الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى كنوز السنّة النبوية > أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم > عون المعبود شرح سنن أبي داود

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-17-2010, 12:58 PM   #1
سوسن
رئيس


الصورة الرمزية سوسن
سوسن غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : 10-21-2014 (08:08 PM)
 المشاركات : 30,026 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
 اوسمتي
الكاتب المميز 
لوني المفضل : Cadetblue
Oo5o.com (11) أول كتاب الفتن والملاحم



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك


باب ذكر الفتن ودلائلها
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الفتن والملاحم

4233- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن حُذَيْفَةَ قالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَائِماً فَمَا تَرَكَ شَيْئاً يَكُونُ في مَقَامِهِ ذَلِكَ إلَى
ـــــــ
"أول كتاب الفتن والملاحم"
قال العيني: الفتن بكسر الفاء جمع فتنة وهي المحنة والفضيحة والعذاب، ويقال أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه وآئل إليه كالكفر والإثم والفضيحة والفجور وغير ذلك انتهى. والملاحم جمع ملحمة وهو موضع القتال، إما من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها أو من لحمة الثوب لإشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب لسداه، والأول أنسب وأقرب. وفي مشارق الأنوار: ملاحم القتال معاركها وهي مواضع القتال، ولكن قال في القاموس الملحمة الوقعة العظيمة، وفي الصراح ملحمة فتنة وحرب بزركك.
"باب ذكر الفتن ودلائلها"
"قام" أي خطيباً واعظلاً "فينا" أي فيما بيننا أو لأجل أن يعظنا ويخبرنا بما سيظهر من الفتن لنكون على حذر منها في كل الزمن "قائماً" هكذا في جميع نسخ الكتاب والظاهر قياماً وفي رواية مسلم مقاماً "شيئاً يكون" بمعنى يوجد صفة شيئاً، وقوله "في مقامه" متعلق بترك
ـــــــ
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وما بي أن لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى في ذلك شيئا لم يحدثه غيري ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعد الفتن: "منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا ومنهن فتن كرياح الصيف صغار ومنها كبار" قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.

قِيَامِ السّاعَةِ إلاّ حَدّثَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ من نسيهِ، قَدْ عَلِمَهُ أصْحَابِي [أصحابه] هَؤُلاء، وَإنّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشّيْءُ فاذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرّجُلُ وَجْهَ الرّجُلِ إذَا غَابَ عَنْهُ ثُمّ إذَا رَآهُ عَرَفَهُ" .
ـــــــ
"ذلك" صفة مقامه إشارة إلى زمانه صلى الله عليه وسلم، وقوله "إلى قيام الساعة" غاية ليكون، والمعنى قام قائماً، فما ترك شيئاً يحدث فيه، وينبغي أن يخبر بما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة "إلا حدثه" أي ذلك الشيء الكائن "حفظه من حفظه" أي المحدث به "قد علمه" أي هذا القيام أو هذا الكلام بطريق الإجمال "هؤلاء" أي الموجودون من جملة الصحابة، لكن بعضهم لا يعلمونه مفصلاً لما وقع لهم بعض النسيان الذي هو من خواص الإنسان، وأنا الآخر ممن نسي بعضه، وهذا معنى قوله "وإنه" أي الشأن "ليكون" منه الشيء واللام في ليكون مفتوحة على أنه جواب لقسم مقدر، والمعنى: ليقع شيء مما ذكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد نسيته. وفي رواية البخاري ومسلم: وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته "فأذكره" أي فإذا عاينته تذكرت ما نسيته "إذا غاب عنه" أي ثم ينس. وفيه كمال علمه صلى الله عليه وسلم بما يكون وكمال علم حذيفة واهتمامه بذلك واجتنابه من الآفات والفتن.
وقد استدل بهذا الحديث بعض أهل البدع والهوى على إثبات الغيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا جهل من هؤلاء، لأن علم الغيب مختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن الله بوحى، والشاهد لهذا قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} أي ليكون معجزة له. فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من أعلام الله له به إعلاماً على ثبوت نبوته ودليلاً على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم.
قال على القارىء في شرح الفقه الأكبر: إن الأنبياء لم يعلموا المغيبات من الأشياء إلا ما
ـــــــ
وفي الصحيحين عن شقيق عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال قال قلت أنا قال إنك لجرىء قال وكيف قال قلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فقال عمر: ليس هذا أريد وإنما أريد التي تموج كموج البحر قال فقلت ومالك ولهاياأمير المؤمنين أن بينك وبينها بابا مغلقا قال أفيكسر الباب أم يفتح قال قلت لا بل يكسر قال ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا قال فقلنا لحذيفة هل كان عمر يعلم من الباب قال نعم كما يعلم أن دون غد ليلة إني حدثته حديثا ليس بالأغاليظ قال فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب فقلنا لمسروق: سله. فسأله فقال عمر.
(11/205)
2- باب النهي عن السعي في الفتنة :
4248 - حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيعٌ عن عُثْمانَ الشّحّامِ قالَ حدّثني مُسْلِمُ بنُ أبي بَكْرَةَ عن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ يَكُونُ المُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْراً مِنَ الْجَالِسِ، وَالْجَالِسُ خَيْراً مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْراً مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْراً مِنَ السّاعِي.قالَ: يَا رَسُولَ الله ما تَأْمُرُنِي؟ قالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ إبْلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بأَرْضِهِ قالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءُ مِنْ ذَلِكَ؟ قالَ: فَلْيَعْمِدْ إلَى سَيْفِهِ فَلْيَضْرِبْ بِحَدّهِ عَلَى حَرّةٍ ثُمّ لِيَنْجُو [لينج] ما اسْتَطَاعَ النّجَاءَ" .
ـــــــ
"باب النهي عن السعي في الفتنة"
"إنها" أي القصة "ستكون" أي ستوجد وتحدث وتقع "المضطجع فيها" أي في الفتنة "من الجالس" لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا يسمعه المضطجع، فيكون أقرب من عذاب تلك الفتنة بمشاهدته ما لا يشاهده المضطجع "والجالس" في الفتنة يكون "خيراً من القائم" لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا يسمعه الجالس، ويمكن أن يكون المراد بالجالس هو الثابت في مكانه غير متحرك لما يقع من الفتنة في زمانه، والمراد بالقائم ما يكون فيه نوع باعث وداعية لكنه متردد في إثارة الفتنة "والقائم" في الفتنة أي من بعيد متشرف عليها أو القائم بمكانه في تلك الحالة "من الماشي" أي من الذاهب على رجله إليها "من الساعي" أي من المسرع إليها ماشياً أو راكباً "قال يا رسول الله" أي أبو بكرة "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "إبل" أي في البرية "له أرض" أي عقار أو مزرعة بعيدة عن الخلق "فليلحق بأرضه" فإن الاعتزال والاشتغال بخويصة الحال حينئذ واجب لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال "قال" أي أبو بكرة "فمن لم يكن له شيء من ذلك" أي فأين يذهب وكيف يفعل "قال" أي النبي صلى الله عليه وسلم "فليعمد" بكسر الميم أي
(11/224)
4249- حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الرّمْلِيّ أخبرنا المُفَضّلُ عن عَيّاشٍ عن بُكَيْرٍ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن حُسَيْنِ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الأشْجَعِيّ أنّهُ سَمِعَ سَعْدَ بنَ أبِي وَقّاصٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في هَذَا الحديثِ قال: قلْتُ يَا رَسُولَ الله أرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ عَلَيّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قالَ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: كُنْ كَابْنِ آدَمَ، وَتَلاَ يَزِيدُ {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} الآية.
4250- حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمانَ أخبرنا أبي أخبرنا شِهَابُ بنُ خِراشٍ عن الْقَاسِمِ بنِ غَزْوَانَ عن إسْحَاقَ بنِ رَاشِدٍ الْجَزَرِيّ عن سَالِمٍ قال حدّثني عَمْرُو بنُ وَابِصَةَ الأسَدِيّ عن أبِيهِ وَابِصَةَ عن ابنِ مَسَعُودٍ قالَ سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فَذَكَرَ
ـــــــ
فليقصد "إلى سيفه" أي إن كان له "فليضرب بحده" أي جانب سيفه الحاد "على حرة" في المصباح الحرة بالفتح أرض ذات حجارة سود انتهى. وهو كناية عن ترك القتال، والمعنى فليكسر سلاحه كيلا يذهب به إلى الحرب، لأن تلك الحروب بين المسلمين فلا يجوز حضورها "ثم لينج" بكسر اللام ويسكن وبفتح الياء وسكون النون وضم الجيم أي ليفر ويسرع هرباً حتى لا تصيبه الفتن "النجاء" بفتح النون والمد أي الإسراع قاله القاري.
وفي فتح الودود: النجاء الخلاص أي ليخرج من بين أهل الفتنة انتهى. وفي النهاية والنجاء السرعة يقال نجا ينجو نجاء إذا أسرع، ونجا من الأمر إذا خلص انتهى.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه وأبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث كني بأبي بكرة لأنه تدلى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف ببكرة، وقيل في اسمه غير ذلك.
"في هذا الحديث" المذكور آنفاً "قال" سعد "أرأيت" أي أخبرني "كابن آدم" المطلق ينصرف إلى الكامل وفيه إشارة لطيفة إلى أن هابيل المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل القاتل الظالم كما قال تعالى في حق ولد نوح عليه الصلاة والسلام {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} كذا في المرقاة وفي بعض النسخ كابني آدم، وفي بعض النسخ كخير ابني آدم أي فلتستسلم حتى تكون قتيلاً كهايبل ولا تكن قاتلاً كقابيل "وتلا" أي قرأ "يزيد" ابن خالد المذكور. والحديث سكت عنه المنذري.
"أخبرنا شهاب بن خراش" بكسر المعجمة ثم راء "عن أبيه وابصة" له صحبة وهو بفتح الواو وبعد الألف ياء موحدة مكسورة وصاد مهملة مفتوحة وتاء تأنيث قاله المنذري.
(11/225)
بَعْضَ حَدِيثَ أبي بَكْرَةَ قالَ: "قَتْلاَهَا كلّهُمْ في النّارِ. قالَ فيهِ قلْتُ مَتَى ذَاكَ يَا ابْنُ مَسْعُودٍ؟ قالَ: تِلْكَ أيّامُ الْهَرْجِ حَيْثُ لا يَأْمَنُ الرّجُلُ جَلِيسَهُ. قلْتُ: فمَا تَأْمُرُنِي إنْ أدْرَكَنِي ذَلِكَ الزّمَانُ؟ قال: تَكُفّ لِسَانَكَ وَيَدَكَ وَتَكُونُ حِلْساً مِنْ أحْلاَسِ بَيْتِكَ فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ طَارَ قَلْبِي مَطَارَهُ فَرَكِبْتُ حتّى أتَيْتُ دِمَشْقَ فلَقِيتُ خُرَيْمَ بنَ فَاتِكٍ فَحَدّثِتُهُ فَحَلَفَ بالله الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ لِسَعَهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم كَمَا حَدّثَنِيهِ ابنُ مَسْعُودٍ" .
4251 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن مُحمّدِ بنِ جُحَادَةَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ ثَرْوَانَ عن هُزَيْلٍ عن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ فَتِنَا كَقَطَعِ اللّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرّجُلُ فيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فيهَا خَيْرٌ
ـــــــ
"قتلاها" جمع قتيل والضمير للفتنة "كلهم في النار" قال القاضي رحمه الله المراد بقتلاها من قتل في تلك الفتنة وإنما هم من أهل النار لأنهم ما قصدوا بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين أو دفع ظالم أو إعانة محق، وإنما كان قصدهم التباغي والتشاجر طمعاً في المال والملك كذا في المرقاة "أيام الهرج" بفتح فسكون الفتنة "وتكون حلساً من أحلاس بيتك" أحلاس البيوت ما يبسط تحت حر الثياب فلا تزال ملقاة تحتها، وقيل الحلس هو الكساء على ظهر البعير تحت القتب والبرذعة شبهها به للزومها ودوامها، والمعنى الزموا بيوتكم والتزموا سكوتكم كيلا تقعوا في الفتنة التي بها دينكم يفوتكم "فلما قتل" قائله هو وابصة "طار قلبي مطاره" أي مال إلى جهة يهواها وتعلق بها، والمطار موضع الطيران كذا في المجمع "خريم" بالتصغير.
قال المنذري: في إسناده القاسم بن غزوان وهو شبه مجهول، وفيه أيضاً شهاب بن خراش أبو الصلت الجرشي، قال ابن مبارك ثقة، وقال الإمام أحمد وأبو حاتم الرازي لا بأس به، وقال ابن حبان: كان رجلاً صالحاً وكان ممن يخطىء كثيراً حتى خرج عن حد الاحتجاج به عند الاعتبار، وقال ابن عدى: وفي بعض رواياته ما ينكر عليه انتهى كلام المنذري.
"محمد بن جحادة" بضم الجيم وتخفيف المهملة ثقة من الخامسة "إن بين يدي الساعة" أي قدامها من أشراطها "فتناً" أي فتناً عظاماً ومحناً جساماً "كقطع الليل المظلم" بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها.
قال الطيبي رحمه الله: يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها "فيها" أي في تلك الفتن انتهى.ويصبح كافراً الظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء تقلب الناس فيها وقت دون وقت لا بخصوص الزمانين فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم وتنوع أفعالهم من
(11/226)
مِنَ السّاعِي فَكَسّرُوا قِسِيّكُم وَقَطّعُوا أوْتَارَكُم وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُم بِالْحِجَارَةِ، فإنْ دُخِلَ - يَعني عَلَى أحَدٍ مِنْكُم فليَكُنْ كَخَيْرٍ ابْنَيْ آدَمَ" .
4252 - حدثنا أبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِيّ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن رَقْبَةَ بنِ مَصْقَلَةَ عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ - يَعني ابنَ سَمُرَةَ - قال: كُنْتُ آخِذاً بِيَدِ ابنِ عُمَرَ في طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ إذْ أتَى عَلَى رَأْسٍ مَنْصُوبٍ فقالَ: شَقِيَ قَاتِلُ هَذَا، فَلمّا مَضَى قال: وَمَا أُرَى هَذَا إلاّ قَدْ شَقِيَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ مَشَى إلَى رَجُلٍ مِنْ أُمّتِي لِيَقْتُلَهُ فَلْيَقُلْ هَكَذا، فالْقَاتِلُ في النّارِ، وَالْمَقْتُولُ في الْجَنّةِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثّوْرِيّ عن عَوْنٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سُمَيْرٍ أوْ سُمَيْرَةَ،
ـــــــ
عهد ونقض وأمانة وخيانة ومعروف ومنكر وسنة وبدعة وإيمان وكفر "القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيه خير من الساعي" أي كلما بعد الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤل أمرها إلى محاربة أهلها، فإذا رأيتم الأمر كذلك "فكسروا قسيكم" بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة لأن باب التفعيل للتكثير "وقطعوا" من التقطيع "أو تاركم" جمع وتر بفتحتين.
قال القارىء: فيه زيادة من المبالغة إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسى أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير "واضربوا سيوفكم بالحجارة" أي حتى تنكسر أو حتى تذهب حدتها، وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح "فإن دخل" بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله "على أحد منكم" من بيانية "فليكن" أي ذلك لأحد "كخير ابني آدم" أي فليستسلم حتى يكون قتيلاً كهابيل ولا يكون قاتلاً كقابيل.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب، وعبد الرحمن بن ثروان هذا تكلم فيه بعضهم ووثقه يحيى بن معين واحتج به البخاري.
"عن رقبة" بقاف وموحدة مفتوحتين "عن عون بن أبي جحيفة" بضم الجيم وفتح الحاء المهملة "على رأس منصوب" لعله رأس ابن الزبير رحمه الله "فقال" أي ابن عمر "فليقل هكذا" أي فليقل هكذا، وفي بعض النسخ يعني فليمد عنقه وهو تفسير لقوله هكذا من مشى إلى رجل لقتله فليمد ذلك الرجل عنقه إليه ليقتله لأن القاتل في النار والمقتول في الجنة، فمد العنق إليه سبب لدخول الجنة.
"قال أبو داوود إلخ" غرض المصنف رحمه الله من هذا الكلام بيان الاختلاف في اسم والد عبد الرحمن "رواه الثوري عن عون عن عبد الرحمن بن سمير أو سميرة" أي روى
(11/227)
وَرَوَاهُ لَيْثُ بنُ أبي سُلَيْمٍ عن عَوْنٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ سُمَيْرَةً.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قال لِي الْحَسَنُ بنُ عَلِيّ حدثنا أبُو الْوَلِيدِ - يَعني بِهَذا الْحَدِيثِ عن أبِي عَوَانَةَ، وقال: هُوَ في كِتَاب ابنُ سَبْرَةَ وَقالُوا: سَمُرَةَ، وَقالُوا: سُمَيْرَةَ. هَذَا كَلاَمُ أبي الْوَلِيدِ.
4253 - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أبي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن المُشَعّثِ بنِ طَرِيفٍ عن عَبْدِ الله بنِ الصّامِتِ عن أبي ذَرّ قالَ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا أبَا ذَرَ، قُلْتُ: لَبّيْكَ يَا رَسُولَ الله وَسعْدَيْكَ. فَذَكَرَ الحديثَ قالَ فِيهِ: كَيْفَ أنْتَ إذَا
ـــــــ
بالشك بين سمير مصغراً وبين سميرة مصغراً مع التاء "ورواه ليث بن أبي سليم عن عون عن عبد الرحمن بن سميرة" أي روى ليث بلفظ سميرة مصغراً مع التاء ولم يشك كما شك الثوري "وقال هو في كتابي ابن سبرة إلخ" يعني قال أبو الوليد إن اسم والد عبد الرحمن في كتابي سبرة بفتح السين المهملة وفتح الموحدة، وقال بعضهم سمرة بفتح السين وضم الميم، وقال بعضهم سميرة بالتصغير مع التاء.
قال المنذري: وحكى أبو داوود اختلاف الرواة في اسم والد عبد الرحمن بن سمير أو سميرة وسبرة وسمرة، وذكر البخاري في تاريخه الكبير عبد الرحمن هذا وذكر الخلاف في اسم أبيه وقال حديثه في الكوفيين، وذكر له هذا الحديث مقتصراً منه على المسند. وقال الدارقطني: تفرد به أبو عوانة عن رقبة عن عون ابن أبي جحيفة عنه يعني عبد الرحمن بن سمير انتهى كلام المنذري.
"عن المشعث" بتشديد بعدها مثلثة ويقال منبعث بسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة ثم مثلثة كذا في التقريب "فذكر الحديث" أورد البغوي في المصابيح عن أبي ذر قال: "كنت رديفاً خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على حمار فلما جاوزنا بيوت المدينة قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة جوع تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجوع؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تعفف يا أبا ذر، قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى أنه يباع القبر بالعبد، قال: قلت: الله أعلم ورسوله، قال:تصبر يا أبا ذر، قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل تغمر الدماء أحجار الزيت؟ قال: الله أعلم ورسوله، قال: تأتي من أنت منه، قال: وألبس السلام؟ قال: شاركت القوم إذاً، قلت: فكيف أصنع يا رسول الله، قال: إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فالق ناحية ثوبك على وجهك ليبوء بإثمك وإثمه" قال:صاحب المشكاة والعلامة الأردبيلي في الإزهار شرح المصابيح: الحديث رواه أبو داوود. وقال ميرك: وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين انتهى.
(11/228)
أصَاب النّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتَ فِيهِ بالْوَصِيفِ - يَعني القْبْرَ - قال قلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، أوْ قالَ مَا خَارَ الله لِي وَرَسُولُهُ. قالَ: عَلَيْكَ بالصّبْرٍ، أو قالَ تَصْبّرْ. ثُمّ قالَ لِي: يَا أبَا ذَرَ. قُلْتُ: لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. قالَ: كَيْفَ أنْتَ إذَا رَأَيْتَ أحْجَارَ الزّيْتِ قَدْ غِرِقَتْ
ـــــــ
قلت: حديث أبي ذر باللفظ الذي ساقه البغوي في المصابيح وعزاه مخرجوه إلى أبي داوود ليس في النسخ التي بأيدينا من رواية اللؤلؤي فلعله من رواية غير اللؤلؤي ولم أقف على ذلك والله أعلم.
"إذا أصاب الناس موت" أي بسبب القحط أو وباء من عفونة هواء أو غيرها "يكون البيت فيه بالوصيف" قال الخطابي: البيت ها هنا القبر، والوصيف الخادم، يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت أو دفنه إلا أن يعطي وصيفاً أو قيمته والله أعلم.
وقد يكون معناه أن يكون مواضع القبور عنهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف انتهى.
وقد تعقب التوربشتي رحمه الله على هذا المعنى الثاني حيث قال وفيه نظر لأن الموت وإن استمر بالأحياء وفشا فيهم كل الفشو لم ينته بهم إلى ذلك وقد وسع الله عليهم الأمكنة.
وأجيب بأن المراد بموضع القبور الجبانة المعهودة وقد جرت العادة بأنهم لا يتجاوزون كذا في المرقاة.
قلت: وقع في رواية المصابيح والمشكاة المذكورة آنفاً "كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى إنه يباع القبر بالعبد" فهذه الرواية تؤيد المعنى الثاني، وهذا المعنى هو المتعين، لأن الحديث يفسر بعضه بعضاً والله أعلم.
وقيل: معناه أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلة من يسكنها فيباع بيت بعبد مع أن قيمة البيت تكون أكثر من قيمة العبد على الغالب المتعارف. وقيل معناه أنه لا يبقى في كل بيت كان فيه كثير من الناس إلا عبد يقوم بمصالح ضعفة أهل ذلك البيت. وأنت تعلم أن هذين المعنيين يحتملهما لفظ المؤلف أبي داوود. وأما لفظ المصابيح والمشكاة المذكور فكلاً كما لا يخفى على المتأمل.
"يعنى القبر" تفسير للبيت من بعض الرواة "والله ورسوله أعلم" أي بحالي وحال غيري في تلك الحال وسائر الأحوال "أو قال" للشك "ما خار الله" أي اختار "تصبر" قال القارىء: بتشديد الموحدة المفتوحة أمر من باب التفعل، وفي نسخة تصبر مضارع صبر على أنه خبر بمعنى الأمر "أحجار الزيت" قيل هي محلة بالمدينة وقيل موضع بها. قال التوربشتي: هي من الحرة التي
(11/229)
با لدّمِ؟ قلْتُ: مَا خَارَ الله لِي وَرَسُولُهُ. قال: عَلَيْكَ بِمَنْ أنتَ مِنْهُ. قالَ قلْتُ: يَا رَسُولَ الله أفَلاَ آخُذُ سَيْفِي فأَضَعُهُ عَلَى عَاتقِي؟ قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إذاً. قالَ قُلْتُ: فَما تَأْمُرُنِي؟ قال: تَلْزَمُ بَيْتَكَ. قال قُلت: فإن دَخَلَ عَليّ بَيْتِي؟ قالَ: فإنْ خَشِيتَ أنْ يَبَهْرَكَ شُعَاعُ السّيْفِ فأَلْقِ ثَوْبَكَ علَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بإثْمِكَ وَإِثْمِهِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرِ المُشَعّثَ في هَذَا الحديثِ غَيْرُ حَمّادِ بنِ زَيْدٍ.
4254 - حدثنا مُحمّدُ بنُ يَحْيَى بنِ فارِسَ قال أخبرنا عَفّانُ بنُ مُسْلِمٍ قال أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا عَاصِمٌ الأحْوَلُ عن أبي كَبْشَةَ قال سَمِعْتُ أبَا مُوسَى يَقُولُ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ بَيْنَ أيْدِيكُمْ فِتَنَا كَقِطَعِ اللّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً
ـــــــ
كانت بها الوقعة زمن يزيد والأمير على تلك الجيوش العاتية مسلم بن عقبة المري المستبيح بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نزوله بعسكره في الحرة الغربية من المدينة فاستباح حرمتها وقتل رجالها وعاث فيها ثلاثة أيام وقيل خمسة، فلا جرم أنه انماع كما ينماع الملح في الماء ولم يلبث أن أدركه الموت وهو بين الحرمين وخسر هنالك المبطلون كذا في المرقاة "غرقت بالدم" بالغين المعجمة، وفي بعض النسخ عرقت بالعين المهملة أي لزمت، والعروق اللزوم "عليك بمن أنت منه" أي الزم أهلك وعشيرتك الذين أنت منهم، وقيل المراد بمن أنت منه الأمام أي الزم إمامك ومن بايعته "شاركت القوم" أي في الأثم "إذاً" بالتنوين أي إذا أخذت السيف ووضعته على عاتقك. قال ابن الملك رحمه الله: قوله شاركت لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء وإلا فالدفع واجب.
قال القارىء: والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلماً إن لم يترتب عليه فساد بخلاف ما إذا كان العدو كافراً فإنه يجب الدفع مهما أمكن "أن يبهرك" بفتح الهاء أي يغلبك "شعاع السيف" بفتح أوله أي بريقه ولمعانه وهو كناية عن إعمال السيف "فألق ثوبك على وجهك" أي لئلا ترى ولا تفزع ولا تجزع، والمعنى لا تحاربهم وإن حاربوك بل استسلم نفسك للقتل "يبوء" أي يرجع القاتل "بإثمك" أي بإثم قتلك "وبإثمه" أي وبسائر إثمه "ولم يذكر المشعث" مفعول والفاعل قوله غير حماد.
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه.
"إن بين أيديكم" أي قدامكم "كقطع الليل المظلم" من حيث أنها شاعت ولا يعرف سببها ولا طريق للخلاص منها. قال في النهاية: قطع الليل طائفة منه وقطعة، وجمع القطعة قطع أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيماً لشأنها انتهى "يصبح الرجل فيها مؤمناً إلخ" يجوز أن يكون معناه
(11/230)
وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالْمَاشِي فيهَا خَيْرٌ مِنَ السّاعِي. قالُوا: فمَا تَأْمُرُنَا؟ قال: كُونُوا أحْلاَسَ بُيُوتِكُم" .
4255 - حدثنا إِبراهِيمُ بنُ الْحَسَنِ المِصّيصِيّ قالَ أخبرنا حَجّاجٌ - يَعني ابنَ مُحمّدٍ - قال أخبرنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ قال حدّثني مُعَاوِيَةُ بنُ صَالحٍ أنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بنَ جُبَيْرٍ حَدّثَهُ عن أبِيهِ عن المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ قالَ: أيْمُ الله لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنّ السّعِيدَ لَمَنْ جُنّبَ الْفِتَنَ، إنّ السّعِيدَ لَمَنْ جُنّبَ الْفِتَنَ، إنّ السّعِيدَ لَمَنْ جُنّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهاً" .
ـــــــ
مأمناً لتحريمه دم أخيه وعرضه وماله كافراً لتحليله والله أعلم "والماشي فيه خير من الساعي" السعي دويدن وشتاب كردن وكسب وكار كردن، والمقصود من الحديث أن التباعد عنها خير في أي مرتبة كانت فالقاعد أبعد ثم الواقف في مكانه ثم الماشي من الساعي. وعند مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا" "كونوا أحلا بيوتكم" جمع حلس وهو الكساء الذي يلى ظهر البعير تحت القتب أي الزموا بيوتكم، ومنه حديث أبي بكر رضي الله عنه "كن حلس بيتك".
قال المنذري: قال الحافظ أبو الكرابيسي فيمن نعرفه بكنيته ولا نقف على اسمه أبو كبشة سمع روى عنه عاصم كناه لنا أبو الحسن العارمي حدثنا محمد يعني ابن إسماعيل وقال الحافظ أبو القاسم في الأشراف أبو كبشة أظنه البداء بن قيس السكوني عن أبي موسى وذكر هذا الحديث، وذكر الأمير أبو نصر بن ماكولا أبا كبشة البراء بم قيس وذكر بعده أبا كبشه الكوفي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ثم قال وأبو كبشة عن أبي موسى الأشعري روى عنه عاصم الأحول وذكره الدارقطني أخشى أن يكون الذي قبله. وقال البراء بن مالك: من قال غير ذلك فقد صحف يشير بذلك إلى الرد على من قال في البراء بن مالك أنه أبو كيسة بالياء آخر الحروف والسين المهملة. انتهى. كلام المنذري.
"إن السعيد لمن" باللام المفتوحة للتأكيد في خبر إن "جنب" بضم الجيم وتشديد النون المكسورة أي بعد والتكرار للمبالغة في التأكيد، ويمكن أن يكون التكرار باعتبار أول الفتن وآخرها "ولمن ابتلى وصبر" بفتح اللام عطف على لمن جنب "فواها" معناه التلهف والتحسر أي واهاً لمن باشر الفتنة وسعى فيها، وقيل معناه الإعجاب والإستطابة، ولمن بكسر اللام أي ما
(11/231)
.....................
ـــــــ
أحسن وما أطيب صبر من صبر عليها ولا يخفى أنه لو حمل على معنى التعجب لصح بالفتح أيضاً، كذا في اللمعات.
قال في النهاية: قيل معنى هذه الكلمة التلهف وقد توضع موضع الإعجاب بالشيء، يقال واهاً له. وقد ترد بمعنى التوجع، وقيل التوجع يقال فيه آهاً. ومنه حديث أبي الدرادء ما أنكرتم من زمانكم فيما غيرتم من أعمالكم إن يكن خيراً فواهاً واهاً، وإن يكن شراً فآهاً آهاً والألف فيها غير مهموزة انتهى.
وقال في القاموس: واهاً ويترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء وكلمة تلهف. والحديث سكت عنه المنذري.
(11/232)
3- باب في كف اللسان :
4256- حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ شُعَيْبٍ بنِ اللّيْثِ حدّثني ابنُ وَهْبٍ حدّثني اللّيْثُ عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قال قال خالِدُ بنُ أبِي عِمْرَانَ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ الْبَيْلَمَانيّ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ هُرْمُزٍ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ مَنْ أشْرَفَ لَها اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإشْرَافُ اللّسَانِ فيهَا كَوْقُوعِ السّيْفِ" .
4257 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ قال أخبرنا لَيْثٌ عن طَاوُسٍ عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّهَا سَتَكُونُ
ـــــــ
"باب في كف اللسان"
"عن عبد الرحمن بن البيلماني" بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح اللام "ستكون فتنة صماء بكماء عمياء" وصفت الفتنة بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها أي لا يسمع فيها الحق ولا ينطق به ولا يتضح الباطل عن الحق كذا في اللمعات وقال القارىء: المعنى لا يميزون فيها بين الحق والباطل، ولا يسمعون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من تكلم فيها بحق أو ذي ووقع في الفتن والمحن "من أشرف لها" أي من اطلع عليها وقرب منها "استشرفت له" أي اطلعت تلك الفتنة عليه وجذبته إليها "وإشراف اللسان" أي إطلاقه وإطالته "كوقوع السيف" أي في التأثير.
قال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن البيلماني ولا يحتج بحديثه.
(11/232)
فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلاَهَا في النّارِ، اللّسَانُ فيهَا أشَدّ مِنْ وُقُوعِ السّيْفِ" .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَوْرِيّ عن لَيْثٍ عن طَاوُسٍ عن الأعْجَمِ.
4258 - حدثنا مُحمّدُ بنُ عِيسَى بنِ الطّبّاعِ أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ القُدّوسِ قال زِيَادٌ سيمين كوش.
ـــــــ
"تستنظف العرب" بالظاء المعجمة أي تستوعبهم هلاكاً من استنظفت الشيء أخذته كله. كذا في النهاية "قتلاها" جمع قتيل بمعنى مقتول مبتدأ وخبره "في النار" لقتالهم على الدنيا واتباعهم الشيطان والهوى، أي سيكونون في النار أو هم حينئذ في النار لأنهم يباشرون ما يوجب دخولهم فيها كقوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} وقد تقدم شرح هذه الجملة "اللسان إلخ" أي وقعه وطعنه على تقدير مضاف.
وقال الطيبي رحمه الله: القول والتكلم فيها إطلاقاً للمحل وإرادة الحال. قال القرطبي في التذكرة بالكذب عند أئمة الحور ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ من ذلك الغضب والقتل والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها.
وقال السيد رحمه الله في حاشيته على المشكاة أي الطعن في إحدى الطائفتين ومدح الأخرى مما يثير الفتنة فالكف واجب انتهى.
قال القارىء نقلاً عن المظهر: يحتمل هذا احتمالين أحدهما أن من ذكر أهل تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم لأنهم مسلمون وغيبة المسلمين إثم ولعل المراد بهذه الفتنة الحرب التي وقعت بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه، ولا شك أن من ذكر أحداً من هذين الصدرين وأصحابهما يكون مبتدعاً لأن أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني أن المراد به أن من مد لسانه فيه بشتم أو غيبة يقصدنه بالضرب والقتل ويفعلون به ما يفعلون بمن حاربهم.
قال القارىء: في الاحتمال الأول أنه ورد "اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس ولا غيبة لفاسق" ونحو ذلك فلا يصح هذا على إطلاقه، ولذا استدرك كلامه بقوله ولعل المراد بهذه إلخ.
قال وحاصل الاحتمال الثاني أن الطعن في إحدى الطائفتين ومدح الأخرى حينئذ مما يثير الفتنة، فالواجب كف اللسان، وهذا المعنى في غاية من الظهور انتهى "رواه الثوري عن ليث عن طاوس عن الأعجم" أي قال الثوري عن الأعجم مكان عن رجل يقال له زياد. والأعجم لقبه.
"قال زياد سيمين كوش" أي قال عبد القدوس في روايته زياد سيمين كوش مكان رجل يقال له زياد، وسيمين كوش لفظ فارسي معناه أبيض الأذن.
(11/233)
....................
ـــــــ
قال المنذري: وحكى أبو داوود عن بعضهم أنه الأعجم يعني زياداً، وحكى أيضاً زياد سيمين بن كوش وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حديث غريب سمعت محمد بن إسماعيل يقول لا نعرف لزياد بن سمين كوش غير هذا الحديث، ورواه حماد بن سلمة عن ليث فرفعه، ورواه حماد بن زيد عن ليث فوقفه هذا آخر كلامه، وذكر البخاري في تاريخه أن حماد بن سلمة رواه عن ليث ورفعه ورواه حماد بن وغيره زيد عن عبد الله بن عمر وقوله قال وهذا أصح من الأول وهكذا قال فيه زياد بن سيمين كوش وقال غيره زياد سيمين كوش واستشهد به البخاري، وكان من العباد، ولكنه اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به، وتكلم فيه غير واحد، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "فستكون فتن القاعد فيها خير من القائم" وفيه من تشرف لها تستشرفه قيل هو من الأشراف يقال تشرفت الشيء واستشرفته أي علوته، يريد من انتصب لها انتصبت له وصرعته.
وقال الهروي: أشرفته أي علوته واستشرفت على الشيء اطلعت عليه من فوق، وقيل هو منها المخاطرة والتغرير والإشفاء على الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته، يقال أشرف المريض إذا أشفى على الموت. انتهى كلام المنذري.
(11/234)
4- باب الرخصة في التبدي في الفتنة :
4259- حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ عن أبِيهِ عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَماً يَتّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ المَطَرِ [القطر] يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ" .
ـــــــ
"باب الرخصة في التبدي في الفتنة"
التبدي تفعل من البداوة أي الخروج إلى البادية "يوشك" أي يقرب "يتبع" بتشديد التاء "بها" أي مع الغنم أو بسببها "شعف الجبال" بفتح الشين والعين أي رؤس الجبال وأعاليها واحدها شعفة "ومواقع القطر" بفتح فسكون أي مواضع المطر وآثاره من النبات وأوراق الشجر يريد بها المرعى من الصحراء والجبال فهو تعميم بعد تخصيص "يفر بدينه" أي بسبب حفظه.
قال الكرماني: هذه الجملة حالية وذو الحال الضمير المستتر في يقبع أو المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه. فقد وجد شرطه وهو شدة الملابسة وكأنه جزء منه، واتخاذ الخير بالمال واضح، ويجوز أن تكون استئنافية، وهو واضح انتهى.
(11/234)
..................................
ـــــــ
والحديث دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه. كذا في فتح الباري.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.
(11/235)
5- باب النهي عن القتال في الفتنة :
4260- حدثنا أبُو كَامِلٍ أخبرنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيّوبَ وَ يُونُسَ عن الْحَسَنِ عن الأحْنَفِ بنِ قَيْسٍ قال: "خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ - يَعني في الْقِتَالِ - فَلَقِيَنِي أبُو بَكْرَةَ فقال: ارْجِعْ فإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفيهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النّارِ. قالَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا الْقَاتِلُ فمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قال: إنّهُ أرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ" .
4261- حدثنا مُحمّدُ بنُ المُتَوَكّلِ الْعَسْقَلاَنِيّ أخبرنا عَبْدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن أيّوبَ عن الْحَسَنِ بإسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ مُخْتَصَراً.
[قالَ أَبُو دَاوُدَ: لِمُحَمّدٍ - يَعني ابنَ المُتَوَكّلِ - أخٌ ضَعِيفٌ يُقَالُ لَهُ الْحُسَيْنُ].
ـــــــ
"باب النهي عن القتال في الفتنة"
"يعني في القتال" أي في الحرب التي وقعت بين علي ومن معه وعائشة ومن معها، وفي بعض النسخ في قتال الجمل والمراد به الحرب المذكورة سميت به الأن عائشة رضي الله عنها كانت يومئذ على الجمل، وفي بعض النسخ في قتال، وفي بعض النسخ هذا الرجل لأنصره، والمراد منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه "إذا تواجه المسلمان بسيفهما" قال القسطلاني أي ضرب كل واحد منهما وجه الآخر أي ذاته "فالقاتل والمقتول في النار" أي يستحقانه وقد يعفو الله عنهما أو ذلك محمول على من استحل ذلك "هذا القاتل" أي يستحق النار "فما بال المقتول" أي فما ذنبه حتى يدخلها "إنه أراد قتل صاحبه" وفي رواية البخاري إنه كان حريصاً على قتل صاحبه.
قال القسطلاني: وبه استدل من قال بالمؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل وأجاب من لم يقل بذلك أن في هذا فعلاً وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال والقاتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
"عن الحسن" هو البصري.
(11/235)
6- باب في تعظيم قتل المؤمن :
4262- حدثنا مُؤَمّلُ بنُ الْفَضْلِ الْحَرّانيّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ شُعَيْبٍ عن خَالِدٍ بنِ دِهْقَانَ قالَ: كُنّا في غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِينِيّةِ بِذُلُقَيْةَ، فأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ فِلَسْطِينَ مِنْ أشْرَافِهِمْ وَخِيَارِهِمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهُ يُقَالُ لَهُ هَانِيءُ بنُ كُلْثُومِ بنِ شرَيْكٍ الْكِنَانِيّ فَسَلّمَ عَلَى عَبْدِ الله بنِ أبي زَكَرِيّا وكَانَ يَعْرِفُ لَهُ حَقّهُ. قالَ لَنَا خَالِدٌ فحدّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي زَكَرِيّا قالَ سَمِعْتُ أُمّ الدّرْدَاءِ تَقُولُ سَمِعْتُ أبَا الدّرْدَاءِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كُلّ ذَنْبٍ عَسَى الله أنْ يَغْفِرَهُ إلاّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكاً أوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً" فقال هَانىءُ بنُ كُلْثُومٍ: سَمِعْتُ مَحْمُودَ بنَ الرّبِيعِ يُحَدّثُ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ أنّهُ سَمِعَهُ يُحَدّثُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: "َنْ قَتَلَ مُؤْمِناً فَاعْتَبَطَ
ـــــــ
"باب في تعظيم قتل المؤمن"
"في غزوة القسطنطينية" بضم وزيادة ياء مشددة ويقال قسطنطينية بإسقاط ياء النسبة وقد يضم الطاء الأولى منهما كان إسمها بِزَنْطِيَة فنزلها قسطنطين الأكبر وبنى عليها سوراً ارتفاعه أحد وعشرون ذراعاً وسماها باسمه وصارت دار ملك الروم إلى الآن، واسمها اصطنبول أيضاً كذا في المراصد "بذلقية" بضم الذال واللام وسكون القاف وفتح الياء التحتية اسم مدينة بالروم. كذا في شرح القاموس والمجمع "فلسطين" بالكسر ثم الفتح وسكون السين وطاء مهملة وآخره نون آخر كور الشام من ناحية مصر قصبتها بيت المقدس، ومن مشهور مدنها عسقلان والرملة والغزة ونابلس وعمان ويافة كذا في المراصد مختصراً "ذلك" أي الشرف والعلو "له" أي للرجل المذكور "وكان" أي عبد الله بن أبي زكريا "له" أي لهانىء "حقه" أي فضله وقدره "عسى الله أن يغفره" أي ترجى مغفرته "إلا من مات مشركاً" أي إلا ذنب من مات مشركاً "أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً" قال العزيزي في شرح الجامع الصغير. هذا محمول على من استحل القتل أو على الزجر والتنفير إذا ما عد الشرك من الكبائر يجوز أن يغفر وإن مات صاحبه بلا توبة انتهى.
واعلم أن هذا الحديث بظاهره يدل على أنه لا يغفر للمؤمن الذي قتل مؤمناً متعمداً وعليه يدل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} وهذا هو مذهب ابن عباس، لكن جمهور السلف وجميع أهل السنة حملوا ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا معنى قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} أي إن شاء أن يجازيه تمسكاً بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ومن الحجة في ذلك حديث
(11/236)
[فاغتبط] بِقَتْلِهِ لَمْ يَقْبَلِ الله مِنْهُ صَرْفاً وَلا عَدْلاً" قال لَنَا خَالِدٌ. ثُمّ حدثنا ابنُ أبي زَكَرِيّا عن أُمّ الدّرْدَاء عن أبي الدّرْدَاءِ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال: "لا يَزَالُ المُؤْمِنُ مُعْنِقاً صَالِحاً مَالَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً، فإذَا أصَابَ دَماً حَرَاماً بَلّحَ" . وَحَدّثَ هَانىءُ بنُ كُلْثُومٍ عن مَحْمُودِ بنِ الرّبِيعِ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ سَوَاءَ.
4263- حدثنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَمْرِو عن مُحمّدِ بنِ مُبَارَكٍ قالَ أخبرنا صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ أوْ غَيْرُهُ قالَ قالَ خَالِدُ بنُ دِهْقَانَ: سَأَلْتُ يَحْيَى ابنَ يَحْيَى الْغَسّانِيّ عنْ قَوْلِهِ: "اعْتَبَطَ [اغتبط] بِقَتْلِهِ، قالَ: الّذِينَ يُقَاتِلُونَ في الْفِتْنَةِ فَيَقْتُلُ أحَدُهُمْ فَيَرَى أنّهُ عَلَى هُدَى فلا [لا] يَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى - يَعني مِنْ ذَلِكَ" .
ـــــــ
الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أتى تمام المائة إلى الراهب فقال لا توبة لك فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال له ومن يحول بينك وبين التوبة الحديث. وإذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم فاعتبط وفي بعض النسخ الموجودة فاغتبط بالغين المعجمة. قال العزيزي: بعين مهملة أي قتله ظلماً لا عن قصاص، وقيل بمعجمة من الغبطة الفرح لأن القاتل يفرح بقتل عدوه انتهى.
وقال الخطابي: يريد أن قتله ظلماً لا عن قصاص، يقال عبطت الناقة: واعتبطها إذا نحرتها من غير داء ولا آفة يكون بها. وقال في الناية هكذا جاء الحديث في سنن أبي داوود، ثم جاء في آخر الحديث قال خالد بن دهقان وهو راوي الحديث: سألت يحيى بن يحيى عن قوله اعتبط بقتله قال الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى فلا يستغفر الله. قال وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة بالغين المعجمة وهي الفرح والسرور وحسن الحال لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمناً وفرح بقتله دخل في هذا الوعيد. قال وشرحه الخطابي على أنه من العين المهملة ولم يذكر قول خالد ولا تفسير يحيى "صرفاً ولا عدلاً" قال العلقمي: أي نافلة ولا فريضة وقيل غير ذلك "معنقاً" بصيغة اسم الفاعل من الإعناق أي خفيف الظهر سريع السير. قال الخطابي: يريد خفيف الظهر يعنق مشيه أي يسير سير العنق، والعنق ضرب من السير وسيع، يقال أعنق الرجل في سيره فهو معنق، وقال في النهاية أي مسرعاً في طاعته منبسطاً في عمله، وقيل أراد يوم القيامة انتهى "بلح" بموحدة وتشديد اللام وحاء مهملة أي أعيى وانقطع قاله الخطابي. وقال في النهاية: يقال بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك وقد أبلحه السير فانقطع به يريد وقوعه في الهلاك بإصابة الدم الحرام وقد يخفف اللام كذا في موقاة الصعود.
"عن قوله اعتبط بقتله" بالعين المهملة وفي بعض النسخ بالغين المجمة "قال" أي
(11/237)
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقال فَاعْتَبَطَ يَصُبّ دَمَهُ صَبّا.
4264 - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا حَمّادٌ أنبأنا عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ إسْحَاقَ عن أبي الزّنَادِ عن مُجَالِدٍ بنِ عَوْفٍ أنّ خَارِجَةَ بنَ زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ زَيْدُ بنَ ثَابِتٍ في هَذَا المَكَانِ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} بَعْدَ الّتي في الْفُرْقَانِ: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} بِسَتّةِ أشْهُرِ.
4265 - حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ، أوْ حدّثني الْحَكَمُ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: سَأَلْتُ ابنَ عَبّاسٍ فقالَ: لَمّا نَزَلَتِ الّتي في الْفُرْقَانِ: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} قالَ مُشْرِكُوا أهْلِ مَكّةَ: قَدْ قَتَلْنَا النّفْسَ التي حَرّمَ الله، وَدَعَوْنَا مَعَ الله إلَهاً آخَرَ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} فَهَذِهِ لأولَئِكَ. قالَ: فأَمّا الّتي في النّسَاءِ:
ـــــــ
يحيى في تفسير اغتبط بقتله "الذين يقاتلون إلخ" هذا التفسير يدل على أنه من الغبطة كما قال صاحب النهاية، قال المنذري: أم الدرداء هذه هي الصغرى واسمها عجيمة ويقال جهيمة ويقال حمانة بنت حيى الوصابية قبيلة من حمير شامية وليست لها صحبة، فأما أم الدرداء الكبرى فاسمها خيرة على المشهور ولها صحبة وكانت من فضلاء النساء مع العبادة والنسك.
"أنزلت هذه الآية إلخ" حاصله أن الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} ناسخ للاَية التي في الفرقان وهي {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} لأن الآية الأولى نزلت بعد الآية التي في الفرقان بستة أشهر. قال المنذري: وأخرجه النسائي وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد وهو الملقب بعباد القرشي مولاهم ويقال ثقفي مدني نزل بالبصرة أخرج له مسلم عن الزهري واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد، وقال الإمام أحمد وروى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.
"فهذه لأولئك إلخ" مقصود ابن عباس رضي الله عنه أن الآية التي في الفرقان نزلت في أهل الشرك والآية التي في النساء نزلت في أهل الإسلام الذين علموا أحكام الإسلام وتحريم
(11/238)
{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} الآية، قالَ الرّجُلُ: إذَا عَرَفَ شَرَائِعَ الإسْلاَمِ ثُمّ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ فَلاَ تَوْبَةَ لَهُ. فَذَكَرْتُ هَذَا لِمُجَاهِدٍ فقال: إلاّ مَنْ نَدِمَ.
4266- حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبراهِيمَ أخبرنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ حدثني يَعْلَى عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الْقِصَةِ في الّذِينَ لاَ يَدَعُونَ مَعَ الله إلَهاً آخَرَ أهْلَ الشّرْكِ قالَ وَنَزَلَ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} .
4267 - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرّحْمَنِ أخبرنا سُفْيَانُ عن المُغِيَرَةِ بنِ النّعْمانِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبّاسٍ قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} قال: مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ.
4268- حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أبُو شِهَابٍ عن سُلَيْمانَ التّيْمِيّ عن أبي
ـــــــ
القتل فجعل رضي الله عنه محل الآيتين مختلفاً. وفي رواية للبخاري فقال أي ابن عباس هذه مكية أراه نسختها آية مدنية التي في سورة النساء فمن هذه الرواية يظهران محل الآيتين عند ابن عباس واحد قال الحافظ في الفتح: إن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما وتارة يجعل محلهما مختلفاً، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منها مباشرة المؤمن القتل متعمداً، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه إنتهى "فلا توبة له" قال النووي: هذا هو المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروى عنه أن له توبة وجواز المغفرة له لقوله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} وهذه الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعيين ومن بعدهم، وما روي عن بعض السلف مما يخالف هذا محمول على التغليظ والتحذير من القتل، وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس تصريح بأنه يخلد وإنما فيها أنه جزاؤه ولا يلزم منه أن يجازى انتهى "فقال إلا من ندم" أي فإن له توبة. قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه "ما نسخها شيء" بل هي محكمة باقية على ظاهرها كما هو مذهبه رضي الله عنه قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم أتم منه "عن أبي مجلز" بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللام المفتوحة زاي قاله المنذري.
(11/239)
مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} قالَ: هِيَ جَزَاؤُهُ، فإنْ شَاءَ الله أنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَعَلَ.
ـــــــ
"قال هي جزاؤه إلخ" إلى هذا التأويل ذهب جمهور السلف والخلف غير ابن عباس رضي الله عنه المشهور عنه. كما تقدم والحديث سكت عنه المنذري.
(11/240)
7- باب ما يرجى في القتل :
4269- حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أبُو الأحْوَصِ سَلاّمُ بنُ سُلَيْمٍ عن مَنْصُورٍ عن هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ قالَ: "كُنّا عِنْدَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ فِتْنَةً فَعَظّمَ أمْرَهَا، فَقُلْنَا أوْ قالُوا: يَا رَسُولَ الله لَئِنْ أدْرَكَتْنَا هَذِهِ لَتُهْلِكُنَا، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: كَلاّ إنّ بِحَبْسِكُم الْقَتْلُ. قالَ سَعِيدٌ: فَرَأَيْتُ إخْوَانِي قُتِلُوا" .
4270- حدثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قالَ أخبرنا كَثِيرُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا المَسْعُودِيّ عن سَعِيدِ بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبِيهِ عن أبِي مُوسَى قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمّتِي هَذِهِ أُمّةٌ
ـــــــ
"باب ما يرجى في القتل"
ما موصولة أي باب الذي يرجى في القتل من المغفرة.
"فقلنا وقالوا" شك من الراوي "هذه" أي هذه الفتنة "لتهلكنا من الإهلاك" أي تهلك تلك الفتنة دنيانا وعاقبتنا "إن بحسبكم القتل" قال السيوطي في مرقاة الصعود: هذا بزيادة الباء في المبتدأ عند النجاة: قالوا: لا يحفظ زيادة الباء في المبتدأ إلا في بحسبك زيد أي حسبك، ومثله قوله بحسبك أن تفعل الخيرات. قال ابن يعيش: وعناه حسبك فعل الخير والجار والمجرور في موضع رفع في الابتداء، قال ولا يعلم مبتدأ دخل عليه حرف الجر في الإيجاب غير هذا الحرف انتهى. وعلى هذا ههنا هو اسم إن والقتل مرفوع خبرها انتهى كلام السيوطي. ومعنى هذه الجملة أن هذه الفتنة لو أدركتكم ليكفيكم فيها القتل أي كونكم مقتولين والضرر الذي يحصلكم منها ليس إلا القتل وأما هلاك عاقبتكم فكلا، بل يرحم الله عليكم هناك ويغفر لكم، هذا ظهر لي في معنى هذه الجملة والله تعالى أعلم "قتلوا" بصيغة المجهول والحديث سكت عنه المنذري.
"أمتي هذه" أي الموجودون الآن وهم قرنه أو أعم "أمة مرحومة" أي مخصوصة بمزيد الرحمة وإتمام النعمة، أو بتخفيف الإصر والأثقال التي كانت على الأمم قبلها من قتل النفس
(11/240)
مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ في الآخرة، عَذَابُهَا في الدّنْيَا الْفِتَنُ وَالزّلاَزِلُ وَالْقَتْلُ" .
آخر كتاب الفتن
ـــــــ
في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة "ليس عليها عذاب في الآخرة" أي من عذب منهم لا تعذب مثل عذاب الكفار قال المناوي: ومن زعم أن المراد لا عذاب عليها في عموم الأعضاء لأن أعضاء الوضوء لا يمسها النار فتكلف مستغنى عنه. وقال صاحب فتح الودود أي إن الغالب في حق هؤلاء المغفرة. وقال القارىء في المرقاة: بل غالب عذابهم أنهم مجزيون بأعمالهم في الدنيا بالمحن والأمراض وأنواع البلايا كما حقق في قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} انتهى "عذابها في الدنيا الفتن" أي الحروب الواقعة بينهم "والزلازال" أي الشدائد والأهوال "والقتل" أي قتل بعضهم بعضاً، وعذاب الدنيا أخف من عذاب الآخرة. قال المناوي: لأن شأن الأمم السابقة جار على منهاج العدل وأساس الربوبية وشأن هذه الأمة ماش على منهج الفضل وجود الإلهية. قال القارىء وقيل الحديث خاص بجماعة لم تأت كبيرة ويمكن أن تكون الإشارة إلى جماعة خاصة من الأمة وهم المشاهدون من الصحابة أو المشيئة مقدرة لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وقال المظهر: هذا حديث مشكل لأن مفهومه أن لا يعذب أحد من أمته صلى الله عليه وسلم سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره، فقد وردت الأحاديث بتعذيب مرتكب الكبيرة اللهم إلا أن يأول بأن المراد بالأمة هنا من اقتدى به صلى الله عليه وسلم كما ينبغي ويمتثل بما أمر الله وينتهي عما نهاه. وقال الطيبي رحمه الله: الحديث وارد في مدح أمته صلى الله عليه وسلم واختصاصهم من بين سائر الأمم بعناية الله تعالى ورحمته عليهم وأنهم أن أصيبوا بمصيبة في الدنيا حتى الشوكة يشاكها أن الله يكفر بها في الآخرة ذنباً من ذنوبهم، وليست هذه الخاصية لسائر الأمم ويؤيده ذكر هذه وتعقيبها بقوله مرحومة، فإنه يدل على مزية تمييزهم بعناية الله تعالى ورحمته، والذهاب إلى المفهوم مهجور في مثل هذا المقام، وهذه الرحمة هي المشار إليها بقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ - إلى قوله - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} انتهى.
قال القاري: ولا يخفى عليك أن هذا كله مما لا يدفع الإشكال فإنه لا شك عند أرباب الحال أن رحمة هذه الأمة إنما هي على وجه الكمال وإنما الكلام في أن هذا الحديث بظاهره يدل على أن أحداً منهم لا يعذب في الآخرة، وقد تواترت الأحاديث في أن جماعة من هذه الأمة من أهل الكبائر يعذبون في النار ثم يخرجون إما بالشفاعة وإما بعفو الملك الغفار، وهذا منطوق الحديث ومعناه المأخوذ من ألفاظه ومبناه وليس بمفهومه المتعارف المختلف في اعتباره حتى يصح قوله إن هذا المفهوم مهجور، بل المراد بمفهومه في كلام المظهر المعلوم في العبارة ثم قول الطيبي رحمه الله، وليست هذه الخاصية وهي كفارة الذنوب بالبلية لسائر الأمم
(11/241)
...................................
ـــــــ
يحتاج إلى دليل مثبت ولا عبرة بما فيهم من المفهوم من قوله عذابها في الدنيا الفتن إلى آخره، فإنه قابل للتقييد بكون وقوع عذابها بها غالباً انتهى.
قال المنذري: في إسناده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله مسعود الهذلي الكوفي استشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد.
وقال العقيلي: تغير في آخر عمره في حديثه اضطراب.
وقال ابن حبان البستي: اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق الترك. انتهى كلام المنذري.
والحديث أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي وفي مقدمة الفتح عبد الرحمن الكوفي المسعودي مشهور من كبار المحدثين إلا أنه اختلط في آخر عمره.
وقال أحمد وغيره من سمع منه بالكوفة قبل أن يخرج إلى بغداد فسماعه صحيح انتهى والله أعلم



 


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب الفتن سوسن سنن إبن ماجة 1 01-20-2010 01:40 PM
كتاب الفتن والملاحم سوسن سنن أبي داود 0 01-14-2010 12:07 PM
كتاب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوسن سنن الترمذي 2 01-12-2010 07:03 PM
كتاب الفتن وأشراط الساعة سوسن صحيح مسلم 27 12-23-2009 02:49 PM
كتاب الفتن KONOOZALISLAM صحيح البخاري 0 11-30-2009 03:22 PM


الساعة الآن 07:43 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010