفنا ولكنه وقع فيه سقط من الناسخ فينبغي النظر فيه وذكر الشوافع نكتة أن اختلاف الهيأة في السجدتين يرفع الالتباس ، وقال الأحناف : إن المكرر في الصلاة يكون على شاكلة واحدة مثل السجدة والركوع .
قوله : ( أخر رجله الخ ) أي أخرجها إلى الجانب الأيمن .
قوله : ( وابن علي الحلواني الخ ) واعلم أن الحلواني هذا منسوب إلى بلدة حلوان ، وأما شمس الأئمة الحلواني فليس بمنسوب إلى بلدة حلوان كما زعموا بل نسبته إلى الحلوى ، ويقال له : الحَلواني بفتح الأول وضمه ، والحَلاوي والحَلوائِي .
*2*باب ما جاء في القراءة في صلاة الصبح
باب ما جاء في القراءة في صلاة الصبح
(1/335)
- الحديث رقم: 306
اختلف كتبنا ، في بعضها اعتبار السور ، وفي بعضها اعتبار الآيات ، وكذلك في الأحاديث أيضاً ، وقال مولانا المرحوم الگنگوهي باعتبارهما .
ج1ص297
واعلم أن المراد من ستين أو مائة في الصبح ستون أو مائة في الركعتين ، ولنا ما ذكرنا من أوساط المفصل وطوالها وقصارها أثر عمر الفاروق الذي كتبه إلى أبي موسى في اليمن .
*2*باب ما جاء في القراءة في الظهر والعصر
باب ما جاء في القراءة في الظهر والعصر
(1/336)
- الحديث رقم: 307
عن محمد بن حسن تطويل الأولى على الثانية في الخمسة وهو مذهب الشافعي ، وعند الشيخين التساوي بين الركعتين إلا في الفجر ، وظاهر الحديث لمحمد والشافعي ، وأجيب من جانب الشيخين بأن تطويل الأولى كان بسبب الثناء ، والخلاف في الأولوية لا في الجواز واختار ابن همام قول محمد .
تنبيه : تعيين الأوساط أو الطوال أو القصار من بين المفصل بالصلوات مستحب .
ج1ص298
قوله : ( الركعة الأولى ) أي الشفعة الأولى كما يدل ما في مسلم ص ( 185 ) و ( 186 ) عن أبي سعيد الخدري وكذلك ما في سنن ابن ماجه .
قوله : ( إن قراءة العصر كنحو قراءة المغرب الخ ) عندنا في العصر أوساط المفصل ، وهذا يخالفنا ظاهره ولكن الأمر من السواء وأحواله عليه الصلاة والسلام في السفر مختلفة فإنه ثبت عنه قراءة المعوذتين في الصبح ، وفي العشاء قراءة والتين والزيتون .
واعلم أن في ضم السورة في الأخريين ثلاثة أقوال لنا ذكرها ابن عابدين الشامي : قيل : بلزوم سجدة السهو بضم السورة ، وقيل : مكروه ولا يلزم سجود السهو ، وقيل : مباح ليس بسنة ولا مكروه ، اختارها فخر الإسلام وهو المختار ، وأكثر عمله عدم الضم لما في مسلم من ( 185 ) : ويقرء في الأخريين بفاتحة الكتاب إلخ ) .
*2*باب ما جاء في القراءة في المغرب
باب ما جاء في القراءة في المغرب
واقعة الباب واقعة مرض موته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
(1/337)
- الحديث رقم: 308
قوله : ( خرج إلينا ) قال الحافظ والعيني : إن خروجه عليه الصلاة والسلام لم يكن إلى المسجد بل إلى البيت ، وقال الحافظ : إنه عليه الصلاة والسلام لم يصل في المسجد في مرض موته حين جعل
ج1ص299
أبا بكر إمام القوم إلا صلاة واحدة ، ونقل عن الشافعي أنه عليه الصلاة والسلام صلى في المسجد واحدة ، وقال البيهقي : إنه عليه الصلاة والسلام غاب في مرض موته في سبع عشرة صلاة إلا الصلاتين ظهر يوم السبت أو يوم الأحد وأمَّ الناس ، وصلاة صبح ، واقتدى بأبي بكر الصديق وسبق بركعة وأدرك أخرى ، ووافقه الزيلعي وتبعه ابن همام ، ونقل الزيلعي عن الحافظ ابن ناصر : من لم يقل بتعدد دخوله عليه الصلاة والسلام في المسجد فقد أخطأ ، فتمشى ابن حجر على تحقيقه ، وكان حديث الباب تخالفه تأول فيه ، وأقول : إنه عليه الصلاة والسلام شهد في المسجد النبوي في مرض موته أربع صلوات ، والبحث طويل سيأتي في البخاري ، وأذكر أدلتي ثمة ، وأثبت عن الشافعي شهوده عليه الصلاة والسلام في صلاتين ، وعندي أنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى المسجد في واقعة الباب ، وعَضَّ الحافظ على ظاهر ما في النسائي ص ( 164 ) عن أم الفضل لفظ في بيته . . إلخ ، وإني أرى فيه علّة ، ولو سلم عدم الإعلال فأخرج المحمل فيه بأن في بيته حال أم الفضل لا حال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في المسجد ، واقتدت أم الفضل خلفه وهي في البيت وهو في المسجد ، وروي عن مالك أن الناس كانوا يقتدون بالإمام من حجرات أمهات المؤمنين .
(1/338)
قوله : ( فقرأ بالمرسلات الخ ) يستحب عندنا قصار المفصل في المغرب ولا ننكر جواز غيرها ، وأكثر عادته عليه الصلاة والسلام القصار في المغرب ، ولنا في هذا كتاب عمر إلى أبي موسى وهو في يمن ، وقال الطحاوي : لا يدل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام أتم السورة ، بل لعله تلا بعض الآيات ، وتعقبه البيهقي على هذا وأتى برواية أنه عليه الصلاة والسلام قرء الطور ، وادعى أبو داود ص ( 125 ) النسخ ، وكيف يقال بالنسخ والحال أن الواقعة واقعة آخر عمره ومرض موته؟ إلا أن يقال بأنه استعمل النسخ بنسخ الطحاوي كما نقل الحافظ في الفتح عن ابن حزم أن تهجير صلاة الظهر منسوخ ، والناسخ إبرادها ، ولا يقول أحد بعدم جواز تهجيرها فنسخ الطحاوي أخذه بعض المحدثين .
ج1ص300
*2*باب ما جاء في القراءة في صلاة العشاء
باب ما جاء في القراءة في صلاة العشاء
(1/339)
- الحديث رقم: 309
نسب إلى الأحناف أنهم لا يبالون بما وردت السور المعينة في الصلاة المعينة عنه عليه الصلاة والسلام ويقولون : لا تعين سورة ، وقد صرح في البحر باستحباب قراءة السور الواردة في الأحاديث ، ولكنه يتركها أحياناً قليلة كيلا يتوهم الناظر عدم صحة الصلاة بدونها فلا يتمشى على ظواهر متوننا كما زعمه أهل العصر ، وصرح المحقق ابن أمير الحاج في الحلية بجواز الأذكار الواردة في الأحاديث في التطوع ، والمكتوبة بلا نكير لكنه لا يثقل على الناس .
ج1ص301
*2*باب ما جاء في القراءة خلف الإمام
باب ما جاء في القراءة خلف الإمام
(1/340)
- الحديث رقم: 311
مسألة الباب طويلة الذيل ، ولقد صنف فيها الشافعية كثيراً من الأجزاء والكتب ، وصنف البيهقي كتاب القراءة ، ولنا فيه حديثان صحيحان صريحان ، ما أخرجها البخاري في أجزاء القراءة ، وتكلم البيهقي في أسانيد مستدلاتنا ، وبه عمل البخاري ، وما صنف حنفي في هذه المسألة تصنيفاً مستقلاً إلا أن البيهقي يرد على حنفي ، وهذا يدل على أن حنفياً صنف فيها شيئاً والله أعلم .
وحديث الباب أخرجه الشيخان في صحيحهما بدون القصة المذكورة في حديث الباب .
(1/341)
وأقول : إن قطعة < لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب > ليست في حق الجماعة بل في أحكام الصلاة ، وأما في حق الجماعة فحديث : وإذا قرأ فأنصتوا > إلخ فإنه سوق الجماعة ، وظاهر حديث الباب للشافعي ، فإن الواقعة واقعة الجهرية ، وسيجيء الكلام في هذا إن شاء الله تعالى ، وأما مذاهب الأئمة : فالجمهور من أبي حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي وليث بن سعد وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم إلى عدم الجواز في الصلاة الجهرية ، وأما في السرية فلهم أقوال من الوجوب والاستحباب أو الإباحة ، والقول القديم للشافعي عدم الجواز في الجهرية لا السرية ، ثم لما دخل مصر قال بالوجوب فيهما ، وكذلك في مختصر المزني بلغني عن بعض أصحابنا أن الشافعي قال بالوجوب فيهما ، وقال الشافعية : إن المراد من بعض الأصحاب هو ربيع بن سليمان ، فهذا مسكة الشافعية في نقل المذهب لهم عن إمامهم ، ولم يسمع المزني بإذنه الوجوب عن الشافعي ، وكتاب الأم للشافعي خالٍ عن الوجوب في الجهرية ، في كتب المتقدمين منهم ذكر القولين واشتهر في كتب المتأخرين القول الجديد ، فتفرد الشافعي في الوجوب في الجهرية ، واعلم أن المروي عن أبي حنيفة عدم القراءة في السرية والجهرية ، وقالوا في الجهرية بعدم الجواز ، وفي السرية تحت ما روي عن أبي حنيفة أقوال خمسة ، والمشهور في المتأخرين ما قال ابن همام من عدم الجواز والكراهة تحريماً ، وتمسك ابن همام بآية : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الأعراف : 204 ] إلخ ، وقال : إن الاستماع في الجهرية والإنصات في السرية والجهرية ، والمذكور في الآية النهي عن القراءة خلف الإمام في الجهرية ، ولا تعلق لها بالسرية ، والإنصات معناه في اللغة ( كان لگانا أورسننا ) ويكون في الجهرية سيما إذا اجتمع الاستماع والإنصات ، وما من كلام فصيح يكون الإنصات فيه في السر ، وفي حديث :
ج1ص302
(1/342)
( من أتى الجمعة واستمع وأنصت ) استعمل في الجهرية ، وكذلك في حديث : صور إسرافيل أنه قائم استمع وأنصت في الجهرية ، وكذلك في :
~ يا من يؤمل أن تكون صفاته ... كصفات عبد اللّه أنصت واسمع
~ إذا قالت حذام فانصتوها ... فإن القول ما قالت حذام
وقال الشيخ : إن ما ذكر صاحب الهداية من استحسانها في السرية لعله ليس بصحيح فإنه ينفيها في موطأه وكتاب الأثار وأقول : إن رواية الاستحسان لعلها قد تكون عن محمد فإن صاحب الهداية مثبت وأما ما في الموطأ وكتاب الآثار فلا يدل على عدم الجواز ، بل يدل على عدم الرضاء ، ولا يدل على الكراهة أيضاً . بل الأولى عدم القراءة في السرية ، والمتحقق عندي عن مذهب أبي حنيفة عدم جواز القراءة في الجهرية ، وكونها غير مرضية في السرية ، واختار مولانا عبد الحي الجواز في السرية بلا كراهة ، وأتى بأقوال المشائخ وما أتى بالرواية ، وأتى بما في المجتبى لصاحب القنية شرح القدوري ، وبعمل أبي حفص الكبير تلميذ محمد ، وبعمل الشيخ نظام الدين شيخ التسليم معاصر شارح الوقاية ، وعندي أيضاً فقول المتقدمين في جوازها في السرية ، منها ما في الذخيرة للبرهاني جد صاحب شرح الوقاية فإنه ذكر اختلاف مشائخنا في القراءة في السرية ، ولكنه اختار من جانبه نفي القراءة في السرية ومنها ما في المقدمة الغزنوية القلمية : أن أبا حنيفة أجاز القراءة في السرية ثم رجع عنه ، والجمع بين المرويين عنه للرجوع ، ومنها تفسير أبي منصور الماتريدي التأويلات السمرقندي ، ومنها ما في الأسرار للقاضي أبي زيد الدبوسي ، ومنها ما في شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الرازي .
(1/343)
( اطلاع ) : في استذكار أبي عمر أن ليثت بن سعد موافق للشافعي فكان مخالفاً لما ذكرت من مذهبه ، وكنت متردداً في ما نقل أبو عمر ، لأن ليثاً يروي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة إلخ ، وله سماع عن أبي يوسف ، فكيف يقول مثل ما قال الشافعي؟ مع رواية هذا الحديث أخرجه الطحاوي ص128 عن أحمد بن عبد الرحمن عن ابن وهب عن ليث عن يعقوب عن نعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد اللّه بن شداد عن جابر بن عبد اللّه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والسند أقوى ، فإنه قلما يوجد مثل هذا لأن فيه أربعة أئمة ، حتى أن وجدت في فتاوى ابن تيمية ، وفيه أن ليثاً قائل باستحباب القراءة في السِّرية ، فعلم أن ما في الاستذكار مسامحة ، وفي كتاب الخراج رواية يعقوب عن الليث هذا المذكور مذاهب الأئمة ، وأما مذاهب الصحابة فلا أعلم من قال بالقراءة خلف الإمام في الجهرية إلا قليل ، وعنهم أيضاً اختلاف النقل إلا عبادة بن صامت ، وهو أيضاً محتمل فيه بالقول بالوجوب أو الاستحباب ، ومذهب الشافعية وجوبها ومن الذين عنهم اختلاف النقل عمر بن
ج1ص303
(1/344)
الخطاب ، فإنه أمر بالقراءة في الجهرية في سنن الدارقطني ، وكتاب القراءة للبيهقي ، وفي جزء القراءة للبخاري أيضاً القراءة عن عمر ، لكنه خال عن قيد الجهرية وما في سنن الدارقطني فيه رجل متكلم فيه ، وعندي يبلغ مرتبة الحسن ، ثم روي عن عمر خلاف هذا في موطأ محمد بن الحسن ، ولكنه منقطع ، والمنقطع من الآثار مقبول ورجاله ثقات ، وكذلك في مصنف عبد الرزاق ، ومصنف ابن أبي شيبة ، ومنهم ابن عباس ففي جزء القراءة للبخاري القراءة خلف الإمام ، وفي الطحاوي ص ( 121 ) خلافه ، وهو النهي عن القراءة خلف الإمام ، ومنهم صحابي آخر ، وعنه أيضاً اختلاف النقل فلم يبق من الصحابة قائل بالقراءة في الجهرية إلا عُبادة ، وفي مذهبه أيضاً احتمال الاستحباب ، ويمكن حمل قول عمر : < وإن جهرت > الخ في سنن الدارقطني على ثالثة العشاء ورابعتها ، أي في الركعة السرية للصلاة الجهرية ، ولا يقال : إنه حمل على ما هو ليس مذهب أحد ، أقول : إنه وإن لم يكن مذهب من الأئمة الأربعة لكنه مذهب بعض السلف ، كما وقع في كتاب القراءة للبيهقي في موضعين : أن بعض العلماء يقولون بالقراءة في الركعات السرية للصلاة الجهرية ، ووجدت هذا المذهب في جزء القراءة للبخاري أيضاً ، وفيه : < إذا لم يجهر الإمام في الصلاة فاقرأ بأم القرآن في الأوليين من الظهر والعصر ، وفي الأخريين من العشاء ، وفي الآخرة في المغرب > فلا يكون حمل قول عمر على البدعة ، ولكن الحمل على هذا بعيد ، وأما مذاهب التابعين ففي القراءة في السرية طائفتان ؛ قالت طائفة بالقراءة في السرية ، وقالت أخرى بتركها فيها ، وأما القائلون في الجهرية فشرذمة قليلة منهم مكحول ، وعد البخاري في جزء القراءة جماعة التابعين لكن بعد فرق السرية والجهرية لا يبقى إلا شرذمة قليلة ، ومأخذ المذاهب الجزئيات المروية عن ذويها ، والإجمال في فتاوى ابن تيمية فإنه أثبت النفي في الجهرية ، والاستحباب في السرية كما هو مذهبهم ،
(1/345)
وأما التفقه ففي المسألة أحاديث : أحدها حديث إيجاب الفاتحة ، وهو صحيح بلا ريب ، والثاني : حديث أمر الإنصات ، وهو صحيح بلا ريب وتردد ، وإن تردد فيه البخاري في جزء القراءة ، وحديث : < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة > وهو صحيح إن شاء الله تعالى ، كما سيأتي عن قريب ، فاختلفوا في الجمع بين الأحاديث فالتفت الأحناف إلى أحوال الأشخاص ، واستثنوا المقتدي من ظواهر أوامر إيجاب الفاتحة ، وأما الجمهور فخصصوا أوامر إيجابها بالسرية وقصروا الإنصات على الجهرية ، وأما الشافعية فتمشوا على ظواهر أوامر الإيجاب ، واستثنوا الفاتحة من أمر الإنصات ، وحديث : < قراءة الإمام له قراءة > .
وأما حديث الباب فظاهره للشافعية فإن الواقعة واقعة الجهرية ، وتصدى الأحناف إلى الجواب عنه ، وكذلك توجه الجمهور إلى الجواب عنه ، فأذكر ما أجاب مولانا المرحوم الگنگوهي رحمه الله مع إضافة أشياء من جانبي ، فقال مولانا رحمه الله : لا يخرج من الحديث وجوب القراءة بل إباحتها ،
ج1ص304
(1/346)
والإباحة أيضاً غير مرضية ثم نسخت الإباحة بحديث الباب اللاحق ، والوجه أن في الحديث استثناء من النهي ، وهو لا يدل على الوجوب ولا يتوهم الوجوب من قطعة < فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها > فإنها في حق الإمام والمنفرد ، ومرادها أن جنس الصلاة لا تكون خالية عن الفاتحة ، ويؤيد مولانا ما في أبي داود ص ( 119 ) قال سفيان : هذا لمن يصلي وحده ، ثم لما كان شأن صلاتهما عدم خلوها عن الفاتحة تحملت الفاتحة في حق المقتدي أيضاً إباحة ، والفاتحة في حقهما واجبة معينة ، وسائر السور واجبة مخيرة ثم بعده ارتفعت الإباحة أيضاً ، وتلخيص الدعوى أن قطعة : < فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ، ليس بتعليل لما سبق بل شاهد عليه والتعليل ما يجري في الجزئية التي نحن فيها والشاهد ما لا يلائم تلك الجزئية وإن لم يجر فيها ، وأمثلة الشواهد مروية عنه فإنه عليه الصلاة والسلام يتلو آية ولا تكون واردة فيما تلافيه إلا أنها تكون ملائمة له ، ويقول كبار الشارحين إنه استشهاد ، وكما في النسائي ص ( 113 ) عن أبي سعيد الخدري قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال رجل : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < هو مسجدي هذا > فالآية واردة في مسجد قباء ، واستشهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على مسجده النبوي ، والدليل على أنه استشهاد : أن حديث الباب حديث محمد بن إسحاق ، وحديث الزهري السابق حديث الصحيحين حديث واحد ، وفي حديث الزهري زيادة < فصاعداً > أيضاً ، أخرجها أرباب السنن كما في أبي داود ص ( 119 ) وغيره فتفهم الزيادة بحديث الباب أيضاً ، فإذن تناقض صَدْر حديث الباب وعَجُزُه لو كانت القطعة الثانية في حق المقتدي أيضاً ، ولو قلنا بأنه استشهاد لا يلزم التناقض ، وأما اتحاد الحديثين فأقرَّ به الحافظ ابن حجر
(1/347)
في الفتح فإنه قال : إن الحديثين واحد ، إلا أنه يذكر الحكم ومورده في بعض الطرق ، والحكم فقط في بعضها ، وكذلك أشار الترمذي في اتحاد الحديثين بقوله : وروى هذا الحديث الزهري ، الخ أي سابقاً ، وهذا أصح ، أي المختصر السابق أصح ، وأشار إليه البخاري في جزء القراءة وابن حبان في كتاب الثقات إلا أن إشارة ابن حبان خفية لا يدركها عامة الناس . وأما إثبات زيادة < فصاعداً > وإن تردد فيها البخاري في جزء القراءة فمطلوب منا ، وقال البخاري : إن راوي الزيادة عبد الرحمن بن إسحاق ، ولم يبالِ بعبد الرحمن ، وراويها معمر وهو متفرد ، وأقول : إن عدم المبالاة بعبد الرحمن غير صحيح ، فإن عبد الرحمن اثنان : ابن إسحاق أبو شيبة الواسطي ، وهو متفق على ضعفه ، والثاني ابن إسحاق المدني ، وهو ثقة من رواة مسلم ، وقد أخذ عنه البخاري مطلقاً في موضعين ، وراوي الزيادة هو المدني وهو ثقة .
( تنبيه ) زعم ابن الهمام أن عبد الرحمن الواسطي والمدني واحد ، وذكر عبارة تخريج الزيلعي بعينها ، مع أنها إما من سهو الكاتب ، أو مسامحة الزيلعي ، فإنه لا يمكن عدم اطلاع الزيلعي على كون عبد الرحمن بن إسحاق اثنين ، وذكر الزيلعي في حديث أبي داود : < ولا تدعوا سنتي الفجر ، ولو طردتكم الخيل > ما في التخريج بعينها ، مع أن الواسطى ضعيف متفق على ضعفه ، والمدني ثقة ، وإن تكلم فيه البعض ـ وأقول : لا يمكن إسقاط زيادة < فصاعداً > رواها معمر في مسلم والنسائي باب
ج1ص305
(1/348)
النوافل ( 12 ) ، وتابعه سفيان بن عيينة في سنن أبي داود ص ( 119 ) ، وتابعه الأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة كما في كتاب القراءة للبيهقي ، فلما رواها عبد الرحمن المدني والأوزاعي وسفيان ومعمر وشعيب بن أبي حمزة لا يمكن إسقاطها ولها شواهد ، أيضاً رواها بعض الصحابة عن أبي هريرة وأبي سعيد ، ورفاعة ، وجابر بن عبد اللّه ، فصح زيادة < فصاعداً > ثم زعم الأحناف مراد الحديث وجوب الفاتحة ، ووجوب ضم السورة ولكنه يخالف اللغة ، فإن أرباب اللغة متفقون على أن ما بعد الفاء يكون غير ضروري ، وصرح به سيبويه في < الكتاب > في باب الإضافة ، وقال أيضاً : إن بعه بدرهم وصاعد في هذا المراد غلط ، وكذلك بعه بدرهم فصاعدٍ ـ بجر صاعد ـ أيضاً غلط بل صاعداً ، منصوباً عطف جملة على الجملة ، فعلى هذا يمكن للشافعية قول : إن لا صلاة إلا بأم القرآن بدون فصاعداً في حق المقتدي ، وبزيادتها في حق الإمام والمقتدي ، وأقول : وإن كان التأويل ممكناً ولكنه يوجب سوء الربط في نظم الحديث ، ولا يشير الحديث إلى التقسيم أصلاً ، ولنا أن نقول : بأنا نحمل على المعنى فيه حسن الربط ، ثم إني تتبعت الأحاديث الكثيرة فالتعبيرات أنواع ، أحدها ما فيه صيغة الأمر وبعدها ذكر الفاتحة وضم السورة ، وفي هذا التعبير صح حديثان ؛ حديث رفاعة في أبي داود : < ثم إقرأ بأم القرآن أو ما شاء الله أن تقرأ > فدل على وجوبهما ، والثاني حديث أبي سعيد : < أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر > أخرجه النسائي وأبو داود ص ( 24 ) ، وفي التعبير الثاني نفي الصلاة بانتفاء القراءة ، وأخذ فيه الفاتحة والسورة وصح في هذا التعبير عن أبي هريرة وجابر بن عبد اللّه ، وأخرج الطحاوي ص ( 124 ) رواية جابر وأخرجها ابن ماجه أيضاً ، وحديث أبي هريرة أخرجه أبو داود ص ( 125 ) ، وفي هذا التعبير في بعض الطرق < مازاد > بالواو وفي بعضها : < فما زاد > بالفاء ، وفي التعبير الثالث : الحكم على الفاتحة
(1/349)
فقط ، وذكر فيه : < فصلاته خداج > أخرجه الترمذي ، فأقول بعد هذا : إن حديث الباب حديث عبادة على أسلوب التعبير الثاني ، فيكون فيه أيضاً لفط < فصاعداً > ثم في حديث جابر ورفاعة < وما زاد > أو < وما تيسر > بالواو ، وفي حديث أبي هريرة في بعضها < واو > وفي بعضها < فاء > والواو تدل على وجوب ما قبل الواو وما بعدها ، فيوجب وجوب الفاتحة ، ووجب ضم السورة وهو مذهبنا ، فإذن خالف حديث الباب بزيادة < فصاعداً > الشافعيةَ ، فإنهم يقولون بعدم وجوب ضم السورة ، ووقع التعارض بين صدر الحديث وعجُزِه ، فلا بد من قول : إن في الحديث استشهاداً لا تعليلاً ثم أقول : إن ما ذكر أرباب اللغة أن مصداق ساعداً يكون أولى غير واجب لا بد من قصره على الفاء ، ويكون مصداق صاعداً بعد الواو ضرورياً ، فعليهم الترميم في ضابطتهم ، فإذن لا يمكن للشافعية قول التقسيم في الحديث .
( زائدة ) أقول : إن بفاتحة الكتاب في < لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب > الخ لو كان متعلقاً بالنفي لا يكون للشافعية مخلص مذكور ، ولو يتعلق بالمثبت يكون لهم مخلص ، وبحث ابن حاجب في أماليه ، في أن المتعلقات الواردة بعد المنفي هل هي متعلقة بالنفي أو المثبت أي المنفي وأطنب ، وحاصله تعلقها بالمثبت ، وأقول : كيف قال ابن حاجب هذا مع أنها متعلقة بالنفي أيضاً في القرآن
ج1ص306
(1/350)



 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:14 AM   #13
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



العظيم وغيره من كلام الفصحاء؟ والآية من { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } [ الكهف : 82 ] ، ثم أورد الأحناف على الشافعية في متن الحديث ، بأن قراءة الفاتحة لو كانت فريضة على المقتدي ، كيف قال الشارع عليه الصلاة والسلام بلفظ : < لعلكم تقرؤون خلف إمامكم > ؟ وأجاب الشافعية بوجهين ، أحدهما : أن سؤاله عليه الصلاة والسلام ليس عن أصل القراءة ، بل عن الجهر ، وكان حق المقتدي الإسرار وقال مولانا : إنه مستبعد ، فإن الرجل كان من عن يمينه ويساره يسر ، فكيف يجهر هذا؟ وثاني وجه الجواب ذكره البيهقي : بأن مورد السؤال السورة لا الفاتحة ، فيكون في كلامه عليه الصلاة والسلام قصر إفراد ، وأقول : يرده الرواية الصريحة ، أخرجها الدارقطني في سننه وحسن إسنادها ، وفيها < منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن > ففي هذه الرواية نكرات ودلت على أن أحداً قرأ شيئاً من القرآن ، فلم يجهر هذا الرجل ولم يزد على الفاتحة ، ويمكن للشافعية وله رواية قوية عن ابن مسعود ، أنهم كانوا يجهرون فنزلت : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ } [ الأعراف : 204 ] إلخ ، أخرجها الدارقطني ، والبيهقي في كتاب القراءة ، ولم يتوجه إليها شافعي العرض في الجواب ، وأقول مجيباً من جانب الأحناف : إني تتبعت طرق الحديث واستقريتها ، فما وجدت في أحدها لفظ الجهر في سؤاله عليه الصلاة والسلام ، فيقال : إن جهرَ الرجل كان ذريعة لعلمه عليه الصلاة والسلام ، ولم يكن مورد سؤاله عليه الصلاة والسلام ، ولم يكن سؤاله عليه الصلاة والسلام إلا عن القراءة ، فمثار الصلاة القراءة لا الجهر فبعد اللتيا والتي لا يخرج من الحديث إلا إباحة الفاتحة ، وهي أيضاً غير مرضية ، والقرائن على هذا : أن حديث الاختلاف في القراءة والمنازعة فيها رواه غير عبادة عن أنس وأبي هريرة وابن مسعود بأسانيد قوية والحال أن مذاهب الثلاثة ترك القراءة في الجهرية ، فزعموا مراد الحديث ما زعمنا ، وأما حديث المنازعة
(1/351)
عن أبي هريرة فأخرجه الترمذي ص42 وفيه مذهبه من ترك القراءة في الجهرية ، وفتوى عائشة من تركها في الجهرية ، ذكرها مولانا في رسالته من السنن الكبرى ، وقع فيها غلط في السند من الناسخ ، وأخرجها البخاري أيضاً في جزء القراءة والسند فيه صحيح وفي متنه فيه غلط فاحش من الناسخ ويخالفنا ، والصحيح ما في كتاب القراءة للبيهقي ص ( 66 ) : < كان عائشة وأبو هريرة يأمران بالقراءة في الظهر والعصر > وفيه مروي بسندين ، والمتن التام في السند الأول وهو متكلم فيه ، لأن فيه عكرمة بن عمار وهو ضعيف ، والتمسك بالسند الثاني ، وهو يضم به المتن التام ، وهذا أقوى ومروي بطريق قاسم بن بهدلة ، وليضم هذا الفتوى بقول أبي هريرة : اقرأ بها في نفسك يا فارسي ، أي اقرأ بها في السرية ، وأما مرفوع أنس ففي آثار السنن ص ( 80 ) رواه البخاري في جزء القراءة وأعله البيهقي ، وأقول : قد صححه البيهقي في كتاب القراءة ، وأما فتوى أنس ففي مصنف ابن أبي شيبة أنه كان يسبح خلف الإمام ، فعلم أنه لا يقرأ خلف الإمام ، وفي سند فتواه ثعلبة ولم أعرفه إلا أنه أبو بحر ، وهو من رجال الأربعة ، للحافظ لا السنن الأربعة وأما مرفوع ابن مسعود ففي آثار السنن ص ( 82 رواه الطحاوي
ج1ص307
(1/352)
والطبراني ، وأما فتواه فمشهور وقرائن أخر على دعاوينا في رواية أنس مرفوعة ، فإنه روى عنه ابن أبي شيبة في مصنفه مرسلة عن أبي قلابة : هل تقرؤون خلف إمامكم؟ فقال أحدهم : نعم ، وقال أحدهم : لا ، فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < إن كنتم لا بد فاعلين ، فليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه > إلخ ، فمن قال : لا ، لم يأمره النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإعادة ، ولم يشنع عليه ، وأيضاً قال : إنكم لا بد فاعلين ، ولم يجد عليهم بل دل على عدم الرضاء بها ، وأيضاً قال : < فليقرأ أحدكم > ولم يأمر كلهم استغراقاً ، ولفظ أحد لا يدل على العموم ، وعندي في هذا كثير من الشواهد مثل آية { [ الكهف : 19 ] إلخ هذا ما تيسر لي الآن ، وأما حديث الباب حديث ابن إسحاق فحسنه الترمذي ، وصححه بعض الشافعية ، وقال الحافظ : صححه البخاري ، والحال أنه لم يصححه بل متردد في صحته ، نعم أخرجه في جزء القراءة ، وأعله أبو عمر في التمهيد في عبارتين ونقل ابن رشد في بداية المجتهد عن أبي عمر أنه يصححه ، والله أعلم أنه من أين أخذ ، فإن عبارتي أبي عمر عندي موجودتان ، وفيهما إعلال ، ولعله تصحف من ابن حزم ، وأعله أحمد ذكره ابن تيمية في فتاواه وأشار ابن حبان إلى الإعلال في كتاب الثقات ، وأعله الحافظ ابن رجب الحنبلي تلميذ ابن تيمية ، وأعله ابن تيمية في فتاواه ، وقال : صنفت في إعلاله كتاباً مستقلاً ، وذكر ابن تيمية وجه الإعلال في فتاواه أن واقعة الباب لم يقع في عهده عليه الصلاة والسلام ، بل قرأ عبادة بنفسه خلف إمامه فسأله سائل فروى عنده حديث : لا < صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب > وقريب من هذا ما في أبي داود ص ( 119 ) عن الربيع بن سليمان عن عبد اللّه بن يوسف عن الهيثم إلخ ، إلا أن فيه ذكر القصة أيضاً ، أي وقعت الواقعة في عهده عليه الصلاة والسلام ، وليعلم أن في ذلك الحديث قلب من الراوي ، وأساء في ذكر ترتيب ألفاظ
(1/353)
الحديث : < فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن > ، وعندي أنه من الراوي ، وأقول : إن إعلال ابن تيمية هذا غير جار ، ويمكن في وجه الإعلال بأن في حديث عبادة بأنه روي عنه ثلاث مضامين ؛ أحدها : أنه قرأ بنفسه ، فسأله سائل لم قرأت خلف الإمام؟ فتمسك بعموم حديث : < لا صلاة لمن لم > إلخ ، وما احتج بالقصة ، وليس فيه ذكر القصة الواقعة في عهده عليه الصلاة والسلام ، وهذا قوي سنداً ، والثاني : ما بين أيدينا من حديث الباب ، والثالث : قوله عليه الصلاة والسلام : < لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب > ولا قصة فيه أصلاً ، هذا وأيضاً صحيح ، والحديث بالمضمون الأول مروي عن نافع بن محمود ، والحديث الثالث مروي عن محمود بن ربيع ، وأخطأ مكحول في الجمع بين ما عنده عن نافع ، وما عنده عن محمود ، وتفرد مكحول في ذكر القصة والحديث القولي ، فالعلة هذا لا ما قال ابن تيمية .
واعلم أنه قد سهى البخاري في الجزء فإنه ذكر في السند ابن ربيع ، وكتب الكاتب ابن ربيعة ، وزعمه البخاري محمود بن ربيع ، والحال أنه هو نافع بن محمود بن ربيع ، وسهى الحافظ حيث قال :
ج1ص308
إن حديث عبد اللّه بن عمرو قوَّى سنده البخاري كما في التهذيب ، والحال أن البخاري متردد فيه ، وسهى الحافظ حيث قال في تلخيص الحبير : إن البخاري صحح حديث محمد بن إسحاق ، والحال أن البخاري متردد فيه نعم أخرجه في جزء القراءة .
(1/354)
قوله : ( وفي الباب الخ ) رواية أبي هريرة ليست في الصلاة الجهرية بل في السرية ، ورواية عائشة في وجوب الفاتحة كما في مسلم ، وقد مر مذهب عائشة في كتاب القراءة ص ( 66 ) ، ورواية أنس مختلفة في الرفع أي الاتصال والإرسال ، وقالوا : إن الصواب الإرسال كما قال الدارقطني في علله ، وفيه : < إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه > وهو أيضاً في السرية لا الجهرية ، والحمل على الجهرية بعيد كل البعد ، ونقول : إن إسرار القراءة في الصلاة النهارية ، والجهر في صلوات الليل مجمع عليه ، فقول الشافعي بالإسرار للمقتدي في الجهرية غير المجمع عليه ، فلا بد من دليل قوي غاية القوة ، وحمل مالك حديث أنس : < في نفسك > إلخ على ما حملت قبل .
قوله : ( وهو قول مالك بن أنس ) هذا خلاف الواقع ، فإن مالكاً ينفي القراءة في الجهرية كما في موطأه ص ( 28 ) ، وكذلك مذهب ابن المبارك لا يوافق الشافعي في الجهرية كما سيأتي في الترمذي ، وكذلك ليس مذهب أحمد مذهب الشافعي كما سيأتي ، وكذلك ليس مذهب إسحاق بن راهويه مذهب الشافعي ، كما هو موجود في الخارج ، فلا يصح قول الترمذي : إلا بحمله على أنهم قائلون بالقراءة خلف الإمام في الجملة .
ج1ص309
*2*باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة
باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة
هذا الباب للعراقيين بل للجمهور .
(1/355)
- الحديث رقم: 312
قوله : ( مالي أنازع في الخ ) قال رجل فاضل حنفي : إن لفط المنازعة يدل على أن الفاتحة حق الإمام ، ويختلس المقتدي عنه وليس حقه ، فإن المنازعة خلس حق الغير بالخصومة وإني متردد في هذا فإن في المنازعة محاورة خاصة فصيحة ، وهو أخذ الكلام نوبة بنوبة كما قال الأعشى :
~ نازعتهم قضب الريحان متكئاً ... وقهوة مزة راووقها خضل
وقال الحويدرة أو الحادرة :
~ وإذا تنازعك الحديث رأيتها ... حسناً تبسمها لذيذ المكرع
قوله : ( قال فانتهى الناس إلخ )
قال الشافعية : إنه قول الزهري وليس قول أبي هريرة ، فيكون مرسلاً ، وأقول :
أولاً : إن الزهري رأى عمل كثير من الصحابة فلا يكون قوله مخالفاً لهم .
(1/356)
وثانياً : إن الجمهور من المحدثين من أبي داود والذهبي والبخاري وغيرهم ، على أنه قول الزهري ، والحق أنه قول أبي هريرة ، ومنشأ حكمهم أن الزهري روى الحديث ، ولما روى عن أبي هريرة < فانتهى الناس > لم يبلغ صوته بعض تلامذته فلم يسمع ، وسأل عن الآخر ما قال الزهري؟ قال : قال الزهري : < فانتهى الناس عن القراءة > فزعمه المحدثون أنه قول الزهري من جانبه ، والدليل على هذا ما في أبي داود ص120 : قال ابن السرح في حديثه : قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة : < فانتهى الناس > إلخ ، وقال عبد اللّه بن محمد : الزهري من بينهم ، قال سفيان : وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها ، فقال معمر : إنه قال : فانتهى الناس عن القراءة > إلخ ، ونظائر هذا عندي كثيرة ، وقالوا فيها : إنه قول من الراوي كما قالوا هاهنا ، وهو في الأصل موصول منها ما في البخاري ص ( 600 ) ، حفظت بعضه وثبتني معمر ، ومنها ما في الترمذي المجلد الثاني وهو عين نظير ما في أبي داود ، وفي كتاب القراءة للبيهقي بسند قوى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < ما كان من صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة فليس لأحد أن يقرأ معه > ومر عليه البيهقي في كتاب القراءة ، وقال : إنه منكر ولو صح ،
ج1ص310
(1/357)
إلخ ، وأقول : كيف يقال بأنه منكر مع ثقة الرجال؟ وحديث الباب لنا ، وقال مولانا المرحوم الگنگوهي : إن حديث الباب ناسخ للإباحة المستفادة من حديث الباب السابق ، وبناؤه على كون حديث الباب غير ذلك الحديث ونقل الحافظ أبو بكر الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ : إن بعض العلماء على تعدد الحديثين ، فإذا كان حديث الباب غير ذلك الحديث ، فمن الظاهر أن حديث الباب متأخر عن ذلك الحديث ويظن أن الحديثين واحد ، وفي حديث الباب في أبي داود : وقال راوٍ : أظن أنها الصبح ، وقال رأوٍ . إنها الصبح بالجزم ، لكنه يلزم الخلاف بين الحديثين ، فإن في السابق ذكر قراءة الفاتحة خلف الإمام ، وفي حديث الباب انتهاء الناس عن القراءة ، فأقول : إنه عليه الصلاة والسلام استثنى الفاتحة لكنه كان غير مرضي عنده عليه الصلاة والسلام ، ولما زعم الصحابة عدم رضاءه عليه الصلاة والسلام ، انتهى عنها الجمهور إلا عبادة ، فعبر الرواي بـ < فانتهى الناس عن القراءة > فيكون الحديثان متحداً ثم نكتة ترك أبي هريرة ذكر إجازته عليه الصلاة والسلام الفاتحة أنه لو ذكر مع قوله : < فانتهى الناس > عن القراءة لما صار الكلام مربوطاً ومسد كلام أبي هريرة وغرضه بيان انتهاء الناس عن القراءة وتركهم القراءة ولا مدخل استثناء الفاتحة في غرضه ومسده ثم قال الشافعية : ولو سلمنا أن < فانتهى الناس عن القراءة > قول أبي هريرة لكان المراد من الانتهاء الانتهاء عن الجهر ، وأقول : إن هذا التأويل محض تأويل لا يقبل العقل السليم ، ولو قيل : إنهم تركوا السورة وانتهوا عنها لا عن الفاتحة فلا بد من النص عليه .
(1/358)
ولما حققت من مذهب أبي حنيفة عدم جواز القراءة في الجهرية وجوازها في السرية مع اختيار تركها فيها فأذكر الأدلة : فلنا في السرية ثلاثة أحاديث : أحدها : حديث : < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة > أخرجه الدارقطني والبيهقي مرسلاً وصله أبو حنيفة وقالا : الصواب الإرسال ، وتكلم الدارقطني في وصل أبي حنيفة ، وذكره جابر بن عبد اللّه ، ورد تكلمه في حقه وأقول : إن حديث < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة > صحيح بلا ريب وأما قول : إنه مرسل فجوابه من ثلاثة أوجه :
الأول : أنه لو سلمنا أن الصواب الإرسال كما اعترفتم فنقول : إن المرسل المؤيد بفتيا الصحابة يكون مقبولاً عند المحدثين بلا نكير ، ووافقه كثير من فتاوى الصحابة حتى إن ألفاظ بعض الفتاوى قريبة من ألفاظ الحديث ، منها فتوى ابن عمر أخرجها مالك في موطأه ، ومنها فتوى زيد بن ثابت أخرجها مسلم في صحيحه باب سجدة التلاوة ، ومنها فتوى جابر بن عبد اللّه أخرجها الترمذي في سننه كما سيأتي فلا وجه لتركه .
والوجه الثاني : إن منتهى السند المرسل عبد اللّه بن شداد ، وأقر الحافظ في الفتح بكونه صحابياً صغيراً ، وعن أحمد بن حنبل أنه وجد رؤيته عليه الصلاة والسلام ولم يسمع عنه فيكون مرسل الصحابي ، ومن المعلوم أن مرسل الصحابي مقبول بلا ريب ، فإنهم اتفقوا على قبول مراسيل الصحابة .
ج1ص311
(1/359)
والوجه الثالث : أن الشيخ ابن همام أخرج الحديث متصلاً من مسند أحمد بن منيع أستاذ البخاري وغيره بسند على شرط الشيخين ، صورة السند هذا : حدثنا إسحاق الأزرق ، أنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد اللّه بن شداد عن جابر بن عبد اللّه وليس في هذا السند أبو حنيفة فلا يكون أبو حنيفة متفرداً ، وأما تفصيل رواة الإسناد فإسحاق الأزرق من رواة الصحيحين ، وسفيان هو الثوري وشريك ابن عبد اللّه النخعي ، وموسى بن أبي عائشة ثقة اتفاقاً ، وعبد اللّه وجابر صحابيان وفي البدر المنير حاشية فتح القدير لأبي حسن السندهي حكاية ولازمها تصحيح أحمد بن منيع والحكاية ، أن العلامة قاسم بن قطلوبغا كتب لحضرة شيخه الشيخ ابن همام يسأله عن مأخذ حديثه ، وقدوته في تصحيح الحديث ، فأجاب الشيخ : أخذته من إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري .
(1/360)
( زائدة ) اختلف الناقلون في تعيين اسم الكتاب ، فقيل : إتحاف المهرة ، وقيل : إتحاف الخبرة ، وقيل : إتحاف الخِيَرة ، والمعروف الأول ، وفيه قال البوصيري : أخذت بقراءة السند بحضرة الشيخ حافظ الدنيا فما وصلت إلى متن الحديث ، قال الحافظ : هذا رائحة حديث < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة > فتعجبت من ذكاء الحافظ ، أقول : عرضت الحكاية على شيخنا مولانا دام ظله العالي على رؤوس المسترشدين ، فقال : إن الحافظ لم يرض بالحديث ، قلت : إن الحافظ وإن لم يرض به لكنه لم يقدر على بيان العلة أيضاً ، فالحاصل أن الحديث صحيح ، وأما أنا فما وجدت الحديث في النسخة التي تحت مطالعتي لإتحاف المهرة لكني أقطع بأن الحديث صحيح ، وأن في نسختي سقطاً من الناسخ فإن القصة المفصلة المذكورة لا يمكن انكارها ، ثم أخرجه الشيخ بن همام بسند آخر من مسند عبد بن حميد عن أبي نعيم فضل بن دُكَين عن حسن بن صالح الخ وقال : إنه صحيح على شرط مسلم ، وأقول : فيه تردد فإن في سنده جابر الجعفي ولعله ليس من المزيد في متصل الأسانيد كما هو مذكور في سنن ابن ماجه ص61 ، ولكن السند الذي وجده الشيخ حذف منه جابر وربما يقلد الشيخ جمال الدين الزيلعي ولم يأت بالزائد على تخريج الزيلعي إلا في عدة مواضع ، منها ما في باب المهر ، ومنها ما في باب التطوع ، ومنها ما في هذا الموضع الحديث الذي نحن فيه ، ثم إن قيل : إن في حديث < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة > احتمال وهم الراوي وخطؤه نقول : لا يمكن هذا الاحتمال فإن فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مؤيدة له سيما إذا كانت ألفاظ الفتاوى قريبة من ألفاظ الحديث المرفوع ، واعلم أن حديث < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة > أخرجه الحاكم ولم أجده في نسخة المستدرك ، وإنما ذكره ابن الهمام بسند أبي حنيفة وفيه ذكر صلاة الظهر ، وذكر أن الرجلين تنازعا بعد الفراغ عن الصلاة ، فقال أحدهما بالقراءة خلف
(1/361)
الإمام وقال الآخر بتركها ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < من كان له إمام فقراءة الإمام له قراء > ة فدل الحديث على ترك القراءة في السرية ، ولكنه لا يدل على عدم جوازها في السرية نعم يدل على تركها في السرية ، ولنا حديثان آخران في تركها في السرية وأما أدلة عدم جوازها في الجهرية فكثيرة منها آية : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
ج1ص312
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الأعراف : 204 ] وأجاب عنها الشوافع شافياً ، ونقل الزيلعي عن البيهقي عن أحمد بن حنبل أجمع العلماء على أن الآية واردة في الصلاة ، وقال رجل : إن البيهقي لم ينقل عن أحمد في كتاب القراءة ، وغرضه الاعتراض على الزيلعي أقول : إن الزيلعي لم يحل إلى كتاب القراءة ليلزم ذلك الرجل الجاهل على أن أبا عمر أيضاً نقل عن أحمد بن حنبل في التمهيد إلا أن الزيلعي نقل بالسند بخلاف أبي عمر ومن أدلتنا حديث الباب أخرجه مالك في الموطأ وحسنه الترمذي وصححه أبو حاتم ، وحديث : < وإذا قرأ فأنصتوا > قد صححه أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أثرم تلميذ أحمد وابن جرير في تفسيره ، وأبو عمر وابن حزم الأندلسي وزكي الدين المنذري والحافظ ابن حجر العسقلاني ، وكل من الحنابلة والموالك والأحناف ، وأخرجه أبو داود والنسائي حديث : < وإذا قرأ فأنصتوا > عن أبي موسى وأبي هريرة صححهما مسلم فإنه أخرج حديث أبي موسى في تشهد مسلم وسأله تلميذه عن حديث أبي هريرة فأجاب مسلم بأنه صحيح ، ولنا حديثان صحيحان في كتاب القراءة أحدهما في ص ( 99 ) حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن الطمامي المقرئ نا أحمد بن سلمان الفقيه نا إبراهيم بن الهيثم نا آدم نا ابن أبي ذئب نا محمد بن عمرو عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < ما كان من صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة فليس لأحد أن يقرأ فيها > إلخ
(1/362)
وقال البيهقي : هذه رواية منكرة لم أجدها فإن صحت فالمراد بها ليس لأحد أن يجهر بها أو يقرنها مع سورة ، إلخ ، فكلامه يشير إلى الصحة ولا يمكن إنكار هذه الرواية ورجال السند ثقات فإن أبا الحسن علي بن أحمد ليس من رواة الستة لأنه متأخر عنهم نعم ثقة وبترجمة موجودة في الأنساب تحت لفظ الحمامي ، وأما أحمد بن سلمان ففي أكثر الكتب سلمان بلا ياء وفي بعضها سليمان بالياء ، وظني أنه بالياء ولقبه نجاد في تذكرة الحفاظ ، وإبراهيم ثقة ، وآدم بن أبي إياس من رجال الصحيحين ، وكذلك ابن أبي ذئب ، وأما محمد بن عمرو فمن رجال مسلم ، ومحمد بن عبد الرحمن ثقة مشهور ، ورواية أخرى لنا عن أبي هريرة بواسطة عبد الرحمن بن إسحاق في كتاب القراءة وضعفها البيهقي من جانب عبد الرحمن ، والحال أنه مدني وهو ثقة وليس بواسطي وهو ضعيف ، ولنا أدلة أخر لا أذكرها . واعلم أن تلخيص الدعوى : أن آية : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ } [ الأعراف : 204 ]
نزلت في مكة ودلت على نفي القراءة خلف الإمام في الجهرية ، ثم ورد حديث : < لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب > في المدينة في حق الإمام والمنفرد وكذلك قال أحمد في الصفحة اللاحقة . إن الحديث في حق المنفرد ولا تعلق للحديث بالمقتدي ولا يتناوله ، ثم بعده قرأ رجل في الفجر خلفه عليه الصلاة والسلام بدون تعليم من صاحب الشريعة ، فقال النبي الكريم : < إن كنتم لا بد فاعلين فليقرأ أحدكم في نفسه > وكذلك ورد حديث محمد بن إسحاق ، وفي هذا الحديث إحالة إلى ما سبق أولاً فلا يتناول الحديث المقتدي فإن حال المقتدي كان مفروغاً عنه حين نزول الآية ، فلا يكون في حديث ابن إسحاق إلا استشهاداً ، وعرضت الإباحة غير مرضية ومرجوحة فكف جمهور الصحابة لما رأو الإباحة العارضة غير مرضية ، وهذا المذكور سابقاً كان على مشرب مولانا المرحوم ، ويمكن لنا
ج1ص313
(1/363)
بحث آخر ولكنه بحث وإفحام الخصم ولا يبقي الإباحة أيضاً على هذا ، ويكون فيه تسليم تناول الحديث المقتدي وهو أنه في الحديث : < لا تفعلوا إلا أيام القرآن > فعل القرءة وأعم من قراءة الفاتحة حقيقة كما في حال الإمام والمنفرد أو حكماً كما في حق المقتدي ، وكذلك يقال في فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها حقيقةً أو حكماً فيكون في الحديث إحالة إلى الأحاديث الأخر الدالة على قراءة الإمام والمنفرد وسكوت المقتدي ، ونظيره كما يقال : لا تفعلوا إلا بالأذان لقوم يثوبون بتثويب بدعة فليس ، مراده أن يؤذن كل واحد منهم بنفسه ، ويمكن أن يقال : إنَّ ( لا تفعلوا إلا بأم القرآن ) من قبيل قتلوه بنو فلان أي صدر فيهم فعل القتل لا إن قتله كل واحد وباشر بقتله كما في آية : [ البقرة : 72 ] إلخ ، ولكن هذا البحث لإسكات المناظر وليس حقيقة الأمر .
قوله : ( ما يدخل ) من الدخل بمعنى الغش لا من الدخول .
قوله : ( وفي الباب ) ثبت القراءة في السرية وتركها عن ابن مسعود وحديث عمران بن حصين أخرجه مسلم وغيره حين قرأ : < سبح اسم ربك الأعلى > إلخ ، وأقول : إنه قرأ < سبح اسم ربك الأعلى > بدون قراءة الفاتحة ، وأما حديث جابر فسيأتي في الكتاب عن قريب .
(1/364)
قوله : ( فهي خداج ) إلخ ، خدجت الناقة من المجرد إذا ولدت قبل تمام المدة كان الفصيل تام الأعضاء أو غيرها ، وأحذجت الناقة من المزيد إذا ولدت فصيلاً ناقص الأعضاء سواء كان على تمام المدة أو قبلها ، وعنه الخديجة اسم من أسماء نساء العرب ، وبعض علماء اللغة لا يذكرون الفرق بين المجرد والمزيد ، فدل الحديث على أن الصلاة بدون الفاتحة ناقصة غير باطلة كما يقول الأحناف ، ولا يلزم على هذا إدخال المكروه تحريماً في أمر الشارع فإنه ليس ها هنا أمر بل نفي الشيء بانتفاء شيء آخر بخلاف آية : { فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [ المزمل : 20 ] أو حديث : فاقرأ بما تيسر معك من القرآن > أو حديث ضعيف السند : < من تشهد تمت صلاته > ، قال الشيخ عبد الحق الدهلوي رحمه الله : إن الحديث يدل على عدم ركنية السلام فيلزمه إدخال الكراهة تحريماً في أمر الشارع وذا غير جائز ، وفي كتبنا تصريح أنه إذا أحدث بعد التشهد يذهب ويتوضأ ثم يأتي ويسلم .
ج1ص314
قوله : ( اقرأ بها في نفسك . . إلخ ) هذا مقيد بالصلاة السرية ولا يكون في الجهرية لما في كتاب القراءة للبيهقي من مذهب أبي هريرة وعائشة ، ولما في موطأ مالك ص ( 4 ) : < ومن فاتته فاته خير كثير > إلخ ، قال البخاري في جزء القراءة : بأن مُدرِكَ الركوع ليس بمُدرِكِ الركعة ، ولم يقل بإدراكها بإدراكه إلا من قال بترك القراءة خلف الإمام ، وذكر من موافقيه أبا هريرة ويخالفه صراحة ما في موطأ مالك ص ( 4 ) ، وأتى البخاري بأثر أبي هريرة الذي يوهم إلى وفاق البخاري ولكن مراد ذلك الأثر أن المسبوق يجب عليه أن يدرك الإمام قبل انحطاطه إلى الركوع ، ولا يجب وجدان الفاتحة فلا يختلط ، ثم رأيت مذهب أبي هريرة بعين ما ذكرت من أنه يقول أن يدرك المقتدى إمامه قبل انحطاط الإمام ولا يجب وجدان الفاتحة لوجدان الركعة ، وإن أدرك إمامه بعد انحطاطه فلم يدرك الركعة ذكره ابن رشد في البداية .
(1/365)
واعلم أن ما في موطأ مالك ص4 فهو من المبلغات ولكن أبا عمرو صنف التمهيد لوصل مبلغات مالك ووصل كلها الأربعة ، وما ذكر البخاري في جزء القراءة من مذهبه لا يوافقه السلف ولا علماء المذاهب الأربعة إلا أبو بكر الضبعي تلميذ ابن خزيمة وتقي الدين السبكي والشوكاني ، ثم رجع الشوكاني في الفتح الرباني ونسب إلى ابن خزيمة وفاقه البخاري ، وقال الحافظ : وجدت في صحيحه خلافه ، أقول : إنه كان مذهب تلميذه أبي بكر فنسب إلى ابن خزيمة سهواً هذا المذكور من حمل < اقرأ بها في نفسك > على السرية لما في كتاب القراءة حقيقة الأمر ، وأما ما قال المدرِّسون : من أن المراد بالقراءة في نفسه التدبر والتفكر فلا يوافقه اللغة فإنه لم يثبت معنى التفكر للقراءة في النفس ، نعم ثبت التفكر معنى القول في النفس ، ويمكن لنا حمل القراءة في نفسك على السرية بدون الالتفات إلى ما في كتاب القراءة بأن الإسرار في صلوات النهار والجهر في صلوات الليل مما أجمع عليه ، وقول الإسرار في الصلوات الجهرية كما يقول الشافعية للمقتدي غير ما أجمع عليه فنحمل قول أبي هريرة على ما أجمع عليه وعلى الشوافع ذكر نص شاف في ما ادعوا .
قوله : ( يتبع سكتات الإمام ) قال الشافعية : المستحب للإمام أن يسكت ليأتي المقتدي بالفاتحة ، وأقول : إنه خلاف قواعد الشريعة فإن الشريعة تنبئ بـ ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) إلخ ، وتجعل
ج1ص315
الشريعة الإمام متبوعاً ، ولزم على ما قالوا كونه تابعاً ، وذكر الشوافع أربع سكتات منها سكتة بعد < ولا الضالين > قبل آمين قدر ما يسع فيه فاتحة المقتدي ، ويلزم عليهم إشكالات كثيرة ذكرتها في باب آمين وأيضاً ما من حديث يدل على هذه السكتة الطويلة حتى أن اختلف صحابيان في وجوبها أيضاً كما مر سابقاً ، وبالجملة يلزم إشكالات على قول القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية .
(1/366)
قوله : ( وتأول ) التأول في عرف السلف والحديث بيان المصداق لا ما تعارف بين أهل العصر من صرف الكلام عن ظاهره .
قوله : ( واختار أحمد ) مذهب أحمد القراءة خلف الإمام في السرية كما في فتاوى ابن تيمية وفي الجهرية إذا كان المقتدي بموضع لا يبلغه صوت قراءة الإمام .
ج1ص316
قوله : ( سمع جابر بن عبد اللّه يقول ) إلخ هذه فتوى جابر ، والأكثر وقفوها على جابر والبعض رفعوه إلى صاحب الشريعة كما في الطحاوي ص ( 138 ) ، لكنه فيه كلام من وجهين :
أحدهما : أنه مروي بسند مالك ووقفه مالك في موطأه بهذا السند .
والثاني : أن في سنده يحيى بن سلام وهو متكلم فيه ، ووثقه أربعة من أئمة الحديث ، وفيه شيء آخر أخذه البيهقي ، وهو أن في الطحاوي ص ( 128 ) قال : قلت لمالك : أرفعه ، قال : خذو برجله . . إلخ ، فزعم البيهقي أن مالكاً شنع على رفعه ، وأقول : لعله لم يشنع على رفعه بل غرض مالك أن المسألة هكذا فغضب مالك تعنته في المسألة ، فالحاصل أن قول جابر مختلف في رفعه ووقفه .
(1/367)
قوله : ( عن أبي نعيم ) روى أبو نعيم هاهنا موافقاً لنا ، وروى في سنن الدارقطني عن عبادة حديثه موافقاً للشافعية ، وأخرج العيني في العمدة حديث عبادة بسند أبي نعيم من مستدرك الحاكم وعبارته يدل على جزمه بأن راوي حديث عبادة هو أبو نعيم وهب بن كيسان ، ولكني متردد في هذا ولأن وهب بن كيسان يروي عن الصحابة الصغار والكبار الذين طالت أعمارهم ، وربما يروي عن ابن عمر ، وجابر قد يروي عن أبي هريرة أيضاً ، وأما عبادة فمتقدم الوفاة ، ولأن أرباب كتب الرجال ما ذكروا أخذ وهب بن كيسان عن عبادة فلهذا صرت متردداً ، ثم رأيت الذهبي تردد فيه في تلخيص المستدرك ، واعلم أن لنا في نفي القراءة ما في مصنف عبد الرزاق عن موسى عن عقبة وهو من صغار التابعين أنه روى النهي عن القراءة عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر فيكون هذا مرفوعاً حكماً ، والله أعلم ، وعلمه أتم .
(1/368)
المراجعة إلى ما سبق من رفع اليدين ومسألة آمين ، فاذكر وجه ترك رفع اليدين وإخفاء آمين فأقول : إن حديث الترك حديث ابن مسعود ، وفي الرفع أحاديث كثيرة ولم يتكلم في حديثنا إلا من اختار عمل رفع اليدين مثل البخاري لا غيره كالنسائي وأبي داود والترمذي وغيرهم ، ويتوهم من هذا أن ترك الرفع حامل لوحدة الحديث وكثرة أحاديث الرفع ، ولكني أدعي أن أحاديث الترك كثيرة فإن كثيراً من الصحابة يروون صفة صلاته عليه الصلاة والسلام ولا يذكرون رفع اليدين ، وإني أدمجهم في رواة الترك ، ثم إن قيل : إنهم ساكتون والساكت يحمل على الناطق ، فأقول : إنهم ليسوا كثير بساكتين بل نافون ، وتوضيح هذا موقوف على ما قال ابن تيمية تحت اختياره إخفاء بسم الله : إن الجهر بالتسمية نادر والإخفاء كثير لأن أكثر الأحاديث خالية عن ذكر جهر التسمية ولا يقال : يحمل الساكت على الناطق لأنها ليست بساكتة بل نافية فإن المهتم بذكره هو الشيء الوجودي ، ولا يتعرض الراوي إلى ذكر الشيء العدمي لأنه غير معقول فعلى هذا الساكت عن ترك رفع اليدين نافٍ فتصير ذخيرة الترك كثيرة من ذخيرة الرفع ، وأما حديث ابن مسعود حيث تعرض إلى ذكر ترك رفع اليدين ، فأيضاً غنيمته
ج1ص317
(1/369)
ونعمته غير مترقبة لتعرضه إلى الشيء العدمي ، فعلم أن ترك رفع اليدين كثير عملاً في عهده عليه الصلاة والسلام ، ولكنه قليلٌ ذكراً لأنه شيء عدمي ، فهذا الكلام مما يشفي ما في الصدور ، وهذا هو حقيقة الحال ، وإن قيل : إن رفع اليدين عزيمة ، وتركه رخصة ، والعمل بالعزيمة أولى ، فيستفاد جوابه مما ذكرت تحت كلام ابن تيمية في فتاواه ثم إن قيل : إن رفع اليدين عبادة ، والترك ترك عبادة ، نقول : إن جواب النكتة بالنكتة وهي أن هيأة اليدين في كل ركن تكون مناسبة لتلك الوظيفة كما في القيام والسجود وغيرها فعلى هذا ترك الرفع عبادة فهذا وجه رجحان ترك رفع اليدين ، وأما وجه رجحان إخفاء آمين فهو عمل أكثر السلف بإقرار ابن جرير الطبري ، كما حررت تفصيل كلامه سابقاً .
*2*باب ما جاء ما يقول عند دخوله المسجد
باب ما جاء ما يقول عند دخوله المسجد
عيّن الشارع عليه الصلاة والسلام الأذكار في الأحوال المتواردة .
(1/370)
- الحديث رقم: 314
قوله : ( صلِّ على محمد إلخ ) قال العلماء : أن يصلي الداخل في المسجد عليه عليه الصلاة والسلام الآن أيضاً ، وإني متردد في مراد الحديث لعل الغرض منه دعاء رجل لنفسه ، ولما كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معلماً للدعاء لكل واحد لنفسه وكان عليه الصلاة والسلام متكلماً فعبر بهذه الدعوة ، والله أعلم .
قوله : ( أبواب فضلك ) خص الفضل بوقت الخروج لأن الفضل في الرزق وهذا تعليمه عليه الصلاة والسلام للأمة المرحومة .
قوله : ( حديث حسن . . إلخ ) حسن الترمذي الحديث مع انقطاعه ، وكذلك فعل في عدة مواضع ، لأن الحذاق يتمشون على ذوقهم ، ولا يتبعون الضوابط والقواعد .
ج1ص318
*2*باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
(1/371)
- الحديث رقم: 316
هذه الصلاة تحية المسجد سنة عندنا وعند غيرنا ، وتتأدى عندنا في ضمن الفرائض والسنن أيضاً لو صلى ، وإن لم يصلِّ بشيء في المسجد لم يحرز سنة تحية المسجد ، وقال الشافعية بجوازها في الأوقات المكروهة أيضاً ، الضابطة حمل العام على الخاص ، وقال داود الظاهري بوجوب تحية المسجد ولم يقل غيره .
قوله : ( قبل أن يجلس إلخ ) عمل الجهلة من أهل العصر خلاف نص الحديث وهو جلوسهم قبل أداء الركعتين وهذا من سوء الجهل .
*2*باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام
باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام
(1/372)
- الحديث رقم: 317
المقبرة بالتاء ما فيه قبور ، وأما الذي فيه قبر واحد لا يطلق عليه المقبرة بل المقبر بلا تاء ، هذا
ج1ص319
فرق لغة ، وفي الجامع الصغير لمحمد تكره الصلاة تجاه المقبرة إلا أن تكون سترة حائلة أو كان المصلي بيمين أو شمال من المقبرة ، وكون الأرض كلها مسجداً من خصائص الأمة المرحومة ، وأقول كان عيسى عليه الصلاة والسلام سياحاً ولعل البِيعَ والكنائس كانت في الشام كثيرة ، والله أعلم .
قوله : ( كان رواية الثوري الخ ) رجح المرسل ، وجعل الاتصال مرجوحاً .
*2*باب ما جاء في فضل بنيان المسجد
باب ما جاء في فضل بنيان المسجد
(1/373)
- الحديث رقم: 318
قوله : ( مثله في الجنة ) المماثلة في الفضل والثواب وفي أن مكانه يكون ذا شرف من بنية الجنة
ج1ص320
كما أن المسجد يكون ذا شرف في الدنيا ، وليست المماثلة في الطول والعرض أو غيره كما قيل .
واعلم أن المسجد النبوي بني في عهده عليه الصلاة والسلام مرتين مرة ستين ذراعاً ، وأخرى مائة في مائة ثم بناه أبو بكر الصديق في عهده على هيأته الأولى وبلا زيادة في عرصة الأرض ، ثم بناه عمر في عهده ، وزاد في بقعة المسجد ، واختار الهيأة الأولى الساذجة ، ثم بناه عثمان وشيده بالأحجار والخشب ، ولم تكن الأحجار منقوشة بالنقش المتعارف ، فاعترض السلف على عثمان لتشييده المسجد وعدم اختياره الساذجية السابقة مع أنه بناه من مال نفسه ، فلما امتد اعتراضهم قام عثمان خطيباً وتمسك بحديث : < من بنى مسجداً لِلّه جل مجده بنى الله له مثله في الجنة > وأما بناء المسجد النبوي الآن فبناه السلطان عبد المجيد ، وقد ميز في الحدود التي كانت في عهده عليه الصلاة والسلام وعهد عمر وعهد عثمان ، وما اطلع بعضهم على تكرار بناء المسجد النبوي في عهده عليه الصلاة والسلام ، ونبه عليه الشيخ السيد السمهودي في الوفا بدار المصطفى .
(1/374)
مسألة : إحكام المسجد جائز بلا ريب ، وأما نقشه المتعارف في عصرنا ففي بعض كتبنا لا بأس به من غير مال بيت المال ، وقيل : يكره من غير بيت المال ، وأما من مال بيت المال فغير جائز ، وأقول : الآن يجوز القولان الأولان في النقش من مال المسجد أيضاً ، فإن غرض الواقفين في هذا العصر يكون النقش ولا ينهون عنه ، والله أعلم ، وفي ابن ماجة رواية : < ولو كمفحص قطاة > إلخ ، وترددوا في شرحه فإنه لا يمكن فيه الصلاة فقالوا ما قالوا ، منها ما قيل : إنه في حق من اشترك في المتفرقات لبناء المسجد فإن من أدخل فيها شيئاً قليلاً يحرز الثواب أيضاً ، وإن تهيأ من متفرقة قدر مفحص قطاة من أجزاء المسجد ، أقول : إن في الحديث مبالغة ولا تكون المبالغة كذباً أصلاً فلا إشكال ، ثم قيل : إن وجه اختصاص القطاة بالذكر أن مفحصه يكون على الأرض كالمسجد على الأرض سطحها .
قوله : ( محمود بن الربيع ) اختلف المحدثون في سن تميز الراوي للرواية ، فقيل : خمسة سنين لحصول التميز لمحمود على خمسة سنين .
ج1ص321
*2*باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا
باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجداً
(1/375)
- الحديث رقم: 320
أي بناء المسجد على قبر كان سابقاً ، وأما بناء الأبنية على القبور كما هو عمل أهل العصر من اتخاذ القبة على القبر فغير جائز في المذاهب الأربعة ، ونقل الشيخ عبد الحق الدهلوي جوازه عن محمد بن سلمة الحنفي وفي هذا النقل تردد ما لم تراجع عبارة محمد بن سلمة بعينها فإن نقل المذهب عسير جداً .
قوله : ( زائرات القبور إلخ ) في زيارة القبور للنساء عن أبي حنيفة روايتان ذكرهما في رد المحتار ، وبناء رواية النهي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن زيارة القبور ثم أجاز ، وقال : < ألا فزوروها > إلخ والإجازة للرجال وبناء رواية الجواز أن حكم النسوان والرجال واحد كما هو دأب أكثر آيات القرآن فإن الحكم فيها للرجال وتكون النسوان تابعة لهم دأب هاهنا ، ثم تردد ابن عابدين في الروايتين ، وعندي يجمع في الروايتين ويقال باختلاف الحكم باختلاف الأحوال للركن يجزعن يمنعن وإلا فلا .
قوله : ( والسرج ) لا يجوز إنارة السراج على القبر على زعم أنه مفيد للميت وأما لإفادة الزائرين فأباحه العلماء .
*2*باب ما جاء في النوم في المسجد
باب ما جاء في النوم في المسجد
(1/376)
- الحديث رقم: 321
يكره النوم في المسجد للمقيم عندنا وعند غيرنا ويجوز للمسافر ، وأما نوم ابن عمر فكان لأنه
ج1ص322
لم يكن له بيت وكان عزباً ، وكذلك ثبت النوم عن بعض الصحابة في شرح مسلم للنووي وحملوه على حالة العذر .
مسألة : يكره تحريماً إخراج الريح في المسجد كما في شرح الهداية لشمس الدين السروجي ، وكذلك في شرح المهذب للنووي ، وفي الكبير شرح المنية : أنه سيء ولعله يستثنى منه المعتكف لكونه معذوراً .
وفي فتاوى الشيخ السيوطي : أن إلقاء القمل في المسجد ارتكاب الكبيرة لأن جلدها نجسة .
في فتح القدير أن الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب وقال صاحب البحر : هذا إذا دخل المسجد لإرادة الكلام فيه ولو عرضه فلا .
*2*باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وانشاد الضالة في المسجد
باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وانشاد الضالة في المسجد
(1/377)
- الحديث رقم: 322
رخص الفقهاء الإيجاب والقبول للمعتكف في المسجد بلا حضور المبيع ، وأما إنشاد الضالة فله صورتان :
أحدهما : إن ضل شيء في خارج المسجد وينشده في المسجد لاجتماع الناس فهو أقبح وأشنع ، وأما لو ضل في المسجد فيجوز الإنشاد بلا شغب ، وأما الأشعار ففي كتاب الطحاوي جوازها في المسجد أي لتحصيل الأدب واللغة بشرط أن لا يتخذ لجة ، ويفصل شيء في الأشعار الأدبية في فتح القدير ، أيضاً أقول : من يتذاكر الفلسفة في المساجد كما هو دأب طلبة العصر يقال له لا علمك الله .
قوله : ( البيع والشراء ) إذا كان مفتوح الأول فممدود وإن كان مكسوراً فمقصورة .
ج1ص323
قوله : ( هو ابن محمد بن عبد اللّه الخ ) مرجع ضمير هو شعيب ، وتمام النسب هذا عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، وأما جد عمرو بن شعيب فإما حقيقي وهو محمد فيكون الحديث مرسلاً لأن محمداً تابعيّ ، وإما مجازي وهو عبد اللّه فيكون الحديث منقطعاً لأن شعيباً لم يسمع عن عبد اللّه ، والمختار أن المراد منه هو عبد اللّه وادعى البعض لقاء شعيب جده عبد اللّه ، وقيل : إن شعيباً لم يسمع عن عبد اللّه ولكنه يروي عن صحيفة كانت عنده لجده عبد اللّه ، فتكون الرواية من الوِجادة ، وهي مقبولة عند البعض ، وغير مقبولة عند البعض .
*2*باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى
باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى
(1/378)
- الحديث رقم: 323
جمهور المفسرين على أن مصداق الآية مسجد قبا ، وإنه أول مسجد بني في الإسلام ، فإذن أشكل الأمر وتعارض الحديث والقرآن ، فالبعض أعلُّو الحديث لخلافه سياق القرآن وسباقه ، وقيل : إن
ج1ص324
الحديث صحيح واختار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسلوب الحكيم إداء القول بالموجب ، وقال الطحاوي في مشكل الآثار بما حاصله إن : الآية ربما تنزل في شيء ويكون شيء آخر في حكم ما نزلت فيه الآية بالمساواة أو بالأولى ، فيقال : إن الآية نزلت في ذلك الشيء الآخر ، وكذلك قال السيوطي في اللباب والإتقان : إن السلف يقولون نزلت الآية في كذا ، والحال أنه لا يكون شأن نزولها بل يكون لاحقاً بشأن النزول في الحكم ، فإذن انحل الإشكال ، وادعى البعض أن الآية أيضاً في المسجد النبوي والأولية في الآية إضافية أي أول مسجد بني في المدينة .
قوله : ( فقال هو هذا وفي ذلك خير كثير ) في هذا تلقي المخاطب بما لا يترقبه المخاطب ، والمشار إليه لذلك هو مسجد قبا .
*2*باب الصلاة في مسجد قباء
باب الصلاة في مسجد قباء
(1/379)
- الحديث رقم: 324
المذكور في الأحاديث فضل ثلاثة مساجد : المسجد الأقصى ، والمسجد النبوي ، والمسجد الحرام .
قوله : ( كعمرة الخ ) أقول : مراد الحديث التناسب أي كما أن الحج أكبر ثواباً من العمرة كذلك الصلاة في المسجد النبوي أكبر ثواباً من الصلاة في مسجد قبا ، وكذلك أقول في حديث مضمونه : < أن من صلى الصبح ثم انتظر إلى أن ارتفع الشمس فصلى الإشراق كالحج والعمرة > المراد ثمة أيضاً ذكر التناسب لا ذكر التساوي بين الصلاة والحج ، وبين صلاة الإشراق والعمرة .
ج1ص325
*2*باب ما جاء في أي المساجد أفضل
باب ما جاء في أي المساجد أفضل
(1/380)
- الحديث رقم: 325
واعلم أن في شرح حديث الباب احتمالين :
أحدهما : أن يقال : إن المفهوم من استثناء إلا المسجد الحرام زيادة فضل المسجد الحرام على المسجد النبوي .
وإما أن يقال : إن المفهوم منه أن التفاوت بين المسجد النبوي والمساجد الأخر سوى المسجد الحرام ، أزيد من التفاوت بين المسجد النبوي والمسجد الحرام ولا يتعرض إلى زيادة فضل المسجد الحرام على المسجد النبوي ولكن المختار عند المحدثين الشرح الأول ، وأتوا بأحاديث دالة على فضل المسجد الحرام على المسجد النبوي ، وفي بعض الأحاديث أن الصلاة في المسجد الحرام كمائة ألف صلاة في غيره والجمهور على أن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي ، وقال مالك بن أنس : إن الأرض الملاصق بجسد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المبارك أعلى وأفضل من كل شيء حتى العرش والكرسي أيضاً ، ثم بعده بيت الله ، ثم بعده المسجد النبوي ثم بعده المسجد الحرام ، ثم بقعة المدينة أفضل من بقعة مكة ، فقال مالك : إن الصلاة في المسجد النبوي كمائتي ألف صلاة في غيره ، واحتج بحديث دعاء البركة للمدينة المنورة لأنه لما كانت في المدينة ضِعفاً في سائر الأشياء يكون ضعفاً في فضل الصلاة أيضاً ، ولكن الجمهور على أن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي ، ثم الفضل للمسجد النبوي بل هو مقتصر على البقعة التي كانت في عهده أم متعد إلى ما زاد فيها عمر وعثمان وغيرهما ، واختار العيني في شرح البخاري أن الفضل غير مقتصر على ما كان من البقعة في عهده لأن المذكور في الحديث : < الصلاة في مسجدي هذا > إلخ اجتمع الإشارة والتسمية ، وفي الهداية أن المسمى والمشار إليه ، لو كانا من جنس واحد فالاعتبار للمشار إليه وإذا كانا من نوعين فالاعتبار للمسمى ، وفيما نحن فيه تعدد الأنواع فيكون الاعتبار للتسمية أي مسجدي فما صدق عليه لفظاً المسجد النبوي يكون فيه فضل الصلاة ، ثم اتحاد الأنواع وتعددها عند الفقهاء باتحاد
(1/381)
الأحكام وتعددها ، ثم ذكر
ج1ص326
الطحاوي أن الفضل في ثلاثة مساجد فضل الصلاة المكتوبة ، لأن التطوع مستحبة في البيت لما في أذان الهداية ، وفي ابن ماجه رواية : < إن الصلاة في مسجدي كخمسين ألف صلاة > فخالفه ما في حديث الباب فيراجع لفظه فإنه فيما إذا سافر لذلك ، ومن المعلوم أن متفردات ابن ماجه قلما تصح ، فالله أعلم .
قوله : ( لا تشدوا الرحال الخ ) اختار ابن تيمية أن السفر لزيارة قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المبارك غير جائز بل يريد السفر إلى المسجد النبوي ثم إذا بلغ المدينة يستحب له زيارة القبر المبارك ، وقال باستحباب زيارة القبور الملحقة للمكان لثبوت زيارة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جنة البقيع وغيرها ، ولقد أخطأ الناقلون في نقل مذهب ابن تيمية كما قال ابن عابدين : إن تيمية يمنع من الارتحال وشد الرحال إلى زيارة القبر الشريف ويجوز السفر المحض للزيارة ، ووافق ابن تيمية في هذه المسألة أربعة من المتقدمين ومنهم الجويني والد إمام الحرمين ، وابتلي ابن تيمية بالبلايا والشدائد حين اختيار هذه المسألة ، وصنف تقي الدين السبكي رسالة في رد ابن تيمية وسماها شفاء السقام في زيارة خير الأنام وما وجدت فيها شيئاً جديداً وطريّاً وتصدى إلى تقوية الضعاف ، ثم صنف ابن عبد الهادي في الرد على السبكي وسماه الصارم المنكي على نحر السبكي وقد أجاد في تصنيفه ثم رد ابن علاّن على ابن عبد الهادي وسماه المبرد المبكي على الصارم المنكي ، وتطرق التصنيف من الطرفين ، ومذهب جمهور الأئمة أن زيارة القبر الشريف جائزة ومن أعلى القربات وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة مختلفة ، وأحسنها ما ذكر الحافظان في شرح البخاري ، وأتيا بالرواية أخرجها أحمد في مسنده : < لا تشدُّ الرِّحال إلى مسجد ليصلى فيه إلا إلى ثلاثة مساجد > ، وأما دليل الجمهور في المسألة فهو ثبوت سفر السلف الصالحين إلى الروضة المنيفة تواتراً
(1/382)
، وإما أجاب عنه ابن تيمية وتبعه بالجواب الشافي ، وأما قول : إنهم أرادوا السفر إلى المسجد النبوي وما أرادوا السفر لزيارة الروضة المطهرة فقول مصنوع ، فإنه لو كان الغرض السفر لإرادة المسجد النبوي لارتحلوا إلى المسجد الأقصى أيضاً كارتحالهم إلى المسجد النبوي ، فالحاصل أنه لم يأت على الجواب الشافي .
ج1ص327
( مسألة ) : السفر لزيارة قبور الأولياء كما هو معمول أهل العصر لا بد من النقل عليه من صاحب الشريعة أو صاحب المذهب أو المشائخ ، ولا يجوز قياس زيارتها على زيارة القبور الملحقة بالبلدة فإنه لا سفر فيها .
*2*باب ما جاء في المشي إلى المسجد
باب ما جاء في المشي إلى المسجد
(1/383)
- الحديث رقم: 327
قوله : ( ما أدركتم فصلوا . . إلخ ) اختلف أهل المذهبين فيما يقضي المسبوق بعد الفراغ عن صلاة الإمام ، فأكثر الحجازيين على أن ما أدرك مع إمامه أول صلاته ، وما يأتي به بعد فراغ الإمام آخر صلاته وأخذوا بالترتيب الحسي ، والعراقيون على أن المدرك ما يأتي مع إمامه آخر صلاته ، وما يأتي به بعد فراغ الإمام أول صلاته ، وكذلك اختلف الصحابة أيضاً ، ومذهب ابن مسعود مذهب العراقيين ، فتمسك الحجازيون بلفظ : < ما فاتكم فأتموا > وتمسك العراقيون بما في الحديث : < وما فاتكم فاقضوا > أقول : لا تمسك لأحد في الحديث ، فإن القضاء يطلق على الأداء وبالعكس أيضاً ، وينبغي إحالة المسألة إلى مدارك الاجتهاد ، ويمكن ما أخرجه أبو داود ص ( 74 ) في سننه عن معاذ < أن الصحابة كانوا إذا يسبقون فيأتون أولاً بما سبقوا ثم يلحقون بإمامهم ، ثم يوماً دخل معاذ ، مع الإمام وقضى ما سبق بعده فقال عليه الصلاة والسلام بسنة معاذ إلخ فإنه يدل على أن الذي يأتون به بعد فراغ الإمام هو الذي كانوا يأتون به أولاً فيكون المسبوق قاضياً لا مؤدياً ، فنصوص الشريعة تؤيد الأحناف إن شاء الله تعالى .
ج1ص328
( اطلاع ) قال أبو عمر المالكي : إن محمد بن حسن موافق للحجازيين في مسألة الباب ، أقول : ما وجدت من محمد في عامة كتبنا ، ولعله تبع شيخه مالك بن أنس في هذه المسألة كما تبعه في بعض المسائل الأخر والله أعلم .
*2*باب ما جاء في القعود في المسجد وانتظار الصلاة من الفضل
باب ما جاء في القعود في المسجد وانتظار الصلاة من الفضل
(1/384)
- الحديث رقم: 330
إني متردد في مراد الحديث والمشهور هو انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد ووجه ترددي أنه لو كان المراد هذا لوجدنا عمل السلف بهذا الصنع ، فإن الفعل مشتمل على فضل عظيم فكيف تركه السلف وما وجدنا جماعة منهم تفعل هكذا؟ وبعض ما يتعلق بحديث الباب في دفع ترددي مر سابقاً لكنه لا يجدي .
قوله : ( ما لم يحدث ) لا يفهم من الحديث حال الملائكة بعد الحدث في المسجد أيقطعون الدعاء ، أم يأخذون في الدعاء عليه؟ وظني لعلهم يدعون عليه لأن إخراج الريح في المسجد مكروه تحريماً .
ج1ص329
*2*باب ما جاء في الصلاة على الخمرة
باب ما جاء في الصلاة على الخمرة
(1/385)
- الحديث رقم: 331
واعلم أن بين الخمرة والحصير فرقاً لغة ، فإن الخمرة ما يكون سداه ، والحصير ما يتخذ من خوص النخل ، وأما الفرق في الحكم الشرعي فلا ، قال الزهاد والعباد : لم يثبت صلاته عليه الصلاة والسلام المكتوبة على الخمرة وثبت التطوع والله أعلم ، وتصح المكتوبة على الخمرة والحصير وغيرهما عند الثلاثة ، وقال مالك : لا تجوز المكتوبة إلا على الأرض أو على جنسها ووسع في النوافل .
ج1ص330
*2*باب ما جاء في الصلاة على البسط
باب ما جاء في الصلاة على البسط
(1/386)
- الحديث رقم: 333
معنى البساط ( ب هونا ) قوله : ( يا أبا عمير ) هذا كنيته ، وأما اسمه فحفص وما عاش إلا قليلاً ، وحديث الباب سيفيدنا في أن حرم المدينة ليس كحرم مكة كما استفاد الطحاوي من حديث الباب بأن أبا عمير أخذ النغير من حرم المدينة .
ج1ص331
*2*باب ما جاء في سترة المصلي
باب ما جاء في سترة المصلي
(1/387)
- الحديث رقم: 335
مذهب الثلاثة أن سترة الإمام سترة من خلفه ونسب إلى مالك بن أنس خلافه ، من صلى في الصحراء ينبغي له السترة ، ولم يقل أحد بالوجوب من الأربعة ، وقال بعض العلماء بالوجوب .
قوله : ( مؤخرة الرجل ) في هذه اللغة أربعة لغات مؤخرة بلا تشديد ، ومؤخِّرة بالتشديد . وكسر الخاء أو فتحها ، وآخرة ، ونقح الفقهاء الحنفية وقالوا : تكون السترة قدر الذراع طولاً وقدر المسبحة غلظاً ، وذكر ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام : أن في المصلي والمار أربعة صور ؛ إحداها : أن يكون لهما مناص ثم مر المار بين يديه ، فالمصلي والمار آثم ، وإن لم يكن لأحدهما مناص فلا إثم على أحد ، وإن كان لأحدهما مناصاً فالإثم على من له مناص ، فإن كان للمصلي مناص من أن يصلي ثمة فهو آثم ، وإن كان للمار مناص أن لا يمر ثمة فالإثم عليه ، وذكر المحقق في الحلية كلام ابن دقيق العيد وسكت لعله رضي به ، وهل يجب غرز السترة أم يكفي الوضع؟ أقول الوضع كاف لما سيأتي من الصلاة إلى الراحلة ، وأما إذا لم يجد السترة فيخط شبيه الهلال لما في فتح القدير عن الصاحبين خلافاً لما في الهداية ، وله حديث متكلم في سنده أخرجه أبو داود وحسنه البعض أيضاً ، وأما إرخاء الثوب أو المنديل بين يدي المصلي ليمر الآخر فلعله يعصم عن الإثم ، ويجوز لأحد أن يجلس الآخر بين يدي المصلي جاعلاً ظهره إلى وجه المصلي ليمر هو وإن لم يجد السترة ففي مرور المار ثلاثة أقوال : أحدها أن يمر من خارج ما إذا نظر المصلي إلى مسجده يقع عليه نظره اختاره ابن همام ، ويجب الاحتياط في المرور من تلقاء وجه المصلي فإن الوعيد في المرور بين يدي المصلي عظيم ، وفي مشكل الآثار يجوز للطائف المرور بين يدي المصلي لأن الطائف في حكم المصلي ، واحتج بحديث .
(1/388)
وأما نكتة السترة فقال ابن همام : إن السترة لربط الخيال ، وأقول : إن حكمتها مذكورة في نص الحديث وهي أن المصلي بينه وبين معهوده وصلة ومواجهة فمن مر قطع المواجهة ، وإذا أقام السترة صارت المواجهة محدودة .
ج1ص332
*2*باب كراهية المرور بين يدي المصلي
باب كراهية المرور بين يدي المصلي
(1/389)
- الحديث رقم: 336
ورد الوعيد في المرور بين يدي المصلى كثيراً ، فإنه أخرج أبو داود : أن رجلاً مر بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك ويصلي هو وأصحابه فشل رجلاه لدعائه عليه الصلاة والسلام ، والحال أن دعاءه عليه الصلاة والسلام على الناس قليل ، أقل وقد كان دعا : < اللهم من دعوت على أحد ولم يكن ذلك لائقاً به اجعله في حقه رحمة > فعلم وعيد المرور .
قوله : ( قال لا أدري ) قال الحافظ : صرح الراوي في مسند البزار بأربعين خريفاً فتعين التميز ، ووجدت رواية فيها ذكر مائة سنة .
ج1ص333
*2*باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة شيء
باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة شيء
(1/390)
- الحديث رقم: 337
واقعة الباب واقعة حجة الوداع المذكور سابقاً كان حكم الإثم ، والآن حكم قطع الصلاة وروى الترمذي وغيره انقطاع الصلاة بمرور الكلب الأسود لا الحمار والمرأة ، ولا يقطعها شيء عند الثلاثة ، واختلفوا في وجود السترة في واقعة الباب فرأى البخاري وجودها في واقعة الباب ، وزعم البيهقي عدمها في واقعة الباب كما سأذكره في البخاري إن شاء الله تعالى .
*2*باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة
باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة
ج1ص334
(1/391)
- الحديث رقم: 338
قوله : ( في نفسي شيء ) لأن حديث قطع الصلاة بالمرأة والحمار يعارضه حديث نوم عائشة بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحديث ابن عباس ، وأما حديث قطعها بمرور الكلب فلا معارض له ، ثم لما كان حديث الباب خلاف الأئمة الثلاثة تأول الناس بأن المراد من القطع قطع الخشوع ، وأقول : إن المراد من القطع قطع الوصلة التي أخبر الشارع بها الغائبة منا ، ولأن القطع إنما يكون في المتصل وهو الوصلة ، وأقول : إن حديث نوم عائشة لا يعارض حديث الباب فإنها كانت لا تمر والحديث في المرور ، وأما النكات فوجه القطع بالكلب الأسود والحمار والمرأة أن في الحديث أن : < الكلب الأسود شيطان > وفي الحديث : < إذا نهق الحمار يرى الشيطان > وفي الحديث : < إن النساء حبائل الشيطان > فلكل من الثلاثة تعلق بالشيطان .
( ف ) وفي الدر المنثور ص ( 184 ) : أن الكلب والحمار لا يسبحان الله تعالى ، والله أعلم .
*2*باب ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد
باب ما جاء في الصلاة في الثوب الواحد
(1/392)
- الحديث رقم: 339
حاصل الباب كما قال الطحاوي أن غرض الشارع أن لا يبقى الثوب مهملاً ، فإذا كان أوسع يتوشح ويسمى بالمخالفة بين الطرفين والالتحاف والاشتمال وإن كان وسيعاً فيعقد على القفا وإلا فيتزر ، ثم صرح الأحناف أن اشتمال الصَّمَّاء أي اشتمال اليهود في الثوب الواحد مكروه ، ولا بأس به في الثوبين ، لما في أبي داود ص112 عن وائل بن حجر : أنه عليه الصلاة والسلام كبر ورفع اليدين في داخل الثوب ثم التحف إلخ ، وقال أحمد بن حنبل : تبطل الصلاة بكشف أحد المنكبين إذا كان الثوب وسيعاً يمكن ستر أحدهما .
ج1ص335
( واعلم ) أن الصلاة في ثلاثة أثواب مستحبة عندنا ؛ الرداء والإزار والعمامة ، ولا تكره ولو تنزيهاً بدون العمامة وإن كان إماماً .
*2*باب ما جاء في ابتداء القبلة
باب ما جاء في ابتداء القبلة
(1/393)
- الحديث رقم: 340
المشهور في الكتب بيت المقدس بكسر الأول من باب المجرد ، واختلف العلماء في نسخ القبلة ، قيل : وقع مرتين ، وقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى بيت الله في مكة ، ثم نسخت القبلة وانحرفت إلى بيت المقدس في المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً ثم نسخت ، وجعلت القبلة بيت الله ، وقيل : إن النسخ وقع مرة ، وقالوا : إن القبلة في مكة بيت المقدس ، وكان مأموراً باستقباله وكان يستقبل بيت الله بطوعه ، وللطائفة الثانية رواية قوية عن ابن عباس وأنه عليه الصلاة والسلام كان يعمل بعمل أهل الكتاب قبل نزول الشريعة الغراء كما في البخاري ، ويدل عليه كثير من الأحاديث ولكنه يرد على الطائفة الثانية ما في بعض طرق حديث إمامة جبرائيل أنه أمه عليه الصلاة والسلام عند مقام إبراهيم وفي مقام إبراهيم لا يمكن التوجه إلى البيتين وما وجدت أحداً توجه إلى هذا .
قوله : ( تقلب وجهك في السماء إلخ ) كان التفاته عليه الصلاة والسلام إلى السماء ، لضرورة فيكون مستثنى من ما في مسلم النهي عن النظر إلى السماء ، وأما موضع تحويل القبلة فقيل المسجد النبوي ، ولكن التحقيق أنه مسجد القبلتين ، وانحرف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيت المقدس إلى بيت الله في الصلاة وبدل موضعه وكذلك الصحابة أيضاً ، وللسيوطي فيه كلام ذكره في روح المعاني ، وقال الحافظ برهان الدين الحلبي الشافعي في شرحه له على البخاري : إن التحويل كان في حالة ركوعه عليه الصلاة والسلام في الثالثة .
ج1ص336
قوله : ( فصلى رجل معه العصر ) أي في المسجد النبوي بعدما وقع التحويل في الظهر في مسجد القبلتين .
(1/394)
قوله : ( على قوم من الأنصار ) في مسجد بني عبد الأشهل ، والرجل المار كان عباد بن بشر وهو الذي أخبر أهل مسجد قبا أيضاً بتحويل القبلة ، ثم في كتب السير : أن أول صلاة وقع التحويل فيها صلاة الظهر ، وفي الصحيحين أنها صلاة العصر ، فقال المحدثون في جمعهما : بأن التحويل وقع في وسط صلاة الظهر ، وأول صلاةٍ صليت بتمامها نحو بيت الله العصر فلا تدافع ، ثم اعلم أن في رواية الباب : مر رجل على قوم من الأنصار في صلاة العصر إلخ ، وفي رواية صلاة الصبح وجمعوا بينهما بأن واقعة العصر واقعة مسجد بني عبد الأشهل ، وواقعة الصبح واقعة مسجد قبا .
(1/395)
واعلم أن في حديث الباب إشكالاً من حيث الأصول ، وهو أن المشهور القاطع لا ينسخ بخبر الواحد ، وكان أهل مسجد بني عبد الأشهل ومسجد قبا بلغهم استقبال بيت المقدس بالتواتر وقد تركوه بخبر رجل ، وقال زين الدين العراقي مجيباً : إن خبر الواحد في عهده عليه الصلاة والسلام مفيد القطع ، والجواب عندي أن خبر الواحد قاطع إذا كان مؤيداً بالقرائن ، وكثيراً ما يوجد العلم القطعي كما نشاهده في عرفنا ، ولذا أقول : إن أحاديث الصحيحين تفيد العلم القاطع ، ولكن لا بحيث لا يزول بتشكيك المشكك كما قال أبو عمرو بن الصلاح وغيره من بعض العلماء إلا شاذها ونادرها مثل حديث ثمن البعير ، في ليلة البعير وهكذا يفعل من يكون له تجربة في أحوال رواة الأحاديث ، وهاهنا إشكال آخر وهو أن مذهب الجمهور أن العمل بالناسخ موقوف على تبليغه أحداً من المكلفين ، وقال البعض : لا حاجة إلى تبليغه أحداً بل يكفي نزوله على الشارع ، في واقعة الباب عمل أهل مسجد قبا بالمنسوخ في صلاة العصر والمغرب والعشاء ومع ذلك لم يؤمروا بالإعادة ، والجواب أن الضوابط يعمل بها بعد عهده عليه الصلاة والسلام ، وأما في عهده عليه الصلاة والسلام فيفعل الشارع كيف ما شاء ويفوض الأمر إليه ، ويدل على هذا كثير من الوقائع ، ويمكن أن يقال : إن العمل بما ذكر من
ج1ص337
الضابطة إنما يكون إذا لم يرد صاحب الشريعة بنفسه إرسال رسول إليهم وإذا أراد هذا فيكونون مأمورين إذا بلغهم أمر صاحب الشريعة ، وفي واقعة الباب أراد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إخبارهم لما في سنن الدارقطني أنه : أرسل الرجل بنفسه وأمره بإخباره بتحويل القبلة ، فانحل الإشكال .
*2*باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة
باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة
(1/396)
- الحديث رقم: 342
اختلفوا في مراد الحديث ، ومراده الصحيح أنه خطاب لأهل المدينة ومن على سمتها ، وقال بعض الناس : إن الحديث لأهل الشرق ومعنى الحديث أن بين مشرق الشتاء ومغرب الصيف وبين مغرب الشتاء ومشرق الصيف قبلة ، لكن هذا التأويل لا يساعده الحديث وكان حق العبارة على هذا أن ما بين المشرقين والمغربين قبلة وقيل : إن بين المشرق والمغرب قبلة أي إذا جعل المشرق خلفه والمغرب أمامه فيكون في الحديث ذكر قبلة أهل الشرق ، وهذا أيضاً خلاف الحديث والصحيح شرحاً ما ذكر كما يدل عليه لفظ ابن عمر .
ج1ص338
قوله : ( قال ابن المبارك ) تأول بعض المتكلمين في الحديث بالمذكور سابقاً أي يكون المشرق خلفه والمغرب أمامه وجعلوه موافقاً لقول ابن المبارك ، والحديث على مراده الصحيح ويتأول في قول ابن المبارك بأن المراد من أهل الشرق الذين بالشرق الشمالي .
قوله : ( التياسر لأهل مَرُو ) أي الانحراف إلى جانب اليسار ، ومرُو بلدة ابن المبارك .
تنبيه : واعلم أن الاعتبار في المواجهة يكون للجانب الأبعد من القبلة كما في الخطط والآثار .
*2*باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم
باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم
المسألة صحيحة مسلمة عند الكل والحديث ساقط السند .
(1/397)
- الحديث رقم: 345
قوله : ( أينما تولوا فثم وجه الله ) إلخ في تفسير الآية ثلاثة أوجه : لأنها إما في المصلين في ليلة مظلمة ، وإما في حق المتحري للقبلة ، وإما في المتنفل على الدابة .
ج1ص339
*2*باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه
باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه
(1/398)
- الحديث رقم: 346
قوله : ( المقرئ ) وليعلم أن المُقْرِيْ غير المقريّ منسوباً إلى بلدة القري وهو مضبوطة الحافظ وضبطه في معجم البلدان وراو آخر مقريّ ، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي : إن رسم خط اللفظ عند المحدثين بالألف أي المقراي ، فلا يختلط في الألفاظ ، ويجب تمييز كل واحد من الآخر لمن يشتغل في الأحاديث فإن بعض المحدثين سحبوا حديث : < من كذب عليَّ متعمداً > إلخ على من يخطأ في عبارة الحديث ، كما قال العيني في عمدة القاري وكذلك يصدق الحديث على من يذكر الأحاديث في المواعظ رطبها ويابسها ولا يبالي ، وذكر الشيخ شمس الدين السخاوي : إن سيبويه أخذ في علم الحديث عند حماد بن سلمة فلما بلغ على حديث : < من قاء أو رعف > إلخ قرأ رعف مجهولاً ، وكان الصحيح معلوماً ، قال حماد بن سلمة : قم من عندنا ، وأخرجه من درسه فذهب سيبويه عند الخليل لتحصيل النحو والعلوم الأدبية ثم لم يرجع إلى تحصيل الحديث ، ومات سيبويه وهو ابن أربعة وثلاثين سنة .
قوله : ( فوق ظهر بيت الله ) إلخ وذكر الأحناف وجه العلة بأن الصلاة فوق ظهر بيت الله يوجب سوء الأدب ، وهذا التعليل يقتصر على بيت الله فقط ، وتجوز الصلاة على غيره من المساجد وحديث الباب تكلم فيه الترمذي ، وتكره الصلاة عندنا أيضاً في المواضع المذكورة ، ويمكن أن يقال بصحة الحديث لإخراجه ابن السكن في صحيحه ، وهو التزم صحة ما أخرجه في صحيحه .
ج1ص340
قوله : ( عبد اللّه بن عمر العمري ) ضعفه الترمذي تبعاً للبخاري ، والبعض حسنوا روايته وهم كثير ، وعندي أنه من رواة الحسان ، وفي الميزان أنه إذا روى عن نافع فهو ثقة ، وكذلك قال ابن معين الذي أشد الرجال في حق الرجال ، وتقوية عبد اللّه العمري يفيدنا في بحث حديث ذي اليدين .
(1/399)
قوله : ( من حديث الليث بن سعد ) إلخ قد أخطأ الشوكاني في نيل الأوطار في هذه العبارة ، وقلبها وجعل ( مِن ) بيانية ، والحال أنها ليست ببيانية ، وفي نسخة ابن ماجه في سند حديث الباب سهو .
*2*باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل
باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل
(1/400)



 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:15 AM   #14
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 348
الضأن ( ميش ) ، والمعز ( بز ) ، الغنم ( گوسپذ ) أي الغنم أعم منهما .
حديث الباب قوي ، ومضمونه مروي في الصحيحين أيضاً وتمسك الموالك بحديث الباب على طهارة أبوال ما يؤكل لحمه وأزباله ، وأطنب الشافعي في الحديث ، وقال : إن الإبل مع كونه ما يؤكل لحمه ينهى عن الصلاة في أعطانها ، فالوجه أنه حيوان شرير بخلاف الغنم ، وقال الجمهور : إنكم أخذتم من اللازم من الحديث وليس بصريح ونص لكم ، أقول : لا ريب في أن تمسك
ج1ص341
الموالك قوي ، فلا بد من الجواب ، فأجيب بالوجهين : أحدهما : ما ذكره الشارحون والمحشُّون . ومأخذه ما أجاب الشافعي في كتاب الأم ، وفي ضمن كلام الشافعي أن العرب كانوا يسطحون مرابض الغنم لا أعطان الإبل ، وإن الصلاة في ناحية المربض يطلق عليها الصلاة ، وأن المرابض كانت تنظف بخلاف الأعطان .
(1/401)
والوجه الثاني : ما ذكر ابن حزم أن حكم الصلاة في مرابض الغنم كان ثم نسخ ، وكان الحكم حين لم تكن المساجد مبنية . وفي أبي داود وحديث أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتنظيف المساجد بسند قوي ، وعندي قرائن دالة على ما قال ابن حزم منهما ما أخرجه البخاري في صحيحه ص ( 60 ) أن هذه الواقعة قبل أن تبنى المساجد ، وعندي هذا الحديث المختصر اختصر من الحديث اللاحق في ص ( 61 ) : < أنه كان يجب أن يصلي حيث أدركته الصلاة > إلخ ، فدل على أن الاعتناء كان لموضع أدركته الصلاة فيه ، وأيضاً كانت أرض المدنية ذات جمرات ، وكانوا يسطحون مرابض الغنم ، فكان المربض أولى بأداء الصلاة ، ويدل ما في معاني الآثار ص ( 224 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم ومعاطن > إلخ أن الصلاة في مرابض الغنم عند عدم وجدان أرض غيرها ، وفي موطأ محمد ص ( 124 ) عن أبي هريرة : < أحسن مرابض الغنم وأطب مراحها وصلِّ في ناحيتها > إلخ ، فدل على الصلاة في ناحية المربض ورفعه ، ولكن الوقف صواب ، والله أعلم بالصواب .
ج1ص342
*2*باب ما جاء في الصلاة على الدابة حيث ما توجهت به
باب ما جاء في الصلاة على الدابة حيث ما توجهت به
(1/402)
- الحديث رقم: 351
تجوز النافلة على الدابة عند الكل في خارج البلدة ، وقال أبو يوسف بجوازها على الدابة في داخل البلدة أيضاً ، ثم قال الشافعية يجب استقبال القبلة ابتداء الصلاة ، أي عند التحريمة وعندنا غير واجب بل مستحب ، وأما المكتوبة فلا تجوز على الدابة نعم تجوز للخائف المطلوب ولا تجوز للطالب .
مسألة : العجلة ذات القوائم الأربعة كالأرض تجوز النافلة والمكتوبة عليها ، وأما ذات قائمتين فإن كانت مربوطه بالفرس فحكمها حكم الدابة وإن كانت غير مربوطة بها فرسها ولها ما تقوم مقام القائمة الثالثة فحكمها حكم الأرض .
*2*باب ما جاء في الصلاة إلى الراحلة
باب ما جاء في الصلاة إلى الراحلة
(1/403)
- الحديث رقم: 352
أي يجعلها سترة ، وتاء الراحلة ليست تاء التأنيث بل تاء النقل ، وكان ابن قتيبة الدينوري لا يجوز إطلاق الدابة على المذكر ، فدل على أن التاء تاء التأنيث ، ولكن الصواب ما قال الجمهور .
ج1ص343
*2*باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء
باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء
(1/404)
- الحديث رقم: 353
قال أبو حنيفة : لأن يكون طعامي كله صلاة أحب إلي من أن تكون صلاتي كلها طعاماً ، وحضور الطعام من أعذار ترك الجماعة والتفصيل في الفقه وفي مشكل الآثار قيد صلاة المغرب والصائم في متن الحديث فضيق الأمر .
( حكاية ) كان علي بن شداد يصلي بالجماعة بإدراك التحريمة إلى خمسة وعشرين سنة ، واتفق له يوم موت أمه فشغل في تجهيزها وتكفينها وفاتته الجماعة فتأسف عليها فصلى أربعة وعشرين نفلاً ، فرأى في المنام يقول رجل صليت النوافل بدل الجماعة لكنك ما أحرزت ثواب التحريمة .

ج1ص344
*2*باب ما جاء في الصلاة عند النعاس
باب ما جاء في الصلاة عند النعاس
النوم ما يتعلق بالقلب ، والنعاس ما يتعلق بالرأس ، والسِنَة ما يتعلق بالعينين .
(1/405)
- الحديث رقم: 355
قوله : ( فيسب نفسه ) قيل : السب بأن يقرأ غير ما يريد ، وقيل : السب حقيقة عدم المرضاة بالصلاة ، فإنه يضطرب قلبه ، ويقول في أية كلفة ألقيت فليسب نفسه ، وقال العلماء : إن هذا الحكم في النافلة ، وأما الفريضة فيأتي بها بحمل المشقة على النفس .
ج1ص345
*2*باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء
باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء
(1/406)
- الحديث رقم: 357
الحاقن من أمسك البول والحاقب من أمسك الغائط .
واعلم أن حديث الباب أشكل على العلماء فإنه ينهى من أن يخص نفسه بالدعاء ، والحال أن الأدعية الواردة في الأحاديث داخل الصلاة وخارجها مروية بصيغ المتكلم الواحد إلا شاذاً مثل دعاء الاستسقاء حين جاء رجل والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب وقال : هلك المال وجاع العيال . . إلخ ، وإلا دعاء القنوت الذي هو مختارنا من اللهم إنا نستعينك . . إلخ ، فكيف حكم حديث الباب بأن لا يخص الإمام نفسه بالدعاء؟ فقال جماعة من المحدثين : إن حديث الباب موضوع متأثراً من هذا الإشكال ، وأقول : لا يمكن حكم الوضع على حديث الباب أصلاً ، ثم قال متأول : إن مراد الحديث أن لا يدعو لنفسه ويدعو على غيره أي لضرر الغير . أقول : إنه لا يعبأ بهذا القول : وقيل : إن مصداق حديث الباب الأدعية التي بصيغ المتكلم مع الغير من أدعية القرآن العظيم ودعاء الاستسقاء وغيرها ويكون المقتدي شريكاً في تلك الأدعية لا الأدعية التي يأتي بها منفرداً وبنفسه .
(1/407)
وليعلم أن الدعاء المعمول في زماننا من الدعاء بعد الفريضة رافعين أيديهم على الهيأة الكذائية لم تكن المواظبة عليه في عهده عليه الصلاة والسلام ، نعم الأدعية بعد الفريضة ثابتة كثيراً بلا رفع اليدين وبدون الاجتماع وثبوتها متواتر ، وثبت الدعاء مجتمعاً مع رفع اليدين بعد النافلة في واقعتين أحدهما ما في بيت أم سليم حين صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السبحة ودعا لأنس ، وأما ما في كتاب الاعتصام والسنة للشاطبي عن مالك أنه بدعة فمراده أنه لم يستمر هذا العمل في العهد المبارك وليس غرض حكم عدم الجواز عليه وقال بعض الأحناف من أهل العصر : إن رفع اليدين لما ثبت في المواضع الأخر يعدى إلى الدعاء بعد المكتوبة أيضاً واستدل بالعموم ، أقول : لا ريب في ثبوت رفع اليدين في الأدعية في غير المكتوبة ، ولكن الاحتجاج بالعموم الإطلاق إنما يكون فيما لم يرد حكمه الخاص ويمكن فيه ما في الترمذي ص ( 51 ) : < وتقنع يديك أي ترفعهما إلى ربك مستقبلاً ببطونهما > إلخ ولكنه ليس بدال على تمام الهيأة الكذائية ، وقال ابن قيم في الزاد : إن هذا بدعة ، ونوقش فحاصل الكلام في
ج1ص346
حديث الباب أن مصداق ما فيه الأدعية الواردة بصيغ المتكلم مع الغير مثل دعاء القنوت وغيره .
قوله : ( حتى يستأذن . . إلخ ) من نظر إلى بيت رجل بلا إجازة فجرحه أهل البيت أو قتله فهل يقتص أو يؤدي أم لا فمذكور في موضعه .
*2*باب ما جاء فيمن أم قوما وهم له كارهون
باب ما جاء فيمن أم قوماً وهم له كارهون
(1/408)
- الحديث رقم: 358
حاصل المسألة كما قال الفقهاء : إن باعث الكراهة الشرعية إن كان من جانب الإمام فالإثم عليه ، وإن كان من جانب القوم فالإثم عليهم لا على الإمام .
ج1ص347
قوله : ( والعبد الآبق . . إلخ ) أكثر العلماء أو كلهم على أن المراد عدم وقوع صلاته في حيز مرضاة الله تعالى لا بطلانها .
*2*باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا
باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعداً فصلوا قعوداً
(1/409)
- الحديث رقم: 361
قال مالك : لو قعد الإمام بعذر والقوم قادر على القيام لا تصح صلواتهم خلفه ، ويطلبون إماماً آخر إلا أن يكون كلهم مرضى فصلوا قاعدين ، وقال أحمد بن حنبل : يجب قعود القوم ، ثم قال الحنابلة : إن كان الإمام قائماً في ابتداء الصلاة ولحقه القعود في داخلها يبقى القوم قائماً ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ووافقهم البخاري : يجوز اقتداء القائم خلف القاعد ولا يجوز لهم القعود ، وقال العلماء : الأقرب إلى ذخيرة الحديث قول أحمد بن حنبل .
قوله : ( خرَّ رسول الله . . إلخ ) قالوا : إن واقعة سقوطه عليه الصلاة والسلام من الفرس واقعة
ج1ص348
(1/410)
السنة الخامسة ، وقام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في واقعة الباب في المشربة وكان يصلي ثمة ولا يذكر الرواة من كان إمام المسجد النبوي في واقعة الباب ، ويدل ما في أبي داود ص ( 89 ) وما في مسند أحمد على تعدد الواقعتين في أيام السقوط عن الفرس واقعة صلاته عليه الصلاة والسلام النافلة واقعة صلاته عليه الصلاة والسلام المكتوبة وأمره عليه الصلاة والسلام بالقعود في واقعة المكتوبة وكانوا قائمين في واقعة السبحة . وتمسك الحنابلة بحديث الباب على مذهبهم ، وأجاب الأحناف والشوافع بأن حديث الباب منسوخ والناسخ واقعة مرض الموت ، وقيل تأويلاً : إن مراد حديث الباب أن يقعدوا في القعدة إذا قعد الإمام فيها وقال ابن دقيق العيد : لو كان المراد ما قالوا لكان حق العبارة إذا قعد فاقعدوا بدون ذكر الصلاة وأيضاً مفسر الحديث واقعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأما الجواب الأول فأجاب عنه الحنابلة بأن واقعة مرض الموت ليس بحجة لكم علينا فإن القعود فيه كان طارئاً في خلال الصلاة . ولنا أن نقول : إن ما فصلتم من الفرق بين القعود أولاً والقعود طارئاً هو مزعومكم وليس نص الشارع دالاً عليه ، وكنت أزعم يمكن الجواب بأن واقعة الباب لعل واقعة النافلة ، وفي النافلة يجوز القيام والقعود ، وإذا كان الأمران جائزين في النافلة فالمرغوب القعود لأن فيه تشاكل الإمام والمقتدي ، ويؤيده ما في قاضيخان في التراويح أن قيام القوم وقعود الإمام في التراويح غير مرضي ، ويطلب القوم إماماً قادراً على القيام فدل على مرغوبية التشاكل ، ثم رأيت عن ابن قاسم تلميذ مالك أن واقعة الباب واقعة النافلة ، وإن أورد ما في أبي داود ومسند أحمد فأقول : إن المذكور فيه أن صلاته عليه الصلاة والسلام كانت مكتوبة لا إن كانت صلاتهم أيضاً كذا بل لعلهم كانوا متنفلين ، ولعلهم صلوا أولاً في المسجد النبوي فريضة ثم أتوا عنده عليه الصلاة والسلام
(1/411)
لعيادته ، ومن البداهة أن المسجد النبوي لم يكن مهملاً عن الصلاة فيه ولكن هذا المذكور أيضاً احتمال ولا يشفي ما في الصدور ، والمسألة طويلة الذيل وعجز الحافظ واستقر في الآخرة على أن المفهوم من ذخيرة الحديث استحباب القعود عند قعود الإمام ولا يخرج الوجوب ، وذكر وجهه أن عطاءً روى مرسلاً أنه عليه الصلاة والسلام قال بعد الفراغ عن صلاة واقعة مرض الموت : < لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً > إلخ فدل على استحباب القعود ، أقول : فيه نظر ، فإن قوله عليه الصلاة والسلام هذا بعد صلاة السقوط عن الفرس وقرائنه عندي موجودة منها رواية جمع الجوامع للسيوطي ، وأما دعوى الحافظ من استحباب القعود فعندي له وجه آخر وهو أن الالتفات الصميم إلى محض ذخيرة الحديث يدل على جواز القيام له وآكدية القعود فإنه عليه الصلاة والسلام قال في واقعة سقوطه عن الفرس في واقعة صلاته المكتوبة : < إنكم اخترتم فعل الفرس بعظمائهم > إلخ أخرجه أبو داود ص ( 96 ) . وهو الفعل قيام الدعية وقعود العظيم ثم ذخيرة
ج1ص349
الأحاديث لا يدل على فرق القيام والقعود في السبحة والفريضة ، وما من شيء يدل على كونهما دخيلتين ، فخرج من واقعة سقوطه عن الفرس آكدية القعود وجواز القيام ، وأما ادعاء النسخ أي نسخ الواقعة الأولى لسقوطه عن الفرس بالواقعة الثانية له فبعيد ، ثم أقول : إن الاحتياط لمذهب الجمهور فإن واقعتي السقوط دالتان على آكدية القعود لا وجوبه ، والخلاف في جواز الصلاة قاعداً عند الجمهور والبحث طويل الذيل .
قوله : ( إذا ركع فاركعوا ) اختلف أبو حنيفة وصاحباه قال يقارن المقتدي إمامه في الأفعال ، وقالا : يتعاقبه ، ويبقى العمل في زماننا على ما قال صاحباه ، واختلف أهل اللغة أن الفاء الداخلة على الجزاء تفيد التعقيب أم لا؟ ولو أفادته لكان الخارج من حديث الباب مذهبهما وإلا فلا .
(1/412)
قوله : ( إذا قال : سمع الله . . إلخ ) قال الشافعي والصاحبان : يجمع الإمام بين التحميد والتسميع وقال أبو حنيفة : يأتي بالتسميع فقط ، وفي رواية شاذة عنه الجمع له ، واختار الشاذة الحلواني والطحاوي ومحمد بن فضل الكماري والنسفي كما في عقود الجواهر ، وأقول : للمشهورة عن أبي حنيفة المشهور في الأحاديث والشاذة عنه ما في البخاري عن أبي هريرة جمعه عليه الصلاة والسلام في المكتوبة وهو إمام .
( اطلاع ) أخرج البخاري أنه عليه الصلاة والسلام سقط عن الفرس ، وآلى من نسائه ، وأقام في المشربة ، وذكر الحافظ في الفتح المجلد الثاني عن ابن حبان أن سقوطه عليه الصلاة والسلام عن الفرس في السنة بعد الهجرة ، ثم أطنب في المجلد الثامن أن إيلاءه عليه الصلاة والسلام كان في السنة التاسعة ، وظاهره يدل على أن مختار الحافظ وقوع سقوطه عليه الصلاة والسلام أيضاً في السنة التاسعة مشياً على ظاهر ما في البخاري ، وعندي أن واقعة السقوط في الخامسة كما قال ابن حبان ، وواقعة
ج1ص350
الإيلاء في التاسعة ، وإنما جمع الراوي بينهما لإقامة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الواقعتين بالمشربة ، ولي في هذه الدعوى قرائن وروايات ومنها في الوفاء للسمهودي أنه عليه الصلاة والسلام كان يمضي نهاره تحت شجرة الأراك على بير ويبيت في المشربة في أيام الإيلاء ، ولو كان الواقعتان في زمان واحد فكيف يذهب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحت شجرة الأراك ، فإنه كان يصلي في المشربة بسبب كلفة لحقته من السقوط عن الفرس ولا يصلي في المسجد النبوي ، فلا يتحقق قيامه نهاراً تحت شجرة الإراك في واقعة السقوط .
قوله : ( مالك بن أنس إلخ ) هذه الرواية عن مالك شاذة رواها وليد بن مسلم وأما المشهورة عن مالك فهي عدم اقتداء القائم خلف القاعد خلاف الجمهور .
*2*باب منه أيضا
باب منه أيضاً
(1/413)
- الحديث رقم: 362
واختلف الرواة في كونه عليه الصلاة والسلام إماماً أو مقتدياً ، ولو كان مقتدياً لا يصح تمسك الأحناف والشافعية على الحنابلة ولكن أكثر المحدثين إلى تعدد الواقعتين ، وهو الصواب ، وقال مولانا رشيد أحمد رحمه الله تعالى جامعاً بين الحديثين جاعلاً الواقعتين متحدة بأنه عليه الصلاة والسلام اقتدى أولاً ثم صار إماماً حين تأخر أبو بكر الصديق فذكر بعض الرواة أول حاله وبعضهم آخر حاله ، وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أخذ القراءة حيث ترك أبو بكر الصديق ويدل على عدم القراءة خلف الإمام ولا يصح على مذهب الشافعية ، وفي بعض الكتب أن أبا بكر الصديق كان فرغ عن الفاتحة وأخذ السورة وبعض مادة أخذه عليه الصلاة والسلام القراءة من حيث ترك الصديق الأكبر
ج1ص351
مذكورة في رسالتي خاتمة الكتاب في فاتحة الكتاب ص ( 206 ) أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس : < وأخذ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر > قال وكيع : وكذا السنة . . إلخ ، وكذلك أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس ص ( 231 ج1 ) وفي ص ( 355 ج1 ) وفي ص ( 256 ج1 ) ، ووجدت هذا الحديث في أحد عشر كتاباً .
*2*باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا
باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً
(1/414)
- الحديث رقم: 364
في كتبنا أن الناهض على الركعتين إن كان أقرب إلى القعود يجلس ولا يسجد للسهو ، وإلا قام وسجد للسهو ، وفسروا القرب إلى القعود أن يكون غير مرتفع من الركوع ، وإن ظاهر الرواية أن القرب إلى القعود أن لا يكون قائماً مستوياً ، ولو استوى فلا يرجع بل يسجد للسهو ، ولظاهر الرواية حديث ضعيف أيضاً ، قال الحنابلة : إن القعدة الأولى فريضة ، ولو تركها تجبر بسجدة السهو ، وهذا عين مرتبة الواجب عند الأحناف ولا فرق إلا في الألقاب .
ج1ص352
قوله : ( بحديث ابن أبي ليلى ) ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف لأنه لا يدري سقيمه ، وأما أبوه عبد الرحمن بن أبي ليلى فثقة وتابعي .
*2*باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين
باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين
(1/415)
- الحديث رقم: 366
قال البعض : إن المراد من الأوليين هي الأولى والثالثة ليدل الحديث على نفي جلسة الاستراحة ، مراد الحديث ما ذكره الترمذي ، وعندنا في الزيادة على التشهد في القعدة الأولى في الرباعية أقوال : في قول لزوم السجدة بلفظ اللهم ، وفي قول بلفظ اللهم صل على محمد ، واختاره فخر الدين الزيلعي ، وعندي يحول المسألة إلى رأي من ابتلي به ويسجد في مكث يحسه طولاً ، واستعمل الحديث في مدونة مالك في القيام بعد التسليم عن الصلاة ، أي لا يقعد بل يقوم إلى التطوع كأنه على الرضف ونقله عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والشيخين .
ج1ص353
قوله : ( كأنه على الرضف ) داعية مبالغة الراوي في حديث الباب لا أعلمها مع أني تتبعت كثيراً من الأحاديث ، فوالله أعلم .
*2*باب ما جاء في الإشارة في الصلاة
باب ما جاء في الإشارة في الصلاة
(1/416)
- الحديث رقم: 367
لا تفسد الصلاة عندنا بالإشارة لرد السلام أو غيره ولكنها مكروهة ، وفي بعض كتبنا فساد الصلاة بالمصافحة وعدم فسادها بالإشارة باليد لرد السلام ، وقال بعض : لا تكره الإشارة أيضاً واختاره شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه ذكره في فتح القدير ، والمفهوم من معاني الآثار ص ( 264 ) أنه عليه الصلاة والسلام كان يشير لرد السلام ، ثم صار منسوخاً مشمولاً بنسخ الكلام ، وقول الطحاوي : هذا ليس بعيد لأن الكلام في الصلاة والإشارة كانت جائزة فيها ثم نسخ الكلام فلعله منسحب على الإشارة أيضاً ، ولمَّا لم نعلم أن الإشارة التي نحن فيها قبل النسخ أو بعده فحمله على النسخ ورد على قرينة اتفاقاً ، ثم لو سلمنا الإشارة بعد النسخ فلعل الإشارة كانت لإخبار أني لا أردّ السلام لا في مصلي فلا تكون الإشارة إشارة رد السلام وأتى الطحاوي على هذا برواية ص ( 264 ) عن جابر ، ثم روى عن جابر موقوفاً أنه كان لا يرد السلام في الصلاة بل بعدها مثل المرفوع ولنا في كراهة الإشارة في الصلاة ما أخرجه أبو داود ص136 عن أبي هريرة بسند ضعيف .
ج1ص354
( ف ) : رد السلام بإشارة اليد في خارج الصلاة جائز بشرط أن يكون المسلم نائياً ، وبشرط أن يرد بلسانه أيضاً .
قوله : ( في مسجد بني عمرو بن عوف ) أي مسجد قبا .
*2*باب ما جاء أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء
باب ما جاء أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء
(1/417)
- الحديث رقم: 369
إذا سها الإمام أو عرضت حاجة فليسبح الرجال وتصفق النسوان .
التصفيق وهو ضرب أصبعي اليد اليمنى على ظهر اليسرى لا الضرب بين بطون اليد ، ومذهب الثلاثة ما ذكر ، وقال مالك : تسبح النسوان أيضاً ، وقالوا : مراد الحديث أن التصفيق في خارج الصلاة من عمل النساء يلعبن به فليس المذكور في الحديث الحكم الشرعي بل هو في محل الذم .

قوله : ( وهو يصلي سبح . . إلخ ) هذا في النافلة ، وفي بعض الطرق وهو يصلي تنحنح فيحمله الأحناف إما على ما هو جائز عندهم وإما أن يقال : إن النسائي أعلَّ هذا اللفظ في خصائص علي وقال بتفرد الراوي .
ج1ص355
*2*باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة
باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة
(1/418)
- الحديث رقم: 370
إذا سبق المصلي التثاؤب فليكضم فاه ما استطاع وإلا فيضع ظهر يده اليمنى على فمه .
قوله : ( في الصلاة من الشيطان ) نسب الشريعة التثاؤب إلى الشيطان لأنه ينبئ عن الكسل ، والعطاس إلى الرحمن لأنه ينبئ عن النشاط ، وهذا في خارج الصلاة وأما في داخل الصلاة ، فكلاهما من الشيطان ، وفي مصنف ابن أبي شيبة أثر بإسناد قوي : < إن الشيطان يضع قارورة البول على أفواه المصلين ليتثاءبوا > وقال ابن عابدين : ومن المجربات إن يتثاءبوا تخيلَ أن الأنبياء كانوا لا يتثاءبون يذهب تثاؤبه .
*2*باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم
باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم
(1/419)
- الحديث رقم: 371
في حديث الباب إشكال مشهور وهو تعيين مراد الحديث ومصداقه ، لأن مصداقه إما مفترض وإما متنفل فإن كان مفترضاً فلا يجوز القعود بدون عذر ولو قعد بعذر لا يكون ثوابه نصفاً ، ولو كان متنفلاً فلا يصدق لفظ من : < صلاها قائماً > إلخ فإن السبحة لا تصح نائماً بلا عذر عند أحد إلا الحسن البصري رحمه الله وبهذا الإشكال قال الخطابي في المعالم : تصح الصلاة نائماً بلا عذر لو صح الحديث وإن لم يقل به أحد من أتباع المذاهب الأربعة ، نعم هو وجه عند بعض الشافعية ، أقول : لم يصح شيء في جوازها نائماً عن صاحب الشريعة ، وأقول في الجواب عن إشكال الحديث : إن
ج1ص356
مصداق الحديث هو المعذور وأما تنصيف الأجر فهو بالنسبة إلى حال المعذور ، نفسه لا بالنسبة إلى حال الصحيح فالحاصل أن المعذور الذي تجوز الصلاة له قاعداً أو نائماً والعذر له مبيح ، ومع ذلك يقدر الصلاة قائماً أو قاعداً بتحمل الكلفة والمشقة تكون صلاته قاعداً نصف صلاته قائماً وإن أحرز ثواب صلاة الصحيح قائماً فلا إشكال ، ويؤيد ما قلت في شرح الحديث ما أخرجه مالك في موطأه ص ( 48 ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه عليه الصلاة والسلام رأى الصحابة مصلين السبحة قعوداً حين مرضوا في المدينة ، وقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < صلاة القاعد نصف صلاة القائم > وفي بعض الروايات أن الصحابة صلوا قياماً بعد قوله عليه الصلاة والسلام ، وليعلم أن المعذور على قسمين معذور لا يقدر على القيام ولو بكلفة والثاني هو الذي يقدر عليه بتحمل الكلفة .
قوله : ( من صلى نائماً أي مضطجعاً ) قال الإسماعيلي : إن في الحديث تصحيفاً والصحيح < من صلى بإيماء > ورده المحدِّثون .
ج1ص357
(1/420)
قوله : ( وقال بعضهم : يصلي مستلقياً إلخ ) لا يجوز الاستلقاء عند الشوافع ، ويجوز عند الأحناف وقال الشافعية : ليس الاستلقاء مذكوراً في القرآن ، وقال الزيلعي : في النسائي تصريح الاستلقاء ، أقول : لم أجد رواية الاستلقاء في الصغرى لعلها تكون في الكبرى ، فإن الزيلعي متثبت في النقل كثيراً ، والاستلقاء عندنا أفضل من الصلاة على الأيمن .
*2*باب ما جاء في الرجل يتطوع جالسا
باب ما جاء في الرجل يتطوع جالساً
(1/421)
- الحديث رقم: 373
مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن من صلى التطوع جالساً يجوز له الجلوس بأي صورة شاء من التربع وغيره إلا في القعدة فإنه يقعد فيها كهيأة ، وأمَّا ما هو عمل أهل العصر من اختيار هيأة القعدة في القيام فهو مذهب زفر رحمه الله ، ويجوز بناء القيام على القعود في صلاة أو ركعة في السبحة عند الشيخين ، وقال محمد : لا يجوز أن يشرع قائماً ثم يقعد ، وأقول : لا بد من ترجيح الصور الثابتة عنده عليه الصلاة والسلام على غيرها ولكنه لم يتوجه الأحناف إلى الترجيح ، وقد ثبت تطويله عليه الصلاة والسلام القيام في صلاة الليل ، كما روي أن حذيفة اقتدى به عليه الصلاة والسلام بالليل وأخذ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سورة البقرة وقال : زعمت لعله يركع على مائة آية حتى أن تجاوز عن المائة ،
ج1ص358
ثم زعمت أن يركع على مائتين حتى أن تجاوز ، ثم زعمت أن يختم السورة حتى أن تجاوز عنها وقرأ أربع سور ثم بعض الروايات تدل على قراءته أربع سور في ركعة ، وبعضها تدل على قراءته إياها في أربعة ركعات فوالله أعلم ، هل يرجع المحدثون أو يجمعون والله أعلم وكذلك ورد لابن مسعود أنه اقتدى به عليه الصلاة والسلام وأعي ، لذا كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الاقتداء خلفه في النافلة ، وعلى هذا قال بعض : إن الحكيم من يشدد على نفسه ويخفف على غيره ، وقال محمد في قصيدة البردة :
~ ظلمتُ سنّةَ من أحيى الظلام إلى ... أن اشتكت قدماه الضر من ورم
وقال في الهمزية :
~ وإذا حلت الهداية قلباً ... نشطت في العبادة الأعضاء
ج1ص359
*2*باب ما جاء أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال إني لأسمع بكاء الصبي في الصلاة فأخفف
باب ما جاء أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إني لأسمع بكاء الصبي في الصلاة فأخفف
(1/422)
- الحديث رقم: 376
قد ثبت تطويله عليه الصلاة والسلام القراءة وتخفيفه إياها ، والتخفيف في حديث الباب ، والتطويل لإدراك الجائي في سنن أبي داود ص ( 116 ) عن عبد اللّه بن أبي قتادة عن أبيه أنه قال : كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطول القراءة في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى . . إلخ ، واختلف العلماء في تطويل الركوع لإدراك الجائي فجوزه الشافعية قياساً على تخفيف القراءة في حديث الباب قياس عكس ، وأما الأحناف فعن أبي حنيفة أو محمد على اختلاف النقلين أنه سئل عن من يطيل الركوع لإدراك الجائي ، قال : أخاف عليه أمراً عظيماً ، وسئل ما الأمر العظيم؟ قال : الكفر ، وقال المشائخ : إنه كفران النعمة ، وأما أرباب الفتوى فقالوا تجوز الإطالة بشرط أن لا يعرف الإمام الجائي بشخصه وإلا فلا ، ولكن ينبغي العمل على ما قال صاحب المذهب فإن النفس أكذب ما تكون إذا حلفت ، فكيف إذا ادعت؟ وأما قياس الشافعية فقياس مع الفارق ، وأيضاً ثبت الإطالة والتخفيف في القراءة لا في الركوع والسجود ، ثم قال بعض الأحناف : إن إرادته عليه الصلاة والسلام تطويل القراءة ثم تخفيفها كانت قبل الشروع في الصلاة لا في داخل الصلاة ، ولكن ألفاظ الروايات ترد عليه .
*2*باب ما جاء لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار
باب ما جاء لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار
(1/423)
- الحديث رقم: 377
الحائض من تصلح للحيض ، وفي سن الحيض ، والحائضة من في حالة الحيض في الحالة الراهنة كما قال صاحب الكشاف ، وكذلك في المرضع والمرضعة ، ومذهب أبي حنيفة أن الكفين
ج1ص360
والوجه ليس بعورة لا داخل الصلاة ولا خارجها ويجوز النظر إلى الوجه والكفين للأجنبي أيضاً ثم أفتى أرباب الفتيا بسترهما لفساد الزمان ، وأما القدمان فعن الشافعي جواز كشفهما ، وعن أبي حنيفة روايتان وعندي يؤخذ بما يوافق الشافعي .
*2*باب ماجاء في كراهية السدل في الصلاة
باب ماجاء في كراهية السدل في الصلاة
(1/424)
- الحديث رقم: 378
قال شارح الوقاية السدل أن يضع الثوب على الرأس ويرخيه على جانبيه ، وأقول : إن جزئيات المذهب تدل على العموم من هذا فإنه في قاضي خان أنه لو لبس الجبة ويداه في خارج الكمين يكون سدلاً ، وأقول : إن أحسن ما قيل في تعريف السدل ما قال الشاه ولي الله في حجة الله البالغة : وهو أن الشريعة تأمر باختيار اللبسة المختارة في أعدل الأحوال للإنسان وخلافه سدل أو تشمير فهذا خلاصة ما في مسألة السدل ، فإنه عليه الصلاة والسلام أمر بإعادة الصلاة من كان صلى وهو مسبل إزاره أخرجه أبو داود ص ( 93 ) عن أبي هريرة ، ويجوز إطلاق السدل على إسبال الإزار .
مسألة : في شرح المشارق لابن الملك من لحقه سدل الثوب في أثناء الصلاة ، يرفعها في خلالها وهذا يدل على دفع المكروه اللاحق في داخل الصلاة فيها فإنه جعل ابن عباس عن يمينه في داخل الصلاة ، ووقائع أخر عن ابن عباس تدل على دفع المكروه اللاحق في خلال الصلاة في خلالها .
ج1ص361
قوله : ( إذا سدل على القميص . . إلخ ) في كتبنا مثل البحر وغيره : أن اشتمال الصماء مكروه في ثوب واحد وغير مكروه في ثوبين ، وقد يطلق لفظ السدل على هذا الاشتمال أيضاً ، وهو المراد في هذا القول .
*2*باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة
باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة
(1/425)
- الحديث رقم: 379
حديث الباب يدل على تحمل العمل القليل في الصلاة ، وأما فساد الصلاة بالعمل الكثير فمن المجمع عليه ، وفي بعض الروايات : < وإن كنت لا بد فاعلاً ففي النافلة > إلخ ، لأن في النافلة توسيعاً ليس في الفريضة ، فإنه يجوز الاعتماد بالجدار وغيره في النافلة عند التعب والإعياء لا الفريضة .
قوله : ( فإن الرحمة تواجهه إلخ ) هذه الرحمة الوصلة التي يكون المار بين يدي المصلي قاطعاً لها .
ج1ص362
*2*باب ما جاء في كراهية النفخ في الصلاة
باب ما جاء في كراهية النفخ في الصلاة .
(1/426)
- الحديث رقم: 381
لنا في النفخ في الصلاة قولان ذكرهما صاحب البحر :
أحدهما : أنه لو كان مسموعاً صوته تفسد الصلاة وإلا فلا .
والثاني : فساد الصلاة به لو كان مُهَجّاً ويظهر منه الحروف وإلا فلا .
واختار صاحب البحر الثاني ، وقال ابن تيمية : لا تفسد الصلاة بالنفخ وإن كان مهجّاً ، وأما التنحنح في الصلاة فمكروه عندنا بل مفسد الصلاة إن لم يكن من عذر كأن صار مضطراً أو مدفوعاً إليه ، ولو تنحنح من عذرٍ مبيح فلا بأس ، والعذر كأن حصر عن القراءة لاجتماع البلغم أو غيره ، وفي الصغير شرح المنية : أن التنحنح للعذر الصحيح إنما يتحقق في حق الإمام لأن الحصر عن القراءة إنما يتحقق في حقه . قوله : ( وأهل الكوفة ) هم أبو حنيفة وتَبَعُه .
ج1ص363
*2*باب ما جاء في النهي عن الاختصار في الصلاة
باب ما جاء في النهي عن الاختصار في الصلاة
(1/427)
- الحديث رقم: 383
في تفسير الاختصار أقوال ، قيل : هو الاختصار في القراءة والتخفيف ، وقيل : هو القيام أخذان المخصرة في يده ، وقيل : هو وضع اليد على الخاصرة ، والمختار هو الثالث .
قوله : ( يمشي مختصراً ) حين أخرج من الجنة مذموماً .
*2*باب ما جاء في كراهية كفّ الشعر في الصلاة
باب ما جاء في كراهية كفِّ الشعر في الصلاة
(1/428)
- الحديث رقم: 384
استنبط من حديث الباب أن الأشعار أيضاً ساجدة فلا يكفها ، وقال الشافعي : إن الثياب أيضاً ساجدة ولذا منع عن السجدة على الثوب الملبوس للمصلي ، وأما وجه نهي الشارع عن كف الشعر فإما خلافه لهيئة الوقار المطلوبة في الصلاة ، وإما كون الأشعار ساجدة عند الشريعة .
قوله : ( وقد عقص ضفرته ) الضفر جمع الأشعار بعضها إلى بعضها ، حديث الباب يدل على عقص الحسن ضفيرته وحله أبو رافع ، وفي بعض كتبنا أنه غير مرضي وعلى هذا الشكل ما سيأتي في آخر الكتاب أنه عليه الصلاة والسلام كانت له عقائص و تصدى العلماء إلى توجيه ما يخالفهم بظاهره مما سيأتي في آخر الكتاب .
قوله : ( ذلك كفل الشيطان ) في الحاشية أن الكفل هو حظ الشيطان ولكنه ليس كذلك فإن الكفل
ج1ص364
في اللغة هو الثوب الملفوف على الواسطة للهودج كي يأخذه الرديف كما قال :
~ وراكب خلف البعير مكتفل ... يمشي على آثاره وينتعل
*2*باب ما جاء في التخشع في الصلاة
باب ما جاء في التخشع في الصلاة
(1/429)
- الحديث رقم: 385
قال علماء اللغة : إن الخشوع يتعلق بالعين والرأس والصوت والعنق ، والخضوع يتعلق بالقلب ، وقال الحذاق من أرباب اللغة لا ترادف في الألفاظ ، والمختار هو هذا القول ، وأما الخضوع والخشوع في الصلاة المذكور في حديث الباب لم أجده في عامة كتبنا فكنت متردداً في ما ذكر إلى أن رأيت استحباب التخشع في الاختيار شرح المختار وهو من معتبراتنا ولا يتوهم أن القرآن يأمر بالخشوع وأوامر القرآن للإيجاب ، فيجب الخشوع سيما إذا كان من روح الصلاة ، لأن الفقيه إنما يتعرض إلى أحوال عامة الناس ويلتفت إليها ، ومن المعلوم أن التخشع من العامة متعذر ، فقال الفقيه بالاستحباب لا بالوجوب فالخشوع مستحب ، وأما الاختيار في الصلاة فمن شروطها ، فإنه إذا سجد أو ركع وهو نائم لا يعتد به .
فائدة : في كتب الأحناف أن المصلي ينظر في حال القيام إلى موضع سجوده ، وفي الركوع إلى ظهري رجليه ، وفي السجود إلى أنفه ، وفي القعود إلى حجره ، وإني تتبعت مأخذ هذه المسألة فوجدت في متن المبسوط للجوزجاني تلميذ محمد بن حسن أنه ينظر في حال القيام إلى موضع السجود ، وفي كتاب الصلاة لأحمد بن حنبل أن المصلى ينحني رأسه في القيام ، ولكني متردد في هذا الكتاب أنه من تصنيف أحمد أو لا ، فرأيت في فتح الباري أنه من تصانيفه ، وتأمر الشريعة بالسكون في الصلاة كما هو عادة السلف الصالحين ، وفي حديث الباب مقال وتَكلُّمٌ فيه ، وأخرجه الزيلعي وعزاه إلى النسائي وما وجدته في الصغرى لعله في الكبرى فإن الزيلعي متثبت في النقول أشد تثبت فإن كان أخرجه النسائي في الكبرى لا ينحط الحديث عن مرتبة الحسن ، وإن لم يكن في منزلة أحاديث الصغرى .
قوله : ( الصلاة مثنى مثنى ) بحث هذه المسألة سيأتي بقدر الضرورة في أبواب الوتر وقال
ج1ص365
الزمخشري : إن في < مثنى > تكراراً معنىً ، ذكره في الفائق ، وإنما أتى < بمثنى > الثاني لتحقيق التكرار في اللفظ أيضاً .
(1/430)
قوله : ( تشهد في كل ركعة ) قال ابن همام : إن حديث الباب ليس بحجة للصاحبين والشافعي على أبي حنيفة في مسألة نوافل الليل لأنه أيضاً يقول بالتشهد ، ولا يدل الحديث على التسليم ، أقول : المراد في الحديث هو التشهد مع التسليم كما في مسند أحمد .
قوله : ( تقنع يديك . . إلخ ) أي ترفع يديك ، استدل بعضٌ بحديث الباب على الدعاء بعد المكتوبة بالهيئة المتعارفة في أهل العصر ، والحال أنه لا يدل عليه فإنه ليس فيه ذكر أنهم دعوا مجتمعين ، فأما رفع اليدين فقط بعد الصلاة ولو نافلة فثابت كما حررت سابقاً ، والكلام بقدر المرام مرَّ .
قوله : ( فهو خداج ) أطلق لفظ الخداج على ترك المستحب في الصلاة .
ج1ص366
*2*باب ما جاء في طول القيام في الصلاة
باب ما جاء في طول القيام في الصلاة
(1/431)
- الحديث رقم: 387
اختلف أهل المذهبين في أفضلية الصلوات ، فقال الشافعية : إن أفضل الصلاة هي المشتملة على تكثير الركوع والسجود ، ونقول : إن أفضلها هي المشتملة على تطويل القيام ، وفي رواية للشافعية أن الأفضل تطويل القيام ذكرها النووي في شرح مسلم ، وفي رواية للأحناف أن الأفضل تكثير الركوع عن محمد أو عن أبي حنيفة على اختلاف النقلين وأحد النقلين في البحر ، وصورة الاختلاف أن رجلاً يستفتي بأن لي وقتاً معيناً وأريد صرفه في النافلة فما لي أفضل الصرفة في تكثير السجود أو في تطويل القيام؟ وتمسك الشافعية بحديث : < أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد > فالسجدة أعلى أركان الصلاة فيستحب تكثيرها ، وتمسك العراقيون بحديث الباب وهو نص في المسألة وأما حديث : < أقرب ما يكون العبد إلى ربه > إلخ فعلى الرأس والعينين ولا ننكره ولا يخالفنا فإنه يدل على أن السجود أفضل أجزاء الصلاة ولا ننكره ، وكلامنا في أفضلية صلاة من الصلوات لا في أفضلية جزء من أجزاء الصلاة ، فيكون قياس الشافعية في مقابل النص ولا تخالف بين الحديثين فلنص الحديث لنا إن شاء الله تعالى في مسألة الباب .
( ف ) : يأخذ أبو حنيفة بالضابطة الكلية وقول الشارع في الباب ، ويحمل الوقائع على المحامل ، كما تمسك في استقبال القبلة واستدبارها عند الخلاء بالحديث القولي ، وأخرج محامل للوقائع ، وكذلك صرح الحافظ في الفتح ، ثم لم يرض به وأقول : إنه أحسن طرق التمسك بالحديث كما هو ظاهر عند أرباب اللباب .
ثم إن قيل : لمّا كانت السجدة أفضل أجزاء الصلاة ينبغي صرف الوقت فيها أزيد مما في غيرها ، نقول : ربما يكون أن يصرف الوقت في المبادي أزيد مما في المرام كما في الحج فإن الغرض زيارة البيت والإحرام من مباديها .
ج1ص367
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ج1ص368
*2*باب ما جاء في قتل الأسودين في الصلاة
باب ما جاء في قتل الأسودين في الصلاة
(1/432)
- الحديث رقم: 390
إذا تعرض الحية أو العقرب للمصلي فله أن يقتلهما وهو في الصلاة ، ثم في مبسوط شيخ الإسلام خواهر زاده : أن الصلاة لا تفسد إن قتلها بعمل كثير ، نقله في الفتح ، وفي قول لنا فساد الصلاة بالعمل الكثير إلا أنه لا يأثم بإفساده الصلاة في هذه الصورة للضرورة ، والمختار ما في مبسوط شيخ الإسلام إلا أنه إذا احتاج إلى العمل الكثير جداً تفسد الصلاة .
*2*باب ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام
باب ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام
(1/433)
- الحديث رقم: 391
حقيقة سجدتي السهو عندنا إما أن يقال : السجدتان وتشهد وسلام ، وإما أن يقال : سجدتان ، لأنه إذا تشهد ثم سلم إلى جانب أو جانبين على اختلاف القولين وسجد للسهو فالسجدة في حرمة الصلاة ، ولما كانت السجدة بعض تعلق بالصلاة تبطل التشهد والسلام السابقين فيحتاج إلى التشهد والسلام الثاني ولكنه لا يرفع القعدة لأنها فريضة فالتشهد والسلام لعارض ، وحقيقة سجدة السهو سجدتان وحقيقتها عند الشافعية سجدتان فقط ، ولا تشهد ولا سلام ، وأما السلام الذي بعدها فسلام الصلاة ، ثم نقول : إن سجدة السهو بعد السلام في جميع الصور قالت الشافعية : إنها قبل السلام في جميع الصور وقال مالك أن يسجد بعد السلام لو لزم السجدة من زيادة ويسجد قبله لو لزم السجدة
ج1ص369
من نقصان ، وتعبيره الدال في الدال والقاف في القاف ، وقال أحمد بن حنبل : بتمشي على ما ثبت ، فيما ثبت وثبت عنه عليه الصلاة والسلام السجود في أربع صور : أحدها : أنه قام إلى الخامسة .
وثانيتها : أنه سلم على الركعتين في الرباعية .
وثالثتها : أنه ترك القعدة الأولى .
ورابعتها : أنه ترك آية من القراءة .
ففيما سجد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل السلام سجد قبله ، وفيما سجد فيه بعده يسجد فيه بعده ، وأما ما لم يثبت فيه فيسجد قبل السلام كالحجازيين ، وقال إسحاق كما قال أحمد إلا أنه وافق العراقيين فيما لم يثبت فيه من صاحب الشريعة ، قال المحدثون الرجحان لقول أحمد ، وفي كتب المذاهب الأربعة إن خلاف السجدة قبل السلام وبعده خلاف الأولوية من كتب الأحناف ما في الهداية وكذلك في كتب الثلاثة إلا في تجريد القدوري في رواية شاذة عدم جواز السجدة قبل السلام ، وأما على تقدير تسليم أن الخلاف في الأولوية ، فوجه الرجحان لنا أن فعَلَه عليه الصلاة والسلام مرة قبل السلام ومرة بعده ، وأما الحديث القولي فهو لنا أخرجه الطحاوي ص ( 253 ) .
(1/434)
قوله : ( قبل أن يسلم . . إلخ ) تأول بعض الأحناف أن السلام هذا هو السلام الذي بعد سجدتي السهو لا سلام الصلاة التي هي قبلهما ، أقول : إن التأويل خلاف مراد الراوي ولا يجري التأويل ولا بد من تسليم الجواز قبل السلام ، وتمسك الشافعية بحديث الباب على نفي التشهد والسلام ولنا ما سيأتي من تصريحهما وتمسك الشوافع بعدم الذكر .
قوله : ( إن آخر فعل النبي إلخ ) أقول : قال الشافعي : إن قصة ذي اليدين رحمه الله في السنة السابعة فكيف يقال إن آخر فعله عليه الصلاة والسلام السجدة قبل السلام؟ فإن في تلك الواقعة السجدة بعد السلام والله أعلم ، نعم يمكن قول أنه آخر فعله على ما قال الأحناف من أن واقعة ذي
ج1ص370
اليدين قبل بدر ، وأما التسليم قبل السجدة فلنا فيه أقوال قال فخر الإسلام : إنه يسلم تلقاء وجهه أي إلى جانب القبلة ، وفي قول : يسلم إلى جانب اليمين ، وفي قول : يسلم إلى يمين وشمال لأنه سلام متعارف وهذا قوي ، وكتب رجل إلى فخر الإسلام أن وحدة السلام بدعة فكفينا عن عهدة النقل ، وقال مالك في سجدة السهو ثلاث تكبيرات ، وله حديث أخرجه أبو داود في سننه ص ( 145 ) في قصة ذي اليدين عن أبي هريرة ، قال هشام ـ يعني ابن حسان ـ : كبَّر ثم كبَّر وسجد إلخ ، فجعل الأولى منزلة التحريمة ، والثانية للانحناء إلى السجود ، والثالثة للرفع عن السجدة .
ج1ص371
*2*باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام
باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام
(1/435)
- الحديث رقم: 392
قال الشافعي : لا تفسد الصلاة بالكلام ناسياً ، والنسيان عند عدم تحقيق المصلي أنه في الصلاة ، فما قال المدرسون أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ناسياً ما أدركوا مراد الشافعي ، ومنشأ غلطهم قول الطحاوي ، وماأدركوا مراد كلام الطحاوي أيضاً ، والحال أن مراد الطحاوي المناظرة مع الشافعي في مسألة ولا حق لنا فيه .
قوله : ( خمساً إلخ ) يحتاج الأحناف إلى ادعاء أنه عليه الصلاة والسلام قعد على الرابعة ، فإنا نقول : إن القعدة الثانية فريضة ولو لم يجلس لتحولت الفريضة إلى النافلة ، وهذا الادعاء ليس ببعيد فإنه واقعة حال وليس بحكم كلي ، وأما قول الشافعية من أن قولاً بالجلوس على الرابعة يسوق إلى تكرار السهو عنه عليه الصلاة والسلام لأنه على ظن أنها ثالثة ثم على أنهما تمام الصلاة ، نقول : إنه ليس بلازم ، فإنه قد يقع مثل تلك الواقعة في حالة الذهول بدون تكرار السهو ، ولو سلمنا فأي ضير في هذا بعد تسليم السهو عنه عليه الصلاة والسلام ، وأقول : يمكن أن يقال في أنه لا بد من أن وقعت القعدة الثانية على الرابعة والوجه فقهي ، وذلك أن مثنوية الصلاة أو كونها أربع ركعات لا يكون إلا بالتشهد وهذا من التواترات فلا بد من تسليم التشهد من الأربعة ، ولا يلزم بطلان ذلك المتواتر ، وبناء على هذا قال أبو حنيفة : إن ما دون الركعة قابل للإلغاء ، فمن لم يقعد على الرابعة تحولت فريضته إلى النافلة وعليه ضم الخامسة والسادسة ، وإن قعد على الرابعة ثم قام إلى الخامسة فلو سجد للخامسة لا يعود إلى القعدة لأنه لا يمكن إبطال الركعة وبضم السجود تصير ركعة ، وإن لم يضم الخامسة يعود إلى القعدة فإنه يجوز إلغاء ما دون الركعة ولم يبطل ذلك التواتر للجلوس على الرابعة .
ج1ص372
*2*باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو
باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو
(1/436)
- الحديث رقم: 395
هذا الباب للعراقيين لثبوت التشهد في سجدتي السهو سجد قبل السلام أو بعده ، وواقعة الباب واقعة ذي اليدين وحديث الباب لنا في التشهد والسلام ، وكونهما بعد السلام والحديث قوي ، ولنا ما أخرجه الطحاوي في معاني الآثار ص ( 256 ) موقوفاً على ابن مسعود ، وفيه ص ( 252 ) عن ابن مسعود ، مرفوعاً بسند جليل : < ثم ليسجد سجدتي السهو ويتشهد ويسلم > إلخ ، ونفى البخاري رحمه الله التشهد ولكنه لم يأت بما ينفي .
قوله : ( صلى بهم . . إلخ ) أي صلاة الظهر أو العصر على اختلاف الرواة .
ج1ص373
*2*باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان
باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان
(1/437)
- الحديث رقم: 396
قال الشافعي : من شك يبني على اليقين أي على الأقل ويتشهد على ركعة فيها يتوهم القعدة ، وقال أبو حنيفة : إن عرضه أولاً يستقبل الصلاة ويستأنفها ، وإن كثر فبنى على أكبرِ رأيه وغالبِ ظنه وإلا فعلى الأقل ، ويقعد على ما يتوهم فيه القعدة الأخيرة ، وأما قول : إن كان الشك عرضه أولاً . . إلخ ففي تفسيره قولان ، قيل : عرض أو لا في جميع عمره وقيل عرض أولاً في هذه الصلاة ، والمختار الأول وإلا تحرى فلا يسكت في وقت التحري ، بل يشغل في الوظيفة مع التحري ثم إذا بنى على غالب ظنه فهل يسجد للسهو أم لا؟ فقال ابن همام في الفتح : يسجد للسهو ، وقال في السراج الوهاج : لا يسجد لعل الترجيح كما في رد المحتار في هذه المسألة للسراج الوهاج لأن الأحاديث تؤيده لكنه اشترط أن لا يلزم في وقت التحري تأخير قدر ركن .
قوله : ( فليسجد سجدتين إلخ ) ذهب جماعة من السلف الصالح إلى ظاهر حديث الباب وهو سجدتا السهو بدون البناء على الغالب أو على الأقل ، ولم يذهب أحد من الأربعة إلى هذا وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأنه ساكت يحمل على الناطق الذي فيه ذكر البناء على الأقل أو غيره ثم دليل الشافعية على البناء فقط حديث عبد الرحمن الآتي ، وأما أدلتنا فللإستناف إذا عرض له الشك أول مرة قوله عليه الصلاة والسلام : < إذا شك أحدكم في صلاة أنه كم صلى؟ فليستقبل الصلاة >
ج1ص374
ومضمونه مروي في مصنف ابن أبي شيبة وغيره ، وأما دليل البناء على أكبر رأيه فما أخرجه مسلم من ابن مسعود : < من سها في الصلاة فليتحر الصواب > ، وحمله الشافعية على البناء على الأقل ، وقالوا : إن التحري الأخذ بالأحرى ، نقول : إنه لا يساعده اللغة أصلاً ، وأما دليلنا للبناء على الأقل فقوله عليه الصلاة والسلام : < من شك في صلاته ولم يَدرِ كم صلى > اه .
*2*باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر
باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر
(1/438)
- الحديث رقم: 399
اختلفوا في الكلام في الصلاة ، قال أبو حنيفة : إنه مفسد كيف ما كان عامداً أو ناسياً أو جاهلاً ،
ج1ص375
وقال الشافعي : لا تفسد إن تكلم ناسياً ، ونسب إلى مالك والأوزاعي أن قليله لمصلحة صلاة لا يفسدها ، ويرد عليهما ما أخرجه أبو داود ص ( 24 ) عن ابن أبي ليلى قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال إلخ ، وقال فيه : حدثنا أصحابنا قال وكان رجل إذا جاء يسأل فيجبر بما سبق من صلاته ، ويرد عليهما ما رواه الترمذي في الصفحة الآتية عن زيد بن أرقم كنا نتكلم خلف رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلخ ، فإنه بظاهره منسحب على كل كلام فإن كلامهم كان لمصلحة الصلاة أي السؤال عن الركعات .
(1/439)
قوله : ( أقصرت الصلاة أم؟ إلخ ) قصرت بصيغة المعلوم والمجهول لأن القصور لازم والقصر متعدٍ وكذلك النقص متعدٍ والنقصان لازم ، في موطأ مالك كل ذلك لم يكن ، قال ذو اليدين : قد كان بعض ذلك . . إلخ ، وتمسك الشافعية بحديث الباب على جواز الكلام ناسياً ، ثم في وجه التمسك طريقان ، طريق المتوسطين منهم التمسك بإجمال حديث الباب ، وأما الحذاق منهم فتمسكوا بكلامه عليه الصلاة والسلام لأكان ناسياً ، فإن الصحابة إما أن يتكلموا مثل ما تدل بعض الروايات أخرجه النسائي ، وإما أن يشاروا برؤوسهم كما في أبي داود ص ( 144 ) فأومؤوا برؤوسهم أن نعم > . وإما لأنه مجاوبة الرسول ، ولا تفسد الصلاة بها عند جماعة ، وتمسكوا بما في البخاري عن سعيد بن المعلى : أنه كان يصلي فناداه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يجب ، ثم حضر حضرتَه عليه الصلاة والسلام ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < دعوتك فما أجبتني > قال : كنت أصلي ، قال : أما قرأت : { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [ الأنفال : 24 ] الآية ، سيما إذا كان في كتاب القراءة للبيهقي ومشكل الآثار قوله . ( لا أفعل هذا بعد ) ، أي أجيبك بعد ، وفي كلام أحمد بن حنبل أن كلام ذي اليدين في حكم الناسي لأنه تردد في تمام الصلاة ، لأنه زعم أن الصلاة إما قصرت وإما نسي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال الشافعية : إن واقعة الباب بعد نسخ الكلام في الصلاة ، والنسخ في مكة وواقعة الباب واقعة مدنية ، ومن المتفق عليه أن الكلام كان جائزاً ثم نسخ ، والخلاف في أن المنسوخ الكلام بجميع أنواعه أو ببعض أجزائه ، وتمسك الشافعية بأن ابن مسعود رجع من حبشة في مكة وسلم على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي فلم يرد عليه ، ثم قال بعد الفراغ عن الصلاة : < إن الله نهى عن الكلام في الصلاة > ونقول : إن
(1/440)
نسخ الكلام في المدينة قبل بدر وأمَّا ما قلتم من قصة ابن مسعود فلابن مسعود هجرتان إلى حبشة ، أحدهما حين هاجر وأصحاب آخرون من أذى الكفار ، ثم نزلت سورة النجم فسجدت الكفار حين سمعوا آية السجدة فيها ، فانتشر أن كفار مكة أسلموا ، فبلغ الخبر المهاجرين إلى حبشة عند النجاشي فرجعوا إلى مكة فلما وصلوا قريب مكة سمعوا وعلموا أن الخبر كان كاذباً فرجعوا من ثمة إلى حبشة ما دخلوا مكة ، وأما ابن مسعود فدخل مكة ثم رجع إلى حبشة بعد إقامة عدة أيام ، ثم هاجر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى مدينة فرجع ابن مسعود إلى مدينة ، ووقعت له واقعة سلامه على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعدم رده في الصلاة
ج1ص376
(1/441)
في المدينة ، وابن مسعود رجع قبل غزوة بدر لأنه ممن شهد بدراً ، وأما واقعتا هجرته إلى النجاشي فمذكورتان في كتب السير مثل سيرة محمد بن إسحاق ، وتمسك الشافعية بأن أبا هريرة يروي واقعة ذي اليدين ويقول : صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالوا : أدرك أبو هريرة ذا اليدين ، وأسلم أبو هريرة في السنة السابعة ، فلا بد من تأخير الواقعة ، نقول : إن مراد أبي هريرة صلى بنا رسول الله أنه صلى بمعشر المسلمين ولا يجب حضور أبي هريرة في واقعة الباب ، ونظيره هاهنا ما قال النزال بن سبرة : قال لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنا وإياكم إلخ يريد قومه ومعشره فإنهم لم يروا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ومنها ما روى طاووس : قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ شيئاً من الخضروات ، فإنه أراد به قدم على قومنا ، فإن طاووساً لم يدرك معاذاً ، منهما ما روى الحسن : خطبنا عتبة بن غزوان يريد خطبة ، بالبصرة ولم يكن حينئذ حسن في بصرة ، لأن قدومه ببصرة إنما كان قبل صفين بعام كما روي ، عن أبي رجاء أنه قال : سألت الحسن متى قدمت بصرة؟ فقال : قبل صفين بعام فأراد به قومه ومعشره ، وكذلك أجاب الطحاوي عن رواية أبي هريرة هذه كما قال ابن حبان في رواية زيد بن أرقم ، ولكن الطحاوي لم يُجب عما في طريق مسلم ص ( 215 ) عن أبي هريرة : بينا أنا أصلي إلخ ، وقال صاحب البحر لم أجد جواباً شافياً عن هذه ، وقال ابن عابدين ما قال ، وتعجب من عدم جواب البحر ، أقول : إن ابن عابدين غفل عن ما في مسلم فإن الرواية هاهنا < أنا أصلي > رواها مسلم ص ( 314 ) ، وأما أنا فلم أجد شافياً أيضاً إلا أن يحكم بأنه وهم الراوي فإنه لما رأى بينا نحن نصلي زعم كون أبي هريرة في الواقعة ، وتعارض لتلك الرواية بما سيأتي عن قريبُ .
(1/442)
أما وجه الوهم فلعله وهم من شيبان فإنه اختلط عليه حديثان فإنه روى حديث معاوية بن الحكم السلمي كما في مسلم ص ( 203 ) حديث العطاس ، وفيه : < بينا أنا أصلي إذا عطس رجل > إلخ ، وأخذ هذا اللفظ من هذا الحديث ووضعه بسبب الاختلاط في حديث ذي اليدين عن أبي هريرة في مسلم ص ( 214 ) والله أعلم ، وعلمه أتم .
وأما الجواب بطريق المعارضة فهو : إن ذا اليدين قتل يوم بدر ، وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة كما قالوا ، منهم محمد بن إسحاق ، وكذلك روى ابن عمر أخرجه الطحاوي ص ( 161 ) : كان إسلام أبي هريرة بعدما قتل ذو اليدين ، ورجاله ثقات إلا عبد اللّه بن عمر العمري وهو متكلم فيه ، ولم يأخذ عنه البخاري وتبعه الترمذي ووثقته جماعة واتفقوا على صدقه ولكنه في حفظه شيء ، وأما ابن معين ففي لفظ عنه لا بأس به وفي لفظ أنه صُوَيلح ، وفي لفظ أنه صدوق وثقة ، وفي ميزان الاعتدال أن ابن معين سئل فقال أن عبد اللّه العمري ثقة في حق نافع ، وأقول : إنه من رواة الحسان
ج1ص377
(1/443)
ولم أجد أحداً أخذه في متون الحديث بل أخذوه في أسانيد الحديث ، وأما أخوه عبيد اللّه فثقة اتفاقاً ، وكان عبد اللّه يحول سائله إلى أخيه في حياته ثم بعده أخذ كتاب أخيه وكان يروي منه فأخذ عليه أقول أنه وجادة ووجادة من لقي صاحب الكتاب مقبولة ، وأما بعض المحتاطين فلا يقبلونها بدون تحديث أو إخبار أو إجازة ، وأما المتأخرون فيقبلونها ، وأيضاً صحح ابن السكن بعض أحاديث عبد اللّه العمري ، وعندي ثلاثة أحاديث عنه حسَّنها بعض المحدثين ، وفي فتح الباري في كتاب الحج أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن يسأل مسائل الحج عن ابن عمر برواية عبد اللّه العمري ، واستدل الحافظ بهذه الرواية على ثبوت لقاء الزهري ابن عمر فعلى هذا رواية الطحاوي حسنة ، ثم توجه الشافعية وقالوا : إن الشهيد في غزوة ذو الشمالين لا ذو اليدين وذو الشمالين هو عمير بن عبد عمرو من بني خزاعة ، وأما ذو اليدين ، فهو خرباق بن عمرو من بني سليم وأتوا بنقول عديدة دالة على كونهما رجلين ، وأما الأحناف فلهم أيضاً نُقول عديدة على أنهما رجل واحد ، ونقول الطرفين ذكرها مولانا ظهير أحسن في آثار السنن ، ومن نقولنا رواية النسائي وموطأ مالك بن أنس يروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وذكر فيه ذا الشمالين لعلها بدل ذي اليدين ، وأخرجه النسائي ص ( 183 ) بطريق وأعلها الشافعية وقالوا : إن ذا الشمالين من وهم الراوي ، ونقول : إن الزهري نقل عنه الزيلعي عن ابن حبان أن الحديث منسوخ ، وقال ابن عبد البر في التمهيد : إن الزهري متفرد في ذكر ذي الشمالين نقله السيوطي في زهر الربى ، ونقول : تابع الزهري عمران بن أبي أنس في موطأ مالك والنسائي والطحاوي ص ( 258 ) وكذلك روى عكرمة مرسلاً ذا الشمالين أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند قوي وتابعه معمر أخرجه أحمد في مسنده بسند صحيح ، ثم قال الأحناف : إن خرباقاً وعميراً واحد وعبد عمرو وعمرو واحد ، وأما الخزاعي فلكونه من
(1/444)
بطن سليم بن ملكان وليس ابن منصور كما قال مولانا ظهير أحسن في آثار ، السنن ، ولقد نظمت في مراد الشافعية :
~ الذي كان شهيد البدر ... ذو الشمالين بن عبد عمرو
~ ثم خرباق بن عمرو آخر ... ذو اليدين السلمي ذكروا
ونظمت فيما قال الأحناف :
~ قيل عمرو عبد عمرو واحد ... وابن هذا عمير قرروا
~ من سليم بن ملكان ولا ... ابن منصور فخذ ما حرروا
وأما شهرته بذا الشمالين وذي اليدين فلأن الصحابة كانوا يدعونه بذي الشمالين وسماه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذي اليدين فإن في ذي الشمالين تطيُّراً ، ويدل عليه ما في أبي داود أيضاً وكذلك في معاني الآثار ص258 سماه بعض الصحابة وذكر بذي الشمالين فيه ص257 برواية أسد فقال : رجل طويل اليدين
ج1ص378
(1/445)
سماه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذا اليدين ، ونقول أيضاً لنا دليل آخر على عدم إمكان وجود أبي هريرة في واقعة ذي اليدين وهذا يقتضي البسط في أوراق ولكني لا أذكره تفصيلاً لضيق المقام وجميع أجزاءها مذكورة عندي بالروايات ، فأذكر الدعوى المحضة بأن في حديث الصحيحين في حديث ذي اليدين : < ثم أتى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها > إلخ وفي فتح الباري ومسند أحمد : < أن الجذع أسطوانة حنانة > وأما هذه الأسطوانة فقد دفنت قبل إسلام أبي هريرة ودفنت حين وضع المنبر ، وأقول : وضع المنبر في السنة الثانية ، وعندي روايات كثيرة تبلغ خمسة عشر دالة على وجود المنبر في السنة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة ، وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة اتفاقاً وإذن لا يمكن اجتماع أبي هريرة في قصة ذي اليدين التي فيها الحنانة ، وقال الحافظ : وضع المنبر في السنة التاسعة بعد الهجرة وتخالفه روايات كثيرة وقال ابن حبان : وضع في السنة الخامسة ثم أبت على مرامنا وهو النسخ في المدينة ، ودليلنا على هذا رواية حديث النسخ من الصحابة الذين هم مدنيون ، ولم يثبت مجيئهم مكة قبل الهجرة منهم ما روى زيد بن أرقم في الترمذي كما سيأتي وفيه فنزلت : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [ البقرة : 238 ] وهذه الآية مدنية اتفاقاً ، وتأول فيه ابن حبان : بأن مراد < كنا نتكلم في الصلاة > إلخ أي نحن معشر المسلمين ، وكذلك روى معاذ بن جبل في أبي دواد ص ( 74 ) نسخ الكلام وهو أيضاً مدني ، ومنهم جابر بن عبد اللّه في أبي داود وهو أيضاً مدني ، ثم عمل أبو حنيفة بما هو دأبه أي الأخذ بالضابطة العامة ، وإخراج المحامل في الوقائع وواقعة ذي اليدين واقعة حال لا عموم لها ، ونقول أيضاً : إن واقعة الباب متقدمة فإن الصحابة ما سبحوا خلفه عليه الصلاة والسلام للفتح ، ولم ينكر عليهم
(1/446)
النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فعلم أمره عليه الصلاة والسلام في واقعة ذهابه إلى بني عمرو بن عوف للصلح بينهم متأخر عن واقعة الباب ، وإلا فكيف لم يسبحوا للفتح عليه الصلاة والسلام؟ ومما يفيدنا ما أخرجه الطحاوي ص ( 259 ) أثر عمر بن خطاب فإنه وقع له مثل واقعة الباب في عهده فأعاد الصلاة مع كونه شاهداً واقعة ذي اليدين فعلم أنه زعم نسخها ، ولما أعاد عمر لم ينكر عليه أحد من الصحابة والتابعين فعلم أن الجمهور موافقون لنا ، وأما دليلنا فما أخرجه مسلم ص202 عن معاوية بن الحكم < إن صلاتنا هذه لا تصلح لشيء من الكلام > فالحديث عام ولم يعارضه خاص وعلى أن أكثر العلماء موافق لنا كما سيصرح الترمذي بنفسه بعد هذا الباب ، وظني أن البخاري أيضاً موافق لنا فإنه مع إخراجه الحديث في مواضع وكون المسألة مختلفة أشد الخلاف لم يبوب عليها ، وبابه على الكلام عام فدل صيغة على هذا المذكور ، وإن لم ينبئ به أحد من الحافظين ، وبعض الأحناف جعلوا واقعة اليدين مضطربة فيها الأحاديث وما التفت إليه ، والاضطراب من وجوه منها ما في الصحيحين عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام < سلم على ركعتين > وفي حديث عمران بن حصين في مسلم وغيره < أنه سلم على ثلاث ركعات > ثم في الصحيحين أن الواقعة واقعة الظهر ، وفي مسلم أنها واقعة العصر ، ثم قال أبو هريرة : مرة صلاة الظهر جزماً ، وأخرى صلاة العصر جزماً ، وقال تارة على الشك ثم في موقفه عليه الصلاة والسلام بعد السلام على ركعتين أو
ج1ص379
(1/447)
ثلاث ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة : < قام إلى خشبة في جانب القبلة فاتكأ عليها ، وفي مسلم عن عمران : أنه دخل الحجرة ، ثم في سجدتي السهو أنه سجدهما أو لم يسجد ، وأراد النووي دفع الاضطراب ، ولم يرض الحافظ بتعدد الوقائع وجزم بوحدة الواقعة عن أبي هريرة وعمران كما هو دأب المحدثين ثم هاهنا إيراد على الحنفية أورده الطحاوي ثم أجاب وصورة الاعتراض أن الواقعة لو كانت قبل النسخ فكان الكلام جائزاً ، إذن فكيف سجد للسهو؟ قيل جواباً ذكره الطحاوي بطوله ؛ وحاصله أن لزوم السجدة بسبب تخلل السلام وتأخر الأركان والجواب صحيح وبعد اللتيا والتي الحديث لا يستقيم على مذهب أحد ، فإنه عليه الصلاة والسلام عمل عملاً كثيراً وذلك مفسد للصلاة عندنا وعندهم فإنه دخل الحجرة ثم خرج منها وليس في العمل الكثير تفصيل النسيان أو العمد ، وفي هذا تفييق على الشافعية أزيد منا ، وأيضاً وقعت الإقامة حين أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما أخرجه النسائي : أنه أقيم بعدما تيقن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأجاب عنه البيهقي أن الإقامة معناه اللغوي ، أقول : في كتاب الطحاوي ص ( 259 ) تصريح : فأمر بلالاً فأقام الصلاة ، وأيضاً عندي مرسل فيه تصريح أن المراد بأقيم قد قامت الصلاة .
اطلاع : في الخصائص الكبرى للسيوطي أن الكلام كان جائزاً في الصلاة لا في الصوم في الأمم السابقة ذكره محمد بن كعب القرظي مرسلاً .
قوله : ( ناسياً ) أي ينسى ولا يتيقن كونه في الصلاة .
قوله : ( جاهلاً ) أي جاهلاً عن المسألة .
قوله : ( وقال الشافعي وفرقوا هؤلاء ) اعتراضه علينا اجتهادي ونجيبه أيضاً بالاجتهاد والقياس ، وهو أن هيأة المصلي مذكرة بخلاف الصوم فإن هيأته ليست بمذكرة كما قال صاحب البحر في الأشباه
ج1ص380
(1/448)
والنظائر تحت بحث النسيان ، ويمكن لأحد أن يقول : إن الشافعي اجتهد في الحديث وليس في الحديث نص على مذهبه ، وهو الكلام ناسياً بأن يصرح بأنه لم يعد الصلاة لأن الكلام كان ناسياً ، والله أعلم .
*2*باب ما جاء في الصلاة في النعال
باب ما جاء في الصلاة في النعال
(1/449)
- الحديث رقم: 400
النعل ليس هو مداس زماننا كما حررت سابقاً ، والصلاة في النعلين الطاهرين في بعض كتبنا جوازها ، وفي بعضها استحباب الصلاة في النعلين مخالفة لليهود كما في رد المحتار ، وفي بعض كتبنا كراهتهما ، وأما الصلاة في المداس فإن المداس إذا كان مرتفع مقدمه ويكون واسعاً لا يملأه القدم لا تصح فيه الصلاة وإن لم يكن مرتفع مقدمه أو ملأه القدم تصح الصلاة فيه .
*2*باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر
باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر
(1/450)



 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:52 AM   #15
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 401
قال الشافعي : إن القنوت في صلاة الفجر في السنة كلها ، ولا قنوت في الوتر إلا في النصف الثاني من رمضان ، ومذهبنا أن القنوت في السنة كلها في الوتر ، وأما إذا نزلت نازلة على المسلمين فمفهوم فتح القدير أن قنوت النازلة نسخت ولا يؤخذ بمفهومه ، قال فإن العيني نقل في شرح الهداية
ج1ص381
عن الطحاوي أن قنوت النازلة جائزة عند أبي حنيفة رحمه الله ، ثم في عامة كتبنا أن قنوت النازلة في الفجر فقط ، وفي بعضها أنها في الصلوات الجهرية ، وفي بعضها مثل الغاية شرح الهداية في أنها الصلوات الخمسة والله أعلم أنه من أصل الكتاب أو من سهو الناسخين ، وأما كونها قبل الركوع أو بعده فروايات الفقه مختلفة . وادعى الشوافع أن القنوت في الفجر ، ونقول : إنها في النازلة لا في تمام السنة وكذلك يقول بعض الرواة كما في البخاري وأما رفع اليدين في أثناء قراءة القنوت فروي عن أبي يوسف أنه كان يرفع كرفعهما في الدعاء ، وروي الجهر به أيضاً عن أبي يوسف والأمران جائزان .
قوله : ( قال أحمد وإسحاق ) هذا مذهب أبي حنيفة .
*2*باب ما جاء في ترك القنوت
باب ما جاء في ترك القنوت
أي إذا لم تكن نازلة وإلا ففي النازلة ثابتة اتفاقاً .
(1/451)
- الحديث رقم: 402
قوله : ( أي بنى محدث ) هذا حجة لنا ، وقال الشافعية : إن المحدث جهراً وإتيانها في الخمسة وهذا تأويلهم .
ج1ص382
*2*باب ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة
باب ما جاء في الرجل يعطس في الصلاة
(1/452)
- الحديث رقم: 404
في رواية عن أبي حنيفة : أن المصلي إذا عطس بنفسه فحمد الله لا تفسد الصلاة ، ولو شمّت غيره تفسد .
قوله : ( بضعة وثلاثون ملكاً ) ومع هذا لا يقول أحد بالاستحباب فإن نظر الفقيه ليس في الخصوصيات الجزئية ، ولأنه لا بد من التعامل من السلف في ما يقال باستحبابه وما جرى التوارث على هذا ، ولعل بعض طرق الحديث يومي إلى عدم انبغاء هذا الفعل فلا يتمشى على ما هو ظاهر الحديث .
*2*باب ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة
باب ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة
(1/453)
- الحديث رقم: 405
اتفقوا على نسخه والخلاف في تاريخ النسخ .
ج1ص383
قوله : ( زيد بن أرقم ) هو صحابي مدني ، ولم يثبت ذهابه إلى مكة قبل الهجرة النبوية فثبت أن نسخ الكلام في المدينة ، وتأول بعض الشافعية مثل ابن حبان بأن المراد < بكنا نتكلم > أي معشر المسلمين ويرده اتفاق المفسرين على أن آية : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [ البقرة : 238 ] مدنية ، والقنوت هاهنا بمعنى الطاعة ، وفي الإتقان : أن لفظ القنوت في جميع القرآن بمعنى الطاعة وأثبته بحديث مرفوع .
قوله : ( والعمل عليه عند أكثر ) أي الصحابة رضوان الله عليهم ، وهذا خلاف ما قال النووي لأنه إمام الحديث .
*2*باب ما جاء في الصلاة عند التوبة
باب ما جاء في الصلاة عند التوبة
(1/454)
- الحديث رقم: 406
وروية الحديث في صلاة التوبة سنده حسن وأما تعيين السور والقيود فلا أصل لها وليعلم أن بين التوبة والاستغفار فرقاً فإن التوبة هو ترك الإثم والعزم على الترك مع الندامة على ما فعل ، وليس ذلك في الاستغفار وعلى هذا يمكن الاستغفار للغير بخلاف التوبة .
ج1ص384
قوله : ( ثم يقوم فيتطهر ) .
*2*باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة
باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة
(1/455)
- الحديث رقم: 407
يؤمر الصبي بالصلاة قبل البلوغ للاعتياد كما هو نص حديث الباب إلا أنها غير واجبة عليه ، وروي عن أحمد وجوب الصلاة عليه قبل البلوغ بعد عشر سنين ، وإني رأيت في كتاب : أن الأبوين مأموران وجوباً بأن يأمرا الصبي بالصلاة بعد السنة التاسعة ، وأما إذا احتلم الصبي فتجب عليه الصلاة ، والبلوغ حقيقة بظهور آثاره وأما حكماً بعد خمسة عشرة سنة .
ج1ص385
*2*باب ما جاء في الرجل يحدث بعد التشهد
باب ما جاء في الرجل يحدث بعد التشهد
(1/456)
- الحديث رقم: 408
من سبقه الحدث بعد التشهد يجب عليه أن يتوضأ ويبني ويسلم ، وإذا أحدث عمداً فعليه إعادة الصلاة ، وتمسك الشيخ عبد الحق الدهلوي بحديث الباب على عدم ركنية السلام ، وأقول : إنه إدخال المكروه تحريماً في أمر الشارع ولا يقبله أحد .
مسألة : إن طلعت الشمس في صلاة الفجر قبل السلام أو قبل سجود السهو لا يجب الإعادة ، ويوافقه فتوى علي أخرجها الطحاوي ص ( 161 ) عن علي أنه إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته الخ وأظن أنه بعد التشهد ، ومعنى قوله : تمت صلاته > أنه سقط عنه التسليم .
ج1ص386
*2*باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال
باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في الرحال
(1/457)
- الحديث رقم: 409
المطر من أعذار ترك الجماعة ، ولكنه يفوض إلى رأي من ابتلى به في إدراك أنه متى يكون ، عذراً ومتى لا يكون في حديث مرفوع : < إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال > وقال محمد بن حسن : إن النعال جمع نعل أي الأرض الصلبة ، وهذا المعنى ثابت في اللغة .
قوله : ( وابن الشاذكوني ) كان أحمد بن حنبل غير راضٍ عنه وأمر الناس : لا تأخذوا عنه ، الحديث ، وأيضاً أمرهم : لا تأخذوا عن يحيى بن معين ، ووجه جرحه في ابن معين توريته في مسألة خلق القرآن حين ابتلي به ، والعجب من المتأخرين أنهم تأولوا في جرح أحمد في ابن معين . . . . ولم يتأولوا في الجرح في حق إسماعيل بن حماد حفيد أبي حنيفة حين قيل فيه كما قيل في ابن معين ،
ج1ص387
وقد قال الأنصاري تلميذ زفر : منذ بنيت بصرة ما دخل فيها أحد أذكى من إسماعيل بن حماد ، ووجه جرح أحمد فيه أنه كان قاضي بصرة ولم يساعد أحمد حين ابتلي بالبلية بيد المأمون .
*2*باب ما جاء في التسبيح في أدبار الصلاة
باب ما جاء في التسبيح في أدبار الصلاة
(1/458)
- الحديث رقم: 410
وردت الأذكار بعد الصلاة ، وسيأتي حديث في الترمذي يدل على الذكر بعد التسليم وحسنه الترمذي وأعله النووي في كتاب الاستذكار .
قوله : ( في دبر كل صلاة ) قال الحافظ ابن تيمية : إن دبر الشيء جزؤه ، وقال : يكون الدعاء قبل التسليم وبعد التشهد ، وقاس على أن دبر الحيوان جزءه ، أقول : قياسه غير صحيح ، فإن دبر الصلاة الذي نحن فيه ظرف بخلاف دبر الحيوان فإنه ليس بظرف ، وغرضه إدخال الأذكار في داخل الصلاة ، وأما ذكر حديث الباب فثبت بأوجه منها : ما في الطرق المشهورة < أن سبحان الله ثلاثة وثلاثين مرة ، وكذلك الحمد الله أكبر ، وتمام المائة كلمة التوحيد ، أو بالله أكبر أربعة وثلاثين مرة > ومنها : أن كلا من الثلاثة خمسة وعشرين مرة ، وخمسة وعشرين كلمة التهليل لإتمام المائة > ، وفي طريق سنده أيضاً قوي : أن كلاً من الثلاثة أحد عشر مرة وأقول : إنه وهم الراوي قطعاً ، فإن شيخه لما ذكر : سبحان الله والحمد الله ، والله أكبر ، ثلاثة وثلاثين مرة زعم أن كلاً منها أحد عشر مرات ، والحال أن كل واحد منها كان ثلاثة وثلاثين مرة كما هو المشهور في طريق كل واحد من الثلاثة عشر مرات ولكنه سنده ضعيف ، وأصح ما في الباب أن يكون كل منها ثلاثة وثلاثين مرة ، وإتمام المائة بكلمة التوحيد وليعلم أن الهيأة الاجتماعية برفع الأيدي المتعارفة في العصر بعد المكتوبة نادرة في زمانه عليه الصلاة والسلام ، وثبت بعد النافلة من الاستسقاء وواقعة في بيت أم سليم .
ج1ص388
قوله : ( حسن غريب ) حسنه الترمذي وغربه مع أنه حديث الصحيحين لأن في سنده خُصَيْفاً وهو من رواة الحسان .
*2*باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر
باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر
(1/459)
- الحديث رقم: 411
تجوز النافلة على الدابة ، وأما المكتوبة فلا تصح على الدابة إلا للمطلوب ، ووسعوا في نجاسة كانت على السرج بأن الصلاة تصح معها ، ثم يجب استقبال القبلة عند التحريمة عند الشافعية ويستحب عندنا ، وأما مسألة العجلة والمركب الدخاني فمرت بتفصيلها .
قوله : ( فأذن رسول الله . . إلخ ) قال النووي : يدل الحديث على أنه عليه الصلاة والسلام أذن بنفسه في هذه الواقعة وقال الحافظ : سها النووي فإن في بعض طرق الحديث أمر بلالاً ليؤذن ، وقال السيوطي في حاشية السنة : إنه عليه الصلاة والسلام أذن في واقعة أخرى وأتى برواية من طبقات ابن سعد .
قوله : ( فنقدم على راحلة ) قال أبو يوسف وأبو حنيفة : لا يجوز الاقتداء على الدابة لأن الله تعالى ذكر الجماعة والاصطفاف في صلاة الخوف حين الإمكان بقوله : { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } [ النساء : 102 ] الآيةُ وعند الاشتداد لم يذكر إلا بقوله : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً } [ البقرة : 239 ] الآية : أي كيف ما تيسر فرادي ، وجوز محمد كما في صلاة الخوف في الهداية ، وظاهر حديث الباب
ج1ص389
(1/460)
يؤيده إلا أنهما جوزا إذا كان المقتدىوالإمام على دابة واحدة ، وأما جواب الحديث من جانب الشيخين أنه عليه الصلاة والسلام تقدم وصلى منفرداً وأما تقدمه فلكونه أفضل كما هو الدأب من تقديم الأفضل في الموضع والمقام ، وفي فتح القدير إذا لزمت سجت التلاوة لهم أن يصنعوا هيأة الجماعة في الحقيقة حتى لو ظهر كون الإمام محدثاً لا إعادة على القوم ، وأقول أيضاً : ربما يعبر بأنه صلى بهم ولا يكون صمة اقتداء وإمامة بال الاشتراك في الأداء في موضع منها ما في مصنف ابن أبي شبيبة : أنه عليه الصلاة والسلام أذن في واقعة سفر بالصلاة في الرحال فصلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رحله والصحابة في رحالهم ، وعبر الراوي فيها يصلي بنا وكذلك ما في مسلم ص ( 123 ) في واقعة القفول من تبوك حين أمَّ عبد الرحمن بن عوف الناس وكان عبد الرحمن إماماً في تمام الصلاة قطعاًُ فعبر الراوي في بعض الطرق يصلي بنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأما حملع على الواقعتين فلا ، وكذلك تعبيرات أخر مصل هذا المحمل في مصل هذا الحديث الذي غريب ومختلف فيه لا بأس فمراده أنه عليه الصلاة والسلام كان حاضراً فيهم لا أنه كان إماماً ، وأما إسناد حديث الباب ففيه عمر بن الرماح قيل : ثقة ، وقيل : ضعيف ، وأما الحديث فضعفه البيهقي والعقيلي ووثقه أبو بكر ابن العربي ، وأما العقيلي فمن الأقدمين فأكثر المحدثين مضعفون ، ومن الذين يثبتونه عبد الحق الإشبيلي صاحب كتاب الأحكام وغربه الترمذي .
*2*باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة
باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة
(1/461)
- الحديث رقم: 412
قوله : ( حتى انتفخت . . إلخ ) الانتفاخ كان إلى سنة كما روي عن عائشة في مسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يجتهد إلى سنة . . إلخ ، ويتوهم مما أخرجه أبو داود بسند قوي عن ابن عباس : أن الانتفاخ كان إلى اثنى عشر سنة يجب أن يتأول فيما روي عن ابن عباس ، وفي الصحيحين : نزلت أولاً أي خمسة آيات : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } [ العلق : 1 ] ثم نزلت سورة المدثر ، وفي الإتقان عن ابن عباس بسند قوي نزلت بعد المدثر النون ثم المزمل فنسخ الاجتهاد ، وفي الصلاة حين نزل آخر سورة المزمل وكان أمر بالاجتهاد فيها حين نزل أول المزمل نزل آخر المزمل في مكة لما روي عن عائشة في
ج1ص390
مسلم كما مر ، وقال بعضهم : نزل آخرها في المدينة ، ووجه ما قاله أن فيها ذكر الزكاة وأداء الزكاة في المدينة ، وأقول : لا يلجئ هذا الوجه إلى أن آخر المزمل مدنية فإن يمكن أن نزلت آية الزكاة في مكة بدون ذكر النصاب ثم أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المدينة بالنصب ، وظني أن أكثر الأحكام نزولها في مكة وإجراؤها في المدينة .
قوله : ( قد غفر لك ما تقدم إلخ ) هاهنا سؤالان :
أحدهما : ما المراد بالذنب؟ فقيل : إن المراد خلاف الأولى ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وأقوال أخر ، ثم اعلم اختلفوا في صدور الصغائر من الأنبياء ، فقال الأشعرية : يجوز صدورها من الأنبياء بعد النبوة أيضاً ، ونقل تقي الدين السبكي : أن الماتريدية لا يجوزون صدورها من الأنبياء .
والثاني : أن الأنبياء الآخرين ما أخبروا بعفو الذنوب وأخبر به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أن جميع الأنبياء معفوون ، فالجواب أن الغرض من هذا استعماله عليه الصلاة والسلام للشفاعة الكبرى في المحشر ، فلذا أخبره الله تعالى بغفران ما تقدم وما تأخر .
(1/462)
قوله : ( أفلا أكون ) قال الزمخشري : هاهنا بتقدير الجملة فإن مقتضى همزة الاستفهام صدارة الكلام ، ومقتضى الفاء توسط الكلام فتقدر جملة ، ويكون التقدير : أأترك الصلاة فلا أكون عبداً شكوراً؟ فعلم أن صلاته عليه الصلاة والسلام شكراً لله تعالى .
*2*باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة
باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة
(1/463)
- الحديث رقم: 413
في رواية : < أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة > وفي رواية : < أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة القتل بدون حق > فحمل العلماء الأولى على حقوق الله والثاني على حقوق العباد .
ج1ص391
قوله : ( فيتكمل بها . . إلخ ) اختلفوا في تكافئ النوافل الفرائض ، فقيل : لا تكافأها ولو صلى النافلة مدة العمر فمراد الحديث على مشربهم أن النوافل تكافئ ما نقص من دواخل الصلاة ، لا أصل الصلاة وقيل : إنها تكافئ الفريضة ثم في حديث : < أن سبع مائة نافلة تكافئ فريضة واحدة > ، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ملك العلماء وهو من كبار الشافعية : إن سياق ما في رواية أخرى أخرجها أبو داود وأن النافلة تكافئ الفريضة فإن فيها ذكر الزكاة أيضاً وليس في الزكاة دواخل من السنن والمستحبات التي تكافئها التطوع .
أقول : يدل حديث الباب في إثبات مرتبة الواجب القائل بها الأحناف .
*2*باب ما جاء في من صلى في يوم وليلة ثنتي عشر ركعة من السّنة وما له من الفضل
باب ما جاء في من صلى في يوم وليلة ثنتي عشر ركعة من السُّنة وما له من الفضل
(1/464)
- الحديث رقم: 414
المراد بالذِّكر السنن الرواتب ، ونسب إلى مالك بن أنس عدم انضباط عدد السنن ، وقالت جماعة منهم ابن تيمية وابن قيم : إن السنن القبلية للجمعة ليست بمغنية ، وقالا : لم يصح فيه شيء ، وعندنا وعند الشافعية السنن مؤقتة إلا أننا نقول : بثنتي عشر ركعة ، والشافعية بعشرة ركعات والخلاف في قبلية الظهر ، فإنهم قالوا بركعتين ، وقلنا بأربع ركعات ، ومن الطرفين كلام ، وقالوا : إن الاربع
ج1ص392
المذكورة سنن فيء الزوال ، وقال الأحناف : إن الركعتين اللتين زعمتم ركعتا التحية ، وهكذا اعتذروا ، وقال الحافظ ابن جرير الطبري : إن أكثر سنته عليه الصلاة والسلام أربع ركعات والأقل ركعتان ولا ريب في ثبوتهما ، ودليل الشافعية حديث ، ولنا أيضاً حديث ، وحديث الباب لنا ، وسيأتي لنا دليل عن علي قوي غاية القوة ، وأقول : قول ابن جرير هو الصواب فإنه لا يمكن إنكار أحدهما ، وأما دليل أكثر عمله عليه الصلاة والسلام على الأربع فما في سنن أبي داود ص ( 188 ) بسند قوي ، وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أكثر الصحابة كانوا لا يدعون أربعاً قبل الظهر ، وسيفصح الترمذي عن قريب بأن جمهور الصحابة مع الأحناف .
قوله : ( عن أم حبيبة ) هذا الحديث دليل الأحناف ، حسنه الترمذي وصححه .
*2*باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل
باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل
(1/465)
- الحديث رقم: 416
ركعتان قبل فريضة الفجر آكد التطوعات ، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وجوبهما وقال بوجوبهما ، الحسن البصري كما في فتح الباري ، وبعض مسائل الحنفية دالة على الوجوب مثل عدم جوازهما قاعداً ، وأما قضاءهما بعد الطلوع بلا فرض فهو الصواب للحنفي كان محمد يقول بقضاءهما
ج1ص393
منفرداً بعد الطلوع قبل الزوال وعنهما أيضاً روي لا بأس بقضاءهما ، وأما [ ما ] اشتهر من عدم القضاء للسنن عند الأحناف فالمراد أن قضاءها بعد خروج الوقت ليس بآكد كتأكيده في الوقت كما في العناية ، وفي الدر المختار قضاء الفرض فرض ، وقضاء الواجب واجب وقضاء السنن سنة فلا يتمشى على ظاهر ما زعم .
قوله : ( ركعتا الفجر . . إلخ ) المشهور أن المراد بهما سنتا الفجر ، وأما اللفظ فصالح لركعتي الفريضة أيضاً .
*2*باب التخفيف في ركعتي الفجر والقراءة فيهما
باب التخفيف في ركعتي الفجر والقراءة فيهما
(1/466)
- الحديث رقم: 417
من عادته عليه الصلاة والسلام تخفيف القراءة في سنتي الفجر ، وعن ابن عمر : أصغيت إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعاً وعشرين مرة فكان يقرأ فيهما سورة الإخلاص والكافرون ، قال ابن تيمية : كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبدأ صلاة الليل بركعتين خفيفتين ، ويتم بركعتين خفيفتين ، وهما ركعتا الفجر ، وجعل في ابن ماجة حديث الباب في ركعتي المغرب وأعله المحدثون ، وسمَّى ابن تيمية سورة : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } [ الكافرون : 1 ] وسورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] بسورتي الإخلاص ، قال في البحر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من السور مستحبة ويداوم عليها إلا مرة أو مرتين كيلا يهجر غيره المقتدون .
ج1ص394
مسألة : في القنية أن ضم السورة في الفرائض واجب ، وكذلك في الواجبات ، وأما في السنن فسنة ، وكذلك في النوافل ، وقال مالك بن أنس : لا يضم السورة في ركعتي الفجر ولنا عليه حجة كثير من الأحاديث ، وفي الطحاوي تطويل القراءة في ركعتي الفجر عن أبي حنيفة ، أقول : لعله فاته حزب بالليل فأتى به في ركعتي الفجر ، وليس هذا فعله مستمراً كما يدل قوله : وربما قرأت . . إلخ أي قلما قرأت إلخ .
*2*باب ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر
باب ما جاء في الكلام بعد ركعتي الفجر
(1/467)
- الحديث رقم: 418
في بعض كتبنا : أن يعيد الركعتين لو تكلم بين الركعتين والفريضة ، وفي بعضها عدم الإعادة ، وكون الكلام غير مرضي والمختار الثاني ، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق ، ولا وجه للإعادة ، وأما جواب حديث الباب على المختار فبأن كلامنا لا يقاس على كلامه عليه الصلاة والسلام ، وفي مدونة مالك أيضاً جعل الكلام غير مرضي ونقله عن جماعة من السلف ، وأما مالك فقال : لم يثبت كلامه عليه الصلاة والسلام بين الركعتين والفريضة ، وقال : إن الثابت هو الكلام بين التهجد وركعتي الفجر ولكنه يخالفه روايات الصحيحين الدال على كلامه عليه الصلاة والسلام بين الركعتين والفريضة فلعله أعلها ، وأما المحدثون فقالوا بثبوت الكلام في الموضعين .
ج1ص395
*2*باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين
باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين
(1/468)
- الحديث رقم: 419
هكذا مذهبنا ، وجوز الشافعية النوافل في هذا الوقت ، وتكلموا في ثبوت حديث ابن عمر ، وأما ابن دقيق العيد فقال : إن بعض الأحاديث تدل على مذهب الأحناف فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : < كلوا واشربوا إذا أذن بلال ، فإن بلالاً يؤذن بليل ، ليرجع قائمكم وينبه نائمكم حتى يؤذن ابن أم مكتوم > ، فدل قوله : ( ليرجع قائمكم ) أن أذان ابن مكتوم خاتمة النافلة ومانعها ، واستنباطه هذا صحيح بلا ريب ، وفي كتبنا أنه إذا صلى ركعتين بنية صلاة الليل ثم بدا أنه صلى في وقت الفجر فهل تجزئان عن سنتي الفجر أم لا؟ وقيل : بالإجزاء ، وقيل : لا .
*2*باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
(1/469)
- الحديث رقم: 420
قيل : الاضطجاع سنة ، وهو قول الشافعية ، ونقول بالإباحة ، ونومه عليه الصلاة والسلام لم يكن على طريق العبادة ، أقول : لو تأسى واقتدى أحد بعبادته عليه الصلاة والسلام من الضجع فلا بد من أنه يحرز الثواب ، وأنكر مالك بن أنس الضجع بعد سنتي الفجر ، وقال : إنه كان بعد التهجد قبل الركعتين ، وبوب مالك في موطأ . على الضجع بعد التهجد ، وقد ثبت عنه إنكاره بعد ركعتي الفجر ، وقال ابن حزم ببطون صلاة من ترك الاضطجاع بعد الركعتين ، وفعله عليه الصلاة والسلام ثبت
ج1ص396
بلا ريب ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام فأخرجه أبو داود وصححه ابن حزم ، وأخرجه الترمذي وصححه ، وفي سنده عبد الواحد بن زياد من رواة الحسان بحسب المختار .
*2*باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة
(1/470)
- الحديث رقم: 421
قال الظواهر : من كان يصلي فأقيمت انقطعت صلاته وليس هذا عند أحد ، وأما إذا أقيمت فلا يشرع في صلاة إلا في سنتي الفجر عند الأحناف والموالك ، ومذهب الأحناف أن يأتي بهما بشرط وجدان الركعة وأدائهما خارج المسجد ، وأما الموالك فقال مالك : يأتي بهما خارج المسجد بشرط رجاء وجدان الركعتين ، وفي الجلاب وهو من معتبرات الموالك : أن يأتي بهما وإن لم يدرك إحدى الركعتين ، وأما مشائخ الأحناف وسعوا من وجهين ، فوسع الطحاوي في جواز أدائهما داخل المسجد بشرط الحائل بين موضع أدائهما وصفوف الجماعة ، أو تكون الجماعة في المسجد الصيفي ويؤديها في الشتوي أو عكسه ، وقال في مشكل الآثار في الحصة التي لم يطبع : يأتي بهما داخل المسجد عند ضرورة شديدة فالحاصل أن أدائهما داخل المسجد ليس أصل مذهبنا ، وكذلك يروي مذهبنا غيرنا أيضاً مثل القسطلاني ، ولم يثبت أداء السنن مطلقاً داخل المسجد عنه عليه الصلاة والسلام إلا مرة أو مرتين أداء سنتي المغرب في غير المسجد النبوي ، ثم ركعتا الفجر إما واجبتان كما روي شاذاً فلا محتاج إلى الجواب ، أما حجتنا في أداءهما بعد الإقامة فعمل العبادلة الثلاثة ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وعمل أبي الدرداء بأسانيد قوية في مصنف ابن أبي شيبة : أن تسعاً من السلف التابعين كانوا يأتون بهما
ج1ص397
(1/471)
بعد الإقامة ، وفي سبعة تصريح الأداء خارج المسجد ، وفي اثنين يتوهم أداءهما داخل المسجد وجوابه عندي موجود ، وأما حديث الباب عن أبي هريرة فمختلف فيه في الرفع والوقف فممن وقفه حماد بن سلمة في مسلم ص ( 247 ) ولكن أخرجه مرفوعاً وموقوفاً فلعله سلم رفعه ووقفه حماد بن زيد في معاني الآثار ص ( 219 ) ، ونقل الشافعي في كتاب الأم من قول أبي هريرة في الموضعين ، ووقفه ابن عُليَّة في مصنف ابن أبي شيبة ، وإسماعيل بن مجمع في علل أبي حاتم : وقال أبو حاتم والصواب أنه موقوف كما في تلخيصه ، ولكنه روي بطريق إلا أن دأب المحدثين أن حكمهم بالوقف يكون من حيث جميع الأسانيد لا من سند واحد ، ووضعه البخاري في الترجمة ولعله تأثر من الاختلاف رفعاً ووقفاً ، وفي تذكرة الموضوعات لمحمد بن ظاهر المقدسي : الصواب أنه موقوف وهو من حفاظ الحديث إلا أنه مال إلى التصوف فَأُخِذَ فيه ، وتكلم البيهقي في معرفته السنن والآثار في الوقف والرفع وغرضه إثبات الرفع ، وفيه أن التلميذ سأل حماد بن سلمة هل هو عنه عليه الصلاة والسلام؟ قال حماد : نعم ، ولكن حماداً وقفه في مسلم ، ولكني متردد في ما نقل البيهقي فإن السائل عن حماد هو ابن عيينة ، والشافعي من أخص تلامذة ابن عيينة ولما رفعه حماد عند ابن عيينة كيف لا يرفعه ابن عيينة ، وكيف لا يطلع عليه الشافعي؟ والشافعي مع كون قوله الجديد ما هو مختار الشافعية الآن موافقاً لما روي عن أبي هريرة لم يرفعه مع أن الرفع يفيده ، وأما قوله القديم فموافق لنا ، وأخرجه الطحاوي رفعاً ووقفاً ومال إلى الوقف ، وبوب ابن أبي شيبة في مصنفه على هذه المسألة ، وصنيعه في موضع الباب يدل على الوقف ، وأيضاً لم يرفعه حيث أخرجه تحت الباب ، وممن رفعه أبو حنيفة في مسنده للخوارزمي ، وإني رأيت في حاشية مسند الخوارزمي المطبوع بدلهي أن بعض الرواة يروون عن أبي حنيفة : إلا ركعتي الفجر إلخ . وأما أنا فوجدت عنده نُسَخ المسند أبي
(1/472)
حنيفة وما وجدت هذه الزيادة عن أبي حنيفة ، وصيغ مسلم دال على الرفع وأورد الترمذي والنسائي وأبو داود بصورة الرفع ورفعه البخاري في جزء القراءة ، وبعض الرواة يروونه رفعاً ووقفاً منهم سفيان بن عيينة كما حررت مع التردد مني ، وإسماعيل بن مجمع وقفه في علل أبي حاتم ، وذكر الترمذي من الرافعين أيوب وورقاء . . إلخ ، أقول : وقفه عمرو بن دينار آخراً كما في حاشية الأم وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة والإمام الشافعي وغيرهم ، وفي العمدة عن صحيح ابن خزيمة : فنهى أن تصليا في المسجد فإن لم يكن سهواً من الناسخ فهو فاصل في المسألة .
قوله : ( وفي الباب عن عبد اللّه بن عمرو إلخ ) أقول : إن هذا لعله سهو الناسخ ، فإني لم أجد الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بل عن عبد اللّه بن عمر كما في أفراد دارقطني ، وعن ابن عباس
ج1ص398
(1/473)
في المعجم الصغير للطبراني ، وعن ابن سرجس في الصحيحين ، وعن أنس في صحيح ابن خزيمة ، ثم في السنن الكبرى للبيهقي ، وفيه : < إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر > ، بسند حجاج بن نصير الفساطيطي عن عباد بن كثير عن عمرو بن دينار ، وأما حجاج بن نصير فمختلف فيه ، أخذ عنه الترمذي في كتاب الجمعة ، ووثقه ابن معين ، وقال ابن عدي في الكامل : لم أجد عنه منكراً ، وأما عباد بن كثير فاثنان رملي وبصري ، والأول ربما يحسن أحاديثه ، وأما الثاني فساقط وكنت ظننت أن راوي الحديث هو الأول ، وأوفرت القرائن ثم رأيت في كشف الأحوال في نقد الرجال أن الفساطيطي يروي عن الرملي ولكنه لرجل متأخر ولم يحل على كتاب ، وقال البيهقي : لم أجد لهذه الزيادة أصلاً ، ونقل عنه أنها موضوعة ، أقول : لا يمكن قول الوضع بل حكم الإدراج وهو مراد البيهقي وفي كامل أبي أحمد بن عدي روى حديث الباب عن يحيى بن نصر بن حاجب وفيه : < ولا ركعتي الفجر > ، وحسنه الحافظ في الفتح ، وصححه السيوطي في التوشيح على البخاري ، أقول : كيف حسنه الحافظ والحال أن من عادة ابن عدي في كامله إخراج ما يكون منكراً عن الراوي؟ ويحيى بن نصر مختلف فيه ، وأقول : إن زيادة < إلا ركعتي الفجر > ، وزيادة : < ولا ركعتي الفجر > مدرجة من الرواة ، ثم أقول : إن مشار النهي أداء ركعتي الفجر داخل المسجد ، ولي في هذه الدعوى رواية أخرجها العيني في عمدة القاريء نقلاً عن صحيح ابن خزيمة عن أنس : أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج يوماً قبل أن أقيمت الصلاة فرأى رجالاً يصلون الركعتين فقال : أصلاتان معاً؟ فنهى أن تصليا في المسجد . إلخ ، فيكون الحديث صحيحاً على شرط ابن خزيمة ، فعلم أن المشار هو أداؤهما داخل المسجد ، وأخرجه في موطأ مالك ص ( 44 ) مرسلاً وليست فيه زيادة < فنهى أن تصليا > ، وكذلك أخرجه في مسند البزار وليست الزيادة فيه أيضاً ، وأما مؤيدات ما
(1/474)
في صحيح ابن خزيمة فأخرج الدارقطني في أفراده حديث الباب عن ابن عمر مرفوعاً بسند يحيى بن ضحاك بن عبد اللّه البابلتي ربيب الأوزاعي ، وكان يروي من كتاب الأوزاعي وأخذ عنه البخاري مطلقاً في كتاب الحج ، وعندي أنه من رواة الحسان ، وحكي : لما بلغ ابن معين إلى الشام وكان البابلتي ثمة فأهدى إلى ابن معين النقد من الدراهم والطيب والحلوان فأخذ ابن معين الحلوان والطيب ورد النقد ، ثم قال رجل ليحيى بن معين : ما تقول في يحيى البابلتي؟ قال : والله لهدية طيبة ولكنه والله ما سمع عن الأوزاعي شيئاً .
وراوى الحديث المرفوع ابن عمر وأما فتواه ففي موطأ مالك ص ( 45 ) ومعاني الآثار : أن تصليا خارج المسجد بعد الإقامة وكذلك راوي حديث الباب بمضمونه ابن عباس ، وأفتى بأداء الركعتين خارج المسجد كما في معاني الآثار ثم نعتبر باعتبار الأصول هل نجد فرقاً بين الداخل والخارج؟ فأقول : في نص الحديث فرق بين الداخل والخارج ، فإن في حديث مرفوع : < إذا كنت في المسجد
ج1ص399
ونودي للصلاة فلا تخرج حتى تصلي معهم > إلخ ، جعل مناط الحكم من يكون داخل المسجد ومن يكون خارجاً عنه ليس له هذا الحكم ، وكذلك في حديث مرفوع : < إذا كان المصلي في المسجد يدعوا له الملائكة حتى خرج > إلخ ، فأدار الحكم على داخل المسجد وأما في مسائل الفقه فكثير من أن تحصى مثل كراهة الجماعة الثانية ونوم المعتكف وغيرهما .
(1/475)
قوله : ( عياش بن عباس إلخ ) هذا السند غير السند عمرو بن دينار ، وما سبق من القطعات كان بسند عمرو بن دينار ولو صح عن عياش ليكون أفيد للشافعية ، ولكني متردد في حديث عياش ، وأخرجه الطحاوي ص218 أيضاً مرفوعاً ورجاله ثقات إلا أبو صالح كاتب الليث روى عنه البخاري في المتابعات ، فلا يكون أقل من رواة الحسان ، وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وفي سنده عن عبد اللّه بن عياش ، وفي الطحاوي عن عبد اللّه بن عياش عن أبيه وابن عياش صدوق وقد يغلط وفي سند المسند بدل أبي سلمة أبو تميم الزهري ، وفي رجال مسند أحمد أيضاً أبو تميم ، فلا يتوهم سهو الناسخ ، وأبو تميم مجهول فصار حديث عياش بن عباس متردداً فيه ، وبحث الطحاوي مطنباً ، وحاصله أن مزعوم الشافعية أن مناط حكم حديث الباب شروع الركعتين بعد الإقامة ، والحال أن إنكاره عليه الصلاة والسلام مثل هذا الإنكار ثابت على من شرع بعد الإقامة وقبل الإقامة وبعد الفراغ من الفريضة ، أما بعد الإقامة فحديث الباب وأما قبلها فما في موطأ مالك ، وأما بعد الفراغ عن الفريضة فما سيأتي من حديث ، فعلم أن مناط الحكم ليس ما زعمتم بل شيء آخر ، وهو عدم الفصل مكاناً والخلط مع الصفوف ، وأتى بحديث : < لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها ، واجعلوا بينها فصلاً > وسند الحديث قوي أخرجه أحمد أيضاً في مسنده وغيره أيضاً بألفاظ أخرجوها تحتاج إلى بيان الدقائق العربية التي ليس هذا محلها ، وفيه حكم طرداً وعكساً وهو إثبات المطلوب ونفي الضد ويرد على مختار الطحاوي أنه لو كان المراد وما زعمت من ذلك الحديث للزم عدم ضرورة الفصل
ج1ص400

(1/476)
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:55 AM   #16
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



مكاناً بين سنن الظهر وفريضتها مع أنه لم يقل أحد بهذا ، نعم مسألة كراهة مخالطة الصفوف صحيحة في نفسها كما في مسلم في باب الجمعة إلا أن حمل هذا الحديث على هذه المسألة غير صحيح ، وبالجملة بحث الطحاوي صحيح ومحمله ظاهر ، ومحمله عندي أن الفصل أعم من أن يكون زماناً أو مكاناً ، ولا يرد سنن الظهر فإن عدم الفصل زماناً صحيح فيها وجائز ، وأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأداء الركعتين بعد المغرب في البيت لما في سنن النسائي بسند قوي : < عليكم بهذه الصلاة في البيوت > ، فدل على أن المطلوب من حديث : < لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة > إلخ الفصل زماناً ومكاناً ، ثم أقول : إن للإقامة أيضاً بعض دخل في مناط النهي .
*2*باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الصبح
باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الصبح

(1/477)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:57 AM   #17
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 422
اشتهر فيما بين المصنفين أنه لا قضاء للسنن عند أبي حنيفة ، والحق أن للسنن قضاءً ولكنه أخف بعد خروج الوقت كما في العناية ، وإذا فاتت ركعتا الفجر فنقول : لا يقضيهما بعد طلوع الشمس وهو القول القديم للشافعي ، وأما جديده فهو أن يصلي قبل طلوع الشمس ، وأما مالك وأحمد فموافقان لأبي حنيفة ، وقال محمد بن حسن : يقضيهما بعد طلوع الشمس قبل الزوال وهو المختار ، فإن أبا حنيفة ، وأبا يوسف أيضاً لا يمنعان من القضاء بعد طلوع الشمس ، وفي الدر المختار قضاء الفرض فرض ، وقضاء الواجب واجب وقضاء السنن سنة .
قوله : ( عن جده ) أي جد سعدٍ ، وفي جده اختلاف كثير ، قيل : هو إنه قيس ، وقيل : قيس بن عمرو ، وقيل : قيس بن فهد ، وقيل : قيس بن زيد .
قوله : ( مهلاً يا قيس إلخ ) قوله عليه الصلاة والسلام هذا إما قبل شروعه في الركعتين ، وإما حال شروعه فهيما ، وإما بعد أدائه إياهما ، وظني أنه بعد أدائهما لا حال شروعه كما يدل الذوق السليم ، ولا قبل شروعه ، فإن نص الحديث يدل على أنه قد شرع فيها ، ومهلاً بمعنى اترك واكفف ، ولعله أراد الذهاب إلى بيته فقال عليه الصلاة والسلام : اكفف ، وليس المراد مهلاً أي انقص صلاتك .
قوله : ( أصلاتان معاً ) هذا الحديث يفيدنا في نفي الجمع بين الصلاتين في وقت واحد فإن مدلول اللفظ الإنكار على الجمع بين الصلاتين ، وأما كلامه عليه الصلاة والسلام فمن قبيل إلزام
ج1ص401
(1/478)
المخاطب بما لا يلتزمه ، لا أنه عليه الصلاة والسلام زعم أنه يصلي فريضةً أخرى ، بل زعمه عليه الصلاة والسلام أيضاً أنه يصلي السنة ، وإنكاره عليه الصلاة والسلام ثابت مثل هذا في أحاديث ، منها ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ : < أتصلي الصبح مرتين > ، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام لعبد اللّه بن سرجس : < بأية صلاتيك اعتددت > ، ومنها ما في حديث عبد اللّه بن بحينة قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < الصبح أربعاً > وحديث الباب مرسل ، ولنا ما روي عن ابن عمر : لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس . إلخ ، وقال بعضهم : الحديث متواتر لأنه مروي عن قريب من عشرين صحابياً .
(1/479)
قوله : ( فلا إذاً . . إلخ ) قال العلامة محي الدين الكافيجي : إن ( إذن ) التي هي ناصبة المضارع ويقال : إنها من الحروف مغيرة من إذا الشرطية ، ويجوز كتابتهما بالنون أي إذن في حديث الباب ورد : < فلا إذاً > وفي ابن ماجه : ( فسكت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، وفي مصنف ابن أبي شيبة : فلم يأمره ولم ينهه ، وفي بعض الرويات : أنه عليه الصلاة والسلام ضحك ، واختلف أهل المذهبين في شرح لفظ الباب : < فلا إذاً > فقال ، الشافعية : معناه فلا بأسَ إذن ، أي يجوز أداؤهما بعد الفجر قبل الطلوع ، وقال ، الأحناف : معناه فلا تصلي مع هذا ، العذر أيضاً ، أي ، < فلا إذاً > ، للإنكار ، وكان يختلج في صدري أن الفاء صحيحة وفصيحة على قول الشافعية ، أما على قول الأحناف فلا تكون مربوطة فنظرت هل أجد نظيراً أم لا؟ فوجدت في الآية { أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ } [ الطور : 15 ] قال الزمخشري : إنه إنكار وقد دخلت الفاء ، ثم تتبعت الأمثلة لمثل هذه المحاورة أي استعمال مثل < فلا إذن > للإنكار فوجدت أمثلة ، منها ما في مسلم المجلد الثاني : أن نعمان بن بشير وهب لابنه من الزوجة الثانية حصة ما له فقالت له زوجته : إني لا أرضى ما لم يكن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، شاهداً على هبتك فجاء إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - < وهبت لغير هذا لابن من النبين أم لا فقال لا فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < فلا إذن > . . إلخ ، فاستعمل
ج1ص402
(1/480)
اللفظ للإنكار والنهي ، ومنها ما في معجم الصحابة للبغوي استعمال لفظ : < فلا إذن > للإنكار ، وأمثلة أخر ، فإذن شرحُنا نافذ ، وتمسك الشافعية < بلفظ فسكت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - > ، وأقول : لما سبق الإنكار أولاً فكيف ما كان لا يدل على الإباحة والإجازة ، وشبيه هذا ما في سنن النسائي عن عائشة قالت في حجة الوداع : صمت يا رسول الله وأفطرت ، وقصرت وأتممت ، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقد أحسنت يا عائشة ، فظاهره يدل على أن الصوم والإتمام حسن في السفر ، ولم يثبت في واقعة من وقائعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : والشيخين الإتمام في السفر واستمر أمره عليه الصلاة والسلام بالقصر في السفر بإقرار المحدثين ، وأنكر الحافظ ابن تيمية جواز الإتمام في السفر ، وعن ابن عمر مرفوعاً في العمدة : صلاة السفر ركعتان ومن ترك السنة كفر ، وروايات أخر دالة على النهي عن الإتمام في السفر ، فليس مراد قوله لعائشة : ( أحسنت ) إجازة الإتمام بل مراده إغمازه عليه الصلاة والسلام عما فعلت عن عدم علم بالمسألة ، فكذلك هاهنا إغماض عن فعله عن عدم علم ، ومن مستدلاتنا ما سيأتي من الحديث القولي وفعله عليه الصلاة والسلام حين رجع من غزوة تبوك ، وكان إمام القوم عبد الرحمن بن عوف أخرجه أبو داود ص ( 20 ) باب المسح على الخفين وفيه : < فلما سلم قام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى الركعة التي سبق بها ولم يزد عليها شيئاً > انتهى ، ورد أبو داود على من قال : من أدرك الإمام في الركعة المنفردة عليه سجدتا السهو .
*2*باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس
باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس
(1/481)
- الحديث رقم: 423
ينبغي للحنفي أن يأتي بهما بعد طلوع الشمس قبل الزوال لما مر سابقاً ، حديث الباب قوي
ج1ص403
صححه الحاكم في المستدرك ، ولعل في تلخيص المستدرك إقرار الذهبي بصحة الحديث ، وإني تتبعت الحديث واجتمع عندي بعشرين طريقاً وما وجدت فيها ما ذكر الترمذي من المتن ؛ خمسة في مسند أحمد ، وخمسة في سنن الدارقطني ، وثلاثة في السنن الكبرى للبيهقي ، واثنان في صحيح ابن حبان ، واثنان في مستدرك الحاكم ، وواحد في جامع الترمذي واحد في تذكرة الحفاظ للذهبي ، وواحد في السنن الكبرى للنسائي ، ومدار كلها قتادة إلا أن بعضاً من الرواة يعبرون متن الحديث بمن أدرك من ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس وفليصل ركعة بعد طلوع الشمس ، والمراد من الركعة الصلاة لا الركعة الزائدة ، ومراد الحديث ليس ما دعم الحافظ من لحوق هذا الحديث بما مر من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة بعض التفصيل مر مني سابقاً ، وبالجملة الحديث في حق سنتي الفجر لا الفريضة .
قوله : ( إلا عمرو بن عاصم إلخ ) هو من رجال الصحيحين .
قوله : ( والمعروف ) غرض المصنف إعلال الحديث ، وأقول : لا يمكن إعلال الحديث لما رويت فإن في مسند أحمد عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ، وفي سنن الدارقطني والسنن الكبرى للبيهقي عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة ، وفي بعض الكتب عن عزرة بن تميم عن أبي هريرة فلا يمكن إعلال الحديث المروي بثلاث طرق .
*2*باب ما جاء في الأربع قبل الظهر
باب ما جاء في الأربع قبل الظهر
(1/482)
- الحديث رقم: 424
قال ابن جرير الطبري : الأربع والثنتان قبل الظهر ثابتة ، والأكثر عملاً الأربع ، أقول : لقد أخذ
ج1ص404
ابن جرير في الكلام والدليل على أكثرية الأربع ما في أبي داود ص ( 178 ) عن عائشة كان يصلي أربعاً قبل الظهر في بيتي ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يرجع إلخ .
قوله : ( عن عاصم بن ضمرة ) حسنه المصنف رحمه الله ونقل في هذا الكتاب توثيقه عن البخاري في أبواب الزكاة ص ( 79 ) باب زكاة الذهب ، فقال : عن عاصم بن ضمرة عن علي وعن الحارث عن علي ثم قال : وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ، فقال : كلاهما عندي صحيح ، وصحح رواية ابن قطان المغربي في كتاب الوهم والإبهام وروى الحافظ عن علي بن أبي طالب أنه يرى التطبيق ، وفيه عن عاصم بن ضمرة وحسنه الحافظ فثبت تقوية الحافظ رواية عاصم ، وأما أهل المذهبين فلهم كلام يقول الشافعية : إن الأربعة هذه سنن في الزوال وقال الأحناف : إن الركعتين تحية المسجد أو تحية الوضوء ، ولكن الحق لا يتجاوز كلام ابن جرير الطبري .
ج1ص405
*2*باب آخر
باب آخر
(1/483)
- الحديث رقم: 426
من فاتته الأربعة قبل الظهر يأتي بها بعد الفريضة ، ثم لنا فيه قولان ، قيل : يأتي بها قبل الركعتين البعديتين ، وقيل : بعدهما وهو المختار لوفاقه الحديث .
قوله : ( من صلى قبل الظهر أربعاً ) حديث أم حبيبة يفيدنا في أربع قبل الظهر وصححه الترمذي
ج1ص406
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ج1ص407
*2*باب ما جاء أنه يصليهما في البيت
باب ما جاء أنه يصليهما في البيت
(1/484)
- الحديث رقم: 432
أداء السنن في البيت سنة وأفضل كما في الهداية ، وهذا أصل المذهب ، وأما أرباب الفتيا فأفتوا بأن الأفضل في المسجد لئلا يلزم التشبه بالروافض ، فإنهم لا يأتون بالسنن ، ولو تركت في المسجد يتوهم الناظر أن أهل السنة أيضاً يتركون ، وأما في زماننا فيمكن الفتوى بأدائها في المسجد فإن الناس متكاسلون ولا يأتون بها في البيوت أن فاتتهم في المسجد ، وأما النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسنته المستمرة أداء السنن في البيت إلا في واقعتين في ركعتي المغرب ، إحداهما : أنه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى مسجد بني عبد الأشهل فصلى المغرب ثم صلهما فيه ، وروى محمد بن نصر المروزي عن ابن عباس أن عباساً أرسله إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرآه يصلي في المسجد بعد المغرب إلى العشاء ، أقول هذا معلول فإن قصة ابن عباس مشهورة مروية بطرق تبلغ خمسين أو ستين وليست فيها هذه الزيادة في مسند أحمد : أن عبد اللّه بن أحمد سأل أباه أن بعض أهل كوفة ، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أفتى بعدم جواز السنن في المسجد ، قال أحمد : صدق ، والله أعلم بالصواب .
ج1ص408
*2*باب ما جاء في فضل التطوع ست ركعات بعد المغرب
باب ما جاء في فضل التطوع ست ركعات بعد المغرب
(1/485)
- الحديث رقم: 435
تسمى هذه الصلاة بصلاة الأوابين في عرف الناس ولم يصح فيها حديث وحديث ، الباب أيضاً ضعيف والعمل به مع ضعفه ، وصح الحديث في الأربع بعد العشاء ، وفي الأربع قبله ضعيف وفي الأربع قبل الظهر والأربع بعدها صحيح ، وكذلك في الأربع قبل العصر .
*2*باب ما جاء في الركعتين بعد العشاء
باب ما جاء في الركعتين بعد العشاء
(1/486)
- الحديث رقم: 436
هذه الصلاة من السنن الرواتب عندنا ، حديث الباب يفيد الشافعية في الركعتين قبل الظهر ، ولنا عن عائشة ما في أبي داود ص178 .
ج1ص409
*2*باب ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى
باب ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى
(1/487)
- الحديث رقم: 437
قال أبو حنيفة : إن الأفضل أربع بتسليمة في الملوين ، وقال صاحباه بأفضلية الأربع بتسليمة بالنهار ، والمثنى بالليل ، وقال الشافعي بأفضلية مثنى مثنى في الملوين ، وقال مالك بن أنس لا تجوز أربع بتسليمة بالليل وصورة الاختلاف من أراد أن يصلي أربعاً ، وأما لو أراد أن يصلي ركعتين فقط فليس بمورد النزاع .
قوله : ( صلاة الليل مثنى مثنى ) هذه الجملة مفيدة للقصر ، وقال الشافعية : إن القصر قصر الأفضلية ، وقال الموالك : قصر الجواز ، ولا يصح القصران على مذهب أبي حنيفة وقال تقي الدين بن دقيق العيد : إن القصر ليس بمنحصر في هذين القسمين بل قصر آخر أي قصر أقل ما يصح وما يجوز ، وأقول : إن هذا القصر يراد به إذا لم تكن قرائن القصرين الأوليين من قوله عليه الصلاة والسلام أو فعله في أكثر الأحيان ، ولم يثبت حديث ينص على أربع بالليل بتسليمة ، وتمسك الأحناف في مذهب أبي حنيفة بحديث عائشة حديث الصحيحين : كان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن . إلخ ، وأقول : إنه ليس بحجة لنا ، فإن الحديث مبهم ولا يدل على أنها بتسليمة واحدة بل هي محمولة عندي على هيأة التراويح في زماننا أي التسليمة على ركعتين ركعتين والترويحة على أربعة ، ومر عليه أبو عمر في التمهيد ، وقال في شرح الحديث مثل ما قلت ، وإنما جمعت بين أربع لعدم الوقفة والترويحة على ركعتين ، ثم وجدت في السنن الكبرى مرفوعاً : يصلي أربعاً فيتروح إلخ ، ويدل على التسليم على ركعتين عن عائشة ما في مسلم ص254 يسلم بين كل ركعتين ، وفي النسائي عن أم سلمة : يسلم على كل ركعتين ، فلا يكون حجة لنا ناهضة فإن الرواة بعضهم يعبرون المراد مجملاً ، وبعضهم يفصحون بالمراد ويذكرون التسليم على كل ركعتين والأولون لا يذكرون التسليم فلا يمكن الاستدلال بالإجمال ، فالحاصل أني لم أجد ما يدل على مختار أبي حنيفة رحمه الله إلا ما روي عن ابن مسعود موقوفاً ، ولكنه مرفوع حكماً
(1/488)
بسند قوي أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه : من صلى أربعاً بتسليمة واحدة بالليل عدلن بمثل قيام ليلة القدر ، وإنما قلت : إنه مرفوع حكماً فإن ذكر فضل العمل لا يمكن لأحد بلا إخبار الشارع ، ولهذا تتبعت الكتب لأجد الرواية عن أبي حنيفة مثل الصاحبين ، ولكني لم أجد مع التتبع الكثير ولو وجدت عنه لرجحت ولو شاذة .
أجاب ابن همام عن حديث الباب بتأويلين :
الأول : أن لفظ مثنى ناف للواحد والثلاثة وأما الأربع فليست بداخلة تحته .
ج1ص410
(1/489)
والثاني : أن معنى مثنى اثنان اثنان فيكون المجموعة أربع ركعات ولم يقل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعاً أربعاً كيلا يرفع القعدة على ركعتين ركعتين ، أقول : يخالفه قول الزمخشري أن المراد من مثنى اثنان فقط لا اثنان اثنان ، وهذا إذا كان اللفظ مكرراً ، وأيضاً يخالف قول الشيخ ما ورد عن ابن عمر راوي الحديث تفسير المرفوع أنه سئل ما مراد من مثنى مثنى؟ قال : أن تسلم على كل ركعتين أخرجه مسلم في صحيحه ( 257 ) ، ثم فيما فسر ابن عمر بحث لأنه ثبت عنه موقوفاً : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ، أخرجه في معاني الآثار ، وعمله بالنهار أربع ركعات بتسليمة واحدة ، كما في معاني الآثار ص ( 198 ) : أن ابن عمر صلى قبل الجمعة أربعاً لا يفصل بينهن بسلام ، وسنده صحيح فإن فهداً شيخ الطحاوي ثقة ، وعلي بن معبد تلميذ محمد بن حسن من رواة الصحيحين ورواة الجامع الصغير ، وسائر الرواة ثقات ، وإن قيل : إنه يدل على أربع قبل الجمعة لا تظوع النهار مطلقاً قلت : إن في تلك الصفحة عن ابن عمر : أنه كان يصلي بالليل ركعتين وبالنهار أربعاً ، وسنده قوي فإن رواته رواة الصحيحين إلا فهداً ، وروي عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً : < صلاة الليل والنهار مثنى مثنى > إلا أنه أعله الطحاوي والدارقطني وابن حبان وجمهور المحدثين ، وقالوا : إن لفظ النهار وهم الراوي ، وخالفهم البخاري ، ويقوي لفظ النهار في خارج الصحيح ، ثم أقول لدفع ذلك البحث : إن مراد ما قال ابن عمر هو القعدة على الركعتين لا السلام على ركعتين ، وأما قوله لرجل سأل عن تفسير مثنى مثنى في مسلم ص ( 257 ) فالمراد به أن التسليم أولى وأفضل ، والله أعلم وعلمه أتم فأذن دار المثنوية على القعدة عندنا وعلى التسليم عند الشافعية ، وعلى هذا يقول الشافعية في الوتر : إن المثنوية لما كانت بالتسليم تكون الشفعة في الوتر أيضاً بالتسليم لا بالقعدة ، لحديث عام : < صلاة الليل مثنى مثنى >
(1/490)
فيكون الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين ، فإذن يكون مضي الواحدة في < أوتر بواحدة > المنفردة ( أكيلا ) عند الشافعية ، وأما عند الأحناف فمعناه الواحدة ( إيك ) .
قوله : ( أوتر بواحدة ) هذا اللفظ لا يدل على الوتر بركعة واحدة فإن لفظ الوتر محمول إلى الخارج وليس المراد الوتر لغة ، فإن معناه اجعل صلاتك وتراً معهوداً في الشريعة بركعة أي بضم ركعة لمقدمة .
إن الأسماء الشرعية كانت في اللغة متعدية مثل القراءة والوتر والمسح وغيرها ، فإذا نقلت إلى الشريعة صارت لوازم فإن المراد يكون منها المدلولات الشرعية ، فإذا أردنا تعديتها نجعلها متعدية بواسطة الباء فالباء في : < أوتر بواحدة > < وامسحوا برؤوسكم > باء التعدية ، فإن المسح كان متعدياً في اللغة ، فإذا نقلناه إلى المعنى الشرعي صار لازماً أي إمرار اليد المبتلة فعديناه بالباء ، ولا يتوهم أن في المعنى الشرعي أيضاً تعدياً ، فإنه شبيه ما قيل : أن لا يعلمون ، بمعنى : ليس لهم علم لازم ، وكذلك فرق بين السميع صيغة الصفة المشبهة اللازم ، والسامع صيغة اسم الفاعل المتعدي ، ومر مني بعض كلام في هذه المقدمة في القراءة خلف الإمام .
قوله : ( واجعل آخر صلاتك وتراً ) هذا محمول على الاستحباب عند الجمهور ، وفي متوننا من كان يثق بالانتباه يؤخر الوتر إلى آخر الليل .
ج1ص411
*2*باب ما جاء في وصف صلاة النبي - صلّى الله عليه وسلّم - بالليل
باب ما جاء في وصف صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل
(1/491)
- الحديث رقم: 439
صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل في أصح الروايات بإحدى عشر ركعة ، وفي بعض الصحاح ثلاث عشرة ركعة ، وقال المحدثون : إن صلاة الليل كانت إحدى عشر ركعة إلا أن الراوي جمع بها ركعتي الفجر ، الحديث : صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل ثلث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر وقيل أن الركعتين صلاة التحية ، وقيل : هي الركعتين الخفيفتين قبل صلاة الليل أو بعدها ، وقيل : هما ركعتا النفل جالساً بعد الوتر ، وورد في رواية صلاته بالليل خمس عشرة وسبع عشرة ركعة أيضاً ، وتردد فيهما المحدثون .
قوله : ( ما كان يزيد في رمضان إلخ ) هذه الرواية رواية الصحيحين ، وفي الصحاح صلاة تراويحه عليه الصلاة والسلام ثماني ركعات ، وفي السنن الكبرى وغيره بسند ضعيف من جانب أبي شيبة فإنه ضعيف اتفاقاً عشرون ركعة ، وأما عشرون ركعة الآن إنما هو سنة الخلفاء الراشدين ، ويكون مرفوعاً
ج1ص412
حكماً وإن لم نجد إسناده قوياً ، وفي التاتارخانية سأل أبو يوسف أبا حنيفة : هل كان لعمر عهد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قرر التراويح عشرين ركعة وأعلن بها؟ قال أبو حنيفة : لم يكن عمر مبتدعاً أي لا بد من كون عشرين ركعة مرفوعةً ، قال المصنف لم تكن صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل أقل من تسع ركعات ، أقول : لم تكن أقل من سبع ركعات لحديث عائشة أخرجه أبو داود في سننه ص ( 200 ) : كان يوتر بأربع وثلاث ، وست وثلاث وثمان وثلاث ، وعشر وثلاث ، وقال الحافظ ابن حجر : إن هذا الحديث أصح ما وقفت عليه في عدد الركعات .
ج1ص413
(1/492)
قوله : ( صلى من النهار ثنتي عشر ركعة ) تمسك البعض بهذا على وحدة ركعة الوتر فإن عمله عليه الصلاة والسلام لم يزد على ثلاث عشرة ركعة ، فلما قضى ثنتي عشر ركعة ، وعلم أن صلاته بالليل ثنتا عشر ركعة ، علم أن الوتر ركعة يقال : ثبت صلاته عليه الصلاة والسلام بالليل خمسة عشر ركعة أيضاً ، وأيضاً لعل هذه الصلاة ليست قضاء صلاته بالليل بل رواتبه النهارية ، وتوهمه رواية أخرجها أحمد في مسنده عن علي : أنه كان يصلي ثلاث عشرة بالليل وثنتي عشر ركعة بالنهار ، والله أعلم .
*2*باب ما جاء في نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة
باب ما جاء في نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة
(1/493)
- الحديث رقم: 446
حديث الباب حديث الصحيحين ، ومسألة الباب تتعلق بالاعتقاديات لا بالفقهيات ، ويكفي
ج1ص414
الاعتقاد إجمالاً كما في الفقه الأكبر إذ لا يعلم أحد تفصيل المسألة ، فليقل : آمنت بالله وآمنت بهذا كما هو المراد عند الله تعالى ، والفقه الأكبر من تصنيف أبي مطيع البلخي الحكم بن عبد اللّه تلميذ أبي حنيفة ، وهو متكلم فيه وعندي أنه صدوق ، وفي الميزان : كان ابن المبارك يعظمه ويوقره ( ف ) اشتهر على الألسنة أن المتأول ليس بكافر ، في آخر الخيالي على شرح العقائد وفي بعض تصانيف الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد : إن المتأول في ضروريات الدين كافر .
( واعلم ) أن في علم الغيب مقامين : أحدهما : مقام المدح ، والثاني : مقام ذكر المسألة ، وأما في مقام المسألة فتكون القيود والشروط مذكورة ، وأما في مقام المدح فلا فإنه مقام المبالغة وليس بكذب ، فلا يغرنك ما قال صاحب القصيدة البردة :
~ فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فإنه مقام المدح والمناقب ، والحاصل أني لا أذكر هاهنا لا نبذة من الكلام .
(1/494)
واعلم أن الفلاسفة ينكرون صفات الله تعالى ، وأما قولهم : إن صفات الباري عين ذاته فيغالطون به الناس ويلزمهم أن صفات الله زائدة على الذات ، فإنهم لا يقولون إلا بصفة العلم للباري وينكرون سائر الصفات ، وعلم الله تعالى حصولي عند أرسطو والفارابي وابن سينا كما هو مصرح في تصانيفهم ، وغفل عنه الناس فلا يكون العلم إلا زائداً على الذات ، وأما الوجود فهو عين ذات عندهم ومتحد به كما قال الأشعري بأنهما متحدان في الحقيقة ، ثم الاتحاد على أنواع : الاتحاد في المفهوم وهو أضيق ، والاتحاد في الحقيقة وهو أوسع من الأول ، ثم الاتحاد في الوجود وهو أوسع من الثاني كما قال ابن سينا : إن الحيوان والناطق متحدان في الوجود ومختلفان في الحقيقة ، وينكر الفلاسفة الملاعنة الإرادة له تعالى والقدرة فإنهم يقولون : إن الباري فاعل بالإيجاب والعلة ، ولعل كنه مذهبهم أن الحوادث بالعلة الأخيرة ومحصله أنها بغير محدث ، ولقوله : إنه فاعل بالاختيار وخالق ، وإنكار القدرة للباري كفر صريح جلي بإجماع الأديان السماوية ، وأما الكلام والبصر والسمع له تعالى فمختلف بين أهل القبلة فكيف يرجى قبوله من الملاعنة؟ فلم يبق إلا العلم وهو أيضاً حصولي هذا ما نقح لي من مذهب الملاعنة .
( ف ) قال مولانا المرحوم النانوتوي : إن النزاع بين الصوفية القائلين بعينية الصفات للذات ، والمتكلمين القائلين بغيرية الصفات للذات ، نزاع لفظي وأخذ كل واحد منهما بمرتبة وسكت عن المرتبة الأخرى ، فإن منبع كل صفة ذات وأما انتشارها ووفور آثارها فزائد ليس عين ذات ولا غيرها ، فإن ضوء الشمس في قرصها وذاتها عين ذات وإذا وقع على الأرض فغير ذاتٍ أقول : قد صرح العارف الجامي بتسليم المرتبتين عند الصوفية كما قال اتفق القوم على أن لله تعالى كمالين كمال ذاتي وكمال أسمائي .
(1/495)
( ف ) في تحرير الشيخ ابن الهمام أن أفعال الباري معللة بالحكم ، وأجمع عليه المحدثون والفقهاء ، ولا يلزم منه الاستكمال بالغير كما زعم الفلاسفة الملاعنة ، فإن الصفات فروع كمال الذات
ج1ص415
وليست بلاحقة من الخارج مثل ضياء الشمس ذكره في بحث الأمر ، وفي تحريره : أن العلة التامة مقدمة على المعلول تقدماً زمانياً لا أن الزمان قد يكون قليلاً فيتوهم عدمه ، وهو مختار ابن تيمية حين قال : لا يتصور عدم تقدم الفاعل على فعله ، وهو مختار المتكلمين والسبكي في جمع الجوامع .
( واعلم ) أن المشابهات مثل نُزول الله إلى السماء الدنيا ، واستواءه على العرش ، فرأى السلف فيها الإيمان على ظاهره ما ورد إمهاله على ظاهره بلا تأويل وتكييف ، ويفوض أمر الكيفية إلى الله تعالى ، وأما ما نسب إلى بعض السلف مثل ابن عباس أنه يعلم معاني المقطعات القرآنية على تقدير صحته بيان محتملات ، ويتوهم من جامع الفصولين وهو من معتبراتنا النهي عن الترجمة اللغوية أيضاً للمتشابهات ، لكن قريحتي يحكم أن النهي عنه تفسيرها لا ترجمتها تحت الألفاظ من الحقوق واليد والوجه وغيرهما ، وأما مذهب المتكلمين فهو التأويل في المتشابهات موافقاً للشرع ، وقال المتكلمون : إن مذهب السلف التفويض وهو أسلم ، ومذهبنا أي المتكلمين التأويل بالعقل وفاق الشرع وهو أحكم ، ومعناه أن أصل مذهب أهل السنة التفويض ، وأما التأويل فعند الضرورة والمقابلة مع الغير من مخالفي أهل السنة ، والمتكلمون إنما احتاجوا إلى التأويلات عند المناظرة مع معاندي الإسلام ، فما قال بعض الناس من الألفاظ الركيكة في حقهم فبريؤون عنها ، وأما مذهب المبتدعين في المتشابهات فالتأويلات المخالفة للشريعة الغراء الموافقة لعقولهم القاصرة عياذاً بالله ، ومذهب المشبهة أن الله جسم كالأجسام ، ومذاهب أخر لا أذكرها ، وأما تفويض السلف فيحتمل المعنيين :
(1/496)
أحدهما : تفويض الأمر إلى الله وعدم الإنكار على من تأول كيف ما تأول بسبب إقرارهم بعدم العلم .
ثانيهما : تفويض التفصيل والتكييف إلى الله تعالى والإنكار على من تأول برأيه وعقله ومرادهم هو الاحتمال الثاني لا الأول ، وأما المتأولون من أهل الحق فثلاث فرق : تأول أرباب اللغة بالاستعارة أو التشبيه ، وتأول الصوفية مثلاً في نزول الله بالتجلي وهو ظهور الشيء في المرتبة الثانية ، وتأول المتكلمون بنزول ملائكة الله أو رحمة الله الخاصة والمتكلمون طائفتان : الأشعرية هم المنسوبون إلى أبي الحسن الأشعري وتوابعه الشافعية والمالكية والطائفة الثانية الماتريدية : هم المنسوبون إلى أبي منصور الماتريدي وتوابعه الأحناف ، وأبو الحسن وأبو منصور معاصران وأبو منصور أصغر سناً ، وأما الحنابلة فلا ينتسبون إلى الماتريدي والأشعري .
واعلم أن لفظ الأشاعرة يطلق على جميع من الأشعريين والماتريديين ، وأما الأشعرية فقالوا : إن لله تعالى صفات ذاتية أزلية قديمة وهذه سبعة : العلم ، والسمع ، والبصر ، والقدرة ، والإرادة ، والكلام ، والحياة ، وصفات فعلية وهذه حوادث ومخلوقات له تعالى وليس بقائمة بالباري ، وأما الماتريدية فقالوا : إن الصفات الذاتية فسبع وقديمة ، وأما الصفات الفعلية فقديمة أيضاً ، وهي التي تكون صفات الله تعالى مع أضدادها ، ولم أجد هذا التعريف في كتب الكلام ، نعم موجود في كتاب الإيمان في الدر المختار ، ومثال الصفات الفعلية فمثالها الإماتة والإحياء والغضب والرضا وغيرها
ج1ص416
(1/497)
وأدمج الماتريدية جميع الأنواع تحت جنس واحد وسموها بالتكوين والبخاري أيضاً قائل بالتكوين ، والتكوين صفة ثامنة لله تعالى وقال الأشاعرة في الصفات القديمة : إن التعلقات حوادث وقال الطحاوي : إن الله خالق قبل أن يخلق ، ورازق قبل أن يرزق وأقول من جانب الماتريدية : إن شيئاً آخر من ما يتعلق بالباري ويسمى بالفعل ، وهذه التسمية مني وهو مثل النزول إلى سماء الدنيا وغيره من الجزئيات التي تكون متعلقة بالباري ، ولا يكون له نوع في الباري قديماً ، وهذه الأفعال حوادث ويقول الماتريدية : إنها ليست بقائمة بالباري بل من مخلوقاته ، وأما مشرب الحافظ ابن تيمية في الصفات الحوادث أنها قائمة بالباري وحوادث وغير مخلوقة ، ويدعى أنه يوافق السلف الصالحين ، ويقول : إن الله تعالى يقوم به الحوادث باختياره ولكنه ليس ما لا يخلو من الحوادث بل قد يكون متصفاً بالحوادث وقد لا يكون متصفاً بها ، وقال : إن بين الحادث والمخلوق عموماً وخصوصاً فإن الصفات الحادثة وسائر أشياء العالم حوادث ، والصفات ليست بمخلوقة بخلاف سائر أشياء العالم الممكنة ، وأما الأشاعرة فيقولون بأن الباري عزَّ اسمه ليس بمحل للحوادث وقالوا لا فرق بين الحادث والمخلوق ، وأقول : إن اللغة تساعد الحافظ ابن تيمية فإنه إذا كان زيد قائماً يقال : إن القيام متعلق بزيد ، وإن زيداً متصف بالقيام ، ولا يقال : إنه خالق القيام فكذلك لما كان الله موصوفاً بالنزول فلا بد من قيام النزول ، وكون الباري عز برهانه متصفاً بالنزول لا خالقاً ، له وبعين ما قال ابن تيمية قال البخاري بأن الله متصف بصفات حادثة ، إلا أن الشارحين تأولوا في كلامه ومثله روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن حسن بسند صحيح في كتاب الأسماء والصفات ، حيث قالوا : من قال : إن القرآن مخلوق كافرٌ ، أي من قال : بأن القرآن ليس صفة الباري وأنه بمعزل وبائن عن ذات الباري ، وليسوا بقائلين بأن القرآن قديم أي الكلام
(1/498)
اللفظي فالحاصل أنهم قائلون بحدوث الكلام اللفظي لا بخلقه ، وصنف ابن تيمية في كون الباري يقوم به الأفعال الاختيارية مجلداً كاملاً ، ودل ماروينا على رغم أنف من قال بأن أبا حنيفة جهمي عياذاً بالله ، فإن أبا حنيفة قائل بما قال السلف الصالحون ، فالحاصل أن نزول الباري إلى سماء الدنيا نزول حقيقة يحمل على ظاهره ويفوض تفصيله وتكييفه إلى الباري عز برهانه ، وهو مذهب الأئمة الأربعة والسلف الصالحين كما نقله الحافظ في فتح الباري عنه ، وذهب الأشاعرة المتكلمون إلى ما ذهبوا ، ثم نقول : إن قول الأشعرية بأن الصفات الفعلية حوادث ، لا دليل لهم عليه فإنها ليست بحادثة ، وإن قيل : إن للصفات الفعلية التي تحت الأسماء الحسنى للباري تعلقاً بالحوادث فتكون حوادث ، قلت : إن المقدرة والإرادة وغيرهما أيضاً تعلقاً بالحوادث ولا تقولون بحدوثها ثم المشهور بين المتكلمين أن الإرادة مثلاً قديمة والتعلقات بالمتعلقات الحادثة حوادث وقال الحذاق منهم : إن الإرادة مثلاً والتعلق قديمان والمتعلق حادث كما قال الدواني في رسالة إثبات الواجب .
ويَعلم أن العلم يتعلق بالمعدومات بدون واسطة الصور وأنكره الفلاسفة الملاعنة .
ج1ص417
(1/499)
( ف ) قال المناطقة : إن العلم هي الصورة الحاصل وقال ميرزاهد : إن العلم هي الحالة الإدراكية ، وقال المتكلمون : إن العلم مبدء الحالة الإدراكية ، ونظيره أن يكون بيت مظلم وفيه مشكاة وضعت فيها السراج فانتشر ضياء السراج ووضعت ثمة تمثالاً فإذن قال المناطقة : إن العلم هي التمثال وقال ميرزاهد : إن العلم هو ضياء السراج ، المنتشر ، قال أرباب الكلام : إن العلم هو السراج ، فنحول الأمر إلى ذوي الألباب وينظر فيه ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ، هذا ما تييسر لي الآن في ذكر نبذة الكلام ، والكلام أطول من هذا والله أعلم ، وعلمه أتم ، فحاصل الباب أن نؤمن بالمتشابهات كما وردت بظاهرها ونفوض التفصيل إلى الله ، وورد في النصوص أن لِلّه يميناً ورجلاً وحقواً ويداً ووجهاً وغيرها فنؤمن بظاهرها .
قوله : ( ثلث الليل الأول ) في رواية نصف الليل وفي رواية ثلث الليل الأخير ، واختار المحدثون الثالثة ، وأقول : تحمل الأحاديث والروايات الثلاثة على أصلها بلا ترجيح ، ويقال بنزول الله في الأوقات الثلاثة فإنه تعالى وتقدس لا يشغله شأن ، والأوقات الثلاثة مباركة لأنها أوقات الفراغ عن غير الله تعالى وتقدس .
*2*باب ما جاء في القراءة بالليل
باب ما جاء في القراءة بالليل
الأفضل عندنا في النافلة بالليل الجهر بالقراءة بشرط أن لا يؤذي النائم أو مصلياً آخر .
(1/500)



 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 11:59 AM   #18
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 447
قوله : ( أسمعت من ناجيت ) قال الصوفية : كان أبو بكر الصديق في مرتبة الجمع وكان عمر الفاروق في مرتبة الفرق ، فأمرهما النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمرتبة جمع الجمع .
ج1ص418
قوله : ( قام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بآية وهي قوله تعالى : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ المائدة : 118 ] . كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مرتبة الاستغراق ، وادعيت أنه عليه الصلاة والسلام ما قرأ الفاتحة ولا شيئاً غير هذه الآية في القيام والركوع والسجود فيشكل الأمر على القائلين بفرضية الفاتحة أزيد منه على الأحناف فإن للصلاة أصلاً على مذهبنا لا على مذهبهم فيفيد الحديث في وجوب الفاتحة ، وأما الذي ادعيت يدل عليه طرق الحديث واستوفيت طرقه في الطحاوي ص ( 205 ) : كان بها يقوم وبها يركع وبها يسجد فدل هذا الطريق أيضاً على دعواي .
مسألة : تعيين السور من جانب النفس في الصلاة بدون ورود الشرع به بدعة ويجوز تكرار الآية في النافلة ، واعلم أن البدعة ما لا يكون أصله في الأصول الأربعة ويزعم الناظر فيه أنه من أمور الدين ، فعلم أن رسوم النكاح ليست ببدعة ، وإن كانت لغواً فإن الناظر لا يزعمها من أمور الشريعة ، بخلاف رسوم المأتم فإن الناظر يزعمها من أمور الشرع .
ج1ص419
*2*باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت
باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت
الأفضل أداء السنن والنافلة في البيت كما في الهداية أيضاً
(2/1)
- الحديث رقم: 450
قوله : ( أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة ) وبهذا قصر أبو جعفر الطحاوي حكم إحراز الثواب في المسجد النبوي والمسجد الحرام والمسجد الأقصى على المكتوبة ، فإنه لم يثبت منه عليه الصلاة والسلام أداء السنن في المسجد النبوي .
قوله : ( ولا يتخذوها قبوراً ) في تفسير هذه القطعة أقوال ذكرها الحافظ في فتح الباري قيل في هذه الجملة النهي عن دفن الموتى في البيوت فلا يكون لهذه الجملة ربط بما قبلها ، وقيل : إنها تدل على كراهة الصلاة في المقابر وقيل مرادها أداء الصلوات في البيوت ولا يعطلها عن ذكر الله .
وأذن يدل الحديث على عدم ذكر الله في القبور ويخالفه ما في سنن ابن ماجه بسند قوي : أن مؤمناً إذا وضع في قبره يأتيه ملكان فيجلسانه فينظر الشمس كادت تغرب ، فيقول لهما دعاني دعاني لأصلي العصر فإن الشمس كادت تغرب ويخالفه ما في الصحيحين : < أن موسى عليه الصلاة والسلام يصلي في القبر > ويخالفه ما في صحيح مسلم : قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - < رأيت موسى عليه الصلاة والسلام يلبيّ > ، وأما ما قيل من التأويلات في تلبية فلا أرضى به ويخالفه ما في الترمذي ص112 ج ( 3 ) في فضائل سورة الملك : أن بعض أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلاً في القبر يقرأ سورة الملك حتى ختمها ،
ج1ص420
فيدل الأحاديث المروية على ذكر الله في القبور وعدم تعطلها من ذكر الله تعالى ، وكذلك روايات أخر تدل على ذكر الله في القبور ذكرها السيوطي في < شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور > فالجواب أن الأصل في القبور العدم ، وفيه مستثنيات كثيرة بحيث توهم كثرتها أنها الأصل ، وأيضاً ذِكْرُ الله في القبور من خواص عباده تعالى لا عامة المؤمنين . والله تعالى أعلم .
ج1ص421
*1*أبواب الوتر
أبواب الوتر
*2*باب ما جاء في فضل الوتر
باب ما جاء في فضل الوتر
(2/2)
- الحديث رقم: 452
واعلم أن بحث الوتر بحث طويل ولقد صنف محمد بن نصر المروزي كتاباً مستقلاً في بحث الوتر وملأه بالروايات المرفوعة والآثار ولخصه المقريزي ، وفي الوتر اختلافات كثرة وما أطنب من الأحناف مثل إطناب الإمام أبي جعفر الطحاوي .
وأما المذاهب في الوتر فالوتر عند الأحناف ثلاث ركعات بتسليمة وقعدتين ، ثم الوتر والتهجد شيئان وصلاة الوتر معينة ، وصلاة التهجد هي الصلاة بعد النوم فإن التهجد ترك الهجود أي النوم ، ويوافقه اللغة وحديث مرفوع عن حجاج بن عمر وأخرجه الحافظ في تلخيص الحبير وحسن إسناده أن التهجد بعد النوم .
وأما الشافعية فليس الفرق عندهم بين الوتر والتهجد إلا أن الوتر آكد ، وأن الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين فمن أتى بثلاث ركعات فقط بتسليمتين فقد أتى بالوتر على مختارهم وما أتى بالتهجد ، ثم حقيقة الوتر عندهم أن الوتر لطلب إيتار ما صلى قبل متهجداً فيكون كأنه من متعلقات التهجد ، فلا يمكن لهم قول الوجوب ، ثم صرحوا بأن الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين ثم يجوزون خمس ركعات وسبع ركعات وتسع ركعات وإحدى عشر ركعة ، وأما ثلاث عشر ركعة ففي كونها وتراً اختلاف وجزم تقي الدين السبكي بأنه وتراً بلا ريب ، وأما الركعة الواحدة ففي كتاب الأم للشافعي أن الركعة الواحدة أيضاً وتر حيث اعترض على مالك بن أنس بأنه لما قال : إن الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين كيف لا يقول بوحدة ركعة الوتر؟ وقال القاضي أبو الطيب الشافعي : بأن الركعة الواحدة مكروهة ، وفي الروضة وهو من معتبرات كتب الشافعية أنه يسلم واحدة في وتر رمضان وبتسليمتين في غيره ، والله أعلم هل يقبله الشافعية أم لا؟ ثم إذا أوتر بخمس أو سبع أو تسع إلى غيرها فالأفضل عندهم الفصل أن يسلم
ج1ص422
(2/3)
ويقعد على كل ركعتين ، ويجوز عندهم الوصل أيضاً بتشهد في الأخيرة أو الأخيرتين أي لا يقعد على ركعتين ركعتين وهذا المذكور كان في التهجد ، وأما النفل المطلق بالليل فتجوز مائة ركعة بتشهد واحد أيضاً عندهم ، فعلم أن الوتر لإيتار ما سبق من صلاة الليل ، ولا فرق بين التهجد والوتر عند الشافعية ، وقريب من مذهب الشافعية مذهب الحنابلة والموالك ، إلا أن الوصل بتشهد في الأخيرة والأخيرتين فلم أجد تصريحه عن الموالك وإذا بوب الموالك والشافعية فيذكرون أن الوتر ثلث ركعات بتسليمتين ثم يذكرون سائر الصور تحت الجواز ، وأما الوتر بركعة عند المالكية ففي موطأ مالك ص ( 44 ) أخرج أثر سعد بن أبي وقاص أنه كان يوتر بركعة ، وقال مالك ليس العلم عليه عندنا ولكن أدنى في الوتر ثلاث ركعات ، وتأول الموالك في كلامه وقالوا : إن الركعة الواحدة جائزة وأما الكمال فأدناه ثلاث ، وظني أن كلام مالك يأبى عنه ، وفي كتب الموالك أن الركعة الواحدة جائزة في السفر ، وفي بعضها أنها مكروهة في السفر ، وفروع أخر لا أذكرها ، وأما الأحناف فلا يتأدى الوتر عندهم إلا بثلاث ركعات بقعدتين وتسليمة ، نعم لو اقتدى خلف الشافعي وسلم الشافعي على الركعة الثانية هو مذهبهم ثم أتم الوتر صح وتر الحنفي عند أبي بكر الرازي وابن وهبان :
~ ولو حنفي قام خلف مسلم ... لشفع ولم يتبع وتم فموتر
ثم اعلم أنه لا مناص من أن بعض الرواة يطلقون لفظ الوتر على تمام صلاة الليل ومنهم ابن عمر ، وأن بعض الرواية يفصل الوتر عن صلاة الليل ، ومنهم عائشة الصديقة في أكثر رواياتها .
(2/4)
قوله : ( إن الله أمدكم إلخ ) تمسك الأحناف بحديث الباب على وجوب الوتر على الجمهور وصاحبي أبي حنيفة قال أبو حنيفة بوجوب الوتر ، ووجه التمسك أن الزائد يكون من جنس ما يزاد عليه أي زاد الواجب أي الوتر على الخمسة وتوقيت الوقت أيضاً من أمارات الواجب ، ثم قال الخصوم : إن لفظ أمدكم ثابت في سنتي الفجر أيضاً مع أنها سنتان ، ونقول : إن في سنتي الفجر أيضاً وجوباً ، وأقول : إن لفط أمدكم في سنتي الفجر من وهم الراوي فإنه في حق الوتر ، وأدخله الراوي في سنتي الفجر من وهمه ، وكلا الحديثين مرويان عن أبي سعيد الخدري ، فيحتمل زيادة احتمال لوهم الراوي ، ورواية أبي سعيد في سنتي الفجر رواها الذهبي في التذكرة في ترجمة البحيري سنداً ومتناً وكتب في آخره ، وقال ابن خزيمة لو سافر أحد لتحصيل هذه الرواية لما ضاع سفره ، ووثقها الحافظ في الدراية ، ومع هذا زعمي أنه من وهم الراوي ، ولا أقول هذا من مراعاة المذهب وأما الحديث فغربه المصنف وسكت عن تصحيحه وتحسينه ، وسئل البخاري عن حديث الباب؟ فقال : لم يثبت
ج1ص423
سماع بعض عن بعض ، وهذا من مذهب البخاري ، فإن الأكثر يعتبرون بالمعاصرة فقط أيضاً . ثم في المعاصرة والسماع صور :
إحداها : عدم اللقاء وعدم المعاصرة بين الراوي والمروى عنه فالرواية منقطعة عند الكل .
وثانيها : تحقق المعاصرة واللقاء فالرواية مقبولة عند الكل .
(2/5)
وثالثها : ثبوت المعاصرة لا السماع فالرواية مقبولة عند الجمهور وغير مقبولة عند البخاري ويقول البخاري ، في مثل هذا : لم يثبت سماع فلان عن فلان ، وزعم البعض أن هذا التعبير من البخاري يدل على نفي السماع والحال أن غرضه يكون بيان عدم علمه بالسماع ولا يدل على نفيه السماعد ثم السماع عند البخاري لا يجب أن يكون في الرواية التي تكون تحت البحث بل يكفي السماع في غير تلك الرواية أيضاً ، كما رأيت في بعض الكتب أنه سئل البخاري : هل لفلان سماع عن فلان؟ قال : نعم فإنه صرح بالسماع في رواية غير هذه الرواية ، وأخرج أبو داود حديث الباب وسكت عن الحكم عليه وصححه ابن السكن ، وصحيح ابن السكن لا يكون أقل من الحسن لذاته .
(2/6)
واعلم أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين الحسن والصحيح ، والحديث عندهم ، صحيح أو ضعيف وليست مرتبة الحسن عندهم ، وقال الحافظ ابن تيمية : إن الحسن لذاته والصحيح واحد عند المتقدمين ، حتى أن نقل الإجماع على وحدة الحسن لذاته والصحيح ، وأقول : إن نقل الإجماع مشكل ، وقيل : إن أول من أخرج مرتبة الحسن هو الترمذي ، أقول : قد ثبت استعمال الحسن عن البخاري وعن ابن المديني وفي طبقات ابن سعد ومصنف ابن أبي شيبة في حديث الباب < إن الله أمدكم الليلة > وقال ابن سعد : إن خارجة بن حذافة من مسلمي فتح مكة فيكون الإمداد بعد فتح مكة ، أي وجوب الوتر بعد فتح مكة فيكون خلاف ما حققت أن وجوب الوتر قبل وجوب الخمسة ، وكذلك البردان واجبتان قبل وجوب الخمسة فأجيب عما حققت : إن خارجة لعله لم يسمع هذا الحديث منه عليه الصلاة والسلام بل من صحابي آخر ، وأيضاً الزيادة في هذه الليلة زيادة الوترية ، وكانت صلاة الليل شفعة قبل هذه الليلة فالزيادة في الإيتار ، وكذلك قال الخطابي : إن الزيادة زيادة الإيتار ولا يتوهم أن الصلاة صارت بعد الزيادة غير ما كانت قبل فإن الصلاة الرباعية كانت ثنائية ثم صارت أربعاً ، ولا يقول أحد بأن الثانية غير الأولى ، وأقول : إن المنسوخ في آخر المزمل طول القراءة لا أصل الصلاة ، وما من لفظ يدل على أن المنسوخ أصل الصلاة وقد كانت الصلاة فريضة اتفاقاً قبل ، وكذلك قال البخاري : إن المنسوخ بعض صلاة الليل لا كلها وإني ادعيت أن البخاري قائل بوجوب بعض صلاة الليل ولا أقل من الوتر كما سيظهر من البخاري فإن ( من ) في ما يكون فيه ( ما ) و ( من ) بعضية في جميع البخاري ، وليست ببيانية كما زعم وسيأتي الكلام في البخاري ، وصرح أبو بكر بن العربي المالكي في عارضة الأحوذي شرح الترمذي بأن البخاري قائل بوجوب الوتر ، وقال الحافظ : لو لم
ج1ص424
(2/7)
يخرج البخاري حديث الوتر ، على الراحلة لعلم أنه قائل بوجوب الوتر وأقول : إنه قائل بوجوب الوتر مع إخراجه حديث الوتر على الراحلة فإنه ليس بمقلدٍ للأحناف والشافعية فإنه يمكن أن يقول بجواز أداء الواجب على الراحلة كما أن الشافعية يقولون بوجوب صلاة الليل في حقه عليه الصلاة والسلام وأداءه إياها على الدابة ، وسيجيء البحث منا على حديث الوتر على الراحلة .
وأما أدلة وجوب الوتر فكثيرة وأذكر نبذة منها ، ومنها : أنه لم يثبت منه ترك الوتر سفراً ولا حضراً ولا من الصحابة ولا التابعين ، وعدم تركه كاف للوجوب ، وقال مالك بن أنس : من ترك الوتر أحكم عليه بالتعزير وقال الحافظ علم الدين السخاوي : إن الوتر فرض عين ، وقال : إنه ملحق بالفرائض وصنف فيه كتاباً مستقلاً ذكره في منحة الخالق ، وأقول : إن القرآن دليل على الوجوب فإن الناسخ لم ينسخ إلا تطويل القراءة ، ويقول الشافعية : إن المفروضة في ليلة الإسراء خمس صلوات فكيف تقولون بوجوب الوتر؟ أقول : إن الوتر تابع لصلاة العشاء ووقتهما واحد ، والأجوبة من جانب الأحناف كثيرة .
*2*باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم
باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم
تمسك الجمهور بحديث الباب على عدم وجوب الوتر ، وأدلة أبي حنيفة مذكورة في تخريج الهداية .
(2/8)
- الحديث رقم: 453
قوله : ( كصلاتكم المكتوبة ) لا نقول : إن الوتر كالمكتوبة فإن منكر الخمسة كافر ومنكر الوتر ليس بكافر ، وكذلك في الخمسة والوتر فرق اعتقاداً .
قوله : ( ولكن سن رسول الله إلخ ) لا يستدل بهذا على سنية الوتر لأن السنة المصطلحة بين الفقهاء محدث ، وأما السنة المستعملة في عبارات الشريعة تكون بمعنى الطريقة المسلوكة ، وربما نجد لفظ السنة في حق الفرائض أيضاً ونظائرها كثيرة لا تحصى .
ج1ص425
قوله : ( فأوتروا ياأهل القرآن . . إلخ ) قال المحشي : إن المراد من أهل القرآن المؤمنون ، وهذا غلط بل المراد به حفاظ القرآن فإن الفرق بين الحفاظ وغيرهم لا يظهر إلا في صلاة الليل ، فإن في الوتر سُوَراً مأثورة ، والملجأ للمحشي إلى بيان مراد أهل القرآن بالمؤمنين أن في الحديث أمر أداء الوتر ولو فسر بما هو الصحيح أي الحفاظ يلزم عدم وجوب الوتر على غيرهم ، والحال أن المراد منه صلاة الليل وتدل ألفاظ الأحاديث على أن المراد أهل القرآن ، وكذلك فسر الكبار من الحفاظ والأئمة والمحدثين ، كما فسر إسحاق رحمه الله في رواية أن رجلاً سأل ابن مسعود عن صلاة الليل؟ فقال : ليست لك بل لأهل القرآن ، أي لا يؤدي حق صلاة الليل كاملاً إلا الحفاظ ، وفي قيام الليل لمحمد بن نصر حديث مرفوع : < أن لِلّه أهلين وخواص وهم أهل القرآن > .
*2*باب كراهية النوم قبل الوتر
باب كراهية النوم قبل الوتر
(2/9)
- الحديث رقم: 455
في كتب فقهنا أن من يثق بالانتباه يؤخر الوتر إلى آخر الليل ، ومن لا فلا ، وكان أبو بكر الصديق يوتر قبل النوم ، وكان عمر يوتر بعد النوم ، فبلغ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أخذ أبو بكر بالجزم وأخذ عمر بالقوة ، وبعض هذا مروى في موطأ مالك ص ( 43 ) ، وروي أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوصى لأبي هريرة بالوتر قبل النوم لأنه كان يذاكر الأحاديث .
ج1ص426
قوله : ( فإن قراءة القرآن في آخر الليل محضورة إلخ ) أي تحضرها الملائكة .
*2*باب ما جاء في الوتر من أول الليل وآخره
باب ما جاء في الوتر من أول الليل وآخره
(2/10)
- الحديث رقم: 456
ثبت وتره عليه الصلاة والسلام في كل جزء من أجزاء الليل واستقر أمره آخرة إلى آخر الليل .
ج1ص427
*2*باب ما جاء في الوتر بسبع
باب ما جاء في الوتر بسبع
(2/11)
- الحديث رقم: 457
نقول : إن الوتر ثلاث ركعات وأربع منها صلاة الليل وتردد بعض المحدثين في ثبوت ما صلي بالليل سبع ركعات ، والحق ثبوتها كما مر مني .
قوله : ( بواحدة ) نسبة المصنف بركعة الوتر الواحدة إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليست بصحيحة ولم يثبت منه عليه الصلاة والسلام الوتر بركعة منفردة ، نعم ثابت عن بعض الصحابة بلا ريب .
قوله : ( قال إسحاق ) غرض إسحاق أن حقيقة الوتر وإيتار ما قبله لا يتحقق إلا بركعة واحدة ، لا أن الوتر ركعة واحدة وقول إسحاق يدل على إطلاق لفظ الوتر على تمام صلاة الليل .
قوله : ( على أصحاب الليل ) يدل على أن المراد من أهل القرآن الحفاظ .
*2*باب ما جاء في الوتر بخمس
باب ما جاء في الوتر بخمس
(2/12)
- الحديث رقم: 459
رواية الباب مشكلة تقتضي بعض بسط في المقام .
ج1ص428
قوله : ( لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن ) تمشى الشافعية في مثل حديث الباب على ظاهرها أي أنه صلى خمساً أو سبعاً أو تسعاً بقعدة واحدة ، وعلينا جوابه ، وأشكل من حديث الباب ما في مسلم ص ( 754 ) عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام أنه أتى عائشة فقال : أنبئيني عن خلق رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلخ ، وفيه : فقلت : أنبئيني عن قيام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت : ألست تقرء : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } [ المزمل : 1 ] فقلت : بلى ، إلخ ، قال : قلت يا أم المؤمنين : أنبئيني عن وتر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقالت : كنا نعد له مسواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل ، فيسوّك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه . إلخ ، فظاهر الحديث يدل على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يسلم على الركعتين ولا على الأربع ولا على الست ولا على الثمان بل على التسع فقط ، وما أجاب الأحناف عن الحديث إلا العيني ، وذكر صورة الجواب ولم يذكر مأخذه ، وقال : إن عائشة ضمت صلاة الليل بالوتر في الذكر وإنما ست ركعات منها تهجد وثلاث ركعات وتر والمذكور في حال القعدة حال الوتر ولم تذكر حال صلاة الليل في القعدة ، والجواب صحيح ، وأشار الطحاوي إلى الجواب ومأخذه ، وأقول : إن مأخذ الجواب أن حديث الباب أخرجه النسائي سنداً ومتناً ص ( 279 ) : < كان لا يسلم في ركعتي الوتر > باب كيف الوتر بثلاث؟ فعلم أن المذكور من الحال هو حال الوتر ، وإسناد الحديث غاية القوة ، فيضم هذا في رواية مسلم ، ورواية النسائي أخرجها محمد بن نصر في قيام الليل وتأول فيه ، وقال : إنه مختصر من المطول وليس السلام على الركعتين والأربع والست والثمان
(2/13)
بل على التاسع فقط ، وأقول : أن تأويله ركيك غاية الركة فإن ألفاظ الحديث ترده ، وألفاظ الحديث أربعة منها ما في النسائي من ص ( 279 ) ، والطحاوي كان لا يسلم في ركعتي الوتر ، ومنها ما في مستدرك الحاكم وما في البيهقي وكان لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر ، فعلم نصاً أن المذكور حال الوتر فقط ، ومنها ما عند الحاكم أيضاً : < كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن > والمراد من القعدة قعدة الفراغ ، ومنها ما أخرج الزيلعي وذكر ، وروى الحاكم في مستدركه وهذا لفظه : < وكان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن > ثم بعد ذكر كلام الحاكم قال انتهى كلامه ، وأما أنا فوجدت ثلاث نسخ للمستدرك وما وجدت فيها ما أخرج الزيلعي بلفظ : < لا يسلم > وإنما وجدت فيها : وكان لا يقعد > وظني الغالب أن لفظ < لا يسلم > لا بد من أن يكون في مستدرك الحاكم ، فإن الزيلعي متثبت في النقل مثل ما ليس الحافظ متثبتاً ومن عادته أنه إذا نقل عبارة أحد بواسطة يذكر الواسطة وإلا فينظر المنقول عنه بعينه ويذكر لفظ المنقول عنه بعينه ، وهاهنا غير هذا لفظه فلا بد من كون اللفظ < لا يسلم > في مستدركه ، وأما الحافظ ابن حجر فأخذ في فتح الباري < ولا يقعد إلا في آخرهن > ونقل في الدراية على نصب الراية < ولا يسلم إلا في آخرهن > ولفظ خامس
ج1ص429
(2/14)
لحديث النسائي أخرجه أحمد في مسنده < وكان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن > وفي سنده رجل متكلم فيه وهو يزيد بن يعفر ، وأخرجه مجد الدين بن تيمية جد تقي الدين ابن تيمية المشهور في المنتقى ، وقال بعد ذكر الألفاظ وضعّف أحمد إسناده ، وكنت متحيراً في هذا فإن في زاد المعاد : أن رجلاً سأل أحمد عن الوتر؟ فقال : ثلاث ركعات بتسليمتين ، فقال له : وأما بتسليمة واحدة ، قال أحمد : لا بأس ، فلو كان أحمد تكلم في الحديث كيف قال : لا بأس؟ ثم بدا لي أن أحمد بن حنبل لم يضعف إلا الإسناد الذي أخرجه ، وقد قلت : إن فيه يزيد بن يعفر فإذن لا تفرد ولا شذوذ ، وفي حديث النسائي < ولا يجري > تأويل محمد بن نصر أصلاً فدل الحديث دلالة صريحة ونص على نفي السلام على الركعة الثانية من الوتر ، فإذن ترك تبادر الأحاديث الدالة على السلام على الثانية مثل حديث < فأوتر بواحدة > فإن تبادره للشافعية ولو لم نجد نصاً وأصرح ما في الباب على نفي السلام ، لمشينا على تبادره ولكنا وجدنا النص وأصرح على نفي السلام ، وحديث النسائي يدل على قطع سلسلة التسع ونفي السلام ، وكذلك نقطع سلسلة السبع المذكور في مسلم وغيره أيضاً ، ولنا حديث آخر عن أبي بن كعب يدل على نفي السلام أخرجه النسائي في الصغرى ص ( 380 ) لا يسلم إلا في آخرهن ، ويقول بعد التسليم : سبحان الملك القدوس ثلاثاً > فيكون الحديث صحيحاً عند النسائي وصححه زين الدين العراقي فلنا مرفوعان صحيحان في نفي السلام ، وأما حديث عائشة حديث الصحيحين : < فلا تسأل عن حسنهن وطولهن > إلخ فتبادره أيضاً نفي السلام على الثانية ، فإن النسائي بوب على كيف الوتر بثلاث؟ وذكر تحته حديث عائشة : < لا تسأل عن حسنهن وطولهن > وحديثها < وكان لا يسلم في ركعتي الوتر > فإذن نحمل حديث عائشة المروي في أبي داود كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوتر بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وثمان وثلاث ، وعشر وثلاث > على نفي
(2/15)
السلام على الثانية وهو المتبادر ، فتم الجواب عما في مسلم وعن رواية < كان يوتر بسبع لا يجلس إلا في آخرهن > .
والآن أتعرض إلى روايات ابن عباس فرواياته في بعضها : أنه عليه الصلاة والسلام أوتر بخمس ، وفي سنن أبي داود في رواية ابن عباس : ولا يسلم إلا في آخرهن ، فيكون حديثه مثل حديث الباب : أي يوتر بخمس لا يسلم إلا في آخرهن ، فأشكل علينا الأمر فأقول : إن في مسلم ص ( 261 ) عن ابن عباس تصريح أن صلاة الليل ست ركعات وأوتر بثلاث ، فلا بد أن نقطع الركعتين من الخمس في رواية ابن عباس ومر الحافظ على رواية مسلم ص ( 361 ) وأشار إلى تفرد حبيب بن أبي ثابت أقول والعجب من الحافظ أنه لم يلتفت إلى متابعاته ، وأذكر متابعاته : منها ما في الطحاوي ص ( 120 ) ، ج ( 1 ) ، ثم أوتر بثلاث عن ابن عباس وسنده قوي غاية القوة إلا أن في سنده سهو الكاتب ، فإنه ذكر عن قيس بن سليمان والحال أنه عن مخرمة بن سليمان ، ومتابع آخر في الطحاوي ص ( 179 ) عن أبي إسحاق عن المنهال بن عمرو عن علي بن عبد اللّه بن عباس : < أنه أوتر بثلاث > ومتابع آخر في النسائي ص ( 280 ) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوتر بثلاث يقرء في الأولى . . إلخ فلا شذوذ ولا تفرد فثبت قطع الثلاث من الخمس .
ج1ص430
(2/16)
والآن أتعرض إلى رواية عن عائشة ، قالت : كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن ، فقال المدرسون : إن ثلاثاً منها وتر وركعتين منها ركعتا النفل جالساً بعد الوتر . أقول : إن قطع الثلاث في حديث عائشة من الخمس متعيِّن ولكن الركعتين لا أقول : إنهما اللتان يؤتى بهما جالساً بعد الوتر ، وجواب المدرسين نافذ بلا ريب فإن الركعتين جالساً بعد الوتر ثابتتان في الصحيحين أيضاً ولكني لا أرضى بهذا الجواب ، ووجه عدم الرضا هو أن مالكاً ينكر الركعتين جالساً بعد الوتر مع كون ثبوتهما في الصحيحين ، وسأل عنهما أحمد ؛ فقال : لا أصليهما ولو صلاهما أحد لا أنكر عليه ، وأما البخاري فأخرج حديثهما ولكنه لم يبوب عليهما ، وظني أن وجه عدم تبويبه هو عدم اختياره إياهما ، وأما الشافعي وأبو حنيفة فلم يرد عنهما فيهما شيء ، وأيضاً حديث عائشة حديث الباب عن عروة بن الزبير ، ولم أجد في رواية من روايات عروة الركعتين جالساً ، ولذا أنكرهما مالك فإنه أخرج حديث عائشة في موطأه بسند عروة ، فعندي أن الركعتين ركعتان قبل الوتر وإنما جمع الراوي بين الوتر وبين الركعتين قبل الوتر لعدم الوقفة الطويلة بينهما من وقفة النوم أو غيرها من وقفة الوضوء أو السواك أو أخرى ، وحمل الركعتين على هذا المحتمل عندي أقرب من حملهما على ما حمل المدرسون وأما قطع الثلاث من الخمس فمتيقن والتردد في محمل الركعتين وثبت الركعتان قبل الوتر في الخارج كما في الطحاوي عن أبي هريرة أن لا يكون الوتر خالياً عن شيء قبل الوتر فتم الجواب عن حديث الباب ، وأما حديث الباب عن عروة فأعلَّه مالك بن أنس كما نقل في شرح المواهب وأبو عمر في التمهيد ، وحديث الباب أخرجه مالك في موطأه ص ( 42 ) وليست فيه هذه الزيادة وفي شرح المواهب أن هشاماً روى هذه الزيادة ، حين خرج من الحجاز إلى العراق فبلغت الزيادة ، مالك بن أنس فقال مالك : إن هشاماً حين ذهب إلى العراق نسمع منه أنه يروي أشياء منكرة
(2/17)
ولا يتوهم أن إنكار مالك على ذكره ثلاث عشرة ركعة لأن مالكاً رواه بنفسه ، فكيف ينكر على هشام؟ وليس باعث الإنكار الركعتان جالساً فإنه لم يروهما فليس باعث الإنكار إلا ذكره < ولم يجلس إلا في آخرهن > ولكن أباعمر لم يفصل النقل مثل ما في شرح المواهب .
واعلم أنه قد سها الحافظ في تلخيص الحبير أن حديث عائشة < كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن > حديث متفق عليه ، والحال أنه حديث مسلم وليس في البخاري أصلاً ، ومثل سهو الحافظ سهو صاحب المشكاة وقال : إنه متفق عليه ، وفي النسائي رواية جواز أداء الوتر إيماء وليس هذا مذهب أحد من الأربعة ، وفي معاني الآثار ص ( 172 ) لفظ : ومن غلب إلى أن يومئ فليومئ ، فدل على أن الإيماء إنما هو للمعذور ، وأما من حيث الآثار فلنا ما في معاني الآثار ص ( 173 ) عن المسور بن مخرمة قال : دفنا أبا بكر ليلاً فقال عمر : إني لم أوتر فقام وصففنا وراءه فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن . وسنده صحيح ، وفيه ص ( 175 ) عن أبي الزناد قال : أثبت عمر بن عبد العزيز الوتر بالمدينة بقول الفقهاء ثلاثاً لا يسلم إلا في آخرهن ، وفي المستدرك أن هذا وتر عمر أخذ عنه أهل المدينة أي عن عمر بن خطاب كما في مصنف ابن أبي شيبة ، وروي عن ابن عمر
ج1ص431
(2/18)
ثلاث ركعات بتسليمتين ، فقال الحسن البصري : إن أباه عمر كان أعلم منه وفيه ص ( 173 ) . أثر أنس لنا فيه ص ( 175 ) عمل الفقهاء السبعة التابعين ومنهم عروة بن الزبير راوي حديث الباب حديث خمس ، ولنا ما في الترمذي ص ( 223 ) في مناقب أنس حدثنا إبراهيم بن يعقوب نا زيد بن الحباب نا ميمون أبو عبد اللّه نا ثابت قال : قال لي أنس بن مالك : يا ثابت خذ عني فإنك لن تأخذه عن أحد أوثق مني إني أخذته عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخذه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن جبريل وأخذه جبريل عن الله عز وجل ، ولم يذكر الترمذي متنه وإني وجدت متنه في تاريخ ابن عساكر وهو : أن الوتر ثلاث بسلام واحد ، ورجال السند ثقات إلا ميمون أبو عبد اللّه لم أعلم حاله إلا أنه أدرجه ابن حبان في كتاب الثقات ، وقال السيوطي في جمع الجوامع : إسناده حسن ، وظني أن حديث : < من كنت مولاه فعلي مولاه > رواه شعبة عن ميمون أبي عبد اللّه ولا يروي شعبة إلا من الثقات ، وصرح الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي . أن ابن حبان إذا أدرج أحداً في كتاب الثقات ولم يجرح فيه أحد فهو ثقة فالحديث قوي ، واستدل الحافظ بدلائل كثيرة كلها غير مصرحة في إثبات مذهبهم بل مبهمة متحملة لمحامل فقال في آخرها : سلمنا أن هذه الأدلة غير مثبتة لمرامنا فأي جواب عن حديث رواه الطحاوي في معاني الآثار ص ( 164 ) : أن ابن عمر كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة ، وأخبر ابن عمر : أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك ، فهو مرفوع حكماً ، وقوله هذا يدل على أنه لم يجد مثل هذا الدليل أصرح ، ونقل الحافظ بأن الطحاوي يجيب بأن المراد من التسليم تسليم التشهد ، أقول : وإن الطحاوي لم يجب بما قال الحافظ ، بل ذكر أن التسليم يحتمل أمرين تسليم التشهد وتسليم القطع ، ثم حسن الحافظ سنده مع أن في سنده وضين بن عطاء وتكلم فيه البعض ، ثم أني أجيب
(2/19)
الحافظ أما أولاً فبأن ابن عمر شبه فعله بمثل فعله عليه الصلاة والسلام ولا يتعين التشبيه في السلام لعله تشبيه في ثلاث ركعات ، وأما ثانياً فبأن الحافظ روى بنفسه في الفتح المجلد الثاني من مصنف عبد الرزاق بسند قوي صحيح أن مذهب ابن عمر أن المصلي إذا قرأ : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله . . إلخ ، فقد خرج من صلاته وكان يرى ذلك نسخاً لصلاته ، فلما رأى ابن عمر أنه سلم في التشهد أي قال : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقد خرج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صلاته على زعم ابن عمر وإن لم يسلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسليم القطع ، فإذن ذهب استدلال الحافظ الذي زعمه النص ما في الباب ولم ينهض حجة علينا فأذن تطرق اجتهاد ابن عمر ، ثم مثل ما في الفتح من مصنف عبد الرزاق عن سالم عن ابن عمر موجود في مصنف ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر بسند قوي ، ثم لي خدشة فإن مالكاً أخرج في موطأه في باب التشهد أن ابن عمر كان يتشهد في القعدة
ج1ص432
(2/20)
الأولى كما نتشهد ، وأما في القعدة الثانية فكان يؤخر السلام عليك أيها . . إلخ عن التشهد فلم يسنح لي التوفيق بين رواية المصنفين ورواية موطأ مالك عن ابن عمر ، ولم أجد تفصيل مذهب عمر حتى يظهر الوجه ، وتمسك بعض الشافعية على أن الوتر ركعة واحدة بما في مسلم عن ابن عمر وابن عباس : الوتر ركعة في آخر الليل ، أقول : كيف يتمسك بما في مسلم؟ فإن مراده أن الإيتار إنما يتحقق بركعة واحدة لا أن صلاة الوتر ركعة واحدة ، فإن مذهب ابن عمر موجود في الخارج بأسانيد قوية أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين ، وأما ابن عباس فروى بنفسه المرفوع : < أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة > كما مر سابقاً بقدر الضرورة من رواية مسلم وأبي داود ، فإذن تمسك الشافعية بحديث ( كان يسلم على كل ركعتين ، ويوتر بركعة ) لا يصح حجة فإنه عام وقد أتينا بالخاص ، وأما ما في النسائي ص ( 259 ) عن مقسم عن أم سلمة قالت : كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوتر بخمس وسبع لا يفصل بينهما بكلام وسلام ويمكن جوابه بذخيرة ما ذكرت من الكلام في رواية ابن عباس وعائشة ، وأيضاً أعله البخاري في التاريخ الصغير لأن مقسماً ليس له سماع عن أم سلمة ، ولكني رأيت في طبقات ابن سعد أن لمقسم سماعاً عن أم سلمة وعندي لرواية أم سلمة جواب آخر لا أذكره لطوله ، وفي النسائي عن أبي أيوب الأنصاري ما يدل على الوتر بواحدة وجوابه عندي موجود ، وعن أبي أيوب الأنصاري في معاني الآثار : أن الوتر ثلاث ركعات وسنده قوى إلا أن فيه محمد بن يزيد الرحبي وليس ترجمته في أكثر كتب الرجال ولكني وجدت في معجم البلدان لياقوت ترجمة تحت لفظ رحبة وجعله من الثقات ، ولقد صنف الحافظ بدر الدين العيني كتاباً في جلدين في رجال الطحاوي وقال الشيخ أكمل الدين صاحب العناية في شرح مشارق الأنوار في تلخيص الصحيحين : إن الواحدة في رواية أبي أيوب منضمة إلى ما قبلها من الشفع والجواب أن حديث أبي
(2/21)
أيوب مختلف في رفعه ووقفه كما في النسائي ومعاني الآثار وصوب الأئمة وقفه ، وقال الحافظ في تلخيص الحبير : إن البخاري والذهبي والدارقطني وأبا حاتم والبيهقي أعلوه وقالوا : إن الرواية موقوفة على أبي أيوب الأنصاري ورواية أبي أيوب موجودة في أبي داود أيضاً ، وتمسك الحافظ في تلخيص الحبير على وحدة ركعة الوتر حين قال أبو عمرو بن الصلاح : لم يثبت الوتر ركعة واحدة عنه عليه الصلاة والسلام برواية في صحيح ابن حبان والحال أن روايته رواية الصحيحين فإن تلك الرواية رواية البخاري ، وفي الدارقطني مختصرة من المفصلة في البخاري ، وأما أثر سعد بن أبي وقاص من الوتر بركعة فعاب ابن مسعود على وتره بركعة كما في معاني الآثار وفي النسائي ص251 عن أبي موسى الأشعري : أنه كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين ثم قام فصلى ركعة أوتر بها يقرأ فيهما بمائة آية من النساء ، ثم قال : ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدميه وأن أقرأ بما . . إلخ ، في باب القراءة في الوتر وروايته مشكلة وجوابها عندي موجود بتفصيله ولا أذكره فإنه يقتضي بسطاً في الكلام ، وأما ما ذكرت من الذخيرة فلا يجدي في جواب روايته .
ج1ص433
*2*باب ما جاء في الوتر بثلاث
باب ما جاء في الوتر بثلاث
(2/22)
- الحديث رقم: 460
إسناد حديث الباب سقيم من جانب حارث الأعور ، وتبادر حديث الباب لنا ، ولا يتوهم أن التسع في حديث الباب موصولة بدليل ما تقدم .
قوله : ( بتسع سور ) وقع تفصيل السور التسعة في بعض الروايات .
قوله : ( آخرهن : < قل هو الله > ) أي كانت < قل هو الله أحد > في الركعة الثالثة من الوتر لا أنها كانت في كل ركعة .
قوله : ( قال سفيان ) مذهب سفيان مدون في الكتب وهو وفاقه أبا حنيفة لا كما نقل المصنف ، فالله أعلم .
قوله : ( حسناً إلخ ) أقول : لم أجد من الصحابة قائلاً بوحدة ركعة الوتر إلا قليل ومنهم
ج1ص434
معاوية ، وسعد بن أبي وقاص ، وأما الثلاث بتسليمة واحدة فهو مذهب كثير من الصحابة منهم عمر وابن مسعود ومذهب أنس ، وآثار أخر ذكرها الطحاوي .
*2*باب ما جاء في الوتر بركعة
باب ما جاء في الوتر بركعة
(2/23)
- الحديث رقم: 461
لا بد من قول وتسليم أن بعض الصحابة قائلون بوحدة ركعة الوتر ، وأن بعضهم قائلون بثلاث ركعات بتسليمتين ، والواجب على كل واحد من المذهب جواب المرفوعات لا الموقوفات والآثار .
قوله : ( والأذان ) في أذنه أي والإقامة في أذنه ، غرضه السرعة في أداء ركعتي الفجر .
مسألة : هل تجوز ركعة واحدة مطلقاً من النافلة أم لا؟ ففي البحر أن معاصراً له أي لصاحب البحر أفتى بصحتها مع الكراهة ورد عليه صاحب البحر وقال : إن الركعة الواحدة باطلة عندنا ، وهذا هو أصل مذهبنا ، وقال النووي في شرح مسلم ص ( 253 ) تحت قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < أوتر منهما بواحدة > : هذا دليل على أن أقل الوتر ركعة وأن الركعة المفردة صلاة صحيحة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور إلخ ، ورد عليه في طبقات الشافعية تحت ترجمة أبي عمرو بن الصلاح بأن أحداً منا لم يقل بما قال النووي ، وأما الروايات الدالة بتبادرها على الوتر بركعة واحدة فقط فقد مرت سابقاً مع الأجوبة .
*2*باب ما جاء فيما يقرأ به في الوتر
باب ما جاء فيما يُقْرَأ به في الوتر
(2/24)
- الحديث رقم: 462
كونه ثلاث ركعات متعين ، وأما التسليم الواحد فهو المتبادر وليس بمتعين ، ورد في بعض الروايات أن يقرأ في الركعة الأولى { سبح اسم الأعلى } [ الأعلى : 1 ] وفي الثانية { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }
ج1ص435
[ الكافرون : 1 ] وفي الثالثة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] والمعوذتين وأعله أحمد بن حنبل وابن معين وهذه الرواية أخرجها أبو حنيفة في مسنده أيضاً ، والصورة في سور الوتر كثيرة منها أن يقرأ في { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } [ التكاثر : 1 ] والقدر و { إِذَا زُلْزِلَتِ } [ الزلزلة : 1 ] ، وفي الثانية : < العصر ، والكوثر ، والنصر > وفي الثالثة : الكافرون وتبت وسورة الإخلاص ، ومنها أن يقرأ في الأولى : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } [ الأعلى : 1 ] وفي الثانية { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } [ الكافرون : 1 ] وفي الثالثة : سورة الإخلاص .
ج1ص436
*2*باب ما جاء في القنوت في الوتر
باب ما جاء في القنوت في الوتر
(2/25)
- الحديث رقم: 464
قال الشافعية : إن القنوت في الوتر في نصف شهر بعد الركوع ، ونقول : إن القنوت في السنة كلها قبل الركوع ووافقنا مالك بن أنس فإنه يقول : يقنت قبل الركوع ، وأما أحمد فرجح القنوت بعد الركوع ، ولنا ما روى ابن مسعود .
قوله : ( أقولهن في الوتر ) هذه الزيادة من تفرد الراوي كما قال الحافظ في التلخيص ولكن الحديث ليس بأقل من الحسن ، وفي البحر : أن الجمع بين دعاء قنوت الأحناف ودعاء قنوت الشافعية مستحب ، وأقول : قال بعض من يدعي العمل بالحديث : إن قنوت الأحناف ليس بثابت في الحديث ، ولعل هذا المدعي غفل عما في تفسير الإتقان بسند قوي : أن قنوتنا كانت سورة الحفد والخلع في مصحف أبي بن كعب ، ولهذا تجد في بعض كتبنا النهي عن قراءة القنوت للجنب وصنيع صيغه تشابه صيغ القرآن فإن صيغها صيغ المتكلم مع الغير وهو شأن أدعية القرآن .
قوله : ( وفي الباب عن علي ) رواية علي أخرجها في كتاب الدعوات ص ( 196 ) وقال النسائي : إنه مرسل ، أقول : إن المرسل حجة عند الجمهور ، وقال ابن جرير الطبري : إن رد المرسل بدعة حدثت بعد مائتين ، ولعله عرّض على الشافعي وكان ابن جرير شافعياً ثم صار مجتهداً بنفسه ، وقالت جماعة : إن المرسل أعلى من المتصل ومنهم الحسامي ، وقالت جماعة : إن الموصول أعلى من المرسل ومنهم أبو جعفر الطحاوي نقل عبارته السخاوي في شرح الألفية ، والحق إلى الجماعة الثانية وأن المرسل حجة بعد الحجة ، وقال بعض من يدعي العمل بالحديث : إن رفع اليدين في القنوت مثل رفعهما وقت التحريمة لا أصل له ولا أثر من التابعين أيضاً ، وأثبت رجل حنفي فاضل لرغم أنف ذلك المدعي أثر ابن مسعود وأثر عمر الفاروق الأعظم أخرجهما البخاري في جزء رفع اليدين فما طعنه على الأحناف إلا لجهله :
~ وكم من عائب قولا صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
(2/26)
ولنا في رفع اليدين في القنوت أثر إبراهيم النخعي أيضاً أخرجه الطحاوي ، ولي شبهة في أثر عمر الفاروق فإن بعض الروايات يومي إلى أن رفع اليدين كان كرفع اليدين للدعاء لا مثل رفعهما عند
ج1ص437
التحريمة ، وثبت رفع اليدين مثل رفعهما للدعاء عن أبي يوسف في قنوت الوتر ذكر صاحب مراقي الفلاح عن الفرج مولى أبي يوسف وأتى الطحاوي ص ( 391 ) عن أبي يوسف رفع اليدين في قنوت الوتر مثل رفعهما عند التحريمة فإنه قال : فيجعل ظهر كفيه إلى وجهه إلخ ، والتفصيل لرفع اليدين في الطحاوي ص ( 391 ) ، ورفع اليدين عندنا سنة والتكبير واجب .
*2*باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه
باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه
(2/27)
- الحديث رقم: 465
يقضي الوتر عند أبي حنيفة فإنه واجب ، حديث الباب سقيم من جانب عبد الرحمن بن زيد وسيأتي قوي ولكنه مرسل ، وفيه عبد اللّه بن زيد وهو قوي ، وحديث آخر موصول أخرجه أبو داود
ج1ص438
في سننه بسند قوي ، وأخرج الدارقطني أيضاً رواية أبي داود وألفاظ الدارقطني أفيد لنا مما في أبي داود ، وصححه زين الدين العراقي ، والقضاء أمارة الوجوب .
*2*باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر
باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر
(2/28)
- الحديث رقم: 467
أخرج ابن خزيمة في صحيحه بسند قوي ، أنه عليه الصلاة والسلام كان يوتر بعد الصبح قال ابن خزيمة أي بعد الصبح ، الكاذب لثبوت وتره عليه الصلاة والسلام في الصحيحين قبل الصبح أي الصادق .
في رواية : أن علياً كان بكوفة فاجتمع الناس فشهده من كان في الركعة الأولى بعد أداء الثانية ، ومن كان في الثالثة بعد أداء الرابعة وقال : إن الوتر على ثلاث أنواع فذكر نوعين وقال : ووتر في هذا الوقت وهذا هو النوع الثالث ، وقال الراوي : وذلك حين الصبح أي الصبح الكاذب والله أعلم .
واعلم أن الصبح الكاذب ليس بمقدر بتقدير وقت معين بل قد يزيد وقد ينقص كما صرح الفقهاء واحداً بعد واحد بل ربما لا يكون مبصراً خلاف ما قال أهل الهيأة .
ج1ص439
قوله : ( وتر بعد صلاة الصبح ) أي أداءاً .
*2*باب ما جاء لاوتران في ليلة
باب ما جاء لاوتران في ليلة
(2/29)
- الحديث رقم: 470
بعض السلف ذهبوا إلى نقض الوتر وليس مذهب أحد من الأئمة الأربعة ، وهو أن يوتر قبل النوم ثم إذا استيقظ يصلي ركعة ويضمها بما صلى قبل النوم ليشفعه ، ثم يوتر آخر الليل عملاً بحديث : < اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً > والقائل بنقض الوتر هو القائل بالوتر ركعة أو بثلاث ركعات بتسليمتين ، وحديث الباب لأتباع الأئمة الأربعة ، وفي معاني الآثار : أن أصحاب ابن مسعود تعجبوا من نقض ابن عمر الوتر .
ج1ص440
قوله : ( قد صلى بعد الوتر الخ ) غرضه إثبات أن أمر < اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً > ليس للوجوب بل للاستحباب ، ونسب إلى الموالك عدم جواز شيء من الصلاة بعد الوتر .
قوله : ( بعد الوتر ركعتين ) أي جالساً كما ورد في الأحاديث ، وقال النووي : إن السنة أداؤهما قياماً فإن الجلوس كان لعذر ، وأقول : لو ثبتتا فالجلوس إنما هو كان قصداً وهو سنة وإنما ترددت في ثبوتهما لأن مالكاً أنكرهما ، وقال أحمد : لا أصليهما ، وأما البخاري فأخرج الحديث ولم يبوب عليهما ولم يرد عن أبي حنيفة الشافعي شيء فيهما كما حررت سابقاً . وفي الكبير شرح المنية أن الركعتين إنما هما قبل الوتر ، وأقول : إنه خلاف صراحة الحديث فإن في الحديث تصريح بعد الوتر وورد في بعض الروايات أن يقرأ : < إذا زلزلت ، وقل يا أيها الكافرون > .
قوله : ( ميمون بن موسى المرائي ) هذا منسوب إلى أمراء القيس في الأصل بدون ألف .
*2*باب ما جاء في الوتر على الراحلة
باب ما جاء في الوتر على الراحلة
(2/30)
- الحديث رقم: 472
يجوز الوتر على الراحلة عند الجمهور لا عند أبي حنيفة ، والسلف أيضاً مختلفون وجماعة قليلة قائلة بالوجوب منهم الحسن البصري ، والجواب من جانب أبي حنيفة أن ابن عمر من الذين يطلقون لفظ الوتر على تمام صلاة الليل فلعل ابن عمر مراده أن صلاة الليل كانت على الراحلة ، وأما الوتر بخصوصه فعلى الأرض ففي الطحاوى ص ( 249 ) صححه العيني في العمدة بسند صحيح عن ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي على الراحلة ويوتر على الأرض ، وكذلك أخرجه أحمد في مسنده ومر عليه الحافظ ولم يتكلم بشيء ثم قال الطحاوي : لعل الوتر على الراحلة كان حين عدم تأكّد ولا يصح هذا الجواب على مشربي ولم أجد ما يدل على سنية الوتر في وقت ما والجواب عندي أن الوتر كان على الأرض لما روينا ، وأما حديث الباب فعلى ما هو صنيع ابن عمر من إطلاق لفظ الوتر على
ج1ص441
جميع صلاة الليل ، وإني وجدت في جميع الروايات عن ابن عمر إطلاق لفظ الوتر على جميع صلاة الليل إلا ما في معاني الآثار ص ( 265 ) عن أبي داود عن ابن مريم عن ابن عمرو ابن عباس ، وفي قيام الليل لمحمد بن نصر قال ابن عمر : لو اتبعني الناس لصلَّوا الوتر بسلامين .
(2/31)
واعلم أن في مصنف ابن أبي شيبة أن أباه عمر كان يوتر على الأرض ، واعلم أن ما ذكرت من نبذة فن الكلام تفيد في جميع روايات الوتر إلا ما في النسائي ص ( 251 ) عن أبي موسى وما في المستدرك للحاكم أنه عليه الصلاة والسلام : كان يوتر بركعة وكان يتكلم بين الركعة والركعتين ، ولقد تفكرت فيه قريباً من أربعة عشر سنة ثم استخرجت جوابه شافياً وذلك الحديث قوي السند إلا أن الحاكم أخذ سنده عن هشام بن سوار ، وبين الحاكم وبين هشام ثلاثة وسائط ، وقد وجدت قطعة السند بين الحاكم وهشام فالحديث قوي ، ولم يتوجه إليه أحد من الشافعية احتجاجاً على التسليم على الركعتين من الوتر ، ولم يتوجه أحد من الأحناف إلى جوابه وجوابه عندي محفوظ بالتحقيق والتفصيل ولكني لا أذكره فأنه يقتضي تطريق كثير من الأحاديث وكذلك جواب رواية النسائي عن أبي موسى الدالة على ركعة واحدة للوتر موجود ولا أذكر مخافة التطويل ، فالحاصل أني لم أجد ما يدل بنصه على إثبات التسليم على الركعتين الأوليين من الوتر ولا ما ينص على وحدة ركعة الوتر ، وادعى الخصم أن أكثر عادته عليه الصلاة والسلام بل استمر أمره على الوتر بركعة واحدة كما نقل في آثار السنن ص ( 9 ) ج ( 2 ) عن الرافعي شرح الوجيز ، وفيه قال محمد بن نصر المروزي : لم نجد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خبراً ثابتاً صريحاً أنه أوتر بثلاث موصولة إلخ ، فالله أعلم كيف يصح قولهما هذا؟ والله أعلم وعلمه أتم .
*2*باب ما جاء في صلاة الضحى
باب ما جاء في صلاة الضحى
(2/32)
- الحديث رقم: 473
قال الفقهاء والمحدثون : إن صلاة الضحى وصلاة الإشراق واحدة إن صلى بمجرد ذهاب الوقت
ج1ص442
المكروه بعد الطلوع فصلاة إشراق ولو تأخر عنه بزمان فصلاة الضحى والعدد من اثنتين إلى ثنتي عشر ركعة والأفضل الأربع ، وأما السيوطي وعلي المتقي فإلى أن صلاة الضحى غير صلاة الإشراق ويفيدهما بما روى علي : أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الإشراق حين كانت الشمس من هاهنا مقدار ما يكون هاهنا وقت العصر ، وصلى الضحى حين كانت الشمس من هاهنا مقدار ما يكون هاهنا في آخر وقت الظهر وإسناده تبلغ تبة الحسن ، وقال ابن تيمية : إنه عليه الصلاة والسلام ما صلى الضحى إلا عند قفوله من السفر أو عند فوت صلاة الليل من عذر ، وأما الأحاديث القولية فصحيحة وأما الأحاديث الفعلية ففعله عليه الصلاة والسلام نادر .
قوله : ( أم هانئ ) بنت عم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخت علي لا عمته عليه الصلاة والسلام كما زعم بعض الجهلة .
قوله : ( فسبح ثمان ركعات ) قال الحافظ : إن في ابن خزيمة تصريح السلام على كل ركعتين ، أقول : إن في سنن أبي داود أيضاً تصريح السلام على كل ركعتين ، ولقد أبعد الحافظ النجعة بعيداً حين رواه من ابن خزيمة مع كون الحديث في سنن أبي داود ثم قيل : إن هذا الحديث لا يفيد في إثبات الضحى فإن هذه الصلاة صلاة الشكر على فتح مكة إلا أنه اتفق وقت الضحى .
ج1ص443
قوله : ( أربع ركعات إلخ ) المشهور أن هذه صلاة الضحى ، وقيل : إن الأربع أربع ركعات لصلاة الفجر وسنته .
قوله : ( أكفك آخره ) أي أكفك النوافل المبهمة التي لا نعلم تفصيلها لا الصلاة المكتوبة .
قوله : ( عن عطية العوفي عن أبي سعيد إلخ ) التعجب من تحسين المصنف حديث الباب ، والحال أن في كل ما روى عطية عن أبي سعيد علته شديدة ينحط بها الحديث كل الانحطاط والعلة مذكورة في أواخر اللآلئ المصنوعة .
*2*باب ما جاء في الصلاة عند الزوال
(2/33)
باب ما جاء في الصلاة عند الزوال
(2/34)
- الحديث رقم: 478
هذه الأربع عندنا سنن الظهر القبلية ، وقال الشافعية : إنها صلاة الزوال ورواية الباب أخرجها
ج1ص444
المصنف في الشمائل ص ( 21 ) وفي سنده كلام من جانب عبيدة فإنه ضعيف عند المحدثين ، وهو صاحب المناقب الكثيرة منها أن قبره يفوح حين دفن إلا أن عندنا روايات أخر تدل على عدم التسليم على أربع في النهار ، وأما رواية الشمائل فأخرجها ابن خزيمة في صحيحه ، فلا أعلم وجه إخراجه مع ضعف الراوي .
*2*باب ما جاء في صلاة الحاجة
باب ما جاء في صلاة الحاجة
(2/35)
- الحديث رقم: 479
صلاة الحاجة ركعتان بلا تعيين السور والحديث قوي ، والدعاء المذكور في الحديث يأتي به بعد الصلاة ، فإن الحاجة عامة من كونها متعلقة بالله أو بالناس ، والدعاء الذي يتعلق بالناس مفسد للصلاة عندنا ، ووقع في بعض الروايات أنه يذكر الحاجة في الدعاء باللسان .
ج1ص445
*2*باب ماجاء في صلاة الاستخارة
باب ماجاء في صلاة الاستخارة
(2/36)
- الحديث رقم: 480
إذا كان الإنسان متردداً في أمر مباح أو واجب غير موقت فيستخير ، والاستخارة في أمر واجب أو حرام ، وأما البشارة بالرؤيا فلا وعد لها في الأحاديث في بعض الروايات أن الصحابة كانوا لا يتعلمون مثل القرآن إلا دعاء الاستخارة ، وأما حديث الباب فقوي .
قوله : ( إذا هم أحدكم ) أقول : إن لفظ الهم يستعمل في أمور الشر كما قال أرباب اللغة ولا أعلم وجه استعمال الهم هاهنا في أمر الخير ، قد قال : أهم بأمر الخير لو أستطيعه .
قوله : ( أو قال : في عاجل أمري ) اختلف العلماء في شرح هذه القطعة ، وبيان اللفظ المبدل منه والبدل والألفاظ مخمسة ، والمختار أن الأخيرين بدل الثلاثة الأول وقال العلماء يجمع بين الخمسة ويأتي بها .
*2*باب ما جاء في صلاة التسبيح
باب ما جاء في صلاة التسبيح
(2/37)
- الحديث رقم: 481
واعلم أن كل نوع من أنواع الصلاة التي لا أصل لها من الشريعة الغراء من أحدث تلك الأنواع
ج1ص446
فقد ابتدع ، والحديث في صلاة التسبيح مختلف فيه قيل ضعيف ، وقيل : إنه حسن ، وهو المختار عند جمهور المحدثين وأدرجه ابن الجوزي في كتاب الموضوعات ، وقال الحافظ ابن حجر في أماليه على كتاب الأذكار للنووي : إنه قد أساء ابن الجوزي حيث أدرجه في كتاب الموضوعات وكلام الحافظ مضطرب في الحكم على حديث التسبيح فإنه قال في التلخيص : إن كل الأسانيد ضعيفة ، ثم لصلاة التسبيح صفتان أحدهما ما هو مروي في الكتب بالإسناد مرفوعاً ، والثانية ما اختارها ابن المبارك ، وفي الأولى جلسة الاستراحة بخلاف الثانية ، ومختار صاحب القنية الثانية تحرزاً عن جلسة الاستراحة ، أقول : إن شأن هذه الصلوات غير شأن سائر الصلوات فالمختارة الأولى .
قوله : ( وسبحان الله إلخ ) ويجوز ضم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، أقول : إن هذه الأربع متبادرها كونها بتسليمة ، وكذلك الحديث الذي سيأتي أنه عليه الصلاة والسلام علم علياً أربع ركعات لزيادة الحفظ متبادره الأربع بتسليمة واحدة ، ولا يقال : إنه مثل قول عائشة : فلا تسأل عن حسنهن وطولهن وقد أنكر تبادر الأربع فيه فإنها قول عائشة حين روايتها فعله عليه الصلاة والسلام بخلاف حديث الباب ، وحديث علي فإنه قوله عليه الصلاة والسلام بخلاف الأول فإنه حكاية فعل كما كان في الواقع ، وروي عن ابن عباس تعيين السور أيضاً في صلاة التسبيح وهي من < إذا زلزلت > و < العاديات > إلى < إلهكم التكاثر > ولكن سندها ليس بذاك القوي ، وذكر أحمد في روايته في بعض عباراته وسلسلة السور أيضاً تدل على الأربعة بسلام واحد .
ج1ص447
قوله : ( رمل عالج ) مركب إضافي ، وعالج اسم موضوع وسند حديث الباب ضعيف .
قوله : ( أن أم سليم إلخ ) ليست هذه صلاة التسبيح وسنده قوي ورجاله ثقات .
(2/38)
قوله : ( وفي الباب ) . أي في باب صلاة التسبيح لا في وفاق حديث أم سليم
ج1ص448
*2*باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي
باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي
(2/39)
- الحديث رقم: 483
قال الشافعي : إن الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فريضة في الصلاة في القعدة الثانية ، وقال الطحاوي والخطابي : إن الشافعي رحمه الله متفرد في هذا وتمسك الحافظ بحديث فيه صيغة الأمر ، وحملهما الجمهور على الاستحباب ووقع في بعض الروايات لفظ < العالمين > قبل < حميد مجيد > وذكر الوزير ابن هبيرة في الإشراف في هذا سبب الأشراف : قال محمد : إن لفظ < في العالمين > في الموضع الثاني وقال المحقق بن أمير الحاج : إني رأيت في بعض كتب الحديث لفظ < في العالمين > في الموضعين إلا أني نسيت تعيين ذلك الكتاب ، وهاهنا إشكال عظيم وهو أن الرواة الذين ردوا صيغ الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كعب بن عجرة كثيرون ولا يمكن التوفيق بينهما ذكرها الحافظ في الفتح بتمامها وقد كان الغرض رواية ألفاظه عليه الصلاة والسلام فمم اختلف الرواة في الصيغ فقد أوقعني هذا الأمر في الإشكال ، فإن البحث إنما هو عن المروي فكيف اختلفوا مثل هذا الاختلاف في رواية واحدة؟
(2/40)
قوله : ( فكيف الصلاة عليك إلخ ) ذكر الحافظ في الفتح أن أمر الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام صدر في السنة الثانية ، ثم ذكر في موضع آخر أن الأمر صدر في السنة السادسة ، ونقله عن الحافظ أبي ذر صاحب النسخة للبخاري وظني أن السنة الثانية من سهو الناسخين ، واعلم أن الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرة في مدة العمر فريضة ، وإذا سمع اسمه عليه الصلاة والسلام قيل يجب الصلاة عليه ، وقيل : يستحب والأول قول الطحاوي ، والثاني قول الكرخي ، ثم إذا تكرر سماع اسمه عليه الصلاة والسلام في مجلس واحد فقيل : تتداخل الصلاة ، وقيل : لا ومثل هذا الاختلاف في من سمع اسم الله تعالى أنه يجب عليه التعلية والتقديس أم مستحب ، ثم يتداخل أم لا؟ واعلم أن ما يذكر ويكتب لفظ ( صلعم ) بدل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فغير مرضي وقد شنع عليه أحمد بن حنبل .
ج1ص449
*2*باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي
باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي
(2/41)
- الحديث رقم: 484
أي في داخل الصلاة وخارجها .
قوله : ( أكثرهم على صلاة إلخ ) اختلف العلماء في أن التهليل أفضل أم الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو قراءة القرآن؟ وظني أن من يريد الشفاعة فليكثر الصلاة ومن يريد الغفران من الله تعالى يكثر التهليل ، وهكذا والله أعلم .
قوله : ( وصلاة الملائكة الاستغفار ) أقول : المشهور هو هذا التفصيل ولكن المحقق عندي أن
ج1ص450
صَلّى إن كان كالقصر نحو هلل قال : لا إله إلا الله ، وسبح أي قال : سبحان الله ، وهو قصر معنى وإن لم يكن مثل بسمل من وحرج فيكون انتهاء الصلاة إلى الله ، تعالى ، والتفصيل المشهور ساقط فإن أحداً إذا قال صلى زيد يكون معناه أنه قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو يكون معناه اللهم صلِّ على محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستقر الأمر وانتهى إلى الله تعالى وإن لم يكن كالقصر فيطلب هل هو ينسب إلى العباد والملائكة أم لا؟ ومع هذا ثبت عن بعض السلف التفصيل المذكور المعروف على الألسنة أنه إن نسب واستند إلى العبد فمعناه الدعاء ، وإن استند إلى الملائكة فمعناه الاستغفار ، وإن استند إلى الباري عز برهانه فمعناه الرحمة ، لقد تم بحث الوتر وما يليه .
ج1ص451
*1*أبواب الجمعة
أبواب الجمعة
*2*باب ما جاء في فضل يوم الجمعة
باب ما جاء في فضل يوم الجمعة
(2/42)
- الحديث رقم: 488
قالوا : إن الجمعة اسم إسلامي ، وأما في الجاهلية فكان اسم هذا اليوم يوم عروبة ، وفرضية الجمعة عند الأحناف في مكة لكنها لم يكن أداؤها في مكة بسبب عدم القدرة ، ثم ذهب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة وأقام في قباء أربعة عشر يوماً ولم يجمع فيها لعدم تحقق شرط المصر ثم جمع في المدينة ، وفصل مولانا المرحوم الگنگوهي المسألة في رسالته ، وقال الخصم : إن الجمعة فرضت في المدينة ، وقال السيوطي في الإتقان : إن نزول فرضية الجمعة في مكة حين ذكر ضابطة أن الحكم المشروع قد يكون مشروعاً قبل نزول آية كما في الوضوء فإن نزول آية الوضوء إنما هو بعد أن كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي ، وقد يكون بعد نزولها فإن قيل : إن وجه عدم أداء الجمعة في قباء قلة الناس ؛ نقول : كان الناس ثمة أكثر من أربعين نفساً .
قوله : ( أخرجَ منها إلخ ) قيل : إن الغرض ذكر فضل الجمعة وإخراج آدم من الجنة لا يليق بالفضل فقيل : إن الغرض في الحديث ذكر أمور عظام وقعت يوم الجمعة لا ذكر فضل الجمعة . وقيل : إن الإخراج أيضاً فضل لأن المراد من الإخراج جعله خليفة في الأرض وإنما جيء به في الجنة ليعرفها ويعرف الخروج منها ، وربما يجري على الأنبياء أمر لا يليق بظاهره شأن الأنبياء ولكنه يكون في الحقيقة أصلح لهم ، ويسمى هذا في اصطلاح الصوفية تدبيراً مثل تربية موسى عليه الصلاة والسلام في بيت فرعون فإنه وإن كان غير لائق به ولكنه كان الغرض ثمة بيان قدرة الله وإظهار أن التقدير يسابق التدبير مع سعيه البليغ في إبقاء مملكته .
قوله : ( ولا تقوم الساعة ) ورد في حديث قوي : أن قيام القيامة يكون يوم عاشوراء ، عاشر المحرم .
ج2ص5
*2*باب ما جاء في الساعة التي ترجى يوم الجمعة
باب ما جاء في الساعة التي ترجى يوم الجمعة
(2/43)
- الحديث رقم: 489
في الساعة المحمودة خمسة وأربعون قولاً ، بعضها مذكورة في فتح الباري وأذكر هاهنا اثنين ؛ قول الأحناف : أنها بعد العصر إلى غروب الشمس وهو مختار أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، والقول الثاني : أنها بعد الزوال من الخطبة إلى الفراغ عن صلاة الجمعة واختاره الشافعية ، ورجح الزملكاني الشافعي القول الأول ، وقيل إيراداً على الشافعية : أي وقت للدعاء بعد الزوال إلى الفراغ عن الصلاة؟ قالوا : يجوز عندنا الدعاء في سكتات الخطبة ، وأيضاً يجوز عند الشافعية أي دعاء شاء من كلامه أو كلام الشارع ، وفي الدعاء في الصلاة عندنا ضيق فإنها تفسد بدعاء يشبه كلام الناس ، ودليل الشافعية رواية أبي موسى في مسلم ودليلنا رواية السنن من النسائي والترمذي ، وقال أحمد : إن أكثر ذخيرة الحديث يدل على أنها بعد العصر إلى الغروب ، ثم اختلفوا في الحديث ، قيل بالتوفيق ، وقيل بالترجيح ، والأكثر من المرجحين ، فرجح الشافعية رواية مسلم على رواية السنن ، ورجح الحنابلة والأحناف رواية السنن وأن مرتبة أحمد أعلى من مرتبة مسلم ، وأيضاً أعل أحمد رواية مسلم ، ووجه العلة أنه مرسل عن أبي بردة بن أبي موسى ، وذكر أبي موسى من الرواة وهمُ ثم إذا صار مرسلاً فيرجح المسند على المرسل ، وبعض المحدثين يوفقون بين الروايتين منهم ابن قيم في الزاد وقال : كلا الوقتان مقبولان ، ومنهم الشاه ولي الله رحمه الله في حجة الله البالغة وهو المختار ، وأما وجه الرجحان لنا فهو أن صح أن خلق آدم بعد العصر كما في الروايات الصحيحة ، وأيضاً في التوراة تصريح أنها بعد العصر إلى الغروب ، وإن قيل : إن التوراة محرفة فكيف تصح أوجه الرجحان؟ أقول : إن في تحريف التوراة ثلاثة أقوال :
(2/44)
قال جماعة : إن التحريف المذكور في الآية تحريف معنوي ولا تحريف لفظاً أصلاً وهو مختار ابن عباس والبخاري والشاه ولي الله ، ورواية ابن عباس أخرجها البخاري في آخر صحيحه ، وقيل : إن التحريف اللفظي قليل واختاره الحافظ ابن تيمية وهو المختار ، وقيل : إن التحريف كثير وكنت أزعم أنه وإن حرف بعض الأشقياء لفظاً ولكنه ليس بحيث لو سعى أحد أن يطلب النسخة الصحيحة على بسيط الأرض فلا يجدها بل لو أراد أحد أن يهيئ نسخة محفوظة يمكن له ذلك ، ثم بعد مدة رأيت في بعض رسائل ابن تيمية تعيين ما كنت أزعم ثم تمسك على قلة التحريف بالآيات والأحاديث ، ومن الآية : { فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ } [ آل عمران : 93 ] فإنها لو كانت محرفة لما أمر الله نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يقول لهم بإتيان
ج2ص6
(2/45)
التوراة ، ومن الأحاديث حديث الصحيحين : أن يهودياً وضع يده على التوراة على بعض عبارتها فضرب عبد اللّه بن سلام بيده . وأتى بأحاديث ونقل عبد اللّه بن سلام من التوراة مثل ما نقلت إن في التوراة أن الساعة المحمودة بعد العصر ، وقوله يدل على أن التحريف ليس إلا قليلاً ، وإن قيل : لمَّا كان الساعة المحمودة التي هي فضل يوم الجمعة بعد العصر ينبغي كون صلاة الجمعة أيضاً عند الساعة المحمودة ، فلمَ قُدمت؟ قلت : إن التمهيد يكون مقدماً وربما يحيط التمهيد وقتاً أزيد من وقت المقصود مثل الحج ، فإن الغرض وقوف عرفة فإذن يبتدء الغرض مما بعد العصر بخلاف التمهيد فإنه يبتدئ مما بعد الزوال وقريب من هذا ما في الإحياء للغزالي عن كعب الأحبار : أن فضل الساعة المحمودة لمن أدى صلاة الجمعة بحقوقها فدل على أن الغرض الساعة ، ولم يتكلم العراقي المخرج لما في الإحياء على هذا النقل بشيء وأقول : إن حديث < يوافقها عبد مسلم يصلي قائماً > إلخ مراده أنه يصلي أي يأتي بالجمعة بحقوقها ، وكذلك أقول : يشترط فضل الساعة لمن أدى العصر أيضاً بحقوقها فالمراد بـ < يصلي > قائماً أنه يداوم على الصلاة لا أن يكون مصلياً في الحال ، ولا نحتاج إلى تأويل أن منتظر الصلاة مصلي بل المراد من الصلاة هي صلاة تقع مقدمة لذلك الوقت أي الساعة المحمودة ، ومثل هذا وجدت عن كعب الإحبار في الإحياء ، وفي مسلم عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - < أن بدأ الخلق كان من يوم السبت > ويخالفه ما في القرآن العزيز فإن ظاهر القرآن يدل على أن الخلق امتد إلى ستة أيام وآخرهم خلقاً آدم وخلق يوم الجمعة فعلم أن بدء الخلق من يوم الأحد ، والسبت كان خالياً ، فحديث مسلم أعله جماعة منهم البخاري بأن أبا هريرة سمع هذا القول من كعب الأحبار ، ذكره ابن كثير فرفعه الراوي إلى صاحب الشريعة ، والمختار أن الخلق ابتدئ به من السبت إلى الخميس ثم استوى على العرش
(2/46)
وبعد ذلك خلق آدم في جمعة أخرى فإن التمسك بظاهر القرآن أولى .
ثم سأل سائل أن الأيام الستة هذه لأسبوع أو لأسابيع عديدة؟ وظاهر القرآن أنها لأسبوع واحد ، لكن كان كل يوم مقدار ألف سنة مما تعدون .
قوله : ( وفي الباب الخ ) أي في باب فضل الساعة المحمودة لا في أنها بعد الزوال أو بعد العصر .
ج2ص7
قوله : ( كثير بن عبد اللّه ) كثير متكلم فيه ، فإن أحمد أخرج عنه إذا كرر النظر فأسقط كل ما أخرج عنه ، وقال : إنه لا يساوي درهماً ، وقال البعض : إنه كذاب ، ولا أعلم كذبه وما حسن روايته إلا الترمذي والبخاري وابن خزيمة .
قوله : ( قصة طويلة ) مذكورة في المشكاة وموطأ مالك .
قوله : ( يصلي ) الحديث صحيح ، وفي البخاري : < قائم يصلي > وعندي مراده ما مر أي يداوم على الصلاة ، ويكون القيام بمعنى الدوام ومثل آية : [ آل عمران : 75 ] ، وفي ابن ماجه رفع هذا التأويل أي مراد < يصلي > ينتظر الصلاة إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولكنه معلول أعله ابن مندة الأصبهاني ، وقال : الصواب وقعه .
ج2ص8
*2*باب ما جاء في الاغتسال في يوم الجمعة
باب ما جاء في الاغتسال في يوم الجمعة
(2/47)
- الحديث رقم: 492
قال الثلاثة : إن الغسل سنة ، ونُسب إلى مالك وجوبه ، وإنما قلت : نُسب لأن الموالك يطلقون لفظ الوجوب على السنة الأكيدة أيضاً ، واختلفوا في أن الغسل للجمعة أو لصلاتها ، والمختار الثاني .
قوله : ( فليغتسل ) يحمله الموالك على ما نسب إليهم أن الأمر للوجوب ويحمله ، الجمهور على أنه للاستنان ، وللموالك ما أخرجه البخاري : < يجب الغسل على كل محتلم وبالغ > وقال الجمهور : إن بعض قطعات ذلك الحديث موقوفة على ابن عباس .
ج2ص9
قوله : ( إذ دخل رجل ) هو عثمان بن عفان ، وتمسك الجمهور بأنه لو كان الغسل واجباً لما تركه عثمان ثم لا يمهله عمر وأجاب الموالك بما وقع في مسلم : أن عثمان اعتاد الغسل كل صبح فلعله اكتفى على ذلك الغسل ولم يجدد .
قوله : ( والوضوء أيضاً ) الوضوء مرفوع أو منصوب .
*2*باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة
باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة
(2/48)
- الحديث رقم: 496
قوله : ( غسل ) قال وكيع : مراده أنه جامع ، وقال ابن المبارك : غسل الرأس ، أقول : الصواب ما قال ابن المبارك فإنه يوافقه حديث مرفوع أخرجه أبو داود في سننه ص ( 50 ) في رواية أوس .
قوله : ( بكر وابتكر ) قيل : إن ابتكر تأكيد محض ، وقيل : التبكير الذهاب ابتداء اليوم والابتكار
ج2ص10
وجدان الخطبة من ابتداءها ، وقد يكون المجرد لغيره في الافتعال لنفسه مثل كسب واكتسب وباع وابتاع ، ولم يذكر أحد من أرباب التصريف هذه الضابطة ، وقال جماعة منهم صاحب القاموس : إن الافتعال لازم ورد عليه أحمد صاحب الجاسوس وقال : إنه يكون متعدياً أيضاً ، أقول : لعل المراد من كونه لازماً أنه إذا كان الفعل المجرد ومتعدياً إلى ثلاثة مفاعيل يتعدى إلى المفعولين في الافتعال ، وإذا كان في المجرد متعدياً إلى مفعولين يتعدى في الافتعال إلى مفعول واحد ، فاللزوم إضافي ، وفي موطأ مالك ما يدل على الإنصات للنائي أيضاً .
قوله : ( بكل خطوة ) قيل : إن الخطوة ما بين اليمنى واليسرى ، وقيل : ما بين قدم إلى تلك فعلى الأول تكون قدماً واحداً ، وعلى الثاني قدمين .
*2*باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة
باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة
(2/49)
- الحديث رقم: 497
حديث الباب حجة للجمهور وحسنه الترمذي ، ولكن في سماع الحسن عن سمرة ثلاثة أقوال ؛ قيل : لم يسمع شيئاً ، وقيل : سمع ، وقيل : سمع حديث العقيقة ، وأما عن سائر الصحابة فيرسل كثيراً .
قوله : ( فبها ) أي فبالخصلة الحسنة .
ج2ص11
قوله : ( حتى يرده ) وحديث الصحيحين < أنا لم نرده عليك > إلخ بالنصب ، قال علماء العربية : إنه لحن ، وصنفت الكتب في لحون المحدثين وأجاب المحدثون ، عن حديث الصحيحين باستشهاد شعر .
قوله : ( إلى الجمعة إلخ ) أي من صلاة جمعة إلى صلاة جمعة لتكون عشرة أيام مع ثلاثة أخر ، ولو أردنا من يوم جمعة إلى يوم جمعة تصير الأيام بزيادة ثلاثة أيام إحدى عشر يوماً .
قوله : ( من مس الحصى ) عندنا منهي عنه في الخطبة ما ينهى عنه في الصلاة ، وأما الشافعي فقوله القديم مثل قولنا ، وفي الجديد جواز الكلام أيضاً ووسع في الأمر .
*2*باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة
باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة

(2/50)


 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 12:07 PM   #19
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 499
التبكير عند مالك من ما بعد الزوال ، وقال : إن الساعات الستة تعد بعد الزوال ، والجمهور على
ج2ص12
أن الساعات من ابتداء اليوم والتبكير أيضاً من ابتداء اليوم ، وفي بعض الروايات ذكر الساعة السادسة أيضاً كما في النسائي .
قوله : ( ثم راح ) استدل بهذا الموالك على أن ابتداء الساعة من بعد الزوال ، لأن الروحة الذهاب بعد الظهيرة كما في :
~ أرواح مودع أم بكور ... أنت فانظر لدى ذاك تصير
وتمسكوا أيضاً بحديث : < أن المهجر إلى الجمعة > إلخ فإن التهجير الذهاب عند الهجيرة وتمسك الجمهور بحديث : < بكرو > إلخ . فإن التبكير هو الذهاب عند البكرة ثم تمسك كل واحد بما يوافقه ، وتأول ووسع في كلام الخصم .
قوله : ( حضرت الملائكة إلخ ) استنبط العيني منه أنه لا يتكلم في الخطبة ، وأقول : إن الكلام إذا قعد الإمام على المنبر قبل الشروع في الخطبة وإذا جلس بين الخطبتين ، فقال الزيلعي شارح الكنز : إنه لا يتكلم أصلاً لا كلام الدين ولا كلام الدنيا ، وفي النهاية أنه لا يتكلم إلا بكلام الدين ، وفي العناية أنه يجوز له أن يجيب المؤذن والأقوال الثلاثة مذكورة في حاشية الهداية لمولانا عبد الحي أيضاً .
(2/51)
قوله : ( قرب بقرة ) تاء البقرة ليست للتأنيث بل تاء الوحدة ، ويطلق على المذكر والمؤنث وكذلك الحال في تاء كل حيوان مثل الدجاجة ، واتفق على هذا أئمة اللغة إلا أنه نقل صاحب الكشاف والمدارك عن أبي حنيفة في لفظ النملة ، فإنه لما دخل قتادة الكوفة اجتمع عليه الناس قال : سلوني عما شئتم ، فكان أبو حنيفة فيهم فقال : إن نملة سليمان مؤنث أو مذكر؟ فأفحم قتادة ، فقال أبو حنيفة : كانت أنثى ، فقيل : كيف ذلك؟ قال : قال الله عز وجل : < قالت نملة > ولو كانت ذكراً لقال : قال نملة ، فما وجدت من يوافق أبا حنيفة إلا لعلها مبرداً في كامله وابن السكيت في إصلاح المنطق ، ويقول جمهور أرباب اللغة : إن النملة كالشاة والحمامة يقع على الذكر والأنثى ، لأنه اسم جنس يقال : نملة ذكر ونملة أنثى ، وشاة ذكر وشاة أنثى فلفظها مؤنث ، وأما المصداق فمحتمل للمعنيين فلعل التأنيث كان على اللفظ وإن كان في الواقع ذكراً أو مؤنثاً ، ويمكن أن يقال : إن هذا الاستعمال فصيح ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : < لا تضحي بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء > فإنه أتى بصيغ المؤنث والحال أن الأضحية ليست بخاصة بالإناث . والله أعلم .
قوله : ( كبشاً أقرن ) أي ذا قرن ، استدل بعض الناس بحديث الباب على أضحية الدجاجة أقول لو كان الأمر كذلك لجاز أضحية البيضة أيضاً ، فإن في الحديث ذكر البيضة أيضاً في الساعة السادسة .
ج2ص13
قوله : ( فإذا خرج الإمام ) إذا كان الإمام خارج المسجد فخروجه للخطبة يتحقق بوضع قدمه في المسجد ، وإن كان في المقصورة فكذلك أيضاً ، وإن كان في المسجد فتحقق خروجه للخطبة بقيامه من الصف .
*2*باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجمعة؟
باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجمعة؟
(2/52)
- الحديث رقم: 501
ها هنا مسألتان لا ينبغي الخلط بينهما :
أحدهما : بيان محل إقامة صلاة الجمعة ، وهو المِصْر أو القرية الكبيرة عندنا .
وثانيهما : بيان من يجب عليه شهود صلاة الجمعة سوى أهل المصر .
والمذكورة في الباب الثانية ، ففيها ثمانية أقوال للأحناف ، ذكرها الشرنبلاني في رسالته ، منها ما نسب إلى أبي يوسف تمريضاً ، وهو أنه يجب الجمعة ، على من كان على المسافة الغدوية من موضع إقامة الجمعة ، والمسافة الغدوية أن يعود الرجل قبل الغروب إلى بيته بعد أداء الجمعة ، ومنها ما قيل :
ج2ص14
إنها لا تجب إلا على سكان موضع إقامة الجمعة ، ومنها أنها واجبة على من يسمع الأذان من غير سكان موضع إقامتها ، والأرجح هو هذا فإنه مؤيد لفتاوى الصحابة .
قوله : ( ثوير ) هو ابن أبي فاختة ، وهو متكلم فيه ، وحسَّن له الترمذي في موضع .
قوله : ( من قِبا ) وقِبا على ثلاثة أميالٍ من المدينة المنورة ، ودل الحديث على عدم إقامة الجمعة في القرى .
قوله : ( كنا نتنادب ) أي تجيء جماعة في جمعة ، وجماعة أخرى في جمعة أخرى ، ويفيدنا في عدم الجمعة في القرى ، وفصله مولانا المرحوم في رسالته .
قوله : ( الجمعة على من أداه ) قيل : معناه أن الجمعة على من كان على المسافة الغدوية . وقيل : معناه أن الجمعة على المقيم لا المسافر ، ولا تجب الجمعة على المسافر عندنا ، وكذا عند المالكية وعند الشافعية .
قوله : ( الحجاج بن نصير ) ضعَّفه بعض المحدِّثين ، ووثقه البعض ، ومن الموثقين ابن مَعين ، وفي سند الباب معارك بن عباد ضعيف .
ج2ص15
*2*باب ما جاء في وقت الجمعة
باب ما جاء في وقت الجمعة
(2/53)
- الحديث رقم: 503
لا تصح الجمعة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي قبل الزوال ، وتصح عند أحمد ، وقال : تصح عند الضحى مثل العيد ، فإن الجمعة أيضاً عيد ، ولقد أطنب ابن تيمية في المسألة ، وقول أحمد قول ابن الزبير : وقول ابن مسعود ، وقال ابن تيمية : يقول الراوي : ( كنا نتغدى ونقيل بعد الجمعة ) ، والغداء يكون قبل الزوال ، ويجاب عنه بأن مراده أنا كنا نأكل الطعام الذي كنا نأكله عند الغداء بعد الجمعة ، وكذلك القيلولة ، وليس هذا ، فجاز أن يعارض بأن في الحديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل عند السحر ، فقال بعض أصحابه : هلمّوا إلى الغداء المبارك ، وفي اللغة يكون الغداء بعد طلوع الشمس ، فيلزم عليك إجازة أكل الطعام للصائم بعد طلوع الشمس ، والحال أن مراده أنه بدل الغداء .
واختار العيني في العمدة أنه لا إبراد في الجمعة ، بل الإبراد في الظهر ، وقال صاحب البحر : إن في الجمعة أيضاً إبراد .
أقول : عادته عليه الصلاة والسلام عدم الإبراد .
ج2ص16
*2*باب ما جاء في الخطبة على المنبر
باب ما جاء في الخطبة على المنبر
الخطبة على المنبر مسنونة .
(2/54)
- الحديث رقم: 505
قوله : ( حن الجذع الخ ) في بعض الروايات القوية أن الجذع انشق ، وفي ثلاثة روايات قوية أنه دفن عند وضع المنبر ، وعندي روايات تبلغ عشرين تدل على وجود المنبر في السنة الثانية والثالثة والرابعة وهكذا إلى العاشرة ، ومفهوم عبارة الحافظ أن النخل قلعت عند بناء المسجد النبوي ، وجعلت عضادات في جدار القبلة وقال السيد السمهودي : إنها جعلت أعمدة تحت السقف والعبرة للسيد السمهودي في أحوال المدينة ، ثم بعض الروايات تدل على أن الجذع كان من أعمدة المسجد النبوي ، وبعضها تدل على أنها غيرها ، والله أعلم .
وكان الجذع إلى جانب اليسار من المصلى ، أي المحراب ، ويدل بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام سأله فاختار الآخرة على الدنيا ، وفي الروايات أنه دفن في الموضع الذي قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنه من الجنة ، ولعله مصداق اختياره الآخرة والله أعلم ، وقال الإسفرائي الشافعي أنه : عليه الصلاة والسلام دعا الجذع فأتاه واثباً ذكره القاضي عياض في الشفاء ، أقول : إنه وهم قطعاً من الإسفرائي فإن الوثوب إنما ثبت في الشجرتين اللتين دعاهما النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين أراد قضاء الحاجة .
*2*باب ما جاء في الجلوس بين الخطبتين
باب ما جاء في الجلوس بين الخطبتين
(2/55)
- الحديث رقم: 506
الجلوس بين الخطبتين سنة عند أبي حنيفة ، وشريطة عن الشافعي ، وجرت ها هنا الزيادة بالخبر
ج2ص17
الواحد على القاطع ، فإن آية : { فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [ الجمعة : 9 ] تدل على مطلق الذكر ، ودل الحديث على الخطبتين بينهما جلوس .
*2*باب ما جاء في قصر الخطبة
باب ما جاء في قِصَرِ الخطبة
(2/56)
- الحديث رقم: 507
السنة قصر الخطبة وتطويل الصلاة ، القصر متعد ، والقصور لازم ، واعلم أن ثمانية أشياء مستحبة عندنا في الخطبة ، منها عدم خلوها من آيةٍ مَا ، ذكرها صاحب البحر ، وقال الشافعي : إن الاشتمال على آية من الآيات شرط .
ج2ص18
*2*باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب
باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب
(2/57)
- الحديث رقم: 509
السنة في الخطبة التحديق ، وأن يستقبلوا الإمام بوجوههم ، ولكن الزمان زمان الفساد ، لو حدقوا لا يمكن استقامة الصفوف عند الجماعة ، فالأولى ترك التحديق ، وذكره في نيل الأوطار أيضاً ، وفي مبسوط السرخسي أن أبا حنيفة كان يقبل بوجهه إلى الإمام عند الخطبة من موضعه بلا تبديل الموضع .
ولقد بوَّب البخاري على هذه المسألة ، فكيف يصح قول المصنف : لم يصح فيه شيء ، فإنه وإن لم يأت بالصريح ولكن استنباطه صحيح ، وفي الدر المختار أن استماع الخطبة واجب ولو خطبة النكاح .
*2*باب ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب
باب ما جاء في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب .
(2/58)
- الحديث رقم: 510
قال أبو حنيفة ومالك : من أتى والخطيب يخطب يجلس كما هو ولا يصلي شيئاً .
وقال الشافعي وأحمد : تستحب تحية المسجد .
وأما الخلفاء الراشدون والجمهور من الصحابة فمع أبي حنيفة ومالك . كما في النووي شرح مسلم ص ( 387 ) ، وتمسك الشافعي بالمرفوع ، وسيأتي أجوبة منا .
قوله : ( رجل ) هو سليك بن هدبة الغطفاني ، وأطنب الحافظ هاهنا ورد على خصومه ، والجواب
ج2ص19
المشهور منا : أن هذا الرجل كان في هيئة بذة ، وكان غرضه عليه الصلاة والسلام أن يجمع له المتفرقات من الناس ، وأنه عليه الصلاة والسلام أمهل خطبته .
وأما كونه في هيئة بذة فثابت في حديث الباب والنسائي الصغرى ص ( 308 ) . أنه جاء رجل يوم الجمعة والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب بهيئة بذة . . إلخ .
وأما الحض على الصدقات له فمذكور في النسائي والطحاوي .
وأما إمهال الخطبة ففي سنن الدارقطني أخرجها رجال ثقات ، ثم نُقِل عن أحمد أن الصواب إرساله ، فيكون من خصوصية سُليك .
(2/59)
وأما مسألة إمهال الخطبة إنه جائز أم لا فمحولة إلى الفقه ، وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام كان لم يشرع في الخطبة وقال العيني : إن النسائي أخرج ما يدل على عدم الشروع ، وبوَّب عليه في السنن الكبرى ، أقول : إني راجعت فلم أجد ، ويمكن التمسّك في هذا بما أخرجه مسلم ص ( 382 ) : ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاعد على المنبر . . إلخ ، فقعوده دل على أنه لم يشرع ، وتأول النووي فيه ، ويمكن الجمع بين ما في مسلم وما في سنن الدارقطني بأنه عليه الصلاة والسلام كاد أن يشرع ، فإنه قد جلس على المنبر ، ولما جاء سُليك أمهل خطبته ، أي لم يشرع فيها ، ولا بُعد في هذا الجمع ، ويمكن أن يجعل الروايتين جوابين ثم نقول : إن مدعى الخصم أن هذه الصلاة صلاة التحية ، والحال أنه يخالفه ما في ابن ماجه ص ( 29 ) بسند قوي : < أصلّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟ > قال : < لا ، قال : < فصل الركعتين ، وتجوَّز فيها > فدل على أنهما ركعتان قبل الجمعة لا تحية المسجد ، أخرجه الزيلعي أيضاً من سنن ابن ماجه ، وقال أبو الحجاج المِزِّي الشافعي وابن تيمية : إن في ابن ماجه تصحيفاً ، وأصل الرواية < أصلّيت قبل أن تجلس . . إلخ > ، ثم قال ابن تيمية : إن رواة ابن ماجه أي ناقلون ليسوا بمتقنين ووقع فيه تصحيف كثير .
(2/60)
أقول : إن الأوزاعي أو إسحاق بن راهويه بنى مذهبه على رواية ابن ماجه ، وقال : لو صلى السنن في البيت لا يصلي إذا خطب الإمام ، ولو لم يصلهما فليؤدهما في المسجد وإن أخذ الخطيب في الخطبة وأيضاً في جزء القراءة للبخاري : قال جابر : وإن كنت أصلي السنن في البيت أصليهما في المسجد وإن خطب الخطبة ، على ما أمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سليكاً . وراوي رواية ابن ماجه هو جابر ، فعلم أنه ليس بتصحيف ، ولفظ ( قبل أن تجيء ) صحيح ، وإن لم يوافقنا جابر ، وقال ابن حجر حين مر على رواية ابن ماجه : إن المجيء هو المجيء من موضع المسجد إلى موضع آخر ، لا
ج2ص20
المجيء من البيت . أقول : إنه تأويل محض الركعتين معرفة باللام فلا بد من العهد سابقاً ، والمعهود ركعتا التحية ، ونقول : إن واحداً من اللفظ ليس فيه حين الاستفهام تعريف الركعتين بالألف واللام ، وأما في موضع الأمر ـ أي في قوله : ( فصل الركعتين ) ـ فاللام موجودة ، والمعهود قبله الركعتان في قوله : ( أصليت ركعتين ) فصار معهوداً في كلامه في الموضع الثاني ، فدل جميع ما سبق أن هذه واقعةُ حالٍ لا عموم لها .
ثم في الطحاوي ص ( 314 ) بسند قوي وابن حبان والنسائي الكبرى أن الرجل أتى عنده عليه الصلاة والسلام في ثلاث جمعات وأمره عليه الصلاة والسلام ثلاث مرار بالركعتين . أقول : إن الثالثة إنما هي من شك الراوي .
وفي النسائي الصغرى ص ( 308 ) ذكر الجمعتين لا الثالثة ، وفي صحيح ابن حبان زيادة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( فلا تعد لمثل ذلك الخ ) ، فزعم أنه نهيٌ عن ترك الركعتين وقت الخطبة ، وأقول : إنه نهي عن الابطاء في الجمعة .
(2/61)
وآخر ما تمسك به الشافعية أن في مسلم ص ( 387 ) قال عليه الصلاة والسلام بعد الواقعة : < فإذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين ، وليتجوَّز فيهما > فلم يبق واقعةَ حال ، بل أمرٌ كليٌ ، وتشريعٌ قولي ، وأخرج هذا القول النسائي أيضاً ، وكذلك البخاري في غير موضعه مع أنه اختار مختار الشافعي .
( ف ) قال النووي : لا يمكن التأويل في القول ، أقول : إن الحديثَ القوليّ لا يمكن فيه الاحتمالات ، ويمكن فيه التأويل ، وفي الحديث الفعلي عكسُ ما في القولي .
ج2ص21
ثم أقول مجيباً عن تمسك الشافعية : إنه لو كان الفعل والقول منه فلمَ أمهل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الخطبة ، فأذن نجعل الفعل شارحاً للقول ، أي إذا جاء أحدكم والإمام يخطب ، أي كاد أن يشرع في الخطبة ، وفي النسائي ص ( 227 ) ومسلم ما يدل على ما قلت .
وأما على طريق المحدثين فصنف الدارقطني كتاب التتبع على الصحيحين ، وأعلَّ حديث البخاري قريب المائة وفي كل موضع إعلاله على الأسانيد ، وفي هذا الموضع إعلاله على المتن ، فقال : أن هذا القول الكليّ من إدراج الراوي ، ووضع الراوي ضابطه من جانب نفسه ، ثم طرّق الدارقطني الأحاديث ، وقال : لم يذكره غيره .
وأقول لعل عدم إخراج البخاري الحديث في موضعه يشير إلى أنه متردد فيه ، فإني علمت أن من صنع البخاري أنه لا يخرج الحديث في الذي فيه ظاهر ، ويخرج في الموضع الآخر إذا كان له تردد بذلك الحديث على جهة الظاهر ، مثل الاشتراط في الحج عند الإحرام واختار مذهب أبي حنيفة ، ولم يخرّج حديث ضباعة بنت زبير في باب الاشتراط ، وأخرجه في النكاح ، ونقول على طريق المعارضة : إن في أربعة وقائع غير هذه الواقعة لم يأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتحية المسجد :
(2/62)
منها ما في البخاري وغيره أن رجلاً دخل والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب وقال هلك المال ، وجاع العيال ، وطلب الاستسقاء ، فدعا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مستسقياً ولم يأمره بالركعتين ، ثم جاء رجل في الجمعة الثانية ، وقال : تهدمت البيوت ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < اللهم حوالينا لا علينا > ، فلم يأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتحية المسجد .
ومنها ما في الكتب أن رجلاً كان يتخطى رقاب الناس ، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( اجلس ) ولم يأمره بتحية المسجد .
ومنها أنه كان يخطب وقال للناس : ( اجلسوا ) فجلس ابن مسعود على الباب ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ائتني وما أردتك فقيل من جانب الشافعية : إنا قلنا بالاستحباب لا بالوجوب ، قلنا : إن في واقعة الباب كانت داعية بخلاف سائر الوقائع ، فيكون هذا من خصوصية سُليك ، ولقد بوب النسائي ص ( 208 ) على حث الإمام على الصدقة يوم الجمعة في خطبة ، وذكر تحته حديث الباب ،
ج2ص22
فأشار إلى أن المهتم بشأنه كان الحث على الصدقة ، وأيضاً في النسائي ص ( 227 ) < إذا جاء أحدكم والإمام قد خرج فليصل ركعتين > فدل على أن الإمام لم يشرع في الخطبة ، وفي بعض الروايات < والإمام يخطب أو قد خرج > وعندي ( أو ) لشك الراوي ، وقال الشافعية : إنه للتنويع ، والله أعلم بالصواب .
*2*باب ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب
باب ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب
(2/63)
- الحديث رقم: 512
قال الأحناف والموالك وقريب منهم الحنابلة : إنه لا يجوز كلام في الخطبة ، وكذلك القول القديم للشافعي ، وأما جديده فيجوز الكلام عند خطبة خطيب ، ونقول : إن الخطبة كالصلاة .
وتمسك الشافعي على الجواز بحديث أنه عليه الصلاة والسلام أرسل الصحابة لقتل كعب اليهودي ، فرجعوا والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب ، فسأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < أفلحت الوجوه؟ > فقالوا : نعم يا رسول الله ، وواقعة أخرى أنه عليه الصلاة والسلام كان يخطب فجاء رجل فسأله عليه الصلاة والسلام وأجابه الرجل .
ونقول بما في فتح القدير : إن الإمام له أن يتكلم في مهمات الدين ومسائل الدين ، مثل بعث السرية ، ثم من شأن الخطبة الاستماع ، فإن الكلام على أنواع : القراءة ، والتلاوة ، والمناجاة ، والدعاء ، والتبليغ ، والخطبة ، والدرس ، ولكل واحد منها شأن على حده ، وظني أن مناط قول الشافعي في الخطبة والقراءة خلف الإمام واحد ، والله أعلم .
قوله : ( أنصت فقد لغا إلخ ) فإنه يكفيه التعليم بالإشارة ، وتمسك بعض الأحناف بمثل هذا العموم على نفي تحية المسجد ، أقول : الأولى والأصوب الكلام في الخاص ولا ينبغي الاحتجاج بالعام مقابلة الخاص ، فإنه يمكن لأحد أن يمنع عدم الفرق بين تعليم المسألة وتحية المسجد .
وأما السلام في الخطبة فلا ينبغي ، ولو سلم فلا يرده ، وكذلك تشميت العاطس منهي عنه في الخطبة ، وإذا قرأ الخطيب : { صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [ الأحزاب : 56 ] يقول المستمع : صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نفسه ، أي بكلام نفسي ، هكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله ، ونقل صاحب البحر أن أبا يوسف كان إذا لم يبلغه صوت الخطيب يأخذ في تصحيح الكتاب .
(2/64)
وأما الكلام إذا قعد الإمام على المنبر ولم يشرع فيه ، أو جلس بين الخطبتين ، فقال شارح الكنز : لا يتكلم بشيء ، وقال في النهاية : لا يتكلم بكلام الدنيا ، وقال في العناية : إنه يجيب الأذان
ج2ص23
سيما إذا لم يجب الأذان الأول ، ولعل المختار قول العناية لما في البخاري أن أمير المؤمنين معاوية جلس على المنبر وأجاب الأذان ، وقال : إني رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل هكذا في مثل هذا الموضع ، والتأويل فيه بعيد .
*2*باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب
باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب
(2/65)
- الحديث رقم: 514
مناط الكراهة خوف النوم ، وثبت الاحتباء عن كثير من الصحابة ، كما في سنن أبي داود ص ( 165 ) ، والاحتباء أن يضع أليتيه على الأرض ، وينصب الركبتين ، ويشد الثوب على الركبتين مع الظهر ، أو يشد اليدين على الركبتين ، ووضع اليدين على الأرض يصير إقعاءً .
ج2ص24
واعلم أن المجتهد قد يعتبر العلة في جنس الحكم ، وقد يعتبر في الجزئيات ، ويسمى في الأول : الحكم لمظنة العلة ، وفي الثاني الحكم لمئنة العلة ، ومثال الأول : قصر الصلاة في السفر ، ومثال الثاني : النهي عن النوم واضعاً إحدى رجليه على الآخر ، فإن العلة فيه تَوَهْمُ كشف العورة ، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام النوم على تلك الهيئة لارتفاع مناط النهي ، أي لكونه مأموناً عن كشف العورة .
*2*باب ما جاء في كراهية رفع الأيدي على المنبر
باب ما جاء في كراهية رفع الأيدي على المنبر
(2/66)
- الحديث رقم: 515
يكره رفع الأيدي على المنبر عند الخطبة ، وثبت رفع السبابة وحركتها ، وإني متردد في أن حركتها كانت للتفهيم أو للدعاء كما ذهب إليه البيهقي ، وهو في الإتحاف ، فإن رفع السبابة أيضاً قد يكون للدعاء كما روي عن أبي يوسف .
*2*باب ما جاء في أذان الجمعة
باب ما جاء في أذان الجمعة
(2/67)
- الحديث رقم: 516
المشهور أن الأذان في عهده عليه الصلاة والسلام كان واحداً وخارج المسجد عند الشروع في الخطبة ، وكذلك في عهد الشيخين ، ثم قرر عثمان أذاناً آخر قبل الشروع في الخطبة خارج المسجد على الزوراء حين كثر المسلمون ، والزوراء قيل : حجر ، وقيل : سوق ، وقيل : بناء ، وهذا الأذان كان قبل الأذان بين يدي الخطيب بعد الزوال ، فانتقل الأذان الذي كان في عهده عليه الصلاة والسلام إلى داخل المسجد ، هذا هو الصحيح ، وفي فتح الباري ما يدل على أن هذا الأذان شرع في عهده عليه
ج2ص25
(2/68)
الصلاة والسلام واشتهر في عهد عثمان ، وفيه ما يدل على أن هذا الأذان من عهد عمر ، وبعضها تدل على أن الإضافة هذه من أمراء بني أمية ، ولكن هذه كلها ضعاف ، ثم الأذان الثاني وإن حدث في عهد عثمان ولكنه لا يقال بأنه بدعة ـ عياذاً بالله ـ فإنه من مجتهدات عثمان ، وأما وجه الاجتهاد فظاهر على مذهب الشافعي فإنه صرح بجواز تكرار الأذان لصلاة واحدة ولو أربع مرات عند الضرورة ، وأما على مذهب الأحناف فيقال : أولاً إن التكرار مشروع للضرورة مثل التكرار في الفجر ، فإنه كان أحدهما للتسحير ، كما صرح محمد في كتاب الحجج بأن الأول كان للتسحير ، وأيضاً في الحديث : < عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين . . إلخ > وفي شرح هذا الحديث قولان ، قيل : إن سنة الخلفاء والطريقة المسلوكة عنهم أيضاً سنة وليس ببدعة ، وقيل : إن سنة الخلفاء في الواقع سنة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنما ظهرت على أيديهم ، ويمكن لنا أن نقول : إن الخلفاء الراشدين مجازون في إجراء المصالح المرسلة ، وهذه المرتبة فوق مرتبة الاجتهاد ، وتحت مرتبة التشريع ، والمصالح المرسلة : الحكم على اعتبار علة لم يثبت اعتبارها من الشارع ، وهذا جائز للخلفاء الراشدين لا للمجتهدين ، وزعم البعض أن الخلفاء الراشدين ليس لهم إلا ما للمجتهدين ، وهذا غير صحيح ، وبعض مسائل أبي حنيفة تدل على أن لهم مساغ إجراء المصالح المرسلة ، وعض عليها بالنواجذ :
(2/69)
منها ما اعتبر الدرهم السبعي ، والحال أنه ليس عنه عليه الصلاة والسلام ، وفيه تبديل حكمه عليه الصلاة والسلام ظاهراً وليس هاهنا وجه الاجتهاد ظاهراً ، وكان الدرهم في عهده عليه الصلاة والسلام درهماً تكون عشرة منها قدر عشرة مثاقيل ، ودرهماً تكون عشرة منها قدر ستة مثاقيل ، ودرهماً تكون عشرة منها قدر خمسة مثاقيل ، ثم اختلف العاملون والمتصدقون في عهد عمر ، فقال عمر : يجمع عشرة وستة وخمسة فيحصل إحدى وعشرون ، ثم يؤخذ الثلث أي السبعة ، فقدر الدرهم الذي تكون عشرة منها قدر سبعة مثاقيل ، فاعتبر أبو حنيفة الدرهم السبعي في الزكاة ، وهذا المذكور موجود في كتبنا .
ومنها ما في كتبنا أنه لا يزاد الخراج على أرض عراق على ما عين عمر ، وإن زادت غلة وفي النقصان عند نقصها غلة قولان .
ومنها قول أبي حنيفة : إن في الخيل زكاة ولم تزك في عهده عليه الصلاة والسلام ، نعم أتى الزيلعي بواقعتين على أن عمر أخذ زكاتها .
وعلى هذا لو فرضنا أن عشرين ركعة التراويح أخرجها عمر من غير عهد عنه لا يمكن لأحد أن يحكم عليها بالبدعة فإنه لعله عمل بالمصالح المرسلة فلعل عثمان عمل بالمصالح المرسلة في الأذان ، وقبله الأمة المحمدية .
وأما كون الأذان الثاني في داخل المسجد أو خارجه فظاهر كتب الأربعة أن يكون في داخله ، أي بين يدي الخطيب ، ولكن في سنن أبي داود ص ( 155 ) ما يدل على أنه يكون في خارج المسجد على
ج2ص26
الباب ، ولعله نقل بعد ذلك إلى داخل المسجد ، والله أعلم .
قوله : ( على الزوراء ) قيل : إن الأذان الأول كان على الزوراء ، والثاني على باب المسجد خارجه ، ثم نقل أمراء بني أمية الأذان الثاني إلى داخل المسجد ، والله أعلم بهذا النقل صحيح أم لا .
(2/70)
مسألة : ذكر أهل المذهبين من الشافعية والأحناف أن أذان الجوق محدث جائز ، ذكر السيوطي أنه أحدثه أمراء بني أمية ، أقول : إني في كونه محدثاً متردد ، فإن في موطأ مالك ص ( 37 ) حتى يخرج عمر بن الخطاب ، فإذا خرج عمر جلس على المنبر ، وأذن المؤذن . . إلخ ، فدل على كثرة الأذانات ، ورواية مالك أخرجها البخاري أيضاً في آخر صحيحه بسنده مفصلةً ، ولم يتوجه أحد إلى هذا ، والله أعلم ، فصار محل تردد وظن .
*2*باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر
باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر
(2/71)
- الحديث رقم: 517
يجوز الكلام عند الصاحبين حين كون الإمام على المنبر قبل الشروع في الخطبة ، وحين جلوسه بين الخطبتين ، وحين فراغه من الخطبة الثانية ، ولا يجوّزه أبو حنيفة ، ثم تحته أقوال ذكرتها أولاً من الزيلعي والعناية والنهاية ، وهذا كله في المقتدي ، وأما الإمام فله أن يتكلم في أمور الدين كما في فتح القدير .
ومتن حديث الباب أعله البخاري ووجه الإعلال أنه كان واقعة حال ، وعبره الراوي بلفظ يدل على أنه عادة ، وحديث الواقعة حديث الصحيحين ، ومر الحافظان على الحديث ، وقال العيني : قيل : إن هذا الرجل كان رئيسَ قومه ، فدل على أنه لم يطلع على رواية واقعة الباب .
كنت رأيت في كتاب ثم نسيته أن هذا الرجل قام وقال : يا رسول الله إن الله قضى حوائجي ولي حاجة لو أبطأت عليَّ لعلي أنساها .
فتكلم به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثم رأيت هذه الرواية المنسية في أدب المفرد للبخاري ، فيكون هذا واقعة حال .
وأما الكلام بعد الإقامة ، ففي كتبنا أنه لو طال الفصل تعاد الإقامة ، ولا يضبطون طول الفصل ، فلا يقال : إن حديث الباب مخالف لنا .
ج2ص27
قوله : ( فلا تقوموا حتى تروني ) غرضه بيان وهْمِ جرير ، وليس للحديث تعلقٌ بالباب .
قوله : ( حدثنا الحسن بن علي الخلال الخ ) في هذا الحديث أيضاً وجه الإعلال موجود فينبغي إعلاله ، فإن الراوي ذكر الواقعة بشاكلة الضابطة .
ج2ص28
*2*باب ما جاء في ما يقرأ به في صلاة الصبح يوم الجمعة
باب ما جاء في ما يقرأ به في صلاة الصبح يوم الجمعة
(2/72)
- الحديث رقم: 520
السور المأثورة في الصلوات مستحبة اعتيادها عندنا كما في البحر والحلية ، ويدعها مرةً أو مرتين كيلا يفسد عقائد من خلفه من عدم صحة هذه الصلاة بدون هذه السور .
قوله : ( تنزيل السجدة ) نسب إلينا بعض غيرنا أن آية السجدة عندنا في السرية مكروهة للإمام كيلا يتوسوس المقتدون عند سجوده للتلاوة ، وأما أنا لم أجد تصريح هذه الكراهة في كتبنا ، والله أعلم .
*2*باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها
باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها
(2/73)
- الحديث رقم: 521
السنن قبل الجمعة أربعة عندنا ، وعند الشافعي ركعتان .
وأما بعد الجمعة فركعتان عند الشافعي ، وأربع عند أبي حنيفة ، وست ركعات عند صاحبيه ، وفي الست طريقان ، والمختار عندي أن يأتي بالركعتين قبل الأربع لعمل ابن عمر في سنن أبي داود ، وقال ابن تيمية : لا ثبوت لسنن قبل الجمعة ، فإنه كان يؤذن بعد الزوال في الحال ، ثم يأتي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمجرد سماع الأذان ويأخذ في الخطبة بمجرد دخوله المسجد ، ثم يشرع في صلاة الجمعة ، وأما الثابت من الصحابة فمطلق نافلة من غير تعيين .
وأما البخاري فبوب على الركعتين قبل الجمعة وما أتى بحديث إلا بحديث سنن قبل الظهر ، فقيل : إنه يشير إلى قياس الجمعة على الظهر ، وقيل : غرضه أنه لا شيء في هذه المسألة فدل بأنه على
ج2ص29
النفي ، وقال الزيلعي : لا أقل من ركعتين قبل الجمعة ، لحديث سُليك الغطفاني الذي رويناه آنفاً من سنن ابن ماجه : ( هل صليت ركعتين قبل أن تجيء . . إلخ ) .
وفي مشكل الآثار : < من كان مصلياً فليصلِّ أربعاً قبل الجمعة وأربعاً بعدها . . إلخ > بسند ضعيف ، وفي الإتحاف فهذا المرفوع يدل على أربع قبل الجمعة وأما بعد الجمعة فلأبي حنيفة رواية مسلم ورواية الباب مرفوعة وعمل ابن مسعود ، وأما لصاحبيه فعمل ابن عمر في أبي داود ص ( 160 ) ثم رفعه إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعمل علي ، ورأيت في كتاب حنفي أن أبا جعفر الهندواني صلى في مسجد رصافة في بغداد يوم الجمعة ركعتين بعدها ثم أربعاً ، فقيل له ، فقال : عملت بعمل علي ، وفي الروايات القوية أن التابعين من أهل كوفة يقولون : كان ابن مسعود يعلمنا أربع ركعات بعد الجمعة ، وعلمنا علي ست ركعات بعدها فلكل وجه لا يمكن إنكاره .
(2/74)
قوله : ( يصلي بعد الجمعة ركعتين ) وفي بعض الروايات تصريح في بيته . . إلخ ، فتردد الأمران ، هاتين سنن الجمعة أو ركعتان عند دخول البيت لحديث < إذا دخل الرجل في بيته فليصل ركعتين ، وقال ابن الجوزي : إن هذا موضوع ، وحسنه جلال الدين السيوطي .
ج2ص30
*2*باب ما جاء في من يدرك من الجمعة ركعة
باب ما جاء في من يدرك من الجمعة ركعة
(2/75)
- الحديث رقم: 524
قال أبو حنيفة وأبو يوسف وسفيان : من أدرك تشهّد الجمعة فقد أدركها .
وقال مالك والشافعي وأحمد ومحمد : من أدرك ركعة منها أدركها ، ومن أدرك التشهد يبني عليه الظهر بلا استئناف .
ج2ص31
وأجاب الشيخان عن حديث الباب : أن قيد الركعة اتفاقي لأن الركعة كالصلاة ، وأما الحكم فحكم مدرك الركعة والتشهد واحد ، وتمسك الجمهور أيضاً بمفهوم الحديث ، وحمل الأئمة الحديث على المسبوق ، كما فعلت في ما مر من أدرك ركعة من الصلاة ، فقد أدرك الصلاة وتمسُّكُ الشيخين : < ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا > .
واعلم أنهم اختلفوا في أن الجمعة فرض مستقل أو مسقط للظهر ، ومعنى هذا أن بناء الظهر على تحريمة الجمعة جائزة أم لا؟ ثم من بنى الظهر على تشهد الجمعة فهل يجهر بالقراءة أو يُسِر؟ فخيَّرهُ الفقهاء ، وقال ابن تيمية : يجب الإسرار وقال الفقهاء : بأن القاضي يحكي الأداء لأنه منفرد ، والمنفرد قاضٍ ، والقضاء حكاية الأداء ، وقال ابن تيمية : إنه منفرد ويجب الإسرار على المنفرد ، والله أعلم بالصواب .
وللجمهور في مسألة الباب ما أخرجه النسائي في أبواب الجمعة عن أبي هريرة ، وفي أبواب المواقيت عن ابن عمر : ( من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد أدركها . . إلخ ) ، وفي رواية ابن عمر علة ، وأما المسألة فاختلف فيها الصحابة رضوان الله عليهم .
ج2ص32
*2*باب ما جاء في السفر يوم الجمعة
باب ما جاء في السفر يوم الجمعة
(2/76)
- الحديث رقم: 527
لو أراد المقيم السفر فإن خرج قبل الزوال فبها ، وإن تأخر إلى ما بعد الزوال فلا يجوز له السفر بدون أداء الجمعة
*2*باب ما جاء في السواك والطيب يوم الجمعة
باب ما جاء في السواك والطيب يوم الجمعة
(2/77)
- الحديث رقم: 528
نسب إلى مالك وجوب الغسل كما مر منا آنفاً .
ج2ص33
قوله : ( فالماء له طيب ) أي الغسل كاف ، وهذا من قبيل :
~ تحية بينهم ضرب وجيع ... لا كما زعمه رجل غبي .
ج2ص34
*1*أبواب العيدين
أبواب العيدين
*2*باب ما جاء في صلاة العيدين قبل الخطبة
باب ما جاء في صلاة العيدين قبل الخطبة
(2/78)
- الحديث رقم: 530
السنة الخطبة بعد العيدين ، وتلقاه الأمة بالقبول ، وخالفها مروان ، فإنه كان يهجو في خطبته علياً ، واستنكره الناس ، وكانوا لا يسمعون الخطبة ، فقدم الخطبة ليستمعوها ، وكانت خطبة الجمعة أيضاً بعدها إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يخطب فنفر الناس كلهم زعماً منهم أن سمع الخطبة ليس بحتم ، فبقي اثنا عشر نفساً حوله عليه الصلاة والسلام ، فقدمها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في مراسيل أبي داود ، وثبت عن عثمان أيضاً تقديم الخطبة على صلاة العيد ليدرك الناس صلاة العيد .
ج2ص35
*2*باب ما جاء أن صلاة العيد بغير أذان وإقامة
باب ما جاء أن صلاة العيد بغير أذان وإقامة
(2/79)
- الحديث رقم: 532
هكذا عمل الأمة المحمدية ، ولا يقال : إن الأذان والإقامة أمران حسنان ، فأي حرج فيهما ، فإنه قد ثبت منه عليه الصلاة والسلام صلاة العيدين تسع سنة ، وما ثبتا عنه ، وشبيه من هذا ما روي أن عليّاً أتى المصلى فوجد رجلاً يتطوع فنهاه ، فقال الرجل : أُعذّبُ على صلاتي ، فقال عليّ : إنك تُعذّب على خلافك السنة .
وفي كتب الشافعية : يجوز في صلاة العيد أن ينادى في الأسواق بالصلاةُ جامعة ، وقاسوا على ثبوتها في صلاة الكسوف أخرجه مسلم ص ( 296 ) < بعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منادياً بالصلاة جامعة فاجتمعوا . . إلخ > وليس هذا في كتبنا ، وأذن وأقام ابن الزبير ، وما وافقه الأمة .
( ف ) قال الحذاق : إن البدعة ليست إلا سيئة .
*2*باب ما جاء في القراءة في العيدين
باب ما جاء في القراءة في العيدين
(2/80)
- الحديث رقم: 533
حديث الباب يفيد في مقابلة من يدعي العمل بالحديث ، فإنه يقول : إذا اجتمع العيد والجمعة
ج2ص36
فالجمعة عفو ، ومرفوع الباب يرد عليهم ، ولا مرفوع لهم ، نعم ثبت ما قالوا عن ابن الزبير وبعض التابعين ، وأما ما في البخاري عن عثمان أنه صلى العيد ثم قال للناس من أراد أن يذهب فليذهب فليس مراده العفو عن أهل المِصر ، بل الإجازة لأهل القرى الذين اجتمعوا .
*2*باب ما جاء في التكبير في العيدين
باب ما جاء في التكبير في العيدين
(2/81)
- الحديث رقم: 536
قال أئمتنا الثلاثة وسفيان الثوري : إن التكبيرات الزوائد ستة : ثلاثة في الأولى قبل القراءة ، وثلاثة في الثانية بعدها ، وقال مالك وأحمد والشافعي : الزوائد اثنتي عشر تكبيرة قبل القراءة ، سبعة في الأولى ، خمسة في الثانية .
ج2ص37
مسألة : في كتب الأحناف : إن تكبير الركوع في ثانية العيد واجب بخلاف سائر الصلاة فإنه سنة فيها ، ولو ترك التكبير في ثانية العيد تلزم سجدة السهو ، ثم قالوا : إن لزمته سجدة السهو لا يسجد له مخافة اختلاط القوم ، وأما الأدلة في مسألة الباب فلهم حديث الباب ، وفي سنده كثير بن عبد اللّه ، وهو متكلم فيه ، وحسّنه الترمذي والبخاري وابن خزيمة ، وجرحه أحمد بن حنبل ، وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية المغربي : إن أقبح الأحاديث التي أخرجها الترمذي وحسنها رواية كثير بن عبد اللّه في تكبيرات العيدين ، وأما ابن دحية فتكلم فيه ، فقيل : إنه وضّاع ، ولكني لا أسلمه ، نعم إنه رجل غير مبال ، وقيل : إن سلطان عصره قال له مختبراً إياه : صنفْ التخريج على كتاب شهاب القضاعي ، فشرحه ابن دحية ، ثم قال السلطان : إني فقدته ، وصنفْ كتاباً آخر على الشهاب القضاعي فصنف كتاباً ، وكان بين كتابيه تفاوت بعيد وتخالف ، فعلم السلطان أنه غير مبال فعزله عن الدرس ، وأيضاً لابن دحية كتاب ( التنوير في مولد البشير والنذير ) لإثبات المولود الذي شاع في هذا العصر وأحدثه صوفي في عهد سلطان إربل سنة ( 600 ) ، ولم يكن له أصل من الشريعة الغراء ، ولم يكن التصنيف في هذه البدعة يليق بشأن الحفاظ والمحدثين .
وللشوافع حديث آخر أخرجه أبو داود ص ( 171 ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص بسند قوي وصححه البخاري ، كما نقل الترمذي في العلل الكبرى : سألت البخاري عن مختاره في تكبيرات العيدين فاختار اثنتي عشر تكبيرة بناءً على ما روى عبد اللّه بن عمرو بن العاص .
(2/82)
وأما أدلتنا : فمنها ما في سنن أبي داود ص ( 170 ) عن أبي موسى الأشعري ، وقال : ( كان يكبر أربع تكبيرات ) وضم بها تكبيرة التحريمة الأولى ، وتكبيرة الركوع في الثانية ، والحديث قوي مرفوع ، وفيه أبو عائشة ، وقيل : إنه مجهول الحال ، ولكنه خطأ ، والحق إنه ثقة ، وهو والد محمد بن أبي عائشة موسى بن أبي عائشة ، وأعلى ما في الباب لنا ما هو من إجماعيات عمر رواه إبراهيم النخعي مرسلاً بسند قوي في معاني الآثار ص ( 286 ) ، ويفيدنا ـ أي الأئمة الأربعة ـ في تكبيرات الجنازة أيضاً ، ولنا حديث آخر قولي قوي ما تمسك به أحد من أصحابنا ، ويفيدنا في تكبيرات العيدين والجنازة ، أخرجه في معاني الآثار ص ( 400 ) ج ( 2 ) عن بعض أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ورجال الحديث كلهم معروفون إلا وضين بن عطاء ، ووثقه الحافظ ، فإنه أخرج من الطحاوي رواية تدل على التسليمتين في الوتر ، وفي سنده وضين بن عطاء ووثقه الحافظ كما مر في الوتر آخر استدلال الحفاظ .
وأما اثنتا عشر تكبيرة فجائزة عندنا ، فإن في النهاية : إن أبا يوسف أتى بها حين أمره هارون الرشيد ، ولا يتوهم أنه كان من أولي الأمر ، فإنه لو كان غير جائز عنده كيف اتبعه وإن كان والي الأمر؟ فلا بد من أن يقال : إنه قائل بجوازها ، وأيضاً في الهدآية : { لو زاد الإمام التكبيرات على الستة
ج2ص38
يتبعه إلى اثنتي عشر تكبيرة ) ، فدل على الجواز ولقد صرح محمد في موطأه ص ( 140 ) بجوازها ، فإنه قال : وما أخذت به فهو حسن .
قوله : ( وأحسن شيء في . . إلخ ) ليس أحسن شيء هذا بل ما في أبي داود عن ابن عمرو بن العاص .
قوله : ( واسمه عمرو بن عوف . . إلخ ) أي اسم جده .
*2*باب ما جاء لا صلاة قبل العيدين ولا بعدها
باب ما جاء لا صلاة قبل العيدين ولا بعدها
(2/83)
- الحديث رقم: 537
عندنا تكره الصلاة قبل العيدين في البيت والمصلى ، وفي البحر : لا يصلي الإشراق أيضاً من يعتادها ، وأما بعد العيد فيصلي في البيت ما شاء من النافلة ، رأيت في بعض الآثار أن عليّاً مر على رجل يصلي بالمصلى فنهاه ، فقال الرجل : أيعذبني الله على الصلاة؟ قال عليّ : نعم يعذب الله على خلاف السنة .
ج2ص39
*2*باب ما جاء في خروج النساء في العيدين
باب ما جاء في خروج النساء في العيدين
(2/84)
- الحديث رقم: 539
أصل مذهبنا جواز خروج النسوان للعيدين ، ونهى أرباب الفتوى ، وفي مذهب غيرنا تضييق مما في مذهبنا ، وأما من يدَّعي العمل بالحديث فيطعن على الأحناف على منعهم النسوان من خروجهن إلى المصلى والمساجد ، وهذا من قلة التدبر ، ونقل أصل مذهبنا العيني من التوضيح على البخاري للشيخ سراج الدين بن الملقن تلميذ المغلطائي الحنفي ، أقول : لقد أبعد العيني في النجعة والحال أن المسألة مذكورة في الهداية ص ( 105 ) : وقالا : يخرجن في الصلوات كلها لأنه لا فتنة لقلة الرغبة ، فلا يكره كما في العيد ، انتهى .
وكذلك روي في الخروج إلى العيد في حاشية الهداية من المبسوط .
قوله : ( العواتق ) جمع عاتق ، وإنما يقال : العاتق ، لأنها عتقت عن خدمة الوالدين . ( والحُيَّض ) والمراد منهن ذوات الطمث ، لقرينة ( ويعتزلن المصلى ) ، وأما لفظ الحُيَّض فجمع حائض لا حائضة .
قوله : ( يشهدن دعوة المسلمين ) لا يستدل بهذا على الدعاء المعروف في زماننا بعد صلاة العيد ، فإن المراد بالدعوة الأذكار التي في الخطبة والمواعظ والنصح ، فإن الدعوة عامة .
ج2ص40
*2*باب ما جاء في خروج النبي - صلّى الله عليه وسلّم - إلى العيد من طريق ورجوعه من طريق آخر
باب ما جاء في خروج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى العيد من طريق ورجوعه من طريق آخر
(2/85)
- الحديث رقم: 541
قيل : إنه للتفاؤل ، أي لئلا يكون فسخ ما فعل أوّلاً ، أو لإظهار الشوكة ، وكان الخلفاء والسلاطين يظهرون الشوكة يوم العيد ويوم الجمعة ، ولا ليشبه هذا الرجوع برجوعه قهقري
ج2ص41
*2*باب ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج
باب ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج
(2/86)
- الحديث رقم: 542
يستحب الإمساك إلى الصلاة يوم الأضحى ، وإن لم يمسك فلا كراهة أصلاً ، كما ذكره علي القاري في بعض رسائله ، ثم ظاهر الحديث أن استحباب الإمساك لكل رجل يضحي أو لا ، وهذا الامساك اسميه بالصوم ، لأن الحديث يسمى صوم عشرة ، والحال أن صوم العاشر مكروه ، فالصوم في اليوم العاشر هو الصوم إلى الصلاة .
واعلم أن الحكم بالكراهة التنزيهية بترك الأولى موقوف على دليل خاص ، وقريب من هذا ما في رد المحتار ص ( 784 ) : أن ترك المستحب لا يكون مكروهاً إلا بدليل خاص .
ج2ص42
*1*أبواب السفر
أبواب السفر
*2*باب ما جاء في التقصير في السفر
باب ما جاء في التقصير في السفر
(2/87)
- الحديث رقم: 544
في هذا الباب مسائل عديدة منها :
أداء التطوع في السفر : قيل : لا يتطوع المسافر أصلاً ، ومنع البعض من أدائها في السفر ، منهم ابن تيمية ، أقول : قد ثبت أداء الرواتب في السفر عنه عليه الصلاة والسلام أحياناً لكن الأكثر أداء القبلية لا البعدية ، وقيل : إن الثابت منه عليه الصلاة والسلام مطلق النافلة ليلاً ونهاراً ، وقيل : ثبت النافلة المطلقة ليلاً لا نهاراً ، وأقوال أُخر في هذه المسألة ، وفي البحر : عَمَلُ محمد بن الحسن أنه كان لا يصلي الرواتب إذا كان في حال السير ، وكان يصليها في حال النزول .
(2/88)
ومن مسائل الباب قصر الصلاة : والقصر واجب ، والإتمام غير جائز عند أبي حنيفة ، وقال : إن القصر قصر الإسقاط ، وقال الشافعي : إن الإتمام والقصر جائزان ، والقصر قصر الترفيه ، وأما جمهور الصحابة والتابعين فموافق لأبي حنيفة ، وكذلك قال ابن تيمية وأطنب الكلام وأتى بالروايات ، وصح أنه سُئِل أحمد عن الإتمام في السفر ، فقال أحمد : أسأل الله العافية عن هذه المسألة ، وقال الشافعية : أتمَّ عثمان وعائشة ، ونقول : بأنهما أتما بالتأويل ، ثم أورد الحافظ على التأويلات من حيث التفقه ، لا من حيث الأسانيد ، وأجاب عنهما العيني وأقول لا احتياج إلى تقوية التأويلات تفقهاً من العيني فإن إيرادات الحافظ لا يتوجه علينا بل يتوجه على عثمان وعائشة ، والواجب علينا إثبات أنهما تأوّلا ، فنقول : قد صح التأويلات بعضها من ألسنتها وبعضها من الرواة ، وأما منطلق التأويل فقد أخرج البخاري عن عروة قال : إنما تأولت عائشة كما تأول عثمان ، وفي أبي داود ص ( 270 ) التأويلات من الرواة ، كما قال الزهري : إنه أجمع على الإقامة بعد الحج ، وقال إبراهيم النخعي : إن عثمان اتخذها وطناً ، وقال الزهري أيضاً : إن عثمان اتخذ الأموال بالطائف كذلك روي أنه صلى مخافة أن يراه الأعراب أنه يقصر فيقصرون في الحضر أيضاً ، كما ثبت بسند صحيح أن أعرابياً قال لعثمان : إني
ج2ص43
(2/89)
كنت رأيتك تقصر عاماً ماضياً فقصرت السَّنة كلها زعماً مني أن الصلاة ركعتان ، وبعض التأويلات مذكورة في الطحاوي ص ( 447 ) ، لكن هذه ليست على جوابه من الإتمام حين أنكر عليه الصحابة منهم ابن مسعود ، بل هاهنا ذكر مذهب عثمان حاصله أن القصر لمن كان في حال السير لا في حال النزول ، فإنه قال : لا قصر لجابٍ ولا هائمٍ ولا تاجر ، وإنما القصر لمن زاد وحمل المزاد ورحل وارتحل إلخ ، وليس هذا مذهب أحد من الأربعة ، وبعض وجوه التأويلات مذكورة في مصنف ابن أبي شيبة والسنن الكبرى البيهقي ، وبعض التأويلات مروية عن لسانهما ، وروي عن عائشة ، قالت : لا أقصر في السفر لأني لا أجد مشقة ، وأيضاً نقول : إن عائشة إنما أتمت بعد ارتحاله عليه الصلاة والسلام إلى دار البقاء ، وأيضاً لما أتم عثمان أنكر عليه الصحابة ومن المنكرين ابن مسعود كما في أبي داود ص ( 370 ) وفي الروايات أن ابن مسعود استرجع على إتمام عثمان ، وفيه : فقيل لابن مسعود : أنك عِبتَ على عثمان ثم صليت خلفه أربعاً؟ فقال : الخلاف شر . . إلخ . فقال الشافعية : إن اقتداء ابن مسعود يدل على أن الإتمام عنده جائز ، وإن كان الأولى القصر ، فإنه لو لم يكن الإتمام جائزاً ما اقتدى ابن مسعود خلف عثمان ، والجواب عن هذا على مشربنا أن عثمان لما تأول فصار مجتهداً في مسألته . ومسألتُه مجتهدة فيها ، فإذن اقتدى ابن مسعود خلف عثمان في المجتهد فيه ، وذلك جائز عندنا ، وأجاب شمس الأئمة السرخسي أن عثمان لما نكح بمكة وتأهل ثمة فصار مقيماً ، فعليه أربع ركعات ، وأما ابن مسعود فقال : إن سنة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان القصر هاهنا في منى ، ولما أقمت فالأولى لك أن يقتدى خلف يقصر ويكون الإمام من يقصر ، لتكون سنة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باقية صورة ، ولا تكون أنت إماماً للناس لأنك مقيم وتصلي أربعاً ، ولكنه لما صلى بهم عثمان وكان مقيماً صلى خلفه ابن
(2/90)
مسعود أربعاً ، لأن صلاته هذه خلف من يزعمه أنه مقيم ، فإذن لا ضير علينا ، وجواب شمس الأئمة قوي لطيف ، فثبت أن إتمام عثمان بمنى وإتمام عائشة لم يكن لكون الإتمام في السفر جائزاً ، بل للتأويلات ، ثم تمسك الشافعية بحديث عائشة ، أخرجه النسائي ص ( 213 ) والدارقطني بسند قوى ، قالت : اعتمرت مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت بمكة قالت : يا رسول الله بأبي أنت ، قصرت وتممت ، وأفطرت وصمت ، وقال : ( أحسنت يا عائشة ) وما عاب عليّ . . الخ ، فدل على جواز الإتمام وإن لم يثبت الإتمام عنه والشيخين ، ونسب النووي ص ( 241 ) هذه رواية الدارقطني إلى أنها أخرجها مسلم ، والحال أنها ليست في مسلم أصلاً ، فالجواب عن الحديث بأنه مر عليه الحافظ وابن تيمية وابن قيم في زاد المعاد ص ( 133 ) وقال : إنه كذب على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أقول : لا يقال ما قال ابن تيمية ، نعم يمكن أن يعمل الحديث فإن سنده قوي برجال ثقات ، ثم قيل : إن في سنن الدارقطني تصحيفاً ، فإنه ذكر في لفظ : ( كان يصوم ويفطر ويتم ويقصر ) ،
ج2ص44
(2/91)
والصحيح كان يقصر ـ أي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وتُتِم ـ أي عائشة ـ وكان يفطر وتصوم ـ أي عائشة ، والله أعلم . وكذلك ، قال ابن تيمية وابن حجر بأنه تصحيف في الدارقطني ، وأما الرواية التي مرت عن عائشة فقال ابن تيمية : إنها كذب ، وأعلّها ابن كثير بأنه عليه الصلاة والسلام لم يخرج معتمراً في رمضان إلا في فتح مكة ، ولم يعتمر ثمة ، والله أعلم . فقال الشافعية : إن لفظ في رمضان لعله سهو من الراوي بأنه عليه الصلاة والسلام خرج في رمضان ، ثم ذهب إلى حنين ، ثم رجع عنها واعتمر في ذي القعدة ، وأعلَّ الحافظ أيضاً في بلوغ المرام تلك الرواية ، وأشار إلى وجه التعليل في تلخيص الحبير بأن عائشة لو كانت عندها هذا الحديث منه عليه الصلاة والسلام لما احتاجت إلى التأويل عند إتمامها ، وفي الصحيحين عند عروة تأولت كما تأول عثمان ، أقول : لا يصح هذا وجهاً للتعليل ، وجواب الحديث على تقدير صحته : إنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة : ( أحسنت ) ، ولا يدل هذا على إجازة الإتمام بل هذا إغماض عما فعلت لعدم علمها بالمسألة ، كما قلت في سنتي الفجر ، وكما في أبي داود ص ( 49 ) قصة رجلين تيمما وقائع أخر ، ويمكن أن يقال : إن إتمام عائشة كان في مكة لا طريق مكة ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما فتح الله عليه مكة زعمت عائشة أنه عليه الصلاة والسلام يقيم أياماً كثيرة في مكة ، وأقام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مكة خمسة عشر يوماً ، وسبعة عشر ، أو ثمانية عشر ، أو تسعة عشر يوماً ، على اختلاف الروايات ، رواية خمسة في أبي داود بسند قوي ، وما أراد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإقامة بمكة ، بل كان يريد أن يخرج إلى حنين غداً أو بعد غد ، فمضى في هذه الأيام الكثيرة ثم خرج إلى حنين وبلغ عائشة كان يقصر بمكة في هذه الأيام ، فقال : قصرت وأتممت ، وأفطرت وصمت ، فإذن كان صومها وصلاتها صوم
(2/92)
المقيم وصلاته ، وتحسينه عليه الصلاة والسلام على هذا ، وهذا الجواب متحمل قدر شيء على مسائلنا ، فالحديث لا يدل على جواز الإتمام في السفر ، وفور ذخيرة الأحاديث ، وتعامل السلف يرد جواز الإباحة ، ثم تمسك الشافعية بآية : { لا جناح عليكم أن تقصروا } إلخ فدل لفظ ( لا جناح ) على أن إتمام الصلاة أيضاً جائز ، والقصر ليس بضروري ، والمشهور في الجواب بأنهم زعموا أن في القصر نقصان الصلاة وإساءة ، فقال الله ردا لذلك الزعم : { لا جناح عليكم } . . . إلخ والجواب الصحيح بأن في الآية تفسيرين ، قيل : إن القصر المذكور في الآية قصر العدو ، والآية نازلة في قصر صلاة المسافر لآية { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ } [ النساء : 101 ] الآية ، ولزم إشكال على هذا التفسير ، وهذا التفسير بعض ، وقيل : إن الآية واردة في قصر الصفة والهيئة ، أي في صلاة الخوف ، وهذا القول قول آخرين من ابن جرير وابن كثير وصاحب البدائع من الأحناف وغيرهم ، ويؤيدهم آية القرآن ، فإن المذكور فيها قصر الخوف ، فالآية
ج2ص45
(2/93)
واردة في قصر الخوف وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة ، وأما قيد ( وإذا ضربتم في الأرض ) فبأن أكثر وقائع صلاته عليه الصلاة والسلام صلاة الخوف ووقائع السفر ، إلا واقعة غزوة الأحزاب في المدينة ، فاتفق السفر مع صلاة الخوف ، وأما نزول آية القصر قبل غزوة الأحزاب أو بعدها فمختلف فيه ، قال الشافعية : نزولها بعدها ، وتركه عليه الصلاة والسلام الصلاة في غزوة الخندق كان لعدم نزول القصر فيها ، ويجوزون الصلاة حال المسايفة ، ونقول : إن وجه تأخيره الصلوات عدمُ جواز الصلاة حالة المسايفة ، وقال الموالك : إن وجه التأخير أن الصحابة كانوا قريب أربع عشر مائة رجل ، فما فرغوا من الوضوء إلا وغرب الشمس ، وهذا لا يجري إلا في تأخير العصر لا في غيرها ، وتأخير غيرها أيضاً ثابت ، فعلى هذا القول لا يمكن للشافعية الاستدلال على قصر العدد ، لأن ورود الآية في قصر الصفة لا قصر العدد ، ثم هاهنا صور أربعة :
الخوف والسفر ، ففيه قصر العدد والصفة .
والخوف فقط ، وفيه قصر الصفة .
والسفر فقط ، وفيه قصر العدد .
وعدمهما ، فعدمهما .
وإن قيل : يرد على هذا التفسير رواية مسلم ص ( 241 ) : < إنها صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته . . إلخ > ، فإن قصر الخوف مشروط بشرط الخوف بخلاف السفر ، فدل أن الآية في قصر العدد ، والجواب ما في ترجمة الموطأ للشاه ولي الله : أن في السفر بلا خوف قصر عدد أيضاً صدقة ، ولكنه تشريع مستأنف ، وعبارة شرح الموطأ ص ( 149 ) : ( هذه استدلال كرده أندبر اتفاقي بودن قيد بحديث مسلم عن يعلى بن أمية فقير ميگويدكه اين استدلال مدخول است ذيراكه مى گريم كه معنى جواب آن است كر قصر مسافة شرع جديد است وتخفيف إذا ابتداء إزخدائي تعالى ) انتهى ملخصاً . فلا تكون الآية أيضاً دليل الشافعية .
(2/94)
أما استدلالات الأحناف وغيرهم فكثيرة ، ذكرها الطحاوى وأطنب ابن تيمية ، ولا أستوعبها ، فإني أستوعب الأجوبة مهما أمكن ، ولا استوعب الاحتجاجات ، ومنها حديث الصحيحين عن عائشة : < كانت الصلوات ركعتين ركعتين ، ثم زيدت فيها بعد الهجرة إلى المدينة ، وأُقرَّت صلاة السفر . . إلخ ) ، فدل الحديث على أن قصرالمسافر ليس بقصر بل على أصله ، فكيف قلتم أيها الشافعية : إن في الآية قصر عدد ، فإنه يقتضي أن تكون صلاة المسافر مقصورة لا على ما كانت قبل ، وحديث عائشة يدل على أن صلاة المسافر باقية على ما كانت قبل ، وإن قيل : إن ظاهر القرآن يدل على القصر فنقول : أولاً : إنه قصر الصفة لا قصر العدد ، وثانياً : إن أول الآية أي { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ } [ النساء : 101 ] في قصر العدد ، باقيها في قصر الصفة ، فإذن قولكم أيها الشافعية بأن الآية نزلت في قصر العدد ، إن حكم
ج2ص46
(2/95)
القصر بعد الآية ليس بصحيح ، ولو قالوا بهذا فعليهم إثبات أن المسافر والمقيم كانا يتمّان بعد الهجرة إلى المدينة ، ثم أنزل الله قصر صلاة المسافر في الآية بعد الهجرة إلى المدينة في السنة الرابعة ، وأما نحن فنقول : بعد تسليم الآية في القصر في العدد ، وأن المسافر كان يصلي ركعتين بعد الهجرة ، ثم نزلت الآية بعد كون الحكم مشروعاً ، كما في آية الوضوء نزلت بعد العمل بالوضوء بأزيد من عشرين سنة ، أو نقول : إن أول الآية ـ أي قصر العدد ـ تمهيد لبيان صفة صلاة الخوف ، ومن البداهة أن المقدمة الممهدة تكون معلومةً قبل ، فإذن إطلاق القصر على صلاة المسافر ليس بحقيقة ، بل توسع ، فالحاصل أن دعواكم أن قصر صلاة المسافر بعد نزول الآية ، وكانت قبل إتماماً يرده حديث عائشة ، ثم أجاب الحافظ في الفتح : بأن مراد حديث عائشة : ( وأقرت صلاة السفر . . الخ ) أي لمن أراد القصر ، ثم قال : كانت صلاة المقيم والمسافر أربعاً في المدينة ، ثم نزلت الآية لقصر العدد في السنة الرابعة ، فيلزم إذن تسليم النَّسخين في حكم واحد ، أي في صلاة المسافر ، ويتجنب العلماء من النَّسخين في حكم واحد مهما أمكن ، وأيضاً قول الحافظ نافذ في محمل الحديث لكنه يجب أن يكون له أصل بجميع أجزاءه ، والحال أنه لا مرفوع ولا أثر ولا أصل يدل على أن صلاة المسافر كانت أربعاً في المدينة ، ولا تمسك بلفظ القرآن : ( أن تقصروا . . إلخ ) ، فلا يصح به لما ذكرت أولاً أنه بيان حكم سابق ، أو تمهيد حكم قصر الصفة ، وتوارد الروايات يدل على أن قول الحافظ مستبعد ، فإن في كتاب الطحاوي ص ( 245 ) عن عمر : ( صلاة السفر ركعتان تمام ليس بقصر على لسان نبيكم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . الخ ) ، فدل على نفي الأربع في حق المسافر ، وفيه عن ابن عمر وابن عمرو بن العاص مرفوعاً : ( صلاة السفر ركعتان هي تمام . . إلخ ) ، وفي سنده جابر الجعفي ، وفيه عن عمر لفظ شديد ، قال بعد
(2/96)
ذكر قصر الصلاة : ( من خالف السنة فقد كفر . . الخ ) وأدلتنا محصاة في موضعها .
قوله : ( لأَتممتُها ) أي إنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى ، فهذا يدل على أن القصر قادح في السنن ، فجواب هذا القدح ما ذكره النووي في شرح مسلم ص242 : فجوابه أن الفريضة متحتمة ، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها ، وأما النوافل فإلى خيرة المكلف ، فالرفق به أن تكون مشروعة ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها ، وإن شاء تركها ولا شيء عليه الخ .
ج2ص47
قوله : ( صدر من خلافته . . إلخ ) هذا متعلق بعثمان فقط ، ولم يثبت عنه أو الشيخين إلا القصر ، وجواب عمل عثمان وعائشة مر سابقاً .
قوله ( أتم الصلاة أجزء عنه . . إلخ ) أي يقع فرضاً ، وعند أبي حنيفة ركعتان نافلة ، والمصلي مرتكب الكراهة تحريماً .
قوله : ( حدثنا أحمد بن منيع نا هشيم . . إلخ ) في سند حديث الباب علي بن زيد بن جدعان ، وهو سيء الحفظ ، ولذا لم آخذ حديثه في باب الوضوء بالنبيذ ، والحال أن في مسند أحمد رواية لنا للوضوء النبيذ بسند علي بن زيد ، ومن عادتنا النقد الشديد في المفيدة لنا وإغماض شيء في غيرها ، بخلاف غيرنا ، فإن أكثر نقدهم في ما يخالفهم ولقد سلمت التوثيق في كثير بن عبد اللّه ، والحال أنه يضرنا في مواضع .
قوله : ( الظهر بالمدينة أربعاً الخ ) نقول : إن المسافر يصير مسافراً بعد انفصاله من أبنية المصر ،
ج2ص48
بل هذا الحديث دليل لنا في هذه المسألة ، ولا يجوز الاستدلال أيضاً بهذا على مذهب أهل الظاهر بجواز القصر ولو على ثلاثة أميال ، فإن ذا الحليفة لم تكن منتهى القصر بل المقصود كان مكة .
قوله : ( لا يخاف إلا رب العالمين ) يريد أن قيد إن خفتم اتفاقي في حق صلاة المسافر .
قوله : ( الشافعي وأحمد وإسحاق الخ ) لا يقول أحمد بجواز الإتمام كما حررت أنه قال : أسأل الله العافية من هذه المسألة ، وقال ابن تيمية الحنبلي بعدم جواز الإتمام .
*2*باب ما جاء في كم تقصر الصلاة
(2/97)
باب ما جاء في كم تقصر الصلاة
(2/98)
- الحديث رقم: 548
مسافة القصر عند الشافعي وأحمد ثمانية وأربعون ميلاً ، وعندنا مسيرة ثلاثة أيام بسير وسط ، وفي الهداية عن أبي حنيفة قدر ثلاثة مراحل . . الخ ، والفرق بين الأول والثاني أن في الأول اعتبار سير المسافر ، وفي الثاني اعتبار المسير والمسافة ، وأقوال الأحناف في مسافة القصر كثيرة ، ذكرها في البحر ، والأقوال من ستة عشر فرسخاً إلى اثنين وعشرين فرسخاً ، وفي قول ثمانية وأربعون ميلاً ، وهو المختار لأنه موافق لأحمد والشافعي .
وأما الميل ففي النووي شرح مسلم ص ( 241 ) : إن الميل الهاشمي ستة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون أصبعاً معترضة معتدلة ، والأصبع ستة شعيرات معترضات معتدلات .
وأما مدة الإقامة : فعند الشافعي أربعة أيام ، وعندنا خمسة عشر يوماً ، ومذاهب أخر ، ولا مرفوع لأحد ، ولكل واحد آثار ، ولنا أثر ابن عمر في كتاب الآثار لمحمد بن الحسن .
قوله : ( قال : عشر الخ ) أي في حجة الوداع ، وأما في فتح مكة فأقام بمكة خمسة عشر يوماً أو سبعة عشر أو تسعة عشر أو ثمانية عشر .
ج2ص49
(2/99)
قوله : ( لأنه روى عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم تأوله إلخ ) هذا اجتهاد ابن عباس ، والاجتهاد هذا بعيد لأنه لما أقام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسعة عشر يوماً وقصر لا يدل أن بعد هذه الأيام يكون إتماماً ، فإنه يمكن أنه لو أقام بعده أيضاً لقصر الصلاة ، فلا يصح الاحتجاج بهذا ، إلا أنه قواه ابن رشد تقوية شيء في البداية بأن الأصل الإتمامُ ، وأما القصر فمن عارض السفر ، فإذا ثبت القصر إلى هذه الأيام نعمل بعده بالأصل أي بالإتمام ، وعلى هذه التقوية يمكن أن يقال : إن ابن عمر زعم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام خمسة عشر يوماً بمكة في فتح مكة ، فإنه لم يعتبر ثلاثة أيام التي قبل الفتح ، وكانت تلك الأيام مشغولة بالوقعات واستقراء الفتح ، فكان الباقي خمسة عشر يوماً ، وهذا إنما يكون لو كان بناء قوله على فعله عليه الصلاة والسلام هذا ، والله أعلم ، وعلمه أتم .
ج2ص50
*2*باب ما جاء في التطوع في السفر
باب ما جاء في التطوع في السفر
(2/100)



 


رد مع اقتباس
قديم 02-15-2010, 12:13 PM   #20
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : يوم أمس (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



- الحديث رقم: 550
المسألة مرت بتفصيلها كما ينبغي .
قوله : ( ابن أبي ليلى الخ ) محمد بن أبي ليلى ضعفه البخاري إلا في هذا الحديث ، فإنه قال : هو أعجب إليّ ويفيدنا هذا الحديث في مسألة الوتر ، لأن وتر النهار يكون مشاكلَ وتر الليل في ثلاث ركعات بتسليمة واحدة .
ج2ص51
*2*باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في السفر
باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في السفر
(2/101)
- الحديث رقم: 553
المذاهب مرت سابقاً ، وأقول : إن الأحاديث على ثلاثة أقسام ، وشواكل بعضها يدل على الجمع الفعلي ، وبعضها يوهم الجمع الوقتي ، وبعضها يدل على الجمع مطلقاً ، وكان الشوكاني يقول بالجمع الوقتي ثم رجع عنه ، وصنف رسالة في رده ، وسماها ( تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع ) ، وحديث الباب عجيب الشأن ، فإن رجاله كلهم ثقات ، ويقال : إنه أعلى ما في الباب للشافعية حجة الجمع وقتاً ، وقال البخاري : إن الحديث موضوع ، لأنه سأل قتيبة عن من كان شريكاً معه حين سمع الحديث من الليث ، قال : خالد المدائني ، يقال : هذا الرجل الشقي كان كذاباً وضاعاً ، فإنه كان يكتب الأحاديث الموضوعة شبيه خط المحدثين ، ويضع ذلك القرطاس في كتب المحدثين ، وكان يرويها زعماً عنه أن هذه الأحاديث كتبتها بنفسي ، وأخرج الحاكم نظيره في أربعينه ، وأشار الترمذي أيضاً إلى إعلال الحديث ، وتعجب المحدثون أن ليثاً من مشاهير الفقهاء وحفاظ الحديث وله تلامذة يبلغ مئتين ولا يروي هذا الحديث عنه إلا قتيبة بن سعيد .
وحديث الباب يدل على الجمع تقديماً ، والجمع تأخيراً ، وقال أبو داود : ما صح شيء في جمع التقديم .
وأجاب الأحناف عن حديث الباب بعد قبول صحته : أن المراد هاهنا هو الجمع فعلاً ، وإن
ج2ص52
قيل : فلم وزع الراوي إلى الارتحال بعد الزوال وقبل الزوال ، وتقسيمه يدل على الجمع الوقتي ، جمع تقديم وتأخير ، قلت : إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يرتحل بعد الزوال كان يقعد ولا يسير إلى حين يمكن فيه الجمع فعلاً ويجمع بين الظهر والعصر فعلاً ، ثم يسير ويرتحل ، ولو كان ارتحل قبل الزوال كان يسير حتى يمكن الجمع فعلاً ، فينزل ويصلي بالجمع فعلاً ، وفائدة هاتين الطريقين يظهر ممن كان له وقوف بالأسفار ، وعندي توجيه آخر لحديث الباب ويؤيده حديث آخر مطبوعة في رسالة القاسم .
(2/102)
ثم اعلم أن حديث الباب يناقض ما في مسلم ص ( 245 ) عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، وإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب . . الخ ، ولا مناص إلا أن يقال بأن الطريقين ثابتان .
قوله : ( أبي الطفيل ) هذا صحابي صغير ، قيل : إنه آخر موتاً من الصحابة ، وقيل : آخر موتاً أنس ، وقيل : جابر بن عبد اللّه ، وقيل : إن الصواب التوزيع بحسب البلاد ، أي أحدهم آخر موتاً في بلدة ، وآخر في بلدة أخرى هكذا ، والله اعلم .
قوله : ( والمعروف عند أهل الحديث الخ ) أخرجه مسلم ص ( 246 ) .
ج2ص53
قوله : ( حتى غابت الشفق ) لا يمكن الاستدلال بهذا اللفظ كما استدل النووي ص ( 245 ) . ذاهلاً عما في أبي داود ص ( 171 ) بسند قوي : ( قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب ، ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء الخ ) . والعجب من الحافظ أنه لما رأى بعض الرواة يعبرون بالمبالغة أنه جمع حين ذهب ربع الليل . . الخ ، فقال بتعدد الواقعتين ، والحال أن سطحي الحديثين واحد ، وهو مرض صفية بنت أبي عبيد حين أرسلت إلى ابن عمر : بأني في آخر اليوم من الدنيا ، وأول اليوم من الآخرة ، فأسرع ابن عمر ، ولكن الله شفاها ، وعاشت إلى ما بعد ابن عمر ، وأقول : إن الواقعة واحدة قطعاً ، ونخرج المحمل في اللفظ الذي أشكل على الحافظ بأن الجمع بين الصلاتين لا يصدق إلا إذا صلى العشاء أيضاً .
( ف ) الجمع الوقتي أيضاً مُجتهد فيه عندنا ، كما ذكر صاحب البحر في واقعة سفر الحج .
*2*باب ما جاء في صلاة الاستسقاء
باب ما جاء في صلاة الاستسقاء
(2/103)
- الحديث رقم: 556
صلاة الاستسقاء سنة عند الشافعي ، والاستسقاء عندهم على ثلاثة أقسام ذكرها النووي ص ( 292 ) ؛ أحدها : الدعاء بلا صلاة ، وثانيها : الدعاء في خطبة الجمعة أو في أثر صلاة مفروضة ، وهذا أفضل من النوع الأول ، وثالثها ، وهذا أكملها : أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين يتأهب قبله بصدقة وصوم وتوبة إلخ ، وأما الأحناف ففي مختصر القدوري : والصلاة ليست بسنة ، قال في الهداية : لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى مرة لا أخرى فلا تكون سنة إلخ ، أقول لا تكون سنة مؤكدة وإلا فمطلق السنة والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب الهداية : إنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى مرة ، وقال المحقق ابن أمير الحاج : نسب البعض إلينا أن الصلاة عندنا منفية وهذا غلط ، والصحيح أن الصلاة عندنا مستحبة إلخ ، وفي عبارة فتح القدير ضيق يدل على عدم مشروعية الصلاة عند بعض المشائخ ويترك ما في الفتح ، وتمسك بعض الأحناف بأن القرآن علق الاستسقاء بالتوبة والاستغفار ، وهو الذي { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً } [ نوح : 11 ] الآية ، وفي سنن سعيد بن منصور بسند جيد عن الشعبي قال خرج عمر يوماً يستسقي فلم يزد على الاستغفار والدعاء ، فقالوا : ما رأيناك استسقيت ، فقال : طلبت الغيث
ج2ص54
بمجاديح السماء الذي يستنزل به المطر ، ثم قرأ : { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا } [ هود : 3 ] الآية ، واعلم أن الشافعي حكم بسنة الصلاة في الاستسقاء ، لأنه لم يلاحظ القسمين الآخرين للاستسقاء ، وأما أبو حنيفة فلاحظ القسمين الآخرين فحكم باستحباب الصلاة بعكس ما في الوتر وهذا من مدارك الاجتهاد ، وأما القراءة في الاستسقاء فقال أبو حنيفة بالإسرار ، وقال الشافعي وصاحبا أبي حنيفة بالجهر ، وهو مذهب مالك وأحمد ، وقال محمد بالخطبتين بعد الصلاة وتحويل الرداء وتحويل الرداء مذكور في مختصر القدوري والهداية .
(2/104)
قوله : ( كما كان يصلي في العيد إلخ ) قال الشافعي بالتكبيرات في صلاة الاستسقاء مثل العيدين ، وفي رواية عن محمد أيضاً التكبيرات في الاستسقاء رواه ابن كاس عن محمد في رد المحتار وابن كاس ثقة ، وترجمته ليست بمشهورة ، ولكنه يقع في سندنا إلى محمد لموطأه .
قوله : ( وحول رداء ) ووافق مالك أبا حنيفة في عدم التكبيرات وتحويل الرداء حين البلوغ على لفظ ونقلب الرداء ، والإمام عند الدعاء يستقبل القوم أو القبلة وأما القوم فليستقبل القبلة .
قوله : ( رفع يديه ) نقل صاحب البحر وغيره . . . . . . إن في دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى السماء ولم ينكر عليه صاحب البحر ، وفي رواية عن مالك : أن الدعاء جاعلاً ظهر يديه إلى الوجه غير صحيح ، وأما ما في مسلم ص ( 293 ) : أنه دعا جاعلاً ظهر كفيه إلى الوجه ، فقال النووي ص ( 293 ) : قالت جماعة من أصحابنا وغيرهم : إن السنة في كل دعاء لرفع البلاء كالقحط أو غيره أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء ، واحتجوا برواية مسلم إلخ ، أقول : شرح الطيبي شارح المشكاة في حديث مسلم أن المراد منه الرفع البليغ بحيث صارت الكف إلى السماء ، وعبره الراوي بهذا التعبير لا أن جعل ظهر كفيه إلى السماء ، ووقع في بعض الروايات : أنه عليه الصلاة والسلام لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء ، وقيل : إن نفيه وارد على الرفع البليغ وهو كذلك في مراسيل أبي داود لا مطلق الرفع لما في الروايات : أنه عليه الصلاة والسلام رفع حتى يرى بياض إبطيه في الاستسقاء ، والله أعلم .
ج2ص55
قوله : ( أحجار زيت ) قيل : إنه استسقى خارج المدينة ، وأما أحجار زيت ففي داخل المدينة فاللفظ معلول ، وقيل : إن هذه غير واقعة الاستسقاء خارج المدينة ، ويسمى هذا الموضع بأحجار زيت لأنها سود مثل إن طليت بالزيت .
ج2ص56
*2*باب ما جاء في صلاة الكسوف
باب ما جاء في صلاة الكسوف
(2/105)
- الحديث رقم: 560
قال جماعة من اللغويين : إن الكسوف يتعلق بالشمس ، والخسوف بالقمر ، وقيل : لا فرق أصلاً . الجماعة في كسوف الشمس سنة عندنا ، ويقيم الجماعة مقيم الجمعة ، وإن كانوا في القرى صلوا وحداناً ، وقال القاضي شمس الدين السروجي الحنفي في شرح الهداية : إن الصلاة في كسوف الشمس واجبة ، ثم صلاة الكسوف عندنا كسائر الصلوات بركوع واحد في ركعة ، وقال الشافعية والمالكية والحنابلة بركوعين في ركعة ، وقال بعض أصحابهم بجواز ثلاث ركوعات وأربعها في ركعة واحدة ، وأما الأحاديث فعلى ستة أوجه أحدها : بركوع واحد في ركعة واحدة ، والثاني بركوعين والثالث بثلاث ركوعات ، والرابع بأربع ركوعات ، والخامس بخمس ركوعات ، والسادس إن صلى ركعتين ، ثم سأل هل انجلت الشمس؟ ثم صلى ركعتين وسأل وهكذا ، وأحاديث الثاني في الصحيحين ، والثالث والرابع في مسلم ، والرابع في أبي داود ، أيضاً والخامس في أبي داود ص ( 162 ) بسند لين ، وفي تهذيب الآثار لابن جرير بسند قوي ، والسادس في أبي داود والنسائي بسند قوي ، وأما أحاديث الركوع الواحد فستأتي وتعرضوا لإسقاطها وكنا نثبتها بفضله تعالى ، وهذا المذكور كله في فعله عليه الصلاة والسلام مرفوعاً ، فالعجب أن كون الواقعة واحدة وتحته هذا الاختلاف بل قد يكون الاختلاف على راوٍ واحد فإن الترمذي قال : إن الركوعين رواه ابن عباس أيضاً ، وفي أبي داود ومسلم أربع ركعات عن ابن عباس ، وذهب البعض إلى القول بتعدد الواقعة منهم ابن جرير وابن خزيمة والنووي ، وأما الحافظ فإلى وحدة الواقعة ، أقول : كيف يقال بتعدد الواقعة؟ فإن في الصفات كلها خطبته عليه الصلاة والسلام لرد ما زعموا أن الكسوف عن وفات إبراهيم سليل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فدل على ذكر وفات إبراهيم في كل الصفات والكسوف في عهده عليه الصلاة والسلام واحد على ما في رسالة محمود شاه الفرنساوي ، وأما الخسوف ففي بعض السير مثل
(2/106)
سيرة ابن حبان أنه انخسف سنة 6هـ القمر فصلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يذكروا أنه عليه الصلاة والسلام كيف صلى ، وصلى بالناس أو منفرداً ، وأما رسالة محمود باشا الفرنساوي وهو من الحذاق في الرياضي فموضوعها بيان طريقة تحويل الحساب القمري إلى الشمس ، وقال : إن الكسوف في عهده عليه الصلاة والسلام واحد وانكسف وقت ثمانية ساعات ونصف ساعة على حساب عرض المدينة في السنة التاسعة وبقيت الشمس منورها قدر ثمانية أصابع وكان وفات إبراهيم في ذلك اليوم فتحقق وحدة الواقعة ، وليعلم أن العرب كانوا
ج2ص57
(2/107)
عالمي الحساب الشمسي والقمري لآيات : { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } [ التوبة : 37 ] إلخ على ما فسر الزمخشري في الكشاف أن النسيء هو العمل بالكبيسة أي جعل العام القمري شمسياً ، واعترض رجل من فُطّان حيدرآباد وقال : إن العرب كانوا غير عالمين بالحساب الشمسي ، وفي عهد موسى عليه الصلاة والسلام كان الحساب شمسياً ، وفي الحديث : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان خلص من يد فرعون يوم العاشوراء ، فكيف وضع العرب خلوص موسى عليه الصلاة والسلام يوم العاشوراء عاشر شهر المحرم؟ واعتراضه هذا غلط فإن العرب كانوا يعلمون الحسابين ، في المعجم الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المدينة يوم عاشوراء اليهود وعاشوراءهم تكون عاشرة شهرهم المسمى بتشرين ، وعاشوراء المسلمين منقولة من عاشوراء اليهود فدل على أن العرب كانوا عالمى الحسابين ، وأما محمود شاه فلم يتوجه إلى خسوف القمر أنه وقع في عهده عليه الصلاة والسلام أم لا ، وبالجملة الواقعة واحدة والصفات المروية عديدة والأسانيد قوية ، وصنف ابن تيمية كتاباً مستقلاً في الكسوف وحاصله إعلال الروايات كلها إلا رواية ركوعين في ركعة وذكر وجوه الإعلال مفصلة ، وقال : إن الشافعي وأحمد والبخاري والبيهقي أعل الأحاديث إلا حديث ركوعين في ركعة ، أقول : لعلهم أعلوا وضيع البخاري أيضاً يدل على التعليل فإنه لم يخرج الأحاديث ركوعين وأقول : لعل الروايات كانت موقوفة لرفعها الرواة إلى صاحب الشريعة ، ولعل مالك بن أنس أيضاً أعلها فإنه لم يخرج في موطأه إلا رواية الركوعين وأعل البيهقي رواية الثلاث والأربع في السنن الكبرى ، وأما أدلتنا على وحدة الركوع فكثيرة منها ما روى ابن مسعود فعله أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ذكره في العمدة ، ومنها ما روى محمود بن لبيد فعله أخرجه أحمد في مسنده ، ومنها ما روى سمرة بن جندب أخرجه أبو داود ص ( 168 )
(2/108)
بسند قوي وغيره أيضاً أخرجه ومنها ما رواه قبيصة بن مخارق الهلالي أخرجه ، أبو داود ص ( 168 ) ، ومنها ما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص أخرجه ، أبو داود ص ( 126 ) والترمذي في شمائله ، والطحاوي ، وفي سند أبي داود عطاء بن السائب وهو اختلط في آخر عمره ، وأخرج عنه البخاري مقروناً مع الغير أي مع أبي بشر في الكوثر ، وعطاء تابعي ، وأجيب بأن حماد بن سلمة وحماد بن زيد أخذ عنه قبل الاختلاط ، والأكثر على أن حماد بن سلمة راوي ما في أبي داود وأخذ عنه قبل الاختلاط اختاره ابن معين والنسائي والطحاوي ، وقيل : إنه أخذ بعد الاختلاط والتحقيق أن عطاءدخل بصرة مرتين ، وأخذ عنه ابن سلمة في المرتين وأيضاً رواية أبي داود أخرجها ابن خزيمة أيضاً ، فتكون صحيحة على شرطه ونقول أيضاً : إن الرواية أخرجها النسائي عن سفيان عن عطاء وأخذ سفيان عن عطاء قبل الاختلاط باتفاق المحدثين ، ومنها رواية نعمان بن بشير رواها الطحاوي ص ( 195 ) وابن خزيمة والنسائي وأبو داود ، وفي أبي داود : فجعل يصلي ركعتين ركعتين ، ويسأل عنها حتى انجلت إلخ ، فأعل البيهقي هذه الرواية بأن بين أبي
ج2ص58
(2/109)
قلابة ونعمان واسطة غير مذكورة هاهنا ، أقول : إن كانت الواسطة فبلال بن عامر وهو ثقة ، فلا ريب في جودة الرواية ، وتأول فيها الحافظ بأن المراد من الركعتين الركوعان ، وسؤاله عليه الصلاة والسلام كان بالإشارة ، أقول : إن التأويل غير نافذ لأن المسجد كان غاصاً وكان الناس مجتمعين ، وفي الروايات أن البعض غشي عليه وألقي الماء على رأسه ، فقول السؤال بالإشارة في مثل هذه الحالة بعيد ، وأيضاً قد أخرج الحافظ عن مصنف عبد الرزاق مرسلاً عن أبي قلابة وصححه وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يرسل رجلاً : هل انجلت؟ إلخ ، وإذا صححه الحافظ فلا بد عن قبوله سيما إذا كان المرسل مقبولاً عند الجمهور ، وأيضاً أخرجه أبو داود عن أبي قلابة من نعمان فصار متصلاً ، ومنها ما رواه عبد الرحمن بن سمرة فصارت أدلتنا سبعة ، وأجاب الشافعية عن أدلتنا بأن هؤلاء الرواة نافون واقتصروا الرواية ، ولم يذكروا الركوع الثاني وغيرهم مثبتون والمثبت مقدم على الثاني ، أجاب الطحاوي مناظرة أن رواتنا أزيد إثباتاً ، فإنا نقول ونزيد مع كل ركوع سجدة ، وتفصيل هذه المناظرة في الطحاوي ، وأخرج العيني رواية الركوع الواحد عن علي عن مسند أحمد ورأيت في مسند أحمد ففيه عن علي ذكر أربع ركوعات ، وفي سنده حنش بن ربيعة إلا أن نسخ عمدة القاري ومسند أحمد مملوءة من الأغلاط من الناسخين ، ولكني رأيت في سائر الكتب ففيها أربع ركوعات عن علي ، وأما جواب الأحاديث من جانب الأحناف فما ذكره المتأولون من التأويلات المعروفة ، والجواب ما قال مولانا مد ظله العالي : بأنه عليه الصلاة والسلام ركع ركوعات بلا ريب ، وأما قوله فهو للأحناف والقول مقدم على الفعل ، وأما القول فرواه أبو داود عن قبيصة الهلالي ، قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد فعله : < فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة . . إلخ > أي الفجر فيكون التشريع القولي للأحناف ، وإن قيل من جانب الشافعية
(2/110)
: إن تشبيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الركعتين لا في الركوعات ، فقال مولانا مد ظله العالي : إن هذا عين جعل البديهي نظرياً ولا يقبله أحد من العقلاء ، وقال الظاهرية في شرح حديث قبيصة : إن مراده أنه إن انكسف الشمس بعد الصبح فصلوا ركعتين وإن كان بعد الظهر والعصر فصلوا أربع ركعات ، لكنه تأويل محض ، ويرده ما في رواية البغوي : < فصلوا كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة > فإذا كان لنا قوله ، والحديث صريحاً وصحيحاً بإقرار المحدثين فسَّر تعدد ركوعه عليه الصلاة والسلام في فعله غير واجب علينا ولو نبترع فنقول : إن الركوع الثاني كان ركوعاً عند الآيات وركوع التخشع والتخضع فالركوع الثاني ليس ركوعاً صلويّاً ، وأما نظائر ركوع الخضوع والآيات فمنها ما في أبي داود والترمذي ص ( 229 ) ج ( 2 ) أن ابن عباس سجد عند موت ميمونة فسئل؟ فقال : قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بالسجدة عند الآيات ، وأي آية عظمى من وفات زوجة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فرفع السجدة عند الآيات إلى صاحب الشريعة ومنها ما في عامة كتب السير أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة حين أراد فتح مكة فخرجت بنات مكة يرين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشوكة عسكره فسجد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الراحلة حتى واصل ذقنه الرحل ، وكانت في سجدته ألفاظ التضرع والابتهال ، ومنها أنه مر بديار ثمود فلما مر على
ج2ص59
(2/111)
بير كانت ناقة صالح تشرب منها أمر أصحابه بالخروج من هذا الوادي مسرعين ، ولا يأخذ أحد ماءاً من هذا البير ، وأسرع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحنى رأسه مقنعاً ، فانحناء رأسه كان ركوعاً عند الآية ، ومنها ما في أثرٍ سندُه متوسط أن أبا بكر رأى نغاشاً ، فركع عند رؤيته ، فركوعه كان ركوع تضرع وخضوع ، فإذن نقول : - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى الجنة والنار متمثلين في جدار القبلة كما في الصحيحين ، فهذه آية من آيات الله كما تدل عليه خطبته ، فيكون الركوع الثاني ركوع آية وتضرع ، وإن قيل : إن المذكور في ما نحن فيه ركوع وفي الحديث الدال على السجود عند الآية هو سجود قلت : إن الركوع والسجود لا تخالف بينهما وقد قال أبو حنيفة بجواز الركوع بدل سجود التلاوة في داخل الصلاة وخارجها ، وفي مصنف ابن أبي شيبة قالت جماعة من التابعين بجواز أداء سجدة التلاوة في ضمن الركوع ، وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أبا عبد الرحمن السلمي كان إذا قرأ آية سجدة يسلم إلخ ، فمراده الركوع والانحناء كما قال أبو حنيفة فهذا ما ذكر كان تحت المذهب ، وأما الجمع بين الأحاديث فعندي احتمال في جمعها لكن هذا احتمال محض لا يساعده النقل ولا أزعم أنه مراد الراوي ، وأما الاحتمال من حيث العربية فلا يعد فيه أصلاً ، وهو جعل صلاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمان ركعات بثمان ركوعات وسجودات ولكن هذا ظرافة محضة ، والحق أن الروايات التي أعلها الأئمة معلولة ، وأما الجمع بين الروايات الدالة على وحدة الركوع وتثنية الركوع في فعله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم أجده بما يساعده النقل والرواية ، وأما الاحتمالات العقلية فليست بمتعذرة على اللبيب الأريب .
(2/112)
قوله : ( حديث حسن صحيح ) أقول : إن حديث الباب معلول بتاً ، فإنه أخرجه مسلم ص ( 299 ) وأبو داود ص ( 125 ) سنداً ومتناً ، وفيها أربع ركوعات ، وهاهنا ثلاثة ركوعات ، وذلك أيضاً معلول على ما مر سابقاً ، وفي مسلم ص ( 299 ) بعد ذكر حديث ابن عباس ، وعن علي مثل ذلك الخ ، ولم أحصل ما قال مسلم ، فإنه ذكر عن علي مثل ما عن ابن عباس مرفوع أم موقوف ، وأما ما وجدت في الخارج ففي تهذيب الآثار للطبري أن عليّاً صلى الكسوف بكوفة وركع في الأولى خمس ركوعات في الركعة الأولى والثانية ثم قال بعده : لم يصل مثل ما صليت أحد بعده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والله أعلم ، وأما أثر ابن عباس ففي معاني الآثار أنه ركع في الأولى ثلاث ركوعات وفي الثانية ركوعاً واحداً ، وأما المرفوعات عن ابن عباس مختلفة فإن الترمذي روى عنه ركوعين في ركعة وفي أبي داود ومسلم أربع ركوعات ، فاختلف الرواة على راوٍ واحدٍ عن فعله .
ج2ص60
قوله : ( في كسوف الشمس والقمر إلخ ) قال أبو حنيفة ومالك لا جماعة في كسوف القمر وقال الشافعي : إن في خسوف القمر أيضاً جماعة ، وتمسك بالعموم ، ولم يذكر أحد من المحدثين خسوف القمر في عهده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا في سيرة ابن حبان ، والله أعلم .
ج2ص61
*2*باب ما جاء في صفة القراءة الكسوف
باب ما جاء في صفة القراءة الكسوف
(2/113)
- الحديث رقم: 562
قال أحمد وصاحبا أبي حنيفة : يجهر بالقراءة ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : بالإسرار في القراءة ، وللقائلين بالجهر رواية عائشة ، وللقائلين بالإسرار رواية سمرة ، والجواب عن رواية عائشة أن سمرة كان في صف الرجال ولم يسمع ، فكيف سمعت عائشة؟ وأجيب بأن عائشة كانت في الحجرة كما قال الحافظ في الفتح وما أتى برواية نعم هو موجود في الخارج ، قال مالك : كانوا يقتدون بمن في المسجد من الحجرات ، والجواب أن عائشة لم تبين القراءة ، بل قالت : إنه قرأ نحواً من البقرة فلعله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جهر كجهره بالقراءة في الظهر والعصر كما في الروايات : ( وكان يسمعنا الآية أحياناً ) ، وسمعت لفظه أف أف ورب وأنا فيهم إلخ ، كما في سنن أبي داود ويقال أيضاً : إن في المعجم للطبراني عن ابن عباس قال : كنت في جنب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم أسمع قراءته .
قوله : ( حديث حسن صحيح إلخ ) حسَّن الترمذي حديث عائشة وفيه سفيان بن حسين وهو ضعيف في حق الزهري ، فالله أعلم .
ج2ص62
*2*باب ما جاء في صلاة الخوف
باب ما جاء في صلاة الخوف
(2/114)
- الحديث رقم: 564
نسب إلى أبي يوسف أن صلاة الخوف كانت مقصورة على عهده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أقول : لعل مراده أن صلاة الخوف بجماعة واحدة مقصورة على عهده ، ويجوز تعدد الأئمة والجماعات بعده والله أعلم .
وأما الصفات الثابتة في الأحاديث فقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي : إن الصفات تبلغ أربعة وعشرين ، وقال ابن حزم : إنها أربعة عشر وابن حزم ثبت ، وقال ابن قيم في الزاد : إن الصفات ستة وأرجع الباقية إلى الستة ، وأتى أبو داود بصفات عديدة يمكن حمل بعضها على بعض لا البعض الآخر ، وقال أحمد : كل صفة ثابتة بحديث صحيح فاخترنا منه وجوزنا باقيتها كما قال علي القاري ، وفي مراقي الفلاح وكذلك في المستصفى شرح الفقه النافع وكذلك في تجريد القدوري تصريح الجواز وكذلك في عبارة للكرخي فلا يجمد على ظاهر ما في فتح القدير فإنه يدل على عدم الجواز ، ثم في الصفة المختارة لنا قولان ؛ قول أرباب المتون وقالوا : تفرغ الطائفة الأولى قبل الثانية وفي موضع الإمام ويكون الترتيب وحٍ يكثر الإياب والذهاب ؛ وقول لأرباب الشروح : يفوت فيه الترتيب ويقل الإياب والذهاب ، وأكثر الأحاديث المرفوعة يؤيد ما في الشروح ، وأما قول أرباب المتون فنادر في الأحاديث ، ويطلب تفصيل الصفة المختارة لأهل المتن والشرح في كتب الفقه ، وأما الشافعية فاختاروا صفة وجوَّزوا سائرها ، والصفة المختارة لهم وهي أن يصلي الإمام نصف صلاة بطائفة فإذا فرغ من نصف صلاة بهم فتتم هذه الطائفة صلاتهم ويقوم الإمام ويقرأ وينتظر الطائفة الثانية ، فإذا جاءت الثانية فيصلي بهم النصف الباقي فإذا صلى سلم بنفسه ، وتتم الطائفة الثانية صلاتهم وفي صنعتهم تقليل الحركة وترك الترتيب ، فإن الطائفة الأولى سلمت قبل الإمام ، وصفة الشافعية وصفة المالكية واحدة إلا أن المالكية يقولون أن ينتظر الإمام جالساً الطائفة الثانية فإذا أتموا صلاتهم سلم بهم الإمام ، وقال
(2/115)
الشافعية : يسلم الإمام بنفسه ، ثم اختلفوا في الآية ، فقال الشافعية : إن الآية موافقة لنا وأطنب مفسروهم ، وقال الأحناف : إن الآية موافقة لنا ، وأطنب الشيخ السيد محمود الآلوسي ، وأوَّلَ أن الآية
ج2ص63
تحتمل الصفتين وليست بنص في أحدهما فإن لفظ الآية : { فَإِذَا سَجَدُوا } [ النساء : 102 ] إلخ تبادره لنا فإنه ما قال الله تعالى فإذا صلوا ليكون تبادره للشافعية ، وأما لفظ : < لم يصلوا فليصلوا معك > إلخ تبادره للشافعية فإن ظاهره أتموا صلاتهم .
مسألة : تجوز صلاة الخوف عندنا بمحض حور العدو ، وقال الشافعية : يشترط تحقق الخوف حقيقة .
قوله : ( فقام هؤلاء إلخ ) إن كان المراد من هؤلاء الأول الطائفة الأولى فيكون المذكور في الحديث صفة المتون ، وإن كان المراد منه الطائفة الثانية فتكون المذكور في الحديث صفة الشروح وأقول : التبادر في الحديث صفة الشروح ، ووجه التبادر أن غرض الراوي بيان أنهم لما ركعوا ركعة ركعة مع الإمام فصلوا كيف ما شاء الطائفة الثانية وكيف ما شاء الطائفة الأولى بلا رعاية الإمام ، وأيضاً وجه التبادر أن القريب ذكر الطائفة الثانية فتكون الإشارة بهؤلاء الأول إلى الأقرب ، وأما صفة المتون فمذكورة في كتاب الآثار لمحمد بن حسن موقوفاً على ابن عباس وقريب منها ما في سنن أبي داود ص ( 184 ) فعل عبد الرحمن بن سمرة ، واعلم أن المشي في صلاة الخوف جائز عندنا ولا تجوز الصلاة ماشياً ، وقال الشافعية تجوز الصلاة ماشياً .
قوله : ( عن سالم عن أبيه ) حديث ابن عمر دليل أبي حنيفة وهذا أصح ما في الباب والبخاري أخرجه تحت الآية وفي أول الباب .
قوله : ( ذهب مالك بن أنس الخ ) بين قول مالك والشافعي فرق يسير ذكرت أولاً .
(2/116)
قوله : ( وما أعلم في هذا الباب إلا حديثاً صحيحاً إلخ ) مراده أن كل صفة ثابتة بحديث صحيح لا أنه لم يصح في هذا الباب إلا حديث واحد ، فإن هذا المراد يرده قول الترمذي : وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم قال : ثبتت إلخ .
ج2ص64
قوله : ( سهل بن أبي حثمة إلخ ) هذا الحديث دليل الشافعية والحديث عندي مضطرب وما توجه إلى دفعه أحد من المحدثين وصورة الاضطرب إن في حديث سهل صفةً في مغازي البخاري والترمذي وابن ماجه مغائرة لما في مسلم وأبي داود والنسائي والطحاوى ، والحديث واحد سنداً ومتناً ومرفوع وليس تعارض العام والخاص ليعلموا بحمل العام على الخاص .
ج2ص65
(2/117)
قوله : ( ركعتان ولهم ركعة ركعة إلخ ) مذهب إسحاق بن راهويه وبعض السلف منهم ابن عباس إن المقتدي يصلي نصف صلاة في الخوف ، وإن كان الخوف والسفر فيصلي ركعة واحدة لا قبلها شيء ولا بعدها شيء وليس هذا مذهب أحد من الفقهاء الأربعة ، وقال أتباع الأربعة في حديث الباب : إن المراد أنهم صلوا ركعة مع الإمام وركعة منفردين ولي شرح آخر في هذا الحديث وهو أن المذكور هاهنا هو صفة صلاة الخوف عند الشافعية أي صلوا ركعتين في ركعة واحدة للإمام فعبر الراوي بركعة واحدة لهم لأن الركعتين لهم كانتا تحت ركعة واحدة له عليه الصلاة والسلام وفي ضمنها ، ومثل هذه الرواية رواية في النسائي ص ( 338 ) عن ابن عباس فإنه ساق الحديث إلى أن قال : وصلى بهم ركعةً ولم يقضوا إلخ ، وزعم العلماء من عدم القضاء عدم الركعة الثانية وعجز الحافظ عما في النسائي ، وعندي أنها صفة الشافعية كما قلت ، ومثل هذه رواية في البخاري والطحاوي أنه عليه الصلاة والسلام صلى أربع ركعات والصحابة ركعتين ركعتين ، ومرادها عندي ما قلت ، أي بقي في حكم الصلاة في طول مدة أربع ركعات من المقتدين ، وقال الشافعية : إن فيها : صلى بهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرتين ، فيكون فيها تمسك على جواز أداء المفترض خلف المتنفل وعجز الحنفية عن جوابها إلا الطحاوي ، وجوابها عندي : أن فيها صفة الشافعية ووقع تعبير الراوي موهماً ، هذا والله أعلم .
*2*باب ما جاء في سجود القرآن
باب ما جاء في سجود القرآن
(2/118)
- الحديث رقم: 568
اختلف العلماء في سجود القرآن من أوجه ، منها إن أبا حنيفة قائل بوجوب سجدة التلاوة ، والشافعي يقول بسنتها ، والصحابة أيضاً مختلفون في الوجوب والسنية ، وتمسك بحديث زيد بن ثابت مرفوعاً وبفعل عمر بن الخطاب حين قال : إنها لم تكتب علينا ، وسيجيء الكلام فيه ، وما أجاب الأحناف شافياً عن فعل عمر بن الخطاب ، وأما أدلتنا على الوجوب فمنها أن أكثر السجود في القرآن بصيغ الأمر ، وحمل توارد الصيغ بالأمر على الاستحباب بعيد ، وإن قلت : إن الأمر مشترك بين الوجوب والاستحباب على ما قال أبو منصور الماتريدي فلا يمكن الحمل على الاستحباب إلا بدليل ظاهر كما في { فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } [ الجمعة : 10 ] ، وقال ابن قيم في كتاب الصلاة : إن دليل الأحناف هذا قوي ، ولنا دليل آخر أخرجه مسلم في صحيحه : < أن الشيطان يبكي ويقول : سجد ابن آدم فدخل
ج2ص66
الجنة وما سجدت فدخلت النار > إلخ ، فجعل مدار الجنة والنار السجدة ، وقال النووي : إنه لا يمكن الاحتجاج به لأنه قول الشيطان ، ونقول : إنه نقله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما أنكره ، فكيف لا يكون حجة؟ وقال الطحاوي وابن ههام : إن سجدات التلاوة على ثلاثة أنواع بعضها مشتمل على ذكر إطاعة المطيعين وبعضها على ذكر تمرد المتمردين وبعضها بصيغة الأمر ، فإذا كان هذا فيكون الأمر للتحتم واختلاف آخر في السجود ، قال مالك : إن السجود ، إحدى عشر سجدة ولا سجدة في المفصل ، وقال أحمد : خمس عشر سجدة وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن السجدات أربع عشر إلا أنه قال الشافعي : في سورة الحج سجدتين ولا سجدة في ص ، نعم لو تليت في خارج الصلاة يسجد ، وقال أبو حنيفة : إن في الحج سجدة واحدة وفي ص أيضاً سجدة .
مسألة : ولو تلي آية السجدة في الصلاة فنوى أداءها في الركوع تجزئ بشرط أن يركع للصلاة بلا فصل قراءة ثلاث آيات ، المختار عندنا عدم اشتراط نية القوم .
(2/119)
واعلم أن ما يكون من توزيع السجدات عندنا إلى الفرض والواجب والسنة في هوامش بعض القرآن غلط .
*2*باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد
باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد
(2/120)
- الحديث رقم: 570
ذكرت أولاً أصل مذهب الأحناف ، وأما أرباب الفتوى فأفتوا بعدم خروج النسوان إلى المساجد .
قوله : ( أيذنوا إلخ ) هذا لا يدل على ترغيب النساء إلى خروجهن إلى المساجد بل في خارج
ج2ص67
حديث الباب ترغيب النسوان إلى أن تصلي في البيت والمخدع ، وأماما في حديث الباب فمراده أن الرجال ليس لهم حق منعهن ، وإذا كان الأمر دائراً بين الجماعة يراعى الشريعة كلا الجانبين ، مثل ما قلت في حديث : < لا يؤم أحد في بيته > إلخ ، ولا يخرج من الأحاديث ، وفي مذاهب الأئمة الأربعة توسيع ، لا كما زعمه بعض مدعى العمل بالحديث ، وفي سائر المذاهب تضييق مما في أصل مذهبنا .
قوله : ( وتقول : لا تؤذن ) قيل : إن ولد ابن عمر هذا واقد ، وقيل : بلال ، وفي الروايات أن ابن عمر ما تكلم بعد مدة العمر ، وأما ولد ابن عمر فلم يقابل الحديث برأيه وقولِه ، بل كان غرضه صحيحاً ، وعبره بعبارة لا تنبغي ، فأخذ على لفظه كما هو مذكور في تكملة البحر للطورى : أن أبا يوسف مدح الدُّباء ، وروى فيه عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال رجل : ليست بمرضية عندي ، فأمر أبو يوسف بقتله فتاب الرجل ، ولم تكن ثمة إلا الفرق في التعبير لا في الغرض .
قوله : ( دغلا الدغل ) هو الاصطياد مختفياً خلف الشجرة .
*2*باب ما جاء في كراهية البزاق في المسجد
باب ما جاء في كراهية البزاق في المسجد
(2/121)
- الحديث رقم: 571
واعلم أن في مناط النهي عن البزاق تسعة شقوق مستنبط من الأحاديث ، والراجح عنها عندي أنه احترام المواجهة الحاصلة بين الله والمصلي وسائر الشقوق راجعة إلى هذا .
قوله : ( ولكن خلفك ) زيادة خلفك ليست في غير رواية الترمذي .
قوله : ( تلقاء شمالك ) في بعض الروايات قيد < إذا لم يكن رجل في شمالك > كيلا يقع في يمين ذلك الرجل ، وإذا جمعت الطرق فلا يخرج الوسعة في البزاق في المسجد ولا في الصلاة ، واتفق الكل أن حكم حديث الباب في من اضطر ، ثم في الحديث خلاف بين القاضي عياض والنووي ، قال النووي : إن البزاق في المسجد خطيئة ، وقال : إن صدر الحديث في من يصلي في المسجد ، وعَجُزَه فيمن يصلي في خارجه ، وتمسَّك بحديث : < البزاقُ في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها > ، وقال القاضي
ج2ص68
عياض : إن صدر الحديث وعَجُزَه في من يصلي داخل المسجد إلا أن البزاق في حالة الاضطرار جائز في المسجد إلا أن الخطيئة في من يبزق ولا يريد دفنها ولا خطيئة فيمن يريد دفنه ، وذهب الحافظ ابن حجر إلى قول القاضي ، وأما أنا فأتوقف في هذا .
*2*باب ما جاء في السجدة في { إذا السّماء انشقّت } و { اقرأ باسم ربّك الّذي خلق }
باب ما جاء في السجدة في { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } و { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }
(2/122)
- الحديث رقم: 573
غرض الانعقاد من هذا الباب الرد على مالك بن أنس فإنه قال لا سجدة في المفصل ، وأجاب الموالك عن حديث الباب بأن السجدة في المفصل كانت في مكة ، وإذا هاجر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة نسخت السجدة ، ونطلب منهم الدليل على هذا .
ج2ص69
*2*باب ما جاء في السجدة في النجم
باب ما جاء في السجدة في النجم
(2/123)
- الحديث رقم: 575
واقعة الباب واقعة مكة ، وأرسل ابن عباس الحديث لأنه لم يكن حاضراً في الواقعة ، بل لم يكن متولداً على ما اختير أنه كان ابن ثنتي عشر سنة حين وفات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قوله : ( المشركون إلخ ) قال البعض : إن وجه سجدة المشركين أن الشيطان أدخل كلامه في كلامه عليه الصلاة والسلام ، وأجرى لفظه على لسانه عليه الصلاة والسلام ، واللفظ هذا : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتُرتجى ، بعد ذكر اللات والعزى ، وقيل : ما تكلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا اللفظ بل تكلم به الشيطان على لهجة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى صورة صوته ، وقيل وهو التحقيق : إن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تكلم بهذا اللفظ بطوعه ، وأنه آية من القرآن العزيز نسخ تلاوتها ، وأما المشار إليه بتلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى الملائكة ، وهذا القول نعم الصواب فإن التشبيه بالغرانيق إنما يليق للملائكة لأنهن ذوات أجنحة ولا يليق تشبيه اللات والعزى بالغرانيق ، وأما سجود المشركين على هذا إنما لزعمهم أن الإشارة إلى اللات والعزى ، أو يكون تحقق السجدة منهم بالجذبة ، كما قال الشاه ولي الله رحمه الله ، وأتى العيني والحافظ بروايتين صحيحتين مرفوعتين على القول الثالث الصحيح ، وقال الحذاق : إن القول الأول من اختراع الزنادقة فإنه يرتفع على ذلك عصمة الأنبياء ، وأما إلقاء الأمنية فليس بمنحصر على هذا ، ولعل معنى الإلقاء على لسانه أنه كان تكلم موهماً أنه من كلامه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم رواه بعضهم على فهمه في المعنى ، وأما القول الثاني فذلك أيضاً بعيد وباطل ، أقول على تصويب القول الثالث المؤيد بالروايتين كان أهل مكة مطيعين له عليه الصلاة والسلام وكان صناديد المشركين في الطائف ، ثم لما رجعوا إلى مكة انحرف أهل مكة وارتدوا عن دينه عليه الصلاة
(2/124)
والسلام ، وقد أفشى خبر انقياد أهل مكة له عليه الصلاة والسلام إلى الأصحاب الذين هاجروا إلى الحبشة ، ويؤيد هذا ما في تاريخ
ج2ص70
ابن معين ومعاني الآثار ص ( 196 ) ، ولكن في سنده ابن لهيعة ، إلا أنه إذا روى عنه العبادلة تكون فيها شيء قوة ، وأيضاً رواها ابن لهيعة من كتاب المغازي لمحمد بن عبد الرحمن ، وإذا روى عن كتاب تكون روايته معتبرة لأن الكلام فيما إذا روى عن حفظه فتكون الرواية قوية شيء بقوة .
قوله : ( والجن إلخ ) ذكر العيني اسم بعض الساجدين من الجن ، وكان الجن ، من نصيبين ونينوى ، وذكر أرباب الكتب أسماءهم في الصحابيين ، وأما كلام إن المشركين كانوا على وضوء أولا فليس هذا محله يطلب من موضعه .
*2*باب ما جاء في من لم يسجد فيه
باب ما جاء في من لم يسجد فيه
(2/125)
- الحديث رقم: 576
أي في النجم ، تمسك الحجازيون بحديث الباب على سنية السجدة فإنها لو كانت واجبة لما تركها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأجاب الأحناف بأنا لا نقول بوجوب الأداء ، في الفور كما في ظاهر الرواية ، لنا وفي التاتارخانية في رواية شاذة عن أبي حنيفة وجوب أداء السجدة بلا تراخ ، وأقول : إن ظاهر الرواية فيمن لا يخاف فوات السجدة ، والشاذة في من يخاف فوات الأداء .
قوله : ( وتأول بعض أهل العلم إلخ ) لا نتأول بهذا بل بما ذكرنا من الجواب ، وأما هذا فيمكن
ج2ص71
في محل النكتة بما في فتح القدير : أنه إذا تلا أحدٌ آيةَ السجدة ، وسمعها جماعة يستحب لهم أن يجعلوا صورة الإمامة والاقتداء ويتوسط الإمام ، وليست هذه إمامة واقتداء حقيقة حتى لو ظهر فساد وضوء الإمام لا يسري إلى سجدات المقتدين ، فهذه نكتة تأخيره عليه الصلاة والسلام أداء السجدة .
(2/126)
قوله : ( واحتجوا بحديث عمر إلخ ) ليس هذا مرفوعاً بل أثر عمر ، وهذا تمسُّك الحجازيين ، وأما الجواب من جانب الأحناف بأنه موقوف ومذهب عمر فلا يفيد فإنه بمحضر جماعة من الصحابة ، فيمكن للشافعية قول : إنه قريب إجماع جمهور الصحابة فما أجاب أحد جواباً شافياً ، وقال العيني بحذف المستثنى المتصل ، لأنه أصل فيكون المعنى : أنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء مكتوبيتها ، وقال أيضاً : إن المشيئة يتعلق بالتلاوة لا بالسجدة ، وقال الحافظ : إنها تتعلق بالسجدة ، أقول تأويل العيني فيه أنا إذا قلنا أن المستثنى منه الوجوب ، والمستثنى هو التطوع يكون الاستثناء أيضاً متصلاً ، وليس حد المتصل والمنفصل ما هو مشهور على الألسنة بل تفصيله مذكور في قطر الندى وشرح الشيخ السيد محمود الآلوسي على المقدمة الأندلسية ، وذكر بعضه في روح المعاني في وجوه المثاني تحت آية { إِلَّا خَطَأً } [ النساء : 92 ] إلخ آية الكفارة فإنه قال : إن الاستثناء متصل خلاف ما قالوا ، وأيضاً يخالف قولَ العيني لفظُ الباب : ( فلم يسجد ولم يسجدوا ) إلخ ، فإنه تحقق التلاوة في واقعة الباب ، وأما قول : إنه تأخير السجدة لأن الأداء لا يجب في الفور فبعيد لأنه لا عذر ونكتة لترك السجدة الآن بخلاف ما مر من واقعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم أر جواباً شافياً ، وللحافظين كلام في شرحي البخاري ، وأجيب بما تيسر لي بأن مراد عمر أن السجدة بخصوصها لم تكتب بل يكفي الانحناء والركوع أيضاً ، ويجوز عندنا أداء سجدة التلاوة بالركوع قائماً وقاعداً والقيام مستحب والركوع أعم من أن يكون داخل الصلاة أو خارجها ، ورواية أدائها في الخارج في ضمن الركوع موجودة في فتاوى الظهيرية عن أبي حنيفة نقلها في الدر المختار ، وفي التفسير الكبير أن أبا حنيفة تمسك بآية
ج2ص72
(2/127)
سجدة ص المذكور فيها لفظ الركوع على إجزاء الركوع بدل سجدة التلاوة ، وتخصيصه بداخل الصلاة غير لازم وفي مصنف ابن أبي شيبة آثار من بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يكتفون بالتسليم إذا تلو آية السجدة ، والمراد من التسليم هو الانحناء لا السلام عليكم ، وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أبا عبد الرحمن السلمي التابعي تلميذ عمر بن خطاب كان من القراء ويتلوا القرآن وهو ماش فإذا تلا آية السجدة كان ينحني ثمة وهو ماش ، ويؤيدنا ما ذكره الحافظ في الفتح أن وجه الاختلاف في ص في السلف أن المذكور فيها لفظ الركوع فدل على أن بعض السلف رأو الركوع في حكم السجدة ، وأجريت هذا المذكور في الخلاف بين الشافعية والحنفية فلم أر أثراً من الآثار يدل على أن أحداً تلا آية السجدة ولم يسجد ، ولم ينقد ولم يخفض رأسه ولم ينحن ، فالحاصل أن مراد عمر أن السجدة بخصوصها غير مكتوبة علينا .
واعلم أن الحنفية اختلفوا في شرط وجوب السجدة على السامع قصده الاستماع وعدمه ، والمختار أن القصد ليس بشرط وأيضاً كان وقع من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثل هذا كما عند أبي داود في ص ولم يكن التزم السجدة فيها بعد ثم التزمها كما عند الحاكم وغيره .
اطلاع ذكر الشيخ عبد الحق في الحاشية ويوافقه ما ذكره العيني من أنه روي عن مالك أنه قال : إن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ولا عمل به أحد بعده انتهى .
قوله : ( أنه ليس بذاك ) بأن في موطأ مالك ص ( 23 ) قال مالك : ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد إلخ ، وهذا خلاف ما قال الشيخ عبد الحق ناقلاً عن مالك ، فإن مراد مالك نفي وجوب الأداء على المنبر على شاكلة الجماعة .
*2*باب ما جاء في السجدة في ص
باب ما جاء في السجدة في ص
(2/128)
- الحديث رقم: 577
قوله : ( حدثنا ابن أبي عمر إلخ ) في بعض النسخ ابن عمر وهذا غلط ، والصحيح ابن أبي عمر .
قوله : ( وليست من عزائم السجود إلخ ) تمسك الشافعية بهذا الحديث على نفي السجدة في - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ومر الزيلعي على هذا وجمع الطرق كلها ، وقال : ظني أن هذه الروايات بطرقها كونها لنا أولى من كونها علينا ، أقول : كلام الزيلعي نعم الحق كما تدل الطرق منها ما في البخاري ص ( 209 ) في كتاب التفسير عن ابن عباس ، ومنها ما في البخاري ص ( 486 ) ج ( 3 ) : ليست من عزائم السجود ، ورأيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسجد فيها إلخ ، فرجحان ابن عباس إلى السجدة في - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فغرض ابن عباس من
ج2ص73
قوله : ليست من عزائم السجود ، وبيان حقيقة سجدة - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي أنها سجدة شكر لنا ، وسجدة توبة لداود ، كما في سنن النسائي مرفوعاً ، وأخرج الطحاوي أيضاً رواية ابن عباس فليراجع إليها فإنها مفيدة لنا ، ويمكن أن يقال : إن غرضه أنها ليست من عزائم السجود بل يكفي الركوع .
قوله : ( والشافعي إلخ ) لا يقول الشافعي في - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسجدة في داخل الصلاة ، بل يقول باستحبابها في خارج الصلاة ، فلا أعلم وجه قول الترمذي هذا .
*2*باب في السجدة في الحج
باب في السجدة في الحج
(2/129)
- الحديث رقم: 578
تمسك الشافعية بحديث الباب ، ونقول : إن في سنده ابن لهيعة ، وأما ما في أبي داود ص ( 206 ) ففيه قوة شيء ما في الباب ، فإن فيه : روى عبد اللّه بن وهب عن ابن لهيعة وتكون رواية العبادلة عن ابن لهيعة أعدل لكنها لا تبلغ مرتبة الحسن لذاته ، وفي أبو داود ص ( 206 ) بسند آخر ولكن فيه عبد اللّه بن منين وهو مستور الحال ، فالحاصل أن أحداً من طرق حديث الباب لا يخلو من ضعف أو لين ، ولنا ولهم آثار لا مرفوع لأحد ، ولهم أثر عمر ، ولنا أثر ابن عباس ، ولو سلمنا أن في الحديث قوة شيء فنقول : إن سجدة الثانية سجدة صلاتية لا تلاوية ، فإن المذكور معها ركوع ، واستقراء العلماء أن السجدة المذكور بها الركوع سجدة صلاة .
قوله : ( وابن عمر أنها إلخ ) روى الطحاوي عن ابن عمر أن في الحج سجدة واحدة وأقول ذكر شمس الدين بن الجزري شيخ القراء في رسالته < النشر في قراءة العشر > : أن جزئية التسمية للسورة وعدم جزئيتها بني على القراءتين ، فإنها جزء على قراءة ، وليست بجزء على قراءة وكذا الوقف على < أنعمت عليهم > وعدم الوقف مبني على اختلاف القراءتين ، وهذا ذكره البقاعي عن الحافظ ذكر الزرقاني ، ولقد رضي بهذا السيوطي والقسطلاني وغيرهما ، وأقول : إن الاختلاف في السجدة في
ج2ص74
الحج لعله مبني على اختلاف القراءات والأحرف ، وشبيه هذا ما ذكر بعض الأحناف مثل رد المحتار أن موضع السجدة في { أَلَّا يَسْجُدُوا } [ النمل : 25 ] يختلف على الاختلاف في تشديد ألا وتخفيفها ، فلو قرأت مشددة يكون موضع السجدة غير ما يكون على قراءة تخفيفها ، روي عن أبي حنيفة أن سجدة الشكر فقط ليست بشيء ، ففي تفسير قوله قولان ؛ قيل : نفي السجدة من الرأس ، وقيل : نفي كمال الشكر ، وهذا القول نسبه الحموي في حاشية الأشباه والنظائر إلى محمد بن حسن ، وروى أن مالكاً يقول : لا سجدة للشكر .
*2*باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن
(2/130)
باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن
(2/131)
- الحديث رقم: 579
عندنا لو سجد في الصلاة يسبح تسبيحات الصلاة ولو سجد خارجها يقرأ ما هو مأثور .
قوله : ( من عبدك داود إلخ ) في الحديث سجدة داود بلفظ السجدة ، وفي القرآن بلفظ الركوع .
قوله : ( سجد وجهي للذي الخ ) هذا مستدلنا على أن حقيقة السجدة وضع الجبهة بشرط وضع إحدى الرجلين ، فإنه عليه الصلاة والسلام نسب السجدة إلى الوجه فإن حقيقة السجدة يتقوم بالوجه .
ج2ص75
*2*باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام
باب ما جاء من التشديد في الذي يرفع رأسه قبل الإمام
(2/132)
- الحديث رقم: 582
هذا مكروه تحريماً عندنا وفي أقوال باقي الأئمة أيضاً ضيق .
قوله : ( إنما قال : أما يخشى إلخ ) غرضه أن قوله عليه الصلاة والسلام هذا إنما هو تهديد وتخويف لا إخبار لأن خبر الشارع لا بد من وقوعه ، وأقول : لعله يكون التحويل في القيامة حقيقة ، فإن في القيامة تكون المعاني مصورة .
*2*باب في الذي يصلى الفريضة ثم يؤم الناس بعد ما صلى
باب في الذي يصلى الفريضة ثم يؤم الناس بعد ما صلى
(2/133)
- الحديث رقم: 583
هذه مسألة اقتداء المفترض خلف المتنفل . وذلك جائز عند الشافعي ، وغير جائز عند أبي حنيفة
ج2ص76
ومالك ، وعند أحمد روايتان ورجح أبو البركات مجد الدين بن تيمية في المنتفي ص ( 51 ) رواية عدم الجواز ، وفي تمهيد أبي عمر أن عدم الجواز مذهب جمهور العلماء والفقهاء .
قوله : ( يصلي المغرب إلخ ) قال البيهقي في معرفة السنن والآثار : إن لفظ المغرب معلول لتصريح العشاء في سائر الروايات ، وعبارة البيهقي تشير إلى الاتفاق على الإعلال ، وتأول البعض في لفظ المغرب .
تمسك الشافعية بحديث الباب على جواز الاقتداء المذكور ، وقالوا : إن معاذاً كان يصلي الفريضة خلفه عليه الصلاة والسلام ويتطوع أي يعيد في بني سلمة وكانت تقع نافلة ، وأجاب الطحاوي عن هذا بثلاثة أوجه ؛
أحدها : أنا لا نسلم أن معاذاً كان يصلي الفريضة خلفه عليه الصلاة والسلام والإعادة في بني سلمة فإنا نقول بعكسه أي كان يصلي خلفه عليه الصلاة والسلام صلاة العشاء أي صلاته عليه الصلاة والسلام ولكنه ما كان يريد به إسقاط ما في الذمة والفريضة ، بل كان يريد إسقاط ما في الذمة في بني سلمة في صورة من يريد أداء صلاة الإمام خلفه ، وما أراد فيها إسقاط الفريضة تكون صلاته نافلة في المآل ، وأنا عبرت بهذا التعبير كيلا يخالفنا لفظ الراوي ، وأما المشهور على الألسنة من قول : إن معاذاً كان يتطوع خلفه عليه الصلاة والسلام من أول الأمر فيخالفه لفظ الراوي ولا يقبله عاقل ، ولهذا عدلت من التعبير المشهور إلى تعبير الطحاوي ، ولله در القائل : والحق قد يعتريه سوء تعبير .
فالحاصل أنا قلنا بعكس ما قالوا ، وأيضاً نقول : إن الناقل هو جابر بن عبد اللّه ، ولم يطلع على ما نوى معاذ ، وما أفصح معاذ بنيته .
(2/134)
والوجه الثاني : أن تمسككم إنما يصح لو كان فعل معاذ بلغ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقرره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ونقول : إنه عليه الصلاة والسلام لما بلغه فعل معاذٍ أنكره كما في معاني الآثار ص ( 238 ) أن سليماً شكا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تطويل قراءة معاذ ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < أفتان أنت يا معاذ إما أن تصلي معي وأما أن تخفف على قومك > إلخ ، ورجال الحديث ثقات ، أخرجه أحمد في مسنده مرسلاً بسند قوي سنداً ومتناً ، ومر الحافظ على هذا الحديث وأجاب عنه بتقدير العبارة بأن المراد إما أن تصلي معي فقط وإما أن تخفف على قومك إلخ ، ونقول : إن التقدير خلاف الأصل ، وأقول : إن قوله عليه الصلاة والسلام : < إما أن تصلي معي > يدل على أن معاذاً لم يكن يصلي خلفه عليه الصلاة والسلام الصلاة المعهودة أي بالنية بإسقاط ما في الذمة ، ثم رأيت في عبارة أبي البركات مجد الدين بن تيمية قريب ما قلت هذا .
والوجه الثالث للجواب : أن فعل معاذ هذا إنما هو قبل نسخ تكرار الصلاة في وقت واحد ، وليعلم أن نسخ التكرار يستثنى منه ثلاث صور لأحاديث أخر :
إحداها : من صلى منفرداً ثم وجد الجماعة فأراد إحراز ثواب الجماعة لنفسه .
ج2ص77
وثانيتها : أن يصلي بالجماعة ليحصل ثواب الجماعة للغير بعد أن صلى بنفسه بالجماعة مثل فعل علي وأبي بكر .
وثالثها : أنه صلى منفرداً في عهد أئمة الجَور ثم ابتلي واضطر إلى إعادة ما صلى .
(2/135)
ثم مر ابن دقيق العيد في عمدة الأحكام على أجوبة الطحاوي ولما مر على الجواب الثالث قال : لم يذكر الطحاوي أن تكرار الصلاة كان جائزاً في حينٍ ما فإنه لم يأت بالسند ، ولما مر الحافظ على كلام ابن دقيق العيد قال : إنه لم يطلع على كلام الطحاوي فإنه قد أسند قوله وأتى بالرواية في صلاة الخوف ص ( 182 ) : أن أهل العوالي كانوا يصلون مرتين فنهاهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يصلوا صلاة في يوم مرتين ، إلخ . لما مرَّ الحافظ عليه ما تكلم في سنده جرحاً وتعديلاً ، أقول : إن رجال السند ثقات ومعروفون إلا خالد بن أيمن المعافري فإنه ليس بمذكور في كتب الرجال ، ولكنه لا يضرنا فإن قراءة عمرو بن شعيب تلك الرواية على سعيد بن المسيب وتصديق ابن المسيب الرواية كاف لنا لأن سعيد بن مسيب لا ريب في ثقته ، فإن الشافعي يقبل مراسيله ، وهو من أفضل التابعين وقيل : الأفضل أويس القرني ، وقيل : زين العابدين ، ثم أقول : إن خالد بن أيمن المعافري هو حفيد أم أيمن وابن أيمن ، ولي في هذا قرائن ، منها أن في مسند أحمد راوياً خالد بن عبيد المعافري وعلم من الخارج أن عبيداً زوج أم أيمن قبل أن نكحها زيد بن حارثة ، ويقولون : إن عبيداً معافري فعلمت أن خالداً في الطحاوي هو عين خالد في مسند أحمد إلا أنه نسب في الطحاوي إلى أبيه أي أيمن ، وفي مسند أحمد نسب إلى جده عبيد ، فأصل نسبه خالد بن أيمن بن عبيد المعافري وقرائن أخر ، وهذا كان تبرعاً مني لأن خالداً ليس بموقوف عليه لمستدلنا بل صدقه سعيد ، ثم عارض الطحاوي الشافعية برواية مرفوعة عن ابن عمر قال : قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < لا تصلوا صلاة في يوم مرتين > ، وفي بعض الألفاظ : < لا تصلوا صلاةً مكتوبةً في يوم مرتين > أخرجها النسائي وأبو داود وغيرهما ، وتأول الشافعية فيها بأن مراده النهي عن التكرار بلا سبب ، ويكون التكرار بالاختيار كما قال الخطابي
(2/136)
، أقول : إن صلاة معاذ خلفه عليه الصلاة والسلام كانت أفضل فأي سبب لإعادته صلاته؟ وإن قيل : كان معاذ أقرأهم ولم يكن في بني سلمة قارئاً ، فهذا الاحتمال بعيد غاية البعد ، فإن فيهم جابراً وغيره ، وهل يقول أحد : إنهم كانوا غير قارئين قدر ما تصح به الصلاة؟ وتأول بعضهم بأن مورد النهي إنما من صلى بالجماعة ثم أعادها في الجماعة ثم إذا يذكرون هذه المسألة ، فيقول البعض : إن كانت الجماعة الثانية ذات فضيلة يعيدها وإلا فلا ، والبعض يترددون في المسألة ، ونقول : إن آية جماعة أفضل من جماعة يكون إمامها نبي الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والحق أن دليلنا ناهض ومعارضة الطحاوي قوية ، ونقول : إن النهي منسحب على فعل معاذ أيضاً ، وفعل معاذ متقدم فإنه قبل غزوة أحد لما أن سليماً لما شكا إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال معاذ : إنك منافق ، قال سليم : ستعلم أني منافق أم مخلص لو جاء الله بأمر بيننا ، فشهد سليم أحداً واستشهد ، وقال معاذ : صدق الرجل ، فدل على أن فعل معاذ متقدم ، ثم نخرج الجزئيات الثلاثة الواردة المذكورة
ج2ص78
(2/137)
أولاً من حديث ابن عمر ولكنه منسحب على فعل معاذ كما يدل تبويب أبي داود ص ( 85 ) باب : إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أيعيد؟ ثم ذكر تحته حديث ابن عمر ، وفعل ابن عمر ، عن سليمان قال : أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون فقلت : ألا تصلي معهم؟ قال قد صليت ، إني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : < لا تصلوا صلاة في يوم > إلخ ، وكذلك تبويب النسائي ص ( 145 ) سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة ، ثم ذكر تحته حديث ابن عمر ثم أورد على جوابنا الأول بأن في سنن الدارقطني والبيهقي ورواية الشافعي زيادة : < هي له تطوع ولهم فريضة > إلخ في رواية جابر ، أقول : نقل أبو البركات ابن تيمية عن أحمد كما في العمدة ، وعن ابن الجوزي وابن العربي عن أحمد بن حنبل : أخشى أن لا تكون هذه الزيادة محفوظة إلخ ، أي لعلها من إدراج الراوي وبعض الحفاظ الآخرين أيضاً أعلوها ، وأقول : إن هذه الزيادة إنما هي من ابن جريح عن ابن دينار ، ولا يذكرها غير ابن جريح وتدل عليه فتيا ابن جريح ، وأقول أيضاً : في مختصر المزني ومسند الشافعي قال المزني والأصم صاحب النسخة : إن هذه الزيادة وجدتها عن ابن جريح عن ابن دينار ولم تكن هذه عندي ، فدل قوله : إن هذه الزيادة ليست في رواية الشافعي ، فكيف يقولون : إنها في رواية الشافعي؟ ثم نتنزل ، ونقول : إن معنى هذه الزيادة إنها له تطوع أي خصلته هذه تطوع ويطوع نفسه ، لا إن كانت صلاته تطوعاً ، سيما إذا كان في لفظ الدارقطني < وهي له نافلة > أي مجاناً لا التطوع ، وقد يطلق لفظ النافلة على الفريضة كما قلت في أول الكتاب في بحث صلاة أئمة الجور ، ثم لي جواب آخر كنت استخرجته ثم رأيت بعد مدة في شرح أبي بكر بن العربي على الترمذي بعين ما قلت ، وصورة الجواب : أن معاذاً لم يكن يصلي بالقوم صلاته خلفه عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم في ذلك الوقت بل في يوم آخر ولا لفظ يدل على أنه يصلي
(2/138)
بهم صلاته خلفه عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم والوقت إلا ما في البخاري أو غيره : < ويصلي بهم تلك الصلاة > إلخ ، ومراده عندي أن التشبيه إنما هو في الإطالة ، وكان يتعلم منه عليه الصلاة والسلام تطويل القراءة في يوم ثم يجزيه على من يقتديه في يوم آخر ، ونظير التشبيه في الإطالة ما مر في الترمذي في خطبة الاستسقاء < ولم يخطب خطبتكم هذه > إلخ أي مطولة ، وأما ما في أبي داود ص ( 115 ) عن جابر إلخ ، فأخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الصلاة ، وقال مرة العشاء ، فصلى معاذ مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم جاء يؤم قومه فقرأ البقرة إلخ ، فمراده أنه تعلم التأخير عنه عليه الصلاة والسلام يوماً ثم أجراه على قومه في يوم آخر ، ثم أقول : إن وقائع معاذ متعددة ، فإن في البخاري ص ( 98 ) رواية تطويل معاذ صلاة الصبح ، ومر عليها الحافظ ، وقال : قيل : إنه معاذ ، والحق إنه أبي بن كعب ، لأن الواقعة واقعة قبا وإمام قبا كان أُبِيّ ، أقول : إن الرواية التي تمسك بها الحافظ أنه أبي بن كعب في سندها عيسى بن جارية وضعفه أكثر المحدثين ، وعندي رواية صريحة في أن معاذاً كان إمام قبا أيضاً في وقت ما ، وأقول : إنه لم يثبت في رواية من الروايات أن معاذاً صلى الفجر خلفه عليه الصلاة والسلام ثم أتى بني سلمة أو قبا فإذا لم يثبت فنقول : إنه لا يصلي
ج2ص79
بهم الصلاة التي صلاها خلفه عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم والوقت ، والله أعلم بالصواب .
قوله : ( فإن صلاة المقتدى فاسدة إلخ ) احتج بعض الأحناف على الفساد برواية : < إنما جعل الإمام ليؤتم به > إلخ أقول : لا يحتج بهذا فإن مراده أن الإمام إمام في أداء الأفعال ، ولا دخل فيه للنية ، والله أعلم وعلمه أتم .
*2*باب ما جاء من الرخصة في السجود على الثوب في الحرّ والبرد
باب ما جاء من الرخصة في السجود على الثوب في الحَرِّ والبرد
(2/139)
- الحديث رقم: 584
وقال الشافعي : لا تصح الصلاة والسجدة على الثوب الذي لبسه المصلي ، وقال أبو حنيفة : تصح الصلاة على الثوب الملبوس له ، وظاهر حديث الباب لأبي حنيفة .
*2*باب ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس
باب ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس
(2/140)
- الحديث رقم: 585
الحديث القولي في مضمون الباب ثابت وصحيح ، وأما فعله عليه الصلاة والسلام فنادر ، ويستحب للإمام والمصلي تبديل الموضع الذي صلى فيه المكتوبة وفي حق الإمام زيادة تأكيد لما في مسلم ص ( 288 ) عن معاوية رضي الله عنه : < أمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج إلى آخره > .
ج2ص80
قوله : ( كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلخ ) هل هذا الفعل إلا نادر؟ وعبره الراوي بطريق العادة والاستمرار .
قوله : ( كأجر حجة وعمرة إلخ ) التشبيه يمكن أن يكون في إلحاق العبادة الصغيرة بالكبيرة لا بيان أن هذا المصلي أحرز ثواب حجة وعمرة واختار الشارحون الثاني ، وأقول : إن حديث الباب يفيد بظاهره أن تقديم الحج على العمرة أيضاً شاكلة العبادة وإن كان مفرداً لا قارناً أو متمتعاً خلاف ما قال ابن قيم في الزاد : أن السنة تقديم العمرة على الحج ، والله أعلم .
*2*باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة
باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة
(2/141)
- الحديث رقم: 587
من اللفتة ، أي لَيُّ العنق ، ويجوز النظر بالعين عندنا ، ويكره بِلَيِّ العنق ، وأما بِلَيِّ الصدر فمفسد للصلاة ، والمذكور في الحديث هو النظر بِلَيِّ العنق .
ج2ص81
قوله : ( ففي التطوع إلخ ) دل الحديث على أن بين الفريضة والتطوع فرقاً ، وكذلك في الفقه فإن النافلة جائزة جالساً لا الفريضة .
قوله : ( اختلاس إلخ ) ( ربودن ) أي تكون الصلاة مقطوعة بعض الأجزاء لما في سنن أبي داود ص ( 115 ) : أن البعض يرجع بعشر الصلاة ، وبعضهم بربعها ، وبعضهم بنصفها ، وهكذا .
*2*باب ما جاء في الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع؟
باب ما جاء في الرجل يدرك الإمام ساجداً كيف يصنع؟
(2/142)
- الحديث رقم: 591
مدرك الركوع مدرك الركعة عند الجمهور ، وقال أبو هريرة : إن مدرك الركوع مدرك الركعة بشرط أن يدرك الإمام قبل انحناء الإمام إلى الركوع ، ولا يجب إدراك القراءة لما في موطأ مالك وبعض الكلام مر في باب القراءة خلف الإمام ، وفيه كلام مع البخاري في مذهب أبي هريرة ، وللجمهور حديث أبي داود : < من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ، ومن أدرك السجود لا تعتدها شيئاً > وتكلم فيه البخاري من قِبَل يحيى ، وللجمهور أيضاً ما في المطالب العالية أي أطراف ابن حجر نقله من مسند مسدد : < إن مُدرك الركوع مدرك الركعة لا مدرك السجدة > وصححه الحافظ مرفوعاً ، والحديث قولي فلا يضرنا كلام البخاري في جزء القراءة في الحديث السابق ، ولنا آثار كثيرة ، وأجلها ما روى أنس : أن القنوت في الفجر كان بعد الركوع فقدمه عثمان ليدرك الناس الركوع ، كما في الفتح وقال الشوكاني : لا دليل للجمهور على هذه المسألة ، وبالغ في نيل الأوطار ثم رجع في فتاواه إلى قول الجمهور .
ج2ص82
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ج2ص83
*2*باب ما جاء في تطييب المسجد وتنظيفه
باب ما جاء في تطييب المسجد وتنظيفه
(2/143)
- الحديث رقم: 594
لقد ثبت التجمير من عهده عليه الصلاة والسلام ، وفي الروايات ما يدل على تنظيف المسجد أي كنسه ، فإن امرأة كانت تنظف المسجد كل يوم فماتت ، فدفنها الصحابة في ليلتها ، فسأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن حالها؟ فقالوا : ماتت فدفناها ، فقال : < لمَ ما أخبرتم إياي > ؟ قالوا : استكرهنا إيقاظك ، فذهب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على قبرها ، وكذلك ثبت التطييب لما في الروايات أن رجلاً بزق في المسجد فاستكرهه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتى رجل بخلوق فمس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك الخلوق على الموضع الذي بزق فيه الرجل ، وكذلك ثبت تجمير المسجد في عهد عمر .
قوله : ( وفي الدور إلخ ) الدار المحادة مثل دار بني قزعة ودار بني عبد الدار ، والدار في اللغة : ما يقال له : سراي خانه ، ويقال : الدار وإن هدم وبقي الآثار ، بخلاف البيت كما قيل ( شعر ) :
~ الدار دار وإن زالت حوائطها ... والبيت ليس بيتاً بعد تهديم
*2*باب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى
باب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى
(2/144)
- الحديث رقم: 597
قد استقصيت المذاهب أولاً ، والظاهر من حيث الحديث لمذهب صاحبي أبي حنيفة . واعلم أن الكلام في هذا طويل لا يمكن إحصاءه هاهنا ، وحديث < صلاة الليل مثنى مثنى > مرفوعاً فبلغ التواتر عن ابن عمر تواتر السند ، وأما حديث ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) مرفوعاً فأعله جمهور
ج2ص84
المحدثين ، وذكر ابن تيمية وجه الإعلال : أن في تتمة الحديث < فإذا خشي الصبح يصلي واحدة توتر له ما قد صلى > فالمذكور في التتمة هو حال الليل لا النهار فيكون في الأول أيضاً ذكر حال صلاة الليل فقط ، ويمكن لأحد أن يقول : إن المذكور في الأول الأمران وأخذ أحدهما في آخر الحديث ، والكلام في إعلال لفظ النهار في المرفوع أطول فلا أذكر إلا نبذة ، فأقول : قد أعله النسائي في الصغرى ، وقال : إنه خطأ ، وأعله ابن معين فإنه بلغه أن أحمد بن حنبل قائل بمثنى مثنى في الليل والنهار على رواية علي الأزدى عن ابن عمر أي رواية الباب ، فقال ابن معين : من علي الأزدي البارقي حتى أقبله وأترك ما روى يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر : أن ابن عمر كان يصلي بالليل مثنى مثنى وبالنهار أربعاً أربعاً ، وأعله ـ أي حديث < صلاة النهار مثنى مثنى > ـ أحمد بن حنبل ، كما في فتاوى ابن تيمية أن أحمد أعله في الآخرة إلخ ، فلعله ما أعله أولاً ، كما يدل عليه ما ذكرت أن ابن معين بلغه إلخ ، وكذلك أعلَّه الأكثرون ، وأما البخاري فصححه نقله البيهقي في السنن الكبرى عن ابن الفارس أنه صححه البخاري ، وفي السنن الكبرى عن البخاري قال : روى سعيد بن : أن ابن عمر كان لا يصلي أربعاً بالنهار بتسليمة واحدة ، فإذن لعله دار تصحيح حديث ابن عمر على عمله ، فأقول : إن عمل ابن عمر قد صح أربعاً بالنهار بأسانيد قوية ، منها ما في الترمذي ، ومنها ما نقله ابن معين عن يحيى عن نافع عن ابن عمر ، ومنها ما في الطحاوي ، وأما ما رواه البخاري فليس إلا بسند واحد ، فلا يمكن إنكار عمله
(2/145)
أربعاً بالنهار ، فإنه صححه ابن تيمية أيضاً ، فالترجيح في إعلال لفظ النهار في المرفوع للجمهور ، ثم روى الزيلعي : < صلاة الليل والنهار مثنى مثنى > في التخريج عن أبي هريرة مرفوعاً ورجال السند ثقات ، ومر عليه الحافظ في الدراية وتردد في أنه عن ابن عمر فوهم الراوي في ذكر أبي هريرة أو مروي عن أبي هريرة فصار متردداً فيه ، ثم روى الزيلعي بسند آخر عن عائشة : < صلاةُ الليل والنهار مثنى مثنى > مرفوعاً ولكن في سنده عامر بن خداش ، ولم أجد ترجمته ، وظني أنه ليس بصحيح ، ثم قال الزرقاني : إن في عمل ابن عمر أربعاً بالنهار لا تصريح بالتسليمة الواحدة ، بل يمكن أن تكون بتسليمتين ، أقول : فكيف التقابل بين مثنى عمله بالليل وأربع عمله بالنهار؟ وأيضاً في الطحاوي تصريح التسليمة الواحدة فلا يصح تأويل الزرقاني فالحاصل أن الترجيح لمذهب الصاحبين ، وأما : صلوة الليل والنهار مثنى مثنى ، موقوفاً على ابن عمر فلا ريب في صحته .
ج2ص85
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ج2ص86
*2*باب في كراهية الصلاة في لحف النساء
باب في كراهية الصلاة في لحف النساء
(2/146)
- الحديث رقم: 600
أي في ثيابهن لأن في ثيابهن احتمال التلوث ، فالشريعة الغراء تعتبر الاحتمالات الغالبة بخلاف أرباب الفتوى ، وكذلك لا يعتبرها أرباب المتون كما في مسألة الدجاجة المخلاة .
*2*باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع
باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع
(2/147)
- الحديث رقم: 601
في البحر الرائق : أن غلق الباب عمل كثير وفتحه عمل قليل ، ولا أعلم أي فارق بين الغلق والفتح ، وأما الخطوات فيحتاج الشافعية والحنفية إلى أنه عليه الصلاة والسلام ما خطا متوالياً فخطا خطوة أو خطوتين ، وإن انفصلت الخطوات فلا تنحصر في خطوتين بل تجوز خطوات منفصلة كما في كتب أهل المذهبين .
*2*باب ما ذكر في قراءة سورتين في ركعة
باب ما ذكر في قراءة سورتين في ركعة
(2/148)
- الحديث رقم: 602
يجوز السورتان في ركعة واحدة بلا كراهة شيء كما في الطحاوي ، وأما ما في الكبير شرح المنية ففيه ضيق والعبرة لما قال الطحاوي .
ج2ص87
قوله : ( السور النظائر إلخ ) أي المتساوية في الطول والقصر .
قوله : ( من المفصل إلخ ) سورتان من عشرين سورة ليستا من المفصل ، ولعله عمل الراوي بالتغليب والسور المقروءة له مذكورة في رواية أبي داود .
قوله : ( يقرن بين كل سورتين في ركعة إلخ ) استنبط شمس الدين الكرماني أن هذه الرواية تدل على الوتر ركعة واحدة ، فإن صلاته عليه الصلاة والسلام كانت إحدى عشر ركعة وعشر ركعات منها على نسق واحد والحادية عشر تكون منفردة ، أقول : قد ثبت صلاته عليه الصلاة والسلام ثلاث عشر ركعة وثبوتها في الصحيحين أيضاً .
*2*باب ما ذكر من فضل الصلاة بعد المغرب في البيت أفضل
باب ما ذكر من فضل الصلاة بعد المغرب في البيت أفضل
(2/149)
- الحديث رقم: 604
غرب المصنف حديث الباب ولم يحسنه ، وقد أخرجه النسائي في الصغرى فلا بد من كونه صحيحاً ، والأولى أداء السنن في البيت كما في الهداية ، ولم يصل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سنن المغرب في المسجد إلا في واقعة أو واقعتين في غير المسجد النبوي .
ج2ص88
قوله : ( ما زال يصلي في المسجد إلخ ) ظاهره أنه لم يخرج من المسجد حتى صلى العشاء الآخرة وتطوع في المسجد ، وعلى هذا يدل ما أخرجه الترمذي ص ( 319 ) عن حذيفة وتمشى الترمذي على ظاهره ، وعندي رواية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام خرج من المسجد بعد المغرب قبل العشاء ، والله أعلم .
*2*باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل
باب ما ذكر في الاغتسال عندما يُسْلِم الرجل

(2/150)


 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الإمام الترمذي سوسن أعلام السنة النبوية 0 03-01-2010 06:40 PM


الساعة الآن 11:51 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010