الإهداءات


العودة   منتديات كنوز الإسلام > منتدى كنوز السنّة النبوية > رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-07-2010, 10:17 AM   #1
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
Edit أكثر الصحابة رواية لحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم



شارك الموضوع مع أصدقاءك على الفيس بوك


أبي هريرة رضي الله عنه | عبد الرحمن بن صخر الدّوسيّ
عبد الله بن عمر بن الخطّاب

أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضى الله عنها
عبد الله بن عباس | حَبْرُ أمَّةِ محمد*صلى الله عليه وسلم
جابر بن عبد الله رضى الله عنه
أنس بن مالك الأنصاريّ
أبو السعيد الخدرى رضى الله عنه


أبي هريرة رضي الله عنه | عبد الرحمن بن صخر الدّوسيّ

لا ريب في أنكم تعرفون هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة؟!

لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية((عَبْدَ شَمْسٍ )) فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي عليه الصلاة والسلام قال له : (ما اسمك ؟) …

فقال: عبد شمس.

فقال عليه الصلاة والسلام : بل عبد الرحمن.

فقال : نعم عبد الرحمن ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

أمّا تكنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة صغيرة يلعب بها، فجعل لداته (المماثلون له في السن) ينادونه : أبا هريرة . وشاع ذلك وغلب على اسمه .

فلما اتصلت أسبابه بأسباب النبي عليه الصلاة والسلام جعل يناديه كثيرا ((بأبي هر)) إيناسا له وتحببا ، فصار يؤثر(أبا هر) على (أبي هريرة) ويقول : ناداني بها حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم..

أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمرو الدوسي ، وظل في أرض قومه ((دَوْس)) إلى ما بعد الهجرة بست سنين حيث وفد مع جموع من قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة .

وقد انقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته ، فاتخذ المسجد مقاما والنبي معلما وإماما ،إذ لم يكن له في حياة النبي صلى الله عليه وسلم زوج ولا ولد ، وانما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك ، فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقا عليها وبرا بها ، فتنفر منه وتصده . فيتركها والحزن عليها يُفري فؤاده فَرْيا .

وفي ذات يوم دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله ، فقالت في النبي عليه الصلاة والسلام قولا أحزنه وأمضّه(أوجعه). فمضى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ما يبكيك يا أبا هريرة ؟! فقال : إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي إلى الإسلام ، فتأبى عليّ …وقد دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره ، فادع الله عزّّ وجلّّ أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام . فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام .

قال أبو هريرة : فمضيت إلي البيت ، فإذا الباب قد ردّّ ، وسمعت خضخضة الماء فلما هممت بالدخول ، قالت أمي : مكانك يا أبا هريرة… ثم لبست ثوبها وقالت : أدخل ؛ فدخلت فقالت : أَشْْهَدُ أَنْ لا اِلَهَ إِلا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمْدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُُهْ .

فعدت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت : أبشر يا رسول الله فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلي الإسلام .

وقد أحب أبو هريرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبا خالط لحمه ودمه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ويقول : ما رأيت شيئا أملح(أجمل) ولا أصبح(أكثر إشراقا) من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لكأن الشمس تجري في وجهه…

وكان يحمد الله تبارك وتعالى على أن منّ عليه بصحبة نبيه واتباع دينه فيقول : الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام…

الحمد لله الذي علّم أبا هريرة القرأن …. الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم..

وكما أُولع أبو هريرة برسول الله عليه الصلاة والسلام ، فقد أُولع بالعلم وجعله ديدنه ((عادته)) وغاية ما يتمناه .

حدّث زيد بن ثابت قال : بينما أنا وأبو هريرة وصاحب لي في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره إذ طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل نحونا حتى جلس بيننا ، فسكتنا … فقال عليه الصلاة والسلام : عودوا إلى ما كنتم فيه .

فدعوت الله أنا وصاحبي (قبل أبي هريرة) وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يؤمّن على دعائنا… ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي ..وأسألك علما لا ينسى ….فقال عليه الصلاة والسلام : آمين … فقلنا : ونحن نسأل الله علما لا ينسى .. فقال النبي عليه الصلاة والسلام : سبقكم بها الغلام الدَّوسيُّ .

وكما أحبَّ أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره… من ذلك أنه مرّ ذات يوم بسوق المدينة فهاله انشغال الناس بالدنيا واستغراقهم في البيع والشراء والأخذ والعطاء ، فوقف عليهم وقال : ما أعجزكم يا أهل المدينة !! فقالوا : وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة ؟! فقال : ميراث رسول الله يقسَّم وأنتم ها هنا !! ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم !! قالوا : وأين هو يا أبا هريرة ؟! …قال : في المسجد . فخرجوا راعا ، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا ؛ فلما رأوه قالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئا يُقسم. فقال لهم : أَوَ ما رأيتم في المسجد أحدا ؟!

قالوا : بلى … رأينا قوما يُصلّون ، وقوما يقرؤون القرآن ، وقوما يتذاكرون في الحلال والحرام …فقال : ويحكم …ذلك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد عانى أبو هريرة بسبب انصرافه للعلم وانقطاعه لمجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يعانه أحد من الجوع و خشونة العيش . روى عن نفسه فقال : إنّه كان يشتد بي الجوع حتى إني كنت أسأل الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية من القرآن ((وأنا أعلمها)) كي يصحبني معه إلى بيته فيُطعمني…وقد اشتد بي الجوع ذات يوم حتى شددت على بطني حجرا ، فقعدت في طريق الصحابة ، فمر بي أبو بكر فسألته آية في كتاب الله وما سألته إلا ليدعوني…فما دعاني. ثم مرّ بي عمر بن الخطاب فسألته عن آية ، فلم يدعوني أيضا …حتى مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف ما بي من الجوع فقال : (أبو هريرة؟!) ..قلت : بيك يا رسول الله ؛ وتبعته ؛ فدخلت معه البيت فوجد قدحا (إناء)فيه لبن ،فقال لأهله : من أين لكم هذا ؟! … قالوا : أرسل به فُلان إليك. فقال : يا أبا هريرة انطلق إلى أهل الصُّفّة،فادعهم .

فساءني إرساله إيّاي لدعوتهم ، وقلت في نفسي : ما يفعل هذا اللّبن مع أهل الصّفّة؟!…وكنت أرجو أن أنال منه شربة أتقوى بها ، ثم أذهب إليهم …فأتيت أهل الصّفّة ودعوتهم ؛ فأقبلوا ، فلما جلسوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خُذ يا أبا هريرة فأعطهم ، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى إلي أن شربوا جميعا ؛ فناولت القدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع رأسه إليّ مبتسما وقال : بقيت أنا وأنت…قلت : صدقت يا رسول الله.

قال : فاشرب ، فشربت…ثم قال : اشرب ؛ فشربت…..ومازال يقول اشرب ؛ فَأَشرَبْ ، حتى قلت : والذي بعثك بالحقّ لا أجد له مساغا (أي: لا أستطيع ابتلاعه)….فأخذ الإناء وشرب من الفضلة





لم يمض زمن طويل على ذلك حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح ؛ فصار لأبي هريرة مال ، ومنزل ومتاع ، وزوج وولد …غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئا، ولم يُنسه أيامه الخالية ؛ فكثيرا ما كان يقول :

نشأت يتيما وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا ((لبُسرة بنت غزوان)) بطعام بطني ، فكنت أخدم القوم إذا نزلوا ، وأحدو لهم (أسوق لهم) إذا ركبوا ؛ فزوّجنيها الله ((إشارة إلى زواجه من بُسرة))…فالحمد لله الذي جعل الدين قواما (نظاما وعمادا) وصيّر أبا هريرة إماما (( وذلك إشارة إلى ولايته على المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما )) .

وقد وَلي أبو هريرة المدينة من قبل معاوية أكثر من مرة ، فلم تُبَدِّل الولاية من سماحة طبعه ؛ وخفّة ظلّه شيئا…فقد مرَّ بأحد طرق المدينة-وهو والٍ عليها- وكان يحمل الحطب على ظهره لأهل بيته ، فمر بثعلبة بن مالك ؛ فقال له : أوسع الطريق للأمير يا بن مالك…فقال له : يرحمك الله أما يكفيك هذا المجال كله ؟!…فقال له : أوسع الطريق للأمير ؛ وللحزمة التي على ظهره .

وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التقى والورع ، فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل ، ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني ، ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير …فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل …

وقد كانت لأبي هريرة جارية زنجيّة فأساءت إليه ،فرفع السوط عليها ليضربها به ؛ ثم توقف ، وقال : لولا القصاص يوم القيامة لأوجعتك كما آذيتني، ولكن سأبيعك ممّن يوفّيني ثمنك وأنا أحوج ما أكون إليه…اذهبي فأنت حرّة لله عزّ وجلّ .

وكانت ابنته تقول له : يا أبت إن البنات يعيّرنني فيقلن : لم لا يُحلّيكِ أبوك بالذهب ؟! فيقول : يا بنيّة ، قولي لهنّ : إن أبي يخشى عليّ حرّ اللهب((أي حرّ لهب جهنم أعاذنا الله منها)) .

ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته بخلا بالمال أو حرصا عليه ، إذ كان جوادا سخيّ اليد في سبيل الله …فقد بعث إليه مروان بن الحكم مائة دينار ذهبا ، فلما كان الغد أرسل إليه يقول : إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير ، وأنا لم أردك بها وإنما أردت غيرك ، فسقط (تحيّر وندم) في يد أبي هريرة ، وقال : أخرجتها في سبيل الله ولم يبت عندي منها دينار ؛ فإذا خرج عطائي(حقي في بيت المال) فخذها منه…وإنما فعل ذلك مروان ليختبره ، فلما تحرى الأمر وجده صحيحا .

وقد ظلّ أبو هريرة –ما امتدت به الحياة- برّا بأمّه، فكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها وقال : السلام عليك يا أمّتاه ورحمة الله وبركاته…فتقول : وعليك السلام يا بنيّ ورحمة الله وبركاته….فيقول :رحمك الله كما ربّيتني صغيرا…فتقول : ورحمك الله كما بررت بي كبيرا .

ثم إذا عاد إلى المنزل فعل مثل ذلك .

وقد كان أبو هريرة يحرص أشد الحرص على دعوة الناس إلى برّ آبائهم؛ وصلة أرحامهم….فقد رأى ذات يوم رجلين أحدهما أسنُّ من الأخر يمشيان معا ، فقال لأصغرهما : ما يكون هذا الرجل منك ؟

قال : أبي …فقال له : لا تُسمه باسمه …ولا تمش أمامه …ولا تجلس قبله .

ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى…

فقيل له : ما يبكيك يا أبا هريرة؟!

فقال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه…ولكنّني أبكي لبعد السفر وقلّة الزّاد…

لقد وقفت في نهاية طريق يُفضي بي إلى الجنّة أو النّار …ولا أدري ..في أيهما أكون !!!

وقد عاده مروان بن الحكم فقال له : شفاك الله يا أبا هريرة .

فقال أبو هريرة : اللهم إني أحبُّ لقاءك فأحبَّ لقائي وعجِّل لي فيه

فما كان يغادر مروان حتى فارق الحياة …



رحم الله أبي هريرة رحمة واسعة ؛ فقد حفظ للمسلمين ما يزيد على ألف وستمائة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم …. وجزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير .



 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-07-2010, 10:19 AM   #2
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي عبد الله بن عمر بن الخطّاب



عبد الله بن عمر بن الخطّاب


تحدث وهو على قمّة عمره الطويل فقال:

((لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

فما نكَثتُ ولا بدَّلتُ إلى يومي هذا …

وما بايعتُ صاحب فتنة …

ولا أيقظتُ مؤمناً من مرقده)) ..

وفي هذه الكلمات تلخيص وثيق لحياة الرجل الصالح الذي عاش فوق الثمانين ، والذي بدأت علاقته بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو في الثالثة عشرة من عمره، حين صحب أباه إلى غزوة بدر؛ راجياً أن يكون له بين المجاهدين مكان، لولا أن ردَّهُ الرسول عليه السلام لصغر سنّه …

من ذلك اليوم.. بل قبل ذلك اليوم ، حين صحب أباه في هجرته إلى المدينة .. بدأت صلة الغلام ذي الرجولة المبكرة بالرسول عليه السلام، وبالإسلام …

ومن ذلك اليوم إلى اليوم الذي يلقى فيه ربه ، بالغاً من العمر خمسة وثمانين عاماً ، سنجد فيه حيثما نلقاه المثابر الأوَّاب الذي لا ينحرف عن نهجه قيدَ شعرة ، ولا يندُّ عن بيعة بايعها ، ولا يخيسُ بعهد أعطاه …

وإن المزايا التي تأخذ الأبصار إلى عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – لكثيرة .

فعلمه، وتواضعه، واستقامة ضميره، ونهجه، وجودُه، وورعه، ومثابرته على العبادة، وصدق استمساكه بالقدوة … كل هذه الفضائل والخصال ، صاغ ابن عمر منها ، وبها، شخصيته الفذّة ، وحياته الطاهرة الصادقة …

لقد تعلّم من أبيه عمر بن الخطاب خيراً كثيراً .. وتعلّم مع أبيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير كله، والعظمة كلها …

لقد أحسن كأبيه الإيمان بالله ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم … ومن ثمَّ، كانت متابعته خُطى الرسول أمراً يبهر الألباب .

فهو ينظر، ماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل في كل أمر، فيحاكيه في دقة وإخبات ..

هنا مثلاً، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي .. فيصلي ابن عمر في ذات المكان ..

وهنا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قائماً؛ فيدعو ابن عمر قائماً …

وهنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو جالساً؛ فيدعو عبد الله جالساً …

وهنا، وعلى هذا الطريق نزل الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً من فوق ظهر ناقته، وصلى ركعتين؛ فيصنع ابن عمر ذلك إذا جمعه سفر بنفس البقعة والمكان …

بل إنه ليذكر أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم دارت به دورتين في هذا المكان بمكّة، قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها، ويصلي ركعتين ، وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائياً لتهيّئ لنفسها مناخها .

لكن عبد الله بن عمر لا يكاد يبلغ هذا المكان يوماً حتى يدور بناقته ثم يُنيخُها، ثم يصلي ركعتين لله… تماماً كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ..!!

ولقد أثار فَرطُ اتباعه هذا أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – فقالت:

((ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر)).

ولقد قضى عمره الطويل المبارك على هذا الولاء الوثيق ، حتى لقد جاء على المسلمين زمان كان صالحهم يدعو ويقول:

((اللهم أبقِ عبد الله بن عمر ما أبقيتني ؛ كي أقتدي به؛ فإني لا أعلم أحداً على الأمر الأول غيره)) .

وبقوة هذا التحري الشديد الوثيق لخُطى الرسول وسنّته، كان ابن عمر يتهيّب الحديث عن رسول الله ، ولا يروي عنه عليه السلام حديثاً إلا إذا كان ذاكراً كل حروفه ، حرفاً .. حرفاً .

وقد قال معاصروه:

((لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أشد حذراً من ألا يزيد في حديث الرسول أو ينقُص منه، من عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - ))..!!

وكذلك كان شديد الحذر والتّحوّط في الفُتيا …

جاءه يوماً سائل يستفتيه ، فلمّا ألقى على ابن عمر سؤاله ، أجابه قائلاً:

((لا عِلْمَ لي بما تسأل عنه)) .

وذهب الرجل إلى سبيله .. ولا يكاد يبتعد عن ابن عمر خطوات حتى يفرك ابن عمر كفّيه جَذلان فَرِحاً ويقول لنفسه:

((سُئِل ابن عمر عما لا يعلم ، فقال لا أعلم))..!!

كان يخاف أن يجتهد في فتياه، فيخطئ في اجتهاده، وعلى الرغم من أنه يحيا وَفقَ تعاليم دين عظيم ، للمخطئ أجر، وللمصيب أجران، فإن وَرَعَه كان يسلبه الجسارة على الفُتيا .

وكذلك كان يَنأى به عن مناصب القضاة …

ولقد كانت وظيفة القضاء من أرفع مناصب الدولة والمجتمع، وكانت تضمن لشاغلها ثراءً، وجاهاً، ومجداً..

ولكن ما حاجة ابن عمر الوَرع للثراء، وللجاه ، وللمجد..؟!

دعاه يوماً الخليفة ((عثمان)) – رضي الله عنهما - ، وطلب إليه أن يشغل منصب القضاء ، فاعتذر .. وألَحَّ عليه عثمان، فثابر على اعتذاره..

وسأله عثمان: أتعصيني؟؟

فأجاب ابن عمر: ((كلا… ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة…

قاض يقضي بجهل؛ فهو في النار ..

وقاض يقضي بهَوىً؛ فهو في النار ..

وقاض يجتهد ويصيب؛ فهو كفاف، لا وِزرَ، ولا أجر …

وإني لسائلُكَ بالله أن تعفيني)) ..

وأعفاه عثمان، بعد أن أخذ عليه العهد ألا يخبر بهذا أحداً .

ذلك أن عثمان يعلم مكانة ابن عمر في أفئدة الناس ، وأنه ليخشى إذا عرف الأتقياء الصالحون عزوفه عن القضاء أن يتابعوه وينهجوا نهجه، وعندئذٍ لا يجد الخليفة تقيَّاً يعمل قاضياً..

وقد يبدو هذا الموقف لعبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – سِمَةً من سمات السلبية .

بيد أنه ليس كذلك؛ فعبد الله بن عمر لم يمتنع عن القضاء وليس هناك من يَصلح له سواه …

بل كان كثيرون من أصحاب الرسول الورعين الصالحين ، وكان بعضهم يشتغل بالقضاء والفتيا بالفعل ..

ولم يكن في تخلِّي ابن عمر عنه تعطيل لوظيفة القضاء، ولا إلقاء بها بين أيدي الذين لا يصلحون لها .. ومن ثمّ فقد آثر البقاء مع نفسه، ينمِّيها ويزكيها بالمزيد من الطاعة ، والمزيد من العبادة …

كما أنه في ذلك الحين من حياة الإسلام ، كانت الدنيا قد فتحت على المسلمين وفاضت الأموال ، وكثرت المناصب والإمارات .

وشرع إغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة، مما جعل بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنهم ابن عمر، يرفعون راية المقاومة لهذا الإغراء باتخاذهم من أنفسهم قُدوَةً ومثلاً في الزهد والوَرَع وفي العزوف عن المناصب الكبيرة ، وقهر فتنها وإغرائها …

* * *

لقد كان ابن عمر – رضي الله عنهما – أخا الليل يقومه مصلّياً … وصديق السحر يقطعه مستغفراً وباكياً …

ولقد رأى في شبابه رؤيا، فسَّرها الرسول صلى الله عليه وسلم تفسيراً جعل قيام الليل منتهى آمال عبد الله، ومناط غبطته وحُبُوره .

ولنصغِ إليه يحدثنا بنفسه عن نبأِ رؤياه:

((رأيتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعةَ إستبرق، وكأنني لا أريد مكاناً من الجنة إلا طارت بي إليه…

ورأيت كأن اثنين أتياني ، وأرادا أن يذهبا بي إلى النار ، فتلقَّاهما مَلَك، فقال: لا تُرَعْ ، فخلَّيا عني .

فقَصَّت حَفصةُ – أختي – على النبي صلى الله عليه وسلم رُؤياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نِعْمَ الرجلُ عبد الله ، لو كان يُصلّي من الليل فَيُكثِرُ)) ..

ومن ذلك اليوم إلى أن لقيَ ربه، لم يدع قيام الليل في حِلِّه، ولا في ترحاله…

فكان يصلّي ويتلو القرآن ، ويذكر ربه كثيراً.. وكان كأبيه، تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن.

يقول ((عبيد بن عمير)): قرأت يوماً على عبد الله بن عمر هذه الآية:

]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً{41} يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً[ [النساء: 41-42]

فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.

وجلس يوماً بين إخوانه، فقرأ:

]وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ{1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ{2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ{3} أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ{4} لِيَوْمٍ عَظِيمٍ{5} يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[ [المطففين: 1-6]

ثم مضى يردِّد الآية:

] يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[

ودموعه تسيل؛ كالمطر... حتى وقع من كثرة وَجْدِه وبكائه..!!

* * *

ولقد كان جوده، وزهده، وورعه، تعمل معاً في فن عظيم؛ لتشكل أروع فضائل هذا الإنسان العظيم.. فهو يعطي الكثير؛ لأنه جواد..

ويعطي الحلال الطيب؛ لأنه وَرع..

ولا يبالي أن يتركه الجود فقيراً؛ لأنه زاهد..!!

وكان ((ابن عمر)) – رضي الله عنهما – من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة، إذ كان تاجراً أميناً ناجحاً شطر حياته .. وكان راتبه من بيت المال وفيراً .. ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قطُّ، إنما كان يرسله غَدقاً على الفقراء، والمساكين ، والسائلين ..

يحدثنا ((أيوب بن وائل الراسبي)) عن واحدة من مكرماته؛ فيخبرنا أن ابن عمر جاءه – يوماً – أربعة آلاف درهم، وقطيفة ..

وفي اليوم التالي ، رآه ((أيوب بن وائل)) في السوق يشتري لراحلته علفاً نَسيئة؛ أي: دَيْناً ...

فذهب ((ابن وائل)) إلى أهل بيته وسألهم: أليس قد أتى لأبي عبد الرحمن – يعني ابن عمر- بالأمس أربعة آلاف ، وقطيفة..؟

قالوا: بلى..

قال: فإني رأيته اليوم بالسوق يشتري علفاً لراحلته ولا يجد معه ثمنه..

قالوا: إنه لم يبت بالأمس حتى فرَّقها جميعاً، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره ، وخرج ..ثم عاد وليست معه، فسألناه عنها، فقال: إنه وهبها لفقير..!!

فخرج ((ابن وائل)) يضرب كفّاً بكف، حتى أتى السوق فتوقَّل مكاناً عالياً، وصاح في الناس : ((يا معشر التّجار... ما تصنعون بالدنيا، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها، ثم يُصيح فيستدين علفاً لراحلته))..؟؟!!

ألا إن من كان ((محمد)) صلى الله عليه وسلم أستاذه ... و((عمر)) أباه، لعظيم، وكفء لكل عظيم..!!

إن جود عبد الله بن عمر، وزهده، وورعه، هذه الخصال الثلاث ، كانت تحكي لدى عبد الله صدق القدوة .. وصدق البُنُوّة..

فما كان لمن يمعن في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه ليقف بناقته حيث رأى الرسول يوماً يقف بناقته. ويقول : ((لعل خُفّاً يقع على خفٍّ)).!

والذي يذهب في بر أبيه وتوقيره والإعجاب به إلى المدى الذي كانت شخصية عمر تفرضه على الأعداء، فضلاً عن الأقرباء، فضلاً عن الأبناء..

أقول: ما كان ينبغي لمن ينتمي لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولهذا الوالد أن يصبح للمال عبداً .. ولقد كانت الأموال تأتيه وافرة كثيرة ..ولكنها تمر به مروراً.. وتعبر داره عبوراً..

ولم يكن جوده سبيلاً إلى الزهو، ولا إلى حسن الأحدوثة.

ومن ثم ، فقد كان يخصُّ به المحتاجين والفقراء.. وقلّما كان يأكل طعاماً وحده.. فلا بدّ من أن يكون معه أيتام، أو فقراء .. وطالما كان يعاتب بعض أبنائه ، حين يولمون للأغنياء، ولا يأتون معهم بالفقراء، ويقول لهم:

((تَدْعُون الشِّباع.. وتَدَعون الجياع))..!!

وعرف الفقراء عطفه، وذاقوا حلاوة برّه وحنانه، فكانوا يجلسون في طريقه؛ كي يصحبهم إلى داره حين يراهم .. وكانوا يَحُفُّون به كما تحفُّ أفواج النحل بالأزاهير ترتشف منها الرحيق..!

* * *

لقد كان المال بين يديه خادماً لا سيداً .

وكان وسيلة لضرورات العيش، لا للترف .

ولم يكن ماله وحده، بل كان للفقراء فيه حقٌّ معلوم ، بل حقٌّ متكافئ لا يتميز فيه بنصيب ..

ولقد أعانه على هذا الجود الواسع زهده .. فما كان ابن عمر يتهالك على الدنيا ، ولا يسعى إليها ، بل لا يرجو منها إلا ما يستر الجسد من لباس ، ويقيم الأود من طعام ..

أهداه أحد إخوانه القادمين من خراسان حُلّة ناعمة أنيقة، وقال له :

لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ، وإنه لتقر عيناي إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه، وترتدي هذا الثوب الجميل ..

قال له ابن عمر: أرِنيه إذاً .

ثم لمسه وقال: أحرير هذا ..؟؟

قال صاحبه: لا... إنه قطن.

وتملاّه عبد الله قليلاً، ثم دفعه بيمينه وهو يقول: ((لا.. إني أخاف على نفسي .. أخاف أن يجعلني مختالاً فخوراً.. والله لا يحب كل مختال فخور)).!!!

وأهداه يوماً صديق وعاءً مملوءاً ..

وسأله ابن عمر: ما هذا ..؟

قال: هذا دواء عظيم جئتك به من العراق..

قال ابن عمر: وماذا يُطَبِّب هذا الدواء..؟

قال: يهضم الطعام..

فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه: ((يهضم الطعام..؟؟ إني لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عاماً)).!!!

إن هذا لم يشبع من طعام منذ أربعين عاماً، لم يكن يترك الشبع خصاصة.. بل زهداً، وورعاً، ومحاولة للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيه ..

كان يخاف أن يقال له يوم القيامة:

]أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا[ [الأحقاف: 20]

وكان يدرك أنه في الدنيا ضيف، وعابر سبيل ..

ولقد تحدَّث عن نفسه فقال:

((ما وضعت لَبِنةً على لَبِنةٍ، ولا غرستُ نخلةً منذُ توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ..

ويقول ميمون بن مهران:

((دخلت على ابن عمر، فقوَّمتُ كل شيء في بيته من فراش ، ولحاف، وبساط… ومن كل شيء فيه، فما وجدته يُساوي مئة درهم))..!!!

لم يكن ذلك عن فقر .. فقد كان ابن عمر ثرياً ..

ولا كان ذلك عن بخل .. فقد كان جواداً سخيّاً ..

وإنما كان عن زهد في الدنيا، وازدراء للترف، والتزام لمنهجه في الصدق والورع ..

ولقد عمَّر ابن عمر طويلاً، وعاش في العصر الأموي الذي فاضت فيه الأموال وانتشرت الضياع، وغطّى البذخ أكثر الدور.. بل قلْ أكثر القصور ..

ومع هذا، بقي ذلك الطود الجليل شامخاً ثابتاً، لا يبرح نهجه ولا يتخلى عن ورعه وزهده .

وإذا ذُكّر بحظوظ الدنيا ومتاعها التي يهرب منها قال:

((لقد اجتمعتُ وأصحابي على أمر، وإني أخاف إن خالفتهم ألاّ ألحق بهم)) .

ثم يُعلم الآخرين أنه لم يترك دنياهم عجزاً، فيرفع يديه إلى السماء ويقول:

((اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشاً في هذه الدنيا)) .

* * *

أجل… لولا مخافة ربه لزاحم في الدنيا، ولكان من الظافرين..

بل إنه لم يكن بحاجة إلى أن يزاحم، فقد كانت الدنيا تسعى إليه وتطارده بطيباتها ومغرياتها..

وهل هناك كمنصب الخلافة إغراء..؟؟

لقد عُرِضَ على ابن عمر – رضي الله عنهما – مرات وهو يُعرضُ عنه .. وهُدِّد بالقتل إن لم يقبل ، فازداد له رفضاً، وعنه إعراضاً..!!

يقول الحسن – رضي الله عنه - :

((لمّا قُتِلَ عثمان بن عفان، قالوا لعبد الله بن عمر: إنك سيدُ الناس، وابن سيّد الناس؛ فاخرج نُبايع لك الناس …

قال: إني والله لئن استطعت ، لا يُهراق بسببي مِحجَمة من دم …

قالوا: لَتَخرُجنَّ، أو لنقتلنك على فِراشك …فأعاد عليهم قوله الأول…

فأطمَعُوه .. وخوّفوه..فما استقبلوا منه شيئاً))..!!

وفيما بعد .. وبينما كان الزمان يمر، والفتن تكثر، كان ابن عمر دوماً هو الأمل ، فيلحُّ الناس عليه؛ كي يقبل منصب الخلافة، ويجيئوا له بالبيعة، ولكنه كان دائماً يأبى ..

ولقد يشكل هذا الرفض مأخذاً يوجه إلى ابن عمر ..

بيد أنه كان له منطقه وحجته .

فبعد مقتل عثمان – رضي الله عنه - ، ساءت الأمور وتفاقمت على نحو ينذر بالسوء وبالخطر ..

وابن عمر، وإن يك زاهداً في جاه الخلافة، فإنه يتقبل مسؤولياتها ويحمل أخطارها ، ولكن شريطة أن يختاره جميع المسلمين طائعين، مختارين، أما أن يُحمل واحد لا غير على بيعته بالسيف، فهذا ما يرفضه ويرفض الخلافة معه ..

وآنئذٍ، لم يكن ذلك ممكناً.. فعلى الرغم من فضله، وإجماع المسلمين على حبه وتوقيره، فإن اتساع الأمصار، وتنائيها، والخلافات التي احتدمت بين المسلمين، وجعلتهم شيعاً تتنابذ بالحرب، وتتنادى للسيف، لم يجعل الجو مهيأ لهذا الإجماع الذي يشترطه عبد الله بن عمر ..

لقيه رجل يوماً فقال له : ما أحد شرٌّ لأمّة محمد صلى الله عليه وسلم منك..!

قال ابن عمر: ولِمَ..؟ فوالله ما سفكتُ دماءهم، ولا فرَّقتُ جماعتهم، ولا شققتُ عصاهم.. قال الرجل: إنك لو شئت ما اختلف فيك اثنان..

قال ابن عمر: ما أحب أنها أتتني، ورجل يقول: لا ، وآخر يقول: نعم .

وحتى بعد أن سارت الأحداث شوطاً طويلاً، واستقر الأمر لمعاوية..ثم لابنه يزيد من بعده.. ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة؛ زاهداً فيها بعد أيام من توليها..

حتى في ذلك اليوم، وابن عمر شيخ مسن كبير، كان لا يزال أمل الناس، وأمل الخلافة.. فقد ذهب إليه مروان وقال له:

هلُمَّ يدك نبايع لك، فإنك سيد العرب وابن سيدها..

قال له ابن عمر: كيف نصنع بأهل المشرق..؟

قال مروان: نضربهم حتى يبايعوا ..

قال ابن عمر: ((والله ما أحِبُّ أنها تكون لي سبعين عاماً، ويُقتلُ بسببي رجل واحد))..!!

فانصرف عنه مروان وهو ينشد:

إني أرى فِتنــةً تغلي مراجلُها

والمُلك بعـد أبي ليلى لمن غَلبا

يعني بأبي ليلى؛ معاوية بن يزيد ..

* * *

هذا الرفض لاستعمال القوة والسيف، هو الذي جعل ابن عمر يتخذ من الفتنة المسلحة بين أنصار عليّ ، وأنصار معاوية، موقف العُزلة والحياد جاعلاً شعاره ونهجه هذه الكلمات:

((مَنْ قال: حيَّ على الصلاة أجَبتُه ..

ومن قال: حيَّ على الفلاح أجبته ..

ومن قال: حيَّ على قتلِ أخيك المسلم، وأخذِ مالهِ قلتُ: لا))..!!

ولكنه في عزلته تلك وفي حياده، لا يمالئ باطلاً ..

فلطالما جابَه معاوية وهو في أوج سلطانه بتحديات أوجعته وأربكته.. حتى توعده بالقتل ، وهو القائل: ((لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت))..!!

وذات يوم، وقف الحجاج خطيباً، فقال: ((إن ابن الزبير حَرَّف كتاب الله)) !

فصاح ابن عمر في وجهه: ((كذبت.. كذبت.. كذبت)) .

وسُقط في يد الحجاج ، وصعقته المفاجأة، وهو الذي يَرهبه كل شيء، فمضى يتوعد ((ابن عمر)) بشَرِّ جزاء .

ولوَّح ابن عمر بذراعه في وجه الحجاج، وأجابه والناس منبهرون: ((إن تفعل ما تتوعد به فلا عجب؛ فإنك سفيه مُسَلَّط))..!!

ولكنه – برغم قوته وجرأته – ظل إلى آخر أيامه حريصاً على ألا يكون له في الفتنة المسلحة دور ونصيب، رافضاً، أن ينحاز فيها لأيّ فريق.. يقول أبو العالية البراء:

((كُنتُ أمشي يوماً خلف ابن عمر، وهو لا يشعر بي ، فسمعته يقول لنفسه:

((واضعين سُيوفهم على عَواتِقهم، يقتل بعضهم بعضاً يقولون:

((يا عبد الله بن عمر، أعطِ يدكَ))..؟!

وكان يتفجر أسىً وألماً، حين يرى دماء المسلمين تسيل بأيديهم..!!

وكان – كما قرأنا له في مفتتح حديثنا هذا عنه – ((لا يوقظ مؤمناً من مرقده)) .

ولو استطاع أن يمنع القتال؛ ويصون الدم لفعل، لكنّ الأحداث كانت أقوى منه ، فاعتزلها .

ولقد كان قلبه مع علي – رضي الله عنه - ، بل وكان معه يقينه فيما يبدو ، حتى لقد رُويَ عنه أنه قال في أخريات أيامه:

((ما أجِدُني آسى على شيء فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل مع علي ، الفئة الباغية))..!!

على أنه حين رفض أن يقاتل مع الإمام علي الذي كان الحق له ، وكان الحق معه، فإنه لم يفعل ذلك هرباً، ولا التماساً للنجاة.. بل رفضاً للخلاف كله، والفتنة كلها، وتجنباً لقتال لا يدور بين مسلم ومشرك ، بل بين مسلمين يأكل بعضهم بعضاً ..

ولقد أوضح ذلك تماماً حين سأله ((نافع)) فقال: ((يا أبا عبد الرحمن ، أنت ابن عمر .. وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وأنت وأنت ؛ فما يمنعك من هذا الأمر – يعني نصرة علي - ..؟؟

فأجابه قائلاً:

((يمنعني أن الله تعالى حرّم عليَّ دمَ المسلم؛ لقد قال – عزّ وجلّ- :

]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ[ [البقرة: 193]

ولقد فعلنا، وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ، أمّا اليوم، ففيمَ نقاتل..؟؟

لقد قاتلت ، والأوثان تملأ الحرم .. من الركن إلى الباب، حتى نَضاها الله من أرض العرب .. أفأقاتل اليوم من يقول : لا إله إلا الله)).؟!

هكذا كان منطقه ، وكانت حجته ، وكان اقتناعه..

فهو إذاً لم يتجنب القتال ولم يشترك فيه، لا هروباً، أو سلبية، بل رفضاً لإقرار حرب أهلية بين الأمة المؤمنة، واستنكافاً عن أن يشهر مسلم في وجه مسلم سيفاً ..

ولقد عاش عبد الله بن عمر طويلاً .. وعاصر الأيام التي فتحت فيها أبواب الدنيا على المسلمين ، وفاضت الأموال ، وكثرت المناصب ، واستشرت المطامع والرغبات ..

لكنّ قدرته النفسية الهائلة ، غيرت كيمياء الزمن ..!! فجعلت عصر الطموح ، والمال ، والفتن .. جعلت هذا العصر بالنسبة إليه ، أيام زهد ، وورع ، وسلام، عاشها المثابر الأوّاب بكل يقينه، ونسكه، وترفّعه.. ولم يُغلب قطّ على طبيعته الفاضلة التي صاغها وصقلها الإسلام في أيامه الأولى العظيمة الشاهقة ..

لقد تغيرت طبيعة الحياة، مع بدء العصر الأموي، ولم يكن ثمَّة مفرٌّ من ذلك التغير.. وأصبح العصر يومئذ، عصر توسع في كل شيء .. توسُّع لم تستجب إليه مطامح الدولة فحسب ، بل مطامح الجماعة والأفراد أيضاً .

ووسط لُجج الإغراء، وجيشان العصر المفتون بمزايا التوسع ، وبمغانمه ، ومباهجه – كان ابن عمر يعيش مع فضائله، في شغل عن ذلك كله بمواصلة تقدُّمه الروحي العظيم .

ولقد أحرز من أغراضه حياته الجليلة ما كان يرجو حتى لقد وصفه معاصروه فقالوا: ((مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل)) .

بل لقد كان يطيب لهم حين يبهرهم ألقُ فضائله ، أن يقارنوا بينه وبين والده العظيم عمر ..فيقولون:

((كان عمر في زمان له فيه نُظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير)) ..!!

وهي مبالغة يَغفرها استحقاق ابن عمر لها .. أما عمر فلا يقارن بمثله أحد .. وهيهات أن يكون له في كل عصور الزمان نظير ..

* * *

وفي العام الثالث والسبعين للهجرة.. مالت الشمس للمغيب، ورَفعت إحدى سفن الأبدية مراسيها، مبحرة إلى العالم الآخر والرفيق الأعلى ، حاملة جثمان آخر ممثل لأيام الوحي – في مكّة والمدينة – عبد الله بن عمر بن الخطّاب ..







 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-07-2010, 10:24 AM   #3
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها



مُعَلّمَة الرِّجَالِ

السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها


*****

هذا الحديث عن السيدة التي أثبتت للدنيا منذ أربعة عشر قرنا ، أن المرأة يمكن أن تكون أعلم من الرجال ؛ حتى يتعلموا منها ،وأن تكون أرجل من الرجال ؛ حتى يقتدوا بها ، وأن تكون سياسية ، وأن تكون محاربة ، وأن تخلّف في التاريخ دويّا تتناقل أصداءه العصور .

لم تتخرج في الجامعة ، لم تكن في أيامها الجامعات ، ولكنها كانت ((ولا تزال كما كانت)) تدرَّس آثارها في كلية الأداب ، كما تدرّس أبلغ النصوص الأدبية ، وتقرأ فتاواها في كليات الدين ، كما تقرأ الأحاديث النبوية ، ويبحث أعمالها كل مدرِّس لتاريخ العرب والإسلام .

امرأة ملأت الدنيا وشغلت الناس على مرِّ الدهور .

ذلك لأنه أتيح لها ما لم يتح لأحد ، فلقد تولاها في طفولتها شيخ المسلمين وأفضلهم ؛ أبوها الصدّيق ، ورعاها في شبابها خاتم الرسل وأكرم البشر زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجمعت من العلم والفضل والبيان ما لم تجمع مثله امرأة أخرى.

كانت امرأة كاملة الأنوثة ، تؤنس الزوج ؛ وترضي العشير . وكانت عالمة ، واسعة العلم ، تعلّم العلماء ، وتفتي المفتين . وكانت بليغة بارعة البيان ، تبذُّ الخطباء ، وتُزري باللُّسن المقاويل . وكانت لقوة شخصيتها ؛ زعيمة في كل شيء : في العلم ، وفي المجتمع ، وفي السياسة ،وفي الحرب .أما منزلتها في الاسلام فهي أعلى منازل التقديس ، ولكن ليس في الاسلام تقديس لأحد يعلو به عن منزلة البشر ، أو يمنحه صفات الألوهية ، أو يعطيه العصمة المطلقة ، أو يرفعه عن أن تقال في نقده كلمة الحق .

فهي أفضل امرأة في الاسلام بعد خديجة وفاطمة ، أما خديجة فلأنّ لها مزايا قلّما اجتمعت لامرأة ؛ لها عقل لا توازيه عقول المفكرين من الرجال ، ولها رأي ومنزلة ، وهي أول من رعى هذا الدين لما كان نبتة ضعيفة، وماتت قبل أن تشهد كيف صارت هذه النبتة دوحة باسقة ، امتدّت في المكان حتى أظلت الدنيا . وامتدت في الزمان حتى لامست فروع أغصانها حدود الخلود . أحبَّت محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ وأخلصت له ، وكانت له زوجا خير زوج ، وكانت له مثل الأم ، وكانت له درعا من سهام الحياة ….أما فاطمة فلأنها على نادر سجاياها وعظيم مزاياها بضعة من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وحسبها ذلك فضلا على النساء .

ولقد عدَّ الزركشي أربعين منقبة لعائشة رضي الله عنها لم تكن لغيرها …تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه كبيرات ثيّبات ( زواج مصلحة سياسية أو إدارية أو تعليمية ؛ لا كما يقول الجاهلون ) ، وتزوجها بكرا ، وكانت أحبَّهنَّ اليه وآثرهن عليه . اختار الإقامة عندها لما مرض ، وتوفي بين سَحْرها ونَحْرها ، ودفن في بيتها ، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها ، وكان برّا بها ، قام لها لما جاء الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد ، فوضعت خدّها على كتفه لتنظر اليهم حتى اكتفت ، وسابقها مرتين ؛ فسبقته أولا ثمّ لما سمنت وركبها اللحم سبقها ، وقال لها : هذه بتلك .

ولما دخل عليها أبو بكر ، وهي تقول للنبي صلى الله عليه وسلم شيئا مما تقوله الزوجات عند الغضب ؛ همَّ بضربها فحماها الرسول منه ، فلما خرج قال لها مباسطا : أرأيت كيف حميتك من الرجل ؟!

كذلك كانت معاملته صلى الله عليه وسلم لأهله ..معاملة إيناس وبرِّ وانبساط ، لا كما يظن بعض الرجال ؛ يحسبون من الرجولة أن يبقى الرجل في بيته عابسا باسرا مقطّبا وأن يأمر زوجته أمرا عسكريا ، وأن يبطش بها بطش الطغاة ؛ كلا …ما هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بهذا أمر الاسلام … قال صلى الله عليه وسلم : ((خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي )).

ومن برّه بها أن فارسيا دعاه الى وليمة(قبل أن يضرب الحجاب على زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام) ،فقال الرسول : وهذه معي ؟((يقصد عائشة) قال : لا…وعاد فدعاه، فقال : وهذه معي ؟ قال : لا….فدعاه الثالثة ؛ فقال : وهذه معي ؟ قال : نعم ، فانظروا إلى هذه السماحة من الرسول صلى الله عليه وسلم . وهذه الصراحة من الرجل ، وقيسوهما بما تعرفون من أحوال الناس اليوم . ولما نزلت آية تخيير زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بين الحرية والانطلاق فيطلقهنّ رسول الله ؛ وبين البقاء عنده ، بلغ من حرص الرسول عليها أن قال : لا تبادريني بالجواب ؛ حتى تستأمري أبويك ، خشية أن تسرع فتختار الدنيا ؛ فقالت : أفيك أستأمر ؟…واختارت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعتها بقية أمهات المؤمنين .

أما علمها فقد بلغت فيه الغاية ،حتى قال أبو موسى الأشعري : كنا أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ؛ اذا أشكل علينا أمر سألنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها .

وكانت بلاغتها تعادل علمها . قال الأحنف : سمعت خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الى يومي هذا ، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن فيه ؛ من فم عائشة . وكانت كريمة النفس ، كريمة اليد ، صبرت مع الرسول صلى الله عليه وسلم على الفقر والجوع ؛ حتى كانت تمر عليها الأيام الطويلة ، وما يوقد في بيت رسول الله نار لخبز أو طبخ ، وإنما كانا يعيشان على التمر والماء ، ولما أقبلت الدنيا على المسلمين ؛ أُتيت مرة بمئة الف وكانت صائمة ؛ ففرقتها كلها وليس في بيتها شيء، فقالت لها مولاتها : أما استطعت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه ؟ قالت : لو كنت ذكرتني لفعلت .

لم يزعجها الفقر ولم يبطرها الغنى ؛ لأنها لمّا عظمت نفسها صغرت عليها الدنيا ، فما عادت تبالي إقبالها ولا إدبارها . وأطرف ما في عائشة ؛ أنها كانت النموذج الأتمّ للمرأة ؛ في طبيعتها وفي طموحها وفي مزاياها وفي عيوبها .

كانت خير زوجة ؛ والزواج هو عمل المرأة الأول، وإن أكبر غايات المرأة أن تكون زوجة وأن تكون أمّا ، لا يغنيها عن ذلك شيء ولو حازت مالا يملأ الأرض ؛ ولو نالت مجدا ينطح السماء ، ولو بلغت من العلم والرئاسة ما تنقطع دونه الأعناق ، ما أغناها ذلك كله عن الزواج ولا محا من نفسها الميل إليه ؛ ولا الرغبة فيه .

وكانت شابة جميلة ، تشعر بشبابها وجمالها ، ومحبة الرسول لها ؛ وتتيه بذلك على ضرَّاتها ، وتتخذ من حفصة حليفا لها عليهنَّ ، تصارعهنَّ بلسانها ويدها . ولو خلا بيت من سخط المرأة حينا ، وخلافها حينا ، لخلا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليجد الأزواج في ذلك سلوةََ لهم وأسوة ، فإنها طبيعة المرأة . ولكنها كانت موقّرة لرسول الله عليه الصلاة والسلام في رضاها وسخطها ، جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : إني لأعرف رضاك من سخطك. قالت : وبمَ ؟ قال : إن رضيت قلت لا ورب محمد ؛ وإن غضبت قلت لا ورب إبراهيم .

وكانت مدلّلة؛ والدلال طبيعة المرأة الجميلة المحبوبة ، وهو الثمرة الأولى للجمال وللشعور بالحب ، قالت مرة لرسول الله : كيف حبك لي ؟…فقال صلى الله عليه وسلم : كعقدة الحبل ((أي هو متين مثلها )) فكانت تسأله مرة بعد مرة …كيف العقدة ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام : على حالها .

وكانت تغار والغيرة الثمرة الثانية لذلك ، ولكنها غير مقبولة ؛ تنبه الحب ولا تقتله ، وتذكيه ولا تطفئه ، وربَّ منبّه لفرسه بضربة شدَّدها فقتلها ومزكِِ لناره بنفخة قوّاها فأطفأها .

وكانت عالمة لأن العلم لا ينافي طبيعة المرأة ، لم يمنعها كونها أنثى من أن تكون فيه للذكور إماما.

ومن إحدى المواقف الصعبة في حياة السيدة عائشة التهمة الشنيعة التي اتّهمت بها ، وهي أبعد عنها من الأرض عن السماء ، السماء التي نزل منها الحكم ببراءتها بآيات نقرؤها في صلواتنا إلى يوم القيامة ، ولم تكن إلا درسا ألقاه الله علينا في شخص أكمل امرأة وأفضلها ، ليبتعد النساء عن مواطن الشبهات ولو كنّ تقيّات نقيّات ، وليعرفن أنه اذا اتهمت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فليس في الدنيا امرأة هي فوق التهم .



وبعد ؛ فلقد مرَّ على عائشة أربعة عشر قرنا ولم تعرف الدنيا امرأة مثلها ، وما أظن أنّ كثيرات مثلها ستعرفهنَّ هذه الدنيا.

رضي الله عنها وأعلى في الجنان منازلها .



 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-07-2010, 10:26 AM   #4
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



عبد الله بن عباس | حَبْرُ أمَّةِ محمد*صلى الله عليه وسلم*


((إنّه فتى الكهول ، له لسان سؤول ، وقلب عقول)) … ]عمر بن الخطّاب رضي الله عنه[

.………





هذا الصّحابيّ الجليل مَلَكَ المجد من أطرافه ، فما فاته منه شيء :

فقد اجتمع له مجد الصُّحبة ، ولو تأخّر ميلاده قليلاً لما شَرُف بصُحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومجد القرابة ، فهو ابن عمّ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه .

ومجد العِلم ، فهو حَبْرُ أمة محمد وبحر علمها الزّاخر .(حَبْرُ: العالم المتبحّر في العلم)

ومجد التُّقى ، فقد كان صوّاماً بالنهار قوّاماً بالليل ، مُستغفراً بالأسحار ، بَكَّاءً من خشية الله حتّى خدّد(أي: حفَر) الدمع خدَّيه .



إنّه عبد الله بن عبّاس ربَّانيُّ أمّة محمد (الرّبانيّ: العالم العارف بالله) ، وأعلمها بكتاب الله ، وأفقهها بتأويله ، وأقدرها على النفوذ إلى أغواره ، وإدراك مراميه وأسراره .



وُلِد ابن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنوات ، ولمّا توفّي الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، كان له ثلاث عشرة سنة فقط … ومع ذلك فقد حفظ للمسلمين عن نبيّهم ألفاً وستمائة وستّين حديثاً أثبتها البُخاريّ ومُسلم في صحيحهما .

ولمّا وضعته أمُّه حملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنَّكه بريقه(حنّكه:دلّك حلقه بريقه قبل أن يرضع) ، فكان أول ما دخل جوفه ريق النبي المبارك الطّاهر ، ودخلت معه التقوى والحكمة …



((( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ))) : البقرة: 269



وما أن حلَّت عن الغلام الهاشميِّ تمائمه ، ودخل سنَّ التمييز (سن التمييز: هو سن السابعة، وقيل غير ذلك) حتّى لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُلازمة العين لأختها …

فكان يُعِدُّ له ماء وضوئه إذا همَّ أن يتوضَّأ … ويقف خلفه إذا وقف للصلاة … ويكون رديفه إذا عزم على السفر (رديف الرجل: من يركب خلفه) .

حتّى غدا كظلّه يسير معه أنّى سار ، ويدور في فلكه كيفما دار .

وهو في كل ذلك يحمل بين جنبيه قلباً واعياً ، وذهناً صافياً ، وحافظة دونها كل آلات التسجيل التي عرفها العصر الحديث .

حدَّث عن نفسه قال :

همَّ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بالوضوء ذات مرّة ؛ فما أسرع أن أعددت له الماء ، فسُرَّ بما صنعت …

ولمّا همَّ بالصلاة أشار إليَّ : أن أقف بإزائه(أي: بجنبه) ، فوقفت خلفه .

فلمّا انتهتِ الصلاة مال عليَّ وقال :

((ما منعكَ أن تكون بإزائي يا عبد الله ؟!)) .

فقلت : أنت أجلُّ في عيني وأعز من أن أوازيك يا رسول الله .

فرفع يديه إلى السماء وقال : (( اللّهم آتِهِ الحِكمة )) .

وقد استجاب الله دعوة نبيّه عليه الصلاة والسلام فآتى الغُلام الهاشميّ من الحكمة ما فاق به أساطين الحكماء (أساطين الحكماء: أكابر الحكماء والمتفرّدون منهم) .



ولا ريب في أنّك تودُّ أن تقف على صورة من صور حكمة عبد الله بن عبّاس … فإليك هذا الموقف ، ففيه بعض ممّا تريد :

لمّا اعتزل بعض أصحاب علي وخذلوه في نزاعه مع معاوية رضي الله عنهما ، قال عبد الله بن عبّاس لعلي رضي الله عنه :

ائذن لي ، يا أمير المؤمنين ، أن آتي القوم وأكلّمهم .

فقال : إنّي أتخوّف عليك منهم .

فقال : كلا إن شاء الله .

ثمّ دخل عليهم فلم يَرَ قوماً قطُّ أشدّ اجتهاداً منهم في العبادة .

فقالوا : مرحباً بك يا بن عبّاس … ما جاء بِكَ ؟!

فقال : جئت أحدّثكم .

فقال بعضهم : لا تحدّثوه … وقال بعضهم : قُل نسمع منك .

فقال : أخبروني ما تنقِمون على ابن عمّ رسول الله ، وزوج ابنته ، وأوّل من آمن به ؟! .

قالوا : ننقم عليه ثلاث أمور .

قال : وما هي ؟! .

قالوا : أوّلها : أنّه حكَّم الرّجال في دين الله (يشيرون بذلك إلى قبول علي بأن يحكم بينه وبين معاوية كلّ من أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص) …

وثانيهما : أنّه قاتل عائشة ومعاوية ولم يأخذ غنائم ولا سبايا …

وثالثهما : أنّه محا عن نفسه لقب أمير المؤمنين مع أنّ المسلمين قد بايعوه وأمَّروه .

فقال : أرأيتم إن أسمعتكم من كتاب الله ، وحدّثتكم من حديث رسول الله ما لا تنكرونه ، أفترجعون عمّا أنتم فيه ؟ .

قالوا : نعم .

قال : أمّا قولكم : إنّه حكَّم الرجال في دين الله ، فالله سبحانه وتعالى يقول :



((( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ))) : المائدة: 95





أُنشدكم الله ، أفَحُكمُ الرّجال في حقنِ دمائهم وأنفسهم ، وصلاح ذات بينهم أحقُّ ، أم حُكمهم في أرنب ثمنها رُبع درهم ؟! .

فقالوا : بل في حقن دماء المسلمين وصلاح ذات بينهم .

فقال : أَخرَجنا من هذه ؟(أي: هل انتهينا من هذه؟) … فقالوا : اللَّهمَّ نعم .



قال : وأمّا قولكم : إنَّ عليَّاً قاتَلَ ولم يَسبِ ، كما سَبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أفكنتم تريدون أن تسبوا أمّكم عائشة وتستحلّونها كما تُستحلّ السّبايا ؟! …

فإن قلتم : نعم ؛ فقد كفرتم …

وإن قلتم : إنّها ليست بِأُمّكم كفرتم أيضاً ؛ فالله سبحانه وتعالى يقول :



((( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ))) :الأحزاب:6



فاختاروا لأنفسكم ما شئتم .

ثمّ قال : أخرجنا من هذه أيضاً ؟ … قالوا : اللّهمّ نعم .



قال : وأمّا قولكم : إنّ عليَّاً قد محا عن نفسه لقب إمرة المؤمنين ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلب من المشركين يوم ((الحُدَيبيّة)) أن يكتبوا في الصُّلح الذي عقده معهم ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)) .. قالوا : لو كنّا نؤمن أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب ((محمد بن عبد الله)) ، فنزل عند طلبهم وهو يقول :



والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني .



فهل خرجنا من هذه ؟ … فقالوا : اللّهمّ نعم .



وكان من ثمرة هذا اللّقاء ، وما أظهره فيه عبد الله بن عبّاس من حكمة بالغة وحجّة دامغة أن عاد منهم عشرون ألفاً إلى صفوف علي ، وأصرّ أربعة آلاف على خصومتهم له عناداً وإعراضاً عن الحقّ .



وقد سلك الفتى عبد الله بن عبّاس إلى العلم كل سبيل ، وبذل من أجل تحصيله كل جهد .

فقد ظلَّ ينهل من معين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما امتدّت به الحياة ، فلمّا لحِق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بجوار ربّه اتّجه إلى البقيّة الباقية من علماء الصّحابة وطفق يأخذ منهم ويتلقّى عنهم .

حدّث عن نفسه قال :

كان إذا بلغني الحديث عند رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتيت باب بيته في وقت قيلولته وتوسّدت ردائي عند عتبة داره ، فيسفي عليَّ الرّيح من التراب ما يسفي (يسفي: يحمل) ، ولو شئت أن أستأذن عليه لأذن لي …وإنّما كنت أفعل ذلك لأطيّب نفسه .

فإذا خرج من بيته رآني على هذه الحال ؛ وقال : يا بن عمّ رسول الله ، ما جاء بِكَ ؟ … هلّا أرسلت إليَّ فآتيك ؟ .

فأقول: أنا أحقُّ بالمجيء إليك ، فالعلم يُؤتى ولا يأتي ، ثمّ أسأله عن الحديث .



وكما كان عبد الله بن عبّاس يُذِلُّ نفسه في طلب العلم ؛ فقد كان يُعلي من قدر العلماء .

فها هو ذا زيد بن ثابت كاتب الوحي ورأس أهل المدينة في القضاء والفقه والقراءة والفرائض (الفرائض: عِلم قسمة التركة على مستحقّيها) يهِمُّ بركوب دابّته فيقف الفتى الهاشميّ عبد الله بن عبّاس بين يديه وقفة العبد بين يدي مولاه ، ويُمسك له رِكابه ، ويأخذ بزمام دابّته .

فقال له زيد : دَعْ عنك يا بن عمِّ رسول الله .

فقال ابن عبّاس : هكذا أُمرنا أن نفعل بِعُلمائنا .

فقال له زيد : أرني يدك … فأخرج له ابن عبّاس يده ، فمال عليها وقبَّلها وقال :

هكذا أُمِرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا .



وقد دأب ابن عبّاس على طلب العلم حتّى بلغ فيه مبلغاً أدهش الفُحول … فقال فيه مسروق بن الأجدع أحد كبار التّابعين ((التّابعين: هم الرعيل الأول بعد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قسمهم علماء الحديث إلى طبقات ، أوّلهم من لحِق العشرة المبشّرين بالجنّة ، وآخرهم من لقي صغار الصحابة أو من تأخّرت وفاتهم)) :



كنت إذا رأيت ابن عبّاس قُلت : أجملُ الناس …

فإذا نطقَ قلت : أفصحُ الناس …

فإذا تحدّثَ قلت: أعلمُ الناس .



ولمّا اكتمل لابن عبّاس ما طمح إليه من العلم تحوّل إلى معلّم يُعلّم الناس .

فأصبح بيته جامعة للمسلمين …

نعم أصبح جامعةً بكلِّ ما تعنيه الكلمة في عصرنا الحديث …

وكل ما بين جامعة ابن عبّاس وجامعاتنا من فرق ، هو أنّ جامعات اليوم يُحشد فيها عشرات الأساتذة ، وأحياناً المئات …

أمّا جامعة ابن عبّاس فقد قامت على أكتاف أستاذ واحد ؛ هو ابن عبّاس نفسُهُ .



روى أحد أصحابه قال :

لقد رأيت من ابن عبّاس مجلساً لو أنّ جميع قريش افتخرت به لكان لها مفخرةً …

فلقد رأيت الناس اجتمعوا في الطّرق المؤدّية إلى بيته حتّى ضاقت بهم ، وسدُّوها في وجوه الناس ، فدخلتُ عليه وأخبرته باحتشاد الناس على بابه ، فقال : ضع لي وَضوءاً ( الوَضوء بفتح الواو: الماء الذي يتوضّأ به) … فتوضّأ وجلس ، وقال :

اخرج وقُل لهم :

من كان يريد أن يسأل عن القُرآن وحروفه فليدخل …

فخرجت فقلت لهم ، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .



ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل … فخرجت فقلت لهم .

فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .

ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل … فخرجت فقلت لهم ، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .



ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل … فخرجت فقلت لهم ، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .



ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن العربيَّة والشعر وغريب كلام العرب فليدخل … فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثله .

قال راوي الخبر : فلو أنّ قريشاً فخرت بذلك لكان ذلك لها فخراً .



وكأنّ ابن عبّاس رضي الله عنه رأى أن يوزّع العلوم على الأيام حتّى لا يحدث على بابه مثلُ ذلك الزّحام …

فصار يجلس في الأسبوع يوماً لا يُذكر فيه إلا التَّفسير .



ويوماً لا يُذكر فيه إلا الفقه .



ويوماً لا تُذكر فيه إلا المغازي .(المغازي: غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم) .



ويوماً لا يُذكر فيه إلا الشِّعر .



ويوماً لا تُذكر فيه إلا أيَّام العرب .



وما جلس إليه عالم قطُّ إلا خضع له … وما سأله سائل قطُّ إلا وجد عنده عِلماً .



وقد غدا ابن عبّاس ، بفضل عِلمه وفقهه ، مستشاراً للخلافة الرّاشدة على الرّغم من حداثَةِ سِنِّه .

فكان إذا عرض لعمر بن الخطّاب أمر أو واجهته مشكلة دعا جِلَّةَ الصحابة(أي: شيوخهم ومتقدّموهم) ودعا معهم عبد الله بن عبّاس ، فإذا حضرَ رفعَ منزِلته وأدنى مجلِسَهُ وقال له :

لقد أعضل علينا أمر أنت له ولأمثالِهِ .

وقد عُوتِب مرّة في تقديمه له وجعله مع الشّيوخ ، وهو ما زال فتى ، فقال :

إنَّه فتى الكُهُول ، لهُ لِسانٌ سؤول وقلبٌ عقولٌ .



على أنّ ابن عبّاس حين انصرف إلى الخاصَّة ليُعلِّمهم ويُفقِّههم ، لم ينسَ حقَّ العامّة عليه ، فكان يعقد لهم مجالس الوعظ والتّذكير . فمن مواعظه قوله مخاطباً أصحاب الذّنوب :



يا صاحب الذّنب لا تأمن عاقبة ذنبك ، واعلم أنّ ما يتبع الذّنب أعظم من الذّنب نفسه .

فإنّ عدم استِحيائك ممَّن على يمينك وعلى شمالك وأنت تقترف الذّنب لا يقلُّ عن الذّنب .

وإنّ ضحكك عند الذّنب وأنت لا تدري ما الله صانع بكَ أعظم من الذّنب .

وإنّ فرحك بالذّنب إذا ظفرت به أعظم من الذّنب .

وإنّ حزنك على الذّنب إذا فاتك أعظم من الذّنب .

وإنّ خوفك من الرّيح إذا حرّكت سِترَك ، وأنت ترتكب الذّنب مع كونك لا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذّنب .

يا صاحب الذّنب : أتدري ما كان ذنب أيّوب عليه السلا م حين ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بجسده وماله ؟…

إنّما كان ذنبه أنَّه استعان بِهِ مسكين ليدفَعَ عنه الظُّلمَ فلم يُعِنهُ .



ولم يكن ابن عبّاس من الذين يقولون ما لا يفعلون ، وينهون الناس ولا ينتهون ، وإنّما كان صوّام نهارٍ قوّامَ ليلٍ .

أخبر عنه عبد الله بن مُليكة قال :

صحِبت ابن عبّاس رضي الله عنه من مكّة إلى المدينة ، فكنّا إذا نزلنا منزلاً قام شطرَ اللّيل والناس نيام من شدّة التّعب . ولقد رأيته ذات ليلة يقرأ :



((( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ))) :ق:19



فظلَّ يُكرِّرها وينشِجُ حتّى طلع عليه الفجر .(ينشِج: يبكي بصوت عالٍ) .

وحسبُنا بعد ذلك كلُّه أنّ عبد الله بن عبّاس كان من أجمل النّاس جمالاً ، وأصبحهم وجهاً ، فما زال يبكي في جوف اللّيل من خشية الله حتّى خدَّد الدَّمعُ الهَتُونُ(أي: المتصبِّب بغزارة) خدَّيهِ الأسِيلَينِ .(الأسِيلَينِ: المستويين النّاعِمَين) .



وقد بلغ ابن عبّاس من مجد العلم غايته .

ذلك أنّ خليفة المُسلمين معاوية بن أبي سفيان خرج ذات سنة حاجَّاً … وخرج عبد الله بن عبّاس أيضاً ، ولم يكن له صولة ولا إمارة . فكان لمعاوية موكب من رجال دولته ، وكان لعبد الله بن عبّاس موكب يفوق موكب الخليفة من طلاب العِلم .



عُمِّر ابن عبّاس إحدى وسبعين سنة ملأ فيها الدُّنيا عِلماً وفهماً وحكمةً وتقىً .

فلمّا أتاه اليقين(أي: الموت) صلَّى عليه محمد بن الحنفيّة .

والبقيّة الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجِلَّةُ التّابعين …



وفيما كانوا يُوارونه تُرابه ، سمعوا قارئاً يقرأ :



((( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي{30} ))) : الفجر



 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-07-2010, 10:33 AM   #5
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



أَنَسُ بنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيّ ُ

(( اللّهُمَّ ارزُقهُ مَالاً وَوَلَداً ، وبارِكْ لَهُ ))



من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهُ


كان أنس بن مالك في عُمر الورد حين لقّنته أُمُّه((الغُمَيصَاء)) الشهادتين ، وأترعت (أي:ملأت) فؤاده الغضّ بحُبِّ نبيّ الإسلام محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام …

فشُغِفَ أنس به حُبّاً على السّماع .

ولا غروَ ، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا …



وكم تمنّى الغُلام الصغير أن يمضي إلى نبيّه في مكّة ، أو يفِدَ الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عليهم في يثرب ؛ لِيَسعدَ بِرُؤياه ويهنأ بلُقاه .



لم يمض على ذلك طويل وقت حتّى سرى في يثرب المحظوظة المغبوطة أن النبي صلوات الله وسلامه عليه وصاحبه الصّدّيق في طريقهما إليها … فغمرت البهجة كلّ بيت ، وملأت الفرحة كلّ قلب …

وتعلّقت العيون والقلوب بالطريق الميمون الذي يحمل خُطا النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى يثرب .



وأخذ الفتيان يُشيعون مع إشراقة كل صباح :

أنّ محمداً قد جاء …

فكان يسعى إليه أنس مع السّاعين من الأولاد الصّغار ؛ لكنّه لا يرى شيئاً فيعود كئيباً محزوناً .



وفي ذات صباح شَذِيّ الأنداء(أي:مطيّب بالمسك) ، نضير الرُّواء ، هتف رجال في يثرب : إنّ محمداً وصاحبه غدوا قريتين من المدينة .

فطفق الرّجال يتّجهون نحو الطريق الميمون الذي يحمل إليهم نبيّ الهُدى والخير …

ومضوا يتسابقون إليه جماعات جماعات ، تتخلّلهم أسراب من صغار الفتيان تُزغرد على وجوههم فرحة تغمر قلوبهم الصغيرة ، وتُترع أفئدتهم الفتيّة …

وكان في طليعة هؤلاء الصّبية أنس بن مالك الأنصاريّ .



أقبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه مع صاحبه الصّدّيق ، ومضيا بين أظهُر الجموع الزّاخرة من الرجال والولدان …

أمّا النّسوة المُخَدَّرات(أي:المستقرات في خدورهن :أي بيوتهن) ، والصّبايا الصّغيرات فقد عَلَوْنَ سطوح المنازل ، وجعلن يتراءين الرسول صلى الله عليه وسلم ويقلن :

أيُّهم هو ؟! … أيُّهم هو ؟! .

فكان ذلك اليوم يوماَ مشهوداً …

ظلّ أنس بن مالك يذكره حتّى نيّف على المائة من عمره .



ما كاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يستقرُّ بالمدينة ؛ حتّى جاءت((الغُمَيصاء)) أُمُّ أنس ، وكان معها غُلامها الصّغير ، وهو يسعى بين يديها ، وذُؤابتاه(الذُؤابة: الشعر المضفور من الرأس) تتحركان على جنبيه …

ثمّ حيَّت النبي عليه الصلاة والسلام وقالت :

يا رسول الله … لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفَوكَ بتُحفَة ، وإنّي لا أجِدُ ما أُتحِفُكَ بِه غير ابني هذا …

فخُذهُ ؛ فَليخدمك ما شئت …

فَهَشَّ النبي صلى الله عليه وسلم للفتى الصّغير وبشَّ (هشّ وبشّ: فرح به وأقبل عليه بوجه طلق) ، ومسح رأسه بيده الشريفة ، ومسَّ ذُؤابته بأنامله الندِيَّة ، وضَمَّه إلى أهله .



كان أنس بن مالك أو (( أُنَيسٌ ))- كما كانوا يُنادونه تدليلاً- في العاشرة من عمره يوم سعِدَ بخدمة النبي صلوات الله وسلامه عليه .

وظلَّ يعيش في كنفه ورعايته إلى أن لحِق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى .

فكانت مُدّة صُحبته له عشر سنوات كاملات ، نهل فيها من هديه ما زكّى به نفسه ، ووعى من حديثه ما ملأ به صدره ، وعرف من أحواله وأخباره وأسراره وشمائله ما لم يعرفه أحد سواه .



وقد لقي أنس بن مالك من كريم معاملة النبي صلوات الله وسلامه عليه ما لم يظفر به ولد من والد …

وذاق من نبيل شمائله ، وجليل خصائله ما تغبطه عليه الدُنيا .

فلنترك لأنس الحديث عن بعض الصور الوضّاءة من هذه المعاملة الكريمة التي لقيها في رحاب النبي السّمح الكريم صلى الله عليه وسلم ، فهو بها أدرى ، وعلى وصفها أقوى …

قال أنس بن مالك :

كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من أحسن الناس خُلُقاً ، وأرحبهم صدراً ، وأوفَرِهِم حناناً …

فقد أرسلني يوماً لحاجة فخرجت ، وقصدت صِبياناً يلعبون في السُّوق لألعب معهم ولم أذهب إلى ما أمرني بِهِ ، فلمّا صِرتُ إليهم شعرتُ بإنسان يقف خلفي ، ويأخُذ بثوبي …

فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول :

(( يا أُنيس أذهبت حيثُ أمرتُكَ ؟ )).

فارتبكتُ وقلت : نعم …

إنّي ذاهب الآن يا رسول الله …

والله لقد خدمتُهُ عشر سنين ، فما قال لشيء صنعته : لِمَ صنعته …

ولا لشيء تركته : لِمَ تركته ؟! .



وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه إذا نادى أنساً صغَّره تحبُّباً وتدليلاً ، فتارة يناديه يا أُنيسُ ، وأُخرى يا بُنَيَّ .

وكان يُغدق عليه من نصائحه ومواعظه ما ملأ قلبه وملك لُبَّهُ .

من ذلك قوله له :

((( يا بنيّ إن قدرت أن تُصبح وتُمسي وليس في قلبك غِشٌّ لأحد فافعل …



يا بني إنّ ذلك من سُنَّتي ، ومن أحيا سُنَّتي فقد أحبَّني …

ومن أحبّني كان معي في الجنّة …



يا بُني إذا دخلت على أهلك فَسلّم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك )))



عاش أنس بن مالك بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام نيّفاً وثمانين عاماً ، ملأ خلالها الصُدور عِلماً من علم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وأترع فيها العقول فقهاً من فقه النُّبوّة …

وأحيا فيها القلوب بما بثّه بين الصحابة والتابعين من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أذاعه في الناس من شريف أقوال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وجليل أفعاله .



وقد غدا أنس بن مالك على طول هذا العمر المديد مرجِعاً للمسلمين ، يفزعون إليه كُلَّما أشكل عليه أمر ، ويُعَوّلون (أي: يعتمدون) عليه كلّما استغلق على أفهامهم حُكمٌ (أي:كلمّا أشكل عليهم حكم) .



من ذلك ، أن بعض المُمارين في الدين جعلوا يتكلّمون في ثبوت حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، فسألوه في ذلك ، فقال :

ما كنت أظنُّ أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض(يتمارون:يتنازعون) ، لقد تركتُ عجائز خلفي ما تُصلّي واحدة منهنَّ إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي عليه الصلاة والسلام .



ولقد ظلّ أنس بن مالك يعيش مع ذكرى الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما امتدّت به الحياة …

فكان شديد البهجة بيوم لِقائه ، سَخِيَّ الدمعة على يوم فِرَاقِه ، كثير التّرديد لكلامه …

حريصاً على متابعته في أفعاله وأقواله ، يُحبُّ ما أحبَّ ، ويكره ما كره ، وكان أكثر ما يذكُره من أيامِهِ يومان :

يوم لِقائهِ معه أوّل مرّةٍ ، ويوم مُفارقتِه له آخر مرّةٍ .

فإذا ذكر اليوم الأول سَعِدَ به وانتشى ، وإذا خطر له اليوم الثاني انتحَبَ وبكى ، وأبكى من حوله من الناس .

وكثيراً ما كان يقول :

لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يوم دخل علينا ، ورأيته يوم قبض منّا ، فلم أر يومين يشبهانهما .

ففي يوم دخوله المدينة أضاء فيها كلُّ شيء …

وفي اليوم الذي أوشك فيه أن يمضي إلى جوار ربّه أظلم فيها كل شيء …



وكان آخر نظرة نظرتها إليه يوم الاثنين حين كشفت السّتارة عن حجرته ، فرأيت وجهه كأنّه ورقة مُصحف ، وكان الناس يومئذ وقوفاً خلف أبي بكر ينظرون إليه ، وقد كادوا أن يضطربوا ، فأشار إليهم أبو بكر أن اثبتوا .



ثمّ تُوفّي الرسول عليه الصلاة والسلام في آخر ذلك اليوم ، فما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجهه- صلى الله عليه وسلم- حين واريناه تُرابه .

ولقد دعا رسول الله صلوات الله عليه لأنس بن مالك أكثر من مرّة …

وكان من دعائه له :

(( اللهمَّ ارزقه مالاً وولداً ، وبارك له ))…



وقد استجاب الله سبحانه دُعاء نبيّه عليه الصلاة والسلام ، فكان أنس أكثر الأنصار مالاً ، وأوفرهم ذُرّيّة ؛ حتّى إنّه رأى من أولاده وحفدته ما يزيد على المائة .

وقد بارك الله له في عمره حتّى عاش قرناّ كاملاً …

وفوقه ثلاث سنوات .

وكان أنس رضوان الله عليه شديد الرجاء لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له يوم القيامة ؛ فكثيراً ما كان يقول :

إنّي لأرجو أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة فأقول له :

يا رسول الله هذا خُويدِمِكَ أُنَيسٌ .



ولمّا مرض أنس بن مالك مَرَض الموت قال لأهله : لقّنوني :

لا إِلَهَ إِلا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ .



ثم ظلَّ يقولها حتّى مات .

وقد أوصى بِعُصَيَّةٍ صغيرة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تُدفن معه ، فوضعت بين جنبه وقميصه .



هنيئاً لأنس بن مالك الأنصاريّ على ما أسبغه الله عليه من خير .

فقد عاش في كنف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عشر سنوات كاملات …

وكان ثالث اثنين في رواية حديثه هُما أبو هريرة ، وعبد الله بن عُمر …

وجزاه الله هو وأُمَّهُ الغُمَيصَاءَ عن الإسلام والمسلمين خير الجزاءِ .


 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-07-2010, 10:40 AM   #6
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الصحابي جابر بن عبدالله رضي الله عنه

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، يجتمع هو والذي قبله في غنم بن كعب، وكلاهما أنصاريان سلميان، وقيل في نسبه غير هذا، وهذا أشهرها، وأمه‏:‏ نسيبة بنت عقبة بن عدي بن سنان بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم، تجتمع هي وأبوه في حرام، يكنى أبا عبد الله، وقيل‏:‏ أبو عبد الرحمن، والأول أصح، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي، وقال بعضهم‏:‏ شهد بدراً، وقيل‏:‏ لم يشهدها، وكذلك غزوة أحد‏.‏

أخبرنا أبو الفضل المنصور بن أبي الحسن بن أبي عبد الله المخزومي، بإسناده إلى أحمد بن علي بن المثنى قال‏:‏ حدثنا أبو خيثمة، أخبرنا روح، أخبرنا زكريا، حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول‏:‏ غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، قال جابر‏:‏ لم أشهد بدراً ولا أحداً؛ منعني أبي، فلما قتل يوم أحد، لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قط‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ شهد جابر أحداً وقيل‏:‏ شهد مع النبي ثمان عشرة غزوة، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعمي في آخر عمره، وكان يحفى شاربه، وكان يخضب بالصفرة، وهو آخر من مات بالمدينة ممن شهد العقبة‏.‏

وقد أورد ابن منده في اسمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر الموسم وخرج نفر من الأنصار، منهم أسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله السلمي، وقطبة بن عامر؛ وذكرهم، قال‏:‏ فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام، وذكر الحديث، فظن أن جابر بن عبد الله السلمي هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام، وليس كذلك، وإنما هو جابر بن عبد الله بن رئاب، وقد تقدم ذكره قبل هذه الترجمة، وقد كان جابر هذا أصغر من شهد العقبة الثانية مع أبيه، فيكون في أول الأمر رأساً فيها‏.‏‏.‏ هذا بعيد؛ على أن النقل الصحيح من الأئمة أنه جابر بن عبد الله بن رئاب‏.‏ والله أعلم‏.‏

وكان من المكثرين في الحديث، الحافظين للسنن، روى عنه محمد بن علي بن الحسين، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم‏.‏

أخبرنا عبد الله بن أحمد بن عبد القاهر، أخبرنا أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله القاري، إجازة إن لم يكن سماعاً، أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، أخبرنا عبد الملك بن محمد أبو قلابة الرقاشي، أخبرنا أبو ربيعة، أخبرنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏"‏، فقيل لجابر‏:‏ إن البراء يقول‏:‏ اهتز السرير، فقال جابر‏:‏ كان بين هذين الحيين‏:‏ الأوس والخزرج ضغائن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏اهتز عرش الرحمن‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وجابر أيضاً من الخزرج، حمله دينه على قول الحق والإنكار على من كتمه‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن عبيد الله بن علي، وأبو جعفر أحمد بن علي، وإبراهيم بن محمد بن مهران، بإسنادهم إلى أبي عيسى محمد بن عيسى قال‏:‏ حدثنا ابن أبي عمر، أخبرنا بشر بن السري، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال‏:‏ ‏"‏استغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البعير خمساً وعشرين مرة‏"‏ يعني بقوله‏:‏ ‏"‏ليلة البعير‏"‏ أنه باع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً، واشترط ظهره إلى المدينة، وكان في غزوة لهم‏.‏

وتوفي جابر سنة أربع وسبعين، وقيل‏:‏ سنة سبع وسبعين، وصلى عليه أبان بن عثمان، وكان أمير المدينة، وكان عمر جابر أربعاً وتسعين سنة‏


 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-07-2010, 10:49 AM   #7
Rania
Rania S. Balamouni


الصورة الرمزية Rania
Rania غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 28
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 04-15-2011 (05:53 AM)
 المشاركات : 2,611 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



الصحابي الجليل أبو سعيد الخدْري

سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الأنصاري الخزرجي الخدري، من ذرّية خدرة بن
عوف بن الخزرج. من أفاضل الأنصار وأكثرهم حديثاً، وهو الَّذِي شهد لأبي موسى
الأشعري عند عمر فِي حديث الاستيذان، وهو الَّذِي أنكر عَلَى مروان بن الحكم فِي
تقديمه خطبة العيد عَلَى الصلاة. روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر
وعثمان وأبيه مالك بن سنان وأخيه لأمّه قتادة بن النعمان وغيرهم. وروى عنه زيد بن
ثابت وابن عمر وابن عبّاس وجابر وأنس وغيرهم. وتوفي سنة أربع وسبعين فيما قيل،
وروى لَهُ الجماعة، قال سهل بن سعد: بايعْت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنا وأبو ذرّ
وعبّادة بن الصامت وأبو سعيد الخُدري ومحمّد بن مسلمة وسادس عَلَى أن لا يأخذنا فِي
الله لومة لائم، وأمّا السادس فاستقاله فأقاله.
وشهد خطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق عَلَى معاوية فقال: الحمد لله الَّذِي أجلسني منكَ
هَذَا المجلس، سمعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يمنعنّ أحدكم إذا رأى
الحقّ أو علمه أن يقول بِهِ"، وإنّه بلغني عنك يَا معاوية كذا وكذا وفعلْتَ كذا وكذا



 
 توقيع : Rania
[SIGPIC][/SIGPIC]


رد مع اقتباس
قديم 06-10-2010, 09:41 AM   #8
adellozeko
عضو جديد


الصورة الرمزية adellozeko
adellozeko غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 353
 تاريخ التسجيل :  Feb 2010
 أخر زيارة : 07-15-2010 (09:31 AM)
 المشاركات : 393 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



موضوع صعب يااخت رانيا 00
وساضيف اجماليات رواة الحديث


اكثر الصحـــابة رواية للحديث هم

-
آبو هريرة رضي الله عنه : روي 5374 حديثا ( ما كان يفارق النبي قط)

- عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما :-روي 2640 حديثا (لقب بمجنون الرسول لاتباعه السنة حرفيا)

- أنس بن مالك رضي الله عنه:- روي 2286 حديثا ( خادم الرسول)

- عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما :- روت2210 حديثا (اكثر أزواجه قربا إلى قلبه)

- عبد الله بن العباس رضي الله عنهما :- روي 1610 حديثا (ابن عم النبي)

- جابر بن عبد الله رضي الله عنه :- روي 1540 حديثا


- أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :- روي 1170 حديثا


الترتيب علي حسب عدد الأحاديث ولم يذكر غير هؤلاء الصحابة وأم المؤمنين روي اكثر من ألف حديث

وختاما:- إن أحسنت فهذا من عند الله وان أخطأت فمن الشيطان ونفسي أعوذ بالله ان أكون جسرا تعبرون به إلى الجنة ويلقي به في النار لا تنسونا بصالح الدعاء

تقبلى مرورى


 


رد مع اقتباس
قديم 06-10-2010, 09:55 AM   #9
الاستاذ رمضان
عضو جديد


الصورة الرمزية الاستاذ رمضان
الاستاذ رمضان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 429
 تاريخ التسجيل :  Apr 2010
 أخر زيارة : 02-24-2013 (02:44 PM)
 المشاركات : 3,658 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



اكثر الصحـــابة رواية للحديث هم

-آبو هريرة رضي الله عنه : روي 5374 حديثا ( ما كان يفارق النبي قط)
- عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما :-روي 2640 حديثا (لقب بمجنون الرسول لاتباعه السنة حرفيا)
- أنس بن مالك رضي الله عنه:- روي 2286 حديثا ( خادم الرسول)
- عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما :- روت2210 حديثا (اكثر أزواجه قربا إلى قلبه)
- عبد الله بن العباس رضي الله عنهما :- روي 1610 حديثا (ابن عم النبي)
- جابر بن عبد الله رضي الله عنه :- روي 1540 حديثا


- أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :- روي 1170 حديثا


الترتيب علي حسب عدد الأحاديث ولم يذكر غير هؤلاء الصحابة وأم المؤمنين روي اكثر من ألف حديث
وختاما:- إن أحسنت فهذا من عند الله وان أخطأت فمن الشيطان ونفسي أعوذ بالله ان أكون جسرا تعبرون به إلى الجنة ويلقي به في النار لا تنسونا بصالح الدعاء
إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث


صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له


المصدر : http://100fm6.com/vb/showthread.php?t=45570 - 100fm6.com


 


رد مع اقتباس
قديم 12-11-2010, 08:35 PM   #10
ليكن قلبك كاللؤلؤه...
رئيس


الصورة الرمزية ليكن قلبك كاللؤلؤه...
ليكن قلبك كاللؤلؤه... غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 20
 تاريخ التسجيل :  Oct 2009
 أخر زيارة : 01-09-2014 (02:24 PM)
 المشاركات : 858 [ + ]
 التقييم :  10
 SMS ~
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



جزاكي الله خيراً
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


 
 توقيع : ليكن قلبك كاللؤلؤه...


<->
الأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار، ?وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? (الحشر:9). <->


------



رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010